الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
٤٥١ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: «لَقِيَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَنَا جُنُبٌ، فَأَخَذَ بِيَدِي، فَمَكَثْتُ مَعَهُ حَتَّى قَعَدَ، فَانْسَلَلْتُ، فَأَتَيْتُ الرَّحْلَ، فَاغْتَسَلْتُ، ثُمَّ جِئْتُ، وَهُوَ قَاعِدٌ فَقَالَ: " أَيْنَ كُنْتَ يَا أَبَا هِرٍّ؟ " فَقُلْتُ لَهُ. فَقَالَ: " سُبْحَانَ اللَّهِ، إِنَّ الْمُؤْمِنَ لَا يَنْجَسُ» ". هَذَا لَفْظُ الْبُخَارِيِّ، وَلِمُسْلِمٍ مَعْنَاهُ، وَزَادَ بَعْدَ قَوْلِهِ: «فَقُلْتُ لَهُ: لَقَدْ لَقِيتَنِي وَأَنَا جُنُبٌ، فَكَرِهْتُ أَنْ أُجَالِسَكَ حَتَّى أَغْتَسِلَ» . وَكَذَا الْبُخَارِيُّ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى.
_________________
(١) بَابُ مُخَالَطَةِ الْجُنُبِ أَيْ: جَوَازُ مُجَالَسَتِهِ وَمُكَالَمَتِهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ. يُقَالُ: أَجْنَبَ الرَّجُلُ إِذَا صَارَ جُنُبًا، وَالِاسْمُ الْجَنَابَةُ، وَأَصْلُهَا الْبُعْدُ ; لِأَنَّهُ نُهِيَ أَنْ يَقْرَبَ مَوْضِعَ الصَّلَاةِ، وَعَنْ كَثِيرٍ مِنَ الْعِبَادَاتِ مَا لَمْ يَتَطَهَّرْ. (وَمَا يُبَاحُ لَهُ): أَيْ: لِلْجُنُبِ مِنَ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَالنَّوْمِ وَغَيْرِهَا. الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
(٢) (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: لَقِيَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ): وَإِنَّمَا نَسَبَ اللُّقِيَّ إِلَيْهِ ﵊ لِعَدَمِ قَصْدِ أَبِي هُرَيْرَةَ لُقِيَّهُ ﵊ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ (وَأَنَا جُنُبٌ): جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ (فَأَخَذَ بِيَدِي): لِلتَّأْنِيسِ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى كَمَالِ الْتِفَاتِهِ إِلَيْهِ، وَقَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ: وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ أَخَذَهُ بِهَا لِلِاتِّكَاءِ عَلَيْهَا بَعِيدٌ (فَمَشَيْتُ مَعَهُ حَتَّى قَعَدَ): وَتَخَلَّصَتْ يَدِي مِنْهُ (فَانْسَلَلْتُ): فِي النِّهَايَةِ أَيْ: مَضَيْتُ وَخَرَجْتُ بِتَأَنٍّ وَتَدَرُّجٍ، قِيلَ: مَعْنَاهُ انْصَرَفْتُ أَوْ خَرَجْتُ، وَذَهَبْتُ بِخُفْيَةٍ اسْتِحْيَاءً مِنْهُ وَأَدَبًا مَعَهُ (فَأَتَيْتُ الرَّحْلَ): أَيِ: الْبَيْتَ الْمَعْهُودَ هُنَا، وَهُوَ مَنْزِلُ نَفْسِهِ ; لِأَنَّ بُيُوتَهُمْ كَانَتْ مَحَلًّا لِلرِّحَالِ. وَقَالَ الْمُظْهَرُ: أَيْ مَا بَيْنَ الرَّحْلِ، وَهُوَ مَا كَانَ مَعَ الْمُسَافِرِ مِنَ الْأَقْمِشَةِ، وَالرَّحْلُ أَيْضًا الْمَوْضِعُ الَّذِي نَزَلَ فِيهِ الْقَوْمُ، نَقَلَهُ الطِّيبِيُّ (فَاغْتَسَلْتُ): أَيْ: فِيهِ (ثُمَّ جِئْتُ): أَيْ: جِئْتُهُ (وَهُوَ قَاعِدٌ):
[ ٢ / ٤٣٣ ]
الْجُمْلَةُ حَالٌ مِنَ الْمَفْعُولِ الْمُقَدَّرِ (فَقَالَ: " أَيْنَ كُنْتَ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ؟ "): كَانَ اسْمُهُ فِي الْإِسْلَامِ عَبْدَ اللَّهِ عَلَى الصَّحِيحِ الْمَشْهُورِ، وَهَذِهِ الْكُنْيَةُ وَضَعَهَا النَّبِيُّ ﷺ لَهُ حِينَ رَأَى فِي ثَوْبِهِ شَيْئًا يَحْمِلُهُ فَقَالَ: " «مَا هَذَا يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ؟ " فَقَالَ: هِرَّةٌ فَقَالَ: " أَنْتَ أَبُو هُرَيْرَةَ» ". (فَقُلْتُ لَهُ): أَيْ: ذَكَرْتُ لَهُ الْقِصَّةَ (فَقَالَ: " سُبْحَانَ اللَّهِ "): تَعَجُّبًا مِنْ عَدَمِ عِلْمِ أَبِي هُرَيْرَةَ الْمَسْأَلَةَ (" «إِنَّ الْمُؤْمِنَ لَا يَنْجَسُ» ") بِفَتْحِ الْجِيمِ أَيْ: لَا يَصِيرُ عَيْنُهُ نَجِسًا، وَهَذَا غَيْرُ مُخْتَصٍّ بِالْمُؤْمِنِ بَلِ الْكَافِرُ كَذَلِكَ، وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة: ٢٨] فَالنَّجَاسَةُ فِي اعْتِقَادَاتِهِمْ لَا فِي أَصْلِ خِلْقَتِهِمْ، وَمَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِنْ أَنَّ أَعْيَانَهُمْ نَجِسَةٌ كَالْخِنْزِيرِ، وَعَنِ الْحَسَنِ: مَنْ صَافَحَهُمْ فَلْيَتَوَضَّأْ - فَمَحْمُولٌ عَلَى الْمُبَالَغَةِ فِي التَّبَعُّدِ عَنْهُمْ، وَاحْتِرَازٌ مِنْهُمْ. كَذَا قَالَهُ ابْنُ الْمَلَكِ. وَفِي شَرْحِ السُّنَّةِ: فِيهِ جَوَازُ مُصَافَحَةِ الْجُنُبِ وَمُخَالَطَتِهِ، وَهُوَ قَوْلُ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ، وَافَقُوا عَلَى طَهَارَةِ عَرَقِ الْجُنُبِ وَمُخَالَطَتِهِ، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ تَأْخِيرِ الِاغْتِسَالِ لِلْجُنُبِ، وَأَنْ يَسْعَى فِي حَوَائِجِهِ، قَالَ الْقَاضِي ﵀: وَيُمْكِنُ أَنْ يَحْتَجَّ بِهِ مَنْ يَقُولُ الْحَدَثُ نَجَاسَةٌ حُكْمِيَّةٌ، وَأَنَّ مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ وُضُوءٌ أَوْ غُسْلٌ فَهُوَ نَجِسٌ حُكْمًا، وَفِيهِ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ نَجِسَ حُكْمًا لَمَا حُكِمَ عَلَيْهِ بِالطَّهَارَةِ. فَقَوْلُهُ: لَا يَنْجَسُ أَيْ: حَقِيقَةً لَا حُكْمًا، أَوْ ظَاهِرًا، أَوْ بَاطِنًا، بِخِلَافِ الْكَافِرِ ; فَإِنَّهُ نَجِسٌ بَاطِنًا لِنَجَاسَةِ اعْتِقَادِهِ وَخَبَاثَةِ أَخْلَاقِهِ. (هَذَا لَفْظُ الْبُخَارِيِّ، وَلِمُسْلِمٍ مَعْنَاهُ، وَزَادَ): أَيْ: مُسْلِمٌ (بَعْدَ قَوْلِهِ: فَقُلْتُ لَهُ): أَيْ: زِيَادَةً مُشْتَمِلَةً عَلَى مَا شَرَحْنَا أَوَّلًا، وَهِيَ (لَقِيتَنِي): إِلَى آخِرِهِ (وَأَنَا جُنُبٌ فَكَرِهْتُ أَنْ أُجَالِسَكَ): أَيْ: فِي هَذِهِ الْحَالَةِ (حَتَّى أَغْتَسِلَ) لِأَكُونَ عَلَى طَهَارَةٍ حَقِيقِيَّةٍ (وَكَذَا): أَيْ: زَادَ (الْبُخَارِيُّ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى): هَذِهِ الزِّيَادَةَ. قَالَ السَّيِّدُ جَمَالُ الدِّينِ: فِيهِ بَحْثٌ ; لِأَنَّ قَوْلَهُ: حَتَّى اغْتَسَلَ لَيْسَ لِلْبُخَارِيِّ.
[ ٢ / ٤٣٤ ]
٤٥٢ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، قَالَ: «ذَكَرَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ تُصِيبُهُ الْجَنَابَةُ مِنَ اللَّيْلِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " تَوَضَّأْ وَاغْسِلْ ذَكَرَكَ، ثُمَّ نَمْ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
_________________
(١) (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: ذَكَرَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ): الضَّمِيرُ لِعُمَرَ أَوْ لِلشَّأْنِ (تُصِيبُهُ الْجَنَابَةُ مِنَ اللَّيْلِ): يَعْنِي: وَيَكْسَلُ عَنِ الْغُسْلِ لِغَلَبَةِ النَّوْمِ (فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (" تَوَضَّأْ "): أَيْ: وُضُوءَكَ لِلصَّلَاةِ (" وَاغْسِلْ ذَكَرَكَ "): عُطِفَ عَلَى قَوْلِهِ تَوَضَّأْ، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْوَاوَ لِمُطْلَقِ الْجَمْعِ ; لِأَنَّ الْغُسْلَ مُقَدَّمٌ عَلَى الْوُضُوءِ، وَإِنَّمَا قُدِّمَ اهْتِمَامًا بِشَأْنِهِ وَتَبَرُّكًا بِهِ، كَذَا قَالَهُ الطِّيبِيُّ. وَكَتَبَ مِيرَكُ تَحْتَهُ: وَفِيهِ وَلَمْ يَظْهَرْ وَجْهُ مَا فِيهِ. وَلَعَلَّهُ قَرَأَ الْغُسْلَ فَنَشَأَ مِنْهُ الْإِشْكَالُ فِيهِ، وَإِنَّمَا هُوَ الْغَسْلُ بِالْفَتْحِ، وَالْمُرَادُ غَسْلُ الذَّكَرِ، وَاللَّامُ عِوَضٌ عَنِ الْمُضَافِ إِلَيْهِ، وَقَوْلُ الطِّيبِيِّ: وَإِنَّمَا قُدِّمَ أَيِ: الْوُضُوءُ فَتَأَمَّلْ، وَسُنَّ غَسْلُ الذَكَرِ لِمَا عَلَيْهِ مِنَ النَّجَاسَةِ لَا مِنَ الْقَذَرِ كَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ حَجَرٍ عَلَى مُقْتَضَى مَذْهَبِهِ، (" ثُمَّ نَمْ ") . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَفِيهِ التَّصْرِيحُ لِمَذْهَبِنَا أَنَّهُ يُسَنُّ لِلْجُنُبِ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَنَامَ، أَوْ يُؤَخِّرَ الْغُسْلَ لِحَاجَةٍ أَوْ غَيْرِهَا، أَنْ يَتَوَضَّأَ الْوُضُوءَ الشَّرْعِيَّ كَمَا يَأْتِي. وَفِيهِ أَنَّهُ لَا يُعْرَفُ خِلَافٌ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، فَلَا وَجْهَ لِقَوْلِهِ فِيهِ التَّصْرِيحُ لِمَذْهَبِنَا، وَالْخِلَافُ الْآتِي إِنَّمَا هُوَ فِي أَنَّهُ هَلْ يَجُوزُ الِاكْتِفَاءُ بِالْوُضُوءِ الْعُرْفِيِّ أَمْ لَا؟ وَإِنْ أَرَادَ الْكَرَاهَةَ فِي تَرْكِ الْوُضُوءِ الشَّرْعِيِّ فَلَا دَلَالَةَ فِي الْحَدِيثِ فَضْلًا عَنِ الصَّرَاحَةِ فَإِنَّهُ يُحْتَاجُ إِلَى إِثْبَاتِ الْمُوَاظَبَةِ أَوْ يُرَادُ بِهَا النَّهْيُ الْمَقْصُودُ.
[ ٢ / ٤٣٤ ]
٤٥٣ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا كَانَ جُنُبًا فَأَرَادَ أَنْ يَأْكُلَ أَوْ يَنَامَ، تَوَضَّأَ لِلصَّلَاةِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
_________________
(١) (" وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا كَانَ جُنُبًا فَأَرَادَ أَنْ يَأْكُلَ أَوْ يَنَامَ، تَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ» "): ﵂؛ أَيِ: الْوُضُوءَ الشَّرْعِيَّ، وَلَمْ يَكْتَفِ بِالْوُضُوءِ اللُّغَوِيِّ ; وَهُوَ غَسْلُ الْفَمِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ، قَالَهُ السَّيِّدُ جَمَالُ الدِّينِ.
[ ٢ / ٤٣٤ ]
٤٥٤ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " «إِذَا أَتَى أَحَدُكُمْ أَهْلَهُ، ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يَعُودَ، فَلْيَتَوَضَّأْ بَيْنَهُمَا وُضُوءًا» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
_________________
(١) (وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (" «إِذَا أَتَى أَحَدُكُمْ أَهْلَهُ» "): أَيِ: امْرَأَتَهُ أَوْ جَارِيَتَهُ، يَعْنِي: جَامَعَهَا (" ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يَعُودَ ") أَيْ: إِلَى الْجِمَاعِ (فَلْيَتَوَضَّأْ بَيْنَهُمَا) أَيْ: بَيْنَ الْإِتْيَانَيْنِ. قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: لِأَنَّ هَذَا أَطْيَبُ، وَأَكْثَرُ لِلنَّشَاطِ وَالتَّلَذُّذِ. وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ وَحَدِيثِ عُمَرَ وَعَائِشَةَ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِلْجُنُبِ أَنْ يَغْسِلَ ذَكَرَهُ وَيَتَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَأْكُلَ أَوْ يَشْرَبَ أَوْ يُجَامِعَ مَرَّةً أُخْرَى أَوْ يَنَامَ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِهِ فِي الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ غَسْلُ الْيَدَيْنِ، وَعَلَيْهِ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ ; لِأَنَّهُ جَاءَ مُفَسَّرًا فِي خَبَرٍ لِلنَّسَائِيِّ، وَقَالَ الْحَلِيمِيُّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ: هُوَ فِي الْعَوْدِ لِلْوَطْءِ غَسْلُ فَرْجِهِ ; لِرِوَايَةِ: «ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يَعُودَ فَلْيَغْسِلْ فَرْجَهُ»: قِيلَ: وَعَلَيْهِ الْجُمْهُورُ أَيْضًا (وُضُوءًا): قَالَ الطِّيبِيُّ: إِنَّمَا أَتَى بِالْمَصْدَرِ تَأْكِيدًا لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْوُضُوءِ غَيْرُ الْمُتَعَارَفِ كَمَا فِي الْأَكْلِ أَيْ: فِي بَابِهِ يُعَضِّدُهُ، وَهَذَا الْحَدِيثُ السَّابِقُ: تَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ اهـ. وَفِيهِ أَنَّ الظَّاهِرَ مِنَ التَّنَكُّرِ إِفَادَةُ وُضُوءٍ مَا، فَيَشْمَلُ الْوُضُوءَ الْعُرْفِيَّ ; لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي التَّنْوِينِ التَّنْكِيرُ لَا التَّعْظِيمُ، غَايَتُهُ أَنَّ تَقْيِيدَهُ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ بِوُضُوئِهِ لِلصَّلَاةِ إِيمَاءً إِلَى الْأَكْمَلِ، وَلَا شَكَّ أَنَّهُ الْأَفْضَلُ، ثُمَّ الْحِكْمَةُ فِي ذَلِكَ تَخْفِيفُ الْحَدَثِ وَالتَّنْظِيفُ (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
[ ٢ / ٤٣٥ ]
٤٥٥ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁، قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَطُوفُ عَلَى نِسَائِهِ بِغُسْلٍ وَاحِدٍ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ ".
_________________
(١) (وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ): أَيْ: أَحْيَانًا (" يَطُوفُ "): أَيْ: يَدُورُ (" عَلَى نِسَائِهِ "): حِينَ يُجَامِعُهُنَّ (بِغُسْلٍ وَاحِدٍ): فَإِنْ قِيلَ: أَقَلُّ الْقَسْمِ لَيْلَةٌ لِكُلِّ امْرَأَةٍ، فَكَيْفَ طَافَ عَلَى الْجَمِيعِ؟ الْجَوَابُ: وُجُوبُ الْقَسْمِ عَلَيْهِ مُخْتَلَفٌ فِيهِ. قَالَ أَبُو سَعِيدٍ الْإِصْطَخْرِيُّ: لَمْ يَكُنْ وَاجِبًا عَلَيْهِ، بَلْ كَانَ يَقْسِمُ بِالتَّسْوِيَةِ تَبَرُّعًا وَتَكَرُّمًا، وَالْأَكْثَرُونَ عَلَى وُجُوبِهِ، وَكَانَ طَوَافُهُ ﷺ بِرِضَاهُنَّ، وَأَمَّا الطَّوَافُ بِغُسْلٍ وَاحِدٍ فَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ ﷺ تَوَضَّأَ فِيمَا بَيْنَهُ أَوْ تَرَكَهُ لِبَيَانِ الْجَوَازِ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) . قَالَ السَّيِّدُ جَمَالُ الدِّينِ: وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ بِغُسْلٍ وَاحِدٍ يُفْهَمُ مِنْ سِيَاقِهِ. وَقَالَ مِيرَكُ: وَرَوَى الْبُخَارِيُّ عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَدُورُ عَلَى نِسَائِهِ فِي السَّاعَةِ الْوَاحِدَةِ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَهُنَّ إِحْدَى عَشْرَةَ. لَمْ يَذْكُرْ مُسْلِمٌ عَدَدَ النِّسْوَةِ، وَلَمْ يَذْكُرِ الْبُخَارِيُّ الْغُسْلَ اهـ. وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: وَهُنَّ إِحْدَى عَشْرَةَ الْأَزْوَاجُ الطَّاهِرَاتُ جُمْلَتُهُنَّ الْمَوْطُوءَاتُ فِي لَيْلَةٍ وَاحِدَةٍ إِذْ مِنْهُنَّ لَيْسَ خَدِيجَةُ، وَهِيَ لَمْ تَجْتَمِعْ مَعَهُنَّ. قَالَ فِي الْمَوَاهِبِ: فَهَؤُلَاءِ أَزْوَاجُهُ اللَّاتِي دَخَلَ بِهِنَّ، لَا خِلَافَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ أَهْلِ السِّيَرِ وَالْعِلْمِ بِالْأَثَرِ: خَدِيجَةُ، وَعَائِشَةُ، وَحَفْصَةُ، وَأُمُّ حَبِيبَةَ، وَأُمُّ سَلَمَةَ، وَسَوْدَةُ، وَزَيْنَبُ، وَمَيْمُونَةُ، وَأُمُّ الْمَسَاكِينِ، وَجُوَيْرِيَّةُ، وَصَفِيَّةُ، اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يُقَالَ بِتَغْلِيبِ النِّسَاءِ عَلَى السَّرَارِي، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. وَجَاءَ فِي خَبَرِ الْبُخَارِيِّ أَنَّهُ قِيلَ لِأَنَسٍ: «أَوَكَانَ يُطِيقُهُ؟ فَقَالَ: كُنَّا نَتَحَدَّثُ أَنَّهُ أُعْطِيَ قُوَّةَ ثَلَاثِينَ رَجُلًا» . وَعِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ عَنْ مُعَاذٍ: قُوَّةَ أَرْبَعِينَ. زَادَ أَبُو نُعَيْمٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: كُلُّ رَجُلٍ مِنْ رِجَالِ أَهْلِ الْجَنَّةِ. وَفِي الْحَدِيثِ قَالَ التِّرْمِذِيُّ: صَحِيحٌ غَرِيبٌ ; «إِذْ كُلُّ رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ يُعْطَى قُوَّةَ مِائَةِ رَجُلٍ»، فَيَكُونُ ﵊ أُعْطِيَ قُوَّةَ أَرْبَعَةِ آلَافِ رَجُلٍ، وَكَذَا يَنْدَفِعُ مَا اسْتُشْكِلَ مِنْ كَوْنِهِ ﵊ أُعْطِيَ قُوَّةَ أَرْبَعِينَ فَقَطْ، «وَأُعْطِيَ سُلَيْمَانُ قُوَّةَ مِائَةِ رَجُلٍ أَوْ أَلْفٍ» عَلَى مَا وَرَدَ، وَحِكْمَةُ تَمَيُّزِهِ عَنِ الْخَلْقِ فِي زِيَادَةِ الْوَطْءِ وَقِلَّةِ الْأَكْلِ أَنَّ اللَّهَ جَمَعَ لَهُ بَيْنَ الْفَضِيلَتَيْنِ فِي الْأُمُورِ الِاعْتِيَادِيَّةِ، كَمَا جَمَعَ اللَّهُ لَهُ بَيْنَ الْفَضِيلَتَيْنِ فِي الْأُمُورِ الشَّرْعِيَّةِ، حَتَّى يَكُونَ حَالُهُ كَامِلًا فِي الدَّارَيْنِ، بَلْ فِيهِ خَرْقٌ لِلْعَادَةِ ; لِأَنَّ مَنْ قَلَّ أَكْلُهُ قَلَّ جِمَاعُهُ غَالِبًا، وَلَعَلَّ هَذِهِ الْحِكْمَةَ فِي إِبَاحَةِ أَرْبَعٍ مِنَ النِّسَاءِ، وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ فِي غَايَةٍ مِنَ الصَّبْرِ عَنِ الْجِمَاعِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا أُعْطِيَ مِنْ قُوَّتِهِ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ أُعْطِيَ قُوَّةَ أَكْلِ أَرْبَعِينَ فِي الْأَكْلِ أَيْضًا لِتَلَازُمِهِمَا غَالِبًا، فَيَدُلُّ عَلَى غَايَةِ صَبْرِهِ عَلَى الْجُوعِ أَيْضًا، وَأَنَّهُ كَانَ يُطْعِمُهُ رَبُّهُ وَيَسْقِيهِ، بِمَعْنَى أَنَّهُ يُسَلِّيهِ حُضُورُهُ مَعَ اللَّهِ وَعَدَمُ شُعُورِهِ عَمَّا سِوَاهُ مِنَ الْأَكْلِ وَالشَّرَابِ وَغَيْرِهِمَا، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
[ ٢ / ٤٣٥ ]
٤٥٦ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَذْكُرُ اللَّهَ ﷿ عَلَى كُلِّ أَحْيَانِهِ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ سَنَذْكُرُهُ فِي كِتَابِ الْأَطْعِمَةِ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
_________________
(١) (وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَذْكُرُ اللَّهَ عَلَى كُلِّ أَحْيَانِهِ»): جَمْعُ حِينٍ بِمَعْنَى الْوَقْتِ. قَالَ الْأَشْرَفُ: الذِّكْرُ نَوْعَانِ: قَلْبِيٌّ وَلِسَانِيٌّ. وَالْأَوَّلُ أَعْلَاهُمَا، وَهُوَ الْمُرَادُ فِي الْحَدِيثِ، وَفِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤١] وَهُوَ أَنْ لَا يَنْسَى اللَّهَ تَعَالَى فِي كُلِّ حَالٍ، وَكَانَ لِلنَّبِيِّ ﷺ حَظٌّ وَافِرٌ مِنْ هَذَيْنِ النَّوْعَيْنِ إِلَّا فِي حَالَةِ الْجَنَابَةِ وَدُخُولِ الْخَلَاءِ، فَإِنَّهُ يَقْتَصِرُ فِيهِمَا عَلَى النَّوْعِ الَّذِي لَا أَثَرَ فِيهِ لِلْجَنَابَةِ، وَلِذَلِكَ إِذَا خَرَجَ مِنَ الْخَلَاءِ قَالَ: (" غُفْرَانَكَ ") . (رَوَاهُ مُسْلِمٌ): وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ تَعْلِيقًا، وَفِي رِوَايَةٍ: «كَانَ يَذْكُرُ اللَّهَ عَلَى كُلِّ أَحْيَانِهِ»، إِلَّا فِي الْجَنَابَةِ فَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى الذِّكْرِ الْقُرْآنِيِّ، وَفِي الْخَبَرِ الصَّحِيحِ: (" «كَرِهْتُ أَنْ أَذْكُرَ اللَّهَ إِلَّا عَلَى طُهْرٍ» ") أَوْ " طَهَارَةٍ " مَحْمُولٌ عَلَى الذِّكْرِ اللِّسَانِيِّ، وَالْكَرَاهَةُ ; لِأَنَّهُ خِلَافُ الْأَفْضَلِ، وَقِيلَ: تُحْمَلُ الْكَرَاهَةُ عَلَى مَا إِذَا تَيَسَّرَتِ الطِّهَارَةُ، وَأَغْرَبَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ حَيْثُ قَالَ: إِنَّ الذِّكْرَ الْقَلْبِيَّ الْمَحْضَ لَا ثَوَابَ فِيهِ، فَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ مِنْ حَيْثُ كَوْنِهِ ذِكْرًا مَأْمُورًا بِهِ، وَأَمَّا مِنْ حَيْثُ الْحُضُورِ مَعَ اللَّهِ فَفِيهِ ثَوَابٌ ; أَيَّ ثَوَابٍ. قُلْتُ: وَقَدْ أَخْرَجَ أَبُو يَعْلَى عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (" «لِفَضْلِ الذِّكْرِ الْخَفِيِّ الَّذِي لَا يَسْمَعُهُ الْحَفَظَةُ سَبْعُونَ ضِعْفًا، إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ، وَجَمَعَ اللَّهُ الْخَلَائِقَ لِحِسَابِهِمْ، وَجَاءَتِ الْحَفَظَةُ بِمَا حَفِظُوا وَكَتَبُوا، قَالَ لَهُمْ: انْظُرُوا هَلْ بَقِيَ لَهُ مِنْ شَيْءٍ؟ فَيَقُولُونَ: مَا تَرَكْنَا شَيْئًا مِمَّا عَلِمْنَاهُ وَحَفِظَاهُ إِلَّا وَقَدْ أَحْصَيْنَاهُ وَكَتَبْنَاهُ، فَيَقُولُ اللَّهُ: إِنَّ لَكَ عِنْدِي حَسَنًا لَا تَعَلَمُهُ وَأَنَا أَجْزِيكَ بِهِ، وَهُوَ الذِّكْرُ الْخَفِيُّ» ") . كَذَا ذَكَرَهُ السُّيُوطِيُّ فِي الْبُدُورِ السَّافِرَةِ، وَذَكَرَ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ وَلَفْظُهُ: الذِّكْرُ الَّذِي لَا يَسْمَعُهُ الْحَفَظَةُ يَزِيدُ عَلَى الذِّكْرِ الَّذِي تَسْمَعُهُ الْحَفَظَةُ سَبْعِينَ ضِعْفًا. رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي (" شُعَبِ الْإِيمَانِ ") عَنْ عَائِشَةَ، فَالْحَدِيثَانِ حُجَّتَانِ ظَاهِرَتَانِ لِلسَّادَةِ النَّقْشَبَنْدِيَّةِ زُبْدَةِ الْقَادَةِ الصُّوفِيَّةِ قَدَّسَ اللَّهُ أَسْرَارَهُمُ الْعَلِيَّةَ. فَقَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ: فَالْحَقُّ أَنَّ الْأَعْلَى مَا جَمَعَ الْقَلْبَ وَاللِّسَانَ، ثُمَّ اللِّسَانِيُّ، ثُمَّ الْقَلْبِيُّ، مَحْمُولٌ عَلَى غَفْلَتِهِ ; لِأَنَّهُ إِذَا أَرَادَ بِالذِّكْرِ مُطْلَقَ الذِّكْرِ سَوَاءٌ أَمَرَهُ الشَّارِعُ بِهِ أَمْ لَا فَيَرُدُّهُ مَا ذَكَرْنَاهُ، وَلِإِجْمَاعِ عُلَمَاءِ الظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ عَلَى أَنَّ الْحُضُورَ الْقَلْبِيَّ أَفْضَلُ مِنْ مُجَرَّدِ الذِّكْرِ اللِّسَانِيِّ، وَإِنْ أَرَادَ بِهِ الذِّكْرَ الَّذِي أَمَرَ بِهِ الشَّارِعُ فَلَا وَجْهَ لِقَوْلِهِ: أَنَّ اللِّسَانِيَّ أَعْلَى مِنَ الْقَلْبِيِّ ; لِلِاتِّفَاقِ عَلَى عَدَمِ الِاعْتِدَادِ بِالْقَلْبِيِّ حِينَئِذٍ. (وَحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ): أَيِ: الْمَذْكُورُ فِي الْمَصَابِيحِ هُنَا الَّذِي رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَهُوَ: «خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ فَأَتَى بِطَعَامٍ فَذَكَرُوا لَهُ الْوُضُوءَ أَيْ: قَالُوا لَهُ: أَنَتَوَضَّأُ ثُمَّ نَأْكُلُ؟ فَقَالَ: " أُرِيدُ أَنْ أُصَلِّيَ، فَأَتَوَضَّأُ»؟ " بِحَذْفِ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهَامِ الْإِنْكَارِيِّ، أَيْ: مَا أُرِيدُ. (سَنَذْكُرُهُ فِي كِتَابِ الْأَطْعِمَةِ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى): فَإِنَّهُ أَنْسَبُ بِذَلِكَ الْكِتَابِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
[ ٢ / ٤٣٦ ]
الْفَصْلُ الثَّانِي ٤٥٧ - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: «اغْتَسَلَ بَعْضُ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ فِي جَفْنَةٍ، فَأَرَادَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَتَوَضَّأَ مِنْهُ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي كُنْتُ جُنُبًا. فَقَالَ: " إِنَّ الْمَاءَ لَا يُجْنِبُ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ. وَرَوَى الدَّارِمِيُّ نَحْوَهُ.
_________________
(١) الْفَصْلُ الثَّانِي
(٢) (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «اغْتَسَلَ بَعْضُ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ»): هِيَ مَيْمُونَةُ خَالَةُ ابْنِ عَبَّاسٍ (فِي جَفْنَةٍ) أَيْ: مُدْخِلَةً يَدَهَا فِي جَفْنَةِ صَحْفَةٍ كَبِيرَةٍ لِيُطَابِقَ قَوْلَهُ: " «إِنَّ الْمَاءَ لَا يُجْنِبُ» " قَالَهُ الطِّيبِيُّ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: أَيْ مُدْخِلَةً يَدَهَا فِي جَفْنَةٍ تَغْتَرِفُ مِنْهَا، وَإِنَّمَا حَمَلَ عَلَى هَذَا دُونَ كَوْنِهَا فِي الْجَفْنَةِ الشَّاهِدُ لِمَا قَالَهُ الْمَالِكِيَّةُ مِنْ طَهُورِيَّةِ الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ فِيهِ، لِيُطَابِقَهُ الْجَوَابُ الْآتِي: إِنَّ الْمَاءَ لَا يُجْنِبُ اهـ. وَفِيهِ نَظَرٌ لِصِحَّةِ ذَلِكَ الْجَوَابِ عَلَى كُلِّ الْمَاءِ مِنَ الِاحْتِمَالَيْنِ، وَإِنَّمَا الَّذِي يَنْبَغِي أَنْ يُجَابَ بِهِ أَنْ يُقَالَ: هَذَا مُحْتَمِلٌ لِكُلٍّ مِنَ الِاحْتِمَالَيْنِ، فَعَلَى احْتِمَالِ الِاعْتِرَافِ لَا حُجَّةَ لَهُمْ، وَأَنَّهَا اغْتَسَلَتْ فِي نَفْسِ الْجَفْنَةِ لَهُمْ حُجَّةٌ فِيهِ، لَكِنَّ الدَّلِيلَ إِذَا احْتَمَلَ مِثْلَ ذَلِكَ يَصِيرُ لَا مُتَمَسَّكَ فِيهِ لِكُلٍّ مِنَ الْخَصْمَيْنِ، فَيَنْتَقِلَانِ إِلَى غَيْرِهِ، هَذَا كُلُّهُ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنِ الرِّوَايَةِ الْآتِيَةِ عَنْ لَفْظِ الْمَصَابِيحِ، إِمَّا مَعَ النَّظَرِ إِلَيْهَا فَالْحَدِيثُ لَا مُتَمَسَّكَ لَهُمْ فِيهِ الْبَتَّةَ ; لِتَصْرِيحِهِ بِأَنَّ الْغُسْلَ مِنَ الْجَفْنَةِ لَا فِيهَا، وَأَنَّهُ فَضَلَ مِنْهَا فَضْلَةٌ، وَالْحُكْمُ بِطَهَارَةِ تِلْكَ الْفَضْلَةِ لَا يَقْتَضِي طَهُورِيَّةَ الْمُسْتَعْمَلِ («فَأَرَادَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَتَوَضَّأَ مِنْهُ»): أَيْ: مِنْ مَاءِ الْجَفْنَةِ («فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي كُنْتُ جُنُبًا»): أَيْ: وَاغْتَسَلْتُ بِهَذَا الْمَاءِ، وَهُوَ فَضْلَةُ يَدِي، وَالْجُنُبُ مَصْدَرٌ يَسْتَوِي فِيهِ الْمُذَكَّرُ وَالْمُؤَنَّثُ (فَقَالَ: «إِنَّ الْمَاءَ لَا يُجْنِبُ»): بِضَمِّ الْيَاءِ وَكَسْرِ النُّونِ، وَيَجُوزُ فَتْحُ الْيَاءِ وَضَمُّ النُّونِ، قَالَهُ الزَّعْفَرَانِيُّ، أَيْ: لَا يَصِيرُ جُنُبًا، قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: الْمَاءُ إِذَا غَمَسَ فِيهِ الْجُنُبُ يَدَهُ لَمْ يَنْجَسْ، فَرُبَّمَا سَبَقَ إِلَى فَهْمِ بَعْضِهِمْ أَنَّ الْعُضْوَ الَّذِي عَلَيْهِ الْجَنَابَةُ فِي سَائِرِ الْأَحْكَامِ كَالْعُضْوِ الَّذِي عَلَيْهِ النَّجَاسَةُ فَيَحْكُمَ بِنَجَاسَةِ الْمَاءِ مَنْ غَمْسِ الْعُضْوِ الْجُنُبِ، كَمَا يَحْكُمُ بِنَجَاسَةِ مَنْ غَمَسَ النَّجِسَ فِيهِ، فَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّ الْأَمْرَ بِخِلَافِ ذَلِكَ اهـ. كَلَامُهُ. فَإِنْ قُلْتَ: كَيْفَ الْجَمْعُ بَيْنَ هَذَا الْحَدِيثِ، وَحَدِيثِ حُمَيْدٍ فِي الْفَصْلِ الثَّالِثِ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَغْتَسِلَ الرَّجُلُ بِفَضْلِ الْمَرْأَةِ»؟ قُلْتُ: هَذَا الْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى الْجَوَازِ، وَذَلِكَ عَلَى تَرْكِ الْأَوْلَى لِلتَّنْزِيهِ. قَالَهُ الطِّيبِيُّ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ): وَقَالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ نَقَلَهُ السَّيِّدُ، (وَأَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ): كَذَا اللَّفْظُ (وَرَوَى الدَّارِمِيُّ نَحْوَهُ): أَيْ: بِمَعْنَاهُ.
[ ٢ / ٤٣٧ ]
٤٥٨ - وَفِي " شَرْحِ السُّنَّةِ " عَنْهُ، عَنْ مَيْمُونَةَ بِلَفْظِ " الْمَصَابِيحِ ".
_________________
(١) (وَفِي شَرْحِ السُّنَّةِ عَنْهُ): أَيْ: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ (عَنْ مَيْمُونَةَ بِلَفْظِ: الْمَصَابِيحِ): وَسَنَدُهُ صَحِيحٌ أَيْضًا، وَلَفْظُهُ: قَالَتْ مَيْمُونَةُ: أَجْنَبْتُ أَنَا - أَيْ: صِرْتُ جُنُبًا - وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَاغْتَسَلَتْ مِنْ جَفْنَةٍ، وَفَضَلَتْ فِيهَا فَضْلَةٌ، «فَجَاءَ النَّبِيُّ ﷺ لِيَغْتَسِلَ مِنْهَا فَقُلْتُ: إِنِّي قَدِ اغْتَسَلْتُ مِنْهَا. فَاغْتَسَلَ ﵊، أَيْ: مِنْهَا. وَقَالَ: " إِنَّ الْمَاءَ لَيْسَ عَلَيْهِ جَنَابَةٌ» ". وَفِي رِوَايَةٍ: " «إِنَّ الْمَاءَ لَا يُجْنِبُ» ". قَالَ شَارِحُهُ ابْنُ الْمَلَكِ: حَسِبَتْ مَيْمُونَةُ أَنَّ الْمَاءَ يَنْجَسُ بِالنَّجَاسَةِ الْحُكْمِيَّةِ كَالنَّجَاسَةِ الْحَقِيقِيَّةِ ; لِأَنَّهَا كَانَتْ أَدْخَلَتْ فِيهِ يَدَهَا، فَقَالَ ﵊: " «إِنَّ الْمَاءَ لَيْسَ عَلَيْهِ جَنَابَةٌ» " حُكْمِيَّةٌ فَلَا يَخْرُجُ عَنْ كَوْنِهِ مُطَهِّرًا إِذْ لَمْ يَنْوِ الْمُغَسِّلُ بِإِدْخَالِ يَدِهِ الْإِنَاءَ رَفْعَ الْجَنَابَةِ مِنْ كَفِّهِ، وَقَوْلُهُ: " «إِنَّ الْمَاءَ لَا يُجْنِبُ» " أَيْ: لَا يَأْخُذُ حُكْمَ الْجَنَابَةِ، وَلَا يَصِيرُ بِمِثْلِ هَذَا الْفِعْلِ إِلَى حَالٍ لَا يُسْتَعْمَلُ.
[ ٢ / ٤٣٧ ]
٤٥٩ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَغْتَسِلُ مِنَ الْجَنَابَةِ، ثُمَّ يَسْتَدْفِئُ بِي قَبْلَ أَنْ أَغْتَسِلَ» . رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ نَحْوَهُ
وَفِي " شَرْحِ السُّنَّةِ " بِلَفْظِ " الْمَصَابِيحِ ".
_________________
(١) (وَعَنْ عَائِشَةَ): ﵂ (قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَغْتَسِلُ مِنَ الْجَنَابَةِ ثُمَّ يَسْتَدْفِئُ بِي»): أَيْ: يَطْلُبُ الدَّفَاءَةَ بِفَتْحَتَيْنِ فَالْمَدِّ، وَهِيَ الْحَرَارَةُ، بِأَنْ يَضَعَ أَعْضَاءَهُ عَلَى أَعْضَائِي مِنْ غَيْرِ حَائِلٍ (قَبْلَ أَنْ أَغْتَسِلَ): قَالَ السَّيِّدُ جَمَالُ الدِّينِ: أَيْ يَطْلُبُ مِنِّي الْحَرَارَةَ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ﴾ [النحل: ٥] أَيْ: مَا تَسْتَدْفِئُونَ بِهِ، وَفِيهِ أَنَّ بَشْرَةَ الْجُنُبِ طَاهِرَةٌ ; لِأَنَّ الِاسْتِدْفَاءَ إِنَّمَا يَحْصُلُ مِنْ مَسِّ الْبَشْرَةِ الْبَشْرَةَ، كَذَا فِي الطِّيبِيِّ، وَفِيهِ بَحْثٌ. اهـ. وَلَعَلَّهُ أَرَادَ أَنَّ الِاسْتِدْفَاءَ يُمْكِنُ مَعَ الثَّوْبِ أَيْضًا، فَقَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ: فِيهِ التَّصْرِيحُ بِطَهَارَةِ الْجُنُبِ غَيْرُ صَحِيحٍ. (رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ): أَيْ: كَذَا اللَّفْظُ، وَسَنَدُهُ حَسَنٌ. (وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ نَحْوَهُ): أَيْ: بِمَعْنَاهُ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ لَيْسَ بِإِسْنَادِهِ بَأْسٌ، نَقَلَهُ السَّيِّدُ. (وَفِي شَرْحِ السُّنَّةِ بِلَفْظِ الْمَصَابِيحِ): وَلَفْظُهُ: قَالَتْ عَائِشَةُ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُجْنِبُ فَيَغْتَسِلُ، ثُمَّ يَسْتَدْفِئُ بِي قَبْلَ أَنْ أَغْتَسِلَ» .
[ ٢ / ٤٣٨ ]
٤٦٠ - وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁، قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَخْرُجُ مِنَ الْخَلَاءِ فَيُقْرِئُنَا الْقُرْآنَ وَيَأْكُلُ مَعَنَا اللَّحْمَ، وَلَمْ يَحْجُبْهُ - أَوْ يَحْجُزْهُ - عَنِ الْقُرْآنِ شَيْءٌ لَيْسَ الْجَنَابَةَ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ، وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ نَحْوَهُ.
_________________
(١) (وَعَنْ عَلِيٍّ): رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ (قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَخْرُجُ مِنَ الْخَلَاءِ) بِالْمَدِّ أَيِ: الْمُطَهِّرِ (فَيُقْرِئُنَا): بِضَمِّ الْيَاءِ وَكَسْرِ الرَّاءِ، أَيْ: يُعَلِّمُنَا (الْقُرْآنَ وَيَأْكُلُ مَعَنَا اللَّحْمَ): قَالَ الطِّيبِيُّ: لَعَلَّ انْضِمَامَ أَكْلِ اللَّحْمِ مَعَ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ لِلْإِشْعَارِ بِجَوَازِ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا مِنْ غَيْرِ وُضُوءٍ أَوْ مَضْمَضَةٍ كَمَا فِي الصَّلَاةِ (وَلَمْ يَكُنْ يَحْجُبُهُ - أَوْ يَحْجُزُهُ): شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي، أَيْ: يَمْنَعُهُ (عَنِ الْقُرْآنِ): فَضْلًا عَنِ الْأَكْلِ وَغَيْرِهِ (شَيْءٌ): أَيْ: مِنَ الْأَشْيَاءِ (لَيْسَ) أَيْ: ذَلِكَ (الْجَنَابَةَ): بِالنَّصْبِ، وَالْمُرَادُ إِلَّا الْجَنَابَةَ. قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: لَيْسَ بِمَعْنَى، إِلَّا تَقُولُ: جَاءَنِي الْقَوْمُ لَيْسَ زَيْدًا الضَّمِيرُ فِيهَا اسْمُهَا وَيُنْصَبُ خَبَرُهَا كَأَنَّكَ قُلْتَ: لَيْسَ الْجَائِي زَيْدًا (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ): كَذَا اللَّفْظُ. (وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ نَحْوَهُ): أَيْ بِمَعْنَاهُ، وَعَزَاهُ صَاحِبُ تَخْرِيجِ الْمَصَابِيحِ إِلَى التِّرْمِذِيِّ قَالَ: وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ اهـ. وَبَعْضُ أَهْلِ اللُّغَةِ يُوهِنُهُ ; لِأَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلِمَةَ الرَّاوِيَ عَنْ عَلِيٍّ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ بَعْدَ كِبَرِهِ، كَذَا حَرَّرَهُ السَّيِّدُ جَمَالُ الدِّينِ، وَنَقَلَ مِيرَكُ عَنِ التَّقْرِيبِ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلِمَةَ بِكَسْرِ اللَّامِ الْمُرَادِيَّ الْكُوفِيَّ، صَدُوقٌ تَغَيَّرَ حِفْظُهُ مِنَ الثَّانِيَةِ.
[ ٢ / ٤٣٨ ]
٤٦١ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " «لَا تَقْرَأُ الْحَائِضُ وَلَا الْجُنُبُ شَيْئًا مِنَ الْقُرْآنِ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
_________________
(١) (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (" لَا تَقْرَأُ "): عَلَى صِيغَةِ النَّهْيِ، قَالَهُ ابْنُ الْمَلَكِ، أَوْ نَفْيٌ بِمَعْنَى النَّهْيِ، قَالَهُ ابْنُ حَجَرٍ: فَيُقْرَأُ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَصْلًا ; لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ عَلَى الْأَوَّلِ، وَبِضَمِّهَا عَلَى الثَّانِي. وَقَالَ ابْنُ الضِّيَاءِ فِي شَرْحِ الْمُجَمَّعِ: هُوَ بِالْجَزْمِ، وَرُوِيَ بِالرَّفْعِ. وَقَالَ الْخَلَجَانِيُّ: لَا لِلنَّهْيِ، لَكِنْ فِي كَثِيرٍ مِنَ النُّسَخِ بِالرَّفْعِ لِلنَّفْيِ (" الْحَائِضُ ") وَكَذَا النُّفَسَاءُ (وَلَا الْجُنُبُ): زِيَادَةً لِلتَّأْكِيدِ، وَوَقَعَ فِي نُسْخَةِ ابْنِ حَجَرٍ: " الْجُنُبُ وَلَا الْحَائِضُ " وَهُوَ سَهْوٌ مُخَالِفٌ لِلنُّسَخِ الْمُصَحَّحَةِ. (" شَيْئًا مِنَ الْقُرْآنِ "): أَيْ: لَا الْقَلِيلَ وَلَا الْكَثِيرَ، وَبِهِ قَالَ
[ ٢ / ٤٣٨ ]
الشَّافِعِيُّ، وَلَهُ أَنْ يَقُولَ: بِسْمِ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى قَصْدِ الذِّكْرِ، وَجَوَّزَ مَالِكٌ قِرَاءَةَ الْقُرْآنِ لِلْحَائِضِ لِخَوْفِ النِّسْيَانِ، وَلِلْجُنُبِ بَعْضَ آيَةٍ دُونَ تَمَامِهَا. وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رِوَايَتَانِ، إِحْدَاهُمَا كَمَالِكٍ وَأَصَحُّهُمَا كَالشَّافِعِيِّ، كَذَا ذَكَرَهُ ابْنُ الْمَلَكِ، وَفِي شَرْحِ السُّنَّةِ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْجُنُبَ لَا يَجُوزُ لَهُ قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَقَالَ عَطَاءٌ: لَا تَقْرَأُ الْحَائِضُ إِلَّا طَرَفَ آيَةٍ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ): وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَضَعَّفَهُ الْبُخَارِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُمْ، نَقَلَهُ السَّيِّدُ عَنِ التَّخْرِيجِ لَكِنَّ لَهُ مُتَابَعَاتٍ كَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ جَمَاعَةٍ وَغَيْرُهُ تَجْبُرُ ضَعْفَهُ، وَمِنْ ثَمَّ حَسَّنَهُ الْمُنْذِرِيُّ. وَرُوِيَتْ أَحَادِيثُ بِمَعْنَاهُ كُلُّهَا ضَعِيفَةٌ، وَلِذَلِكَ اخْتَارَ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَالدَّارِمِيُّ وَغَيْرُهُمَا مَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَغَيْرِهِ، وَأَخَذَ بِهِ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ، أَنَّهُ يُحِلُّ لِلْجُنُبِ وَالْحَائِضِ قِرَاءَةَ كُلِّ الْقُرْآنِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ جُمْهُورَ الْعُلَمَاءِ عَلَى الْحُرْمَةِ ; إِذْ هِيَ اللَّائِقَةُ بِتَعْظِيمِ الْقُرْآنِ، وَيَكْفِي فِي الدَّلَالَةِ عَلَيْهَا الْأَحَادِيثُ الْكَثِيرَةُ الْمُصَرِّحَةُ بِهَا وَإِنْ كَانَتْ كُلُّهَا ضَعِيفَةً ; لِأَنَّ تَعَدُّدَ طُرُقِهَا يُورِثُهَا قُوَّةً أَيَّ قُوَّةٍ، وَتُرَقِّيهَا إِلَى دَرَجَةِ الْحَسَنِ لِغَيْرِهِ، وَهُوَ حُجَّةٌ فِي الْأَحْكَامِ، فَالْحَقُّ الْحُرْمَةُ إِذْ هِيَ الْجَارِيَةُ عَلَى قَوَاعِدِ الْأَدِلَّةِ لَا الْحِلُّ، وَإِنْ كَانَ هُوَ الْأَصْلَ، كَذَا ذَكَرَهُ ابْنُ حَجَرٍ.
[ ٢ / ٤٣٩ ]
٤٦٢ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " «وَجِّهُوا هَذِهِ الْبُيُوتَ عَنِ الْمَسْجِدِ ; فَإِنِّي لَا أُحِلُّ الْمَسْجِدَ لِحَائِضٍ وَلَا جُنُبٍ» ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
_________________
(١) (وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " وَجِّهُوا هَذِهِ الْبُيُوتَ ": بِكَسْرِ الْبَاءِ وَضَمِّهَا، أَيْ: حَوِّلُوا أَبْوَابَهَا (" عَنِ الْمَسْجِدِ "): قَالَ بَعْضُهُمْ: هَذَا اللَّفْظُ إِذَا اسْتُعْمِلَ بِـ " عَنْ " مَعْنَاهُ الصَّرْفُ مِنْ جَانِبٍ إِلَى آخَرَ، وَبِـ " إِلَى " مَعْنَاهُ الْإِقْبَالُ إِلَى الشَّيْءِ، أَيِ: اصْرِفُوا أَبْوَابَ هَذِهِ الْبُيُوتِ الَّتِي فُتِحَتْ إِلَى الْمَسْجِدِ إِلَى جَانِبٍ آخَرَ ; كَيْلَا يَمُرَّ الْجُنُبُ أَوِ الْحَائِضُ فِي الْمَسْجِدِ عَلَى قَوْلِ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ دُونَ الْمُكْثِ خِلَافًا لِأَحْمَدَ، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، يَحْرُمُ الْمُرُورُ فِيهِ، قَالَهُ ابْنُ الْمَلَكِ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: ضُمِّنَ مَعْنَى الصَّرْفِ؛ يُقَالُ: وُجِّهَ إِلَيْهِ أَيْ: أَقَبْلَ، وَوُجِّهَ عَنْهُ أَيْ: صُرِفَ، وَفِي اسْمِ الْإِشَارَةِ إِشَارَةٌ إِلَى تَحْقِيرِ الْبُيُوتِ وَتَعْظِيمِ شَأْنِ الْمَسَاجِدِ، (" «فَإِنِّي لَا أُحِلُّ الْمَسْجِدَ لِحَائِضٍ وَلَا جُنُبٍ» "): تَعْلِيلٌ وَبَيَانٌ لِلْوَصْفِ الَّذِي هُوَ عِلَّةُ الْحُكْمِ. فِي شَرْحِ السُّنَّةِ: لَا يَجُوزُ لِلْجُنُبِ وَلَا لِلْحَائِضِ الْمُكْثُ فِي الْمَسْجِدِ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَمَالِكٌ وَأَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَجَوَّزَ الشَّافِعِيُّ الْمُرُورَ فِيهِ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ، وَجَوَّزَ أَحْمَدُ وَالْمُزَنِيُّ الْمُكْثَ فِيهِ أَيْضًا، وَأَوَّلُوا ﴿عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ [النساء: ٤٣] بِالْمُسَافِرِينَ تُصِيبُهُمُ الْجَنَابَةُ فَيَتَيَمَّمُونَ وَيُصَلُّونَ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) مِنْ طَرِيقِ أَفْلَتَ بْنِ خَلِيفَةَ، عَنْ جَسْرَةَ بِنْتِ دَجَاجَةَ. وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: عِنْدَ جَسْرَةَ عَجَائِبُ. وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ: فِيهَا نَظَرٌ، وَقَالَ الْخَطَّابُ: ضَعَّفُوا هَذَا الْحَدِيثَ، وَقَالُوا: أَفْلَتُ رَاوِيَةٌ مَجْهُولٌ لَا يَصِحُّ الِاحْتِجَاجُ بِحَدِيثِهِ، وَذَكَرَ النَّوَوِيُّ هَذَا الْحَدِيثَ وَالْأَحَادِيثَ الضَّعِيفَةَ، كَذَا نَقَلَهُ السَّيِّدُ عَنِ التَّخْرِيجِ، لَكِنْ أَبُو دَاوُدَ لَمْ يُضَعِّفْهُ فَيَكُونُ عِنْدَهُ صَالِحًا لِلِاحْتِجَاجِ بِهِ، وَمِنْ ثَمَّ حَسَّنَهُ ابْنُ الْقَطَّانِ وَغَيْرُهُ مَعَ اطِّلَاعِهِمْ عَلَى تَضْعِيفِ جَمْعٍ لَهُ، وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ نَحْوَهُ، وَيُوَافِقُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ [النساء: ٤٣] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُهُ: أَيْ مَوَاضِعَهَا، وَهِيَ الْمَسَاجِدُ لَا غَيْرَ إِذْ هِيَ الْمَوْضُوعَةُ لَهَا ابْتِدَاءً وَدَوَامًا بِخِلَافِ غَيْرِهَا، وَذَهَبَ الْمُزَنِيُّ وَدَاوُدُ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَغَيْرُهُمْ إِلَى حِلِّ إِبَاحَةِ الْمُكْثِ فِيهِ مُطْلَقًا. وَوَجَهَّهُ النَّوَوِيُّ بِأَنَّ الْأَصْلَ الْحِلُّ قَالَ: وَلَيْسَ لِمَنْ حَرَّمَ دَلِيلٌ صَحِيحٌ صَرِيحٌ. قَالَ:
[ ٢ / ٤٣٩ ]
وَخَبَرُ: " «يَا عَلِيُّ، لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ يُجْنِبُ فِي هَذَا الْمَسْجِدِ غَيْرِي وَغَيْرُكَ» " ضَعِيفٌ، وَإِنْ قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ غَرِيبٌ، نَعَمْ مِنْ خَصَائِصِهِ ﷺ أَنَّهُ يَحِلُّ لَهُ الْمُكْثُ فِي الْمَسْجِدِ جُنُبًا عَلَى مَا قَالَهُ صَاحِبُ التَّلْخِيصِ، لَكِنْ خَالَفَهُ الْقَفَّالُ، وَغَلَّطَهُ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَغَيْرُهُ، وَمَعَ ذَلِكَ احْتَجَّ النَّوَوِيُّ بِالْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ، وَقَالَ: هُوَ إِنْ كَانَ فِيهِ مَنْ ضَعَّفَهُ الْجُمْهُورُ، فَلَعَلَّهُ اعْتَضَدَ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ بِمَا اقْتَضَى حُسْنَهُ، لَكِنْ إِذَا شَارَكَهُ عَلِيٌّ فِي ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ مِنَ الْخَصَائِصِ اهـ. وَفِيهِ بَحْثٌ إِذْ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مِنْ خَصَائِصِهِ، وَمَعَ هَذَا يَخُصُّ مَنْ شَاءَ بِهَذِهِ الْخُصُوصِيَّةِ، وَهَذَا أَخَصُّ مِنَ الِاخْتِصَاصِ الْمُطْلَقِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
[ ٢ / ٤٤٠ ]
٤٦٣ - وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " «وَلَا يَدْخُلُ الْمَلَائِكَةُ بَيْتًا فِيهِ صُورَةٌ وَلَا كَلْبٌ وَلَا جُنُبٌ» " رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ.
_________________
(١) (وَعَنْ عَلِيٍّ): ﵁ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " لَا تَدْخُلُ "): بِالتَّأْنِيثِ وَالتَّذْكِيرِ (" الْمَلَائِكَةُ "): اللَّامُ لِلْعَهْدِ الذِّهْنِيِّ أَيِ: الَّذِينَ يَنْزِلُونَ بِالْبَرَكَةِ وَالرَّحْمَةِ وَلِلزِّيَارَةِ وَاسْتِمَاعِ الذِّكْرِ لَا الْكَتَبَةُ، فَإِنَّهُمْ لَا يُفَارِقُونَ الْمُكَلَّفِينَ طَرْفَةَ عَيْنٍ فِي شَيْءٍ مِنْ أَحْوَالِهِمْ (" بَيْتًا فِيهِ صُورَةٌ "): أَيْ: لِحَيَوَانٍ عَلَى شَيْءٍ مُرْتَفِعٍ كَالْجِدَارِ وَالسَّقْفِ ; لَا عَلَى الْبِسَاطِ وَمَوْضِعِ الْأَقْدَامِ، فَإِنَّ عَدَمَ الرُّخْصَةِ وَرَدَتْ فِيهِ لِحُرْمَةِ التَّصْوِيرِ وَمُشَابَهَتِهِ بَيْتَ الْأَصْنَامِ. بِخِلَافِ صُورَةِ مَا لَا رُوحَ فِيهِ، وَالصُّورَةِ الَّتِي فُقِدَ مِنْ بَدَنِهَا الْمُشَاهَدِ مَا لَا يُمْكِنُ وُجُودُ الْحَيَاةِ مَعَهُ فِيهِ كَالرَّأْسِ، فَهَذَانَ لَا يَمْنَعَانِ دُخُولَ الْمَلَائِكَةِ ; لِأَنَّهُ لَا مَحْذُورَ فِيهَا بِوَجْهٍ، وَبِخِلَافِ الصُّورَةِ الَّتِي يَحِلُّ دَوَامُهَا وَإِنْ حَرُمَ ابْتِدَاؤُهَا ; كَالصُّورَةِ الَّتِي عَلَى مَا يُدَاسُ أَوْ يُتَّكَأُ عَلَيْهِ، فَإِنَّهَا لَا تَمْنَعُ أَيْضًا دُخُولَ الْمَلَائِكَةِ عَلَى مَا نُقِلَ عَنِ الشَّارِحِينَ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَشَمَلَتِ الصُّورَةُ مَا فِي الدَّرَاهِمِ الْمَجْلُوبَةِ مِنْ بِلَادِ الْكُفْرِ فَمَنْ عِنْدَهُ شَيْءٌ مِنْهَا مَنَعَ دُخُولَ الْمَلَائِكَةِ وَإِنْ حَلَّ لَهُ إِمْسَاكُهَا، بَلْ وَلَوْ حَمَلَهَا وَلَوْ فِي عِمَامَةٍ ; لِأَنَّ الْقَصْدَ ذَاتُهَا لَا الصُّورَةُ الَّتِي حُمِلَ عَلَيْهَا ; وَلِأَنَّ الْمُسْلِمِينَ مَا زَالُوا يَحْمِلُونَهَا وَيَتَعَامَلُونَ بِهَا فِي زَمَانِ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ، وَلَمْ يُنْكِرْ أَحَدٌ عَلَيْهِمْ، لَكِنْ يَبْقَى قَصْرُ الْمَنْعِ عَلَى الْمَحَلِّ الَّذِي فِيهِ الدَّنَانِيرُ فَقَطْ، وَقَدْ يُؤْخَذُ ذَلِكَ مِنْ لَفْظِ الْحَدِيثِ، هَذَا وَيَنْبَغِي أَنْ يُسْتَثْنَى أَيْضًا بَنَاتُ اللَّعِبِ لِمَنْ لَمْ تَبْلُغْ مِنَ الْبَنَاتِ ; لِحَدِيثِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا وَتَقْرِيرِهِ ﵊ لَهَا فِيهَا. (" وَلَا كَلْبٌ "): لِأَنَّهُ نَجِسٌ وَهُمْ أَطْهَارٌ، فَيُشْبِهُ الْمَبْرَزَ غَيْرَ كَلْبِ الصَّيْدِ وَالزَّرْعِ وَالْمَاشِيَةِ ; لِجَوَازِ اقْتِنَائِهِ شَرْعًا الْمُسْلِمِينَ الْحَاجَةَ (" وَلَا جُنُبٌ "): أَيِ: الَّذِي اعْتَادَ تَرْكَ الْغُسْلِ تَهَاوُنًا حَتَّى يَمُرَّ عَلَيْهِ وَقْتُ صَلَاةٍ، فَإِنَّهُ مُسْتَخِفٌّ بِالشَّرْعِ، لَا أَيَّ جُنُبٍ كَانَ، فَإِنَّهُ ثَبَتَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَطُوفُ عَلَى نِسَائِهِ بِغُسْلٍ وَاحِدٍ، وَكَانَ يَنَامُ بِاللَّيْلِ وَهُوَ جُنُبٌ إِلَى مَا بَعْدَ الْفَجْرِ حَتَّى فِي رَمَضَانَ»، وَلَا جُنُبٍ مِنْ زِنًا؛ إِذِ الْمُرَادُ إِلَّا أَنْ يَتَوَضَّأَ كَمَا سَيَأْتِي فِي الْحَدِيثِ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ): وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. . ثَلَاثَتُهُمْ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَحْيَى، عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ يَرْفَعُهُ، قَالَ الْبُخَارِيُّ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَحْيَى الْحَضْرَمِيُّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَلِيٍّ فِيهِ نَظَرٌ. قَالَ الطَّبَرَيُّ: وَقَدْ أَخْرَجَ أَبُو حَاتِمٍ الْحَدِيثَ فِي صَحِيحِهِ نَقَلَهُ السَّيِّدُ عَنِ التَّخْرِيجِ. قَالَ مِيرَكُ: وَقَدْ خَرَّجَ الشَّيْخَانِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي طَلْحَةَ زَيْدِ بْنِ سَهْلٍ الْأَنْصَارِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: (" «لَا تَدْخُلُ الْمَلَائِكَةُ بَيْتًا فِيهِ كَلْبٌ وَلَا صُورَةٌ» " ) .
[ ٢ / ٤٤٠ ]
٤٦٤ - وَعَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ ﵄، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " «ثَلَاثٌ لَا تَقْرَبُهُمُ الْمَلَائِكَةُ: جِيفَةُ الْكَافِرِ، وَالْمُتَضَمِّخُ بِالْخَلُوقِ، وَالْجُنُبُ إِلَّا أَنْ يَتَوَضَّأَ» " رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
_________________
(١) (وَعَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (" ثَلَاثٌ "): أَيْ: أَشْخَاصٌ (" وَلَا تَقْرَبُهُمْ "): بِالتَّأْنِيثِ وَالتَّذْكِيرِ (" الْمَلَائِكَةُ "): أَيْ: مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ (" جِيفَةُ الْكَافِرِ "): أَيْ: جَسَدُهُ الَّذِي بِمَنْزِلَتِهَا، حَيْثُ لَا يَحْتَرِزُ عَنِ النَّجَاسَةِ ; كَالْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ وَالدَّمِ وَنَحْوِهَا، سَوَاءٌ كَانَ حَيًّا أَوْ مَيِّتًا (" وَالْمُتَضَمِّخُ "): أَيِ: الرَّجُلُ الْمُتَلَطِّخُ (" بِالْخَلُوقِ "): بِفَتْحِ الْخَاءِ، وَهُوَ طِيبٌ لَهُ صِبْغٌ يُتَّخَذُ مِنَ الزَّعْفَرَانِ وَغَيْرِهِ، وَتَغْلِبُ عَلَيْهِ حُمْرَةٌ مَعَ صُفْرَةٍ، وَقَدْ أُبِيحَ تَارَةً وَنُهِيَ عَنْهُ أُخْرَى وَهُوَ الْأَكْثَرُ، وَالنَّهْيُ مُخْتَصٌّ بِالرِّجَالِ دُونَ النِّسَاءِ، وَإِنَّمَا لَمْ تَقْرَبْهُ الْمَلَائِكَةُ ; لِلتَّوَسُّعِ فِي الرُّعُونَةِ وَالتَّشَبُّهِ بِالنِّسَاءِ، قَالَهُ ابْنُ الْمَلَكِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: وَفِيهِ إِشْعَارٌ بِأَنَّ مَنْ خَالَفَ السُّنَّةَ - وَإِنْ كَانَ فِي الظَّاهِرِ مُزَيَّنًا مُطَيَّبًا مُكَرَّمًا عِنْدَ النَّاسِ - فَهُوَ فِي الْحَقِيقَةِ نَجِسٌ أَخَسُّ مِنَ الْكَلْبِ، (" وَالْجُنُبُ إِلَّا أَنْ يَتَوَضَّأَ "): أَرَادَ بِهِ الْوُضُوءَ الْمُتَعَارَفَ كَمَا مَرَّ، وَهَذَا تَهْدِيدٌ وَزَجْرٌ شَدِيدٌ عَنْ تَأْخِيرِ الْغُسْلِ كَيْلَا يُعْتَادَ، وَقِيلَ: يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِالْوُضُوءِ الْغُسْلَ، قَالَهُ ابْنُ الْمَلَكِ. قُلْتُ: احْتِمَالُ أَنْ يُرِيدَ ذَلِكَ تَأْوِيلٌ بَعِيدٌ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ): مِنْ حَدِيثِ الْحَسَنِ بْنِ الْحَسَنِ عَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ، وَلَمْ يُسْمَعْ مِنْهُ، نَقَلَهُ السَّيِّدُ عَنِ التَّخْرِيجِ، فَالْحَدِيثُ مُنْقَطِعٌ.
[ ٢ / ٤٤١ ]
٤٦٥ - «وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ: أَنَّ فِي الْكِتَابِ الَّذِي كَتَبَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِعَمْرِو بْنِ حُزَمٍ: " أَنْ لَا يَمَسَّ الْقُرْآنَ إِلَّا طَاهِرٌ» ". رَوَاهُ مَالِكٌ وَالدَّارَقُطْنِيُّ.
_________________
(١) (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ): عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنْ أَبِي جَدِّهِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، وَهَذَا هُوَ الْمَعْرُوفُ فِي كُتُبِ الْحَدِيثِ وَالْفِقْهِ، خِلَافًا لِمَنْ رَوَاهُ عَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ، ذَكَرَهُ ابْنُ حَجَرٍ. وَقَالَ الْمُصَنِّفُ: هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ الْأَنْصَارِيُّ الْمَدَنِيُّ، أَحَدُ أَعْلَامِ الْمَدِينَةِ، تَابِعِيٌّ. رَوَى عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، وَعُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، وَعَنْهُ الزُّهْرِيُّ، وَمَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، وَابْنُ عُيَيْنَةَ: كَانَ كَثِيرَ الْحَدِيثِ، رَجُلٌ صَدُوقٌ. فَالَ أَحْمَدُ: حَدِيثُهُ شِفَاءٌ، تُوُفِّيَ سَنَةَ خَمْسٍ وَثَلَاثِينَ، وَمَاتَ وَلَهُ سَبْعُونَ سَنَةً، وَأَمَّا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ الْأَنْصَارِيُّ، وُلِدَ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ سَنَةَ عِشْرِينَ بِنَجْرَانَ، وَكَانَ أَبُوهُ عَامِلَ النَّبِيِّ ﷺ، أَمَرَ أَبَاهُ أَنْ يُكَنِّيَهُ بِأَبِي عَبْدِ الْمَلِكِ وَكَانَ مُحَمَّدٌ فَقِيهًا، رَوَى عَنْ أَبِيهِ وَعَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، وَعَنْهُ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، قُتِلَ يَوْمَ الْحَرَّةِ وَهُوَ ابْنُ ثَلَاثٍ وَخَمْسِينَ سَنَةً، وَذَلِكَ سَنَةَ ثَلَاثِينَ وَسِتِّينَ، (أَنَّ فِي الْكِتَابِ الَّذِي كَتَبَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِعَمْرِو بْنِ حَزْمٍ: (" أَنْ لَا يَمَسَّ الْقُرْآنَ "): بِفَتْحِ السِّينِ عَلَى أَنَّهُ نَهْيٌ، وَبِالضَّمِّ عَلَى أَنَّهُ نَفْيٌ بِمَعْنَى النَّهْيِ، أَيْ: لَا يَمَسَّ بِلَا فَاصِلَةٍ مَا كُتِبَ فِيهِ الْقُرْآنُ (" إِلَّا طَاهِرٌ "): بِخِلَافِ غَيْرِهِ كَالْجُنُبِ وَالْمُحْدِثِ، فَإِنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَمَسَّهُ إِلَّا بِغِلَافٍ مُتَجَافٍ وَكُرِهَ بِالْكُمِّ. قَالَ الطِّيبِيُّ: بَيَانٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٧٩] فَإِنَّ الضَّمِيرَ إِمَّا لِلْقُرْآنِ، وَالْمُرَادُ فِي النَّاسِ عَنْ مَسِّهِ إِلَّا عَلَى الطِّهَارَةِ، وَإِمَّا لِلَّوْحِ وَلَا نَافِيَةٌ، وَمَعْنَى الْمُطَهَّرُونَ الْمَلَائِكَةُ، فَإِنَّ الْحَدِيثَ كَشَفَ أَنَّ الْمُرَادَ هُوَ الْأَوَّلُ، وَيُعَضِّدُهُ مَدْحُ الْقُرْآنِ بِالْكَرَمِ، وَبِكَوْنِهِ ثَابِتًا فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ، فَيَكُونُ الْحُكْمُ بِكَوْنِهِ لَا يَمَسُّهُ مُرَتَّبًا
[ ٢ / ٤٤١ ]
عَلَى الْوَصْفَيْنِ الْمُتَنَاسِبَيْنِ لِلْقُرْآنِ. (رَوَاهُ مَالِكٌ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ): قَالَ صَاحِبُ التَّخْرِيجِ: رَوَاهُ أَبُو حَاتِمٍ وَالدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِيِ بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ. وَرَوَاهُ مَالِكٌ مُرْسَلًا فِي الْمُوَطَّأِ، فَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ وَالدَّارَقُطْنِيِّ مَحَلُّ تَأَمُّلٍ، كَذَا قَالَهُ السَّيِّدُ: وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: رَوَاهُ الْحَاكِمُ، وَقَالَ: إِسْنَادُهُ عَلَى شَرْطِ الصَّحِيحِ، وَلَهُ شَوَاهِدُ، وَلَفْظُهُ: «عَنْ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ قَالَ: لَمَّا بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى الْيَمَنِ قَالَ: " لَا تَمَسَّ الْقُرْآنَ إِلَّا وَأَنْتَ طَاهِرٌ» "، وَقَوْلُ النَّوَوِيِّ: " إِنَّهُ ضَعِيفٌ " يُجَابُ عَنْهُ بِأَنَّ كَثْرَةَ شَوَاهِدِهِ صَيَّرَتْهُ حَسَنًا لِغَيْرِهِ، وَهُوَ حُجَّةٌ عَلَى الصَّحِيحِ، وَرَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ وَقَالَا: صَحِيحُ الْإِسْنَادِ، وَالْحَاكِمُ وَقَالَ: حَسَنٌ غَرِيبٌ " «لَا يَمَسَّ الْقُرْآنَ إِلَّا طَاهِرٌ» "، وَبِهَذَا يُرَدُّ عَلَى مَنْ قَالَ بِالْحِلِّ مُطْلَقًا، وَهُمْ جَمْعٌ مِنَّا، وَدَاوُدُ وَالْحَاكِمُ، وَنَقْلُ ابْنِ الرِّفْعَةِ عَنِ الْمَاوَرْدِيِّ أَنَّ جُمْهُورَ أَصْحَابِنَا عَلَيْهِ - غَلَطٌ مِنْهُ فَاحْذَرْهُ.
[ ٢ / ٤٤٢ ]
٤٦٦ - «وَعَنْ نَافِعٍ، قَالَ: انْطَلَقْتُ مَعَ ابْنِ عُمَرَ فِي حَاجَةٍ، فَقَضَى ابْنُ عُمَرَ حَاجَتَهُ، وَكَانَ مِنْ حَدِيثِهِ يَوْمَئِذٍ أَنْ قَالَ: مَرَّ رَجُلٌ فِي سِكَّةٍ مِنَ السِّكَكِ، فَلَقِيَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَقَدْ خَرَجَ مِنْ غَائِطٍ أَوْ بَوْلٍ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ، حَتَّى إِذَا كَادَ الرَّجُلُ أَنْ يَتَوَارَى فِي السِّكَّةِ، ضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِيَدَيْهِ عَلَى الْحَائِطِ، وَمَسَحَ بِهِمَا وَجْهَهُ، ثُمَّ ضَرَبَ ضَرْبَةً أُخْرَى، فَمَسَحَ ذِرَاعَيْهِ، ثُمَّ رَدَّ عَلَى الرَّجُلِ السَّلَامَ، وَقَالَ: " إِنَّهُ لَمْ يَمْنَعْنِي أَنْ أَرُدَّ عَلَيْكَ السَّلَامَ إِلَّا أَنِّي لَمْ أَكُنْ عَلَى طُهْرٍ») . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
_________________
(١) (وَعَنْ نَافِعٍ): أَيْ: مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ (قَالَ: انْطَلَقْتُ): أَيْ: ذَهَبْتُ (مَعَ ابْنِ عُمَرَ) أَيْ: عَبْدِ اللَّهِ (فِي حَاجَةٍ): حَالٌ مِنَ الْمُضَافِ إِلَيْهِ أَيْ: فِي شَأْنِ حَاجَةٍ لَهُ، وَالتَّنَكُّرُ فِيهَا لِلشُّيُوعِ، وَلَعَلَّ مَا بَعْدَهَا يُقَيِّدُهَا بِقَضَاءِ الْحَاجَةِ (فَقَضَى ابْنُ عُمَرَ حَاجَتَهُ): أَيِ: الْإِنْسَانِيَّةَ، وَهِيَ التَّبَرُّزُ عَلَى مَا هُوَ الظَّاهِرُ مِنْ سِيَاقِ الْحَدِيثِ الْمُتَعَلِّقِ بِقَضَاءِ حَاجَتِهِ ﵊، وَيُحْتَمَلُ أَنَّ الْمُرَادَ بِهَا حَاجَةٌ أُخْرَى، وَأَنَّهُ ذَكَرَ مَا يَأْتِي اسْتِطْرَادًا، (وَكَانَ مِنْ حَدِيثِهِ): أَيْ: مِنْ جُمْلَةِ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ الَّذِي حَدَّثَهُ (يَوْمَئِذٍ أَنْ قَالَ) أَيِ: ابْنُ عُمَرَ، وَأَنْ مَعَ مَدْخُولِهِ فِي تَأْوِيلِ الْمَصْدَرِ أَيْ: كَانَ مِنْ جُمْلَةِ قَوْلِهِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ قَوْلُهُ: (مَرَّ رَجُلٌ): قِيلَ هُوَ الْمُهَاجِرُ بْنُ قُنْفُذِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ (فِي سِكَّةٍ مِنَ السِّكَكِ): أَيِ: الطُّرُقِ (فَلَقِيَ): أَيِ الرَّجُلُ (رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، وَقَدْ خَرَجَ): أَيْ: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (مِنْ غَائِطٍ أَوْ بَوْلٍ): أَيْ: فَرَغَ ; لِأَنَّ الْخُرُوجَ بَعْدَ الْفَرَاغِ أَوْ خَرَجَ مِنْ مَحَلِّهِمَا (فَسَلَّمَ): أَيِ: الرَّجُلُ (عَلَيْهِ): ﵊ (فَلَمْ يَرُدَّ): أَيِ: النَّبِيُّ (عَلَيْهِ): أَيْ: عَلَى الرَّجُلِ، وَفِي نُسْخَةٍ: السَّلَامَ (حَتَّى إِذَا كَادَ): أَيْ (قَارَبَ الرَّجُلُ أَنْ يَتَوَارَى): أَيْ: يَخْتَفِيَ وَيَغِيبَ شَخْصُهُ (فِي السِّكَّةِ، ضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ): جَوَابُ إِذَا، وَحَتَّى هِيَ الدَّاخِلَةُ عَلَى الْجُمْلَةِ الشَّرْطِيَّةِ (بِيَدَيْهِ عَلَى الْحَائِطِ): قَالَ الطِّيبِيُّ: وَلَعَلَّهُ عَلَاهُ الْغُبَارُ، وَلِيَصِحَّ بِهِ التَّيَمُّمُ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ، وَإِلَّا فَهُوَ صَحِيحٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ اهـ. وَفِي آخِرِ كَلَامِهِ حَزَازَةٌ لَا تَخْفَى، (وَمَسَحَ بِهِمَا وَجْهَهُ، ثُمَّ ضَرَبَ ضَرْبَةً أُخْرَى، فَمَسَحَ ذِرَاعَيْهِ، ثُمَّ رَدَّ عَلَى الرَّجُلِ السَّلَامَ): قَالَ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ: فِيهِ أَنَّ رَدَّ السَّلَامِ وَإِنْ كَانَ وَاجِبًا، فَالْمُسَلِّمُ عَلَى الرَّجُلِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ مُضَيِّعٌ حَظَّ نَفْسِهِ، فَلَا يَسْتَحِقُّ الْجَوَابَ، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى كَرَاهِيَةِ الْكَلَامِ عَلَى قَضَاءِ الْحَاجَةِ، وَعَلَى أَنَّ التَّيَمُّمَ فِي الْحَضَرِ لِرَدِّ السَّلَامِ مَشْرُوعٌ اهـ. وَفِيهِ بَحْثَانِ: أَمَّا أَوَّلًا: فَقَوْلُهُ: فَلَا يَسْتَحِقُّ الْجَوَابَ مَدْفُوعٌ بِأَنَّهُ اسْتَحَقَّ الْجَوَابَ، وَلِهَذَا أَجَابَ، وَالْفَصْلُ الْيَسِيرُ بَيْنَ السَّلَامِ وَرَدِّهِ لَا يَضُرُّهُ، وَأَمَا ثَانِيًا فَلِأَنَّ السَّلَامَ وَالْكَلَامَ كِلَاهُمَا وَقَعَ بَعْدَ الْفَرَاغِ، ثُمَّ رَأَيْتُ ابْنَ حَجْرٍ تَعَقَّبَ الشَّارِحَ بِمِثْلِ مَا ذَكَرْتُهُ. (وَقَالَ: " إِنَّهُ ") أَيِ: الشَّأْنُ (" لَمْ يَمْنَعْنِي أَنْ أَرُدَّ عَلَيْكَ السَّلَامَ إِلَّا أَنِّي لَمْ أَكُنْ عَلَى طُهْرٍ "): قَالَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ: هَذَا الْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى اسْتِحْبَابِ ذِكْرِ اللَّهِ بِالْوُضُوءِ أَوِ التَّيَمُّمِ ; لِأَنَّ السَّلَامَ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى
[ ٢ / ٤٤٢ ]
أَيْ: فِي الْأَصْلِ، فَإِنَّ الْمُرَادَ هُنَا السَّلَامَةُ. قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: وَالتَّوْفِيقُ بَيْنَ هَذَا وَحَدِيثِ عَلِيٍّ أَنَّهُ ﷺ كَانَ يَخْرُجُ مِنَ الْخَلَاءِ فَيُقْرِئُنَا الْقُرْآنَ ; أَنَّهُ ﷺ أَخَذَ فِي ذَلِكَ بِالرُّخْصَةِ تَيْسِيرًا عَلَى الْأُمَّةِ، وَفِي هَذَا بِالْعَزِيمَةِ ; أَيْ: تَعْلِيمًا لَهُمْ بِالْأَفْضَلِ. وَقَالَ الْمُظْهِرُ: فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَنْ قَصَّرَ فِي رَدِّ جَوَابِ السَّلَامِ بِعُذْرٍ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَعْتَذِرَ عَنْهُ حَتَّى لَا يُنْسَبَ إِلَى الْكِبْرِ أَوِ الْعَدَاوَةِ، وَعَلَى وُجُوبِ رَدِّ السَّلَامِ ; لِأَنَّ تَأْخِيرَهُ لِلْعُذْرِ يُؤْذِنُ بِوُجُوبِهِ.
قُلْتُ: وَفِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ التَّيَمُّمِ ; لِخَوْفِ فَوْتِ مَا يَفُوتُ لَا إِلَى خُلْفٍ كَصَلَاةِ الْجَنَازَةِ وَالْعِيدِ، وَلَمْ أَرَ مَنِ اسْتَدَلَّ بِهِ مِنْ عُلَمَائِنَا. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ): مِنْ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ ثَابِتٍ الْعَبْدِيِّ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَقَدْ أَنْكَرَ الْبُخَارِيُّ رَفْعَ هَذَا الْحَدِيثِ عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ ثَابِتٍ. قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: رَفْعُهُ غَيْرُ مُنْكَرٍ، وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ لَا يَصِحُّ ; لِأَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ ثَابِتٍ الْعَبْدِيَّ ضَعِيفٌ جِدًّا لَا يُحْتَجُّ بِهِ، نَقَلَهُ السَّيِّدُ عَنِ التَّخْرِيجِ، فَقَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ: وَسَنَدُهُ حَسَنٌ غَيْرُ مُسْتَحْسَنٍ إِلَّا أَنْ يُقَالَ - مُرَادُهُ حَسَنٌ لِغَيْرِهِ.
[ ٢ / ٤٤٣ ]
٤٦٧ - «وَعَنِ الْمُهَاجِرِ بْنِ قُنْفُذٍ ﵁، أَنَّهُ أَتَى النَّبِيَّ ﷺ وَهُوَ يَبُولُ. فَسَلَّمَ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ حَتَّى تَوَضَّأَ، ثُمَّ اعْتَذَرَ إِلَيْهِ، وَقَالَ: " إِنِّي كَرِهْتُ أَنْ أَذْكُرَ اللَّهَ إِلَّا عَلَى طُهْرٍ» " رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. وَرَوَى النَّسَائِيُّ إِلَى قَوْلِهِ: حَتَّى تَوَضَّأَ، وَقَالَ: فَلَمَّا تَوَضَّأَ رَدَّ عَلَيْهِ.
_________________
(١) (وَعَنِ الْمُهَاجِرِ بْنِ قُنْفُذٍ): بِضَمِّ الْقَافِ وَسُكُونِ النُّونِ، وَبِالْفَاءِ الْمَضْمُومَةِ وَالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ، الْقُرَشِيُّ التَّيْمِيُّ، هَاجَرَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ مُسْلِمًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " هَذَا الْمُهَاجِرُ حَقًّا ". وَقِيلَ: إِنَّهُ أَسْلَمَ يَوْمَ الْفَتْحِ، وَسَكَنَ الْبَصْرَةَ، وَمَاتَ بِهَا (أَنَّهُ أَتَى النَّبِيَّ ﷺ وَهُوَ): أَيِ النَّبِيُّ (يَبُولُ فَسَلَّمَ): أَيِ: الْمُهَاجِرُ (عَلَيْهِ): قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: أَيْ: بَعْدَ الْفَرَاغِ إِذِ الْمُرُوءَةُ قَاضِيَةٌ بِأَنَّ مَنْ يَقْضِي حَاجَتَهُ لَا يُكَلَّمُ فَضْلًا عَنْ أَنْ يُسَلَّمَ عَلَيْهِ، وَلِذَا يُكْرَهُ السَّلَامُ، وَلَا يَسْتَحِقُّ جَوَابًا فَضْلًا عَنْ أَنْ يَعْتَذِرَ إِلَيْهِ، فَالِاعْتِذَارُ الْآتِي دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ السَّلَامَ كَانَ بَعْدَ الْفَرَاغِ (فَلَمْ يَرُدَّ): أَيِ: النَّبِيُّ (عَلَيْهِ): أَيْ: عَلَى مُهَاجِرٍ (حَتَّى تَوَضَّأَ): أَيِ: النَّبِيُّ، وَظَاهِرُهُ تَعَدُّدُ الْوَاقِعَةِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى تَوَضَّأَ تَطَهَّرَ، فَيَشْمَلَ التَّيَمُّمَ، ثُمَّ اعْتَذَرَ إِلَيْهِ يَعْنِي بَعْدَ رَدِّ السَّلَامِ عَلَيْهِ (وَقَالَ): بَيَانٌ لِلِاعْتِذَارِ (" إِنِّي كَرِهْتُ أَنْ أَذْكُرَ اللَّهَ "): أَيِ الْحَقِيقِيَّ أَوِ الْمَجَازِيَّ، وَهُوَ الْمَقُولُ الْمَطْلُوبُ شَرْعًا، أَوِ اللَّفْظُ الْمُشَابِهُ بِالذِّكْرِ، أَوِ اللَّفْظُ الَّذِي هُوَ فِي الْأَصْلِ ذِكْرٌ، وَإِنِ اسْتُعْمِلَ لِمَعْنًى آخَرَ مِنْ مُنَاسَبَاتِ ذَلِكَ الِاسْمِ، وَكَانَ الْأَصْلُ فِي السَّلَامِ عَلَيْكَ التَّخَلُّقُ بِهَذَا الِاسْمِ، وَهُوَ تَعَهُّدُ السَّلَامَةِ وَاقِعٌ عَلَيْكَ، ثُمَّ هُجِرَ هَذَا الْمَعْنَى، وَاسْتُعْمِلَ فِي مُطْلَقِ التَّحِيَّةِ مَعَ الْغَفْلَةِ عَنِ الْحَقِيقَةِ اللَّفْظِيَّةِ، وَالذُّهُولِ عَنِ الْإِرَادَةِ الْقَصْدِيَّةِ، (" إِلَّا عَلَى طُهْرٍ "): أَيْ: فَلِذَا أَخَّرْتُهُ ; لِيَكُونَ عَلَى الْوَجْهِ الْأَكْمَلِ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ): أَيْ: تَمَامَ الْحَدِيثِ، وَسَكَتَ عَلَيْهِ هُوَ وَالْمُنْذِرِيُّ، نَقَلَهُ السَّيِّدُ عَنِ التَّخْرِيجِ، وَقَالَ الْإِمَامُ النَّوَوِيُّ فِي الْأَذْكَارِ: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ، وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ بِأَسَانِيدَ صَحِيحَةٍ، قَالَهُ مِيرَكُ، (وَرَوَى النَّسَائِيُّ إِلَى قَوْلِهِ: حَتَّى تَوَضَّأَ. وَقَالَ:): أَيِ النَّسَائِيُّ (فَلَمَّا تَوَضَّأَ رَدَّ عَلَيْهِ): وَهُوَ مَفْهُومٌ مِنَ الرِّوَايَةِ السَّابِقَةِ.
[ ٢ / ٤٤٣ ]
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
٤٦٨ - عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂، قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ يُجْنِبُ، ثُمَّ يَنَامُ، ثُمَّ يَنْتَبِهُ، ثُمَّ يَنَامُ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ.
_________________
(١) الْفَصْلُ الثَّالِثُ
(٢) (عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُجْنِبُ): بِالْوَجْهَيْنِ (ثُمَّ يَنَامُ، ثُمَّ يَنْتَبِهُ، ثُمَّ يَنَامُ): وَهَذَا بِظَاهِرِهِ عَمَلٌ بِالرُّخْصَةِ، وَبَيَانٌ لِلْجَوَازِ، (رَوَاهُ أَحْمَدُ): وَسَنَدُهُ حَسَنٌ.
[ ٢ / ٤٤٣ ]
٤٦٩ - «وَعَنْ شُعْبَةَ، قَالَ: إِنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵁ كَانَ إِذَا اغْتَسَلَ مِنَ الْجَنَابَةِ يُفْرِغُ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى يَدِهِ الْيُسْرَى سَبْعَ مِرَارٍ، ثُمَّ يَغْسِلُ فَرْجَهُ، فَنَسِيَ مَرَّةً كَمْ أَفْرَغَ، فَسَأَلَنِي. فَقُلْتُ: لَا أَدْرِي. فَقَالَ: لَا أُمَّ لَكَ! وَمَا يَمْنَعُكَ أَنْ تَدْرِيَ؟ ثُمَّ يَتَوَضَّأُ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ، ثُمَّ يُفِيضُ عَلَى جِلْدِهِ الْمَاءُ، ثُمَّ يَقُولُ: هَكَذَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَتَطَهَّرُ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
_________________
(١) (وَعَنْ شُعْبَةَ): هُوَ ابْنُ دِينَارٍ، وَهُوَ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، وَضَعَّفَهُ النَّسَائِيُّ، وَقَوَّاهُ غَيْرُهُ، قَالَهُ السَّيِّدُ، وَلَمْ يَذْكُرْهُ الْمُصَنِّفُ. (قَالَ: إِنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ كَانَ إِذَا اغْتَسَلَ): قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: أَيْ أَرَادَ الْغُسْلَ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْكَلَامَ لَا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ ; لِأَنَّ التَّقْدِيرَ: كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَقْتَ اغْتِسَالِهِ (مِنَ الْجَنَابَةِ، يُفْرِغُ): مِنَ الْإِفْرَاغِ، أَيْ: يَصُبُّ (بِيَدِهِ الْيُمْنَى): أَيِ: الْمَاءَ (عَلَى يَدِهِ الْيُسْرَى سَبْعَ مِرَارٍ)، وَفِي نُسْخَةٍ: سَبْعَ مَرَّاتٍ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَلَعَلَّهُ لِنَجَاسَةٍ كَانَتْ فِيهَا، وَكَانَ سَبَبُ السَّبْعِ أَنَّهُ لَمْ يَبْلُغْهُ النَّسْخُ، وَكَذَلِكَ لَمْ يَبْلُغْ أَحْمَدَ ; فَقَالَ بِوُجُوبِ غَسْلِ كُلِّ نَجَاسَةٍ سَبْعًا، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ بَلَغَهُ النَّسْخُ، وَكَانَ مِنْ مَذْهَبِهِ أَنَّهُ إِذَا نُسِخَ الْوُجُوبُ بَقِيَ النَّدْبُ، كَمَا قِيلَ، وَإِنْ كَانَ الْأَصَحُّ أَنَّهُ بَقِيَ مُطْلَقُ الْجَوَازِ لَا خُصُوصُ الِاسْتِحْبَابِ. وَكَانَ لَا تُفِيدُ الدَّوَامَ عَلَى التَّحْقِيقِ، بَلْ إِنَّ ذَلِكَ أَمْرٌ عُرْفِيٌّ فِيهَا لَا وَضْعِيٌّ، فَلَا يَلْزَمُ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ مِنْ دَأْبِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَعَادَتِهِ لَا لِنَجَاسَةٍ فِيهَا. (ثُمَّ يَغْسِلُ فَرْجَهُ): أَيْ: سَبْعًا وَهُوَ يُعْلَمُ بِالطَّرِيقِ الْأُولَى (فَنَسِيَ): أَيِ: ابْنُ عَبَّاسٍ (مَرَّةً): أَيْ: مِنَ الْأَوْقَاتِ (كَمْ أَفْرَغَ، فَسَأَلَنِي. فَقُلْتُ: لَا أَدْرِي. فَقَالَ: لَا أُمَّ لَكَ): وَقِيلَ: مَعْنَاهُ أَنْتَ لَقِيطٌ. فِي النِّهَايَةِ: لَا أَبَا لَكَ أَكْثَرُ مَا يُسْتَعْمَلُ فِي مَعْرِضِ الْمَدْحِ أَيْ: لَا كَافِئَ لَكَ غَيْرُ نَفْسِكَ، وَقَدْ يُذْكَرُ فِي مَعْرِضِ الذَّمِّ كَمَا يُقَالُ: لَا أُمَّ لَكَ. وَفِي مَعْرِضِ التَّعَجُّبِ دَفْعًا لِلْعَيْنِ كَقَوْلِهِمْ: لِلَّهِ دَرُّكَ، وَفِي مَعْنَاهُ جِدَّ فِي أَمْرِكَ وَشَمِّرْ ; لِأَنَّ مِنْ لَهُ أَبٌ اتَّكَلَ عَلَيْهِ فِي بَعْضِ شَأْنِهِ. قِيلَ: إِنَّمَا جَاءَ الْفَرْقُ بَيْنَ لَا أَبَ لَكَ وَلَا أُمَّ لَكَ ; لِأَنَّ الْأَبَ إِذَا فُقِدَ دَلَّ عَلَى الِاسْتِقْلَالِ، وَالْأُمُّ مَنْسُوبٌ إِلَيْهَا الشَّفَقَةُ وَالرِّفْقُ، وَمَا فِي الْحَدِيثِ وَارِدٌ عَلَى الذَّمِّ لِمَا أَتْبَعَهُ مِنْ قَوْلِهِ: (وَمَا يَمْنَعُكَ أَنْ تَدْرِيَ؟): وَالْوَاوُ عَطْفٌ بِالْجُمْلَةِ الِاسْتِفْهَامِيَّةِ عَلَى الْجُمْلَةِ الدُّعَائِيَّةِ، وَالْجَامِعُ كَوْنُهُمَا إِنْشَائِيَّتَيْنِ، قَالَهُ الطِّيبِيُّ. (ثُمَّ يَتَوَضَّأُ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ، ثُمَّ يُفِيضُ): مِنَ الْإِفَاضَةِ (عَلَى جِلْدِهِ الْمَاءَ): قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: ذَكَرَهُ لِأَنَّهُ الْأَصْلُ، وَإِلَّا فَغَسْلُ الشَّعَرِ وَاجِبٌ أَيْضًا، (ثُمَّ يَقُولُ: هَكَذَا): الظَّاهِرُ رُجُوعُهُ لِجَمِيعِ مَا مَرَّ (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَتَطَهَّرُ): أَيْ قَبْلَ النَّسْخِ، أَوِ الْإِشَارَةُ رَاجِعَةٌ إِلَى مَا ذُكِرَ مِنَ الْوُضُوءِ وَالْإِضَافَةِ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَفِيهِ أَنَّهُ لَا مُنَاسَبَةَ لِهَذَا الْحَدِيثِ بِالتَّرْجَمَةِ، إِلَّا أَنَّ فِيهِ بَعْضَ أَحْكَامٍ تَتَعَلَّقُ بِالْجُنُبِ، فَذُكِرَ اسْتِطْرَادًا لِأَجْلِهَا، وَلَوْ ذَكَرَهُ فِي بَابِ الْغُسْلِ لَكَانَ أَوْلَى. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ): وَسَكَتَ عَلَيْهِ.
[ ٢ / ٤٤٤ ]
٤٧٠ - «وَعَنْ أَبِي رَافِعٍ ﵁ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ طَافَ ذَاتَ يَوْمٍ عَلَى نِسَائِهِ، يَغْتَسِلُ عِنْدَ هَذِهِ، وَعِنْدَ هَذِهِ، قَالَ: فَقُلْتُ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلَا تَجْعَلُهُ غُسْلًا وَاحِدًا آخِرًا؟ قَالَ: " هَذَا أَزْكَى وَأَطْيَبُ وَأَطْهَرُ» ". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ.
_________________
(١) (وَعَنْ أَبِي رَافِعٍ): مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ (قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ طَافَ ذَاتَ يَوْمٍ): ذَاتَ: زَائِدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ، قَالَهُ ابْنُ حَجَرٍ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ زِيَادَتَهُ لِدَفْعِ الْمَجَازِ أَيْ: فِي نَهَارٍ (عَلَى نِسَائِهِ، يَغْتَسِلُ عِنْدَ هَذِهِ، وَعِنْدَ هَذِهِ): أَيْ: يَغْتَسِلُ (قَالَ) أَيْ: أَبُو رَافِعٍ (فَقُلْتُ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلَا تَجْعَلُهُ) أَيْ: غُسْلَكَ، بِالتَّخْفِيفِ، فَالْهَمْزَةُ لِلِاسْتِفْهَامِ، وَلَا نَافِيَةٌ، وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ: أَلَّا بِالتَّشْدِيدِ فَيَكُونُ بِمَعْنَى هَلَّا لِلتَّخْصِيصِ، (غُسْلًا وَاحِدًا): فَإِنَّهُ كَافٍ (آخِرًا): تَأْكِيدٌ لِدَفْعِ التَّوَهُّمِ (قَالَ: " هَذَا "): أَيْ: تَعَدُّدُ الْغُسْلِ (" أَزْكَى "): أَيْ: أَنْمَى، وَالْمَقْصُودُ أَقْوَى (" وَأَطْيَبُ "): أَيْ: أَلَذُّ وَأَخَفُّ عَلَى الْبَدَنِ (" وَأَطْهَرُ "): أَيْ: أَنْظَفُ وَأَحْسَنُ. قَالَ الطِّيبِيُّ: التَّطْهِيرُ مُنَاسَبَةً لِلظَّاهِرِ، وَالتَّزْكِيَةُ وَالتَطَيَّبُ لِلْبَاطِنِ، فَالْأُولَى لِإِزَالَةِ الْأَخْلَاقِ الذَّمِيمَةِ، وَالْأُخْرَى لِلتَّحَلِّي بِالشِّيَمِ
[ ٢ / ٤٤٤ ]
الْحَمِيدَةِ اهـ. وَهَذَا أَشْبَهُ بِإِشَارَاتِ الصُّوفِيَّةِ، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: هِيَ قَرِيبَةٌ مِنَ التَّرَادُفِ جُمِعَ بَيْنَهُمَا تَأْكِيدًا اهـ. وَهُوَ اسْتِرْوَاحٌ ; لِأَنَّ التَّأْسِيسَ أَوْلَى مِنَ التَّأْكِيدِ، وَهُوَ التَّحْقِيقُ الْحَاصِلُ بِالتَّأْيِيدِ. (رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ): وَقَالَ: حَدِيثُ أَنَسٍ أَصَحُّ مِنْ هَذَا، نَقَلَهُ مِيرَكُ.
[ ٢ / ٤٤٥ ]
٤٧١ - وَعَنِ الْحَكَمِ بْنِ عَمْرٍو ﵁، قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَتَوَضَّأَ الرَّجُلُ بِفَضْلِ طَهُورِ الْمَرْأَةِ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَزَادَ: أَوْ قَالَ: بِسُؤْرِهَا، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
_________________
(١) (وَعَنِ الْحَكَمِ): بِفَتْحَتَيْنِ (بْنِ عَمْرٍو): أَيِ: الْغِفَارِيِّ، وَلَيْسَ غِفَارِيًّا ; إِنَّمَا هُوَ مِنْ وَلَدِ ثَعْلَبَةَ أَخِي غِفَارٍ، رَوَى عَنْهُ جَمَاعَةٌ، ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِي الصَّحَابَةِ (قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَتَوَضَّأَ الرَّجُلُ بِفَضْلِ طَهُورِ الْمَرْأَةِ»): بِفَتْحِ الطَّاءِ وَتُضَمُّ. قَالَ السَّيِّدُ جَمَالُ الدِّينِ: هَذَا النَّهْيُ يُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ نَهْيٌ لِلتَّنْزِيهِ؛ لِئَلَّا يُخَالِفَ الْحَدِيثَ السَّابِقَ فِي الْفَصْلِ الثَّانِي مِنْ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَوَضَّأَ بِفَضْلِ الْمَاءِ الَّذِي اغْتَسَلَ بِهِ بَعْضُ أَزْوَاجِهِ»، مَعَ أَنَّهَا أَعْلَمَتْهُ ﵊. وَقَالَ: " «إِنَّ الْمَاءَ لَا يُجْنِبُ» "، وَكَذَا النَّهْيُ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي بَعْدَهُ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَزَادَ): أَيِ: التِّرْمِذِيُّ (أَوْ قَالَ: بِسُؤْرِهَا): قَالَ الطِّيبِيُّ: شَكَّ الرَّاوِي أَنَّهُ ﵊ قَالَ: " «بِفَضْلِ طَهُورِ الْمَرْأَةِ، أَوْ بِسُؤْرِهَا» "، وَهُوَ بِالْهَمْزَةِ: بَقِيَّةُ الشَّيْءِ اهـ. وَقَدْ يُخَفَّفُ الْهَمْزُ بِالْإِبْدَالِ (وَقَالَ): أَيِ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ (حَسَنٌ صَحِيحٌ): وَخَالَفَهُ الْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُ ; فَقَالُوا: إِنَّهُ ضَعِيفٌ.
[ ٢ / ٤٤٥ ]
٤٧٢ - وَعَنْ حُمَيْدٍ الْحِمْيَرِيِّ، قَالَ: لَقِيتُ رَجُلًا صَحِبَ النَّبِيَّ ﷺ أَرْبَعَ سِنِينَ، كَمَا صَحِبَهُ أَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ تَغْتَسِلَ الْمَرْأَةُ بِفَضْلِ الرَّجُلِ، أَوْ يَغْتَسِلَ الرَّجُلُ بِفَضْلِ الْمَرْأَةِ. زَادَ مُسَدَّدٌ: وَلْيَغْتَرِفَا جَمِيعًا» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ وَزَادَ أَحْمَدُ فِي أَوَّلِهِ: «فِي أَنْ يَمْتَشِطَ أَحَدُنَا كُلَّ يَوْمٍ، أَوْ يَبُولَ فِي مُغْتَسَلٍ» .
_________________
(١) (وَعَنْ حُمَيْدٍ): بِالتَّصْغِيرِ (الْحِمْيَرِيِّ): بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ التَّحْتَانِيَّةِ. قَالَ الْمُصَنِّفُ: حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحِمْيَرِيُّ الْبَصْرِيُّ، مِنْ ثِقَاتِ الْبَصْرِيِّينَ وَأَئِمَّتِهِمْ، تَابِعِيٌّ جَلِيلٌ مِنْ قُدَمَاءِ التَّابِعِينَ، رَوَى عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَابْنِ عَبَّاسٍ (قَالَ: لَقِيتُ رَجُلًا): قِيلَ: هُوَ الْحَكَمُ بْنُ عَمْرٍو، وَقِيلَ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَرْجِسَ، وَقِيلَ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُغَفَّلٍ، نَقَلَهُ مِيرَكُ. (صَحِبَ النَّبِيَّ ﷺ أَرْبَعَ سِنِينَ، كَمَا صَحِبَهُ أَبُو هُرَيْرَةَ): لِأَنَّ إِسْلَامَهُ سَنَةَ سَبْعٍ مِنَ الْهِجْرَةِ، قَالَهُ ابْنُ حَجَرٍ (قَالَ): أَيِ الرَّجُلُ الصَّحَابِيُّ، وَجَهَالَتُهُ لَا تَضُرُّ، وَالصَّحَابَةُ كُلُّهُمْ عُدُولٌ. («نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ تَغْتَسِلَ الْمَرْأَةُ بِفَضْلِ الرَّجُلِ»): أَيْ: بِزِيَادَةِ مَاءِ اغْتِسَالِهِ (أَوْ يَغْتَسِلَ الرَّجُلُ بِفَضْلِ الْمَرْأَةِ): أَيْ: بِفَضْلَتِهَا (زَادَ مُسَدَّدٌ): قَالَ الْمُصَنِّفُ: هُوَ مُسَدَّدُ بْنُ مُسَرْهَدٍ الْبَصْرِيُّ، سَمِعَ حَمَّادَ بْنَ زَيْدٍ وَأَبَا عَوَانَةَ وَغَيْرَهُمَا. وَرَوَى عَنْهُ الْبُخَارِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَخَلْقٌ كَثِيرٌ سِوَاهُمَا، وَمَاتَ سَنَةَ ثَمَانٍ وَعِشْرِينَ وَمِائَةٍ، وَمُسَدَّدٌ بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ الدَّالِ الْأُولَى وَفَتْحِهَا، وَمُسَرْهَدٌ بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ السِّينِ وَسُكُونِ الرَّاءِ وَفَتْحِ الْهَاءِ. (وَلْيَغْتَرِفَا): بِسُكُونِ اللَّامِ وَتُكْسَرُ (جَمِيعًا): ظَاهِرُهُ مَعًا، وَيَحْتَمِلُ الْمُنَاوَبَةَ (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ): وَسَنَدُهُ صَحِيحٌ (وَزَادَ أَحْمَدُ فِي أَوَّلِهِ: فِي أَنْ يَمْتَشِطَ أَحَدُنَا): أَيْ: يُسَرِّحُ شَعْرَ لِحْيَتِهِ وَرَأْسِهِ (كُلَّ يَوْمٍ): لِأَنَّهُ شِعَارُ أَهْلِ الزِّينَةِ، وَإِنَّمَا السُّنَّةُ أَنْ يَجْعَلَهُ غِبًّا ; يَفْعَلُهُ يَوْمًا وَيَتْرُكُهُ يَوْمًا، أَوِ الْمُرَادُ الْيَوْمَ هُنَا: الْوَقْتُ (أَوْ يَبُولَ فِي مُغْتَسَلٍ): لِأَنَّهُ يُورِثُ الرِّيبَةَ وَالْوَسْوَسَةَ فَيُكْرَهُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ.
[ ٢ / ٤٤٥ ]
٤٧٣ - وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَرْجِسَ.
_________________
(١) (وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ): وَسَنَدُهُ حَسَنٌ (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَرْجِسَ): بِفَتْحِ السِّينِ وَكَسْرِ الْجِيمِ مَعَ الِانْصِرَافِ، وَقِيلَ بِعَدَمِهِ لِلْعَلَمِيَّةِ وَالْعُجْمَةِ. قَالَهُ ابْنُ الْمَلَكِ فِي شَرْحِ الْمَشَارِقِ وَسَبَقَ تَحْقِيقُهُ.
[ ٢ / ٤٤٥ ]