[ ٣ / ٨٤٧ ]
[٢٤] بَابُ تَسْوِيَةِ الصَّفِّ
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
١٠٨٥ - عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ ﵄، قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُسَوِّي صُفُوفَنَا حَتَّى كَأَنَّمَا يُسَوِّي بِهَا الْقِدَاحَ، حَتَّى رَأَى أَنَّا قَدْ عَقَلْنَا عَنْهُ، ثُمَّ خَرَجَ يَوْمًا فَقَامَ حَتَّى كَادَ أَنْ يُكَبِّرَ، فَرَأَى رَجُلًا بَادِيًا صَدْرُهُ مِنَ الصَّفِّ، فَقَالَ: " عِبَادَ اللَّهِ! لَتُسَوُّنَّ صُفُوفَكُمْ، أَوْ لَيُخَالِفَنَّ اللَّهُ بَيْنَ وُجُوهِكُمْ» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
_________________
(١) بَابُ تَسْوِيَةِ الصَّفِّ أَيْ فِي الصَّلَاةِ، وَفِي نُسْخَةٍ: الصُّفُوفِ، وَالْمُرَادُ بِالْأَوَّلِ الْجِنْسُ، قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾ [الصف: ٤] . الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
(٢) (عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ): أَسْلَمَ صَغِيرًا، وَلِأَبَوَيْهِ صُحْبَةٌ، مَاتَ النَّبِيُّ ﷺ وَلَهُ ثَمَانِ سِنِينَ وَسَبْعَةُ أَشْهُرٍ، ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ. (قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُسَوِّي صُفُوفَنَا) أَيْ: بِيَدِهِ أَوْ بِأَمْرِهِ (حَتَّى كَأَنَّمَا يُسَوِّي بِهَا) أَيْ: بِالصُّفُوفِ أَوْ بِالتَّسْوِيَةِ (الْقِدَاحَ): جَمْعُ الْقِدْحِ بِكَسْرِ الْقَافِ، وَهُوَ السَّهْمُ قَبْلَ أَنْ يُرَاشَ وَيُرَكَّبَ نَصْلُهُ، وَضُرِبَ الْمَثَلُ لَهُ لِلْمُتَسَاوِيَيْنِ أَبْلَغَ الِاسْتِوَاءِ فِي الْمَعْنَى الْمُرَادِ مِنْهُ ; لِأَنَّ الْقِدْحَ لَا يَصْلُحُ لِمَا يُرَادُ مِنْهُ إِلَّا بَعْدَ الِانْتِهَاءِ فِي الِاسْتِوَاءِ، وَإِنَّمَا جُمِعَ مَعَ الْغُنْيَةِ عَنْهُ بِالْمُفْرَدِ لِمَكَانِ الصُّفُوفِ، أَيْ: يُسَوِّي كُلَّ صَفٍّ عَلَى حِدَةٍ كَمَا يُسَوِّي الصَّانِعُ كُلَّ قِدْحٍ عَلَى حِدَتِهِ، هَذَا كَلَامُ الطِّيبِيِّ، وَابْنِ الْمَلَكِ، وَابْنِ حَجَرٍ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّ الْجَمْعَ مُتَعَيِّنٌ لِمَكَانِ إِفْرَادِ الصَّفِّ لَا الصُّفُوفِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قِيلَ رُوعِيَ قَوْلُهُ يُسَوِّي بِهَا الْقِدَاحَ نُكْتَةً ; لِأَنَّ الظَّاهِرَ كَأَنَّمَا يُسَوِّيهَا بِالْقِدَاحِ، وَالْبَاءُ لِلْآلَةِ كَمَا فِي: كَتَبْتُ بِالْقَلَمِ، فَعَكَسَ وَجَعَلَ الصُّفُوفَ هِيَ الَّتِي يُسَوَّى بِهَا الْقِدَاحُ مُبَالَغَةً فِي الِاسْتِوَاءِ ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ. وَلَا يَظْهَرُ مَعْنَى كَوْنِ الْبَاءِ لِلْآلَةِ عَلَى جَعْلِ الضَّمِيرِ إِلَى الصُّفُوفِ كَمَا فِي ظَاهِرِ كَلَامِهِ، فَالْأَظْهَرُ أَنَّ ضَمِيرَ (بِهَا) رَاجِعٌ إِلَى التَّسْوِيَةِ الْمَفْهُومَةِ مِنَ الْفِعْلِ، أَوِ الضَّمِيرُ رَاجِعٌ إِلَى الصُّفُوفِ، وَالْبَاءُ مُتَعَلِّقَةٌ بِمُقَدَّرٍ، أَيْ: مُشَبَّهًا بِهَا، وَالْعَكْسُ لِلْمُبَالَغَةِ. (حَتَّى رَأَى) أَيْ: عَلِمَ (أَنَّا قَدْ عَقَلْنَا) أَيْ: فَهِمْنَا التَّسْوِيَةَ (عَنْهُ): قَالَ الطِّيبِيُّ، أَيْ لَمْ يَبْرَحْ يُسَوِّي صُفُوفَنَا حَتَّى اسْتَوَيْنَا اسْتِوَاءً إِرَادَةً مِنَّا وَتَعَلَّقْنَاهُ مِنْ فِعْلِهِ (ثُمَّ خَرَجَ يَوْمًا) أَيْ إِلَى الْمَسْجِدِ (فَقَامَ) أَيْ: فِي مَقَامِ الْإِمَامَةِ (حَتَّى كَادَ أَنْ يُكَبِّرَ) أَيْ: قَارَبَ أَنْ يُكَبِّرَ تَكْبِيرَةَ الْإِحْرَامِ (فَرَأَى رَجُلًا بَادِيًا): بِالْيَاءِ، أَيْ: ظَاهِرًا خَارِجًا (صَدْرُهُ مِنَ الصَّفِّ) أَيْ: مِنْ صُدُورِ أَهْلِ الصَّفِّ الْأَوَّلِ (فَقَالَ: " عِبَادَ اللَّهِ!): بِالنَّصْبِ عَلَى حَذْفِ حَرْفِ النِّدَاءِ لِكَمَالِ قُرْبِهِمْ، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: لَمْ يَنْهَهُ بِخُصُوصِهِ جَرْيًا عَلَى عَادَتِهِ الْكَرِيمَةِ مُبَالَغَةً فِي السَّتْرِ، (لَتُسَوُّنَّ صُفُوفَكُمْ): قَالَ الْقَاضِي: اللَّامُ هِيَ الَّتِي يُتَلَقَّى بِهَا الْقَسَمُ، وَلِكَوْنِهِ فِي مَعْرِضِ قَسَمٍ مُقَدَّرٍ أَكَّدَهُ بِالنُّونِ الْمُشَدَّدَةِ. (أَوْ لَيُخَالِفَنَّ اللَّهُ بَيْنَ وُجُوهِكُمْ) . قَالَ الْقَاضِي: أَوْ لِلْعَطْفِ رَدَّدَ بَيْنَ تَسْوِيَتِهِمُ الصُّفُوفَ وَمَا هُوَ كَاللَّازِمِ، وَهُوَ اخْتِلَافُ الْوُجُوهِ لِنَقِيضِهَا، فَإِنْ تَقَدَّمَ الْخَارِجُ صَدْرُهُ عَنِ الصَّفِّ تَفَرَّقَ عَلَى الدَّاخِلِ، وَذَلِكَ قَدْ يُؤَدِّي إِلَى وُقُوعِ الضَّغِينَةِ فِيمَا بَيْنَهُمْ، وَإِيقَاعُ الْمُخَالَفَةِ كِنَايَةٌ عَنِ الْمَهَارَةِ وَالْمُعَادَاةِ، يَعْنِي: فَتَخْتَلِفَ قُلُوبُهُمْ، وَاخْتِلَافُ الْقُلُوبِ يُفْضِي إِلَى اخْتِلَافِ الْوُجُودِ بِإِعْرَاضِ بَعْضِهِمْ عَنْ بَعْضٍ، وَقِيلَ: التَّقْدِيرُ: بَيَّنَ وُجُوهَ قُلُوبِكُمْ بِأَنْ يَرْفَعَ التَّأَلُّفَ وَالتَّحَابَّ. قَالَ الْمُظْهِرُ: يَعْنِي: أَدَبُ الظَّاهِرِ عَلَامَةُ أَدَبِ الْبَاطِنِ، فَإِنْ لَمْ تُطِيعُوا أَمْرَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ فِي الظَّاهِرِ يُؤَدِّي ذَلِكَ إِلَى اخْتِلَافِ الْقَوْلِ، فَيُورِثُ كُدُورَةً، فَيَسْرِي ذَلِكَ إِلَى ظَاهِرِكُمْ، فَيَقَعُ بَيْنَكُمْ عَدَاوَةٌ بِحَيْثُ يُعْرِضُ بَعْضُكُمْ عَنْ بَعْضٍ، وَقِيلَ: مَعْنَى مُخَالَفَةِ الْوُجُوهِ تَحَوُّلُهَا إِلَى الْإِدْبَارِ، أَوْ تَغَيُّرُ صُوَرِهَا إِلَى صُوَرٍ أُخْرَى، فَيَكُونُ مَحْمُولًا عَلَى التَّهْدِيدِ، أَوْ يَكُونُ إِشَارَةً إِلَى أَنَّ الْمُخَالَفَةَ قَدْ تُؤَدِّي إِلَى هَذِهِ الْحَالَةِ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ): قَالَ مِيرَكُ: وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ.
[ ٣ / ٨٤٨ ]
١٠٨٦ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁، قَالَ: «أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ، فَأَقْبَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِوَجْهِهِ، فَقَالَ: " أَقِيمُوا صُفُوفَكُمْ وَتَرَاصُّوا ; فَإِنِّي أَرَاكُمْ مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِي» " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. وَفِي الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ قَالَ: " «أَتِمُّوا الصُّفُوفَ ; فَإِنِّي أَرَاكُمْ مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِي» ".
_________________
(١) (وَعَنْ أَنَسٍ، قَالَ: أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ) أَيْ فُعِلَتْ إِقَامَةُ الصَّلَاةِ، وَوَقَعَ خَطَأٌ فِي نُسْخَةِ ابْنِ حَجَرٍ بِوَضْعِ الصُّفُوفِ مَقَامَ الصَّلَاةِ، فَتَكَلَّفَ فِي تَوْجِيهِ الْحَدِيثِ إِلَى آخِرِهِ بِمَا لَا وَجْهَ لَهُ. (فَأَقْبَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِوَجْهِهِ): قِيلَ: إِنَّهُ لِلتَّأْكِيدِ وَلَيْسَ بِالسَّدِيدِ، أَيِ: الْتَفَتَ إِلَيْنَا (فَقَالَ: " أَقِيمُوا) أَيْ: عَدِّلُوا وَأَتِمُّوا (صُفُوفَكُمْ وَتَرَاصُّوا) أَيْ: تَضَامُّوا وَتَلَاصَقُوا حَتَّى تَتَّصِلَ مَنَاكِبُكُمْ، وَلَا يَكُونَ بَيْنَكُمْ فُرَجٌ، مِنْ رَصَّ الْبِنَاءَ: أَلْصَقَ بَعْضَهُ بِبَعْضٍ، قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾ [الصف: ٤] فَالْمُشَابَهَةُ مَطْلُوبَةٌ، وَلَوْ كَانَتِ الْآيَةُ فِي الْغُزَاةِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: فِي الْحَدِيثِ بَيَانٌ أَنَّ الْإِمَامَ يُقْبِلُ عَلَى النَّاسِ فَيَأْمُرُهُمْ بِتَسْوِيَةِ النَّاسِ. اهـ. يَعْنِي إِذَا رَأَى خَلَلًا فِي الصَّفِّ ; وَإِلَّا فَلَا فَائِدَةَ فِي الْأَمْرِ. (فَإِنِّي أَرَاكُمْ مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِي) أَيْ: بِالْمُكَاشَفَةِ، وَلَا يَلْزَمُ دَوَامُهَا لِيُنَافِيَهُ خَبَرُ: لَا أَعْلَمُ مَا وَرَاءَ جِدَارِي، فَيُخَصُّ هَذَا بِحَالَةِ الصَّلَاةِ وَعِلْمِهِ بِالْمُصَلِّينَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. وَفِي الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ قَالَ: " أَتِمُّوا الصُّفُوفَ) أَيِ: الْأَوَّلَ (فَإِنِّي أَرَاكُمْ مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِي) .
[ ٣ / ٨٤٩ ]
١٠٨٧ - وَعَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «سَوُّوا صُفُوفَكُمْ، فَإِنَّ تَسْوِيَةَ الصُّفُوفِ مِنْ إِقَامَةِ الصَّلَاةِ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
_________________
(١) (وَعَنْهُ) أَيْ: عَنْ أَنَسٍ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " «سَوُّوا صُفُوفَكُمْ، فَإِنَّ تَسْوِيَةَ الصُّفُوفِ مِنْ إِقَامَةِ الصَّلَاةِ» "، أَيْ: مِنْ إِتْمَامِهَا وَإِكْمَالِهَا، أَوْ مِنْ جُمْلَةِ إِقَامَةِ الصَّلَاةِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [الأنعام: ٧٢] وَهِيَ تَعْدِيلُ أَرْكَانِهَا، وَحِفْظُهَا مِنْ أَنْ يَقَعَ زَيْغٌ فِي فَرَائِضِهَا وَسُنَنِهَا وَآدَابِهَا. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) إِلَّا أَنَّ عِنْدَ مُسْلِمٍ: (مِنْ تَمَامِ الصَّلَاةِ) أَيْ: كَمَالِهَا.
[ ٣ / ٨٤٩ ]
١٠٨٨ - وَعَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ ﵁ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَمْسَحُ مَنَاكِبَنَا فِي الصَّلَاةِ، وَيَقُولُ " اسْتَوُوا وَلَا تَخْتَلِفُوا فَتَخْتَلِفَ قُلُوبُكُمْ، لِيَلِنِي مِنْكُمْ أُولُو الْأَحْلَامِ وَالنُّهَى، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ» "، قَالَ أَبُو مَسْعُودٍ: فَأَنْتُمُ الْيَوْمَ أَشَدُّ اخْتِلَافًا. رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
_________________
(١) (وَعَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَمْسَحُ مَنَاكِبَنَا) أَيْ: يَضَعُ يَدَهُ عَلَى أَعْطَافِنَا حَتَّى لَا نَتَقَدَّمَ وَلَا نَتَأَخَّرَ (فِي الصَّلَاةِ) أَيْ: فِي حَالِ إِرَادَةِ الصَّلَاةِ بِالْجَمَاعَةِ (وَيَقُولُ) أَيْ: حَالَ تَسْوِيَةِ الْمَنَاكِبِ عَلَى مَا هُوَ الظَّاهِرُ (اسْتَوُوا) أَيْ: ظَاهِرًا وَبَاطِنًا (وَلَا تَخْتَلِفُوا) أَيْ: بِالْأَبْدَانِ (فَتَخْتَلِفَ): بِالتَّأْنِيثِ، وَقِيلَ: بِالتَّذْكِيرِ (قُلُوبُكُمْ) أَيْ: أَهْوِيَتُهَا وَإِرَادَتُهَا، قَالَ الطِّيبِيُّ: فَيَخْتَلِفَ بِالنَّصْبِ، أَيْ عَلَى جَوَابِ النَّهْيِ، وَفِي الْحَدِيثِ: إِنَّ الْقَلْبَ تَابِعٌ لِلْأَعْضَاءِ، فَإِذَا اخْتَلَفَتِ اخْتَلَفَ، وَإِذَا اخْتَلَفَ فَسَدَ فَفَسَدَتِ الْأَعْضَاءُ لِأَنَّهُ رَئِيسُهَا. قُلْتُ: الْقَلْبُ مَلَكٌ مُطَاعٌ وَرَئِيسٌ مُتَّبَعٌ، وَالْأَعْضَاءُ كُلُّهَا تَبَعٌ لَهُ، فَإِذَا صَلَحَ الْمَتْبُوعُ صَلَحَ التَّبَعُ، وَإِذَا اسْتَقَامَ الْمَلِكُ اسْتَقَامَتِ الرَّعِيَّةُ، وَيُبَيِّنُ ذَلِكَ الْحَدِيثُ الْمَشْهُورُ: " «أَلَا إِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ، أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ» ". فَالتَّحْقِيقُ فِي هَذَا الْمَقَامِ أَنَّ بَيْنَ الْقَلْبِ وَالْأَعْضَاءِ تَعَلُّقًا عَجِيبًا، وَتَأْثِيرًا غَرِيبًا بِحَيْثُ أَنَّهُ يَسْرِي مُخَالَفَةُ كُلٍّ إِلَى الْآخَرِ، وَإِنْ كَانَ الْقَلْبُ مَدَارَ الْأَمْرِ إِلَيْهِ. أَلَا تَرَى أَنَّ تَبْرِيدَ الظَّاهِرِ يُؤَثِّرُ فِي الْبَاطِنِ، وَكَذَا: بِالْعَكْسِ، وَهُوَ أَقْوَى. (لِيَلِنِي مِنْكُمْ): قَالَ النَّوَوِيُّ: بِكَسْرِ اللَّامِ وَتَخْفِيفِ النُّونِ مِنْ غَيْرِ يَاءٍ قَبْلَ النُّونِ، وَيَجُوزُ إِثْبَاتُ الْيَاءِ مَعَ تَشْدِيدِ النُّونِ عَلَى التَّأْكِيدِ ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ، وَفِي الْمَصَابِيحِ: " لِيَلِيَنِي " قَالَ شَارِحُهُ: الرِّوَايَةُ بِإِثْبَاتِ الْيَاءِ وَهُوَ شَاذٌّ ; لِأَنَّهُ مِنَ الْوَلْيِ بِمَعْنَى الْقُرْبِ، وَاللَّامُ لِلْأَمْرِ فَيَجِبُ حَذْفُ الْيَاءِ لِلْجَزْمِ. قِيلَ: لَعَلَّهُ سَهْوٌ مِنَ الْكَاتِبِ، أَوْ كُتِبَ بِالْيَاءِ ; لِأَنَّهُ الْأَصْلُ، ثُمَّ قُرِئَ كَذَا. أَقُولُ: الْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ إِنَّهُ مِنْ إِشْبَاعِ الْكَسْرَةِ، كَمَا قِيلَ فِي: لَمْ تَهْجُو وَلَمْ تَدَّعِي، أَوْ تَنْبِيهٌ عَلَى
[ ٣ / ٨٤٩ ]
الْأَصْلِ كَقِرَاءَةِ ابْنِ كَثِيرٍ (إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِي وَيَصْبِرُ) أَوْ أَنَّهُ لُغَةٌ فِي أَنَّ سُكُونَهُ تَقْدِيرِيٌّ (أُولُو الْأَحْلَامِ): جَمْعُ حِلْمٍ بِالْكَسْرِ كَأَنَّهُ مِنَ الْحِلْمِ وَالسُّكُونِ وَالْوَقَارِ وَالْأَنَاةِ وَالتَّثَبُّتِ فِي الْأُمُورِ، وَضَبْطِ النَّفْسِ عَنْ هَيَجَانِ الْغَضَبِ، وَيُرَادُ بِهِ الْعَقْلُ ; لِأَنَّهَا مِنْ مُقْتَضَيَاتِ الْعَقْلِ وَشِعَارِ الْعُقَلَاءِ، وَقِيلَ: أُولُو الْأَحْلَامِ: الْبَالِغُونَ، وَالْحُلْمُ بِضَمِّ الْحَاءِ وَالْبُلُوغُ وَأَصْلُهُ مَا يَرَاهُ النَّائِمُ. (وَالنُّهَى): بِضَمِّ النُّونِ جَمْعُ نُهْيَةٍ، وَهُوَ الْعَقْلُ النَّاهِي عَنِ الْقَبَائِحِ، أَيْ: لِيَدْنُ مِنِّي الْبَالِغُونَ الْعُقَلَاءُ لِشَرَفِهِمْ وَمَزِيدِ تَفَطُّنِهِمْ وَتَيَقُّظِهِمْ وَضَبْطِهِمْ لِصَلَاتِهِ، وَإِنْ حَدَثَ بِهِ عَارِضٌ يَخْلُفُوهُ فِي الْإِمَامَةِ.
قَالَ الطِّيبِيُّ: أَمَرَ بِتَقَدُّمِ الْعُقَلَاءِ ذَوِي الْأَخْطَارِ وَالْعِرْفَانِ لِيَحْفَظُوا صَلَاتَهُ، وَيَضْبِطُوا الْأَحْكَامَ وَالسُّنَنَ، فَيُبَلِّغُوا مَنْ بَعْدَهُمْ، وَفِي ذَلِكَ مَعَ الْإِفْصَاحِ عَنْ جَلَالَةِ شَأْنِهِ حَثٌّ لَهُمْ عَلَى تِلْكَ الْفَضِيلَةِ، وَإِرْشَادٌ لِمَنْ قَصَرَ حَالُهُمْ عَنِ الْمُسَاهَمَةِ مَعَهُمْ فِي الْمَنْزِلَةِ إِلَى تَحَرِّي مَا يُزَاحِمُهُمْ فِيهَا. (ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ): كَالْمُرَاهِقِينَ، أَوِ الَّذِينَ يَقْرَبُونَ الْأَوَّلِينَ فِي النُّهَى وَالْحِلْمِ، (ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ): كَالصِّبْيَانِ الْمُمَيِّزِينَ، أَوِ الَّذِينَ هُمْ أَنْزَلُ مَرْتَبَةً مِنَ الْمُتَقَدِّمِينَ حِلْمًا وَعَقْلًا، وَالْمَعْنَى أَنَّهُ هَلُمَّ جَرًّا، فَالتَّقْدِيرُ: ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ كَالنِّسَاءِ، فَإِنَّ نَوْعَ الذَّكَرِ أَشْرَفُ عَلَى الْإِطْلَاقِ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِهِمُ الْخَنَاثَى، فَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى تَرْتِيبِ الصُّفُوفِ.
(قَالَ أَبُو مَسْعُودٍ): أَيِ الْمَذْكُورُ (فَأَنْتُمُ الْيَوْمَ أَشَدُّ اخْتِلَافًا): قَالَ الطِّيبِيُّ: هَذَا خِطَابٌ لِلْقَوْمِ الَّذِينَ هَيَّجُوا الْفِتَنَ، وَأَرَادَ أَنَّ سَبَبَ هَذَا الِاخْتِلَافِ وَالْفِتَنِ عَدَمُ تَسْوِيَةِ صُفُوفِكُمْ اهـ. وَقِيلَ: يَحْتَمِلُ أَنَّ الْمُرَادَ بِأَشَدَّ أَصْلُ الْفِعْلِ وَعَدَلَ عَنْهُ إِلَى ذَلِكَ لِلْمُبَالَغَةِ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
[ ٣ / ٨٥٠ ]
١٠٨٩ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " «لِيَلِنِي مِنْكُمْ أُولُو الْأَحْلَامِ وَالنُّهَى، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ " ثَلَاثًا " وَإِيَّاكُمْ وَهَيْشَاتِ الْأَسْوَاقِ» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
_________________
(١) (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " لِيَلِنِي): بِحَذْفِ الْيَاءِ الثَّانِيَةِ بِلَا خِلَافٍ (مِنْكُمْ أُولُو الْأَحْلَامِ وَالنُّهَى): رُوِيَ أَنَّهُ ﵇ كَانَ يُعْجِبُهُ أَنْ يَلِيَهُ الْمُهَاجِرُونَ لِيَحْفَظُوا عَنْهُ، (ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، " ثَلَاثًا) أَيْ: كَرَّرَ ثُمَّ وَمَا بَعْدَهَا ثَلَاثًا، وَقَدْ تَقَدَّمَ (وَإِيَّاكُمْ وَهَيْشَاتِ الْأَسْوَاقِ): جَمْعُ هَيْشَةٍ، وَهِيَ رَفْعُ الْأَصْوَاتِ، نَهَاهُمْ عَنْهَا ; لِأَنَّ الصَّلَاةَ حُضُورٌ بَيْنَ يَدَيِ الْحَضْرَةِ الْإِلَهِيَّةِ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونُوا فِيهَا عَلَى السُّكُوتِ وَآدَابِ الْعُبُودِيَّةِ، وَقِيلَ: هِيَ الِاخْتِلَاطُ، وَالْمَعْنَى لَا تَكُونُوا مُخْتَلِطِينَ اخْتِلَاطَ أَهْلِ الْأَسْوَاقِ فَلَا يَتَمَيَّزُ أَصْحَابُ الْأَحْلَامِ وَالْعُقُولِ مِنْ غَيْرِهِمْ، وَلَا يَتَمَيَّزُ الصِّبْيَانُ وَالْإِنَاثُ عَنْ غَيْرِهِمْ فِي التَّقَدُّمِ وَالتَّأَخُّرِ، وَهَذَا الْمَعْنَى هُوَ الْأَنْسَبُ بِالْمَقَامِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى: قُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ الِاشْتِغَالِ بِأُمُورِ الْأَسْوَاقِ فَإِنَّهُ يَمْنَعُكُمْ عَنْ أَنْ تَلُونِي. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ): قَالَ مِيرَكُ: وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ.
[ ٣ / ٨٥٠ ]
١٠٩٠ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁، قَالَ: «رَأَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي أَصْحَابِهِ تَأَخُّرًا، فَقَالَ لَهُمْ: " تَقَدَّمُوا وَأْتَمُّوا بِي، وَلْيَأْتَمَّ بِكُمْ مَنْ بَعْدَكُمْ، لَا يَزَالُ قَوْمٌ يَتَأَخَّرُونَ حَتَّى يُؤَخِّرَهُمُ اللَّهُ» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
_________________
(١) (وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: رَأَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي أَصْحَابِهِ تَأَخُّرًا) أَيْ: فِي صِفَةِ الصَّلَاةِ، وَقِيلَ: فِي أَخْذِ الْعِلْمِ (فَقَالَ لَهُمْ: " تَقَدَّمُوا وَأْتَمُّوا بِي) أَيِ: اصْنَعُوا كَمَا أَصْنَعُ (وَلْيَأْتَمَّ): بِسُكُونِ اللَّامِ وَتُكْسَرُ (بِكُمْ مَنْ بَعْدَكُمْ) أَيْ: مِنَ الْمُصَلِّينَ أَوْ مِنَ التَّابِعِينَ، قَالَ الطِّيبِيُّ: أَرَادَ التَّأَخُّرَ فِي صُفُوفِ الصَّلَاةِ، أَوِ التَّأَخُّرَ عَنِ الْعِلْمِ، فَعَلَى الْأَوَّلِ مَعْنَاهُ: لِيَقِفْ الْأَلِبَّاءُ وَالْعُلَمَاءُ فِي الصَّفِّ الْأَوَّلِ، وَلْيَقِفَ مَنْ دُونَهُمْ فِي الصَّفِّ الثَّانِي، فَإِنَّ الصَّفَّ الثَّانِيَ يَقْتَدُونَ بِالصَّفِّ الْأَوَّلِ ظَاهِرًا لَا حُكْمًا، وَعَلَى الثَّانِي الْمَعْنَى لِيَتَعَلَّمْ كُلُّكُمْ مِنْ أَحْكَامِ الشَّرِيعَةِ، وَلْيَتَعَلَّمْ التَّابِعُونَ مِنْكُمْ، وَكَذَلِكَ مَنْ يَلُونَكُمْ قَرْنًا بَعْدَ قَرْنٍ. (لَا يَزَالُ قَوْمٌ يَتَأَخَّرُونَ) أَيْ: عَنِ الصَّفِّ، أَوْ عَنِ الْخَيْرَاتِ، أَوْ عَنِ الْعِلْمِ، أَوْ عَنِ اكْتِسَابِ الْفَضَائِلِ وَاجْتِنَابِ الرَّذَائِلِ (حَتَّى يُؤَخِّرَهُمُ اللَّهُ) أَيْ: فِي دُخُولِ الْجَنَّةِ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ، أَيْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَعِظَمِ فَضْلِهِ، وَرَفِيعِ الْمَنْزِلَةِ، وَعَنِ الْعِلْمِ وَنَحْوِ ذَلِكَ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ): قَالَ مِيرَكُ: وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ.
[ ٣ / ٨٥٠ ]
١٠٩١ - وَعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ ﵁ قَالَ: «خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَرَآنَا حَلَقًا، فَقَالَ: " مَا لِي أَرَاكُمْ عِزِينَ؟ ! ". ثُمَّ خَرَجَ عَلَيْنَا فَقَالَ: " أَلَا تَصُفُّونَ كَمَا تَصُفُّ الْمَلَائِكَةُ عِنْدَ رَبِّهَا؟ " فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! وَكَيْفَ تَصُفُّ الْمَلَائِكَةُ عِنْدَ رَبِّهَا؟ قَالَ: " يُتِمُّونَ الصُّفُوفَ الْأُولَى، وَيَتَرَاصُّونَ فِي الصَّفِّ» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
_________________
(١) (وَعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَرَآنَا حَلَقًا): بِفَتْحِ الْحَاءِ مَعَ فَتْحِ اللَّامِ جَمْعُ حَلْقَةٍ عَلَى غَيْرِ قِيَاسٍ كَذَا قَالَ الْجَوْهَرِيُّ، وَقَالَ الْأَصْمَعِيُّ بِكَسْرِ الْحَاءِ وَفَتْحِ اللَّامِ كَقَصْعَةٍ وَقِصَعٍ، قَالَ الطِّيبِيُّ، أَيْ جُلُوسًا حَلْقَةً حَلْقَةً كُلُّ صَفِّ مِنَّا قَدْ تَحَلَّقَ، انْتَهَى. أَوْ كُلُّ إِنْسَانٍ انْضَمَّ إِلَى قَرِيبِهِ أَوْ صَاحِبِهِ. (فَقَالَ: " مَا لِي أَرَاكُمْ عِزِينَ؟): جَمْعُ عِزَةٍ، أَيْ: جَمَاعَاتٍ مُتَفَرِّقِينَ، نُصِبَ عَلَى الْحَالِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: إِنْكَارُهُ عَلَى رُؤْيَتِهِ إِيَّاهُمْ عَلَى تِلْكَ الصِّفَةِ، وَالْمَقْصُودُ الْإِنْكَارُ عَلَيْهِمْ كَائِنِينَ عَلَى تِلْكَ الصِّفَةِ، لَمْ يَقُلْ مَا لَكُمْ ; لِأَنَّ مَا لِي أَرَاكُمْ أَبْلَغُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ﴾ [النمل: ٢٠] (ثُمَّ خَرَجَ عَلَيْنَا، أَيْ: مَرَّةً أُخْرَى بَعْدَ هَذَا (فَقَالَ: " أَلَا تَصُفُّونَ) أَيْ: لِلصَّلَاةِ (كَمَا تَصُفُّ الْمَلَائِكَةُ عِنْدَ رَبِّهَا؟ قَالَ، أَيْ: عِنْدَ قِيَامِهَا لِطَاعَةِ رَبِّهَا، أَوْ عِنْدَ عَرْشِ رَبِّهَا (فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! وَكَيْفَ تَصُفُّ الْمَلَائِكَةُ عِنْدَ رَبِّهَا؟ قَالَ: " يُتِمُّونَ الصُّفُوفَ الْأُولَى): وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى كَثْرَةِ الْمَلَائِكَةِ، وَالْمَعْنَى لَا يَشْرَعُونَ فِي صَفٍّ حَتَّى يَكْمُلَ الَّذِي قَبْلَهُ. (وَيَتَرَاصُّونَ فِي الصَّفِّ ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ): قَالَ مِيرَكُ: وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ.
[ ٣ / ٨٥١ ]
١٠٩٢ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " «خَيْرُ صُفُوفِ الرِّجَالِ أَوَّلُهَا، وَشَرُّهَا آخِرُهَا. وَخَيْرُ صُفُوفِ النِّسَاءِ آخِرُهَا، وَشَرُّهَا أَوَّلُهَا» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
_________________
(١) (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " خَيْرُ صُفُوفِ الرِّجَالِ أَوَّلُهَا): لِقُرْبِهِمْ مِنَ الْإِمَامِ وَبُعْدِهِمْ مِنَ النِّسَاءِ (وَشَرُّهَا آخِرُهَا): لِقُرْبِهِمْ مِنَ النِّسَاءِ وَبُعْدِهِمْ مِنَ الْإِمَامِ، قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: الْمُرَادُ بِالْخَيْرِ كَثْرَةُ الثَّوَابِ، فَإِنَّ الصَّفَّ الْأَوَّلَ أَعْلَمُ بِحَالِ الْإِمَامِ فَتَكُونُ مُتَابَعَتُهُ أَكْثَرَ وَثَوَابُهُ أَوْفَرَ. (وَخَيْرُ صُفُوفِ النِّسَاءِ آخِرُهَا): لِبُعْدِهِنَّ مِنَ الرِّجَالِ (وَشَرُّهَا أَوَّلُهَا): لِقُرْبِهِنَّ مِنَ الرِّجَالِ، وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: لِأَنَّ مَرْتَبَةَ النِّسَاءِ مُتَأَخِّرَةٌ عَنْ مَرْتَبَةِ الذُّكُورِ، فَيَكُونُ آخِرُ الصُّفُوفِ أَلْيَقَ بِمَرْتَبَتِهِنَّ، قَالَ الطِّيبِيُّ: الرِّجَالُ مَأْمُورُونَ بِالتَّقَدُّمِ، فَمَنْ كَانَ أَكْثَرَ تَقَدُّمًا فَهُوَ أَشَدُّ تَعْظِيمًا لِأَمْرِ الشَّرْعِ، فَيَحْصُلُ لَهُ مِنَ الْفَضِيلَةِ مَا لَا يَحْصُلُ لِغَيْرِهِ، وَأَمَّا النِّسَاءُ فَمَأْمُورَاتٌ بِالِاحْتِجَابِ. قُلْتُ: بَلْ بِالتَّأَخُّرِ، أَيْضًا لِلْخَبَرِ الْمَشْهُورِ: أَخِّرُوهُنَّ كَمَا أَخَّرَهُنَّ اللَّهُ، فَهِيَ لِذَلِكَ شَرٌّ مِنَ اللَّاتِي يَكُنَّ فِي الصَّفِّ الْأَخِيرِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الصَّفَّ الْأَوَّلَ مَا لَمْ يَكُنْ مَسْبُوقًا بِصَفٍّ آخَرَ، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: الصَّفُّ الْأَوَّلُ هُوَ الَّذِي يَلِي الْإِمَامَ وَإِنْ تَخَلَّلَهُ نَحْوُ مِنْبَرٍ وَإِنْ تَأَخَّرَ أَصْحَابُهُ فِي الْمَجِيءِ، وَقِيلَ: الْأَوَّلُ مَا لَمْ يَتَخَلَّلْهُ شَيْءٌ وَإِنْ تَأَخَّرَ أَصْحَابُهُ، وَعَلَيْهِ الْغَزَالِيُّ. وَقِيلَ: هُوَ مَنْ جَاءَ أَوَّلًا وَإِنْ صَلَّى فِي صَفٍّ مُتَأَخِّرٍ، ثُمَّ قِيلَ: مَحَلُّ أَفْضَلِيَّةِ الصَّفِّ الْأَوَّلِ إِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ مُنْكَرٌ كَلُبْسِ حَرِيرٍ، وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنْ كُلِّ شَاغِلٍ، وَإِلَّا فَالتَّأَخُّرُ عَنْهُ أَسْلَمَ فَعَلَهُ جَمَاعَةٌ مِنَ السَّلَفِ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ): كَانَ يُمْكِنُ لِلْمُصَنِّفِ أَنْ يُجْمِلَ وَيَقُولَ: رَوَى الْأَحَادِيثَ الْخَمْسَةَ مُسْلِمٌ، كَمَا هُوَ دَأْبُهُ، وَلَعَلَّ عَادَتَهُ فِيمَا إِذَا كَانَ لِلْأَحَادِيثِ سَنَدٌ وَاحِدٌ بِاتِّفَاقِ رِجَالِهِ وَخِلَافِهَا فِي خِلَافِهِ.
[ ٣ / ٨٥١ ]
الْفَصْلُ الثَّانِي
١٠٩٣ - عَنْ أَنَسٍ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " «رُصُّوا صُفُوفَكُمْ، وَقَارِبُوا بَيْنَهَا، وَحَاذُوا بِالْأَعْنَاقِ ; فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، إِنِّي لَأَرَى الشَّيْطَانَ يَدْخُلُ مِنْ خَلَلِ الصَّفِّ كَأَنَّهَا الْحَذَفُ» ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
_________________
(١) الْفَصْلُ الثَّانِي
(٢) (عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " رُصُّوا): بِضَمِّ الرَّاءِ (صُفُوفَكُمْ) أَيْ: سَوُّوهَا وَضُمُّوا بَعْضَكُمْ إِلَى بَعْضٍ حَتَّى لَا يَكُونَ بَيْنَكُمْ فُرْجَةٌ (وَقَارِبُوا بَيْنَهَا) أَيْ: بَيْنَ الصُّفُوفِ بِحَيْثُ لَا يَقَعُ بَيْنَ صَفَّيْنِ
[ ٣ / ٨٥١ ]
صَفٌّ آخَرُ، فَيَصِيرُ تَقَارُبُ أَشْبَاحِكُمْ سَبَبًا لِتَعَاضُدِ أَرْوَاحِكُمْ، وَلَا يَقْدِرُ الشَّيْطَانُ أَنْ يَمُرَّ بَيْنَ أَيْدِيكُمْ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ مَحَلَّهُ حَيْثُ لَا عُذْرَ كَحَرٍّ أَوْ بَرْدٍ شَدِيدٍ (وَحَاذُوا بِالْأَعْنَاقِ) أَيْ: بِأَنْ لَا يَتَرَفَّعُ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ بِأَنْ يَقِفَ فِي مَكَانٍ أَرْفَعَ مِنْ مَكَانِ الْآخَرِ قَالَهُ الْقَاضِي، قَالَ الطِّيبِيُّ: وَلَا عِبْرَةَ بِالْأَعْنَاقِ إِذْ لَيْسَ عَلَى الطَّوِيلِ أَنْ يَجْعَلَ عُنُقَهُ مُحَاذِيًا لِلْقَصِيرِ، انْتَهَى. وَأَمَّا تَفْسِيرُ مُحَاذَاةِ الْأَعْنَاقِ بِالْمُحَاذَاةِ بِالْمَنَاكِبِ كَمَا اخْتَارَهُ ابْنُ حَجَرٍ، فَمَدْفُوعٌ بِأَنَّ هَذَا عُلِمَ مِنْ قَوْلِهِ: " «رُصُّوا صُفُوفَكُمْ» " (فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، إِنِّي لِأَرَى الشَّيْطَانَ يَدْخُلُ مَنْ خَلَلِ الصَّفِّ): بِفَتْحَتَيْنِ، أَيْ: فُرْجَتِهِ، أَوْ كَثْرَةِ تَبَاعُدِهَا عَنْ بَعْضٍ. (كَأَنَّهَا الْحَذَفُ): بِفَتْحِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ، وَهُوَ الْغَنَمُ السُّودُ الصِّغَارُ مِنْ غَنَمِ الْحِجَازِ، وَقِيلَ: صِغَارٌ جُرْدٌ لَيْسَ لَهَا آذَانٌ وَلَا أَذْنَابٌ، يُجَاءُ بِهَا مِنَ الْيَمَنِ، أَيْ: كَأَنَّ الشَّيْطَانَ وَأُنِّثَ بِاعْتِبَارِ الْخَبَرِ، وَقِيلَ: إِنَّمَا أُنِّثَ لِأَنَّ اللَّامَ فِي الْخَبَرِ لِلْجِنْسِ، يَكُونُ فِي الْمَعْنَى جَمْعًا، وَفِي نُسْخَةٍ (كَأَنَّهُ) وَفِي شَرْحِ الطِّيبِيِّ قَالَ الْمُظْهِرُ: الضَّمِيرُ فِي (كَأَنَّهَا) رَاجِعٌ إِلَى مُقَدَّرٍ، أَيْ: جَعَلَ نَفْسَهُ شَاةً أَوْ مَاعِزَةً كَأَنَّهَا الْحَذَفُ، وَقِيلَ: وَيَجُوزُ التَّذْكِيرُ بِاعْتِبَارِ الشَّيْطَانِ، وَيَجُوزُ تَأْنِيثُهُ بِاعْتِبَارِ الْحَذَفِ لِوُقُوعِهِ بَيْنَهُمَا فَلَا حَاجَةَ إِلَى مُقَدَّرٍ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ): وَسَكَتَ عَلَيْهِ، قَالَ النَّوَوِيُّ: إِسْنَادُهُ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ، نَقَلَهُ مِيرَكُ وَقَالَ: وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ مُخْتَصَرًا.
[ ٣ / ٨٥٢ ]
١٠٩٤ - وَعَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " «أَتِمُّوا الصَّفَّ الْمُقَدَّمَ، ثُمَّ الَّذِي يَلِيهِ. فَمَا كَانَ مِنْ نَقْصٍ فَلْيَكُنْ فِي الصَّفِّ الْمُؤَخَّرِ» "، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
_________________
(١) (وَعَنْهُ) أَيْ: عَنْ أَنَسٍ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " أَتِمُّوا الصَّفَّ الْمُقَدَّمَ) أَيِ: الْأَوَّلَ (ثُمَّ الَّذِي يَلِيهِ. فَمَا كَانَ مِنْ نَقْصٍ فَلْيَكُنْ فِي الصَّفِّ الْمُؤَخَّرِ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ، وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ قَالَهُ مِيرَكُ.
[ ٣ / ٨٥٢ ]
١٠٩٥ - وَعَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ﵁، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " «إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى الَّذِينَ يَلُونَ الصُّفُوفَ الْأُولَى، وَمَا مِنْ خُطْوَةٍ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْ خُطْوَةٍ يَمْشِيهَا يَصِلُ بِهَا صَفًّا» ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
_________________
(١) (وَعَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى الَّذِينَ يَلُونَ) أَيْ: يَقُومُونَ، قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: أَوْ يُبَاشِرُونَ وَيَتَوَلَّوْنَ (الصُّفُوفَ الْأُولَى): فَالْأَفْضَلُ الْأَوَّلُ فَالْأَوَّلُ (وَمَا مِنْ خُطْوَةٍ): بِالْفَتْحِ وَيُضَمُّ، وَمِنْ زَائِدَةٌ. وَخُطْوَةٌ اسْمُ " مَا " وَقَوْلُهُ: (أَحَبَّ إِلَى اللَّهِ): بِالنَّصْبِ خَبَرُهُ، وَالْأَصَحُّ رَفْعُهُ فَهُوَ اسْمُهُ، وَمِنْ خُطْوَةٍ خَبَرُهُ (مِنْ خُطْوَةٍ): مُتَعَلِّقٌ بِأَحَبَّ (يَمْشِيهَا): بِالْغَيْبَةِ صِفَةُ خُطْوَةٍ، أَيْ: يَمْشِيهَا الرَّجُلُ، وَكَذَا (يَصِلُ بِهَا صَفًّا): وَقِيلَ: بِالْخِطَابِ فِيهِمَا، وَالضَّمِيرَانِ لِلْخُطْوَةِ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ): قَالَ مِيرَكُ: وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَإِسْنَادُهُ جَيِّدٌ.
[ ٣ / ٨٥٢ ]
١٠٩٦ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ: ﷺ: " «إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى مَيَامِنِ الصُّفُوفِ» ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
_________________
(١) (وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى مَيَامِنِ الصُّفُوفِ): جَمْعُ مَيْمَنَةٍ، وَفِي نُسْخَةٍ: مَيَامِينِ الصُّفُوفِ، قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: يَدُلُّ عَلَى شَرَفِ يَمِينِ الصُّفُوفِ كَمَا ذُكِرَ فِي التَّفْسِيرِ: إِنَّ اللَّهَ يُنَزِّلُ الرَّحْمَةَ أَوَّلًا عَلَى يَمِينِ الْإِمَامِ إِلَى آخِرِ الْيَمِينِ، ثُمَّ عَلَى الْيَسَارِ إِلَى آخِرِهِ، قِيلَ: وَإِذَا خَلَا الْيَسَارُ عَنِ الْمُصَلِّينِ يَصِيرُ أَفْضَلَ مِنَ الْيَمِينِ مُرَاعَاةً لِلطَّرَفَيْنِ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ): وَسَكَتَ عَلَيْهِ. وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، نَقَلَهُ مِيرَكُ. وَرَوَى مُسْلِمٌ عَنِ الْبَرَاءِ: كُنَّا إِذَا صَلَّيْنَا خَلْفَ النَّبِيِّ ﷺ أَحْبَبْنَا أَنْ نَكُونَ عَنْ يَمِينِهِ يُقْبِلُ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ، أَيْ: أَوَّلًا عِنْدَ السَّلَامِ، أَوْ مُطْلَقًا عِنْدَ الِانْصِرَافِ.
[ ٣ / ٨٥٢ ]
١٠٩٧ - وَعَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ ﵄، قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُسَوِّي صُفُوفَنَا إِذَا قُمْنَا إِلَى الصَّلَاةِ، فَإِذَا اسَتْوَيْنَا كَبَّرَ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
_________________
(١) (وَعَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُسَوِّي صُفُوفَنَا): بِالْيَدِ، أَوِ الْإِشَارَةِ، أَوِ الْقَوْلِ (إِذَا قُمْنَا إِلَى الصَّلَاةِ) أَيْ: لِلْجَمَاعَةِ (فَإِذَا اسْتَوَيْنَا كَبَّرَ) أَيْ: لِلْإِحْرَامِ، قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: يَدُلُّ عَلَى أَنَّ السُّنَّةَ لِلْإِمَامِ أَنْ يُسَوِّيَ الصُّفُوفَ ثُمَّ يُكَبِّرُ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) .
[ ٣ / ٨٥٣ ]
١٠٩٨ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁، قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ عَنْ يَمِينِهِ: " اعْتَدِلُوا، سَوُّوا صُفُوفَكُمْ ". وَعَنْ يَسَارِهِ: " اعْتَدِلُوا، سَوُّوا صُفُوفَكُمْ» ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
_________________
(١) (وَعَنْ أَنَسٍ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ) أَيْ: فِي إِبْدَاءِ الْأَمْرِ (يَقُولُ عَنْ يَمِينِهِ) أَيْ: مُنْصَرِفًا بِوَجْهِهِ عَنْ جِهَةِ يَمِينِهِ مُتَوَجِّهًا إِلَى يَمِينِ الصَّفِّ (اعْتَدِلُوا) أَيِ: اسْتَقِيمُوا (سَوُّوا صُفُوفَكُمْ ". وَعَنْ يَسَارِهِ " اعْتَدِلُوا) أَيْ: فِي الْقِيَامِ (سَوُّوا صُفُوفَكُمْ): بِعَدَمِ تَخْلِيَةِ الْفُرْجَةِ، أَوِ الثَّانِي تَفْسِيرٌ لِلْأَوَّلِ أَوْ تَأْكِيدٌ لَهُ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) .
[ ٣ / ٨٥٣ ]
١٠٩٩ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " «خِيَارُكُمْ أَلْيَنُكُمْ مَنَاكِبَ فِي الصَّلَاةِ» ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
_________________
(١) (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " خِيَارُكُمْ) أَيْ: فِي الْأَخْلَاقِ وَالْآدَابِ، (أَلْيَنُكُمْ مَنَاكِبَ): نُصِبَ عَلَى التَّمْيِيزِ (فِي الصَّلَاةِ): قِيلَ: مَعْنَاهُ أَنَّهُ إِذَا كَانَ فِي الصَّفِّ وَأَمَرَهُ أَحَدٌ بِالِاسْتِوَاءِ، أَوْ بِوَضْعِ يَدِهِ عَلَى مَنْكِبِهِ يَنْقَادُ وَلَا يَتَكَبَّرُ، فَالْمَعْنَى أَسْرَعُكُمُ انْقِيَادًا، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ لُزُومُ السَّكِينَةِ وَالْوَقَارِ فِي الصَّلَاةِ، فَلَا يَلْتَفِتُ وَلَا يُحَاكُّ بِمَنْكِبِهِ مَنْكِبَ صَاحِبِهِ، فَالْمَعْنَى أَكْثَرُكُمْ سَكِينَةً وَوَقَارًا، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ لَا يَمْتَنِعُ أَحَدُكُمْ لِضِيقِ الْمَكَانِ عَلَى مَنْ يُرِيدُ الدُّخُولَ بَيْنَ الصَّفِّ لِسَدِّ الْخَلَلِ، نَقَلَهُ السَّيِّدُ، وَقَالَ مِيرَكُ: الْوَجْهُ الْأَوَّلُ أَلْيَقُ بِالْبَابِ، وَيُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ أَبِي أُمَامَةَ فِي الْفَصْلِ الثَّالِثِ: " «وَلِينُوا فِي أَيْدِي إِخْوَانِكُمْ» " (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ): وَسَكَتَ عَلَيْهِ، وَأَقَرَّهُ الْمُنْذِرِيُّ، قَالَ مِيرَكُ: وَكَانَ الْأَخْصَرُ أَنْ يَقُولَ: رَوَى جَمِيعَ الْأَحَادِيثِ الْمَذْكُورَةِ فِي هَذَا الْفَصْلِ أَبُو دَاوُدَ.
[ ٣ / ٨٥٣ ]
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
١١٠٠ - عَنْ أَنَسٍ ﵁، قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ: " اسْتَوُوا، اسْتَوُوا ; فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، إِنِّي لَأَرَاكُمْ مِنْ خَلْفِي كَمَا أَرَاكُمْ مِنْ بَيْنِ يَدَيَّ» ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
_________________
(١) الْفَصْلُ الثَّالِثُ
(٢) (عَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ: " اسْتَوُوا، اسْتَوُوا، اسْتَوُوا): ثَلَاثَ مَرَّاتٍ لِلتَّأْكِيدِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الْأَمْرُ وَقَعَ إِجْمَالًا، وَالثَّانِي لِأَهْلِ الْيَمِينِ، وَالثَّالِثُ لِأَهْلِ الْيَسَارِ، (فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، إِنِّي لَأَرَاكُمْ مِنْ خَلْفِي كَمَا أَرَاكُمْ مِنْ بَيْنَ يَدَيَّ): بِالْمُشَاهَدَةِ أَوِ الْمُكَاشَفَةِ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) .
[ ٣ / ٨٥٣ ]
١١٠١ - وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " «إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى الصَّفِّ الْأَوَّلِ "، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! وَعَلَى الثَّانِي؟ قَالَ: " إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى الصَّفِّ الْأَوَّلِ "، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! وَعَلَى الثَّانِي؟ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى الصَّفِّ الْأَوَّلِ "، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! وَعَلَى الثَّانِي؟ قَالَ: " وَعَلَى الثَّانِي " وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " سَوُّوا صُفُوفَكُمْ، وَحَاذُوا بَيْنَ مَنَاكِبِكُمْ، وَلِينُوا فِي أَيْدِي إِخْوَانِكُمْ، وَسُدُّوا الْخَلَلَ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَدْخُلُ فِيمَا بَيْنَكُمْ بِمَنْزِلَةِ الْحَذَفِ» " يَعْنِي أَوْلَادَ الضَّأْنِ الصِّغَارِ. رَوَاهُ أَحْمَدُ.
_________________
(١) (وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ): بِإِنْزَالِ الرَّحْمَةِ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، وَبِالدُّعَاءِ بِالتَّوْفِيقِ وَغَيْرِهِ مِنَ الْمَلَائِكَةِ. (عَلَى الصَّفِّ الْأَوَّلِ): يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ إِخْبَارًا وَدُعَاءً، وَيُؤَيِّدُ الثَّانِي (قَالُوا) أَيْ: بَعْضُ الصَّحَابَةِ (يَا رَسُولَ اللَّهِ! وَعَلَى الثَّانِي؟) أَيْ: قُلْ وَعَلَى الثَّانِي، وَيُسَمَّى هَذَا الْعَطْفُ عَطْفَ تَلْقِينٍ وَالْتِمَاسٍ كَمَا حُقِّقَ فِي قَوْلِهِ ﵇: " «اللَّهُمَّ ارْحَمِ الْمُحَقِّقِينَ» " الْحَدِيثَ. (قَالَ: " إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى الصَّفِّ الْأَوَّلِ) أَيْ: ثَانِيًا، (قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ! وَعَلَى الثَّانِي؟ قَالَ: " إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى الصَّفِّ الْأَوَّلِ) أَيْ ثَالِثًا (قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! وَعَلَى الثَّانِي؟ قَالَ: " وَعَلَى الثَّانِي): فَالتَّكْرَارُ يُفِيدُ التَّأْكِيدَ وَحُصُولَ الْكَمَالِ لِلْأَوَّلِ، وَتَثْلِيثَ الرَّحْمَةِ عَلَى الصَّفِّ الْأَوَّلِ. (وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " سَوُّوا صُفُوفَكُمْ) أَيْ: بِالِاعْتِدَالِ وَعَدَمِ الِاخْتِلَالِ. (وَحَاذُوا بَيْنَ مَنَاكِبِكُمْ) أَيْ: بِالْوُقُوفِ فِي مَوْقِفٍ وَاحِدٍ (وَلِينُوا فِي أَيْدِي إِخْوَانِكُمْ): بِالِانْقِيَادِ وَالِانْضِمَامِ (وَسُدُّوا الْخَلَلَ) أَيْ: مِنَ الصُّفُوفِ، أَوْ مِمَّا بَيْنَهُنَّ، (فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَدْخُلُ فِيمَا بَيْنَكُمْ): لِيُشَوِّشَ عَلَيْكُمْ فِي صَلَاتِكُمْ بِالْإِغْوَاءِ وَالْإِشْغَالِ (بِمَنْزِلَةِ الْحَذَفِ) أَيْ: فِي صُورَتِهَا (يَعْنِي: أَوْلَادَ الضَّأْنِ الصِّغَارِ): تَفْسِيرٌ مِنَ الرَّاوِي (رَوَاهُ أَحْمَدُ): بِإِسْنَادٍ لَا بَأْسَ بِهِ، وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ وَغَيْرُهُ، نَقَلَهُ مِيرَكُ.
[ ٣ / ٨٥٤ ]
١١٠٢ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " «أَقِيمُوا الصُّفُوفَ، وَحَاذُوا بَيْنَ الْمَنَاكِبِ، وَسُدُّوا الْخَلَلَ، وَلِينُوا بِأَيْدِي إِخْوَانِكُمْ، وَلَا تَذَرُوا فُرُجَاتِ الشَّيْطَانِ، وَمَنْ وَصَلَ صَفًّا وَصَلَهُ اللَّهُ، وَمَنْ قَطَعَهُ قَطَعَهُ اللَّهُ» ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَرَوَى النَّسَائِيُّ مِنْهُ قَوْلَهُ: " وَمَنْ وَصَلَ صَفًّا " إِلَى آخِرِهِ.
_________________
(١) (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " أَقِيمُوا الصُّفُوفَ) أَيْ: عَدِّلُوهَا وَسَوُّوهَا (وَحَاذُوا بَيْنَ الْمَنَاكِبِ) بِعَدَمِ الِاخْتِلَافِ فِي الْمَوَاقِفِ أَوْ بِالتَّقَارُبِ (وَسُدُّوا الْخَلَلَ) أَيِ: الْفُرْجَةَ فِي الصُّفُوفِ (وَلِينُوا) أَيْ: كُونُوا لَيِّنِينَ هَيِّنِينَ مُنْقَادِينَ (بِأَيْدِي إِخْوَانِكُمْ) أَيْ: إِذَا أَخَذُوا بِهَا لِيُقَدِّمُوكُمْ أَوْ يُؤَخِّرُوكُمْ، حَتَّى يَسْتَوِيَ الصَّفُّ لِتَنَالُوا فَضْلَ الْمُعَاوَنَةِ عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى، وَيَصِحُّ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ لِينُوا بِيَدِ مَنْ يَجُرُّكُمْ مِنَ الصَّفِّ، أَيْ: وَافِقُوهُ وَتَأَخَّرُوا مَعَهُ لِتُزِيلُوا عَنْهُ وَصْمَةَ الِانْفِرَادِ الَّتِي أَبْطَلَ بِهَا بَعْضُ الْأَئِمَّةِ، وَجَاءَ فِي مُرْسَلٍ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ: " «إِنْ جَاءَ فَلَمْ يَجِدْ خَلَلًا أَوْ أَحَدًا فَلْيَخْتَلِجْ إِلَيْهِ رَجُلًا مِنَ الصَّفِّ، فَلْيَقُمْ مَعَهُ، فَمَا أَعْظَمَ أَجْرَ الْمُخْتَلَجِ» "، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ بِنِيَّتِهِ مُحَصِّلٌ لَهُ فَضِيلَةَ مَا فَاتَ عَلَيْهِ مِنَ الصَّفِّ مَعَ زِيَادَةٍ مِنَ الْأَجْرِ الَّذِي هُوَ سَبَبُ تَحْصِيلِ فَضِيلَةٍ لِلْغَيْرِ. (وَلَا تَذَرُوا) أَيْ: لَا تَتْرُكُوا (فُرُجَاتِ الشَّيْطَانِ) أَيِ: الْجِنِّيِّ وَالْإِنْسِيِّ، وَالْفُرُجَاتُ: بِضَمِّ الْفَاءِ وَالرَّاءِ جَمْعُ فُرْجَةٍ بِسُكُونِ الرَّاءِ. (وَمَنْ) . وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ: فَمَنْ (وَصَلَ صَفًّا): بِالْحُضُورِ فِيهِ وَسَدِّ الْخَلَلِ مِنْهُ (وَصَلَهُ اللَّهُ) أَيْ: بِرَحْمَتِهِ (وَمَنْ قَطَعَهُ) أَيْ: بِالْغَيْبَةِ، أَوْ بِعَدَمِ السَّدِّ، أَوْ بِوَضْعِ شَيْءٍ مَانِعٍ. (قَطَعَهُ اللَّهُ) أَيْ: مِنْ رَحْمَتِهِ الشَّامِلَةِ وَعِنَايَتِهِ الْكَامِلَةِ، وَفِيهِ تَهْدِيدٌ شَدِيدٌ وَوَعِيدُ بَلِيغٌ، وَلِذَا عَدَّهُ ابْنُ حَجَرٍ مِنَ الْكَبَائِرِ فِي كِتَابِهِ الزَّوَاجِرِ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) قَالَ مِيرَكُ: وَرَوَاهُ أَحْمَدُ أَيْضًا، أَيِ: الْحَدِيثَ بِكَمَالِهِ. (وَرَوَى النَّسَائِيُّ): قَالَ مِيرَكُ: وَابْنُ خُزَيْمَةَ كَذَلِكَ (مِنْهُ) أَيْ: مِنَ الْحَدِيثِ (قَوْلَهُ): ﵇ مَفْعُولُ رَوَى (وَمَنْ وَصَلَ صَفًّا " إِلَى آخِرِهِ): بَيَانُ الْمَقُولِ، أَيْ: لَا صَدْرُ الْحَدِيثِ.
[ ٣ / ٨٥٤ ]
١١٠٣ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " «تَوَسَّطُوا الْإِمَامَ وَسُدُّوا الْخَلَلَ» ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
_________________
(١) (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " تَوَسَّطُوا الْإِمَامَ) قَالَ الطِّيبِيُّ: أَيِ اجْعَلُوا إِمَامَكُمْ مُتَوَسِّطًا بِأَنْ تَقِفُوا فِي الصُّفُوفِ خَلْفَهُ وَعَنْ يَمِينِهِ وَشِمَالِهِ اهـ. وَتَبِعَهُ ابْنُ حَجَرٍ، وَفِي الْقَامُوسِ: وَسَّطَهُمْ: جَلَسَ وَسَطَهُمْ كَتَوَسَّطَهُمْ، وَوَسَّطَهُ تَوْسِيطًا: جَعَلَهُ فِي الْوَسَطِ، فَالظَّاهِرُ أَنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ تَوَسَّطُوا بِالْإِمَامِ، فَيَكُونَ مِنْ بَابِ الْحَذْفِ وَالْإِيصَالِ. (وَسُدُّوا الْخَلَلَ) أَيْ: ظَاهِرًا وَبَاطِنًا ; لِأَنَّ الظَّاهِرَ عُنْوَانُ الْبَاطِنِ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) .
[ ٣ / ٨٥٥ ]
١١٠٤ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " «لَا يَزَالُ قَوْمٌ يَتَأَخَّرُونَ عَنِ الصَّفِّ الْأَوَّلِ، حَتَّى يُؤَخِّرَهُمُ اللَّهُ فِي النَّارِ» ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
_________________
(١) (وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " لَا يَزَالُ قَوْمٌ يَتَأَخَّرُونَ عَنِ الصَّفِّ الْأَوَّلِ): وَنَحْوَهُ مِنَ الْمُسَابَقَةِ فِي الْخَيْرَاتِ وَالْمُسَارَعَةِ إِلَى الْمَبَرَّاتِ (حَتَّى يُؤَخِّرَهُمُ اللَّهُ) أَيْ: يَجْعَلَهُمْ آخِرَ الْأَمْرِ (فِي النَّارِ): أَوْ يَجْعَلَهُمْ مُتَأَخِّرِينَ فِي أَهْلِ النَّارِ ﴿جَزَاءً وِفَاقًا﴾ [النبأ: ٢٦] لِأَعْمَالِهِمْ وَطِبَاقًا لِأَحْوَالِهِمْ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ، وَتَبِعَهُ ابْنُ حَجَرٍ، أَيْ حَتَّى يُؤَخِّرَهُمْ عَنِ الْخَيْرَاتِ وَيُدْخِلَهُمُ النَّارَ، (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ): قَالَ مِيرَكُ: وَرَوَاهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ، وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحَيْهِمَا.
[ ٣ / ٨٥٥ ]
١١٠٥ - وَعَنْ وَابِصَةَ بْنِ مَعْبَدٍ ﵁، قَالَ: «رَأَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَجُلًا يُصَلِّي خَلْفَ الصَّفِّ وَحْدَهُ، فَأَمَرَهُ أَنْ يُعِيدَ الصَّلَاةَ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ.
_________________
(١) (وَعَنْ وَابِصَةَ بْنِ مَعْبَدٍ قَالَ: رَأَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَجُلًا يُصَلِّي خَلْفَ الصَّفِّ وَحْدَهُ) أَيْ: مُنْفَرِدًا عَنِ الصَّفِّ مَعَ سَعَةِ الْمَكَانِ (فَأَمَرَهُ أَنْ يُعِيدَ الصَّلَاةَ): اسْتِحْبَابًا لِارْتِكَابِهِ الْكَرَاهَةَ، قَالَ الطِّيبِيُّ: إِنَّمَا أَمَرَهُ بِإِعَادَةِ الصَّلَاةِ تَغْلِيظًا وَتَشْدِيدًا. يُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ أَبِي بَكْرَةَ فِي آخِرِ الْفَصْلِ الْأَوَّلِ مِنْ بَابِ الْمَوْقِفِ. قُلْتُ: لَا مُنَاسَبَةَ بَيْنَهُمَا أَصْلًا خُصُوصًا عَلَى رِوَايَةِ: (لَا تُعِدْ) مِنَ الْإِعَادَةِ فَإِنَّهُ يَكُونُ بَيْنَهُمَا مُنَاقَضَةٌ، وَيُدْفَعُ بِأَنَّ النَّهْيَ لِعَدَمِ الْوُجُوبِ، أَوْ لِكَوْنِهِ فِي وَقْتِ كَرَاهَةِ الصَّلَاةِ، قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: وَعِنْدَ أَحْمَدَ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ الِانْفِرَادُ خَلْفَ الصَّفِّ لِهَذَا الْحَدِيثِ، وَاسْتَدَلَّ لِلْجَوَازِ بِمَا فِي الْبُخَارِيِّ عَنْ أَبِي بَكْرَةَ الْحَدِيثَ، فَعُلِمَ أَنَّ ذَلِكَ الْأَمْرَ بِالْإِعَادَةِ كَانَ اسْتِحْبَابًا. (رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ) . قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: وَرَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ، وَالْحَاكِمُ، وَيُوَافِقُهُ الْخَبَرُ الصَّحِيحُ، أَيْضًا: " «لَا صَلَاةَ لِلَّذِي خَلْفَ الصَّفِّ» ". وَمِنْهَا: أَخَذَ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ بُطْلَانَ صَلَاةِ الْمُنْفَرِدِ عَنِ الصَّفِّ مَعَ إِمْكَانِ الدُّخُولِ فِيهِ، وَحَمَلَ أَئِمَّتُنَا الْأَوَّلَ عَلَى النَّدْبِ، وَالثَّانِيَ عَلَى نَفْيِ الْكَمَالِ لِيُوَافِقَا خَبَرَ الْبُخَارِيِّ، «عَنْ أَبِي بَكْرَةَ أَنَّهُ دَخَلَ وَالنَّبِيُّ ﷺ رَاكِعٌ، فَرَكَعَ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ إِلَى الصَّفِّ، فَذُكِرَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: " زَادَكَ اللَّهُ حِرْصًا وَلَا تَعُدْ» ". وَفِي رِوَايَةٍ لِأَبِي دَاوُدَ، وَصَحَّحَهَا ابْنُ حِبَّانَ: فَرَكَعَ دُونَ الصَّفِّ ثُمَّ مَشَى ; إِذْ ظَاهِرُهُ عَدَمُ لُزُومِ الْإِعَادَةِ لِعَدَمِ أَمْرِهِ بِهَا، وَأَيْضًا فَهُوَ ﵇ تَرَكَهُ حَتَّى فَرَغَ، وَلَوْ كَانَتْ بَاطِلَةً لَمَا أَقَرَّهُ عَلَى الْمُضِيِّ فِيهَا مَعَ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ وَإِنْ صَحَّحَهُ وَحَسَّنَهُ مَنْ ذُكِرَ أَعَلَّهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ بِأَنَّهُ مُضْطَرِبٌ، وَضَعَّفَهُ الْبَيْهَقِيُّ، ثُمَّ قِيلَ: مَعْنَى حَدِيثِ أَبِي بَكْرَةَ: لَا تَعُدْ إِلَى الْإِحْرَامِ خَارِجَ الصَّفِّ، وَقِيلَ: لَا تَعُدْ إِلَى التَّأَخُّرِ عَنِ الصَّلَاةِ إِلَى هَذَا الْوَقْتِ، وَقِيلَ: لَا تَعُدْ إِلَى إِتْيَانِ الصَّلَاةِ مُسْرِعًا.
[ ٣ / ٨٥٥ ]