[ ٣ / ١٠٥٠ ]
[٤٦] بَابُ صَلَاةِ الْخَوْفِ
" الْفَصْلُ الْأَوَّلُ "
١٤٢٠ - عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ - ﵃ - عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: «غَزَوْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - قِبَلَ نَجْدٍ، فَوَازَيْنَا الْعَدُوَّ، فَصَافَفْنَا لَهُمْ، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - يُصَلِّي لَنَا، فَقَامَتْ طَائِفَةٌ مَعَهُ، وَأَقْبَلَتْ طَائِفَةٌ عَلَى الْعَدُوِّ، وَرَكَعَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - بِمَنْ مَعَهُ وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ، ثُمَّ انْصَرَفُوا مَكَانَ الطَّائِفَةِ الَّتِي لَمْ تُصَلِّ، فَجَاءُوا، فَرَكَعَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - بِهِمْ رَكْعَةً، وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ، فَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ، فَرَكَعَ لِنَفْسِهِ رَكْعَةً، وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ» . وَرَوَى نَافِعٌ نَحْوَهُ. وَزَادَ: فَإِنْ كَانَ خَوْفٌ أَشَدُّ مِنْ ذَلِكَ صَلَّوْا رِجَالًا، قِيَامًا عَلَى أَقْدَامِهِمْ، أَوْ رُكْبَانًا مُسْتَقْبِلِي الْقِبْلَةِ، أَوْ غَيْرَ مُسْتَقْبِلِيهَا، قَالَ نَافِعٌ: لَا أُرَى ابْنَ عُمَرَ ذَكَرَ ذَلِكَ إِلَّا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
_________________
(١) بَابُ صَلَاةِ الْخَوْفِ أَيْ: أَحْكَامِ الصَّلَاةِ عِنْدَ الْخَوْفِ مِنَ الْكُفَّارِ، وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ صَلَاةَ الْخَوْفِ ثَابِتَةُ الْحُكْمِ بَعْدَ مَوْتِ النَّبِيِّ - ﷺ - وَحُكِيَ عَنِ الْمُزَنِيِّ أَنَّهُ قَالَ: هِيَ مَنْسُوخَةٌ، وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ: أَنَّهَا مُخْتَصَّةٌ بِرَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ﴾ [النساء: ١٠٢]، وَأُجِيبَ: بِأَنَّهُ قَيْدٌ وَاقِعِيٌّ نَحْوُ قَوْلِهِ: ﴿إِنْ خِفْتُمْ﴾ [النساء: ١٠١] فِي صَلَاةِ الْمُسَافِرِ، ثُمَّ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ جَمِيعَ الصِّفَاتِ الْمَرْوِيَّةِ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ مُعْتَدٌّ بِهَا، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ بَيْنَهُمْ فِي التَّرْجِيحِ، قِيلَ: جَاءَتْ فِي الْأَخْبَارِ عَلَى سِتَّةَ عَشَرَ نَوْعًا، وَقِيلَ: أَقَلُّ. وَقِيلَ: أَكْثَرُ، وَقَدْ أَخَذَ بِكُلِّ رِوَايَةٍ مِنْهَا جَمْعٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ، وَمَا أَحْسَنَ قَوْلَ أَحْمَدَ: لَا حَرَجَ عَلَى مَنْ صَلَّى بِوَاحِدَةٍ مِمَّا صَحَّ عَنْهُ - ﵊ -. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ الْخَوْفَ لَا يُغَيِّرُ عَدَدَ الرَّكَعَاتِ، وَمَعْنَى الْخَبَرِ السَّابِقِ، وَفِي الْخَوْفِ رَكْعَةٌ، الَّذِي أَخَذَ بِظَاهِرِهِ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَنَّ الْمَأْمُومَ يَنْفَرِدُ فِيهِ عَنِ الْإِمَامِ بِرَكْعَةٍ كَمَا يَأْتِي ; لِيَلْتَئِمَ مَعَ بَقِيَّةِ الْأَحَادِيثِ الْمُصَرِّحَةِ بِأَنَّهُ - ﵊ - لَمْ يُصَلِّ هُوَ وَأَصْحَابُهُ فِي الْخَوْفِ أَقَلَّ مِنْ رَكْعَتَيْنِ. " الْفَصْلُ الْأَوَّلُ "
(٢) (عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ) أَيِ: ابْنُ عُمَرَ (غَزَوْتُ) أَيِ: الْكُفَّارَ. فِي الْقَامُوسِ غَزَا الْعَدُوَّ: سَارَ إِلَى قِتَالِهِمْ. (مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ): حَالٌ (قِبَلَ نَجْدٍ): بِكَسْرِ الْقَافِ، وَفَتْحِ الْبَاءِ، نَصْبًا عَلَى الظَّرْفِ، أَيْ: نَاحِيَتَهُ، وَالنَّجْدُ مَا ارْتَفَعَ مِنَ الْأَرْضِ. قَالَ الْأَبْهَرِيُّ: وَالْمُرَادُ هُنَا نَجْدُ الْحِجَازِ لَا نَجْدُ الْيَمَنِ. وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: هُوَ اسْمٌ لِكُلِّ مَا ارْتَفَعَ مِنْ بِلَادِ الْعَرَبِ مِنْ تِهَامَةَ إِلَى الْعِرَاقِ. (فَوَازَيْنَا الْعَدُوَّ) أَيْ: حَاذَيْنَاهُ وَقَابَلْنَاهُ. فِي النِّهَايَةِ الْمُوَازَاةُ: الْمُقَابَلَةُ وَالْمُوَاجَهَةُ، يُقَالُ: وَازَيْتُهُ إِذَا حَاذَيْتُهُ. وَفِي الصَّحَّاحِ هُوَ بَإَذَائِهِ أَيْ: بِحِذَائِهِ، وَقَدْ آزَيْتُهُ أَيْ: حَاذَيْتُهُ، وَلَا تَقُلْ وَازَيْتُهُ. وَالْمَفْهُومُ مِنَ الْقَامُوسِ أَيْضًا أَنَّهُ مَهْمُوزٌ فَقَطْ، لَكِنَّ رِوَايَةَ الْمُحْدَثِينَ مُقَدَّمَةٌ عَلَى نَقْلِ اللُّغَوِيِّينَ، مَعَ أَنَّ الْمُثْبِتَ مُقَدَّمٌ عَلَى النَّافِي، وَمَنْ حَفِظَ حُجَّةً عَلَى مَنْ لَمْ يَحْفَظْ، لَا سِيَّمَا وَوَافَقَهُمْ صَاحِبُ النِّهَايَةِ أَوْ هُمَا لُغَتَانِ كَالْمُوَاكَلَةِ وَالْمُوَاخَذَةِ. (فَصَافَفْنَا) أَيْ: قُمْنَا صَفَّيْنِ كَمَا سَيَأْتِي. (لَهُمْ) أَيْ: لِحَرْبِهِمْ، أَوْ جَعَلْنَا نُفُوسَنَا صَفَّيْنِ فِي مُقَابَلَتِهِمْ. (فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - يُصَلِّي) أَيْ: بِالْجَمَاعَةِ إِمَامًا. (لَنَا) أَيْ: لِتَحْصِيلِ ثَوَابِنَا عَلَى التَّسْوِيَةِ بَيْنَنَا حَيْثُ لَمْ يُصَلِّ مَعَ جَمَاعَةٍ، وَتَرَكَ جَمَاعَةً أُخْرَى يُصَلُّونَ مَعَ غَيْرِهِ، وَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى كَرَاهَةِ تَعَدُّدِ الْجَمَاعَةِ، لَا سِيَّمَا إِذَا كَانَ الْقَوْمُ حَاضِرِينَ، وَإِشْعَارٌ بِأَنَّ الْفَرْضَ لَا يَجُوزُ خَلْفَ التَّنَفُّلِ، وَإِلَّا لَأَمْكَنَهُ - ﵊ - أَنْ يُصَلِّيَ مَرَّتَيْنِ بِالطَّائِفَتَيْنِ، وَالْحَدِيثُ مِنْ أَقْوَى الْحُجَجِ عَلَى وُجُوبِ الْجَمَاعَةِ، حَيْثُ مَا تُرِكَ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ. ثُمَّ رَأَيْتُ ابْنَ الْهُمَامِ قَالَ: وَاعْلَمْ أَنَّ صَلَاةَ الْخَوْفِ عَلَى الصِّفَةِ الْمَذْكُورَةِ إِنَّمَا تَلْزَمُ إِذَا تَنَازَعَ الْقَوْمُ فِي الصَّلَاةِ خَلْفَ الْإِمَامِ، أَمَّا إِذَا لَمْ يَتَنَازَعُوا فَالْأَفْضَلُ أَنْ يُصَلِّيَ بِإِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ تَمَامَ الصَّلَاةِ، وَيُصَلِّيَ بِالطَّائِفَةِ الْأُخْرَى إِمَامٌ آخَرُ تَمَامَهَا. (فَقَامَتْ طَائِفَةٌ مَعَهُ): الظَّاهِرُ أَنَّهُمُ السَّابِقُونَ فِي الْإِسْلَامِ. (وَأَقْبَلَتْ طَائِفَةٌ): وَهُمُ اللَّاحِقُونَ. (عَلَى الْعَدُوِّ) أَيْ: عَلَى جَانِبِهِمْ بِالْوُقُوفِ فِي مُقَابَلَتِهِمْ لِدَفْعِ مُقَاتَلَتِهِمْ. (وَرَكَعَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -) أَيْ: أَتَى بِالرُّكُوعِ. (بِمَنْ مَعَهُ):
[ ٣ / ١٠٥١ ]
أَيْ: مَعَ الَّذِينَ قَامُوا مَعَهُ. (وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ) أَيْ: بِمَنْ مَعَهُ. (ثُمَّ انْصَرَفُوا) أَيِ: الطَّائِفَةُ الَّتِي صَلَّتْ تِلْكَ الرَّكْعَةَ. (مَكَانَ الطَّائِفَةِ الَّتِي لَمْ تُصَلِّ، فَجَاءُوا) أَيِ: الَّتِي مَا صَلَّتْ. (فَرَكَعَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -) أَيْ: فَعَلَ الرُّكُوعَ. (بِهِمْ): وَقَوْلُ ابْنِ الْمَلَكِ أَيْ: صَلَّى لَمْ يَصِحَّ ; لِأَنَّ قَوْلَهُ: (رَكْعَةً) بِمَعْنَى رُكُوعًا ; لِقَوْلِهِ: (وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ) إِذِ الرَّكْعَةُ لَا تَكُونُ إِلَّا بِانْضِمَامِ السَّجْدَتَيْنِ. (ثُمَّ سَلَّمَ) أَيِ: النَّبِيُّ - ﷺ - وَحْدَهُ. (فَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ) أَيْ: مِنَ الْمَأْمُومِينَ مِنَ الطَّائِفَتَيْنِ. (فَرَكَعَ لِنَفْسِهِ رَكْعَةً، وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ) وَتَفْصِيلُهُ: أَنَّ الطَّائِفَةَ الثَّانِيَةَ ذَهَبُوا إِلَى وَجْهِ الْعَدُوِّ، وَجَاءَتِ الْأُولَى إِلَى مَكَانِهِمْ وَأَتَمُّوا صَلَاتَهُمْ مُنْفَرِدِينَ، وَسَلَّمُوا وَذَهَبُوا إِلَى وَجْهِ الْعَدُوِّ، وَجَاءَتِ الطَّائِفَةُ الثَّانِيَةُ وَأَتَمُّوا مُنْفَرِدِينَ، وَسَلَّمُوا كَمَا ذَكَرَهُ بَعْضُ الشُّرَّاحِ مِنْ عُلَمَائِنَا. قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: كَذَا قِيلَ، وَبِهَذَا أَخَذَ أَبُو حَنِيفَةَ، لَكِنَّ الْحَدِيثَ لَمْ يُشْعِرْ بِذَلِكَ اهـ.
وَهُوَ كَذَلِكَ، لَكِنْ. قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: وَلَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ إِنَّمَا يَدُلُّ عَلَى بَعْضِ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ أَبُو حَنِيفَةَ، وَهُوَ مَشْيُ الطَّائِفَةِ الْأُولَى، وَإِتْمَامُ الطَّائِفَةِ الثَّانِيَةِ فِي مَكَانِهَا مِنْ خَلْفِ الْإِمَامِ، وَهُوَ أَقَلُّ تَغْيِيرًا، وَقَدْ دَلَّ عَلَى تَمَامِ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ مَا هُوَ مَوْقُوفٌ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي حَنِيفَةَ، ذَكَرَهُ مُحَمَّدٌ فِي كِتَابِ الْآثَارِ، وَسَاقَ إِسْنَادَ الْإِمَامِ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ ذَلِكَ مِمَّا لَا مَجَالَ لِلرَّأْيِ: فِيهِ، فَالْمَوْقُوفُ فِيهِ كَالْمَرْفُوعِ اهـ.
وَبِهِ انْدَفَعَ كَلَامُ النَّوَوِيِّ بِأَنَّهُ لَمْ يَرِدْ فِي شَيْءٍ مِنْ طُرُقِ الْحَدِيثِ الَّتِي فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا: أَنَّ فِرْقَةً مِنَ الْفِرْقَتَيْنِ جَاءَتْ إِلَى مَكَانِهَا ثُمَّ أَتَمَّتْ صَلَاتَهَا، وَإِنَّمَا فِيهَا أَنَّ كُلًّا صَلَّى بَعْدَ سَلَامِهِ - ﵊ - مَا بَقِيَ فِي مَحَلِّهِ مِنْ غَيْرِ مَجِيءٍ. قَالَ الطِّيبِيُّ: يُفْهَمُ مِنَ الْحَدِيثِ أَنَّ كُلَّ طَائِفَةٍ اقْتَدَوْا بِرَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - فِي رَكْعَةٍ وَاحِدَةٍ، وَصَلَّوْا لِأَنْفُسِهِمُ الرَّكْعَةَ الْأَخِيرَةَ، وَهَذَا مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ اهـ.
وَاخْتَارَهُ الْبُخَارِيُّ، ثُمَّ الْمَذْهَبُ أَنَّ الطَّائِفَةَ الْأُولَى تُتِمُّ صَلَاتَهَا بِلَا قِرَاءَةٍ كَاللَّاحِقِ، وَالطَّائِفَةَ الثَّانِيَةَ تُتِمُّهَا بِالْقِرَاءَةِ كَالْمَسْبُوقِ، وَهَذَا إِنْ كَانَ الْإِمَامُ مُسَافِرًا، وَأَمَّا إِنْ كَانَ مُقِيمًا وَالصَّلَاةُ رُبَاعِيَّةٌ، فَيُصَلِّيَ مَعَ كُلِّ طَائِفَةٍ رَكْعَتَيْنِ، وَالْمَغْرِبُ مُطْلَقًا تُصَلَّى مَعَ الطَّائِفَةِ الْأُولَى رَكْعَتَيْنِ، هَذَا وَقَدْ قَالَ الْعُلَمَاءُ: قَدْ جَازَتْ هَذِهِ الْكَيْفِيَّةُ مَعَ كَثْرَةِ الْأَفْعَالِ فِيهَا بِلَا ضَرُورَةٍ ; لِصِحَّةِ الْخَبَرِ بِهَا مَعَ عَدَمِ الْمُعَارِضِ ; لِأَنَّهَا كَانَتْ فِي يَوْمٍ، وَالْكَيْفِيَّةُ الْآتِيَةُ فِي ذَاتِ الرِّقَاعِ كَانَتْ فِي يَوْمٍ آخَرَ، وَدَعْوَى النَّسْخِ بَاطِلَةٌ لِاحْتِيَاجِهَا إِلَى مَعْرِفَةِ التَّارِيخِ، وَتَعَذُّرِ الْجَمْعِ، وَلَيْسَ هُنَا وَاحِدٌ مِنْهُمَا.
(وَرَوَى نَافِعٌ) أَيْ: عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَيْضًا. (نَحْوَهُ) أَيْ: مَعْنَى مَا رَوَاهُ سَالِمٌ عَنْهُ. قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: وَمَا فِي الْبُخَارِيِّ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ، عَنْ نَافِعٍ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ: كَانَ إِذَا سُئِلَ عَنْ صَلَاةِ الْخَوْفِ قَالَ: يَتَقَدَّمُ الْإِمَامُ وَطَائِفَةٌ مِنَ النَّاسِ، فَيُصَلِّي بِهِمْ رَكْعَةً، وَتَكُونُ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْعَدُوِّ لَمْ يُصَلُّوا، فَإِذَا صَلَّى الَّذِينَ مَعَهُ رَكْعَةً اسْتَأْخَرُوا مَكَانَ الَّذِينَ لَمْ يُصَلُّوا وَلَا يُسَلِّمُونَ، وَيَتَقَدَّمُ الَّذِينَ لَمْ يُصَلُّوا فَيُصَلُّونَ مَعَهُ رَكْعَةً، ثُمَّ يَنْصَرِفُ الْإِمَامُ، وَقَدْ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، فَتَقُومُ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنَ الطَّائِفَتَيْنِ، فَيُصَلُّونَ لِأَنْفُسِهِمْ رَكْعَةً بَعْدَ أَنْ يَنْصَرِفَ الْإِمَامُ، فَيَكُونُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الطَّائِفَتَيْنِ قَدْ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، فَإِنْ كَانَ خَوْفٌ. إِلَخْ. فَالصِّيغَةُ فِي الْحَدِيثِ صِيغَةُ الْفَتْوَى لَا إِخْبَارٌ عَمَّا كَانَ - ﵊ - فَعَلَ، وَإِلَّا لَقَالَ: قَامَ - ﵊ - دُونَ أَنْ يَقُولَ: قَامَ الْإِمَامُ ; وَلِذَا قَالَ مَالِكٌ: قَالَ نَافِعٌ: لَا أَرَى. إِلَخِ اهـ. وَبِهِ يَتَبَيَّنُ تَحْقِيقُ هَذَا الْحَدِيثُ.
(وَزَادَ) أَيْ: نَافِعٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ فِي رِوَايَتِهِ، عَنْ سَالِمٍ عَنْهُ، وَهَذَا أَظْهَرُ مِنْ قَوْلِ ابْنِ حَجَرٍ: أَيْ: زَادَ ابْنُ عُمَرَ. (فَإِنْ كَانَ خَوْفٌ) أَيْ: هُنَاكَ أَوْ وَقَعَ خَوْفٌ شَدِيدٌ، وَالتَّنْوِينُ لِلتَّعْظِيمِ. (هُوَ أَشَدُّ مِنْ ذَلِكَ) أَيْ: مِنَ الْخَوْفِ الَّذِي تَقَدَّمَ، وَهُوَ مُجَرَّدُ الْمُصَافَّةِ، وَهُوَ مَا لَا يُمْكِنُ مَعَهُ الْجَمَاعَةَ بِأَنْ يَلْتَحِمَ الْقِتَالُ. (صَلَّوْا) أَيِ: النَّاسُ مُنْفَرِدِينَ. (رِجَالًا): بِكَسْرِ الرَّاءِ، وَتَخْفِيفِ الْجِيمِ، جَمْعُ رُجْلَانٍ بِضَمِّ الرَّاءِ، بِمَعْنَى الرَّاجِلِ ضِدِّ الرَّاكِبِ، وَقِيلَ بِضَمِّ الرَّاءِ، وَتَشْدِيدِ الْجِيمِ، جَمْعُ رَاجِلٍ، كَذَا قَالَ فِي الْمَفَاتِيحِ: وَالْأَظْهَرُ أَنَّ رِجَالًا بِالتَّخْفِيفِ جَمْعُ رَاجِلٍ، وَكَذَا (قِيَامًا) جَمْعُ قَائِمٍ، وَقِيلَ: إِنَّهُ مَصْدَرٌ
[ ٣ / ١٠٥٢ ]
بِمَعْنَى اسْمِ الْفَاعِلِ أَيْ: قَائِمِينَ. وَهُمَا حَالَانِ مِنْ فَاعِلِ صَلَّوْا، أَيْ: صَلَّوْا حَالَ كَوْنِهِمْ رَاجِلِينَ قَائِمِينَ. (عَلَى أَقْدَامِهِمْ): وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: بَيَّنَ بِقَوْلِهِ قِيَامًا أَنَّ رِجَالًا جَمْعُ رَاجِلٍ لَا رَجُلٍ، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى تَرْكِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، وَالْإِيمَاءِ إِلَيْهِمَا عِنْدَ الْعَجْزِ عَنْهُمَا ; لِقَوْلِهِ: قِيَامًا عَلَى أَقْدَامِهِمْ، وَيَكُونُ الْمُرَادُ قِيَامَهُمْ عَلَى أَقْدَامِهِمْ فِي كُلِّ حَالَاتِهِمْ مِنْ صَلَاتِهِمْ. (أَوْ رُكْبَانًا) أَيْ: رَاكِبِينَ، فَأَوْ لِلتَّخْيِيرِ، أَوِ الْإِبَاحَةِ، أَوِ التَّنْوِيعِ. (مُسْتَقْبِلِي الْقِبْلَةِ أَوْ غَيْرَ مُسْتَقْبِلِيهَا) أَيْ: بِحَسَبِ مَا يَتَسَهَّلُ لَهُمْ، وَفِي تَقْدِيمِ الرَّاجِلِ وَالْمُسْتَقْبِلِ إِشَارَةٌ إِلَى الْأَفْضَلِيَّةِ وَالْأَوْلَوِيَّةِ. وَفِي مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ: يُفْسِدُهَا الْمَشْيُ، وَالرُّكُوبُ، وَالْقِتَالُ. (قَالَ نَافِعٌ: لَا أُرَى بِالضَّمِّ) أَيْ: لَا أَظُنُّ. (ابْنَ عُمَرَ ذَكَرَ ذَلِكَ) أَيِ: الْمَزِيدَ الْمَوْقُوفَ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: أَيْ: فَإِنْ كَانَ خَوْفٌ. إِلَخْ. أَوْ مُسْتَقْبِلِي الْقِبْلَةِ إِلَخْ. وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَئِمَّتِنَا، لَكِنْ جَزَمَ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ بِالْأَوَّلِ. قُلْتُ: فَعَلَيْهِ الْمُعَوَّلُ. إِلَّا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - فَإِنَّهُ لَا مَجَالَ لِلرَّأْيِ فِيهِ، فَهُوَ فِي حُكْمِ الْمَرْفُوعِ.
قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَهُوَ كَمَا ظَنَّ نَافِعٌ، فَقَدْ جَزَمَ الشَّافِعِيُّ بِأَنَّ ابْنَ عُمَرَ رَوَاهُ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ يُلْزِمُهُمْ فِعْلَ الصَّلَاةِ فِي وَقْتِهَا، وَلَمْ يُجِزْ لَهُمْ تَأْخِيرَهَا عَنْهُ، وَقِيلَ: تَمْتَنِعُ هَذِهِ الْكَيْفِيَّةُ وَيَجِبُ تَأْخِيرُهَا، حَتَّى يَزُولَ الْخَوْفُ، كَمَا فَعَلَ - ﵊ - يَوْمَ الْخَنْدَقِ، وَغَلَطَ فَاعِلُ ذَلِكَ بِأَنَّهُ مُخَالِفٌ لِلْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ، وَقَضِيَّةُ الْخَنْدَقِ مَنْسُوخَةٌ كَمَا مَرَّ اهـ.
وَفِيهِ أَنَّ قَضِيَّةَ الْخَنْدَقِ لَمْ يَكُنْ فِيهَا اشْتِدَادُ الْخَوْفِ. قَالَ: وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ يَجُوزُ التَّأْخِيرُ وَلَا يَجِبُ. قُلْتُ: لَعَلَّهُ رِوَايَةٌ عَنْهُ. قَالَ: وَيُسَنُّ لَهُمُ الْجَمَاعَةُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ، كَمَا صَرَّحَتْ بِهِ الْآيَةُ، وَقَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ بِامْتِنَاعِهَا مَمْنُوعٌ. قُلْتُ: التَّصْرِيحُ فِي الْآيَةِ مَمْنُوعٌ، فَالِاعْتِرَاضُ عَلَى الْإِمَامِ مَدْفُوعٌ. قَالَ: وَمِنَ الشَّوَاذِّ الْقَوْلُ بِأَنَّهُ يُجْزِئُ مَكَانَ كُلِّ رَكْعَةٍ تَكْبِيرَةٌ، وَبِأَنَّهُ يُجْزِئُ رَكْعَةٌ يُومِئُ بِهَا، فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ فَسَجْدَةٌ، وَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ فَتَكْبِيرَةٌ اهـ.
وَلَعَلَّ الْقَائِلَ بِهِ أَرَادَ إِدْرَاكَ حُرْمَةِ الْوَقْتِ بِمَا أَمْكَنَهُ مِنَ الْفِعْلِ، لَا أَنَّهُ يُجْزِئُ عَنِ الصَّلَاةِ بِحَيْثُ تَسْقُطُ عَنْهُ ; لِأَنَّهُ مُخَالِفٌ لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) . قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ فِي الْكُتُبِ السِّتَّةِ وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ.
وَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُدَ، عَنْ خُصَيْفٍ الْجَزَرِيِّ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: «قَامَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - فَقَامُوا صَفًّا خَلْفَهُ مُسْتَقْبِلَ الْعَدُوِّ، فَصَلَّى بِهِمْ - ﵇ - رَكْعَةً، ثُمَّ جَاءَ الْآخَرُونَ فَقَامُوا فِي مَقَامِهِمْ، وَاسْتَقْبَلَ هَؤُلَاءِ الْعَدُوَّ، فَصَلَّى بِهِمْ - ﵇ - رَكْعَةً ثُمَّ سَلَّمَ، فَقَامَ هَؤُلَاءِ فَصَلَّوْا لِأَنْفُسِهِمْ رَكْعَةً وَسَلَّمُوا»، وَأُعِلَّ بِأَنَّ أَبَا عُبَيْدَةَ لَمْ يَسْمَعْ عَنْ أَبِيهِ، وَخُصَيْفٌ لَيْسَ بِالْقَوِيِّ.
[ ٣ / ١٠٥٣ ]
١٤٢١ - وَعَنْ يَزِيدَ بْنِ رُومَانَ، «عَنْ صَالِحِ بْنِ خَوَّاتٍ، عَمَّنْ صَلَّى مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - " يَوْمَ ذَاتِ الرِّقَاعِ صَلَاةَ الْخَوْفِ: أَنَّ طَائِفَةً صَفَّتْ مَعَهُ، وَطَائِفَةً وِجَاهَ الْعَدُوِّ، فَصَلَّى بِالَّتِي مَعَهُ رَكْعَةً، ثُمَّ ثَبَتَ قَائِمًا، وَأَتَمُّوا لِأَنْفُسِهِمْ، ثُمَّ انْصَرَفُوا، فَصَفُّوا وِجَاهَ الْعَدُوِّ، وَجَاءَتِ الطَّائِفَةُ الْأُخْرَى، فَصَلَّى بِهِمُ الرَّكْعَةَ الَّتِي بَقِيَتْ مِنْ صَلَاتِهِ، ثُمَّ ثَبَتَ جَالِسًا وَأَتَمُّوا لِأَنْفُسِهِمْ، ثُمَّ سَلَّمَ بِهِمْ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ بِطَرِيقٍ آخَرَ عَنِ الْقَاسِمِ، عَنْ صَالِحِ بْنِ خَوَّاتٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -.
_________________
(١) (وَعَنْ يَزِيدَ بْنِ رُومَانَ): بِضَمِّ الرَّاءِ. (عَنْ صَالِحِ بْنِ خَوَّاتٍ): بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ، وَتَشْدِيدِ الْوَاوِ، وَبِالتَّاءِ فَوْقَهَا نُقْطَتَانِ، أَنْصَارِيٌّ، مَدَنِيٌّ، تَابِعِيٌّ، مَشْهُورٌ، عَزِيزُ الْحَدِيثِ، سَمِعَ أَبَاهُ، وَسَهْلَ بْنَ أَبِي حَثْمَةَ، ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ. (عَمَّنْ صَلَّى مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -) قِيلَ: إِنَّ اسْمَ هَذَا الْمُبْهَمِ سَهْلُ بْنُ أَبِي حَثْمَةَ ; لِأَنَّ الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ رَوَى حَدِيثَ صَلَاةِ الْخَوْفِ، عَنْ صَالِحِ بْنِ خَوَّاتٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ، لَكِنَّ الرَّاجِحَ أَنَّهُ أَبُوهُ ; لِأَنَّ أَبَا أُوَيْسٍ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ يَزِيدَ بْنِ رُومَانَ فَقَالَ: عَنْ صَالِحِ بْنِ خَوَّاتٍ، عَنْ أَبِيهِ. أَخْرَجَهُ ابْنُ مَنْدَهْ فِي مَعْرِفَةِ الصَّحَابَةِ مِنْ طَرِيقِهِ، وَكَذَا أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ صَالِحِ بْنِ خَوَّاتٍ، عَنْ أَبِيهِ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّ صَالَحًا سَمِعَهُ مِنْ أَبِيهِ وَمِنْ سَهْلٍ ; فَلِذَلِكَ كَانَ يُبْهِمُهُ تَارَةً، وَيُعَيِّنُهُ أُخْرَى، ذَكَرَهُ مِيرَكُ. قُلْتُ: وَهَذَا الْمُحْتَمَلُ مُتَعَيِّنٌ لَمَّا ثَبَتَ حَدِيثُهُ عَنْهُمَا وَلَوْ رُجِّحَ أَحَدُهُمَا، وَمِثْلُ هَذَا الْإِبْهَامِ لَا يَضُرُّ فِي الْكَلَامِ، فَإِنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى قَصْدِ الْعَامِّ، وَكُلُّ الصَّحَابَةِ عُدُولٌ عِنْدَ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ الْأَعْلَامِ. (يَوْمَ ذَاتِ الرِّقَاعِ): بِكَسْرِ الرَّاءِ فِي السَّنَةِ الْخَامِسَةِ مِنَ الْهِجْرَةِ، وَ(يَوْمَ) ظَرْفٌ. (صَلَّى) قَالَ السَّيِّدُ جَمَالُ الدِّينِ: وَإِنَّمَا سُمِّيَتْ تِلْكَ الْغَزْوَةُ ذَاتَ الرِّقَاعِ ; لِأَنَّ أَقْدَامَ الْأَصْحَابِ قَدْ نُقِّبَتْ، فَشَدُّوا الرِّقَاعَ أَيِ: الْخِرَقَ، جَمْعُ الرُّقْعَةِ بِمَعْنَى الْخِرْقَةِ، وَهِيَ الْقِطْعَةُ مِنَ الثَّوْبِ عَلَى أَرْجُلِهِمْ،
[ ٣ / ١٠٥٣ ]
فَسُمِّيَتْ ذَاتَ الرِّقَاعِ، هَذَا مَا قَالَهُ الْبُخَارِيُّ نَقْلًا عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ. وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ أَيْضًا. وَقِيلَ: سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّهَا كَانَتْ بِأَرْضٍ ذَاتِ أَلْوَانٍ مُخْتَلِفَةٍ كَالرِّقَاعِ. وَقِيلَ: لِأَنَّ فِيهِ جَبَلًا بَعْضُهُ أَحْمَرُ، وَبَعْضُهُ أَبْيَضُ، وَبَعْضُهُ أَسْوَدُ. قُلْتُ: وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ. قَالَ السَّيِّدُ: وَقَوْلُ جَابِرٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَيْ: كَمَا سَيَأْتِي " وَحَتَّى إِذَا كُنَّا بِذَاتِ الرِّقَاعِ " يُشْعِرُ بِأَنَّهُ اسْمُ مَكَانٍ بِعَيْنِهِ، لَكِنْ يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: أُطْلِقَ اسْمُ الْحَالِّ عَلَى الْمَحَلِّ اهـ.
(صَلَاةَ الْخَوْفِ): مَفْعُولُ (صَلَّى)، (أَنَّ طَائِفَةً) قَالَ الطِّيبِيُّ: مُتَعَلِّقٌ بِمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ عَمَّنْ أَيْ: رُوِيَ عَمَّنْ صَلَّى مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - أَنَّ طَائِفَةً. (صَفَّتْ مَعَهُ) أَيْ: لِلصَّلَاةِ. (وَطَائِفَةً): بِالنَّصْبِ لِلْعَطْفِ، وَقِيلَ بِالرَّفْعِ عَلَى الِابْتِدَاءِ أَيْ: وَطَائِفَةٌ أُخْرَى. (وِجَاهَ الْعَدُوِّ): بِكَسْرِ الْوَاوِ وَضَمِّهَا، أَيْ: حِذَاءَهُمْ وَقُبَالَتَهُمْ، وَنَصْبُهُ عَلَى الظَّرْفِيَّةِ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ قَالَهُ ابْنُ الْمَلَكِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: صِفَةٌ لِطَائِفَةٍ أَيْ: وَطَائِفَةٌ صَفَّتْ مُقَابِلَ الْعَدْوِ. وَفِي النِّهَايَةِ: " وِجَاهَ " بِكَسْرِ الْوَاوِ وَيُضَمُّ. وَفِي رِوَايَةٍ تِجَاهَ الْعَدْوِ فَالتَّاءُ بَدَلٌ مِنَ الْوَاوِ، مِثْلُهَا فِي تُقَاةٍ وَتُخَمَةٍ. (فَصَلَّى بِالَّتِي مَعَهُ رَكْعَةً ثُمَّ) أَيْ: لَمَّا قَامَ. (ثَبَتَ قَائِمًا، وَأَتَمُّوا لِأَنْفُسِهِمْ) قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَفَارَقَهُ بِالنِّيَّةِ هَؤُلَاءِ الْمُقْتَدُونَ بِهِ اهـ.
وَهُوَ مِمَّا لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ نَقْلًا وَلَا عَقْلًا، مَعَ أَنَّهُ يَفُوتُهُ ثَوَابُ الْجَمَاعَةِ (ثُمَّ) أَيْ: بَعْدَ سَلَامِهِمُ (انْصَرَفُوا) أَيْ: إِلَى وَجْهِ الْعَدُوِّ. (فَصَلَّوْا وِجَاهَ الْعَدُوِّ، وَجَاءَتِ الطَّائِفَةُ الْأُخْرَى) أَيْ: وَهُوَ قَائِمٌ يَنْتَظِرُهُمْ فَاقْتَدَوْا بِهِ. (فَصَلَّى بِهِمُ الرَّكْعَةَ الَّتِي بَقِيَتْ) أَيْ: عَلَيْهِ. (مِنْ صَلَاتِهِ، ثُمَّ) أَيْ: لَمَّا جَلَسَ لِلتَّشَهُّدِ. (ثَبَتَ جَالِسًا): قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَقَامُوا مِنْ غَيْرِ نِيَّةِ مُفَارَقَةٍ. (وَأَتَمُّوا لِأَنْفُسِهِمْ) أَيْ: مَا بَقِيَ عَلَيْهِمْ إِلَى أَنْ جَلَسُوا مَعَهُ فِي التَّشَهُّدِ الْأَخِيرِ. (ثُمَّ) أَيْ: بَعْدَ تَشَهُّدِهِمْ. (سَلَّمَ بِهِمْ) أَيْ: بِالطَّائِفَةِ الْأَخِيرَةِ، أَيْ: مَعَهُمْ لِيَحْصُلَ لَهُمْ فَضِيلَةُ التَّسْلِيمِ مَعَهُ، كَمَا حَصَلَ لِلْأَوَّلِينَ فَضِيلَةُ التَّحْرِيمِ مَعَهُ. قَالَ الطِّيبِيُّ: أَخَذَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ بِهَذَا الْحَدِيثِ، وَبِالْأَوَّلِ أَبُو حَنِيفَةَ - ﵀ -. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) قَالَ مِيرَكُ: وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ.
(وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ) قَالَ مِيرَكُ: وَمُسْلِمٌ، وَالْأَرْبَعَةُ أَيْضًا. (بِطَرِيقٍ آخَرَ: قَالَ ابْنُ حَجَرٍ) أَيْ: نَحْوَهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِهِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ مِثْلُهُ. (عَنِ الْقَاسِمِ، عَنْ صَالِحِ بْنِ خَوَّاتٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -) قُلْتُ: وَمَعَ وُجُودِ هَذَا الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ كَيْفَ يَصِحُّ قَوْلُ مَنْ قَالَ فِيمَا سَبَقَ: إِنَّ الْمُبْهَمَ هُوَ أَبُوهُ عَلَى الْوَجْهِ الرَّجِيحِ؟ ! قَالَ السَّيِّدُ: وَأَبُو حَثْمَةَ هَذَا كَانَ دَلِيلَ النَّبِيِّ - ﷺ - إِلَى أُحُدٍ، وَشَهِدَ الْمَشَاهِدَ بَعْدَهَا، وَبَعَثَهُ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - خَارِصًا لِخَيْبَرَ.
[ ٣ / ١٠٥٤ ]
١٤٢٢ - وَعَنْ جَابِرٍ - ﵁ - قَالَ: «أَقْبَلْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - حَتَّى إِذَا كُنَّا بِذَاتِ الرِّقَاعِ، قَالَ: كُنَّا إِذَا أَتَيْنَا عَلَى شَجَرَةٍ ظَلِيلَةٍ تَرَكْنَاهَا لِرَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: فَجَاءَ رَجُلٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَسَيْفُ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - مُعَلَّقٌ بِشَجَرَةٍ، فَأَخَذَ سَيْفَ نَبِيِّ اللَّهِ - ﷺ - فَاخْتَرَطَهُ، فَقَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ - ﷺ: " أَتَخَافُنِي؟ قَالَ: " لَا ". قَالَ: فَمَنْ يَمْنَعُكَ مِنِّي قَالَ: " اللَّهُ يَمْنَعُنِي مِنْكَ، فَتَهَدَّدَهُ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - فَغَمَدَ السَّيْفَ وَعَلَّقَهُ، قَالَ: فَنُودِيَ بِالصَّلَاةِ، فَصَلَّى بِطَائِفَةٍ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ تَأَخَّرُوا وَصَلَّى بِالطَّائِفَةِ الْأُخْرَى رَكْعَتَيْنِ. قَالَ: فَكَانَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - أَرْبَعُ رَكَعَاتٍ، وَلِلْقَوْمِ رَكْعَتَانِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
_________________
(١) (وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: أَقْبَلْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - حَتَّى إِذَا كُنَّا بِذَاتِ الرِّقَاعِ قَالَ): أَيْ: جَابِرٌ. (كُنَّا) أَيْ: مَعْشَرَ الصَّحَابَةِ عِنْدَ إِرَادَةِ نُزُولِ الْمَنْزِلِ. (إِذَا أَتَيْنَا) أَيْ: مَرَرْنَا. (عَلَى شَجَرَةٍ ظَلِيلَةٍ) أَيْ: كَثِيرَةِ الظِّلِّ. (تَرَكْنَاهَا لِرَسُولِ اللَّهِ - ﷺ: لِعَدَمِ الْخَيْمَةِ لَهُ)، يَعْنِي: فَكَذَا فَعَلْنَا بِذَاتِ الرِّقَاعِ، وَنَزَلَ - ﷺ - تَحْتَ شَجَرَةٍ لِلِاسْتِرَاحَةِ إِلَى حِينِ الِاجْتِمَاعِ. (قَالَ) أَيْ: جَابِرٌ. (فَجَاءَ رَجُلٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) أَيْ: فَجْأَةً. (وَسَيْفُ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - مُعَلَّقٌ بِشَجَرَةٍ) أَيْ: قَرِيبَةٍ مِنْهُ، أَوْ بِشَجَرَةٍ هُوَ - ﵊ - تَحْتَ ظِلِّهَا. (فَأَخَذَ) أَيِ: الْمُشْرِكُ. (سَيْفَ نَبِيِّ اللَّهِ - ﷺ): إِمَّا لِكَوْنِهِ نَائِمًا، أَوْ غَافِلًا عَنْهُ، وَالتَّغَايُرُ بَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ أَوَّلًا، وَنَبِيِّ اللَّهِ ثَانِيًا، إِنَّمَا هُوَ لِلتَّفَنُّنِ، وَحَذَرًا مِنَ الثِّقَلِ لِتَوَالِي لَفْظَيْنِ مُتَّحِدَيْنِ. (فَاخْتَرَطَهُ) أَيْ: سَلَّهُ مِنْ غِمْدِهِ: وَهُوَ غِلَافُهُ. (فَقَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ - ﷺ: " أَتَخَافُنِي؟) أَيْ: فِي هَذَا الْحَالِ. (قَالَ: " لَا "): فَإِنَّ صَاحِبَ الْكَمَالِ لَا يَخَافُ إِلَّا مِنَ الْمَلِكِ الْمُتَعَالِ ; لِأَنَّ غَيْرَهُ لَا يَنْفَعُ وَلَا يَضُرُّ فِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ. (قَالَ: فَمَنْ يَمْنَعُكَ) أَيْ: يُخَلِّصُكَ الْآنَ. (مِنِّي؟) وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ قَالَ: مَنْ يَمْنَعُكَ مِنِّي ثَلَاثَ مَرَّاتٍ؟ قَالَ
[ ٣ / ١٠٥٤ ]
ابْنُ حَجَرٍ: وَهُوَ اسْتِفْهَامٌ إِنْكَارِيٌّ أَيْ: لَا يَمْنَعُكَ أَحَدٌ مِنِّي. قُلْتُ: لَا يُلَائِمُهُ. (قَالَ: " اللَّهُ ") أَيْ: هُوَ الَّذِي سَلَّطَكَ عَلَيَّ. (" يَمْنَعُنِي مِنْكَ "): إِذْ لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ.
قَالَ الطِّيبِيُّ: كَانَ يَكْفِي فِي الْجَوَابِ أَنْ يَقُولَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: " اللَّهُ " فَبَسَطَ اعْتِمَادًا عَلَى اللَّهِ، وَاعْتِضَادًا بِحِفْظِهِ وَكَلَاءَتِهِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧] . قَالَ الْأَبْهَرِيُّ: وَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى فَرْطِ شَجَاعَتِهِ، وَصَبْرِهِ عَلَى الْأَذَى، وَحِلْمِهِ عَلَى الْجُهَّالِ. (قَالَ) أَيْ: جَابِرٌ. (فَتَهَدَّدَهُ) أَيْ: هَدَّدَهُ وَخَوَّفَهُ. (أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - فَغَمَدَ السَّيْفَ): بِفَتْحِ الْمِيمِ الْمُخَفَّفَةِ وَتُشَدَّدُ، أَيْ: أَدْخَلَهُ فِي غِلَافِهِ. (وَعَلَّقَهُ) أَيْ: فِي مَكَانِهِ، أَوْ فِي غَيْرِهِ. ذَكَرَ الْوَاقِدِيُّ أَنَّهُ إِذْ هُمْ بِهِ أَصَابَهُ دَاءٌ بِصُلْبِهِ، فَبَدَرَ السَّيْفُ مِنْ يَدِهِ، وَسَقَطَ عَلَى الْأَرْضِ، وَأَنَّهُ أَسْلَمَ وَاهْتَدَى بِهِ خَلْقٌ كَثِيرٌ، وَرَوَى أَبُو عَوَانَةَ أَنَّهُ لَمْ يُسْلِمْ وَإِنَّمَا عَاهَدَ أَنَّهُ لَا يُقَاتِلُ النَّبِيَّ - ﷺ - وَإِنَّمَا لَمْ يُعَاقِبْهُ تَأَلُّفًا لَهُ أَوْ لِغَيْرِهِ، ذَكَرَهُ ابْنُ حَجَرٍ.
(قَالَ): أَيْ: جَابِرٌ. (فَنُودِيَ بِالصَّلَاةِ) أَيْ: أُذِّنَ وَأُقِيمَ لِلظُّهْرِ أَوِ الْعَصْرِ. (فَصَلَّى بِطَائِفَةٍ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ تَأَخَّرُوا): وَفِي نُسْخَةٍ: فَتَأَخَّرُوا أَيْ: عَنِ الْمَوْضِعِ الَّذِي صَلَّوْا فِيهِ، وَاقْتَصَرُوا عَلَى الرَّكْعَتَيْنِ، وَسَلَّمُوا عَنْهُمَا، قَالَهُ ابْنُ الْمَلَكِ، وَالصَّوَابُ أَنَّهُمْ تَأَخَّرُوا قَاصِدِينَ جِهَةَ الْعَدُوِّ، إِذْ لَا مَعْنَى لِلتَّأَخُّرِ عَنْ مَوْضِعِ الصَّلَاةِ لِأَجْلِ السَّلَامِ عَنْهَا، وَمَعَ هَذَا لَا دَلَالَةَ عَلَى الِاقْتِصَارِ عَلَى الرَّكْعَتَيْنِ مِنْهَا. وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ: " ثُمَّ بَعْدَ سَلَامِهِمْ تَأَخَّرُوا ". فَلَا دَلَالَةَ لِلْحَدِيثِ عَلَيْهِ.
(وَصَلَّى بِالطَّائِفَةِ الْأُخْرَى) أَيْ: بَعْدَ مَجِيئِهِمْ إِلَيْهِ - ﵊ -. (رَكْعَتَيْنِ): قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: فِيهِ رَدٌّ لِقَوْلِ ابْنِ سَعْدٍ: لَمْ يَجِدْ فِي مَحَالِّهِمْ إِلَّا نِسْوَةً، فَأَخَذَهُنَّ إِذْ لَوْ كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ لَمْ يُصَلِّ صَلَاةَ شِدَّةِ الْخَوْفِ، وَتَأْيِيدٌ لِقَوْلِ ابْنِ إِسْحَاقَ: لَقِيَ جَمْعًا مِنْهُمْ فَتَقَارَبَ النَّاسُ، وَلَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمْ حَرْبٌ، وَقَدْ أَخَافَ النَّاسُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا حَتَّى صَلَّى - ﵊ - بِالنَّاسِ صَلَاةَ الْخَوْفِ اهـ.
وَأَنْتَ إِذَا تَأَمَّلْتَ رَأَيْتَ أَنَّهُ لَا مُنَافَاةَ بَيْنَ قَوْلَيِ ابْنِ سَعْدٍ وَابْنِ إِسْحَاقَ ; فَإِنَّ الْأَوَّلَ يُحْمَلُ عَلَى الْآخَرِ، وَالثَّانِي عَلَى الْأَوَّلِ، فَتَأَمَّلْ. قَالَ الْمُظْهِرُ: هَذِهِ الرِّوَايَةُ مُخَالِفَةٌ لِمَا قَبْلَهَا، مَعَ أَنَّ الْمَوْضِعَ وَاحِدٌ، وَذَلِكَ لِاخْتِلَافِ الزَّمَانِ اهـ. فَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ - ﵊ - صَلَّى فِي هَذَا الْمَوْضِعِ مَرَّتَيْنِ. مَرَّةً كَمَا رَوَاهُ سَهْلٌ، وَمَرَّةً كَمَا رَوَاهُ جَابِرٌ، فَيُحْمَلُ الْأَوَّلُ عَلَى صَلَاةِ الصُّبْحِ، وَهَذَا عَلَى الظُّهْرِ أَوِ الْعَصْرِ ; بِدَلِيلِ الِاسْتِظْلَالِ، أَوْ يُحْمَلُ عَلَى تَعَدُّدِ هَذِهِ الْغَزْوَةِ كَمَا سَيَجِيءُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَالَ زَيْنُ الْعَرَبَ: قِيلَ: جَازَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ قَبْلَ آيَةِ الْقَصْرِ، أَوْ فِي مَوْضِعٍ أَقَامُوا فِيهِ. قَالَ: وَأَقُولُ: فِيهِ نَظَرٌ إِذْ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ، فَكَيْفَ يَكُونُ لِلْقَوْمِ رَكْعَتَانِ؟ ! إِذْ لَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ لَهُمْ كَذَلِكَ إِلَّا بِتَقْدِيرِ الْقَصْرِ. وَالَّذِي يَظْهَرُ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ الْقَوْمَ قَصَرُوا وَالنَّبِيُّ - ﷺ - مُتِمٌّ، لَكِنْ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ لَيْسَ كَذَلِكَ ; لِأَنَّ عِنْدَهُ مَنِ ائْتَمَّ بِمُتِمٍّ يُتِمُّ، وَإِنْ كَانَا مُسَافِرَيْنِ، وَلْيُحَقَّقْ هَذَا الْمَوْضِعُ، وَلَمْ أَجِدْ لِلشُّرَّاحِ كَلَامًا فِي هَذَا الْمَقَامِ اهـ.
أَقُولُ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ، وَبِيَدِهِ أَزِمَّةُ التَّحْقِيقِ: إِنَّ مَا قِيلَ: أَنَّهُ قَبْلَ آيَةِ الْقَصْرِ، أَوْ فِي مَوْضِعِ الْإِقَامَةِ هُوَ الصَّحِيحُ، بَلِ الصَّوَابُ الَّذِي لَا وَجْهَ لَهُ غَيْرُهُ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْإِمَامِ الْأَعْظَمِ، وَلَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ كُلُّ حَدِيثٍ مَحْمُولًا عَلَى مَذْهَبِ الْإِمَامِ الشَّافِعِيِّ، مَعَ أَنَّهُ لَوْ صَحَّ ذَلِكَ الْمَعْنَى فِي الْحَدِيثِ لَأَجَازَهُ الشَّافِعِيُّ، إِذْ صَلَاةُ الْخَوْفِ لَيْسَتْ مَبْنِيَّةً عَلَى الْقِيَاسِ، بَلْ مُخْتَصَّةٌ مُنْحَصِرَةٌ بِمَا وَرَدَ عَنْ سَيِّدِ النَّاسِ، وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: رَكْعَتَيْنِ أَيْ: مَعَ الْإِمَامِ، كَمَا أَنَّ فِي الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ الْمُرَادَ بِرَكْعَةٍ أَيْ: مَعَهُ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: قِيلَ: مَعْنَاهُ صَلَّى بِالطَّائِفَةِ الْأُولَى رَكْعَتَيْنِ وَسَلَّمَ وَسَلَّمُوا، وَبِالثَّانِيَةِ كَذَلِكَ، وَكَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - فِي الثَّانِيَةِ مُتَنَفِّلًا وَهُمْ مُفْتَرِضُونَ اهـ.
وَتَبِعَهُ ابْنُ حَجَرٍ. قُلْتُ: مَعَ عَدَمِ دَلَالَةِ الْحَدِيثِ عَلَى مَا قِيلَ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُحْمَلَ عَلَى الْمُخْتَلَفِ فِي جَوَازِهِ، وَيُتْرَكَ ظَاهِرُهُ الْمُتَّفَقُ عَلَى صِحَّتِهِ. وَقَالَ فِي الْأَزْهَارِ: فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى صِحَّةِ صَلَاةِ الْمُفْتَرِضِ خَلْفَ الْمُتَنَفِّلِ نَقَلَهُ السَّيِّدُ.
[ ٣ / ١٠٥٥ ]
قُلْتُ: ثَبَتَ الْعَرْشُ أَوَّلًا فَانْقُشْ، ثُمَّ رَأَيْتُ أَنَّ صَاحِبَ الْمَصَابِيحِ قَالَ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ هَذَا فِي حَالِ كَوْنِ النَّبِيِّ - ﷺ - مُقِيمًا، وَالْمُقِيمُ يُصَلِّي صَلَاةَ الْخَوْفِ فِي الْمِصْرِ، إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ فِي الْحَدِيثِ أَنَّ الْقَوْمَ قَضَوْا، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونُوا قَضَوْا، وَمِثْلُ هَذَا جَائِزٌ فِي الْأَحَادِيثِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ قَبْلَ نُزُولِ الْآيَةِ بِالْقَصْرِ، فَهَذَا بِحَمْدِ اللَّهِ شَافِعِيٌّ مُنْصِفٌ غَايَةَ الْإِنْصَافِ، وَمُجْتَهِدٌ مُجْتَمِعُ جَمِيعِ الْأَوْصَافِ، حَمَلَ الْحَدِيثَ عَلَى مَا اخْتَرْنَاهُ فِيهِ، وَصَاحِبُ الْبَيْتِ أَدْرَى بِمَا فِيهِ، وَلَا يَرُدُّ عَلَى كَلَامِهِ شَيْءٌ مِمَّا نَظَرَ زَيْنُ الْعَرَبِ فِيهِ، إِلَّا أَنَّ تَقْيِيدَهُ بِقَوْلِهِ فِي الْمِصْرِ اتِّفَاقِيٌّ ; لِأَنَّ الْحُكْمَ فِي خَارِجِهِ أَيْضًا كَذَلِكَ، حَيْثُ لَمْ يَكُنْ مُسَافِرًا.
وَفِي الْأَزْهَارِ، قَالَ الْعُلَمَاءُ: لِصَلَاةِ النَّبِيِّ - ﷺ - بِذَاتِ الرِّقَاعِ شُرُوطٌ: أَحُدُّهَا: أَنْ يَكُونُوا مُسَافِرِينَ. قُلْتُ: أَوْ مُقِيمِينَ. وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ الْكُفَّارُ فِي غَيْرِ جِهَةِ الْقِبْلَةِ. قُلْتُ: وَيَدُلُّ عَلَيْهِ، ثُمَّ تَأَخَّرُوا. وَالثَّالِثُ: أَنْ يَخَافَ الْمُسْلِمُونَ مِنَ الْعَدُوِّ وَالْهُجُومِ عَلَيْهِمْ. قُلْتُ: هَذَا شَرْطٌ لِمُطْلَقِ صَلَاةِ الْخَوْفِ، لَا لِخُصُوصِ صَلَاتِهِ بِذَاتِ الرِّقَاعِ. الرَّابِعُ: أَنْ يَكُونَ فِي الْمُسْلِمِينَ كَثْرَةٌ يُمْكِنُ تَفْرِيقُهُمْ فِرْقَتَيْنِ. قُلْتُ: وَهَذَا أَيْضًا عَامٌّ غَيْرُ مَخْصُوصٍ، وَذَكَرَ فِيهِ أَيْضًا أَنَّ غَزْوَةَ ذَاتِ الرِّقَاعِ كَانَتْ فِي السَّنَةِ الْخَامِسَةِ مِنَ الْهِجْرَةِ. قَالَ: وَبِهِ قَطَعَ صَاحِبُ الرَّوْضَةِ. وَقَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي عُيُونِ التَّارِيخِ: فِي السَّنَةِ الرَّابِعَةِ، وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ اهـ.
قَالَ السَّيِّدُ: هَذَانِ الْقَوْلَانِ يُخَالِفَانِ نَصَّ الْبُخَارِيِّ ; فَإِنَّهُ قَالَ: غَزْوَةُ ذَاتِ الرِّقَاعِ هِيَ بَعْدَ خَيْبَرَ ; لِأَنَّ أَبَا مُوسَى قَدِمَ بَعْدَ فَتْحِ خَيْبَرَ فِي السُّنَّةِ السَّابِعَةِ، وَهُوَ مِمَّنْ شَهِدَ ذَاتَ الرِّقَاعِ بِلَا خِلَافٍ، إِلَّا أَنْ يُحْمَلَ عَلَى تَعَدُّدِ هَذِهِ الْغَزْوَةِ مَرَّةً فِي الْخَامِسَةِ، وَمَرَّةً فِي السَّابِعَةِ أَوِ الثَّامِنَةِ اهـ.
وَفِي فَتْحِ الْبَارِي: الَّذِي يَنْبَغِي الْجَزْمُ بِهِ أَنَّهَا بَعْدَ غَزْوَةِ بَنِي قُرَيْظَةَ ; لِأَنَّ صَلَاةَ الْخَوْفِ فِي غَزْوَةِ الْخَنْدَقِ لَمْ تَكُنْ شُرِعَتْ، وَقَدْ ثَبَتَ وُقُوعُ صَلَاةِ الْخَوْفِ فِي ذَاتِ الرِّقَاعِ، فَدَلَّ عَلَى تَأَخُّرِهَا عَنِ الْخَنْدَقِ. وَقَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: إِنَّمَا شُرِعَتْ صَلَاةُ الْخَوْفِ بَعْدَ الْخَنْدَقِ فِي الصَّحِيحِ، فَلِذَا لَمْ يُصَلِّهَا إِذْ ذَاكَ. وَقَوْلُهُ فِي الْكَافِي: إِنَّ صَلَاةَ الْخَوْفِ بِذَاتِ الرِّقَاعِ وَهِيَ قَبْلَ الْخَنْدَقِ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ إِسْحَاقَ، وَجَمَاعَةٍ مِنْ أَهْلِ السِّيَرِ.
وَاسْتُشْكِلَ بِأَنَّهُ قَدْ تَقَدَّمَ فِي طَرِيقِ حَدِيثِ الْخَنْدَقِ لِلنَّسَائِيِّ التَّصْرِيحُ بِأَنَّ تَأْخِيرَ الصَّلَاةِ يَوْمَ الْخَنْدَقِ كَانَ قَبْلَ نُزُولِ صَلَاةِ الْخَوْفِ. رَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَبْدُ الرَّزَّاقِ، وَالْبَيْهَقِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَالدَّارِمِيُّ، وَأَبُو يَعْلَى الْمَوْصِلِيُّ، كُلُّهُمْ عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ سَعِيدِ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، عَنْ أَبِيهِ: حُبِسْنَا يَوْمَ الْخَنْدَقِ. فَذَكَرَهُ إِلَى أَنْ قَالَ: وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَنْزِلَ: ﴿فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ [البقرة: ٢٣٩] . قَالَ التُّورْبَشْتِيُّ: اخْتَلَفَتِ الرِّوَايَاتُ فِي صِفَةِ تِلْكَ الصَّلَاةِ لِاخْتِلَافِ أَيَّامِهَا. فَقَدْ صَلَّى - ﵊ - بِعُسْفَانَ، وَبَطْنِ نَخْلَةَ، وَبِذَاتِ الرِّقَاعِ وَغَيْرِهَا عَلَى أَشْكَالٍ مُتَبَايِنَةٍ بِنَاءً عَلَى مَا رَآهُ مِنَ الْأَحْوَطِ، فَالْأَحْوَطِ فِي الْحِرَاسَةِ، وَالتَّوَقِّي مِنَ الْعَدُوِّ، وَأَخَذَ بِكُلِّ رِوَايَةٍ مِنْهَا جَمْعٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ.
(قَالَ) أَيْ: جَابِرٌ. (فَكَانَتْ) أَيْ: وَقْعَةُ تِلْكَ الصَّلَاةِ. (لِرَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - أَرْبَعُ رَكَعَاتٍ، وَلِلْقَوْمِ رَكْعَتَانِ) أَيْ: مَعَهُ - ﵊ - كَمَا تَقَدَّمَ أَنَّهُ - ﵊ - صَلَّى بِهِمْ رَكْعَةً وَبِنَفْسِهِ رَكْعَتَيْنِ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
[ ٣ / ١٠٥٦ ]
١٤٢٣ - وَعَنْهُ قَالَ: «صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - صَلَاةَ الْخَوْفِ، فَصَفَفْنَا خَلْفَهُ صَفَّيْنِ، وَالْعَدُوُّ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ، فَكَبَّرَ النَّبِيُّ - ﷺ - وَكَبَّرْنَا جَمِيعًا، ثُمَّ رَكَعَ وَرَكَعْنَا جَمِيعًا، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ، وَرَفَعَنَا جَمِيعًا، ثُمَّ انْحَدَرَ بِالسُّجُودِ وَالصَّفُّ الَّذِي يَلِيهِ، وَقَامَ الصَّفُّ الْمُؤَخَّرُ فِي نَحْرِ الْعَدُوِّ، فَلَمَّا قَضَى النَّبِيُّ - ﷺ - السُّجُودَ وَقَامَ الصَّفُّ الَّذِي يَلِيهِ، انْحَدَرَ الصَّفُّ الْمُؤَخَّرُ بِالسُّجُودِ، ثُمَّ قَامُوا، ثُمَّ تَقَدَّمَ الصَّفُّ الْمُؤَخَّرُ، وَتَأَخَّرَ الْمُقَدَّمُ، ثُمَّ رَكَعَ النَّبِيُّ - ﷺ - وَرَكَعْنَا جَمِيعًا، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ وَرَفَعْنَا جَمِيعًا، ثُمَّ انْحَدَرَ بِالسُّجُودِ، وَالصَّفُّ الَّذِي يَلِيهِ الَّذِي كَانَ مُؤَخَّرًا فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى، وَقَامَ الصَّفُّ الْمُؤَخَّرُ فِي نَحْرِ الْعَدُوِّ، فَلَمَّا قَضَى النَّبِيُّ - ﷺ - السُّجُودَ وَالصَّفُّ الَّذِي يَلِيهِ، انْحَدَرَ الصَّفُّ الْمُؤَخَّرُ بِالسُّجُودِ فَسَجَدُوا، ثُمَّ سَلَّمَ النَّبِيُّ - ﷺ - وَسَلَّمْنَا جَمِيعًا» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
_________________
(١) (وَعَنْهُ) أَيْ: عَنْ جَابِرٍ. (قَالَ: صَلَّى) أَيْ: بِنَا كَمَا فِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ. (رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - صَلَاةَ الْخَوْفِ) الْإِضَافَةُ بِمَعْنَى فِي. (فَصَفَفْنَا خَلْفَهُ صَفَّيْنِ، وَالْعَدُوُّ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ، فَكَبَّرَ النَّبِيُّ - ﷺ -) أَيْ: لِلتَّحْرِيمِ. (وَكَبَّرْنَا): الْوَاوُ لِلْجَمْعِيَّةِ فَتُفِيدُ الْمَعِيَّةَ، وَيَبْعُدُ تَقْدِيرُ ابْنِ حَجَرٍ الْبُعْدِيَّةَ. (جَمِيعًا): أَرَادَ بِهِ الصَّفَّيْنِ. (ثُمَّ رَكَعَ) أَيْ: بَعْدَ الْقِرَاءَةِ. (وَرَكَعْنَا جَمِيعًا، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ، وَرَفَعْنَا جَمِيعًا، ثُمَّ انْحَدَرَ) أَيْ: نَزَلَ. (بِالسُّجُودِ) أَيْ: مُلْتَبِسًا بِهِ
[ ٣ / ١٠٥٦ ]
أَوْ بِسَبَبِهِ. (وَالصَّفُّ): يَجُوزُ بِالنَّصْبِ عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولٌ مَعَهُ، وَبِالرَّفْعِ عَلَى أَنَّهُ عَطْفٌ عَلَى فَاعِلِ انْحَدَرَ، وَجَازَ لِوُجُودِ الْفَصْلِ قَالَهُ الطِّيبِيُّ. وَالْعَطْفُ أَلْطَفُ لِمَا يَلْزَمُ فِي الْمَفْعُولِ مَعَهُ مِنْ مُتَابَعَةِ الْأَشْرَفِ لِلْأَضْعَفِ. وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: الْعَطْفُ أَوْلَى لِإِيهَامِ الْآخَرِ أَنَّهُمْ قَارَنُوهُ فِي الِانْحِدَارِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ ; لِأَنَّ مُقَارَنَةَ الْإِمَامِ فِي جُزْءٍ مِنَ الصَّلَاةِ مَكْرُوهَةٌ لَا يَفْعَلُهَا الصَّحَابَةُ اهـ. وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى مَذْهَبِهِ، ثُمَّ نَفْيُ فِعْلِهَا عَنِ الصَّحَابَةِ مُحْتَاجٌ إِلَى حُجَّةٍ، وَلَا أَظُنُّ أَنَّهَا تُوجَدُ ; لِأَنَّ إِثْبَاتَ النَّفْيِ مُتَعَذِّرٌ، كَمَا أَنَّ نَفْيَ الْإِثْبَاتِ مُتَعَسِّرٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الصَّفُّ مَرْفُوعًا عَلَى الِابْتِدَاءِ، وَالْخَبَرُ مُقَدَّرٌ أَيْ: كَذَلِكَ، وَالْمَعْنَى مِثْلَ نُزُولِهِ لِلسُّجُودِ نَزَلَ الصَّفُّ. (الَّذِي يَلِيهِ) أَيِ: الَّذِي يَقْرُبُ مِنْهُ، وَالْإِفْرَادُ بِاعْتِبَارِ لَفْظِ الصَّفِّ الْمُرَادِ بِهِ الْقَوْمُ. (وَقَامَ الصَّفُّ الْمُؤَخَّرُ) أَيِ: الَّذِينَ تَأَخَّرُوا لِلْحِرَاسَةِ لِمَنْ أَمَامَهُمْ فِي سُجُودِهِمْ. (فِي نَحْرِ الْعَدُوِّ) أَيْ: صَدْرِهِمْ وَمُقَابَلَتِهِمْ ; كَيْلَا يَهْجُمُوا عَلَى مُقَاتِلَتِهِمْ. (فَلَمَّا قَضَى النَّبِيُّ - ﷺ - السُّجُودَ) أَيْ: أَدَّاهُ، وَالْمَعْنَى: فَلَمَّا فَرَغَ مِنَ السَّجْدَتَيْنِ. (وَقَامَ) أَيْ: مَعَهُ. (الصَّفُّ الَّذِي يَلِيهِ، انْحَدَرَ) أَيِ: انْهَبَطَ. (الصَّفُّ الْمُؤَخَّرُ) أَيِ: الَّذِينَ تَأَخَّرُوا لِلْحِرَاسَةِ لِمَنْ أَمَامَهُمْ فِي سُجُودِهِمْ. (بِالسُّجُودِ) أَيْ: بِسَبَبِهِ أَوْ إِلَيْهِ. (ثُمَّ) أَيْ: لَمَّا فَرَغُوا مِنْ سَجْدَتِهِمْ. (قَامُوا، ثُمَّ تَقَدَّمَ الصَّفُّ الْمُؤَخَّرُ: وَوَقَفُوا مَكَانَ الصَّفِّ الْأَوَّلِ) أَيْ: بَعْدَ أَنِ اسْتَوَوْا مَعَ الْأَوَّلِينَ فِي الْقِيَامِ خَلْفَهُ - ﵊ - فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: بِأَنْ وَقَفَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْمُؤَخَّرِ بَيْنَ اثْنَيْنِ مِنَ الْمُقَدَّمِ انْتَهَى، وَهُوَ غَيْرُ صَحِيحٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (وَتَأَخَّرَ الْمُقَدَّمُ): قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: بِخُطْوَةٍ أَوْ خُطْوَتَيْنِ اهـ. وَلَا حَاجَةَ إِلَيْهِ ; لِأَنَّ صَلَاةَ الْخَوْفِ لَا تُقَاسُ عَلَى صَلَاةِ الْأَمْنِ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَيُشْتَرَطُ حِينَئِذٍ كَمَا عُلِمَ مِنْ أَدِلَّةٍ أُخْرَى أَنْ لَا يَزِيدَ فِعْلُ كُلٍّ مِنَ الْمُتَقَدِّمِينَ وَالْمُتَأَخِّرِينَ عَلَى خُطْوَتَيْنِ، وَإِلَّا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ إِنْ تَوَالَتْ أَفْعَالُهُ اهـ.
وَفِيهِ أَنَّ صِحَّةَ هَذَا الشَّرْطِ مَوْقُوفَةٌ عَلَى إِثْبَاتِ أَدِلَّةٍ أُخْرَى لَوْ وُجِدَتْ فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ، ثُمَّ الْحِكْمَةُ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - فِي التَّقَدُّمِ وَالتَّأَخُّرِ حِيَازَةُ فَضِيلَةِ الْمَعِيَّةِ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ جَبْرًا لِمَا فَاتَهُمْ مِنَ الْمَعِيَّةِ فِي الرَّكْعَةِ الْأَوَّلِيَّةِ. (ثُمَّ رَكَعَ النَّبِيُّ - ﷺ -) أَيْ: قَامَ وَقَرَأَ الْفَاتِحَةَ وَالسُّورَةَ ثُمَّ رَكَعَ قَالَهُ الطِّيبِيُّ، وَيُمْكِنُ الِاقْتِصَارُ عَلَى الْفَاتِحَةِ، بَلْ عَلَى آيَةٍ أَيِّ آيَةٍ بِمُقْتَضَى الْحَالَةِ الرَّاهِنَةِ. (وَرَكَعْنَا جَمِيعًا، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ وَرَفَعْنَا جَمِيعًا، ثُمَّ انْحَدَرَ بِالسُّجُودِ) أَيِ: انْخَفَضَ لَهُ. (وَالصَّفُّ): بِالْوَجْهَيْنِ. (الَّذِي يَلِيهِ) الَّذِي كَانَ مُؤَخَّرًا فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى: صِفَةٌ ثَانِيَةٌ لِلصَّفِّ، وَقَدَّرَ ابْنُ حَجَرٍ لَفْظَ (وَهُوَ) قَبْلَ الْمَوْصُولِ الثَّانِي. (وَقَامَ الصَّفُّ الْمُؤَخَّرُ): وَهُوَ الَّذِي كَانَ مُقَدَّمًا فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى. (فِي نَحْرِ الْعَدُوِّ): وَفِي نُسْخَةٍ: نَحْوَ الْعَدْوِ. (فَلَمَّا قَضَى النَّبِيُّ - ﷺ - السُّجُودَ وَالصَّفُّ): بِالْإِعْرَابَيْنِ. (الَّذِي يَلِيهِ، انْحَدَرَ الصَّفُّ الْمُؤَخَّرُ بِالسُّجُودِ فَسَجَدُوا، ثُمَّ سَلَّمَ النَّبِيُّ - ﷺ -) أَيْ: بَعْدَ انْحِدَارِهِمْ. (وَسَلَّمْنَا جَمِيعًا: فَكَانَ صَلَاةُ الْجَمْعِ رَكْعَتَيْنِ مَعَ الْإِمَامِ)، غَايَتُهُ أَنَّهُ تَأَخَّرَتِ الْمُتَابَعَةُ لِلْإِمَامِ فِي حَقِّ بَعْضِ الْمَأْمُومِينَ حَالَةَ الْقَوْمَةِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ قَعَدَ قَدْرَ التَّشَهُّدِ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ ثُمَّ سَلَّمَ، وَيُعَضِّدُهُ انْحِدَارُ الصَّفِّ الْمُؤَخَّرِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ تَسْلِيمِهِمْ جَمِيعًا أَنَّ الْمُنْحَدِرِينِ لَمْ يَقْعُدُوا لِلتَّشَهُّدِ ; فَإِنَّهُ وَإِنْ تَأَخَّرَ السَّلَامُ عَنِ الْإِمَامِ يَصْدُقُ عَلَيْهِ أَنَّهُمْ سَلَّمُوا جَمِيعًا لِعَدَمِ لُزُومِ الْمَعِيَّةِ مِنَ الْجَمْعِيَّةِ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ): قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَهَذِهِ صَلَاةُ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - بِعُسْفَانَ.
[ ٣ / ١٠٥٧ ]
" الْفَصْلُ الثَّانِي "
١٤٢٤ - عَنْ جَابِرٍ - ﵁: «أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - كَانَ يُصَلِّي بِالنَّاسِ صَلَاةَ الظُّهْرِ فِي الْخَوْفِ بِبَطْنِ نَخْلٍ، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ، ثُمَّ جَاءَ طَائِفَةٌ أُخْرَى، فَصَلَّى بِهِمْ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ» . رَوَاهُ فِي " شَرْحِ السُّنَّةِ ".
_________________
(١) " الْفَصْلُ الثَّانِي "
(٢) (عَنْ جَابِرٍ: أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - كَانَ): لَيْسَ لِلِاسْتِمْرَارِ، بَلْ لِمُجَرَّدِ الرَّبْطِ وَالدَّلَالَةِ عَلَى الْمُضِيِّ. (يُصَلِّي بِالنَّاسِ صَلَاةَ الظُّهْرِ فِي الْخَوْفِ) أَيْ: فِي حَالَةِ الْخَوْفِ الْكَائِنِ. (بِبَطْنِ نَخْلٍ): اسْمُ مَوْضِعٍ بَيْنَ مَكَّةَ وَالطَّائِفِ قَالَهُ ابْنُ حَجَرٍ. (فَصَلَّى بِطَائِفَةٍ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ، ثُمَّ جَاءَ طَائِفَةٌ أُخْرَى، فَصَلَّى بِهِمْ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ) وَفِي الْأَزْهَارِ أَنَّهُ بِنَجْدٍ مِنْ أَرْضِ غَطَفَانَ، وَقِيلَ: بَطْنُ النَّخْلِ قَرِيبٌ مِنَ الْمَدِينَةِ، فَلَا يُتَصَوَّرُ الْقَصْرُ. قُلْنَا: لَيْسَ كَذَلِكَ وَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ فَقَدْ صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - بِطَائِفَةٍ رَكْعَتَيْنِ وَفَارَقُوهُ وَأَتَمُّوا لِنَفْسِهِمْ وَمَضَوْا، وَجَاءَتِ الْأُخْرَى وَصَلَّى بِهِمْ رَكْعَتَيْنِ وَقَامُوا وَأَتَمُّوا صَلَاتَهُمْ، وَمِثْلُ ذَلِكَ جَائِزٌ فِي الْحَضَرِ أَيْضًا ذَكَرَهُ الْأَبْهَرِيُّ. قَوْلُهُ: " قَرِيبٌ مِنَ الْمَدِينَةِ، فَلَا يُتَصَوَّرُ الْقَصْرُ غَرِيبٌ وَعَجِيبٌ وَبِعِيدٌ مِنْ فَهْمِ اللَّبِيبِ ; لِأَنَّ الْمُسَافِرَ مِنَ الْمَدِينَةِ بِمُجَرَّدِ خُرُوجِهِ مِنْهَا يَقْصُرُ، وَمَا لَمْ يَدْخُلْ فِيهَا أَيْضًا يَقْصُرُ، فَكَيْفَ قَصَرَ هَذَا التَّصَوُّرُ؟ ! ثُمَّ لَا دَلَالَةَ فِي الْحَدِيثِ عَلَى نِيَّةِ الْمُفَارَقَةِ الَّتِي هِيَ عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ غَيْرُ جَائِزَةٍ، وَيَأْبَى عَنْ إِتْمَامِهِ - ﵊ - تَكْرَارُ الرَّاوِي لَفْظَ السَّلَامِ، هَذَا وَلَا إِشْكَالَ فِي ظَاهِرِ الْحَدِيثِ عَلَى مُقْتَضَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ، فَإِنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى حَالَةِ الْقَصْرِ، وَقَدْ صَلَّى بِالطَّائِفَةِ الثَّانِيَةِ نَفْلًا، وَعَلَى قَوَاعِدِ مَذْهَبِنَا مُشْكِلٌ جِدًّا ; فَإِنَّهُ لَوْ حُمِلَ عَلَى السَّفَرِ لَزِمَ اقْتِدَاءُ الْمُفْتَرِضِ بِالْمُتَنَفِّلِ وَهُوَ غَيْرُ صَحِيحٍ عِنْدَنَا، فَلَا يُحْمَلُ عَلَيْهِ فِعْلُهُ - ﵊ - وَإِنْ حُمِلَ عَلَى الْحَضَرِ يَأْبَاهُ السَّلَامُ عَلَى رَأْسِ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ، اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يُقَالَ هَذَا مِنْ خُصُوصِيَّاتِهِ، وَأَمَّا الْقَوْمُ فَأَتَمُّوا رَكْعَتَيْنِ أُخْرَيَيْنِ بَعْدَ سَلَامِهِ، وَاخْتَارَ الطَّحَاوِيُّ أَنَّهُ كَانَ فِي وَقْتٍ كَانَتِ الْفَرِيضَةُ تُصَلَّى مَرَّتَيْنِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (رَوَاهُ) أَيْ: صَاحِبُ الْمَصَابِيحِ. (فِي شَرْحِ السُّنَّةِ قَالَ مِيرَكُ: وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ هَكَذَا مُخْتَصَرًا، وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ أَبِي بَكْرَةَ مُطَوَّلًا) . قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: رَوَى أَبُو دَاوُدَ، عَنْ أَبِي بَكْرَةَ قَالَ: صَلَّى النَّبِيُّ - ﷺ - فِي خَوْفٍ الظُّهْرَ، فَصُفَّ بَعْضُهُمْ خَلْفَهُ، وَبَعْضُهُمْ بِإِزَاءِ الْعَدُوِّ، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ سَلَّمَ، فَانْطَلَقَ الَّذِينَ صَلَّوْا مَعَهُ فَوَقَفُوا مَوْقِفَ أَصْحَابِهِمْ، ثُمَّ جَاءَ أُولَئِكَ فَصَلَّوْا خَلْفَهُ، فَصَلَّى بِهِمْ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ سَلَّمَ، فَكَانَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - أَرْبَعًا وَلِأَصْحَابِهِ رَكْعَتَيْنِ.
[ ٣ / ١٠٥٨ ]
" الْفَصْلُ الثَّالِثُ "
١٤٢٥ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - نَزَلَ بَيْنَ ضَجْنَانَ وَعُسْفَانَ، فَقَالَ الْمُشْرِكُونَ: لِهَؤُلَاءِ صَلَاةٌ هِيَ أَحَبُّ إِلَيْهِمْ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَبْنَائِهِمْ، وَهِيَ الْعَصْرُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ، فَتَمِيلُوا عَلَيْهِمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً، وَإِنَّ جِبْرِيلَ أَتَى النَّبِيَّ - ﷺ - فَأَمَرَهُ أَنْ يَقْسِمَ أَصْحَابَهُ شَطْرَيْنِ، فَيُصَلِّيَ بِهِمْ، وَتَقُومَ طَائِفَةٌ أُخْرَى وَرَاءَهُمْ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ، فَتَكُونَ لَهُمْ رَكْعَةٌ، وَلِرَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - رَكْعَتَانِ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ.
"
الْفَصْلُ الثَّالِثُ "
١٤٢٥ - (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - نَزَلَ بَيْنَ ضَجْنَانَ): بِالضَّادِ الْمُعْجَمَةِ، وَالْجِيمِ، وَالنُّونِ، مَوْضِعٌ أَوْ جَبَلٌ بَيْنَ الْحَرَمَيْنِ قَالَهُ الطِّيبِيُّ. وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: مَوْضِعٌ أَوْ جَبَلٌ قُرَيْبَ عُسْفَانَ، وَفِي الْمُغْنِي: جَبَلٌ بِمَكَّةَ، وَفِي الْقَامُوسِ: ضَجْنَانُ كَسَكْرَانَ، جَبَلٌ قُرَيْبَ مَكَّةَ، وَجَبَلٌ آخَرُ بِالْبَادِيَةِ مُوَافِقًا لِمَا فِي النِّهَايَةِ. (وَعُسْفَانَ): كَعُثْمَانَ، مَوْضِعٌ عَلَى مَرْحَلَتَيْنِ مِنْ مَكَّةَ. وَفِي النِّهَايَةِ: قَرْيَةٌ بَيْنَ الْحَرَمَيْنِ، وَعِبَارَةُ الْقَامُوسِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ تُشِيرُ إِلَى أَنَّ الْأَوَّلُ مُنْصَرِفٌ دُونَ الثَّانِي، وَالْمَضْبُوطُ فِي النُّسَخِ الْمُصَحَّحَةِ عَدَمُ انْصِرَافِهِمَا، وَزَادَ ابْنُ الْهُمَامِ: وَحَاصَرَ الْمُشْرِكِينَ. (فَقَالَ الْمُشْرِكُونَ) أَيْ: بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ. (لِهَؤُلَاءِ) أَيْ: لِلْمُسْلِمِينَ. (صَلَاةٌ هِيَ أَحَبُّ إِلَيْهِمْ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَبْنَائِهِمْ) أَيْ: مِنْ
[ ٣ / ١٠٥٨ ]
أَرْوَاحِ أُصُولِهِمْ وَفُرُوعِهِمْ. وَلَفْظُ ابْنِ الْهُمَامِ: مِنْ أَبْنَائِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ. (وَهِيَ الْعَصْرُ): لِمَا وَقَعَ مِنْ تَأْكِيدِ الْمُحَافَظَةِ عَلَى مُرَاعَاتِهَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة: ٢٣٨] أَيْ: فَلَا تَتْرُكُونَهَا أَبَدًا، وَهِيَ جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ، وَهِيَ غَيْرُ مَوْجُودَةٍ فِي نَقْلِ ابْنِ الْهُمَامِ. (فَأَجْمِعُوا): بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ، وَكَسْرِ الْمِيمِ. (أَمْرَكُمْ) أَيْ: أَمْرَ الْقِتَالِ، وَالْمَعْنَى فَاعْزِمُوا عَلَيْهِ. (فَتَمِيلُوا): بِالنَّصْبِ عَلَى جَوَابِ الْأَمْرِ أَيْ: فَتَحْمِلُوا، وَلَفْظُ ابْنِ الْهُمَامِ: ثُمَّ مِيلُوا. (عَلَيْهِمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً): كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً﴾ [النساء: ١٠٢] . (وَإِنَّ جِبْرِيلَ أَتَى النَّبِيَّ - ﷺ): قَالَ الطِّيبِيُّ: حَالٌ مِنْ قَوْلِهِ: فَقَالَ الْمُشْرِكُونَ عَلَى نَحْوِ: جَاءَ زَيْدٌ وَالشَّمْسُ طَالِعَةٌ. (فَأَمَرَهُ أَنْ يُقَسِّمَ أَصْحَابَهُ شَطْرَيْنِ أَيْ: نِصْفَيْنِ كَمَا فِي رِوَايَةِ ابْنِ الْهُمَامِ يَعْنِي: صَفَّيْنِ. (فَيُصَلِّيَ): بِالنَّصْبِ. (بِهِمْ) قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: أَيْ: يُحْرِمُ بِهِمْ جَمِيعًا، وَالظَّاهِرُ أَنَّ ضَمِيرَ بِهِمْ رَاجِعٌ إِلَى أَحَدِ الشَّطْرَيْنِ، وَهُمُ الطَّائِفَةُ الْأُولَى بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ. (وَتَقُومَ): بِالنَّصْبِ. (طَائِفَةٌ أُخْرَى وَرَاءَهُمْ) وَأَمْرُ الْإِحْرَامِ بِالْكُلِّ مَعَ الْإِمَامِ، مُقَرَّرٌ بِمُقْتَضَى الْمَقَامِ يَعْنِي: تَسْتَمِرُّ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ قَائِمَةَ الِاعْتِدَالِ تَحْرُسُهُمْ عِنْدَ سُجُودِهِمْ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - بِمُرَاقَبَتِهِمُ الْعَدُوَّ لِئَلَّا يَبْغَتَهُمُ الْعَدُوُّ، وَهُمْ فِي السُّجُودِ، كَذَا قَالَهُ ابْنُ حَجَرٍ.
وَالْأَظْهَرُ أَنَّ الطَّائِفَةَ الْأُخْرَى تَسْتَمِرُّ فِي حَالَةِ الْقِيَامِ إِلَى أَنْ فَرَغَتِ الطَّائِفَةُ الْأُولَى مِنَ الرَّكْعَةِ الْأُولَى. قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ﴾ [النساء: ١٠٢] أَيْ: رَكْعَةً أُخْرَى، وَلِيَصِحَّ قَوْلُهُ الْآتِي: فَتَكُونَ لَهُمْ رَكْعَةٌ. (وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ): قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: أَيِ: الْحَارِسُونَ، وَالْأَظْهَرُ أَيِ: الْمُصَلُّونَ، فَإِنَّ كُلَّ طَائِفَةٍ مِنْهُمْ يَحْرُسُونَ فِي رَكْعَةٍ كَمَا تَقَدَّمَ ; وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ، وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ﴾ [النساء: ١٠٢] فَالْحِذْرُ كَالْجُنَّةِ، وَالْأَسْلِحَةُ كَالسَّيْفِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: أَيْ: مَا فِيهِ الْحِذْرُ. الْكَشَّافُ: جَعَلَ الْحِذْرَ وَهُوَ التَّحَرُّزُ وَالتَّيَقُّظُ آلَةً يَسْتَعْمِلُهَا الْغَازِي، فَلِذَلِكَ جَمَعَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْأَسْلِحَةِ فِي الْأَخْذِ دَلَالَةً عَلَى التَّيَقُّظِ التَّامِّ، وَالْحِذْرِ الْكَامِلِ، وَمِنْ ثَمَّ قَدَّمَهُ عَلَى أَخْذِ الْأَسْلِحَةِ. (فَتَكُونَ لَهُمْ) أَيْ: لِكُلِّ طَائِفَةٍ مِنْهُمْ. وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: أَيْ: لِكُلٍّ مِنَ الْحَارِسِينَ وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى مَا سَبَقَ لَهُ. (رَكْعَةٌ) أَيْ: مَعَهُ - ﷺ -. (وَلِرَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - رَكْعَتَانِ) أَيْ: كَامِلَتَانِ تَابِعَةٌ فِيهِمَا الطَّائِفَتَانِ، وَذَكَرَ الرَّكْعَةَ وَالرَّكْعَتَيْنِ لِبَيَانِ الْوَاقِعِ، فَلَا يُنَافِي مَا سَبَقَ مِنْ أَنَّهُ كَانَتْ لَهُ أَرْبَعُ رَكَعَاتٍ، وَلِلْقَوْمِ رَكْعَتَيْنِ لِاخْتِلَافِ الْقَضِيَّتَيْنِ، وَاخْتَارَ إِمَامُنَا الْحَدِيثَ الْأَوَّلَ وَالْآخِرَ مِنَ الْبَابِ لِمُرَافَقَتِهِمَا لِظَاهِرِ الْكِتَابِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
(رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ) قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي عَيَّاشٍ الزُّرَقِيِّ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - فَصَلَّى بِنَا الظُّهْرَ وَعَلَى الْمُشْرِكِينَ يَوْمَئِذٍ خَالِدٌ فَسَاقَهُ، وَقَالَ: فَنَزَلَتْ صَلَاةُ الْخَوْفِ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ، وَصَلَّى بِنَا الْعَصْرَ، فَفُرِّقْنَا فِرْقَتَيْنِ، الْحَدِيثَ. رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَلَا خِلَافَ أَنَّ غَزْوَةَ عُسْفَانَ كَانَتْ بَعْدَ الْخَنْدَقِ اهـ. كَلَامُ ابْنِ الْهُمَامِ.
[ ٣ / ١٠٥٩ ]