(الْفَصْلُ الْأَوَّلُ)
١٨١٥ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: «فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - زَكَاةَ الْفِطْرِ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ عَلَى الْعَبْدِ وَالْحُرِّ وَالذَّكَرِ وَالْأُنْثَى وَالصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَأَمَرَ بِهَا أَنْ تُؤَدَّى قَبْلَ خُرُوجِ النَّاسِ إِلَى الصَّلَاةِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
_________________
(١) (بَابُ صَدَقَةِ الْفِطْرِ) وَيُقَالُ صَدَقَةُ الْفِطْرِ وَزَكَاةُ الْفِطْرِ أَوِ الْفِطْرَةُ كَأَنَّهَا مِنَ الْفِطْرَةِ الَّتِي هِيَ الْخِلْقَةُ، فَوُجُوبُهَا عَلَيْهَا تَزْكِيَةٌ لِلنَّفْسِ أَيْ تَطْهِيرٌ لَهَا وَتَنْقِيَةٌ لِعَمَلِهَا، وَيُقَالُ لِلْمُخْرَجِ هُنَا فِطْرَةٌ بِكَسْرِ الْفَاءِ، وَهِيَ مُوَلَّدَةٌ لَا عَرَبِيَّةٌ وَلَا مُعَرَّبَةٌ، بَلِ اصْطِلَاحِيَّةٌ لِلْفُقَهَاءِ فِي حَقِيقَةٍ شَرْعِيَّةٍ عَلَى الْمُخْتَارِ كَالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ، وَفُرِضَتْ هِيَ وَصَوْمُ شَهْرِ رَمَضَانَ فِي السَّنَةِ الثَّالِثَةِ مِنَ الْهِجْرَةِ، أَمَّا رَمَضَانُ فَفِي شَعْبَانَ، وَأَمَّا هِيَ فَقَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ أَيْضًا وَقَالَ بَعْضُ الْحُفَّاظِ قَبْلَ الْعِيدِ بِيَوْمَيْنِ، وَقَالَ الْبَغْدَادِيُّونَ مِنْ أَصْحَابِنَا: إِنَّ زَكَاةَ الْفِطْرِ وَجَبَتْ بِمُوجَبِ زَكَاةِ الْأَمْوَالِ، مِنْ نُصُوصِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ بِعُمُومِهَا فِيهَا، وَقَالَ الْبَصْرِيُّونَ مِنْهُمْ: إِنَّ وُجُوبَهَا سَابِقٌ عَلَى وُجُوبِ زَكَاةِ الْأَمْوَالِ، وَاعْتَدَّ بِهِ بَعْضُ الْحُفَّاظِ، وَقِيلَ: إِنَّ زَكَاةَ الْأَمْوَالِ فُرِضَتْ قَبْلَ الْهِجْرَةِ، وَيَدُلُّ لِفَرْضِهَا قَبْلَ الزَّكَاةِ خَبَرُ قَيْسِ ابْنِ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ: «أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - بِصَدَقَةِ الْفِطْرِ قَبْلَ أَنْ تَنْزِلَ الزَّكَاةُ، فَلَمَّا نَزَلَتْ فَلَمْ يَأْمُرْنَا وَلَمْ يَنْهَنَا» أَيِ اكْتِفَاءً بِالْأَمْرِ السَّابِقِ وَلِأَجْلِ ذَلِكَ قَالَ: وَنَحْنُ نَفْعَلُهُ، أَيْ نُخْرِجُهَا، وَحِكْمَةُ إِيجَابِهَا طُهْرُ الصَّوْمِ عَلَى مَا يَأْتِي، وَوُجُوبُهَا مُجْمَعٌ عَلَيْهِ كَمَا حَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَالْبَيْهَقِيُّ، وَاعْتَرَضَ بِأَنَّ جَمْعًا حَكَوُا الْخِلَافَ فِيهَا عَنْ بَعْضِ الصَّحَابَةِ، وَغَيْرِهِمْ، وَتَبِعَهُمُ ابْنُ اللَّبَّانِ مِنْ أَصْحَابِنَا، لَكِنَّ فِي الرَّوْضَةِ أَنَّ مَا قَالَهُ غَلَطٌ صَرِيحٌ، وَفِي الْمَجْمُوعِ سَبَقَهُ إِلَيْهِمُ الْأَصَمُّ وَهُوَ لَا يُعْتَدُّ بِهِ فِي الْإِجْمَاعِ.
[ ٤ / ١٢٩٦ ]
(الْفَصْلُ الْأَوَّلُ)
١٨١٥ - (عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - زَكَاةَ الْفِطْرِ) قَالَ الطِّيبِيُّ: دَلَّ عَلَى أَنَّهَا فَرِيضَةٌ وَالْحَنَفِيَّةُ عَلَى أَنَّهَا وَاجِبَةٌ، أَقُولُ لِعَدَمِ ثُبُوتِهَا بِدَلِيلٍ قَطْعِيٍّ فَهُوَ فَرْضِيٌّ عَمَلِيٌّ لَا اعْتِقَادِيٌّ، قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: وَمَا يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى الْوُجُوبِ مَا اسْتَدَلَّ بِهِ الشَّافِعِيُّ عَلَى الِافْتِرَاضِ فَإِنَّ حَمْلَ اللَّفْظِ عَلَى الْحَقِيقَةِ الشَّرْعِيَّةِ فِي كَلَامِ الشَّارِعِ مُتَعَيَّنٌ، مَا لَمْ يُقَيِّمْ صَارِفٌ عَنْهُ، وَالْحَقِيقَةُ الشَّرْعِيَّةُ غَيْرُ مُجَرَّدِ التَّقْدِيرِ، خُصُوصًا فِي لَفْظِ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّهُ - ﷺ - أَمَرَ بِزَكَاةِ الْفِطْرِ، وَمَعْنَى لَفْظِ فَرَضَ هُوَ مَعْنَى لَفْظِ أَمَرَ، وَالْأَمْرُ الثَّابِتُ بِظَنِّيٍّ إِنَّمَا يُفِيدُ الْوُجُوبَ، وَلَا خِلَافَ فِي الْمَعْنَى فَإِنَّ الِافْتِرَاضَ الَّذِي يُثْبِتُونَهُ لَيْسَ عَلَى وَجْهٍ يُكَفَّرُ جَاحِدُهُ، فَهُوَ مَعْنَى الْوُجُوبِ، الَّذِي نَقُولُ بِهِ، غَايَتُهُ أَنَّ الْفَرْضَ فِي اصْطِلَاحِهِمْ أَعَمُّ مِنَ الْوَاجِبِ فِي عُرْفِنَا، فَأَطْلَقْنَاهُ عَلَى أَحَدِ جُزْأَيْهِ. اهـ، وَفِيهِ دَلِيلٌ لِمَذْهَبِنَا، وَلَمَّا رَأَى الْحَنَفِيَّةُ الْفَرْقَ بَيْنَ الْفَرْضِ وَالْوَاجِبِ بِأَنَّ الْأَوَّلَ مَا ثَبَتَ بِقَطْعِيٍّ، وَالثَّانِيَ مَا ثَبَتَ بِظَنِّيٍّ قَالُوا إِنَّ الْفَرْضَ هُنَا بِمَعْنَى الْوَاجِبِ، وَفِيهِ نَظَرٌ، لِأَنَّ هَذَا قَطْعِيٌّ لِمَا عَلِمْتُ أَنَّهُ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ، فَالْفَرْضُ فِيهِ بَاقٍ عَلَى حَالِهِ، حَتَّى عَلَى قَوَاعِدِهِمْ، فَلَا يُحْتَاجُ لِتَأْوِيلِهِمُ الْفَرْضَ هُنَا بِالْوَاجِبِ. اهـ، وَفِيهِ أَنَّ الْإِجْمَاعَ عَلَى تَقْدِيرِ ثُبُوتِهِ إِنَّمَا هُوَ فِي لُزُومِ هَذَا الْفِعْلِ، وَأَمَّا أَنَّهُ عَلَى طَرِيقِ الْفَرْضِ أَوِ الْوَاجِبِ بِنَاءً عَلَى اصْطِلَاحِ الْفُقَهَاءِ الْمُتَأَخِّرِينَ فَغَيْرُ مُسَلَّمٍ، لَا سِيَّمَا وَالْأَحَادِيثُ مُتَعَارِضَةٌ فِي التَّعْبِيرِ بِالْفَرْضِ وَالْوُجُوبِ، وَأَمَّا قَوْلُهُ: وُجُوبُهَا مُجْمَعٌ عَلَيْهِ كَمَا حَكَاهُ الْمُنْذِرِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ فَمَنْقُوضٌ بِأَنَّ جَمْعًا حَكُوا الْخِلَافَ فِيهَا عَنْ بَعْضِ الصَّحَابَةِ وَغَيْرِهِمْ، وَتَبِعَهُمُ ابْنُ اللَّبَّانِ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ، وَسَبَقَهُ إِلَيْهِ الْأَصَمُّ، هَذَا وَابْنُ الْمُسَيَّبِ وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: لَا تَجِبُ إِلَّا عَلَى مَنْ صَلَّى وَصَامَ، وَعَنْ عَلِيٍّ - كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ - لَا تَجِبُ إِلَّا عَلَى مَنْ أَطَاقَ الصَّوْمَ وَالصَّلَاةَ، وَعَنْ عَطَاءٍ وَرَبِيعَةَ وَالزُّهْرِيِّ أَنَّهَا لَا تَجِبُ إِلَّا أَهْلَ الْبَادِيَةِ، فَثَبَتَ بِهَذَا النِّزَاعِ عَدَمُ صِحَّةِ الْإِجْمَاعِ، وَالْحَدِيثُ ظَنِّيٌّ وَمَدْلُولُهُ غَيْرُ قَطْعِيٍّ حَالَ كَوْنِهَا (صَاعًا مِنْ تَمْرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ) وَفِي الْخَبَرِ أَنَّ الصَّاعَ ثَمَانِيَةُ أَرْطَالٍ، وَأَخَذَ بِهِ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ، وَلَمْ يَصِحَّ رُجُوعُ أَبِي يُوسُفَ إِلَى قَوْلِ مَالِكٍ، وَمَنْ تَبِعَهُ كَالشَّافِعِيِّ، وَتَضْعِيفُ الْبَيْهَقِيِّ لَهُ عَلَى تَقْدِيرِ صِحَّتِهِ مَبْنِيٌّ عَلَى حُدُوثِ الضَّعْفِ بَعْدَ تَعَلُّقِ اجْتِهَادِ الْمُجْتَهِدِ بِهِ، وَهُوَ غَيْرُ مُضِرٍّ، ثَمَّ أَوْ لِلتَّخْيِيرِ بَيْنَ النَّوْعَيْنِ، وَمَا فِي مَعْنَاهُمَا، فَلَيْسَ ذِكْرُهُمَا لِحَصْرِ الْإِعْطَاءِ مِنْهُمَا، قَالَ الطِّيبِيُّ: دَلَّ عَلَى أَنَّ النِّصَابَ لَيْسَ بِشَرْطٍ أَيْ لِلْإِطْلَاقِ، وَإِلَّا فَلَا دَلَالَةَ فِيهِ نَفْيًا وَإِثْبَاتًا، فَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ تَجِبُ إِذَا فَضَلَ عَنْ قُوتِهِ، وَقُوتِ عِيَالِهِ، لِيَوْمِ الْعِيدِ وَلَيْلَتِهِ قَدْرُ صَدَقَةِ الْفِطْرِ، أَقُولُ: وَهَذَا تَقْدِيرُ نِصَابٍ كَمَا لَا يَخْفَى، إِلَّا أَنَّ عُلَمَاءَنَا قَيَّدُوا هَذَا الْإِطْلَاقَ بِأَحَادِيثَ وَرَدَتْ تُفِيدُ التَّقْيِيدَ بِالْغِنَى، وَصَرَفُوهُ إِلَى الْمَعْنَى الشَّرْعِيِّ وَالْعُرْفِيِّ، وَهُوَ مَنْ يَمْلِكُ نِصَابًا، مِنْهَا قَوْلُهُ - ﷺ -: " «لَا صَدَقَةَ إِلَّا عَنْ ظَهْرِ غِنًى» "، رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ، قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ تَعْلِيقًا، وَتَعْلِيقَاتُهُ الْمَجْزُومَةُ لَهَا حُكْمُ الصِّحَّةِ رَوَاهُ مَرَّةً بِغَيْرِ هَذَا اللَّفْظِ، وَلَفْظُ الظَّهْرِ مُقْحِمٌ كَظَهْرِ الْقَلْبِ، وَظَهْرُ الْغَيْبِ فِي الْمَغْرِبِ، وَهُوَ حُجَّةٌ عَلَى الشَّافِعِيِّ فِي قَوْلِهِ تَجِبُ عَلَى مَنْ يَمْلِكُ زِيَادَةً عَلَى قُوتِ يَوْمِهِ لِنَفْسِهِ وَعِيَالِهِ، وَأَمَّا مَا رَوَى أَحْمَدُ عَنِ ابْنِ أَبِي ثَعْلَبَةَ بْنِ أَبِي صَغِيرٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: " «أَدُّوا صَاعًا مِنْ قَمْحٍ أَوْ صَاعًا مِنْ بُرٍّ "، شَكَّ حَمَّادٌ، عَنْ كُلِّ اثْنَيْنِ صَغِيرٌ أَوْ كَبِيرٌ، ذَكَرٌ أَوْ أُنْثَى، حُرٌّ أَوْ مَمْلُوكٌ، غَنِيٌّ أَوْ فَقِيرٌ، أَمَّا غَنِيُّكُمْ فَيُزَكِّيهِ اللَّهُ، وَأَمَّا فَقِيرُكُمْ فَيَرُدُّ اللَّهُ عَلَيْهِ أَكْثَرَ مِمَّا يُعْطَى» فَقَدْ ضَعَّفَهُ، وَلَوْ صَحَّ لَا يُقَاوِمُ مَا رَوَيْنَاهُ فِي الصِّحَّةِ، مَعَ أَنَّ مَا لَا يَنْضَبِطُ كَثْرَةً مِنَ الرِّوَايَاتِ الْمُشْتَمِلَةِ عَلَى التَّقْسِيمِ الْمَذْكُورِ لَيْسَ فِيهِ الْفَقِيرُ، فَكَانَتْ تِلْكَ رِوَايَةً شَاذَّةً فَلَا تُقْبَلُ خُصُوصًا مَعَ نُبُوِّ قَوَاعِدِ الصَّدَقَاتِ، وَالْحَدِيثِ الصَّحِيحِ عَنْهَا (عَلَى الْعَبْدِ وَالْحُرِّ) قَالَ الطِّيبِيُّ: جَعَلَ وُجُوبَ الْفِطْرَةِ عَلَى السَّيِّدِ كَالْوُجُوبِ عَلَى الْعَبْدِ، قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ عِنْدَ قَوْلِ صَاحِبِ الْهِدَايَةِ: وَشَرْطُ الْحُرِّيَّةِ لِيَتَعَلَّقَ التَّمْلِيكُ إِذْ لَا يَمْلِكُ إِلَّا الْمَالِكُ، وَلَا مِلْكَ لِغَيْرِ الْحَرِّ، فَلَا يَتَحَقَّقُ مِنْهُ الرُّكْنُ، وَقَوْلُ الشَّافِعِيِّ: إِنَّهَا عَلَى الْعَبْدِ وَيَتَحَمَّلُهُ السَّيِّدُ، لَيْسَ بِذَاكَ الْمَقْصُودِ الْأَصْلِيِّ مِنَ التَّكْلِيفِ، أَنْ يَصْرِفَ الْمُكَلَّفُ نَفْسَ مَنْفَعَتِهِ لِمَالِكِهِ، وَهُوَ الرَّبُّ - تَعَالَى - ابْتِلَاءً لَهُ لِتَظْهَرَ طَاعَتُهُ مِنْ عِصْيَانِهِ، وَلِذَا لَا يَتَعَلَّقُ التَّكْلِيفُ إِلَّا بِفِعْلِ الْمُكَلَّفِ، فَإِذَا فُرِضَ كَوْنُ الْمُكَلَّفِ لَا يَلْزَمُهُ شَرْعًا صَرْفُ تِلْكَ الْمَنْفَعَةِ الَّتِي هِيَ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ فِعْلُ الْإِعْطَاءِ، وَإِنَّمَا يَلْزَمُ شَخْصًا آخَرَ لَزِمَ انْتِفَاءُ الِابْتِلَاءِ الَّذِي هُوَ مَقْصُودُ التَّكْلِيفِ فِي حَقِّ ذَلِكَ الْمُكَلَّفِ، وَثُبُوتُ الْفَائِدَةِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى ذَلِكَ الْآخَرِ لَا تَتَوَقَّفُ عَلَى الْإِيجَابِ عَلَى الْأَوَّلِ، لِأَنَّ الَّذِي لَهُ وِلَايَةُ الْإِيجَادِ وَالْإِعْدَامِ يُمْكِنُ أَنْ يُكَلِّفَ ابْتِدَاءً السَّيِّدَ بِسَبَبِ عَبْدٍ مَلَّكَهُ لَهُ مِنْ فَضْلِهِ، فَوَجَبَ لِهَذَا الدَّلِيلِ الْعَقْلِيِّ، وَهُوَ لُزُومُ انْتِفَاءِ مَقْصُودِ التَّكْلِيفِ الْأَوَّلِ أَنْ يُحْمَلَ مَا وَرَدَ مِنْ لَفْظِ " عَلَى " فِي نَحْوِ قَوْلِهِ عَلَى كُلِّ حُرٍّ، وَعَبْدٍ عَلَى مَعْنَى عَنْ كَقَوْلِهِ:
[ ٤ / ١٢٩٧ ]
إِذَا رَضِيَتْ عَلَيَّ بَنُو قُشَيْرٍ لَعَمْرُ اللَّهِ أَعْجَبَنِي رِضَاهَا
وَهُوَ كَثِيرٌ، هَذَا لَوْ لَمْ يَجِئْ شَيْءٌ مِنْ أَلْفَاظِ الرِّوَايَاتِ بِلَفْظِ (عَنْ) كَيْلَا يُنَافِيَهُ الدَّلِيلُ الْعَقْلِيُّ فَكَيْفَ وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ صَرَّحَ بِهِ عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ (وَالذَّكَرِ وَالْأُنْثَى وَالصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ) وَهُوَ يَعُمُّ الْحَاضِرَ وَالْغَائِبَ حَالَ كَوْنِهِمْ (مِنَ الْمُسْلِمِينَ) قَالَ الطِّيبِيُّ: حَالٌ مِنَ الْعَبْدِ، وَمَا عُطِفَ عَلَيْهِ فَلَا يَجِبُ عَلَى الْمُسْلِمِ فِطْرَةُ الْعَبْدِ الْكَافِرِ، قَالَ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ: يَجِبُ لِلْإِطْلَاقِ وَلِحَدِيثٍ رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا " «أَدُّوا صَدَقَةَ الْفِطْرِ عَنْ كُلِّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ، ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى، يَهُودِيٍّ أَوْ نَصْرَانِيٍّ، حُرٍّ أَوْ مَمْلُوكٍ، نِصْفَ صَاعٍ مَنْ بُرٍّ أَوْ صَاعًا مَنْ تَمْرٍ، أَوْ شَعِيرٍ» "، قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: أَمَّا الْحَدِيثُ فَضَعِيفٌ، وَأَمَّا الْآخَرُ فَإِنَّ الْإِطْلَاقَ فِي الصَّحِيحِ يُوجِبُهَا فِي الْكَافِرِ، وَالتَّقْيِيدُ فِي الصَّحِيحِ أَيْضًا بِقَوْلِهِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ لَا يُعَارِضُهُ، لِمَا عُرِفَ مِنْ عَدَمِ حَمْلِ الْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ فِي الْأَسْبَابِ لِأَنَّهُ لَا تَزَاحُمَ فِيهَا فَيُمْكِنُ الْأَخْذُ بِهِمَا فَيَكُونُ كُلٌّ مِنَ الْمُطْلَقِ وَالْمُقَيَّدِ سَبَبًا، بِخِلَافِ وُرُودِهَا فِي حُكْمٍ وَاحِدٍ، هَذَا وَتَجِبُ الْفِطْرَةُ عَلَى الزَّوْجَةِ دُونَ زَوْجِهَا عِنْدَنَا، وَبِهِ قَالَ الثَّوْرِيُّ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ (وَأَمَرَ بِهَا أَنْ تُؤَدَّى قَبْلَ خُرُوجِ النَّاسِ إِلَى الصَّلَاةِ) قَالَ الطِّيبِيُّ: أَمْرُ اسْتِحْبَابٍ لِجَوَازِ التَّأْخِيرِ عَنِ الْخُرُوجِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ إِلَى الْغُرُوبِ، وَفِي جَوَازِ التَّأْخِيرِ عَنِ الْيَوْمِ خِلَافٌ، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى كَوْنِ الْأَمْرِ نَدْبًا خَبَرُ الْحَسَنِ: «مَنْ أَدَّاهَا قَبْلَ الصَّلَاةِ فَهِيَ زَكَاةٌ مَقْبُولَةٌ، وَمَنْ أَدَّاهَا بَعْدَ الصَّلَاةِ فَهِيَ صَدَقَةٌ مِنَ الصَّدَقَاتِ»، وَبِهَذَا يَنْدَفِعُ قَوْلُ بَعْضِ السَّلَفِ إِنَّ الْأَمْرَ هَاهُنَا لِلْوُجُوبِ وَإِنْ قَوَّاهُ جَمْعٌ مِنْ أَئِمَّتِنَا. اهـ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ خَبَرَ الْحَسَنِ يُفِيدُ الْوُجُوبَ إِلَّا أَنَّ جَمَاعَةً ادَّعَوْا أَنَّ إِخْرَاجَهُ قَبْلَ صَلَاةِ الْعِيدِ أَفْضَلُ إِجْمَاعًا، ثُمَّ مِمَّا يُؤَكِّدُونَ الْأَمْرَ لِلنَّدْبِ جَوَازُ التَّقَدُّمِ أَيْضًا، قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ بَعْدَ قَوْلِ صَاحِبِ الْهِدَايَةِ: فَإِنْ قَدَّمُوهَا عَلَى يَوْمِ الْفِطْرِ جَازَ، لِأَنَّهُ أَدَّى بَعْدَ تَقَرُّرِ السَّبَبِ، يَعْنِي الرَّأْسَ الَّذِي يُمَوِّنُهُ، وَيَلِي عَلَيْهِ، فَأَشْبَهَ تَعْجِيلَ الزَّكَاةِ، وَفِيهِ حَدِيثُ الْبُخَارِيِّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - صَدَقَةَ الْفِطْرِ، إِلَى أَنْ قَالَ فِي آخِرِهِ: وَكَانُوا يُعْطُونَ قَبْلَ الْفِطْرِ بِيَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ، وَهَذَا مِمَّا لَا يَخْفَى عَلَى النَّبِيِّ - ﷺ - بَلْ لَابُدَّ مِنْ كَوْنِهِ بِإِذْنٍ سَابِقٍ، فَإِنَّ الْإِسْقَاطَ قَبْلَ الْوُجُوبِ مِمَّا لَمْ يُعْقَلْ، فَلَمْ يَكُونُوا يُقْدِمُونَ عَلَيْهِ إِلَّا بِسَمْعٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَالَ: عِنْدَ قَوْلِهِ: هُوَ الصَّحِيحُ احْتِرَازٌ عَنْ قَوْلِ خَلَفٍ، وَكَذَا الشَّافِعِيُّ بِجَوَازِ تَعْجِيلِهَا بَعْدَ دُخُولِ رَمَضَانَ لَا قَبْلَهُ، لِأَنَّهَا صَدَقَةُ الْفِطْرِ، وَلَا فِطْرَ قَبْلَ الشُّرُوعِ فِي الصَّوْمِ، وَعَمَّا قِيلَ فِي النِّصْفِ الْأَخِيرِ لَا قَبْلَهُ، وَمَا قِيلَ فِي الْعُشْرِ الْأَخِيرِ لَا قَبْلَهُ، وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ زِيَادٍ: لَا يَجُوزُ التَّعْجِيلُ أَصْلًا، اهـ. وَكَأَنَّهُ أَخَذَ بِظَاهِرِ هَذَا الْحَدِيثِ، وَبِمَا رَوَاهُ الْحَاكِمُ فِي عُلُومِ الْحَدِيثِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - أَنْ نُخْرِجَ صَدَقَةَ الْفِطْرِ عَنْ كُلِّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ، حُرٍّ أَوْ عَبْدٍ، صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ قَمْحٍ، وَكَانَ يَأْمُرُنَا أَنْ نُخْرِجَهَا قَبْلَ الصَّلَاةِ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - يُقَسِّمُهَا قَبْلَ أَنْ يَنْصَرِفَ إِلَى الْمُصَلَّى وَيَقُولُ: " «أَغْنُوهُمْ عَنِ الطَّوَافِ فِي هَذَا الْيَوْمِ» " اهـ وَفِي رِوَايَةٍ " أَغْنُوهُمْ عَنِ الطَّلَبِ فِي هَذَا الْيَوْمِ " وَلَعَلَّ الْأَمْرَ بِالْإِغْنَاءِ لِئَلَّا يَتَشَاغَلَ الْفَقِيرُ بِالْمَسْأَلَةِ عَنِ الصَّلَاةِ، وَالْجُمْهُورُ حَمَلُوا أَمْرَهُ وَفِعْلَهُ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ لِمَا تَقَدَّمَ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) قَالَ مِيرَكُ: وَرَوَاهُ الْأَرْبَعَةُ إِلَى قَوْلِهِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ.
[ ٤ / ١٢٩٨ ]
١٨١٦ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: «كُنَّا نُخْرِجُ زَكَاةَ الْفِطْرِ صَاعًا مِنْ طَعَامٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ، أَوْ صَاعًا مَنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعًا مَنْ أَقِطٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ زَبِيبٍ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
_________________
(١) (وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: كُنَّا نُخْرِجُ زَكَاةَ الْفِطْرِ صَاعًا مِنْ طَعَامٍ) قَالَ الطِّيبِيُّ: أَيْ بُرٍّ بِقَرِينِةِ قَوْلِهِ (أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ) قَالَ عُلَمَاؤُنَا: إِنَّ الْمُرَادَ بِالطَّعَامِ الْمَعْنَى الْأَعَمُّ فَيَكُونُ عَطْفُ مَا بَعْدَهُ عَلَيْهِ مِنْ بَابِ عَطْفِ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ، وَإِنْ أَرَدْتَ تَحْقِيقَ الْمَرَامِ فَعَلَيْكَ بِشَرْحِ ابْنِ الْهُمَامِ فَإِنَّهُ بَسَطَ الْكَلَامَ فِي هَذَا الْمَقَامِ (أَوْ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ) قَالَ مِيرَكُ نَقْلًا عَنِ الْأَزْهَارِ: اخْتَلَفَتِ الْعُلَمَاءُ فِي أَنَّ أَوْ فِي هَذَا الْحَدِيثِ لِتَخْيِيرِ الْمُؤَدَّى مِنْ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ أَوْ لِتَعْيِينِ وَاحِدٍ مِنْهَا وَهُوَ الْغَالِبُ، فِيهِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا أَنَّهُ لِلتَّخْيِيرِ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالثَّانِي أَنَّهُ لِتَعْيِينِ أَحَدِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ بِالْغَلَبَةِ وَهُوَ غَالِبُ قُوتِ الْبَلَدِ عَلَى الْأَصَحِّ، وَبِهِ قَالَ الْأَكْثَرُونَ وَمَعْنَاهُ: كُنَّا نُخْرِجُ هَذِهِ الْأَنْوَاعَ بِحَسَبِ أَقْوَاتِنَا وَمُقْتَضَى أَحْوَالِنَا اهـ وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: أَوْ هَذِهِ لِلتَّنْوِيعِ لَا لِلتَّخْيِيرِ، فَإِنَّ الْقُوتَ الْغَالِبَ لَا يُعْدَلُ عَنْهُ إِلَى مَا دُونَهُ فِي الشَّرَفِ اهـ وَهُوَ خِلَافُ الْمَذْهَبِ (أَوْ صَاعًا مِنْ أَقِطٍ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِ الْقَافِ هُوَ الْكِشْكُ إِذَا كَانَ مِنَ اللَّبَنِ. قَالَ الثَّوْرِيُّ وَغَيْرُهُ: وَهُوَ لَبَنٌ يَابِسٌ غَيْرُ مَنْزُوعِ الزُّبْدِ، وَقَدْ ضَبَطَ بَعْضُهُمُ الْأَقِطَ بِتَثْلِيثِ الْهَمْزَةِ وَإِسْكَانِ الْقَافِ. قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: فِي الْأَقِطِ خِلَافٌ وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ يَدُلُّ عَلَى جَوَازِهِ (أَوْ صَاعًا مِنْ زَبِيبٍ) وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رَوَاهَا الْحَسَنُ عَنْهُ، وَصَحَّحَهَا أَبُو الْيُسْرِ، وَفِي رِوَايَةٍ نِصْفُ صَاعٍ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) قَالَ مِيرَكُ: وَرَوَاهُ أَحْمَدُ وَالشَّافِعِيُّ.
[ ٤ / ١٢٩٨ ]
(الْفَصْلُ الثَّانِي)
١٨١٧ - «عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ فِي آخِرِ رَمَضَانَ: أَخْرِجُوا صَدَقَةَ صَوْمِكِمْ، فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - هَذِهِ الصَّدَقَةَ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ شَعِيرٍ، أَوْ نِصْفَ صَاعٍ مِنْ قَمْحٍ، عَلَى كُلِّ حُرٍّ، أَوْ مَمْلُوكٍ، ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى، صَغِيرٍ أَوْ كَبِيرٍ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ.
_________________
(١) (الْفَصْلُ الثَّانِي)
(٢) (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ) أَيِ ابْنُ عَبَّاسٍ وَالْمَعْنَى أَنَّهُ قَالَ لِلنَّاسِ (فِي آخِرِ رَمَضَانَ) ظَرْفٌ قَالَ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ظَرْفَ قَوْلِهِ («أَخْرِجُوا صَدَقَةَ صَوْمِكُمْ، فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - هَذِهِ الصَّدَقَةَ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ أَوْ شَعِيرٍ أَوْ نِصْفَ صَاعٍ مِنْ قَمْحٍ») أَيْ حِنْطَةٍ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ خِلَافًا لِلثَّلَاثَةِ، وَيُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ مُعَاوِيَةَ حَيْثُ قَالَ فِي خُطْبَتِهِ بِالْمَدِينَةِ: أَرَى نِصْفَ صَاعٍ مِنْ حِنْطَةٍ تَعْدِلُ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا مَرْفُوعٌ حُكْمًا، وَيُحْتَمَلُ كَوْنُهُ مِنِ اجْتِهَادِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ (عَلَى كُلِّ حُرٍّ أَوْ مَمْلُوكٍ، ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى، صَغِيرٍ أَوْ كَبِيرٍ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ) قَالَ مِيرَكُ: كِلَاهُمَا مِنْ حَدِيثِ الْحَسَنِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَقَالَ: الْحَسَنُ لَمْ يَسْمَعْ مِنْهُ، قُلْتُ: فَيَكُونُ الْحَدِيثُ مُرْسَلًا وَهُوَ حُجَّةٌ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، فَقَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ: الْحَدِيثُ ضَعِيفٌ مَبْنِيٌّ عَلَى قَوَاعِدِ مَذْهَبِهِ، وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى حُسْنِ إِسْنَادِهِ سُكُوتُ أَبِي دَاوُدَ بَعْدَ إِيرَادِهِ.
[ ٤ / ١٢٩٩ ]
١٨١٨ - وَعَنْهُ قَالَ: «فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - زَكَاةَ الْفِطْرِ طُهْرَ الصِّيَامِ مِنَ اللَّغْوِ وَالرَّفَثِ، وَطُعْمَةً لِلْمَسَاكِينِ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
_________________
(١) (وَعَنْهُ) أَيْ: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ (قَالَ: فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - زَكَاةَ الْفِطْرِ طُهْرَ الصِّيَامِ) أَيْ: تَطْهِيرَ الصَّوْمِ وَقِيلَ: الصِّيَامُ جَمْعُ صَائِمٍ كَالْقِيَامِ جَمْعُ قَائِمٍ، وَفِي الْمَصَابِيحِ طُهْرَةَ الصَّائِمِ؛ أَيْ: تَطْهِيرًا لِذُنُوبِهِ (مِنَ اللَّغْوِ) وَهُوَ مَا لَا يُعْنَى، وَقِيلَ: الْبَاطِلُ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: الْمُرَادُ بِهِ الْقَبِيحُ (وَالرَّفَثُ) أَيِ الْفُحْشُ مِنَ الْكَلَامِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: هُوَ فِي الْأَصْلِ مَا يَجْرِي مِنَ الْكَلَامِ بَيْنَ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ تَحْتَ اللِّحَافِ ثُمَّ اسْتُعْمِلَ فِي كُلِّ كَلَامٍ قَبِيحٍ اهـ فَيُحْمَلُ قَوْلُهُ فِي تَفْسِيرِ اللَّغْوِ عَلَى الْقَبِيحِ الْفِعْلِيِّ أَوِ الْعَطْفُ تَفْسِيرِيٌّ، قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: وَهَذَا لِأَنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ تَمَسَّكَ بِهِ مَنْ لَمْ يُوجِبِ الْفِطْرَةَ عَلَى الْأَطْفَالِ لِأَنَّهُمْ إِذَا لَمْ يَلْزَمْهُمُ الصِّيَامُ لَمْ يَلْزَمْ طُهْرَتُهُ وَالْأَكْثَرُونَ عَلَى إِيجَابِهِمْ عَلَيْهِمْ، وَلَعَلَّهُمْ نَظَرُوا إِلَى أَنَّ عِلَّةَ الْإِيجَابِ مُرَكَّبَةٌ مِنَ الطُّهْرَةِ وَالطُّعْمَةِ رِعَايَةً لِجَانِبِ الْمَسَاكِينِ، وَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ مَعَ هَذَا أَيْضًا إِلَى أَنَّ شَرْطَ وُجُوبِهَا أَنْ يَمْلِكَ مَا يَفْضُلُ عَنْ قُوتِ يَوْمِهِ لِنَفْسِهِ وَعِيَالِهِ لِاسْتِوَاءِ الْغَنِيِّ وَالْفَقِيرِ فِي كَوْنِهَا طُهْرَةً. أَقُولُ: كَمَا أَنَّهُ شَرَطَ مَا ذُكِرَ شَرَطْنَا النِّصَابَ لِمَا تَقَدَّمَ مِنَ الْأَدِلَّةِ جَمْعًا بَيْنَ الْأَحَادِيثِ مَا أَمْكَنَ، وَفِيهِ إِيمَاءٌ إِلَى تَفْضِيلِ الْفُقَرَاءِ فَكَانَتْ أَعْمَالُهُمْ مُطَهَّرَةً وَذُنُوبُهُمْ مَغْفُورَةً مِنْ غَيْرِ صَدَقَةٍ، وَإِشَارَةً إِلَى أَنَّ أَكْثَرَ وُقُوعِ اللَّغْوِ وَالرَّفَثِ إِنَّمَا هُوَ مِنَ الْأَغْنِيَاءِ (وَطُعْمَةً لِلْمَسَاكِينِ) أَيْ لِيَكُونَ قُوتُهُمْ يَوْمَ الْعِيدِ مُهَيِّئًا تَسْوِيَةً بَيْنَ الْفَقِيرِ وَالْغَنِيِّ فِي وِجْدَانِ الْقُوتِ ذَلِكَ الْيَوْمَ، وَفِيهِ دَلَالَةٌ ظَاهِرَةٌ عَلَى أَنَّ الطُّهْرَةَ عَلَى الْأَغْنِيَاءِ مِنَ الصَّائِمِينَ، وَالطُّعْمَةَ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ كَمَا هُوَ مُقْتَضَى التَّقْسِيمِ سِيَّمَا عَلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ فِي تَعْرِيفِ الْمِسْكِينِ (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) قَالَ مِيرَكُ: وَسَكَتَ عَلَيْهِ هُوَ وَالْمُنْذِرِيُّ يَعْنِي: فَسَنَدُهُ حَسَنٌ، بَلْ قَالَ الْحَاكِمُ: صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ، قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: وَلَا يَخْفَى أَنَّ رُكْنَ صَدَقَةِ الْفِطْرِ هُوَ نَفْسُ الْأَدَاءِ إِلَى الْمَصْرِفِ، وَسَبَبُ شَرْعِيَّتِهَا مَا نُصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ أَبُو دَاوُدَ وَابْنِ مَاجَهْ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ - «فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - زَكَاةَ الْفِطْرِ طُهْرَةً لِلصَّائِمِ مِنَ اللَّغْوِ أَوِ الرَّفَثِ وَطُعْمَةً لِلْمَسَاكِينِ، مَنْ أَدَّاهَا قَبْلَ الصَّلَاةِ فَهِيَ زَكَاةٌ مَقْبُولَةٌ، وَمَنْ أَدَّاهَا بَعْدَ الصَّلَاةِ فَهِيَ صَدَقَةٌ مِنَ الصَّدَقَاتِ» . وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَقَالَ: لَيْسَ فِي رِوَايَتِهِ مَجْرُوحٌ اهـ. وَفِي خَبَرٍ حَسَنٍ غَرِيبٍ: «شَهْرُ رَمَضَانَ مُعَلَّقٌ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَا يُرْفَعُ إِلَّا بِزَكَاةِ الْفِطْرِ» .
[ ٤ / ١٢٩٩ ]
(الْفَصْلُ الثَّالِثُ)
١٨١٩ - عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ «النَّبِيَّ - ﷺ - بَعَثَ مُنَادِيًا فِي فِجَاجِ مَكَّةَ: " أَلَا إِنَّ صَدَقَةَ الْفِطْرِ وَاجِبَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ، ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى، حُرٍّ أَوْ عَبْدٍ، صَغِيرٍ أَوْ كَبِيرٍ، مُدَّانِ مِنْ قَمْحٍ، أَوْ سِوَاهُ، أَوْ صَاعٌ مِنْ طَعَامٍ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
_________________
(١) (الْفَصْلُ الثَّالِثُ)
(٢) (عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - بَعَثَ مُنَادِيًا فِي فِجَاجِ مَكَّةَ) بِكَسْرِ الْفَاءِ، أَيْ فِي طُرُقِهَا وَهِيَ الْوَاسِعَةُ، مُتَعَلِّقٌ بِبَعَثَ («أَلَا إِنَّ صَدَقَةَ الْفِطْرِ وَاجِبَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ، ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى، حُرٍّ أَوْ عَبْدٍ، صَغِيرٍ أَوْ كَبِيرٍ، مُدَّانِ») أَيْ هِيَ مُدَّانِ فَهُوَ مَرْفُوعٌ عَلَى أَنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، وَالْجُمْلَةُ بَيَانٌ لِصَدَقَةٍ أَوْ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ (مِنْ قَمْحٍ) تَمْيِيزٌ (أَوْ سِوَاهُ) أَيْ مِنْ غَيْرِ الْقَمْحِ، وَأَوْ لِلتَّخْيِيرِ، أَوْ لِلتَّنْوِيعِ (أَوْ صَاعٌ) شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي (مِنْ طَعَامٍ) أَيْ سِوَى الْقَمْحِ وَهُوَ يُؤَيِّدُ التَّأْوِيلَ الَّذِي قَدَّمْنَاهُ مِنْ أَنَّ الطَّعَامَ يُرَادُ بِهِ الْمَعْنَى الْأَعَمُّ، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: شَكَّ فِي أَيِّ اللَّفْظَيْنِ سَمِعَ اهـ وَهُوَ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ بَدَلًا مِنْ قَوْلِهِ مُدَّانِ أَوْ سِوَاهُ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) وَقَالَ: غَرِيبٌ نَقَلَهُ مِيرَكُ، ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ الْأَحَادِيثَ وَالْآثَارَ تَعَارَضَتْ فِي مِقْدَارِ الْحِنْطَةِ، فَفِي بَعْضِهَا مُدَّانِ، وَفِي بَعْضِهَا صَاعٌ، وَفِي بَعْضِهَا نَصِفُ صَاعٍ، فَإِنْ أَرَدْتَ تَحْقِيقَ الْكَلَامِ فَعَلَيْكَ بِشَرْحِ الْهِدَايَةِ لِابْنِ الْهُمَامِ.
[ ٤ / ١٣٠٠ ]
١٨٢٠ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ثَعْلَبَةَ، أَوْ ثَعْلَبَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، بْنِ أَبِي صُعَيْرٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: " «صَاعٌ مِنْ بُرٍّ، أَوْ قَمْحٍ عَنْ كُلِّ اثْنَيْنِ، صَغِيرٍ أَوْ كَبِيرٍ، حُرٍّ أَوْ عَبْدٍ، ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى، أَمَّا غَنِيُّكُمْ فَيُزَكِّيهِ اللَّهُ، وَأَمَّا فَقِيرُكُمْ فَيَرُدُّ عَلَيْهِ أَكْثَرَ مِمَّا أَعْطَاهُ» "، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
_________________
(١) (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي ثَعْلَبَةَ، أَوْ ثَعْلَبَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِيِ صُعَيْرٍ) بِالتَّصْغِيرِ (عَنْ أَبِيهِ) أَوْرَدَ الذَّهَبِيُّ فِي الْكَاشِفِ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ ثَعْلَبَةَ بْنِ صُعَيْرٍ بِلَا لَفْظِ أَبِي، وَكَذَا أَوْرَدَهُ الْمُزِّيُّ فِي تَهْذِيبِ الْكَمَالِ، لَكِنْ قَالَ: وَيُقَالُ: ابْنُ أَبِي صُعَيْرٍ أَبُو مُحَمَّدٍ الْمَدَنِيُّ الشَّاعِرُ حَلِيفُ بَنِي زُهْرَةَ مَسَحَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - وَجْهَهُ وَرَأْسَهُ زَمَنَ الْفَتْحِ اهـ. وَقَالَ الشَّيْخُ ابْنُ حَجَرٍ فِي التَّقْرِيبِ: فِي الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي ثَعْلَبَةَ بْنِ صُعَيْرٍ بِالْمُهْمَلَتَيْنِ، وَيُقَالُ: ابْنُ أَبِي صُعَيْرٍ لَهُ رُؤْيَةٌ وَلَمْ يَثْبُتْ لَهُ سَمَاعٌ، مَاتَ سَنَةَ سَبْعٍ أَوْ تِسْعٍ وَثَمَانِينَ وَقَدْ قَارَبَ التِّسْعِينَ، وَقَالَ فِي حَرْفِ الثَّاءِ الْمُثَلَّثَةِ: ثَعْلَبَةُ بْنُ صُعَيْرٍ أَوِ ابْنُ أَبِي صُعَيْرٍ - مُهْمَلَتَيْنِ مُصَغَّرًا - الْعُذُرِيُّ - بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ يَعْنِي الْمُعْجَمَةَ -، وَيُقَالُ: ثَعْلَبَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صُعَيْرٍ وَيُقَالُ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ ثَعْلَبَةَ بْنِ صُعَيْرٍ مُخْتَلَفٌ فِي صُحْبَتِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، نَقَلَهُ مِيرَكُ، ثُمَّ قَالَ: وَحَدِيثُهُ هَذَا مُضْطَرِبٌ، وَفِي إِسْنَادِهِ النُّعْمَانُ بْنُ رَاشِدٍ وَقَدْ تَفَرَّدَ بِرِوَايَتِهِ، قَالَ الْبُخَارِيُّ: وَهُوَ يَهِمُ كَثِيرًا، وَقَالَ: مَهْمَا ذَكَرْتُ لِأَحْمَدَ حَدِيثَ ثَعْلَبَةَ بْنِ صُعَيْرٍ فَقَالَ لَيْسَ بِصَحِيحٍ إِنَّمَا هُوَ مُرْسَلٌ يَرْوِيهِ مَعْمَرٌ وَابْنُ جُرَيْجٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ مُرْسَلًا اهـ. قَالَ الْمُؤَلِّفُ: هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ ثَعْلَبَةَ الْمَازِنِيُّ الْعُذُرِيُّ، وُلِدَ قَبْلَ الْهِجْرَةِ بِأَرْبَعِ سِنِينَ، وَمَاتَ سَنَةَ تِسْعٍ وَثَمَانِينَ، وَرَأَى النَّبِيَّ - ﷺ - عَامَ الْفَتْحِ وَمَسَحَ وَجْهَهُ، رَوَى عَنْهُ ابْنُهُ عَبْدُ اللَّهِ، وَالزُّهْرِيُّ ذَكَرَهُ فِي حَرْفِ الْعَيْنِ فِي فَصْلِ الصَّحَابَةِ وَلَمْ يَذْكُرْهُ فِي حَرْفِ الْمُثَلَّثَةِ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: " صَاعٌ مِنْ بُرٍّ ") أَيِ الْفِطْرَةُ صَاعٌ مَوْصُوفٌ بِأَنَّهُ مِنْ بُرٍّ " أَوْ قَمْحٍ " شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي " عَنْ كُلِّ اثْنَيْنِ " أَيْ مُجْزِئٌ " صَغِيرٍ أَوْ كَبِيرٍ، حُرٍّ أَوْ عَبْدٍ، ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى، أَمَّا غَنِيُّكُمْ " أَيْ وُجُوبُهَا عَلَيْهِ " فَيُزَكِّيهِ اللَّهُ " التَّزْكِيَةُ بِمَعْنَى التَّطْهِيرِ أَوِ التَّنْمِيَةِ، أَيْ يُطَهِّرُ حَالَهُ وَيُنَمِّي مَالَهُ وَأَعْمَالَهُ بِسَبَبِهَا " وَأَمَّا فَقِيرُكُمْ " أَيْ بِالْإِضَافَةِ إِلَى أَكَابِرِ الْأَغْنِيَاءِ عَلَى مَذْهَبِنَا، وَأَمَّا عَلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ فَمَنْ مَلَكَ صَدَقَةَ الْفِطْرِ زِيَادَةً عَلَى قُوتِ نَفْسِهِ وَعِيَالِهِ لِيَوْمِ الْعِيدِ وَلَيْلَتِهِ وَهُوَ يَرُدُّ عَلَيْهِمْ فِي الْفَرْقِ بَيْنَ الْفَقِيرِ وَالْمِسْكِينِ (فَيَرُدُّ) أَيْ: اللَّهُ " عَلَيْهِ أَكْثَرَ مِمَّا أَعْطَاهُ " أَيْ: هُوَ الْمَسَاكِينَ، وَفِي نُسْخَةٍ بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ فِي فَيَرُدُّ، وَيَرْفَعُ أَكْثَرَ، وَالْأَوَّلُ أَكْثَرُ، وَفِي هَذَا تَسْلِيَةٌ لِمَنْ يَكُونُ قَلِيلَ الْمَالِ بِوَعْدِ الْعِوَضِ وَالْخَلَفِ فِي الْمَالِ (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) وَسَكَتَ عَلَيْهِ فَيَكُونُ حَسَنًا، فَقَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ هَذَا حَدِيثٌ ضَعِيفٌ - مُنْكَرٌ مِنَ الْقَوْلِ. قَالَ ابْنُ
[ ٤ / ١٣٠٠ ]
الْهُمَامِ: هُوَ حَدِيثٌ مَرْوِيٌّ فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ وَالدَّارَقُطْنِيِّ وَمُسْنَدِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي الِاسْمِ وَالنِّسْبَةِ وَالْمَتْنِ، فَالْأَوَّلُ أَهْوَ ثَعْلَبَةُ بْنُ أَبِي صُعَيْرٍ، أَوْ ثَعْلَبَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ أَوْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ ثَعْلَبَةَ بْنِ صُعَيْرٍ عَنْ أَبِيهِ، وَالثَّانِي أَهْوَ الْعَدَوِيُّ، أَوِ الْعُذُرِيُّ؟ فَقِيلَ: الْعَدَوِيُّ نِسْبَةً إِلَى جَدِّهِ الْأَكْبَرِ عَدِيٍّ، وَقِيلَ: الْعُذُرِيُّ وَهُوَ الصَّحِيحُ ذَكَرَهُ فِي الْمُغْرِبِ وَغَيْرِهِ، وَقَالَ أَبُو عَلِيٍّ الْغَسَّانِيُّ فِي تَقْيِيدِ الْمُهْمَلِ: الْعُذُرِيُّ بِضَمِّ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ وَبِالرَّاءِ هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ ثَعْلَبَةَ بْنِ صُعَيْرٍ أَبُو مُحَمَّدٍ حَلِيفُ بَنِي زُهْرَةَ رَأَى النَّبِيَّ - ﷺ - وَهُوَ صَغِيرٌ، وَالْعَدَوِيُّ تَصْحِيفٌ، وَالثَّالِثُ أَهْوَ «أَدُّوا صَدَقَةَ الْفِطْرِ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ قَمْحٍ عَنْ كُلِّ رَأْسٍ»، أَوْ هُوَ صَدَقَةُ الْفِطْرِ صَاعٌ مِنْ بُرٍّ، أَوْ قَمْحٍ عَنْ كُلِّ اثْنَيْنِ. قَالَ فِي الْإِمَامِ: وَيُمْكِنُ أَنْ يُصْرَفَ رَأْسٌ إِلَى اثْنَيْنِ اهـ لَكِنْ تُبْعِدُهُ رِوَايَةٌ بَيْنَ اثْنَيْنِ وَهِيَ مِنْ طُرُقِهِ الصَّحِيحَةِ الَّتِي لَا رَيْبَ فِيهَا، طَرِيقُ عَبْدِ الرَّزَّاقِ أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ثَعْلَبَةَ قَالَ: «خَطَبَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - النَّاسَ قَبْلَ يَوْمِ الْفِطْرِ بِيَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ فَقَالَ: " أَدُّوا صَاعًا مِنْ بُرٍّ، أَوْ قَمْحٍ بَيْنَ اثْنَيْنِ، أَوْ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ شَعِيرٍ عَنْ كُلِّ حُرٍّ وَعَبْدٍ، صَغِيرٍ أَوْ كَبِيرٍ» ". وَهَذَا سَنَدٌ صَحِيحٌ وَفِي غَيْرِ هَذِهِ مِنْ أَنْ يُجَاءَ بِالرَّأْيِ؟
[ ٤ / ١٣٠١ ]