[ ٣ / ٩٣٩ ]
[٣٥] بَابُ الْوَتْرِ
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
١٢٥٤ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " «صَلَاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى، فَإِذَا خَشِيَ أَحَدُكُمُ الصُّبْحَ ; صَلَّى رَكْعَةً وَاحِدَةً، تُوتِرُ لَهُ مَا قَدْ صَلَّى» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
_________________
(١) بَابُ الْوَتْرِ أَيْ: صَلَاةُ الْوَتْرِ: وَبَيَانُ وَقْتِهِ وَعَدَدِ رَكَعَاتِهِ، وَكَوْنِهِ وَاجِبًا أَوْ سُنَّةً. الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
(٢) (عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ " صَلَاةُ اللَّيْلِ "): قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَفِي رِوَايَةٍ صَحِيحَةٍ: صَلَاةُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ (" مَثْنَى "): بِلَا تَنْوِينٍ لِعَدَمِ انْصِرَافِهِ لِلْعَدْلِ وَالْوَصْفِ عَلَى مَا قَالَهُ سِيبَوَيْهِ، أَيْ: ثِنْتَيْنِ ثِنْتَيْنِ قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: اسْتَدَلَّ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ وَالشَّافِعِيُّ بِهِ عَلَى أَنَّ الْأَفْضَلَ فِي نَافِلَةِ اللَّيْلِ أَنْ يُسَلِّمَ مِنْ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ (" مَثْنَى "): تَأْكِيدٌ لِلْأَوَّلِ، قَالَهُ الطِّيبِيُّ. (" فَإِذَا خَشِيَ ")، أَيْ: خَافَ (" أَحَدُكُمُ الصُّبْحَ ")، أَيْ: طُلُوعَهُ وَظُهُورَهُ (" صَلَّى رَكْعَةً وَاحِدَةً، تُوتِرُ ")، أَيْ: تِلْكَ الرَّكْعَةُ. وَالْإِسْنَادُ مَجَازِيٌّ لِمَا وَرَدَ مِنَ النَّهْيِ عَنِ الْبُتَيْرَاءِ، وَلَوْ كَانَ مُرْسَلًا إِذِ الْمُرْسَلُ حُجَّةٌ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَلِمَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مِنْ قَوْلِهِ: مَا أَجْزَأَتْ رَكْعَةٌ قَطُّ وَهُوَ مَوْقُوفٌ فِي حُكْمِ الْمَرْفُوعِ، وَلَا يُوجَدُ مَعَ الْخَصْمِ حَدِيثٌ يَدُلُّ عَلَى ثُبُوتِ رَكْعَةٍ مُفْرَدَةٍ فِي حَدِيثٍ صَحِيحٍ وَلَا ضَعِيفٍ، فَيُئَوَّلُ مَا وَرَدَ مِنْ مُحْمَلَاتِ الْأَحَادِيثِ لِلْجَمْعِ بَيْنَهُمَا، وَقَوْلُهُ: صَحَّ أَنَّهُ ﷺ اقْتَصَرَ عَلَى الْإِيتَارِ بِوَاحِدَةٍ. رَدَّهُ ابْنُ الصَّلَاحِ بِأَنَّهُ لَمْ يُحْفَظْ ذَلِكَ، وَقَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ: إِنَّ هَذَا غَفْلَةٌ مِنْهُ، مُجَرَّدُ دَعْوَى فَلَا تُقْبَلُ، وَلِهَذَا قَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ بِكَرَاهَةِ الْإِيتَارِ بِرَكْعَةٍ، وَجَوَابُ ابْنِ حَجَرٍ أَنَّ مُرَادَهُ أَنَّهُ يُكْرَهُ الِاقْتِصَارُ عَلَيْهَا لَا أَنَّ فِعْلَهَا لَا ثَوَابَ فِيهِ حُجَّةٌ عَلَيْهِ ; إِذْ لَوْ ثَبَتَ مِنْ فِعْلِهِ ﵊ الْإِيتَارُ لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يَقُولَ: يُكْرَهُ الِاقْتِصَارُ، خُصُوصًا عَلَى مُقْتَضَى قَاعِدَةِ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّ الْمَكْرُوهَ مَا وَرَدَ عَنْهُ نَهْيٌ مَقْصُودٌ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ النَّهْيَ عَنِ الْبُتَيْرَاءِ صَحِيحٌ. (" لَهُ ")، أَيْ: لِأَحَدِكُمْ (" مَا قَدْ صَلَّى ")، أَيْ: مِنَ الشَّفْعِ السَّابِقِ، قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ، أَيْ تَجْعَلُ هَذِهِ الرَّكْعَةَ الصَّلَاةَ الَّتِي صَلَّاهَا فِي اللَّيْلِ وَتْرًا بَعْدَ أَنْ كَانَتْ شَفْعًا، وَالْحَدِيثُ حُجَّةٌ لِلشَّافِعِيِّ فِي قَوْلِهِ: الْوَتْرُ رَكْعَةٌ وَاحِدَةٌ. اهـ. وَفِيهِ أَنَّ نَحْوَ هَذَا كَانَ قَبْلَ أَنْ يَسْتَقِرَّ أَمْرُ الْوَتْرِ، قَالَهُ ابْنُ الْهُمَامِ. وَهَذَا جَوَابٌ تَسْلِيمِيٌّ فَإِنَّهُ قَالَ أَيْضًا: لَيْسَ فِي الْحَدِيثِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ الْوَتْرَ وَاحِدَةٌ بِتَحْرِيمَةٍ مُسْتَأْنَفَةٍ لِيُحْتَاجَ إِلَى الِاشْتِغَالِ بِجَوَابِهِ ; إِذْ يَحْتَمِلُ كُلًّا مِنْ ذَلِكَ، وَمِنْ كَوْنِهِ إِذَا خَشِيَ الصُّبْحَ صَلَّى وَاحِدَةً مُتَّصِلَةً، فَأَنَّى يُقَاوِمُ الصُّرَاحَ الَّتِي يَأْتِي ذِكْرُهَا، وَغَيْرُهَا كَثِيرٌ تَرَكْنَاهُ لِحَالِ الطُّولِ، مَعَ أَنَّ أَكْثَرَ الصَّحَابَةِ عَلَيْهِ، وَقَالَ الطَّحَاوِيُّ: مَعْنَاهُ صَلَّى رَكْعَةً مَعَ ثِنْتَيْنِ قَبْلَهَا، وَمَذْهَبُنَا قَوِيٌّ مِنْ جِهَةِ النَّظَرِ ; لِأَنَّ الْوَتْرَ لَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ فَرْضًا أَوْ سُنَّةً فَإِنْ كَانَ فَرْضًا، فَالْفَرْضُ لَيْسَ إِلَّا رَكْعَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا أَوْ أَرْبَعًا، وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْوَتْرَ لَا يَكُونُ ثِنْتَيْنِ وَلَا أَرْبَعًا، فَيَثْبُتُ أَنَّهُ ثَلَاثٌ، وَإِنْ كَانَ سُنَّةً فَلَمْ نَجِدْ سُنَّةً إِلَّا وَلَهَا مِثْلٌ فِي الْفَرْضِ. وَأَغْرَبَ ابْنُ حَجَرٍ حَيْثُ قَالَ: خَالَفَ أَبُو حَنِيفَةَ السُّنَّةَ الصَّحِيحَةَ كَهَذَا الْحَدِيثِ، وَحَدِيثِ عَائِشَةَ السَّابِقِ يُسَلِّمُ مِنْ رَكْعَتَيْنِ وَيُوتِرُ بِوَاحِدَةٍ، فَلَا يُرَاعَى خِلَافُهُ حِينَئِذٍ، وَأَنْتَ قَدْ عَلِمْتَ أَنَّ الدَّلِيلَ مَعَ الِاحْتِمَالِ لَا يَصْلُحُ لِلِاسْتِدْلَالِ، ثُمَّ قَالَ: وَخَبَرُ الْوَتْرِ ثَلَاثٌ كَوَتْرِ النَّهَارِ الْمَغْرِبِ. لَا يَصِحُّ مَرْفُوعًا، وَإِنَّمَا هُوَ قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ. قُلْتُ: لَوْ سُلِّمَ عَدَمُ صِحَّةِ الْمَرْفُوعِ، فَهَذَا الْمَوْقُوفُ فِي حُكْمِ الْمَرْفُوعِ قَالَ: وَخَبَرُ كَانَ لَا يُسَلَّمُ فِي رَكْعَتَيِ الْوَتْرِ مَحْمُولٌ عَلَى الْجَوَازِ جَمْعًا بَيْنَ الْأَدِلَّةِ. قُلْتُ: يَأْبَى عَنْ ذَلِكَ (كَانَ) الدَّالُّ عَلَى الِاسْتِمْرَارِ لُغَةً أَوْ عُرْفًا، وَأَيْضًا هَذَا مَنْطُوقٌ صَرِيحٌ، فَيُئَوَّلُ بِمَا يُوَافِقُهُ كُلُّ حَدِيثٍ صَحِيحٍ. وَمِنْ أَعْجَبِ الْعُجَابِ أَنَّ بَعْضَهُمْ كَرِهَ وَصْلَ الثَّلَاثِ، وَبِهِ أَفْتَى الْقَاضِي حُسَيْنٌ أَخْذًا مِنْ حَدِيثٍ لَا يُعْرَفُ لَهُ أَصْلٌ صَحِيحٌ: «لَا تُوتِرُوا بِثَلَاثٍ وَأَوْتِرُوا بِخَمْسٍ أَوْ سَبْعٍ، وَلَا تُشَبِّهُوا الْوَتْرَ بِصَلَاةِ الْمَغْرِبِ»، مَعَ أَنَّهُ لَوْ صَحَّ لَحُمِلَ عَلَى أَوَّلِ الْأَمْرِ لِمَا سَيَأْتِي مِنَ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ الصَّرِيحَةِ أَنَّهُ - ﵇ - صَلَّى الْوَتْرَ ثَلَاثًا مَوْصُولًا، أَوِ الْمُرَادُ مِنْهُ النَّهْيُ التَّنْزِيهِيُّ عَنِ الِاقْتِصَارِ فِي صَلَاةِ اللَّيْلِ عَلَى ثَلَاثِ رَكَعَاتٍ، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ: «أَوْتِرُوا بِخَمْسٍ أَوْ سَبْعٍ» لِلْإِجْمَاعِ عَلَى جَوَازِ الثَّلَاثِ وَعَلَى عَدَمِ وُجُوبِ الْخَمْسِ وَالسَّبْعِ، وَقَوْلُهُ ﵊: " «لَا تُشَبِّهُوا الْوَتْرَ بِصَلَاةِ الْمَغْرِبِ» "، أَيْ: فِي أَنَّهُ لَا يَسْبِقُهُ صَلَاةٌ، أَوْ بِأَنْ يَكُونَ بِلَا قُنُوتٍ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ): وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَأَحْمَدُ، وَزَادَ مُسْلِمٌ: فِي كُلِّ رَكْعَتَيْنِ.
[ ٣ / ٩٤٠ ]
١٢٥٥ - وَعَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " «الْوَتْرُ رَكْعَةٌ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ» ". رَوَاهَ مُسْلِمٌ.
_________________
(١) (وَعَنْهُ)، أَيْ: عَنِ ابْنِ عُمَرَ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " الْوَتْرُ رَكْعَةٌ ")، أَيْ: مُنْضَمَّةٌ بِشَفْعٍ قَبْلَهَا جَمْعًا بَيْنَ الْأَحَادِيثِ، فَإِنَّ الشَّفْعَ يُوتَرُ بِهَا، وَقَالَ الطِّيبِيُّ، أَيْ مُنْشَأَةٌ (" مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ "): يَعْنِي: آخِرُ وَقْتِهَا آخِرُ اللَّيْلِ، أَوْ وَقْتُهَا الْمُخْتَارُ بَعْضُ أَجْزَاءِ آخِرِ اللَّيْلِ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ): قَالَ مِيرَكُ: وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَأَحْمَدُ.
[ ٣ / ٩٤١ ]
١٢٥٦ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً، يُوتِرُ مِنْ ذَلِكَ بِخَمْسٍ، لَا يَجْلِسُ فِي شَيْءٍ إِلَّا فِي آخِرِهَا» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
_________________
(١) (وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ)، أَيْ: بَعْضَهُ كَمَا قَالَهُ الطِّيبِيُّ. (ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً): قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: ثَمَانِ رَكَعَاتٍ مِنْهَا بِتَسْلِيمَتَيْنِ، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ فِي شَرْحِ الشَّمَائِلِ: بِأَرْبَعِ تَسْلِيمَاتٍ. اهـ. وَيُمْكِنُ أَنَّهُ ﵊ صَلَّى أَرْبَعًا بِتَسْلِيمَةٍ وَأَرْبَعًا بِتَسْلِيمَتَيْنِ بَيْنَ الْقَضِيَّتَيْنِ وَإِحَاطَةً بِالْفَضِيلَتَيْنِ. (يُوتِرُ مِنْ ذَلِكَ)، أَيْ: مِنْ مَجْمُوعِ ثَلَاثَ عَشْرَةَ، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: مِنَ الثَلَاثَ عَشْرَةَ ثِنْتَانِ حَقِيقَتَانِ، وَالْإِحْدَى عَشْرَةَ وَتْرٌ يُصَلِّي سِتًّا مِنْهَا مَفْصُولَةً، وَيُوتِرُ مِنْ ذَلِكَ الْعَدَدِ الَّذِي هُوَ الْإِحْدَى عَشْرَةَ. اهـ. وَهُوَ غَيْرُ صَحِيحٍ لَرَجْعِ الْمُشَارِ إِلَيْهِ إِلَى غَيْرِ مَذْكُورٍ فِي الْأَصْلِ. (بِخَمْسٍ)، أَيْ: يُصَلِّي خَمْسَ رَكَعَاتٍ بِنِيَّةِ الْوَتْرِ (لَا يَجْلِسُ فِي شَيْءٍ)، أَيْ: لِلتَّشَهُّدِ (إِلَّا فِي آخِرِهَا) . وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الشَّافِعِيُّ فِي قَوْلٍ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: فِيهِ جَوَازُ وَصْلِ الْخَمْسِ، قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْوَتْرَ كَانَ أَوَّلًا خَمْسَةً، وَأَجْمَعْنَا عَلَى أَنَّهُ يَجْلِسُ عَلَى رَأْسِ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ. اهـ. وَقَدْ يُقَالُ الْمَعْنَى لَا يَجْلِسُ فِي شَيْءٍ لِلسَّلَامِ، بِخِلَافِ مَا قَبْلَهُ مِنَ الرَّكَعَاتِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِحَقَائِقِ الْحَالَاتِ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
[ ٣ / ٩٤١ ]
١٢٥٧ - وَعَنْ سَعْدِ بْنِ هِشَامٍ ﵁، قَالَ: انْطَلَقْتُ إِلَى عَائِشَةَ، فَقُلْتُ: يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ أَنْبِئِينِي عَنْ خُلُقِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. قَالَتْ: أَلَسْتَ تَقْرَأُ الْقُرْآنَ؟ قُلْتُ: بَلَى. قَالَتْ ; فَإِنَّ خُلُقَ نَبِيِّ اللَّهِ ﷺ كَانَ الْقُرْآنَ. قُلْتُ: يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ أَنْبِئِينِي عَنْ وَتْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. فَقَالَتْ: كُنَّا نُعِدُّ لَهُ سِوَاكَهُ وَطَهُورَهُ، فَيَبْعَثُهُ اللَّهُ مَا شَاءَ أَنْ يَبْعَثَهُ مِنَ اللَّيْلِ، فَيَتَسَوَّكُ، وَيَتَوَضَّأُ، وَيُصَلِّي تِسْعَ رَكَعَاتٍ، لَا يَجْلِسُ فِيهَا إِلَّا فِي الثَّامِنَةِ، فَيَذْكُرُ اللَّهَ، وَيَحْمَدُهُ، وَيَدْعُوهُ، ثُمَّ يَنْهَضُ، وَلَا يُسَلِّمُ، فَيُصَلِّي التَّاسِعَةَ، ثُمَّ يَقْعُدُ، فَيَذْكُرُ اللَّهَ وَيَحْمَدُهُ وَيَدْعُوهُ، ثُمَّ يُسَلِّمُ تَسْلِيمًا يُسْمِعُنَا، ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ بَعْدَمَا يُسَلِّمُ وَهُوَ قَاعِدٌ، فَتِلْكَ إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً يَا بُنَيَّ، فَلَمَّا أَسَنَّ ﷺ وَأَخَذَ اللَّحْمَ، أَوْتَرَ بِسَبْعٍ، وَصَنَعَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ مِثْلَ صَنِيعِهِ فِي الْأُولَى، فَتِلْكَ تِسْعٌ يَا بُنَيَّ. وَكَانَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ إِذَا صَلَّى صَلَاةً أَحَبَّ أَنْ يُدَاوِمَ عَلَيْهَا، وَكَانَ إِذَا غَلَبَهُ نَوْمٌ أَوْ وَجَعٌ عَنْ قِيَامِ اللَّيْلِ، صَلَّى مِنَ النَّهَارِ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً، وَلَا أَعْلَمُ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ قَرَأَ الْقُرْآنَ كُلَّهُ فِي لَيْلَةٍ، وَلَا صَلَّى لَيْلَةً إِلَى الصُّبْحِ، وَلَا صَامَ شَهْرًا كَامِلًا غَيْرَ رَمَضَانَ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
_________________
(١) (وَعَنْ سَعْدِ بْنِ هِشَامٍ): تَابِعِيٌّ جَلِيلُ الْقَدْرِ، قَالَهُ الْمُؤَلِّفُ. (قَالَ: انْطَلَقْتُ)، أَيْ: ذَهَبْتُ (إِلَى عَائِشَةَ، فَقُلْتُ: يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ، أَنْبِئِينِي)، أَيْ: أَخْبِرِينِي (عَنْ خُلُقِ رَسُولِ اللَّهِ): بِضَمِّ الْخَاءِ وَاللَّامِ وَيُسَكَّنُ، أَيْ أَخْلَاقِهِ وَشَمَائِلِهِ (ﷺ): وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ، أَيْ طَبْعِهِ وَمُرُوَّتِهِ (قَالَتْ: أَلَسْتَ تَقْرَأُ الْقُرْآنَ؟ قُلْتُ: بَلَى. قَالَتْ: فَإِنَّ خُلُقَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَانَ الْقُرْآنَ)، أَيْ: كَانَ خُلُقُهُ جَمِيعَ مَا فُصِّلَ فِي الْقُرْآنِ مِنْ مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ، فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ مُتَحَلِّيًا بِهِ، وَقِيلَ: تَعْنِي كَانَ خُلُقُهُ مَذْكُورًا فِي الْقُرْآنِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَّى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤] تَعْنِي أَنَّ الْعَظِيمَ إِذَا عَظَّمَ أَمْرًا لَمْ يُقَدِّرْ أَحَدٌ قَدْرَهُ، وَلَمْ يَعْرِفْ أَحَدٌ طَوْرَهُ، وَقَالَ صَاحِبُ الْإِحْيَاءِ: أَرَادَتْ بِقَوْلِهَا كَانَ خُلُقُهُ - الْقُرْآنَ مِثْلَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾ [الأعراف: ١٩٩] الْآيَةَ. وَقَوْلِهِ ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾ [النحل: ٩٠] الْآيَةَ. وَقَوْلِهِ: ﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ﴾ [لقمان: ١٧] وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ﴾ [المائدة: ١٣] وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾ [آل عمران: ١٣٤] وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ﴾ [الحجرات: ١٢] مِنَ الْآيَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى تَهْذِيبِ الْأَخْلَاقِ الذَّمِيمَةِ، وَتَحْصِيلِ الْأَخْلَاقِ الْحَمِيدَةِ. (قُلْتُ: يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ أَنْبِئِينِي)، أَيْ: حَدِّثِينِي (عَنْ وَتْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ)، أَيْ: عَنْ وَقْتِهِ وَكَيْفِيَّتِهِ وَعَدَدِ رَكَعَاتِهِ (فَقَالَتْ: كُنَّا نُعِدُّ): مِنَ الْإِعْدَادِ، أَيْ نُهَيِّئُ (لَهُ)، أَيْ: لِأَجْلِهِ (سِوَاكَهُ وَطَهُورَهُ): بِالْفَتْحِ، أَيْ: مَاءَ وُضُوئِهِ (فَيَبْعَثُهُ اللَّهُ)، أَيْ: يُوقِظُهُ (مَا شَاءَ أَنْ يَبْعَثَهُ)، أَيْ: فِي الْوَقْتِ الْمُقَدَّرِ الَّذِي شَاءَ بَعْثَهُ فِيهِ، قَالَ الطِّيبِيُّ، وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: " مَا " مَوْصُولَةٌ وَالْعَائِدُ مَحْذُوفٌ، أَيْ: مَا شَاءَ فِيهِ بِمَعْنَى الْمِقْدَارِ، وَقَوْلُهُ: (مِنَ اللَّيْلِ): بَيَانِيَّةٌ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّهَا تَبْعِيضِيَّةٌ، أَيْ: مِنْ سَاعَاتِ اللَّيْلِ وَأَوْقَاتِهِ
[ ٣ / ٩٤١ ]
(فَيَتَسَوَّكُ): أَوَّلًا (وَيَتَوَضَّأُ وَيُصَلِّي تِسْعَ رَكَعَاتٍ، لَا يَجْلِسُ فِيهَا إِلَّا فِي الثَّامِنَةِ، فَيَذْكُرُ اللَّهَ)، أَيْ: يَقْرَأُ التَّشَهُّدَ. (وَيَحْمَدُهُ)، أَيْ: يُثْنِي عَلَيْهِ، قَالَ الطِّيبِيُّ، أَيْ يَتَشَهَّدُ، فَالْحَمْدُ إِذًا لِمُطْلَقِ الثَّنَاءِ إِذْ لَيْسَ فِي التَّحِيَّاتِ لَفْظُ الْحَمْدِ (وَيَدْعُوهُ)، أَيِ: الدُّعَاءُ الْمُتَعَارَفُ (ثُمَّ يَنْهَضُ، وَلَا يُسَلِّمُ، فَيُصَلِّي التَّاسِعَةَ، ثُمَّ يَقْعُدُ، فَيَذْكُرُ اللَّهَ، وَيَحْمَدُهُ، وَيَدْعُوهُ، ثُمَّ يُسَلِّمُ تَسْلِيمًا يُسْمِعُنَا): مِنَ الْإِسْمَاعِ، أَيْ: يَرْفَعُ صَوْتَهُ بِالتَّسْلِيمِ بِحَيْثُ نَسْمَعُهُ، (ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ بَعْدَمَا يُسَلِّمُ وَهُوَ قَاعِدٌ): ظَاهِرُهُ مُخَالِفٌ لِقَوْلِهِ ﵊. " «اجْعَلُوا آخِرَ صَلَاتِكُمْ بِاللَّيْلِ وَتْرًا» " وَغَيْرِهِ مِنَ الْأَحَادِيثِ الْفِعْلِيَّةِ.
وَفِي شَرْحِ الطَّيِّبِيِّ قَالَ أَحْمَدُ: لَا أَفْعَلُهُمَا وَلَا أَمْنَعُ فِعْلَهُمَا. وَأَنْكَرَهُ مَالِكٌ، قَالَ النَّوَوِيُّ: هَاتَانِ الرَّكْعَتَانِ فَعَلَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ جَالِسًا لِبَيَانِ جَوَازِ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْوَتْرِ، وَبَيَانِ جَوَازِ النَّفْلِ جَالِسًا، وَلَمْ يُوَاظِبْ عَلَى ذَلِكَ، وَأَمَّا رَدُّ الْقَاضِي عِيَاضٍ رِوَايَةَ الرَّكْعَتَيْنِ فَلَيْسَ بِصَوَابٍ ; لِأَنَّ الْأَحَادِيثَ إِذَا صَحَّتْ وَأَمْكَنَ الْجَمْعُ بَيْنَهَا تَعَيَّنَ، وَقَدْ جَمَعْنَا ثُمَّ قَالَ: وَلَا تَغْتَرَّ بِمَنْ يَعْتَقِدُ سُنِّيَّةَ هَاتَيْنِ الرَّكْعَتَيْنِ وَيَدْعُو إِلَيْهِ لِجَهَالَتِهِ وَعَدَمِ أُنْسِهِ بِالْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: نَعَمْ يُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ الْمُسَافِرُ، فَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ الْأَمْرَ بِالرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْوَتْرِ لِمُسَافِرٍ خَافَ أَنْ لَا يَسْتَيْقِظَ لِلتَّهَجُّدِ، ثُمَّ رَوَى عَنْ ثَوْبَانَ: «كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي سَفَرٍ فَقَالَ: " إِنَّ هَذَا السَّفَرَ جُهْدٌ وَثِقَلٌ، فَإِذَا أَوْتَرَ أَحَدُكُمْ فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ فَإِنِ اسْتَيْقَظَ وَإِلَّا كَانَتَا لَهُ» ".
(فَتِلْكَ إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً): بِسُكُونِ الشِّينِ وَيُكْسَرُ هَذَا نَظِيرُ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ [البقرة: ١٩٦] (يَا بُنَيَّ): بِفَتْحِ الْيَاءِ، وَكَسْرِهَا (فَلَمَّا أَسَنَّ)، أَيْ: كَبِرَ (ﷺ وَأَخَذَ اللَّحْمَ): قِيلَ، أَيِ السِّمَنَ، وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ، أَيْ ضَعُفَ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: إِنَّمَا كَانَ فِي آخِرِ حَيَاتِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ بِنَحْوِ سَنَةٍ. (أَوْتَرَ بِسَبْعٍ، وَصَنَعَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ مِثْلَ صَنِيعِهِ فِي الْأُولَى): يَعْنِي: صَلَّاهُمَا قَاعِدًا كَمَا كَانَ يَصْنَعُ قَبْلَ أَنْ يَسَنَّ، (فَتِلْكَ تِسْعٌ يَا بُنَيَّ، وَكَانَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ إِذَا صَلَّى صَلَاةً): وَكَذَا كُلُّ عِبَادَةٍ (أَحَبَّ أَنْ يُدَاوِمَ عَلَيْهَا): وَإِنَّمَا كَانَ يَتْرُكُهَا أَحْيَانًا لِعُذْرٍ أَوْ لِبَيَانِ الْجَوَازِ، وَهَذَا يَدُلُّ مِنْهَا عَلَى مُوَاظَبَةِ الرَّكْعَتَيْنِ، فَلَا يَصِحُّ تَأْوِيلُ النَّوَوِيِّ بِأَنَّهُ لِبَيَانِ الْجَوَازِ، وَلَعَلَّ الْقَاضِيَ عِيَاضًا لِهَذَا رَدَّ رِوَايَةَ الرَّكْعَتَيْنِ حَيْثُ تُعَارِضُ الْأَحَادِيثَ الثَّابِتَةَ عَلَى عَدَمِ مُوَاظَبَتِهِمَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَكَانَ إِذَا غَلَبَهُ نَوْمٌ أَوْ وَجَعٌ)، أَيْ: مَنَعَهُ مَرَضٌ أَوْ أَلَمٌ (عَنْ قِيَامِ اللَّيْلِ، صَلَّى بِالنَّهَارِ)، أَيْ: فِي أَوَّلِهِ مَا بَيْنَ طُلُوعِ الشَّمْسِ إِلَى الزَّوَالِ لِمَا تَقَدَّمَ (ثِنْتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً، وَلَا أَعْلَمُ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ قَرَأَ الْقُرْآنَ كُلَّهُ فِي لَيْلَةٍ، وَلَا صَلَّى لَيْلَةً إِلَى الصُّبْحِ، وَلَا صَامَ شَهْرًا كَامِلًا غَيْرَ رَمَضَانَ)، أَيْ: دَائِمًا فَلَا يُرَادُ أَنَّهُ وَرَدَ عَنْهَا أَنَّهُ كَانَ ﷺ يَصُومُ شَعْبَانَ كُلَّهُ، وَإِنْ بَيِّنَتْهُ الرِّوَايَةُ الْأُخْرَى عَنْهَا أَنَّهُ كَانَ يَصُومُ أَكْثَرَهُ، قَالَ الطِّيبِيُّ: مِنْ بَابِ نَفْيِ الشَّيْءِ بِنَفْيِ لَازِمِهِ دَلَّ الْكَلَامُ عَلَى أَنَّهَا كَانَتْ مُتَرَقِّبَةً أَحْوَالَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَيْلَهَا وَنَهَارَهَا وَحُضُورَهَا وَغَيْبَتَهَا، أَيْ: لَمْ يَكُنِ الْفِعْلُ الْمَذْكُورُ إِذْ لَوْ كَانَ لَعَلِمْتُهُ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَذَلِكَ لَا يَحْسُنُ إِلَّا مِمَّنْ أَحَاطَ عِلْمُهُ بِذَلِكَ الشَّيْءِ، وَتَمَكَّنَ مِنْهُ تَمَكُّنًا تَامًّا، وَمِنْ ثَمَّ اطَّرَدَ ذَلِكَ فِي حَقِّهِ تَعَالَى قَالَ عَزَّ مِنْ قَائِلٍ: ﴿أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ﴾ [يونس: ١٨]، أَيْ: لَمْ يُوجَدْ وَإِلَّا تَعَلَّقُ عِلْمُ اللَّهِ بِهِ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ): قَالَ مِيرَكُ: وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ.
[ ٣ / ٩٤٢ ]
١٢٥٨ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، قَالَ: " «اجْعَلُوا آخِرَ صَلَاتِكُمْ بِاللَّيْلِ وَتْرًا» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
_________________
(١) (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: (" اجْعَلُوا "): أَمْرُ نَدْبٍ (" آخِرَ صَلَاتِكُمْ بِاللَّيْلِ وَتْرًا "): رَوَاهُ مُسْلِمٌ): قَالَ مِيرَكُ: وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ.
[ ٣ / ٩٤٣ ]
١٢٥٩ - وَعَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، قَالَ: " «بَادِرُوا الصُّبْحَ بِالْوَتْرِ» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
_________________
(١) (وَعَنْهُ)، أَيْ: عَنِ ابْنِ عُمَرَ " عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: (" بَادِرُوا الصُّبْحَ بِالْوَتْرِ ")، أَيْ: أَسْرِعُوا بِأَدَاءِ الْوَتْرِ قَبْلَ الصُّبْحِ، وَالْأَمْرُ لِلْوُجُوبِ عِنْدَنَا فِي شَرْحِ السُّنَّةِ. قِيلَ: لَا وَتْرَ بَعْدَ الصُّبْحِ، وَهُوَ قَوْلُ عَطَاءٍ، وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ وَمَالِكٌ، وَذَهَبَ آخَرُونَ إِلَى أَنَّهُ يَقْضِيهِ مَتَى كَانَ، وَهُوَ قَوْلُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، وَأَظْهَرُ قَوْلَيِ الشَّافِعِيِّ لِمَا رُوِيَ أَنَّهُ قَالَ: مَنْ نَامَ عَنْ وَتْرٍ فَلْيُصَلِّ إِذَا أَصْبَحَ، ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ، وَمَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ يَجِبُ قَضَاءُ الْوَتْرِ حَتَّى لَوْ كَانَ الْمُصَلِّي صَاحِبَ تَرْتِيبٍ وَصَلَّى الصُّبْحَ قَبْلَ الْوَتْرِ ذَاكِرًا لَمْ يَصِحَّ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ): قَالَ مِيرَكُ: وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ حِبَّانَ، وَأَحْمَدُ.
[ ٣ / ٩٤٣ ]
١٢٦٠ - وَعَنْ جَابِرٍ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " «مَنْ خَافَ أَنْ لَا يَقُومَ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ فَلْيُوتِرْ أَوَّلَهُ، وَمَنْ طَمِعَ أَنْ يَقُومَ آخِرَهُ فَلْيُوتِرْ آخِرَ اللَّيْلِ، فَإِنَّ صَلَاةَ آخِرِ اللَّيْلِ مَشْهُودَةٌ، وَذَلِكَ أَفْضَلُ» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
_________________
(١) (وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " مَنْ خَافَ أَنْ لَا يَقُومَ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ "): قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ " مِنْ " فِيهِ لِلتَّبْعِيضِ أَوْ بِمَعْنَى فِي (" فَلْيُوتِرْ أَوَّلَهُ ")، أَيْ: لِيُصَلِّ الْوَتْرَ فِي أَوَّلِ اللَّيْلِ، وَأَمْرُهُ بِالْإِتْيَانِ عِنْدَ خَوْفِ الْفَوْتِ يَدُلُّ عَلَى وُجُوبِهِ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ. (" وَمِنْ طَمَعَ أَنْ يَقُومَ آخِرَهُ "): بِالنَّصْبِ عَلَى نَزْعِ الْخَافِضِ، أَيْ: فِي آخِرِهِ بِأَنْ يَثِقَ بِالِانْتِبَاهِ (" فَلْيُوتِرْ آخِرَ اللَّيْلِ، فَإِنَّ صَلَاةَ آخِرِ اللَّيْلِ مَشْهُودَةٌ ")، أَيْ: مَحْضُورَةٌ تَحْضُرُهَا مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ، أَيْ يَشْهَدُهَا مَلَائِكَةُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ يَنْزِلُ هَؤُلَاءِ وَيَصْعَدُ هَؤُلَاءِ، فَهُوَ آخِرُ دِيوَانِ اللَّيْلِ، وَأَوَّلُ دِيوَانِ النَّهَارِ، أَوْ يَشْهَدُهَا كَثِيرٌ مِنَ الْمُصَلِّينَ فِي الْعَادَةِ. (" وَذَلِكَ ")، أَيِ: الْإِيتَارُ فِي آخِرِ اللَّيْلِ. وَأَبْعَدَ مَنْ قَالَ: أَيِ: الْإِيتَارُ فِي أَوَّلِ اللَّيْلِ. مُحْتَجًّا بِأَنَّ (ذَلِكَ) إِنَّمَا يُشَارُ بِهَا لِلْبَعِيدِ ; لِأَنَّهُ يُشَارُ بِهَا لِلْقَرِيبِ أَيْضًا إِشَارَةً إِلَى بُعْدِ مَنْزِلَتِهِ كَمَا فِي: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ [البقرة: ٢] . (" أَفْضَلُ "): فَثَوَابُهُ أَكْمَلُ لِحُضُورِ مَلَائِكَةِ الرَّحْمَةِ وَالْبَرَكَةِ وَالِاسْتِغْفَارِ، وَلِوُقُوعِهِ فِي أَفْضَلِ أَوْقَاتِ اللَّيْلِ مِنَ الْأَسْحَارِ وَمُشَارَكَتِهِ مَعَ الْقَائِمِينَ الْأَبْرَارِ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ): قَالَ مِيرَكُ: وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ.
[ ٣ / ٩٤٣ ]
١٢٦١ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: «مِنْ كُلَّ اللَّيْلِ أَوْتَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، مِنْ أَوَّلِ اللَّيْلِ وَأَوْسَطِهِ وَآخِرِهِ، وَانْتَهَى وَتْرُهُ إِلَى السَّحَرِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
_________________
(١) (وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: مِنْ كُلِّ اللَّيْلِ): قَالَ الطِّيبِيُّ: " مِنْ " ابْتِدَائِيَّةٌ مَنْصُوبَةٌ بِقَوْلِهِ: (أَوْتَرَ)، أَيْ: أَوْتَرَ مِنْ كُلِّ أَجْزَاءِ اللَّيْلِ، وَقِيلَ: " مِنْ ". بِمَعْنَى " فِي "، أَيْ: فِي جَمِيعِ أَوْقَاتِ اللَّيْلِ أَوْتَرَ. (رَسُولُ اللَّهِ ﷺ): وَقَوْلُهَا: (مِنْ أَوَّلِ اللَّيْلِ وَأَوْسَطِهِ وَآخِرِهِ): بَدَلٌ أَوْ بَيَانٌ، وَالْمُرَادُ أَجْزَاءُ كُلٍّ مِنَ الثَّلَاثَةِ الْأَقْسَامِ الْمُسْتَغْرِقَةِ لِلَّيْلِ فَسَاوَتْ مَا قَبْلَهَا، وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: (مِنْ) الْأُولَى تَبْعِيضِيَّةٌ، وَ(مِنْ) الثَّانِيَةُ بَدَلٌ مِنْهَا، أَوْ بَيَانٌ بِمَعْنَى الْبَعْضِيَّةِ وَالْأَوَّلُ أَوْجَهُ (وَانْتَهَى وَتْرُهُ إِلَى السَّحَرِ)، أَيْ: ثَبَتَ وَتَقَرَّرَ لَهُ الْوَتْرُ وَقْتَ السَّحَرِ وَهُوَ السُّدُسُ الْآخِرُ مِنَ اللَّيْلِ عَلَى مَا فِي الْكَشَّافِ، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ، أَيْ كَانَ غَالِبَ فِعْلِهِ لَهُ حِينَئِذٍ، كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ أَيْضًا رِوَايَاتٌ أُخَرُ، وَإِنَّمَا حَمَلْتُهُ عَلَى هَذَا لِيُفِيدَ فَائِدَةً لَا تُعْلَمُ مِنْ سَابِقِهِ وَهُوَ قَوْلُهُ: وَآخِرِهِ. اهـ. وَظَاهِرٌ أَنَّ السَّحَرَ لَا يُنَافِي آخِرَهُ ; لِأَنَّ الْمُرَادَ بِهِ السُّدُسُ الْآخِرُ، وَهُوَ يَشْمَلُ أَوَّلَ السَّحَرِ وَآخِرَهُ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ): وَرَوَاهُ الْأَرْبَعَةُ، قَالَهُ مِيرَكُ.
[ ٣ / ٩٤٣ ]
١٢٦٢ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: «أَوْصَانِي خَلِيلِي بِثَلَاثٍ: صِيَامِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، وَرَكْعَتَيِ الْفَجْرِ، وَأَنْ أُوتِرَ قَبْلَ أَنْ أَنَامَ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
_________________
(١) (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: أَوْصَانِي)، أَيْ: عَهِدَ إِلَيَّ وَأَمَرَنِي أَمْرًا مُؤَكَّدًا (خَلِيلِي): يَعْنِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ (بِثَلَاثٍ)، أَيْ: خِصَالٍ (صِيَامِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ)، أَيِ: الثَّالِثِ عَشَرَ، وَالرَّابِعِ عَشَرَ، وَالْخَامِسِ عَشَرَ، (مِنْ كُلِّ شَهْرٍ): يَعْنِي أَيَّامَ الْبِيضِ، وَقِيلَ يَوْمًا مِنْ أَوَّلِهِ، وَيَوْمًا مِنْ وَسَطِهِ، وَيَوْمًا مِنْ آخِرِهِ، وَقِيلَ: كُلُّ يَوْمٍ مِنْ أَوَّلِ كُلِّ عَشْرٍ، وَقِيلَ مُطْلَقًا (وَرَكْعَتَيِ الضُّحَى): وَهِيَ أَقَلُّ صَلَاتِهِ (وَأَنْ أُوتِرَ قَبْلَ أَنْ أَنَامَ): قَالَ الطِّيبِيُّ: كَانَ الْمُنَاسِبُ أَنْ يُقَالَ: وَالْوَتْرُ قَبْلَ النَّوْمِ لِيُنَاسِبَ الْمَعْطُوفَ عَلَيْهِ، فَأَتَى بِأَنِ الْمَصْدَرِيَّةِ وَأَبْرَزَ الْفِعْلَ وَجَعَلَهُ فَاعِلًا اهْتِمَامًا بِشَأْنِهِ، وَأَنَّهُ أَلْيَقُ بِحَالِهِ لَمَّا خَافَ الْفَوْتَ أَنْ يَنَامَ عَنْهُ، وَإِلَّا فَالْوَتْرُ آخِرَ اللَّيْلِ أَفْضَلُ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: قِيلَ سَبَبُهُ أَنَّهُ ﵁ كَانَ يَشْتَغِلُ أَوَّلَ لَيْلِهِ بِاسْتِحْضَارِهِ لِمَحْفُوظَاتِهِ مِنَ الْأَحَادِيثِ الْكَثِيرَةِ الَّتِي لَمْ يُسَايِرْهُ فِي حِفْظِ مِثْلِهَا أَكْثَرُ الصَّحَابَةِ، فَكَانَ يَمْضِي عَلَيْهِ جُزْءٌ كَبِيرٌ مِنْ أَوَّلِ اللَّيْلِ، فَلَمْ يَكَدْ يَطْمَعُ فِي اسْتِيقَاظِ آخِرِهِ، فَأَمَرَهُ - ﵇ - بِتَقْدِيمِ الْوَتْرِ لِذَلِكَ لِاشْتِغَالِهِ بِمَا هُوَ أَوْلَى. اهـ. وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ لِسَبَبٍ آخَرَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ): وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، قَالَهُ مِيرَكُ.
[ ٣ / ٩٤٤ ]
الْفَصْلُ الثَّانِي
١٢٦٣ - عَنْ غُضَيْفِ بْنِ الْحَارِثِ ﵁، قَالَ: «قُلْتُ لِعَائِشَةَ: أَرَأَيْتِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَغْتَسِلُ مِنَ الْجَنَابَةِ فِي أَوَّلِ اللَّيْلِ أَمْ فِي آخِرِهِ؟ قَالَتْ، رُبَّمَا اغْتَسَلَ فِي أَوَّلِ اللَّيْلِ، وَرُبَّمَا اغْتَسَلَ فِي آخِرِهِ. قُلْتُ: اللَّهُ أَكْبَرُ، الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ فِي الْأَمْرِ سَعَةً، قُلْتُ: كَانَ يُوتِرُ أَوَّلَ اللَّيْلِ أَمْ فِي آخِرِهِ؟ قَالَتْ: رُبَّمَا أَوْتَرَ فِي أَوَّلِ اللَّيْلِ، وَرُبَّمَا أَوْتَرَ فِي آخِرِهِ. قُلْتُ: اللَّهُ أَكْبَرُ، الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ فِي الْأَمْرِ سَعَةً، قُلْتُ: كَانَ يَجْهَرُ بِالْقِرَاءَةِ أَمْ يَخْفُتُ؟ قَالَتْ: رُبَّمَا جَهَرَ بِهِ، وَرُبَّمَا خَفَتَ. قُلْتُ: اللَّهُ أَكْبَرُ، الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ فِي الْأَمْرِ سَعَةً» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ الْفَصْلَ الْأَخِيرَ.
_________________
(١) الْفَصْلُ الثَّانِي
(٢) (عَنْ غُضَيْفٍ): بِضَمِّ الْغَيْنِ وَفَتْحِ الضَّادِ الْمُعْجَمَتَيْنِ وَيَاءٍ سَاكِنَةٍ وَآخِرُهُ فَاءٌ، وَيُقَالُ غُطَيْفٌ بِالطَّاءِ الْمُهْمَلَةِ (ابْنِ الْحَارِثِ): ابْنُ زُنَيْمٍ بِضَمِّ الزَّايِ وَفَتْحِ النُّونِ مُخْتَلَفٌ فِي صُحْبَتِهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ غُضَيْفٍ فَأَثْبَتَ صُحْبَتَهُ وَغُطَيْفٍ فَقَالَ: إِنَّهُ تَابِعِيٌّ وَهُوَ أَشْبَهُ، ذَكَرَهُ مِيرَكُ، وَقَالَ الْمُؤَلِّفُ: غُضَيْفٌ أَدْرَكَ زَمَنَ النَّبِيِّ ﷺ، وَاخْتُلِفَ فِي صُحْبَتِهِ. (قَالَ: قُلْتُ لِعَائِشَةَ: أَرَأَيْتِ): بِكَسْرِ التَّاءِ، أَيْ: أَخْبِرِينِي، قَالَهُ ابْنُ الْمَلَكِ. وَالْأَظْهَرُ أَنَّ مَعْنَاهُ عَلَى الِاسْتِفْهَامِ، سَوَاءً كَانَتِ الرُّؤْيَةُ بَصَرِيَّةً أَوْ عِلْمِيَّةً، أَيْ: هَلْ رَأَيْتِ (رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَغْتَسِلُ مِنَ الْجَنَابَةِ فِي أَوَّلِ اللَّيْلِ)، أَيْ: دَائِمًا (أَمْ فِي آخِرِهِ؟ قَالَتْ: رُبَّمَا اغْتَسَلَ)، أَيْ: جَامَعَ وَاغْتَسَلَ وَفِي إِضْمَارِهِ نُكْتَةٌ لَا تَخْفَى. (فِي أَوَّلِ اللَّيْلِ، وَرُبَّمَا اغْتَسَلَ فِي آخِرِهِ)، أَيْ: جَامَعَ أَوَّلَهُ وَاغْتَسَلَ آخِرَهُ وَرُبَّ لِلتَّكْثِيرِ فِيهِمَا أَوْ لِلتَّكْثِيرِ فِي الْأَوَّلِ، وَالتَّقْلِيلِ فِي الْآخَرِ بِحَسَبِ مَا رَأَى فِيهِ مِنَ النَّشَاطِ، أَوْ لِبَيَانِ الْجَوَازِ. (فَقُلْتُ: اللَّهُ أَكْبَرُ):، قَالَهُ تَعَجُّبًا وَفَرَحًا (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ فِي الْأَمْرِ)، أَيْ: أَمْرِ الشَّرْعِ (سَعَةً): بِالْفَتْحِ، أَيْ وُسْعَةً وَتَسْهِيلًا وَتَيْسِيرًا قَالَ الطِّيبِيُّ: دَلَّ عَلَى أَنَّ السَّعَةَ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى فِي التَّكَالِيفِ نِعْمَةٌ يَجِبُ تَلَقِّيهَا بِالشُّكْرِ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ دَلَّ عَلَى أَنَّ تِلْكَ النِّعْمَةَ عَظِيمَةٌ لِمَا فِيهِ مِنْ مَعْنَى التَّعَجُّبِ. (قُلْتُ: كَانَ)، أَيْ: أَكَانَ (يُوتِرُ أَوَّلَ اللَّيْلِ)، أَيْ: فِي أَوَّلِهِ (أَمْ فِي آخِرِهِ؟ قَالَتْ: رُبَّمَا أَوْتَرَ فِي أَوَّلِ اللَّيْلِ): وَهُوَ الْقَلِيلُ الْأَسْهَلُ (وَرُبَّمَا أَوْتَرَ فِي آخِرِهِ): وَهُوَ الْكَثِيرُ الْأَفْضَلُ بِحَسَبِ مَا رَأَى فِيهِ مِنْ مَصْلَحَةِ الْوَقْتِ. (قُلْتُ: اللَّهُ أَكْبَرُ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ فِي الْأَمْرِ سَعَةً، قُلْتُ: كَانَ يَجْهَرُ)، أَيْ: فِي اللَّيْلِ (بِالْقِرَاءَةِ أَمْ يَخْفُتُ؟)، أَيْ: يُسِرُّ بِهَا (قَالَتْ: رُبَّمَا جَهَرَ بِهِ)، أَيْ: فِي اللَّيْلِ (وَرُبَّمَا خَفَتَ)، أَيْ: فِي لَيْلَتَيْنِ، أَوْ فِي لَيْلَةٍ بِحَسَبِ مَا يُنَاسِبُ الْمَقَامَ وَالْحَالَ. (قُلْتُ: اللَّهُ أَكْبَرُ، الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ فِي الْأَمْرِ سَعَةً. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ)، أَيِ: الْفُصُولَ الثَّلَاثَةَ، قَالَ مِيرَكُ: وَسَكَتَ عَلَيْهِ هُوَ وَالْمُنْذِرِيُّ، وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ مُقْتَصِرًا عَلَى الْفَصْلِ الْأَوَّلِ، (وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ الْفَصْلَ الْأَخِيرَ) أَيِ: الْفِقْرَةَ الْأَخِيرَةَ مِنْ فِقْرَاتِ الْحَدِيثِ، وَهُوَ قَوْلُهُ: قُلْتُ: كَانَ يَجْهَرُ إِلَخْ.
[ ٣ / ٩٤٤ ]
١٢٦٤ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَيْسٍ ﵄، قَالَ: «سَأَلْتُ عَائِشَةَ: بِكَمْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ يُوتِرُ؟ قَالَتْ: كَانَ يُوتِرُ بِأَرْبَعٍ وَثَلَاثٍ، وَسِتٍّ وَثَلَاثٍ، وَثَمَانٍ وَثَلَاثٍ، وَعَشْرٍ وَثَلَاثٍ، وَلَمْ يَكُنْ يُوتِرُ بِأَنْقَصَ مِنْ سَبْعٍ، وَلَا بِأَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثَ عَشْرَةَ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ
_________________
(١) (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَيْسٍ): تَابِعِيٌّ: (قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ: بِكَمْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُوتِرُ؟)، أَيْ: بِكَمْ رَكْعَةٍ كَانَ يَجْعَلُ صَلَاتَهُ وَتْرًا أَوْ بِكَمْ كَانَ يُصَلِّي الْوَتْرَ؟ (قَالَتْ: كَانَ يُوتِرُ بِأَرْبَعٍ): بِتَسْلِيمَةٍ أَوْ بِتَسْلِيمَتَيْنِ (أَوْ ثَلَاثٍ)، أَيْ: بِتَسْلِيمَةٍ كَمَا فِي الْمَفَاتِيحِ فَيَكُونُ سَبْعًا، قَالَهُ ابْنُ الْمَلَكِ (وَسِتٍّ)، أَيْ: وَبِسِتٍّ بِتَسْلِيمَتَيْنِ أَوْ بِثَلَاثٍ (وَثَلَاثٍ): فَيَكُونُ تِسْعًا (وَثَمَانٍ وَثَلَاثٍ): فَيَكُونُ إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً (وَعَشْرٍ وَثَلَاثٍ): فَيَكُونُ ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً، وَفِي إِتْيَانِهَا بِثَلَاثٍ فِي كُلِّ عَدَدِ دَلَالَةٌ ظَاهِرَةٌ بِأَنَّ الْوَتْرَ فِي الْحَقِيقَةِ هُوَ الثَّلَاثُ، وَمَا وَقَعَ قَبْلَهُ مِنْ مُقَدِّمَاتِهِ الْمُسَمَّى بِصَلَاتِهِ التَّهَجُّدَ فَإِطْلَاقُ الْوَتْرِ عَلَى الْكُلِّ مَجَازٌ، وَيُؤَيِّدُهُ الْحَدِيثُ الصَّحِيحُ: " «اجْعَلُوا آخِرَ صَلَاتِكُمْ بِاللَّيْلِ وَتْرًا» " (وَلَمْ يَكُنْ يُوتِرُ بِأَنْقَصَ مِنْ سَبْعٍ، وَلَا بِأَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثَ عَشْرَةَ)، أَيْ: غَالِبًا وَإِلَّا فَقَدْ ثَبَتَ أَنَّهُ أَوْتَرَ بِخَمْسَ عَشْرَةَ. قَالَ النَّوَوِيُّ: هَذَا الِاخْتِلَافُ بِحَسَبِ مَا كَانَ يَحْصُلُ مِنَ اتِّسَاعِ الْوَقْتِ، أَوْ طُولِ الْقِرَاءَةِ كَمَا جَاءَ فِي حَدِيثِ حُذَيْفَةَ، وَابْنِ مَسْعُودٍ: أَوْ مِنْ نَوْمٍ أَوْ مِنْ مَرَضٍ أَوْ كِبَرِ السِّنِّ. قَالَتْ: فَلَمَّا أَسَنَّ صَلَّى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ أَوْ غَيْرَهَا نَقَلَهُ الطِّيبِيُّ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ): قَالَ مِيرَكُ: وَلَمْ يُضَعِّفْهُ هُوَ وَلَا الْمُنْذِرِيُّ.
[ ٣ / ٩٤٥ ]
١٢٦٥ - وَعَنْ أَبِي أَيُّوبَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " «الْوَتْرُ حَقٌّ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ، فَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُوتِرَ بِخَمْسٍ فَلْيَفْعَلْ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُوتِرَ بِثَلَاثٍ فَلْيَفْعَلْ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُوتِرَ بِوَاحِدَةٍ فَلْيَفْعَلْ» ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ.
_________________
(١) (وَعَنْ أَبِي أَيُّوبَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " الْوَتْرُ حَقٌّ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ "): قَالَ الطِّيبِيُّ: الْحَقُّ يَجِيءُ بِمَعْنَى الثُّبُوتِ وَالْوُجُوبِ، فَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ إِلَى الثَّانِي، وَالشَّافِعِيُّ إِلَى الْأَوَّلِ، أَيْ: ثَابِتٌ فِي الشَّرْعِ وَالسُّنَّةِ، وَفِيهِ نَوْعُ تَأْكِيدٍ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: أُخِذَ مِنْهُ وَمِنَ الْخَبَرِ الصَّحِيحِ أَيْضًا: " «أَوْتِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ وَتْرٌ يُحِبُّ الْوَتْرَ» " [وَرَجَّحَ] أَبُو حَنِيفَةَ وُجُوبَ الْوَتْرِ، وَاعْتَرَضَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَغَيْرُهُ بِأَنَّهُ لَمْ يُوَافِقْهُ عَلَى وُجُوبِهِ أَحَدٌ. قُلْتُ: الْمُوَافَقَةُ لَيْسَتْ شَرْطًا فِي الْمَسْأَلَةِ الِاجْتِهَادِيَّةِ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَأَمَّا خَبَرُ: " «إِنَّ اللَّهَ زَادَكُمْ صَلَاةً فَحَافِظُوا عَلَيْهَا وَهِيَ الْوَتْرُ» " فَضَعِيفٌ. قُلْتُ: عَلَى تَقْدِيرِ صِحَّتِهِ يَكُونُ مُقَوِّيًا لِلْمَقْصُودِ الْمُسْتَفَادِ مِنَ الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ، فَلَا يَضُرُّنَا ضَعْفُهُ مَعَ الِاحْتِمَالِ الْغَالِبِ أَنَّ الضَّعْفَ إِنَّمَا نَشَأَ فِي رِجَالِ السَّنَدِ بَعْدَ الْمُجْتَهِدِ. (" فَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُوتِرَ بِخَمْسٍ فَلْيَفْعَلْ "): بِأَنْ يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ يُصَلِّيَ ثَلَاثًا، وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَلَا يُخَالِفُهُ أَحَدٌ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَجْلِسَ إِلَّا فِي آخِرِهِنَّ وَهُوَ قَوْلٌ لِلشَّافِعِيِّ. (" وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُوتِرَ بِثَلَاثٍ ")، أَيْ: بِتَسْلِيمَةٍ كَمَا عَلَيْهِ أَئِمَّتُنَا وَلَا خِلَافَ فِي جَوَازِهِ عِنْدَ الْكُلِّ، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ عِنْدَهُمْ فِي التَّفْضِيلِ، قَالَ النَّوَوِيُّ: وَالْخِلَافُ فِي التَّفْضِيلِ بَيْنَ الْوَصْلِ وَالْفَصْلِ، إِنَّمَا هُوَ فِي الثَّلَاثِ، أَمَّا مَا زَادَ عَلَيْهَا فَالْفَصْلُ فِيهِ أَفْضَلُ قَطْعًا، أَيْ: وَإِنْ نَقَصَ عَدَدُهُ عَنِ الْمَوْصُولِ، فَيَكُونُ الْأَوَّلُ أَفْضَلَ مِنْ حَيْثُ زِيَادَةِ الْفَصْلِ، وَالثَّانِي أَفْضَلُ مِنْ حَيْثُ زِيَادَةِ الْعَدَدِ، أَوْ بِتَسْلِيمَتَيْنِ عَلَى مُقْتَضَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ (" فَلْيَفْعَلْ "): وَهُوَ بِظَاهِرِهِ يُنَافِي مَا ذَكَرَهُ ابْنُ حَجَرٍ مِنْ أَنَّهُ صَحَّ حَدِيثُ: " «لَا تُوتِرُوا بِثَلَاثٍ وَأَوْتِرُوا بِخَمْسٍ أَوْ سَبْعٍ وَلَا تُشَبِّهُوا الْوَتْرَ بِصَلَاةِ الْمَغْرِبِ» " فَالْجَمْعُ عَلَى تَقْدِيرِ صِحَّتِهِ أَنَّ النَّهْيَ لِلتَّنْزِيهِ عَلَى الِاقْتِصَارِ بِثَلَاثٍ الْمُتَضَمِّنِ لِتَرْكِ صَلَاةِ اللَّيْلِ الْمُقْتَضِي لِلِاكْتِفَاءِ بِمُجَرَّدِ الْوَاجِبِ كَصَلَاةِ الْمَغْرِبِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (" وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُوتِرَ بِوَاحِدَةٍ فَلْيَفْعَلْ ") . قَالَ النَّوَوِيُّ: فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ أَقَلَّ الْوَتْرِ رَكْعَةٌ، وَأَنَّ الرَّكْعَةَ الْوَاحِدَةَ صَحِيحَةٌ، وَهُوَ مَذْهَبُنَا وَمَذْهَبُ الْجُمْهُورِ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَصِحُّ الْإِيتَارُ بِوَاحِدَةٍ، وَلَا تَكُونُ الرَّكْعَةُ الْوَاحِدَةُ صَلَاةً، وَالْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ تَرُدُّ عَلَيْهِ. اهـ. قَالَ الْإِمَامُ ابْنُ الْهُمَامِ: التَّمَسُّكُ فِي وُجُوبِ الْوَتْرِ بِمَا فِي أَبِي دَاوُدَ، عَنْ أَبِي الْمُنِيبِ عُبَيْدِ اللَّهِ الْعَتَكِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " «الْوَتْرُ حَقٌّ فَمَنْ لَمْ يُوتِرْ فَلَيْسَ مِنِّي، الْوَتْرُ حَقٌّ فَمَنْ لَمْ يُوتِرْ فَلَيْسَ مِنِّي، الْوَتْرُ حَقٌّ فَمَنْ لَمْ يُوتِرْ فَلَيْسَ مِنِّي» ". وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ، وَقَالَ أَبُو الْمُنِيبِ: ثِقَةٌ، وَوَثَّقَهُ ابْنُ مَعِينٍ أَيْضًا،
[ ٣ / ٩٤٥ ]
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ: صَالِحُ الْحَدِيثِ، وَأَنْكَرَ عَلَى الْبُخَارِيِّ إِدْخَالَهُ فِي الضُّعَفَاءِ، وَتَكَلَّمَ فِيهِ النَّسَائِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ، وَقَالَ ابْنُ عَدِيٍّ: لَا بَأْسَ بِهِ، فَالْحَدِيثُ حَسَنٌ.
وَرَوَى الْبَزَّارُ مَرْفُوعًا: " «الْوَتْرُ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ» ". فَإِنْ قِيلَ: الْأَمْرُ قَدْ يَكُونُ لِلنَّدْبِ وَالْحَقُّ هُوَ الثَّابِتُ، وَكَذَا الْوَاجِبُ لُغَةً وَيَجِبُ الْحَمْلُ عَلَيْهِ دَفْعًا لِلْمُعَارَضَةِ وَلِقِيَامِ الْقَرِينَةِ الدَّالَّةِ عَلَيْهِ، أَمَّا الْمُعَارَضَةُ فَمَا أَخْرَجُهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّهُ ﵊ كَانَ يُوتِرُ عَلَى الْبَعِيرِ، وَمَا أَخْرَجَاهُ أَيْضًا أَنَّهُ ﵊ بَعَثَ مُعَاذًا إِلَى الْيَمَنِ وَقَالَ لَهُ فِيمَا قَالَ: " «فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ» "، قَالَ ابْنُ حِبَّانَ وَكَانَ بَعْثُهُ قَبْلَ وَفَاتِهِ ﵊ بِأَيَّامٍ يَسِيرَةٍ، وَفِي مُوَطَّأِ مَالِكٍ أَنَّهُ ﵊ تُوُفِّيَ قَبْلَ أَنْ يَقْدَمَ مُعَاذٌ مِنَ الْيَمَنِ، وَمَا أَخْرَجَهُ ابْنُ حِبَّانَ «أَنَّهُ ﵊ قَامَ بِهِمْ فِي رَمَضَانَ، فَصَلَّى ثَمَانِيَ رَكَعَاتٍ وَأَوْتَرَ، ثُمَّ انْتَظَرُوهُ مِنَ الْقَابِلَةِ، فَلَمْ يَخْرُجْ إِلَيْهِمْ فَسَأَلُوهُ فَقَالَ: " خَشِيتُ أَنْ يُكْتَبَ عَلَيْكُمُ الْوَتْرُ»، هَذِهِ أَحْسَنُ مَا يُعَارَضُ لَهُمْ بِهِ، وَلَهُمْ غَيْرُهَا مِمَّا لَمْ يَسْلَمْ مِنْ ضَعْفٍ أَوْ عَدَمِ تَمَامِ دَلَالَةٍ.
وَأَمَّا الْقَرِينَةُ الصَّارِفَةُ لِلْوُجُوبِ إِلَى اللُّغَوِيِّ فَمَا فِي السُّنَنِ إِلَّا التِّرْمِذِيَّ قَالَ - ﵇ -: " «الْوَتْرُ حَقٌّ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ، فَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُوتِرَ بِخَمْسٍ فَلْيُوتِرْ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُوتِرَ بِثَلَاثٍ فَلْيَفْعَلْ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُوتِرَ بِوَاحِدَةٍ فَلْيُوتِرْ» " وَرَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ وَقَالَ: عَلَى شَرْطِهِمَا، وَجْهُ الْقَرِينَةِ أَنَّهُ حَكَمَ بِالْوُجُوبِ، ثُمَّ خَيَّرَ فِيهِ بَيْنَ خِصَالٍ.
إِحْدَاهَا: أَنْ يُوتِرَ بِخَمْسٍ، فَلَوْ كَانَ وَاجِبًا لَكَانَ كُلُّ خَصْلَةٍ يُخْبِرُ فِيهَا تَقَعُ وَاجِبَةً عَلَى مَا عُرِفَ فِي الْوَاجِبِ الْمُخَيَّرِ، وَالْإِجْمَاعُ عَلَى عَدَمِ وُجُوبِ الْخَمْسِ، فَلَزِمَ صَرْفُهُ إِلَى مَا قُلْنَا. وَالْجَوَابُ عَنِ الْأَوَّلِ، أَيْ مِنْ أَنْوَاعِ الْمُعَارَضَةِ أَنَّهُ وَاقِعَةُ حَالٍ لَا عُمُومَ لَهَا، فَيَجُوزُ كَوْنُ ذَلِكَ لِعُذْرٍ، وَالِاتِّفَاقُ عَلَى أَنَّ الْفَرْضَ يُصَلَّى عَلَى الدَّابَّةِ لِعُذْرِ الطِّينِ وَالْمَطَرِ وَنَحْوِهِ، أَوْ كَانَ قَبْلَ وُجُوبِهِ ; لِأَنَّ وُجُوبَهُ لَمْ يُقَارِنْ وُجُوبَ الْخَمْسِ بَلْ مُتَأَخِّرٌ، وَقَدْ رُوِيَ «أَنَّهُ ﵊ كَانَ يَنْزِلُ لِلْوَتَرِ» . وَرَوَى الطَّحَاوِيُّ عَنْ حَنْظَلَةَ بْنِ سُفْيَانَ، عَنْ نَافِعٍ، «عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي عَلَى رَاحِلَتِهِ وَيُوتِرُ بِالْأَرْضِ، وَيَزْعُمُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ فَعَلَ ذَلِكَ» . فَدَلَّ أَنَّ وَتْرَهُ ذَلِكَ كَانَ إِمَّا حَالَةَ عَدَمِ وُجُوبِهِ بِهِ أَوْ لِلْعُذْرِ. وَعَنِ الثَّانِي: أَنَّهُ لِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْوُجُوبُ بَعْدَ سَفَرِهِ، وَعَنِ الثَّالِثِ: كَالْأَوَّلِ فِي أَنَّهُ يَجُوزُ كَوْنُهُ قَبْلَ وُجُوبِهِ، أَوِ الْمُرَادُ الْمَجْمُوعُ مِنْ صَلَاةِ اللَّيْلِ الْمُخْتَتَمَةِ بِوَتَرٍ، وَنَحْنُ نَقُولُ بِعَدَمِ وُجُوبِهِ، وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ مَا صَرَّحَ بِهِ فِي رِوَايَةِ الْبَجَلِيِّ لِهَذَا الْحَدِيثِ مِنْ قَوْلِهِ: " «خَشِيتُ أَنْ يُكْتَبَ عَلَيْكُمْ صَلَاةُ اللَّيْلِ» ".
وَعَنِ الْقَرِينَةِ الْمُدَّعَاةِ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ قَبْلَ أَنْ يَسْتَقِرَّ أَمْرُ الْوَتْرِ، فَيَجُوزُ كَوْنُهُ أَوَّلًا كَانَ كَذَلِكَ، وَفِي مُسْلِمٍ عَنْ عَائِشَةَ «أَنَّهُ ﵊ كَانَ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً يُوتِرُ مِنْ ذَلِكَ بِخَمْسٍ لَا يَجْلِسُ فِي شَيْءٍ مِنْهَا إِلَّا فِي آخِرِهَا»، فَدَلَّ أَنَّ الْوَتْرَ أَوَّلًا كَانَ خَمْسَةً، وَأَجْمَعْنَا عَلَى أَنَّهُ يَجْلِسُ عَلَى رَأْسِ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ وَهُوَ يُفِيدُ خِلَافَهُ، وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَيْضًا مَا فِي الدَّارَقُطْنِيِّ أَنَّهُ ﵊ قَالَ: " «لَا تُوتِرْ بِثَلَاثٍ أَوْتِرْ بِخَمْسٍ أَوْ سَبْعٍ» " وَالْإِيتَارُ بِثَلَاثٍ جَائِزٌ إِجْمَاعًا، فَعُلِمَ أَنَّ هَذَا وَمَا شَاكَلَهُ كَانَ قَبْلَ أَنْ يَسْتَقِرَّ أَمْرُ الْوَتْرِ، وَكَيْفَ يُحْمَلُ عَلَى اللُّغَوِيِّ وَهُوَ مَحْفُوفٌ بِمَا يُؤَكِّدُ مُقْتَضَاهُ مِنَ الْوُجُوبِ، وَهُوَ قَوْلُهُ ﵊ " «فَمَنْ لَمْ يُوتِرْ فَلَيْسَ مِنِّي» " مُؤَكَّدًا بِالتَّكْرَارِ ثَلَاثًا عَلَى مَا تَقَدَّمَ. تَمَّ كَلَامُهُ.
وَأَخْرَجَ الطَّحَاوِيُّ بِأَسَانِيدَ مُتَعَدِّدَةٍ عَنْ أَبِي أَيُّوبَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " «الْوَتْرُ حَقٌّ فَمَنْ شَاءَ أَوْتَرَ بِخَمْسٍ، وَمَنْ شَاءَ أَوْتَرَ بِثَلَاثٍ، وَمَنْ شَاءَ أَوْتَرَ بِوَاحِدَةٍ» " ثُمَّ قَالَ: فَلَوْلَا الْإِجْمَاعُ عَلَى خِلَافِ هَذَا لَكَانَ جَائِزًا أَنْ يُقَالَ: مَنْ أَوْتَرَ يُخَيَّرُ فِي وَتْرِهِ كَمَا جَاءَ فِي هَذَا الْخَبَرِ، فَدَلَّ الْإِجْمَاعُ عَلَى نَسْخِ هَذَا. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ): قَالَ النَّوَوِيُّ: إِسْنَادُهُ صَحِيحٌ، وَأَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ وَقَالَ: عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ، وَنَقَلَهُ مِيرَكُ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ وَسَنَدُ أَبِي دَاوُدَ صَحِيحٌ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ، وَأَقَرَّهُمَا النَّوَوِيُّ فِي مَجْمُوعِهِ، فَقَوْلُ الذَّهَبِيِّ: الْأَشْبَهُ أَنَّهُ مَوْقُوفٌ. فِيهِ نَظَرٌ، وَقَدْ رَجَّحَ ابْنُ الْقَطَّانِ الرَّفْعَ، وَقَالَ: لَا حَفِظَ مَنْ لَمْ يَحْفَظْهُ.
قُلْتُ: حَيْثُ اخْتُلِفَ فِي صِحَّةِ الْحَدِيثِ لَا يَصْلُحُ أَنْ يُسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى جَوَازِ الْإِيتَارِ بِوَاحِدَةٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا الْبَحْثُ وَمَرَّ عَنِ ابْنِ الصَّلَاحِ أَنَّهُ لَمْ يَحْفَظْ ذَلِكَ.
[ ٣ / ٩٤٦ ]
١٢٦٦ - وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " «إِنَّ اللَّهَ وَتْرٌ يُحِبُّ الْوَتْرَ، فَأَوْتِرُوا يَا أَهْلَ الْقُرْآنِ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ.
_________________
(١) (وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " إِنَّ اللَّهَ وَتْرٌ "): قَالَ الطِّيبِيُّ، أَيْ وَاحِدٌ فِي ذَاتِهِ لَا يَقْبَلُ الِانْقِسَامَ، وَوَاحِدٌ فِي صِفَاتِهِ فَلَا شَبَهَ لَهُ، وَلَا مِثْلَ لَهُ، وَوَاحِدٌ فِي أَفْعَالِهِ فَلَا شَرِيكَ لَهُ وَلَا مُعِينَ (" يُحِبُّ الْوَتْرَ ")، أَيْ: يُثِيبُ عَلَيْهِ وَيَقْبَلُهُ مِنْ عَامِلِهِ، قَالَ الْقَاضِي: كُلُّ مَا يُنَاسِبُ الشَّيْءَ أَدْنَى مُنَاسَبَةٍ كَانَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا لَمْ يَكُنْ لَهُ تِلْكَ الْمُنَاسَبَةُ. اهـ. فَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ بِطَرِيقِ الْإِشَارَةِ أَنَّهُ يُحِبُّ الْوَتْرَ، أَيِ الْمُنْفَرِدَ وَالْمُنْقَطِعَ عَمَّا سِوَى اللَّهِ الْمُتَعَلِّقَ بِعِبَادَةِ مَوْلَاهُ. (" فَأَوْتِرُوا ")، أَيْ: صَلُّوا الْوَتْرَ، قَالَهُ الطِّيبِيُّ، وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: الْفَاءُ تُؤْذِنُ بِشَرْطٍ مُقَدَّرٍ كَأَنَّهُ قَالَ: إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى أَنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْوَتْرَ فَأَوْتِرُوا. انْتَهَى. وَظَاهِرُ الْأَمْرِ لِلْوُجُوبِ (" يَا أَهْلَ الْقُرْآنِ ")، أَيْ، أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ بِهِ، فَإِنَّ الْأَهْلِيَّةَ عَامَّةٌ شَامِلَةٌ لِمَنْ آمَنَ بِهِ سَوَاءٌ قَرَأَ أَوْ لَمْ يَقْرَأْ، وَإِنْ كَانَ الْأَكْمَلُ مِنْهُمْ مَنْ قَرَأَ أَوْ حَفِظَ وَعَلِمَ وَعَمِلَ مِمَّنْ تَوَلَّى قِيَامَ تِلَاوَتِهِ وَمُرَاعَاةَ حُدُودِهِ وَأَحْكَامِهِ، قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: فَإِنَّ مِنْ شَأْنِهِمْ أَنْ يَكُونُوا فِي ابْتِغَاءِ مَرْضَاةِ اللَّهِ تَعَالَى وَإِيثَارِ مَحَابِّهِ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: قِيلَ لَعَلَّ تَخْصِيصَ أَهْلِ الْقُرْآنِ فِي مَقَامِ الْقُرْآنِيَّةِ لِأَجْلِ أَنَّ الْقُرْآنَ مَا أُنْزِلَ إِلَّا لِتَقْرِيرِ التَّوْحِيدِ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ): وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ، نَقَلَهُ مِيرَكُ. (وَأَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ): وَقَالَ مِيرَكُ: وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ أَيْضًا.
[ ٣ / ٩٤٧ ]
١٢٦٧ - وَعَنْ خَارِجَةَ بْنِ حُذَافَةَ ﵁، قَالَ: خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَقَالَ: " «إِنَّ اللَّهَ أَمَدَّكُمْ بِصَلَاةٍ هِيَ خَيْرٌ لَكُمْ مِنْ حُمْرِ النِّعَمِ: الْوَتْرُ جَعَلَهُ اللَّهُ لَكُمْ فِيمَا بَيْنَ صَلَاةِ الْعِشَاءِ إِلَى أَنْ يَطْلُعَ الْفَجْرُ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ.
_________________
(١) (وَعَنْ خَارِجَةَ بْنِ حُذَافَةَ): بِضَمِّ الْحَاءِ، وَوَقَعَ فِي نُسْخَةِ ابْنِ حَجَرٍ تَقْدِيمُ حُذَافَةَ عَلَى خَارِجَةَ هُوَ سَهْوُ قَلَمٍ (قَالَ: خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَقَالَ: (" إِنَّ اللَّهَ أَمَدَّكُمْ ")، أَيْ: جَعَلَهَا زِيَادَةً لَكُمْ فِي أَعْمَالِكُمْ مِنْ مَدَّ الْجَيْشَ وَأَمَدَّهُ، أَيْ زَادَهُ، وَالْأَصْلُ فِي الْمَزِيدِ أَنْ يَكُونَ مِنْ جِنْسِ الْمَزِيدِ عَلَيْهِ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ، أَيْ: زَادَكُمْ كَمَا فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ (" بِصَلَاةٍ "): قَالَ فِي الْمَفَاتِيحِ: الْإِمْدَادُ اتِّبَاعُ الثَّانِي الْأَوَّلَ تَقْوِيَةً لَهُ وَتَأْكِيدًا لَهُ مِنَ الْمَدَدِ، وَفِي بَعْضِ نُسَخِ الْمَصَابِيحِ أَمَرَكُمْ بِالرَّاءِ بِصَلَاةٍ (" هِيَ خَيْرٌ لَكُمْ مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ "): الْحُمْرُ بِضَمِّ الْحَاءِ وَسُكُونِ الْمِيمِ جَمْعُ الْأَحْمَرِ، وَالنَّعَمُ هُنَا الْإِبِلُ إِضَافَةُ الصِّفَةِ إِلَى الْمَوْصُوفِ، وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ تَرْغِيبًا لِلْعَرَبِ فِيهَا ; لِأَنَّ حُمْرَ النَّعَمِ أَعَزُّ الْأَمْوَالِ عِنْدَهُمْ، فَكَانَتْ كِنَايَةً عَنْ أَنَّهَا خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا كُلِّهَا ; لِأَنَّهَا ذَخِيرَةُ الْآخِرَةِ الَّتِي هِيَ خَيْرٌ وَأَبْقَى (" الْوَتْرِ "): بِالْجَرِّ بَدَلٌ مِنْ صَلَاةٍ وَبِالرَّفْعِ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ بِتَقْدِيرِ هِيَ الْوَتْرُ، وَجَوَّزَ النَّصْبَ بِتَقْدِيرِ أَعْنِي وَالْجَرَّ فِي مِثْلِ هَذَا التَّرْكِيبِ هُوَ الْأَصَحُّ عَلَى مَا وَرَدَ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢] وَمِنْ حَدِيثِ: " «بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ» " وَهُوَ الْمُرَجَّحُ فِي النُّسَخِ الْمُصَحَّحَةِ هُنَا فَلَا وَجْهَ لِلْعُدُولِ عَمَّا ذَكَرْنَا إِلَى مَا قَالَ ابْنُ حَجَرٍ، وَيَصِحُّ جَرُّ الْوَتْرِ بَدَلًا (" جَعَلَهُ اللَّهُ لَكُمْ ")، أَيْ وَقْتَ الْوَتْرِ (" فِيمَا بَيْنَ صَلَاةِ الْعِشَاءِ "): قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ تَقْدِيمُهُ عَلَى فَرْضِ الْعِشَاءِ (" إِلَى أَنْ يَطْلُعَ الْفَجْرُ "): وَإِنَّمَا لَمْ يَقُلْ فِي وَقْتِ الْعِشَاءِ لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ جَوَازُ تَقْدِيمِ الْوَتْرِ عَلَى فَرْضِ الْعِشَاءِ، مَعَ أَنَّ الزِّيَادَةَ تَكُونُ بَعْدَ كَمَالِ الْمَزِيدِ فِيهِ وَهُوَ بِأَدَاءِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ): قَالَ مِيرَكُ نَقْلًا عَنِ الْمُنْذِرِيِّ، وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: غَرِيبٌ لَا يُعْرَفُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ. اهـ. وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: لَا يُعْرَفُ لِإِسْنَادِ هَذَا الْحَدِيثِ سَمَاعُ بَعْضِهِمْ مِنْ بَعْضٍ. وَعَنْ أَبِي تَمِيمٍ الْجَيْشَانِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ يَقُولُ: أَخْبَرَنِي رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " «إِنَّ اللَّهَ ﷿ زَادَكُمْ صَلَاةً
[ ٣ / ٩٤٧ ]
فَصَلُّوهَا فِيمَا بَيْنَ الْعِشَاءِ وَالصُّبْحِ الْوَتْرَ الْوَتْرَ» ". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالطَّبَرَانِيُّ وَأَحَدُ إِسْنَادَيْ أَحْمَدَ رُوَاتُهُ رَوَاةُ الصَّحِيحِ، وَقَدْ رُوِيَ مِنْ حَدِيثِ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَعُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ الْجُهَنِيِّ، وَعَمْرِو بْنِ الْعَاصِ. وَغَيْرِهِمْ. اهـ.
وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: صَحَّحَهُ الْحَاكِمُ، وَابْنُ السَّكَنِ، وَاعْتَرَضَهُ النَّوَوِيُّ بِأَنَّ فِي سَنَدِهِ ضَعْفًا. وَبِتَسْلِيمِهِ فَهُوَ لَا يُؤَثِّرُ ; لِأَنَّ ابْنَ الْمُنْذِرِ حَكَى الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّ وَقْتَ الْوَتْرِ مَا ذُكِرَ، قُلْتُ: وَعَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ فَأَقَلُّ مَرْتَبَتِهِ أَنْ يَكُونَ حَسَنًا، وَبِهِ اسْتَدَلَّ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ عَلَى وُجُوبِ الْوَتْرِ.
قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ، وَقَالَ: صَحِيحٌ وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ لِتَفَرُّدِ التَّابِعِيِّ عَنِ الصَّحَابِيِّ، وَقَوْلُ التِّرْمِذِيِّ: غَرِيبٌ. لَا يُنَافِي الصِّحَّةَ لِمَا عُرِفَ، وَلِذَا يَقُولُ مِرَارًا فِي كِتَابِهِ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ، وَمَا نُقِلَ عَنِ الْبُخَارِيِّ مِنْ أَنَّهُ أَعَلَّهُ بِقَوْلِهِ: لَا يُعَرَفُ سَمَاعُ بَعْضِ هَؤُلَاءِ مِنْ بَعْضٍ، فَبِنَاءً عَلَى اشْتِرَاطِهِ الْعِلْمَ بِاللُّقِيِّ، وَالصَّحِيحُ الِاكْتِفَاءُ بِإِمْكَانِ اللُّقِيِّ، ثُمَّ قَالَ: فَتَمَّ أَمْرُ هَذَا الْحَدِيثِ عَلَى أَتَمِّ وَجْهٍ فِي الصِّحَّةِ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ هَذَا كَانَ فِي كَثْرَةِ طُرُقِهِ الْمُضَعَّفَةِ ارْتِفَاعٌ لَهُ إِلَى الْحَسَنِ، بَلْ بَعْضُهَا حُجَّةٌ.
[ ٣ / ٩٤٨ ]
١٢٦٨ - وَعَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " «مَنْ نَامَ عَنْ وَتْرِهِ فَلْيُصَلِّ إِذَا أَصْبَحَ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ مُرْسَلًا.
_________________
(١) (وَعَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ): تَابِعِيٌّ مَشْهُورٌ. قِيلَ: وَأَبُوهُ صَحَابِيٌّ وَهُوَ مَوْلَى عُمَرَ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (" مَنْ نَامَ عَنْ وَتْرِهِ فَلْيُصَلِّ ")، أَيْ: قَضَاءً (" إِذَا أَصْبَحَ "): يَعْنِي قَبْلَ فَرْضِ الصُّبْحِ إِذَا كَانَ صَاحِبَ تَرْتِيبٍ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ إِنْ أَمْكَنَ، وَإِلَّا فَبَعْدَهُ وَلَوْ آخِرَ الْعُمُرِ، وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ يُؤَيِّدُ مَذْهَبَهُ، وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ، أَيْ فَلْيَقْضِ الْوَتْرَ بَعْدَ الصُّبْحِ مَتَى اتَّفَقَ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الشَّافِعِيُّ فِي أَظْهَرِ قَوْلَيْهِ، وَقَالَ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ: لَا يَقْضِي الْوَتْرَ بَعْدَ الصُّبْحِ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ مُرْسَلًا): قَالَ مِيرَكُ نَقْلًا عَنِ التَّصْحِيحِ: وَلَهُ شَاهِدٌ مِنْ حَدِيثِ أَغَرَّ الْمَدَنِيِّ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ، قُلْتُ: الْمُرْسَلُ حُجَّةٌ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَكَذَا إِذَا اعْتَضَدَ بِشَاهِدٍ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ، فَقَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ إِنَّ هَذَا الْمُرْسَلَ مَقُولًا لِأَنَّ الْحُجَّةَ وَحْدَهُ، غَفْلَةٌ عَنِ اعْتِضَادِهِ.
[ ٣ / ٩٤٨ ]
١٢٦٩ - وَعَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: «سَأَلْنَا عَائِشَةَ ﵂، بِأَيِّ شَيْءٍ كَانَ يُوتِرُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ؟ قَالَتْ: " كَانَ يَقْرَأُ فِي الْأُولَى بِـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى: ١]، وَفِي الثَّانِيَةِ بِـ ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [الكافرون: ١]، وَفَى الثَّالِثَةِ بِـ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] وَالْمُعَوِّذَتَيْنِ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ.
_________________
(١) (وَعَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ): تَابِعِيٌّ مَشْهُورٌ (ابْنُ جُرَيْجٍ): بِضَمِّ الْجِيمِ الْأَوَّلِ وَفَتْحِ الرَّاءِ وَسُكُونِ الْيَاءِ (قَالَ: سَأَلْنَا عَائِشَةَ ﵂، بِأَيِّ شَيْءٍ)، أَيْ: مِنَ السُّورِ (كَانَ يُوتِرُ)، أَيْ: يُصَلِّي الْوَتْرَ (رَسُولُ اللَّهِ ﷺ؟): وَهُوَ أَحْسَنُ مِنْ تَعْبِيرِ ابْنِ حَجَرٍ بِأَيِّ شَيْءٍ مِنَ الْقُرْآنِ يَقْرَأُ فِي وَتْرِهِ؟ (قَالَتْ: كَانَ يَقْرَأُ فِي الْأُولَى)، أَيْ: مِنَ الثَّلَاثَةِ بِـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى: ١]، أَيْ: بَعْدَ الْفَاتِحَةِ (وَفِي الثَّانِيَةِ: بِـ ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [الكافرون: ١]، وَفِي الثَّالِثَةِ وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الثَّلَاثَ بِسَلَامٍ وَاحِدٍ، وَإِلَّا لَقَالَتْ: فِي رَكْعَةٍ بِـ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] وَالْمُعَوِّذَتَيْنِ): بِكَسْرِ الْوَاوِ وَتُفْتَحُ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ): وَقَالَ: حَسَنٌ غَرِيبٌ نَقَلَهُ مِيرَكُ. (وَأَبُو دَاوُدَ): فِي التَّصْحِيحِ، وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَأَحْمَدُ، وَابْنُ حِبَّانَ
[ ٣ / ٩٤٨ ]
فِي صَحِيحِهِ، وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وَلَمْ يَذْكُرْ: وَالْمُعَوِّذَتَيْنِ، وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَأَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ، وَعِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى. اهـ.
[ ٣ / ٩٤٩ ]
١٢٧٠ - وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى.
_________________
(١) (وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى): بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ بَعْدَهَا زَايٌ مَقْصُورٌ، الْخُزَاعِيِّ، صَحَابِيٌّ صَغِيرٌ، وَكَانَ وَالِيًا عَلَى خُرَاسَانَ لِعَلِيٍّ ﵁، كَذَا فِي التَّقْرِيبِ، وَقَالَ الْمُؤَلِّفُ: أَدْرَكَ النَّبِيَّ ﷺ وَصَلَّى خَلْفَهُ رَوَى عَنْهُ ابْنَاهُ.
[ ٣ / ٩٤٩ ]
١٢٧١ - رَوَاهُ أَحْمَدُ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ.
_________________
(١) (وَرَوَاهُ أَحْمَدُ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ) .
[ ٣ / ٩٤٩ ]
١٢٧٢ - وَالدَّارِمِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، وَلَمْ يَذْكُرَا: " وَالْمُعَوِّذَتَيْنِ ".
_________________
(١) (وَالدَّارِمِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَلَمْ يَذْكُرَا)، أَيْ: أَحْمَدُ وَالدَّارِمِيُّ (" الْمُعَوِّذَتَيْنِ "): وَتَقَدَّمَ أَنَّ أَبَا دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيَّ، وَابْنَ مَاجَهْ رَوَوُا الْحَدِيثَ عَنْ أُبَيٍّ، وَلَمْ يَذْكُرَا الْمُعَوِّذَتَيْنِ، فَالِاعْتِمَادُ عَلَى حَدِيثِ أُبَيٍّ أَوْلَى مِنَ الِاعْتِمَادِ عَلَى حَدِيثِ عَائِشَةَ ; لِأَنَّ عَبْدَ الْعَزِيزِ بْنَ جُرَيْجٍ عَلَى مَا ذَكَرَهُ فِي التَّقْرِيبِ فِيهِ لِينٌ، وَقَالَ الْعِجْلِيُّ: لَمْ يَسْمَعْ عَنْ عَائِشَةَ، وَأَخْطَأَ خُصَيْفٌ فَصَرَّحَ بِسَمَاعِهِ عَنْ عَائِشَةَ، وَلِأَنَّ مَا ذَكَرَهُ خِلَافُ الْمُعْتَادِ مِنْ فِعْلِهِ ﵊ مِنْ عَدَمِ تَطْوِيلِ الْأَخِيرَةِ عَلَى مَا قَبْلَهَا مِنَ الرَّكَعَاتِ، قَالَ ابْنُ الْهُمَامُ: وَلَمْ يَذْكُرْ أَصْحَابُنَا سِوَى قِرَاءَةِ الْإِخْلَاصِ، أَيْ فِي الرَّكْعَةِ الثَّالِثَةِ، وَإِنْ جَاءَ فِي بَعْضِ طُرُقِ الْحَدِيثِ (الْإِخْلَاصِ وَالْمُعَوِّذَتَيْنِ) وَذَلِكَ لِأَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ رَوَى فِي مُسْنَدِهِ، عَنْ حَمَّادٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الْأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُوتِرُ بِثَلَاثٍ يَقْرَأُ فِي الْأُولَى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى: ١]، وَفِي الثَّانِيَةِ: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [الكافرون: ١]، وَفِي الثَّالِثَةِ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١]» . اهـ. وَهَذَا الْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْوَتْرَ ثَلَاثٌ، قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: رَوَى الْحَاكِمُ، وَقَالَ: عَلَى شَرْطِهِمَا عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُوتِرُ بِثَلَاثٍ لَا يُسَلِّمُ إِلَّا فِي آخِرِهِنَّ»، وَكَذَا رَوَى النَّسَائِيُّ عَنْهَا، قَالَتْ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ لَا يُسَلِّمُ فِي رَكْعَتَيِ الْوَتْرِ»، وَأَخْرَجَ الْحَاكِمُ قِيلَ لِلْحَسَنِ: إِنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يُسَلِّمُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ مِنَ الْوَتْرِ، فَقَالَ: عُمَرُ كَانَ أَفْقَهَ مِنْهُ وَكَانَ يَنْهَضُ فِي الثَّانِيَةِ بِالتَّكْبِيرِ. وَقَالَ الطَّحَاوِيُّ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ، حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ، قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا الْعَالِيَةِ عَنِ الْوَتْرِ، فَقَالَ: عَلَّمَنَا أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّ الْوَتْرَ مِثْلُ الْمَغْرِبِ هَذَا وَتْرُ اللَّيْلِ وَهَذَا وَتْرُ النَّهَارِ، قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: وَصَحَّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: وَتْرُ اللَّيْلِ ثَلَاثٌ كَوَتْرِ النَّهَارِ، وَإِنَّمَا ضَعَّفُوا رَفْعَهُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَإِنَّهُ لَمْ يَرْفَعْهُ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ إِلَّا يَحْيَى بْنُ أَبِي الْحَوَاجِبِ، وَقَدْ ضُعِّفَ، قَالَ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ: وَحَكَى الْحَسَنُ إِجْمَاعَ الْمُسْلِمِينَ عَلَى أَنَّ الْوَتْرَ ثَلَاثٌ لَا يُسَلِّمُ إِلَّا فِي آخِرِهِنَّ. وَقَالَ الطَّحَاوِيُّ: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَوَّامِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ الْمُرَادِيُّ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ نِزَارٍ الْأَيْلِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي زِيَادَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الْفُقَهَاءِ السَّبْعَةِ: سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، وَعُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، وَالْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، وَأَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَخَارِجَةَ بْنِ زَيْدٍ، وَعُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، وَسُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ فِي مَشْيَخَةٍ سِوَاهُمْ أَهْلِ فِقْهٍ وَصَلَاحٍ، فَكَانَ مِمَّا وَعَيْتُ عَنْهُمْ أَنَّ الْوَتْرَ ثَلَاثٌ لَا يُسَلِّمُ إِلَّا فِي آخِرِهِنَّ. اهـ. فَالْعَجَبُ مِنْ جَعْلِ النَّوَوِيِّ الْإِيتَارَ بِوَاحِدَةٍ مَذْهَبَ الْجُمْهُورِ كَمَا سَبَقَ عَنْهُ.
[ ٣ / ٩٤٩ ]
١٢٧٣ - وَعَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ ﵄، قَالَ: عَلَّمَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَلِمَاتٍ أَقُولُهُنَّ فِي قُنُوتِ الْوَتْرِ: " «اللَّهُمَّ اهْدِنِي فِيمَنْ هَدَيْتَ، وَعَافِنِي فَيَمَنْ عَافَيْتَ، وَتَوَلَّنِي فِيمَنْ تَوَلَّيْتَ، وَبَارِكْ لِي فِيمَا أَعْطَيْتَ، وَقِنِي شَرَّ مَا قَضَيْتَ، فَإِنَّكَ تَقْضِي وَلَا يُقْضَى عَلَيْكَ، إِنَّهُ لَا يَذِلُّ مَنْ وَالَيْتَ، تَبَارَكْتَ رَبَّنَا وَتَعَالَيْتَ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَالدَّارِمِيُّ
_________________
(١) (وَعَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ ﵄ قَالَ: عَلَّمَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَلِمَاتٍ)، أَيْ: جُمَلًا مُفِيدَةً (أَقُولُهُنَّ)، أَيْ: أَدْعُو بِهِنَّ (فِي قُنُوتِ الْوَتْرِ): وَفِي رِوَايَةٍ: فِي الْوَتْرِ، وَظَاهِرُهُ الْإِطْلَاقُ فِي جَمِيعِ السُّنَّةِ كَمَا هُوَ مَذْهَبُنَا، وَالشَّافِعِيَّةُ يُقَيِّدُونَ الْقُنُوتَ فِي الْوَتْرِ بِالنِّصْفِ الْأَخِيرِ مِنْ رَمَضَانَ (" اللَّهُمَّ اهْدِنِي ")، أَيْ: ثَبِّتْنِي عَلَى الْهِدَايَةِ، أَوْ زِدْنِي مِنْ أَسْبَابِ الْهِدَايَةِ إِلَى الْوُصُولِ بِأَعْلَى مَرَاتِبِ النِّهَايَةِ، (" فِيمَنْ هَدَيْتَ ")، أَيْ: فِي جُمْلَةِ مَنْ هَدَيْتَهُمْ أَوْ هَدَيْتَهُ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ وَالْأَوْلِيَاءِ، كَمَا قَالَ سُلَيْمَانُ: ﴿وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ﴾ [النمل: ١٩]، وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ، أَيِ: اجْعَلْنِي مِمَّنْ هَدَيْتَهُمْ إِلَى الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ، وَقِيلَ (فِي) فِيهِ وَفِيمَا بَعْدَهُ بِمَعْنَى " مَعَ " قَالَ تَعَالَى: ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ [النساء: ٦٩] (" وَعَافِنِي فَيَمَنْ عَافَيْتَ ")، أَيْ: مِنْ أَسْوَأِ الْأَدْوَاءِ وَالْأَخْلَاقِ وَالْأَهْوَاءِ، وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: مِنَ الْمُعَافَاةِ الَّتِي هِيَ دَفْعُ السُّوءِ (" وَتَوَلَّنِي فِيمَنْ تَوَلَّيْتَ ")، أَيْ تَوَلَّ أَمْرِي وَلَا تَكِلْنِي إِلَى نَفْسِي فِي جُمْلَةِ مَنْ تَفَضَّلْتَ عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ، قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: يَعْنِي أَحْبَبْتَهُمْ أَوْ مِمَّنْ تَقُومُ بِحِفْظِ أُمُورِهِمْ، قَالَ الْمُظْهِرُ: أَمْرُ مُخَاطَبٍ مِنْ تَوَلَّى إِذَا أَحَبَّ عَبْدًا وَقَامَ بِحِفْظِهِ وَحَفِظَ أَمْرَهُ. (" وَبَارِكْ ")، أَيْ: أَكْثِرِ الْخَيْرَ. (" لِي ")، أَيْ: لِمَنْفَعَتِي (" فِيمَا أَعْطَيْتَ ")، أَيْ: فِيمَا أَعْطَيْتَنِي مِنَ الْعُمُرِ وَالْمَالِ وَالْعُلُومِ وَالْأَعْمَالِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: (فِي) فِيهِ لَيْسَتْ كَمَا هِيَ فِي السَّوَابِقِ ; لِأَنَّ مَعْنَاهَا أَوْقِعِ الْبَرَكَةَ فِيمَا أَعْطَيْتَنِي مِنْ خَيْرِ الدَّارَيْنِ، وَمَعْنَاهَا فِي قَوْلِهِ فِيمَنْ هَدَيْتَ اجْعَلْ لِي نَصِيبًا وَافِرًا مِنَ الِاهْتِدَاءِ مَعْدُودًا فِي زُمْرَةِ الْمُهْتَدِينَ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ وَالْأَوْلِيَاءِ. (" وَقِنِي ")، أَيِ: احْفَظْنِي. (" شَرَّ مَا قَضَيْتَ ")، أَيْ: مَا قَدَّرْتَ لِي مِنْ قَضَاءٍ وَقَدَرٍ، فَسَلِّمْ لِيَ الْعَقْلَ وَالدِّينَ، قَالَ الطِّيبِيُّ: وَهَذَا مِنْ قَبِيلِ: أَفِرُّ مِنْ قَضَاءِ اللَّهِ تَعَالَى بِقَدَرِهِ (" فَإِنَّكَ "): وَقَعَ كَالتَّعْلِيلِ لِسُؤَالِ مَا قَبْلَهُ (" تَقْضِي ")، أَيْ: تُقَدِّرُ أَوْ تَحْكُمُ بِكُلِّ مَا أَرَدْتَ (" وَلَا يُقْضَى عَلَيْكَ "): فَإِنَّهُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِكَ وَلَا يَجِبُ عَلَيْكَ شَيْءٌ (" إِنَّهُ ")، أَيِ: الشَّأْنُ (" لَا يَذِلُّ "): بِفَتْحٍ فَكَسْرٍ، أَيْ لَا يَصِيرُ ذَلِيلًا، أَيْ حَقِيقَةً وَلَا عِبْرَةَ بِالصُّورَةِ (" مَنْ وَالَيْتَ "): الْمُوَالَاةُ ضِدُّ الْمُعَادَاةِ. وَجَاءَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ: وَلَا يَعِزُّ مَنْ عَادَيْتَ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ، أَيْ لَا يَذِلُّ مَنْ وَالَيْتَ مِنْ عِبَادِكَ فِي الْآخِرَةِ أَوْ مُطْلَقًا وَإِنِ ابْتُلِيَ بِمَا ابْتُلِيَ بِهِ، وَسُلِّطَ عَلَيْهِ مَنْ أَهَانَهُ وَأَذَلَّهُ بِاعْتِبَارِ الظَّاهِرِ ; لِأَنَّ ذَلِكَ غَايَةُ الرِّفْعَةِ وَالْعِزَّةِ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ أَوْلِيَائِهِ، وَلَا عِبْرَةَ إِلَّا بِهِمْ، وَمِنْ ثَمَّ وَقَعَ لِلْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مِنَ الِامْتِحَانَاتِ الْعَجِيبَةِ مَا هُوَ مَشْهُورٌ، كَقَطْعِ زَكَرِيَّا بِالْمِنْشَارِ، وَذَبْحِ وَلَدِهِ يَحْيَى، وَزَادَ الْبَيْهَقِيُّ، وَكَذَا الطَّبَرَانِيُّ مِنْ عِدَّةِ طُرُقٍ: وَلَا يَعِزُّ مَنْ عَادَيْتَ، أَيْ: لَا يَعِزُّ فِي الْآخِرَةِ أَوْ مُطْلَقًا وَإِنْ أُعْطِيَ مِنْ نَعِيمِ الدُّنْيَا وَمُلْكِهَا مَا أُعْطِيَ، لِكَوْنِهِ لَمْ يَمْتَثِلْ أَوَامِرَكَ وَلَمْ يَجْتَنِبْ نَوَاهِيَكَ، وَوَرَدَ عِنْدَ ابْنِ أَبِي عَاصِمٍ بَعْدَ ذَلِكَ: نَسْتَغْفِرُكَ وَنَتُوبُ إِلَيْكَ. اهـ كَلَامُهُ. (" تَبَارَكْتَ ")، أَيْ: تَكَاثَرَ خَيْرُكَ فِي الدَّارَيْنِ (" رَبَّنَا "): بِالنَّصْبِ، أَيْ: يَا رَبَّنَا (" وَتَعَالَيْتَ ")، أَيِ: ارْتَفَعَ عَظْمَتُكَ وَظَهَرَ قَهْرُكَ وَقُدْرَتُكَ عَلَى مَنْ فِي الْكَوْنَيْنِ، وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ، أَيِ ارْتَفَعْتَ عَنْ مُشَابَهَةِ كُلِّ شَيْءٍ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَالدَّارِمِيُّ): وَفِي التَّصْحِيحِ: وَرَوَاهُ أَحْمَدُ، وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ، وَابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي مُصَنَّفِهِ، وَالْحَاكِمُ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ وَلَا نَعْرِفُ فِي الْقُنُوتِ شَيْئًا أَحْسَنَ مِنْ هَذَا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ: (فَإِنَّكَ) بِالْفَاءِ وَالْبَاقُونَ (إِنَّكَ) بِغَيْرِ فَاءٍ. وَزَادَ النَّسَائِيُّ: وَلَا يَعِزُّ مَنْ عَادَيْتَ، وَفِي آخِرِهِ، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ. وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي عَاصِمٍ وَزَادَ: نَسْتَغْفِرُكَ وَنَتُوبُ إِلَيْكَ. اهـ.
[ ٣ / ٩٥٠ ]
وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذِهِ الزِّيَادَةَ قَبْلَ زِيَادَةِ الصَّلَاةِ عَلَى مَا يُفْهَمُ مِنَ الْحِصْنِ، وَصَرَّحَ بِهِ ابْنُ الْهُمَامِ، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ، لَكِنْ صَحَّ أَيْضًا زِيَادَةُ وَاوٍ قَبْلَ إِنَّهُ، وَمِنْ ثَمَّ غَلَّطَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْفُقَهَاءِ حَذْفَ هَذِهِ الْوَاوِ وَالْفَاءِ قَبْلَ إِنَّكَ وَرَبَّنَا بِأَنَّهُ مُخَالِفٌ لِمَا صَحَّ مِنْ إِثْبَاتِ الثَّلَاثِ، قَالَ مِيرَكُ: وَزَادَ الْحَاكِمُ فِي حَدِيثٍ بَعْدَ قَوْلِهِ فِي قُنُوتِ الْوَتْرِ فِي الْأَخِيرَةِ إِذَا رَفَعْتُ رَأْسِي مِنَ الرُّكُوعِ: اللَّهُمَّ اهْدِنِي وَسَاقَهُ. اهـ.
وَفِي رِوَايَةٍ ذَكَرَهَا الْبَيْهَقِيُّ أَنَّ مُحَمَّدَ ابْنَ الْحَنَفِيَّةِ قَالَ: إِنَّ هَذَا الدُّعَاءَ الَّذِي كَانَ أَبِي يَدْعُو بِهِ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ فِي قُنُوتِهِ، وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ - ﵊ - كَانَ يُعَلِّمُهُمْ هَذَا الدُّعَاءَ لِيَدْعُوا بِهِ فِي قُنُوتِ الصُّبْحِ، وَفِي رِوَايَةٍ أَنَّهُ كَانَ يَقْنُتُ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ وَوَتْرِ اللَّيْلِ بِهَؤُلَاءِ الْكَلِمَاتِ، قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ تَعْلِيمَ هَذَا الدُّعَاءِ وَقَعَ لِقُنُوتِ الْوَتْرِ وَالصُّبْحِ، قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: هُنَا ثَلَاثُ خِلَافِيَّاتٍ: إِحْدَاهَا: أَنَّهُ إِذَا قَنَتَ فِي الْوَتْرِ يَقْنُتُ قَبْلَ الرُّكُوعِ أَوْ بَعْدَهُ؟ وَالثَّانِيَةُ: أَنَّ الْقُنُوتَ فِي الْوَتْرِ فِي جَمِيعِ السَّنَةِ أَوْ فِي النِّصْفِ الْأَخِيرِ مِنْ رَمَضَانَ؟ وَالثَّالِثَةُ: هَلْ يَقْنُتُ فِي غَيْرِ الْوَتْرِ أَوْ لَا؟ لِلشَّافِعِيِّ مَا رَوَاهُ الْحَاكِمُ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ وَصَحَّحَهُ، قَالَ: «عَلَّمَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَلِمَاتٍ أَقَوْلُهُنَّ فِي وَتْرِي إِذَا رَفَعْتُ رَأْسِي وَلَمْ يَبْقَ إِلَّا السُّجُودُ» . الْحَدِيثَ، وَلَنَا: مَا رَوَاهُ النَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُوتِرُ فَيَقْنُتُ قَبْلَ الرُّكُوعِ»، وَأَخْرَجَ الْخَطِيبُ فِي كِتَابِ الْقُنُوتِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَنَتَ فِي الْوَتْرِ قَبْلَ الرُّكُوعِ»، وَذَكَرَهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي التَّحْقِيقِ وَسَكَتَ عَنْهُ، وَأَخْرَجَ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْحِلْيَةِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «أَوْتَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِثَلَاثٍ فَقَنَتَ مِنْهَا قَبْلَ الرُّكُوعِ»، وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُوتِرُ بِثَلَاثِ رَكَعَاتٍ»، وَيَجْعَلُ الْقُنُوتَ قَبْلَ الرُّكُوعِ، وَأَمَّا حَدِيثُ أَنَسٍ «أَنَّهُ - ﵊ - قَنَتَ بَعْدَ الرُّكُوعِ»، فَالْمُرَادُ مِنْهُ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ شَهْرًا فَقَطْ بِدَلِيلِ مَا سَيَأْتِي عَنْهُ قَرِيبًا فِي بَابِ الْقُنُوتِ، قَالَ: وَمِمَّا يُحَقِّقُ ذَلِكَ أَنَّ عَمَلَ الصَّحَابَةِ أَوْ أَكْثَرِهِمْ كَانَ عَلَى وَفْقِ مَا قُلْنَا، قَالَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، عَنْ هِشَامٍ الدُّسْتُوَائِيِّ، عَنْ حَمَّادٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ وَأَصْحَابَ النَّبِيِّ ﷺ كَانُوا يَقْنُتُونَ فِي الْوَتْرِ قَبْلَ الرُّكُوعِ، وَلَمَّا تَرَجَّحُ ذَلِكَ خَرَجَ مَا بَعْدَ الرُّكُوعِ مِنْ كَوْنِهِ مُحَلِّلًا لِلْقُنُوتِ، فَلِذَا رُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ لَوْ سَهَا عَنِ الْقُنُوتِ فَتَذَكَّرَهُ بَعْدَ الِاعْتِدَالِ لَا يَقْنُتُ، وَلَوْ تَذَكَّرَهُ فِي الرُّكُوعِ فَعَنْهُ رِوَايَتَانِ، إِحْدَاهُمَا: لَا يَقْنُتُ، وَالْأُخْرَى يَعُودُ إِلَى الْقِيَامِ فَيَقْنُتُ، وَالَّذِي فِي فَتَاوَى قَاضِي خَانٍ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يَقْنُتُ فِي الرُّكُوعِ، وَلَا يَعُودُ إِلَى الْقِيَامِ فَإِنْ عَادَ إِلَى الْقِيَامِ وَقَنَتَ وَلَمْ يُعِدِ الرُّكُوعَ لَمْ تَفْسُدْ صَلَاتُهُ ; لِأَنَّ رُكُوعَهُ قَائِمٌ لَمْ يَرْتَفِضْ إِلَّا إِذَا اقْتَدَى بِمَنْ يَقْنُتُ فِي الْوَتْرِ بَعْدَ الرُّكُوعِ فَإِنَّهُ يُتَابِعُهُ اتِّفَاقًا، وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْمَسْبُوقَ بِرَكْعَتَيْنِ إِذَا قَنَتَ مَعَ الْإِمَامِ فِي الثَّالِثَةِ لَا يَقْنُتُ مَرَّةً أُخْرَى، وَلَوْ سَبَقَهُ الْإِمَامُ فَرَكَعَ وَهُوَ لَمْ يَفْرَغْ يُتَابِعُهُ، وَلَوْ رَكَعَ الْإِمَامُ وَتَرَكَ الْقُنُوتَ وَلَمْ يَقْرَأِ الْمَأْمُومُ مِنْهُ شَيْئًا إِنْ خَافَ فَوْتَ الرُّكُوعِ يَرْكَعُ وَإِلَّا قَنَتَ ثُمَّ رَكَعَ. اهـ. وَالْخِلَافِيَّتَانِ الْأُخْرَيَانِ سَنَذْكُرُهُمَا فِي بَابِ الْقُنُوتِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَاعْلَمْ أَنَّ قُنُوتَ الْوَتْرِ مُخْتَصٌّ عِنْدَنَا بِنِصْفِ رَمَضَانَ الثَّانِي لِمَا صَحَّ كَمَا قَالَهُ الْحَافِظُ الْمُنْذِرِيُّ، «عَنْ عُمَرَ ﵁: السُّنَّةُ إِذَا انْتَصَفَ رَمَضَانُ أَنْ يَلْعَنَ الْكَفَرَةَ فِي الْوَتْرِ بَعْدَمَا يَقُولُ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، وَمِنْ ثَمَّ لَمَّا جَمَعَ النَّاسَ عَلَى أُبَيٍّ لَمْ يَقْنُتْ بِهِمْ إِلَى النِّصْفِ الثَّانِي» .
رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. وَالِاعْتِرَاضُ عَلَى الْمُنْذِرِيِّ بِأَنَّ مَا صَحَّحَهُ غَرِيبٌ مَرْدُودٌ بِأَنَّهُ جَاءَ مِنْ طُرُقٍ أُخْرَى، قُلْتُ: لَا يَلْزَمُ مِنْ مَجِيئِهِ بِطُرُقٍ أُخْرَى صِحَّتُهُ، وَبِفَرْضِ تَسْلِيمِهِ يُحْمَلُ عَلَى زِيَادَةِ قُنُوتٍ خَاصٍّ مَخْصُوصٍ بِوَقْتِ غَلَبَةِ الْكَفَّارِ وَدَفْعِهِمْ بِالدُّعَاءِ، وَهُوَ لَا يُنَافِي دَوَامَ الْقُنُوتِ الْمَذْكُورِ فِي جَمِيعِ السَّنَةِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
[ ٣ / ٩٥١ ]
١٢٧٤ - وَعَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ﵁، قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا سَلَّمَ فِي الْوَتْرِ قَالَ: " سُبْحَانَ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ» ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَزَادَ: ثَلَاثَ مَرَّاتٍ يُطِيلُ فِي آخِرِهِنَّ.
_________________
(١) (وَعَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا سَلَّمَ فِي الْوَتْرِ): وَفِي نُسْخَةٍ: مِنَ الْوَتْرِ، أَيْ: فِي آخِرِهِ (قَالَ: " سُبْحَانَ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ ")، أَيِ: الْبَالِغِ أَقْصَى النَّزَاهَةِ عَنْ كُلِّ وَصْفٍ لَيْسَ فِيهِ غَايَةُ الْكَمَالِ الْمُطْلَقِ، وَزَادَ بَعْضُهُمْ: رَبِّ الْمَلَائِكَةِ وَالرُّوحِ، وَلَيْسَ لَهُ أَصْلٌ فِي الْحَدِيثِ عَلَى مَا قَالَهُ ابْنُ حَجَرٍ، وَسَيَأْتِي مَا يَرُدُّ عَلَيْهِ.
[ ٣ / ٩٥١ ]
قَالَ الطِّيبِيُّ: هُوَ الطَّاهِرُ الْمُنَزَّهُ عَنِ الْعُيُوبِ وَالنَّقَائِصِ، وَفُعُّولٌ بِالضَّمِّ مِنْ أَبْنِيَةِ الْمُبَالَغَةِ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ): قَالَ مِيرَكُ عَنِ التَّصْحِيحِ: وَهَذَا لَفْظُهُ إِلَّا أَنَّهُ قَالَ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى مُرْسَلًا، قَالَ: يَمُدُّ فِي الثَّالِثَةِ صَوْتَهُ وَيَرْفَعُ، وَأَمَّا فِي حَدِيثِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ فَلَمْ يَزِدْ (ثَلَاثَ مَرَّاتٍ) وَالدَّارَقُطْنِيِّ وَزَادَ: رَبِّ الْمَلَائِكَةِ وَالرُّوحِ، وَابْنِ أَبِي شَيْبَةَ. (وَزَادَ)، أَيِ النَّسَائِيُّ فِي رِوَايَتِهِ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ ذَلِكَ (ثَلَاثَ مَرَّاتٍ يُطِيلُ)، أَيْ: فِي آخِرِهِنَّ، كَمَا رَوَاهُ ابْنُ الْهُمَامِ، وَالْمَعْنَى يُمَدُّ فِي الثَّالِثَةِ صَوْتَهُ.
[ ٣ / ٩٥٢ ]
١٢٧٥ - وَفِي رِوَايَةٍ لِلنَّسَائِيِّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: «كَانَ يَقُولُ إِذَا سَلَّمَ: " سُبْحَانَ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ " ثَلَاثًا، وَيَرْفَعُ صَوْتَهُ بِالثَّالِثَةِ» .
_________________
(١) (وَفِي رِوَايَةٍ لِلنَّسَائِيِّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى، عَنْ أَبِيهِ): قَالَ مِيرَكُ: صَوَابُهُ عَنِ ابْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى عَنْ أَبِيهِ، قُلْتُ: أَوْ حُذِفَ عَنْ أَبِيهِ، (قَالَ: كَانَ)، أَيِ: النَّبِيُّ ﷺ («يَقُولُ إِذَا سَلَّمَ: " سُبْحَانَ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ " ثَلَاثًا، وَيَرْفَعُ صَوْتَهُ بِالثَّالِثَةِ»): قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَرَوَاهُ أَحْمَدُ وَالدَّارَقُطْنِيُّ أَيْضًا، قَالَ الْمُظْهِرُ: هَذَا يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ الذِّكْرِ بِرَفْعِ الصَّوْتِ، بَلْ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ إِذَا اجْتَنَبَ الرِّيَاءَ إِظْهَارًا لِلدِّينِ، وَتَعْلِيمًا لِلسَّامِعِينَ، وَإِيقَاظًا لَهُمْ مِنْ رَقْدَةِ الْغَفْلَةِ، وَإِيصَالًا لِبَرَكَةِ الذِّكْرِ إِلَى مِقْدَارِ مَا يَبْلُغُ الصَّوْتُ إِلَيْهِ مِنَ الْحَيَوَانِ وَالشَّجَرِ وَالْحَجَرِ وَالْمَدَرِ، وَطَلَبًا لِاقْتِدَاءِ الْغَيْرِ بِالْخَيْرِ وَيَشْهَدُ لَهُ كُلُّ رَطْبٍ وَيَابِسٍ سَمِعَ صَوْتَهُ، وَبَعْضُ الْمَشَايِخِ يَخْتَارُ إِخْفَاءَ الذِّكْرِ ; لِأَنَّهُ أَبْعَدُ مِنَ الرِّيَاءِ وَهَذَا مُتَعَلِّقٌ بِالنِّيَّةِ.
[ ٣ / ٩٥٢ ]
١٢٧٦ - وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁، قَالَ: «إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقُولُ فِي آخِرِ وَتْرِهِ: " اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِرِضَاكَ مِنْ سَخَطِكَ، وَبِمُعَافَاتِكَ مِنْ عُقُوبَتِكَ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْكَ، لَا أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ، أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ» ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ.
_________________
(١) (وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقُولُ فِي آخِرِ وَتْرِهِ)، أَيْ بَعْدَ السَّلَامِ مِنْهُ كَمَا فِي رِوَايَةٍ، قَالَ مِيرَكُ: وَفِي إِحْدَى رِوَايَاتِ النَّسَائِيِّ كَانَ يَقُولُ إِذَا فَرَغَ مِنْ صَلَاتِهِ وَتَبَوَّأَ مَضْجَعَهُ: (" اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِرِضَاكَ ")، أَيْ مِنْ جُمْلَةِ صِفَاتِ جَمَالِكَ (" مِنْ سَخَطِكَ ")، أَيْ: مِنْ بَقِيَّةِ صِفَاتِ جَلَالِكَ (" وَبِمُعَافَاتِكَ "): مِنْ أَفْعَالِ الْإِكْرَامِ وَالْإِنْعَامِ (" مِنْ عُقُوبَتِكَ "): مِنْ أَفْعَالِ الْغَضَبِ وَالِانْتِقَامِ (" وَأَعُوذُ بِكَ مِنْكَ ")، أَيْ: بِذَاتِكَ مِنْ آثَارِ صِفَاتِكَ، وَفِيهِ إِيمَاءٌ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ [آل عمران: ٢٨] وَإِشَارَةٌ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ﴾ [الذاريات: ٥٠] وَتَلْمِيحٌ إِلَى قَوْلِهِ ﷿: ﴿وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا﴾ [المزمل: ٨] أَيِ: انْقَطِعْ إِلَيْهِ انْقِطَاعًا بِالْكُلِّيَّةِ حَتَّى تَغِيبَ عَمَّا سِوَاهُ فَتَفْنَى عَنْ وُجُودِكَ وَشُهُودِكَ وَتَبْقَى بِبَقَاهُ، وَلَعَلَّ هَذَا السِّرَّ الْمُشِيرَ إِلَى مَقَامِ الْفَرْدِيَّةِ اقْتَضَى أَنْ يَقْرَأَ هَذَا الدُّعَاءَ فِي آخِرِ الصَّلَاةِ الْوَتْرِيَّةِ. وَفِي اصْطِلَاحِ السَّادَةِ الصُّوفِيَّةِ الْفِقْرَةُ الْأُولَى إِشَارَةٌ إِلَى تَوْحِيدِ الصِّفَاتِ، وَالثَّانِيَةُ إِلَى تَوْحِيدِ الْأَفْعَالِ، وَالثَّالِثَةُ إِلَى تَوْحِيدِ الذَّاتِ، وَعَنْ هَذَا قَالَ الْغَزَالِيُّ: الْأَنْسَبُ مَا وَرَدَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ تَقْدِيمُ الْفِقْرَةِ الثَّانِيَةِ عَلَى الْأُولَى، وَإِنْ كَانَتِ الْوَاوُ لِمُطْلَقِ الْجَمْعِ، فَإِنَّ التَّرْتِيبَ اللَّفْظِيَّ لَهُ تَأْثِيرٌ بَلِيغٌ فِي التَّنَاسُبِ الْمَعْنَوِيِّ، وَقَدْ تُوَجَّهُ هَذِهِ الرِّوَايَةُ بِأَنَّ تَحَقُّقَ الْأَفْعَالِ إِنَّمَا يَكُونُ بَعْدَ ثُبُوتِ الصِّفَاتِ، فَهُمَا أَصْلٌ وَفَرْعٌ، وَتَقْدِيمُ الْأَصْلِ أَصْلٌ، وَإِنَّمَا قُدِّمَا عَلَى التَّوْحِيدِ الذَّاتِيِّ لِتَحَقُّقِهِمَا فِي الْخَارِجِ قَبْلَهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَسْرَارِهِ وَأَخْبَارِ سَيِّدِ أَحْرَارِهِ. (" لَا أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ ")، أَيْ: لَا أُطِيقُهُ وَلَا أَبْلُغُهُ حَصْرًا وَعَدَدًا، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَزَادَ بَعْضُهُمْ " سُبْحَانَكَ " قَبْلَ " لَا أُحْصِي " وَلَمْ أَرَ لَهُ أَصْلًا فِي الْحَدِيثِ. (" أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ ")، أَيْ: ذَاتِكَ، قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: مَعْنَى الْحَدِيثِ الِاسْتِغْفَارُ مِنَ التَّقْصِيرِ فِي بُلُوغِ الْوَاجِبِ مِنْ حَقِّ ذَاتِهِ، وَالثَّنَاءُ عَلَيْهِ. اهـ.
[ ٣ / ٩٥٢ ]
وَفِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ: " لَا أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ وَلَوْ حَرَصْتُ، وَلَكِنْ أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ "، قَالَ مِيرَكُ: قِيلَ: يُحْتَمَلُ أَنَّ الْكَافَ زَائِدَةٌ، وَالْمَعْنَى أَنْتَ الَّذِي أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ، وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: " مَا " فِي كَمَا مَوْصُوفَةٌ أَوْ مَوْصُولَةٌ، وَالْكَافُ بِمَعْنَى الْمِثْلِ، أَيْ: أَنْتَ الذَّاتُ الَّتِي لَهَا صِفَاتُ الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ، وَلَهَا الْعِلْمُ الشَّامِلُ وَالْقُدْرَةُ الْكَامِلَةُ، أَنْتَ تَقْدِرُ عَلَى إِحْصَاءِ ثَنَائِكَ، وَهَذَا الثَّنَاءُ إِمَّا بِالْقَوْلِ وَإِمَّا بِالْفِعْلِ، وَهُوَ إِظْهَارُ فِعْلِهِ عَنْ بَثِّ آلَائِهِ وَنَعْمَائِهِ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ): وَقَالَ: حَسَنٌ غَرِيبٌ. نَقَلَهُ مِيرَكُ. (وَالنَّسَائِيُّ: وَابْنُ مَاجَهْ): قَالَ مِيرَكُ: وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ وَابْنُ أَبِي شَيْبَةَ. اهـ.
قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: وَيَحْتَاجُ إِلَى إِثْبَاتِ وُجُوبِ الْقُنُوتِ، وَهُوَ مُتَوَقِّفٌ عَلَى ثُبُوتِ صِيغَةِ الْأَمْرِ فِيهِ، يَعْنِي قَوْلَ صَاحِبِ الْهِدَايَةِ: اجْعَلْ هَذَا فِي وَتْرِكَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِهِ، فَلَمْ يَثْبُتْ لِي، وَمِنْهُمْ مَنْ حَاوَلَ الِاسْتِدْلَالَ بِالْمُوَاظَبَةِ الْمُفَادَةِ مِنَ الْأَحَادِيثِ، وَهُوَ مُتَوَقِّفٌ عَلَى كَوْنِهَا غَيْرَ مَقْرُونَةٍ بِالتَّرْكِ، وَلَكِنَّ مُطْلَقَ الْمُوَاظِبَةِ أَعَمُّ مِنَ الْمَقْرُونَةِ بِهِ أَحْيَانًا وَغَيْرِ الْمَقْرُونَةِ، وَلَا دَلَالَةَ لِلْأَعَمِّ عَلَى الْأَخَصِّ، وَإِلَّا لَوَجَبَتْ هَذِهِ الْكَلِمَاتُ عَيْنًا أَوْ كَانَتْ أَوْلَى مِنْ غَيْرِهَا، لَكِنَّ الْمُتَقَرِّرَ عِنْدَهُمْ لِمَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ فِي الْمَرَاسِيلِ، عَنْ خَالِدِ بْنِ أَبِي عِمْرَانَ قَالَ: «بَيْنَمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدْعُو عَلَى مُضَرَ ; إِذْ جَاءَهُ جِبْرِيلُ فَأَوْمَأَ إِلَيْهِ أَنِ اسْكُتْ، فَسَكَتَ، فَقَالَ: " يَا مُحَمَّدُ إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَبْعَثْكَ سَبَّابًا وَلَا لَعَّانًا وَإِنَّمَا بَعَثَكَ رَحْمَةً " ثُمَّ قَرَأَ الْآيَةَ: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ [آل عمران: ١٢٨]، ثُمَّ عَلَّمَهُ الْقُنُوتَ " اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْتَعِينُكَ وَنَسْتَغْفِرُكَ وَنُؤْمِنُ بِكَ وَنَخْضَعُ لَكَ وَنَخْلَعُ وَنَتْرُكُ مَنْ يَكْفُرُكَ، اللَّهُمَّ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَلَكَ نُصَلِّي وَنَسْجُدُ وَإِلَيْكَ نَسْعَى وَنَحْفِدُ، نَرْجُو رَحْمَتَكَ وَنَخَافُ عَذَابَكَ إِنَّ عَذَابَكَ الْجِدَّ بِالْكُفَّارِ مُلْحِقٌ» ". اهـ.
وَأَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ أَيْضًا بِهَذَا اللَّفْظِ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ صَالِحٍ عَلَى مَا ذَكَرَهُ السُّيُوطِيُّ فِي الدُّرِّ الْمَنْثُورِ، وَفِي الْحِصْنِ بِلَفْظِ: " «اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْتَعِينُكَ وَنَسْتَغْفِرُكَ وَنُثْنِي عَلَيْكَ الْخَيْرَ وَلَا نَكْفُرُكَ وَنَخْلَعُ وَنَتْرُكُ مِنْ يَفْجُرُكَ، اللَّهُمَّ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَلَكَ نُصَلِّي وَنَسْجُدُ وَإِلَيْكَ نَسْعَى» "، وَفِي نُسْخَةٍ: " وَإِلَيْكَ نَسْعَى وَنَحْفِدُ وَنَخْشَى عَذَابَكَ الْجِدَّ "، أَيِ: الْحَقُّ الثَّابِتُ " وَنَرْجُو رَحْمَتَكَ إِنَّ عَذَابَكَ الْجِدَّ بِالْكُفَّارِ مُلْحِقٌ " بِكَسْرِ الْحَاءِ وَيُفْتَحُ، رَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مَوْقُوفًا عَلَى ابْنِ مَسْعُودٍ، وَابْنُ السُّنِّيِّ مَوْقُوفًا عَلَى ابْنِ عُمَرَ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ السُّنِّيِّ زِيَادَةُ الْبَسْمَلَةِ قَبْلَ: اللَّهُمَّ فِي الْمَوْضِعَيْنِ.
وَذَكَرَ الشَّيْخُ جَلَالُ الدِّينِ الْأَسْيُوطِيُّ - ﵀ - فِي الدُّرِّ الْمَنْثُورِ هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ طُرُقٍ كَثِيرَةٍ، بِأَلْفَاظٍ مُخْتَلِفَةٍ، وَقَالَ: ذِكْرُ مَا وَرَدَ فِي سُورَةِ الْخَلْعِ وَسُورَةِ الْحَفْدِ، مِنْهَا: أَخْرَجَ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ، وَالطَّحَاوِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ كَانَ يَقْنُتُ بِالسُّورَتَيْنِ: اللَّهُمَّ إِيَّاكَ نَعْبُدُ، وَاللَّهُمَّ إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ، وَمِنْهَا: أَخْرَجَ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ، عَنْ سُفْيَانَ، قَالَ: كَانُوا يَسْتَحِبُّونَ أَنْ يَجْعَلُوا فِي قُنُوتِ الْوَتْرِ هَاتَيْنِ السُّورَتَيْنِ، وَكَذَلِكَ أَخْرَجَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ، وَعَطَاءٍ، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، وَالْحَسَنِ، وَقَالَ فِي الْمُغْرِبِ: مَعْنَى الدُّعَاءِ: يَا أَللَّهُ إِنَّا نَطْلُبُ مِنْكَ الْعَوْنَ عَلَى الطَّاعَةِ وَتَرْكِ الْمَعْصِيَةِ، وَنَطْلُبُ مِنْكَ الْمَغْفِرَةَ لِلذُّنُوبِ، وَنُثْنِي مِنَ الثَّنَاءِ وَهُوَ: الْمَدْحُ. وَانْتِصَابُ الْخَيْرِ عَلَى الْمَصْدَرِ، وَالْكُفْرُ: نَقِيضُ الشُّكْرِ، وَقَوْلُهُمْ: كَفَرْتُ فُلَانًا عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ، وَالْأَصْلُ: كَفَرْتُ نِعْمَتَهُ، وَنَخْلَعُ مِنْ خَلَعِ الْفَرَسُ رَسَنَهُ، أَيْ: أَلْقَاهُ وَطَرَحَهُ، وَالْفِعْلَانِ مُوَجَّهَانِ إِلَى (مَنْ) وَالْعَمَلُ مِنْهُمَا لِنَتْرُكَ، وَيَفْجُرُكَ: يَعْصِيكَ، وَالسَّعْيُ: الْإِسْرَاعُ فِي الْمَشْيِ، وَنَحْفِدُ، أَيْ: نَعْمَلُ لَكَ بِطَاعَتِكَ مِنَ الْحَفْدِ وَهُوَ: الْإِسْرَاعُ فِي الْخِدْمَةِ، وَالْمُلْحِقُ بِمَعْنَى لَحِقَ، وَمِنْهُ أَنَّ عَذَابَكَ بِالْكُفَّارِ مُلْحِقٌ عَنِ الْكِسَائِيِّ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ مُلْحِقٌ بِالْكُفَّارِ غَيْرَهُمْ، وَهَذَا أَوْجَهُ لِلِاسْتِئْنَافِ الَّذِي مَعْنَاهُ التَّعْلِيلُ. اهـ.
قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: وَعَنْ طَائِفَةٍ مِنَ الْمَشَايِخِ أَنَّهُ لَا يُوَقِّتُ فِي دُعَاءِ الْقُنُوتِ ; لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يَجْرِي عَلَى اللِّسَانِ مِنْ غَيْرِ صِدْقِ رَغْبَةٍ، فَلَا يَحْصُلُ بِهِ الْمَقْصُودُ، وَقَالَ آخَرُونَ: ذَلِكَ فِي غَيْرِ اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْتَعِينُكَ ; لِأَنَّ الصَّحَابَةَ اتَّفَقُوا عَلَيْهِ وَلَوْ قَرَأَ غَيْرَهُ جَازَ، وَالْأَوْلَى أَنْ يَقْرَأَ بَعْدَهُ قُنُوتَ الْحَسَنِ: اللَّهُمَّ اهْدِنِي فِيمَنْ هَدَيْتَ، وَمَنْ لَا يُحْسِنُ الْقُنُوتَ يَقُولُ: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [البقرة: ٢٠١]، وَقَالَ أَبُو اللَّيْثِ: يَقُولُ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي وَيُكَرِّرُ ثَلَاثًا.
[ ٣ / ٩٥٣ ]
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
١٢٧٧ - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قِيلَ لَهُ: هَلْ لَكَ فِي أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ مُعَاوِيَةَ مَا أَوْتَرَ إِلَّا بِوَاحِدَةٍ؟ قَالَ: أَصَابَ، إِنَّهُ فَقِيهٌ. وَفِي رِوَايَةٍ: قَالَ ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ: أَوْتَرَ مُعَاوِيَةُ بَعْدَ الْعِشَاءِ بِرَكْعَةٍ، وَعِنْدَهُ مَوْلًى لِابْنِ عَبَّاسٍ، فَأَتَى ابْنَ عَبَّاسٍ فَأَخْبَرَهُ فَقَالَ: دَعْهُ فَإِنَّهُ قَدْ صَحِبَ النَّبِيَّ ﷺ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
_________________
(١) الْفَصْلُ الثَّالِثُ
(٢) (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قِيلَ لَهُ: هَلْ لَكَ)، أَيْ جَوَابٌ أَوْ إِفْتَاءٌ (فِي أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ مُعَاوِيَةَ)، أَيْ فِي فِعْلِهِ (مَا أَوْتَرَ إِلَّا بِوَاحِدَةٍ؟): ظَاهِرُهُ أَنَّهُ اكْتَفَى بِرَكْعَةٍ وَاحِدَةٍ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَوْتَرَ بِرَكْعَةٍ وَاحِدَةٍ مُنْضَمَّةٍ إِلَى شَفْعٍ قَبْلَهَا، فَيَكُونُ الْإِنْكَارُ عَلَيْهِ مِنْ حَيْثُ الِاكْتِفَاءِ بِالْوَتْرِ وَتَرْكِ التَّهَجُّدِ، أَوْ تَرْكِ سُنَّةِ الْعِشَاءِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ (قَالَ)، أَيِ ابْنُ عَبَّاسٍ: (أَصَابَ) أَيْ أَدْرَكَ الثَّوَابَ فِي اجْتِهَادِهِ (إِنَّهُ فَقِيهٌ)، أَيْ مُجْتَهِدٌ وَهُوَ مُثَابٌ وَإِنْ أَخْطَأَ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَمِنْ ثَمَّ كَانَ يَرْقَى مِنْبَرَ الْمَدِينَةِ إِذَا سَمِعَ مِنْ فُقَهَائِهَا شَيْئًا يُخَالِفُ السُّنَّةَ، وَيَقُولُ: يَا أَهْلَ الْمَدِينَةِ، أَيْنَ عُلَمَاؤُكُمْ؟ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ كَذَا، أَوْ رَأَيْتُهُ يَفْعَلُ كَذَا. (وَفِي رِوَايَةٍ: قَالَ ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ) مُصَغَّرًا (أَوْتَرَ مُعَاوِيَةُ بَعْدَ الْعِشَاءِ بِرَكْعَةٍ، وَعِنْدَهُ مَوْلًى لِابْنِ عَبَّاسٍ): نَقَلَ مِيرَكُ عَنِ الشَّيْخِ هُوَ كَرِيبٍ، رَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ الْمَرْوَزِيُّ فِي كِتَابِ الْوَتْرِ، وَرَوَاهُ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ شَاهَدَ ذَلِكَ مِنْ مُعَاوِيَةَ فَسَأَلَ أَبَاهُ عَنْ ذَلِكَ، وَهُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ فِي الرِّوَايَةِ الْأُولَى قِيلَ: لِابْنِ عَبَّاسٍ. (فَأَتَى ابْنَ عَبَّاسٍ فَأَخْبَرَهُ، فَقَالَ: دَعْهُ)، أَيِ اتْرُكْهُ وَلَا تَعْتَرِضْ عَلَيْهِ بِالْإِنْكَارِ (فَإِنَّهُ قَدْ صَحِبَ النَّبِيَّ ﷺ) قَالَ الطِّيبِيُّ، أَيْ فَلَا يَفْعَلُ إِلَّا مَا رَآهُ، يَعْنِي: وَلَعَلَّهُ رَأَى مَا لَمْ يَرَ غَيْرَهُ وَأَصْحَابُهُ كَالنُّجُومِ بِأَيِّهِمُ اقْتَدَيْتُمُ اهْتَدَيْتُمْ، وَهُمْ عُدُولٌ وَلَا يَفْعَلُونَ شَيْئًا مِنْ تِلْقَاءِ أَنْفُسِهِمْ، لَكِنَّ الْحَدِيثَ صَرِيحٌ فِي كَوْنِ مُعَاوِيَةَ شَاذًّا مُنْفَرِدًا عَنْ سَائِرِ الصَّحَابَةِ، وَلِذَا أَنْكَرَ عَلَيْهِ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ حِكَايَةِ إِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) .
[ ٣ / ٩٥٤ ]
١٢٧٨ - وَعَنْ بُرَيْدَةَ ﵁، «قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " الْوَتْرُ حَقٌّ، فَمَنْ لَمْ يُوتِرْ فَلَيْسَ مِنَّا، الْوَتْرُ حَقٌّ، فَمَنْ لَمْ يُوتِرْ فَلَيْسَ مِنَّا، الْوَتْرُ حَقٌّ، فَمَنْ لَمْ يُوتِرْ فَلَيْسَ مِنَّا» ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
_________________
(١) (وَعَنْ بُرَيْدَةٍ قَالَ: «سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " الْوَتْرُ حَقٌّ»)، أَيٌ وَاجِبٌ كَمَا فِي رِوَايَةٍ (" «فَمَنْ لَمْ يُوتِرْ فَلَيْسَ مِنَّا» ")، أَيْ مِنْ أَتْبَاعِنَا (" «الْوَتْرُ حَقٌّ» ")، أَيْ: فَرْضٌ عَمَلِيٌّ (" «فَمَنْ لَمْ يُوتِرْ فَلَيْسَ مِنَّا» ")، أَيْ: مِنْ أَهْلِ طَرِيقَتِنَا (" «الْوَتْرُ حَقٌّ» ")، أَيْ ثَابِتٌ وُجُوبُهُ بِالسُّنَّةِ (" «فَمَنْ لَمْ يُوتِرْ فَلَيْسَ مِنَّا» ")، أَيْ: مِنْ أَهْلِ مِلَّتِنَا تَغْلِيظًا وَوَعِيدًا، وَإِنَّمَا حَمَلْنَا الْحَدِيثَ عَلَى مَا ذَكَرْنَا فَإِنَّ التَّأْسِيسَ أَوْلَى مِنَ التَّأْكِيدِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: مِنْ فِيهِ اتِّصَالِيَّةٌ كَمَا " فِي " قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ [التوبة: ٦٧] وَقَوْلِهِ ﵊: " فَإِنِّي لَسْتُ مِنْكَ وَلَسْتَ مِنِّي ". وَالْمَعْنَى: فَمَنْ لَمْ يُوتِرْ فَلَيْسَ بِمُتَّصِلٍ بِنَا وَبِهَدْيِنَا وَطَرِيقِنَا، أَيْ: إِنَّهُ ثَبَاتٌ فِي الشَّرْعِ وَسُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ، وَالتَّكْرِيرُ لِمَزِيدِ تَقْرِيرِ حَقِّيَّتِهِ وَإِثْبَاتِهِ عَلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ، وَلِوُجُوبِهِ عَلَى مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ، وَلِكُلٍّ وُجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا. اهـ. وَتَقَدَّمَ وَجْهُ الْأَرْجَحِيَّةِ فِي كَلَامِ ابْنِ الْهُمَامِ بِمَا لَا مَزِيدَ عَلَيْهِ فِي تَحْقِيقِ الْمُرَامِ، وَلَمَّا كَانَ " لَيْسَ مِنَّا " قَدْ يُقَالُ فِي غَيْرِ الْوَاجِبِ، كَقَوْلِهِ ﵊: " «لَيْسَ مِنَّا مَنِ اسْتَنْجَى مِنَ الرِّيحِ» "، وَكَقَوْلِهِ فِي تَارِكِ النِّكَاحِ مَعَ الْقُدْرَةِ مَعَ أَنَّهُ سُنَّةٌ لَا وَاجِبٌ إِجْمَاعًا: " «فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي» "، وَقَدْ يُقَالُ فِي الْفَرْضِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٥٩] قُلْنَا: بِوُجُوبِ الْوَتْرِ لِكَوْنِ الدَّلِيلِ ظَنِّيًّا. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ): قَالَ مِيرَكُ: وَاللَّفْظُ لَهُ، وَرَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالْحَاكِمُ، وَقَالَ: صَحِيحُ الْإِسْنَادِ، قَالَهُ الْمُنْذِرِيُّ، وَقَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ: ضَعَّفَهُ الْأَئِمَّةُ وَرَدُّوا عَلَى الْحَاكِمِ تَصْحِيحَهُ لَهُ مُجَرَّدُ دَعْوًى لَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مَعْنًى.
[ ٣ / ٩٥٤ ]
١٢٧٩ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " «مَنْ نَامَ عَنِ الْوِتْرِ أَوْ نَسِيَهُ فَلْيُصَلِّ إِذَا ذَكَرَ أَوْ إِذَا اسْتَيْقَظَ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ.
_________________
(١) (وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " مَنْ نَامَ عَنِ الْوِتْرِ)، أَيْ: عَنْ فِعْلِهِ أَوْ وَقْتِهِ (أَوْ نَسِيَهُ فَلْيُصَلِّ)، أَيْ قَضَاءً، وَهُوَ مِنْ أَمَارَاتِ الْوُجُوبِ (إِذَا ذَكَرَ)، أَيْ: رَاجِعٌ إِلَى النِّسْيَانِ (وَإِذَا اسْتَيْقَظَ): رَاجِعٌ إِلَى النَّوْمِ، فَالْوَاوُ بِمَعْنَى " أَوْ " وَالتَّرْتِيبُ مُفَوَّضٌ إِلَى رَأْيِ السَّامِعِ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ) .
[ ٣ / ٩٥٥ ]
١٢٨٠ - وَعَنْ مَالِكٍ ﵁، بَلَغَهُ «أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ ابْنَ عُمَرَ عَنِ الْوِتْرِ: أَوَاجِبٌ هُوَ؟ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: قَدْ أَوْتَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَأَوْتَرَ الْمُسْلِمُونَ، فَجَعَلَ الرَّجُلُ يُرَدِّدُ عَلَيْهِ، وَعَبْدُ اللَّهِ يَقُولُ: أَوْتَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَأَوْتَرَ الْمُسْلِمُونَ» . رَوَاهُ فِي " الْمُوَطَّأِ ".
_________________
(١) («وَعَنْ مَالِكٍ بَلَغَهُ أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ ابْنَ عُمَرَ عَنِ الْوِتْرِ: أَوَاجِبٌ هُوَ؟»)، أَيْ: أَهْوَ سُنَّةٌ؟ («فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: قَدْ أَوْتَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَأَوْتَرَ الْمُسْلِمُونَ»): اكْتَفَى بِالدَّلِيلِ عَنِ الْمَدْلُولِ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: إِنَّهُ وَاجِبٌ بِدَلِيلِ مُوَاظَبَتِهِ - ﵊ - وَإِجْمَاعُ [أَهْلِ الْإِسْلَامِ (فَجَعَلَ الرَّجُلُ يُرَدِّدُ عَلَيْهِ)، أَيْ يُكَرِّرُ عَلَيْهِ وَيَطْلُبُ الْجَوَابَ الصَّرِيحَ، وَلَمْ يَكْتَفِ بِالتَّلْمِيحِ وَالتَّلْوِيحِ. (وَعَبْدُ اللَّهِ يَقُولُ: «أَوْتَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَأَوْتَرَ الْمُسْلِمُونَ»): وَتَوَرَّعَ فِي الْخِطَابِ، وَلَمْ يُصَرِّحْ بِالْجَوَابِ لِعَدَمِ سَمَاعِهِ مِنْهُ - ﵊ - شَيْئًا فِي ذَلِكَ، وَهَذَا الطَّرِيقُ هُوَ الْأَحْوَطُ وَهُوَ مُخْتَارُ الصُّوفِيَّةِ حَيْثُ يُوَاظِبُونَ عَلَى الْفِعْلِ الثَّابِتِ، وَلَا يَبْحَثُونَ عَنْ كَوْنِهِ فَرْضًا أَوْ نَدْبًا، نَعَمْ يَتَرَتَّبُ عَلَى مَعْرِفَةِ الْخِلَافِ أَنَّ مَنِ اعْتَقَدَ الْوُجُوبَ يُزَادُ فِي ثَوَابِهِ عَلَى مَنِ اعْتَقَدَ السُّنِّيَّةَ، قَالَ الطِّيبِيُّ: وَتَلْخِيصُ الْجَوَابِ أَنْ لَا أَقْطَعَ بِالْقَوْلِ بِوُجُوبِهِ، وَلَا بِعَدَمِ وُجُوبِهِ ; لِأَنِّي إِذَا نَظَرْتُ إِلَى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَابَهُ ﵃ وَاظَبُوا عَلَيْهِ ذَهَبْتُ إِلَى الْوُجُوبِ، وَإِذَا فَتَّشْتُ نَصًّا دَالًّا عَلَيْهِ نَكَصْتُ عَنْهُ، أَيْ: رَجَعْتُ. أَقُولُ: اخْتَرْنَا الشِّقَّ الْأَوَّلَ وَقُلْنَا بِالْوُجُوبِ. لَوْ وَجَدْنَا دَلِيلًا قَاطِعًا لَحَكَمْنَا بِالْفَرْضِيَّةِ، وَأَيْضًا لَمْ يَكُنْ دَأْبُهُ - ﵊ - أَنَّهُ يَقُولُ هَذَا الْفِعْلَ فَرْضٌ أَوْ وَاجِبٌ أَوْ سُنَّةٌ، وَالْحِكْمَةُ فِي ذَلِكَ حَتَّى يَكُونَ اخْتِلَافُ الْأَئِمَّةِ رَحْمَةً، لَكِنَّ الْمُعْتَمَدَ عِنْدَ الْأُصُولِيِّينَ أَنَّ مُوَاظَبَتَهُ - ﵊ - لَا سِيَّمَا مَعَ مُوَاظَبَةِ أَصْحَابِهِ وَالتَّابِعِينَ دَلِيلٌ عَلَى الْوُجُوبِ، وَيَكْفِي لِأَبِي حَنِيفَةَ فِي أَصْلِ وُجُوبِ الْوِتْرِ وَأَنْ نُوَزِّعَ فِي صِفَتِهِ، وَبِهَذَا يَنْدَفِعُ قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ، وَمَحَلُّهُ حَيْثُ لَمْ يَرِدْ مَا يَصْرِفُهُ إِلَى النَّدْبِ، وَهَاهُنَا صَحَّ ذَلِكَ كَمَا مَرَّ مُسْتَوْفًى، عَلَى أَنَّهُ سَيَأْتِي عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ أَوْتَرَ بِوَاحِدَةٍ، وَأَبُو حَنِيفَةَ لَا يَقُولُ بِذَلِكَ اهـ، وَسَيَأْتِي جَوَابُ مَا سَيَأْتِي. (رَوَاهُ)، أَيْ مَالِكٌ (فِي الْمُوَطَّأِ): بِالْهَمْزِ، وَقِيلَ بِالْأَلِفِ، وَسَبَقَ الِاعْتِرَاضُ.
[ ٣ / ٩٥٥ ]
١٢٨١ - وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁، «قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُوتِرُ بِثَلَاثٍ، يَقْرَأُ فِيهِنَّ بِتِسْعِ سُوَرٍ مِنَ الْمُفَصَّلِ، يَقْرَأُ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ ثَلَاثَ سُوَرٍ آخِرُهُنَّ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١]» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
_________________
(١) («وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُوتِرُ بِثَلَاثٍ»)، أَيْ ثَلَاثِ رَكَعَاتٍ يَقْرَأُ فِيهِنَّ: (بِتِسْعِ سُوَرٍ مِنَ الْمُفَصَّلِ): الظَّاهِرُ مِنْ قِصَارِهِ (يَقْرَأُ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ بِثَلَاثِ سُوَرٍ آخِرُهُنَّ)، أَيْ: آخِرُ الثَّلَاثِ أَوِ السُّورِ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١]، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: يَحْتَمِلُ أَنَّهُ كَانَ فِي كُلٍّ مِنَ الثَّلَاثِ يَقْرَأُ سُورَتَيْنِ وَيَخْتِمُ بِالْإِخْلَاصِ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ إِلَّا فِي الْأَخِيرَةِ، وَعَلَى الْأَوَّلِ يُسْتَفَادُ مِنْهُ، أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِتَكْرِيرِ السُّورَةِ فِي الرَّكْعَتَيْنِ اهـ. وَالظَّاهِرُ الْمُتَبَادِرُ الْأَوَّلُ وَيُسْتَبْعَدُ الثَّانِي ; إِذْ يَحْتَاجُ إِلَى جَعْلِ ضَمِيرِ (آخِرُهُنَّ) رَاجِعًا إِلَى السُّوَرِ التِّسْعِ، وَهُوَ فِي غَايَةٍ مِنَ الْبُعْدِ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) .
[ ٣ / ٩٥٥ ]
١٢٨٢ - وَعَنْ نَافِعٍ، قَالَ: كُنْتُ مَعَ ابْنِ عُمَرَ ﵄ بِمَكَّةَ، وَالسَّمَاءُ مُغَيِّمَةٌ، فَخَشِيَ الصُّبْحَ، فَأَوْتَرَ بِوَاحِدَةٍ، ثُمَّ انْكَشَفَ، فَرَأَى أَنَّ عَلَيْهِ لَيْلًا، فَشَفَعَ بِوَاحِدَةٍ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ، فَلَمَّا خَشِيَ الصُّبْحَ أَوْتَرَ بِوَاحِدَةٍ. رَوَاهُ مَالِكٌ.
_________________
(١) (وَعَنْ نَافِعٍ قَالَ: كُنْتُ مَعَ ابْنِ عُمَرَ بِمَكَّةَ، وَالسَّمَاءُ مُغَيِّمَةٌ): كَذَا فِي النُّسَخِ الْمُصَحَّحَةِ بِضَمِّ الْمِيمِ الْأَوْلَى وَكَسْرِ الثَّانِيَةِ، وَقِيلَ بِفَتْحِهَا، وَفِي نُسْخَةٍ (مُغَيِّمَةً) بِكَسْرِ الْيَاءِ الْمُشَدَّدَةِ، وَقِيلَ: بِفَتْحِهَا، وَفِي نُسْخَةٍ بِضَمِّ الْمِيمِ وَكَسْرِ الْيَاءِ مُغَيِّمَةً، وَقِيلَ بِكَسْرِ الْغَيْنِ، وَفِي نُسْخَةٍ (مُغَمَّاةً) مُشَدَّدَةً وَمُخَفَّفَةً، وَفِي نُسْخَةٍ كَمَرْضِيَّةٍ وَمَآلُ الْكَلِّ إِلَى مَعْنَى وَاحِدٍ، قَالَ الطِّيبِيُّ، أَيْ مُغَطَّاةً بِالْغَيْمِ، وَفِي نِهَايَةِ الْجَزَرِيِّ يُقَالُ: أَغْمَى عَلَيْنَا الْهِلَالُ وَغَمَّى فَهُوَ مُغْمى، وَمُغمًّى إِذْ حَالَ دُونَ رُؤْيَتِهِ غَيْمٌ، يُقَالُ: غَامَتِ السَّمَاءُ وَأَغَامَتْ وَتغَمَّيَتْ كُلُّهُ بِمَعْنَى اهـ. زَادَ فِي الصِّحَاحِ وَالْقَامُوسِ: وَأَغْيَمَتْ وَتَغَيَّمَتْ تَغَيُّمًا، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: يُقَالُ: غَيَّمْتُ الشَّيْءَ إِذَا غَطَّيْتَهُ وَأَغْمَى وَغَمَّى وَغَمَى بِتَشْدِيدِ الْمِيمِ وَتَخْفِيفِهَا الْكُلُّ بِمَعْنَى اهـ. وَفِي التَّاجِ: التَّغْيِيمُ وَالْإِغَامَةُ الدُّخُولُ فِي الْغَيْمِ، وَالْإِغْمَاءُ وَتَسَتُّرُ الشَّيْءِ عَلَى الشَّخْصِ، وَيُعَدَّى بِعَلَى، وَالتَّغْمِيَةُ التَّغْطِيَةُ، قَالَ شُجَاعٌ: أَقُولُ: فَعَلَى هَذِهِ الْأَقْوَالِ يَجُوزُ لُغَةُ (مُغَيِّمَةً) بِكَسْرِ الْيَاءِ وَالتَّشْدِيدِ مِنَ التَّفْعِيلِ مِنَ الْأَجْوَفِ، (وَمغمِيَّةً) مِنَ النَّاقِصِ الثُّلَاثِيِّ عَلَى وَزْنِ مَرْمِيَّةٍ، وَمُغَمَّاةٌ اسْمُ مَفْعُولٍ مِنَ التَّغْمِيَةِ أَوِ الْإِغْمَاءِ، وَلَا يَظْهَرُ وَجْهُ رِوَايَةِ (مُغَمِّيَةً) بِفَتْحِ الْمِيمِ الثَّانِيَةِ اهـ. لِأَنَّ فَتْحَهَا يَسْتَدْعِي قَلْبَ مَا بَعْدَهَا أَلِفًا كَمَا هُوَ مُقَرَّرٌ فِي مَحَلِّهِ. (فَخَشِيَ الصُّبْحَ، فَأَوْتَرَ بِوَاحِدَةٍ)، أَيْ: بِضَمِّهَا إِلَى مَا قَبْلَهَا (ثُمَّ انْكَشَفَ)، أَيْ: ارْتَفَعَ الْغَيْمُ فِي أَثْنَاءِ صِلَاتِهِ (فَرَأَى أَنَّ عَلَيْهِ لَيْلًا)، أَيْ: بَاقٍ عَلَيْهِ (فَشَفَعَ بِوَاحِدَةٍ): لِتَصِيرَ صَلَاتُهُ شَفْعًا لِقَوْلِهِ - ﵊: " «اجْعَلُوا آخِرَ صَلَاتِكُمْ بِاللَّيْلِ وِتْرًا» "، وَلَا دَلِيلَ فِي الْحَدِيثِ عَلَى خُرُوجِهِ مِنَ الصَّلَاةِ، فَيَلْزَمُ عَلَيْهِ تَكْرَارُ الْوِتْرِ الْمَنْهِيِّ بِقَوْلِهِ - ﵊: " «لَا وِتْرَانِ فِي لَيْلَةٍ» ". حَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَدْ غَفَلَ ابْنُ حَجْرٍ عَمَّا حَمَلْنَا عَلَيْهِ الْحَدِيثَ فَقَالَ: وَأَبَى أَكْثَرُ أَصْحَابِنَا ذَلِكَ، وَعَمِلُوا بِكُلٍّ مِنَ الْحَدِيثَيْنِ، فَقَالُوا: يُسَنُّ أَنْ لَا يُعِيدَ الْوِتْرَ عَمَلًا بِالْحَدِيثِ الثَّانِي، وَأَمَّا نَقْضُ الْوِتْرِ بِالْكَيْفِيَّةِ الْمَذْكُورَةِ فَهُوَ خَارِجٌ عَنْ قَضِيَّةِ كُلٍّ مِنَ الْحَدِيثَيْنِ، فَيَحْتَاجُ إِلَى دَلِيلٍ يَخُصُّهُ، وَفِعْلُ ابْنِ عُمَرَ لَهُ لَيْسَ بِحُجَّةٍ عِنْدَنَا ; لِأَنَّهُ لَمْ يُسْنِدْهُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، وَإِنَّمَا هُوَ مِنِ اجْتِهَادِهِ وَهُوَ لَيْسَ حُجَّةً عَلَى غَيْرِهِ. قُلْتُ: هُوَ حُجَّةٌ عِنْدَنَا، قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: أَوْتَرَ قَبْلَ النَّوْمِ، ثُمَّ قَامَ مِنَ اللَّيْلِ فَصَلَّى لَا يُوتِرُ ثَانِيًا لِقَوْلِهِ - ﵊ -: " «لَا وِتْرَانِ فِي لَيْلَةٍ» "، وَلَزِمَهُ تَرْكُ الْمُسْتَحَبِّ الْمُفَادِ بِقَوْلِهِ - ﵊: " «اجْعَلُوا آخِرَ صَلَاتِكُمْ بِاللَّيْلِ وِتْرًا» " ; لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ شَفْعُ الْأَوَّل لِامْتِنَاعِ التَّنَفُّلِ بِرَكْعَةٍ أَوْ ثَلَاثٍ. (ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ، فَلَمَّا خَشِيَ الصُّبْحَ أَوْتَرَ بِوَاحِدَةٍ): كَمَا قَدَّمْنَا، أَوْ كَانَ مَذْهَبُهُ الْإِيتَارُ بِوَاحِدَةٍ، وَلِذَا قِيلَ فِي حَقِّهِ: إِنَّ عُمَرَ أَفْقَهُ مِنْهُ كَمَا سَبَقَ. (رَوَاهُ مَالِكٌ) .
[ ٣ / ٩٥٦ ]
١٢٨٣ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂، «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُصَلِّي جَالِسًا، فَيَقْرَأُ وَهُوَ جَالِسٌ، فَإِذَا بَقِيَ مِنْ قِرَاءَتِهِ قَدْرُ مَا يَكُونُ ثَلَاثِينَ أَوْ أَرْبَعِينَ آيَةً، قَامَ وَقَرَأَ وَهُوَ قَائِمٌ، ثُمَّ رَكَعَ، ثُمَّ سَجَدَ، ثُمَّ يَفْعَلُ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ مِثْلَ ذَلِكَ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
_________________
(١) (وَعَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ)، أَيْ: فِي آخِرِ حَيَاتِهِ لَمَّا ضَعُفَ (يُصَلِّي)، أَيْ: فِي اللَّيْلِ أَوْ فِي النَّهَارِ (جَالِسًا): حَالٌ (فَيَقْرَأُ وَهُوَ جَالِسٌ): لِطُولِ قِرَاءَتِهِ (فَإِذَا بَقِيَ مِنْ قِرَاءَتِهِ): شَيْءٌ قَلِيلٌ (قَدْر مَا يَكُونُ ثَلَاثِينَ)، أَيْ آيَةً. (أَوْ أَرْبَعِينَ آيَةً): اكْتَفَى بِهَذَا التَّمْيِيزِ عَنْ تَمْيِيزِ الْأَوَّلِ، و" أَوْ " تَحْتَمِلُ الشَّكَّ وَالتَّنْوِيعَ. (قَامَ وَقَرَأَ وَهُوَ قَائِمٌ، ثُمَّ رَكَعَ، ثُمَّ سَجَدَ): يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ كَوْنِ الِاعْتِدَالِ رُكْنًا، وَلِذَا لَمْ يَقُلْ ثُمَّ اعْتَدَلَ ثُمَّ سَجَدَ (ثُمَّ يَفْعَلُ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ مِثْلَ ذَلِكَ): وَهَذَا النَّوْعُ جَائِزٌ اتِّفَاقًا بِخِلَافِ عَكْسِهِ، فَإِنَّهُ إِذَا افْتَتَحَ قَائِمًا ثُمَّ قَعَدَ يَجُوزُ عِنْد أَبِي حَنِيفَةَ خِلَافًا لَهُمَا، كَذَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ، قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَقْعُدَ فِي الرَّكْعَةِ الْأَوْلَى أَوِ الثَّانِيَةِ كَمَا يَتَأَدَّى بِهِ هَذَا الْإِطْلَاقُ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ): وَلَا يَظْهَرُ وَجْهُ مُنَاسَبَتِهِ لِلْبَابِ، اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يُقَالَ: إِنَّ الْحَدِيثَ سَاكِتٌ عَنِ الرَّكْعَةِ الثَّالِثَةِ، أَوْ ذَكَرَ هَذَا الشَّفْعَ ; لِأَنَّهُ مُقَدِّمَةُ الْوِتْرِ، أَوْ يَحْمِلُ هَذَا الشَّفْعَ عَلَى مَا بَعْدِ الْوِتْرِ، فَكَانَ حَقُّهُ أَنْ يَذْكُرَهُ فِي آخِرِ الْبَابِ.
[ ٣ / ٩٥٦ ]
١٢٨٤ - وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂، «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُصَلِّي بَعْدَ الْوِتْرِ رَكْعَتَيْنِ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَزَادَ ابْنُ مَاجَهْ: خَفِيفَتَيْنِ وَهُوَ جَالِسٌ.
_________________
(١) (وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ): وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ («كَانَ يُصَلِّي بَعْدَ الْوِتْرِ رَكْعَتَيْنِ») . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَزَادَ ابْنُ مَاجَهْ: (خَفِيفَتَيْنِ وَهُوَ جَالِسٌ): تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِمَا.
[ ٣ / ٩٥٧ ]
١٢٨٥ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُوتِرُ بِوَاحِدَةٍ، ثُمَّ يَرْكَعُ رَكْعَتَيْنِ يَقْرَأُ فِيهِمَا وَهُوَ جَالِسٌ، فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَرْكَعَ قَامَ فَرَكَعَ» . رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ.
_________________
(١) (وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُوتِرُ بِوَاحِدَةٍ»)، أَيْ: مَعَ شَفْعٍ قَبْلَهَا جَمْعًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْأَحَادِيثِ السَّالِفَةِ، (ثُمَّ يَرْكَعُ)، أَيْ: يُصَلِّي («رَكْعَتَيْنِ يَقْرَأُ فِيهِمَا وَهُوَ جَالِسٌ، فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَرْكَعَ قَامَ فَرَكَعَ»): قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: لَا يُنَافِي مَا قَبْلَهُ ; لِأَنَّهُ كَانَ تَارَةً يُصَلِّيهِمَا فِي جُلُوسٍ مِنْ غَيْرِ قِيَامٍ، وَتَارَةً يَقُومُ عِنْدَ إِرَادَةِ الرُّكُوعِ اهـ. وَلَعَلَّهُ كَانَ كُلُّهُ قَبْلَ قَوْلِهِ - ﵊: " «اجْعَلُوا آخِرَ صَلَاتِكُمْ بِاللَّيْلِ وِتْرًا» " أَوْ فَعَلَهُ لِبَيَانِ الْجَوَازِ (رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ) .
[ ٣ / ٩٥٧ ]
١٢٨٦ - وَعَنْ ثَوْبَانَ ﵁، «عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، قَالَ: " إِنَّ هَذَا السَّهَرَ جُهْدٌ وَثِقَلٌ، فَإِذَا أَوْتَرَ أَحَدُكُمْ فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ، فَإِنْ قَامَ مِنَ اللَّيْلِ، وَإِلَّا كَانَتَا لَهُ» ". رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ.
١٢٨٦ - (وَعَنْ ثَوْبَانَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: إِنَّ هَذَا السَّهَرَ)، أَيْ: الَّذِي تَسْهَرُونَهُ فِي طَاعَةِ اللَّهِ (جُهْدٌ): بِضَمِّ الْجِيمِ وَفَتْحِهَا مَشَقَّةٌ (وَثِقَلٌ): بِكَسْرِ الْمُثَلَّثَةِ وَسُكُونِ الْقَافِ وَفَتْحِهَا، أَيْ: شَاقٌّ وَثَقِيلٌ عَلَى النُّفُوسِ الْبَشَرِيَّةِ بِحُكْمِ الْعَادَةِ الطَّبِيعِيَّةِ، (فَإِذَا أَوْتَرَ أَحَدُكُمْ)، أَيْ: قَبْلَ النَّوْمِ إِمَّا عَلَى خِلَافِ الْأَفْضَلِ، وَإِمَّا بِعَدَمِ الْوُثُوقِ بِالِاسْتِيقَاظِ آخِرَ اللَّيْلِ، (فَلْيَرْكَعْ)، أَيْ: فَلْيُصَلِّ (رَكْعَتَيْنِ): قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: لَا يُنَافِي خَبَرَ: " «اجْعَلُوا آخِرَ صَلَاتِكُمْ بِاللَّيْلِ وِتْرًا» " إِمَّا لِأَنَّ أَوْتَرَ هُنَا بِمَعْنَى أَرَادَ، أَيْ إِذَا أَرَادَ أَنْ يُوتِرَ، (فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ): فَلْيُوتِرْ، أَوْ لِأَنَّ الْأَمْرَ بِالرَّكْعَتَيْنِ هُنَا لِبَيَانِ الْجَوَازِ نَظِيرَ مَا مَرَّ مِنْ تَأْوِيلِ فِعْلِهِ ﷺ لَهُمَا بَعْدَ الْوِتْرِ بِذَلِكَ، وَالْأَخِيرُ غَيْرُ صَحِيحٍ ; إِذْ لَمْ يُعْرَفْ وُرُودُ الْأَمْرِ لِبَيَانِ الْجَوَازِ، فَيَتَعَيَّنُ التَّأْوِيلُ الْأَوَّلَ، وَحِينَئِذٍ فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى مَنْعِ الْإِيتَارِ بِوَاحِدَةٍ وَإِلَّا ظَهَرَ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْوِتْرِ ثَلَاثُ رَكَعَاتٍ، وَالرَّكْعَتَانِ قَبْلَهُ نَافِلَةٌ قَائِمَةٌ مَقَامَ التَّهَجُّدِ وَقِيَامِ اللَّيْلِ لِقَوْلِهِ: (فَإِنْ قَامَ مِنَ اللَّيْلِ): وَصَلَّى فِيهِ فَبِهَا، أَيْ أَتَى بِالْخَصْلَةِ الْحَمِيدَةِ، وَيَكُونُ نُورًا عَلَى نُورٍ. (وَإِلَّا)، أَيْ: وَإِنْ لَمْ يَقُمْ، أَيْ مِنَ اللَّيْلِ لِغَلَبَةِ النَّوْمِ لَهُ النَّاشِئَةِ عَنْ سَهَرِهِ فِي طَاعَةِ رَبِّهِ (كَانَتَا)، أَيْ: الرَّكْعَتَانِ (لَهُ)، أَيْ: كَافِيَتَيْنِ لَهُ مِنْ قِيَامِ اللَّيْلِ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) .
[ ٣ / ٩٥٧ ]
١٢٨٧ - وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ ﵁، «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُصَلِّيهِمَا بَعْدَ الْوِتْرِ وَهُوَ جَالِسٌ، يَقْرَأُ فِيهِمَا ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ﴾ [الزلزلة: ١]، و﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [الكافرون: ١]» . رَوَاهُ أَحْمَدُ.
_________________
(١) (وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ)، أَيْ: فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ أَوْ أَحْيَانًا (يُصَلِّيهِمَا)، أَيْ: الرَّكْعَتَيْنِ، وَفِي نُسْخَةٍ يُصَلِّيهَا، أَيْ: الصَّلَاةَ الْمَعْهُودَةَ، وَهِيَ الرَّكْعَتَانِ الْمُنْبِئَتَانِ لِجَوَازِ التَّنَفُّلِ بَعْدَ الْوِتْرِ، وَوَقَعَ فِي أَصْلِ ابْنِ حَجْرٍ بِصِيغَةِ الْإِفْرَادِ، وَجَعْلِ التَّثْنِيَةِ نُسْخَةً وَهُوَ مُخَالِفٌ لِلْأُصُولِ الْمُعْتَمَدَةِ (بَعْدَ الْوِتْرِ): يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ بَعْدَ الْوِتْرِ قَبْلَ النَّوْمِ، ثُمَّ بَعُدَ الِاسْتِيقَاظِ صَلَّى (وَهُوَ جَالِسٌ، يَقْرَأُ فِيهِمَا)، أَيْ: فِي الرَّكْعَتَيْنِ، وَفِي نُسْخَةٍ فِيهَا، أَيْ فِي الصَّلَاةِ ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ﴾ [الزلزلة: ١]، أَيْ فِي الْأُولَى و﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [الكافرون: ١]، أَيْ فِي الثَّانِيَةِ (رَوَاهُ أَحْمَدُ) .
[ ٣ / ٩٥٧ ]