الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
١١٣٦ - «عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ﵁، قَالَ: كُنَّا نُصَلِّي خَلْفَ النَّبِيِّ ﷺ، فَإِذَا قَالَ: " سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ " لَمْ يَحْنِ أَحَدٌ مِنَّا ظَهْرَهُ حَتَّى يَضَعَ النَّبِيُّ ﷺ: جَبْهَتَهُ عَلَى الْأَرْضِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
_________________
(١) بَابُ مَا عَلَى الْمَأْمُومِ مِنَ الْمُتَابَعَةِ. لِلْإِمَامِ (وَحُكْمِ الْمَسْبُوقِ): بِالْجَرِّ عَطْفٌ عَلَى " مَا ". الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
(٢) (عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ: كُنَّا نُصَلِّي خَلْفَ النَّبِيِّ ﷺ فَإِذَا قَالَ: " سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ): بِالضَّمِّ، وَقِيلَ بِهَاءِ السَّكْتِ، أَيْ: أَجَابَ لَهُ وَقَبِلَ حَمْدَهُ (لَمْ يَحْنِ): بِفَتْحِ الْيَاءِ وَكَسْرِ النُّونِ وَضَمِّهَا، أَيْ: لَمْ يَعْوَجْ (أَحَدٌ مِنَّا ظَهْرَهُ): أَوْ لَمْ يَثْنِهِ مِنَ الْقَوْمَةِ قَاصِدًا لِلسُّجُودِ (حَتَّى يَضَعَ النَّبِيُّ ﷺ) أَيْ: يُرِيدُ أَنْ يَضَعَ (جَبْهَتَهُ عَلَى الْأَرْضِ): قَالَ الطِّيبِيُّ: فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ السُّنَّةَ لِلْمَأْمُومِ أَنْ يَتَخَلَّفَ عَنِ الْإِمَامِ فِي أَفْعَالِ الصَّلَاةِ مِقْدَارَ هَذَا التَّخَلُّفِ، وَإِنْ لَمْ يَتَخَلَّفْ جَازَ إِلَّا فِي تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ ; إِذْ لَا بُدَّ لِلْمَأْمُومِ أَنْ يَصْبِرَ حَتَّى يَفْرَغَ الْإِمَامُ مِنَ التَّكْبِيرِ اهـ.
[ ٣ / ٨٧٤ ]
وَمَذْهَبُنَا أَنَّ الْمُتَابَعَةَ بِطَرِيقِ الْمُوَاصَلَةِ وَاجِبَةٌ، حَتَّى لَوْ رَفَعَ الْإِمَامُ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ أَوِ السُّجُودِ قَبْلَ تَسْبِيحِ الْمُقْتَدِي ثَلَاثًا، فَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يُوَافِقُ الْإِمَامَ، وَلَوْ رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ أَوِ السُّجُودِ قَبْلَ الْإِمَامِ يَنْبَغِي أَنْ يَعُودَ، وَلَا يَصِيرُ ذَلِكَ رُكُوعَيْنِ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَفِي رِوَايَةٍ: إِذَا رَفَعَ مِنَ الرُّكُوعِ قَامُوا قِيَامًا حَتَّى يَرَوْنَهُ قَدْ سَجَدَ، وَإِلْحَاقُ النُّونِ بَعْدَ حَتَّى مَعَ كَوْنِهَا بِمَعْنَى إِلَى أَنْ ; إِذِ الْفِعْلُ مُسْتَقْبَلٌ بِالنِّسْبَةِ لِلْقِيَامِ عَلَى لُغَةِ مَنْ يُهْمِلُ أَنْ حَمْلًا عَلَى أُخْتِهَا مَا الْمَصْدَرِيَّةِ، وَمِنْهُ الْقِرَاءَةُ الشَّاذَّةُ: ﴿لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمُّ الرَّضَاعَةَ﴾ [البقرة: ٢٣٣] بِضَمِّ الْمِيمِ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ): قَالَ مِيرَكُ: وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ.
[ ٣ / ٨٧٥ ]
١١٣٧ - «وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ، فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ. فَقَالَ: "، أَيُّهَا النَّاسُ! إِنِّي إِمَامُكُمْ فَلَا تَسْبِقُونِي بِالرُّكُوعِ، وَلَا بِالسُّجُودِ، وَلَا بِالْقِيَامِ، وَلَا بِالِانْصِرَافِ ; فَإِنِّي أَرَاكُمْ أَمَامِي وَمِنْ خَلْفِي» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
_________________
(١) (وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ، فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ) أَيْ: أَدَّاهَا وَفَرَغَ مِنْهَا (أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ): تَأْكِيدٌ (فَقَالَ: "، أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي إِمَامُكُمْ): يَعْنِي وَسُمِّيَ الْإِمَامُ إِمَامًا لِيُؤْتَمَّ بِهِ وَيُقْتَدَى بِهِ عَلَى وَجْهِ الْمُتَابَعَةِ، (فَلَا تَسْبِقُونِي بِالرُّكُوعِ، وَلَا بِالسُّجُودِ، وَلَا بِالْقِيَامِ، وَلَا بِالِانْصِرَافِ) أَيْ: بِالتَّسْلِيمِ، وَحَاصِلُهُ أَنَّ الْمُتَابَعَةَ وَاجِبَةٌ فِي الْأَرْكَانِ الْفِعْلِيَّةِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: يَحْتَمِلُ أَنْ يُرَادَ بِالِانْصِرَافِ الْفَرَاغُ مِنَ الصَّلَاةِ، وَأَنْ يُرَادَ الْخُرُوجُ مِنَ الْمَسْجِدِ. قُلْتُ: الِاحْتِمَالُ الثَّانِي فِي غَايَةِ السُّقُوطِ لِعَدَمِ الْمُنَاسَبَةِ بِالسَّابِقِ وَاللَّاحِقِ، وَأَيْضًا لَمْ يُعْرَفِ النَّهْيُ عَنِ الْخُرُوجِ مِنَ الْمَسْجِدِ قَبْلَ خُرُوجِهِ ﵇. (فَإِنِّي أَرَاكُمْ مِنْ أَمَامِي): بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ، أَيْ: قُدَّامِي، أَيْ: خَارِجَ الصَّلَاةِ، (وَمِنْ خَلْفِي) أَيْ: دَاخِلَهَا بِالْمُكَاشَفَةِ أَوِ الْمُشَاهَدَةِ عَلَى طَرِيقِ خَرْقِ الْعَادَةِ، قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: أَيْ كَمَا أَرَاكُمْ مِنْ أَمَامِي أَرَاكُمْ مِنْ خَلْفِي، وَلَعَلَّ هَذِهِ الْحَالَةَ تَكُونُ حَاصِلَةً لَهُ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ حِينَ غَلَبَتْ عَلَيْهِ جِهَةُ مَلَكِيَّتِهِ. قُلْتُ: لَا شَكَّ أَنَّ جِهَةَ مَلَكِيَّتِهِ عَلَى نِسْبَةِ بَشَرِيَّتِهِ غَالِبَةٌ فِي جَمِيعِ الْحَالَاتِ، لَا سِيَّمَا فِي أَوْقَاتِ الْمُنَاجَاةِ مَعَ أَنَّهُ لَا يُعْرَفُ أَنَّ الْمَلَكَ دَائِمًا يَرَى مِنْ خَلْفِهِ كَمَا يَرَى مِنْ قُدَّامِهِ، فَالْأَحْسَنُ تَقْيِيدُهُ بِحَالِ الصَّلَاةِ كَمَا يُشْعِرُ بِهِ كَلَامُهُ ﵇. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ): قَالَ مِيرَكُ: وَهَذَا لَفْظُهُ، وَكَانَ لَفْظُ الْمِشْكَاةِ وَقَعَ مُخَالِفًا لِلَفْظِ الْمَصَابِيحِ، وَإِلَّا فَلَا مَعْنَى لِقَوْلِهِ وَهَذَا لَفْظُهُ، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: رَوَى ابْنُ حِبَّانَ وَصَحَّحَهُ: " «لَا تُبَادِرُونِي بِالرُّكُوعِ وَلَا بِالسُّجُودِ فَمَهْمَا أَسْبِقْكُمْ بِهِ إِذَا رَكَعْتُ تُدْرِكُونِي بِهِ إِذَا رَفَعْتُ» ".
[ ٣ / ٨٧٥ ]
١١٣٨ - «وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " لَا تُبَادِرُوا الْإِمَامَ: إِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا، وَإِذَا قَالَ: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٧] فَقُولُوا: آمِينَ، وَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا، وَإِذَا قَالَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، فَقُولُوا: اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ ; إِلَّا أَنَّ الْبُخَارِيَّ لَمْ يَذْكُرْ: " وَإِذَا قَالَ: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٧] .
_________________
(١) (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " «لَا تُبَادِرُوا الْإِمَامَ») أَيْ: لَا تَسْبِقُوهُ فَالْمُغَالَبَةُ لِلْمُبَالَغَةِ (إِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا، وَإِذَا قَالَ: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٧] فَقُولُوا: آمِينَ): فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى الْأَمْرِ بِالِاسْتِمَاعِ كَمَا وَرَدَ فِي رِوَايَةِ " «وَإِذَا قَرَأَ فَأَنْصِتُوا» "، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: أَيْ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَقُولَ لِمَا مَرَّ فِي بَحْثِ التَّأْمِينِ أَنَّهُ يُسَنُّ مُقَارَنَةُ تَأْمِينِهِ لِتَأْمِينِ إِمَامِهِ. قُلْتُ: هَذَا التَّقْدِيرُ خَطَأٌ مُخَالِفٌ لِلْمَطْلُوبِ، فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ يَقَعُ تَأْمِينُ الْمَأْمُومِينَ عِنْدَ قَوْلِ الْإِمَامِ ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٧] فَيَصِيرُ مُقَدَّمًا عَلَى تَأْمِينِ الْإِمَامِ وَلَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَدٌ مِنَ الْأَئِمَّةِ. (وَإِذَا): وَفِي نُسْخَةٍ: فَإِذَا (رَكَعَ فَارْكَعُوا): الْفَاءُ التَّعْقِيبِيَّةُ تُشِيرُ إِلَى مَذْهَبِنَا الَّذِي قَدَّمْنَا (وَإِذَا قَالَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، فَقُولُوا: اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ): وَظَاهِرُهُ التَّقْسِيمُ وَالتَّوْزِيعُ كَمَا عَلَيْهِ أَئِمَّتُنَا. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، إِلَّا أَنَّ الْبُخَارِيَّ لَمْ يَذْكُرْ: " وَإِذَا قَالَ: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٧]: يَعْنِي مَعَ قَوْلِهِ فَقُولُوا: آمِينَ.
[ ٣ / ٨٧٥ ]
١١٣٩ - «وَعَنْ أَنَسٍ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَكِبَ فَرَسًا، فَصُرِعَ عَنْهُ فَجُحِشَ شِقُّهُ الْأَيْمَنُ، فَصَلَّى صَلَاةً مِنَ الصَّلَوَاتِ وَهُوَ قَاعِدٌ فَصَلَّيْنَا وَرَاءَهُ قُعُودًا، فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ: " إِنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَإِذَا صَلَّى قَائِمًا فَصَلُّوا قِيَامًا، وَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا، وَإِذَا رَفَعَ فَارْفَعُوا، وَإِذَا قَالَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ فَقُولُوا: رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ، وَإِذَا صَلَّى جَالِسًا فَصَلُّوا جُلُوسًا أَجْمَعُونَ» ". قَالَ الْحُمَيْدِيُّ: قَوْلُهُ: " «إِذَا صَلَّى جَالِسًا فَصَلُّوا جُلُوسًا» " هُوَ فِي مَرَضِهِ الْقَدِيمِ، ثُمَّ صَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ النَّبِيُّ ﷺ جَالِسًا وَالنَّاسُ خَلْفَهُ قِيَامٌ لَمْ يَأْمُرْهُمْ بِالْقُعُودِ، وَإِنَّمَا يُؤْخَذُ بِالْآخِرِ فَالْآخِرِ مِنْ فِعْلِ النَّبِيِّ ﷺ. هَذَا لَفْظُ الْبُخَارِيِّ. وَاتَّفَقَ مُسْلِمٌ إِلَى " أَجْمَعُونَ ". وَزَادَ فِي رِوَايَةٍ. " «فَلَا تَخْتَلِفُوا عَلَيْهِ، وَإِذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا» ".
_________________
(١) (وَعَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَكِبَ فَرَسًا، فَصُرِعَ): بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ، أَيْ: سَقَطَ (عَنْهُ، فَجُحِشَ): بِضَمِّ الْجِيمِ وَكَسْرِ الْحَاءِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: أَيِ انْخَدَشَ وَجُحِشَ مُتَعَدٍّ (شِقُّهُ الْأَيْمَنُ) أَيْ: تَأَثَّرَ تَأَثُّرًا مَنَعَهُ اسْتِطَاعَةُ الْقِيَامِ (فَصَلَّى صَلَاةً مِنَ الصَّلَوَاتِ) أَيِ: الْمَكْتُوبَةِ، قَالَهُ الْقُرْطُبِيُّ، وَهُوَ ظَاهِرُ الْعِبَارَةِ (وَهُوَ) أَيِ: النَّبِيُّ ﷺ (قَاعِدٌ) . جُمْلَةٌ حَالِيَةٌ (فَصَلَّيْنَا وَرَاءَهُ قُعُودًا، فَلَمَّا انْصَرَفَ) أَيْ: بِالسَّلَامِ مِنْ صَلَاتِهِ (قَالَ: " «إِنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ») أَيْ: لِيُقْتَدَى بِهِ، وَزَادَ فِي الْمَصَابِيحِ: فَلَا تَخْتَلِفُوا عَلَيْهِ، أَيْ: عَلَى الْإِمَامِ فِي الصَّلَاةِ بِالتَّقْدِيمِ عَلَيْهِ وَالتَّأَخُّرِ عَنْهُ بِحَيْثُ يُوهِمُ قَطْعَ الْقُدْوَةِ، قَالَهُ ابْنُ الْمَلَكِ. وَظَاهِرُهُ شُمُولُ النَّهْيِ عَنْ مُخَالَفَةِ الْإِمَامِ فِي هَيْئَةِ الصَّلَاةِ مِنَ الْقِيَامِ وَالْقُعُودِ (فَإِذَا صَلَّى قَائِمًا فَصَلُّوا قِيَامًا): مَصْدَرٌ، أَيْ: ذَوِي قِيَامٍ، أَوْ جَمْعٍ، أَيْ: قَائِمِينَ وَنَصْبُهُ عَلَى الْحَالِيَةِ، (وَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا، وَإِذَا رَفَعَ) أَيْ: رَأْسَهُ (فَارْفَعُوا، وَإِذَا قَالَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ فَقُولُوا: رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ): وَفِي نُسْخَةٍ ضَعِيفَةٍ زِيَادَةُ: " وَإِذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا ". (وَإِذَا صَلَّى) أَيِ: الْإِمَامُ (جَالِسًا فَصَلُّوا جُلُوسًا): جَمْعُ جَالِسٍ وَهُوَ حَالٌ بِمَعْنَى جَالِسِينَ، قَالَهُ ابْنُ الْمَلَكِ. (أَجْمَعُونَ): تَأْكِيدٌ لِلضَّمِيرِ الْمَرْفُوعِ فِي فَصَلُّوا. وَقَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَرُوِيَ بِالنَّصْبِ عَلَى الْحَالِ، أَيْ: إِذَا جَلَسَ لِلتَّشَهُّدِ فَاجْلِسُوا وَالْمُتَشَهِّدُ مُصَلٍّ وَهُوَ جَالِسٌ، كَذَا أَوَّلَهُ بَعْضُ أَئِمَّتِنَا، وَلَكِنْ يَأْبَاهُ ظَاهِرُ صَدْرِ الْحَدِيثِ، فَالْمَعْنَى إِذَا جَلَسَ الْإِمَامُ لِعُذْرٍ وَافَقَهُ الْمُقْتَدُونَ، فَقِيلَ: هُوَ مَنْسُوخٌ بِصَلَاتِهِ ﵇ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ بِيَوْمٍ جَالِسًا، وَالنَّاسُ خَلْفَهُ قِيَامًا، وَزَعْمُ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ كَانَ هُوَ الْإِمَامَ غَلَطٌ، وَقِيلَ: حُكْمُهُ ثَابِتٌ، وَهُوَ قَوْلُ أَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ بْنِ رَاهَوَيْهِ، وَالْأَوْزَاعِيِّ، وَقَالَ السُّيُوطِيُّ: خُصَّ ﵇ بِالْإِمَامَةِ جَالِسًا فِيمَا ذَكَرَهُ قَوْمٌ. (قَالَ الْحُمَيْدِيُّ): هُوَ مِنْ شُيُوخِ الْبُخَارِيِّ، وَلَيْسَ بِصَاحِبِ الْجَمْعِ بَيْنَ الصَّحِيحَيْنِ، قَالَهُ الطِّيبِيُّ (قَوْلُهُ: " إِذَا صَلَّى جَالِسًا) أَيْ: بِعُذْرٍ (فَصَلُّوا جُلُوسًا " هُوَ فِي مَرَضِهِ الْقَدِيمِ) أَيْ: حِينَ آلَى مِنْ نِسَائِهِ (ثُمَّ صَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ) أَيْ: ذَلِكَ الْمَرَضِ (النَّبِيُّ ﷺ، أَيْ: قَبْلَ مَوْتِهِ بِيَوْمٍ (جَالِسًا وَالنَّاسُ خَلْفَهُ قِيَامٌ): قَالَ الطِّيبِيُّ: عِنْدَ أَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ أَنَّ الْإِمَامَ إِذَا صَلَّى جَالِسًا، أَيْ: بِعُذْرٍ وَافَقَهُ الْمَأْمُومُ، وَعِنْدَ مَالِكٍ لَا يَجُوزُ أَنْ يَؤُمَّ النَّاسَ قَاعِدًا، وَدَلِيلُ مَالِكٍ مَا رُوِيَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " «لَا يَؤُمُّ أَحَدٌ بَعْدِي جَالِسًا» " وَهُوَ مُرْسَلٌ، وَمَحْمُولٌ عَلَى التَّنْزِيهِ تَوْفِيقًا بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمَا. (لَمْ يَأْمُرْهُمْ بِالْقُعُودِ، وَإِنَّمَا يُؤْخَذُ) أَيْ: يُعْمَلُ (بِالْآخِرِ فَالْآخِرِ مِنْ فِعْلِ النَّبِيِّ ﷺ هَذَا لَفْظُ الْبُخَارِيِّ. وَاتَّفَقَ مُسْلِمٌ) أَيْ: مَعَهُ (إِلَى " أَجْمَعُونَ " وَزَادَ) أَيْ: مُسْلِمٌ (فِي رِوَايَةٍ): وَفِي نُسْخَةٍ: فِي رِوَايَتِهِ (فَلَا تَخْتَلِفُوا عَلَيْهِ، وَإِذَا): بِالْوَاوِ عَلَى الصَّحِيحِ (سَجَدَ فَاسْجُدُوا): وَمَحَلُّهُمَا مَا ذَكَرْنَاهُ، وَفِي شَرْحِ الْمَصَابِيحِ لِابْنِ الْمَلَكِ قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ قَوْلُهُ: فَصَلُّوا جُلُوسًا مَنْسُوخٌ بِمَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ لَمَّا ثَقُلَ إِلَخْ اهـ. قِيلَ: وَزَعْمُ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ كَانَ هُوَ الْإِمَامَ غَلَطٌ، وَمِنْ ثَمَّ قَالَ الْحُمَيْدِيُّ قَوْلُهُ: إِذَا صَلَّى إِلَخْ. وَاعْتُرِضَ بِأَنَّ الثَّانِيَ لَا يَدُلُّ عَلَى حُرْمَةِ الْجُلُوسِ، بَلْ عَلَى نَسْخِ وُجُوبِهِ ; لِأَنَّهُ إِذَا نُسِخَ الْوُجُوبُ بَقِيَ الْجَوَازُ، وَيُرَدُّ بِأَنَّ الْقَاعِدَةَ أَنَّ مَا كَانَ مُمْتَنِعًا إِذَا جَازَ وَجَبَ، فَحَيْثُ انْتَفَى وُجُوبُهُ انْتَفَى جَوَازُهُ رُجُوعًا بِهِ إِلَى أَصْلِهِ مِنَ الِامْتِنَاعِ، وَقَوْلُهُمْ: إِذَا نُسِخَ الْوُجُوبُ بَقِيَ الْجَوَازُ يُحْمَلُ بِقَرِينَةِ كَلَامِهِمْ هُنَا عَلَى مَا لَمْ تُعْلَمْ حُرْمَتُهُ قَبْلَ وُجُوبِهِ. قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: اعْلَمْ أَنَّ مَذْهَبَ الْإِمَامِ أَحْمَدَ أَنَّ الْقَاعِدَ إِنْ شَرَعَ قَائِمًا ثُمَّ جَلَسَ صَحَّ اقْتِدَاءُ النَّاسِ بِهِ، وَإِنْ شَرَعَ جَالِسًا فَلَا. وَقَدْ عُلِمَ أَنَّهُ ﵇ خَرَجَ إِلَى مَحَلِّ الصَّلَاةِ قَائِمًا ثُمَّ جَلَسَ، فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ قَبْلَ الْجُلُوسِ، وَصَرَّحُوا فِي صَلَاةِ الْمَرِيضِ أَنَّهُ إِذَا قَدَرَ عَلَى بَعْضِهَا وَلَوِ التَّحْرِيمَةُ وَجَبَ الْقِيَامُ فِيهِ، وَكَانَ ذَلِكَ مُتَحَقِّقًا فِي حَقِّهِ ﵇ إِذْ مُبْتَدَأُ حُلُولِهِ فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ كَانَ قَائِمًا، فَالتَّكْبِيرُ قَائِمًا مَقْدُورُهُ حِينَئِذٍ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَمَوْرِدُ النَّصِّ حِينَئِذٍ اقْتِدَاءُ الْقَائِمِينَ بِجَالِسٍ شَرَعَ قَائِمًا.
[ ٣ / ٨٧٦ ]
١١٤٠ - «وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: لَمَّا ثَقُلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، جَاءَ بِلَالٌ يُؤْذِنُهُ بِالصَّلَاةِ، فَقَالَ: " مُرُوا أَبَا بَكْرٍ أَنْ يُصَلِّيَ بِالنَّاسِ "، فَصَلَّى أَبُو بَكْرٍ تِلْكَ الْأَيَّامَ، ثُمَّ إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَجَدَ فِي نَفْسِهِ خِفَّةً، فَقَامَ يُهَادَى بَيْنَ رَجُلَيْنِ، وَرِجْلَاهُ تَخُطَّانِ فِي الْأَرْضِ، حَتَّى دَخَلَ الْمَسْجِدَ، فَلَمَّا سَمِعَ أَبُو بَكْرٍ حِسَّهُ، ذَهَبَ يَتَأَخَّرُ، فَأَوْمَأَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ لَا يَتَأَخَّرَ، فَجَاءَ حَتَّى جَلَسَ عَنْ يَسَارِ أَبِي بَكْرٍ، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ يُصَلِّي قَائِمًا، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي قَاعِدًا، يَقْتَدِي أَبُو بَكْرٍ بِصَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَالنَّاسُ يَقْتَدُونَ بِصَلَاةِ أَبِي بَكْرٍ»، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَفِي رِوَايَةٍ لَهُمَا: يُسْمِعُ أَبُو بَكْرٍ النَّاسَ التَّكْبِيرَ.
_________________
(١) (وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: لَمَّا ثَقُلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ): بِفَتْحِ الثَّاءِ وَضَمِّ الْقَافِ، أَيْ: اشْتَدَّ مَرَضُهُ وَتَنَاهَى ضَعْفُهُ (جَاءَ بِلَالٌ يُؤْذِنُهُ): قَالَ الْمُظْهِرُ: بِسُكُونِ الْهَمْزِ وَتَخْفِيفِ الذَّالِ، أَيْ: يُعْلِمُهُ وَيُخْبِرُهُ، وَبِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَتَشْدِيدِ الذَّالِ يَدْعُوهُ، أَيْ: رَافِعًا صَوْتَهُ، وَالتَّأْذِينُ رَفْعُ الصَّوْتِ فِي دُعَاءِ أَحَدٍ وَمِنْهُ الْأَذَانُ اهـ. وَيَجُوزُ إِبْدَالُ الْهَمْزَةِ فِيهِمَا وَاوًا (بِالصَّلَاةِ) أَيْ: يُعْلِمُهُ بِقُرْبِهَا أَوْ يَدْعُوهُ إِلَيْهَا، لِيَؤُمَّهُمْ أَوْ يُقَدِّمَ مَنْ يَؤُمُّهُمْ، (فَقَالَ: " «مُرُوا أَبَا بَكْرٍ أَنْ يُصَلِّيَ بِالنَّاسِ»): فِي شَرْحِ السُّنَّةِ: فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ أَبَا بَكْرٍ أَفْضَلُ النَّاسِ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَوْلَاهُمْ بِخِلَافَتِهِ، كَمَا قَالَتِ الصَّحَابَةُ: رَضِيَهُ ﷺ لِدِينِنَا أَفَلَا نَرْضَاهُ لِدُنْيَانَا؟ قُلْتُ: وَقَدْ أُكِّدَ الْأَمْرُ بِمَجِيئِهِ وَاقْتِدَائِهِ بِهِ فِي بَعْضِ الصَّلَوَاتِ عَلَى مَا سَيَأْتِي مِنَ الرِّوَايَاتِ جَمْعًا بَيْنَ الدَّلِيلَيْنِ، أَعْنِي الْقَوْلِيَّ وَالْفِعْلِيَّ وَالْأَمْرِيَّ وَالتَّقْرِيرِيَّ، حَتَّى لَا يُتَوَهَّمَ أَنَّ هَذَا الْأَمْرَ اتِّفَاقِيٌّ لَا قَصْدِيٌّ، (فَصَلَّى أَبُو بَكْرٍ تِلْكَ الْأَيَّامَ) أَيْ سَبْعَ عَشْرَةَ صَلَاةً كَمَا نَقَلَهُ الدِّمْيَاطِيُّ مُدَّةَ شِدَّةِ مَرَضِهِ ﵇ (ثُمَّ إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَجَدَ فِي نَفْسِهِ خِفَّةً) أَيْ: قُوَّةً وَزَالَ بَعْضُ الْمَرَضِ (فَقَامَ يُهَادَى): بِفَتْحِ الدَّالِ كَمَا قَالَهُ ابْنُ الْمَلَكِ (بَيْنَ رَجُلَيْنِ) أَيْ: يَمْشِي مُعْتَمِدًا عَلَيْهِمَا مِنْ ضَعْفِهِ وَتَمَايُلِهِ، وَإِحْدَى يَدَيْهِ عَلَى عَاتِقِ أَحَدِهِمَا وَالْأُخْرَى عَلَى عَاتِقِ الْآخَرِ، وَالرَّجُلَانِ عَبَّاسٌ وَعَلِيٌّ، وَقِيلَ: عَبَّاسٌ وَأُسَامَةُ، وَقِيلَ: عَبَّاسٌ وَالْفَضْلُ، (وَرِجْلَاهُ تَخُطَّانِ فِي الْأَرْضِ) أَيْ: تُمَدَّانِ فِيهَا إِذْ لَا يَقْدِرُ أَنْ يَرْفَعَهُمَا عَنْهَا مِنَ الضَّعْفِ (حَتَّى دَخَلَ الْمَسْجِدَ، فَلَمَّا سَمِعَ أَبُو بَكْرٍ حِسَّهُ) أَيْ حَرَكَتَهُ أَوْ صَوْتَهُ (ذَهَبَ) أَيْ: قَصَدَ أَوْ طَفِقَ أَوْ شَرَعَ (يَتَأَخَّرُ): عَنْ مَوْضِعِهِ لِيَقُومَ ﵇ مَقَامَهُ، (فَأَوْمَأَ): بِالْهَمْزِ، وَفِي نُسْخَةِ عَفِيفِ الدِّينِ: فَأَوْمَأَ بِالْأَلِفِ الْمُبْدَلَةِ عَنِ الْيَاءِ، وَهُوَ غَيْرُ صَحِيحٍ، فَفِي الْقَامُوسِ: أَوْمَأَ كَوَضَعَ، وَأَوْمَأَ وَوَمَأَ أَشَارَ كَذَا فِي بَابِ الْهَمْزِ، وَلَمْ يَذْكُرْ مَادَّةَ وم ي أَصْلًا، نَعَمْ لَهُ وَجْهٌ أَنْ يُبْدِلَ الْهَمْزَ أَلِفًا عَلَى لُغَةٍ، أَيْ أَشَارَ (إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ لَا يَتَأَخَّرَ) أَيْ: بِعَدَمِ تَأَخُّرِهِ لِعَدَمِ خَرْمِ الصَّفِّ، وَلَيْسَ فِيهِ تَصْرِيحٌ بِشُرُوعِ أَبِي بَكْرٍ فِي الصَّلَاةِ، لَكِنْ ذَكَرَ الشَّافِعِيَّةُ أَنَّ فِي الْحَدِيثِ دَلَالَةً عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ الصَّلَاةُ بِإِمَامَيْنِ عَلَى التَّعَاقُبِ مِنْ غَيْرِ تَجْدِيدِ نِيَّةِ الِاقْتِدَاءِ بِالثَّانِي، يَعْنِي: مِنْ غَيْرِ حَذْفِ الْأَوَّلِ مِثْلَ أَنْ يَقْتَدِيَ بِإِمَامٍ فَيُفَارِقَهُ، وَيَقْتَدِيَ بِإِمَامٍ آخَرَ، وَيَجُوزُ أَنْ يَقْتَدِيَ بِإِمَامٍ وَالْمَأْمُومُ سَابِقٌ بِبَعْضِ صَلَاتِهِ، وَيَجُوزُ إِنْشَاءُ الْقُدْوَةِ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ ; لِأَنَّ الصَّحَابَةَ كَانُوا مُقْتَدِينَ بِأَبِي بَكْرٍ، وَصَارُوا مُقْتَدِينَ بِالنَّبِيِّ ﷺ وَلَمْ يُحْفَظْ عَنْهُمْ تَجْدِيدُ نِيَّةٍ. وَقَالَ الْعَسْقَلَانِيُّ: وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ إِذَا حَضَرَ الْإِمَامُ بَعْدَمَا دَخَلَ نَائِبُهُ جَازَ لَهُ أَنْ يَؤُمَّ، وَيَصِيرُ النَّائِبُ مَأْمُومًا، وَلَا تَبْطُلُ بِذَلِكَ صَلَاةُ الْمَأْمُومِينَ، وَادَّعَى ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ أَنَّهُ مِنْ خَصَائِصِهِ ﵇ وَادَّعَى الْإِجْمَاعَ عَلَى ذَلِكَ، وَنُوقِضَ بِأَنَّ الْخِلَافَ مَشْهُورٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ عَلَى ذَلِكَ اهـ. قُلْتُ: كَأَنَّهُ مَا عَدَّ خِلَافَهُمْ مُعْتَدًّا بِهِ، وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَارَ إِمَامًا لِأَبِي بَكْرٍ وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ إِمَامًا فِي أَوَّلِهَا، لَكِنِ اقْتُدِيَ بِهِ ﵇ بَعْدَ مَجِيئِهِ، وَفِيهِ أَنَّهُ مَعَ احْتِيَاجِهِ إِلَى نَقْلِ الِاقْتِدَاءِ مُخَالِفٌ لِإِجْمَاعِ الْعُلَمَاءِ، وَأَيْضًا الْمُقَرَّرُ فِي الْمَذْهَبِ أَنَّ مَنْ شَرَعَ فِي فَرْضٍ مُنْفَرِدًا يَجُوزُ لَهُ الْقَطْعُ لِلْجَمَاعَةِ، وَأَمَّا مَنْ شَرَعَ بِجَمَاعَةٍ لَا يَجُوزُ لَهُ الْإِبْطَالُ، فَيُرْجَعُ إِلَى الْقَوْلِ بِالْخُصُوصِيَّةِ فِي الْمَآلِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالْحَالِ. قَالَ السُّيُوطِيُّ: خُصَّ ﷺ بِجَوَازِ اسْتِخْلَافِهِ فِي الْإِمَامَةِ، كَمَا وَقَعَ لِأَبِي بَكْرٍ حِينَ تَأَخَّرَ وَقَدَّمَهُ فِيمَا قَالَهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ (فَجَاءَ حَتَّى جَلَسَ عَنْ يَسَارِ أَبِي بَكْرٍ): وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُ ﵇ هُوَ الْإِمَامُ بِجَعْلِهِ أَبَا بَكْرٍ عَنْ يَمِينِهِ كَمَا هُوَ الْأَفْضَلُ، وَلَوْ كَانَ مُقْتَدِيًا بِأَبِي بَكْرٍ لَكَانَ قِيَامُهُ عَمَلًا بِالْجَوَازِ أَوْ بِالضَّرُورَةِ، ثُمَّ رَأَيْتُ الطَّحَاوِيَّ ذَكَرَ أَنَّ هَذَا قُعُودُ الْإِمَامِ لَا قُعُودُ الْمَأْمُومِ، وَأُخْرَى أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ قَالَ فِي حَدِيثِهِ: فَأَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الْقِرَاءَةِ مِنْ حَيْثُ انْتَهَى أَبُو بَكْرٍ، وَلَمْ يَقْرَأْ أَبُو بَكْرٍ بَعْدَ ذَلِكَ، وَكَانَتِ الصَّلَاةُ فِيمَا يُجْهَرُ بِالْقِرَاءَةِ، فَثَبَتَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ هُوَ الْإِمَامُ إِذْ أَجْمَعُوا أَنَّ الْمَأْمُومَ لَا يَقْرَأُ فِي حَالِ الْجَهْرِ مَعَ الْإِمَامِ اهـ.
[ ٣ / ٨٧٧ ]
وَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ قِرَاءَةَ الْفَاتِحَةِ لَيْسَتْ بِرُكْنٍ كَمَا لَا يَخْفَى، (فَكَانَ أَبُو بَكْرٍ يُصَلِّي قَائِمًا): وَانْفِرَادُهُ لِكَوْنِهِ ضَرُورَةً غَيْرُ مَكْرُوهٍ، (وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي قَاعِدًا): بِسَبَبِ الْعُذْرِ (يَقْتَدِي أَبُو بَكْرٍ بِصَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ): قِيلَ: يَصْنَعُ صُنْعَهُ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: فِيهِ أَوْضَحُ الرَّدِّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ ﷺ كَانَ مُقْتَدِيًا بِأَبِي بَكْرٍ وَإِنْ تَقَدَّمَ عَلَيْهِ ; لِأَنَّ التَّقَدُّمَ عِنْدَهُمْ جَائِزٌ اهـ.
وَفِيهِ أَنَّهُ لَا تَقَدُّمَ حَيْثُ جَلَسَ عَنْ يَسَارِ أَبِي بَكْرٍ إِلَّا بِثَبْتٍ، وَلَعَلَّ الْمَالِكِيَّةَ لَهُمْ دَلِيلٌ غَيْرُ هَذَا التَّعْلِيلِ، (وَالنَّاسُ يَقْتَدُونَ بِصَلَاةِ أَبِي بَكْرٍ) أَيْ: يَصْنَعُونَ مِثْلَ مَا صَنَعَ أَبُو بَكْرٍ ; لِأَنَّهُ ﷺ كَانَ قَاعِدًا وَأَبُو بَكْرٍ كَانَ بِجَنْبِهِ قَائِمًا ; لِأَنَّ أَبَا بَكْرٍ كَانَ إِمَامَ الْقَوْمِ، وَالنَّبِيُّ ﷺ كَانَ إِمَامَهُ ; إِذِ الِاقْتِدَاءُ بِالْمَأْمُومِ لَا يَجُوزُ، بَلِ الْإِمَامُ كَانَ النَّبِيَّ ﷺ، وَأَبُو بَكْرٍ وَالنَّاسُ يَقْتَدُونَ بِهِ، كَذَا حَرَّرَهُ بَعْضُ أَئِمَّتِنَا. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَفِي رِوَايَةٍ لَهُمَا: يُسْمِعُ): مِنَ الْإِسْمَاعِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِالتَّشْدِيدِ، أَيْ: يُبَلِّغُ (أَبُو بَكْرٍ النَّاسَ التَّكْبِيرَ) أَيْ: تَكْبِيرَ النَّبِيِّ ﷺ يَعْنِي: كَانَ أَبُو بَكْرٍ مُكَبِّرًا لَا إِمَامًا، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ: فَكَانَ يُصَلِّي بِالنَّاسِ جَالِسًا، وَأَبُو بَكْرٍ قَائِمًا يَقْتَدِي أَبُو بَكْرٍ بِصَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَيَقْتَدِي النَّاسُ بِصَلَاةِ أَبِي بَكْرٍ وَفِي أُخْرَى لَهُ، أَيْضًا، وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي بِالنَّاسِ وَأَبُو بَكْرٍ يُسْمِعُهُمُ التَّكْبِيرَ، قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: وَفِي الدِّرَايَةِ وَبِهِ يُعْرَفُ جَوَازُ رَفْعِ الْمُؤَذِّنِينَ أَصْوَاتَهُمْ فِي الْجُمُعَةِ وَالْعِيدَيْنِ وَغَيْرِهَا اهـ.
أَقُولُ: لَيْسَ مَقْصُودًا خُصُوصُ الرَّفْعِ الْكَائِنِ فِي زَمَانِنَا بَلْ أَصْلُ الرَّفْعِ لِإِبْلَاغِ الِانْتِقَالَاتِ، أَمَّا خُصُوصُ هَذَا الَّذِي تَعَارَفُوهُ فِي هَذِهِ الْبِلَادِ فَلَا يَبْعُدُ أَنَّهُ مُفْسِدٌ، فَإِنَّهُ غَالِبًا يَشْتَمِلُ عَلَى مَدِّ هَمْزَةِ اللَّهُ أَكْبَرُ أَوْ أَكْبَرُ أَوْ بَائِهِ وَذَلِكَ مُفْسِدٌ، وَإِنْ لَمْ يَشْتَمِلْ فَلِأَنَّهُمْ يُبَالِغُونَ فِي الصِّيَاحِ زِيَادَةً عَلَى حَاجَةِ الْإِبْلَاغِ وَالِاشْتِغَالِ بِتَحْرِيرَاتِ النَّغَمِ إِظْهَارًا لِلصِّنَاعَةِ النَّغَمِيَّةِ لَا إِقَامَةً لِلْعِبَادَةِ، وَالصِّيَاحُ مُلْحَقٌ بِالْكَلَامِ الَّذِي سَاقَهُ ذَلِكَ الصِّيَاحُ، وَسَيَأْتِي فِي بَابِ مَا يُفْسِدُ الصَّلَاةَ أَنَّهُ إِذَا ارْتَفَعَ بُكَاؤُهُ مِنْ ذِكْرِ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ لَا تَفْسُدُ، وَلِمُصِيبَةٍ بَلَغَتْهُ تَفْسُدُ ; لِأَنَّهُ فِي التَّعَرُّضِ الْأَوَّلِ تَعَرَّضٌ لِسُؤَالِ الْجَنَّةِ وَالتَّعَوُّذِ، وَإِنْ كَانَ يُقَالُ: إِنَّ الْمُرَادَ إِذَا حَصَلَ بِهِ الْحُرُوفُ وَلَوْ صَرَّحَ بِهِ لَا تَفْسُدُ، وَفِي الثَّانِي لِإِظْهَارِهَا وَلَوْ صَرَّحَ بِهَا فَقَالَ: وَامُصِيبَتَاهُ؟ أَوْ أَدْرِكُونِي فَهُوَ مُفْسِدٌ فَهُوَ بِمَنْزِلَتِهِ، وَهُنَا مَعْلُومٌ أَنَّ قَصْدَهُ إِعْجَابُ النَّاسِ بِهِ، وَلَوْ قَالَ: اعْجَبُوا مِنْ حُسْنِ صَوْتِي وَتَحْرِيرِي فِيهِ أَفْسَدَ، وَحُصُولُ الْحُرُوفِ لَازِمٌ مِنَ التَّلْحِينِ، وَلَا أَرَى ذَلِكَ يَصْدُرُ مِمَّنْ فَهِمَ مَعْنَى الصَّلَاةِ وَالْعِبَادَةِ، كَمَا لَا أَرَى تَحْرِيرَ النَّغَمِ فِي الدُّعَاءِ كَمَا يَفْعَلُهُ الْقُرَّاءُ فِي هَذَا الزَّمَانِ يَصْدُرُ مِمَّنْ فَهِمَ مَعْنَى الدُّعَاءِ وَالسُّؤَالِ، وَمَا ذَلِكَ إِلَّا نَوْعُ لَعِبٍ فَإِنَّهُ لَوْ قُدِّرَ فِي الشَّاهِدِ سَائِلُ حَاجَةٍ مِنْ مَلِكٍ أَدَّى سُؤَالَهُ وَطَلَبَهُ بِتَحْرِيرِ النَّغَمِ فِيهِ مِنَ الرَّفْعِ وَالْخَفْضِ، وَالتَّغْرِيبِ فِي الرُّجُوعِ كَالتَّغَنِّي نُسِبَ أَلْبَتَّةَ إِلَى قَصْدِ السُّخْرِيَةِ وَاللَّعِبِ ; إِذْ مَقَامُ طَلَبِ الْحَاجَةِ التَّضَرُّعُ لَا التَّغَنِّي.
قُلْتُ: وَأَغْرَبُ مِنْهُ أَنَّهُ تَفَرَّعَ عَلَى تَطْوِيلِ الْمُكَبِّرِينَ حَتَّى فِي مَكَّةَ الْمُشَرَّفَةِ أَنَّهُ يَزِيدُ الْإِمَامُ فِي تَسْبِيحَاتِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، وَيَقِفُ فِي حَالَاتِ الِانْتِقَالَاتِ انْتِظَارًا لِفَرَاغِهِمْ مِنَ التَّمْطِيطَاتِ، فَانْقَلَبَ الْأَمْرُ وَانْعَكَسَ الْمَوْضُوعُ، وَبَقِيَ الْإِمَامُ تَابِعًا وَالْمُكَبِّرُ هُوَ الْمَتْبُوعُ. وَفِي الْهِدَايَةِ: وَيُصَلِّي الْقَائِمُ خَلْفَ الْقَاعِدِ خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ، وَالْقَاعِدُ خَلْفَ قَائِمٍ جَائِزٌ اتِّفَاقًا قَالَ مُحَمَّدٌ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: لَا يَجُوزُ لِصَحِيحٍ أَنْ يَأْتَمَّ بِمَرِيضٍ يُصَلِّي قَاعِدًا وَإِنْ كَانَ يَرْكَعُ وَيَسْجُدُ، وَيَذْهَبُ إِلَى أَنَّ صَلَاةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَهُمْ كَانَ مَخْصُوصًا أَلَا تَرَى أَنَّهُ صُلِّيَ بَعْضُهُ خَلْفَ أَبِي بَكْرٍ، وَبَعْضُهُ خَلْفَ النَّبِيِّ ﷺ، وَلَا يَجُوزُ الْيَوْمَ هَذَا عِنْدَ أَحَدٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ كَذَا ذَكَرَهُ الطَّحَاوِيُّ، وَلَا يُنَافِيهِ تَجْوِيزُ الشَّافِعِيَّةِ بَعْضَ الصُّوَرِ إِذْ لَمْ يَثْبُتْ أَنَّ الصِّدِّيقَ نَوَى الِانْتِقَالَ مِنَ الْإِمَامَةِ إِلَى الْمَأْمُومِيَّةِ، وَمَعَ الِاحْتِمَالِ لَا يَصِحُّ الِاسْتِدْلَالُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالْأَحْوَالِ.
[ ٣ / ٨٧٨ ]
١١٤١ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " «أَمَا يَخْشَى الَّذِي يَرْفَعُ رَأْسَهُ قَبْلَ الْإِمَامِ أَنْ يُحَوِّلَ اللَّهُ رَأْسَهُ رَأْسَ حِمَارٍ») . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
_________________
(١) (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " أَمَا يَخْشَى): الْهَمْزَةُ لِلِاسْتِفْهَامِ، وَ" مَا " نَافِيَةٌ (الَّذِي يَرْفَعُ رَأْسَهُ قَبْلَ الْإِمَامِ) أَيْ: مِنَ الرُّكُوعِ أَوِ السُّجُودِ مَثَلًا (أَنْ يُحَوِّلَ اللَّهُ) أَيْ: مِنْ أَنْ يُبَدِّلَ وَيُغَيِّرَ (رَأْسَهُ رَأْسَ حِمَارٍ): يَعْنِي يَجْعَلُهُ بَلِيدًا كَالْحِمَارِ الَّذِي هُوَ أَبْلَدُ الْحَيَوَانَاتِ، فَيَكُونُ مَسْخًا مَعْنَوِيًّا مَجَازِيًّا، لَكِنْ يَأْبَاهُ التَّخْصِيصُ بِالرَّأْسِ، وَيَجُوزُ الْحَمْلُ عَلَى الْحَقِيقَةِ، فَإِنَّ الْمَسْخَ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ جَائِزٌ كَمَا ذُكِرَ فِي بَابِ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ، كَذَا ذَكَرَهُ بَعْضُ عُلَمَائِنَا، وَيُؤَيِّدُهُ مَا فِي رِوَايَةِ أَنْ يُحَوِّلَ اللَّهُ صُورَتَهُ صُورَةَ حِمَارٍ، وَقَالَ الْأَشْرَفُ: أَيْ يَجْعَلُهُ بَلِيدًا وَإِلَّا فَالْمَسْخُ غَيْرُ جَائِزٍ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ، وَقَدْ سَبَقَ عَنِ الْخَطَّابِيِّ جَوَازُ الْمَسْخِ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ، فَيَجُوزُ الْحَمْلُ عَلَى الْحَقِيقَةِ كَذَا ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ عَلَى حَقِيقَتِهِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ مَسْخًا خَاصًّا، وَالْمُمْتَنِعُ الْمَسْخُ الْعَامُّ كَمَا صَرَّحَتْ بِهِ الْأَحَادِيثُ الصِّحَاحُ، وَأَنْ يَكُونَ مَجَازًا عَنِ الْبَلَادَةِ، وَيُؤَيِّدُ الْأَوَّلَ مَا حُكِيَ عَنْ بَعْضِ الْمُحَدِّثِينَ أَنَّهُ رَحَلَ إِلَى دِمَشْقَ لِأَخْذِ الْحَدِيثِ عَنْ شَيْخٍ مَشْهُورٍ بِهَا، فَقَرَأَ عَلَيْهِ جُمْلَةً، لَكِنَّهُ كَانَ يَجْعَلُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ حِجَابًا وَلَمْ يَرَ وَجْهَهُ، فَلَمَّا طَالَتْ مُلَازَمَتُهُ لَهُ رَأَى حِرْصَهُ عَلَى الْحَدِيثِ كَشَفَ لَهُ السِّتْرَ، فَرَأَى وَجْهَهُ وَجْهَ حِمَارٍ فَقَالَ لَهُ: احْذَرْ يَا بُنَيَّ أَنْ تَسْبِقَ الْإِمَامَ، فَإِنِّي لَمَّا مَرَّ بِي فِي الْحَدِيثِ اسْتَبْعَدْتُ وُقُوعَهُ فَسَبَقْتُ الْإِمَامَ فَصَارَ وَجْهِي كَمَا تَرَى اهـ. أَقُولُ: وَلَعَلَّ وَجْهَ الْمَسْخِ اسْتِبْعَادُ وُقُوعِهِ، وَإِلَّا فَالْوَاقِعُ بِخِلَافِهِ فِي مُخَالَفَةِ النَّاسِ إِمَامَهُمْ فِي الْمُسَابَقَةِ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّ هَذَا تَهْدِيدٌ شَدِيدٌ وَوَعِيدٌ أَكِيدٌ، وَيَكُونُ حَقِيقَتُهُ فِي الْبَرْزَخِ أَوْ فِي النَّارِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ الْمَسْخُ مُعَلَّقٌ عَلَى عَدَمِ الْخَشْيَةِ الْمُقَارِنَةِ مَعَ الْمُخَالَفَةِ، لَا عَلَى مُجَرَّدِ عَدَمِ الْمُتَابَعَةِ، فَيَنْدَفِعُ بِهِ قَوْلُ ابْنِ دَقِيقِ الْعِيدِ يُرَجِّحُ التَّجَوُّزَ أَنَّ التَّحْوِيلَ الظَّاهِرَ لَمْ يَقَعْ مَعَ كَثْرَةِ رَفْعِ الْمَأْمُومِينَ قَبْلَ الْإِمَامِ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ): قَالَ مِيرَكُ: وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ.
[ ٣ / ٨٧٩ ]
الْفَصْلُ الثَّانِي
١١٤٢ - عَنْ عَلِيٍّ، وَمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ﵄، قَالَا: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " «إِذَا أَتَى أَحَدُكُمُ الصَّلَاةَ وَالْإِمَامُ عَلَى حَالٍ، فَلْيَصْنَعْ كَمَا يَصْنَعُ الْإِمَامُ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَدِيثٌ غَرِيبٌ.
_________________
(١) الْفَصْلُ الثَّانِي
(٢) (عَنْ عَلِيٍّ، وَمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، قَالَا: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " إِذَا أَتَى أَحَدُكُمُ الصَّلَاةَ): قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ، أَيْ إِذَا نَوَى وَكَبَّرَ لِلْإِحْرَامِ اهـ. وَالْأَظْهَرُ أَنَّ مَعْنَاهُ إِذَا جَاءَ أَحَدُكُمُ الصَّلَاةَ (وَالْإِمَامُ عَلَى حَالٍ) أَيْ: مِنْ قِيَامٍ أَوْ رُكُوعٍ أَوْ سُجُودٍ أَوْ قُعُودٍ، (فَلْيَصْنَعْ كَمَا يَصْنَعُ الْإِمَامُ) أَيْ: فَلْيَقْتَدِ بِهِ فِي أَفْعَالِهِ وَلَا يَتَقَدَّمْ عَلَيْهِ وَلَا يَتَأَخَّرْ عَنْهُ، وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ، أَيْ: فَلْيُوَافِقِ الْإِمَامَ فِيمَا هُوَ فِيهِ مِنَ الْقِيَامِ أَوِ الرُّكُوعِ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ يَعْنِي: فَلَا يَنْتَظِرْ رُجُوعَ الْإِمَامِ إِلَى الْقِيَامِ كَمَا يَفْعَلُهُ الْعَوَامُّ. (وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ قَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ): لَا نَعْرِفُ أَحَدًا أَسْنَدَهُ إِلَّا مَا رُوِيَ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، قَالَ: وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ، قَالَ النَّوَوِيُّ: وَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ نَقَلَهُ مِيرَكُ، فَكَانَ التِّرْمِذِيُّ يُرِيدُ تَقْوِيَةَ الْحَدِيثِ بِعَمَلِ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى كَمَا قَالَ الشَّيْخُ مُحْيِي الدِّينِ بْنُ الْعَرَبِيِّ: أَنَّهُ بَلَغَنِي «عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّ مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ سَبْعِينَ أَلْفًا غُفِرَ لَهُ، وَمَنْ قِيلَ لَهُ غُفِرَ لَهُ أَيْضًا»، فَكُنْتُ ذَكَرْتُ التَّهْلِيلَةَ بِالْعَدَدِ الْمَرْوِيِّ مِنْ غَيْرِ أَنْ أَنْوِيَ لِأَحَدٍ بِالْخُصُوصِ، بَلْ عَلَى الْوَجْهِ الْإِجْمَالِيِّ، فَحَضَرْتُ طَعَامًا مَعَ بَعْضِ الْأَصْحَابِ، وَفِيهِمْ شَابٌّ مَشْهُورٌ بِالْكَشْفِ، فَإِذَا هُوَ فِي أَثْنَاءِ الْأَكْلِ أَظْهَرَ الْبُكَاءَ فَسَأَلْتُهُ عَنِ السَّبَبِ فَقَالَ: أَرَى أُمِّي فِي الْعَذَابِ فَوَهَبْتُ فِي بَاطِنِي ثَوَابَ التَّهْلِيلَةِ الْمَذْكُورَةِ لَهَا فَضَحِكَ وَقَالَ: إِنِّي أَرَاهَا الْآنَ فِي حُسْنِ الْمَآبِ، قَالَ الشَّيْخُ: فَعَرَفْتُ صِحَّةَ الْحَدِيثِ بِصِحَّةِ كَشْفِهِ، وَصِحَّةَ كَشْفِهِ بِصِحَّةِ الْحَدِيثِ.
[ ٣ / ٨٧٩ ]
١١٤٣ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " «إِذَا جِئْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ، وَنَحْنُ سُجُودٌ، فَاسْجُدُوا وَلَا تَعُدُّوهُ شَيْئًا، وَمَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ» ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
_________________
(١) (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " إِذَا جِئْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ، وَنَحْنُ سُجُودٌ): جَمْعُ سَاجِدٍ، وَحَمَلَ ابْنُ حَجَرٍ السُّجُودَ عَلَى الْمَعْنَى الْمَصْدَرِيِّ حَيْثُ قَالَ: عَدَلَ إِلَيْهِ عَنْ سَاجِدُونَ الَّذِي هُوَ الْأَصْلُ لِلْمُبَالَغَةِ كَرَجُلٍ عَدْلٍ، وَفِيهِ أَنَّهُ مَعَ صِحَّةِ الْحَقِيقَةِ لَا يُعْدَلُ إِلَى الْمَجَازِ وَلَوْ كَانَ أَبْلَغَ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [البقرة: ١٢٥] (فَاسْجُدُوا وَلَا تَعُدُّوهُ) أَيْ لَا تَحْسِبُوا ذَلِكَ السُّجُودَ (شَيْئًا) أَيْ: مِنَ الرَّكْعَةِ الَّتِي أَدْرَكْتُمْ (وَمَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً) أَيْ: رُكُوعًا مَعَ الْإِمَامِ (فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ) أَيِ: الرَّكْعَةَ، وَقِيلَ: ثَوَابُ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ، قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ، قَالَ: الْمُرَادُ صَلَاةُ الْجُمُعَةِ وَإِلَّا فَغَيْرُهَا يَحْصُلُ ثَوَابُ الْجَمَاعَةِ فِيهِ بِإِدْرَاكِ جُزْءٍ مِنَ الصَّلَاةِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: وَمَذْهَبُ مَالِكٍ أَنَّهُ لَا يَحْصُلُ فَضِيلَةُ الْجَمَاعَةِ إِلَّا بِإِدْرَاكِ رَكْعَةٍ تَامَّةٍ، سَوَاءٌ فِي الْجُمُعَةِ وَغَيْرِهَا (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ): وَقَالَ مِيرَكُ: بِإِسْنَادٍ فِيهِ يَحْيَى بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ الْمَدِينِيُّ وَهُوَ ضَعِيفٌ قَالَ الْبُخَارِيُّ: مُنْكَرُ الْحَدِيثِ، وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ: مُضْطَرِبٌ، وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ وَقَالَ: صَحِيحٌ، وَيَحْيَى وَثَّقَهُ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَرَوَى ابْنُ حِبَّانَ وَصَحَّحَهُ بِلَفْظِ: «مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصَّلَاةِ قَبْلَ أَنْ يُقِيمَ الْإِمَامُ صُلْبَهُ فَقَدْ أَدْرَكَهَا»، وَقَالَ جَمْعٌ مُحَدِّثُونَ فُقَهَاءُ مِنْ أَصْحَابِنَا: لَا تُدْرَكُ الرَّكْعَةُ بِإِدْرَاكِ الرُّكُوعِ مُطْلَقًا لِخَبَرِ: «مَنْ أَدْرَكَ الرُّكُوعَ فَلْيَرْكَعْ مَعَهُ وَلْيُعِدِ الرَّكْعَةَ»، وَرُدَّ بِأَنَّ هَذِهِ مَقَالَةٌ خَارِقَةٌ لِلْإِجْمَاعِ، وَبِأَنَّ الْحَدِيثَ لَمْ يَصِحَّ، قَالَ النَّوَوِيُّ: اتَّفَقَ أَهْلُ الْأَعْصَارِ عَلَى رَدِّهِ فَلَا يُعْتَدُّ بِهِ، وَقَوْلُ الْبُخَارِيِّ إِنَّمَا أَجَازَ إِدْرَاكَ الرُّكُوعِ مِنَ الصَّحَابَةِ مَنْ لَمْ يَرَ الْقِرَاءَةَ خَلْفَ الْإِمَامِ لَا مَنْ يَرَاهَا كَأَبِي هُرَيْرَةَ جَوَابُهُ: أَنَّ مَنْ بَعْدَ الصَّحَابَةِ أَجْمَعُوا عَلَى الْإِدْرَاكِ بِنَاءً عَلَى انْعِقَادِ الْإِجْمَاعِ عَلَى أَحَدِ قَوْلَيْنِ لِمَنْ قَبْلَهُمْ.
[ ٣ / ٨٨٠ ]
١١٤٤ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " «مَنْ صَلَّى لِلَّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا فِي جَمَاعَةٍ يُدْرِكُ التَّكْبِيرَةَ الْأُولَى، كُتِبَ لَهُ بَرَاءَتَانِ: بَرَاءَةٌ مِنَ النَّارِ، وَبَرَاءَةٌ مِنَ النِّفَاقِ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
_________________
(١) (وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " مَنْ صَلَّى لِلَّهِ) أَيْ: خَالِصًا (أَرْبَعِينَ يَوْمًا) أَيْ: وَلَيْلَةً (فِي جَمَاعَةٍ): مُتَعَلِّقٌ بِصَلَّى (يُدْرِكُ): حَالٌ (التَّكْبِيرَةَ الْأُولَى): ظَاهِرُهَا التَّكْبِيرَةُ التَّحْرِيمِيَّةُ مَعَ الْإِمَامِ، فَاحْتَمَلَ أَنْ تَشْمَلَ التَّكْبِيرَةَ التَّحْرِيمِيَّةَ لِلْمُقْتَدِي عِنْدَ لُحُوقِ الرُّكُوعِ، فَيَكُونُ الْمُرَادُ إِدْرَاكَ الصَّلَاةِ بِكَمَالِهَا مَعَ الْجَمَاعَةِ، وَهُوَ يَتِمُّ بِإِدْرَاكِ الرَّكْعَةِ الْأُولَى. (كُتِبَ لَهُ بَرَاءَتَانِ: بَرَاءَةٌ مِنَ النَّارِ) أَيْ: خَلَاصٌ وَنَجَاةٌ مِنْهَا يُقَالُ: بَرِئَ مِنَ الدَّيْنِ وَالْعَيْبِ: خَلُصَ (وَبَرَاءَةٌ مِنَ النِّفَاقِ): قَالَ الطِّيبِيُّ: أَيْ: يُؤَمِّنُهُ فِي الدُّنْيَا أَنْ يَعْمَلَ عَمَلَ الْمُنَافِقِ وَيُوَفِّقُهُ لِعِلْمِ أَهْلِ الْإِخْلَاصِ، وَفِي الْآخِرَةِ يُؤَمِّنُهُ مِمَّا يُعَذَّبُ بِهِ الْمُنَافِقُ وَيَشْهَدُ لَهُ بِأَنَّهُ غَيْرُ مُنَافِقٍ يَعْنِي: بِأَنَّ الْمُنَافِقِينَ إِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى، وَحَالُ هَذَا بِخِلَافِهِمْ قَالَهُ ابْنُ حَجَرٍ، وَفِي عَدَدِ الْأَرْبَعِينَ سِرٌّ مَكِينٌ لِلسَّالِكِينَ نَطَقَ بِهِ كِتَابٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ وَسُنَّةُ سَيِّدِ الْمُرْسَلِينَ، فَقَدْ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ: " «مَنْ أَخْلَصَ لِلَّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا ظَهَرَتْ يَنَابِيعُ الْحِكْمَةِ مِنْ قَلْبِهِ عَلَى لِسَانِهِ» " فَكَأَنَّهُ جَعَلَ هَذَا الْمِقْدَارَ مِنَ الزَّمَانِ مِعْيَارًا لِكَمَالِهِ فِي كُلِّ شَأْنٍ كَمَا كَمُلَتْ لَهُ الْأَطْوَارُ كُلُّ طَوْرٍ فِي هَذَا الْمِقْدَارِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِحَقَائِقِ الْأَسْرَارِ وَدَقَائِقِ الْآثَارِ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) وَقَالَ: وَرُوِيَ عَنْ أَنَسٍ مَوْقُوفًا نَقَلَهُ مِيرَكُ. قُلْتُ: وَمِثْلُ هَذَا مَا يُقَالُ مِنْ قِبَلِ الرَّأْيِ فَمَوْقُوفُهُ فِي حُكْمِ الْمَرْفُوعِ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ بِسَنَدٍ مُنْقَطِعٍ وَمَعَ ذَلِكَ يُعْمَلُ بِهِ فِي فَضَائِلِ الْأَعْمَالِ، وَرَوَى الْبَزَّارُ، وَأَبُو دَاوُدَ، خَبَرَ: «لِكُلِّ شَيْءٍ صَفْوَةٌ وَصَفْوَةُ الصَّلَاةِ التَّكْبِيرَةُ الْأُولَى، فَحَافِظُوا عَلَيْهَا»، وَمِنْ ثَمَّ كَانَ إِدْرَاكُهَا سُنَّةً مُؤَكَّدَةً، وَكَانَ السَّلَفُ إِذَا فَاتَتْهُمْ عَزَّوْا أَنْفُسَهُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، وَإِذَا فَاتَتْهُمُ الْجَمَاعَةُ عَزَّوْا أَنْفُسَهُمْ سَبْعَةَ أَيَّامٍ اهـ. وَكَأَنَّهُمْ مَا فَاتَتْهُمُ الْجُمُعَةُ وَإِلَّا فَعَزَّوْا أَنْفُسَهُمْ سَبْعِينَ يَوْمًا.
[ ٣ / ٨٨٠ ]
١١٤٥ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " «مَنْ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ وُضُوءَهُ، ثُمَّ رَاحَ، فَوَجَدَ النَّاسَ قَدْ صَلَّوْا ; أَعْطَاهُ اللَّهُ مِثْلَ أَجْرِ مَنْ صَلَّاهَا، وَحَضَرَهَا، لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا» ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ.
_________________
(١) (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " مَنْ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ وُضُوءَهُ، ثُمَّ رَاحَ) أَيْ: ذَهَبَ إِلَى الْمَسْجِدِ، أَيَّ وَقْتٍ كَانَ، وَفِي الْعُدُولِ عَنْ غَدَا إِلَى رَاحَ نُكْتَةٌ لَا تَخْفَى، (فَوَجَدَ النَّاسَ قَدْ صَلَّوْا): فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الْمُصَلِّينَ هُمُ النَّاسُ، وَالْبَاقُونَ كَالنِّسْنَاسِ (أَعْطَاهُ اللَّهُ مِثْلَ أَجْرِ مَنْ صَلَّاهَا) أَيْ: مِنْ أَفْرَادِهِمْ (وَحَضَرَهَا): مِنْ أَوَّلِهَا، وَنُقِلَ عَنْ خَطِّ السَّيِّدِ السِّنْد مَيْر بَادْشَاهْ ﵀: إِنَّ فِي نُسْخَةِ شَيْخِ الْمُحَدِّثِينَ جَمَالِ الدِّينِ فَحَضَرَهَا بِالْفَاءِ اهـ. وَلَا يَخْفَى عَدَمُ صِحَّةِ الْفَاءِ فِي الْمَعْنَى، مَعَ أَنَّهُ مُخَالِفٌ لِلنُّسَخِ الْمُصَحَّحَةِ الْمَقْرُوءَةِ عَلَى مَشَايِخِ السُّنَّةِ. (لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا): مِنَ الْأَجْرِ أَوِ النَّقْصُ لِكَمَالِ فَضْلِ اللَّهِ وَسِعَةِ رَحْمَتِهِ، قَالَ الْمُظْهِرُ: هَذَا إِذَا لَمْ يَكُنِ التَّأْخِيرُ نَاشِئًا عَنِ التَّقْصِيرِ قَالَ الطِّيبِيُّ: لَعَلَّهُ يُعْطَى الثَّوَابَ لِوَجْهَيْنِ. أَحَدُهُمَا: أَنَّ نِيَّةَ الْمُؤْمِنِ خَيْرٌ مِنْ عَمَلِهِ، وَالْآخَرُ جَبْرًا لِمَا حَصَلَ لَهُ مِنَ التَّحَسُّرِ لِفَوَاتِهَا اهـ. وَالتَّحْقِيقُ أَنَّهُ يُعْطَى لَهُ بِالنِّيَّةِ أَصْلُ الثَّوَابِ وَبِالتَّحَسُّرِ مَا فَاتَهُ مِنَ الْمُضَاعَفَةِ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ): وَسَكَتَ عَلَيْهِ هُوَ وَالْمُنْذِرِيُّ قَالَهُ مِيرَكُ. (وَالنَّسَائِيُّ) .
[ ٣ / ٨٨١ ]
١١٤٦ - «وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ وَقَدْ صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ: " أَلَا رَجُلٌ يَتَصَدَّقُ عَلَى هَذَا فَيُصَلِّيَ، مَعَهُ؟ " فَقَامَ رَجُلٌ فَصَلَّى مَعَهُ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ.
_________________
(١) (وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ وَقَدْ صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ): قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: أَيِ: الْعَصْرَ اهـ. وَلَا أَعْرِفُ لَهُ أَصْلًا فَلَا يُنَافِي مَذْهَبَنَا أَنَّ النَّافِلَةَ مَكْرُوهَةٌ بَعْدَ الصُّبْحِ وَالْعَصْرِ، وَالْحَدِيثُ مَحْمُولٌ عَلَى غَيْرِهَا وَعَلَى غَيْرِ الْمَغْرِبِ ; إِذْ لَا يُتَنَفَّلُ بِالثَّلَاثِ، وَلَا يُحْمَلُ عَلَى الْإِعَادَةِ فَإِنَّهَا مَكْرُوهَةٌ عِنْدَنَا، وَلَا دَلَالَةَ فِي الْحَدِيثِ عَلَى غَيْرِ مَا ذَكَرْنَا. (فَقَالَ: " أَلَا رَجُلٌ يَتَصَدَّقُ عَلَى هَذَا الرَّجُلِ) أَيْ: يَتَفَضَّلُ عَلَيْهِ وَيُحْسِنُ إِلَيْهِ (فَيُصَلِّيَ): بِالنَّصْبِ (مَعَهُ؟): لِيَحْصُلَ لَهُ ثَوَابُ الْجَمَاعَةِ، فَيَكُونَ كَأَنَّهُ قَدْ أَعْطَاهُ صَدَقَةً، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ دَلَالَةَ أَحَدٍ عَلَى الْخَيْرِ وَتَحْرِيضَهُ عَلَيْهِ صَدَقَةٌ، قَالَ الْمُظْهِرُ: سَمَّاهُ صَدَقَةً ; لِأَنَّهُ يَتَصَدَّقُ عَلَيْهِ بِثَوَابِ سِتٍّ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً ; إِذْ لَوْ صَلَّى مُنْفَرِدًا لَمْ يَحْصُلْ لَهُ إِلَّا ثَوَابُ صَلَاةٍ وَاحِدَةٍ، قَالَ الطِّيبِيُّ: قَوْلُهُ: فَيُصَلِّيَ مَنْصُوبٌ لِوُقُوعِهِ جَوَابَ قَوْلِهِ: أَلَا رَجُلٌ، كَقَوْلِكَ، أَلَا تَنْزِلُ فَتُصِيبَ خَيْرًا، وَقِيلَ: الْهَمْزَةُ لِلِاسْتِفْهَامِ وَلَا بِمَعْنَى لَيْسَ، فَعَلَى هَذَا فَيُصَلِّي مَرْفُوعٌ عَطْفًا عَلَى الْخَبَرِ، وَهَذَا أَوْلَى اهـ. وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ نَصْبًا عَلَى جَوَابِ الِاسْتِفْهَامِ نَحْوَ: هَلْ عِنْدَكَ مَاءٌ فَأَشْرَبَهُ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: بِالنَّصْبِ جَوَابُ الِاسْتِفْهَامِ، وَيَصِحُّ الرَّفْعُ عَطْفًا عَلَى " يَتَصَدَّقُ " الْوَاقِعُ خَبَرًا لِـ " لَا " الَّتِي بِمَعْنَى " لَيْسَ " (فَقَامَ رَجُلٌ): قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: هُوَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ كَمَا فِي سُنَنِ الْبَيْهَقِيِّ. (فَصَلَّى مَعَهُ): قَالَ الطِّيبِيُّ: وَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ مَنْ صَلَّى جَمَاعَةً يَجُوزُ أَنْ يُصَلِّيَ مَرَّةً أُخْرَى جَمَاعَةً إِمَامًا أَوْ مَأْمُومًا اهـ. وَتَبِعَهُ ابْنُ حَجَرٍ، قُلْتُ: الدَّلَالَةُ عَلَى كَوْنِ الْمُعِيدِ إِمَامًا مَمْنُوعَةٌ، وَأَيْضًا حُمِلَ فِعْلُ الصَّحَابَةِ فِي حَضْرَةِ النُّبُوَّةِ عَلَى الْأَمْرِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ، وَهُوَ اقْتِدَاءُ الْمُتَنَفِّلِ بِالْمُفْتَرِضِ أَوْلَى مِنْ حَمْلِهِ عَلَى الْأَمْرِ الْمُخْتَلَفِ إِلَيْهِ، وَهُوَ اقْتِدَاءُ الْمُفْتَرِضِ بِالْمُتَنَفِّلِ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ): وَسَكَتَ عَلَيْهِ، قَالَ مِيرَكُ: قُلْتُ: الْأَنْسَبُ إِيرَادُ الْأَحَادِيثِ الثَّلَاثَةِ فِي بَابِ فَضِيلَةِ الْجَمَاعَةِ.
[ ٣ / ٨٨١ ]
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
١١٤٧ - «عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ، فَقُلْتُ: أَلَا تُحَدِّثِينِي عَنْ مَرَضِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؟ قَالَتْ: بَلَى، ثَقُلَ النَّبِيُّ ﷺ، فَقَالَ: " أَصَلَّى النَّاسُ؟ " فَقُلْنَا: لَا يَا رَسُولَ اللَّهِ! وَهُمْ يَنْتَظِرُونَكَ. فَقَالَ: " ضَعُوا لِي مَاءً فِي الْمِخْضَبِ "، قَالَتْ: فَفَعَلْنَا، فَاغْتَسَلَ، فَذَهَبَ لِيَنُوءَ، فَأُغْمِيَ عَلَيْهِ، ثُمَّ أَفَاقَ، فَقَالَ: " أَصَلَّى النَّاسُ؟ " فَقُلْنَا: لَا هُمْ يَنْتَظِرُونَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ! قَالَ: " ضَعُوا لِي مَاءً فِي الْمِخْضَبِ ". قَالَتْ: فَقَعَدَ فَاغْتَسَلَ، ثُمَّ ذَهَبَ لِيَنُوءَ، فَأُغْمِيَ عَلَيْهِ، ثُمَّ أَفَاقَ، فَقَالَ: " أَصَلَّى النَّاسُ؟ " فَقُلْنَا: لَا هُمْ يَنْتَظِرُونَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: " ضَعُوا لِي مَاءً فِي الْمِخْضَبِ ". فَقَعَدَ فَاغْتَسَلَ، ثُمَّ ذَهَبَ لِيَنُوءَ، فَأُغْمِيَ عَلَيْهِ، ثُمَّ أَفَاقَ، فَقَالَ: " أَصَلَّى النَّاسُ؟ " قُلْنَا لَا، هُمْ يَنْتَظِرُونَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ. وَالنَّاسُ عُكُوفٌ فِي الْمَسْجِدِ يَنْتَظِرُونَ النَّبِيَّ ﷺ لِصَلَاةِ الْعِشَاءِ الْآخِرَةِ، فَأَرْسَلَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى أَبِي بَكْرٍ بِأَنْ يُصَلِّيَ بِالنَّاسِ، فَأَتَاهُ الرَّسُولُ، فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَأْمُرُكَ أَنْ تُصَلِّيَ بِالنَّاسِ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ - وَكَانَ رَجُلًا رَقِيقًا -: يَا عُمَرُ! صَلِّ بِالنَّاسِ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: أَنْتَ أَحَقُّ بِذَلِكَ، فَصَلَّى أَبُو بَكْرٍ تِلْكَ الْأَيَّامَ. ثُمَّ إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَجَدَ فِي نَفْسِهِ خِفَّةً، وَخَرَجَ بَيْنَ رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا الْعَبَّاسُ لِصَلَاةِ الظُّهْرِ، وَأَبُو بَكْرٍ يُصَلِّي بِالنَّاسِ، فَلَمَّا رَآهُ أَبُو بَكْرٍ ذَهَبَ لِيَتَأَخَّرَ، فَأَوْمَأَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ بِأَنْ لَا يَتَأَخَّرَ، قَالَ: " أَجْلِسَانِي إِلَى جَنْبِهِ "، فَأَجْلَسَاهُ إِلَى جَنْبِ أَبِي بَكْرٍ، وَالنَّبِيُّ ﷺ قَاعِدٌ، وَقَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ: فَدَخَلْتُ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، فَقُلْتُ لَهُ: أَلَا أَعْرِضُ عَلَيْكَ مَا حَدَّثَتْنِي بِهِ عَائِشَةُ مِنْ مَرَضِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؟ قَالَ: هَاتِ، فَعَرَضْتُ عَلَيْهِ حَدِيثَهَا فَمَا أَنْكَرَ مِنْهُ شَيْئًا، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: أَسَمَّتْ لَكَ الرَّجُلَ الَّذِي كَانَ مَعَ الْعَبَّاسِ؟ قُلْتُ: لَا، قَالَ: هُوَ عَلِيٌّ ﵁» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
_________________
(١) الْفَصْلُ الثَّالِثُ
(٢) (عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ) أَيْ: ابْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَهُ مِيرَكُ: وَقَدْ صَرَّحَ بِهِ ابْنُ الْهُمَامِ، وَقَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ، أَيْ: ابْنُ عَمْرٍو غَيْرُ صَحِيحٍ، قَالَ الْمُؤَلِّفَ: هُوَ مِنْ كِبَارِ التَّابِعِينَ (قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ، فَقُلْتُ: أَلَا تُحَدِّثِينِي عَنْ مَرَضِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؟) أَيْ: مَرِضِ مَوْتِهِ (قَالَتْ: بَلَى، ثَقُلَ النَّبِيُّ ﷺ): بِضَمِّ الْقَافِ، أَيِ اشْتَدَّ
[ ٣ / ٨٨١ ]
مَرَضُهُ (فَقَالَ: " أَصَلَّى النَّاسُ؟ " فَقُلْنَا): وَفِي نُسْخَةٍ: قُلْتُ: (لَا) أَيْ: مَا صَلَّوْا (يَا رَسُولَ اللَّهِ وَهُمْ يَنْتَظِرُونَكَ) أَيْ: خُرُوجَكَ أَوْ أَمْرَكَ، قَالَ الطِّيبِيُّ: حَالٌ مِنَ الْمُقَدَّرِ، أَيْ: لَمْ يُصَلُّوا، وَالْحَالُ أَنَّهُمْ يَنْتَظِرُونَكَ (فَقَالَ): وَفِي نُسْخَةِ عَفِيفٍ قَالَ: (ضَعُوا): أَمْرٌ مِنَ الْوَضْعِ (لِي) أَيْ: لِأَجْلِي (مَاءً فِي الْمِخْضَبِ): بِكَسْرِ الْمِيمِ شِبْهُ الْمِرْكَنِ وَهِيَ إِجَانَةٌ يُغْسَلُ فِيهَا الثِّيَابُ. (قَالَتْ: فَفَعَلْنَا) أَيْ: نَحْنُ مَعَ الْخَدَمِ (فَاغْتَسَلَ، فَذَهَبَ) أَيْ: شَرَعَ (لِيَنُوءَ) أَيْ: يَقُومُ، قَالَ الطِّيبِيُّ: النَّوْءُ النُّهُوضُ وَالطُّلُوعُ. (فَأُغْمِيَ عَلَيْهِ) أَيْ: لِشِدَّةِ مَا حَصَلَ لَهُ مِنْ تَنَاهِي الضَّعْفِ وَفُتُورِ الْأَعْضَاءِ عَنْ تَمَامِ الْحَرَكَةِ، وَفِيهِ جَوَازُ الْإِغْمَاءِ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ، وَحِكْمَةُ مَا يَعْتَرِيهِمْ مِنَ الْمَرَضِ وَمَصَائِبِ الدُّنْيَا تَكْثِيرُ أُجُورِهِمْ وَتَسْلِيَةُ النَّاسِ بِأَحْوَالِهِمْ وَأُمُورِهِمْ، وَلِئَلَّا يُفْتَنُوا بِهِمْ لِمَا ظَهَرَ عَلَى يَدَيْهِمْ مِنْ خَوَارِقِ الْمُعْجِزَاتِ. (ثُمَّ أَفَاقَ فَقَالَ: " أَصَلَّى النَّاسُ؟ " فَقُلْنَا): بِلَا فَاءٍ (لَا، هُمْ): وَفِي نُسْخَةٍ: وَهُمْ (يَنْتَظِرُونَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ! قَالَ: " ضَعُوا لِي مَاءً فِي الْمِخْضَبِ ". قَالَتْ): كَذَا فِي النُّسَخِ الْمُصَحَّحَةِ (فَقَعَدَ فَاغْتَسَلَ): قَالَ الطِّيبِيُّ: فِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى اسْتِحْبَابِ الْغُسْلِ مِنَ الْإِغْمَاءِ، وَإِذَا تَكَرَّرَ الْإِغْمَاءُ اسْتُحِبَّ تَكْرَارُ الْغُسْلِ، وَلَوِ اغْتَسَلَ مَرَّةً لِتَعَدُّدِ الْإِغْمَاءِ جَازَ اهـ.
وَجَازَ أَنْ يَكُونَ الِاغْتِسَالُ لِأَجْلِ التَّبْرِيدِ وَالتَّقْوِيَةِ عَلَى الِاغْتِسَالِ (ثُمَّ ذَهَبَ لِيَنُوءَ، فَأُغْمِيَ عَلَيْهِ، ثُمَّ أَفَاقَ، فَقَالَ: " أَصَلَّى النَّاسُ؟ " فَقُلْنَا: لَا ; هُمْ يَنْتَظِرُونَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: " ضَعُوا لِي مَاءً فِي الْمِخْضَبِ "، فَقَعَدَ فَاغْتَسَلَ، ثُمَّ ذَهَبَ لِيَنُوءَ، فَأُغْمِيَ عَلَيْهِ، ثُمَّ أَفَاقَ): مِنْ وَقْعِ الْإِغْمَاءِ وَالْإِفَاقَةِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ قَالَ الْأَسَنَوِيُّ فِي الْمُهِمَّاتِ: نَقَلَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ أَنَّ الْإِغْمَاءَ لَا يَجُوزُ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ إِلَّا سَاعَةً أَوْ سَاعَتَيْنِ، فَأَمَّا الشَّهْرُ أَوِ الشَّهْرَيْنِ فَلَا يَجُوزُ كَالْجُنُونِ، (فَقَالَ: " أَصَلَّى النَّاسُ؟ " قُلْنَا: لَا. هُمْ يَنْتَظِرُونَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ): وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُ ﵇ بِكُلِّيَّةِ بَاطِنِهِ مُتَوَجِّهٌ إِلَيَّ أَدَاءِ الصَّلَاةِ مَعَ أُمَّتِهِ، (وَالنَّاسُ عُكُوفٌ): بِضَمِّ الْعَيْنِ جَمْعٌ، أَيْ: عَاكِفُونَ مُقِيمُونَ (فِي الْمَسْجِدِ): قَالَ الطِّيبِيُّ: الْعُكُوفُ: الْإِقَامَةُ عَلَى الشَّيْءِ أَوْ بِالْمَكَانِ وَلُزُومُهُمَا، (يَنْتَظِرُونَ النَّبِيَّ ﷺ) أَيْ: خُرُوجَهُ (لِصَلَاةِ الْعِشَاءِ الْآخِرَةِ): قَالَ الشَّيْخُ: كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِلَامِ التَّعْلِيلِ، وَفِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي وَالسَّرْخَسِيِّ: الْعِشَاءِ الْأَخِيرَةِ، وَتَوْجِيهُهُ أَنَّ الرَّاوِيَ كَأَنَّهُ فَسَّرَ الصَّلَاةَ الْمَسْئُولَ عَنْهَا فِي قَوْلِهِ ﵇: " أَصَلَّى النَّاسُ " فَذَكَرَ أَنَّ الصَّلَاةَ الْمَسْئُولَ عَنْهَا هِيَ الْعِشَاءُ الْأَخِيرَةُ، كَذَا ذَكَرَهُ الْأَبْهَرِيُّ.
(فَأَرْسَلَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى أَبِي بَكْرٍ: بِأَنْ): وَفِي نُسْخَةٍ لِأَنْ (يُصَلِّيَ بِالنَّاسِ، فَأَتَاهُ الرَّسُولُ) أَيْ: رَسُولُ النَّبِيِّ ﷺ، وَهُوَ بِلَالٌ الْمُؤَذِّنُ، قَالَهُ الْعَسْقَلَانِيُّ. (فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ): وَفِي نُسْخَةٍ: النَّبِيَّ (ﷺ يَأْمُرُكَ أَنْ تُصَلِّيَ بِالنَّاسِ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ - وَكَانَ رَجُلًا): جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ مَقُولُ عَائِشَةَ (رَقِيقًا -) أَيْ: رَقِيقَ الْقَلْبِ فَلَمْ يَقْدِرْ أَنْ يَقُومَ مَقَامَهُ ﷺ، أَوْ كَانَ رَحِيمًا لَطِيفًا مُتَوَاضِعًا خَلِيقًا، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: أَيْ هَيِّنًا لَيِّنًا ضَعِيفًا، وَفِي رِوَايَةٍ: إِنَّهُ رَجُلٌ أَسِيفٌ مِنَ الْأَسَفِ وَهُوَ شِدَّةُ الْحُزْنِ وَالْبُكَاءِ، وَالْمُرَادُ بِهِ رَقِيقُ الْقَلْبِ، وَفَسَّرَهُ أَحَدُ رُوَاتِهِ بِأَنَّهُ رَقِيقٌ رَحِيمٌ (يَا عُمَرُ! صَلِّ بِالنَّاسِ): كَأَنَّهُ عُلِمَ بِالْقَرَائِنِ أَنَّهُ - ﵇ - لَمْ يُعَيِّنْهُ عَلَى جِهَةِ الْإِلْزَامِ لَهُ، كَذَا ذَكَرَهُ ابْنُ حَجَرٍ، أَوْ بِنَاءً عَلَى تَوَاضُعِهِ وَجَوَازِ الْإِذْنِ لِغَيْرِهِ، سِيَّمَا مَعَ ظُهُورِ عُذْرِهِ مِمَّا يُوجِبُ الْبُكَاءَ فِي قِيَامِهِ مَقَامَهُ مَعَ كَمَالِ رِقَّةِ قَلْبِهِ، وَرَأَى أَنَّ عُمَرَ أَقْوَى قَلْبًا مِنْهُ (فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: أَنْتَ أَحَقُّ بِذَلِكَ) أَيْ: فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، أَوْ لِاخْتِصَاصِهِ بِالْأَمْرِ الَّذِي يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الْأُمُورُ (فَصَلَّى أَبُو بَكْرٍ تِلْكَ الْأَيَّامَ) أَيْ: أَيَّامَ الْمَرَضِ كُلَّهَا مِنَ الصَّلَوَاتِ السَّبْعَةَ عَشَرَ.
[ ٣ / ٨٨٢ ]
(ثُمَّ إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَجَدَ مِنْ نَفْسِهِ): وَفِي نُسْخَةٍ: فِي نَفْسِهِ (خِفَّةً) أَيْ: مِنَ الْمَرَضِ وَقُوَّةً عَلَى الْخُرُوجِ إِلَى الْجَمَاعَةِ (وَخَرَجَ بَيْنَ رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا: الْعَبَّاسُ): وَالْآخَرُ: عَلِيٌّ، كَمَا سَيَأْتِي (لِصَلَاةِ الظُّهْرِ، وَأَبُو بَكْرٍ يُصَلِّي بِالنَّاسِ، فَلَمَّا رَآهُ أَبُو بَكْرٍ ذَهَبَ) أَيْ: شَرَعَ (لِيَتَأَخَّرَ، فَأَوْمَأَ) أَيْ: أَشَارَ (إِلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ بِأَنْ لَا يَتَأَخَّرَ، قَالَ: " أَجْلِسَانِي إِلَى جَنْبِهِ "، فَأَجْلَسَاهُ إِلَى جَنْبِ أَبِي بَكْرٍ، وَالنَّبِيُّ ﷺ قَاعِدٌ، وَقَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ) أَيِ الرَّاوِي: (فَدَخَلْتُ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، فَقُلْتُ لَهُ: أَلَا أَعْرِضُ عَلَيْكَ مَا حَدَّثَتْنِي عَائِشَةُ عَنْ مَرَضِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؟) أَيْ: وَعَنْ صَلَاتِهِ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ، وَإِنَّمَا اقْتَصَرَ عَلَى الْأَوَّلِ ; لِأَنَّهُ الْمَقْصُودُ بِالسُّؤَالِ (قَالَ: هَاتِ): مُفْرَدُ هَاتُوا بِمَعْنَى أَحْضِرْ (فَعَرَضْتُ عَلَيْهِ) أَيْ: عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ (حَدِيثَهَا فَمَا أَنْكَرَ) أَيْ: عَلَيْهِ (مِنْهُ) أَيْ: مِمَّا ذَكَرَهُ (شَيْئًا): مَصْدَرٌ، أَيْ: مَا أَنْكَرَ شَيْئًا مِنَ الْإِنْكَارِ فَهُوَ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ، كَذَا ذَكَرَهُ ابْنُ حَجَرٍ، وَالْأَظْهَرُ أَنْ يَكُونَ مَفْعُولًا بِهِ، أَيْ: مَا أَنْكَرَ شَيْئًا مِنَ الْأَشْيَاءِ (غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: أَسَمَّتْ لَكَ الرَّجُلَ) أَيْ: إِلَّا هَذَا الْإِنْكَارَ، وَالْمَعْنَى: إِلَّا أَنَّهُ أَنْكَرَ عَدَمَ تَسْمِيَتِهَا لِمَنْ مَعَ الْعَبَّاسِ ; حَيْثُ قَالَ: أَسَمَّتْ لَكَ الرَّجُلَ (الَّذِي كَانَ مَعَ الْعَبَّاسِ؟): قِيلَ: كَأَنَّهُ أَنْكَرَ عَلَى عَائِشَةَ أَنَّهَا لَمْ تُسَمِّ عَلِيًّا مَعَ الْعَبَّاسِ لَمَّا كَانَ عِنْدَهَا شَيْءٌ مِنْ عَلِيٍّ.
قُلْتُ: إِنَّمَا هَجَرَتِ اسْمَهُ لَا أَنَّهَا أَبْغَضَتْهُ بِقَلْبِهَا، وَهَذَا كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لَهَا: " «إِنِّي أَعْرِفُ رِضَاكِ وَعَدَمَ رِضَاكِ عَنِّي " فَقَالَتْ: كَيْفَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ: " تَقُولِينَ عِنْدَ الرِّضَا، لَا وَرَبِّ مُحَمَّدٍ، وَعِنْدَ عَدَمِ الرِّضَا لَا وَرَبِّ إِبْرَاهِيمَ ". فَقَالَتْ: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَكِنِّي مَا أَهْجُرُ إِلَّا اسْمَكَ» مَعَ أَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنَّهَا مَا سَمَّتْهُ لِنِسْيَانِهَا، أَوْ ذُهُولِهَا، أَوْ لِوُقُوعِ الشَّكِّ أَنَّهُ الثَّانِي أَوْ أُسَامَةُ كَمَا قِيلَ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. ثُمَّ رَأَيْتُ ابْنَ حَجَرٍ قَالَ: وَوَجْهُ عَدَمِ تَسْمِيَتِهَا لَهُ قِيلَ: مَا كَانَ فِي نَفْسِهَا مِنْهُ لَمَّا قَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فِي قَضِيَّةِ الْإِفْكِ قَبْلَ نُزُولِ بَرَاءَتِهَا: «النِّسَاءُ سِوَاهَا كَثِيرٌ»، وَفِيهِ نَظَرٌ ; لِأَنَّهَا سَمَّتْهُ فِي رِوَايَةٍ: وَإِنَّمَا أَبْهَمَتْهُ فِي هَذِهِ ; لِأَنَّهُ جَاءَ فِي رِوَايَاتٍ أَنَّ الَّذِي كَانَ مَعَ الْعَبَّاسِ وَلَدُهُ الْفَضْلُ تَارَةً أُخْرَى وَعَلِيٌّ أُخْرَى، فَإِبْهَامُهُ لِأَنَّهُ تَعَدَّدَ لَا لِمَا ذُكِرَ اهـ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ قَالَ: أَسَمَّتْهُ لَكَ أَوْ مَا سَمَّتْهُ لَكَ؟ (قُلْتُ: لَا، قَالَ: هُوَ عَلِيُّ ﵁. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ): قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: وَمَا رَوَى التِّرْمِذِيُّ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: «صَلَّى النَّبِيُّ ﷺ فِي مَرَضِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ خَلْفَ أَبِي بَكْرٍ قَاعِدًا»، وَقَالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَأَخْرَجَ النَّسَائِيُّ عَنْ أَنَسٍ: «آخِرُ صَلَاةٍ صَلَّاهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَعَ الْقَوْمِ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ مُتَوَشِّحًا خَلْفَ أَبِي بَكْرٍ»، فَأَوَّلًا: لَا يُعَارِضُ مَا فِي الصَّحِيحِ، وَثَانِيًا: قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: لَا تَعَارُضَ، فَالصَّلَاةُ الَّتِي كَانَ فِيهَا إِمَامًا صَلَاةُ الظُّهْرِ يَوْمَ السَّبْتِ أَوِ الْأَحَدِ، وَالَّتِي كَانَ فِيهَا مَأْمُومًا الصُّبْحُ مِنَ الِاثْنَيْنِ وَهَى آخِرُ صَلَاةٍ صَلَّاهَا حَتَّى خَرَجَ مِنَ الدُّنْيَا، وَلَا يُخَالِفُ هَذَا مَا ثَبَتَ عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَنَسٍ فِي صَلَاتِهِمْ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ، وَكَشْفِ السِّتْرِ ثُمَّ إِرْخَائِهِ، فَإِنَّهُ كَانَ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى، ثُمَّ إِنَّهُ وَجَدَ مِنْ نَفْسِهِ خِفَّةً، فَخَرَجَ وَأَدْرَكَ مَعَهُ الثَّانِيَةَ، يَدُلُّ عَلَيْهِ مَا ذَكَرَ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ فِي الْمَغَازِي عَنِ الزُّهْرِيِّ.
وَذَكَرَهُ أَبُو الْأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ أَنَّهُ ﵇ أَقْلَعَ عَنْهُ الْوَعْكُ، أَيِ: الْحُمَّى لَيْلَةَ الِاثْنَيْنِ، فَغَدَا إِلَى الصُّبْحِ يَتَوَكَّأُ عَلَى الْفَضْلِ بْنِ عَبَّاسٍ وَغُلَامٍ لَهُ، وَقَدْ سَجَدَ النَّاسُ مَعَ أَبِي بَكْرٍ حَتَّى قَامَ إِلَى جَنْبِ أَبِي بَكْرٍ فَاسْتَأْخَرَ أَبُو بَكْرٍ، فَأَخَذَ ﵇ بِثَوْبِهِ فَقَدَّمَهُ فِي مُصَلَّاةٍ فَصُفَّا جَمِيعًا وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ جَالِسٌ وَأَبُو بَكْرٍ يَقْرَأُ، فَرَكَعَ مَعَهُ الرَّكْعَةَ الْأُخْرَى، ثُمَّ جَلَسَ أَبُو بَكْرٍ حَتَّى قَضَى سُجُودَهُ فَتَشَهَّدَ وَسَلَّمَ، وَأَتَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالرَّكْعَةِ الْأُخْرَى، ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَى جِذْعٍ مِنْ جُذُوعِ الْمَسْجِدِ فَذَكَرَ الْقِصَّةَ فِي عَهْدِهِ إِلَى أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ فِيمَا بَعَثَهُ إِلَيْهِ، ثُمَّ فِي وَفَاتِهِ ﵇ يَوْمَئِذٍ أَخْبَرَنَا بِهِ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ بِسَنَدِهِ إِلَى ابْنِ لَهِيعَةَ، حَدَّثَنَا الْأَسْوَدُ عَنْ عُرْوَةَ فَذَكَرَهُ، فَالصَّلَاةُ الَّتِي صَلَّاهَا أَبُو بَكْرٍ مَأْمُومًا صَلَاةُ الظُّهْرِ، وَهِيَ الَّتِي خَرَجَ فِيهَا بَيْنَ الْعَبَّاسِ وَعَلِيٍّ وَالَّتِي كَانَ فِيهَا إِمَامًا الصُّبْحُ وَهِيَ الَّتِي خَرَجَ فِيهَا بَيْنَ الْفَضْلِ بْنِ عَبَّاسٍ وَغُلَامٍ لَهُ فَقَدْ حَصَلَ بِذَلِكَ الْجَمْعُ اهـ.
وَالْمُرَادُ بِحَدِيثِ كَشْفِ السِّتَارَةِ مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ أَنَّ كَشْفَهَا يَوْمَ الِاثْنَيْنِ وَهُمْ صُفُوفٌ فِي الصَّلَاةِ، ثُمَّ تَبَسَّمَ ضَاحِكًا، وَنَكَصَ أَبُو بَكْرٍ عَلَى عَقِبِهِ ظَنًّا أَنَّهُ - ﵇ - خَارِجٌ لِلصَّلَاةِ، فَأَشَارَ إِلَيْهِمْ أَنْ أَتِمُّوا، ثُمَّ دَخَلَ وَأَرْخَى السِّتْرَ، وَتُوُفِّيَ ﷺ مِنْ يَوْمِهِ ذَلِكَ. وَفِي الْبُخَارِيِّ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ صَلَاةَ الْفَجْرِ.
قَالَ الشَّافِعِيُّ - ﵀ - بَعْدَمَا أَسْنَدَ عَنْ جَابِرٍ، وَأُسَيْدِ بْنِ حُضَيْرٍ اقْتِدَاءَ الْجَالِسِينَ بِهِمَا وَهُمَا جَالِسَانِ لِلْمَرَضِ، وَإِنَّمَا فَعَلَا ذَلِكَ لِأَنَّهُمَا لَمْ يَعْلَمَا بِالنَّاسِخِ، وَكَذَا مَا حُكِيَ عَنْ غَيْرِهِمْ مِنَ الصَّحَابَةِ أَنَّهُمْ أَمُّوا جَالِسِينَ وَالنَّاسُ جُلُوسٌ مَحْمُولٌ عَلَيْهِ، وَعِلْمُ الْخَاصَّةِ يُوجَدُ عِنْدَ بَعْضٍ وَيَعْزُبُ عَنْ بَعْضٍ اهـ كَلَامُ الْمُحَقِّقِ.
[ ٣ / ٨٨٣ ]
١١٤٨ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: مَنْ أَدْرَكَ الرَّكْعَةَ فَقَدْ أَدْرَكَ السَّجْدَةَ، وَمَنْ فَاتَتْهُ قِرَاءَةُ أُمِّ الْقُرْآنِ فَقَدْ فَاتَهُ خَيْرٌ كَثِيرٌ. رَوَاهُ مَالِكٌ.
_________________
(١) (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ): قَالَ الطِّيبِيُّ: يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ رَاجِعًا إِلَى أَبِي هُرَيْرَةَ، فَحِينَئِذٍ يَكُونُ مَوْقُوفًا. قُلْتُ: الظَّاهِرُ أَنَّهُ مَوْقُوفٌ وَاحْتِمَالُ الْمَرْفُوعِ بَعِيدٌ، لَكِنَّ مِثْلَ هَذَا الْمَوْقُوفِ فِي حُكْمِ الْمَرْفُوعِ. (مَنْ أَدْرَكَ الرَّكْعَةَ) أَيِ: الرُّكُوعَ (فَقَدْ أَدْرَكَ السَّجْدَةَ) أَيِ: الرَّكْعَةَ أَوِ الصَّلَاةَ، أَيْ: فَضِيلَةُ جَمَاعَتِهَا بِكَمَالِهَا، (وَمَنْ فَاتَهُ قِرَاءَةُ أُمِّ الْقُرْآنِ) أَيْ: بِأَنْ لَمْ يَقْرَأْهَا فِي صَلَاتِهِ وَقَرَأَ غَيْرَهَا، (فَقَدْ فَاتَهُ خَيْرٌ كَثِيرٌ) ; لِأَنَّهَا أَصْلُ الْقُرْآنِ فَثَوَابُ صَلَاتِهِ نَاقِصٌ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ - ﵇ -: " «مَنْ صَلَّى صَلَاةً لَمْ يَقْرَأْ فِيهَا بِأُمِّ الْقُرْآنِ فَهِيَ خِدَاجٌ» "، أَيْ: صَلَاتُهُ نَاقِصَةٌ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: أَيْ مَنْ أَدْرَكَ الرُّكُوعَ وَفَاتَهُ قِرَاءَةُ أُمِّ الْكِتَابِ، وَإِنْ أَدْرَكَ الرَّكْعَةَ فَقَدْ فَاتَهُ ثَوَابُ كَثِيرٌ اهـ. وَتَبِعَهُ ابْنُ حَجَرٍ، وَإِنَّمَا يَصِحُّ هَذَا لَوْ كَانَ التَّأْخِيرُ بِنَوْعٍ مِنَ التَّقْصِيرِ، مَعَ أَنَّهُ لَا خُصُوصِيَّةَ بِفَوْتِ قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ إِذِ الْحُكْمُ عَامٌّ فِي كُلِّ مَا يَفُوتُ الْمُقْتَدِيَ (رَوَاهُ مَالِكٌ ) .
[ ٣ / ٨٨٤ ]
١١٤٩ - وَعَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: الَّذِي يَرْفَعُ رَأْسَهُ وَيَخْفِضُهُ قَبْلَ الْإِمَامِ، فَإِنَّمَا نَاصِيَتُهُ بِيَدِ الشَّيْطَانِ. رَوَاهُ مَالِكٌ) .
_________________
(١) (وَعَنْهُ) أَيْ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (أَنَّهُ قَالَ: الَّذِي يَرْفَعُ رَأْسَهُ وَيَخْفِضُهُ) أَيِ: الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ (قَبْلَ الْإِمَامِ) أَيْ: قَبْلَ رَفْعِهِ وَخَفْضِهِ، (فَإِنَّمَا نَاصِيَتُهُ بِيَدِ الشَّيْطَانِ): حَقِيقَةً أَوْ مَجَازًا يَعْنِي فِي تَصَرُّفِهِ وَقَبُولِ أَمْرِهِ. (رَوَاهُ مَالِكٌ): كَانَ الْأَخْصَرُ أَنْ يَقُولَ: رَوَاهُمَا مَالِكٌ.
[ ٣ / ٨٨٤ ]