الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
٧٩٠ - «عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - أَنَّ رَجُلًا دَخَلَ الْمَسْجِدَ وَرَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - جَالِسٌ فِي نَاحِيَةِ الْمَسْجِدِ، فَصَلَّى، ثُمَّ جَاءَ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: " وَعَلَيْكَ السَّلَامُ، ارْجِعْ فَصَلِّ، فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ " فَرَجَعَ فَصَلَّى، ثُمَّ جَاءَ، فَسَلَّمَ، فَقَالَ: " وَعَلَيْكَ السَّلَامُ، ارْجِعْ فَصَلِّ، فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ "، فَقَالَ فِي الثَّالِثَةِ - أَوْ فِي الَّتِي بَعْدَهَا -: عَلِّمْنِي يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ: " إِذَا قُمْتَ إِلَى الصَّلَاةِ فَأَسْبِغِ الْوُضُوءَ، ثُمَّ اسْتَقْبِلِ الْقِبْلَةَ فَكَبِّرْ، ثُمَّ اقْرَأْ بِمَا تَيَسَّرَ مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ، ثُمَّ ارْكَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ رَاكِعًا، ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَسْتَوِّيَ قَائِمًا، ثُمَّ اسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِدًا، ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ جَالِسًا، ثُمَّ اسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِدًا، ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ جَالِسًا وَفِي رِوَايَةٍ: " ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَسْتَوِيَ قَائِمًا، ثُمَّ افْعَلْ ذَلِكَ فِي صَلَاتِكَ كُلِّهَا» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
(١٠)
بَابُ صِفَةَ الصَّلَاةَ.
الْمُرَادُ بِهَا جِنْسُ صِفَتِهَا الشَّامِلَةِ لِلْأَرْكَانِ وَالْفَرَائِضِ وَالْوَاجِبَاتِ وَالسُّنَنِ وَالْمُسْتَحَبَّاتِ قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: قِيلَ الصِّفَةُ وَالْوَصْفُ فِي اللُّغَةِ وَاحِدٌ، وَفِي عُرْفِ الْمُتَكَلِّمِينَ بِخِلَافِهِ، وَالتَّحْرِيرُ، الْوَصْفُ ذِكْرُ مَا فِي الْمَوْصُوفِ مِنَ الصِّفَةِ، وَالصِّفَةُ هِيَ مَا فِيهِ، ثُمَّ الْمُرَادُ هُنَا بِصِفَةِ الصَّلَاةِ الْأَوْصَافُ النَّفْسِيَّةُ لَهَا، وَهِيَ الْأَجْزَاءُ الْفِعْلِيَّةُ الصَّادِقَةُ عَلَى الْخَارِجِيَّةِ الَّتِي هِيَ أَجْزَاءُ الْهُوَيَّةِ مِنَ الْقِيَامِ الْجُزْئِيِّ وَالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ.
[ ٢ / ٦٤٩ ]
٧٩٠ - (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَجُلًا): قَالَ مِيرَكُ: هَذَا الرَّجُلُ هُوَ خَلَّادُ بْنُ رَافِعٍ، كَمَا بَيَّنَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَقَالَ الْأَبْهَرِيُّ: هُوَ عَلِيُّ بْنُ يَحْيَى رَاوِي الْخَبَرِ قَالَهُ الشَّيْخُ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ الْعَسْقَلَانِيُّ: هُوَ خَلَّادُ بْنُ رَافِعٍ الْأَنْصَارِيُّ، وَجَاءَ أَنَّهُ اسْتُشْهِدَ بِبَدْرٍ، فَعَلَيْهِ تَكُونُ الْقِصَّةُ قَبْلَهَا، وَلَا تُشْكِلُ عَلَيْهِ رِوَايَةُ أَبِي هُرَيْرَةَ لِلْقَضِيَّةِ مَعَ أَنَّهُ إِنَّمَا أَسْلَمَ سَنَةَ سَبْعٍ، وَوَقْعَةُ بَدْرٍ كَانَتْ فِي الثَّانِيَةِ ; لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ أَبَا هُرَيْرَةَ رَوَاهَا عَنْ بَعْضِ الصَّحَابَةِ الَّذِينَ شَاهَدُوهَا، وَمَا قِيلَ إِنِ الْمُسِيءَ صَلَاتَهُ رِفَاعَةُ أَخُو خَالِدٍ فَهُوَ اشْتِبَاهٌ، وَإِنَّمَا هُوَ بَدْرِيٌّ أَيْضًا فَمَرْدُودٌ، بِأَنَّهُ هُوَ رَاوِيهَا عَنْ أَخِيهِ خَالِدٍ لَا عَنْ نَفْسِهِ، كَمَا سَيَأْتِي فِي الْفَصْلِ الثَّانِي، (دَخَلَ الْمَسْجِدَ وَرَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - جَالِسٌ فِي نَاحِيَةِ الْمَسْجِدِ): وَفِي الْمَصَابِيحِ: جَالَسٌ فِي الْمَسْجِدِ، أَيْ: فِي جَانِبٍ مِنْهُ، قَالَهُ ابْنُ الْمَلَكِ، (فَصَلَّى): وَفِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ: فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهَا تَحِيَّةُ الْمَسْجِدِ (ثُمَّ جَاءَ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ): مُقَدِّمًا حَقَّ اللَّهِ عَلَى حَقِّ رَسُولِهِ - ﵇ -، كَمَا هُوَ أَدَبُ الزِّيَارَةِ، لِأَمْرِهِ - ﵇ - بِذَلِكَ لِمَنْ سَلَّمَ عَلَيْهِ قَبْلَ صَلَاةِ التَّحِيَّةِ فَقَالَ لَهُ: (" ارْجِعْ فَصَلِّ ثُمَّ ائْتِ فَسَلِّمْ عَلَيَّ " (فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: " وَعْلَيْكَ السَّلَامُ "): قِيلَ: عَلَيْكَ بِلَا وَاوٍ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَا قَالَهُ بِعَيْنِهِ مَرْدُودٌ إِلَيْهِ خَاصَّةً، أَيْ: وَيَحْتَمِلُ غَيْرَهُ، وَإِذَا أَثْبَتَ الْوَاوَ وَمَعَ الِاشْتِرَاكِ مَعَهُ وَالدُّخُولِ فِيمَا قَالَهُ ; لِأَنَّ الْوَاوَ لِجَمْعِ الشَّيْئَيْنِ، (" ارْجِعْ فَصَلِّ، فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ ")، أَيْ: صَلَاةً كَامِلَةً أَوْ صَحِيحَةً (فَرَجَعَ فَصَلَّى، ثُمَّ جَاءَ فَسَلَّمَ)، أَيْ: عَلَيْهِ كَمَا فِي نُسْخَةٍ، وَفِيهِ اسْتِحْبَابُ تَكْرَارِهِ السَّلَامَ بِالْفَصْلِ، أَوْ لِأَنَّ السَّلَامَ الْمُعْتَبَرَ هُوَ الَّذِي يَكُونُ بَعْدَ الصَّلَاةِ الْكَامِلَةِ أَوِ الصَّحِيحَةِ (قَالَ " وَعَلَيْكَ السَّلَامُ ارْجِعْ فَصَلِّ، فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ): قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ النَّفْيُ فِي قَوْلِهِ: لَمْ تُصَلِّ نَفْيٌ لِكَمَالِ الصَّلَاةِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ، وَنَفْيٌ لِجَوَازِهَا عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ.
قُلْتُ: وَكَذَلِكَ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ، لَكِنَّ تَقْرِيرَهُ عَلَى صَلَاتِهِ كَرَّاتٍ يُؤَيِّدُ كَوْنَهُ نَفْيَ الْكَمَالِ لَا الصِّحَّةِ، فَإِنَّهُ يَلْزَمُ مِنْهُ أَيْضًا الْأَمْرُ بِعِبَادَةٍ فَاسِدَةٍ مَرَّاتٍ (فَقَالَ فِي الثَّالِثَةِ: - أَوْ فِي الَّتِي بَعْدَهَا -): أَيْ فِي الْمَرَّةِ الرَّابِعَةِ (عَلِّمْنِي يَا رَسُولَ اللَّهِ): قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ فِي شَرْحِ الْمَشَارِقِ، فَإِنْ قِيلَ: لِمَ سَكَتَ النَّبِيُّ - ﷺ - عَنْ تَعْلِيمِهِ أَوَّلًا حَتَّى افْتَقَرَ إِلَى الْمُرَاجَعَةِ كَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى؟ قُلْنَا: لِأَنَّ الرَّجُلَ لَمَّا لَمْ يَسْتَكْشِفِ الْحَالَ مُغْتَرًّا بِمَا عِنْدَهُ سَكَتَ عَنْ تَعْلِيمِهِ زَجْرًا لَهُ، وَإِرْشَادًا إِلَى أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يَسْتَكْشِفَ مَا اسْتُبْهِمَ عَلَيْهِ، فَلَمَّا طَلَبَ كَشْفَ الْحَالِ بَيَّنَهُ بِحُسْنِ الْمَقَالِ اهـ.
وَاسْتَشْكَلَ تَقْرِيرُهُ - ﵇ - عَلَى صَلَاتِهِ، وَهِيَ فَاسِدَةٌ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ النَّفْيَ لِلصِّحَّةِ، وَأُجِيبَ: بِأَنَّهُ أَرَادَ اسْتِدْرَاجَهُ بِفِعْلِ مَا جَعَلَهُ مَرَّاتٍ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ فَعَلَهُ نَاسِيًا أَوْ غَافِلًا، فَيَتَذَكَّرُ فَيَفْعَلُ مِنْ غَيْرِ تَعْلِيمٍ، فَلَيْسَ مِنْ بَابِ التَّقْرِيرِ عَلَى الْخَطَأِ، بَلْ مِنْ بَابِ تَحَقُّقِ الْخَطَأِ، أَوْ بِأَنَّهُ لَمْ يُعَلِّمْهُ أَوَّلًا لِيَكُونَ أَبْلَغَ فِي تَعْرِيفِهِ وَتَعْرِيفِ غَيْرِهِ وَلِتَفْخِيمِ الْأَمْرِ وَتَعْظِيمِهِ عَلَيْهِ، وَقَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: لَا شَكَّ فِي زِيَادَةِ قَبُولِ الْمُتَعَلِّمِ لِمَا يُلْقَى إِلَيْهِ بَعْدَ تَكْرَارِ فِعْلِهِ، وَاسْتِجْمَاعِ نَفْسِهِ، وَتَوَجُّهُ سُؤَالِهِ مَصْلَحَةٌ مَانِعَةٌ مِنْ وُجُوبِ الْمُبَادَرَةِ إِلَى التَّعْلِيمِ، لَاسِيَّمَا مَعَ عَدَمِ خَوْفٍ، (فَقَالَ: " إِذَا قُمْتَ ")، أَيْ: أَرَدْتَ الْقِيَامَ (" إِلَى الصَّلَاةِ فَأَسْبِغِ الْوُضُوءَ "): بِضَمِّ الْوَاوِ وَبِفَتْحٍ، قَالَ الطِّيبِيُّ، أَيْ: أَتْمِمْهُ يَعْنِي تَوَضَّأْ وُضُوءًا تَامًّا، وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: مُشْتَمِلًا عَلَى فَرَائِضِهِ وَسُنَنِهِ (" ثُمَّ اسْتَقْبِلِ الْقِبْلَةَ "): فَإِنَّهُ مِنْ شُرُوطِ الصَّلَاةِ، وَفِيهِ إِيمَاءٌ إِلَى أَنَّ الْجِهَةَ كَافِيَةٌ، وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّهُ - ﵇ - قَالَ: " «مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ قِبْلَةٌ» " وَمَا أَبْعَدَ قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ، أَيْ: عَيَّنَ الْكَعْبَةَ لِمَا مَرَّ أَنَّهُ - ﵇ - رَكَعَ رَكْعَتَيْنِ فِي وَجْهِهَا وَقَالَ: هَذِهِ الْقِبْلَةُ اهـ.
[ ٢ / ٦٥٠ ]
وَلَعَلَّ تَرْكَ سَائِرِ الشُّرُوطِ مِنْ طَهَارَةِ الثَّوْبِ وَالْمَكَانِ، وَسَتْرِ الْعَوْرَةِ اكْتِفَاءٌ بِالشُّهْرَةِ (" فَكَبِّرْ ")، أَيْ: تَكْبِيرَةَ الِافْتِتَاحِ، وَهِيَ شَرْطٌ عِنْدَنَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ [الأعلى: ١٥]، وَرُكْنٌ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ، وَتَرَكَ ذِكْرَ النِّيَّةِ مَعَ أَنَّهَا مِنَ الشُّرُوطِ لِوُضُوحِهَا وَلِعَدَمِ خُصُوصِيَّتِهَا بِالصَّلَاةِ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: كَانَ حِكْمَةُ الْفَاءِ هَاهُنَا دُونَ مَا قَبْلَهَا وَمَا بَعْدَهَا أَنَّ التَّكْبِيرَ يَعْقُبُ الِاسْتِقْبَالَ غَالِبًا بِخِلَافِهِ مَعَ الْوُضُوءِ، وَبِخِلَافِ التَّكْبِيرِ وَقِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ لِمَا بَيْنَهُمَا مِنْ الِافْتِتَاحِ وَالتَّعَوُّذِ.
قُلْتُ: وَلَعَلَّ فِيهِ إِيمَاءً إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ [المدثر: ٣] فَيَتَضَمَّنُ الْإِشَارَةَ إِلَى الْمَفْعُولِ الْمُقَدَّرِ، وَالتَّكْبِيرُ مَعْنَاهُ التَّعْظِيمُ، فَيَجُوزُ بِلَفْظِ: اللَّهُ أَكْبَرُ، وَبِكُلِّ مَا دَلَّ عَلَى تَعْظِيمِهِ تَعَالَى لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ [الأعلى: ١٥] وَحَدِيثُ تَحْرِيمِهَا التَّكْبِيرُ، وَقَوْلُهُ - ﵇ - فِي أَوَائِلِ صَلَاتِهِ " اللَّهُ أَكْبَرُ " مَعَ الْمُوَاظَبَةِ عَلَيْهِ يَدُلُّ عَلَى كَوْنِهِ وَاجِبًا لَا عَلَى كَوْنِهِ رُكْنًا خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ وَمَنْ تَبِعَهُ، وَيُحْتَرَزُ مِنْ مَدِّ هَمْزَةِ الْجَلَالَةِ، وَمِنْ إِشْبَاعِ بَاءِ أَكْبَرَ، فَإِنَّهُ يُكَفَّرُ مُتَعَمِّدُ ذَلِكَ.
قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَخَبَرُ التَّكْبِيرِ جَزْمٌ لَمْ يَصِحَّ اهـ، وَمَحَلُّهُ غَيْرُ هَذَا الْمَقَامِ لِأَنَّهُ حَالَةُ الْوَقْفِ لَا يَكُونُ إِلَّا مَجْزُومًا، وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا يُعَلَّقُ بِمَعْنَى أَكْبَرَ، وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجِبُ مُقَارَنَةُ النِّيَّةِ لِلتَّكْبِيرِ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ، وَبَحْثُ النِّيَّةِ وَالتَّلَفُّظِ بِهَا قَدْ مَرَّ مُسْتَوْعَبًا فِي أَوَّلِ الْكِتَابِ، (" ثُمَّ اقْرَأْ بِمَا تَيَسَّرَ ")، أَيْ: لَكَ حَالَ كَوْنِهِ (" مَعَكَ "): قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: أَيْ مَا تَعْلَمُهُ، وَقَالَ الْأَبْهَرِيُّ: الْبَاءُ لِلِاسْتِعَانَةِ، أَيْ: أَوْجِدِ الْقِرَاءَةَ مُسْتَعِينًا بِمَا تَيَسَّرَ أَوْ زَائِدَةٍ، وَيُؤَيِّدُ الثَّانِي رِوَايَةُ الْبُخَارِيِّ مَا تَيَسَّرَ بِدُونِ الْبَاءِ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: الْجَارُّ وَالْمَجْرُورُ حَالٌ، أُتِيَ بِالْبَاءِ فِي التَّنْزِيلِ دَلَالَةً عَلَى أَنَّ " اقْرَأْ " يُرَادُ بِهِ الْإِطْلَاقُ، أَيْ: أَوْجِدِ الْقِرَاءَةَ بِاسْتِعَانَةِ مَا تَيَسَّرَ لَكَ (" مِنَ الْقُرْآنِ ")، وَفِي الْحَدِيثِ كَمَا فِي آيَةِ: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ [المزمل: ٢٠]، دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ قِرَاءَةَ الْفَاتِحَةِ لَيْسَتْ بِرُكْنٍ، وَمَا دُونَ الْآيَةِ غَيْرُ مُرَادٍ إِجْمَاعًا فَتَبْقَى الْآيَةُ وَبِهِ أَخَذَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَفِي شَرْحِ السُّنَّةِ: أَرَادَ بِمَا تَيَسَّرَ مَعَكَ مِنَ الْفَاتِحَةِ إِذَا كَانَ يُحْسِنُهَا بِبَيَانِ الرَّسُولِ - ﷺ - كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦] وَالْمُرَادُ الشَّاةُ بِبَيَانِ السُّنَّةِ، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِ الْقِرَاءَةِ فِي الرَّكَعَاتِ كُلِّهَا كَمَا يَجِبُ الرُّكُوعُ وَالسُّجُودُ ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ، وَفِيهِ أَبْحَاثٌ مَحَلُّهَا كُتُبُ الْفِقْهِ وَأُصُولِهِ، وَمِنْ جُمْلَتِهَا أَنَّهُ - ﵇ - صَرَّحَ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْهَدْيِ الشَّاةُ، وَلَمْ يَرِدْ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: الْمُرَادُ بِمَا تَيَسَّرَ هُوَ الْفَاتِحَةُ، وَمَنِ ادَّعَى فَعَلَيْهِ الْبَيَانُ، وَأَمَّا مَا وَرَدَ فِي رِوَايَةٍ صَحَّحَهَا أَحْمَدُ، وَالْبَيْهَقِيُّ، وَابْنُ حِبَّانَ مِنْ قَوْلِهِ - ﵇ -: " ثُمَّ اقْرَأْ بِأُمِّ الْقُرْآنِ " إِنَّمَا يَدُلُّ عَلَى الْوُجُوبِ، وَبِهِ نَقُولُ مَعَ أَنَّ الْوَاقِعَةَ لَمْ تَتَكَرَّرْ كَمَا هُوَ الظَّاهِرُ، فَتُحْمَلُ إِحْدَاهُمَا عَلَى أَنَّهَا رُوِيَتْ بِاللَّفْظِ، وَالْأُخْرَى عَلَى أَنَّهَا رُوِيَتْ بِالْمَعْنَى وَلَكِنْ فِيهِ أَنَّ مَا بَيْنَهُمَا تَفَاوُتٌ فَاحِشٌ فِي الْمَعْنَى، فَفِي تَصْحِيحِ الرِّوَايَةِ نَظَرٌ ظَاهِرٌ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
ثُمَّ الْقِرَاءَةُ لَيْسَتْ بِفَرْضٍ مُطْلَقًا عِنْدَ أَبِي بَكْرٍ الْأَصَمِّ، وَعِنْدَنَا فَرْضٌ فِي رَكْعَتَيْنِ لَا عَلَى التَّعْيِينِ، وَأَمَّا تَعْيِينُ الْأُولَيَيْنِ فَبِطَرِيقِ الْوُجُوبِ وَعِنْدَ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ الْقِرَاءَةُ فَرْضٌ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ وَعِنْدَ بَعْضٍ فِي ثَلَاثِ رَكَعَاتٍ، (" ثُمَّ ارْكَعْ "): الرُّكُوعُ وَالسُّجُودُ فَرْضَانِ بِالْإِجْمَاعِ، وَالِاطْمِئْنَانُ فِيهِمَا فَرْضٌ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ، وَأَبِي يُوسُفَ، وَسُنَّةٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَمُحَمَّدٍ، وَفِي رِوَايَةٍ صَحِيحَةٍ: وَاجِبٌ عِنْدَهُمَا (" حَتَّى تَطْمَئِنَّ رَاكِعًا "): حَالٌ مُؤَكِّدَةٌ قَالَهُ ابْنُ حَجَرٍ: وَالظَّاهِرُ أَنَّهَا مُقَيَّدَةٌ، نَعَمِ التَّأْكِيدُ ظَاهِرٌ فِي قَوْلِ: (" ثُمَّ ارْفَعْ ")، أَيْ: رَأْسَكَ (حَتَّى تَسْتَوِيَ قَائِمًا): الْقَوْمَةُ وَالْجِلْسَةُ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ وَاجَبَتَانِ عِنْدَهُمَا، وَفَرْضَانِ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ، وَقَالَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ مَعَ جَلَالَتِهِ: أَنَّهُ
[ ٢ / ٦٥١ ]
﵇ لَمْ يَذْكُرِ الطُّمَأْنِينَةَ فِي الِاعْتِدَالِ وَالْجُلُوسِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ وَفِيهِ أَنَّ الِاطْمِئْنَانَ فِي الْجُلُوسِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ مَذْكُورٌ فِي هَذَا الْحَدِيثِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ، وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ: إِنَّ هَذَا سَهْوٌ مِنْهُ إِذْ فِي قَوْلِهِ: " حَتَّى تَسْتَوِيَ قَائِمًا " التَّصْرِيحُ بِوُجُوبِ الْقِيَامِ مِنَ الرُّكُوعِ مَعَ الِاسْتِوَاءِ فِيهِ، وَهَذَا هُوَ الِاعْتِدَالُ وَالطُّمَأْنِينَةُ اللَّذَانِ قُلْنَا بِوُجُوبِهِمَا، فَمَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ الِاعْتِدَالِ وَالطُّمَأْنِينَةِ فَتَأَمَّلَ فِيهِمَا، (" ثُمَّ اسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِدًا، ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ جَالِسًا "): حَالٌ مُؤَسِّسَةٌ ذَكَرَهُ ابْنُ حَجَرٍ (" ثُمَّ اسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِدًا، ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ جَالِسًا ")، أَيْ: لِلِاسْتِرَاحَةِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: كَلِمَةُ " حَتَّى " فِي هَذِهِ الْقَرَائِنِ لِغَايَةِ مَا يَتِمُّ بِهِ الرُّكْنُ، فَدَلَّتْ عَلَى أَنَّ الطُّمَأْنِينَةَ دَاخِلَةٌ فِيهِ، وَالْمَنْصُوبُ حَالٌ مُؤَكِّدَةٌ، وَقَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: مَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ الطُّمَأْنِينَةَ فِي الْهَيْئَاتِ الْمَذْكُورَةِ فَرِيضَةٌ تَمَسَّكَ بِظَاهِرِ اللَّفْظِ، وَمَنْ قَالَ: إِنَّهَا سُنَّةٌ فَإِنَّهُ يُؤَوِّلُهُ بِنَفْيِ الْكَمَالِ، وَأَنَّ الْأَمْرَ بِالْإِعَادَةِ إِنَّمَا كَانَ لِتَرْكِهِ فَرْضًا مِنْ فُرُوضِهَا.
قُلْتُ: قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: بِتَرْكِ الْفَرْضِ تُفْرَضُ الْإِعَادَةُ، وَبِتَرْكِ الْوَاجِبِ تَجِبُ وَبِتَرْكِ السُّنَّةِ تُسْتَحَبُّ، ثُمَّ قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: فَلَمَّا قَالَ: " عَلَّمَنِي " وَصَفَ لَهُ كَيْفِيَّةَ إِقَامَةِ الصَّلَاةِ عَلَى نَعْتِ الْكَمَالِ، وَلِذَلِكَ بَدَأَ فِي تَعْلِيمِهِ بِالْأَمْرِ فِي إِسْبَاغِ الْوُضُوءِ، وَلَمْ يَأْمُرْ بِالْإِعَادَةِ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ عَلَى طُهْرٍ لَقَالَ: ارْجِعْ فَتَوَضَّأَ.
قَالَ النَّوَوِّيُ: هَذَا الْحَدِيثُ مَحْمُولٌ عَلَى بَيَانِ الْوَاجِبَاتِ دُونَ السُّنَنِ، فَإِنْ قِيلَ: لَمْ يَذْكُرْ فِيهِ كُلَّ الْوَاجِبَاتِ مِنَ الْمُجْمَعِ عَلَيْهَا كَالنِّيَّةِ وَالْقُعُودِ فِي التَّشَهُّدِ الْأَخِيرِ، وَتَرْتِيبِ أَرْكَانِ الصَّلَاةِ، وَالْمُخْتَلَفِ فِيهِ كَالتَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ، وَالصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ - ﷺ - فَالْجَوَابُ: أَنَّ الْوَاجِبَاتِ الْمُجْمَعَ عَلَيْهَا كَانَتْ مَعْلُومَةً عِنْدَ السَّائِلِ، فَلَمْ يَحْتَجْ إِلَى بَيَانِهَا، وَكَذَلِكَ الْمُخْتَلَفُ فِيهِ، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِ الِاعْتِدَالِ عَنِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، وَوُجُوبِ الطُّمَأْنِينَةِ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَالْجُلُوسِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْجُمْهُورِ، وَلَمْ يُوجِبْهَا أَبُو حَنِيفَةَ وَطَائِفَةٌ يَسِيرَةٌ، هَذَا الْحَدِيثُ حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ وَلَيْسَ عَنْهُ جَوَابٌ صَحِيحٌ.
قُلْتُ: أَمَّا قَوْلُهُ: كَانَتِ الْوَاجِبَاتُ مَعْلُومَةً عِنْدَ السَّائِلِ فَغَيْرُ مَعْلُومٍ، بَلْ بَعِيدٌ جِدًّا ; لِأَنَّ السَّلَفَ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْعِبَادَاتِ عَلَى وَجْهِ الْكَمَالِ، وَغَالِبُهُمْ لَا يُفَرِّقُونَ بَيْنَ الْفَرَائِضِ وَالْوَاجِبَاتِ وَالسُّنَنِ فَرْضًا عَنِ الْمُجْمَعِ عَلَيْهَا، وَالْمُخْتَلَفِ فِيهَا وَعَلَى فَرْضِ التَّسْلِيمِ يُرَدُّ عَلَيْهِ أَنَّهُ. . . فَلِمَ ذَكَرَ بَعْضَ الْوَاجِبَاتِ الْمُجْمَعِ عَلَيْهِ أَوْ تَرَكَ بَعْضَهَا، مَعَ أَنَّ بَعْضَ الْمَذْكُورَاتِ أَظْهَرُ مِنَ الْمَحْذُوفَاتِ، ثُمَّ كَيْفَ يَسْتَقِيمُ قَوْلُهُ: وَكَذَلِكَ الْمُخْتَلَفُ فِيهِ، وَمِنْ جُمْلَتِهِ وُجُوبُ الِاعْتِدَالِ وَالطُّمَأْنِينَةِ وَالْجُلُوسِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ، فَالصَّحِيحُ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ أَئِمَّتُنَا أَنَّهُ كَانَ تَارِكًا لِبَعْضِ السُّنَنِ وَأَمَّا وَجْهُ أَنَّهُ - ﷺ - ذَكَرَ بَعْضَ الشَّرَائِطِ وَالْأَرْكَانِ وَتَرَكَ بَعْضَهَا، فَمُفَوَّضٌ إِلَيْهِ - ﵇ -، وَأَمَّا الْجَوَابُ الصَّحِيحُ، فَتَقَدَّمُ عَنِ الْإِمَامِ التُّورِبِشْتِيُّ مَعَ أَنَّهُ لَوْ كَانَ التَّعْدِيلُ فَرْضًا لَمَا أَقَرَّهُ - ﵇ - إِلَى آخِرِ الصَّلَاةِ، وَلَيْسَ فِي الْحَدِيثِ تَصْرِيحٌ بِمَا تَرَكَهُ، وَلَا أَنَّهُ وَاجِبٌ، أَوْ سُنَّةٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ اهـ.
يَعْنِي: فَإِذَا كَانَ - ﵇ - لَمْ يُصَرِّحْ فِي هَذَا الْحَدِيثِ بِالسَّبَبِ الْمُوجِبِ لِلْإِعَادَةِ فَلَا حُجَّةَ فِيهِ لَنَا وَلَا عَلَيْنَا، (وَفِي رِوَايَةٍ)، أَيْ: بَدَلَ قَوْلِهِ الْأَخِيرِ، ثُمَّ اسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ جَالِسًا (" ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَسْتَوِيَ قَائِمًا، ثُمَّ افْعَلْ ذَلِكَ ")، أَيْ: مَا ذُكِرَ مِمَّا يُمْكِنُ تَكْرِيرُهُ فَخَرَجَ نَحْوُ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ (" فِي صَلَاتِكِ ")، أَيْ: رَكَعَاتِكَ (" كُلِّهَا " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ): قَالَ مِيرَكُ: وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ.
[ ٢ / ٦٥٢ ]
٧٩١ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - يَسْتَفْتِحُ الصَّلَاةَ بِالتَّكْبِيرِ وَالْقِرَاءَةِ بِـ (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ)، وَكَانَ إِذَا رَكَعَ لَمْ يُشْخِصْ رَأْسَهُ، وَلَمْ يُصَوِّبْهُ، وَلَكِنْ بَيْنَ ذَلِكَ، وَكَانَ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ لَمْ يَسْجُدْ حَتَّى يَسْتَوِيَ قَائِمًا، وَكَانَ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ السَّجْدَةِ لَمْ يَسْجُدْ حَتَّى يَسْتَوِيَ جَالِسًا، وَكَانَ يَقُولُ فِي كُلِّ رَكْعَتَيْنِ التَّحِيَّةَ، وَكَانَ يَفْرِشُ رِجْلَهُ الْيُسْرَى، وَيَنْصِبُ رِجْلَهُ الْيُمْنَى وَكَانَ يَنْهَى عَنْ عُقْبَةِ الشَّيْطَانِ، وَيَنْهَى أَنْ يَفْتَرِشَ الرَّجُلُ ذِرَاعَيْهِ افْتِرَاشَ السَّبُعِ، وَكَانَ يَخْتِمُ الصَّلَاةَ بِالتَّسْلِيمِ»، رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
_________________
(١) (وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - يَسْتَفْتِحُ الصَّلَاةَ بِالتَّكْبِيرِ): قَالَ الْقَاضِي: أَيْ يَبْدَؤُهَا وَيَجْعَلُ التَّكْبِيرَ فَاتِحَهَا (وَالْقِرَاءَةَ): بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلَى الصَّلَاةِ، أَيْ: يَبْتَدِئُ قِرَاءَةَ الْفَاتِحَةِ بِـ (الْحَمْدُ): بِالرَّفْعِ عَلَى الْحِكَايَةِ وَإِظْهَارِ أَلِفِ الْوَصْلِ، وَيَجُوزُ حَذْفُ هَمْزَةِ الْوَصْلِ، وَكَذَا جَرُّ الدَّالِ عَلَى الْإِعْرَابِ (لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ): وَهَذَا ظَاهِرٌ فِي أَنَّهُ كَانَ يُسِرُّ بِالْبَسْمَلَةِ، كَمَا هُوَ مَذْهَبُنَا، أَوْ لَا يَأْتِي بِهَا كَمَا هُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ، وَأَمَّا مَا رَوَاهُ أَحْمَدُ مِنْ أَنَّهُ - ﵇ - كَانَ يَجْهَرُ أَوَّلَ الْفَاتِحَةِ بِالْبَسْمَلَةِ، وَإِنْ رَوَاهُ عِشْرُونَ صَحَابِيًّا، فَمَحْمُولٌ عَلَى كَوْنِهِ بَعْضَ الْأَحْيَانِ لِلتَّعْلِيمِ، أَوْ لِبَيَانِ الْجَوَازِ، أَوْ كَانَ يَسْمَعُهُ مَنْ يَلِيَهُ مِنْ قُربِهِ، نَعَمْ لَوْ صَحَّ فَهُوَ حُجَّةٌ عَلَى مَالِكٍ، إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مُرَجِّحٌ عِنْدَ التَّعَارُضِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: أَيْ يَبْتَدِئُ الْقِرَاءَةَ بِسُورَةِ الْفَاتِحَةِ، ثُمَّ يَقْرَأُ السُّورَةَ، وَذَلِكَ لَا يَمْنَعُ تَقْدِيمَ دُعَاءِ الِاسْتِفْتَاحِ، أَيْ: كَمَا اسْتَدَلَّ بِهِ مَالِكٌ، فَإِنَّهُ لَا يُسَمَّى فِي الْعُرْفِ قِرَاءَةً، وَلَا يَدُلُ عَلَى أَنَّ الْبَسْمَلَةَ لَيْسَتْ مِنَ الْفَاتِحَةِ ; لِأَنَّ الْمُرَادَ أَنَّهُ يَبْدَأُ بِقِرَاءَةِ السُّورَةِ الَّتِي أَوَّلُهَا: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، لَا أَنَّهُ يَبْدَأُ فِي الْقِرَاءَةِ بِلَفْظِ الْحَمْدِ لِلَّهِ اهـ. قُلْتُ: اللَّهُ أَعْلَمُ بِالْمُرَادِ، فَدَعْوَاهُ لَا تَدْفَعُ الْإِيرَادَ، (وَكَانَ إِذَا رَكَعَ لَمْ يُشَخِصْ): مِنْ بَابِ الْإِفْعَالِ أَوِ التَّفْعِيلِ أَيْ لَمْ يَرْفَعْ رَأْسَهُ، أَيْ: عُنُقَهُ (وَلَمْ يُصَوِّبْهُ): بِالتَّشْدِيدِ لَا غَيْرَ، وَالتَّصْوِيبُ النُّزُولُ مِنْ أَعْلَى إِلَى أَسْفَلُ، أَيْ: وَلَمْ يَنْزِلْهُ (وَلَكِنَّ): قِيلَ كَانَ وَجْهُ الِاسْتِدْرَاكِ بِهَا أَنَّ نَفْيَ ذَيْنِكَ لَا يَقْتَضِي الْبَيْنِيَّةَ الْآتِيَةَ، بَلْ رُبَّمَا اقْتَضَى خِلَافَهَا، فَبَيَّنَ أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّهُ كَانَ إِذَا رَكَعَ يَكُونُ رُكُوعُهُ بَيْنَ ذَلِكَ، وَهَذِهِ الْهَيْئَةُ مُسْتَحَبَّةٌ بِالْإِجْمَاعِ (بَيْنَ ذَلِكَ)، أَيِ: التَّشْخِيصُ وَالتَّصْوِيبُ بِحَيْثُ يَسْتَوِي ظَهْرُهُ وَعُنُقُهُ كَالصَّفْحَةِ الْوَاحِدَةِ، وَلِتَعَدُّدِ ذَا كَمَا تَقَرَّرَ صَحَّ إِضَافَةُ " بَيْنَ " إِلَيْهَا، وَيَلْزَمُ مِنْ تِلْكَ الْبَيْنِيَّةِ اسْتِوَاءُ ظَهْرِهِ وَعُنُقِهِ كَالصَّفْحَةِ (وَكَانَ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ لَمْ يَسْجُدْ حَتَّى يَسْتَوِيَ جَالِسًا): قَالَ الطِّيبِيُّ: فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِ الِاعْتِدَالِ. قُلْتُ: يَحْتَمِلُ الْحَمْلُ عَلَى وَجْهِ الْكَمَالِ فَلَا يَتِمُّ بِهِ الِاسْتِدْلَالُ، وَحَدِيثُ الْبُخَارِيِّ: " وَصَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي " لَا يَدُلُّ عَلَى فَرْضِهِ جَمِيعَ أَفْعَالِهِ - ﵇ - ; لِأَنَّ بَعْضَ أَفْعَالِهِ وَأَقْوَالِهِ سُنَنٌ إِجْمَاعًا (وَكَانَ يَقُولُ)، أَيْ: يَقْرَأُ (فِي كُلِّ رَكْعَتَيْنِ)، أَيْ: بَعْدَهُمَا (التَّحِيَّةَ): بِالنَّصْبِ وَقِيلَ بِالرَّفْعِ، أَيِ: التَّحِيَّاتُ إِلَخْ، وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ التَّحِيَّةُ مُبْتَدَأً خَبَرُهُ فِي كُلِّ رَكْعَتَيْنِ، وَسُمِّي الذِّكْرُ الْمُعِيَّنُ تَحِيَّةً وَتَشَهُّدًا لِاشْتِمَالِهِ عَلَيْهِمَا، أَيْ: عَلَى التَّحِيَّةِ، وَهُوَ الثَّنَاءُ الْحَسَنُ، وَعَلَى التَّشَهُّدِ لِاشْتِمَالِهِ عَلَى الشَّهَادَتَيْنِ، ثُمَّ التَّشَهُّدُ وَاجِبٌ عِنْدَنَا فِي الْقَعْدَةِ الْأُولَى وَالْأَخِيرَةِ، وَفِي رِوَايَةٍ: سُنَّةٌ فِي الْأُولَى، وَأَمَّا الْقَعْدَةُ الْأُولَى فَوَاجِبَةٌ عِنْدَنَا، وَالْقَعْدَةُ الْأَخِيرَةُ فَرْضٌ (وَكَانَ يَفْرِشُ)، بِكَسْرِ الرَّاءِ وَضَمِّهَا (رِجْلَهُ الْيُسْرَى، وَيَنْصِبُ): بِفَتْحِ الْيَاءِ وَكَسْرِ الصَّادِ (رِجْلَهُ الْيُمْنَى)، أَيْ: يَضَعُ أَصَابِعَهَا عَلَى الْأَرْضِ وَيَرْفَعُ عَقِبَهَا، سَيَأْتِي بَيَانُ اخْتِلَافِ الْعُلَمَاءِ فِي هَذِهِ الْهَيْئَةِ مَعَ اتِّفَاقِهِمْ عَلَى أَنَّهَا بِأَيِّ كَيْفِيَّةٍ سُنَّةٌ (وَكَانَ يَنْهَى)، أَيْ: تَنْزِيهًا، وَقِيلَ تَحْرِيمًا (عَنْ عُقْبَةِ الشَّيْطَانِ): بِضَمِّ الْعَيْنِ وَسُكُونِ الْقَافِ، أَيِ: الْإِقْعَاءِ فِي الْجَلَسَاتِ وَهُوَ أَنْ يَضَعَ أَلْيَتَيْهِ عَلَى عَقِبَيْهِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: وَقَالَ النَّوَوِيُّ: تَفْسِيرُ الْمَكْرُوهِ بِهَذَا غَلَطٌ لِرِوَايَةِ مُسْلِمٍ: الْإِقْعَاءُ سُنَّةُ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ ﵊، وَفَسَّرَهُ الْعُلَمَاءُ بِهَذَا، وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ: مَا صَحَّ مِنْ نَهْيِهِ - ﵇ - عَنْ عُقْبَةِ الشَّيْطَانِ، يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ وَارِدًا فِي الْجُلُوسِ لِلتَّشَهُّدِ الْأَخِيرِ، فَلَا يُنَافِي مَا صَحَّ فِي الْجُلُوسِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ اهـ.
[ ٢ / ٦٥٣ ]
وَاسْتَحْسَنَهُ النَّوَوِيُّ وَعِنْدَنَا لَا فَرْقَ بَيْنَ الْإِقْعَاءِ فِي الْجِلْسَتَيْنِ فَإِنَّهُ مَكْرُوهٌ فِيهِمَا، قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ: رِوَايَاتُ الْإِقْعَاءِ بِهَذَا الْمَعْنَى كُلُّهَا ضَعِيفَةٌ، وَلَيْسَ فِي النَّهْيِ عَنْهُ حَدِيثٌ صَحِيحٌ، وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ مِنْهُ: أَحَادِيثُهُ مَعَ كَثْرَتِهَا لَيْسَ فِيهَا شَيْءٌ ثَابِتٌ، لَكِنْ قَالَ بِكَرَاهَتِهِ عَامَّةُ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَيُكَرَهُ الْجُلُوسُ فِي الصَّلَاةِ مَادًّا رِجْلَهُ وَمُتَرَبِّعًا، وَتَرَبُّعُهُ - ﵇ - فِي بَعْضِ الْأَحْيَانِ لِبَيَانِ الْجَوَازِ، وَقِيلَ: التَّرَبُّعُ أَفْضَلُ فِي الْجُلُوسِ الْبَدَلِ عَنِ الْقِيَامِ، وَنُقِلَ عَنِ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ أَخْذًا مِنْ حَدِيثِ كَانَ يُصَلِّي مُتَرَبِّعًا، وَقِيلَ: أَفْضَلُهَا التَّوَرُّكُ ; لِأَنَّهُ أَهْوَنُ، وَقِيلَ وَاخْتَارَهُ بَعْضُ أَئِمَّتِنَا، أَفْضَلُهَا أَنْ يَنْصِبَ رُكْبَتَهُ الْيُمْنَى وَيَجْلِسَ عَلَى رِجْلِهِ الْيُسْرَى ; لِأَنَّهُ أَبْلَغُ فِي الْأَدَبِ كَذَا ذَكَرَهُ ابْنُ حَجَرٍ وَأَغْرَبَ مِنْ عَدَّهُ أَبْلَغَ فِي الْأَدَبِ، وَالْمُعْتَمَدُ فِي مَذْهَبِنَا أَنَّ الْأَفْضَلَ هُوَ الِافْتِرَاشُ، فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ هَيْئَةً أَحْسَنَ وَأَفْضَلَ وَأَبْلَغَ فِي الْأَدَبِ وَأَكْمَلَ لِدَوَامِهِ - ﵇ - عَلَيْهَا، وَحَيْثُ لَمْ يَثْبُتْ عَنْهُ - ﵇ - غَيْرُهَا إِلَّا التَّرَبُّعُ، وَهُوَ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ عَنْ عُذْرٍ، فَالْعُدُولُ عَنْ هَيْئَةِ جُلُوسِهِ إِلَى نَوْعٍ آخَرَ فِي غَايَةٍ مِنْ قِلَّةِ الْأَدَبِ، وَقِيلَ: الْإِقْعَاءُ أَنْ يَضَعَ وَرِكَهُ عَلَى الْأَرْضِ وَيَنْصِبَ رُكْبَتَيْهِ بِحَيْثُ يَكُونُ قَدَمَاهُ عَلَيْهَا، وَجَاءَ فِي رِوَايَةٍ أَنَّ سَبَبَ النَّهْيِ عَنْهُ مَا فِيهِ مِنَ التَّشَبُّهِ بِالْكِلَابِ وَالْقِرَدَةِ، وَقِيلَ: عُقْبَةُ الشَّيْطَانِ تَقْدِيمُ رِجْلٍ عَلَى أُخْرَى فِي الْقِيَامِ وَقِيلَ: هِيَ تَرْكُ عَقِبَيْهِ غَيْرَ مَغْسُولَيْنِ فِي الْوُضُوءِ، (وَيَنْهَى أَنْ يَفْتَرِشَ): أَيْ: فِي السُّجُودِ (الرَّجُلُ)، أَيْ: لَا الْمَرْأَةُ ; لِأَنَّ مَبْنَى أَمْرِهَا عَلَى التَّسَتُّرِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: التَّقْيِيدُ بِالرَّجُلِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمَرْأَةَ تَفْتَرِشُ (ذِرَاعَيْهِ)، أَيْ: نَهَى عَنِ انْضِمَامِهِمَا بِالْأَرْضِ فِي السُّجُودِ (افْتِرَاشَ السَّبُعِ)، أَيْ: كَافْتِرَاشِهِ لِمَا فِيهِ مِنَ التَّهَاوُنِ بِأَمْرِ الصَّلَاةِ بَلْ يَنْبَغِي أَنْ يَضَعَ كَفَّهُ وَيَرْفَعَ مِرْفَقَهُ عَنِ الْأَرْضِ، قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَمِنْهُ أَخَذَ أَئِمَّتُنَا أَنَّهُ يُسَنُّ لِلرَّجُلِ أَنْ يَرْفَعَ ذِرَاعَهُ عَنِ الْأَرْضِ، وَأَنْ يَعْتَمِدَ عَلَى رَاحَتَيْهِ، وَجَاءَ الْأَمْرُ بِذَلِكَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ، وَأَنَّهُ يُكْرَهُ بَسْطُهُمَا، وَيُوَافِقُهُ خَبَرُ الصَّحِيحَيْنِ: وَلَا يَبْسُطُ أَحَدُكُمْ ذِرَاعَيْهِ انْبِسَاطَ الْكَلْبِ، نَعَمْ إِنْ طَوَّلَ السُّجُودَ فَشَقَّ عَلَيْهِ اعْتِمَادُ كَفَّيْهِ، فَلَهُ بِلَا كَرَاهَةٍ وَضْعُ سَاعِدَيْهِ عَلَى رُكْبَتَيْهِ لِخَبَرِ: «شَكَا أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - مَشَقَّةَ السُّجُودِ عَلَيْهِمْ قَالَ: " اسْتَعِينُوا بِالرُّكَبِ» " رَوَاهُ جَمَاعَةٌ مَوْصُولًا وَرُوِيَ مُرْسَلًا وَهُوَ الْأَصَحُّ كَمَا قَالَ الْبُخَارِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَمَعَ ذَلِكَ يُعْمَلُ بِهِ لِأَنَّهُ فِي الْفَضَائِلِ، (وَكَانَ يَخْتِمُ الصَّلَاةَ)، أَيْ: أَفْعَالَهَا (بِالتَّسْلِيمِ): أَيْ: تَسْلِيمِ الْخُرُوجِ، وَالْخُرُوجُ بِفِعْلِ الْمُصَلِّي فَرَضٌ عِنْدَنَا، وَبِلَفْظِ السَّلَامِ وَاجِبٌ، (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
[ ٢ / ٦٥٤ ]
٧٩٢ - وَعَنْ أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ - ﵁ - قَالَ فِي نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -: «أَنَا أَحْفَظُكُمْ لِصَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -: رَأَيْتُهُ إِذَا كَبَّرَ جَعَلَ يَدَيْهِ حِذَاءَ مَنْكِبَيْهِ، وَإِذَا رَكَعَ أَمْكَنَ يَدَيْهِ مِنْ رُكْبَتَيْهِ، ثُمَّ هَصَرَ ظَهْرَهُ، فَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ اسْتَوَى حَتَّى يَعُودَ كُلُّ فَقَارٍ مَكَانَهُ فَإِذَا سَجَدَ وَضَعَ يَدَيْهِ غَيْرَ مُفْتَرِشٍ وَلَا قَابِضِهِمَا، وَاسْتَقْبَلَ بِأَطْرَافِ أَصَابِعِ رِجْلَيْهِ الْقِبْلَةَ، فَإِذَا جَلَسَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ جَلَسَ عَلَى رِجْلِهِ الْيُسْرَى وَنَصَبَ الْيُمْنَى فَإِذَا جَلَسَ فِي الرَّكْعَةِ الْآخِرَةِ قَدَّمَ رِجْلَهُ الْيُسْرَى وَنَصَبَ الْأُخْرَى، وَقَعَدَ عَلَى مَقْعَدَتِهِ»، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
_________________
(١) (وَعَنْ أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ): وَاسْمُهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ (قَالَ فِي نَفَرٍ)، أَيْ: وَهُوَ فِي جَمَاعَةٍ أَوْ فِي بِمَعْنَى " مَعَ " عَلَى حَدِّ: " ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ " (مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - ﷺ -: أَنَا أَحْفَظُكُمْ) أَيْ: أَكْثَرُكُمْ حِفْظًا (لِصَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -): كَأَنَّهُ أَخَذَ ذَلِكَ مِنْ طُولِ مُلَازَمَتِهِ وَقُوَّةِ ضَبْطِهِ وَجَوْدَةِ حِفْظِهِ دُونَهُمْ (رَأَيْتُهُ إِذَا كَبَّرَ): أَرَادَ أَنْ يُكَبِّرَ، أَوْ حِينَ التَّكْبِيرِ، أَوْ إِذَا شَرَعَ فِي التَّكْبِيرِ لِرِوَايَةِ الشَّيْخَيْنِ الْآتِيَةِ: أَنَّهُ - ﵇ - كَانَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ إِذَا افْتَتَحَ الصَّلَاةَ (جَعَلَ يَدَيْهِ): أَيْ: رَفَعَ كَمَا صَرَّحَتْ بِهِ بَقِيَّةُ الرِّوَايَاتِ، أَيْ: شَرَعَ فِي رَفْعِ يَدَيْهِ، وَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَ الشُّرُوعِ الْفِعْلِيِّ وَالْقَوْلِيِّ، كَمَا تَقَرَّرَ فِي الِابْتِدَاءِ بِالتَّسْمِيَةِ وَيَغْسِلُ الْيَدَيْنِ مَعًا (حِذَاءَ مَنْكِبَيْهِ): بِكَسْرِ الْحَاءِ، أَيْ: مُقَابِلَهُمَا، وَالْمَنْكِبُ: بِفَتْحِ الْمِيمِ وَكَسْرِ الْكَافِ مَجْمَعُ عَظْمِ الْعَضُدِ وَالْكَتِفِ، قَالَ الْقَاضِي: اتَّفَقَتِ الْأُمَّةُ عَلَى أَنَّ رَفْعَ الْيَدِ عِنْدَ التَّحْرِيمِ مَسْنُونٌ، وَاخْتَلَفُوا فِي كَيْفِيَّتِهِ، فَذَهَبَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ إِلَى أَنَّهُ يَرْفَعُ الْمُصَلِّي يَدَيْهِ حِيَالَ مَنْكِبَيْهِ لِهَذَا الْحَدِيثِ وَنَحْوِهِ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَرْفَعُهُمَا حَذْوَ أُذُنَيْهِ، أَيْ: لِلْحَدِيثِ الْآتِي، وَذَكَرَ الطَّيِّبِيُّ أَنَّ الشَّافِعِيَّ حِينَ دَخَلَ مِصْرَ سُئِلَ عَنْ كَيْفِيَّةِ رَفْعِ الْيَدَيْنِ عِنْدَ التَّكْبِيرِ؟ قَالَ: يَرْفَعُ الْمُصَلِّي يَدَيْهِ بِحَيْثُ يَكُونُ كَفَّاهُ حِذَاءَ مَنْكِبَيْهِ، وَإِبْهَامُهُ حِذَاءَ شَحْمَتَيْ أُذُنَيْهِ، وَأَطْرَافُ أَصَابِعِهِ حِذَاءَ فَرْعِ أُذُنَيْهِ، لِأَنَّهُ جَاءَ فِي رِوَايَةِ: يَرْفَعُ الْيَدَيْنِ إِلَى الْمَنْكِبَيْنِ، وَفِي رِوَايَةٍ إِلَى الْأُذُنَيْنِ، وَفِي رِوَايَةٍ إِلَى فُرُوعِ الْأُذُنَيْنِ، فَعَمِلَ الشَّافِعِيُّ بِمَا ذَكَرْنَا فِي رَفْعِ الْيَدَيْنِ جَمْعًا بَيْنَ الرِّوَايَاتِ الثَّلَاثِ. قُلْتُ: هُوَ جَمْعٌ حَسَنٌ، وَاخْتَارَهُ بَعْضُ مَشَايِخِنَا، قَالَ الْبُخَارِيُّ فِي تَصْنِيفِهِ فِي الرَّدِّ عَلَى مُنْكِرِي الرَّفْعِ، رَوَاهُ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - سَبْعَةَ عَشَرَ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَلَمْ يَثْبُتْ عَنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ خِلَافُهُ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَمِنْ ثَمَّ حَكَى فِيهِ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَغَيْرُهُ الْإِجْمَاعَ، وَخَالَفَ
[ ٢ / ٦٥٤ ]
فِيهِ الزَّيْدِيَّةُ وَهُمْ لَا يُعْتَدُّ بِهِمْ فِي الْإِجْمَاعِ، وَفِي الْأُمِّ يُكْرَهُ تَرْكُهُ، بَلْ قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: يَحْرُمُ تَرْكُهُ لَكِنْ رُدَّ بِأَنَّهُ مُخَالِفٌ لِإِجْمَاعٍ مِنْ قَبْلِهِ، وَرُدَّ بِأَنَّ ابْنَ سِيرِينَ وَغَيْرَهُ مِنَ السَّلَفِ قَالُوا بِهِ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ، وَاخْتُلِفَ هَلْ شُرِعَ الرَّفْعُ تَعَبُّدًا أَوْ لِحِكْمَةٍ فَقِيلَ: الْإِشَارَةُ إِلَى التَّوْحِيدِ، وَقِيلَ: أَنْ يَرَاهُ مَنْ لَا يَسْمَعُ التَّكْبِيرَ فَيَقْتَدِي بِهِ، وَقِيلَ: الْإِشَارَةُ إِلَى طَرْحِ أَمْرِ الدُّنْيَا وَالْإِقْبَالِ بِكُلِّيَّتِهِ عَلَى عِبَادَةِ الْمَوْلَى وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ، ثُمَّ قِيلَ: يَرْفَعُهُمَا ثُمَّ يُكَبِّرُ وَيُرْسِلُهُمَا مَعَ آخَرِ التَّكْبِيرِ، رَوَاهُ أَبُو حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ، وَقِيلَ: يَرْفَعُهُمَا ثُمَّ يُكَبِّرُ وَهُمَا مَرْفُوعَتَانِ، ثُمَّ يُرْسِلُهُمَا لِرِوَايَةِ مُسْلِمٍ: أَنَّهُ - ﵇ - رَفْعَ يَدَيْهِ حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ ثُمَّ كَبَّرَ، وَهُمَا كَذَلِكَ، وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ الْخِلَافَ إِنَّمَا هُوَ فِي الْأَكْمَلِ، وَأَمَّا أَصْلُ السُّنَّةِ: فَيَحْصُلُ بِكُلِّ ذَلِكَ، وَالْأَصْلُ فِي اخْتِلَافِ الرِّوَايَاتِ فِي أَنْوَاعِ الْعِبَادَاتِ تَرْجِيحُ إِحْدَاهَا عَلَى مَا هُوَ الْمَشْهُورُ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ، وَبَعْضُهُمْ يَرَى أَنَّ الِاخْتِلَافَ فِي ذَلِكَ مِنَ الْأَمْرِ الْمُبَاحِ.
أَقُولُ: وَفِي الْحَقِيقَةِ لَا خِلَافَ ; لِأَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - فَعَلَ هَذِهِ الْأَنْوَاعَ بِلَا شَكٍّ لِصِحَّةِ الرِّوَايَاتِ رَحْمَةً عَلَى الْأُمَّةِ، وَتَخْصِيصُ كُلٍّ بِوَقْتٍ لِمَا تَقْتَضِيهِ الْمَصْلَحَةُ، وَلَمْ يُعْرَفْ مَا دَامَ عَلَيْهِ أَكْثَرُ وَلَا آخِرُ مَا فَعَلَهُ، فَرَجَّحَ كُلٌّ مِنَ الْأَئِمَّةِ بِمَا قَامَ عِنْدَهُ مِنَ الدَّلِيلِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْجَمْعَ بَيْنَ الرِّوَايَاتِ فِيمَ أَمْكَنَ كَقِرَاءَةِ: وَجَّهْتُ وَجْهِيَ، وَسُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ، كَمَا قَالَ أَبُو يُوسُفَ، وَالْجَمْعُ بَيْنَ كَبِيرًا وَكَثِيرًا كَمَا قَالَ بِهِ النَّوَوِيُّ يَخْرُجُ عَنْ ظَاهِرِ السُّنَّةِ، وَالْأَظْهَرُ الْجَمْعُ أَنْ يَكُونَ تَارَةً وَتَارَةً، أَوْ يُخَصَّ الْأَرْجَحُ بِالْفَرْضِ وَغَيْرُهُ بِالنَّفْلِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَإِذَا رَكَعَ أَمْكَنَ يَدَيْهِ مِنْ رُكْبَتَيْهِ): فِي الْمُغْرِبِ يُقَالُ: مَكَّنَهُ مِنَ الشَّيْءِ وَأَمْكَنَهُ فِيهِ أَقْدَرَهُ عَلَيْهِ، وَالْمَعْنَى مَكَّنَهُمَا مِنْ أَخْذِهِمَا وَالْقَبْضِ عَلَيْهِمَا، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُوَجِّهَ أَصَابِعَ يَدَيْهِ لِلْقِبْلَةِ لِثُبُوتِهِ فِي السُّجُودِ فَأُلْحِقَ بِهِ، وَلِأَنَّهَا أَشْرَفُ الْجِهَاتِ، وَأَنْ يَبْسُطَهَا وَيُفَرِّقَهَا عَلَى سَاقَيْهِ لِلِاتِّبَاعِ، رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ وَالْبَيْهَقِيُّ، (ثُمَّ هَصَرَ ظَهْرَهُ)، أَيْ: ثَنَاهُ وَخَفَضَهُ حَتَّى صَارَ كَالْغُصْنِ الْمُنْهَصِرِ وَهُوَ الْمُنْكَسِرُ مِنْ غَيْرِ بَيْنُونَةٍ، وَالْأَصْلُ فِي الْهَصْرِ الْكَسْرُ، وَقِيلَ، أَيْ: ثَنَاهُ وَعَوَجَهُ ثَنْيًا شَدِيدًا فِي اسْتِوَاءِ رَقَبَتِهِ وَظَهْرِهِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: وَفِي النِّهَايَةِ أَيْ ثَنَاهُ إِلَى الْأَرْضِ، وَأَصْلُ الْهَصْرِ أَنْ تَأْخُذَ بِرَأْسِ الْعُودِ فَتَثْنِيَهُ إِلَيْكَ (فَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ)، أَيْ: مِنَ الرُّكُوعِ (وَاسْتَوَى حَتَّى يَعُودَ)، أَيْ: يَرْجِعَ (كُلُّ فَقَارٍ): وَهِيَ مَفَاصِلُ الصُّلْبِ وَاحِدَتُهَا فَقَارَةٌ بِالْفَتْحِ (مَكَانَهُ)، أَيْ: مَوْضِعَهُ وَيَسْتَقِرَّ كُلُّ عُضْوٍ فِي مَقَرِّهِ (فَإِذَا سَجَدَ وَضَعَ يَدَيْهِ)، أَيْ: بَعْدَ وَضْعِ رُكْبَتَيْهِ لِخَبَرِ التِّرْمِذِيِّ الَّذِي حَسَّنَهُ وَصَحَّحَهُ آخَرُونَ، أَنَّهُ - ﵇ - كَانَ يَفْعَلُ كَذَلِكَ، فَهَذَا مُفَصَّلٌ، وَفِيهِ زِيَادَةٌ ; لِأَنَّ ذَلِكَ الْحَدِيثَ لَمْ يُبَيِّنْ مَتَى وَضَعَ رُكْبَتَيْهِ فَوَجَبَ الْأَخْذُ بِهَذَا، قَالَ الْخَطَّابِيُّ: وَهُوَ أَثْبَتُ مِنْ حَدِيثِ تَقْدِيمِ الْيَدَيْنِ عَلَى الرُّكْبَتَيْنِ، وَقَالَ غَيْرُهُ: حَدِيثُ تَقْدِيمِ الْيَدَيْنِ عَلَى الرُّكْبَتَيْنِ مَنْسُوخٌ بِحَدِيثِ: «كُنَّا نَضَعُ الْيَدَيْنِ قَبْلَ الرُّكْبَتَيْنِ فَأُمِرْنَا بِوَضْعِ الرُّكْبَتَيْنِ قَبْلَ الْيَدَيْنِ» (غَيْرَ مُفْتَرِشٍ)، أَيْ: لِذِرَاعَيْهِ، أَيِ: افْتِرَاشَ السَّبْعِ وَهُوَ نُصِبَ عَلَى الْحَالِ، أَيْ: غَيْرَ وَاضِعٍ مِرْفَقِهِ عَلَى الْأَرْضِ (وَلَا قَابِضِهِمَا): بِالْجَرِّ، أَيْ: وَغَيْرَ قَابِضِ أَصَابِعِ يَدَيْهِ بَلْ يَبْسُطُهُمَا قِبَلَ الْقِبْلَةِ كَذَا قَالَهُ ابْنُ الْمَلَكِ، وَقِيلَ: أَيْ لَا يَضُمُّ أَصَابِعَهُمَا، أَوْ أَرَادَ لَا يَضُمُّ الذِّرَاعَيْنِ وَالْعَضُدَيْنِ إِلَى الْجَنْبَيْنِ بَلْ يُجَافِيهِمَا، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: يُسَنُّ أَنْ يَنْشُرَ أَصَابِعَ يَدَيْهِ، وَيُسَنُّ أَيْضًا كَوْنُهَا إِلَى الْقِبْلَةِ لِلِاتِّبَاعِ، رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ، " وَمَضْمُومَةً " لِلِاتِّبَاعِ أَيْضًا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ إِيمَاءً، وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ صَرِيحًا، " وَمَكْشُوفَةً " لِخَبَرِ خَبَّابٍ الْآتِي، وَمُعْتَمِدًا عَلَى رَاحَتَيْهِ لِخَبَرِ مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ (وَاسْتَقْبَلَ بِأَطْرَافِ أَصَابِعِ رِجْلَيْهِ الْقِبْلَةَ): قَالَ النَّوَوِيُّ: لَا يَحْصُلُ تَوْجِيهُهَا لِلْقِبْلَةِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مُعْتَمِدًا عَلَى بُطُونِهِمَا، وَنَقْلُ الْإِمَامِ عَنِ الْأَئِمَّةِ أَنَّهُ يَضَعُهَا مِنْ غَيْرِ تَحَامُلٍ عَلَيْهَا شَاذٌّ مُخَالِفٌ لِلْحَدِيثِ وَالْمَذْهَبِ (فَإِذَا جَلَسَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ): أَيْ عَقِبَ الْأُولَيَيْنِ (جَلَسَ عَلَى رِجْلِهِ الْيُسْرَى وَنَصَبَ الْيُمْنَى، فَإِذَا جَلَسَ فِي الرَّكْعَةِ الْآخِرَةِ): وَفِي نُسْخَةٍ: الْأَخِيرَةِ (قَدَّمَ)، أَيْ: أَخْرَجَ (رِجْلَهُ الْيُسْرَى): مِنْ تَحْتِ وَرِكِهِ إِلَى جَانِبِ الْأَيْمَنِ (وَنَصَبَ الْأُخْرَى): وَفِي نُسْخَةٍ: الْيُمْنَى (وَقَعَدَ عَلَى مَقْعَدَتِهِ): قَالَ الْقَاضِي: اخْتَلَفُوا فِي كَيْفِيَّةِ الْجَلَسَاتِ فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَجْلِسُ فِيهِمَا مُفْتَرِشًا، وَقَالَ مَالِكٌ: بَلْ مُتَوَرِّكًا، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يَتَوَرَّكُ فِي التَّشَهُّدِ الْأَخِيرِ وَيَفْتَرِشُ فِي الْأَوَّلِ، كَمَا رَوَاهُ السَّاعِدِيُّ فِي هَذَا الْحَدِيثِ، وَأَلْحَقَ بِالتَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ الْجَلَسَاتِ الْفَاصِلَةَ بَيْنَ السُّجُودَاتِ لِأَنَّهُ يَعْقُبُهَا انْتِقَالَاتٌ، وَالِانْتِقَالُ مِنَ الْمُفْتَرِشِ أَيْسَرُ، (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ): قَالَ مِيرَكُ: وَالْأَرْبَعَةُ.
[ ٢ / ٦٥٥ ]
٧٩٣ - «وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ - ﵄ -، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - كَانَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ إِذَا افْتَتَحَ الصَّلَاةَ، وَإِذَا كَبَّرَ لِلرُّكُوعِ، وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ رَفَعَهُمَا كَذَلِكَ، وَقَالَ: " سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ "، وَكَانَ لَا يَفْعَلُ ذَلِكَ فِي السُّجُودِ»، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
_________________
(١) (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - كَانَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ إِذَا افْتَتَحَ الصَّلَاةَ، وَإِذَا كَبَّرَ لِلرُّكُوعِ، وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ رَفَعَهُمَا)، أَيْ: يَدَيْهِ (كَذَلِكَ)، أَيْ: حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ، أَخَذَ الشَّافِعِيُّ بِهَذَا الْحَدِيثِ وَغَيْرِهِ، أَنَّهُ يُسَنُّ لِكُلِّ مُصَلٍّ أَنْ يُكَبِّرَ وَيَرْفَعَ لِسَائِرِ الِانْتِقَالَاتِ، وَلَيْسَ فِي غَيْرِ التَّحْرِيمَةِ رَفْعُ يَدٍ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لِخَبَرِ مُسْلِمٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - فَقَالَ: " «مَا لِي أَرَاكُمْ رَافِعِي أَيْدِيكُمْ كَأَنَّهَا أَذْنَابُ خَيْلٍ شُمْسِ» " وَهُوَ بِضَمِّ الْمُعْجَمَةِ جَمْعُ شُمُوسٍ، كَصَبُورٍ، أَيْ: صَعُبَ " اسْكُنُوا فِي الصَّلَاةِ " وَأُجِيبَ عَنِ اعْتِرَاضِ الْبُخَارِيِّ: بِأَنَّ هَذَا الرَّفْعَ كَانَ فِي التَّشَهُّدِ ; لِأَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الْقِبْطِيَّةِ قَالَ: «سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ سَمُرَةَ يَقُولُ: كُنَّا إِذَا صَلَّيْنَا خَلْفَ النَّبِيِّ - ﷺ - قُلْنَا: السَّلَامُ عَلَيْكُمُ السَّلَامُ عَلَيْكُمْ، وَأَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى الْجَانِبَيْنِ فَقَالَ: " مَا لِهَؤُلَاءِ يُومِئُونَ بِأَيْدِيَهُمْ كَأَنَّهَا أَذْنَابُ خَيْلٍ شُمْسِ إِنَّمَا يَكْفِي أَحَدَكُمْ أَنْ يَضَعَ يَدَهُ عَلَى فَخِذِهِ ثُمَّ يُسَلِّمَ عَلَى أَخِيهِ مِنْ عَنْ يَمِينِهِ وَمِنْ عَنْ شِمَالِهِ» "، بِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُمَا حَدِيثَانِ ; لِأَنَّ الَّذِي يَرْفَعُ يَدَيْهِ حَالَ التَّسْلِيمِ لَا يُقَالُ لَهُ: اسْكُنْ فِي الصَّلَاةِ، وَبِأَنَّ الْعِبْرَةَ لِلَّفْظِ وَهُوَ قَوْلُهُ: " اسْكُنُوا " لَا لِسَبَبِهِ وَهُوَ الْإِيمَاءُ حَالَ التَّسْلِيمِ. وَفِي شَرْحِ الْهِدَايَةِ لِابْنِ الْهُمَامِ: اجْتَمَعَ الْإِمَامُ أَبُو حَنِيفَةَ مَعَ الْأَوْزَاعِيِّ بِمَكَّةَ فِي دَارِ الْحَنَّاطِينَ، فَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: مَا لَكُمْ لَا تَرْفَعُونَ عِنْدَ الرُّكُوعِ وَالرَّفْعُ مِنْهُ؟ فَقَالَ: لِأَجْلِ أَنَّهُ لَمْ يَصِحَّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - فِيهِ شَيْءٌ، أَيْ: لَمْ يَصِحَّ مَعْنًى، إِذَا هُوَ مُعَارِضٌ وَإِلَّا فَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ، فَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: كَيْفَ لَمْ يَصِحَّ وَقَدْ حَدَّثَنِي الزُّهْرِيُّ عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ ابْنِ عُمَرَ، «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - كَانَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ إِذَا افْتَتَحَ الصَّلَاةَ وَعِنْدَ الرُّكُوعِ وَعِنْدَ الرَّفْعِ مِنْهُ» فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ وَالْأَسْوَدِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، «أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - كَانَ لَا يَرْفَعُ يَدَيْهِ إِلَّا عِنْدَ الِافْتِتَاحِ، ثُمَّ لَا يَعُودُ» فَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: أُحَدِّثُكَ عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ، وَتَقُولُ: حَدَّثَنِي حَمَّادٌ عَنْ إِبْرَاهِيمَ، فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: كَانَ حَمَّادٌ أَفْقَهَ مِنَ الزُّهْرِيِّ، كَانَ إِبْرَاهِيمُ أَفْقَهَ مِنْ سَالَمٍ، وَعَلْقَمَةُ لَيْسَ بِدُونِ ابْنِ عُمَرَ، أَيْ: فِي الْفِقْهِ وَإِنْ كَانَ لِابْنِ عُمَرَ صُحْبَةٌ فَلَهُ فَضْلُ صُحْبَتِهِ، فَالْأَسْوَدُ لَهُ فَضْلٌ كَثِيرٌ، وَعَبْدُ اللَّهِ عَبْدِ اللَّهِ فَرُجِّحَ بِفِقْهِ الرُّوَاةِ، كَمَا رُجِّحَ الْأَوْزَاعِيُّ بِعُلُوِّ الْإِسْنَادِ، وَهُوَ أَيِ التَّرْجِيحُ بِالْفِقْهِ الْمَذْهَبُ الْمَنْصُورُ عِنْدَنَا، كَلَامُ ابْنِ الْهُمَامِ، وَرُوِيَ عَنْ عَاصِمِ بْنِ كُلَيْبٍ، أَنَّ عَلِيًّا - ﵁ - كَانَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ فِي أَوَّلِ تَكْبِيرَةِ الصَّلَاةِ، ثُمَّ لَا يَرْفَعُ يَدَيْهِ وَلَا يَفْعَلُ عَلَيٌّ بَعْدَ النَّبِيِّ - ﷺ - خِلَافَهُ إِلَّا بَعْدَ قِيَامِ الْحُجَّةِ عِنْدَهُ عَلَى نَسْخِ مَا كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - عَلَيْهِ، وَقِيلَ لِإِبْرَاهِيمَ أَيِ النَّخَعِيِّ، عَنْ حَدِيثِ وَائِلٍ أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ - ﷺ - يَرْفَعُ يَدَيْهِ إِذَا رَكَعَ، وَإِذَا رَفَعَ مِنَ الرُّكُوعِ فَقَالَ: إِنْ كَانَ وَائِلٌ رَآهُ مَرَّةً يَفْعَلُ ذَلِكَ، قَدْ رَآهُ عَبْدُ اللَّهِ أَيِ ابْنُ مَسْعُودٍ خَمْسِينَ مَرَّةً لَا يَفْعَلُ ذَلِكَ، وَقَدْ رَوَى مُجَاهِدٌ أَنَّهُ قَالَ: صَلَّيْتُ خَلْفَ ابْنِ عُمَرَ، فَلَمْ يَكُنْ يَرْفَعْ يَدَيْهِ إِلَّا فِي التَّكْبِيرَةِ الْأُولَى، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَمْ يَتْرُكْ بَعْدَ النَّبِيِّ - ﷺ - مَا كَانَ قَدْ يَفْعَلُهُ إِلَّا لِمَا يُوجِبُ لَهُ ذَلِكَ مِنْ نَسْخٍ وَقَدْ رُوِيَ.
[ ٢ / ٦٥٦ ]
٧٩٤ - وَعَنْ نَافِعٍ، «أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ إِذَا دَخَلَ فِي الصَّلَاةِ كَبَّرَ وَرَفَعَ يَدَيْهِ، وَإِذَا رَكَعَ رَفَعَ يَدَيْهِ، وَإِذَا قَالَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، رَفَعَ يَدَيْهِ، وَإِذَا قَامَ مِنَ الرَّكْعَتَيْنِ رَفَعَ يَدَيْهِ وَرَفَعَ ذَلِكَ ابْنُ عُمَرَ إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ» -، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
٧٩٥ - وَعَنْ مَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ ﵁ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - إِذَا كَبَّرَ رَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى يُحَاذِيَ بِهِمَا أُذُنَيْهِ وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ فَقَالَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ فَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ، وَفِي رِوَايَةٍ: حَتَّى يُحَاذِيَ بِهِمَا أُذُنَيْهِ»، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
[ ٢ / ٦٥٦ ]
٧٩٦ - وَعَنْهُ، «أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ - ﷺ - يُصَلِّي، فَإِذَا كَانَ فِي وِتْرٍ مِنْ صَلَاتِهِ لَمْ يَنْهَضْ حَتَّى يَسْتَوِيَ قَاعِدًا»، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
_________________
(١) (وَعَنْهُ)، أَيْ: عَنْ مَالِكٍ الْمَذْكُورِ (أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ - ﷺ - يُصَلِّي، فَإِذَا كَانَ فِي وِتْرٍ)، أَيْ: فَرْدٍ (مِنْ صَلَاتِهِ)، أَيْ: عَدَدِهَا، قَالَ الْقَاضِيَ: الْمُرَادُ بِالْوِتْرِ الرَّكْعَةُ الْأُولَى وَالثَّالِثَةُ مِنَ الرُّبَاعِيَّاتِ (لَمْ يَنْهَضْ)، أَيْ: لَمْ يَقُمْ (حَتَّى يَسْتَوِيَ قَاعِدًا)، أَيْ: حَتَّى يَقْرُبَ إِلَى الْقُعُودِ قَالَهُ ابْنُ الْمَلَكِ: وَقِيلَ: أَيْ يَجْلِسُ لِلِاسْتِرَاحَةِ ثُمَّ يَقُومُ، وَلَعَلَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ لِعُذْرٍ أَوْ لِبَيَانِ الْجَوَازِ، قَالَ الْقَاضِي: هَذَا دَلِيلٌ عَلَى اسْتِحْبَابِ جِلْسَةِ الِاسْتِرَاحَةِ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَدَعْوَى الطَّحَاوِيِّ أَنَّهَا لَيْسَتْ فِي حَدِيثٍ وَهْمٌ عَجِيبٌ مِنْهُ، وَأَمَّا حَدِيثُ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ أَنَّهُ - ﵇ - كَانَ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ السُّجُودِ اسْتَوَى قَائِمًا فَغَرِيبٌ، وَبِفَرْضِ عَدَمِ غَرَابَتِهِ مَحْمُولٌ عَلَى بَيَانِ الْجَوَازِ، وَقَوْلُ أَحْمَدَ أَكْثَرُ الْأَحَادِيثِ عَلَى عَدَمِ التَّعَرُّضِ لَهَا نَفْيًا وَإِثْبَاتًا لَا يُؤَثِّرُ بَعْدَ صِحَّةِ التَّعَرُّضِ لَهَا إِثْبَاتًا كَمَا عَلِمْتَ اهـ. وَلَا يَخْفَى أَنَّ قَوْلَهُ: حَتَّى يَسْتَوِيَ قَاعِدًا نَفْيٌ لِبَيَانِ جَلْسَتِهِ كَمَا عَلِمْتَ، قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: وَلَنَا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - يَنْهَضُ فِي الصَّلَاةِ عَلَى صُدُورِ قَدَمَيْهِ»، أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: عَلَيْهِ الْعَمَلُ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ كَانَ يَنْهَضُ فِي الصَّلَاةِ عَلَى صُدُورِ قَدَمَيْهِ، وَأَخْرَجَ نَحْوَهُ عَنْ عَلَيٍّ، وَكَذَا عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَابْنِ الزُّبَيْرِ، وَكَذَا عَنْ عُمَرَ وَأَخْرَجَ عَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ: كَانَ عُمَرُ وَعَلِيٌّ وَأَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - يَنْهَضُونَ فِي الصَّلَاةِ عَلَى صُدُورِ أَقْدَامِهِمْ، وَأَخْرَجَ عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ أَبِي عَيَّاشٍ: أَدْرَكْتُ غَيْرَ وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -، فَكَانَ إِذَا رَفَعَ أَحَدُهُمْ رَأْسَهُ مِنَ السَّجْدَةِ الثَّانِيَةِ كَانُوا أَقْرَبَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - وَأَشَدَّ اقْتِفَاءً لِأَثَرِهِ، وَأَلْزَمَ لِصُحْبَتِهِ مِنْ مَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ عَلَى خِلَافِ مَا قَالَ فَوَجَبَ تَقْدِيمُهُ، (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) .
[ ٢ / ٦٥٧ ]
٧٩٧ - وَعَنْ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ: «أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ - ﷺ - رَفْعَ يَدَيْهِ حِينَ دَخَلَ فِي الصَّلَاةِ كَبَّرَ ثُمَّ الْتَحَفَ بِثَوْبِهِ، ثُمَّ وَضَعَ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى الْيُسْرَى، فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يَرْكَعَ أَخْرَجَ يَدَيْهِ مِنَ الثَّوْبِ، ثُمَّ رَفَعَهُمَا وَكَبَّرَ فَرَكَعَ، فَلَمَّا قَالَ: " سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ " رَفَعَ يَدَيْهِ، فَلَمَّا سَجَدَ، سَجَدَ بَيْنَ كَفَّيْهِ»، رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
_________________
(١) (وَعَنْ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ): بِضَمِّ الْحَاءِ وَسُكُونِ الْجِيمِ، ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ وَائِلِ بْنِ يَعَمَرَ بِفَتْحِ الْيَاءِ وَالْمِيمِ، أَبُو هُنَيْدَةَ الْحَضْرَمِيُّ، كَانَ قَيْلًا مِنْ أَقْيَالِ حَضْرَمَوْتَ، وَكَانَ أَبُوهُ مِنْ مُلُوكِهِمْ، وَفَدَ عَلَى النَّبِيِّ - ﷺ - وَيُقَالُ: أَنَّهُ - ﷺ - بَشَّرَ أَصْحَابَهُ بِقُدُومِهِ، وَقَالَ: «يَأْتِيكُمْ وَائِلُ بْنُ حُجْرٍ مِنْ حَضْرَمَوْتَ طَائِعًا رَاغِبًا فِي اللَّهِ وَفِي رَسُولِهِ، وَهُوَ بَقِيَّةٌ مِنْ أَبْنَاءِ الْمُلُوكِ فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ رَحَّبَ بِهِ وَأَدْنَاهُ مِنْ نَفْسِهِ، وَبَسَطَ لَهُ رِدَاءَهُ فَأَجْلَسَهُ عَلَيْهِ، وَقَالَ: (اللَّهُمَّ بَارِكْ فِي وَائِلٍ وَوَلَدِهِ وَوَلَدِ وَلَدِهِ») رَوَى عَنْهُ وَلَدَاهُ عَلْقَمَةُ وَعَبْدُ الْجَبَّارِ وَجَمَاعَةٌ، وَالصَّحِيحُ أَنَّ عَبْدَ الْجَبَّارِ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ أَبِيهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ، كَذَا نَقَلَهُ مِيرَكُ عَنِ التَّصْحِيحِ (أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ - ﷺ - رَفَعَ يَدَيْهِ): حَالٌ، أَيْ: نَظَرَ إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ - رَافِعًا يَدَيْهِ (حِينَ دَخَلَ): أَيْ أَرَادَ الدُّخُولَ (فِي الصَّلَاةِ كَبَّرَ): قَالَ الطِّيبِيُّ: كَبَّرَ بِالْوَاوِ وَفِي بَعْضِ نَسْخِ الْمَصَابِيحِ عَطْفًا عَلَى يُدْخِلُ، وَفِي بَعْضِهَا وَفِي صَحِيحٍ مُسْلِمٍ وَكِتَابِ الْحُمَيْدِيِّ، وَجَامِعِ الْأُصُولِ بِغَيْرِ وَاوٍ مُقَيَّدًا بِلَفْظٍ كَذَا فَوْقَهُ، وَفِيهِ وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ حَالًا " وَقَدْ " مُقَدَّرَةٌ وَأَنْ يُرَادَ بِالدُّخُولِ الشُّرُوعُ فِيهَا وَالْعَزْمُ عَلَيْهَا بِالْقَلْبِ، فَيُوَافِقَ مَعْنَى الْعَطْفِ، وَيَلْزَمَ مِنْهُ الْمُوَاطَأَةُ يَعْنِي عَمَلَ الْجَارِحَةِ وَاللِّسَانِ وَالْقَلْبِ، وَثَانِيهِمَا: أَنْ يَكُونَ كَبَّرَ بَيَانًا لِدُخُولِهِ فِي الصَّلَاةِ، وَيُرَادَ بِالدُّخُولِ افْتِتَاحُهَا بِالتَّكْبِيرِ، وَعَلَى الْأَوَّلِ يَلْزَمُ اقْتِرَانُ النِّيَّةِ بِالتَّكْبِيرِ (ثُمَّ الْتَحَفَ بِثَوْبِهِ)، أَيْ: تَسَتَّرَ بِهِ يَعْنِي: أَخْرَجَ يَدَيْهِ مِنَ الْكُمِّ حِينَ كَبَّرَ لِلْإِحْرَامِ، وَلَمَّا فَرَغَ مِنَ التَّكْبِيرِ أَدْخَلَ يَدَيْهِ فِي كُمَّيْهِ، قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: وَلَعَلَّ الْتِحَافَ يَدَيْهِ بِكُمَّيْهِ لِبَرْدٍ شَدِيدٍ، أَوْ لِبَيَانِ أَنَّ كَشْفَ الْيَدَيْنِ فِي غَيْرِ التَّكْبِيرِ غَيْرُ وَاجِبٍ. قُلْتُ: فِيهِ أَنَّهُ عِنْدَ التَّكْبِيرِ أَيْضًا غَيْرُ وَاجِبٍ، بَلْ مُسْتَحَبٌّ، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: يَحْتَمِلُ أَنَّهُ بَعْدَ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ سَقَطَ ثَوْبُهُ عَنْ كَتِفِهِ فَأَعَادَهُ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ كَانَ نَسِيَهُ ثُمَّ تَذَكَّرَهُ بَعْدَ إِحْرَامِهِ فَأَخَذَهُ وَالْتَحَفَ بِهِ، قُلْتُ: الِاحْتِمَالُ الثَّانِي بَعِيدٌ جِدًّا مَعَ احْتِيَاجِهِ إِلَى مُعَالَجَةٍ كَثِيرَةٍ، قَالَ وَيُؤْخَذُ مِنْ الِاحْتِمَالِ الْأَوَّلِ أَنَّهُ يُسَنُّ لِمَنْ فَاتَتْهُ سُنَّةٌ فِي صَلَاتِهِ تَدَارُكُهَا إِذَا أَمْكَنَهُ بِفِعْلٍ قَلِيلٍ، فَإِنَّ الصَّلَاةَ فِي الثَّوْبِ أَيِ الرِّدَاءِ سُنَّةٌ، وَمِنَ الثَّانِي أَنَّهُ يُسَنُّ لِمَنْ تَرَكَ سُنَّةً مِنْ سُنَنِ الصَّلَاةِ الْمُتَقَدِّمَةِ عَلَيْهَا تَدَارُكُهَا، وَلَوْ فِي الصَّلَاةِ إِنْ أَمْكَنَ بِفِعْلٍ قَلِيلٍ أَيْضًا، وَمِنْ ثَمَّ كَانَ الَّذِي يَتَّجِهُ فِيمَنْ دَخَلَ فِي الصَّلَاةِ بِلَا سِوَاكٍ أَنَّهُ يُسَنُّ لَهُ تَدَارُكُهُ فِيهَا بِفِعْلٍ قَلِيلٍ اهـ.
[ ٢ / ٦٥٧ ]
وَهُوَ تَفْرِيغٌ غَيْرُ صَحِيحٍ ; لِأَنَّ سَتْرَ الْكَتِفِ إِنَّمَا اسْتُحِبَّ خَارِجَ الصَّلَاةِ لِيَتَحَقَّقَ وُقُوعُهُ فِيهَا، وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْمِسْوَاكُ مَعَ أَنَّ السِّوَاكَ فِي الصَّلَاةِ غَيْرُ مَشْرُوعٍ إِجْمَاعًا، وَهُوَ عَمَلُ كَثِيرٍ عِنْدَ الْبَعْضِ، فَإِنَّ مَنْ رَآهُ يَتَسَوَّكُ تَيَقَّنَ أَنَّهُ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ، وَأَيْضًا يُنَافِي مُقْتَضَى ظَاهِرِ مَذْهَبِهِمْ مِنْ أَنَّهُ إِذَا تَرَكَ الِاسْتِفْتَاحَ أَوِ التَّعَوُّذَ عَنْ مَحَلِّهِ لَا يَتَدَارَكُ بَعْدَهُ هَذَا، وَيَدُلُّ عَلَى بُطْلَانِ احْتِمَالَيْهِ قَوْلُهُ (ثُمَّ وَضَعَ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى الْيُسْرَى): أَيْ: حَالَ كَوْنِهِ مُلْتَحِفًا بِثَوْبِهِ لِقَوْلِهِ: (فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يَرْكَعَ أَخْرَجَ يَدَيْهِ مِنَ الثَّوْبِ): وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ وَضْعٌ مِنْ غَيْرِ إِرْسَالٍ، وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ فِي الْمَذْهَبِ وَقِيلَ: إِنَّهُ يُرْسِلُ ثُمَّ يَضَعُ جَمْعًا بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ وَخُرُوجًا عَنْ خِلَافِ الْمَذْهَبَيْنِ، وَعَلَى كُلٍّ فَهُوَ حُجَّةٌ عَلَى مَنْ قَالَ بِكَرَاهَةِ الْوَضْعِ، أَوْ بِتَرْكِ سُنِّيَّتِهِ الْمُؤَكَّدَةِ، فَمَا قَالَهُ ابْنُ حَجَرٍ مِنْ أَنَّ فِيهِ التَّصْرِيحَ بِمَشْرُوعِيَّتِهِ، وَبِأَنَّهُ أَوْلَى مِنَ الْإِرْسَالِ، خِلَافَ الْأَوْلَى لِقَوْلِ الْبَغَوِيِّ: وَيُكْرَهُ إِرْسَالُهُمَا، وَلِعَدَمِ ثُبُوتِ الْإِرْسَالِ فِي فِعْلِهِ - ﵇ -، وَقَوْلُهُ أَصْلًا: وَلَوْ ثَبَتَ لَكَانَ أَوْلَى أَنْ يُحْمَلَ عَلَى الضَّرُورَةِ، أَوْ لِبَيَانِ الْجَوَازِ، وَسَيَأْتِي مَحَلُّ الْوَضْعِ (ثُمَّ رَفَعَهُمَا وَكَبَّرَ فَرَكَعَ): أَيِ: انْتَهَى رَفْعُهُ وَتَكْبِيرُهُ بِانْتِهَاءِ رُكُوعِهِ، كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ الرِّوَايَاتُ السَّابِقَةُ، كَذَا ذَكَرَهُ ابْنُ حَجَرٍ، لَكِنْ يَتَعَقَّبُ عَلَيْهِ الْفَاءُ التَّعْقِيبِيَّةُ، فَالْأَوْلَى حَمْلُهُ عَلَى بَيَانِ الْجَوَازِ (فَلَمَّا قَالَ: " سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ " رَفَعَ يَدَيْهِ): أَيْ: لَمَّا شَرَعَ فِي قَوْلِهِ ذَلِكَ شَرَعَ فِي رَفْعِهِمَا كَمَا عُلِمَ مِنَ الرِّوَايَاتِ السَّابِقَةِ أَيْضًا، وَاسْتُفِيدَ مِنْهُ أَنَّ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ ذِكْرُ الرَّفْعِ وَالِانْتِقَالِ مِنَ الرُّكُوعِ إِلَى الِاعْتِدَالِ، وَأَنَّهُ يُسَنُّ الْجَهْرُ بِهِ إِنِ احْتِيجَ إِلَيْهِ لِلْإِمَامِ وَالْمُبَلِّغِ (فَلَمَّا سَجَدَ، سَجَدَ بَيْنَ كَفَّيْهِ): أَيْ: مُحَاذِيَيْنِ لِرَأْسِهِ، قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: أَيْ وَضَعَ كَفَّيْهِ بِإِزَاءِ مَنْكِبَيْهِ فِي السُّجُودِ، وَفِيهِ أَنَّ إِزَاءَ الْمَنْكِبَيْنِ لَا يُفْهَمُ مِنَ الْحَدِيثِ، وَلَا هُوَ مُوَافِقٌ لِلْمَذْهَبِ، وَأَغْرَبَ ابْنُ حَجَرٍ أَيْضًا حَيْثُ قَالَ: وَفِيهِ التَّصْرِيحُ بِأَنَّهُ يُسَنُّ لِلْمُصَلِّي وَضْعُ كَفَّيْهِ عَلَى الْأَرْضِ حِذَاءَ مَنْكِبَيْهِ اتِّبَاعًا لِفِعْلِهِ - ﵇ -، كَمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَسَنَدُهُ صَحِيحٌ.
قُلْتُ: عَلَى تَقْدِيرِ صِحَّةِ سَنَدِهِ، فَمُسْلِمٌ مُقَدَّمٌ لِأَنَّهُ فِي الصِّحَّةِ مُسْلِمٌ، فَهُوَ أَوْلَى بِالتَّرْجِيحِ، فَيَحْمِلُ رِوَايَةَ غَيْرِهِ عَلَى الْجَوَازِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ (رَوَاهُ مُسْلِمٌ): مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْجَبَّارِ بْنِ وَائِلٍ، عَنْ عَلْقَمَةَ، وَمَوْلًى لَهُمْ أَنَّهُمَا أَخْبَرَاهُ، عَنْ أَبِيهِ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ، وَهُوَ إِسْنَادٌ مُسْتَقِيمٌ، وَعَنِ ابْنِ مَعِينٍ أَنَّهُ قَالَ: عَلْقَمَةُ بْنُ وَائِلٍ، عَنْ أَبِيهِ مُرْسَلٌ، مَاتَ أَبُوهُ وَأُمُّهُ حَامِلٌ بِهِ، وَالصَّحِيحُ أَنَّ عَلْقَمَةَ سَمِعَ مِنْ أَبِيهِ، وَأَنَّ الَّذِي لَمْ يَسْمَعُ مِنْ أَبِيهِ هُوَ عَبْدُ الْجَبَّارِ بْنُ وَائِلٍ بَعْدَ وَفَاةِ أَبِيهِ بِسِتَّةِ أَشْهُرٍ، كَذَا نَقَلَهُ التِّرْمِذِيُّ عَنِ الْبُخَارِيِّ، ذَكَرَهُ مِيرَكُ.
[ ٢ / ٦٥٨ ]
٧٩٨ - وَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ - ﵁ -، قَالَ: «كَانَ النَّاسُ يُؤْمَرُونَ أَنْ يَضَعَ الرَّجُلُ الْيَدَ الْيُمْنَى عَلَى ذِرَاعِهِ الْيُسْرَى فِي الصَّلَاةِ» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
_________________
(١) (وَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدِ): أَنْصَارِيٌّ، خَزْرَجَيٌّ، مِنْ بَنِي سَاعِدَةَ، وَهُوَ آخِرُ مَنْ مَاتَ مِنَ الصَّحَابَةِ فِي الْمَدِينَةِ، وَكَانَ لَهُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً حِينَ مَاتَ النَّبِيُّ - ﷺ -، (قَالَ: كَانَ النَّاسُ يُؤْمَرُونَ أَنْ يَضَعَ الرَّجُلُ)، أَيْ: وَالْمَرْأَةُ تَابِعَةٌ لَهُ، وَفِي الْقَامُوسِ: الرَّجُلُ إِنَّمَا هُوَ إِذَا احْتَلَمَ وَشَبَّ، أَوْ هُوَ رَجُلٌ سَاعَةَ يُولَدُ اهـ. وَالْمُرَادُ هُنَا الْأَوَّلُ، وَبِهِ يَظْهَرُ وَجْهُ وَضْعِ الرَّجُلِ مَوْضِعَ ضَمِيرِ النَّاسِ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: فِي وَضْعِ الرَّجُلِ مَوْضِعَ ضَمِيرِ النَّاسِ تَنْبِيهٌ عَلَى أَنَّ الْقَائِمَ بَيْنَ يَدَيِ الْمَلِكِ الْجَبَّارِ يَنْبَغِي أَنْ لَا يُهْمِلَ شَرِيطَةَ الْأَدَبِ، بَلْ يَضَعَ يَدَهُ عَلَى يَدِهِ وَيُطَأْطِئَ رَأْسَهُ كَمَا يَصْنَعُ بَيْنَ يَدَيِ الْمُلُوكِ نَقَلَهُ مِيرَكُ، وَكَتَبَ تَحْتَهُ: وَفِيهِ مَا أَنَّ هَذِهِ النُّكْتَةَ لِمُطْلَقِ الْوَضْعِ لَا لِذِكْرِ الرَّجُلِ مَوْضِعَ ضَمِيرِ النَّاسِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ، وَلَعَلَّهُ أَرَادَ أَنَّهُ لَا يَقُومُ بِهَذَا الْأَدَبِ إِلَّا مَنِ اجْتَمَعَتْ فِيهِ صِفَاتُ الرُّجُولِيَّةِ الْكَامِلَةِ لَا لِتَخْصِيصِ الْحُكْمِ بِهِ ; لِأَنَّ النَّاسَ يَعُمُّهُ مَا لَمْ يَقُمْ دَلِيلُ خُرُوجِهِ. (الْيَدَ الْيُمْنَى عَلَى ذِرَاعِهِ)، أَيْ: قُرْبَ ذِرَاعِهِ (الْيُسْرَى): قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: وَعَنْ عَلَيٍّ: وَمِنَ السُّنَّةِ فِي الصَّلَاةِ وَضْعُ الْأَكُفِّ عَلَى الْأَكُفِّ تَحْتَ السُّرَّةِ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَأَحْمَدُ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ: اتَّفَقُوا عَلَى تَضْعِيفِهِ ; لِأَنَّهُ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ إِسْحَاقَ الْوَاسِطِيِّ، وَهُوَ مُجْمَعٌ عَلَى ضَعْفِهِ، وَفِي وَضْعِ الْيُمْنَى عَلَى الْيُسْرَى فَقَطْ أَحَادِيثُ
[ ٢ / ٦٥٨ ]
فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا تَقُومُ بِهَا الْحُجَّةُ عَلَى مَالِكٍ، وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر: ٢] فَمَدْلُولُ اللَّفْظِ طَلَبُ النَّحْرِ نَفْسِهِ، وَهُوَ غَيْرُ طَلَبِ وَضْعِ الْيَدَيْنِ عِنْدَ النَّحْرِ، فَالْمُرَادُ نَحْرُ الْأُضْحِيَةِ عَلَى أَنَّ وَضْعَ الْيَدَيْنِ عَلَى الصَّدْرِ لَيْسَ هُوَ حَقِيقَةَ وَضْعِهَا عَلَى النَّحْرِ، فَصَارَ الثَّابِتُ هُوَ وَضْعَ الْيُمْنَى عَلَى الْيُسْرَى، وَكَوْنُهُ تَحْتَ السُّرَّةِ أَوِ الصَّدْرِ كَمَا قَالَ الشَّافِعِيُّ لَمْ يَثْبُتْ فِيهِ حَدِيثٌ يُوجِبُ الْعَمَلَ، فَيُحَالُ عَلَى الْمَعْهُودِ مِنْ وَضْعِهِمَا حَالَ قَصْدِ التَّعْظِيمِ فِي الْقِيَامِ، وَالْمَعْهُودُ فِي الشَّاهِدِ تَحْتَ السُّرَّةِ، ثُمَّ قِيلَ كَيْفِيَّتُهُ أَنْ يَضَعَ الْكَفَّ عَلَى الْكَفِّ، وَقِيلَ: عَلَى الْمِفْصَلِ، وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ يَقْبِضُ بِالْيُمْنَى رُسْغَ الْيُسْرَى، وَقَالَ مُحَمَّدٌ: يَضَعُهَا كَذَلِكَ وَيَكُونُ الرُّسْغُ وَسَطَ الْكَفِّ، وَقِيلَ: يَأْخُذُ بِالْإِبْهَامِ وَالْخِنْصَرِ يَعْنِي: وَيَضَعُ الْبَاقِي فَيَكُونُ جَمْعًا بَيْنَ الْآخِذِ وَالْوَضْعِ، وَهُوَ الْمُخْتَارُ اهـ.
فَمَا ادَّعَاهُ ابْنُ حَجَرٍ مِنْ أَنَّ سُنَّةَ الْوَضْعِ أَنْ يَكُونَ بَيْنَ سُرَّتِهِ وَصَدْرِهِ لِلْحَدِيثِ الصَّحِيحِ «أَنَّهُ - ﵇ - وَضَعَ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى يَدِهِ الْيُسْرَى عَلَى صَدْرِهِ»، أَيْ: آخِرَهُ فَيُكُونَانِ تَحْتَهُ بِقَرِينَةِ رِوَايَةِ تَحْتَ صَدْرِهِ غَيْرُ صَحِيحٍ، وَإِلَّا فَيَحْتَاجُ إِلَى تَصْرِيحٍ، ثُمَّ قَالَ: وَجَاءَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر: ٢]، أَيْ: وَضْعُ الْيُمْنَى عَلَى الْيُسْرَى تَحْتَ النَّحْرِ اهـ.
وَقَدْ تَقَدَّمَ الْجَوَابُ عَنْهُ ثُمَّ قَالَ: وَالسُّنَّةُ أَنْ يَقْبِضَ بِكَفِّ الْيُمْنَى كُوعَ الْيُسْرَى، وَهُوَ الْعَظَمُ الَّذِي يَلِي الْإِبْهَامَ وَبَعْضَ رُسْغِهَا، وَهُوَ الْمِفْصَلُ بَيْنَ الْكَفِّ وَالسَّاعِدِ، وَسَاعِدَهَا وَبِأَصَابِعِهَا مِفْصَلَ الْيُسْرَى، لِأَنَّهُ صَحَّ «عَنْهُ - ﵇ - أَنَّهُ وَضَعَ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى ظَهْرِ كَفِّهِ الْيُسْرَى، وَالرُّسْغِ وَالسَّاعِدِ»، وَرَوَى الشَّيْخَانِ «أَنَّهُ أَخَذَ بِيَمِينِهِ يَسَارَهُ» (فِي الصَّلَاةِ): وَمَحَلُّ الْوَضْعِ مِنْهَا كُلُّ قِيَامٍ فِيهِ ذِكْرٌ مَشْرُوعٌ، (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
[ ٢ / ٦٥٩ ]
٧٩٩ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ يُكَبِّرُ حِينَ يَقُومُ، ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَرْكَعُ، ثُمَّ يَقُولُ: " سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ " حِينَ يَرْفَعُ صُلْبَهُ مِنَ الرَّكْعَةِ، ثُمَّ يَقُولُ وَهُوَ قَائِمٌ " رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ " ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَهْوِي، ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَرْفَعُ رَأْسَهُ، ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَسْجُدُ، ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَرْفَعُ رَأْسَهُ، ثُمَّ يَفْعَلُ ذَلِكَ فِي الصَّلَاةِ كُلِّهَا حَتَّى يَقْضِيَهَا، وَيُكَبِّرُ حِينَ يَقُومُ مِنَ الثِّنْتَيْنِ بَعْدَ الْجُلُوسِ»، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
_________________
(١) (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -): وَفِي نُسْخَةٍ " النَّبِيُّ " - ﷺ - إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ يُكَبِّرُ): أَيْ لِلْإِحْرَامِ، وَهُوَ مِنْ شُرُوطِ الصَّلَاةِ عِنْدَنَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ [الأعلى: ١٥] (حِينَ يَقُومُ): وَفِيهِ دَلِيلٌ ظَاهِرٌ أَنَّ الْقِيَامَ شَرْطٌ لِصِحَّةِ الْإِحْرَامِ عِنْدَ الْقُدْرَةِ (ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَرْكَعُ): التَّكْبِيرَاتُ الَّتِي لِلِانْتِقَالِ مِنَ السُّنَنِ الْمُؤَكَّدَةِ (ثُمَّ يَقُولُ: " سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ " حِينَ يَرْفَعُ صُلْبَهُ)، أَيْ: حِينَ يَشْرَعُ رَفْعَهُ (مِنَ الرَّكْعَةِ)، أَيْ: مِنَ الرُّكُوعِ، وَبِهِ تَتِمُّ الرَّكْعَةُ لِلْمُقْتَدِي (ثُمَّ يَقُولُ وَهُوَ قَائِمٌ: " رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ "): قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْمُؤْتَمَّ لَا يَذْكُرُ التَّسْمِيعَ، وَفِي شَرْحِ الْأَقْطَعِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ: يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا الْإِمَامُ وَالْمَأْمُومُ اهـ. فَالْحَدِيثُ مَحْمُولٌ عَلَى الْمُنْفَرِدِ، فَإِنَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا إِجْمَاعًا، وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ: وَفِيهِ التَّصْرِيحُ بِأَنَّ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ ذِكْرُ الِانْتِقَالِ، وَرَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ ذِكْرُ الْقِيَامِ، فَمَدْفُوعٌ ; لِأَنَّ التَّقْدِيرَ: ثُمَّ يَشْرَعُ فِي قَوْلِ: رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ وَهُوَ قَائِمٌ (ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَهْوِي): بِكَسْرِ الْوَاوِ، أَيْ: يَهْبِطُ وَيَنْزِلُ إِلَى السُّجُودِ (ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَرْفَعُ رَأْسَهُ)، أَيْ: مِنَ السُّجُودِ (ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَسْجُدُ)، أَيْ: حِينَ يُرِيدُ السَّجْدَةَ الثَّانِيَةَ (ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَرْفَعُ رَأْسَهُ): قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: وَفِيهِ تَرْجِيحُ مُقَارَنَةِ الِانْتِقَالِ بِالتَّكْبِيرِ كَمَا هُوَ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ، وَأَنَّ التَّسْمِيعَ يُذْكَرُ حَالَةَ الِانْتِقَالِ مِنَ الرُّكُوعِ، وَالتَّحْمِيدُ حَالَةَ الِانْتِقَالِ مِنَ الْقِيَامِ، وَعَلَى وَفْقِهِ ذِكْرُ فِي جَامِعِ التُّمُرْتَاشِيِّ وَقَالَ فِيهِ: فَإِنْ لَمْ يَأْتِ بِالتَّسْمِيعِ حَالَةَ الرَّفْعِ لَا يَأْتِ بِهِ حَالَةَ الِاسْتِوَاءِ، وَقِيلَ: يَأْتِي بِهِمَا (ثُمَّ يَفْعَلُ ذَلِكَ)، أَيْ: جَمِيعَ مَا ذُكِرَ مَا عَدَا التَّحْرِيمَةَ (فِي الصَّلَاةِ كُلِّهَا)، أَيْ: جَمِيعِ رَكَعَاتِهَا (حَتَّى يَقْضِيَهَا)، أَيْ: يُتِمُّهَا وَيُؤَدِّيَهَا (وَيُكَبِّرُ حِينَ يَقُومُ مِنَ الثِّنْتَيْنِ)، أَيِ: الرَّكْعَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ (بَعْدَ الْجُلُوسِ)، أَيِ: الْقَعْدَةِ لِلتَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ): وَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى سُنِّيَّةِ التَّكْبِيرَاتِ فِي الْمَوَاضِعِ الْمَذْكُورَةِ، وَمِنْ ثَمَّ قَالَ أَحْمَدُ بِوُجُوبِهَا، وَكَذَا قَالَ أَيْضًا؟ بِوُجُوبِ التَّسْبِيحَاتِ وَنَحْوِهَا، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ، وَقَالَ جَمَاعَةٌ: لَا تُسَنُّ، وَاسْتَدَلُّوا بِأَحَادِيثَ لَكِنَّهَا ضَعِيفَةٌ.
[ ٢ / ٦٥٩ ]
٨٠٠ - وَعَنْ جَابِرٍ - ﵁ -، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - " «أَفْضَلُ الصَّلَاةِ طُولُ الْقُنُوتِ» "، رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
_________________
(١) (وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: " «أَفْضَلُ الصَّلَاةِ طُولُ الْقُنُوتِ» ")، أَيْ: وَالدُّعَاءِ وَالْعِبَادَةِ، وَالْقِيَامِ، وَالسُّكُوتِ، فَيَنْصَرِفُ لَفْظُ الْحَدِيثِ إِلَى مَا يَحْتَمِلُ، قَالَ الْمُظْهِرُ تَقَدَّمَ هَذَا الْحَدِيثُ: " «أَفْضَلُ الصَّلَاةِ صَلَاةٌ فِيهَا طُولُ الْقُنُوتِ» " أَيْ طُولُ الْقِيَامِ وَالْقِرَاءَةِ، وَقَالَ الْأَشْرَفُ: الْمُرَادُ بِالْقُنُوتِ الْقِيَامُ، وَفِيهِ إِضْمَارٌ أَيْ ذَاتُ طُولِ قِيَامٍ، كَذَا نَقَلَهُ الطِّيبِيُّ: وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: اسْتَدَلَّ بِهِ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ عَلَى أَنَّ طُولَ الْقِيَامِ أَفْضَلُ مِنْ كَثْرَةِ السُّجُودِ، لَيْلًا كَانَ أَوْ نَهَارًا، وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّ الْأَفْضَلَ فِي النَّهَارِ كَثْرَةُ السُّجُودِ، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: مِنْهُ وَمِنْ كَوْنِهُ - ﵇ - كَانَ يُطَوِّلُ الْقِيَامَ أَكْثَرَ مِنْ غَيْرِهِ كَالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، وَمِنْ كَوْنِ ذِكْرِهِ الْقُرْآنَ وَهُوَ أَفْضَلُ مِنْ ذَكَرِهِمَا أَخَذَ أَئِمَّتُنَا إِطَالَةَ الْقِيَامِ أَفْضَلُ، قَالُوا: وَالْأَفْضَلُ بَعْدَهُ إِطَالَةُ السُّجُودِ ثُمَّ الرُّكُوعِ لِقَوْلِهِ - ﵇ -: " «أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنْ رَبِّهِ وَهُوَ سَاجِدٌ» "، رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَأَيْضًا خَرَجَ مِنْهُ تَطْوِيلُ الْقِيَامِ لِلْخَبَرِ وَالْمَعْنَى السَّابِقَيْنِ، وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِيمَا لَوْ طَوَّلَ أَحَدٌ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ أَوْ نَحْوَهَا، كَوُقُوفِ عَرَفَةَ، وَمَبِيتِ مُزْدَلِفَةَ وَمِنًى، عَلَى قَدْرِ الْوَاجِبِ، هَلْ يُثَابُ عَلَى الْكُلِّ ثَوَابَ الْفَرْضِ أَوِ النَّفْلِ؟ فَقَالَ كَثِيرُونَ بِالْأَوَّلِ، وَهُوَ الْأَلْيَقُ لِسَعَةِ الْفَضْلِ، وَقَالَ كَثِيرُونَ بِالثَّانِي، وَهُوَ الْأَرْجَحُ حَيْثُ أَمْكَنَ تَمْيِيزُ الْفَرْضِ مِنْ غَيْرِهِ، بِخِلَافِ بَعِيرٍ مُخْرَجٍ عَنْ خَمْسٍ مِنَ الْإِبِلِ (رَوَاهُ مُسْلِمٌ): قَالَ مِيرَكُ: وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
[ ٢ / ٦٦٠ ]
الْفَصْلُ الثَّانِي
٨٠١ - عَنْ أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ - ﵁ -، قَالَ فِي عَشَرَةٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - ﷺ -: «أَنَا أَعْلَمُكُمْ بِصَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -، قَالُوا: فَاعْرِضْ، قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ رَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى يُحَاذِيَ بِهِمَا مَنْكِبَيْهِ ثُمَّ يُكَبِّرُ، ثُمَّ يَقْرَأُ، ثُمَّ يُكَبِّرُ وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ حَتَّى يُحَاذِيَ بِهِمَا مَنْكِبَيْهِ، ثُمَّ يَرْكَعُ وَيَضَعُ رَاحَتَيْهِ عَلَى رُكْبَتَيْهِ، ثُمَّ يَعْتَدِلُ فَلَا يُصَبِّي رَأْسَهُ وَلَا يُقْنِعُ، ثُمَّ يَرْفَعُ رَأْسَهُ فَيَقُولُ: " سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ " ثُمَّ يَرْفَعُ يَدَيْهِ حَتَّى يُحَاذِيَ بِهِمَا مَنْكِبَيْهِ مُعْتَدِلًا، ثُمَّ يَقُولُ " اللَّهُ أَكْبَرُ "، ثُمَّ يَهْوِي إِلَى الْأَرْضِ سَاجِدًا، فَيُجَافِي يَدَيْهِ عَنْ جَنْبَيْهِ، وَيَفْتَخُ أَصَابِعَ رِجْلَيْهِ، ثُمَّ يَرْفَعُ رَأْسَهُ وَيُثْنِي رِجْلَهُ الْيُسْرَى فَيَقْعُدُ عَلَيْهَا، ثُمَّ يَعْتَدِلُ حَتَّى يَرْجِعَ كُلُّ عَظْمٍ فِي مَوْضِعِهِ مُعْتَدِلًا، ثُمَّ يَسْجُدُ، ثُمَّ يَقُولُ " اللَّهُ أَكْبَرُ "، وَيَرْفَعُ وَيَثْنِي رِجْلَهُ الْيُسْرَى فَيَقْعُدُ عَلَيْهَا، ثُمَّ يَعْتَدِلُ حَتَّى يَرْجِعَ كُلُّ عَظْمٍ إِلَى مَوْضِعِهِ، ثُمَّ يَنْهَضُ، ثُمَّ يَصْنَعُ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ إِذَا قَامَ مِنَ الرَّكْعَتَيْنِ كَبَّرَ وَرَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى يُحَاذِيَ بِهِمَا مَنْكِبَيْهِ كَمَا كَبَّرَ عِنْدَ افْتِتَاحِ الصَّلَاةِ، ثُمَّ يَصْنَعُ ذَلِكَ فِي بَقِيَّةِ صَلَاتِهِ، حَتَّى إِذَا كَانَتِ السَّجْدَةُ الَّتِي فِيهَا التَّسْلِيمُ أَخَّرَ رِجْلَهُ الْيُسْرَى، وَقَعَدَ مُتَوَرِّكًا عَلَى شِقِّهِ الْأَيْسَرِ، ثُمَّ سَلَّمَ، قَالُوا: صَدَقْتَ هَكَذَا كَانَ يُصَلِّي» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالدَّارِمِيُّ، وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ مَعْنَاهُ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
وَفِي رِوَايَةٍ لِأَبِي دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي حُمَيْدٍ: «ثُمَّ رَكَعَ فَوَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى رُكْبَتَيْهِ كَأَنَّهُ قَابِضٌ عَلَيْهِمَا، وَوَتَّرَ يَدَيْهِ فَنَحَّاهُمَا عَنْ جَنْبَيْهِ، وَقَالَ: ثُمَّ سَجَدَ فَأَمْكَنَ أَنْفَهُ وَجَبْهَتَهُ الْأَرْضَ، وَنَحَّى يَدَيْهِ عَنْ جَنْبَيْهِ، وَوَضَعَ كَفَّيْهِ حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ، وَفَرَّجَ بَيْنَ فَخِذَيْهِ غَيْرَ حَامِلٍ بَطْنَهُ عَلَى شَيْءٍ مِنْ فَخِذَيْهِ حَتَّى فَرَغَ، ثُمَّ جَلَسَ، فَافْتَرَشَ رِجْلَهُ الْيُسْرَى وَأَقْبَلَ بِصَدْرِ الْيُمْنَى عَلَى قِبْلَتِهِ، وَوَضَعَ كَفَّهُ الْيُمْنَى عَلَى رُكْبَتِهِ الْيُمْنَى، وَكَفَّهُ الْيُسْرَى عَلَى رُكْبَتِهِ الْيُسْرَى، وَأَشَارَ بِأُصْبُعِهِ - يَعْنِي السَّبَّابَةَ» - وَفِي أُخْرَى لَهُ: «وَإِذَا قَعَدَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ قَعَدَ عَلَى بَطْنِ قَدَمِهِ الْيُسْرَى، وَنَصَبَ الْيُمْنَى، وَإِذَا كَانَ فِي الرَّابِعَةِ أَفْضَى بِوَرِكِهِ الْيُسْرَى إِلَى الْأَرْضِ وَأَخْرَجَ قَدَمَيْهِ مِنْ نَاحِيَةٍ وَاحِدَةٍ» .
_________________
(١) الفصل الثاني
(٢) (عَنْ أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ): مُصَغَّرًا (قَالَ): أَيْ: أَوْقَعَ قَوْلَهُ الْآتِي أَنَا أَعْلَمُكُمْ (فِي عَشَرَةٍ): أَيْ فِي مَحْضَرِ عَشَرَةٍ يَعْنِي بَيْنَ عَشَرَةِ أَنْفُسٍ وَحَضْرَتِهِمْ (مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - ﷺ - أَنَا أَعْلَمُكُمْ بِصَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ): وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ: بِصَلَاةِ النَّبِيِّ (- ﷺ - قَالُوا: فَاعْرِضْ): بِهَمْزَةِ الْوَصْلِ، أَيْ: إِذَا كُنْتَ أَعْلَمَ فَاعْرِضْ، فِي النِّهَايَةِ، يُقَالُ: عَرَضْتُ عَلَيْهِ أَمْرَ كَذَا، أَوْ عَرَضْتُ لَهُ الشَّيْءَ أَظْهَرْتُهُ وَأَبْرَزْتُهُ إِلَيْهِ أَعَرِضُ بِالْكَسْرِ لَا غَيْرَ، أَيْ: بَيِّنْ عِلْمَكَ بِصَلَاتِهِ - ﵇ - إِنْ كُنْتَ صَادِقًا فَمَا تَدَّعِيهِ لِنُوَافِقَكَ إِنْ حَفِظْنَاهُ وَإِلَّا اسْتَفَدْنَاهُ (قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ): وَفِي نُسْخَةٍ: رَسُولُ اللَّهِ (- ﷺ - إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ رَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى يُحَاذِيَ بِهِمَا)، أَيْ: بِكَفَّيْهِ (مَنْكِبَيْهِ): وَيَكُونُ رُءُوسُ الْأَصَابِعِ بِحِذَاءِ أُذُنَيْهِ (ثُمَّ يُكَبِّرُ)، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: ثُمَّ هُنَا بِمَعْنَى الْوَاوِ لِرِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ السَّابِقَةِ حِينَ يُكَبِّرُ، وَقُدِّمَتْ لِأَنَّهَا أَصَحُّ وَأَشْهَرُ، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِ وُقُوعِ جَمِيعِ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ فِي الْقِيَامِ كَمَا مَرَّ (ثُمَّ يَقْرَأُ): وَلَعَلَّ الْقِرَاءَةَ هُنَا تَعُمُّ التَّسْبِيحَ وَدُعَاءَ الِاسْتِفْتَاحِ، أَوِ التَّقْدِيرُ: ثُمَّ يَأْتِي الِافْتِتَاحُ وَالتَّعَوُّذُ كَمَا ثَبَتَ مِنْ رِوَايَاتٍ أُخَرَ، ثُمَّ يَقْرَأُ الْفَاتِحَةَ ثُمَّ السُّورَةَ كَمَا ثَبَتَ مِنْ رِوَايَاتٍ أُخَرَ أَيْضًا (ثُمَّ يُكَبِّرُ وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ حَتَّى يُحَاذِيَ بِهِمَا مَنْكِبَيْهِ، ثُمَّ يَرْكَعُ وَيَضَعُ رَاحَتَيْهِ)، أَيْ: كَفَّيْهِ (عَلَى رُكْبَتَيْهِ)، وَيُفَرِّجُ أَصَابِعَهُ كُلَّ التَّفْرِيجِ، وَلَا يُنْدَبُ التَّفْرِيجُ إِلَّا فِي هَذِهِ الْحَالَةِ، وَلَا الضَّمُّ إِلَّا حَالَ السُّجُودِ وَفِيمَا سِوَاهُمَا، وَهُوَ حَالُ الرَّفْعِ عِنْدَ التحْرِيمَةِ وَالْوَضْعِ فِي التَّشَهُّدِ يُتْرَكُ عَلَى مَا عَلَيْهِ الْعَادَةُ مِنْ غَيْرِ تَكَلُّفِ ضَمٍّ وَلَا تَفْرِيجٍ، كَذَا فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ، (ثُمَّ يَعْتَدِلُ)، أَيْ: فِي الرُّكُوعِ بِأَنْ يُسَوِّيَ رَأْسَهُ وَظَهْرَهُ حَتَّى يَصِيرَا كَالصَّفْحَةِ وَتَفْسِيرُهُ قَوْلُهُ، (فَلَا يُصَبِّي): بِالتَّشْدِيدِ، أَيْ: لَا يُنْزِلُ (رَأْسَهُ)، أَيْ: عَنْ ظَهْرِهِ، فِي الْغَرِيبَيْنِ: صَبَّى الرَّجُلُ رَأْسَهُ يُصَبِّيهِ إِذَا خَفَضَهُ جِدًّا، مِنْ صَبَا الرَّجُلُ إِذَا مَالَ إِلَى النِّسَاءِ، فِي نُسْخَةٍ إِلَى الصِّبَا، فِي
[ ٢ / ٦٦٠ ]
النِّهَايَةِ: وَشَدَّدَهُ لِلتَّكْثِيرِ قُلْتُ: الظَّاهِرُ أَنَّهُ لِلتَّعْدِيَةِ، وَقَالَ الْأَزْهَرِيُّ: الصَّوَابُ يُصَوِّبُ، قُلْتُ: إِذَا صَحَّ صَبَّى لُغَةً وَرِوَايَةً، فَلَا مَعْنَى لِقَوْلِهِ وَالصَّوَابُ (وَلَا يُقْنِعُ): مِنْ أَقْنَعَ رَأْسَهُ إِذَا رَفَعَ، أَيْ: لَا يَرْفَعُهُ حَتَّى يَكُونَ أَعْلَى مِنْ ظَهْرِهِ (ثُمَّ يَرْفَعُ رَأْسَهُ)، أَيْ: إِلَى الْقَامَةِ بِالِاعْتِدَالِ فَيَقُولُ: " سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ " ثُمَّ يَرْفَعُ يَدَيْهِ حَتَّى يُحَاذِيَ بِهِمَا مَنْكِبَيْهِ مُعْتَدِلًا): حَالٌ مِنْ فَاعِلِ يَرْفَعُ (ثُمَّ يَقُولُ: " اللَّهُ أَكْبَرُ " ثُمَّ يَهْوِي)، أَيْ: بَعْدَ شُرُوعِهِ فِي التَّكْبِيرِ، أَيْ: يَنْزِلُ (إِلَى الْأَرْضِ سَاجِدًا)، أَيْ: قَاصِدًا لِلسُّجُودِ (فَيُجَافِي)، أَيْ: يُبَاعِدُ فِي سُجُودِهِ (يَدَيْهِ)، أَيْ: مِرْفَقَيْهِ (عَنْ جَنْبَيْهِ، وَيَفْتَخُ): بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ (أَصَابِعَ رِجْلَيْهِ)، أَيْ: يُثْنِيَهَا وَيُلَيِّنُهَا فَيُوَجِّهُهَا إِلَى الْقِبْلَةِ، وَفِي النِّهَايَةِ، أَيْ: يُلَيِّنُهَا فَيَنْصِبُهَا، وَيَغْمِزُ مَوْضِعَ الْمَفَاصِلِ وَيُثْنِيهَا إِلَى بَاطِنِ الرِّجْلِ يَعْنِي حِينَئِذٍ، قَالَ: وَأَصْلُ الْفَتْخِ الْكَسْرُ، وَمِنْهُ قِيلَ لِلْعُقَابِ فَتْخٌ لِأَنَّهَا إِذَا انْحَطَّتْ كُسِرَتْ جَنَاحُهَا.
قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَالْمُرَادُ هُنَا نَصْبُهَا مَعَ الِاعْتِمَادِ عَلَى بُطُونِهَا، وَجَعْلُ رُءُوسِهَا لِلْقِبْلَةِ لِخَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ: «أُمِرْتُ أَنْ أَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْظُمٍ ; عَلَى الْجَبْهَةِ، وَأَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى أَنْفِهِ، وَالْيَدَيْنِ، وَالرُّكْبَتَيْنِ، وَأَطْرَافِ الْقَدَمَيْنِ»، وَلِخَبَرِ الْبُخَارِيِّ السَّابِقِ: «أَنَّهُ - ﵇ - سَجَدَ وَاسْتَقْبَلَ بِأَطْرَافِ أَصَابِعِ رِجْلَيْهِ الْقِبْلَةَ»، وَمِنْ لَازَمِهَا الِاسْتِقْبَالُ بِبُطُونِهَا وَالِاعْتِمَادُ عَلَيْهَا، (ثُمَّ يَرْفَعُ رَأْسَهُ)، أَيْ: مُكَبِّرًا (وَيَثْنِي): بِفَتْحِ الْيَاءِ الْأُولَى، أَيْ: يَعْطِفُ (رِجْلَهُ الْيُسْرَى فَيَقْعُدُ عَلَيْهَا ثُمَّ يَعْتَدِلُ)، أَيْ: جَالِسًا (حَتَّى يَرْجِعَ كُلُّ عَظْمٍ فِي مَوْضِعِهِ)، أَيْ: يَسْتَقِرَّ فِيهِ، وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ: إِلَى مَوْضِعِهِ، أَيْ: يَعُودُ إِلَيْهِ (مُعْتَدِلًا)، أَيْ: فِي الْجُلُوسِ، وَهُوَ حَالٌ مُؤَكِّدَةٌ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: فِيهِ وُجُوبُ الْجُلُوسِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ وَالطُّمَأْنِينَةِ فِيهِ، وَفِيهِ أَنَّهُ لَا دَلَالَةَ عَلَى الْوُجُوبِ فِيهِ (ثُمَّ يَسْجُدُ)، أَيْ: بَعْدَ التَّكْبِيرِ (ثُمَّ يَقُولُ: " اللَّهُ أَكْبَرُ " وَيَرْفَعُ)، أَيْ: رَأَسَهُ مِنَ السَّجْدَةِ الثَّانِيَةِ (وَيَثْنِي رِجْلَهُ الْيُسْرَى)، أَيْ: يُعَوِّجُهَا إِلَى بَاطِنِ الرِّجْلِ (فَيَقْعُدُ عَلَيْهَا ثُمَّ يَعْتَدِلُ): عَلَى مَا فِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ (حَتَّى يَرْجِعَ): أَيْ يَعُودَ (كُلُّ عَظْمٍ إِلَى مَوْضِعِهِ): قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: فِيهِ نَدِبُّ جِلْسَةِ الِاسْتِرَاحَةِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ لَا تَشَهُّدَ فِيهَا اهـ.
وَيُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى الْعُذْرِ أَوْ بَيَانِ الْجَوَازِ، لِلْجَمْعِ بَيْنَ الرِّوَايَاتِ، (ثُمَّ يَنْهَضُ)، أَيْ: يَقُومُ (ثُمَّ يَصْنَعُ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ مِثْلَ ذَلِكَ)، أَيْ: مِثْلَ مَا صَنَعَ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى، إِلَّا مَا اسْتُثْنِيَ (ثُمَّ إِذَا قَامَ مِنَ الرَّكْعَتَيْنِ كَبَّرَ وَرَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى يُحَاذِيَ بِهِمَا مَنْكِبَيْهِ كَمَا كَبَّرَ عِنْدَ افْتِتَاحِ الصَّلَاةِ): قَالَ الْقَاضِي: لَمْ يَذْكُرِ الشَّافِعِيُّ رَفْعَ الْيَدَيْنِ عِنْدَ الْقِيَامِ إِلَى الرَّكْعَةِ الْأُخْرَى، لِأَنَّهُ بَنَى قَوْلَهُ عَلَى حَدِيثِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمٍ، وَهُوَ لَمْ يَتَعَرَّضْ لَهُ، لَكِنَّ مَذْهَبَهُ اتِّبَاعُ السُّنَّةِ فَإِذَا ثَبَتَ لَزِمَ الْقَوْلُ بِهِ، ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ (ثُمَّ يَصْنَعُ ذَلِكَ)، أَيْ: مَا ذُكِرَ مِنَ الْكَيْفِيَّاتِ (فِي بَقِيَّةِ صَلَاتِهِ): ثُنَائِيَّةً كَانَتْ أَوْ غَيْرَهَا (حَتَّى إِذَا كَانَتِ السَّجْدَةُ الَّتِي فِيهَا)، أَيْ: فِي عَقِبَهَا (التَّسْلِيمُ أَخَّرَ)، أَيْ: أَخْرَجَ كَمَا فِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ (رِجْلَهُ الْيُسْرَى): أَيْ مِنْ تَحْتِ مَقْعَدَتِهِ إِلَى الْأَيْمَنِ (وَقَعَدَ مُتَوَرِّكًا عَلَى شِقِّهِ الْأَيْسَرِ)، أَيْ: مُفْضِيًا بِوَرِكِهِ الْيُسْرَى إِلَى الْأَرْضِ غَيْرَ قَاعِدٍ عَلَى رِجْلَيْهِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: التَّوَرُّكُ أَنْ يَجْلِسَ الرَّجُلُ عَلَى وَرِكِهِ، أَيْ: جَانِبِ أَلْيَتِهِ وَيُخْرِجُ رِجْلَهُ مِنْ تَحْتِهِ، (ثُمَّ سَلَّمَ، قَالُوا): أَيِ الْعَشَرَةُ مِنَ الصَّحَابَةِ (صَدَقْتَ): أَيْ
[ ٢ / ٦٦١ ]
فِيمَا قُلْتُ (هَكَذَا كَانَ)، أَيْ: رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - (يُصَلِّي، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ): وَقَالَ النَّوَوِيُّ: إِسْنَادُهُ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ، وَرَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ، ذَكَرَهُ مِيرَكُ (وَالدَّارِمِيُّ)، أَيْ: بِهَذَا اللَّفْظِ (وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ مَعْنَاهُ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ)، أَيْ: حَسَنٌ لِذَاتِهِ، صَحِيحٌ لِغَيْرِهِ، أَوْ بِاعْتِبَارِ إِسْنَادَيْنِ.
وَفِي رِوَايَةٍ، أَيْ: أُخْرَى (لِأَبِي دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي حُمَيْدٍ): أَيْضًا (ثُمَّ رَكَعَ فَوَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى رُكْبَتَيْهِ كَأَنَّهُ قَابِضٌ عَلَيْهِمَا، وَوَتَّرَ يَدَيْهِ)، أَيْ: عَوَّجَهُمَا مِنَ التَّوْتِيرِ، وَهُوَ جَعْلُ الْوَتَرِ عَلَى الْقَوْسِ (فَنَحَّاهُمَا عَنْ جَنْبَيْهِ): مِنْ نَحَّى تَنْحِيَةً إِذَا أَبْعَدَ يَعْنِي: مِرْفَقَيْهِ عَنْ جَنْبَيْهِ، حَتَّى كَأَنَّ يَدَهُ كَالْوَتَرِ وَجَنْبَيْهِ كَالْقَوْسِ، وَفِي النِّهَايَةِ، أَيْ: جَعَلَهُمَا كَالْوَتَرِ مِنْ قَوْلِكَ: وَتَّرْتُ الْقَوْسَ وَأَوْتَرْتُهُ، شَبَّهَ يَدَ الرَّاكِعِ إِذَا مَدَّهَا قَابِضًا عَلَى رُكْبَتَيْهِ بِالْقَوْسِ إِذَا أُوتِرَتْ قَالَ فِي الْهِدَايَةِ: يَعْتَمِدُ بِيَدَيْهِ عَلَى رُكْبَتَيْهِ نَاصِبًا سَاقَيْهِ، قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: وَإِحْنَاؤُهُمَا شَبَهَ الْقَوْسِ كَمَا يَفْعَلُهُ عَامَّةُ النَّاسِ مَكْرُوهٌ، ذَكَرَهُ فِي رَوْضَةِ الْعُلَمَاءِ، (وَقَالَ: ثُمَّ سَجَدَ فَأَمْكَنَ)، أَيْ: أَقْدَرَ (أَنْفَهُ وَجَبْهَتَهُ الْأَرْضَ): بِنَزْعِ الْخَافِضِ، أَيْ: مِنْهَا، وَفِي رِوَايَةٍ: مِنَ الْأَرْضِ، أَيْ: وَضَعَهُمَا عَلَى الْأَرْضِ مَعَ الطُّمَأْنِينَةِ، وَفِي الْهِدَايَةِ: إِنِ اقْتَصَرَ عَلَى أَحَدِهِمَا جَازَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، أَيْ: مَعَ الْكَرَاهَةِ، وَقَالَا: لَا يَجُوزُ الِاقْتِصَارُ عَلَى الْأَنْفِ إِلَّا مِنْ عُذْرٍ.
قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: وَالْمُعْتَبَرُ وَضْعُ مَا صَلُبَ مِنَ الْأَنْفِ لَا مَا لَانَ، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: فِيهِ وُجُوبُ وَضْعِ الْجَبْهَةِ وَكَوْنِهَا عَلَى الْأَرْضِ، أَيْ: مَكْشُوفَةً إِنْ أَمْكَنَ وَوُجُوبُ التَّحَامُلِ عَلَيْهَا لِلْخَبَرِ الصَّحِيحِ: «إِذَا سَجَدْتَ فَمَكِّنْ جَبْهَتَكَ وَلَا تَنْقُرْ نَقْرًا»، قُلْتُ: لَا دَلَالَةَ فِي الْحَدِيثَيْنِ عَلَى كَشْفِ الْوَجْهِ أَصْلًا فَضْلًا عَنْ وُجُوبِهِ، ثُمَّ قَالَ: وَصَحَّ أَيْضًا أَنَّهُمْ شَكَوْا إِلَيْهِ - ﵇ - حَرَّ الرَّمْضَاءِ فِي جِبَاهِهِمْ وَأَكُفِّهِمْ، فَلَمْ يَزَلْ شَكْوَاهُمْ أَيْ فِي الْمَجْمُوعِ، مِنْ ثَمَّ لَمْ يَجِبْ كَشْفُ الْيَدَيْنِ وَالرُّكْبَتَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ لِخَبَرِ ابْنِ مَاجَهْ: أَنَّهُ - ﵇ - «صَلَّى فِي مَسْجِدِ بَنِي الْأَشْهَلِ، وَعَلَيْهِ كِسَاءٌ مُلَفَّعٌ بِهِ يَضَعُ يَدَيْهِ عَلَيْهِ يَقِيهِ الْحَصَا» اهـ.
وَفِيهِ أَنَّ الْحَدِيثَ الْأَوَّلَ لَا دَلَالَةَ فِيهِ عَلَى مُدَّعَاهُ لِإِجْمَاعِ أَهْلِ السُّنَّةِ أَنَّهُ يَجُوزُ السَّجْدَةُ عَلَى السَّجَّادَةِ، فَيُحْمَلُ عَدَمُ إِزَالَةِ الشَّكْوَى عَلَى عَدَمِ إِجَازَةِ تَأْخِيرِ الظُّهْرِ إِلَى آخَرِ الْوَقْتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ: وَحِكْمَةُ وُجُوبِ كَشْفِ الْجَبْهَةِ دُونَ بَقِيَّةِ الْأَعْضَاءِ لِسُهُولَتِهِ فِيهَا دُونَ الْبَقِيَّةِ، وَحُصُولِ مَقْصُودِ السُّجُودِ بِهِ، وَهُوَ غَايَةُ التَّوَاضُعِ وَالْخُضُوعِ لِمُبَاشَرَةِ أَشْرَفِ مَا فِي الْإِنْسَانِ لِمَوَاطِئِ الْأَقْدَامِ وَالنِّعَالِ، فَهُوَ مُشْتَرِكُ الدَّلَالَةِ بَيْنَ الْوُجُوبِ وَالسُّنِّيَّةِ الَّتِي قُلْنَا بِهَا، ثُمَّ قَالَ: وَاكْتُفِيَ بِبَعْضِهَا لِمَشَقَّةِ وَجُوبِهَا عَلَى كُلِّهَا، وَفِي حَدِيثٍ ضَعِيفٍ أَنَّهُ - ﵇ - سَجَدَ عَلَى بَعْضِهَا، وَبِفَرْضِ صِحَّتِهِ هُوَ لِبَيَانِ الْجَوَازِ فَلَا يُنَافِي قَوْلَ الشَّافِعِيِّ بِكَرَاهَتِهِ، وَفَّى الْحَدِيثِ أَيْضًا وُجُوبُ وَضْعِ أَنْفِهِ، وَبِهِ قَالَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْأَئِمَّةِ، وَاحْتَجَّ الْقَائِلُونَ بِعَدَمِ الْوُجُوبِ كَأَصْحَابِنَا بِحَمْلِ أَخْبَارِ الْأَنْفِ عَلَى النَّدْبِ لِلْأَخْبَارِ الصَّحِيحَةِ الْمُقْتَصِرَةِ عَلَى الْجَبْهَةِ، وَرَدَّهُ النَّوَوِيُّ بِأَنَّ فِيهَا زِيَادَةَ ثِقَةٍ، وَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَهُمَا (وَنَحَّى): بِالتَّشْدِيدِ، أَيْ: بَعَّدَ (يَدَيْهِ عَنْ جَنْبَيْهِ، وَوَضَعَ كَفَّهُ حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ): قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: فِي مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ وَائِلِ بْنِ حَجَرٍ، «أَنَّهُ - ﵇ - سَجَدَ وَوَضَعَ وَجْهَهُ بَيْنَ كَفَّيْهِ» اهـ.
وَمَنْ يَضَعُ كَذَلِكَ يَكُونُ يَدَاهُ حِذَاءَ أُذُنَيْهِ، فَيُعَارِضُ مَا فِي الْبُخَارِيِّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي حُمَيْدٍ، أَنَّهُ - ﵇ - «لَمَّا سَجَدَ وَضَعَ كَفَّيْهِ حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ»، وَيُقَدَّمُ عَلَيْهِ بِأَنْ فُلَيْحَ بْنَ سُلَيْمَانَ الْوَاقِعَ فِي سَنَدِ الْبُخَارِيِّ، وَإِنْ كَانَ الرَّاجِحُ تَثْبِيتُهُ، لَكِنَّهُ قَدْ تُكُلِّمَ فِيهِ، فَضَعَّفَهُ النَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَعِينٍ، وَأَبُو حَاتِمٍ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَيَحْيَى بْنُ الْقَطَّانِ، وَالسَّاجِيُّ وَقَدْ جَاءَ فِي أَحَادِيثَ مُتَعَدِّدَةٍ أَنَّهُ كَانَ يَضَعُ يَدَيْهِ حِذَاءَ أُذُنَيْهِ، وَلَوْ قَالَ قَائِلٌ: إِنَّ السُّنَّةَ أَنْ يَفْعَلَ أَيَّهُمَا تَيَسَّرَ جَمْعًا
[ ٢ / ٦٦٢ ]
لِلْمَرْوِيَّاتِ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ كَانَ - ﵇ - يَفْعَلُ هَذَا أَحْيَانًا، إِلَّا أَنَّ بَيْنَ الْكَفَّيْنِ أَفْضَلُ؛ لِأَنَّ فِيهِ مِنْ تَخْلِيصِ الْمُجَافَاةِ الْمَسْنُونَةِ مَا لَيْسَ فِي الْآخَرِ كَانَ حَسَنًا، (وَفَرَّجَ)، أَيْ: فَرَّقَ الرَّجُلُ (بَيْنَ فَخِذَيْهِ غَيْرَ حَامِلٍ)، أَيْ: غَيْرَ وَاضِعٍ (بَطْنَهُ عَلَى شَيْءٍ مِنْ فَخِذَيْهِ حَتَّى فَرَغَ)، أَيْ: مِنْ سُجُودِهِ (ثُمَّ جَلَسَ)، أَيْ: مُطْلَقًا وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ: إِذَا جَلَسَ لِلتَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ (فَافْتَرَشَ رِجْلَهُ الْيُسْرَى)، أَيْ: جَلَسَ عَلَى بَطْنِهَا (وَأَقْبَلَ بِصَدْرِ الْيُمْنَى عَلَى قِبْلَتِهِ)، أَيْ: وَجَّهَ أَطْرَافَ أَصَابِعِ رِجْلِهِ الْيُمْنَى إِلَى الْقِبْلَةِ، قَالَهُ الطِّيبِيُّ، وَنَقَلَ مِيرَكُ عَنِ الْأَزْهَارِ، أَيْ: جَعَلَ صَدْرَ الرِّجْلِ الْيُمْنَى مُقَابِلًا لِلْقِبْلَةِ، وَذَلِكَ بِوَضْعِ بَاطِنِ الْأَصَابِعِ عَلَى الْأَرْضِ مُقَابِلَ الْقِبْلَةِ مَعَ تَحَامُلٍ قَلِيلٍ فِي نَصْبِ الرِّجْلِ (وَوَضَعَ كَفَّهُ الْيُمْنَى عَلَى رُكْبَتِهِ الْيُمْنَى، وَكَفَّهُ الْيُسْرَى عَلَى رُكْبَتِهِ الْيُسْرَى، وَأَشَارَ بِأُصْبُعِهِ يَعْنِي السَّبَّابَةَ): فَعَّالَةٌ مِنَ السَّبِّ، فَإِنَّ عَادَةَ الْعَرَبِ كَانَتْ عِنْدَ السَّبِّ وَالشَّتْمِ الْإِشَارَةُ بِالْأُصْبُعِ الَّذِي يَلِي الْإِبْهَامَ، قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: وَفِي مُسْلِمٍ «كَانَ - ﵇ - إِذَا جَلَسَ فِي الصَّلَاةِ وَضَعَ كَفَّهُ الْيُمْنَى عَلَى فَخِذِهِ الْيُمْنَى، وَقَبَضَ أَصَابِعَهُ كُلَّهَا، وَأَشَارَ بِأُصْبُعِهِ الَّتِي تَلِي الْإِبْهَامَ، وَوَضْعَ كَفَّهُ الْيُسْرَى عَلَى فَخِذِهِ الْيُسْرَى»، وَلَا شَكَّ أَنَّ وَضْعَ الْكَفِّ مَعَ قَبْضِ الْأَصَابِعِ لَا يَتَحَقَّقُ حَقِيقَةً، فَالْمُرَادُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَضْعُ الْكَفِّ ثُمَّ قَبْضُ الْأَصَابِعِ بَعْدَ ذَلِكَ عِنْدَ الْإِشَارَةِ، وَهُوَ الْمَرْوِيُّ عَنْ مُحَمَّدٍ فِي كَيْفِيَّةِ الْإِشَارَةِ، قَالَ: يَقْبِضُ خِنْصَرَهُ وَالَّتِي تَلِيهَا، وَيُحَلِّقُ الْوُسْطَى وَالْإِبْهَامَ، وَيُقِيمُ الْمُسَبِّحَةَ، وَكَذَا عَنْ أَبِي يُوسُفَ فِي الْأَمَالِي، وَهَذَا فَرْعُ تَصْحِيحِ الْإِشَارَةِ، وَعَنْ كَثِيرٍ مِنَ الْمَشَايِخِ لَا يُشِيرُ أَصْلًا، وَهُوَ خِلَافُ الدِّرَايَةِ وَالرِّوَايَةِ، وَعَنِ الْحُلْوَانِيِّ: يُقِيمُ الْأُصْبُعَ عِنْدَ: لَا إِلَهَ، وَيَضَعُهَا عِنْدَ: إِلَّا اللَّهُ؛ لِيَكُونَ الرَّفْعُ لِلنَّفْيِ، وَالْوَضْعُ لِلْإِثْبَاتِ، وَيَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ أَطْرَافُ الْأَصَابِعِ عَلَى حَرْفِ الرُّكْبَةِ لَا مُبَاعَدَةً عَنْهَا.
قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَفِيهِ تَفْصِيلٌ بَيَّنَهُ بَقِيَّةُ الرِّوَايَاتِ، وَجَرَى عَلَيْهِ أَئِمَّتُنَا حَيْثُ قَالُوا: يُسَنُّ وَضْعُ بَطْنِ كَفَّيْهِ عَلَى فَخِذَيْهِ قَرِيبًا مِنْ رُكْبَتَيْهِ لِلِاتِّبَاعِ، رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَاسْتُفِيدَ مِنْهُ أَنَّهُ يُسَنُّ رَفْعُ مُسَبِّحَتِهِ الْيُمْنَى، لَكِنْ مَعَ انْحِنَائِهَا قَلِيلًا لِخَبَرٍ صَحِيحٍ فِيهِ إِلَى جِهَةِ الْقِبْلَةِ لِحَدِيثٍ فِيهِ أَيْضًا عِنْدَ قَوْلِهِ: إِلَّا اللَّهُ لِلِاتِّبَاعِ، رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ، وَبِهِ يَخُصُّ عُمُومَ خَبَرِ أَبِي دَاوُدَ: كَانَ يُشِيرُ بِأُصْبُعِهِ إِذَا دَعَا أَوْ تَشَهَّدَ عَلَى أَنَّ التَّشَهُّدَ حَقِيقَةُ النُّطْقِ بِالشَّهَادَتَيْنِ، وَيُسَنُّ أَنْ يَنْوِيَ بِإِشَارَتِهِ حِينَئِذٍ التَّوْحِيدَ وَالْإِخْلَاصَ فِيهِ لِلِاتِّبَاعِ، رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ بِسَنَدٍ فِيهِ مَجْهُولٌ، وَيُسَنُّ أَنْ لَا يُجَاوِزَ بَصَرُهُ إِشَارَتَهُ لِلِاتِّبَاعِ أَيْضًا، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ، وَيُكْرَهُ عِنْدَنَا تَحْرِيكُ الْمُسَبِّحَةِ؛ لِأَنَّهُ - ﵇ - كَانَ يَتْرُكُهُ، وَقِيلَ: يُسَنُّ؛ لِأَنَّهُ - ﵇ - كَانَ يَفْعَلُهُ، رَوَى الْخَبَرَيْنِ الْبَيْهَقِيُّ وَصَحَّحَهُمَا، ثُمَّ قَالَ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِتَحْرِيكِهَا فِي خَبَرِهِ رَفْعُهَا لَا تَكْرِيرُ تَحْرِكِيهَا، وَهُوَ احْتِمَالٌ ظَاهِرٌ لِلْجَمْعِ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ، وَأَمَّا خَبَرُ " تَحْرِيكُ الْأَصَابِعِ مُذْعِرَةٌ لِلشَّيْطَانِ " أَيْ: مُنَفِّرَةٌ لَهُ، فَضَعِيفٌ.
(وَفِي أُخْرَى لَهُ)، أَيْ: فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى لِأَبِي دَاوُدَ، وَفِي إِسْنَادِ هَذِهِ الرِّوَايَةِ عَبْدُ اللَّهِ ابْنُ لَهِيعَةَ، وَفِيهِ مَقَالٌ، نَقَلَهُ مِيرَكُ عَنِ التَّخْرِيجِ (وَإِذَا قَعَدَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ)، أَيِ: الْأُولَيَيْنِ (قَعَدَ عَلَى بَطْنِ قَدَمِهِ الْيُسْرَى، وَنَصَبَ الْيُمْنَى، وَإِذَا كَانَ فِي الرَّابِعَةِ أَفْضَى)، أَيْ: أَوْصَلَهَا (بِوَرِكِهِ الْيُسْرَى إِلَى الْأَرْضِ): أَيْ: مَسَّ بِمَا لَانَ مِنَ الْوَرِكِ الْأَرْضَ، الْجَوْهَرِيُّ: أَفْضَى بِيَدِهِ إِلَى الْأَرْضِ إِذَا مَسَّهَا بِبَطْنِ رَاحَتِهِ، ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ، (أَخْرَجَ قَدَمَيْهِ مِنْ نَاحِيَةٍ وَاحِدَةٍ): وَهِيَ نَاحِيَةُ الْيُمْنَى، وَإِطْلَاقُ الْإِخْرَاجِ عَلَى الْيُمْنَى تَغْلِيبٌ؛ لِأَنَّ الْمُخْرَجَ حَقِيقَةً هُوَ الْيُسْرَى لَا غَيْرُ، ذَكَرَهُ ابْنُ حَجَرٍ، وَفِيهِ دَلِيلٌ لِلشَّافِعِيِّ عَلَى سُنِّيَّةِ التَّوَرُّكِ فِي الْقَعْدَةِ الثَّانِيَةِ قَالَهُ ابْنُ الْمَلَكِ، وَعِنْدَنَا يُحْمَلُ عَلَى وُقُوعِهِ لِعُذْرٍ أَوْ لِبَيَانِ الْجَوَازِ مَعَ احْتِمَالِ وُقُوعِهِ بَعْدَ السَّلَامِ.
[ ٢ / ٦٦٣ ]
٨٠٢ - «وَعَنِ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ - ﵁ - أَنَّهُ أَبْصَرَ النَّبِيَّ - ﷺ - حِينَ قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ رَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى كَانَتَا بِحِيَالِ مَنْكِبَيْهِ، وَحَاذَى إِبْهَامَيْهِ أُذُنَيْهِ، ثُمَّ كَبَّرَ»، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ: يَرْفَعُ إِبْهَامَيْهِ إِلَى شَحْمَةِ أُذُنَيْهِ.
_________________
(١) (وَعَنْ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ: أَنَّهُ أَبْصَرَ النَّبِيَّ ﷺ حِينَ قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ): ظَرْفٌ لِقَوْلِهِ (رَفَعَ يَدَيْهِ): حَالٌ بِتَقْدِيرِ قَدْ، أَيْ: رَآهُ حَالَ كَوْنِهِ رَافِعًا يَدَيْهِ حِينَ قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ (حَتَّى كَانَتَا): أَيْ كَفَّاهُ (بِحِيَالِ مَنْكِبَيْهِ)، أَيْ: بِحِذَائِهِمَا (وَحَاذَى): عَطْفٌ عَلَى كَانَتَا، أَيْ: قَابَلَ النَّبِيُّ ﷺ (إِبْهَامَيْهِ أُذُنَيْهِ)، أَيْ: جَعَلَ إِبْهَامَيْهِ مُحَاذِيَيْنِ لِأُذُنَيْهِ، وَالْمُرَادُ شَحَمَتَيْهِمَا لِمَا سَيَأْتِي مُصَرَّحًا (ثُمَّ كَبَّرَ): ثُمَّ بِمَعْنَى الْوَاوِ، أَوْ مَعْنَى كَبَّرَ انْتَهَى التَّكْبِيرُ، فَيَكُونُ ابْتِدَاءُ الرَّفْعِ وَالتَّكْبِيرِ مُتَقَارِبَيْنِ (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ): مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الْجَبَّارِ بْنِ وَائِلٍ، عَنْ أَبِيهِ، وَعَبْدُ الْجَبَّارِ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ أَبِيهِ، قَالَ التِّرْمِذِيُّ: قُلْتُ لِمُحَمَّدٍ: عَبْدُ الْجَبَّارِ سَمِعَ مِنْ أَبِيهِ؟ قَالَ: لَا، وُلِدَ بَعْدَ أَبِيهِ بِسِتَّةِ أَشْهُرٍ، كَذَا فِي التَّخْرِيجِ، وَقَالَ الْمِزِّيُّ فِي تَهْذِيبِ الْكَمَالِ: هَذَا الْقَوْلُ ضَعِيفٌ جِدًّا فَإِنَّهُ قَدْ صَحَّ أَنَّهُ قَالَ: كُنْتُ غُلَامًا لَا أَعْقِلُ صَلَاةَ أَبِي، وَلَمَّا مَاتَ أَبُوهُ وَهُوَ حَمْلٌ لَمْ يَقُلْ هَذَا الْقَوْلَ: ذَكَرَهُ مِيرَكُ، فَقَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ بِسَنَدٍ حَسَنٍ، غَيْرُ مُسْتَحْسَنٍ (وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ): أَيْ لِأَبِي دَاوُدَ، قَالَ مِيرَكُ: وَلِلنَّسَائِيِّ كَذَا يُفْهَمُ مِنَ التَّخْرِيجِ (يَرْفَعُ إِبْهَامَيْهِ إِلَى شَحْمَةِ أُذُنَيْهِ)، أَيْ: شَحْمَتَيْهِمَا وَهِيَ مَا لَانَ مِنْ أَسْفَلِهِمَا، وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَمُخْتَارُ الشَّافِعِيِّ.
[ ٢ / ٦٦٤ ]
٨٠٣ - «وَعَنْ قَبِيصَةَ بْنِ هُلْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ يَؤُمُّنَا فَيَأْخُذُ شِمَالَهُ بِيَمِينِهِ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ.
_________________
(١) (وَعَنْ قَبِيصَةَ): بِفَتْحِ الْقَافِ (ابْنِ هُلْبٍ): بِسُكُونِ اللَّامِ مَعَ ضَمِّ الْهَاءِ كَذَا فِي الْمَفَاتِيحِ قَالَ الطِّيبِيُّ: لِأَبِيهِ صُحْبَةٌ (عَنْ أَبِيهِ): قَالَ الْبُخَارِيُّ: اسْمُ هُلْبٍ يَزِيدُ، وَقِيلَ سَلَامَةُ بْنُ عَدِيٍّ، وَإِنَّمَا قِيلَ لَهُ هُلْبٌ؛ لِأَنَّهُ كَانَ أَقْرَعَ، فَمَسَحَ النَّبِيُّ ﷺ رَأْسَهُ، فَنَبَتَ شَعْرٌ كَثِيرٌ، فَسُمِّيَ هُلْبًا، نَقَلَهُ مِيرَكُ عَنِ التَّخْرِيجِ (قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَؤُمُّنَا)، أَيْ: يَصِيرُ إِمَامًا لَنَا (فَيَأْخُذُ شِمَالَهُ)، أَيْ: كُوعَهُ الْأَيْسَرَ (بِيَمِينِهِ)، أَيْ: بِكَفِّهِ الْيُمْنَى، قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: وَالْأَظْهَرُ بِأُصْبُعَيْهِ الْإِبْهَامِ وَالْخِنْصَرِ، وَيَكُونُ الْكَفُّ عَلَى الْكَفِّ، وَبَقِيَّةُ الْأَصَابِعِ عَلَى الذِّرَاعِ، وَبِهِ يُجْمَعُ بَيْنَ الْأَحَادِيثِ وَالرِّوَايَاتِ، وَهَذَا الْوَضْعُ عِنْدَ الْقِيَامِ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ: عِنْدَ الْقِرَاءَةِ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ): وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ نَقَلَهُ مِيرَكُ (وَابْنُ مَاجَهْ) .
[ ٢ / ٦٦٤ ]
٨٠٤ - وَعَنْ رِفَاعَةَ بْنِ رَافِعٍ ﵁، قَالَ: «جَاءَ رَجُلٌ فَصَلَّى فِي الْمَسْجِدِ، ثُمَّ جَاءَ فَسَلَّمَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: " أَعِدْ صَلَاتَكَ، فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ " فَقَالَ عَلِّمْنِي يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ أُصَلِّي؟ قَالَ: " إِذَا تَوَجَّهَتْ إِلَى الْقِبْلَةِ فَكَبِّرْ، ثُمَّ اقْرَأْ بِأُمِّ الْقُرْآنِ، وَمَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ تَقْرَأَ، فَإِذَا رَكَعَتْ فَاجْعَلْ رَاحَتَيْكَ عَلَى رُكْبَتَيْكَ، وَمَكِّنْ رُكُوعَكَ وَامْدُدْ ظَهْرَكَ، فَإِذَا رَفَعْتَ فَأَقِمْ صُلْبَكَ، وَارْفَعْ رَأْسَكَ حَتَّى تَرْجِعَ الْعِظَامُ إِلَى مَفَاصِلِهَا فَإِذَا سَجَدْتَ فَمَكِّنِ السُّجُودَ، فَإِذَا رَفَعْتَ فَاجْلِسْ عَلَى فَخِذِكَ الْيُسْرَى، ثُمَّ اصْنَعْ ذَلِكَ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ وَسَجْدَةٍ حَتَّى تَطْمَئِنَّ» هَذَا لَفَظُ الْمَصَابِيحِ، وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدُ مَعَ تَغْيِيرٍ يَسِيرٍ، وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ مَعْنَاهُ، وَفِي رِوَايَةٍ لِلتِّرْمِذِيِّ، قَالَ: («إِذَا قُمْتَ إِلَى الصَّلَاةِ فَتَوَضَّأْ كَمَا أَمَرَكَ اللَّهُ بِهِ، ثُمَّ تَشَهَّدْ، فَأَقِمْ، فَإِنْ كَانَ مَعَكَ قُرْآنٌ فَاقْرَأْ، وَإِلَّا فَاحْمَدِ اللَّهَ وَكَبِّرْهُ، وَهَلِّلْهُ، ثُمَّ ارْكَعْ» .
_________________
(١) (وَعَنْ رِفَاعَةَ): بِكَسْرِ الرَّاءِ (ابْنِ رَافِعٍ): الْأَنْصَارِيِّ (قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ): قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: هُوَ أَخُوهُ خَلَّادُ بْنُ رَافِعٍ كَمَا مَرَّ الْكَلَامُ عَلَيْهِ أَوَّلَ الْبَابِ، (فَصَلَّى فِي الْمَسْجِدِ)، أَيْ: صَلَاةً نَاقِصَةً أَوْ فَاسِدَةً (ثُمَّ جَاءَ فَسَلَّمَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ): تَقْدِيمٌ لِحَقِّ الْخَالِقِ عَلَى الْمَخْلُوقِ (قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: " أَعِدْ صَلَاتَكَ، فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ): قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: وَذَلِكَ لِعَدَمِ كَمَالِهَا وَتَفَاحُشِ نُقْصَانِهَا (فَقَالَ)، أَيِ الرَّجُلُ (عَلِّمْنِي يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ أُصَلِّي؟): وَهُوَ يَحْتَمِلُ تَعَدُّدَ الْقِصَّةِ وَاتِّحَادَهَا (قَالَ: إِذَا تَوَجَّهْتَ إِلَى الْقِبْلَةِ): وَهُوَ شَرْطٌ بِلَا خِلَافٍ (فَكَبِّرْ): فَإِنَّهُ فَرَضٌ بِلَا خِلَافٍ، عَلَى خِلَافٍ فِي كَوْنِهِ شَرْطًا أَوْ رُكْنًا (ثُمَّ اقْرَأْ بِأُمِّ الْقُرْآنِ)، أَيِ: الْفَاتِحَةِ (وَمَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ تَقْرَأَ)، أَيْ: مَا رَزَقَكَ اللَّهُ مِنَ الْقُرْآنِ بَعْدَ الْفَاتِحَةِ، فَقِرَاءَةُ آيَةٍ فَرْضٌ بِالْإِجْمَاعِ، وَأَمَّا سُورَةُ الْفَاتِحَةِ فَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهَا فَرْضٌ، وَعِنْدَنَا وَاجِبٌ؛ لِأَنَّهُ ثَبَتَ بِدَلِيلٍ ظَنِّيٍّ، وَأَمَّا ضَمُّ السُّورَةِ وَمَا قَامَ مَقَامَهَا فَعِنْدَنَا وَاجِبٌ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَمَنْ وَافَقَهُ سُنَّةٌ، وَالْحَدِيثُ حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الْأَمْرِ الْوُجُوبُ، وَالتَّعْلِيقُ بِالْمَشِيئَةِ إِنَّمَا هُوَ بِالنِّسْبَةِ لِقَدْرِ الْمَقْرُوءِ لَا لِأَصْلِهِ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَبِهِ قَالَ جَمْعٌ مِنَ الْأَئِمَّةِ، وَأَوْجَبُوا قِرَاءَةَ ثَلَاثِ آيَاتٍ، وَقَالَ بَعْضُ أَئِمَّتِنَا: وَدَلِيلُهُ قَوِيٌّ إِذْ لَمْ يُحْفَظْ عَنْهُ - ﵇ - النَّقْصُ عَنْهَا، قَالَ: وَيُجَابُ بِحَمْلِ ذَلِكَ عَلَى التَّأْكِيدِ لَا الْوُجُوبِ لِلْخَبَرِ الصَّحِيحِ، وَهُوَ قَوْلُهُ ﵇: «أُمُّ الْقُرْآنِ عِوَضٌ عَنْ غَيْرِهَا وَلَيْسَ غَيْرُهَا عِوَضًا عَنْهَا» اهـ.
[ ٢ / ٦٦٤ ]
وَفِيهِ بَحْثٌ؛ لِأَنَّ مَعْنَى الْحَدِيثِ أَنَّ الْفَاتِحَةَ تَقُومُ مَقَامَ الْفَرْضِ وَالْوَاجِبِ جَمِيعًا، وَلَيْسَ غَيْرُهَا كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ غَيْرَهَا يُؤَدَّى بِهِ الْفَرْضُ فَقَطْ دُونَ الْوَاجِبِ، فَهُوَ يُؤَيِّدُ مَذْهَبَنَا وَاصْطِلَاحَ أَئِمَّتِنَا، قَالَ الطِّيبِيُّ: وَضَعَ مَا شَاءَ اللَّهُ مَوْضِعَ مَا شِئْتَ؛ لِأَنَّ مَشِيئَتَهُ مَسْبُوقَةٌ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الإنسان: ٣٠]، (فَإِذَا رَكَعْتَ فَاجْعَلْ رَاحَتَيْكَ)، أَيْ: كَفَّيْكَ (عَلَى رُكْبَتَيْكَ): وَهَذَا الْجَعْلُ سُنَّةٌ اتِّفَاقًا (وَمَكِّنْ رُكُوعَكَ)، أَيْ: مِنْ أَعْضَائِكَ يَعْنِي: تَمِّمْ بِجَمْعِ أَعْضَائِكَ قَالَهُ الطِّيبِيُّ، وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: أَيِ ارْكَعْ رُكُوعًا تَامًّا مَعَ الطَّمَأْنِينَةِ، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: أَيْ تَمِّمْهُ بِفِعْلِ مَا مَرَّ فِي الْأَعْضَاءِ (وَامْدُدْ)، أَيِ: ابْسُطْ (ظَهْرَكَ): وَهَذِهِ الْكَيْفِيَّةُ مُسْتَحَبَّةٌ أَيْضًا (فَإِذَا رَفَعْتَ)، أَيْ: رَأْسَكَ مِنَ الرُّكُوعِ (فَأَقِمْ صُلْبَكَ): وَمَرَّ تَفْسِيرُهُ (وَارْفَعْ رَأْسَكَ حَتَّى تَرْجِعَ الْعِظَامُ): بِرَفْعِهَا وَتُنْصَبُ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ لَازِمٌ وَمُتَعَدٍّ، أَيْ: تَعُودُ أَوْ تَرُدُّ أَنْتَ (إِلَى مَفَاصِلِهَا): وَتَقَدَّمَ حُكْمُهُ أَيْضًا (فَإِذَا سَجَدْتَ فَمَكِّنْ)، أَيْ: يَدَيْكَ قَالَهُ الطِّيبِيُّ، (لِلسُّجُودِ): أَيِ اسْجُدْ سُجُودًا تَامًّا مَعَ الطُّمَأْنِينَةِ، قَالَهُ ابْنُ الْمَلَكِ، وَوَضْعُ الْيَدَيْنِ فِي السُّجُودِ سُنَّةٌ عِنْدَنَا، وَفَرْضٌ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: مَعْنَاهُ فَمَكِّنْ جَبْهَتَكَ مِنْ مَسْجِدِكَ، فَيَجِبُ تَمْكِينُهَا بِأَنْ يَتَحَامَلَ عَلَيْهَا بِحَيْثُ لَوْ كَانَ تَحْتَهَا قُطْنٌ انْكَبَسَ (فَإِذَا رَفَعْتَ)، رَأْسَكَ مِنَ السُّجُودِ (فَاجْلِسْ عَلَى فَخِذِكَ الْيُسْرَى)، أَيْ نَاصِبًا قَدَمَكَ الْيُمْنَى، وَهُوَ الِافْتِرَاشُ الْمَسْنُونُ عِنْدَنَا فِي مُطْلَقِ الْقَعَدَاتِ، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: أَيْ تَنْصِبُ رِجْلَكَ الْيُمْنَى كَمَا بَيَّنَهُ بَقِيَّةُ الْأَحَادِيثِ السَّابِقَةِ، وَمِنْ ثَمَّ كَانَ الِافْتِرَاشُ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ أَفْضَلَ مِنَ الْإِقْعَاءِ الْمُسْنُونِ بَيْنَهُمَا كَمَا مَرَّ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ هُوَ الْأَكْثَرُ مِنْ أَحْوَالِهِ - ﵇ - اهـ.
وَفِيهِ أَنَّ الْأَوْلَى أَنْ يُحْمَلَ الْأَكْثَرُ عَلَى أَنَّهُ الْمَسْنُونُ، وَغَيْرُهُ إِمَّا لِعُذْرٍ أَوْ لِبَيَانِ الْجَوَازِ (ثُمَّ اصْنَعْ ذَلِكَ)، أَيْ: جَمِيعَ مَا ذُكِرَ (فِي كُلِّ رَكْعَةٍ وَسَجْدَةٍ): أَيْ رُكُوعٍ وَسُجُودٍ.
وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَيَصِحُّ إِبْقَاءُ الرَّكْعَةِ عَلَى حَقِيقَتِهَا، وَيَكُونُ الْمُرَادُ بِالسَّجْدَةِ سَجْدَةَ التِّلَاوَةِ وَالشُّكْرِ؛ إِذْ يَجِبُ فِيهِمَا مَا يَجِبُ فِي سُجُودِ الصَّلَاةِ (حَتَّى تَطْمَئِنَّ): قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: يُرِيدُ بِهِ الْجُلُوسَ فِي آخِرِ الصَّلَاةِ فَإِنَّهُ مَوْضِعُ الِاسْتِقْرَارِ يَعْنِي: حَتَّى تَفْرُغَ، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: رَاجِعٌ إِلَى جَمِيعِ مَا مَرَّ، فَيُفِيدُ وُجُوبَ الطَّمَأْنِينَةِ فِي الرُّكُوعِ، وَالِاعْتِدَالِ، وَالسُّجُودِ، وَالْجُلُوسِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ، وَهُوَ مَذْهَبُنَا كَأَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ (هَذَا لَفْظُ الْمَصَابِيحِ، وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ)، أَيْ: هَذَا اللَّفْظَ (مَعَ تَغْيِيرٍ يَسِيرٍ)، أَيْ: قَلِيلٍ فِي لَفْظِهِ (وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ مَعْنَاهُ): وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ، وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: هَذَا حَدِيثٌ ثَابِتٌ، نَقَلَهُ مِيرَكُ عَنِ الْمُنْذِرِيِّ (وَفِي رِوَايَةٍ لِلتِّرْمِذِيِّ): قَالَ مِيرَكُ: فِيهِ نَظَرٌ؟ فَإِنَّ هَذِهِ الرِّوَايَةَ لَيْسَتْ مَخْصُوصَةً بِالتِّرْمِذِيِّ، بَلْ أَخْرَجَهَا أَبُو دَاوُدَ أَيْضًا قَالَ: (إِذَا قُمْتَ)، أَيْ: أَرَدْتَ الْقِيَامَ (إِلَى الصَّلَاةِ): فَوَضَعَ الْمُسَبَّبَ مَوْضِعَ السَّبَبِ (فَتَوَضَّأْ كَمَا أَمَرَكَ اللَّهُ بِهِ)، أَيْ: فِي سُورَةِ الْمَائِدَةِ (ثُمَّ تَشَهَّدْ)، أَيْ: قُلْ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، بَعْدَ الْوُضُوءِ (فَأَقِمْ)، أَيِ: الصَّلَاةَ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَفِي رِوَايَةٍ: وَأَقِمْ، وَقِيلَ: مَعْنَى تَشَهَّدْ أَذِّنْ؛ لِأَنَّهُ مُشْتَمِلٌ عَلَى كَلِمَتَيِ الشَّهَادَةِ، (فَأَقِمْ)، عَلَى هَذَا يُرَادُ بِهِ الْإِقَامَةُ لِلصَّلَاةِ كَذَا نَقَلَهُ مِيرَكُ عَنِ الْأَزْهَارِ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ:
[ ٢ / ٦٦٥ ]
وَفِيهِ دَلَالَةٌ ظَاهِرَةٌ لِمَنْ قَالَ بِوُجُوبِ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ عَلَى الْكِفَايَةِ، وَقِيلَ: أَيْ أَحْضِرْ قَلْبَكَ وَانْوِ وَكَبِّرْ فَأَقِمِ الصَّلَاةَ أَوْ أَحْضِرْ قَلْبَكَ وَاسْتَقِمْ، (فَإِنْ كَانَ مَعَكَ قُرْآنٌ): سَوَاءٌ كَانَ أُمَّ الْقُرْآنِ أَوْ غَيْرَهَا (فَاقْرَأْ)، أَيْ: مَا تَيَسَّرَ، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: فَاقْرَأْ أَيْ بِأُمِّ الْقُرْآنِ إِنْ حَفِظْتَهَا، وَإِلَّا فَسَبْعِ آيَاتٍ بَدَلَهَا بِقَدْرِ حُرُوفِهَا مُتَفَرِّقَةً كَانَتْ أَوْ مُتَوَالِيَةً، ثُمَّ أَغْرَبَ وَقَالَ: وَإِنَّمَا حَمَلْنَاهُ عَلَى هَذَا التَّفْصِيلِ لِلْحَدِيثِ السَّابِقِ: " «أُمُّ الْقُرْآنِ عِوَضٌ عَنْ غَيْرِهَا " وَقَالَ: وَلَيْسَ غَيْرُهَا عِوَضًا عَنْهَا» اهـ، فَإِنَّهُ حُجَّةٌ عَلَيْهِ بِظَاهِرِهِ فَتَأَمَّلْ، (وَإِلَّا)، أَيْ: وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَكَ قُرْآنٌ (فَاحْمَدِ اللَّهَ)، أَيْ: قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ (وَكَبِّرْهُ): أَيْ قُلْ (اللَّهُ أَكْبَرُ) (وَهَلِّلْهُ)، أَيْ: قُلْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَسَيَأْتِي تَحْقِيقُ هَذَا الْمَبْحَثِ فِي الْفَصْلِ الثَّانِي مِنْ بَابِ الْقِرَاءَةِ فِي الصَّلَاةِ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَمِنْهُ أَخَذَ أَئِمَّتُنَا أَنَّ مَنْ لَمْ يَعْرِفْ شَيْئًا مِنَ الْقُرْآنِ يَلْزَمُهُ الذِّكْرُ اتِّفَاقًا، ثُمَّ اخْتَلَفُوا هَلْ يَجِبُ سَبْعَةُ أَنْوَاعٍ مِنَ الذِّكْرِ بِقَدْرِ حُرُوفِ الْفَاتِحَةِ؟ وَالْأَصَحُّ نَعَمْ؛ لِهَذَا الْخَبَرِ، وَلِيَكُونَ كُلُّ نَوْعٍ مَكَانَ آيَةٍ، وَقَالَ جَمْعٌ: لَا لِهَذَا الْحَدِيثِ فَإِنَّهُ كَالنَّصِّ فِي عَدَمِ وُجُوبِ سَبْعَةِ أَنْوَاعٍ؛ وَيُرَدُّ بِأَنَّ ظَاهِرَ الْحَدِيثِ وُجُوبُ ثَلَاثَةِ أَنْوَاعٍ، وَلَمْ يَقُلْ بِهِ أُولَئِكَ فَالْحَدِيثُ إِذَا لَيْسَ فِيهِ تَمَسُّكٌ لِإِحْدَى الْمَقَالَتَيْنِ اهـ.
وَهُوَ تَقْرِيرٌ عَجِيبٌ وَتَحْرِيرٌ غَرِيبٌ، مُشْتَمِلٌ عَلَى تَدَافُعٍ وَتَنَاقُضٍ، ثُمَّ قَالَ: وَقَدْ صَحَّ عِنْدَ بَعْضِهِمْ - لَكِنْ بَيَّنَ النَّوَوِيُّ ضَعْفَهُ - «أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: إِنِّي لَا أَسْتَطِيعُ أَنْ آخُذَ مِنَ الْقُرْآنِ شَيْئًا، فَعَلِّمْنِي مَا يُجْزِئُ مِنْهُ فِي صَلَاتِي، فَقَالَ: " سُبْحَانَ اللَّهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ» "، وَهَذَا مُشْتَمِلٌ عَلَى خَمْسَةِ أَنْوَاعٍ، بَلْ سَبْعَةٍ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ كَانَ يَحْفَظُ الْبَسْمَلَةَ، فَهُوَ بِتَقْدِيرِ صِحَّتِهِ دَلِيلٌ لِلرَّاجِحِ الْمَذْكُورِ قُلْتُ: وَبِتَقْدِيرِ وُجُودِ السَّادِسِ أَيْضًا، (ثُمَّ ارْكَعْ) .
[ ٢ / ٦٦٦ ]
٨٠٥ - وَعَنِ الْفَضْلِ بْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ -، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: («الصَّلَاةُ مَثْنَى مَثْنَى، تَشَهُّدٌ فِي رَكْعَتَيْنِ، وَتَخَشُّعٌ وَتَضَرُّعٌ وَتَمَسْكُنٌ، ثُمَّ تُقْنِعُ يَدَيْكَ - يَقُولُ: تَرْفَعُهُمَا - إِلَى رَبِّكَ مُسْتَقْبِلًا بِبُطُونِهِمَا وَجْهَكَ، وَتَقُولُ يَا رَبِّ! يَا رَبِّ! وَمَنْ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَهُوَ كَذَا وَكَذَا»)، وَفِي رِوَايَةٍ: " فَهُوَ خِدَاجٌ " رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
_________________
(١) (وَعَنِ الْفَضْلِ بْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " الصَّلَاةُ مَثْنَى مَثْنَى): قِيلَ: الصَّلَاةُ مُبْتَدَأٌ، وَمَثْنَى مَثْنَى خَبَرُهُ، وَالْأَوَّلُ تَكْرِيرٌ، وَالثَّانِي تَوْكِيدٌ وَقَوْلُهُ: (تَشَهُّدٌ فِي كُلِّ رَكْعَتَيْنِ): خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ كَالْبَيَانِ لِمَثْنَى مَثْنَى أَيْ: ذَاتُ تَشَهُّدٍ، وَكَذَا الْمَعْطُوفَاتِ، وَلَوْ جُعِلَتْ أَوَامِرَ اخْتَلَّ النَّظْمُ، وَذَهَبَ الطَّرَاوَةُ وَالطَّلَاوَةُ، قَالَهُ الطِّيبِيُّ، وَقَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: وَجَدْنَا الرِّوَايَةَ فِيهِنَّ بِالتَّنْوِينِ لَا غَيْرُ، وَكَثِيرٌ مِمَّنْ لَا عِلْمَ لَهُ بِالرِّوَايَةِ يَسْرُدُونَهَا عَلَى الْأَمْرِ، وَنَرَاهَا تَصْحِيفًا، قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: يَعْنِي الصَّلَاةَ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ، وَهَذَا فِي النَّوَافِلِ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ، إِذِ الْأَفْضَلُ عِنْدَهُ أَنْ يُسَلِّمَ مِنْ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ لَيْلًا كَانَ أَوْ نَهَارًا، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ: الْأَفْضَلُ أَنْ يُصَلِّيَ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ بِتَسْلِيمَةٍ لَيْلًا كَانَ أَوْ نَهَارًا اهـ، وَصَاحِبَاهُ مَعَهُ فِي النَّهَارِ، وَمَعَ الشَّافِعِيِّ فِي اللَّيْلِ. أَقُولُ: الظَّاهِرُ أَنَّ مَعْنَى الْحَدِيثُ أَنَّ أَقَلَّ الصَّلَاةِ رَكْعَتَانِ، فَيُفِيدُ نَهْيَ الْبُتَيْرَاءِ كَمَا هُوَ مَذْهَبُنَا وَتَشَهُّدٌ بَعْدَهُمَا وَاجِبٌ، وَلَا مَنْعَ لِلزِّيَادَةِ وَلَا دَلَالَةَ عَلَى سَلَامٍ بَعْدَهُمَا لِيَصْلُحَ مَوْضِعًا لِلْخِلَافِ الْمَذْكُورِ، وَإِبْقَاءُ الْجِنْسِ عَلَى أَصْلِهِ أَوْلَى مِنْ تَقْيِيدِهِ بِالنَّافِلَةِ الْمُوهِمِ أَنْ تَكُونَ الْأَوْصَافُ الْآتِيَةُ مِنْ مُخْتَصَّاتِهَا، (وَتَخَشُّعٌ): التَّخَشُّعُ: السُّكُونُ وَالتَّذَلُّلُ، وَقِيلَ الْخُشُوعُ قَرِيبُ الْمَعْنَى مِنَ الْخُضُوعِ إِلَّا أَنَّ الْخُضُوعَ فِي الْبَدَنِ، وَالْخُشُوعَ فِي الْبَصَرِ وَالْبَدَنِ وَالصَّوْتِ، وَقِيلَ: الْخُضُوعُ فِي الظَّاهِرِ، وَالْخُشُوعُ فِي الْبَاطِنِ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُمَا بِمَعْنًى لِقَوْلِهِ - ﵇ -: " «لَوْ خَشَعَ قَلْبُهُ لَخَشَعَتْ جَوَارِحُهُ» "، قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: وَهُوَ أَيِ: الْخُشُوعُ فِي الظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ طُمَأْنِينَةُ الرَّجُلِ، بِحَيْثُ لَا يَتَحَرَّكُ وَلَا يَلْتَفِتُ يَمِينًا وَلَا شِمَالًا اهـ.
[ ٢ / ٦٦٦ ]
وَالْخُشُوعُ مِنْ كَمَالِ الصَّلَاةِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ - الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون: ١ - ٢] وَفِي قَوْلِهِ: " تَخَشُّعٌ " إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ خُشُوعٌ، فَيَتَكَلَّفُ وَيَطْلُبُ مِنْ نَفْسِهِ الْخُشُوعَ وَيَتَشَبَّهُ بِالْخَاشِعِينَ، (وَتَضَرُّعٌ): أَيْ إِلَى اللَّهِ، فِي مُخْتَصَرِ النِّهَايَةِ: التَّضَرُّعُ التَّذَلُّلُ وَالْمُبَالَغَةُ فِي السُّؤَالِ (وَتَمَسْكُنٌ): وَهُوَ إِظْهَارُ الرَّجُلِ الْمَسْكَنَةَ مِنْ نَفْسِهِ، قَالَهُ ابْنُ الْمَلَكِ، أَوْ مَعْنَاهُ طَلَبُ السُّكُونِ إِلَى اللَّهِ وَأَمْرِهِ وَحُكْمِهِ وَقَضَائِهِ وَقَدَرِهِ، أَوِ اطْمِئْنَانُهُ بِذِكْرِهِ، قَالَ الْمُظْهِرُ: قَوْلُهُ: " تَمَسْكُنٌ " مِنَ الْمِسْكِينِ مِفْعِيلٍ مِنَ السُّكُونِ؛ لِأَنَّهُ يَسْكُنُ إِلَى النَّاسِ، وَزِيَادَةُ الْمِيمِ، فِي الْفِعْلِ شَاذٌّ، وَلَمْ يَرْوِهَا سِيبَوَيْهِ إِلَّا فِي هَذَا، وَفِي تَمَدْرَعَ، نَقَلَهُ الطِّيبِيُّ، وَقِيلَ تَمَسْكَنَ مِنَ السَّكِينَةِ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ السُّكُونُ وَالْوَقَارُ، وَالْمِيمُ زَائِدَةٌ فِيهِمَا، وَأَمَّا قَوْلُهُ (ثُمَّ تُقْنِعُ يَدَيْكَ): مِنْ إِقْنَاعِ الْيَدَيْنِ رَفْعُهُمَا فِي الدُّعَاءِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ﴾ [إبراهيم: ٤٣]، أَيْ: تَرْفَعُ بَعْدَ الصَّلَاةِ يَدَيْكَ لِلدُّعَاءِ فَعُطِفَ عَلَى مَحْذُوفٍ، أَيْ: إِذَا فَرَغْتَ مِنْهَا فَسَلِّمْ، ثُمَّ ارْفَعْ يَدَيْكَ سَائِلًا حَاجَتَكَ، فَوُضِعَ الْخَبَرُ مَوْضِعَ الطَّلَبِ.
قَالَ الْمُظْهِرُ: فَإِنْ قُلْتَ: لَوْ جَعَلْتَهَا أَوَامِرَ وَعَطَفْتَ أَمْرًا عَلَى أَمْرٍ، وَقَطَعْتَ تَشَهُّدٌ عَنِ الْجُمْلَةِ الْأُولَى لِاخْتِلَافِ الْخَبَرِ وَالطَّلَبِ، لَكَانَ لَكَ مَنْدُوحَةٌ عَنْ هَذَا التَّقْدِيرِ، قُلْتُ: حِينَئِذٍ خَرَجَ الْكَلَامُ الْفَصِيحُ إِلَى التَّعَاظُلِ فِي التَّرْكِيبِ، وَهُوَ مَذْمُومٌ، وَذَكَرَ ابْنُ الْأَثِيرِ أَنَّ تَوَارُدَ الْأَفْعَالِ تَعَاظُلٌ، وَنَقَلْنَا عَنْهُ فِي التِّبْيَانِ شَوَاهِدَ نَقَلَهُ الطِّيبِيُّ. وَقَوْلُهُ: تَعَاظُلٌ بِالظَّاءِ الْمُشَالَةِ، فَفِي الْقَامُوسِ: تَعَظَّلُوا عَلَيْهِ اجْتَمَعُوا، وَيَوْمُ الْعُظَالَى كَحُبَارَى مَعْرُوفٌ؛ لِأَنَّ النَّاسَ رَكِبَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، أَوْ؛ لِأَنَّهُ رَكِبَ الِاثْنَانِ وَالثَّلَاثَةُ دَابَّةً، (يَقُولُ): أَيِ الرَّاوِي مَعْنَاهُ (تَرْفَعُهُمَا)، أَيْ: لِطَلَبِ الْحَاجَةِ. وَقَوْلُهُ (إِلَى رَبِّكَ): مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: تُقْنِعُ، وَقِيلَ: (يَقُولُ) فَاعِلُهُ النَّبِيُّ ﷺ، وَتَرْفَعُهُمَا يَكُونُ تَفْسِيرًا لِقَوْلِهِ: ثُمَّ تُقْنِعُ يَدَيْكَ (مُسْتَقْبَلًا بِبُطُونِهِمَا وَجْهَكَ)، أَيْ: وَلَوْ كَانَ الدُّعَاءُ اسْتِعَاذَةً (وَتَقُولُ: يَا رَبِّ! يَا رَبِّ!): الظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالتَّكْرِيرِ التَّكْثِيرُ (وَمَنْ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ)، أَيْ: مَا ذُكِرَ مِنَ الْأَشْيَاءِ فِي الصَّلَاةِ (فَهُوَ)، أَيْ: فَعَلَ صَلَاتَهُ (كَذَا وَكَذَا): قَالَ الطِّيبِيُّ: كِنَايَةٌ عَنْ أَنَّ صَلَاتَهُ نَاقِصَةٌ غَيْرُ تَامَّةٍ، بَيَّنَ ذَلِكَ الرِّوَايَةُ الْأُخْرَى أَعْنِي قَوْلَهُ: فَهُوَ خِدَاجٌ، (وَفِي رِوَايَةٍ): قَالَ مِيرَكُ: وَفِي سَنَدِهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نَافِعِ بْنِ أَبِي الْعَمْيَاءِ، قَالَ الْبُخَارِيُّ: لَمْ يَصِحَّ حَدِيثُهُ، كَذَا فِي التَّخْرِيجِ (فَهُوَ خِدَاجٌ): بِكَسْرِ الْمُعْجَمَةِ، أَيْ: نَاقِصٌ فِي الْأَجْرِ وَالْفَضِيلَةِ، قِيلَ: تَقْدِيرُهُ فَهُوَ ذَاتُ خِدَاجٍ، أَيْ: صَلَاتُهُ ذَاتُ خِدَاجٍ، أَوْ وَصَفَهَا بِالْمَصْدَرِ نَفْسِهِ لِلْمُبَالَغَةِ، وَالْمَعْنَى أَنَّهَا نَاقِصَةٌ، وَفِي الْفَائِقِ: الْخِدَاجُ مَصْدَرُ خَدَجَتِ الْحَامِلُ إِذَا أَلْقَتْ وَلَدَهَا قَبْلَ وَقْتِ النِّتَاجِ فَاسْتُعِيرَ، وَالْمَعْنَى ذَاتُ نُقْصَانٍ، فَحُذِفَ الْمُضَافُ، وَفِي النِّهَايَةِ: وَصَفَهَا بِالْمَصْدَرِ مُبَالَغَةً كَقَوْلِهِ: فَإِنَّمَا هِيَ إِقْبَالٌ وَإِدْبَارٌ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ): قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَسَنَدَهُ حَسَنٌ.
[ ٢ / ٦٦٧ ]
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
٨٠٦ - عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ الْمُعَلَّى، قَالَ «صَلَّى لَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ، فَجَهَرَ بِالتَّكْبِيرِ حِينَ رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ السُّجُودِ، وَحِينَ سَجَدَ، وَحِينَ رَفَعَ مِنَ الرَّكْعَتَيْنِ وَقَالَ هَكَذَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ»، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
_________________
(١) الْفَصْلُ الثَّالِثُ
(٢) (عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ الْمُعَلَّى): اسْمُ مَفْعُولٍ مِنَ التَّعْلِيَةِ فِي جَامِعِ الْأُصُولِ، يُقَالُ: إِنَّ ابْنَ الْمُعَلَّى قَاضِي الْمَدِينَةِ مِنْ مَشَاهِيرِ التَّابِعِينَ (قَالَ: صَلَّى لَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ، فَجَهَرَ بِالتَّكْبِيرِ): لِكَوْنِهِ إِمَامًا (وَحِينَ رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ السُّجُودِ): لِيُعْلِمَ وَيُتَابَعَ عَلَيْهِ (حِينَ سَجَدَ)، أَيْ: ثَانِيًا (وَحِينَ رَفَعَ)، أَيْ: رَأَسَهُ، وَفِي الْبُخَارِيِّ: حِينَ قَامَ (مِنَ الرَّكْعَتَيْنِ)، أَيِ: الْأُولَيَيْنِ (وَقَالَ: هَكَذَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) .
[ ٢ / ٦٦٨ ]
٨٠٧ - وَعَنْ عِكْرِمَةَ، قَالَ: «صَلَّيْتُ خَلْفَ شَيْخٍ بِمَكَّةَ، فَكَبَّرَ ثِنْتَيْنِ وَعِشْرِينَ تَكْبِيرَةً، فَقُلْتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ: إِنَّهُ أَحْمَقُ، فَقَالَ: ثَكَلَتْكَ أُمُّكَ، سُنَّةُ أَبِي الْقَاسِمِ ﷺ»، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
_________________
(١) (وَعَنْ عِكْرِمَةَ): تَابِعِيٌّ جَلِيلٌ، مَوْلًى لِابْنِ عَبَّاسٍ (قَالَ: صَلَّيْتُ خَلْفَ شَيْخٍ بِمَكَّةَ): قَالَ مِيرَكُ: هُوَ أَبُو هُرَيْرَةَ كَمَا جَاءَ مُسَمًّى فِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ وَالطَّبَرَانِيِّ وَالطَّحَاوِيِّ (فَكَبَّرَ ثِنْتَيْنِ وَعِشْرِينَ تَكْبِيرَةً): قَالَ الطِّيبِيُّ: هَذَا الْعَدَدُ إِنَّمَا يَكُونُ فِي صَلَاةِ الرُّبَاعِيَّةِ بِإِضَافَةِ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ، وَتَكْبِيرَةِ الْقِيَامِ مِنَ التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ (فَقُلْتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ: إِنَّهُ أَحْمَقُ)، أَيْ: جَاهِلٌ (فَقَالَ: ثَكَلَتْكَ)، أَيْ: فَقَدَتْكَ (أُمُّكَ): قَدْ سَبَقَ أَنَّهَا كَلِمَةُ تَعَجُّبٍ، وَظَاهِرُهَا دُعَاءٌ عَلَيْهِ، وَقَدْ تُذْكَرُ فِي مَوْضِعِ الْمَدْحِ وَالذَّمِّ، وَهَاهُنَا مَحْمُولٌ عَلَى هَلَاكِهِ رَدًّا لِقَوْلِهِ: إِنَّهُ أَحْمَقُ، أَيْ: أَتَقُولُ فِي حَقِّ مَنِ اقْتَفَى سُنَّةَ أَبِي الْقَاسِمِ ﷺ أَنَّهُ أَحْمَقُ؟ (سُنَّةُ أَبِي الْقَاسِمِ): خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أَيِ: الْخَصْلَةُ الَّتِي أَنْكَرْتَهَا مِنْهُ سُنَّةُ أَبِي الْقَاسِمِ ﷺ: وَقَدْ طَبَّقَ ذِكْرَ الْكُنْيَةِ هُنَا مُفَصِّلُ الْبَلَاغَةِ وَمُحَرِّرُهَا، قَالَهُ الطِّيبِيُّ: وَكَأَنَّهُ أَشَارَ بِهَذِهِ الْكُنْيَةَ إِلَى عَظِيمِ التَّسْجِيلِ عَلَى عِكْرِمَةَ، وَأَنَّ مَا حَصَلَ لِوَرَثَتِهِ - ﵇ - عِلْمًا وَمَعْرِفَةً إِنَّمَا هُوَ لِقِسْمَتِهِ ﵇ لِخَبَرِ: " «إِنَّمَا أَنَا قَاسِمٌ وَاللَّهُ يُعْطِي» "، (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) .
[ ٢ / ٦٦٨ ]
٨٠٨ - وَعَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ، مُرْسَلًا، قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُكَبِّرُ فِي الصَّلَاةِ كُلَّمَا خَفَضَ وَرَفَعَ، فَلَمْ يَزَلْ تِلْكَ صَلَاتُهُ ﷺ حَتَّى لَقِيَ اللَّهَ تَعَالَى»، رَوَاهُ مَالِكٌ.
_________________
(١) (وَعَنْ عَلِيِّ)، أَيْ: زَيْنِ الْعَابِدِينَ (ابْنِ الْحُسَيْنِ - ﵄ - مُرْسَلًا): لِأَنَّهُ لَمْ يُدْرِكِ النَّبِيَّ ﷺ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: مُرْسَلًا. حَالٌ مُتَقَدِّمَةٌ عَلَى صَاحِبِهَا اهـ، وَهُوَ مُوَافِقٌ لِمَا فِي النُّسَخِ الْمُصَحَّحَةِ الْمَضْبُوطَةِ عَلَى صِيغَةِ الْمَفْعُولِ، لَكِنْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مُرْسِلًا بِصِيغَةِ الْفَاعِلِ، فَيَكُونُ حِينَئِذٍ حَالًا مُتَأَخِّرَةً عَنْ صَاحِبِهَا، (قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُكَبِّرُ فِي الصَّلَاةِ كُلَّمَا خَفَضَ)، أَيْ: أَرَادَ الْخَفْضَ إِلَى الرُّكُوعِ أَوِ السُّجُودِ (وَرَفَعَ)، أَيْ: وَكُلَّمَا رَفَعَ إِلَى الْقَوْمَةِ مِنَ الرُّكُوعِ، فَإِنَّهُ يُسَمِّعُ وَيَحْمَدُ ثُمَّ يُكَبِّرُ لِلْخَفْضِ (فَلَمْ يَزَلْ): بِالتَّذْكِيرِ وَقِيلَ بِالتَّأْنِيثِ (تِلْكَ)، أَيْ: تِلْكَ الصَّلَاةُ الْمُقْتَرِنَةُ بِذَلِكَ التَّكْبِيرِ (صَلَاتُهُ): بِالرَّفْعِ وَقِيلَ بِالنَّصْبِ (ﷺ): قَالَ الطِّيبِيُّ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ اسْمُ (لَمْ يَزَلْ) مُسْتَكِنًّا عَائِدًا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، وَالْجُمْلَةُ الِاسْمِيَّةُ خَبَرُهَا، وَأَنْ يَكُونَ (تِلْكَ) اسْمَهَا، وَ(صَلَاتَهُ) خَبَرَهَا إِذَا رُوِيَتْ مَنْصُوبَةً، وَبِالْعَكْسِ إِذَا رُوِيَتْ مَرْفُوعَةً (حَتَّى لَقِيَ اللَّهَ تَعَالَى، رَوَاهُ مَالِكٌ) .
[ ٢ / ٦٦٨ ]
٨٠٩ - وَعَنْ عَلْقَمَةَ، قَالَ: قَالَ لَنَا ابْنُ مَسْعُودٍ: «أَلَا أُصَلِّي بِكُمْ صَلَاةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؟ فَصَلَّى وَلَمْ يَرْفَعْ يَدَيْهِ إِلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً مَعَ تَكْبِيرَةِ الِافْتِتَاحِ»، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ، وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ: لَيْسَ هُوَ بِصَحِيحٍ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى.
_________________
(١) (عَنْ عَلْقَمَةَ): تَابِعِيٌّ مَشْهُورٌ (قَالَ: «قَالَ لَنَا ابْنُ مَسْعُودٍ: أَلَا أُصَلِّيَ بِكُمْ صَلَاةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؟ فَصَلَّى، وَلَمْ يَرْفَعْ يَدَيْهِ إِلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً مَعَ تَكْبِيرَةِ الِافْتِتَاحِ» " رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ): وَقَالَ وَفَى الْبَابِ عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ، وَحَدِيثُ ابْنُ مَسْعُودٍ حَسَنٌ، وَبِهِ يَقُولُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ التَّابِعِينَ، وَهُوَ قَوْلُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، وَأَهْلِ
[ ٢ / ٦٦٨ ]
الْكُوفَةِ (وَأَبُو دُوَادَ، وَالنَّسَائِيُّ): قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: وَقَدْ أَخْرَجَ الدَّارَقُطْنِيُّ، وَابْنُ عَدِيٍّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَابِرٍ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَأَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ، فَلَمْ يَرْفَعُوا إِلَّا عِنْدَ اسْتِفْتَاحِ الصَّلَاةِ، وَرَوَى الطَّحَاوِيُّ، ثُمَّ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ حَدِيثِ الْحَسَنِ بْنِ عَيَّاشٍ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ، عَنِ الْأَسْوَدِ قَالَ: رَأَيْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَفْعَ يَدَيْهِ فِي أَوَّلِ تَكْبِيرَةٍ، ثُمَّ لَا يَعُودُ، (وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ: لَيْسَ هُوَ بِصَحِيحٍ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى): يَعْنِي: وَإِنْ كَانَ سَنَدُهُ صَحِيحًا؛ لِأَنَّ غَيْرَ ابْنِ مَسْعُودٍ رَوَى عَنْهُ ﵇ الرَّفْعَ عِنْدَ الرُّكُوعِ، وَالِاعْتِدَالِ، وَالْقِيَامِ مِنَ التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ، وَقِيلَ: إِنَّهُ نَسِيَ الرَّفْعَ فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ الثَّلَاثَةِ، وَهُوَ بَعِيدٌ جِدًّا، وَأَبْعَدُ مِنْهُ مَا قِيلَ إِنَّهُ ﵁ كَانَ قَصِيرًا؛ إِذْ طُولُهُ قَدْرُ ذِرَاعٍ، وَإِنَّهُ لِكَمَالِهِ كَانَ لَا يَرْفَعُ رَأْسَهُ فِي صَلَاةٍ، فَلَمْ يَعْلَمِ الرَّفْعَ إِلَّا عِنْدَ التَّحْرِيمَةِ؛ لِأَنَّهُ إِذْ ذَاكَ غَيْرُ دَاخِلٍ فِي الصَّلَاةِ، قَالَ مِيرَكُ: فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى، وَإِنَّمَا فِيهِ لَيْسَ بِصَحِيحٍ فَقَطِ اهـ.
وَقَدِ اسْتَوْعَبَ الْإِمَامُ ابْنُ الْهُمَامِ الْكَلَامَ فِي هَذَا الْمَقَامِ، فَعَلَيْكَ بِشَرْحِهِ لِلْهِدَايَةِ إِنْ كَانَ لَكَ عِنَايَةٌ إِلَى النِّهَايَةِ.
[ ٢ / ٦٦٩ ]
٨١٠ - وَعَنْ أَبِي حُمَيْدِ السَّاعِدِيِّ - ﵁ - قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ اسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ، وَرَفَعَ يَدَيْهِ، وَقَالَ: " اللَّهُ أَكْبَرُ»، رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ.
_________________
(١) (وَعَنْ أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ اسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ): فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى اعْتِبَارِ الْجِهَةِ، حَيْثُ لَمْ يَقُلِ اسْتَقْبِلَ الْكَعْبَةَ (وَرَفَعَ يَدَيْهِ)، أَيْ: إِلَى حِذَاءِ أُذُنَيْهِ (قَالَ: " اللَّهُ أَكْبَرُ "، رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ) .
[ ٢ / ٦٦٩ ]
٨١١ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - قَالَ: «صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الظُّهْرَ، وَفِي مُؤَخَّرِ الصُّفُوفِ رَجُلٌ، فَأَسَاءَ الصَّلَاةَ، فَلَمَّا سَلَّمَ نَادَاهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " يَا فُلَانُ أَلَا تَتَّقِي اللَّهَ؟ أَلَا تَرَى كَيْفَ تُصَلِّي؟ إِنَّكُمْ تُرَوْنَ أَنَّهُ يَخْفَى عَلَيَّ شَيْءٌ مِمَّا تَصْنَعُونَ، وَاللَّهِ إِنِّي لَأَرَى مِنْ خَلْفِي كَمَا أَرَى مِنْ بَيْنِ يَدَيَّ»، رَوَاهُ أَحْمَدُ.
_________________
(١) (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الظُّهْرَ وَفِي مُؤَخِّرِ الصُّفُوفِ رَجُلٌ، فَأَسَاءَ الصَّلَاةَ): قَالَ الطِّيبِيُّ: الْفَاءُ لِلسَّبَبِيَّةِ يَعْنِي: أَنَّ تَأَخُّرَهُ كَانَ سَبَبًا لِإِسَاءَةِ الصَّلَاةِ؛ وَلِذَا عَنَّفَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِقَوْلِهِ: إِنِّي لَأَرَى اهـ، وَفِيهِ بَحْثٌ، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ قَوْلُهُ: فَأَسَاءَ الصَّلَاةَ، أَيْ: أَتَى فِيهَا بِمَا يُبْطِلُهَا، كَمَا يَدُلُّ لَهُ قَوْلُهُ: أَلَا تَتَّقِي اللَّهَ، وَالْفَاءُ هُنَا الظَّاهِرُ أَنَّهَا زَائِدَةٌ لِتَزْيِينِ اللَّفْظِ اهـ. وَالْأَظْهَرُ أَنَّهَا لِلتَّعْقِيبِ، وَالتَّقْدِيرُ: وَفِي مُؤَخِّرِ الصُّفُوفِ رَجُلٌ صَلَّى مَعَنَا فَأَسَاءَ الصَّلَاةَ (فَلَمَّا سَلَّمَ): أَيِ: النَّبِيُّ ﷺ أَوِ الرَّجُلُ (نَادَاهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " يَا فُلَانُ أَلَا تَتَّقِي اللَّهَ؟)، أَيْ: مُخَالَفَتَهُ أَوْ مُعَاقَبَتَهُ، وَهُوَ إِبْهَامٌ وَيُبَيِّنُهُ قَوْلُهُ: " أَلَا تَرَى "، أَيْ: تَنْظُرُ وَتَتَأَمَّلُ (كَيْفَ تُصَلِّي؟): بِالْخِطَابِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِنُونِ الْمُتَكَلِّمِ (إِنَّكُمْ تُرَوْنَ): بِضَمِّ التَّاءِ، أَيْ: تَظُنُّونَ (أَنَّهُ يَخْفَى عَلَيَّ شَيْءٌ مِمَّا تَصْنَعُونَ)، أَيْ: فِي صَلَاتِكُمْ، أَوْ مُطْلَقًا فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ (وَاللَّهِ): قَسَمٌ (إِنِّي لَأَرَى)، أَيْ: أُبْصِرُ أَوْ أَعْلَمُ (مِنْ خَلْفِي): بِحَرْفِ الْجَرِّ، وَفِي نُسْخَةٍ: بِمَنِ الْمَوْصُولَةِ (كَمَا أَرَى مِنْ بَيْنِ يَدَيَّ): بِكَسْرِ (مِنْ)، وَجَرِّ (بَيْنِ)، وَفِي نُسْخَةٍ بِفَتْحِ مَنْ وَنَصْبِ بَيْنَ يَدَيَّ عَلَى الظَّرْفِيَّةِ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: أَيْ فِي حَالِ الصَّلَاةِ؛ لِأَنَّهُ ﵊ كَانَ يَحْصُلُ لَهُ فِيهَا قُرَّةَ الْعَيْنِ
[ ٢ / ٦٦٩ ]
بِمَا يُفَاضُ عَلَيْهِ فِيهَا مِنْ غَايَاتِ الْقُرْبِ، وَخَوَارِقِ التَّجَلِّيَاتِ، فَتَنْكَشِفُ لَهُ حَقَائِقُ الْمَوْجُودَاتِ عَلَى مَا هِيَ عَلَيْهِ، فَيُدْرِكُ مِنْ خَلْفِهِ كَمَا يُدْرِكُ مِنْ أَمَامِهِ؛ لِأَنَّهُ لِبَاهِرِ كَمَالِهِ لَا يَشْغَلُهُ جَمْعُهُ عَنْ فَرْقِهِ، فَهُوَ وَإِنِ اسْتَغْرَقَ فِي عَالَمِ الْغَيْبِ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ عَالَمِ الشَّهَادَةِ، فَعُلِمَ أَنَّ مَا هُنَا لَا يُنَافِي قَوْلَهُ ﵇: " «إِنِّي لَا أَعْلَمُ مَا وَرَاءَ جِدَارِي» " عَلَى تَقْدِيرِ صِحَّتِهِ؛ لِأَنَّهُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى خَارِجِ الصَّلَاةِ، وَقِيلَ: بَلْ كَانَ لَهُ عَيْنَانَ بَيْنَ كَتِفِهِ كَسَمِّ الْخِيَاطِ يَرَى بِهِمَا كَمَا يَرَى بِعَيْنَيْهِ الْأَصْلِيَّتَيْنِ، مَعَ أَنَّ فِي الْحَقِيقَةِ لَا مُنَافَاةَ؛ لِأَنَّ الْمُثْبَتَ هُنَا الرُّؤْيَةُ الْبَصَرِيَّةُ، وَالْمَنْفِيَّ ثَمَّةَ الْعِلْمُ أَيْ بِالْمُغَيَّبَاتِ، فَلَمْ يَتَوَارَدَا عَلَى شَيْءٍ وَاحِدٍ، وَفِي مَعْنَى هَذَا خَبَرُ الصَّحِيحَيْنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَيْضًا، " «هَلْ تَرَوْنَ قِبْلَتِي هَاهُنَا؟ فَوَاللَّهِ مَا يَخْفَى عَلَيَّ رُكُوعُكُمْ وَلَا سُجُودُكُمْ إِنِّي لَأَرَى مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِي» " وَفِيهِ رِوَايَةٌ لِمُسْلِمٍ عَنْ أَنَسٍ: " «أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي إِمَامُكُمْ فَلَا تَسْبِقُونِي بِالرُّكُوعِ وَلَا بِالسُّجُودِ، فَإِنِّي أَرَاكُمْ مِنْ أَمَامِي وَمِنْ خَلْفِي» " وَلَا يُنَافِي ذَلِكَ تَوَقُّفَ الرُّؤْيَةِ فِي حَقِّ الْمَخْلُوقِ عَلَى حَاسَّةٍ وَشُعَاعٍ وَمُقَابَلَةٍ اتِّفَاقًا؛ لِأَنَّ مَحِلَّهُ فِي غَيْرِ الْمُعْجِزَةِ، وَخَالِقُ الْبَصَرِ فِي الْعَيْنِ قَادِرٌ عَلَى خَلْقِهِ فِي غَيْرِهَا، قِيلَ سَبَبُ رُؤْيَتِهِ لِمَنْ وَرَاءَهُ أَنَّ صُوَرَهُمْ كَانَتْ مُنْطَبِعَةً فِي قِبْلَتِهِ، وَرُدَّ بِأَنَّ مِثْلَ هَذَا لَا يُتَجَاسَرُ عَلَيْهِ إِلَّا بِنَقْلٍ صَحِيحٍ، وَقِيلَ: هِيَ رُؤْيَةُ قَلْبٍ، قِيلَ: وَحْيٌ أَوْ إِلْهَامٌ، وَرُدَّ بِأَنَّ الصَّوَابَ أَنَّهَا رُؤْيَةُ مُشَاهَدَةٍ بِبَصَرٍ كَمَا مَرَّ، وَخَبَرُ («لَا أَعْلَمُ مَا وَرَاءَ جِدَارِي»)، لَا يُنَافِي بِنَاءً عَلَى مَا مَرَّ إِخْبَارُهُ - ﵇ - بِمُغَيَّبَاتٍ لَا تُحْصَى؛ لِأَنَّ ذَاكَ عَلَى الْأَصْلِ، وَهَذَا عَلَى خَرْقِ الْعَادَةِ بِوَحْيٍ أَوْ إِلْهَامٍ.
قُلْتُ: هَذَا مُنَاقَضَةٌ بَلْ مُضَادَّةٌ فِي الْكَلَامِ، ثُمَّ قَالَ: وَيُؤَيِّدُهُ «أَنَّهُ - ﵇ - لَمَّا ضَلَّتْ نَاقَتُهُ، وَقَالَ بَعْضُ الْمُنَافِقِينَ: إِنَّ مُحَمَّدًا يَزْعُمُ أَنَّهُ يُخْبِرُكُمْ بِخَبَرِ السَّمَاءِ وَهُوَ لَا يَدْرِي أَيْنَ نَاقَتُهُ، قَالَ - ﵇ -: " وَاللَّهِ إِنِّي لَا أَعْلَمُ إِلَّا مَا عَلَّمَنِي رَبِّي، وَقَدْ دَلَّنِي رَبِّي عَلَيْهَا، وَهِيَ فِي مَوْضِعِ كَذَا وَكَذَا، حَبَسَتْهَا شَجَرَةٌ بِخِطَامِهَا» " فَذَهَبُوا فَوَجَدُوهَا كَمَا أَخْبَرَ ﷺ اهـ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ أَحْوَالَ الْأَنْبِيَاءِ وَالْأَوْلِيَاءِ مُخْتَلِفَةٌ؛ وَلِهَذَا لَمْ يَرَ يَعْقُوبُ وَلَدَهُ يُوسُفَ فِي الْبِئْرِ مَعَ قُرْبِهَا إِلَى بَلَدِهِ، وَوَجَدَ رِيحَ قَمِيصِ يُوسُفَ مِنْ حِينِ فَصَلَتِ الْعِيرُ مِنْ مِصْرَ، (رَوَاهُ أَحْمَدُ) .
[ ٢ / ٦٧٠ ]