[ ٤ / ١٣٧١ ]
بَابُ رُؤْيَةِ الْهِلَالِ
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
١٩٦٩ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: " «لَا تَصُومُوا حَتَّى تَرَوُا الْهِلَالَ، وَلَا تُفْطِرُوا حَتَّى تَرَوْهُ، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَاقْدِرُوا لَهُ "، وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ: " الشَّهْرُ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ لَيْلَةً، فَلَا تَصُومُوا حَتَّى تَرَوْهُ، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا الْعِدَّةَ ثَلَاثِينَ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
_________________
(١) بَابُ رُؤْيَةِ الْهِلَالِ أَيِ الْأَحْكَامِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِهَا. الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
(٢) (عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: " لَا تَصُومُوا ") أَيْ يَوْمَ ثَلَاثِينَ شَعْبَانَ عَنْ رَمَضَانَ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ السِّيَاقُ " حَتَّى تَرَوُا الْهِلَالَ " أَيْ حَتَّى يَثْبُتَ عِنْدَكُمْ رُؤْيَةُ هِلَالِ رَمَضَانَ بِشَهَادَةِ عَدْلَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ، وَيَثْبُتُ بِعَدْلٍ وَاحِدٍ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ أَيْضًا، إِذَا كَانَ فِي السَّمَاءِ غَيْمٌ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ أَيْضًا فِي أَصَحِّ قَوْلَيْهِ، وَعِنْدَ أَحْمَدَ سَوَاءٌ كَانَ فِي السَّمَاءِ غَيْمٌ أَمْ لَا، وَعِنْدَ مَالِكٍ لَا تَثْبُتُ أَصْلًا؛ قَالَهُ ابْنُ الْمَلَكِ، وَقَالَ الْقَاضِي: أَيْ لَا تَصُومُوا عَلَى قَصْدِ رَمَضَانَ إِلَّا أَنْ يَثْبُتَ، وَهُوَ أَنْ يَرَى هُوَ أَوْ مَنْ يَثِقُ عَلَيْهِ، وَالْمُنْفَرِدُ بِالرُّؤْيَةِ إِذَا لَمْ يُحْكَمْ بِشَهَادَتِهِ يَجِبُ عَلَيْهِ عِنْدَنَا أَنْ يَصُومَ، وَيُسِرَّ بِإِفْطَارِ عِيدِهِ اهـ. وَيَصُومُ عِنْدَنَا - مَعْشَرَ الْحَنَفِيَّةِ - أَوَّلًا وَلَا يُفْطِرُ يَوْمَ عِيدٍ احْتِيَاطًا، وَقِيلَ: مَعْنَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ: لَا يَأْكُلُ وَلَا يَشْرَبُ، وَلَكِنْ لَا يَنْوِي الصَّوْمَ وَالتَّقَرُّبَ إِلَى اللَّهِ - تَعَالَى - لِأَنَّهُ يَوْمُ عِيدٍ فِي حَقِّهِ لِلْحَقِيقَةِ الَّتِي عِنْدَهُ، قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: وَلَا يَخْفَى أَنَّ التَّعْلِيلَ بِالِاحْتِيَاطِ يُنَافِي تَأْوِيلَ قَوْلِهِ بِذَلِكَ، وَقِيلَ: إِنْ أَيْقَنَ أَفْطَرَ وَيَأْكُلُ سِرًّا، وَعَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُ لَا يُفْطِرُ لَوْ أَفْطَرَ قَضَى، ثُمَّ مِنْهُمْ مَنْ قَالَ: لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ بِلَا خِلَافٍ، وَمِنْهُمْ مَنْ حَكَى فِي لُزُومِهَا الْخِلَافَ بَعْدَ رَدِّ شَهَادَتِهِ وَقَبْلَهُ، وَالصَّحِيحُ عَدَمُ لُزُومِهَا فِيهِمَا، وَيُحْمَلُ مَعْنَى الْحَدِيثِ لَا تَصُومُوا بِنِيَّةِ رَمَضَانَ حَتَّى يَتَحَقَّقَ عِنْدَكُمْ رُؤْيَةُ الْهِلَالِ " وَلَا تُفْطِرُوا حَتَّى تَرَوْهُ " أَيْ هِلَالَ شَوَّالٍ، قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: حَتَّى تَثْبُتَ رُؤْيَتُهُ بِشَهَادَةِ عَدْلَيْنِ لَا بِأَقَلَّ بِالِاتِّفَاقِ، وَظَاهِرُ عُمُومِ هَذَا النَّهْيِ كَالْأَحَادِيثِ الْآتِيَةِ يَرُدُّ عَلَى الشَّافِعِيَّةِ، حَيْثُ قَالُوا: الْمُنْفَرِدُ بِالرُّؤْيَةِ فِي أَوَّلِ رَمَضَانَ يُسِرُّ بِفِطْرِهِ فِي عِيدِهِ، وَلَوْ لَمْ يَرَ هِلَالَ شَوَّالٍ، لِئَلَّا يَتَعَرَّضَ لِعُقُوبَةِ الْحَاكِمِ، وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ: وَالنَّهْيُ فِيهِمَا لِلتَّحْرِيمِ عَلَى الْأَصْلِ هُوَ بِالنَّظَرِ لِعُمُومِ النَّاسِ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ وَاوُ الْجَمْعِ، أَمَّا مَنْ رَآهُ وَحْدَهُ وَلَمْ يُشْهِدْ بِهِ أَوْ لَمْ يُقْبَلْ أَوْ أَخْبَرَهُ بِهِ مَنِ اعْتَقَدَ صِدْقَهُ فَيَلْزَمُ الْعَمَلُ بِمُقْتَضَى رُؤْيَتِهِ وَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ رَمَضَانُ وَلَا شَوَّالٌ عَلَى الْعُمُومِ اهـ فَلَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ جَوَابًا لِسُؤَالِنَا كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ عَلَى أَرْبَابِ الْفُهُومِ، فَتَأَمَّلْ حَقَّ التَّأَمُّلِ. " فَإِنْ غُمَّ " أَيْ غُطِّيَ الْهِلَالُ فِي لَيْلَةِ الثَّلَاثِينَ " عَلَيْكُمْ " أَيْ أَوَّلَهُ أَوْ آخِرَهُ، قَالَ الطِّيبِيُّ: أَيْ سُتِرَ الْهِلَالُ بِغَيْمٍ، مِنْ غَيَّمْتُ الشَّيْءَ إِذَا غَطَّيْتَهُ، وَفَى غُمَّ ضَمِيرُ الْهِلَالِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُسْنَدًا إِلَى الْجَارِّ وَالْمَجْرُورِ بِمَعْنَى إِنْ كُنْتُمْ مَغْمُومًا عَلَيْكُمْ، وَتُرِكَ ذِكْرُ الْهِلَالِ لِلِاسْتِغْنَاءِ عَنْهُ " فَاقْدِرُوا " بِكَسْرِ الدَّالِّ وَيُضَمُّ، وَفِي الْمُغْرِبِ: الضَّمُّ خَطَأٌ " لَهُ " أَيْ لِلْهِلَالِ، وَالْمَعْنَى قَدِّرُوا لِهِلَالِ الشَّهْرِ الْمُسْتَقْبِلِ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: أَيْ فَاقْدِرُوا عَدَدَ الشَّهْرِ الَّذِي كُنْتُمْ فِيهِ " ثَلَاثِينَ يَوْمًا " إِذِ الْأَصْلُ بَقَاءُ الشَّهْرِ وَدَوَامُ خَفَاءِ الْهِلَالِ مَا أَمْكَنَ أَيْ قَبْلَ الثَّلَاثِينَ، وَالْمَعْنَى: اجْعَلُوا الشَّهْرَ ثَلَاثِينَ، قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: يَعْنِي حَقِّقُوا مَقَادِيرَ أَيَّامِ شَعْبَانَ حَتَّى تُكْمِلُوهُ ثَلَاثِينَ يَوْمًا اهـ وَفِي شَرْحِ السُّنَّةِ مَعْنَاهُ: التَّقْدِيرُ بِإِكْمَالِ الْعَدَدِ، يُقَالُ قَدَرْتُ الشَّيْءَ أَقْدِرُهُ قَدْرًا بِمَعْنَى قَدَّرْتُهُ تَقْدِيرًا، قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: ذَهَبَ بَعْضٌ إِلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ التَّقْدِيرُ بِحِسَابِ الْقَمَرِ فِي الْمَنَازِلِ، أَيِ اقْدِرُوا مَنَازِلَ الْقَمَرِ فَإِنَّهُ يَدُلُّكُمْ عَلَى أَنَّ الشَّهْرَ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ أَوْ ثَلَاثُونَ اهـ وَفِي شَرْحِ السُّنَّةِ قَالَ ابْنُ سُرَيْجٍ: " فَاقْدِرُوا " خِطَابُ مَنْ خَصَّهُ اللَّهُ بِهَذَا الْعِلْمِ، وَقَوْلُهُ: " فَأَكْمِلُوا الْعِدَّةَ " خِطَابٌ لِلْعَامَّةِ اهـ وَهُوَ مَرْدُودٌ لِحَدِيثِ " «إِنَّا أُمَّةٌ أُمِّيَّةٌ لَا نَكْتُبُ وَلَا نَحْسُبُ» "، فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَعْرِفَةَ الشَّهْرِ لَيْسَتْ إِلَى الْكِتَابِ وَالْحِسَابِ كَمَا يَزْعُمُهُ أَهْلُ النُّجُومِ، وَلِلْإِجْمَاعِ عَلَى عَدَمِ الِاعْتِدَادِ بِقَوْلِ الْمُنَجِّمِينَ وَلَوِ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ يَرَى، وَلِقَوْلِهِ - تَعَالَى - مُخَاطِبًا خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ خِطَابًا عَامًّا ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥] وَلِقَوْلِهِ - ﷺ بِالْخِطَابِ الْعَامِّ " «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ» " وَلِمَا فِي نَفْسِ هَذَا الْحَدِيثِ: " «لَا تَصُومُوا حَتَّى تَرَوْهُ» " وَلِمَا فِي حَدِيثِ أَبِي دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ - ﷺ - قَالَ: " «الصَّوْمُ يَوْمَ يَصُومُونَ وَالْفِطْرُ
[ ٤ / ١٣٧٢ ]
يَوْمَ يُفْطِرُونَ» " بَلْ أَقُولُ: لَوْ صَامَ الْمُنَجِّمُ عَنْ رَمَضَانَ قَبْلَ رُؤْيَتِهِ بِنَاءً عَلَى مَعْرِفَتِهِ يَكُونُ عَاصِيًا فِي صَوْمِهِ، إِلَّا إِذَا ثَبَتَ الْهِلَالُ عَلَى خِلَافٍ فِيهِ، وَلَوْ جَعَلَ عِيدَ الْفِطْرِ بِنَاءً عَلَى زَعْمِهِ الْفَاسِدِ يَكُونُ فَاسِقًا، وَتَجِبُ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ فِي قَوْلٍ وَهُوَ الصَّحِيحُ، وَإِنِ اسْتَحَلَّ إِفْطَارَهُ فَرْضًا عَنْ عَدِّهِ وَاجِبًا صَارَ كَافِرًا، وَمِنَ الْغَرِيبِ مَا نَقَلَهُ صَاحِبُ النِّهَايَةِ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: فَأَكْمِلُوا الْعِدَّةَ - خِطَابٌ لِلْعَامَّةِ، وَأَغْرَبُ مِنْهُ عَمَلُ صَاحِبِ النِّهَايَةِ نَقْلَ كَلَامِهِ وَالسُّكُوتَ عَلَيْهِ الْمُوهِمَ قَبُولَ قَوْلِهِ، فَإِنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يَنْقِلَ كَلَامَهُ إِلَّا بِنِيَّةِ الرَّدِّ عَلَيْهِ (وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ: " الشَّهْرُ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ لَيْلَةً ") أَيِ الشَّهْرُ قَدْ يَكُونُ كَذَلِكَ أَوْ أَقَلُّهُ ذَلِكَ، وَقِيلَ: أَيْ هَذَا مُحَقَّقٌ، وَفِيهِ حَثٌّ عَلَى طَلَبِ الْهِلَالِ لَيْلَةَ الثَّلَاثِينَ " فَلَا تَصُومُوا " أَيْ عَلَى قَصْدِ رَمَضَانَ " حَتَّى تَرَوْهُ " أَيِ الشَّهْرَ يَعْنِي تَعْلَمُوا كَمَالَهُ أَوْ تُبْصِرُوا هِلَالَهُ لِقَوْلِهِ - تَعَالَى - ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥] " فَإِنْ غُمَّ " أَيْ أَمْرُ الشَّهْرِ أَوْ هِلَالِهِ " عَلَيْكُمْ " أَيْ بِغَيْمٍ وَنَحْوِهِ " فَأَكْمِلُوا " أَيْ أَتِمُّوا " الْعِدَّةَ " مَفْعُولٌ بِهِ أَيْ عِدَّةَ شَعْبَانَ كَمَا فِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ " ثَلَاثِينَ " أَيْ يَوْمًا وَهُوَ مَنْصُوبٌ عَلَى الظَّرْفِ، وَقِيلَ: التَّقْدِيرُ أَكْمِلُوا هَذِهِ الْعِدَّةَ، وَثَلَاثِينَ بَدَلٌ مِنْهُ بَدَلُ الْكُلِّ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
[ ٤ / ١٣٧٣ ]
١٩٧٠ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - " صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ، وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ، فَإِنْ غُمَّ فَأَكْمِلُوا عِدَّةَ شَعْبَانَ ثَلَاثِينَ ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
_________________
(١) (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: " صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ ") أَيْ لِأَجْلِ رُؤْيَةِ الْهِلَالِ، فَاللَّامُ لِلتَّعْلِيلِ وَالضَّمِيرُ لِلْهِلَالِ عَلَى حَدِّ حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ اكْتِفَاءً بِقَرِينَةِ السِّيَاقِ وَلِقَوْلِهِ - تَعَالَى - ﴿وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ﴾ [النساء: ١١] أَيْ لِأَبَوَيِ الْمَيِّتِ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: اللَّامُ لِلتَّوْقِيتِ كَقَوْلِهِ - تَعَالَى - ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ [الإسراء: ٧٨] أَيْ وَقْتَ دُلُوكِهَا، وَفِيهِ أَنَّ الصَّوْمَ بَعْدَ الرُّؤْيَةِ بِزَمَانٍ طَوِيلٍ يَتَحَقَّقُ، وَأَنَّ الْإِقَامَةَ بَعْدَ تَحَقُّقِ الدُّلُوكِ فَلَا جَامِعَ بَيْنَهُمَا، وَلِهَذَا قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: فِي الْآيَةِ اللَّامُ بِمَعْنَى " بَعْدَ " أَيْ بَعْدَ دُلُوكِهَا أَيْ زَوَالِهَا، كَمَا فِي قَوْلِكَ: جِئْتُهُ لِثَلَاثٍ خَلَوْنَ مِنْ شَهْرِ كَذَا، يُبَيِّنُهُ حَدِيثُ أَبِي الْبَخْتَرِيِّ فِي الْفَصْلِ الثَّالِثِ مَدَّهُ لِلرُّؤْيَةِ، قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ - ﵀ الْفَيَّاضُ - أَيْ أَطَالَ اللَّهُ مُدَّتَهُ إِلَى الرُّؤْيَةِ، وَقَوْلِهِ: جِئْتُهُ لِثَلَاثٍ خَلَوْنَ مِنْ شَهْرِ كَذَا، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ بِمَعْنَى بَعْدَ اهـ الْأَخِيرُ هُوَ الْأَظْهَرُ لِأَنَّ الْأَوَّلَ يُرَدُّ " وَأَفْطِرُوا " أَيِ اجْعَلُوا عِيدَ الْفِطْرِ " لِرُؤْيَتِهِ " أَيْ لِأَجْلِهَا أَوْ بَعْدَهَا أَوْ وَقْتَهَا " فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا عِدَّةَ شَعْبَانَ " أَيْ أَتِمُّوا عَدَدَهُ " ثَلَاثِينَ " أَيْ فَكَذَا رَمَضَانُ بِطْرِيقِ الْأَوْلَى، قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: إِذَا صَامَ أَهْلُ مِصْرٍ رَمَضَانَ عَلَى غَيْرِ رُؤْيَةٍ بَلْ بِإِكْمَالِ شَعْبَانَ ثَمَانِيَةً وَعِشْرِينَ، ثُمَّ رَأَوْا هِلَالَ شَوَّالٍ، إِنْ كَانُوا أَكْمَلُوا عِدَّةَ شَعْبَانَ عَنْ رُؤْيَةِ هِلَالِهِ إِذْ لَمْ يَرَوْا هِلَالَ رَمَضَانَ قَضَوْا يَوْمًا وَاحِدًا حَمْلًا عَلَى شَعْبَانَ، غَيْرَ أَنَّهُ اتُّفِقَ أَنَّهُمْ لَمْ يَرَوُا اللَّيْلَةَ الثَّلَاثِينَ، وَإِنْ أَكْمَلُوا شَعْبَانَ عَنْ غَيْرِ رُؤْيَةٍ قَضَوْا يَوْمَيْنِ احْتِيَاطًا، لِاحْتِمَالِ نُقْصَانِ شَعْبَانَ مَا قَبْلَهُ، فَإِنَّهُمْ لَمْ يَرَوْا هِلَالَ شَعْبَانَ إِلَّا كَانُوا بِالضَّرُورَةِ مُكَمِّلِينَ رَجَبًا (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: وَعِنْدَ أَبِي دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيِّ وَحَسَّنَهُ " «فَإِنْ حَالَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ سَحَابٌ فَكَمِّلُوا الْعِدَّةَ ثَلَاثِينَ، وَلَا تَسْتَقْبِلُوا الشَّهْرَ اسْتِقْبَالًا» "، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: بِهَذِهِ الرِّوَايَةِ الْأَخِيرَةِ وَالَّتِي قَبْلَهَا كَرِوَايَةِ: " «فَإِنْ أُغْمِيَ عَلَيْكُمُ الشَّهْرُ فَعُدُّوا ثَلَاثِينَ ثُمَّ صُومُوا» "، وَرِوَايَةِ: " فَاقْدِرُوا لَهُ ثَلَاثِينَ "، وَرِوَايَةِ: " «فَإِنْ أُغْمِيَ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا عِدَّةَ شَعْبَانَ ثَلَاثِينَ يَوْمًا، ثُمَّ صُومُوا» "، وَرِوَايَةِ: «كَانَ - ﷺ - يَتَحَفَّظُ مِنْ شَعْبَانَ مَالَا يَتَحَفَّظُ مِنْ غَيْرِهِ ثُمَّ يَصُومُ لِرُؤْيَةِ رَمَضَانَ، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْهِ عَدَّ ثَلَاثِينَ يَوْمًا ثُمَّ صَامَ»، وَهَذِهِ رِوَايَاتٌ صَحِيحَةٌ لَا تَقْبَلُ التَّأْوِيلَ - رَدُّوا قَوْلَ أَحْمَدَ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ وَطَائِفَةٍ قَلِيلَةٍ مَعْنَى اقْدِرُوا ضَيِّقُوا لَهُ وَقَدِّرُوهُ تَحْتَ السَّحَابِ فَيَجِبُ عِنْدَهُمْ صَوْمُ يَوْمِ الثَّلَاثِينَ مِنْ شَعْبَانَ عَنْ رَمَضَانَ إِذَا كَانَتْ لَيْلَةُ الثَّلَاثِينَ مُغَيَّمَةً، وَقَوْلَ ابْنِ سُرَيْجٍ وَآخِرِينَ: قَدِّرُوا بِحِسَابِ الْمَنَازِلِ، أَئِمَّتُنَا: مَنْ قَالَ بِتَقْدِيرِهِ تَحْتَ السَّحَابِ فَهُوَ مُنَابِذٌ لِصَرِيحِ مَا فِي الرِّوَايَاتِ، وَمَنْ قَالَ بِحِسَابِ الْمَنَازِلِ فَرَدَّ عَلَيْهِ خَبَرُ الصَّحِيحَيْنِ " إِنَّا أُمَّةٌ " الْآتِي، وَزَعَمَ بَعْضُ الْحَنَابِلَةِ أَنَّ مَا مَرَّ عَنْ أَحْمَدَ عَلَيْهِ إِجْمَاعُ الصَّحَابَةِ وَهْمٌ اهـ أَقُولُ: عَلَى تَقْدِيرِ صِحَّةِ إِجْمَاعِهِمْ أَوْ قَوْلِ بَعْضِهِمْ أَوْ فِعْلِ بَعْضِهِمْ فَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ مِنْ بَابِ الِاحْتِيَاطِ وُجُوبًا عَلَى مُقْتَضَى مَذْهَبِ أَحْمَدَ، وَاسْتِحْبَابًا عَلَى مُقْتَضَى مَذْهَبِنَا، مِنْ أَنَّ الْأَفْضَلَ صَوْمُ ذَلِكَ الْيَوْمِ لِلْخَوَاصِّ الَّذِينَ يَعْرِفُونَ كَيْفِيَّةَ النِّيَّةِ الْخَالِصَةِ مِنَ التَّرْدِيدِ بِأَنْ يَنْوِيَ صَوْمًا مُطْلَقًا وَلَا يَقُولَ عَنْ رَمَضَانَ وَلَا أَنَّهُ كَانَ مِنْ رَمَضَانَ فَعَنْهُ، وَإِلَّا فَعَنْ غَيْرِهِ فَإِنَّهُ مَكْرُوهٌ، وَأَمَّا إِنْ قَالَ: إِنْ كَانَ مِنْ رَمَضَانَ فَأَنَا صَائِمٌ وَإِلَّا فَلَا يَصِحُّ صَوْمُهُ، ثُمَّ إِذَا صَحَّ صَوْمُهُ وَاتَّفَقَ أَنَّهُ مِنْ رَمَضَانَ فَيَقَعُ عِنْدَنَا خِلَافًا لِلشَّافِعِيَّةِ.
[ ٤ / ١٣٧٣ ]
١٩٧١ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: " «إِنَّا أُمَّةٌ أُمِّيَّةٌ لَا نَكْتُبُ وَلَا نَحْسُبُ، الشَّهْرُ هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا» " وَعَقَدَ الْإِبْهَامَ فِي الثَّالِثَةِ، ثُمَّ قَالَ: الشَّهْرُ هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا يَعْنِي تَمَامَ الثَّلَاثِينَ يَعْنِي مَرَّةً تِسْعًا وَعِشْرِينَ وَمَرَّةً ثَلَاثِينَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
_________________
(١) (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: " إِنَّا ") أَيْ مَعَاشِرَ الْعَرَبِ " أُمَّةٌ " أَيْ جَمَاعَةٌ " أُمِّيَّةٌ " قِيلَ: الْأُمِّيُّ مَنْسُوبٌ إِلَى أُمَّةِ الْعَرَبِ فَإِنَّهُمْ غَالِبًا كَانُوا لَا يَكْتُبُونَ وَلَا يَقْرَءُونَ، وَإِطْلَاقُ الْأَمْنِ مِنْ قِبَلِ نَبِيِّهِمْ - ﷺ - وَالْقُرْآنِ الَّذِي بُعِثَ فِيهِ ثُمَّ صَارَ الْآخَرُ تَبَعًا لِلْأَوَّلِ فِي النِّسْبَةِ وَالْحُكْمِ، أَوْ مَنْسُوبٌ إِلَى الْأُمِّ لِأَنَّهُ بَاقٍ عَلَى الْحَالِ الَّتِي وَلَدَتْهُ أُمُّهُ وَلَمْ يَعْلَمْ قِرَاءَةً وَلَا كِتَابَةً، وَقِيلَ: مَنْسُوبٌ إِلَى أُمِّ الْقُرَى وَهِيَ مَكَّةُ أَيْ إِنَّا أُمَّةٌ مَكِّيَّةٌ " لَا نَكْتُبُ وَلَا نَحْسُبُ " بِضَمِّ السِّينِ، وَهَذَا الْحُكْمُ بِالنَّظَرِ لِأَكْثَرِهِمْ، أَوِ الْمُرَادُ: لَا نُحْسِنُ الْكِتَابَةَ وَالْحِسَابَ، وَأَغْرَبَ ابْنُ حَجَرٍ حَيْثُ قَالَ: أَيْ مَنْسُوبُونَ إِلَى الْأُمِّ لِبَقَائِهِمْ عَلَى الْحَالَةِ الَّتِي وَلَدَتْهُمْ عَلَيْهَا مِنْ عَدَمِ إِحْسَانِ الْكِتَابَةِ وَالْحِسَابِ، وَوَجْهُ الْغَرَابَةِ أَنَّ الْحَالَةَ هِيَ عَدَمُ الْكِتَابَةِ لَا عَدَمُ إِحْسَانِهَا، قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: أَيْ لَا نَعْرِفُ الْكِتَابَةَ وَحِسَابَ النُّجُومِ حَتَّى نَعْتَمِدَ عَلَى عِلْمِ النُّجُومِ وَسَيْرِ الْقَمَرِ وَنَعْرِفَ الشَّهْرَ بِذَلِكَ اهـ وَفِيهِ شَائِبَةٌ مِنَ الْجَوَازِ بِالْعَمَلِ بِالنُّجُومِ، وَهُوَ مَرْدُودٌ كَمَا صَرَّحَ بِهِ نَفْسُهُ سَابِقًا، قَالَ الطِّيبِيُّ " إِنَّا " كِنَايَةٌ عَنْ جِيلِ الْعَرَبِ، وَقَوْلُهُ لَا نَكْتُبُ وَلَا نَحْسُبُ بَيَانٌ لِقَوْلِهِ أُمِّيَّةٌ، وَهَذَا الْبَيَانُ ثُمَّ الْإِشَارَةُ بِالْيَدِ ثُمَّ الْقَوْلُ بِاللِّسَانِ يُنْهِيكَ عَلَى أَنَّ الِاسْتِقْصَاءَ فِي مَعْرِفَةِ الشَّهْرِ لَا إِلَى الْكِتَابِ وَالْحِسَابِ كَمَا عَلَيْهِ أَهْلُ النَّجَاسَةِ اهـ. فَالْمَعْنَى أَنَّ الْعَمَلَ عَلَى مَا يَعْتَادُهُ الْمُنَجِّمُونَ لَيْسَ مِنْ هَدْيِنَا وَسُنَّتِنَا، بَلْ عِلْمُنَا يَتَعَلَّقُ بِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ فَإِنَّا نَرَاهُ مَرَّةً تِسْعًا وَعِشْرِينَ وَمَرَّةً ثَلَاثِينَ كَمَا قَالَ " الشَّهْرُ " مُبْتَدَأٌ " هَكَذَا " مُشَارًا بِهَا إِلَى نَشْرِ الْأَصَابِعِ الْعَشْرِ " وَهَكَذَا " ثَانِيًا " وَهَكَذَا " ثَالِثًا خَبَرُهُ بِالرَّبْطِ بَعْدَ الْعَطْفِ " وَعَقَدَ الْإِبْهَامَ " أَيْ أَحَدَ الْإِبْهَامَيْنِ أَوِ التَّقْدِيرُ مِنْ إِحْدَى الْيَدَيْنِ أَوْ إِبْهَامَ الْيَمِينِ، عَلَى أَنَّ اللَّامَ عِوَضٌ عَنِ الْمُضَافِ إِلَيْهِ، وَهُوَ الْأَظْهَرُ " وَفِي الثَّالِثَةِ " أَيْ فِي الْمَرَّةِ الثَّالِثَةِ مِنْ فِعْلِهِ هَكَذَا فَصَارَ الْجُمْلَةُ تِسْعَةً وَعِشْرِينَ " ثُمَّ قَالَ: الشَّهْرُ " أَيْ تَارَةً أُخْرَى " هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا " قَالَ الطِّيبِيُّ: أَيْ عَقَدَ الْإِبْهَامَ فِي الْمَرَّةِ الْأُولَى وَفِي الثَّالِثَةِ لِيَكُونَ الْعَدَدُ تِسْعًا وَعِشْرِينَ، وَلَمْ يَعْقِدِ الْإِبْهَامَ فِي الْمَرَّةِ الثَّانِيَةِ لِيَكُونَ الْعَدَدُ ثَلَاثِينَ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ " يَعْنِي تَمَامَ الثَّلَاثِينَ " ثُمَّ زَادَ الرَّاوِي الْبَيَانَ فَقَالَ (يَعْنِي مَرَّةً تِسْعًا وَعِشْرِينَ وَمَرَّةً ثَلَاثِينَ) اهـ، وَفِيهِ إِيهَامٌ أَنَّ (يَعْنِي) الْأَوَّلَ لَيْسَ مِنْ كَلَامِ الرَّاوِي، وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ هُوَ تَفْسِيرٌ مِنْهُ لِفِعْلِهِ - ﷺ - هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا فِي الْمَرَّةِ الْأَخِيرَةِ، فَالتَّقْدِيرُ: قَالَ الرَّاوِي: يَعْنِي أَيْ يُرِيدُ النَّبِيُّ - ﷺ - بِكَوْنِهِ هُنَا لَمْ يَعْقِدِ الْإِبْهَامَ فِي الثَّالِثَةِ تَمَامَ الثَّلَاثِينَ، ثُمَّ زَادَ الْبَيَانَ فَبَيَّنَ الْكَيْفِيَّةَ فِي الْمَرَّتَيْنِ جَمِيعًا، فَالتَّقْدِيرُ: قَالَ الرَّاوِي أَيْضًا: زِيَادَةٌ فِي الْإِيضَاحِ تَأَسِّيًا بِهِ - ﷺ - يَعْنِي أَيْ يُرِيدُ - ﷺ - بِمَجْمُوعِ مَا ذَكَرَهُ أَنَّ الشَّهْرَ يَكُونُ مَرَّةً تِسْعًا وَعِشْرِينَ وَمَرَّةً ثَلَاثِينَ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَإِنَّمَا بَالَغَ فِي الْبَيَانِ بِمَا ذَكَرَهُ مَعَ الْإِشَارَةِ الْمَذْكُورَةِ لِيُبْطِلَ الرُّجُوعَ إِلَى مَا عَلَيْهِ الْحُسَّابُ الْمُنَجِّمُونَ، وَبِهِ يَبْطُلُ مَا مَرَّ عَنِ ابْنِ سُرَيْجٍ وَمَنْ وَافَقَهُ، ثُمَّ قَالَ أَكْثَرُ أَئِمَّتِنَا: الْمُنَجِّمُ، وَهُوَ مَنْ يَرَى أَنَّ أَوَّلَ الشَّهْرِ طُلُوعُ النَّجْمِ الْفُلَانِيِّ، وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ - تَعَالَى - ﴿وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ [النحل: ١٦] الِاهْتِدَاءُ فِي نَحْوِ أَدِلَّةِ الْقِبْلَةِ فِي السَّفَرِ، وَلَا بِحِسَابِ الْحَاسِبِ، وَهُوَ مَنْ يَعْرِفُ مَنَازِلَ الْقَمَرِ وَتَقْدِيرَ مَسِيرِهِ، لَكِنْ لِكُلٍّ مِنْهُمَا أَنْ يَعْمَلَ بِمَعْرِفَةِ نَفْسِهِ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي أَنَّ ذَلِكَ هَلْ يُجْزِئُهُ فَلَا يَلْزَمُهُ قَضَاءٌ أَوْ لَا فَيَلْزَمُهُ، وَالَّذِي عَلَيْهِ الْأَكْثَرُونَ الْأَوَّلُ اهـ، فَتَأَمَّلْ فَإِنَّهُ مَوْضِعُ زَلَلٍ، وَلَعَلَّهُ مُقَيَّدٌ بِأَوَّلِ رَمَضَانَ، ثُمَّ إِنَّهُ أَرَادَ بِهِمَا أَنَّهُ بِحَسْبِ مَا يَرَى الْهِلَالَ لَا عَلَى التَّرْتِيبِ وَالتَّعَاقُبِ فِي ذَلِكَ، فَإِنَّ النَّوَوِيَّ وَابْنَ عَبْدِ الْبَرِّ صَرَّحَا بِأَنَّ الشَّهْرَ قَدْ يَنْقُصُ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ مُتَوَالِيَةٍ لَا خَمْسَةً، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَكَأَنَّهُمَا اعْتَمَدَا فِي ذَلِكَ عَلَى الِاسْتِقْرَاءِ، وَمَعَ ذَلِكَ، الظَّاهِرُ أَنَّهُ لَوْ وَقَعَ خِلَافُ ذَلِكَ عُمِلَ بِهِ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) قَالَ مِيرَكُ: وَفِيهِ تَأَمُّلٌ، فَإِنَّ قَوْلَهُ: الشَّهْرُ هَكَذَا وَهَكَذَا إِلَى قَوْلِهِ " وَمَرَّةً ثَلَاثِينَ " لَفْظُ مُسْلِمٍ، وَلَفْظُ الْبُخَارِيِّ " الشَّهْرُ هَكَذَا وَهَكَذَا " يَعْنِي مَرَّةً تِسْعًا وَعِشْرِينَ وَمَرَّةً ثَلَاثِينَ، قَالَ الشَّيْخُ ابْنُ حَجَرٍ: هَكَذَا ذَكَرَهُ آدَمُ شَيْخُ الْبُخَارِيِّ مُخْتَصَرًا. وَفِيهِ اخْتِصَارٌ عَمَّا رَوَاهُ غُنْدَرٌ عَنْ شُعْبَةَ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ عَنِ ابْنِ الْمُثَنَّى وَغَيْرُهُ عَنْ غُنْدُرٍ، ثُمَّ ذَكَرَ اللَّفْظَ الْمَذْكُورَ عَنْ مُسْلِمٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، وَفَى الْحَدِيثِ إِيمَاءٌ إِلَى أَنَّهُ - ﷺ - كَمَا أَدَّى مَا وَجَبَ بِتَبْلِيغِهِ بِالْعِبَارَةِ أَدَّاهُ أَيْضًا بِالْإِشَارَةِ، وَاسْتُفِيدَ مِنْهُ أَنَّ إِيمَاءَ الْأَخْرَسِ بِعُرْفِ النِّكَاحِ وَطَلَاقِهِ وَنَحْوِهِمَا كَاللِّسَانِ فِي مَعْرِضِ الْبَيَانِ.
[ ٤ / ١٣٧٤ ]
١٩٧٢ - وَعَنْ أَبِي بَكْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: " «شَهْرَا عِيدٍ لَا يَنْقُصَانِ رَمَضَانُ وَذُو الْحِجَّةِ» " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
_________________
(١) (وَعَنْ أَبِي بَكْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: شَهْرَا عِيدٍ) أَيْ شَهْرُ رَمَضَانَ وَشَهْرُ ذِي الْحِجَّةِ، وَإِنَّمَا سُمِّيَ شَهْرُ رَمَضَانَ شَهْرَ عِيدٍ بِطَرِيقِ الْمُجَاوَرَةِ أَوْ لِأَنَّ عِيدَهُ مِنْ أَحْكَامِهِ وَلِذَا سُمِّيَ عِيدَ الْفِطْرِ " لَا يَنْقُصَانِ " أَيْ غَالِبًا عَنِ الثَّلَاثِينَ، أَوْ لَا يَنْقُصَانِ ثَوَابًا، وَلَوْ نَقَصَا عَدَدًا، أَوْ لَا يَنْقُصَانِ مَعًا فِي سَنَةٍ وَاحِدَةٍ أَوْ فِي سَنَةٍ مُعَيَّنَةٍ أَرَادَهَا - ﷺ - وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّهُمَا لَا يَنْقُصَانِ حِسًّا كَمَا أَجْمَعُوا عَلَيْهِ، وَلَا عِبْرَةَ بِمُخَالَفَةِ بَعْضِ الشِّيعَةِ لِأَنَّهُ مُخَالِفٌ لِلْمُشَاهَدَةِ كَمَا تَرَى، وَمُنَافٍ لِمَا صَحَّ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ: «صُمْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - تِسْعًا وَعِشْرِينَ أَكْثَرَ مِمَّا صُمْنَا مَعَهُ ثَلَاثِينَ»، وَمِنْ ثَمَّ قَالَ بَعْضُ الْحُفَّاظِ: صَامَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - تِسْعَ رَمَضَانَاتٍ فَقَطْ ثَلَاثِينَ كَذَا فِي شَرْحِ ابْنِ حَجَرٍ " رَمَضَانَ وَذِي الْحِجَّةِ " بَدَلَانِ أَوْ بَيَانَاتٌ، قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: فِيهِ وُجُوهٌ، فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: لَا يَنْقُصَانِ مَعًا فِي سَنَةٍ وَاحِدَةٍ، وَحَمَلُوهُ عَلَى غَالِبِ الْأَمْرِ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: إِنَّهُ أَرَادَ تَفْضِيلَ الْعَمَلِ فِي الْعَشْرِ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ، وَأَنَّهُ لَا يَنْقُصُ مِنَ الْأَجْرِ وَالثَّوَابِ عَنْ عَشْرِ رَمَضَانَ، أَقُولُ: فَالْمَعْنَى أَنَّهُ لَا يَنْقُصُ ثَوَابُ الْعَمَلِ فِي أَحَدِهِمَا عَنِ الْعَمَلِ فِي الْأَجْرِ، ثُمَّ قَالَ: وَمِنْ قَائِلٍ ثَالِثٍ: إِنَّهُمَا لَا يَكُونَانِ نَاقِصَيْنِ فِي الثَّوَابِ، وَإِنْ وُجِدَا نَاقِصَيْنِ فِي عَدَدِ الْحِسَابِ، وَهَذَا الْوَجْهُ أَقْوَمُ وَأَشْبَهُهَا بِالصَّوَابِ اهـ، فَثَوَابُ تِسْعٍ وَعِشْرِينَ كَثَوَابِ ثَلَاثِينَ مِنْهُمَا، كَذَا قَالَهُ الطِّيبِيُّ، وَغَيْرُهُ، وَفِيهِ بَحْثَانِ: الْأَوَّلُ أَنَّهُ كَيْفَ يَسْتَوِي الْكَثِيرُ وَالْقَلِيلُ فِي الْعِبَادَةِ وَقَدْ قَالَ - تَعَالَى - ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠] وَالثَّانِي إِنَّ ذَا الْحِجَّةِ لَيْسَ فِي نُقْصَانِهِ الثَّوَابُ حَتَّى يُقَالَ ثَوَابُ ذِي الْحِجَّةِ نَاقِصُ الْعَدَدِ كَكَامِلِهِ، وَقَدْ يُجَابُ عَنِ الْأَوَّلِ لِأَنَّ الثَّوَابَ الْإِجْمَالِيَّ الْوَارِدَ فِي رَمَضَانَ كَقَوْلِهِ: مَنْ صَامَ رَمَضَانَ عُفِرَ لَهُ - يَكُونُ عَلَى وَجْهِ الْكَمَالِ سَوَاءٌ تَمَّ أَوْ نَقَصَ الْهِلَالُ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ هَذَا أَيْضًا جَوَابًا عَنِ الثَّانِي، وَوَجْهِ الِاخْتِصَاصِ بِالتَّفْضِيلِ الْإِلَهِيِّ الْخَاصِّ بِهَذَيْنَ الشَّهْرَيْنِ، وَفِي النِّهَايَةِ: أَيْ لَا يَنْقُصَانِ فِي الْحُكْمِ، إِذْ لَا جُنَاحَ بِسَبَبِ الْخَطَأِ فِي الْعِيدِ، أَيْ أَنَّهُ لَا يَعْرِضُ فِي قُلُوبِكُمْ شَكٌّ إِذَا صُمْتُمْ تِسْعًا وَعِشْرِينَ يَوْمًا أَوْ إِنْ وَقَعَ فِي الْحَجِّ خَطَأٌ لَمْ يَكُنْ فِي نُسُكِكُمْ نَقْصٌ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: أَيْ لَا يَنْقُصُ ثَوَابُ الْحَجَّةِ عَنْ ثَوَابِ رَمَضَانَ، لِأَنَّ فِيهِ الْمَنَاسِكَ وَالْعَشْرَ، وَقِيلَ: إِنَّ ثَوَابَهُمَا الْمُتَرَتِّبَ عَلَيْهِمَا مِنْ حَيْثُ الصِّيَامُ وَالْقِيَامُ وَالْحَجُّ وَغَيْرُ ذَلِكَ، وَمِنْ ثَمَّ خُصَّا بِالذِّكْرِ لِأَنَّهُمَا لَيْسَا كَغَيْرِهِمَا فِي الْفَضَائِلِ الَّتِي يُتَوَهَّمُ نَقْصُهَا بِنَقْصِهِمَا لَا لِاخْتِصَاصِ ذَلِكَ بِهِمَا، بَلْ كُلُّ شَهْرٍ يَثْبُتُ عَلَيْهِ فَضِيلَةٌ فَهِيَ حَاصِلَةٌ لَهُ تَمَّ أَوْ نَقَصَ لَا يَنْقُصُ، أَوْ لَا يَنْقُصَانِ ثَوَابًا وَإِنْ نَقَصَ عَدَدُهُمَا كَمَا صَوَّبَهُ النَّوَوِيُّ، وَغَيْرُهُ، فَكُلُّ فَضِيلَةٍ ثَبَتَتْ لِرَمَضَانَ أَوِ الْحَجَّةِ فَهِيَ حَاصِلَةٌ، نَقَصَ أَوْ تَمَّ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: ظَاهِرُ سِيَاقِ الْحَدِيثِ فِي بَيَانِ اخْتِصَاصِ الشَّهْرَيْنِ بِمَزِيَّةٍ لَيْسَتْ فِي سَائِرِهَا، وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّ ثَوَابَ الطَّاعَةِ فِي سَائِرِهَا قَدْ يَنْقُصُ دُونَهَا، فَيَنْبَغِي أَنْ يُحْمَلَ عَلَى الْحُكْمِ وَرَفْعِ الْجُنَاحِ وَالْحَرَجِ عَمَّا عَسَى أَنْ يَقَعَ فِيهِ خَطَأٌ فِي الْحُكْمِ لِاخْتِصَاصِهِمَا بِالْعِيدَيْنِ وَجَوَازِ احْتِمَالِ الْخَطَأِ فِيهِمَا، وَمِنْ ثَمَّ لَمْ يَقُلْ شَهْرَا رَمَضَانَ وَذِي الْحِجَّةِ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
[ ٤ / ١٣٧٥ ]
١٩٧٣ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: " «لَا يَتَقَدَّمَنَّ أَحَدُكُمْ رَمَضَانَ بِصَوْمِ يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ رَجُلٌ كَانَ يَصُومُ يَوْمًا فَلْيَصُمْ ذَلِكَ الْيَوْمَ» " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
_________________
(١) (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: " لَا يَتَقَدَّمَنَّ أَحَدُكُمْ رَمَضَانَ ") قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: نَهْيُ تَنْزِيهٍ، وَمَرْجِعُهُ إِلَى خِلَافِ الْأَوْلَى، وَلَا يَكُونُ كَالصَّلَاةِ فِي الْأَرْضِ الْمَغْصُوبَةِ بَلْ دُونَ ذَلِكَ " بِصَوْمِ يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ " قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: وَإِنَّمَا نَهَى عَنْهُ حَذَرًا مِنَ التَّشَبُّهِ بِأَهْلِ الْكِتَابِ، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَبِهِ يُخَصُّ أَمْرُهُ - ﷺ - بِسَرَرِ الشَّهْرِ وَهُوَ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِهَا: آخِرُهُ، وَهَذَا وَمَا صَحَّ عَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ أَنَّهُ قَالَ: " مَنْ صَامَ يَوْمَ الشَّكِّ فَقَدْ عَصَى أَبَا الْقَاسِمِ - ﷺ - " كَانَ الْمُعْتَمَدُ مِنْ مَذْهَبِنَا حُرْمَةَ صَوْمِ يَوْمِ الشَّكِّ بَلْ وَمَا قَبْلَهُ كَمَا يَأْتِي اهـ. سَيَأْتِي الْجَوَابُ عَنْهُ فِي حَدِيثِ عَمَّارٍ - ﵁ - أَوْ قَالَ الْمُظْهِرُ: يُكْرَهُ صَوْمُ آخِرِ شَعْبَانَ يَوْمًا أَوْ يَوْمَيْنِ " إِلَّا أَنْ يَكُونَ رَجُلٌ كَانَ يَصُومُ صَوْمًا " أَيْ نَذْرًا مُعَيَّنًا أَوْ نَفْلًا مُعْتَادًا أَوْ صَوْمًا مُطْلَقًا غَيْرَ مُقَيَّدٍ بِرَمَضَانَ " فَلْيَصُمْ ذَلِكَ الْيَوْمَ " أَيْ ذَلِكَ الْوَقْتَ فَإِنَّهُ يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ، قَالَ الطِّيبِيُّ: قِيلَ: الْعِلَّةُ تَرْكُ الِاسْتِرَاحَةِ الْمُوجِبَةِ لِلنَّشَاطِ فِي صَوْمِ رَمَضَانَ، وَقِيلَ: اخْتِلَاطُ النَّفْلِ بِالْفَرْضِ فَإِنَّهُ يُورِثُ الشَّكَّ
[ ٤ / ١٣٧٥ ]
بَيْنَ النَّاسِ فَيَتَوَهَّمُونَ أَنَّهُ رَأَى هِلَالَ رَمَضَانَ، فَلِذَلِكَ يَصُومُ فَيُوَافِقُهُ بَعْضُ النَّاسِ إِلَى ظَنِّ أَنَّهُ رَأَى الْهِلَالَ، ثُمَّ هَذَا النَّهْيُ فِي النَّفْلِ، وَأَمَّا الْقَضَاءُ وَالنَّذْرُ فَفِيهِمَا ضَرُورَةٌ لِأَنَّهُمَا فَرْضٌ، وَتَأْخِيرُهُ غَيْرُ مَرْضِيٍّ، وَأَمَّا الْوِرْدُ فَتَرْكُهُ لَيْسَ بِسَدِيدٍ لِأَنَّ أَفْضَلَ الْعِبَادَاتِ أَدَوَمُهَا، وَتَرْكُهُ عِنْدَ مَنْ أَلِفَ بِهِ شَدِيدٌ، وَقِيلَ: الْعِلَّةُ لُزُومُ التَّقَدُّمِ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، فَإِنَّهُ - ﷺ - قَيَّدَ الصَّوْمَ بِالرُّؤْيَةِ فَهُوَ كَالْعِلَّةِ لِلْحُكْمِ، أَقُولُ: وَكَذَا قَالَ - تَعَالَى - ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥] فَقَالَ: فَمَنْ تَقَدَّمَ صَوْمَهُ فَقَدْ طَعَنَ فِي هَذِهِ الْعِلَّةِ، أَقُولُ: يَنْبَغِي أَنْ يَقُولَ فَكَأَنَّهُ حَاوَلَ الطَّعْنَ، قَالَ: وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ - ﷺ -: " «مَنْ صَامَ يَوْمَ الشَّكِّ فَقَدْ عَصَى أَبَا الْقَاسِمِ» " اهـ، يَعْنِي إِذَا صَامَ بِنِيَّةِ رَمَضَانَ أَوْ بِنِيَّةٍ عَلَى طَرِيقِ التَّرْدِيدِ بِأَنْ يَنْوِيَ إِنْ كَانَ غَدًا مِنْ رَمَضَانَ فَأَنَا صَائِمٌ عَنْهُ، وَإِلَّا فَعَنْ غَيْرِهِ، فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ يَكُونُ مُتَقَدِّمًا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، فَأَمَّا إِذَا صَامَ نَفْلًا أَوْ نَحْوَهُ فَلَا يَكُونُ دَاخِلًا فِي الْوَعِيدِ، وَلَا فِي النَّهْيِ الْأَكِيدِ، وَيُومِئُ إِلَى هَذَا الْقَوْلِ قَوْلُهُ " لَا يَتَقَدَّمَنَّ " عَلَى أَنَّ حَدِيثَ " مَنْ صَامَ يَوْمَ الشَّكِّ فَقَدْ عَصَى أَبَا الْقَاسِمِ - ﷺ - " إِنَّمَا هُوَ مِنْ قَوْلِ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ إِذَا تَقَدَّمَ بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فَلَا يَكُونُ دَاخِلًا تَحْتَ النَّهْيِ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: رَوَاهُ السِّتَّةُ فِي كُتُبِهِمْ.
[ ٤ / ١٣٧٦ ]
(الْفَصْلُ الثَّانِي)
١٩٧٤ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: " «إِذَا انْتَصَفَ شَعْبَانُ فَلَا تَصُومُوا» " رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارِمِيُّ.
_________________
(١) (الْفَصْلُ الثَّانِي)
(٢) (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: " إِذَا انْتَصَفَ شَعْبَانُ ") أَيْ إِذَا مَضَى النِّصْفُ الْأَوَّلُ مِنْهُ " فَلَا تَصُومُوا " أَيْ بِلَا انْضِمَامِ شَيْءٍ مِنَ النِّصْفِ الْأَوَّلِ بِلَا سَبَبٍ مِنَ الْأَحَادِيثِ الْمَذْكُورَةِ، وَفِي رِوَايَةٍ: فَلَا صِيَامَ حَتَّى يَكُونَ رَمَضَانُ، وَالنَّهْيُ لِلتَّنْزِيهِ رَحْمَةً عَلَى الْأُمَّةِ أَنْ يَضْعُفُوا عَنْ حَقِّ الْقِيَامِ بِصِيَامِ رَمَضَانَ عَلَى وَجْهِ النَّشَاطِ، وَأَمَّا مَنْ صَامَ شَعْبَانَ كُلَّهُ فَيَتَعَوَّدُ بِالصَّوْمِ وَيَزُولُ عَنْهُ الْكُلْفَةُ، وَلِذَا قَيَّدَهُ بِالِانْتِصَافِ أَوْ نَهَى عَنْهُ لِأَنَّهُ نَوْعٌ مِنَ التَّقَدُّمِ الْمُقَدَّمِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَالَ الْقَاضِي: الْمَقْصُودُ اسْتِجْمَامُ مَنْ لَا يَقْوَى عَلَى تَتَابُعِ الصِّيَامِ فَاسْتُحِبَّ الْإِفْطَارُ كَمَا اسْتُحِبَّ إِفْطَارُهُ عَرَفَةَ لِيَتَقَوَّى عَلَى الدُّعَاءِ، فَأَمَّا مِنْ قَدَرَ فَلَا نَهْيَ لَهُ، وَلِذَلِكَ جَمَعَ النَّبِيُّ - ﷺ - بَيْنَ الشَّهْرَيْنِ فِي الصَّوْمِ اهـ وَكَلَامٌ حَسَنٌ لَكِنْ يُخَالِفُ مَشْهُورَ مَذْهَبِهِ أَنَّ الصِّيَامَ بِلَا سَبَبٍ بَعْدَ نِصْفِ شَعْبَانَ مَكْرُوهٌ، وَفَى شَرْحِ ابْنِ حَجَرٍ: قَالَ بَعْضُ أَئِمَّتِنَا: يَجُوزُ بِلَا كَرَاهَةٍ الصَّوْمُ بَعْدَ النِّصْفِ مُطْلَقًا تَمَسُّكًا بِأَنَّ الْحَدِيثَ غَيْرُ ثَابِتٍ أَوْ مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ يَخَافُ الضَّعْفَ بِالصَّوْمِ، وَرَدَّهُ الْمُحَقِّقُونَ بِمَا تَقَرَّرَ أَنَّ الْحَدِيثَ ثَابِتٌ بَلْ صَحِيحٌ، وَبِأَنَّهُ مَظِنَّةٌ لِلضَّعْفِ، وَمَا نِيطَ بِالْمَظِنَّةِ لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ تَحَقُّقُهَا (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارِمِيُّ) قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: أَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: " «إِذَا بَقِيَ النِّصْفُ مِنْ شَعْبَانَ فَلَا تَصُومُوا» " وَقَالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ، لَا يُعْرَفُ إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، عَلَى هَذَا اللَّفْظِ، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَلَا نَظَرَ لِقَوْلِ أَحْمَدَ إِنَّهُ مُنْكَرٌ لِأَنَّ أَبَا دَاوُدَ سَكَتَ عَلَيْهِ فِي سُنَنِهِ مَعَ نَقْلِهِ عَنْهُ فِي غَيْرِهَا الْإِنْكَارَ، فَكَأَنَّهُ لَمْ يَرْتَضِهِ، وَوَجْهُهُ أَنَّ أَحْمَدَ قَالَ عَنْ رَاوِيهِ: إِنَّهُ ثِقَةٌ لَا يُنْكَرُ مِنْ حَدِيثِهِ إِلَّا هَذَا، وَلَمْ يُبَيِّنْ سَبَبَ إِنْكَارِهِ، فَلَمْ يَقْدَحْ ذَلِكَ فِي رَدِّهِ، قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: وَمَعْنَاهُ عِنْدَ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنْ يُفْطِرَ الرَّجُلُ حَتَّى إِذَا انْتَصَفَ شَعْبَانُ أَخَذَ فِي الصَّوْمِ.
[ ٤ / ١٣٧٦ ]
١٩٧٥ - وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: " «أَحْصُوا هِلَالَ شَعْبَانَ لِرَمَضَانَ» " رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
_________________
(١) (وَعَنْهُ) أَيْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: " أَحْصُوا ") بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ أَمْرٌ مِنِ الْإِحْصَاءِ، وَهُوَ فِي الْأَصْلِ الْعَدُّ بِالْحَصَا أَيْ عُدُّوا " هِلَالَ شَعْبَانَ " أَيْ أَيَّامَهُ " لِرَمَضَانَ " أَيْ لِأَجْلِ رَمَضَانَ أَوْ لِلْمُحَافِظَةِ عَلَى صَوْمِ رَمَضَانَ، وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: أَيْ لِتَعْلَمُوا دُخُولَ رَمَضَانَ، قَالَ الطِّيبِيُّ: الْإِحْصَاءُ الْمُبَالَغَةُ فِي الْعَدِّ بِأَنْوَاعِ الْجُهْدِ، وَلِذَلِكَ كَنَّى بِهِ عَنِ الطَّاقَةِ فِي قَوْلِهِ - ﷺ -: " «اسْتَقِيمُوا وَلَنْ تُحْصُوا» " اهـ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: مَعْنَاهُ وَلَنْ تَعُدُّوا اسْتِقَامَتَكُمْ شَيْئًا مُعْتَدًّا بِهِ لِأَنَّ الْمَدَارَ عَلَى فَضْلِ اللَّهِ - تَعَالَى، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: أَيِ اجْتَهِدُوا فِي إِحْصَائِهِ وَضَبْطِهِ بِأَنْ تَتَحَرَّوْا مَطَالِعَهُ وَتَتَرَاءَوْا مَنَازِلَهُ لِأَجْلِ أَنْ تَكُونُوا عَلَى بَصِيرَةٍ فِي إِدْرَاكِ هِلَالِ رَمَضَانَ عَلَى حَقِيقَتِهِ حَتَّى لَا يَفُوتَكُمْ مِنْهُ شَيْءٌ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) .
[ ٤ / ١٣٧٧ ]
١٩٧٦ - وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: «مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يَصُومُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ إِلَّا شَعْبَانَ وَرَمَضَانَ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ.
_________________
(١) (وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ) أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ (قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ - ﷺ -) أَيْ مَا عَلِمْتُهُ (يَصُومُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ إِلَّا شَعْبَانَ وَرَمَضَانَ) أَيْ فَإِنَّهُ كَانَ يَصُومُ شَعْبَانَ كُلَّهُ أَوْ مُعْظَمَهُ فِي أَكْثَرِ الزَّمَانِ، وَسَيَأْتِي بَسْطُ مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ فِي بَابِ صِيَامِ التَّطَوُّعِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ - تَعَالَى، وَكَانَ الْمُنَاسِبُ إِيرَادَ هَذَا الْحَدِيثِ بِذَلِكَ الْبَابِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ) .
[ ٤ / ١٣٧٧ ]
١٩٧٧ - وَعَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ قَالَ: مَنْ صَامَ الْيَوْمَ الَّذِي يُشَكُّ فِيهِ فَقَدْ عَصَى أَبَا الْقَاسِمِ - ﷺ -. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارِمِيُّ.
_________________
(١) (وَعَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ قَالَ) أَيْ مَوْقُوفًا " مَنْ صَامَ الْيَوْمَ الَّذِي يُشَكُّ فِيهِ " عَلَى بِنَاءِ الْمَجْهُولِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: لَمْ يَقُلْ يَوْمَ الشَّكِّ، وَأَتَى بِالْمَوْصُولِ لِلْمُبَالَغَةِ تَنْبِيهًا عَلَى أَنَّ صَوْمَ يَوْمٍ يُشَكُّ فِيهِ أَدْنَى شَكٍّ يُوجِبُ عِصْيَانَ مَنْ كُنْيَتُهُ أَبُو الْقَاسِمِ، الَّذِي يَقْسِمُ حُكْمَ اللَّهِ بَيْنَ عِبَادِهِ بِحَسَبِ قَدْرِهِمْ وَاقْتِدَارِهِمْ فَكَيْفَ بِمَنْ صَامَ يَوْمًا الشَّكُّ فِيهِ قَائِمٌ ثَابِتٌ؟ وَنَحْوُهُ قَوْلُهُ - تَعَالَى - ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾ [هود: ١١٣] أَيْ إِلَى الَّذِي أُونِسَ مِنْهُمْ أَدْنَى الظُّلْمِ، فَكَيْفَ بِالظَّالِمِ الْمُسْتَمِرِّ عَلَيْهِ؟ قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: هُوَ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ صَامَ نَاوِيًا مِنْ رَمَضَانَ (فَقَدْ عَصَى أَبَا الْقَاسِمِ) قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: الشَّكُّ هُوَ اسْتِوَاءُ طَرَفَيِ الْإِدْرَاكِ مِنَ النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ، وَمُوجِبُهُ هُنَا أَنْ يُغَمَّ الْهِلَالُ لَيْلَةَ الثَّلَاثِينَ مِنْ شَعْبَانَ فَيُشَكَّ فِي الْيَوْمِ الثَّلَاثِينَ أَمِنْ رَمَضَانَ هُوَ أَوْ مِنْ شَعْبَانَ؟ أَوْ يُغَمَّ مِنْ رَجَبٍ هِلَالُ شَعْبَانَ فَأُكْمِلَتْ عِدَّتُهُ وَلَمْ يَكُنْ رُؤِيَ هِلَالُ رَمَضَانَ فَيَقَعُ الشَّكُّ فِي الثَّلَاثِينَ مِنْ شَعْبَانَ أَهُوَ الثَّلَاثُونَ أَوِ الْحَادِي وَالثَّلَاثُونَ؟ وَمِمَّا ذُكِرَ فِيهِ مِنْ كَلَامِ غَيْرِ أَصْحَابِنَا مَا إِذَا شَهِدَ مَنْ رُدَّتْ شَهَادَتُهُ وَكَأَنَّهُمْ لَمْ يَعْتَبِرُوا ذَلِكَ لِأَنَّهُ إِنْ كَانَ فِي الصَّحْوِ فَهُوَ مَحْكُومٌ بِغَلَطِهِ عِنْدَنَا لِظُهُورِهِ، فَمُقَابِلُهُ مَوْهُومٌ لَا مَشْكُوكٌ، وَإِنْ كَانَ فِي غَيْمٍ فَهُوَ شَكٌّ وَإِنْ لَمْ يَشْهَدْ بِهِ أَحَدٌ، ثُمَّ قَالَ: وَمَذْهَبُنَا إِبَاحَتُهُ، وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ كَرَاهَتُهُ إِنْ لَمْ يُوَافِقْ صَوْمًا لَهُ، وَمَذْهَبُ أَحْمَدَ وُجُوبُ صَوْمِهِ بِنِيَّةِ رَمَضَانَ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ، ذَكَرَهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي التَّحْقِيقِ، ثُمَّ هَذَا فِي عَيْنِ يَوْمِ الشَّكِّ، فَأَمَّا صَوْمُ مَا قَبْلَهُ فَفِي التُّحْفَةِ قَالَ: وَالصَّوْمُ قَبْلَ رَمَضَانَ بِيَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ مَكْرُوهٌ، أَيُّ صَوْمٍ كَانَ، لِقَوْلِهِ - ﷺ -: " لَا تَتَقَدَّمُوا رَمَضَانَ " الْحَدِيثَ، قَالَ: وَإِنَّمَا كَرِهَ - ﷺ - ذَلِكَ خَوْفًا مِنْ أَنْ يُظَنَّ أَنَّهُ زِيَادَةٌ عَلَى صَوْمِ رَمَضَانَ إِذَا اعْتَادُوا ذَلِكَ، وَعَنْ هَذَا قَالَ أَبُو يُوسُفَ: يُكْرَهُ وَصْلُ رَمَضَانَ بِسِتٍّ مِنْ شَوَّالٍ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ اسْتِدْلَالَ صَاحِبِ الْهِدَايَةِ بِرِوَايَةِ " أَنْ تَصُومُوا غَدًا " وَاحْتِمَالُ ابْنِ الْهُمَامِ مَبْنِيٌّ عَلَى رِوَايَةِ " فَلْيَصُومُوا " فَلَا مُعَارَضَةَ (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارِمِيُّ) قَالَ مِيرَكُ: كُلُّهُمْ مِنْ طَرِيقِ صِلَةَ بْنِ زُفَرَ عَنْ عَمَّارٍ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ تَعْلِيقًا بِصِيغَةِ الْجَزْمِ، وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ وَقَالَ: عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ كَذَا فِي التَّصْحِيحِ، وَرَوَاهُ الْخَطِيبُ وَالطَّبَرَانِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَوْقُوفًا، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَصَحَّحَهُ الْأَئِمَّةُ، وَقَوْلُ الصَّغَانِيِّ: إِنَّهُ مَوْضُوعٌ لَيْسَ فِي مَحَلِّهِ، ثُمَّ هَذِهِ الْعِبَارَةُ مِنَ الصَّحَابِيِّ لَا تُقَالُ مِنْ قِبَلِ الرَّأْيِ، قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: وَإِنَّمَا يَحْصُلُ الْعِلْمُ الْمُوجِبُ بِإِخْبَارِ رَجُلَيْنِ أَوْ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ، أَوْ وَاحِدٍ عَدْلٍ، وَعِنْدَهُمَا لَا يُشْتَرَطُ الْعَدَالَةُ وَلَا الْبُلُوغُ وَلَا الْحُرِّيَّةُ، ثُمَّ قَالَ: وَالْمُرَادُ بِالْعَدْلِ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ مَنْ ثَبَتَتْ عَدَالَتُهُ، وَفِي رِوَايَةِ الْحَسَنِ تُقْبَلُ شَهَادَةُ الْمَسْتُورِ، وَبِهِ أَخَذَ الْحُلْوَانِيِّ، فَحَاصِلُ الْخِلَافِ الْمُحَقَّقِ فِي الْمَذْهَبِ هُوَ اشْتِرَاطُ ظُهُورِ الْعَدَالَةِ أَوِ الِاكْتِفَاءِ بِالسَّتْرِ، ثُمَّ قَالَ: وَهَذَا الْحَدِيثُ قَدْ يُتَمَسَّكُ بِهِ لِرِوَايَةِ النَّوَادِرِ فِي قَبُولِ الْمَسْتُورِ ; لَكِنَّ الْحَقَّ أَنْ لَا يُتَمَسَّكَ بِهِ بِالنِّسْبَةِ لِهَذَا الزَّمَانَ، لِأَنَّ ذِكْرَهُ الْإِسْلَامَ
[ ٤ / ١٣٧٧ ]
بِحَضْرَتِهِ - ﷺ - حِينَ سَأَلَهُ عَنِ الشَّهَادَتَيْنِ إِنْ كَانَ هَذَا أَوَّلَ إِسْلَامِهِ فَلَا شَكَّ فِي ثُبُوتِ عَدَالَتِهِ لِأَنَّ الْكَافِرَ إِذَا أَسْلَمَ أَسْلَمَ عَدْلًا إِلَى أَنْ يَظْهَرَ خِلَافُهُ مِنْهُ، وَإِنْ كَانَ إِخْبَارًا عَنْ حَالِهِ السَّابِقِ فَكَذَلِكَ، لِأَنَّ عَدَالَتَهُ قَدْ ثَبَتَتْ بِإِسْلَامِهِ فَيَجِبُ الْحُكْمُ بِبَقَائِهَا مَا لَمْ يَظْهَرِ الْخِلَافُ، وَلَمْ يَكُنِ الْفِسْقُ غَالِبًا عَلَى أَهْلِ الْإِسْلَامِ فِي زَمَانِهِ - ﷺ - فَتُعَارِضُ الْغَلَبَةُ ذَلِكَ الْأَصْلَ فَيَجِبُ التَّوَقُّفُ إِلَى ظُهُورِهَا، وَقَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: وَإِنَّمَا ثَبَتَ مَوْقُوفًا عَلَى عَمَّارٍ، وَذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ تَعْلِيقًا عَنْهُ فَقَالَ: وَقَالَ صِلَةُ عَنْ عَمَّارٍ: " مَنْ صَامَ يَوْمَ الشَّكِّ " إِلَخْ، وَأَصْلُ الْحَدِيثِ مَا رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ الْأَرْبَعَةِ فِي كُتُبِهِمْ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ صِلَةَ بْنِ زُفَرَ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ عَمَّارٍ فِي الْيَوْمِ الَّذِي يُشَكُّ فِيهِ، فَأَتَى بِشَاةٍ مَصْلِيَّةٍ فَتَنَحَّى بَعْضُ الْقَوْمِ، فَقَالَ عَمَّارٌ: مَنْ صَامَ هَذَا الْيَوْمَ فَقَدْ عَصَى أَبَا الْقَاسِمِ، ثُمَّ قَالَ: وَهُوَ حَدِيثٌ مَوْقُوفٌ لَا يُعَارِضُ حَدِيثَ السَّرَرِ كَمَا سَيَأْتِي، وَإِلَّا وُلِيَ حَمْلُهُ عَلَى إِرَادَةِ صَوْمِهِ عَنْ رَمَضَانَ وَكَأَنَّهُ فَهِمَ مِنَ الرَّجُلِ الْمُتَنَحِّي قَصْدَ ذَلِكَ فَلَا تَعَارُضَ حِينَئِذٍ أَصْلًا.
[ ٤ / ١٣٧٨ ]
١٩٧٨ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ - فَقَالَ: إِنِّي رَأَيْتُ الْهِلَالَ يَعْنِي هِلَالَ رَمَضَانَ، فَقَالَ: " أَتَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ؟ " قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: " أَتَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ؟ " قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: " يَا بِلَالُ أَذِّنْ فِي النَّاسِ أَنْ يَصُومُوا» " رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارِمِيُّ.
_________________
(١) (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ) أَيْ وَاحِدٌ مِنَ الْأَعْرَابِ وَهُمْ سُكَّانُ الْبَادِيَةِ (إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ - فَقَالَ: إِنِّي رَأَيْتُ الْهِلَالَ) يَعْنِي وَكَانَ غَيْمًا، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْإِخْبَارَ كَافٍ وَلَا يُحْتَاجُ إِلَى لَفْظِ الشَّهَادَةِ وَلَا إِلَى الدَّعْوَى (يَعْنِي هِلَالَ رَمَضَانَ) أَيْ قَالَ الْحَسَنُ فِي حَدِيثٍ يَعْنِي رَمَضَانَ: ذَكَرَهُ ابْنُ الْهُمَامِ فَبِهَذَا ظَهَرَ ضَعْفُ قَوْلِ ابْنِ حَجَرٍ، الظَّاهِرُ أَنَّ الْقَائِلَ ابْنُ عَبَّاسٍ (فَقَالَ: أَتَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: أَتَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ؟ قَالَ: نَعَمْ) قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: دَلَّ عَلَى أَنَّ الْإِسْلَامَ شَرْطٌ فِي الشَّهَادَةِ اهـ وَفِي الْفَصْلِ بَيْنَ الشَّهَادَتَيْنِ إِشَارَةٌ إِلَى تَفْضِيلِ الْمُقَدِّمَةِ الْأُولَى مِنَ الْقَضِيَّتَيْنِ (قَالَ: يَا بِلَالُ أَذِّنْ فِي النَّاسِ) أَيْ نَادِ فِي مَحْضَرِهِمْ وَأَعْلِمْهُمْ (أَنْ يَصُومُوا) أَيْ بِأَنْ يَصُومُوا (غَدًا) وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ الْهُمَامِ: فَلْيَصُومُوا، وَفِي عَدَمِ تَقْيِيدِهِ بِرَمَضَانَ إِشْعَارٌ إِلَى مَذْهَبِنَا مِنْ أَنَّهُ يَصِحُّ أَدَاؤُهُ بِنِيَّةِ مُطْلَقِ الصَّوْمِ، وَاسْتَدَلَّ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ بِقَيْدِ الْغَدِ عَلَى جَوَازِ النِّيَّةِ فِي النَّهَارِ، وَقَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: مُحْتَمَلٌ لِكَوْنِهِ شَهِدَ فِي النَّهَارِ أَوِ اللَّيْلِ فَلَا يُحْتَجُّ بِهِ اهـ وَلَا يَخْفَى أَنَّ اسْتِدْلَالَ صَاحِبِ الْهِدَايَةِ بِرِوَايَةِ " أَنْ يَصُومُوا غَدًا " وَاحْتِمَالَ ابْنِ الْهُمَامِ مَبْنِيٌّ عَلَى رِوَايَةِ " فَلْيَصُومُوا " فَلَا مُعَارَضَةَ، قَالَ الْمُظْهِرُ: دَلَّ الْحَدِيثُ عَلَى أَنَّ مَنْ لَمْ يُعْرَفْ مِنْهُ فِسْقٌ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ وَعَلَى أَنَّ شَهَادَةَ الْوَاحِدِ مَقْبُولَةٌ فِي هِلَالِ رَمَضَانَ اهـ وَأَنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ الصَّحَابَةَ كُلَّهُمْ عُدُولٌ (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارِمِيُّ) وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ وَذَكَرَ الْبَيْهَقِيُّ أَنَّهُ جَاءَ مِنْ طُرُقٍ مَوْصُولًا وَمِنْ طُرُقٍ مُرْسَلًا، وَإِنْ كَانَتْ طُرُقُ الِاتِّصَالِ صَحِيحَةً.
[ ٤ / ١٣٧٨ ]
١٩٧٩ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: «تَرَاءَى النَّاسُ الْهِلَالَ فَأَخْبَرْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ -: أَنِّي رَأَيْتُهُ، فَصَامَ وَأَمَرَ النَّاسَ بِصِيَامِهِ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالدَّارِمِيُّ.
_________________
(١) (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: تَرَاءَى النَّاسُ الْهِلَالَ) قَالَ الْمُظْهِرُ: التَّرَائِي أَنْ يُرِيَ بَعْضُ الْقَوْمِ بَعْضًا، وَالْمُرَادُ مِنْهُ هُنَا الِاجْتِمَاعُ لِلرُّؤْيَةِ لِقَوْلِهِ (فَأَخْبَرْتُ) أَيْ وَحْدِي (رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ -: أَنِّي رَأَيْتُهُ) أَيِ الْهِلَالَ (فَصَامَ وَأَمَرَ النَّاسَ بِصِيَامِهِ) أَيْ بِصِيَامِ رَمَضَانَ (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالدَّارِمِيُّ) قَالَ مِيرَكُ: نَقْلًا عَنِ التَّصْحِيحِ، وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ وَقَالَ: عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ، وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ اهـ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَقَالَ النَّوَوِيُّ: إِسْنَادُهُ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ، وَاسْتُفِيدَ مِنْ هَذَا أَنَّ الْحَقَّ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الشَّافِعِيُّ مِنْ ثُبُوتِ رُؤْيَةِ هِلَالِ رَمَضَانَ بِوَاحِدٍ احْتِيَاطًا، وَزَعَمَ جَمْعٌ مِنْ مُتَأَخِّرِي أَئِمَّتِنَا أَنَّ الشَّافِعِيَّ رَجَعَ عَنِ الْقَوْلِ بِالْوَاحِدِ إِلَى مُوَافَقَةِ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنِ اثْنَيْنِ كَبَقِيَّةِ الشُّهُورِ، وَأَصْحَابُهُ أَدْرَى بِنُصُوصِهِ مِنْ غَيْرِهِمْ، وَمِنْ ثَمَّ أَوَّلَ بَعْضُ أَكَابِرِهِمْ مَا أَوْهَمَ ذَلِكَ بِأَنَّهُ إِنَّمَا رَجَعَ إِلَى الِاثْنَيْنِ بِالْقِيَاسِ لَمَّا لَمْ يَثْبُتْ عِنْدَهُ فِي الْمَسْأَلَةِ سُنَّةٌ كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ كَلَامُهُ فِي الْمُخْتَصَرِ، فَلَمَّا صَحَّ أَنَّهُ - ﷺ - قَبِلَ شَهَادَةَ الْأَعْرَابِيِّ وَحْدَهُ وَشَهَادَةَ ابْنِ عُمَرَ وَحْدَهُ كَانَ مَذْهَبُهُ قَبُولَ الْوَاحِدِ، وَكَيْفَ يُظَنُّ بِهِ أَنَّهُ يَتْرُكُ الْحَدِيثَ لِلْقِيَاسِ مَعَ قَوْلِهِ: إِذَا صَحَّ الْحَدِيثُ فَهُوَ مَذْهَبِي، وَاضْرِبُوا بِقَوْلِي الْحَائِطَ؟ قَالَ النَّوَوِيُّ: وَمَحَلُّ الْخِلَافِ مَا لَمْ يَحْكُمْ بِشَهَادَةِ الْوَاحِدِ حَاكِمٌ يَرَاهُ، وَإِلَّا وَجَبَ الصَّوْمُ وَلَمْ يُنْقَضِ الْحُكْمُ إِجْمَاعًا.
[ ٤ / ١٣٧٨ ]
(الْفَصْلُ الثَّالِثُ)
١٩٨٠ - عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - يَتَحَفَّظُ مِنْ شَعْبَانَ مَا لَا يَتَحَفَّظُ مِنْ غَيْرِهِ، ثُمَّ يَصُومُ لِرُؤْيَةِ رَمَضَانَ، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْهِ عَدَّ ثَلَاثِينَ يَوْمًا ثُمَّ صَامَ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
_________________
(١) (الْفَصْلُ الثَّالِثُ)
(٢) (عَنْ عَائِشَةَ - ﵂ - قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - يَتَحَفَّظُ مِنْ شَعْبَانَ) أَيْ يَتَكَلَّفُ فِي عَدِّ أَيَّامِ شَعْبَانَ لِمُحَافَظَةِ صَوْمِ رَمَضَانَ (مَا لَا يَتَحَفَّظُ مِنْ غَيْرِهِ) لِعَدَمِ تَعَلُّقِ أَمْرٍ شَرْعِيٍّ بِغَيْرِهِ إِلَّا شَهْرِ الْحَجِّ، وَهُوَ نَادِرٌ لَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ كُلُّ أَحَدٍ فِي كُلِّ سَنَةٍ، مَعَ أَنَّ ضَبْطَهُ قَدْ يُبْتَنَى عَلَى ضَبْطِهِ (ثُمَّ يَصُومُ لِرُؤْيَةِ رَمَضَانَ، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْهِ) أَيْ شَعْبَانُ (عَدَّ ثَلَاثِينَ يَوْمًا ثُمَّ صَامَ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) .
[ ٤ / ١٣٧٩ ]
١٩٨١ - وَعَنْ أَبِي الْبَخْتَرِيِّ قَالَ: «خَرَجْنَا لِلْعُمْرَةِ فَلَمَّا نَزَلْنَا بِبَطْنِ نَخْلَةَ تَرَاءَيْنَا الْهِلَالَ، فَقَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ: هُوَ ابْنُ ثَلَاثٍ، وَقَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ: هُوَ ابْنُ لَيْلَتَيْنِ، فَلَقِينَا ابْنَ عَبَّاسٍ فَقُلْنَا: إِنَّا رَأَيْنَا الْهِلَالَ، فَقَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ: هُوَ ابْنُ ثَلَاثٍ، وَقَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ: هُوَ ابْنُ لَيْلَتَيْنِ، فَقَالَ: أَيُّ لَيْلَةٍ رَأَيْتُمُوهُ؟ قُلْنَا: لَيْلَةَ كَذَا وَكَذَا، فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - مَدَّهُ لِلرُّؤْيَةِ فَهُوَ لِلَيْلَةِ رَأَيْتُمُوهُ، وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ قَالَ: أَهَلَلْنَا رَمَضَانَ وَنَحْنُ بِذَاتِ عِرْقٍ
فَأَرْسَلْنَا رَجُلًا إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ يَسْأَلُهُ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: " إِنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - أَمَدَّهُ لِرُؤْيَتِهِ، فَإِنْ أُغْمِيَ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا الْعِدَّةَ» "، رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
_________________
(١) (وَعَنْ أَبِي الْبَخْتَرِيِّ) بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَالْمُثْنَاةِ بَيْنَهُمَا مُعْجَمَةٌ سَاكِنَةٌ، ثِقَةٌ ثَبْتٌ فِيهِ تَشَيُّعٌ قَلِيلٌ، كَثِيرُ الْإِرْسَالِ؛ كَذَا فِي التَّقْرِيبِ، فَمَا كَانَ مِنْ حَدِيثِهِ سَمَاعًا فَمَقْبُولٌ، وَمَا كَانَ عَنْ كَذَا فَهُوَ ضَعِيفٌ، ذَكَرَهُ فِي الْمُقَدِّمَةِ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ بِضَمِّ الْمُثَنَّاةِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: اسْمُهُ أَسْعَدُ بْنُ فَيْرُوزَ الْكُوفِيُّ (قَالَ: خَرَجْنَا) أَيْ مِنْ بَلَدِنَا (لِلْعُمْرَةِ) أَيْ لِأَجْلِهَا وَقَصْدِهَا وَتَحْصِيلِهَا (فَلَمَّا نَزَلْنَا بِبَطْنِ نَخْلَةَ) قَرْيَةٌ مَشْهُورَةٌ شَرْقِيَّةَ مَكَّةَ تُسَمَّى الْآنَ بِالْمَضِيقِ؛ قَالَهُ ابْنُ حَجَرٍ (تَرَاءَيْنَا الْهِلَالَ) أَيِ اجْتَمَعْنَا لِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ لِكَمَالِ ظُهُورِهِ، أَوْ أَرَى بَعْضُنَا بَعْضًا لِخَفَاءِ نَظَرِهِ أَوْ عَدَمِ عِلْمِهِ بِمَسْقَطِ قَمَرِهِ، قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: الْإِشَارَةُ إِلَى الْهِلَالِ تُكْرَهُ لِأَنَّهُ فِعْلُ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ، فِيهِ أَنَّهُ يُحْتَاجُ إِلَى الْإِشَارَةِ عِنْدَ الْإِرَاءَةِ فَتُحْمَلُ الْكَرَاهَةُ عَلَى وَقْتِ عَدَمِ الضَّرُورَةِ (فَقَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ: هُوَ ابْنُ ثَلَاثٍ) أَيْ صَاحِبُ ثَلَاثِ لَيَالٍ لِعُلُوِّ دَرَجَتِهِ (وَقَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ: هُوَ ابْنُ لَيْلَتَيْنِ، فَلَقِينَا) أَيْ نَحْنُ (ابْنَ عَبَّاسٍ) بِالنَّصْبِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِالرَّفْعِ وَفَتْحِ الْيَاءِ فِي لَقِينَا وَالْمَعْنَى هُوَ لَقِيَنَا، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ لَفْظًا وَمَعْنًى؛ فَإِنَّ فِيهِ رِعَايَةَ الْأَدَبِ (فَقُلْنَا) أَيْ لَهُ (إِنَّا) أَيْ مَعْشَرَ الْقَوْمِ (رَأَيْنَا الْهِلَالَ) أَيْ مُرْتَفِعًا جِدًّا (فَقَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ: هُوَ ابْنُ ثَلَاثٍ، وَقَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ: هُوَ ابْنُ لَيْلَتَيْنِ، فَقَالَ) أَيِ ابْنُ عَبَّاسٍ (أَيُّ لَيْلَةٍ) بِالرَّفْعِ، وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ بِالنَّصْبِ وَهُوَ أَفْصَحُ مِنْ أَيَّةِ لَيْلَةٍ (رَأَيْتُمُوهُ؟) أَيِ الْهِلَالَ فِيهَا (قُلْنَا: لَيْلَةَ كَذَا) أَيْ رَأَيْنَاهُ لَيْلَةَ كَذَا وَهُوَ الْإِثْنَيْنِ مَثَلًا (وَكَذَا) وَهُوَ لَيْلَةُ الثُّلَاثَاءَ (فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - مَدَّهُ لِلرُّؤْيَةِ) أَيْ جَعَلَ مُدَّةَ رَمَضَانَ زَمَانَ رُؤْيَةِ الْهِلَالِ؛ ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ، وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ: أَيْ لِوَقْتِهَا. فَغَيْرُ ظَاهِرٍ، لِأَنَّهُ إِنْ أَرَادَ أَنَّ اللَّامَ لِلتَّوْقِيتِ فَلَا وَجْهَ لِلْجَمْعِ بَيْنَهُمَا، وَإِنْ أَرَادَ أَنَّ اللَّامَ بِمَعْنَى بَعْدَ فَلَا وَجْهَ لِذِكْرِ الْوَقْتِ فَإِنَّ الْمَعْنَى يَتِمُّ بِدُونِهِ (فَهُوَ) أَيْ رَمَضَانُ (لِلَيْلَةِ رَأَيْتُمُوهُ) قَالَ ابْنُ حَجَرٍ بِإِضَافَةِ " لَيْلَةِ " إِلَى الْجُمْلَةِ، وَفِي النُّسَخِ الْمُصَحَّحَةِ بِالتَّنْوِينِ، وَيَدُلُّ مَا سَبَقَ مِنْ قَوْلِهِ " أَيُّ لَيْلَةٍ رَأَيْتُمُوهُ " غَايَتُهُ أَنَّهُ يُقَدَّرُ فِيهَا فِيهِمَا، وَالْمَعْنَى رَمَضَانُ حَاصِلٌ لِأَجْلِ رُؤْيَةِ الْهِلَالِ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ، وَلَا عِبْرَةَ بِكِبَرِهِ، بَلْ وَرَدَ أَنَّ انْتِفَاخَ الْأَهِلَّةِ مِنْ عَلَامَاتِ السَّاعَةِ، وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ فَهُوَ حَاصِلٌ وَقْتَ لَيْلَةِ الرُّؤْيَةِ فَغَيْرُ صَحِيحٍ لِإِضَافَتِهِ الْوَقْتَ إِلَى اللَّيْلَةِ وَهِيَ الْوَقْتُ أَيْضًا (وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ) أَيْ عَنْ أَبِي الْبَخْتَرِيِّ (قَالَ: أَهْلَلْنَا رَمَضَانَ) فِي النِّهَايَةِ أَهَلَّ الْمُحْرِمُ بِالْحَجِّ إِذَا لَبَّى وَرَفَعَ صَوْتَهُ، وَمِنْهُ إِهْلَالُ الْهِلَالِ وَاسْتِهْلَالُهُ إِذَا رَفَعَ الصَّوْتَ بِالتَّكْبِيرِ عِنْدَ رُؤْيَتِهِ اهـ فَمَعْنَاهُ رَأَيْنَا هِلَالَ رَمَضَانَ، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: أَيْ تَرَاءَيْنَاهُ كَمَا فِي الرِّوَايَةِ الْأُولَى (وَنَحْنُ بِذَاتِ عِرْقٍ) بِكَسْرِ الْعَيْنِ وَسُكُونِ الرَّاءِ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: فَوْقَ بَطْنِ نَخْلَةَ بِنَحْوِ يَوْمٍ، إِذْ هِيَ عَلَى مَرْحَلَتَيْنِ مِنْ مَكَّةَ، وَبَطْنُ نَخْلَةَ عَلَى مَرْحَلَةٍ، ذَكَرَهُ ابْنُ حَجَرٍ،
[ ٤ / ١٣٧٩ ]
(فَأَرْسَلْنَا رَجُلًا إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ يَسْأَلُهُ، فَقَالَ) أَيْ فَسَأَلَهُ عَمَّا وَقَعَ بَيْنَنَا مِمَّا سَبَقَ فَقَالَ (ابْنُ عَبَّاسٍ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: " إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَمَدَّهُ لِرُؤْيَتِهِ ") قَالَ الْقَاضِي: مَعْنَاهُ أَطَالَ مُدَّتَهُ إِلَى الرُّؤْيَةِ، أَيْ أَطَالَ مُدَّةَ شَعْبَانَ إِلَى زَمَانِ رُؤْيَةِ هِلَالِ رَمَضَانَ، وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ: وَأَوْضَحُ مِنْهُ أَنْ يُقَالَ مَعْنَاهُ أَنَّ اللَّهَ جَعَلَ ابْتِدَاءَ مُدَّتِهِ حَاصِلًا بَعْدَ رُؤْيَتِهِ فَغَيْرُ وَاضِحٍ، بَلْ فَاسِدٌ لِأَنَّ الضَّمِيرَ فِي أَمَدَّهُ رَاجِعٌ إِلَى شَعْبَانَ، وَفِي لِرُؤْيَتِهِ إِلَى رَمَضَانَ، وَعَلَى تَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ الضَّمِيرَانِ لِرَمَضَانَ كَمَا وَهِمَ لَا مَعْنَى إِلَى لِأَمْرِ رَمَضَانَ لِرُؤْيَةِ رَمَضَانَ، وَلَا دَلَالَةَ عَلَى الِابْتِدَاءِ فِي الْحَدِيثِ أَصْلًا، وَلَوْ قُلْنَا إِنَّ اللَّامَ بِمَعْنَى بَعْدَ فَالْمَعْنَى أَطَالَ مُدَّةَ رَمَضَانَ بَعْدَ رُؤْيَةِ هِلَالِهِ لَصَحَّ الْمَعْنَى فِي الْجُمْلَةِ، لَكِنْ لَا يَصْلُحُ جَوَابًا لِابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ سُؤَالِهِمْ إِيَّاهُ، فَتَدَبَّرْ " فَإِنْ أُغْمِيَ عَلَيْكُمْ " يُقَالُ أُغْمِيَ عَلَيْهِ الْخَبَرُ أَيِ اسْتَعْجَمَ مِثْلُ غُمَّ، أَيْ فَإِنْ أُخْفِيَ عَلَيْكُمْ بِنَحْوِ غَيْمٍ " فَأَكْمِلُوا الْعِدَّةَ " أَيْ عَدَدَ شَعْبَانَ ثَلَاثِينَ يَوْمًا (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَلَا يُنَافِي هَذِهِ الرِّوَايَةَ مَا قَبْلَهَا لِاحْتِمَالِ أَنَّهُمْ تَرَاءَوْهُ بِذَاتِ عِرْقٍ، وَتَنَازَعُوا فِيهِ فَأَرْسَلُوا يَسْأَلُونَهُ، فَأَجَابَهُمْ بِذَلِكَ، فَلَمَّا وَصَلُوا بَطْنَ نَخْلَةَ رَأَوْهُ فَسَأَلُوهُ شِفَاهًا، فَأَجَابَهُمْ بِمَا يُطَابِقُ الْجَوَابَ، وَحَاصِلُهُمَا أَنَّهُ لَا بُدَّ فِي الْحُكْمِ بِدُخُولِ رَمَضَانَ لَيْلَةَ ثَلَاثِينَ شَعْبَانَ مِنْ رُؤْيَةِ هِلَالِهِ وَاسْتُفِيدَ مِنْهُ قَوْلُهُ لِلَيْلَةِ رَأَيْتُمُوهُ أَنْ لَا عِبْرَةَ بِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ قَبْلَ الْغُرُوبِ، وَإِنَّهُ لَوْ رُؤِيَ لَيْلَةَ ثَلَاثِينَ شَعْبَانَ أَوْ رَمَضَانَ نَهَارًا قَبْلَ الزَّوَالِ أَوْ بَعْدَهُ لَمْ يُحْكَمْ لِلَّيْلَةِ الْمَاضِيَةِ وَلَا الْمُسْتَقْبَلَةِ، فَلَا يُفْطِرُهُ مِنْ رَمَضَانَ وَلَا يُمْسِكُهُ مِنْ شَعْبَانَ، بَلْ إِنْ رُؤِيَ بَعْدَ الْغُرُوبِ حُكِمَ بِهِ لِلْمُسْتَقْبَلَةِ، وَإِلَّا فَلَا لِلْخَبَرِ السَّابِقِ: " صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ "، وَلِمَا صَحَّ أَنَّ عُمَرَ - ﵁ - أَرْسَلَ إِلَى جُنْدٍ لَهُ بِالْعِرَاقِ: إِنَّ هَذِهِ الْأَهِلَّةَ بَعْضُهَا أَكْبَرُ مِنْ بَعْضٍ، فَإِذَا رَأَيْتَ الْهِلَالَ نَهَارًا فَلَا تُفْطِرُوا حَتَّى يَشْهَدَ شَاهِدَانِ أَنَّهُمَا رَأَيَاهُ بِالْأَمْسِ، وَصَحَّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ - ﵄ - أَنَّ نَاسًا رَأَوْا هِلَالَ الْفِطْرِ نَهَارًا فَأَتَمَّ صِيَامَهُ إِلَى اللَّيْلِ، وَقَالَ: لَا، حَتَّى يُرَى مِنْ حَيْثُ يُرَى بِاللَّيْلِ، وَفِي رِوَايَةٍ: لَا يَصْلُحُ أَنْ نُفْطِرَ حَتَّى تَرَوْهُ لَيْلًا مِنْ حَيْثُ يُرَى، قَالَ الْبَيْهَقِيُّ وَرُوِّينَا فِي ذَلِكَ عَنْ عُثْمَانَ وَابْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ غَيْرُهُ: وَعَنْ عَلِيٍّ وَأَنَسٍ، وَلَا مُخَالِفَ لَهُمْ، وَرَوَى مَالِكٌ بَلَاغًا أَنَّ الْهِلَالَ رُؤِيَ زَمَنَ عُثْمَانَ بِعَشِيٍّ فَلَمْ يُفْطِرْ حَتَّى أَمْسَى، وَقَالَ جَمْعٌ مِنَ السَّلَفِ: إِنْ رُؤِيَ قَبْلَ الزَّوَالِ فَلِلْمَاضِيَةِ أَوْ بَعْدَهُ فَلِلْمُسْتَقْبَلَةِ، وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ إِنَّهُ لَوْ رُؤِيَ يَوْمَ التَّاسِعِ وَالْعِشْرِينَ يَكُونُ لِلْمَاضِيَةِ لِاسْتِحَالَةِ كَوْنِ الشَّهْرِ ثَمَانِيَةً وَعِشْرِينَ اهـ، وَبِهِ يَتَأَيَّدُ الْمُعْتَمَدُ مِنْ مَذْهَبِنَا أَنَّ صَوْمَ يَوْمِ الشَّكِّ حَرَامٌ، وَيَنْدَفِعُ اعْتِمَادُ مَا نُقِلَ عَنْ نَصِّ الشَّافِعِيِّ وَجُمْهُورِ أَصْحَابِهِ أَنَّ صَوْمَهُ مَكْرُوهٌ لَا حَرَامٌ اهـ، وَفِي انْدِفَاعِ الِاعْتِمَادِ يُحْتَاجُ إِلَى أَمْرٍ يَصِحُّ فِيهِ الِاسْتِنَادُ، ثُمَّ قَالَ: وَإِنَّمَا لَمْ يُسَنَّ صَوْمُهُ إِذَا أُطْبِقَ الْغَيْمُ لِقَوْلِ أَحْمَدَ بِوُجُوبِهِ، لِأَنَّ الْخِلَافَ إِذَا خَالَفَ سُنَّةً صَحِيحَةً لَا يُرَاعَى اهـ وَفِيهِ أَنَّ هَذَا مُجَازَفَةٌ صَرِيحَةٌ، وَالْحَقُّ مَذْهَبُنَا الْمُتَوَسِّطُ الْأَعْدَلُ، فَتَأَمَّلْ لِئَلَّا تَقَعَ فِي الْوَجَلِ.
[ ٤ / ١٣٨٠ ]