الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
٣٩١ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «إِذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ. مِنْ نَوْمِهِ فَلَا يَغْمِسْ يَدَهُ فِي الْإِنَاءِ حَتَّى يَغْسِلَهَا، فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
_________________
(١) بَابُ سُنَنِ الْوُضُوءِ قَالَ الطِّيبِيُّ: لَمْ يُرِدْ بِالسُّنَنِ سُنَنَ الْوُضُوءِ فَقَطْ، بَلْ أَرَادَ بِالسُّنَنِ الْأَقْوَالَ أَوِ الْأَفْعَالَ أَوِ التَّقْرِيرَاتِ لِلنَّبِيِّ - ﷺ - أَعَمُّ مِنْ أَنْ تَكُونَ سُنَّةً أَوْ فَرْضًا، كَمَا يُقَالُ جَاءَ فِي السُّنَّةِ كَذَا أَيْ: فِي الْحَدِيثِ اهـ. وَتَبِعَهُ ابْنُ حَجَرٍ: وَأَنْتَ خَبِيرٌ بِأَنَّ حَمْلَ سُنَنِ الْوُضُوءِ عَلَى ذَلِكَ الْمَعْنَى بَعِيدٌ فَالْأَوْلَى أَنْ يُحْمَلَ الْعُنْوَانُ عَلَى التَّغْلِيبِ. وَقِيلَ: السِّوَاكُ مِنَ السُّنَنِ أَيْضًا فَكَأَنَّهُ ذُكِرَ فِي بَابٍ مُفْرَدٍ لِزِيَادَةِ الِاهْتِمَامِ بِهِ، وَقِيلَ: هُوَ غَيْرُ مُخْتَصٍّ بِالْوُضُوءِ، وَوَرَدَ بِأَنَّ غَسْلَ الْيَدِ لِلْمُسْتَيْقِظِ أَيْضًا غَيْرُ خَاصٍّ عَلَى مَا فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ، وَكَذَا التَّيَامُنُ، وَفِيهِ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِ شَيْءٍ مِنْ سُنَنِ الْوُضُوءِ أَنْ يَكُونَ مُخْتَصًّا بِهِ. الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
(٢) (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: " «إِذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ نَوْمِهِ» ": التَّقَيُّدُ بِهِ لِأَنَّ تَوَهُّمَ نَجَاسَةِ الْيَدِ فِي الْغَالِبِ يَكُونُ مِنَ الْمُسْتَيْقِظِ فَلَا مَفْهُومَ لَهُ، وَلِذَا قَالَ عُلَمَاؤُنَا: إِنَّ هَذَا الْغَسْلَ سُنَّةً فِي غَيْرِ الْمُسْتَيْقِظِ أَيْضًا لِأَنَّ عِلَّةَ الْغَسْلِ وَهِيَ احْتِمَالُ أَنَّهُ مَسَّ بِيَدِهِ أَعْرَاقَ بَدَنِهِ وَأَوْسَاخَهُ مَوْجُودَةٌ فِي الْمُتَنَبِّهِ أَيْضًا. قُلْتُ: بَلِ الْمُتَنَبِّهُ يَفْهَمُ بِالطَّرِيقِ الْأَوْلَى فَإِنَّ هَذِهِ الْعِلَّةَ مَوْجُودَةٌ فِيهِ مَعَ زِيَادَةِ احْتِمَالَاتٍ أُخَرَ، وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ: فَإِنْ تَيَقَّنَ طَهَارَةَ يَدِهِ وَإِنْ نَامَ
[ ١ / ٤٠٢ ]
كَرَاهَةَ لِانْتِفَاءِ تَوَهُّمِ التَّنَجُّسِ فَمُعَارَضَةٌ بِالنَّصِّ " «فَلَا يَغْمِسْ يَدَهُ» ": أَيْ مَثَلًا كَمَا قَالَ ابْنُ حَجَرٍ أَوْ فَضْلًا عَنْ غَيْرِهَا، فَإِنَّهَا مَعَ كَوْنِهَا آلَةً إِذَا كَانَتْ مَمْنُوعَةً فَغَيْرُهَا أَوْلَى، فَهَذَا هُوَ الْأَوْلَى " فِي الْإِنَاءِ: أَيْ إِنَاءِ الْمَاءِ وَفِي مَعْنَاهُ كُلُّ مَائِعٍ وَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ مَاءَ الْإِنَاءِ لَمْ يَكُنْ إِلَّا قَلِيلًا فَلَا يُحْتَاجُ تَقْيِيدُهُ بِالْقَلِيلِ، كَمَا تَوَهَّمَ ابْنُ حَجَرٍ، وَفِي نُسْخَةٍ بِزِيَادَةِ النُّونِ الْمُشَدَّدَةِ. قَالَ الْأَبْهَرِيُّ: بِالتَّأْكِيدِ فِي مُسْلِمٍ وَبِدُونِ التَّأْكِيدِ فِي الْجَمْعِ بَيْنَ الصَّحِيحَيْنِ. قَالَ ابْنُ الْهَمَّامِ: الْحَدِيثُ الْمَذْكُورُ فِي الصَّحِيحَيْنِ بِغَيْرِ نُونِ التَّأْكِيدِ، وَأَمَّا بِهَا فَفِي مُسْنَدِ الْبَزَّارِ مِنْ حَدِيثِ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ وَلَفْظُهُ: «فَلَا يَغْمِسَنَّ يَدَهُ فِي طَهُورِهِ حَتَّى يُفْرِغَ عَلَيْهَا ثَلَاثًا» " حَتَّى يَغْسِلَهَا " أَيْ: إِلَى رُسْغِهَا " ثَلَاثًا ": قَالَ السَّيِّدُ: لَفْظُ ثَلَاثًا مِنْ أَفْرَادِ مُسْلِمٍ فَقَوْلُهُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مَحَلُّ بَحْثٍ اهـ. وَالنَّهْيُ مَحْمُولٌ عَلَى التَّنْزِيهِ بِدَلِيلِ الْعِلَّةِ، فَيَكُونُ الْغَسْلُ ثَلَاثًا سُنَّةً، وَفِيهِ دَلِيلٌ لِمَذْهَبِنَا حَيْثُ قَيَّدُوا تَطْهِيرَ النَّجَاسَةِ الْغَيْرِ الْمَرْئِيَّةِ بِغَسْلِهَا ثَلَاثًا، فَإِنَّهُ لَمَّا حَكَمَ الشَّرْعُ فِي النَّجَاسَةِ الْمُتَوَهَّمَةِ بِالتَّثْلِيثِ فَالْمُتَحَقِّقَةُ أَوْلَى بِذَلِكَ " فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي: تَعْلِيلٌ أَيْ: لَا يَعْلَمُ " «أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ» " رَوَى النَّوَوِيُّ عَنِ الشَّافِعِيِّ وَغَيْرِهِ مِنَ الْعُلَمَاءِ أَنَّ أَهْلَ الْحِجَازِ كَانُوا يَسْتَنْجُونَ بِالْحِجَارَةِ وَبِلَادُهُمْ حَارَةٌ، فَإِذَا نَامُوا عَرِقُوا، فَلَا يُؤَمَنُ أَنْ تَطُوفَ يَدُهُ عَلَى مَوْضِعِ النَّجَاسَةِ أَوْ عَلَى بَثْرَةٍ أَوْ قَمْلَةٍ، وَالنَّهْيُ عَنِ الْغَمْسِ قَبْلَ غَسْلِ الْيَدِ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ، لَكِنَّ الْجَمَاهِيرَ عَلَى أَنَّهُ نَهْيُ تَنْزِيهٍ لَا تَحْرِيمٍ فَلَوْ غَمَسَ لَمْ يُفْسِدِ الْمَاءَ وَلَمْ يَأْثَمِ الْغَامِسُ، وَقَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: هَذَا فِي حَقِّ مَنْ بَاتَ مُسْتَنْجِيًا بِالْأَحْجَارِ مُعْرَوْرِيًا، وَمَنْ بَاتَ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ فَفِي أَمْرِهِ سَعَةٌ، وَيُسْتَحَبُّ لَهُ أَيْضًا غَسْلُهَا لِأَنَّ السُّنَّةَ إِذَا وَرَدَتْ لِمَعْنًى لَمْ تَكُنْ لِتَزُولَ بِزَوَالِ ذَلِكَ الْمَعْنَى، وَفِي شَرْحِ السُّنَّةِ عَلَّقَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَسْلَ الْيَدَيْنِ بِالْأَمْرِ الْمَوْهُومِ وَمَا عُلِّقَ بِالْمَوْهُومِ لَا يَكُونُ وَاجِبًا، فَأَصْلُ الْمَاءِ وَالْيَدَيْنِ عَلَى الطَّهَارَةِ، فَحَمَلَ الْأَكْثَرُونَ هَذَا الْحَدِيثَ عَلَى الِاحْتِيَاطِ، وَذَهَبَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَالْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ إِلَى الظَّاهِرِ، وَأَوْجَبَا الْغَسْلَ وَحَكَمَا بِنَجَاسَةِ الْمَاءِ كَذَا نَقَلَهُ الطِّيبِيُّ. وَقَالَ الشَّمَنِيُّ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، وَدَاوُدَ: إِنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْمُسْتَيْقِظِ مِنْ نَوْمِ اللَّيْلِ غَسْلُ الْيَدَيْنِ لِظَاهِرِ الْحَدِيثِ، وَلَنَا: أَنَّ النَّوْمَ إِنْ كَانَ حَدَثًا فَهُوَ كَالْبَوْلِ، وَإِنْ كَانَ سَبَبًا لِلْحَدَثِ فَهُوَ كَالْمُبَاشَرَةِ، وَكُلُّ ذَلِكَ لَا يُوجِبُ غَسْلَ الْيَدَيْنِ قَبْلَ إِدْخَالِهِمَا الْإِنَاءَ عِنْدَهُمْ، وَأَنَّهُ ﵊ عَلَّلَ الْغَسْلَ بِتَوَهُّمِ النَّجَاسَةِ، وَتَوَهُّمُهَا لَا يُوجِبُهُ، فَكَانَ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلَى السُّنَّةِ وَعَدَمِ الْوُجُوبِ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) . قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ.
[ ١ / ٤٠٣ ]
٣٩٢ - وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «إِذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ نَوْمِهِ فَلْيَسْتَنْثِرْ ثَلَاثًا فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَبِيتُ فِي خَيْشُومِهِ» " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ ".
_________________
(١) (وَعَنْهُ): أَيْ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: " «إِذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ نَوْمِهِ فَتَوَضَّأَ» ": أَيْ: أَرَادَ الْوُضُوءَ " فَلْيَسْتَنْثِرْ: الْفَاءُ لِجَوَابِ الشَّرْطِ أَيْ: لِيَغْسِلْ دَاخِلَ أَنْفِهِ " ثَلَاثًا ": أَوِ التَّقْدِيرُ: إِذَا تَوَضَّأَ فَلْيَسْتَنْثِرْ عِنْدَ الِاسْتِنْشَاقِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: اسْتَنْثَرَ حَرَّكَ النَّثْرَةَ وَهِيَ طَرَفُ الْأَنْفِ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بِمَعْنَى نَثَرْتُ الشَّيْءَ، إِذَا فَرَّقْتُهُ وَبَدَّدْتُهُ اهـ. وَقِيلَ: الِاسْتِنْثَارُ نَثْرُ مَا فِي الْأَنْفِ الْمُتَّصِلِ بِالْبَطْنِ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ: " الْفَاءُ لِلسَّبَبِيَّةِ " يَبِيتُ عَلَى خَيْشُومِهِ ": يَعْنِي: أَنَّ الشَّيْطَانَ إِذَا لَمْ يُمْكِنْهُ الْوَسْوَسَةَ عِنْدَ النَّوْمِ لِزَوَالِ الْإِحْسَاسِ يَبِيتُ عَلَى أَقْصَى أَنْفِهِ لِيُلْقِيَ فِي دِمَاغِهِ الرُّؤْيَا الْفَاسِدَةَ، وَيَمْنَعَهُ عَنِ الرُّؤْيَا الصَّالِحَةِ، لِأَنَّ مَحَلَّهُ الدِّمَاغُ فَأَمَرَ - ﷺ - أَنْ يَغْسِلُوا دَاخِلَ أُنُوفِهِمْ لِإِزَالَةِ لَوْثِ الشَّيْطَانِ وَنَتَنِهِ مِنْهَا. قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ وَالْقَاضِي: الْخَيْشُومُ أَقْصَى الْأَنْفِ الْمُتَّصِلِ بِالْبَطْنِ الْمُقَدَّمِ مِنَ الدِّمَاغِ الَّذِي هُوَ مَوْضِعُ الْحِسِّ الْمُشْتَرَكِ وَمُسْتَقَرُّ الْخَيَالِ، فَإِذَا نَامَ تَجْتَمِعُ الْأَخْلَاطُ وَيَيْبَسُ عَلَيْهِ الْمُخَاطُ وَيَكِلُّ الْحِسُّ وَيَتَشَوَّشُ الْفِكْرُ فَيَرَى أَضْغَاثَ أَحْلَامٍ، فَإِذَا قَامَ وَتَرَكَ الْخَيْشُومَ بِحَالِهِ اسْتَمَرَّ الْكَسَلُ وَالْكَلَالُ وَاسْتَعْصَى عَلَيْهِ النَّظَرُ الصَّحِيحُ وَعَسُرَ الْخُضُوعُ وَالْقِيَامُ بِحُقُوقِ الصَّلَاةِ. ثُمَّ قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: مَا ذَكَرَهُ مِنْ طَرِيقِ الِاحْتِمَالِ، وَحَقُّ الْأَدَبِ فِي الْكَلِمَاتِ النَّبَوِيَّةِ أَنْ لَا يُتَكَلَّمَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ وَأَمْثَالِهِ بِشَيْءٍ، فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ قَدْ خَصَّهُ بِغَرَائِبِ الْمَعَانِي وَحَقَائِقِ الْأَشْيَاءِ مَا يَقْصُرُ عَنْهُ بَاعُ غَيْرِهِ، وَرَوَى النَّوَوِيُّ عَنِ الْقَاضِي عِيَاضٍ: تُحْتَمَلُ بَيْتُوتَةُ الشَّيْطَانِ أَنْ تَكُونَ حَقِيقَةً، فَإِنَّ الْأَنْفَ أَحَدُ الْمَنَافِذِ إِلَى الْقَلْبِ وَلَيْسَ عَلَيْهِ وَلَا عَلَى الْأُذُنَيْنِ غَلْقٌ، وَفِي الْحَدِيثِ: إِنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَفْتَحُ الْغَلْقَ وَجَاءَ الْأَمْرُ بِكَظْمِ الْفَمِ فِي التَّثَاؤُبِ مِنْ أَجْلِ عَدَمِ دُخُولِ الشَّيْطَانِ فِي الْفَمِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ عَلَى الِاسْتِعَارَةِ فَإِنَّهُ يَنْعَقِدُ مِنَ الْغُبَارِ وَرُطُوبَةِ الْخَيَاشِيمِ قَذَرٌ يُوَافِقُ الشَّيَاطِينَ، كَذَا نَقَلَهُ الطِّيبِيُّ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) . وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ عَلَى مَا قَالَهُ ابْنُ حَجَرٍ.
[ ١ / ٤٠٣ ]
٣٩٣ - «وَقِيلَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَاصِمٍ: كَيْفَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - يَتَوَضَّأُ؟ فَدَعَا بِوَضُوءٍ فَأَفْرَغَ عَلَى يَدَيْهِ فَغَسَلَ يَدَيْهِ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ، ثُمَّ مَضْمَضَ وَاسْتَنْثَرَ ثَلَاثًا ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا ثُمَّ غَسَلَ يَدَيْهِ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ إِلَى الْمَرْفِقَيْنِ، ثُمَّ مَسَحَ رَأْسَهَ بِيَدَيْهِ، فَأَقْبَلَ بِهِمَا وَأَدْبَرَ، بَدَأَ بِمُقَدَّمِ رَأْسِهِ، ثُمَّ ذَهَبَ بِهِمَا إِلَى قَفَاهُ، ثُمَّ رَدَّهَا حَتَّى رَجَعَ إِلَى الْمَكَانِ الَّذِي بَدَأَ مِنْهُ، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ» . رَوَاهُ مَالِكٌ، وَالنَّسَائِيُّ. وَلِأَبِي دَاوُدَ نَحْوُهُ ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْجَامِعِ.
_________________
(١) (وَقِيلَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَاصِمٍ): أَنْصَارِيٌّ مَازِنِيٌّ مِنْ مَازِنِ بْنِ النَّجَّارِ قِيلَ: شَارَكَ وَحْشِيًّا فِي قَتْلِ مُسَيْلِمَةَ الْكَذَّابِ، قُتِلَ يَوْمَ الْحَرَّةِ، شَهِدَ أُحُدًا وَلَمْ يَشْهَدْ بَدْرًا كَذَا قَالَهُ الطِّيبِيُّ، وَفِي التَّهْذِيبِ رَمَى وَحْشِيٌ مُسَيْلِمَةَ بِالْحَرْبَةِ، وَقَتَلَهُ عَبْدُ اللَّهِ بِسَيْفِهِ وَقَالَ الْمُصَنِّفُ: قُتِلَ عَبْدُ اللَّهِ يَوْمَ الْحِرَّةِ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ، وَرَوَى عَنْهُ عَبَّادُ بْنُ تَمِيمٍ وَابْنُ الْمُسَيَّبِ («كَيْفَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - يَتَوَضَّأُ؟ فَدَعَا بِوَضُوءٍ») بِفَتْحِ الْوَاوِ: مَا يُتَوَضَّأُ بِهِ، وَالْبَاءُ لِلتَّعْدِيَةِ أَيْ طَلَبَهُ (فَأَفْرَغَ) أَيْ: صَبَّ الْمَاءَ (عَلَى يَدَيْهِ: بِالتَّثْنِيَةِ، وَفِي الْمَصَابِيحِ عَلَى يَدِهِ الْيُمْنَى، وَيُؤَيِّدُهُ الْإِظْهَارُ فِي مَوْضِعِ الْإِضْمَارِ فِي قَوْلِهِ: (فَغَسَلَ يَدَيْهِ) أَيْ: إِلَى الرُّسْغَيْنِ (مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ): لَيْسَ فِي الْمَصَابِيحِ تَكْرَارٌ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَجْهُ الِاحْتِيَاجِ إِلَى التَّكْرِيرِ أَنَّ الِاقْتِصَارَ عَلَى الْأَوَّلِ يُوهِمُ التَّوْزِيعَ وَاقْتِصَارُهُ - ﷺ - عَلَى ذَلِكَ لِبَيَانِ الْجَوَازِ وَإِلَّا فَقَدْ صَحَّ عَنْهُ - ﷺ - أَنَّهُ فَعَلَ الثَّلَاثَ وَقَالَ: " «مَنْ زَادَ عَلَى ذَلِكَ أَوْ نَقَصَ فَقَدْ أَسَاءَ وَظَلَمَ» " اهـ. وَلَعَلَّ حَذْفَ الْبَسْمَلَةِ وَالنِّيَّةِ لِأَنَّهُمَا مِنَ الْأَقْوَالِ دُونَ الْأَفْعَالِ أَوْ لِأَنَّهُمَا تُخْفَيَانِ، وَالسِّوَاكُ لَيْسَ مِنْ مُخْتَصَّاتِ الْوُضُوءِ («ثُمَّ مَضْمَضَ وَاسْتَنْثَرَ ثَلَاثًا») تَنَازَعَ فِيهِ الْفِعْلَانِ («ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا ثُمَّ غَسَلَ يَدَيْهِ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ»): كَذَا كَرَّرَ مَرَّتَيْنِ (إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ): بِكَسْرِ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْفَاءِ وَبِالْعَكْسِ أَيْ: مَعَهُمَا («ثُمَّ مَسَحَ رَأْسَهُ بِيَدَيْهِ فَأَقْبَلَ»): بَيَانٌ لِلْمَسْحِ (بِهِمَا وَأَدْبَرَ، بَدَأَ): تَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ فَأَقْبَلَ وَأَدْبَرَ (بِمُقَدَّمِ رَأْسِهِ): أَيْ وَضَعَ كَفَّيْهِ وَأَصَابِعَهُ عِنْدَ مُقَدَّمِ رَأْسِهِ (ثُمَّ ذَهَبَ بِهِمَا): أَيْ: أَمَرَّهُمَا حَتَّى وَصَلَ (إِلَى قَفَاهُ، ثُمَّ رَدَّهُمَا) أَيْ: عَلَى جَنْبَيِ الرَّأْسِ («حَتَّى رَجَعَ إِلَى الْمَكَانِ الَّذِي بَدَأَ مِنْهُ»): وَهُوَ الْوَجْهُ الْمُسْتَحَبُّ مِنْ مَسْحِ الرَّأْسِ وَسُنِّيَّةُ مَسْحِ الْأُذُنَيْنِ بِمَائِهِ يُعْرَفُ مِنْ مَحَلٍّ آخَرَ (ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ. رَوَاهُ مَالِكٌ وَالنَّسَائِيُّ) أَيْ: بِهَذَا اللَّفْظِ (وَلِأَبِي دَاوُدَ نَحْوُهُ) أَيْ: بِمَعْنَاهُ (ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْجَامِعِ): أَيْ: جَامِعُ الْأُصُولِ وَهُوَ ابْنُ الْأَثِيرِ.
[ ١ / ٤٠٤ ]
٣٩٤ - وَفِي الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ: «قِيلَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَاصِمٍ: تَوَضَّأْ لَنَا وُضُوءَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - فَدَعَا بِإِنَاءٍ، فَأَكْفَأَ مِنْهُ عَلَى يَدَيْهِ فَغَسَلَهُمَا ثَلَاثًا، " ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ فَاسْتَخْرَجَهَا فَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ مِنْ كَفٍّ وَاحِدَةٍ. فَفَعَلَ ذَلِكَ ثَلَاثًا ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ فَاسْتَخْرَجَهَا، فَغَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ فَاسْتَخْرَجَهَا، فَغَسَلَ يَدَيْهِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ، ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ فَاسْتَخْرَجَهَا، فَمَسَحَ بِرَأْسِهِ، فَأَقْبَلَ بِيَدَيْهِ وَأَدْبَرَ، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ إِلَى الْكَعْبَيْنِ، ثُمَّ قَالَ: هَكَذَا كَانَ وُضُوءُ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -» .
وَفِي رِوَايَةٍ: «فَأَقْبَلَ بِهِمَا وَأَدْبَرَ، بَدَأَ بِمُقَدَّمِ رَأْسِهِ، ثُمَّ ذَهَبَ بِهِمَا إِلَى قَفَاهُ، ثُمَّ رَدَّهُمَا حَتَّى رَجَعَ إِلَى الْمَكَانِ الَّذِي بَدَأَ مِنْهُ، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ» .
وَفِي رِوَايَةٍ: «فَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ وَاسْتَنْثَرَ ثَلَاثَ غَرَفَاتٍ مِنْ مَاءٍ» .
وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: «فَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ مِنْ كَفَّةٍ وَاحِدَةٍ، فَفَعَلَ ذَلِكَ ثَلَاثًا» .
وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ: «فَمَسَحَ رَأْسَهُ فَأَقْبَلَ بِهِمَا وَأَدْبَرَ مَرَّةً وَاحِدَةً، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ إِلَى الْكَعْبَيْنِ. وَفِي أُخْرَى لَهُ: فَمَضْمَضَ وَاسْتَنْثَرَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِنْ غَرْفَةٍ وَاحِدَةٍ» .
_________________
(١) (وَفِي الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ): قَالَ الْأَبْهَرِيُّ: وَفِيهِ تَأَمُّلٌ فَإِنَّ مَا ذَكَرَهُ مِنَ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ لَمْ يُوجَدْ بِلَفْظِهِ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ، وَفِيهِ أَنَّ الْمُتَّفَقَ عَلَيْهِ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ بِلَفْظِهِمَا أَوْ بِلَفْظِ أَحَدِهِمَا وَإِذَا كَانَ مَسُّ أَحَدِهِمَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ اعْتِذَارًا عَنْ مُحْيِي السُّنَّةِ فِي الْجُمْلَةِ. فَكَيْفَ إِذَا وُجِدَ لَفْظُ أَحَدِهِمَا؟ («قِيلَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَاصِمٍ: تَوَضَّأْ): بِصِيغَةِ الْأَمْرِ لَنَا وُضُوءَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -»): أَيْ: نَحْوَ وُضُوئِهِ (فَدَعَا بِإِنَاءٍ) فِيهِ مَاءٌ (فَأَكْفَأَ): فِي النِّهَايَةِ يُقَالُ: كَفَأْتُ الْإِنَاءَ إِذَا كَبَبْتُهُ وَإِذَا أَمَلْتُهُ نَقَلَهُ الطِّيبِيُّ، وَقَالَ الْأَبْهَرِيُّ: قَالَ الشَّيْخُ كَفَأَ وَأَكْفَأَ بِمَعْنَى أَمَالَ، وَقَالَ الْكِسَائِيُّ: كَفَأَهُ كَبَّهُ وَأَكْفَأَهُ أَمَالَهُ (مِنْهُ) ضَمَّنَ أَكْفَأَ مَعْنَى أَفْرَغَ وَصَبَّ فَعَدَّاهُ بِمِنْ قَالَهُ الْأَبْهَرِيُّ (عَلَى يَدَيْهِ، فَغَسَلَهُمَا): أَيْ: إِلَى رُسْغَيْهِمَا (ثَلَاثًا، ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ): أَيِ: الْيُمْنَى فِي الْإِنَاءِ (فَاسْتَخْرَجَهَا): أَيِ: الْيَدُ مِنَ الْإِنَاءِ مَعَ الْمَاءِ قَالَ الطِّيبِيُّ: فِي الْحَدِيثِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ الْمَاءَ فِي الْمَرَّةِ الثَّالِثَةِ بَقِيَ عَلَى طَهَارَتِهِ وَطَهُورِيَّتِهِ غَيْرَ مُسْتَعْمَلٍ، اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يُقَالَ: إِنَّهُ نَوَى جَعْلَ الْيَدِ آلَةً لَهُ، وَمَذْهَبُ مَالِكٍ الْمُسْتَعْمَلُ فِي الْحَدَثِ طَهُورٌ، وَكَرِهَهُ مَعَ وُجُودِ غَيْرِهِ لِأَجْلِ الْخِلَافِ، وَكَذَا الْحَالُ عِنْدَهُ فِي الْمَاءِ الْقَلِيلِ تَحِلُّهُ نَجَاسَةٌ وَلَمْ يَتَغَيَّرْ. قَالَ أَبُو حَامِدٍ فِي الْإِحْيَاءِ: وَدِدْتُ أَنَّ مَذْهَبَ الشَّافِعِيِّ كَمَذْهَبِ مَالِكٍ فِي الْمَاءِ الْقَلِيلِ أَنَّهُ لَا بَأْسَ إِلَّا بِالتَّغَيُّرِ إِذِ الْحَاجَةُ مَاسَّةٌ إِلَيْهِ، وَمَثَارُ الْوَسْوَسَةِ مِنَ اشْتِرَاطِ الْقُلَّتَيْنِ، وَلِأَجْلِهِ شَقَّ عَلَى النَّاسِ ذَلِكَ: وَلَعَمْرِي إِنَّ الْحَالَ عَلَى مَا قَالَهُ، وَلَوْ كَانَ مَا ذُكِرَ شَرْطًا لَكَانَ أَعْسَرَ الْبِقَاعِ فِي الطَّهَارَةِ مَكَّةُ وَالْمَدِينَةُ، إِذْ لَا يَكْثُرُ فِيهِمَا الْمِيَاهُ الْجَارِيَةُ وَلَا الرَّاكِدَةُ الْكَثِيرَةُ، وَمِنْ أَوَّلِ عَصْرِ النَّبِيِّ - ﷺ - إِلَى آخِرِ عَصْرِ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ لَمْ يَنْقُلْ وَاقِعَةً فِي الطَّهَارَةِ وَكَيْفِيَّةِ حِفْظِ الْمَاءِ مِنَ النَّجَاسَاتِ، وَكَانَتْ أَوَانِي مِيَاهِهِمْ يَتَعَاطَاهَا الصِّبْيَانُ وَالْإِمَاءُ، وَتَوَضُّؤُ عُمَرَ - ﵁ - بِمَاءٍ فِي جَرَّةٍ نَصْرَانِيَّةٍ كَالصَّرِيحِ فِي أَنَّهُ لَمْ يُعَوِّلْ إِلَّا عَلَى عَدَمِ تَغَيُّرِ الْمَاءِ، وَكَانَ
[ ١ / ٤٠٤ ]
اسْتِغْرَاقُهُمْ فِي تَطْهِيرِ الْقُلُوبِ وَتَسَاهُلُهُمْ فِي الْأَمْرِ الظَّاهِرِ («فَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ مِنْ كَفٍّ»): وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ: بِزِيَادَةِ التَّاءِ مَعَ فَتْحِ الْكَافِ وَضَمِّهَا أَيْضًا. قَالَ الْأَبْهَرِيُّ: الْأَكْثَرُ مِنْ كَفٍّ بِغَيْرِ هَاءٍ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ كَفَّةٌ بِالتَّاءِ وَفِي نُسْخَةٍ: مِنْ غُرْفَةٍ، ثُمَّ قَالَ: قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: الْمُرَادُ بِالْكِفَّةِ الْغُرْفَةُ فَاشْتُقَّ لِذَلِكَ مِنَ اسْمِ الْكَفِّ وَجُعِلَ عِبَارَةً عَنْ ذَلِكَ الْمَعْنَى. قَالَ: وَلَا نَعْرِفُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ إِلْحَاقَ هَاءِ التَّأْنِيثِ بِالْكَفِّ. قَالَ الشَّيْخُ: مُحَصِّلُهُ أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ: كِفَّةٌ فِعْلَةٌ لَا أَنَّهَا تَأْنِيثُ الْكَفِّ، وَقَالَ صَاحِبُ الْمَشَارِقِ: قَوْلُهُ: مِنْ كَفَّةٍ هِيَ بِالضَّمِّ وَالْفَتْحِ كَغُرْفَةٍ وَغَرْفَةٍ أَيْ: مِنْ مَلْءِ كَفَّةٍ (وَاحِدَةً، فَفَعَلَ ذَلِكَ): أَيْ: مَا ذُكِرَ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ (ثَلَاثًا): وَسَيَأْتِي بَيَانُهُ (ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ): أَيْ: فِي الْإِنَاءِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِهَا الْجِنْسُ («فَاسْتَخْرَجَهَا، فَغَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا»): قَيْدٌ لِلْأَفْعَالِ الثَّلَاثَةِ لَا لِلْأَخِيرِ فَقَطْ («ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ فَاسْتَخْرَجَهَا فَغَسَلَ يَدَيْهِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ»): بِالضَّبْطَيْنِ الْمُتَقَدِّمَيْنِ (مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ): قَيْدَانِ لِلْأَفْعَالِ («ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ فَاسْتَخْرَجَهَا، فَمَسَحَ بِرَأْسِهِ، فَأَقْبَلَ بِيَدَيْهِ وَأَدْبَرَ»): يَعْنِي: اسْتَوْعَبَ الْمَسْحَ (ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ): ثُمَّ فِي الْمَوَاضِعِ مَعَ الْمَذْكُورَةِ لِمُجَرَّدِ الْعَطْفِ التَّعْقِيبِيِّ الْمُفِيدِ لِسُنِّيَّةِ التَّرْتِيبِ لَا لِلتَّرَاخِي الْمُنَافِي لِلتَّوَالِي الَّذِي هُوَ مُسْتَحَبٌّ عِنْدَنَا، وَفَرْضٌ عِنْدَ مَالِكٍ (إِلَى الْكَعْبَيْنِ): ظَاهِرُهُ الِاكْتِفَاءُ بِمَرَّةٍ، وَيُحْتَمَلُ مَرَّتَيْنِ بِقَرِينَةِ مَا قَبْلَهُ وَيُحْتَمَلُ التَّثْلِيثُ عَلَى مَا هُوَ الْمَعْرُوفُ مِنْ دَأْبِهِ ﵊، وَإِنَّمَا لَمْ يَقُلْ ثَلَاثًا لِئَلَّا يُوهِمَ قَيْدَ الْفِعْلَيْنِ مَعًا (ثُمَّ قَالَ): أَيْ: عَبْدُ اللَّهِ («هَكَذَا كَانَ وُضُوءُ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -»): أَيْ: غَالِبًا فِي زَعْمِهِ أَوْ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ.
(" فِي رِوَايَةٍ: «فَأَقْبَلَ بِهِمَا وَأَدْبَرَ، بَدَأَ بِمُقَدَّمِ رَأْسِهِ ثُمَّ ذَهَبَ بِهِمَا إِلَى قَفَاهُ ثُمَّ رَدَّهَا» أَيْ: عَلَى أَطْرَافِ الرَّأْسِ (حَتَّى رَجَعَ إِلَى الْمَكَانِ الَّذِي بَدَأَ مِنْهُ) وَهَذَا أَحْسَنُ أَنْوَاعِ الْمَسْحِ الْمُسْتَوْعَبِ (ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ): أَيْ ثَلَاثًا.
(وَفِي رِوَايَةٍ: فَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ وَاسْتَنْثَرَ) الْوَاوُ فِيهِمَا بِمَعْنَى الْفَاءِ لِيُفِيدَ اسْتِحْبَابَ التَّرْتِيبِ بَيْنَ غَسْلِ الْأَعْضَاءِ الْغَيْرِ الْمَفْرُوضَةِ، وَأَغْرَبَ ابْنُ حَجَرٍ: فَقَالَ الْوَاوُ هُنَا مَعْنَى ثُمَّ السَّابِقَةِ (ثَلَاثًا) قَيْدٌ لِلثَّلَاثَةِ (بِثَلَاثِ غَرَفَاتٍ): بِفَتْحِ الْغَيْنِ وَالرَّاءِ، وَقِيلَ: بِضَمِّهِمَا جَمْعُ غُرْفَةٍ بِمَعْنَى مَرَّةٍ وَاحِدَةٍ مِنْ مَاءٍ. قِيلَ: الْغَرْفَةُ بِالْفَتْحِ مَصْدَرُ غَرَفَ أَيْ أَخْذُ الْمَاءِ بِالْكَفِّ وَبِضَمِّ الْغَيْنِ الِاسْمُ وَهُوَ الْمَاءُ الْمَغْرُوفُ، وَقِيلَ هِيَ مَلْءُ الْكَفِّ مِنَ الْمَاءِ يَعْنِي أَخَذَ غُرْفَةً وَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ بِهَا، وَكَذَا بِالثَّانِيَةِ وَالثَّالِثَةِ، كَذَا قَالَهُ بَعْضُ الشُّرَّاحِ مِنْ عُلَمَائِنَا وَهُوَ خِلَافُ الْمَذْهَبِ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّ الثَّلَاثَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهَا وَقَعَ بِثَلَاثِ غَرَفَاتٍ.
(وَفِي أُخْرَى «فَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ مِنْ كَفَّةٍ وَاحِدَةٍ») بِأَنْ جَعَلَ مَاءَ الْكَفِّ بَعْضَهُ فِي فَمِهِ وَبَعْضَهُ فِي أَنْفِهِ، فَفَعَلَ ذَلِكَ أَيِ الْمَذْكُورَ مِنَ الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ ثَلَاثًا أَيْ: ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِنْ كَفَّةٍ وَاحِدَةٍ، وَفِيهِ حُجَّةٌ لِلشَّافِعِيِّ، كَذَا قَالَهُ ابْنُ الْمَلَكِ وَغَيْرُهُ مِنْ أَئِمَّتِنَا، وَالْأَظْهَرُ أَنَّ مِنْ كَفَّةٍ تَنَازَعَ فِيهِ الْفِعْلَانِ، وَالْمَعْنَى مَضْمَضَ مِنْ كَفَّةٍ وَاسْتَنْشَقَ مِنْ كَفَّةٍ وَقَيْدُ الْوَحْدَةِ احْتِرَازٌ مِنَ التَّثْنِيَةِ (فَفَعَلَ ذَلِكَ): أَيْ: كُلَّ وَاحِدٍ مِنَ الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ عَلَى الْوَجْهِ الْمَذْكُورِ (ثَلَاثَ مَرَّاتٍ) فَيَكُونُ الْحَدِيثُ مَحْمُولًا عَلَى أَكْمَلِ الْحَالَاتِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهَا عِنْدَ أَرْبَابِ الْكَمَالَاتِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِعْلُ مَا ذَكَرُوهُ لِبَيَانِ الْجَوَازِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ: «فَمَسَحَ رَأْسَهُ فَأَقْبَلَ بِهِمَا وَأَدْبَرَ مَرَّةً وَاحِدَةً»): الْجُمْهُورُ عَلَى عَدَمِ تَثْلِيثِ مَسْحِ الرَّأْسِ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ (ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ إِلَى الْكَعْبَيْنِ): فِيهِ وَفِي أَمْثَالِهِ مِنَ الْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِي وُضُوئِهِ ﵊ رَدٌّ عَلَى الشِّيعَةِ فِي تَجْوِيزِ مَسْحِ الرِّجْلَيْنِ.
[ ١ / ٤٠٥ ]
(وَفِي أُخْرَى لَهُ): أَيْ: لِلْبُخَارِيِّ (فَمَضْمَضَ وَاسْتَنْثَرَ): كِنَايَةٌ عَنِ الِاسْتِنْشَاقِ أَوْ مِنْ لَوَازِمِهِ (ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِنْ غَرْفَةٍ): بِالْفَتْحِ وَيُضَمُّ (وَاحِدَةٍ): أَيْ: كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الثَّلَاثِ مِنْ غَرْفَةٍ وَاحِدَةٍ أَوْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنَ الْمَرَّاتِ الثَّلَاثِ مِنْ غَرْفَةٍ وَاحِدَةٍ، وَيَبْعُدُ تَثْلِيثُهُمَا مَعًا مِنْ غَرْفَةٍ وَاحِدَةٍ وَإِنْ كَانَ هُوَ وَجْهًا لِلشَّافِعِيَّةِ. قَالَ الْمُؤَلِّفُ: وَإِنَّمَا أَطْنَبْنَا الْكَلَامَ فِي الْحَدِيثِ لِأَنَّ مَا ذُكِرَ فِي الْمَصَابِيحِ بِلَفْظِهِ لَمْ يُوجَدْ إِلَّا فِي رِوَايَةِ مَالِكٍ وَالنَّسَائِيِّ، فَأَمَّا مَعْنَاهُ فَمَا ذَكَرْتُهُ فِي الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ عَقِبَهُ، وَبَقِيَّةُ الرِّوَايَاتِ إِنَّمَا أَوْرَدْتُهَا تَنْبِيهًا عَلَى أَنَّ مَا فِي الْمَصَابِيحِ مِنْهَا ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ. قَالَ السَّيِّدُ جَمَالُ الدِّينِ: كَأَنَّهُ اعْتِرَاضٌ عَلَى الشَّيْخِ مُحْيِي السُّنَّةِ حَيْثُ أَوْرَدَ حَدِيثَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ بِهَذَا اللَّفْظِ فِي الصِّحَاحِ، مَعَ أَنَّهُ غَيْرُ مَذْكُورٍ فِي أَحَدِ الصَّحِيحَيْنِ، وَالْجَوَابُ أَنَّهُ مَوْجُودٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ كَمَا عَزَاهُ صَاحِبُ التَّخْرِيجِ إِلَيْهِمَا حَيْثُ قَالَ: وَرَوَاهُ الْجَمَاعَةُ فِي الصِّحَاحِ بِأَلْفَاظٍ مُتَقَارِبَةٍ اهـ.
وَأَنْتَ خَبِيرٌ بِأَنَّ الْجَوَابَ لَيْسَ عَلَى وَجْهِ الصَّوَابِ لِأَنَّ الْمُصَنِّفَ نَفَى وُجُودَ لَفْظِ الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ فِي أَحَدِ الصَّحِيحَيْنِ لَا مَعْنَاهُ، وَصَاحِبُ التَّخْرِيجِ أَثْبَتَ ذَلِكَ الْمَعْنَى، وَلِذَا قَالَ بِأَلْفَاظٍ مُتَقَارِبَةٍ، بَلِ الْمُصَنِّفُ بِنَفْسِهِ أَوْرَدَ تِلْكَ الْأَلْفَاظَ الدَّالَّةَ عَلَى ذَلِكَ الْمَعْنَى، وَاعْتَذَرَ بِالْإِطْنَابِ الْمُتَضَمِّنِ لِذَلِكَ الْجَوَابِ، وَإِنْ كَانَ الِاعْتِرَاضُ وَارِدًا فِي الْجُمْلَةِ فَإِنَّ الشَّرْطَ أَوَّلَ الْكِتَابِ أَنْ يَكُونَ لَفْظُ الْحَدِيثِ مِنْ ذَلِكَ الْبَابِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
[ ١ / ٤٠٦ ]
٣٩٥ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: «تَوَضَّأَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - مَرَّةً مَرَّةً لَمْ يَزِدْ عَلَى هَذَا» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
_________________
(١) (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «تَوَضَّأَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - مَرَّةً مَرَّةً»): نُصِبَ عَلَى الْمَصْدَرِ يَعْنِي غَسَلَ كُلَّ عُضْوٍ مَرَّةً وَاحِدَةً وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ مَرَّةً (وَلَمْ يَزِدْ عَلَى هَذَا): أَيْ: فِي هَذَا الْوُضُوءِ أَوْ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ أَوْ بِاعْتِبَارِ عِلْمِهِ، وَإِلَّا فَقَدْ صَحَّتِ الزِّيَادَةُ فِي رِوَايَاتٍ لَا تُحْصَى وَإِنَّمَا فَعَلَ ذَلِكَ لِبَيَانِ الْجَوَازِ فَإِنَّهُ أَقَلُّ الْوُضُوءِ (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) .
[ ١ / ٤٠٦ ]
٣٩٦ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ - ﵁ - «أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - تَوَضَّأَ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
_________________
(١) (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - تَوَضَّأَ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ»): أَيْ: لِبَيَانِ الْجَوَازِ أَيْضًا قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: هَذَا هُوَ الْأَفْضَلُ فِي الْوُضُوءِ أَيْ بِالنِّسْبَةِ (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ): وَالْأَخْصَرُ رَوَاهُمَا الْبُخَارِيُّ.
[ ١ / ٤٠٦ ]
٣٩٧ - وَعَنْ عُثْمَانَ - ﵁ - «أَنَّهُ تَوَضَّأَ بِالْمَقَاعِدِ، فَقَالَ: أَلَا أُرِيكُمْ وُضُوءَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -؟ فَتَوَضَّأَ ثَلَاثًا ثَلَاثًا» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
_________________
(١) (وَعَنْ عُثْمَانَ): رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ (أَنَّهُ تَوَضَّأَ بِالْمَقَاعِدِ): قَالَ الطِّيبِيُّ: فِي مَوَاضِعِ قُعُودِ النَّاسِ فِي الْأَسْوَاقِ وَغَيْرِهَا اهـ. وَقِيلَ: مَوَاضِعُ الْقُعُودِ خَارِجَ الْمَسْجِدِ. وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: اسْمُ مَوْضِعٍ بِالْمَدِينَةِ (فَقَالَ: أَلَا): بِالتَّنْبِيهِ أَوِ الْهَمْزَةُ لِلِاسْتِفْهَامِ («أُرِيكُمْ وُضُوءَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -»): أَيْ: كَيْفِيَّتَهُ وَتَصْوِيرَهُ (فَتَوَضَّأَ ثَلَاثًا ثَلَاثًا) قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: وَهَذَا هُوَ الْأَكْمَلُ. قَالَ مِيرَكُ: أَيْ غَسَلَ كُلَّ عُضْوٍ مِنْ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ ثَلَاثَةً، وَعُمُومُهُ يَقْتَضِي أَنَّهُ كَانَ يَمْسَحُ الرَّأْسَ أَيْضًا ثَلَاثًا، لَكِنَّ الرِّوَايَاتِ الَّتِي فُصِّلَتْ فِيهَا أَعْضَاءُ الْوُضُوءِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الصَّحِيحَيْنِ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَسْحَ الرَّأْسِ وَقَعَ مَرَّةً تَأَمَّلْ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: أَيْ طَهَّرَ كُلَّ عُضْوٍ مِنْ أَعْضَاءِ وُضُوئِهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، وَهَذَا يَشْمَلُ مَسْحَ الرَّأْسِ ثَلَاثًا، وَبِهِ أَخَذَ الشَّافِعِيُّ عَلَى أَنَّهُ جَاءَ التَّصْرِيحُ بِتَثْلِيثِ الْمَسْحِ فِي رِوَايَةٍ اهـ. وَهَى فِي أَبِي دَاوُدَ، لَكِنَّ الْمَفْهُومَ مِنْهُ أَنَّهَا رِوَايَةٌ شَاذَّةٌ مُخَالِفَةٌ لِلثِّقَاتِ، وَلِذَا قَالَ الْبَيْهَقِيُّ مَعَ كَمَالِ اعْتِنَائِهِ بِتَصْحِيحِ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ: اعْتَمَدَ الشَّافِعِيُّ فِي تَكْرَارِ الْمَسْحِ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ يَعْنِي حَدِيثَ عُثْمَانَ، وَرِوَايَةُ أَبِي أَنَسٍ عَنْ عُثْمَانَ مُطْلَقَةٌ، وَالرِّوَايَاتُ الثَّابِتَةُ عَنْهُ الْمُفَسِّرَةُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ التَّكْرَارَ وَقَعَ فِيمَا عَدَا الرَّأْسِ مِنَ الْأَعْضَاءِ وَأَنَّهُ مَسَحَ بِرَأْسِهِ مَرَّةً وَاحِدَةً اهـ كَلَامُهُ. وَلِأَنَّهُ مَسْحٌ فَلَا يُسَنُّ تَثْلِيثُهُ كَالْجَبِيرَةِ وَالْخُفِّ وَالتَّيَمُّمِ وَلِأَنَّهُ بِالتَّعَدُّدِ يَنْقَلِبُ غَسْلًا (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) قَالَ الطِّيبِيُّ: وَإِنَّمَا تَوَضَّأَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - مَرَّةً مَرَّةً، وَأُخْرَى مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ، وَأُخْرَى ثَلَاثًا ثَلَاثًا تَعْلِيمًا لِلْأُمَّةِ أَنَّ الْكُلَّ جَائِزٌ وَأَنَّ الْأَكْمَلَ أَفْضَلُ أَيْ: أَكْثَرُ ثَوَابًا وَالزِّيَادَةُ عَلَى الْكَمَالِ نُقْصَانٌ وَخَطَأٌ وَظُلْمٌ وَإِسَاءَةٌ كَمَا سَنُورِدُ.
[ ١ / ٤٠٦ ]
٣٩٨ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄ قَالَ: " «رَجَعْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْمَدِينَةِ حَتَّى إِذَا كُنَّا بِمَاءٍ بِالطَّرِيقِ عَجَّلَ قَوْمٌ عِنْدَ الْعَصْرِ فَتَوَضَّئُوا وَهُمْ عُجَّالٌ فَانْتَهَيْنَا بِهِمْ وَأَعْقَابُهُمْ تَلُوحُ لَمْ يَمَسَّهَا الْمَاءُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: " وَيْلٌ لِلْأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ، أَسْبِغُوا الْوُضُوءَ») رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
_________________
(١) (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو) بِالْوَاوِ (قَالَ: «رَجَعْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْمَدِينَةِ، حَتَّى إِذَا كُنَّا»): أَيْ: صِرْنَا (بِمَاءٍ بِالطَّرِيقِ): قَالَ الطِّيبِيُّ: الظَّرْفُ الْأَوَّلُ خَبَرُ كَانَ وَالثَّانِي صِفَةٌ أَيْ: إِذَا كُنَّا نَازِلِينَ بِمَاءٍ كَائِنٍ فِي طَرِيقِ مَكَّةَ («تَعَجَّلَ قَوْمٌ عِنْدَ الْعَصْرِ فَتَوَضَّئُوا وَهُمْ عُجَّالٌ») بِضَمِّ الْعَيْنِ وَتَشْدِيدِ الْجِيمِ جَمْعُ عَاجِلٍ كَجُهَّالٍ جَمْعُ جَاهِلٍ، وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ بِكَسْرِ الْعَيْنِ وَتَخْفِيفِ الْجِيمِ جَمْعُ عَاجِلٍ كَقِيَامٍ جَمْعُ قَائِمٍ. قَالَ الطِّيبِيُّ: تَعَجَّلَ بِمَعْنَى اسْتَعْجَلَ يَعْنِي تَطَلَّبُوا تَعْجِيلَ الْوُضُوءِ عِنْدَ الْعَصْرِ فَتَوَضَّئُوا عَاجِلِينَ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّ مَعْنَاهُ اسْتَعْجَلُوا فِي السَّيْرِ وَتَقَدَّمُوا عَلَيْنَا عِنْدَ دُخُولِ الْعَصْرِ مُبَادَرَةً إِلَى الْوُضُوءِ فَتَوَضَّئُوا عَلَى الْعَجَلَةِ بِحُكْمِ ضِيقِ الْوَقْتِ مِنَ السَّفَرِ (فَانْتَهَيْنَا): أَيْ: وَصَلْنَا (إِلَيْهِمْ وَأَعْقَابُهُمْ): جَمْعُ عَقِبٍ (تَلُوحُ): أَيْ: تَظْهَرُ يُبُوسَتُهَا جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ وَكَذَا (لَمْ يَمَسَّهَا الْمَاءُ): جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ مُبَيِّنَةٌ لِتَلُوحُ (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: " وَيْلٌ " فِي النِّهَايَةِ الْوَيْلُ الْخِزْيُ وَالْهَلَاكُ وَالْمَشَقَّةُ مِنَ الْعَذَابِ نَقَلَهُ الطِّيبِيُّ. وَقَالَ الْأَبْهَرِيُّ: جَازَ الِابْتِدَاءُ بِالنَّكِرَةِ لِأَنَّهُ دُعَاءٌ وَأَصَحُّ الْأَقْوَالِ فِي مَعْنَاهُ مَا رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ: وَادٍ فِي جَهَنَّمَ وَقِيلَ شِدَّةُ الْعَذَابِ، وَقِيلَ جَبَلٌ مِنْ قَيْحٍ وَدَمٍ وَقِيلَ كَلِمَةٌ يَقُولُهَا كُلُّ مَكْرُوبٍ وَأَصْلُهَا الْهَلَاكُ وَالْعَذَابُ، وَالْأَظْهَرُ حَمْلُهُ عَلَى الْأَصْلِ أَيْ: هَلَاكٌ عَظِيمٌ وَعِقَابٌ أَلِيمٌ " لِلْأَعْقَابِ: أَيْ: لِأَصْحَابِهَا " مِنَ النَّارِ ": قَالَ الطِّيبِيُّ: خُصَّ الْعَقِبُ بِالْعَذَابِ لِأَنَّهُ الْعُضْوُ الَّذِي لَمْ يُغْسَلْ فَالتَّعْرِيفُ لِلْعَهْدِ، وَقِيلَ: أَرَادَ صَاحِبَ الْعَقِبِ فَاللَّامُ لِلْعَهْدِ وَالْمُضَافُ مَحْذُوفٌ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُمْ مَا كَانُوا يَسْتَقْصُونَ عَلَى أَرْجُلِهِمْ فِي الْوُضُوءِ " أَسْبِغُوا الْوُضُوءَ " بِضَمِّ الْوَاوِ أَيْ: أَتِمُّوهُ بِإِتْيَانِ جَمِيعِ فَرَائِضِهِ وَسُنَنِهِ أَوْ أَكْمِلُوا وَاجِبَاتِهِ، وَلَوْ ثَبَتَ فَتْحُ الْوَاوِ لَكَانَ لَهُ وَجْهٌ وَجِيهٌ أَيْ: أَوْصِلُوا مَاءَ الْوُضُوءِ إِلَى الْأَعْضَاءِ بِطَرِيقِ الِاسْتِيعَابِ وَالِاسْتِقْصَاءِ، قِيلَ: لِأَنَّهُمْ كَانُوا حَدِيثِي عَهْدٍ بِالْإِسْلَامِ وَأَحْكَامِهِ، فَتَجَوَّزُوا أَيْ تَسَامَحُوا فِي غَسْلِ أَرْجُلِهِمْ لِجَهْلِهِمْ بِأَحْكَامِ الشَّرْعِ كَذَا ذَكَرَهُ ابْنُ الْمَلَكِ، وَفِيهِ نَظَرٌ إِذِ الظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا وَقَعَ حِينَ الْعَجَلَةِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِ غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ عَلَى وَجْهِ الِاسْتِيعَابِ وَهُوَ الْمَنْقُولُ مِنْ فِعْلِهِ - ﷺ - وَمِنْ فِعْلِ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ. وَقَالَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ: ظَاهِرُهُ يَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ خِلَافًا لِلشِّيعَةِ وَقِرَاءَةُ جَرِّ (أَرْجُلِكُمْ) تُعَارِضُهَا قِرَاءَةُ نَصْبِهِ، وَحَمْلُ الْجَرِّ عَلَى الْمُجَاوَرَةِ كَمَا فِي جُحْرِ ضَبٍّ خَرِبٍ وَمَاءِ شَنٍّ بَارِدٍ، وَكَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ﴾ [هود: ٢٦]، ﴿وَحُورٌ عِينٌ﴾ [الواقعة: ٢٢] " أَوْلَى مِنْ حَمْلِ النَّصْبِ عَلَى مَحَلِّ الْمَجْرُورِ لِأَنَّهُ الْمُوَافِقُ لِلسُّنَّةِ الثَّابِتَةِ الشَّائِعَةِ فَيَجِبُ الْمَصِيرُ إِلَيْهِ. وَقَالَ الْإِمَامُ النَّوَوِيُّ: هَذَا الْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِ غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ وَأَنَّ الْمَسْحَ لَا يُجْزِئُ وَعَلَيْهِ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ فِي الْأَعْصَارِ وَالْأَمْصَارِ، وَقَالُوا: لَا يَجِبُ الْمَسْحُ عَلَى الْغَسْلِ وَهُوَ مَذْهَبُ دَاوُدَ، وَلَمْ يَثْبُتْ خِلَافُ هَذَا عَنْ أَحَدٍ يُعْتَدُّ بِهِ فِي الْإِجْمَاعِ وَأَيْضًا كُلُّ مَنْ وَصَفَ وُضُوءَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - فِي مَوَاضِعَ مُخْتَلِفَةٍ وَعَلَى صِفَاتٍ مُتَعَدِّدَةٍ مُتَّفِقُونَ عَلَى غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ اهـ. وَفَائِدَةُ الْجَرِّ مَا قَالَهُ صَاحِبُ الْكَشَّافِ مِنْ أَنَّ الْأَرْجُلَ مَظِنَّةُ الْإِفْرَاطِ فِي الصَّبِّ عَلَيْهَا. وَقَالَ ابْنُ حَاجِبٍ: عَطْفُ الْأَرْجُلِ عَلَى الرُّءُوسِ مَعَ إِرَادَةِ كَوْنِهَا مَغْسُولَةً مِنْ بَابِ الِاسْتِغْنَاءِ بِأَحَدِ الْفِعْلَيْنِ الْمُتَنَاسِبَيْنِ عَنِ الْآخَرِ كَقَوْلِهِ: يَا لَيْتَ زَوْجَكِ قَدْ أَتَى مُتَقَلِّدًا سَيْفًا وَرُمْحًا وَقَوْلِ الْآخَرِ: عَلَفْتُهَا تِبْنًا وَمَاءً بَارِدًا نَقَلَهُ الطِّيبِيُّ وَقَالَ بَعْضُهُمْ: وَهُوَ أَظْهَرُ إِذِ الْقِرَاءَتَانِ مُجَمَلَتَانِ فِي الْآيَةِ يُبَيِّنُهُمَا فِعْلُهُ ﵊ حَيْثُ مَسَحَ حَالَ كَوْنِ الرِّجْلَيْنِ لَابِسَتَيِ الْخُفِّ، وَغَسَلَ حَالِ كَوْنِهِمَا عَارِيَتَيْنِ عَنِ الْخُفِّ مَعَ إِفَادَتِهِمَا التَّرْتِيبَ نَدْبًا أَوْ وُجُوبًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) . وَأَصْلُهُ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ قَالَهُ ابْنُ حَجَرٍ.
[ ١ / ٤٠٧ ]
٣٩٩ - وَعَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ - ﵁ - قَالَ: «إِنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - تَوَضَّأَ فَمَسَحَ بِنَاصِيَتِهِ وَعَلَى الْعِمَامَةِ وَعَلَى الْخُفَّيْنِ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
_________________
(١) (وَعَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ): مِنْ ثَقِيفٍ أَسْلَمَ عَامَ الْخَنْدَقِ، وَأَوَّلُ مَشَاهِدِهِ الْحُدَيْبِيَةُ كَانَ أَمِيرَ الْكُوفَةِ لِمُعَاوِيَةَ وَمَاتَ بِهَا قَالَهُ الطِّيبِيُّ وَكَذَا الْمُصَنِّفُ. (قَالَ: «إِنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - تَوَضَّأَ فَمَسَحَ بِنَاصِيَتِهِ»): قِيلَ: الْبَاءُ زَائِدَةٌ، وَقِيلَ تَبْعِيضِيَّةٌ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: الْبَاءُ تَنْبِيهٌ عَلَى أَنَّ الْمَسْحَ الْتَصَقَ بِالرَّأْسِ مِنْ غَيْرِ حَائِلٍ، وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: إِنْ جُعِلَتِ الْبَاءُ تَبْعِيضِيَّةً فَفِيهِ دَلِيلٌ لِلشَّافِعِيِّ عَلَى وُجُوبِ مَسْحِ قَدْرِ مَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ اسْمُ الْمَسْحِ، وَإِنْ جُعِلَتْ زَائِدَةً فَفِيهِ دَلِيلٌ لِأَبِي حَنِيفَةَ فِي التَّقْدِيرِ بِالرُّبُعِ وَهُوَ قَدْرُ النَّاصِيَةِ (وَعَلَى الْعِمَامَةِ): قَالَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ مِنْ عُلَمَائِنَا: يُحْتَمَلُ أَنَّهُ مَسَحَ بِنَاصِيَتِهِ وَسَوَّى عِمَامَتَهُ بِيَدَيْهِ، فَحَسِبَ الرَّاوِي تَسْوِيَةَ الْعِمَامَةِ عِنْدَ الْمَسْحِ مَسْحًا، وَمَا رُوِيَ عَنْ ثَوْبَانَ «أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - بَعَثَ سِرِّيَّةً فَأَصَابَهُمُ الْبَرْدُ، فَلَمَّا قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - أَمَرَهُمْ أَنْ يَمْسَحُوا عَلَى الْعَصَائِبِ كَانَتْ مُعَصَّبَةً عَلَى الْجِرَاحِ»، يُحْتَمَلُ ذَلِكَ قَبْلَ نُزُولِ الْآيَةِ، فَقَدْ ذَكَرَ الْعُلَمَاءُ أَنَّ الْمَائِدَةَ آخِرُ مَا نَزَلَ مِنْ سُوَرِ الْقُرْآنِ، فَالْأَخْذُ بِظَاهِرِ الْآيَةِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَوْلَى اهـ. قَالَ الْقَاضِي: اخْتَلَفُوا فِي الْمَسْحِ عَلَى الْعِمَامَةِ، فَمَنَعَهُ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى مُطْلَقًا أَيْ لِظَاهِرِ التَّنْزِيلِ، وَجَوَّزَ الثَّوْرِيُّ وَدَاوُدُ وَأَحْمَدُ ﵏ الِاقْتِصَارَ عَلَى مَسْحِهَا، إِلَّا أَنَّ أَحْمَدَ اعْتَبَرَ التَّعْمِيمَ عَلَى طُهْرٍ كَلُبْسِ الْخُفِّ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: لَا يَسْقُطُ الْفَرْضُ بِالْمَسْحِ عَلَيْهَا لِظَاهِرِ الْآيَةِ الدَّالَّةِ عَلَى الْإِلْصَاقِ وَالْأَحَادِيثِ الْعَاضِدَةِ إِيَّاهَا، لَكِنْ لَوْ مَسَحَ مِنْ رَأْسِهِ مَا يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ اسْمُ الْمَسْحِ وَكَانَ يَعْسُرُ عَلَيْهِ رَفْعُهَا، وَأَمَرَّ الْيَدَ الْمُبْتَلَّةَ عَلَيْهَا بَدَلَ الِاسْتِيعَابِ كَانَ حَسَنًا كَذَا ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ (وَعَلَى الْخُفَّيْنِ): أَيْ: وَمَسَحَ عَلَيْهِمَا وَهُوَ جَائِزٌ إِجْمَاعًا وَأَحَادِيثُهُ مُتَوَاتِرَةٌ مَعْنًى، فَقَدْ رَوَاهُ عَنْهُ - ﷺ - ثَمَانُونَ صَحَابِيًّا. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) وَكَذَا الطَّبَرَانِيُّ، وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالْحَاكِمُ وَسَكَتَا عَنْهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي مَعْقِلٍ قَالَ: «رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَوَضَّأُ وَعَلَيْهِ عِمَامَةٌ قِطْرِيَّةٌ، فَأَدْخَلَ يَدَهُ مِنْ تَحْتِ الْعِمَامَةِ فَمَسَحَ مُقَدَّمَ رَأْسِهِ وَلَمْ يَنْقُضِ الْعِمَامَةَ الْقِطْرِيَّهِ بِكَسْرِ الْقَافِ وَسُكُونِ الطَّاءِ ضَرْبٌ مِنَ الْبُرُودِ»، كَذَا فِي الصِّحَاحِ. قَالَ الشَّمَنِيُّ: وَمَعْلُومٌ أَنَّ النَّاصِيَةَ وَمُقَدَّمَ الرَّأْسِ أَحَدُ جَوَانِبِهَا الْأَرْبَعَةِ، فَلَوْ كَانَ مَسْحُ الرُّبُعِ لَيْسَ بِمُجْزِئٍ لَمْ يَقْتَصِرْ ﵇ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ عَلَيْهِ، وَلَوْ كَانَ مَسْحُ مَا دُونَهُ مُجْزِئًا لَفَعَلَهُ ﵊ وَلَوْ مَرَّةً فِي عُمْرِهِ تَعْلِيمًا لِلْجَوَازِ اهـ. فَالْحَدِيثُ حُجَّةٌ عَلَى الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ.
[ ١ / ٤٠٨ ]
٤٠٠ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: «كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - يُحِبُّ التَّيَمُّنَ مَا اسْتَطَاعَ فِي شَأْنِهِ كُلِّهِ: فِي طَهُورِهِ وَتَرَجُّلِهِ وَتَنَعُّلِهِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
_________________
(١) (وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - يُحِبُّ التَّيَمُّنَ»): أَيِ: الْبَدْءَ بِالْأَيَامِنِ مِنَ الْيَدِ وَالرِّجْلِ وَالْجَانِبِ الْأَيْمَنِ، لَكِنَّ التَّيَمُّنَ فِي اللُّغَةِ الْمَشْهُورَةِ هُوَ التَّبَرُّكُ بِالشَّيْءِ مِنَ الْيُمْنِ وَهُوَ الْبَرَكَةُ. فِي الْقَامُوسِ: الْيُمْنُ بِالضَّمِّ الْبَرَكَةُ، وَفِي مُخْتَصَرِ النِّهَايَةِ: الْيُمْنُ الْبَرَكَةُ وَضِدُّهُ الشُّؤْمُ وَالتَّيَمُّنُ الِابْتِدَاءُ فِي الْأَفْعَالِ بِالْيَدِ الْيُمْنَى وَالرِّجْلِ الْيُمْنَى وَالْجَانِبِ الْأَيْمَنِ (مَا اسْتَطَاعَ): أَيْ: مَا أَمْكَنَهُ وَقَدَرَ عَلَيْهِ (فِي شَأْنِهِ): أَيْ: فِي أَمْرِهِ (كُلِّهِ): تَأْكِيدٌ وَالْمُرَادُ الْأُمُورُ الْمُكَرَّمَةُ (فِي طَهُورِهِ): بِالضَّمِّ وَيُفْتَحُ وَالْمُرَادُ بِهِ الْمَصْدَرُ، وَيُسْتَثْنَى مِنْهَا الِاسْتِنْجَاءُ وَنَدْبُ التَّيَمُّنِ فِي الطَّهُورِ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ بِأَنْ يَغْسِلَ يَدَهُ الْيُمْنَى قَبْلَ الْيُسْرَى، وَكَذَا فِي الرِّجْلَيْنِ وَفِي الْغُسْلِ عَلَى شِقِّهِ الْأَيْمَنِ قَبْلَ الْأَيْسَرِ، وَفِي مَعْنَاهُ السِّوَاكُ وَالْأَكْلُ وَالشُّرْبُ وَالْمُصَافَحَةُ وَالْأَخْذُ وَالْعَطَاءُ وَدُخُولُ الْمَسْجِدِ، وَمِنْهُ رِعَايَةُ مَنْ عَلَى يَمِينِهِ فِي الْمُنَاوَلَةِ وَنَحْوِهَا (وَتَرَجُّلِهِ): أَيِ: امْتِشَاطِهِ الشَّعْرَ مِنَ اللِّحْيَةِ وَالرَّأْسِ، وَمِثْلُهُ قَصُّ الشَّارِبِ وَحَلْقُ الرَّأْسِ وَالْعَانَةِ وَنَتْفُ الْإِبِطِ وَتَقْلِيمُ الظُّفُرِ كَذَا قَالَهُ ابْنُ حَجَرٍ. وَالْأَظْهَرُ إِدْخَالُهَا فِي الطَّهُورِ فَإِنَّهَا مِنْ بَابِ تَطْهِيرِ الْبَدَنِ كَمَا لَا يَخْفَى (وَتَنَعُّلِهِ): أَيْ: لُبْسِ نَعْلِهِ، مِثْلُهُ لُبْسُ الْخُفِّ وَالثَّوْبِ وَالسَّرَاوِيلِ وَنَحْوِهَا. وَمَفْهُومُ الْحَدِيثِ أَنَّهُ يُحِبُّ التَّيَاسُرَ فِي شَأْنِهِ كُلِّهِ الَّذِي هُوَ مِنْ غَيْرِ التَّكْرِيمِ وَمَرَّ التَّصْرِيحُ بِذَلِكَ فِي رِوَايَةٍ، وَمِنْهُ دُخُولُ الْخَلَاءِ وَالسُّوقِ وَمَحَلِّ الْمَعْصِيَةِ وَالْخُرُوجُ مِنَ الْمَسْجِدِ وَالِامْتِخَاطُ وَالْبُصَاقُ وَالِاسْتِنْجَاءُ وَخَلْعُ الثَّوْبِ وَالنَّعْلِ وَنَحْوِهَا. وَفِي الْحَقِيقَةِ يَرْجِعُ هَذَا كُلُّهُ إِلَى تَكْرِيمِ الْيَمِينِ، فَفِي تَقْدِيمِ الْيَسَارِ فِي الْخُرُوجِ مِنَ الْمَسْجِدِ إِبْقَاءٌ لِلْيَمِينِ فِي الْمَوْضِعِ الْأَشْرَفِ تِلْكَ السُّوَيْعَةَ، وَكَذَا فِي تَقْدِيمِ الْيَسَارِ حِينَ الدُّخُولِ فِي الْخَلَاءِ، وَعَلَى هَذَا الْقِيَاسِ قَالَ الطِّيبِيُّ: وَقَوْلُهُ: فِي طَهُورِهِ إِلَخْ بَدَلٌ مِنْ قَوْلِهِ فِي شَأْنِهِ بِإِعَادَةِ الْعَامِلِ، وَلَعَلَّهُ ﵊ إِنَّمَا بَدَأَ فِيهَا بِذِكْرِ الطَّهُورِ لِأَنَّهُ مِفْتَاحٌ لِأَبْوَابِ الطَّاعَاتِ كُلِّهَا، فَبِذِكْرِهِ يُسْتَغْنَى عَنْهَا كَمَا سَبَقَ فِي قَوْلِهِ: «الطَّهُورُ شَطْرُ الْإِيمَانِ»، وَثَنَّى بِذِكْرِ التَّرَجُّلِ وَهُوَ يَتَعَلَّقُ بِالرَّأْسِ، وَثَلَّثَ بِالتَّنَعُّلِ وَهُوَ مُخْتَصٌّ بِالرِّجْلِ لِيَشْمَلَ جَمِيعَ الْأَعْضَاءِ وَالْجَوَارِحِ، فَيَكُونُ كَبَدَلِ الْكُلِّ مِنَ الْكُلِّ اهـ. قَالَ مِيرَكُ: وَفِي بَعْضِ أَلْفَاظِهِ تَأَمُّلٌ اهـ. وَالَّذِي يُظْهِرُ أَنَّ مَحَلَّ التَّأَمُّلِ إِنَّمَا هُوَ قَوْلُهُ: لَعَلَّهُ ﵊ إِنَّمَا بَدَأَ فَإِنَّهُ مُوهِمٌ أَنَّهُ مِنْ كَلَامِهِ ﵊، وَالْحَالُ أَنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ أَصْلُ الْكَلَامِ وَالْأَبْدَالِ جَمِيعًا مِنْ قَوْلِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) . قَالَ مِيرَكُ: لَكِنْ فِي مُسْلِمٍ بِغَيْرِ هَذَا اللَّفْظِ.
[ ١ / ٤٠٨ ]
الْفَصْلُ الثَّانِي
٤٠١ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " «إِذَا لَبِسْتُمْ وَإِذَا تَوَضَّأْتُمْ، فَابْدَءُوا بِأَيَامِنِكُمْ» " رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ.
_________________
(١) الْفَصْلُ الثَّانِي
(٢) (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ: " إِذَا لَبِسْتُمْ " أَيْ: قَمِيصًا أَوْ سَرَاوِيلَ أَوْ نَعْلًا أَوْ خُفًّا وَنَحْوَهَا " وَإِذَا تَوَضَّأْتُمْ ": أَيْ: تَطَهَّرْتُمْ بِالْوُضُوءِ أَوِ الْغُسْلِ أَوِ التَّيَمُّمِ " فَابْدَأُوا بِأَيَامِنِكُمْ: جَعَلَ الْأَيْمَنَ وَهُوَ بِمَعْنَى الْيَمِينِ. قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: الرِّوَايَةُ الْمُعْتَدُّ بِهَا بِمَيَامِنِكُمْ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ اللَّفْظَيْنِ فِي الْعَرَبِيَّةِ فَإِنَّ الْأَيْمَنَ وَالْمَيْمَنَةَ خِلَافُ الْأَيْسَرِ وَالْمَيْسَرَةِ غَيْرَ أَنَّ الْحَدِيثَ تَفَرَّدَ أَبُو دَاوُدَ بِإِخْرَاجِهِ فِي كِتَابِهِ، وَلَفْظُهُ: بِمَيَامِنِكُمْ. قَالَ الطِّيبِيُّ: قَالَ الْمُؤَلِّفُ - أَيْ: صَاحِبُ الْمِشْكَاةِ -: كَذَا وَجَدْتُ فِي كِتَابِ أَبِي دَاوُدَ فِي بَابِ النِّعَالِ. وَقَالَ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ، وَفِي شَرْحِ مُسْلِمٍ لِلنَّوَوِيِّ: كَمَا فِي الْمَصَابِيحِ. وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ أَيْضًا بِرِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ، فَلَمْ يَتَفَرَّدْ بِهِ أَبُو دَاوُدَ (رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ): قَالَ مِيرَكُ: وَسَكَتَ عَلَيْهِ. وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ أَيْضًا لَكِنْ لَيْسَ فِي رِوَايَتِهِ: إِذَا لَبِسْتُمْ. قُلْتُ: وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ حِبَّانَ وَلَفْظُهُ: بِأَيَامِنِكُمْ. وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ: «إِذَا تَوَضَّأْتُمْ فَابْدَأُوا بِمَيَامِنِكُمْ» .
[ ٢ / ٤٠٩ ]
٤٠٢ - وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " «لَا وُضُوءَ لِمَنْ لَمْ يَذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ.
_________________
(١) (وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ): هُوَ قُرَشِيٌّ عَدَوِيٌّ مِنَ الْعَشَرَةِ الْمُبَشَّرَةِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: وَقَالَ الْمُصَنِّفُ: يُكَنَّى أَبَا الْأَعْوَرِ، أَسْلَمَ قَدِيمًا وَشَهِدَ الْمَشَاهِدَ كُلَّهَا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهَ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَيْرَ بَدْرٍ، فَإِنَّهُ كَانَ مَعَ طَلْحَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ يَطْلُبَانِ خَبَرَ عِيرِ قُرَيْشٍ، وَضَرَبَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِسَهْمٍ، وَكَانَتْ فَاطِمَةُ أُخْتُ عُمَرَ تَحْتَهُ، وَبِسَبَبِهَا كَانَ إِسْلَامُ عُمَرَ، مَاتَ بِالْبَقِيعِ سَنَةَ إِحْدَى وَخَمْسِينَ، وَلَهُ بِضْعٌ وَخَمْسُونَ سَنَةً، رَوَى عَنْهُ جَمَاعَةٌ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " لَا وُضُوءَ ": أَيْ: كَامِلًا " لِمَنْ لَمْ يَذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ " أَيْ: عَلَى وُضُوئِهِ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَيُفَسِّرُهُ الْحَدِيثُ الصَّحِيحُ: " «تَوَضَّأُوا بَاسِمِ اللَّهِ» " أَيْ: قَائِلِينَ ذَلِكَ. هَذَا وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ كَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ إِلَى وُجُوبِهِ عِنْدَ ابْتِدَاءِ الْوُضُوءِ تَمَسُّكًا بِظَاهِرِ الْحَدِيثِ. وَقِيلَ: إِنْ تَرَكَهُ فِي ابْتِدَائِهِ بَطَلَ وُضُوءُهُ، وَقِيلَ: إِنْ تَرَكَهُ عَامِدًا بَطَلَ وَإِنْ تَرَكَهُ سَاهِيًا لَا. وَقَالَ الْقَاضِي: هَذِهِ الصِّيغَةُ حَقِيقَةٌ فِي نَفْيِ الشَّيْءِ، وَيُطْلَقُ مَجَازًا عَلَى نَفْيِ الِاعْتِدَادِ بِهِ لِعَدَمِ صِحَّتِهِ، كَقَوْلِهِ ﵊: " «وَلَا صَلَاةَ إِلَّا بِطَهُورٍ» " وَعَلَى نَفْيِ كَمَالِهِ كَقَوْلِهِ ﵊: " «لَا صَلَاةَ لِجَارِ الْمَسْجِدِ إِلَّا فِي الْمَسْجِدِ» ". وَهَاهُنَا مَحْمُولَةٌ عَلَى نَفْيِ الْكَمَالِ خِلَافًا لِأَهْلِ الظَّاهِرِ، لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ وَابْنُ مَسْعُودٍ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ قَالَ: " «مَنْ تَوَضَّأَ وَذَكَرَ اسْمَ اللَّهِ كَانَ طَهُورًا لِجَمِيعِ بَدَنِهِ، وَمَنْ تَوَضَّأَ وَلَمْ يَذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ كَانَ طَهُورًا لِأَعْضَاءِ وُضُوئِهِ» ". وَالْمُرَادُ بِالطَّهَارَةِ الطَّهَارَةُ عَنِ الذُّنُوبِ ; لِأَنَّ الْحَدَثَ لَا يَتَجَزَّأُ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ) قَالَ مِيرَكُ: وَرِجَالُ التِّرْمِذِيِّ مُوَثَّقُونَ وَكَذَا رِجَالُ ابْنِ مَاجَهْ إِلَّا يَزِيدَ بْنَ عِيَاضٍ؛ فَإِنَّهُ قَالَ فِيهِ النَّسَائِيُّ: مَتْرُوكٌ.
[ ٢ / ٤٠٩ ]
٤٠٣ - وَرَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ.
_________________
(١) (وَرَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) .
[ ٢ / ٤٠٩ ]
٤٠٤ - وَالدَارِمِيُّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، وَزَادُوا فِي أَوَّلِهِ: «لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَا وُضُوءَ لَهُ» ".
_________________
(١) (وَالدَّارِمِيُّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، عَنْ أَبِيهِ): قَالَ الطِّيبِيُّ: الصَّوَابُ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَإِنَّهُ الرَّاوِي عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لَا أَبُوهُ: وَقَالَ السَّيِّدُ جَمَالُ الدِّينِ: قَوْلُهُ: عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ أَبِيهِ سَهْوٌ بِلَا شَكٍّ، فَإِنَّ فِي سُنَنِ الدَّارِمِيِّ فِي بَابِ التَّسْمِيَةِ عَلَى الْوُضُوءِ هَكَذَا أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو عَامِرٍ الْعَقَدِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا كَثِيرُ بْنُ زَيْدٍ، حَدَّثَنِي رُبَيْحُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " «لَا وُضُوءَ لِمَنْ لَمْ يَذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ» " قَالَهُ الشَّيْخُ عَفِيفٌ الْكَازَرُونِيُّ، فَعُلِمَ أَنَّ فِي عِبَارَةِ الْمُصَنِّفِ سَهْوَيْنِ: أَحَدُهُمَا فِي الْإِسْنَادِ، وَالثَّانِي أَنَّ زِيَادَةَ: " «لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَا وُضُوءَ لَهُ» " لَيْسَتْ لِلدَّارِمِيِّ، خِلَافَ مَا يُفْهَمُ مِنْ قَوْلِهِ وَزَادُوا فِي أَوَّلِهِ. تَأَمَّلْ. اهـ (وَزَادُوا): أَيْ: أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالدِّارِمِيُّ (فِي أَوَّلِهِ: " «لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَا وُضُوءَ لَهُ» ". قَالَ مِيرَكُ: فِي التَّرْغِيبِ: لِلْحَافِظِ عَبْدِ الْعَظِيمِ الْمُنْذِرِيِّ، عَنْ رَبَاحِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ بْنِ حُوَيْطِبٍ، عَنْ جَدَّتِهِ، عَنْ أَبِيهَا قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " «لَا وُضُوءَ لِمَنْ لَمْ يَذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ» " رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَاللَّفْظُ لَهُ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَالْبَيْهَقِيُّ. وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ يَعْنِي الْبُخَارِيَّ: أَحْسَنُ شَيْءٍ فِي هَذَا الْبَابِ حَدِيثُ رَبَاحِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ جَدَّتِهِ عَنْ أَبِيهَا. قَالَ التِّرْمِذِيُّ: وَأَبُوهَا سَعِيدُ بْنُ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ. قَالَ الْمُنْذِرِيُّ: وَفِي الْبَابِ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ لَا يَسْلَمُ شَيْءٌ مِنْهَا عَنْ مَقَالٍ، وَقَدْ ذَهَبَ الْحَسَنُ وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ إِلَى وُجُوبِ التَّسْمِيَةِ فِي الْوُضُوءِ، حَتَّى إِذَا تَعَمَّدَ تَرْكَهَا أَعَادَ الْوُضُوءَ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ، وَلَا شَكَّ أَنَّ الْأَحَادِيثَ الَّتِي وَرَدَتْ فِيهَا وَإِنْ كَانَ لَا يَسْلَمُ شَيْءٌ مِنْهَا عَنْ مَقَالٍ، فَإِنَّهَا تَتَعَاضَدُ لِكَثْرَةِ طُرُقِهَا وَتَكْتَسِبُ قُوَّةً، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
[ ٢ / ٤١٠ ]
٤٠٥ - وَعَنْ لَقِيطِ بْنِ صَبِرَةَ ﵁ قَالَ: «قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَخْبِرْنِي عَنِ الْوُضُوءِ. قَالَ: أَسْبِغِ الْوُضُوءَ، وَخَلِّلْ بَيْنَ الْأَصَابِعِ، وَبَالِغْ فِي الِاسْتِنْشَاقِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ صَائِمًا» " رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ، وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارِمِيُّ إِلَى قَوْلِهِ: بَيْنَ الْأَصَابِعِ.
_________________
(١) (وَعَنْ لَقِيطٍ): بِفَتْحِ اللَّامِ وَكَسْرِ الْقَافِ (ابْنِ صَبِرَةَ): بِفَتْحِ الصَّادِ وَكَسْرِ الْبَاءِ، وَيَجُوزُ سُكُونُ الْبَاءِ مَعَ فَتْحِ الصَّادِ وَكَسْرِهَا، كَذَا فِي التَّهْذِيبِ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: هُوَ لَقِيطُ بْنُ عَامِرِ بْنِ صَبِرَةَ، وَقِيلَ: هُوَ غَيْرُهُ وَلَيْسَ بِشَيْءٍ، عُقَيْلِيٌّ، صَحَابِيٌّ مَشْهُورٌ، عِدَادُهُ فِي أَهْلِ الطَّائِفِ. وَقَالَ الْمُصَنِّفُ: هُوَ لَقِيطُ بْنُ عَامِرِ بْنِ صَبِرَةَ، يُكَنَّى أَبَا رَزِينٍ، رَوَى عَنْهُ ابْنَهُ عَاصِمٌ وَابْنُ عُمَرَ وَغَيْرُهُمَا («قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَخْبِرْنِي عَنِ الْوُضُوءِ») أَيْ: كَمَالِهِ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: أَيِ الْوُضُوءِ الْكَامِلِ الزَّائِدِ عَلَى مَا عَرَفْنَاهُ، فَـ " أَلْ " فِيهِ لِلْكَمَالِ أَوْ لِلْعَهْدِ الذِّهْنِيِّ وَهُوَ مَا عُرِفَ وَاسْتَقَرَّ فِي الشَّرْعِ مَدْحُهُ وَالثَّنَاءُ عَلَى فَاعِلِهِ (قَالَ: " أَسْبِغِ الْوُضُوءَ ": بِضَمِّ الْوَاوِ أَيْ: أَتِمَّ فَرَائِضَهُ وَسُنَنَهُ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: اللَّامُ لِلْعَهْدِ وَهُوَ مَا اشْتُهِرَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَعُرِفَ عِنْدَهُمْ أَنَّ الْوُضُوءَ مَا هُوَ فَالِاسْتِخْبَارُ عِنْدَهُمْ عَنْ أَمْرٍ زَائِدٍ عَلَى مَا عَرَفَهُ، فَلِذَلِكَ قَالَ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " أَسْبِغِ الْوُضُوءَ " وَكَمَالُهُ اتِّصَالُ الْمَاءِ مِنْ فَوْقِ الْغُرَّةِ إِلَى تَحْتِ الْحَنَكِ طُولًا، وَمِنَ الْأُذُنِ إِلَى الْأُذُنِ عَرْضًا مَعَ الْمُبَالَغَةِ فِي الِاسْتِنْشَاقِ وَالْمَضْمَضَةِ، هَذَا فِي الْوَجْهِ، وَأَمَّا فِي الْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ فَإِيصَالُ الْمَاءِ إِلَى فَوْقِ الْمَرَافِقِ وَالْكَعْبَيْنِ مَعَ تَخْلِيلِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ أَصَابِعِ الْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ فَتَأَمَّلْ فِي بَلَاغَةِ هَذَا الْجَوَابِ الْمُوجَزِ: (وَخَلِّلْ بَيْنَ الْأَصَابِعِ) . أَيْ: أَصَابِعِ الْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: بِالتَّشْبِيكِ لِلْيَدَيْنِ، وَمَحَلُّ كَرَاهَتِهِ لِمَنْ هُوَ بِالْمَسْجِدِ يَنْتَظِرُ الصَّلَاةَ ; لِأَنَّهُ مِنْهُ عَبَثٌ، وَهُوَ لَا يَلِيقُ بِهِ اهـ. وَعِنْدَنَا: يُشَبِّكُ، لَكِنْ لَا عَلَى الطَّرِيقِ الْمَنْهِيِّ الَّذِي يُقَابِلُ الْكَفَّ بِالْكَفِّ، بَلْ بِأَنْ يَضَعَ بَطْنَ الْكَفِّ الْيُمْنَى عَلَى الْيُسْرَى وَيُدْخِلَ الْأَصَابِعَ بَعْضَهَا فِي بَعْضٍ، وَالْمُسْتَحَبُّ فِي تَخْلِيلِ أَصَابِعِ الرِّجْلَيْنِ أَنْ يَبْتَدِئَ مِنْ أَسْفَلِ خِنْصَرِ رِجْلِهِ الْيُمْنَى وَيَسْتَمِرَّ إِلَى خِنْصَرِ رِجْلِهِ الْيُسْرَى لِمَا فِيهِ مِنَ السُّهُولَةِ وَالْمُحَافَظَةِ عَلَى التَّيَامُنِ، وَيَكُونُ التَّخْلِيلُ بِخِنْصَرِ يَدِهِ الْيُسْرَى، وَأَصْلُ السُّنَّةِ يَحْصُلُ بِأَيِّ كَيْفِيَّةٍ كَانَتْ " «وَبَالِغْ فِي الِاسْتِنْشَاقِ» " بِإِيصَالِ الْمَاءِ إِلَى بَاطِنِ الْأَنْفِ " «إِلَّا أَنْ تَكُونَ صَائِمًا» " فَلَا تُبَالِغْ لِئَلَّا يَصِلَ إِلَى بَاطِنِهِ فَيَبْطُلَ الصَّوْمُ، وَكَذَا حُكْمُ الْمَضْمَضَةِ (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ): وَصَحَّحَهُ الْأَئِمَّةُ كَابْنِ خُزَيْمَةَ، وَابْنِ حِبَّانَ، وَالْحَاكِمِ. وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ صَحِيحٌ (وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارِمِيُّ إِلَى قَوْلِهِ: بَيْنَ الْأَصَابِعِ ": قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: فَالتَّخْلِيلُ سُنَّةٌ إِنْ وَصَلَ الْمَاءُ إِلَى أَثْنَائِهَا، وَإِنْ لَمْ يَصِلْ بِأَنْ كَانَتِ الْأَصَابِعُ مُنْضَمَّةً فَوَاجِبٌ.
[ ٢ / ٤١٠ ]
٤٠٦ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " «إِذَا تَوَضَّأْتَ فَخَلِّلْ بَيْنَ أَصَابِعِ يَدَيْكَ وَرِجْلَيْكَ» " رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ نَحْوَهُ. وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ.
_________________
(١) (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " «إِذَا تَوَضَّأْتَ فَخَلِّلْ أَصَابِعَ يَدَيْكَ وَرِجْلَيْكَ» ": أَيْ: إِذَا شَرَعْتَ فِي الْوُضُوءِ أَوْ إِذَا غَسَلْتَ أَعْضَاءَ الْوُضُوءِ فَخَلِّلْ أَصَابِعَ يَدَيْكَ بَعْدَ غَسْلِهِمَا وَأَصَابِعَ رِجْلَيْكَ بَعْدَ غَسْلِهِمَا، وَهَذَا هُوَ الْأَفْضَلُ، وَإِلَّا فَلَوْ أَخَّرَ تَخْلِيلَ أَصَابِعِ الْيَدَيْنِ إِلَى آخِرِ الْوُضُوءِ جَازَ كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ الْوَاوُ الَّتِي لِمُطْلَقِ الْجَمْعِ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ): بِهَذَا اللَّفْظِ (وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ نَحْوَهُ): بِمَعْنَاهُ (وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ) . قَالَ مِيرَكُ: وَفِي بَعْضِ نُسَخِ التِّرْمِذِيِّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ.
[ ٢ / ٤١١ ]
٤٠٧ - وَعَنِ الْمُسْتَوْرِدِ بْنِ شَدَّادٍ ﵁، «قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إِذَا تَوَضَّأَ يُدَلِّكُ أَصَابِعَ رِجْلَيْهِ بِخِنْصَرِهِ.» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ.
_________________
(١) (وَعَنِ الْمُسْتَوْرِدِ): بِضَمِّ الْمِيمِ وَسُكُونِ السِّينِ وَفَتْحِ التَّاءِ فَوْقَهَا نُقْطَتَانِ وَبِكَسْرِ الرَّاءِ وَبِالدَّالِّ الْمُهْمَلَةِ كَذَا فِي جَامِعِ الْأُصُولِ. قَالَ فِي التَّقْرِيبِ: لَهُ وَلِأَبِيهِ صُحْبَةٌ (ابْنِ شَدَّادٍ): قَالَ الطِّيبِيُّ: قُرَشِيٌّ مِنْ بَنِي مُحَارِبِ بْنِ فِهْرٍ، عِدَادُهُ فِي أَهْلِ الْكُوفَةِ، ثُمَّ سَكَنَ مِصْرَ وَيُعَدُّ فِيهِمْ، يُقَالُ: إِنَّهُ كَانَ غُلَامًا يَوْمَ قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إِلَّا أَنَّهُ سَمِعَ وَوَعَى عَنْهُ. زَادَ الْمُصَنِّفُ وَقَالَ: وَرَوَى عَنْهُ ﷺ وَرَوَى عَنْهُ جَمَاعَةٌ («قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إِذَا تَوَضَّأَ يُدَلِّكُ أَصَابِعَ رِجْلَيْهِ»): أَيْ: يُخَلِّلُ كَمَا فِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ فِي مُسْنَدِهِ (بِخِنْصَرِهِ): كَمَا تَقَدَّمَ. قَالَ الْأَبْهَرِيُّ: لِأَنَّهُ أَصْغَرُ وَالْخَدْمُ بِالصِّغَارِ أَلْيَقُ، وَالدُّخُولُ فِي الْخِلَالِ أَيْسَرُ. وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: إِنْ أَرَادَ الْمُسْتَوْرِدُ بِالدَّلْكِ التَّخْلِيلَ فَهُوَ حُجَّةٌ لِمَا مَرَّ مِنْ نَدْبِهِ بِالْخِنْصَرِ، وَخُصَّتِ الْيُسْرَى بِذَلِكَ لِأَنَّهَا أَلْيَقُ بِهِ، إِذْ لَا تَكْرِمَةَ فِي ذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ لِلرِّجْلَيْنِ، وَإِنْ أَرَادَ بِهِ إِمْرَارَ الْخِنْصَرِ فَهُوَ حُجَّةٌ لِنَدْبِ الدَّلْكِ فِي سَائِرِ الْأَعْضَاءِ وَهُوَ مَذْهَبُنَا، وَلِوُجُوبِهِ وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ. قُلْتُ: وَكَذَلِكَ يُسْتَحَبُّ فِي مَذْهَبِنَا الْخُرُوجُ مِنَ الْخِلَافِ فَإِنَّهُ احْتِيَاطٌ فِي الدِّينِ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ وَاللَّفْظُ لِأَبِي دَاوُدَ. قَالَ صَاحِبُ التَّخْرِيجِ: وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ ابْنِ لَهِيعَةَ. قَالَ الشَّيْخُ زَيْنُ الْعِرَاقِيُّ: لَمْ يَنْفَرِدْ بِهِ ابْنُ لَهِيعَةَ، بَلْ تَابَعَهُ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، وَعَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ الْقَطَّانِ، كَذَا نَقَلَهُ مِيرَكُ.
[ ٢ / ٤١١ ]
٤٠٨ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁، قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا تَوَضَّأَ أَخَذَ كَفًّا مِنْ مَاءٍ، فَأَدْخَلَهُ تَحْتَ حَنَكِهِ، فَخَلَّلَ بِهِ لِحْيَتَهُ، وَقَالَ: هَكَذَا أَمَرَ رَبِّي» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
_________________
(١) (وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا تَوَضَّأَ أَخَذَ كَفًّا مِنْ مَاءٍ»): ظَاهِرُهُ أَنَّهُ بَعْدَ فَرَاغِ الْوُضُوءِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ فِي أَثْنَائِهِ بَعْدَ غَسْلِ الْوَجْهِ، وَهُوَ الْأَوْجَهُ لِأَنَّهُ مِنْ مُكَمِّلَاتِهِ (فَأَدْخَلَهُ): أَيْ: بِيَمِينِهِ (تَحْتَ حَنَكِهِ): قَالَ الْأَبْهَرِيُّ: الْحَنَكُ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَالنُّونِ: بَاطِنُ الْفَمِ وَتَحْتَ الْحَنَكِ تَحْتَ الذَّقَنِ (فَخَلَّلَ بِهِ لِحْيَتَهُ): أَيْ: أَدْخَلَ كَفًّا مِنْ مَاءٍ تَحْتَ لِحْيَتِهِ مِنْ جِهَةِ حَلْقِهِ فَخَلَّلَ بِهِ لِحْيَتَهُ لِيَصِلَ الْمَاءُ إِلَيْهَا مِنْ كُلِّ جَانِبٍ، وَكَانَ عِنْدَ غَسْلِ الْوَجْهِ لِأَنَّهُ مِنْ تَمَامِهِ لَا بَعْدَ فَرَاغِهِ كَمَا تُوُهِّمَ. («وَقَالَ: " هَكَذَا أَمَرَنِي رَبِّي» ": أَيْ: بِالْوَحْيِ الْخَفِيِّ أَوْ بِوَاسِطَةِ جِبْرِيلَ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) وَسَكَتَ عَلَيْهِ، قَالَهُ مِيرَكُ.
[ ٢ / ٤١١ ]
٤٠٩ - وَعَنْ عُثْمَانَ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُخَلِّلُ لِحْيَتَهُ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالدَّارِمِيُّ.
٤٠٩ - (وَعَنْ عُثْمَانَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُخَلِّلُ لِحْيَتَهُ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، نَقَلَهُ مِيرَكُ عَنِ التَّخْرِيجِ (وَالدَّارِمِيُّ) .
[ ٢ / ٤١١ ]
٤١٠ - وَعَنْ أَبِي حَيَّةَ قَالَ: «رَأَيْتُ عَلِيًّا تَوَضَّأَ فَغَسَلَ كَفَّيْهِ حَتَّى أَنْقَاهُمَا، ثُمَّ مَضْمَضَ ثَلَاثًا وَاسْتَنْشَقَ ثَلَاثًا وَغَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا، وَذِرَاعَهُ ثَلَاثًا، وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ مَرَّةً، ثُمَّ غَسَلَ قَدَمَهُ إِلَى الْكَعْبَيْنِ، ثُمَّ قَامَ فَأَخَذَ فَضْلَ طَهُورِهِ فَشَرِبَهُ وَهُوَ قَائِمٌ، ثُمَّ قَالَ: أَحْبَبْتُ أَنْ أُرِيَكُمْ كَيْفَ كَانَ طَهُورُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ.
_________________
(١) (وَعَنْ أَبِي حَيَّةَ): بِالتَّحْتَانِيَّةِ قَالَهُ مِيرَكُ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: هُوَ عَمْرُو بْنُ نَصْرٍ الْهَمْدَانِيُّ، زَادَ الْمُصَنِّفُ: رَوَى عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ (قَالَ: رَأَيْتُ عَلِيًّا ﵁ تَوَضَّأَ فَغَسَلَ كَفَّيْهِ): أَيْ: شَرَعَ فِي الْوُضُوءِ أَوْ أَرَادَهُ، فَالْفَاءُ تَعْقِيبِيَّةٌ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّهَا لِتَفْصِيلِ مَا أُجْمِلَ فِي قَوْلِهِ: تَوَضَّأَ. وَالْمُرَادُ بِالْكَفَّيْنِ الْيَدَانِ إِلَى الرُّسْغَيْنِ (حَتَّى أَنْقَاهُمَا): أَيْ: أَزَالَ الْوَسَخَ عَنْهُمَا، وَالرِّوَايَاتُ الْأُخَرُ تَدُلُّ عَلَى التَّثْلِيثِ (ثُمَّ مَضْمَضَ ثَلَاثًا، وَاسْتَنْشَقَ ثَلَاثًا): ظَاهِرُهُ الْفَصْلُ الْمُطَابِقُ لِمَذْهَبِنَا («وَغَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا وَذِرَاعَيْهِ» " أَيْ: يَدَيْهِ مِنْ رُءُوسِ الْأَصَابِعِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ (ثَلَاثًا، وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ مَرَّةً): فِيهِ دَلِيلٌ لِعَدَمِ التَّثْلِيثِ الَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ، وَأَمَّا حَمْلُهُ عَلَى بَيَانِ الْجَوَازِ كَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ حَجَرٍ فَمَرْدُودٌ؛ لِأَنَّ عَلِيًّا لَيْسَ بِمُشَرِّعٍ، وَعَلَى تَقْدِيرِ تَسْلِيمِ أَنَّهُ يُرِيدُ الْإِعْلَامَ بِأَنَّهُ عِنْدَ الشَّارِعِ جَائِزٌ، فَكَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَتْرُكَ سَائِرَ السُّنَنِ، وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ وَخَفَّفَ فِي طَهَارَتِهِ دُونَ غَيْرِهِ لِأَنَّهُ مَسْتُورٌ غَالِبًا - فَمَدْفُوعٌ لِأَنَّ النَّجَاسَةَ الْحُكْمِيَّةَ لَا فَرْقَ فِي سَتْرِ أَعْضَائِهَا وَكَشْفِهَا، مَعَ أَنَّهُ يَرُدُّهُ غَسْلُ قَدَمَيْهِ مَرَّةً عَلَى ظَاهِرِهِ (ثُمَّ غَسَلَ قَدَمَيْهِ إِلَى الْكَعْبَيْنِ): أَيْ: مَعَهُمَا، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ غَسَلَهُمَا ثَلَاثًا، وَلَعَلَّ الرَّاوِيَ تَرَكَهُ لِظُهُورِهِ أَوْ لِلْمُقَايَسَةِ عَلَى غَيْرِهِ مِنْ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ الْمَغْسُولَةِ، إِذَا يُسْتَبْعَدُ أَنْ يُمَضْمِضَ وَيَسْتَنْشِقَ ثَلَاثًا، وَيَكْتَفِيَ فِي غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ بِمَرَّةٍ، وَلِذَا لَمْ يَقُلِ الرَّاوِي: مَرَّةً، وَيُمْكِنُ أَنَّهُ حَصَلَ لَهُ التَّرَدُّدُ أَوْ وَقَعَ الْحَذْفُ مِنْ بَعْضِ الرُّوَاةِ نِسْيَانًا أَوِ اخْتِصَارًا (ثُمَّ قَامَ): أَيْ: عَلِيٌّ (فَأَخَذَ فَضْلَ طَهُورِهِ) بِفَتْحِ الطَّاءِ لَا غَيْرَ، قَالَهُ الْكَازَرُونِيُّ أَيْ: بَقِيَّةَ مَائِهِ الَّذِي تَوَضَّأَ بِهِ (فَشَرِبَهُ وَهُوَ قَائِمٌ): الْجُمْلَةُ حَالٌ. قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: أَمَّا شُرْبُ فَضْلِهِ فَلِأَنَّهُ مَاءٌ أَدَّى بِهِ عِبَادَةً وَهِيَ الْوُضُوءُ، فَيَكُونُ فِيهِ بَرَكَةٌ فَيَحْسُنُ شُرْبُهُ قَائِمًا تَعْلِيمًا لِلْأُمَّةِ أَنَّ الشُّرْبَ قَائِمًا جَائِزٌ فِيهِ (ثُمَّ قَالَ): أَيْ: عَلِيٌّ («أَحْبَبْتُ أَنْ أُرِيَكُمْ كَيْفَ كَانَ طُهُورُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ») . قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: بِضَمِّ الطَّاءِ أَيْ وُضَوْءُهُ وَطَهَارَتِهِ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ بِالْفَتْحِ، وَالتَّقْدِيرُ اسْتِعْمَالُهُ أَوْ هُوَ بِمَعْنَى الضَّمِّ كَمَا تَقَدَّمَ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يُرِيدُ عَلَى أَنَّهُ كَانَ وُضُوءُهُ دَائِمًا عَلَى هَذَا التَّفْصِيلِ بَلْ مُرَادُهُ بَيَانُ الْهَيْئَةِ الْإِجْمَالِيَّةِ فِي الْأَفْعَالِ الْمَرْئِيَّةِ، فَلَا يُنَافِي مَا وَرَدَ عَنْهُ ﵊ فِي بَعْضِ الرَّاوِيَاتِ مِنِ اخْتِلَافِ الْمَرَّاتِ، أَوْ أُرِيدَ مَا اسْتَقَرَّ فِي الشَّرْعِ وُضُوءُهُ أَوْ مَا وَقَعَ مِنْهُ فِي أَوَاخِرِ عُمُرِهِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) وَقَالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ (وَالنَّسَائِيُّ): رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ أَيْضًا، قَالَهُ مِيرَكُ.
[ ٢ / ٤١٢ ]
٤١١ - وَعَنْ عَبْدِ خَيْرٍ، «قَالَ: نَحْنُ جُلُوسٌ نَنْظُرُ إِلَى عَلِيٍّ حِينَ تَوَضَّأَ فَأَدْخَلَ يَدَهُ الْيُمْنَى فَمَلَأَ فَمَهُ، فَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ وَنَثَرَ بِيَدِهِ الْيُسْرَى، فَعَلَ هَذَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ قَالَ: مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى طَهُورِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَهَذَا طَهُورُهُ» . رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ.
_________________
(١) (وَعَنْ عَبْدِ خَيْرٍ): ضِدُّ الشَّرِّ، كَذَا فِي الْجَامِعِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: هَمَدَانِيٌّ، أَدْرَكَ زَمَنَ النَّبِيِّ ﷺ إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يَلْقَهُ، وَهُوَ مِنْ كِبَارِ أَصْحَابِ عَلِيٍّ، ثِقَةٌ مَأْمُونٌ، سَكَنَ الْكُوفَةَ. وَيُقَالُ: أَتَى عَلَيْهِ مِائَةٌ وَعِشْرُونَ سَنَةً. وَقَالَ الْمُصَنِّفُ: يُكَنَّى أَبَا عُمَارَةَ وَهُوَ ابْنُ يَزِيدَ (قَالَ: نَحْنُ جُلُوسٌ): أَيْ: جَالِسُونَ (نَنْظُرُ إِلَى عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ حِينَ تَوَضَّأَ): لِنَأْخُذَ الْعِلْمَ مِنْ بَابِهِ (فَأَدْخَلَ يَدَهُ الْيُمْنَى): أَيْ: فِي الْإِنَاءِ فَأَخَذَ بِهَا الْمَاءَ (فَمَلَأَ فَمَهُ، فَمَضْمَضَ): أَيْ: حَرَّكَ الْمَاءَ فِي فِيهِ (وَاسْتَنْشَقَ): أَيْ: أَدْخَلَ الْمَاءَ فِي أَنْفِهِ بِيَدِهِ الْيُمْنَى (وَنَثَرَ): أَيْ: أَخْرَجَ الْمُخَاطَ وَالْأَذَى مِنْ أَنْفِهِ (بِيَدِهِ الْيُسْرَى فَعَلَ): أَيْ: عَلِيٌّ (هَذَا): أَيِ: الْمَذْكُورَ يَعْنِي كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا (ثَلَاثَ مَرَّاتٍ): عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ فِعْلِهِ الْمُبَيِّنِ هَذَا الْمُجْمَلِ، وَلَيْسَ فِيهِ مَعَ إِجْمَالِهِ دَلَالَةٌ عَلَى الْفَصْلِ أَوِ الْوَصْلِ، وَوَهِمَ ابْنُ حَجَرٍ وَقَالَ فِيهِ: إِنَّهُ يُسَنُّ الْوَصْلُ فِيهِمَا (ثُمَّ قَالَ): أَيْ: عَلِيٌّ (مَنْ سَرَّهُ): أَيْ: جَعَلَهُ مَسْرُورًا وَأَحَبَّ (أَنْ يَنْظُرَ إِلَى طَهُورِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ): بِضَمِّ الطَّاءِ وَتُفْتَحُ (فَهَذَا طَهُورُهُ): أَيْ: نَحْوُهُ (رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ): قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَالنَّسَائِيُّ، وَسَنَدَهُ حَسَنٌ.
[ ٢ / ٤١٢ ]
٤١٢ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ ﵁، «قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ مِنْ كَفٍّ وَاحِدَةٍ، فَعَلَ ذَلِكَ ثَلَاثًا» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ.
_________________
(١) (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ): قَالَ الطِّيبِيُّ: هُوَ زَيْدُ بْنُ عَبْدِ رَبِّهِ، شَهِدَ عَبْدُ اللَّهِ الْعَقَبَةَ وَبَدْرًا وَالْمَشَاهِدَ بَعْدَهَا، وَهُوَ الَّذِي أُرِيَ الْأَذَانَ فِي النَّوْمِ سَنَةَ إِحْدَى عَشْرَةَ مِنَ الْهِجْرَةِ بَعْدَ بِنَاءِ الْمَسْجِدِ، وَهُوَ أَنْصَارِيٌّ خَزْرَجِيٌّ. قَالَ الْمُؤَلِّفُ: وَلِأَبِيهِ صُحْبَةٌ («قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ مِنْ كَفٍّ وَاحِدَةٍ»): يَحْتَمِلُ احْتِمَالَيْنِ كَمَا تَقَدَّمَ (فَعَلَ ذَلِكَ): أَيِ: الْمَجْمُوعَ أَوْ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا (ثَلَاثًا): وَالْأَخِيرُ هُوَ الْأَنْسَبُ الْمُطَابِقُ لِلْأَكْثَرِ وَالْمُوَافِقُ لِلْأَكْمَلِ (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ) قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَأَصْلُهُ فِي الصَّحِيحِ. وَقَالَ السَّيِّدُ: الْحَدِيثُ بِهَذَا اللَّفْظِ تَقَدَّمَ فِي الصِّحَاحِ، فَلَا مَعْنَى لِإِعَادَتِهِ فِي حِسَانِ هَذَا الْبَابِ. قَالَ مِيرَكُ: ثُمَّ تَأَمَّلْتُ فَوَجَدْتُ لِإِيرَادِ صَاحِبِ الْمِشْكَاةِ هُنَا وَجْهًا وَهُوَ: أَنَّهُ أَرَادَ أَنْ يُنَبِّهَ عَلَى أَنَّ صَنِيعَ صَاحِبِ الْمَصَابِيحِ لَيْسَ بِصَحِيحٍ. تَأَمَّلْ. اهـ. قُلْتُ: تَأَمَّلْتُ فَعَجِبْتُ مِنَ السَّيِّدَيْنِ الْجَلِيلَيْنِ فِي هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ مِنَ الِاعْتِرَاضِ وَالْجَوَابِ عَلَى الشَّيْخَيْنِ الْمُؤَلِّفَيْنِ، فَإِنَّ الْحَدِيثَ الْأَوَّلَ الْوَارِدَ فِي الصَّحِيحِ لَيْسَ مِنْ إِيرَادِ صَاحِبِ الْمَصَابِيحِ، بَلْ أَوْرَدَهُ صَاحِبُ الْمِشْكَاةِ تَصْحِيحًا لِمَا فِي الْمَصَابِيحِ، وَأَمَّا الْحَدِيثُ الثَّانِي فَهُوَ مِنْ كَلَامِ مُحْيِي السُّنَّةِ فِي الْحِسَانِ، وَالصَّحَابِيُّ لِهَذَا الْحَدِيثِ غَيْرُ الصَّحَابِيِّ لِذَلِكَ، وَكَذَا الْمَخْرَجَانِ مُخْتَلِفَانِ فَلَا إِعَادَةَ وَلَا اعْتِرَاضَ لِيُحْتَاجَ إِلَى الْجَوَابِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
[ ٢ / ٤١٣ ]
٤١٣ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ («أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَسَحَ بِرَأْسِهِ، وَأُذُنَيْهِ: بَاطِنَهُمَا بِالسَّبَّاحَتَيْنِ، وَظَاهِرَهُمَا بِإِبْهَامَيْهِ» . رَوَاهُ النَّسَائِيُّ.
_________________
(١) (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: أَنَّ النَّبِيَّ مَسَحَ بِرَأْسِهِ وَأُذُنَيْهِ): ظَاهِرُهُ أَنَّهُ مَسَحَهُمَا بِمَاءِ رَأْسِهِ وَهُوَ يُوَافِقُ مَذْهَبَنَا (بَاطِنِهِمَا): بِالْجَرِّ عَلَى الْبَدَلِيَّةِ مِنْ لَفْظِ أُذُنَيْهِ، وَالنَّصْبُ بَدَلٌ مِنْ مَحَلِّهِ، وَالْمُرَادُ بِالْبَاطِنِ الْجَانِبُ الَّذِي فِيهِ الثُّقْبُ (بِالسَّبَّاحَتَيْنِ): يَعْنِي الْمُسَبِّحَتَيْنِ، سُمِّيَتَا بِذَلِكَ لِكَثْرَةِ التَّسْبِيحِ بِهِمَا غَالِبًا، وَهُمَا السَّبَّابَتَانِ، وَالسَّبَّاحَةُ وَالْمُسَبِّحَةُ مِنَ التَّسْمِيَاتِ الْإِسْلَامِيَّةِ كَرَاهَةً لِمَعْنَى السَّبَّابَةِ، وَهُوَ أَنَّ الْجَاهِلِيَّةَ كَانُوا يَسُبُّونَ النَّاسَ وَيُشِيرُونَ بِهَا إِلَيْهِمْ فَهِيَ مِنْ جُمْلَةِ الْأَسْمَاءِ الَّتِي غَيَّرَهَا ﵊ (وَظَاهِرِهِمَا): بِالْوَجْهَيْنِ وَهُوَ الطَّرَفُ الَّذِي يَلْتَصِقُ بِالرَّأْسِ (بِإِبْهَامَيْهِ): قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَالْأَوْلَى غَسْلُهُمَا مَعَ الْوَجْهِ وَمَسْحُهُمَا مَعَ الرَّأْسِ خُرُوجًا مِنَ الْخِلَافِ، وَفِيهِ أَنَّهُ لَمْ يُعْرَفْ فِي شَرْعٍ جَمْعُ عُضْوٍ وَاحِدٍ بِالْغَسْلِ وَالْمَسْحِ. وَأَيْضًا وُجُودُ الْمَسْحِ بَعْدَ الْغَسْلِ عَبَثٌ ظَاهِرٌ! نَعَمْ صَحَّ الْمَسْحُ وَالْغَسْلُ فِي الرِّجْلَيْنِ عَلَى مَا قَالَهُ بَعْضُ الظَّاهِرِيَّةِ، فَلَهُ وَجْهٌ وَجِيهٌ أَنْ قُدِّمَ الْمَسْحُ عَلَى الْغَسْلِ، فَإِنَّ الْغَسْلَ بَعْدَهُ يَقَعُ تَكْمِيلًا لَهُ مَعَ الْخُرُوجِ عَنِ الْخِلَافِ، وَلَمْ أُرِدْ خِلَافَ الشِّيعَةِ وَإِنَّمَا أُرِيدُ مَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِنْ أَنَّ الْفَرْضَ هُوَ الْمَسْحُ، وَمَا حُكِيَ عَنْ أَحْمَدَ وَالْأَوْزَاعِيِّ وَالثَّوْرِيِّ وَابْنِ جُبَيْرٍ مِنْ جَوَازِ مَسْحِ جَمِيعِ الْقَدَمَيْنِ، فَإِنَّ الْإِنْسَانَ مُخَيَّرٌ عِنْدَهُمْ بَيْنَ الْغَسْلِ وَالْمَسْحِ، ثُمَّ غَسْلُ الْأُذُنِ بِكَمَالِهِ مَذْهَبُ الزُّهْرِيِّ. وَقَالَ الشَّعْبِيُّ وَجَمَاعَةٌ: مَا أَقَبْلَ مِنْهُمَا يُغْسَلُ وَمَا أَدْبَرَ مِنْهُمَا مَعَ الرَّأْسِ، وَلَا يَجُوزُ الِاقْتِصَارُ بِالْمَسْحِ عَلَى الْأُذُنَيْنِ عِوَضًا عَنْ مَسْحِ الرَّأْسِ بِالْإِجْمَاعِ، ثُمَّ الْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهُ لَا يُكَرَّرُ مَسْحُ الْأُذُنِ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ، وَأَيْضًا الْغَسْلُ يَقُومُ مَقَامَ الْمَسْحِ فِي الْجُمْلَةِ بِخِلَافِ الْمَسْحِ، فَإِنَّهُ لَا يَقُومُ مَقَامَ الْغَسْلِ، فَإِنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ مَقْصُودَ الشَّارِعِ إِنَّمَا هُوَ الطِّهَارَةُ الْكَامِلَةُ، فَفَاعِلُ الْغَسْلِ قَامَ بِالْأَحْوَطِ، فَلَا يَحْتَاجُ إِلَى الْمَسْحِ بِخِلَافِ الْمَاسِحِ، وَلَعَلَّ عَدَمَ غَسْلِ الرَّأْسِ فِي الْوُضُوءِ لِدَفْعِ الْحَرَجِ، فَإِنَّ الْوُضُوءَ يُحْتَاجُ إِلَيْهِ كُلَّ يَوْمٍ بِخِلَافِ الْغَسْلِ، وَلِهَذَا كَثَافَةُ اللِّحْيَةِ فِي الْوُضُوءِ مَانِعَةٌ لِوُجُوبِ غَسْلِ مَا تَحْتَهَا بِخِلَافِ الْغَسْلِ. (رَوَاهُ النَّسَائِيُّ): قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَابْنُ مَاجَهْ، وَسَنَدُهُ حَسَنٌ.
[ ٢ / ٤١٣ ]
٤١٤ - وَعَنِ الرُّبَيِّعِ بِنْتِ مُعَوِّذِ ﵂، «أَنَّهَا رَأَتِ النَّبِيَّ ﷺ يَتَوَضَّأُ قَالَتْ: فَمَسَحَ رَأْسَهُ مَا أَقَبْلَ مِنْهُ وَمَا أَدْبَرَ، وَصُدْغَيْهِ وَأُذُنَيْهِ مَرَّةً وَاحِدَةً» .
وَفِي رِوَايَةٍ: «أَنَّهُ تَوَضَّأَ فَأَدْخَلَ أُصْبُعَيْهِ فِي جُحْرَيْ أُذُنَيْهِ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ الرِّوَايَةَ الْأُولَى، وَأَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ الثَّانِيَةَ.
_________________
(١) (وَعَنِ الرُّبَيِّعِ): بِالتَّصْغِيرِ وَالتَّثْقِيلِ كَذَا فِي التَّقْرِيبِ، أَنْصَارِيَّةٌ نَجَّارِيَّةٌ مِنَ الْمُبَايِعَاتِ تَحْتَ الشَّجَرَةِ قَالَهُ الطِّيبِيُّ، وَقَالَ الْمُصَنِّفُ: لَهَا قَدْرٌ عَظِيمٌ، حَدِيثُهَا عِنْدَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَأَهْلِ الْبَصْرَةِ، وَالرُّبَيِّعُ بِضَمِّ الرَّاءِ وَفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَتَشْدِيدِ التَّحْتِيَّةِ الْمَكْسُورَةِ (بِنْتِ مُعَوِّذٍ): اسْمُ فَاعِلٍ مِنَ التَّعْوِيذِ كَذَا فِي الْجَامِعِ: ابْنُ عَفْرَاءَ («أَنَّهَا رَأَتِ النَّبِيَّ ﷺ يَتَوَضَّأُ. فَقَالَتْ: فَمَسَحَ رَأْسَهُ مَا أَقَبْلَ مِنْهُ»): مَا مَوْصُولَةٌ (وَمَا أَدْبَرَ): عَطْفٌ عَلَيْهِ، وَهُمَا بَدَلٌ مِنْ رَأْسِهِ (وَصُدْغَيْهِ وَأُذُنَيْهِ): مَعْطُوفٌ عَلَى رَأْسِهِ عَطْفَ خَاصٍّ عَلَى عَامٍّ؛ أَيْ: أَنَّهُمَا مَسَحَهُمَا بِمَاءِ الرَّأْسِ كَمَا هُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ. وَالصُّدْغُ مَا بَيْنَ الْأُذُنَيْنِ وَالْعَيْنِ، وَيُسَمَّى الشَّعَرُ الْمُتَدَلِّي عَلَيْهِ صُدْغًا، كَذَا ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ، وَفِي الْقَامُوسِ، قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: هُوَ الشَّعَرُ الَّذِي بَيْنَ الْأُذُنِ وَبَيْنَ النَّاصِيَةِ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ مِنْ جَانِبَيِ الرَّأْسِ، وَهُوَ الْأَنْسَبُ بِالْمَذْهَبِ، وَفِي شَرْحِ الْأَبْهَرِيِّ قَالَ صَاحِبُ الْبَحْرِ: الصُّدْغُ الشَّعَرُ الْمُحَاذِي لِرَأْسِ الْأُذُنِ وَمَا نَزَلَ إِلَى الْعِذَارِ. وَفِي الْعَزِيزِ: وَمِمَّا يَخْرُجُ مِنْ حَدِّ الْوَجْهِ الصُّدْغَانِ وَهُمَا جَانِبَا الْأُذُنِ يَتَّصِلَانِ بِالْعِذَارَيْنِ مِنْ فَوْقٍ اهـ. (مَرَّةً وَاحِدَةً): فِي شَرْحِ السُّنَّةِ: اخْتَلَفُوا فِي تَكْرَارِ الْمَسْحِ هَلْ هُوَ سُنَّةٌ أَمْ لَا؟ فَالْأَكْثَرُ عَلَى أَنَّهُ يَمْسَحُ مَرَّةً وَاحِدَةً، وَمِنْهُمُ الْأَئِمَّةُ الثَّلَاثَةُ، وَالْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ أَنَّ الْمَسْحَ بِثَلَاثٍ سُنَّةٌ بِثَلَاثِ مِيَاهٍ جُدُدٍ. (وَفِي رِوَايَةٍ: أَنَّهُ تَوَضَّأَ فَأَدْخَلَ أُصْبُعَيْهِ): أَيْ: عِنْدَ مَسْحِ الرَّأْسِ (فِي جُحْرَيِ أُذُنَيْهِ) بِتَقْدِيمِ الْجِيمِ الْمَضْمُومَةِ أَيْ: صِمَاخَيْهِمَا. قَالَ الرَّافِعِيُّ: تَقْدِيمُ الْيُمْنَى عَلَى الْيُسْرَى إِنَّمَا هُوَ فِي عُضْوَيْنِ يَعْسُرُ غَسْلُهُمَا دَفْعَةً وَاحِدَةً كَالْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ، أَمَّا الْآذَانُ فَلَا يُسْتَحَبُّ الْبَدَاءَةُ مِنْهُمَا بِالْيُمْنَى ; لِأَنَّ مَسْحَهُمَا مَعًا أَهْوَنُ، ذَكَرَهُ الْأَبْهَرِيُّ (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ): أَيِ: الرِّوَايَتَيْنِ كِلْتَيْهِمَا. (وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ الرِّوَايَةَ الْأُولَى، وَأَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ الثَّانِيَةَ.
[ ٢ / ٤١٤ ]
٤١٥ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ ﵄، «أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ ﷺ تَوَضَّأَ، وَأَنَّهُ مَسَحَ رَأْسَهُ بِمَاءٍ غَيْرِ فَضْلِ يَدَيْهِ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ مَعَ زَوَائِدَ.
_________________
(١) (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ، أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ ﷺ تَوَضَّأَ، وَأَنَّهُ): بِالْفَتْحِ عَطْفٌ عَلَى النَّبِيِّ أَوْ بِالْكَسْرِ حَالٌ مِنْ فَاعِلِ تَوَضَّأَ أَوْ مِنْ مَفْعُولِ رَأَى (مَسَحَ رَأْسَهُ بِمَاءٍ غَيْرِ فَضْلِ يَدَيْهِ) قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: أَيْ أَخَذَ لَهُ مَاءً جَدِيدًا، وَلَمْ يَقْتَصِرْ عَلَى الْبَلَلِ الَّذِي بِيَدَيْهِ. قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: وَفِيهِ حُجَّةٌ لِلشَّافِعِيِّ. قُلْتُ: وَفِيهِ أَنَّهُ عَمِلَ بِأَحَدِ الْجَائِزَيْنِ عِنْدَنَا، وَقَالَ بَعْضُ شُرَّاحِ الْمَصَابِيحِ: إِنَّ الرِّوَايَةَ بِمَاءٍ غَيْرِ مِنْ فَضْلِ يَدَيْهِ أَيْ بَقِيَ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ مَعَ زَوَائِدَ): قَالَ السَّيِّدُ جَمَالُ الدِّينٍ: فَكَانَ الْمُنَاسِبُ أَنْ يُورِدَهَا الشَّيْخُ فِي الصِّحَاحِ لَا فِي الْحِسَانِ. وَقَالَ: هَذَا الْحَدِيثُ مُخَرَّجٌ فِي كِتَابِ مُسْلِمٍ، وَالْمُؤَلِّفُ لَمْ يَشْعُرْ أَنَّهُ فِي كِتَابِ مُسْلِمٍ، وَنَقَلَهُ عَنْ كِتَابِ التِّرْمِذِيِّ فَجَعَلَهُ مِنَ الْحِسَانِ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: لَا أَنَّهُ حَسَنٌ لَكِنَّ هَذَا إِنَّمَا يُرَدُّ عَلَى الْبَغَوِيِّ بِخِلَافِ الْمُؤَلِّفِ ; لِأَنَّهُ يُبَيِّنُ الصَّحِيحَ مِنْ غَيْرِهِ فَلَا إِيهَامَ فِي كَلَامِهِ اهـ كَلَامُهُ. وَقَدْ وَهِمَ أَنَّ مُرَادَ التُّورِبِشْتِيِّ بِالْمُؤَلِّفِ صَاحِبُ الْمِشْكَاةِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ ; فَإِنَّ مُرَادَهُ بِهِ صَاحِبُ الْمَصَابِيحِ الَّذِي شَرَحَ كِتَابَهُ التُّورِبِشْتِيُّ قَبْلَ أَنْ يُخْلَقَ صَاحِبُ الْمِشْكَاةِ. قِيلَ: لَا عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ بَلْ غَايَتُهُ أَنَّهُ تَرَكَ الْأَوْلَى كَذَا قَالَهُ الطِّيبِيُّ: يَعْنِي: كَانَ الْأَوْلَى أَنْ يَذْكُرَ حَدِيثَ مُسْلِمٍ فِي الصِّحَاحِ مَعَ زَوَائِدِهِ، ثُمَّ يَذْكُرَ حَدِيثَ التِّرْمِذِيِّ بِاقْتِصَارِهِ فِي الْحِسَانِ، بَلْ فِي الْحَقِيقَةِ لَا يَتِمُّ الِاعْتِرَاضُ عَلَيْهِ إِلَّا لَوْ ذَكَرَ الْحَدِيثَ مَعَ زَوَائِدِهِ فِي الْحِسَانِ، فَالْأَحْسَنُ أَنْ يُحْمَلَ تَرْكُهُ حَدِيثَ مُسْلِمٍ فِي الصِّحَاحِ عَلَى النِّسْيَانِ، وَلَا يُقَالَ فِي حَقِّهِ: تَرَكَ الْأَوْلَى كَمَا لَا يَخْفَى.
[ ٢ / ٤١٤ ]
٤١٦ - وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ ﵁، «ذَكَرَ وُضُوءَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، قَالَ: وَكَانَ يَمْسَحُ الْمَاقَيْنِ، وَقَالَ: الْأُذُنَانِ مِنَ الرَّأْسِ» . رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ. وَذَكَرَا: قَالَ حَمَّادٌ: لَا أَدْرِي: (الْأُذُنَانِ مِنَ الرَّأْسِ) مِنْ قَوْلِ أَبِي أُمَامَةَ أَمْ مِنْ قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ.
_________________
(١) (وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ): أَنْصَارِيٌّ خَزْرَجِيٌّ، كَذَا ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ. وَقَالَ الْمُصَنِّفُ: هُوَ سَعْدُ بْنُ حُنَيْفٍ الْأَنْصَارِيُّ الْأَوْسِيُّ مَشْهُورٌ بِكُنْيَتِهِ، وُلِدَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَبْلَ وَفَاتِهِ بِعَامَيْنِ، وَيُقَالُ: إِنَّهُ سَمَّاهُ بِاسْمِ جَدِّهِ لِأُمِّهِ سَعْدِ بْنِ زُرَارَةَ، وَكَنَّاهُ بِكُنْيَتِهِ، وَلَمْ يَسْمَعْ مِنْهُ شَيْئًا لِصِغَرِهِ، وَلِذَلِكَ ذَكَرَهُ بَعْضُهُمْ فِي الَّذِينَ بَعْدَ الصَّحَابَةِ، وَأَثْبَتَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي جُمْلَةِ الصَّحَابَةِ ثُمَّ قَالَ: وَهُوَ أَحَدُ الْجِلَّةِ مِنَ الْعُلَمَاءِ مِنْ كِبَارِ التَّابِعِينَ بِالْمَدِينَةِ، سَمِعَ أَبَاهُ وَأَبَا سَعِيدٍ وَغَيْرَهُمَا، رَوَى نَفَرٌ عَنْهُ، مَاتَ سَنَةَ مِائَةٍ وَلَهُ اثْنَتَانِ وَسَبْعُونَ سَنَةً اهـ. فَحَدِيثُهُ مِنْ مَرَاسِيلِ الصَّحَابَةِ وَهُوَ مَقْبُولٌ اتِّفَاقًا، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِأَبِي أُمَامَةَ هَنَا أَبَا أُمَامَةَ الْبَاهِلِيَّ، وَهُوَ مِنَ الْمُكْثِرِينَ فِي الرِّوَايَةِ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (ذَكَرَ وُضُوءَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ): بَعْدَ ذِكْرِهِ أَحْوَالًا مِنْ جُمْلَةِ وُضُوئِهِ (قَالَ): وَهُوَ بَدَلٌ مِنْ ذَكَرَ، قَالَ أَيْ: أَبُو أُمَامَةَ (وَكَانَ): أَيْ: رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (يَمْسَحُ الْمَاقَيْنِ): تَثْنِيَةُ مَأْقٍ بِالْفَتْحِ وَسُكُونِ الْهَمْزَةِ، وَيَجُوزُ تَخْفِيفُهَا أَيْ: يُدَلِّكُهُمَا. قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: الْمَاقُ طَرَفُ الْعَيْنِ الَّذِي يَلِي الْأَنْفَ قَالَهُ أَبُو عُبَيْدٍ الْهَرَوِيُّ: وَفِي كِتَابِ الْجَوْهَرِيِّ: الَّذِي يَلِي الْأَنْفَ وَالْأُذُنَ، وَاللُّغَةُ الْمَشْهُورَةُ مَوْقٌ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: وَإِنَّمَا مَسَحَهُمَا عَلَى الِاسْتِحْبَابِ مُبَالَغَةً فِي الْإِسْبَاغِ لِأَنَّ الْعَيْنَ قَلَّمَا تَخْلُو مِنْ قَذًى تَرْمِيهِ مِنْ كُحْلٍ وَغَيْرِهِ أَوْ رَمَصٍ، فَيَسِيلُ وَيَنْعَقِدُ عَلَى طَرْفِ الْعَيْنِ، وَمَسْحُ كِلَا الطَّرَفَيْنِ أَحْوَطُ ; لِأَنَّ الْعِلَّةَ مُشْتَرَكَةٌ. قُلْتُ: وَلَعَلَّ إِيرَادَ التَّثْنِيَةِ لِهَذِهِ النُّكْتَةِ. (وَقَالَ): يَحْتَمِلُ الْمَوْقُوفَ وَالْمَرْفُوعَ. (الْأُذُنَانِ مِنَ الرَّأْسِ): قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ فِي شَرْحِ الْمَصَابِيحِ: قَالَ أَيْ أَبُو أُمَامَةَ: وَقَالَ ﷺ: «الْأُذُنَانِ مِنَ الرَّأْسِ» . وَقِيلَ: هَذَا مِنْ قَوْلِ أَبِي أُمَامَةَ اهـ. (رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ) وَقَالَ: إِسْنَادُهُ لَيْسَ بِذَلِكَ الْقَائِمِ، وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: رَفْعُهُ وَهْمٌ، وَالصَّوَابُ أَنَّهُ مَوْقُوفٌ، قَالَهُ السَّيِّدُ جَمَالُ الدِّينِ نَقْلًا عَنِ التَّخْرِيجِ. (وَذَكَرَا): أَيْ: أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَلِذَا قَدَّمَ الْمُصَنِّفُ عَلَيْهِمَا ابْنَ مَاجَهْ مَعَ أَنَّهُ خِلَافُ الْعَادَةِ. (قَالَ حَمَّادٌ: لَا أَدْرَى " الْأُذُنَانِ مِنَ الرَّأْسِ " مِنْ قَوْلِ أَبِي أُمَامَةَ) أَيْ: مَوْقُوفًا (أَمْ مِنْ قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ): أَيْ: مَرْفُوعًا. قَالَ الطِّيبِيُّ: إِنَّمَا نَشَأَ تَرَدُّدُ حَمَّادٍ مِنِ احْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ، وَقَالَ عَطْفًا عَلَى كَانَ فَيَكُونُ مِنْ كَلَامِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيْ: كَانَ يَغْسِلُ وَيَمْسَحُ الْمَاقَيْنِ، وَلَمْ يُوَصِّلِ الْمَاءَ إِلَى الْأُذُنَيْنِ، وَقَالَ: هُمَا مِنَ الرَّأْسِ فَيُمْسَحَانِ بِمَسْحِهِ، وَاحْتِمَالُ أَنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلَى قَالَ أَيْ قِيلَ: فَكَانَ فَيَكُونُ مِنْ قَوْلِ أَبِي أُمَامَةَ أَيْ: قَالَ الرَّاوِي: ذَكَرَ أَبُو أُمَامَةَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ يَغْسِلُ الْوَجْهَ وَيَمْسَحُ الْمَاقَيْنِ وَقَالَ: إِنَّهُمَا مِنَ الرَّأْسِ اهـ. وَأَنْتَ خَبِيرٌ بِأَنَّ مِثْلَ هَذَا لَا يُقَالُ مِنْ قِبَلِ الرَّأْيِ، فَمَوْقُوفُهُ فِي حُكْمِ الْمَرْفُوعِ أَيْضًا. وَفِي شَرْحِ السُّنَّةِ اخْتُلِفَ فِي أَنَّهُ هَلْ يُؤْخَذُ لِلْأُذُنَيْنِ مَاءٌ جَدِيدٌ، قَالَ الشَّافِعِيُّ: هُمَا عُضْوَانِ عَلَى حِيَالِهِمَا يُمْسَحَانِ ثَلَاثًا بِثَلَاثَةِ مِيَاهٍ جُدُدٍ. وَذَهَبَ أَكْثَرُهُمْ إِلَى أَنَّهُمَا مِنَ الرَّأْسِ يُمْسَحَانِ مَعَهُ أَيْ: بِمَاءٍ وَاحِدٍ، وَبِهِ أَخَذَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ وَأَحْمَدُ، كَذَا قَيَّدَهُ ابْنُ الْمَلَكِ. وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: هُمَا مِنَ الْوَجْهِ يُمْسَحَانِ مَعَهُ. وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: ظَاهِرُهُمَا مِنَ الرَّأْسِ وَبَاطِنُهُمَا مِنَ الْوَجْهِ. وَقَالَ حَمَّادٌ: يَغْسِلُ ظَاهِرَهُمَا وَبَاطِنَهُمَا. وَقَالَ إِسْحَاقُ: الِاخْتِيَارُ أَنْ يَمْسَحَ مُقَدَّمَهُمَا مَعَ الْوَجْهِ وَمُؤَخَّرَهُمَا مَعَ الرَّأْسِ.
[ ٢ / ٤١٥ ]
٤١٧ - وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ ﵁، قَالَ: «جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ يَسْأَلُهُ عَنِ الْوُضُوءِ ; فَأَرَاهُ ثَلَاثًا ثَلَاثًا. ثُمَّ قَالَ: " هَكَذَا الْوُضُوءُ، فَمَنْ زَادَ عَلَى هَذَا فَقَدْ أَسَاءَ وَتَعَدَّى وَظَلَمَ» ". رَوَاهُ النَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ مَعْنَاهُ.
_________________
(١) (وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ): أَيْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، وَتَقَدَّمَ مَا فِيهِ مِنَ الْكَلَامِ. (قَالَ: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهَ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْأَلُهُ: حَالٌ مِنْ فَاعِلِ جَاءَ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ وَالْأَبْهَرِيُّ، وَأَغْرَبَ ابْنُ حَجَرٍ وَقَالَ: إِنَّهُ صِفَةٌ لِلْأَعْرَابِيِّ (عَنِ الْوُضُوءِ) أَيْ: كَيْفِيَّتِهِ (فَأَرَاهُ): أَيْ: بِالْفِعْلِ ; لِأَنَّهُ أَبْلَغُ مِنَ الْقَوْلِ لِقُرْبِ الْأَوَّلِ مِنَ الضَّبْطِ وَتَأَثُّرِهِ فِي الْقَلْبِ، وَلِمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ: " «لَيْسَ الْخَبَرُ كَالْمُعَايَنَةِ» " وَفِي الْكَلَامِ حَذْفٌ، أَيْ: فَأَرَادَ أَنْ يُرِيَهُ مَا سَأَلَهُ، فَتَوَضَّأَ وَغَسَلَ الْأَعْضَاءَ ثَلَاثًا ثَلَاثًا، ثُمَّ قَالَ: " هَكَذَا الْوُضُوءُ " أَيِ: الْكَامِلُ " فَمَنْ زَادَ عَلَى
[ ٢ / ٤١٥ ]
هَذَا " فَقَدْ أَسَاءَ " أَيْ: بِتَرْكِ السُّنَّةِ " وَتَعَدَّى ": أَيْ: حَدَّهَا بِالزِّيَادَةِ وَظَلَمَ: أَيْ: عَلَى نَفْسِهِ بِمُخَالَفَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَوْ لِأَنَّهُ أَتْعَبَ نَفْسَهُ فِيمَا زَادَ عَلَى الثَّلَاثَةِ مِنْ غَيْرِ حُصُولِ ثَوَابٍ لَهُ، أَوْ لِأَنَّهُ أَتْلَفَ الْمَاءَ بِلَا فَائِدَةٍ. قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: وَإِنَّمَا ذَمَّهُ بِهَذِهِ الْكَلِمَاتِ الثَّلَاثِ - إِظْهَارًا لِشِدَّةِ النَّكِيرِ عَلَيْهِ، وَزَجْرًا لَهُ عَنْ ذَلِكَ. قَالَ الْإِمَامُ حَافِظُ الدِّينِ النَّسَفِيُّ: هَذَا إِذَا زَادَ مُعْتَقِدًا أَنَّ السُّنَّةَ هَذَا، فَأَمَّا لَوْ زَادَ لِطُمَأْنِينَةِ الْقَلْبِ عِنْدَ الشَّكِّ أَوْ نِيَّةِ وُضُوءٍ آخَرَ فَلَا بَأْسَ ; لِأَنَّهُ ﵊ أَمَرَ بِتَرْكِ مَا يَرِيبُهُ إِلَى مَا لَا يَرِيبُهُ اهـ.
قُلْتُ: أَمَّا قَوْلُهُ: (لِطُمَأْنِينَةِ الْقَلْبِ عِنْدَ الشَّكِّ) فَفِيهِ أَنَّ الشَّكَّ بَعْدَ التَّثْلِيثِ لَا وَجْهَ لَهُ، وَإِنْ وَقَعَ بَعْدَهُ فَلَا نِهَايَةَ لَهُ وَهُوَ الْوَسْوَسَةُ، وَلِهَذَا أَخَذَ ابْنُ الْمُبَارَكِ بِظَاهِرِهِ فَقَالَ: لَا آمَنُ إِذَا زَادَ عَلَى الثَّلَاثِ أَنْ يَأْثَمَ. وَقَالَ أَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ: لَا يَزِيدُ عَلَيْهَا إِلَّا مُبْتَلًى أَيْ بِالْجُنُونِ لِمَظِنَّةِ أَنَّهُ بِالزِّيَادَةِ يَحْتَاطُ لِدِينِهِ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَلَقَدْ شَاهَدْنَا مِنَ الْمُوَسْوَسِينَ مَنْ يَغْسِلُ يَدَهُ فَوْقَ الْمِئِينَ، وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ يَعْتَقِدُ أَنَّ حَدَثَهُ هُوَ الْيَقِينُ وَأَمَّا قَوْلُهُ: أَوْ بِنِيَّةِ وُضُوءٍ آخَرَ فَفِيهِ أَنَّ قَبْلَ الْإِتْيَانِ بِعِبَادَةٍ بَعْدَ الْوُضُوءِ لَا يُسْتَحَبُّ لَهُ التَّجْدِيدُ، مَعَ أَنَّهُ لَا يُتَصَوَّرُ التَّجَدُّدُ إِلَّا بَعْدَ تَمَامِ الْوُضُوءِ لَا فِي الْأَثْنَاءِ. وَأَمَّا قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ أُمِرَ بِتَرْكِ مَا يَرِيبُهُ إِلَخْ. فَفِيهِ أَنَّ غَسْلَ الْمَرَّةِ الْأُخْرَى مِمَّا يَرِيبُهُ، فَيَنْبَغِي تَرْكُهُ إِلَى مَا لَا يَرِيبُهُ، وَهُوَ مَا عَيَّنَهُ الشَّارِعُ لِيَتَخَلَّصَ عَنِ الرِّيبَةِ وَالْوَسْوَسَةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقِيلَ: أَسَاءَ الْأَدَبَ بِالتَّسَاهُلِ فِي الْمُبَالَغَةِ فَإِنَّ الِازْدِيَادَ اسْتِنْقَاصٌ لِمَا اسْتَكْمَلَهُ الشَّرْعُ وَتَعَدٍّ عَمَّا حَدَّ لَهُ وَعَمَّا جَعَلَ غَايَةَ التَّكْمِيلِ وَظَلَمَ بِإِتْلَافِ الْمَاءِ وَوَضْعِهِ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ. قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: لَا آمَنُ إِذَا زَادَ عَلَى الثَّلَاثِ أَنْ يَأْثَمَ.
وَقَالَ أَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ: لَا يَزِيدُ عَلَى ثَلَاثٍ إِلَّا رَجُلٌ مُبْتَلًى - أَيْ: بِوَسْوَسَةٍ - أَوْ جُنُونٍ (رَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ) أَيْ: بِهَذَا اللَّفْظِ (وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ مَعْنَاهُ): قَالَ مِيرَكُ نَقْلًا عَنِ التَّخْرِيجِ بِأَطْوَلَ مِنْ هَذَا وَسَكَتَ عَلَيْهِ.
[ ٢ / ٤١٦ ]
٤١٨ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُغَفَّلِ ﵁، أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَهُ يَقُولُ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْقَصْرَ الْأَبْيَضَ عَنْ يَمِينِ الْجَنَّةِ. قَالَ: أَيْ بُنَيَّ سَلِ اللَّهَ الْجَنَّةَ وَتَعَوَّذْ بِهِ مِنَ النَّارِ، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: إِنَّهُ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ قَوْمٌ يَعْتَدُونَ فِي الطَّهُورِ وَالدُّعَاءِ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ.
_________________
(١) (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُغَفَّلِ): بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَتَشْدِيدِ الْفَاءِ الْمَفْتُوحَةِ. قَالَ الْكَازَرُونِيُّ: تَارَةً يَرْوُونَهُ بِالْعَيْنِ وَالْقَافِ وَتَارَةً بِدُونِ الْأَلِفِ وَاللَّامِ، وَتَارَةً يَرْوُونَهُ بِالْفَاءِ ظَنًّا مِنْهُمْ أَنَّ لَامَ التَّعْرِيفِ فَارِقٌ بَيْنَ مَا هُوَ بِالْفَاءِ وَبَيْنَ غَيْرِهِ، وَكُلُّ مَا فِي الْمَصَابِيحِ مِنْ هَذَا الرَّسْمِ فَهُوَ الْمُعْجَمَةُ بِالْغَيْنِ وَالْفَاءِ الْمُشَدَّدَةِ، وَأَمَّا بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَالْقَافِ فَغَيْرُ مَوْجُودٍ فِي الصَّحَابَةِ فَهُوَ مِنَ التَّابِعَيْنِ اهـ. وَقَدْ تَقَدَّمَ تَرْجَمَتُهُ، وَأَنَّ الْعَسْقَلَانِيَّ قَالَ: وَلِأَبِيهِ صُحْبَةٌ. (أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَهُ يَقُولُ: («اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْقَصْرَ الْأَبْيَضَ عَنْ يَمِينِ الْجَنَّةِ» . قَالَ:) أَيْ: عَبْدُ اللَّهِ لِابْنِهِ (أَيْ): بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ الْيَاءِ حَرْفُ نِدَاءٍ يُنَادِي الْقَرِيبَ. (بُنَيَّ) تَصْغِيرٌ لِلِابْنِ مُضَافًا إِلَى يَاءِ الْمُتَكَلِّمِ مَفْتُوحَةً وَمَكْسُورَةً (سَلِ اللَّهَ الْجَنَّةَ): أَمْرٌ مَنْ سَأَلَ يَسْأَلُ بِالْأَلْفِ أَوْ مِنَ الْمَهْمُوزِ لَكِنْ بِالنَّقْلِ (وَتَعَوَّذْ بِهِ مِنَ النَّارِ): قِيلَ فِيهِ إِرْشَادٌ إِلَى اسْتِدْعَاءِ الْخَتْمِ بِالْخَيْرِ وَالْإِيمَانِ، وَهُوَ غَايَةُ مُنْتَهَى الْخَائِفِينَ (فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ " إِنَّهُ " أَيِ: الشَّأْنُ (سَيَكُونُ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ قَوْمٌ يَعْتَدُونَ " بِتَخْفِيفِ الدَّالِّ: يَتَجَاوَزُونَ عَنِ الْحَدِّ الشَّرْعِيِّ " فِي الطَّهُورِ: بِالضَّمِّ وَيَفْتَحُ " وَالدُّعَاءِ " وَقَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: أَنْكَرَ الصَّحَابِيُّ عَلَى ابْنِهِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ حَيْثُ طَمَحَ إِلَى مَا لَمْ يَبْلُغْهُ عَمَلًا وَسَأَلَ مَنَازِلَ الْأَنْبِيَاءِ وَالْأَوْلِيَاءِ، وَجَعَلَهَا مِنَ الِاعْتِدَاءِ فِي الدُّعَاءِ لِمَا فِيهَا مِنَ التَّجَاوُزِ عَنْ حَدِّ الْأَدَبِ، وَنَظَرُ الدَّاعِي إِلَى نَفْسِهِ بِعَيْنِ الْكَمَالِ، وَقِيلَ: لِأَنَّهُ سَأَلَ شَيْئًا مُعَيَّنًا فَرُبَّمَا كَانَ مُقَدَّرًا لِغَيْرِهِ وَالِاعْتِدَاءُ فِي الدُّعَاءِ يَكُونُ مِنْ وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ، وَالْأَصْلُ فِيهِ أَنْ يَتَجَاوَزَ عَنْ مَوْقِفِ الِافْتِقَارِ إِلَى بِسَاطِ الِانْبِسَاطِ، وَيَمِيلَ إِلَى أَحَدِ طَرَفَيِ الْإِفْرَاطِ وَالتَّفْرِيطِ فِي خَاصَّةِ نَفْسِهِ، وَفِي غَيْرِهِ إِذَا دَعَا لَهُ أَوْ عَلَيْهِ، وَالِاعْتِدَاءُ فِي الطَّهُورِ اسْتِعْمَالُهُ فَوْقَ الْحَاجَةِ، وَالْمُبَالَغَةُ فِي تَحَرِّي طَهُورِيَّتِهِ حَتَّى يُفْضِيَ إِلَى
[ ٢ / ٤١٦ ]
الْوَسَاوِسِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: فَعَلَى هَذَا يَنْبَغِي أَنْ يُرْوَى الطَّهُورُ بِضَمِّ الطَّاءِ لِيَشْمَلَ التَّعَدِّي اسْتِعْمَالَ الْمَاءِ وَالزِّيَادَةَ عَلَى مَا حَدَّ لَهُ. قُلْتُ: الضَّمُّ غَيْرُ مُتَعَيِّنٍ ; لِأَنَّ الْفَتْحَ لُغَةٌ فِيهِ بَلِ الْفَتْحُ أَظْهَرُ فِي إِفَادَةِ هَذَا الْمَعْنَى، فَإِنَّ التَّقْدِيرَ حِينَئِذٍ اسْتِعْمَالُ مَا يُطَهَّرُ بِهِ (رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ): وَسَكَتَ عَلَيْهِ قَالَهُ مِيرَكُ (وَابْنُ مَاجَهْ): قَالَ مِيرَكُ: لَيْسَ فِي رِوَايَتِهِ لَفْظُ: فِي الطَّهُورِ. قُلْتُ: فَلَا يَكُونُ شَاهِدًا فِي بَابٍ فَكَانَ الْأَوْلَى لِلْمَصنِّفِ أَنْ لَا يَذْكُرَ ابْنَ مَاجَهْ.
[ ٢ / ٤١٧ ]
٤١٩ - وَعَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " «إِنَّ لِلْوُضُوءِ شَيْطَانًا يُقَالُ لَهُ: الْوَلَهَانُ، فَاتَّقُوا وَسْوَاسَ الْمَاءِ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ، وَلَيْسَ إِسْنَادُهُ بِالْقَوِيِّ عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ ; لِأَنَّا لَا نَعْلَمُ أَحَدًا أَسْنَدَهُ غَيْرَ خَارِجَةَ، وَهُوَ لَيْسَ بِالْقَوِيِّ عِنْدَ أَصْحَابِنَا.
_________________
(١) (وَعَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " إِنَّ لِلْوُضُوءِ " أَيْ: لِلْوَسْوَسَةِ فِيهِ " شَيْطَانًا ": خَاصًّا " يُقَالُ لَهُ: الْوَلَهَانُ: بِفَتْحَتَيْنِ مَصْدَرُ: وَلِهَ يَوْلَهُ وَلَهَانًا، وَهُوَ ذَهَابُ الْعَقْلِ وَالتَّحَيُّرُ مِنْ شَدَّةِ الْوَجْدِ وَغَايَةِ الْعِشْقِ، فَسُمِّيَ بِهِ شَيْطَانُ الْوُضُوءِ ; إِمَّا لِشِدَّةِ حِرْصِهِ عَلَى طَلَبِ الْوَسْوَسَةِ فِي الْوُضُوءِ، وَإِمَّا لِإِلْقَائِهِ النَّاسَ بِالْوَسْوَسَةِ فِي مَهْوَاةِ الْحَيْرَةِ حَتَّى يَرَى صَاحِبَهُ حَيْرَانَ ذَاهِبَ الْعَقْلِ لَا يَدْرِي كَيْفَ يَلْعَبُ بِهِ الشَّيْطَانُ، وَلَمْ يَعْلَمْ هَلْ وَصَلَ الْمَاءُ إِلَى الْعُضْوِ أَمْ لَا؟ وَكَمْ مَرَّةً غَسَلَهُ؟ فَهُوَ بِمَعْنَى اسْمِ الْفَاعِلِ، أَوْ بَاقٍ عَلَى مَصْدَرِيَّتِهِ لِلْمُبَالَغَةِ، كَرَجُلٍ عَدْلٍ. " فَاتَّقُوا: أَيِ: احْذَرُوا (وَسْوَاسَ الْمَاءِ) قَالَ الطِّيبِيُّ: أَيْ: وَسْوَاسَهُ، هَلْ وَصَلَ الْمَاءُ إِلَى أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ أَمْ لَا؟ وَهَلْ غُسِلَ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ؟ وَهَلْ طَاهِرٌ أَوْ نَجِسٌ أَوْ بَلَغَ قُلَّتَيْنِ أَوْ لَا؟ قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ وَتَبِعَهُ ابْنُ حَجَرٍ: أَيْ وَسْوَاسَ الْوَلَهَانِ، وُضِعَ الْمَاءُ مَوْضِعَ ضَمِيرٍ مُبَالِغَةً فِي كَمَالِ الْوَسْوَاسِ فِي شَأْنِ الْمَاءِ أَوْ لِشِدَّةِ مُلَازَمَتِهِ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ. وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ): أَيْ: إِسْنَادًا (وَلَيْسَ إِسْنَادُهُ بِالْقَوِيِّ عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ): أَيْ: وَلَوْ كَانَ رِجَالُ إِسْنَادِهِ عُدُولًا عِنْدَ الْفُقَهَاءِ لِأَنَّا لَا نَعْلَمُ أَحَدًا): عِلَّةٌ لِلْغَرَابَةِ (أَسْنَدَهُ): أَيْ رَفَعَهُ (غَيْرَ خَارِجَةَ): أَيْ: خَارِجَةَ بْنَ مُصْعَبِ بْنِ خَارِجَةَ. قَالَ الذَّهَبِيُّ فِي الْمِيزَانِ: وَهِنٌ جِدًّا. وَقَالَ فِي الْمُغْنِي: ضَعَّفَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَغَيْرُهُ. نَقْلُهُ مِيرَكُ (وَهُوَ) أَيْ: خَارِجَةُ لَيْسَ بِالْقَوِيِّ): وَفِي نُسْخَةٍ: لَيْسَ بِقَوِيٍّ (عِنْدَ أَصْحَابِنَا): أَيْ: أَهْلِ الْحَدِيثِ قَالَهُ الطِّيبِيُّ: وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: وَضَعَّفَهُ ابْنُ الْمُبَارَكِ، نَقَلَهُ السَّيِّدُ جَمَالُ الدِّينِ. وَقَالَ مِيرَكُ: قَالَ التِّرْمِذِيُّ: وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الْحَدِيثُ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ عَنِ الْحَسَنِ، وَلَا يَصِحُّ فِي هَذَا الْبَابِ حَدِيثٌ مَرْفُوعٌ.
[ ٢ / ٤١٧ ]
٤٢٠ - وَعَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ﵁، قَالَ: «رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إِذَا تَوَضَّأَ مَسَحَ وَجْهَهُ بِطَرَفِ ثَوْبِهِ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
_________________
(١) (وَعَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ قَالَ: «رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إِذَا تَوَضَّأَ مَسَحَ وَجْهَهُ»): أَيْ: نَشَّفَهُ بَعْدَ الْوُضُوءِ (بِطَرَفِ ثَوْبِهِ): أَيْ: رِدَائِهِ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: هَذَا إِنْ صَحَّ كَالَّذِي بَعْدَهُ فَمَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ لِعُذْرٍ أَوْ لِبَيَانِ الْجَوَازِ ; لِأَنَّ مَيْمُونَةَ أَتَتْهُ بَعْدَ وُضُوئِهِ بِمِنْدِيلٍ فَرَدَّهُ، وَجَعَلَ يَنْفُضُ الْمَاءَ بِيَدِهِ، وَلِذَا قَالَ أَصْحَابُنَا: يُسَنُّ لِلْمُتَوَضِّئِ وَالْمُغْتَسِلِ تَرْكُ التَّنْشِيفِ لِلِاتِّبَاعِ اهـ. وَفِي شَرْحِ الْكَنْزِ لِلزَّيْلَعِيِّ: لَا بَأْسَ بِالتَّمَسُّحِ بِالْمِنْدِيلِ بَعْدَ الْوُضُوءِ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُثْمَانَ وَأَنَسٍ وَالْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ، وَمَسْرُوقٍ. وَقَالَ فِي مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ: إِلَّا أَنَّهُ لَا يُبَالِغُ فَيَبْقَى أَثَرُ الْوُضُوءِ عَلَى أَعْضَائِهِ، وَصَرَّحَ بِاسْتِحْبَابِ التَّمَسُّحِ صَاحِبُ الْمُنْيَةِ، هَذَا وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ رَدُّهُ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعُذْرٍ أَوْ لِبَيَانِ الْجَوَازِ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ وَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ.
[ ٢ / ٤١٧ ]
٤٢١ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: «كَانَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ خِرْقَةٌ يُنَشِّفُ بِهَا أَعْضَاءَهُ بَعْدَ الْوُضُوءِ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ لَيْسَ بِالْقَائِمِ، وَأَبُو مُعَاذٍ الرَّاوِي ضَعِيفٌ عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ.
_________________
(١) (وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: «كَانَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ خِرْقَةٌ يُنَشِّفُ») بِصِيغَةِ الْفَاعِلِ مِنَ التَّفْعِيلِ وَبِالتَّخْفِيفِ كَيَعْلَمُ (بِهَا): أَيْ: أَعْضَاءَهُ كَمَا فِي نُسْخَةٍ (بَعْدَ الْوُضُوءِ): يُقَالُ: نَشِفَتِ الْأَرْضُ الْمَاءَ تَنْشَفُهُ نَشْفًا شَرِبَتْهُ، وَنَشِفَ الثَّوْبُ الْعَرَقَ يَنْشَفُهُ، وَمِنْهُ الْحَدِيثُ، يَعْنِي مِنْدِيلًا يَمْسَحُ بِهِ وَضَوْءَهُ كَذَا فِي النِّهَايَةِ، وَفِي الْعُبَابِ وَالْقَامُوسِ النَّشَفُ: مِنْ بَابِ عَلِمَ. وَيُقَالُ: نَشِفْتُ الْمَاءَ تَنْشِيفًا أَيْ: أَخَذْتُهُ بِخِرْقَةٍ أَوْ ثَوْبٍ. فِي الْأَزْهَارِ: قَالَ الْعُلَمَاءُ: يُسْتَحَبُّ تَرْكُ التَّنْشِيفِ ; لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ لَا يَتَنَشَّفُ، وَلِأَنَّ مَاءَ الْوُضُوءِ نُورٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَوْ نَشِفْتَ لَمْ يُكْرَهْ، وَبِهِ قَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى ; لِأَنَّهُ إِزَالَةٌ لِأَثَرِ الْعِبَادَةِ كَالسِّوَاكِ لِلصَّائِمِ. وَقِيلَ: لِأَنَّ الْمَاءَ يَسْبَحُ مَا دَامَ عَلَى أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ ذَكَرَهُ الْأَبْهَرِيُّ. وَفِي بَعْضِ مَا فِيهِ نَظَرٌ ; لِأَنَّ الْمُثْبِتَ مُقَدَّمٌ عَلَى النَّافِي، وَمَاءُ الْوُضُوءِ نُورٌ، سَوَاءٌ نَشِفْتَ أَوْ لَمْ تَنْشَفْ ; لِأَنَّ الْمُرَادَ بِهِ مَا اسْتُعْمِلَ فِي الْوُضُوءِ لَا الْبَاقِي عَلَى الْعُضْوِ، وَلَا مَعْنَى لِكَرَاهَتِهِ إِذَا ثَبَتَ أَنَّهُ فَعَلَهُ ﵊ وَلَوْ مَرَّةً، وَجَوَابُ ابْنِ أَبِي لَيْلَى يَأْتِي فِي بَابِ الصَّوْمِ، وَعَدَمُ تَسْبِيحِ مَاءِ الْوُضُوءِ إِذَا نَشِفَتْ يَحْتَاجُ إِلَى نَقْلٍ صَحِيحٍ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ لَيْسَ بِالْقَائِمِ): أَيِ: الْإِسْنَادِ (وَأَبُو مُعَاذٍ الرَّاوِي) . هُوَ: سُلَيْمَانُ بْنُ أَرْقَمَ، قَالَهُ السَّيِّدُ جَمَالُ الدِّينِ (ضَعِيفٌ عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ): وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: لَا يَصِحُّ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي هَذَا الْبَابِ شَيْءٌ، وَقَدْ رَخَّصَ قَوْمٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ فِي التَّنْشِيفِ بَعْدَ الْوُضُوءِ، وَذَلِكَ مِنْ قِبَلِ أَنْفُسِهِمْ، نَقَلَهُ السَّيِّدُ جَمَالُ الدِّينِ. وَقَوْلُهُ: (مِنْ قِبَلِ أَنْفُسِهِمْ) صَدَرَ مِنْ قِبَلِ نَفْسِهِ إِذْ لَا يُتَصَوَّرُ أَنْ يَفْعَلَ مِثْلُ عُثْمَانَ وَأَنَسٍ وَالْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ مِنْ قِبَلِ أَنْفُسِهِمْ شَيْئًا، بَلْ فِعْلُهُمْ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ لِلْمُحَدِّثِ أَصْلًا وَالْعَمَلُ بِالْحَدِيثِ وَلَوْ ضَعِيفًا أَوْلَى مِنَ الْعَمَلِ بِالرَّأْيِ وَلَوْ قَوِيًّا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
[ ٢ / ٤١٨ ]
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
٤٢٢ - عَنْ ثَابِتِ بْنِ أَبِي صَفِيَّةَ، قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي جَعْفَرٍ هُوَ مُحَمَّدٌ الْبَاقِرُ حَدَّثَكَ جَابِرٌ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَوَضَّأَ مَرَّةً مَرَّةً، وَمَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ، وَثَلَاثًا وَثَلَاثًا؟ قَالَ: نَعَمْ.» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ.
_________________
(١) الْفَصْلُ الثَّالِثُ
(٢) (وَعَنْ ثَابِتِ بْنِ أَبِي صَفِيَّةَ): هُوَ يَمَانِيٌّ مِنَ الْأَزْدِ، سَمِعَ مُحَمَّدَ بْنَ عَلِيٍّ الْبَاقِرَ. رَوَى عَنْهُ وَكِيعٌ وَابْنُ عُيَيْنَةَ قَالَهُ الطِّيبِيُّ. وَقَالَ مِيرَكُ: هُوَ كُوفِيٌّ ضَعِيفٌ رَافِضِيُّ، وَقَالَ الْمُصَنِّفُ: كُنْيَتُهُ أَبُو حَمْزَةَ مَاتَ سَنَةَ ثَمَانٍ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَةٍ، ذَكَرَهُ فِي التَّابِعِينِ (قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي جَعْفَرٍ): أَيِ الصَّادِقِ (- هُوَ مُحَمَّدٌ الْبَاقِرُ - حَدَّثَكَ جَابِرٌ: أَنَّ النَّبِيَّ تَوَضَّأَ مَرَّةً مَرَّةً): أَيْ: تَارَةً (وَمَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ): أَيْ أُخْرَى (وَثَلَاثًا ثَلَاثًا؟): أَيْ: أُخْرَى (قَالَ: نَعَمْ): قَالَ الطِّيبِيُّ: مِنْ عَادَةِ الْمُحَدِّثِينَ أَنْ يَقُولَ الْقَارِئُ بَيْنَ يَدَيِ الشَّيْخِ: حَدَّثَكَ فُلَانٌ عَنْ فُلَانٍ بِرَفْعِ إِسْنَادِهِ، وَهُوَ سَاكِتٌ يُقَرِّرُ ذَلِكَ، كَمَا يَقُولُ الشَّيْخُ: حَدَّثَنِي فُلَانٌ عَنْ فُلَانٍ وَيَسْمَعُهُ الطَّالِبُ اهـ. وَتَوْضِيحُهُ مَا قَالَهُ ابْنُ حَجَرٍ: إِنَّ مِنْ أَحَدِ طُرُقِ الرِّوَايَةِ أَنْ يَقُولَ التِّلْمِيذُ لِلشَّيْخِ: حَدَّثَكَ فُلَانٌ عَنْ فُلَانٍ كَذَا، وَالشَّيْخُ يَسْمَعُ، فَإِذَا فَرَغَ قَالَ: نَعَمْ. فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِ الشَّيْخِ: حَدَّثَنِي فُلَانٌ إِلَخْ. وَالتِّلْمِيذُ سَاكِتٌ أَيْ يَسْمَعُ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ): وَسَنَدَهُ حَسَنٌ.
[ ٢ / ٤١٨ ]
٤٢٣ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ ﵁ قَالَ: «إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَوَضَّأَ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ، وَقَالَ: هُوَ نُورٌ عَلَى نُورٍ» .
_________________
(١) (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: «إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَوَضَّأَ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ»): أَيِ: الْأَعْضَاءَ الْمَغْسُولَةَ (وَقَالَ: " «هُوَ نُورٌ عَلَى نُورٍ» ": قَالَ الْأَبْهَرِيُّ: يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: إِشَارَةً إِلَى قَوْلِهِ: «إِنَّ أُمَّتِي غُرٌّ مُحَجَّلُونَ مِنْ آثَارِ الْوُضُوءِ» " أَوْ هِدَايَةٌ عَلَى هِدَايَةٍ أَوْ سُنَّةٌ عَلَى فَرْضٍ اهـ. وَأَمَّا حَدِيثُ " «الْوُضُوءِ عَلَى الْوُضُوءِ نُورٌ عَلَى نُورٍ» " قَالَ الْعِرَاقِيُّ فِي تَخْرِيجِ الْإِحْيَاءِ: لَمْ أَقِفْ عَلَيْهِ. وَقَالَ الْعَسْقَلَانِيُّ: هُوَ حَدِيثٌ ضَعِيفٌ، رَوَاهُ رَزِينٌ فِي مُسْنَدِهِ.
[ ٢ / ٤١٩ ]
٤٢٤ - وَعَنْ عُثْمَانَ ﵁، قَالَ: «إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَوَضَّأَ ثَلَاثًا ثَلَاثًا وَقَالَ: " هَذَا وُضُوئِي وَوُضُوءُ الْأَنْبِيَاءِ قَبْلِي، وَوُضُوءُ إِبْرَاهِيمَ») رَوَاهُمَا رَزِينٌ، وَالنَّوَوِيُّ ضَعَّفَ الثَّانِيَ فِي: شَرْحِ مُسْلِمٍ "
_________________
(١) (وَعَنْ عُثْمَانَ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَوَضَّأَ) أَيْ: غَسَلَ أَعْضَاءَ الْوُضُوءِ («ثَلَاثًا ثَلَاثًا وَقَالَ: هَذَا وُضُوئِي وَوُضُوءُ الْأَنْبِيَاءِ قَبْلِي»): يَعْنِي دُونَ أُمَمِهِمْ أَوْ أُمَمُهُمْ تَبَعٌ لَهُمْ " «وَوُضُوءُ إِبْرَاهِيمَ» " تَخْصِيصٌ بَعْدَ تَعْمِيمٍ (رَوَاهُمَا): أَيْ: حَدِيثَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ، وَحَدِيثَ عُثْمَانَ (رَزِينٌ، وَالنَّوَوِيُّ): بِالْقَصْرِ وَيُمَدُّ (ضَعَّفَ الثَّانِيَ): أَيْ: حَدِيثَ عُثْمَانَ. (فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ) قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَقَضِيَّةُ كَلَامِ غَيْرِهِ أَنَّ سَنَدَهُ حَسَنٌ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ وَأَحْمَدَ وَالدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ وَقَدْ صَحَّ فِي الْبُخَارِيِّ وَغَيْرِهِ أَنَّ إِبْرَاهِيمَ وَسَارَةَ تَوَضَّآ وَصَلَّيَا، وَأَنَّ جُرَيْجًا تَوَضَّأَ وَصَلَّى، وَهَذَا صَرِيحٌ فِي أَنَّ الْوُضُوءَ لَيْسَ مِنْ خَصَائِصِ هَذِهِ الْأُمَّةِ خِلَافًا لِمَنْ زَعَمَهُ، نَعَمِ الَّذِي اخْتُصُّوا بِهِ الْغُرَّةُ وَالتَّحْجِيلُ اهـ. وَالظَّاهِرُ أَنْ يَكُونَ وُضُوءُ الْأُمَمِ غَيْرَ وُضُوءِ أَنْبِيَائِهِمْ وَإِلَّا فَلَا يَتِمُّ اخْتِصَاصُ الْغُرَّةِ وَالتَّحْجِيلِ هَذِهِ الْأُمَّةَ، فَإِنَّ أَصْلَهُمَا حَاصِلٌ لِكُلِّ مُتَوَضِّئٍ وَكَمَالُهُمَا يَتَحَقَّقُ عِنْدَ كُلِّ فَرْدٍ مِنْ أَفْرَادِ الْأُمَّةِ أَيْضًا.
[ ٢ / ٤١٩ ]
٤٢٥ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁، قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَتَوَضَّأُ لِكُلِّ صَلَاةٍ، وَكَانَ أَحَدُنَا يَكْفِيهِ الْوُضُوءُ مَا لَمْ يُحْدِثْ» . رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ.
_________________
(١) (وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَتَوَضَّأُ لِكُلِّ صَلَاةٍ»): أَيْ: مَفْرُوضَةٍ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ: طَاهِرًا أَوْ غَيْرَ طَاهِرٍ. قَالَهُ مِيرَكُ. (وَكَانَ أَحَدُنَا يَكْفِيهِ الْوُضُوءُ مَا لَمْ يُحْدِثْ): مِنَ الْإِحْدَاثِ، وَفِي الْحَدِيثِ إِشْعَارٌ بِأَنَّ تَجْدِيدَ الْوُضُوءِ كَانَ وَاجِبًا عَلَيْهِ ثُمَّ نُسِخَ بِشَهَادَةِ الْحَدِيثِ الْآتِي. قَالَ السَّخَاوِيُّ: يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ وَاجِبًا عَلَيْهِ خَاصَّةً، ثُمَّ نُسِخَ يَوْمَ الْفَتْحِ لِحَدِيثِ بُرَيْدَةَ يَعْنِي الَّذِي أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ أَنَّهُ ﵊ صَلَّى الصَّلَوَاتِ يَوْمَ الْفَتْحِ بِوُضُوءٍ وَاحِدٍ، وَأَنَّ عُمَرَ سَأَلَهُ فَقَالَ: (عَمْدًا صَنَعْتُهُ) . قَالَ: وَيَحْتَمِلُ إِنَّهُ كَانَ يَفْعَلُهُ اسْتِحْبَابًا ثُمَّ خَشِيَ أَنْ يُظَنَّ وُجُوبُهُ فَتَرَكَهُ لِبَيَانِ الْجَوَازِ. قُلْتُ: وَهَذَا أَقْرَبُ، وَعَلَى تَقْدِيرِ النَّسْخِ فَهُوَ قَبْلَ الْفَتْحِ بِدَلِيلِ حَدِيثِ سُوِيدِ بْنِ النُّعْمَانِ، فَإِنَّهُ كَانَ بِخَيْبَرَ وَهِيَ قَبْلَ الْفَتْحِ بِزَمَانٍ، كَذَا قَالَهُ الشَّيْخُ ابْنُ حَجَرٍ. أَقُولُ: وَحَدِيثُ ابْنِ النُّعْمَانِ تَقَدَّمَ فِي بَابِ مَا يُوجِبُ الْوُضُوءَ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ فَلْيُتَأَمَّلْ. قَالَ الشَّيْخُ: وَيَدُلُّ عَلَى النَّسْخِ أَيْضًا مَا رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّ أَسْمَاءَ بِنْتَ زَيْدِ بْنِ الْخَطَّابِ حَدَّثَتْ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَنْظَلَةَ الْأَنْصَارِيِّ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَمَرَ بِالْوُضُوءِ لِكُلِّ صَلَاةٍ طَاهِرًا كَانَ أَوْ غَيْرَ طَاهِرٍ، فَلَمَّا شَقَّ عَلَيْهِ وَضَعَ عَنْهُ الْوُضُوءَ إِلَّا مِنْ حَدَثٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، كَذَا حَرَّرَهُ مِيرَكُ (رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ): وَسَنَدُهُ حَسَنٌ. قَالَ الْأَبْهَرِيُّ: قُلْتُ: وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ أَيْضًا فِي بَابِ الْوُضُوءِ مِنْ غَيْرِ حَدَثٍ وَلَفْظُهُ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَتَوَضَّأُ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ. قُلْتُ: كَيْفَ كُنْتُمْ تَصْنَعُونَ؟ قَالَ: يُجْزِئُ أَحَدَنَا الْوُضُوءُ مَا لَمْ يُحْدِثْ.
[ ٢ / ٤١٩ ]
٤٢٦ - وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حِبَّانَ، قَالَ: «قُلْتُ لِعُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ: أَرَأَيْتَ وُضُوءَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ لِكُلِّ صَلَاةٍ طَاهِرًا كَانَ أَوْ غَيْرَ طَاهِرٍ، عَمَّنْ أَخَذَهُ؟ فَقَالَ: حَدَّثَتْهُ أَسْمَاءُ بِنْتُ زَيْدِ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ حَنْظَلَةَ بْنِ أَبِي عَامِرٍ الْغَسِيلِ حَدَّثَهَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ أُمِرَ بِالْوُضُوءِ لِكُلِّ صَلَاةٍ طَاهِرًا كَانَ أَوْ غَيْرَ طَاهِرٍ، فَلَمَّا شَقَّ ذَلِكَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ أُمِرَ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ، وَوُضِعَ عَنْهُ الْوُضُوءُ إِلَّا مِنْ حَدَثٍ. قَالَ: فَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ يَرَى أَنَّ بِهِ قُوَّةً عَلَى ذَلِكَ، فَفَعَلَهُ حَتَّى مَاتَ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ.
_________________
(١) (وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ): بِفَتْحِ الْحَاءِ وَكَسْرِهَا وَتَشْدِيدِ الْبَاءِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: تَابِعِيٌّ أَنْصَارِيٌّ، سَمِعَ ابْنَ عُمَرَ وَأَنَسَ بْنَ مَالِكٍ وَعَمَّهُ وَاسِعَ بْنَ حَبَّانَ بِفَتْحِ الْحَاءِ اهـ. وَيُؤَيِّدُهُ مَا فِي الْمُغْنِي وَشَرْحِ الْمِشْكَاةِ لِابْنِ حَجَرٍ، وَقَالَ الْمُؤَلِّفُ فِي أَسْمَاءِ رِجَالِهِ: يُكَنَّى أَبَا عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيَّ، وَهُوَ شَيْخُ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، وَكَانَ يُعَظِّمُهُ، وَحِبَّانُ بِكَسْرِ الْحَاءِ وَتَشْدِيدِ الْمُوَحَّدَةِ اهـ. وَيُؤَيِّدُهُ نَقْلُ الْعَسْقَلَانِيِّ فِي تَحْرِيرِ الْمُشْتَبَهِ. (قَالَ: قُلْتُ لِعُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو: أَرَأَيْتَ وُضُوءَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ لِكُلِّ صَلَاةٍ طَاهِرًا كَانَ أَوْ غَيْرَ طَاهِرٍ عَمَّنْ أَخَذَهُ؟): مُتَعَلِّقٌ بِمَعْنَى أَرَأَيْتَ أَيْ: أَخْبِرْنِي عَمَّنْ أَخَذَهُ، وَالضَّمِيرُ بِمَعْنَى اسْمِ الْإِشَارَةِ، وَالْمُشَارُ إِلَيْهِ الْوُضُوءُ الْمَخْصُوصُ (فَقَالَ): أَيْ: عُبَيْدُ اللَّهِ (حَدَّثَتْهُ): أَيْ: عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَعُودَ إِلَى عُبَيْدِ اللَّهِ. تَأَمَّلْ. قَالَهُ السَّيِّدُ. (أَسْمَاءُ): قَالَ مِيرَكُ: هُوَ مَعْنَى مَا قَالَهُ لَا مَا تَلَفَّظَ بِهِ، فَإِنَّ لَفْظَهُ حَدَّثَتْنِي، وَنَحْوُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ لِلَّذِينِ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ﴾ [آل عمران: ١٢]، قُرِئَ بِالتَّاءِ وَالْيَاءِ فَالْيَاءُ التَّحْتَانِيَّةُ هِيَ أَدَاءُ لَفْظِ مَا يُوعَدُونَهُ بِعَيْنِهِ، وَالتَّاءُ الْفَوْقَانِيَّةُ أَدَاءُ لَفْظِ مَعْنَى مَا يُوعَدُونَهُ لَا لَفْظُهُ، فَالْقَائِلُ فِي قَوْلِهِ فَقَالَ حَدَّثَتْهُ هُوَ الْمَسْئُولُ عَنْهُ فِي قَوْلِهِ: أَرَأَيْتَ (بِنْتُ زَيْدِ بْنِ الْخَطَّابِ): هُوَ أَخُو عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ (إِنَّ عَبْدَ اللَّهِ): قَالَ الطِّيبِيُّ: كَانَ لَهُ سَبْعُ سِنِينَ حِينَ تُوُفِّيَ النَّبِيُّ ﷺ وَقَدْ رَآهُ وَرَوَى عَنْهُ، كَانَ حَبْرًا فَاضِلًا مُقَدَّمًا فِي الْأَنْصَارِ، وَقَدْ بُويِعَ فِي الْمَدِينَةِ عَلَى خَلْعِ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ، وَقُتِلَ يَوْمَ الْحَرَّةِ بِسَبَبِ ذَلِكَ (ابْنَ حَنْظَلَةَ بْنِ أَبِي عَامِرٍ الْغَسِيلِ): بِالْجَرِّ صِفَةُ حَنْظَلَةَ، رَوَى عَنْ عُرْوَةَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لِامْرَأَةِ حَنْظَلَةَ: " مَا كَانَ شَأْنُهُ؟ " قَالَتْ: جُنُبًا وَغَسَلْتُ إِحْدَى شِقَّيْهِ، فَلَمَّا سَمِعَ الْهَيْعَةَ خَرَجَ فَقُتِلَ. أَيْ: يَوْمَ أُحُدٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " رَأَيْتُ الْمَلَائِكَةَ تُغَسِّلُهُ» " ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ (حَدَّثَهَا): أَيْ: حَدَّثَ عَبْدُ اللَّهِ أَسْمَاءَ («أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ أُمِرَ بِالْوُضُوءِ لِكُلِّ صَلَاةٍ طَاهِرًا كَانَ أَوْ غَيْرَ طَاهِرٍ، فَلَمَّا شَقَّ ذَلِكَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أُمِرَ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ»): قَالَ الطِّيبِيُّ فِي الْحَدِيثِ تَنْبِيهٌ عَلَى فَخَامَةِ السِّوَاكِ حَيْثُ أُقِيمَ مَقَامَ ذَلِكَ الْوَاجِبِ، وَكَادَ أَنْ يَكُونَ وَاجِبًا عَلَيْهِ (وَوُضِعَ عَنْهُ الْوُضُوءُ): أَيْ: وُجُوبُهُ لِكُلِّ صَلَاةٍ إِلَّا مِنْ حَدَثٍ): أَيْ: مِنْ حُدُوثِ حَدَثٍ حَقِيقِيٍّ أَوْ حُكْمِيٍّ (قَالَ): أَيْ عَبْدُ اللَّهِ (فَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ) أَيِ: ابْنُ عُمَرَ (يَرَى): بِفَتْحِ الْيَاءِ وَضَمِّهَا أَيْ يَظُنُّ (أَنَّ بِهِ قُوَّةً عَلَى ذَلِكَ): أَيِ: اسْتِطَاعَةً عَلَى نَحْوِ فِعْلِهِ ﵊ قَبْلَ النَّسْخِ (فَفَعَلَهُ): أَيِ: الْوُضُوءَ لِكُلِّ صَلَاةٍ (حَتَّى مَاتَ. رَوَاهُ أَحْمَدُ): قَالَ مِيرَكُ: وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ. قَالَ الشَّيْخُ زَيْنُ الدِّينِ الْعِرَاقِيُّ: وَفِي إِسْنَادِهِ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، وَقَدْ رَوَاهُ بِالْعَنْعَنَةِ وَهُوَ مُدَلِّسٌ.
[ ٢ / ٤٢٠ ]
٤٢٧ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ﵄، «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَرَّ بِسَعْدٍ وَهُوَ يَتَوَضَّأُ فَقَالَ: مَا هَذَا السَّرَفُ يَا سَعْدُ قَالَ: أَفِي الْوُضُوءِ سَرَفٌ؟ ! قَالَ: " نَعَمْ! وَإِنْ كُنْتَ عَلَى نَهْرٍ جَارٍ») رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَابْنُ مَاجَهْ.
_________________
(١) وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَرَّ بِسَعْدٍ): أَيِ: ابْنِ أَبِي وَقَّاصٍ (وَهُوَ يَتَوَضَّأُ): الْجُمْلَةُ حَالٌ؛ يَعْنِي وَهُوَ يُسْرِفُ فِي وُضُوئِهِ إِمَّا فِعْلًا كَالزِّيَادَةِ عَلَى الثَّلَاثِ، وَإِمَّا قَدْرًا كَالزِّيَادَةِ عَلَى قَدْرِ الْحَاجَةِ فِي الِاسْتِعْمَالِ (فَقَالَ): ﵊ (" مَا هَذَا السَّرَفُ ") بِفَتْحَتَيْنِ ; بِمَعْنَى الْإِسْرَافِ (" يَا سَعْدُ؟ ") خَاطَبَهُ
[ ٢ / ٤٢٠ ]
لِلزَّجْرِ أَوْ لِلتَّنْبِيهِ عَلَى أَنَّ الْإِسْرَافَ يُعَدُّ مِنَ الْبُعْدِ أَوِ التَّقْرِيبِ وَالتَّلَطُّفِ مَعَهُ، وَهَذَا أَقْرَبُ وَبِجَوَابِهِ أَنْسَبُ (قَالَ: أَفِي الْوُضُوءِ سَرَفٌ؟) بِنَاءً عَلَى مَا قِيلَ: لَا خَيْرَ فِي سَرَفٍ وَلَا سَرَفَ فِي خَيْرٍ، فَظَنَّ أَنْ لَا إِسْرَافَ فِي الطَّاعَةِ وَالْعِبَادَةِ. قَالَ: " نَعَمْ " فِيهِ إِسْرَافٌ (" وَإِنْ كُنْتَ عَلَى نَهْرٍ ") بِفَتْحِ الْهَاءِ وَسُكُونِهَا (" جَارٍ ") فَإِنَّهُ فِيهِ (إِسْرَافُ الْوَقْتِ وَتَضْيِيعُ الْعُمُرِ، أَوْ تَجَاوُزًا عَنِ الْحَدِّ الشَّرْعِيِّ كَمَا تَقَدَّمَ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ هُوَ تَتْمِيمٌ لِإِرَادَةِ الْمُبَالَغَةِ أَيْ: نَعَمْ ذَلِكَ تَبْذِيرٌ وَإِسْرَافٌ فِيمَا لَمْ يُتَصَوَّرْ فِيهِ التَّبْذِيرُ فَكَيْفَ بِمَا تَفْعَلُهُ؟ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ بِالْإِسْرَافِ الْإِثْمُ. (رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَابْنُ مَاجَهْ) وَسَنَدُهُ حَسَنٌ.
[ ٢ / ٤٢١ ]
٤٢٨ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عُمَرَ ﵃ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: («مَنْ تَوَضَّأَ وَذَكَرَ اسْمَ اللَّهِ فَإِنَّهُ يُطَهِّرُ جَسَدَهُ كُلَّهُ، وَمَنْ تَوَضَّأَ وَلَمْ يَذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ، لَمْ يُطَهِّرْ إِلَّا مَوْضِعَ الْوُضُوءِ» ".
_________________
(١) (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَابْنِ عُمَرَ) حَقُّهُمَا أَنْ يُقَدَّمَا عَلَى أَبِي هُرَيْرَةَ، وَلَعَلَّ الْحَدِيثَ بِلَفْظِهِ (عَنِ النَّبِيِّ): وَفِي نُسْخَةٍ: أَنَّ النَّبِيَّ قَالَ: (" «مَنْ تَوَضَّأَ وَذَكَرَ اسْمَ اللَّهِ» "): أَيْ: فِي أَوَّلِ وُضُوئِهِ (" فَإِنَّهُ يَطْهُرُ "): مِنَ التَّطْهِيرِ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْفَاعِلِ (" جَسَدُهُ "): أَيْ: مِنَ الذُّنُوبِ (" كُلُّهُ "): تَأْكِيدٌ لِلْجَسَدِ، وَفِي نُسْخَةٍ: يَطْهُرُ كَيَنْصُرُ فَيُرْفَعُ " جَسَدُهُ وَكُلُّهُ " (" «وَمَنْ تَوَضَّأَ وَلَمْ يَذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ لَمْ يُطَهِّرْ» ") بِالْوَجْهَيْنِ (" إِلَّا مَوْضِعَ الْوُضُوءِ "): أَيْ: إِلَّا ذُنُوبَ الْمَوَاضِعِ الْمَخْصُوصَةِ؛ يَعْنِي مِنَ الصَّغَائِرِ.
[ ٢ / ٤٢١ ]
٤٢٩ - وَعَنْ أَبِي رَافِعٍ ﵁، قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا تَوَضَّأَ وُضُوءَ الصَّلَاةِ حَرَّكَ خَاتَمَهُ فِي أُصْبُعِهِ» . رَوَاهُمَا الدَّرَاقُطْنِيُّ، وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ الْأَخِيرَ.
_________________
(١) (وَعَنْ أَبِي رَافِعٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ): وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ: رَسُولُ اللَّهِ (إِذَا تَوَضَّأَ وُضُوءَ الصَّلَاةِ): احْتِرَازٌ عَنْ غَسْلِ الْيَدِ، فَإِنَّهُ وُضُوءٌ لُغَوِيٌّ (حَرَّكَ خَاتَمَهُ): بِالْفَتْحِ وَيُكْسَرُ (فِي أُصْبُعِهِ) بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَفَتْحِ الْبَاءِ وَفِي الْقَامُوسِ: بِتَثْلِيثِ الْهَمْزَةِ وَالْبَاءِ أَيْ: لِأَنَّ اسْتِيعَابَ الْغَسْلِ فَرْضٌ، فَيُسَنُّ تَحْرِيكُ الْخَاتَمِ إِذَا ظُنَّ وُصُولُ الْمَاءِ إِلَى مَا تَحْتَهُ، وَإِلَّا فَيَجِبُ تَحْرِيكُهُ (رَوَاهُمَا): أَيِ: الْحَدِيثَيْنِ السَّابِقَيْنِ (الدَّارَقُطْنِيُّ): وَسَنَدُهُمَا حَسَنٌ. (وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ الْأَخِيرَ) وَهُوَ حَدِيثُ أَبِي رَافِعٍ.
[ ٢ / ٤٢١ ]