(الْفَصْلُ الْأَوَّلُ)
١٨٢١ - عَنْ أَنَسٍ قَالَ: «مَرَّ النَّبِيُّ - ﷺ - بِتَمْرَةٍ فِي الطَّرِيقِ فَقَالَ: " لَوْلَا أَنِّي أَخَافُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الصَّدَقَةِ لَأَكْلَتُهَا» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
_________________
(١) (بَابُ مَنْ لَا تَحِلُّ لَهُ الصَّدَقَةُ) قِيلَ: هِيَ مِنْحَةٌ لِثَوَابِ الْآخِرَةِ وَالْهَدِيَّةِ أَنْ يَمْلِكَ الرَّجُلُ تَقَرُّبًا إِلَيْهِ وَإِكْرَامًا لَهُ، فَفِي الصَّدَقَةِ نَوْعُ تَرَحُّمٍ وَذُلٍّ لِلْآخِذِ وَلِذَلِكَ حُرِّمَتْ عَلَى النَّبِيِّ - ﷺ - بِخِلَافِ الْهَدِيَّةِ، وَأَيْضًا لَمَّا كَانَ - ﷺ - آمِرًا بِالصَّدَقَاتِ وَمُرَغِّبًا فِي الْمَبَرَّاتِ فَتَنَزَّهَ عَنِ الْأَخْذِ مِنْهَا بَرَاءَةً لِسَاحَتِهِ عَنِ الطَّمَعِ فِيهَا وَعَنِ التُّهْمَةِ بِالْحَثِّ عَلَيْهَا، وَلِذَا قَالَ: " «تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ وَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ» " إِيمَاءً إِلَى أَنَّ الْمَصْلَحَةَ رَاجِعَةٌ إِلَيْهِمْ وَأَنَّهُ سَفِيرٌ مَحْضٌ مُشْفِقٌ عَلَيْهِمْ وَهُوَ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ بِأَمْرِ اللَّهِ - تَعَالَى - أَوْ بِاجْتِهَادٍ صَدَرَ مِنْ مِشْكَاةِ صَدْرِهِ الْأَنْوَرِ وَقَلْبِهِ الْأَزْهَرِ. (الْفَصْلُ الْأَوَّلُ)
(٢) (عَنْ أَنَسٍ قَالَ: مَرَّ النَّبِيُّ - ﷺ - بِتَمْرَةٍ) أَيْ مُلْقَاةٍ (فِي الطَّرِيقِ فَقَالَ: " لَوْلَا أَنْ أَخَافَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الصَّدَقَةِ ") أَيْ مِنْ تَمْرِهَا (لَأَكْلَتُهَا) تَعْظِيمًا لِنِعْمَةِ اللَّهِ - تَعَالَى - وَالْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى حُرْمَةِ الصَّدَقَةِ عَلَى النَّبِيِّ - ﷺ - وَعَلَى جَوَازِ أَكْلِ مَا وُجِدَ فِي الطَّرِيقِ مِنَ الطَّعَامِ الْقَلِيلِ الَّذِي لَا يَطْلُبُهُ مَالِكُهُ، وَعَلَى أَنَّ الْأَوْلَى بِالْمُتَّقِي أَنْ يَجْتَنِبَ عَمَّا فِيهِ تَرَدُّدٌ، وَفِي الْإِحْيَاءِ رُوِيَ عَنْهُ - ﷺ - «أَنَّهُ أُرِّقَ لَيْلَةً فَقَالَتْ لَهُ بَعْضُ نِسَائِهِ: أُرِّقْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: " أَجَلْ، وَجَدْتُ تَمْرَةً فَخَشِيتُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الصَّدَقَةِ» " وَفِي رِوَايَةٍ " فَأَكَلْتُهَا فَخَشِيتُ "، وَأَمَّا مَا رُوِيَ أَنَّ عُمَرَ - ﵁ - رَأَى رَجُلًا يُنَادِي عَلَى عِنَبَةٍ الْتَقَطَهَا فَضَرَبَهُ بِالدِّرَّةِ وَقَالَ: إِنَّ مِنَ الْوَرَعِ مَا يَمْقُتُ اللَّهُ عَلَيْهِ - فَمَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ تَبَيَّنَ لَهُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ إِنَّمَا يَقْصِدُ بِهِ الرِّيَاءَ وَالسُّمْعَةَ وَإِظْهَارَ الْوَرَعِ هُنَالِكَ وَلِخُرُوجِهِ بِتَصَنُّعِهِ عَمَّا عُرِفَ مِنْ أَحْوَالِ الصَّحَابَةِ أَنَّهُمْ كَانُوا يَتَوَضَّؤُونَ وَيَمْشُونَ حُفَاةً وَيُصَلُّونَ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ إِلَى أَنَّ فِي الطَّرِيقِ نَجَاسَةً أَوْ لَا، وَقَدْ نَهَى النَّبِيُّ - ﷺ - بِجُبْنَةٍ وَجُبَّةٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ فَأَكَلَ وَلَبِسَ، هَذَا وَلَوْ نَظَرَ أَحَدٌ لِلِاحْتِمَالَاتِ الْبَعِيدَةِ لَمْ يَجِدْ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ حَلَالًا، وَلِذَا قَالَ بَعْضُهُمْ: لَا يُتَصَوَّرُ الْحَلَالُ بِيَقِينٍ إِلَّا فِي الْمَاءِ النَّازِلِ مِنَ السَّمَاءِ الْمُلْتَقِي بِالْيَدِ مِمَّا فِي الْهَوَاءِ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) قَالَ مِيرَكُ: وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
[ ٤ / ١٣٠١ ]
١٨٢٢ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: «أَخَذَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ تَمْرَةً مِنْ تَمْرِ الصَّدَقَةِ فَجَعَلَهَا فِي فِيهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: " كِخْ كِخْ " لِيَطْرَحَهَا، ثُمَّ قَالَ: " أَمَا شَعَرْتَ أَنَّا لَا نَأْكُلُ الصَّدَقَةَ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
_________________
(١) (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: أَخَذَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ تَمْرَةً مِنْ تَمْرِ الصَّدَقَةِ) أَيِ الزَّكَاةِ (فَجَعَلَهَا فِي فِيهِ) أَيْ فَمِهِ (فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: كِخْ كِخْ) بِكَسْرِ الْكَافِ وَفَتْحِهَا وَسُكُونِ الْخَاءِ، قِيلَ: وَبِكَسْرٍ فَتَنْوِينٍ فَارِسِيَّةٌ مُعَرَّبَةٌ وَهِيَ كَلِمَةٌ يُزْجَرُ بِهَا الصَّبِيُّ وَالصَّبِيَّةُ عَنْ تَعَاطِي الْمُسْتَقْذَرِ بِمَعْنَى اتْرُكْ وَارْمِ وَالتَّكْرِيرُ لِلتَّأْكِيدِ (لِيَطْرَحَهَا) أَيِ التَّمْرَةَ مِنْ فِيهِ (ثُمَّ قَالَ: أَمَا شَعَرْتَ) أَيْ مَا عَلِمْتَ كَمَا فِي رِوَايَةٍ (أَنَّا) أَيْ مَعْشَرَ بَنِي هَاشِمٍ (لَا نَأْكُلُ الصَّدَقَةَ) قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَهَذَا يُسْتَعْمَلُ فِي أَمْرٍ وَاضِحٍ وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْهُ الْمُخَاطَبُ، أَيْ كَيْفَ خَفِيَ عَلَيْكَ هَذَا مَعَ ظُهُورِهِ؟ فَهُوَ أَبْلَغُ فِي الزَّجْرِ مِنْ " لَا تَفْعَلْ "، وَفِيهِ مُخَاطَبَةُ مَنْ لَا تَمْيِيزَ لَهُ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ " كِخْ كِخْ " إِذْ لَا يُسْتَعْمَلُ إِلَّا فِي غَيْرِ الْمُمَيَّزِ، وَفَائِدَتُهُ إِعْلَامُ الْحَاضِرِينَ بِالْحُكْمِ لِيَزِيدَ وَيَشْتَهِرَ. قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ وَجَبَ عَلَى الْآبَاءِ نَهْيُ الْأَوْلَادِ عَمَّا لَا يَجُوزُ فِي الشَّرْعِ اهـ وَلِذَا قَالَ عُلَمَاؤُنَا: يَحْرُمُ عَلَى الْآبَاءِ وَالْأُمَّهَاتِ إِلْبَاسُ الصَّبِيِّ الْحَرِيرَ وَالْحُلِيَّ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ، وَقَدْ أَوْرَدَ الْغَزَالِيُّ هَذَا الْحَدِيثَ فِي الْإِحْيَاءِ عِنْدَ ذِكْرِ وَرَعِ الْمُتَّقِينَ، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: يَحْرُمُ عَلَيْهِ - ﷺ - الصَّدَقَةُ الْوَاجِبَةُ وَالْمَنْدُوبَةُ، وَأَمَّا عَلَى آلِهِ فَالْمَفْرُوضَةُ لَا غَيْرَ سَيَأْتِي كَلَامُ أَئِمَّتِنَا (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
[ ٤ / ١٣٠١ ]
١٨٢٣ - وَعَنْ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ رَبِيعَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: " «إِنَّ هَذِهِ الصَّدَقَاتِ إِنَّمَا هِيَ أَوْسَاخُ النَّاسِ، وَإِنَّهَا لَا تَحِلُّ لِمُحَمَّدٍ، وَلَا لِآلِ مُحَمَّدٍ» "، رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
_________________
(١) (وَعَنْ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ رَبِيعَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: " إِنَّ هَذِهِ الصَّدَقَاتِ ") أَيْ أَنْوَاعَ الزَّكَاةِ وَأَصْنَافَ الصَّدَقَاتِ " إِنَّمَا هِيَ أَوْسَاخُ النَّاسِ " الْجُمْلَةُ خَبَرٌ لِقَوْلِهِ هَذِهِ كَمَا فِي قَوْلِهِ - تَعَالَى - ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا﴾ [الكهف: ٣٠] فَلَا يُحْتَاجُ إِلَى تَقْدِيرِ خَبَرٍ كَمَا اخْتَارَهُ ابْنُ حَجَرٍ وَلَا إِلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهَا بَدَلٌ لِمَا قَبْلَهَا وَبِأَنَّهَا زَائِدَةٌ وَنَحْوَهَا، وَإِنَّمَا سَمَّاهَا أَوْسَاخًا لِأَنَّهَا تُطَهِّرُ أَمْوَالَهُمْ وَنُفُوسَهُمْ، قَالَ - تَعَالَى - ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ﴾ [التوبة: ١٠٣] فَهِيَ كَغَسَّالَةِ الْأَوْسَاخِ، فَفِي الْكَلَامِ تَشْبِيهٌ بَلِيغٌ " وَإِنَّهَا لَا تَحِلُّ لِمُحَمَّدٍ وَلَا لِآلِ مُحَمَّدٍ " زِيدَ " لَا " لِتَأْكِيدِ " لَا " النَّافِيَةِ وَكَذَا اللَّامُ الثَّانِيَةُ، قَالَ مِيرَكُ: فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الصَّدَقَةَ تَحْرُمُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ سَوَاءً كَانَ بِسَبَبِ الْعَمَلِ أَوْ بِسَبَبِ الْفَقْرِ وَالْمَسْكَنَةِ وَغَيْرِهِمَا، وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ عِنْدَنَا، وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: الصَّدَقَةُ لَا تَحِلُّ لِلنَّبِيِّ - ﷺ - فَرْضًا كَانَتْ أَوْ نَفْلًا وَكَذَا الْمَفْرُوضَةُ لِآلِهِ أَيْ أَقْرِبَائِهِ وَأَمَّا التَّطَوُّعُ فَمُبَاحٌ لَهُمْ، قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ عِنْدَ قَوْلِ صَاحِبِ الْهِدَايَةِ: " وَلَا تُدْفَعُ إِلَى بَنِي هَاشِمٍ " هَذَا ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ، وَرَوَى أَبُو عِصْمَةَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ يَجُوزُ فِي هَذَا الزَّمَانِ وَإِنَّمَا كَانَ مُمْتَنِعًا فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ، وَعَنْهُ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ يَجُوزُ أَنْ يَدْفَعَ بَعْضُ بَنِي هَاشِمٍ إِلَى بَعْضٍ زَكَاتَهُمْ. قَالَ الشَّمَنِيُّ: وَبَنُو هَاشِمٍ هُمْ بَنُو الْحَارِثِ وَالْعَبَّاسِ ابْنَا عَبْدِ الْمُطَّلِبِ جَدِّ النَّبِيِّ - ﷺ - وَبَنُو عَلِيٍّ وَجَعْفَرٍ وَعَقِيلٍ أَوْلَادِ أَبِي طَالِبٍ عَمِّ النَّبِيِّ - ﷺ - لَا بَنُو أَبِي لَهَبٍ لِأَنَّ حُرْمَةَ الصَّدَقَةِ أَوَّلًا فِي الْآبَاءِ إِكْرَامًا لَهُمْ ثُمَّ سَرَتْ إِلَى الْأَبْنَاءِ وَلَا إِكْرَامَ لَأَبَى لَهَبٍ (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) . قَالَ مِيرَكُ فِي قِصَّةٍ طَوِيلَةٍ: وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ تَحْرِيمَ الصَّدَقَةِ عَلَى آلِ النَّبِيِّ - ﷺ - مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ اهـ قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: رَوَى مُسْلِمٌ عَنْ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ قَالَ: «اجْتَمَعَ ابْنُ رَبِيعَةَ وَالْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَقَالَا: لَوْ بَعَثْنَا هَذَيْنِ الْغُلَامَيْنِ إِلَيَّ وَلِلْفَضْلِ بْنِ عَبَّاسٍ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - فَأَمَّرَهُمَا عَلَى هَذِهِ الصَّدَقَةِ فَأَصَابَا مِنْهَا مَا يُصِيبُ النَّاسُ، فَقَالَ عَلِيٌّ: لَا تُرْسِلُوهُمَا. فَانْطَلَقْنَا حَتَّى دَخَلْنَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - وَهُوَ يَوْمَئِذٌ عِنْدَ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ بَلَغْنَا النِّكَاحَ وَأَنْتَ أَبَرُّ النَّاسِ وَأَوْصَلُ النَّاسِ، وَجِئْنَاكَ لِتُؤَمِّرَنَا عَلَى هَذِهِ الصَّدَقَاتِ فَنُؤَدِّي إِلَيْكَ كَمَا يُؤَدِّي النَّاسُ وَنُصِيبُ كَمَا يُصِيبُونَ. قَالَ: فَسَكَتَ طَوِيلًا ثُمَّ قَالَ: " إِنَّ الصَّدَقَةَ لَا تَنْبَغِي لِآلِ مُحَمَّدٍ إِنَّمَا هِيَ أَوْسَاخُ النَّاسِ، ادْعُوَا لِي مَحْمِيَةَ بْنَ جَزْءٍ " رَجُلًا مِنْ بَنِي أَسَدٍ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - يَسْتَعْمِلُهُ فِي الْأَخْمَاسِ وَنَوْفَلَ بْنَ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَأَتَيَاهُ، فَقَالَ لِمَحْمِيَةَ: " أَصْدِقْ عَنْهُمَا مِنَ الْخُمُسِ كَذَا وَكَذَا» " قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: وَهَذَا مَا وَعَدْنَاكَ مِنَ النَّصِّ عَلَى عَدَمِ حَلِّ أَخْذِهَا لِلْعَامِلِ الْهَاشِمِيِّ، وَلَفْظُهُ لِلطَّبَرَانِيِّ: " «لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ مِنَ الصَّدَقَاتِ شَيْءٌ إِنَّمَا هِيَ غَسَّالَةُ أَيْدِي النَّاسِ، وَإِنَّ لَكُمْ فِي خُمُسِ الْخُمُسِ مَا يُغْنِيكُمْ» "، وَهُوَ يُوجِبُ تَحْرِيمَ صَدَقَةِ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ، وَكَذَا مَا رَوَى الْبُخَارِيُّ عَنْهُ - ﷺ -: " «نَحْنُ أَهْلَ الْبَيْتِ لَا تَحِلُّ لَنَا الصَّدَقَةُ» "، ثُمَّ لَا يَخْفَى أَنَّ هَذِهِ الْعُمُومَاتِ تُنَظِّمُ الصَّدَقَةَ النَّافِلَةَ وَالْوَاجِبَةَ، فَجَرَوْا عَلَى مُوجِبِ ذَلِكَ فِي الْوَاجِبَةِ فَقَالُوا لَا يَجُوزُ صَرْفُ كَفَّارَةِ الْيَمِينِ وَالظِّهَارِ وَالْقَتْلِ وَجَزَاءِ الصَّيْدِ وَعُشْرِ الْأَرْضِ وَغَلَّةِ الْوَقْفِ إِلَيْهِمْ، وَأَمَّا الصَّدَقَةُ النَّافِلَةُ فَقَالَ فِي النِّهَايَةِ: وَيَجُوزُ النَّفْلُ بِالْإِجْمَاعِ، وَكَذَا يَجُوزُ النَّفْلُ لِلْغَنِيِّ كَذَا فِي الْفَتَاوَى الْعُتَابِيَّةِ اهـ وَصُرِّحَ فِي الْكَافِي بِدَفْعِ صَدَقَةِ الْوَقْفِ إِلَيْهِمْ عَلَى أَنَّهُ بَيَانُ الْمَذْهَبِ مِنْ غَيْرِ نَقْلِ خِلَافٍ، فَقَالَ: وَأَمَّا التَّطَوُّعُ وَالْوَقْفُ فَيَجُوزُ الصَّرْفُ إِلَيْهِمْ لِأَنَّ الْمُؤَدَّى فِي الْوَاجِبِ يُطَهِّرُ نَفْسَهُ بِإِسْقَاطِ الْفَرْضِ فَيَتَدَنَّسُ بِهِ الْمُؤَدَّى كَالْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ، وَفِي النَّفْلِ يَتَبَرَّعُ بِمَا لَيْسَ عَلَيْهِ فَلَا يَتَدَنَّسُ بِهِ الْمُؤَدَّى كَمَنْ تَبَرَّدَ بِالْمَاءِ اهـ. وَالْحَقُّ الَّذِي يَقْتَضِيهِ النَّظَرُ إِجْرَاءُ صَدَقَةِ الْوَقْفِ مَجْرَى النَّافِلَةِ فَإِنْ ثَبَتَ فِي النَّافِلَةِ جَوَازُ الدَّفْعِ يَجِبُ دَفْعُ الْوَقْفِ وَإِلَّا فَلَا، إِذْ لَا شَكَّ فِي أَنَّ الْوَاقِفَ مُتَبَرِّعٌ بِتَصَدُّقِهِ بِالْوَقْفِ إِذْ لَا إِنْفَاقَ وَاجِبٌ، كَانَ مَنْشَأُ الْغَلَطِ وُجُوبَ دَفْعِهَا عَلَى النَّاظِرِ وَبِذَلِكَ لَمْ تَصِرْ صَدَقَةً وَاجِبَةً عَلَى الْمَالِكِ بَلْ غَايَةُ الْأَمْرِ أَنَّهُ وُجُوبُ إِتْبَاعِ شَرْطِ الْوَاقِفِ عَلَى النَّاظِرِ، فَوُجُوبُ الْأَدَاءِ هُوَ نَفْسُ هَذَا الْوُجُوبِ فَلْنَتَكَلَّمْ فِي النَّافِلَةِ ثُمَّ يُعْطَى مِثْلَهُ لِلْوَقْفِ، فَفِي شَرْحِ الْكَنْزِ: لَا فَرْقَ بَيْنَ الصَّدَقَةِ الْوَاجِبَةِ وَالتَّطَوُّعِ، ثُمَّ قَالَ: وَقَالَ: بَعْضٌ يَحِلُّ لَهُمُ التَّطَوُّعُ فَقَدْ أَثْبَتَ الْخِلَافَ عَلَى وَجْهٍ يُشْعِرُ بِتَرْجِيحِ حُرْمَةِ النَّافِلَةِ وَهُوَ الْمُوَافِقُ لِلْعُمُومَاتِ، فَوَجَبَ اعْتِبَارُهُ فَلَا تُدْفَعُ إِلَيْهِمُ النَّافِلَةُ إِلَّا عَلَى وَجْهِ الْهِبَةِ مَعَ الْأَدَبِ وَخَفْضِ الْجَنَاحِ تَكْرِمَةً لِأَهْلِ بَيْتِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - وَأَقْرَبُ الْأَشْيَاءِ إِلَيْكَ حَدِيثُ لَحْمِ بَرِيرَةَ الَّذِي تَصَدَّقَ بِهِ عَلَيْهَا لَمْ يَأْكُلْهُ؛ اعْتَبَرَهُ هَدِيَّةً مِنْهَا فَقَالَ: هُوَ عَلَيْهَا صَدَقَةٌ وَلَنَا مِنْهَا هَدِيَّةٌ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهَا كَانَتْ صَدَقَةً نَافِلَةً.
[ ٤ / ١٣٠٢ ]
١٨٢٤ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - إِذَا أُتِيَ بِطَعَامٍ سَأَلَ عَنْهُ أَهَدْيَةٌ أَمْ صَدَقَةٌ؟ فَإِنْ قِيلَ: صَدَقَةٌ قَالَ لِأَصْحَابِهِ كُلُوا، وَلَمْ يَأْكُلْ، وَإِنْ قِيلَ: هَدِيَّةٌ ضَرَبَ بِيَدِهِ فَأَكَلَ مَعَهُمْ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
_________________
(١) (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - إِذَا أُتِيَ بِطَعَامٍ) أَيْ جِيءَ بِهِ (سَأَلَ عَنْهُ) أَوْ عَنِ الطَّعَامِ أَيْ عَنِ الْآتِي بِهِ (أَهَدِيَّةٌ) أَيْ فَقَالَ: أَهْوَ هَدِيَّةٌ؟ (أَمْ صَدَقَةٌ؟ فَإِنْ قِيلَ) أَيْ لَهُ (صَدَقَةٌ) أَيْ هُوَ (قَالَ لِأَصْحَابِهِ) أَيْ مِنْ غَيْرِ آلِهِ (كُلُوا وَلَمْ يَأْكُلْ، وَإِنْ قِيلَ هَدِيَّةٌ ضَرَبَ بِيَدِهِ) الْبَاءُ لِلتَّعْدِيَةِ أَيْ شَرَعَ وَمَدَّ يَدَهُ إِلَيْهِ سَرِيعًا مِنْ غَيْرِ تَحَامٍ عَنْهُ (فَأَكَلَ مَعَهُمْ) وَفَارَقَتِ الصَّدَقَةُ الْهَدِيَّةَ حَيْثُ حَرُمَتْ عَلَيْهِ تِلْكَ وَحَلَّتْ لَهُ هَذِهِ بِأَنَّ الْقَصْدَ مِنَ الصَّدَقَةِ ثَوَابُ الْآخِرَةِ وَذَلِكَ يُنْبِئُ عَنْ عِزِّ الْمُعْطِي وَذُلِّ الْآخِذِ فِي احْتِيَاجِهِ إِلَى التَّرَحُّمِ عَلَيْهِ وَالرِّفْقِ إِلَيْهِ، وَمِنَ الْهَدِيَّةِ التَّقَرُّبُ إِلَى الْمُهْدَى إِلَيْهِ وَإِكْرَامُهُ بِعَرْضِهَا عَلَيْهِ فَفِيهَا غَايَةُ الْعِزَّةِ وَالرِّفْعَةُ لَدَيْهِ، وَأَيْضًا فَمِنْ شَأْنِ الْهَدِيَّةِ مُكَافَأَتُهَا فِي الدُّنْيَا، وَلِذَا كَانَ - ﷺ - يَأْخُذُ الْهَدِيَّةَ وَيُثِيبُ عِوَضَهَا عَنْهَا فَلَا مِنَّةَ الْبَتَّةَ فِيهَا بَلْ لِمُجَرَّدِ الْمَحَبَّةِ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ حَدِيثُ: تَهَادُوا تَحَابُّوا. وَأَمَّا جَزَاءُ الصَّدَقَةِ فَفِي الْعُقْبَى وَلَا يُجَازِيهَا إِلَّا الْمَوْلَى (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
[ ٤ / ١٣٠٣ ]
١٨٢٥ - وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: «كَانَ فِي بَرِيرَةَ ثَلَاثُ سُنَنٍ إِحْدَى السُّنَنِ أَنَّهَا عُتِقَتْ، فَخُيِّرَتْ فِي زَوْجِهَا، وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: " الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ "، وَدَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - وَالْبُرْمَةُ تَفُورُ بِلَحْمٍ، فَقُرِّبَ إِلَيْهِ خُبْزٌ وَأُدْمٌ مِنْ أُدْمِ الْبَيْتِ، فَقَالَ: " أَلَمْ أَرَ بُرْمَةً فِيهَا لَحْمٌ؟ " قَالُوا: بَلَى، وَلَكِنَّ ذَلِكَ لَحْمٌ تُصُدِّقَ بِهِ عَلَى بَرِيرَةَ، وَأَنْتَ لَا تَأْكُلُ الصَّدَقَةَ، قَالَ: " هُوَ عَلَيْهَا صَدَقَةٌ، وَلَنَا هَدِيَّةٌ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
_________________
(١) (وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ فِي بَرِيرَةَ) أَيْ حَصَلَ بِسَبَبِهَا (ثَلَاثُ سُنَنٍ) أَيْ أَحْكَامٌ وَمَسَائِلُ شَرْعِيَّةٌ جَعَلَتْهَا مَكَانًا وَمَقَرًّا لِلْمَسَائِلِ، لِأَنَّهَا وُجِدَتْ بِوُجُودِهَا وَهِيَ اسْمُ جَارِيَةٍ اشْتَرَتْهَا عَائِشَةُ وَأَعْتَقَتْهَا وَزَعَمَ بَائِعُوهَا أَنَّ الْوَلَاءَ لَهُمْ وَكَانَتْ حَالَ عِتْقِهَا مُتَزَوِّجَةً عَبْدًا اسْمُهُ مُغِيثٌ كَمَا فِي الْبُخَارِيِّ، ذَكَرَهُ ابْنُ حَجَرٍ (إِحْدَى السُّنَنِ أَنَّهَا عَتَقَتْ) بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَالتَّاءِ أَيْ صَارَتْ مَعْتُوقَةً (فَخُيِّرَتْ فِي زَوْجِهَا) أَيْ بَيْنَ فَسْخِ نِكَاحِهِ وَإِمْضَائِهِ، فَالْمَرْأَةُ إِذَا كَانَتْ أَمَةً وَزَوْجُهَا عَبْدٌ فَعُتِقَتْ تَكُونُ مُخَيَّرَةً إِنْ شَاءَتْ فَسَخَتْ وَإِنْ شَاءَتْ لَا وَهِيَ الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى (وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -) أَيْ فِي قَضِيَّتِهَا وَهِيَ قِصَّةٌ مَشْهُورَةٌ " الْوَلَاءُ " بِفَتْحِ الْوَاوِ " لِمَنْ أَعْتَقَ " أَيْ لَا لِمَنْ بَاعَ وَلَوْ شَرَطَ أَنَّ الْوَلَاءَ لَهُ، فَمَنْ أَعْتَقَ عَبْدًا أَوْ أَمَةً كَانَ وَلَاؤُهُ لَهُ أَيْ وَهَذِهِ هِيَ الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ (وَدَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -) أَيْ عَلَى عَائِشَةَ (وَالْبُرْمَةُ) أَيِ الْقِدْرُ مِنَ الْحَجَرِ وَيُسْتَعْمَلُ بِمَعْنَى الْقِدْرِ مُطْلَقًا (تَفُورُ) أَيْ تَغْلِي مُلْتَبِسَةً (بِلَحْمٍ) وَالْجُمْلَةُ حَالِيَّةٌ (فَقُرِّبَ) بِالتَّشْدِيدِ عَلَى صِيغَةِ الْمَجْهُولِ (إِلَيْهِ خُبْزٌ وَأُدْمٌ) بِضَمِّ الْهَمْزِ وَسُكُونِ الدَّالِ وَيُضَمُّ الْأُدَامُ وَهُوَ مَا يُؤْتَدَمُ بِهِ الْخُبْزُ، أَيْ: يَطِيبُ أَكْلُهُ بِهِ وَيُتَلَذَّذُ الْأَكْلُ بِسَبَبِهِ (مِنْ أُدْمِ الْبَيْتِ) بِضَمَّتَيْنِ جَمْعُ أُدَامٍ، فَلَمَّا لَمْ يُؤْتَ إِلَيْهِ - ﷺ - مِمَّا فِي الْبُرْمَةِ (فَقَالَ - ﷺ -: " أَلَمْ أَرَ بُرْمَةً فِيهَا لَحْمٌ ") الِاسْتِفْهَامُ لِلتَّقْرِيرِ (قَالُوا: بَلَى، وَلَكِنَّ ذَلِكَ لَحْمٌ تُصُدِّقَ بِهِ عَلَى بَرِيرَةَ، وَأَنْتَ لَا تَأْكُلُ الصَّدَقَةَ، قَالَ: " هُوَ ") أَيِ اللَّحْمُ " عَلَيْهَا " أَيْ عَلَى بَرْبَرَةَ (صَدَقَةٌ وَلَنَا هَدِيَّةٌ) قَالَ الطِّيبِيُّ: إِذَا تُصُدِّقَ عَلَى الْمُحْتَاجِ بِشَيْءٍ مَلَكَهَ فَلَهُ أَنْ يُهْدِيَ بِهِ إِلَى غَيْرِهِ اهـ وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ ابْنِ الْمَلَكِ: فَيَحِلُّ التَّصَدُّقُ عَلَى مَنْ حَرُمَ عَلَيْهِ بِطَرِيقِ الْهَدِيَّةِ وَهَذِهِ هِيَ الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) قَالَ مِيرَكُ: هَذَا لَفْظُ مُسْلِمٍ وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ مَقَطَّعًا.
[ ٤ / ١٣٠٣ ]
١٨٢٦ - وَعَنْهَا قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - يَقْبَلُ الْهَدِيَّةَ وَيُثِيبُ عَلَيْهَا» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
_________________
(١) (وَعَنْهَا) أَيْ عَنْ عَائِشَةَ (قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - يَقْبَلُ الْهَدِيَّةَ وَيُثِيبُ عَلَيْهَا») أَيْ يُجَازِي وَيُعْطِي الْجَزَاءَ وَالْعِوَضَ؛ مِنْ أَثَابَ إِذَا أَعْطَى الثَّوَابَ (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) قَالَ مِيرَكُ: وَرَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ فِي الشَّمَائِلِ.
[ ٤ / ١٣٠٣ ]
١٨٢٧ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: " «لَوْ دُعِيتُ إِلَى كُرَاعٍ لَأَجَبْتُ وَلَوْ أُهْدِيَ إِلَيَّ ذِرَاعٌ لَقَبِلْتُ» ". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
_________________
(١) (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: " لَوْ دُعِيتُ إِلَى كُرَاعٍ ") أَيْ إِلَى كُرَاعِ غَنَمٍ أَوْ أَيِّ قُرْبَةٍ (لَأَجَبْتُ وَلَوْ أُهْدِيَ إِلَيَّ ذِرَاعٌ) مِنْ كِرْبَاسٍ أَوْ شَاةٍ (لَقَبِلْتُ) قَالَ الطِّيبِيُّ: الْكُرَاعُ هُوَ مُسْتَدَقُّ السَّاقِ مِنَ الْغَنَمِ وَالْبَقَرِ بِمَنْزِلَةِ الْوَظِيفِ مِنَ الْفَرَسِ وَالْبَعِيرِ، وَقِيلَ: كُرَاعُ مَوْضِعٌ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ، وَالْأَوَّلُ مُبَالَغَةٌ فِي الْإِجَابَةِ مَعَ الْقِلَّةِ، وَالثَّانِي مَعَ الْبُعْدِ، وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: يَعْنِي لَوْ دَعَانِي أَحَدٌ إِلَى ضِيَافَةِ كُرَاعِ غَنَمٍ لَأَجَبْتُ الدَّاعِيَ، وَهَذَا حَثٌّ عَلَى التَّوَاضُعِ وَإِجَابَةِ الدَّعْوَةِ وَحُسْنِ الْمُعَاشَرَةِ. قَالَ الْقَاضِي: مَنْ حَمَلَهُ عَلَى كُرَاعِ الْغَمِيمِ وَهُوَ مَوْضِعٌ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ فَقَدْ غَلِطَ، فَكَانَ ابْنُ حَجَرٍ غَفَلَ عَنْ ذَلِكَ حَيْثُ قَالَ: يُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ بِهِ كُرَاعُ الْغَمِيمِ أَمَامَ عَسَفَانَ وَهُوَ مَوْضِعٌ بَيْنَ عَسَفَانَ وَقَدِيدٍ، وَقَالَ زَيْنُ الْعَرَبِ: الْمُرَادُ بِالذِّرَاعِ ذِرَاعُ الْغَنَمِ وَغَيْرِهَا أَوْ ذِرَاعُ الْكِرْبَاسِ وَهُوَ تَرْغِيبٌ فِي قَبُولِ الْهَدِيَّةِ. قَالَ السَّيِّدُ جَمَالُ الدِّينِ: إِدْخَالُ هَذَا الْحَدِيثِ فِي بَابِ مَنْ لَا تَحِلُّ لَهُ الصَّدَقَةُ فِيهِ خَفَاءٌ وَتَأَمُّلٌ اهـ فَتَأَمَّلْنَا فَوَجَدْنَا وَجْهَهُ أَنَّهُ لَمَّا ذَكَرَ الصَّدَقَةَ وَالْهَدِيَّةَ فِي الْحَدِيثِ السَّابِقِ أَوْرَدَ هَذَا الْحَدِيثَ لِتَعَلُّقِهِ بِالْهَدِيَّةِ كَمَا يُقَالُ الشَّيْءُ بِالشَّيْءِ يُذْكَرُ وَيُسَمَّى اسْتِطْرَادًا (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) قَالَ مِيرَكُ: وَالنَّسَائِيُّ.
[ ٤ / ١٣٠٣ ]
١٨٢٨ - وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: " «لَيْسَ الْمِسْكِينُ الَّذِي يَطُوفُ عَلَى النَّاسِ تَرُدُّهُ اللُّقْمَةُ وَاللُّقْمَتَانِ، وَالتَّمْرَةُ وَالتَّمْرَتَانِ، وَلَكِنَّ الْمِسْكِينَ الَّذِي لَا يَجِدُ غِنًى يُغْنِيهِ، وَلَا يُفْطَنُ بِهِ فَيُتَصَدَّقَ عَلَيْهِ، وَلَا يَقُومُ فَيَسْأَلَ النَّاسَ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
_________________
(١) (وَعَنْهُ) أَيْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: " لَيْسَ الْمِسْكِينُ ") أَيِ الْمَذْكُورُ فِي قَوْلِهِ - تَعَالَى - ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ [التوبة: ٦٠] وَالْمَعْنَى لَيْسَ الْمِسْكِينُ شَرْعًا الْمِسْكِينَ عُرْفًا وَهُوَ " الَّذِي يَطُوفُ " أَيْ يَدُورُ وَيَتَرَدَّدُ " عَلَى النَّاسِ " فِي أَصْلِ ابْنِ حَجَرٍ عَلَى الْأَبْوَابِ " تَرُدُّهُ اللُّقْمَةُ وَاللُّقْمَتَانِ وَالتَّمْرَةُ وَالتَّمْرَتَانِ " جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ. قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: أَيْ لَيْسَ الْمِسْكِينُ مَنْ يَتَرَدَّدُ عَلَى الْأَبْوَابِ وَيَأْخُذُ لُقْمَةً فَإِنَّ مَنْ فَعَلَ هَذَا لَيْسَ بِمِسْكِينٍ لِأَنَّهُ يَقْدِرُ عَلَى تَحْصِيلِ قُوتِهِ، وَالْمُرَادُ ذَمُّ مَنْ هَذَا فِعْلُهُ إِذَا لَمْ يَكُنْ مُضْطَرًّا، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَسْتَحِقَّ الزَّكَاةَ، وَقِيلَ: لَيْسَ الْمُرَادُ نَفْيَ اسْتِحْقَاقِهِ بَلْ إِثْبَاتَ الْمَسْكَنَةِ لِغَيْرِ هَذَا الْمُتَعَارَفِ بِالْمَسْكَنَةِ وَإِثْبَاتَ اسْتِحْقَاقِهِ أَيْضًا اهـ وَهَذَا الْقِيلُ هُوَ الْقَوْلُ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا مَصْرِفُ الزَّكَاةِ حَيْثُ لَا شَيْءَ لَهُمَا لَكِنَّ الثَّانِيَ أَفْضَلُ وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ " وَلَكِنَّ الْمِسْكِينَ " وَفِي نُسْخَةٍ بِتَشْدِيدِ النُّونِ أَيْ: الْكَامِلَ فِي الْمَسْكَنَةِ " الَّذِي لَا يَجِدُ غِنًى " أَيْ شَيْئًا أَوْ مَالًا " يُغْنِيهِ " أَيْ عَنْ غَيْرِهِ وَيَكْفِيهِ " وَلَا يُفْطَنُ بِهِ " بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيْ لَا يُعْلَمُ بِاحْتِيَاجِهِ " فَيُتَصَدَّقَ " بِالرَّفْعِ وَالنَّصْبِ مَجْهُولًا " عَلَيْهِ وَلَا يَقُومُ " أَيْ لَا يَتَعَرَّضُ " فَيَسْأَلَ النَّاسَ " بِالرَّفْعِ وَالنَّصْبِ مَعْلُومًا بَلْ يُخْفِي حَالَ نَفْسِهِ، وَفِي الْحَدِيثِ إِشَارَةٌ إِلَى مَا فِي الْكَلَامِ الْقَدِيمِ ﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ [البقرة: ٢٧٣] أَيْ أَصْلًا وَفِيهِ حُجَّةٌ لِمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ وَمَنْ تَبِعَهُمَا مِنْ أَنَّ الْمِسْكِينَ هُوَ الَّذِي لَا يَمْلِكُ شَيْئًا فَهُوَ أَسْوَأُ حَالًا مِنَ الْفَقِيرِ لِأَنَّهُ يَمْلِكُ مَا لَا يَكْفِيهِ، وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ مِنْ أَنَّهُ - ﷺ - تَعَوَّذَ مِنَ الْفَقْرِ فِي حَدِيثِ الصَّحِيحَيْنِ وَسَأَلَ الْمَسْكَنَةَ فِي حَدِيثِ التِّرْمِذِيِّ - فَمَدْفُوعٌ لِأَنَّ حَدِيثَ التِّرْمِذِيِّ قِيلَ: ضَعِيفٌ، بَلْ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: رُوِيَ «أَنَّهُ - ﷺ - تَعَوَّذَ مِنَ الْمَسْكَنَةِ» أَيْضًا ثُمَّ حُمِلَ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ اسْتَعَاذَ مِنْ فِتْنَةِ الْفَقْرِ وَالْمَسْكَنَةِ اللَّذَيْنِ رَجَعَ مَعْنَاهُمَا إِلَى غَايَةِ الْقِلَّةِ الْمُؤَدِّيَةِ إِلَى مَا وَرَدَ: كَادَ الْفَقْرُ أَنْ يَكُونَ كُفْرًا، أَوْ أَرَادَ بِهِ فَقْرَ الْقَلْبِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ اسْتَعَاذَ مِنْ فِتْنَةِ الْفَقْرِ دُونَ حَالِ الْفَقْرِ كَمَا أَنَّهُ اسْتَعَاذَ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ فِتْنَةِ الْغِنَى لَا مِنْ حَالِ الْغِنَى، وَقَدْ تُحْمَلُ الْمَسْكَنَةُ الَّتِي سَأَلَهَا عَلَى التَّوَاضُعِ اللَّازِمِ لِأَهْلِهَا بِأَنْ لَا يُحْشَرَ فِي زُمْرَةِ الْأَغْنِيَاءِ الْمُتَكَبِّرِينَ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ.
[ ٤ / ١٣٠٤ ]
(الْفَصْلُ الثَّانِي)
١٨٢٩ - عَنْ أَبِي رَافِعٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - بَعَثَ رَجُلًا مِنْ بَنِي مَخْزُومٍ عَلَى الصَّدَقَةِ فَقَالَ لِأَبِي رَافِعٍ: اصْحَبْنِي فِيمَا تُصِيبُ مِنْهَا، فَقَالَ: لَا حَتَّى آتِيَ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - فَأَسْأَلَهُ، فَانْطَلَقَ إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ - فَسَأَلَهُ، فَقَالَ: " إِنَّ الصَّدَقَةَ لَا تَحِلُّ لَنَا وَإِنَّ مَوَالِيَ الْقَوْمِ مِنْ أَنْفُسِهِمْ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ.
_________________
(١) (الْفَصْلُ الثَّانِي)
(٢) (عَنْ أَبِي رَافِعٍ) وَاسْمُهُ أَسْلَمُ رَوَى عَنْهُ ابْنُهُ عَبْدُ اللَّهِ وَهُوَ كَاتِبُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَيْ مَوْلَى النَّبِيِّ - ﷺ - (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - بَعَثَ رَجُلًا مِنْ بَنِي مَخْزُومٍ عَلَى الصَّدَقَةِ) أَيْ: أَرْسَلَهُ سَاعِيًا لِيَجْمَعَ الزَّكَاةَ وَيَأْتِيَ بِهَا إِلَيْهِ، قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: فَلَمَّا أَتَى أَبَا رَافِعٍ فِي طَرِيقِهِ (فَقَالَ لِأَبِي رَافِعٍ: اصْحَبْنِي) أَيِ ائْتِ مَعِي إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ - (كَيْمَا تُصِيبَ) نُصِبَ بِكَيْ وَمَا زَائِدَةٌ أَيْ لِتَأْخُذَ (مِنْهَا) أَيْ مِنَ الصَّدَقَةِ بِسَبَبِ ذَهَابِكَ مَعِي أَوْ بِأَنْ أَقُولَ لَهُ لِيُعْطِيَ نَصِيبَكَ مِنَ الزَّكَاةِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ طَلَبَ مِنْهُ الْمُرَافَقَةَ وَالْمُصَاحَبَةَ وَالْمُعَاوَنَةَ عِنْدَ السَّفَرِ لَا بَعْدَ الرُّجُوعِ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ جَوَابُهُ (فَقَالَ لَا) أَيْ لَا أَصْحَبُكَ (حَتَّى آتِيَ) أَيْ أَجِيءَ (رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - (فَأَسْأَلَهُ) أَيْ أَسْتَأْذِنَهُ أَوْ أَسْأَلَهُ هَلْ يَجُوزُ لِي أَمْ لَا؟ (فَانْطَلَقَ إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ - فَسَأَلَهُ) أَيْ عَنْ ذَلِكَ (فَقَالَ: إِنَّ الصَّدَقَةَ لَا تَحِلُّ لَنَا وَإِنَّ مَوَالِيَ الْقَوْمِ) أَيْ عُتَقَاءَهُمْ (مِنْ أَنْفُسِهِمْ) أَيْ فَحُكْمُهُمْ كَحُكْمِهِمْ لِخَبَرِ الْوَلَاءِ لُحْمَةً كَلُحْمَةِ النَّسَبِ، وَهَذَا دَلِيلٌ لِمَنْ قَالَ بِحُرْمَةِ الصَّدَقَةِ عَلَى مَوَالِي مَنْ تَحْرُمُ الصَّدَقَةُ عَلَيْهِ وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ فِي الْمَذْهَبِ، وَأَغْرَبَ ابْنُ الْمَلَكِ حَيْثُ قَالَ: وَالْمَشْهُورُ لَا تَحْرُمُ عَلَى مَوَالِي بَنِي هَاشِمٍ وَبَنِي الْمُطَّلِبِ لِانْتِفَاءِ السَّبَبِ، وَوَجْهُ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا أَنَّهُ - ﷺ - قَالَ تَنْزِيهًا وَضَمًّا لَهُمْ عَلَى التَّشْبِيهِ بِسَادَاتِهِمُ اهـ. وَكَأَنَّهُ غَفَلَ عَنِ الْمَذْهَبِ وَتَبِعَ الطِّيبِيَّ فِي الْمَطْلَبِ، لَكِنَّ كَلَامَ الطِّيبِيِّ أَطْيَبُ حَيْثُ قَالَ: ظَاهِرُ الْحَدِيثِ أَنَّ الصَّدَقَةَ لَا تَحِلُّ لِمَوَالِي بَنِي هَاشِمٍ وَبَنِي الْمُطَّلِبِ، لَكِنْ قَالَ الْخَطَّابِيُّ: يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ هَذَا نَهْيَ تَنْزِيهٍ لَهُ فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - كَانَ يَكْفِي مُؤْنَتَهُ اهـ وَهُوَ تَأْوِيلٌ مِنْ غَيْرِ مُعَارَضَةِ دَلِيلٍ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) قَالَ مِيرَكُ: وَصَحَّحَهُ (وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ) وَرَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ حَيَّانَ فِي صَحِيحِهِ وَفِي نَقْلِ ابْنِ الْهُمَامِ وَالشُّمُنِّيِّ فَقَالَ: " «مَوْلَى الْقَوْمِ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَنَّا لَا تَحِلُّ لَنَا الصَّدَقَةُ» " قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ وَكَذَا صَحَّحَهُ الْحَاكِمُ.
[ ٤ / ١٣٠٤ ]
١٨٣٠ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: " «لَا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَنِيٍّ، وَلَا لِذِي مِرَّةٍ سَوِيٍّ» "، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالدَّارِمِيُّ.
١٨٣١ - وَرَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ.
_________________
(١) (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: " «لَا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَنِيٍّ» ") فِي الْمُحِيطِ الْغِنَى عَلَى ثَلَاثَةِ أَنْوَاعٍ: غِنًى يُوجِبُ الزَّكَاةَ وَهُوَ مِلْكُ نِصَابِ حَوْلًى تَامٍّ، وَغِنًى يُحَرِّمُ الصَّدَقَةَ وَيُوجِبُ صَدَقَةَ الْفِطْرِ وَالْأُضْحِيَةَ وَهُوَ مِلْكُ مَا يَبْلُغُ قِيمَةَ نِصَابٍ مِنَ الْأَمْوَالِ الْفَاضِلَةِ عَنْ حَاجَتِهِ الْأَصْلِيَّةِ، وَغِنًىٍ يُحَرِّمُ السُّؤَالَ دُونَ الصَّدَقَةِ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ لَهُ قُوتُ يَوْمِهِ وَمَا يَسْتُرُ عَوْرَتَهُ (وَلِذِي مِرَّةٍ) بِكَسْرِ الْمِيمِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ: الْقُوَّةُ؛ أَيْ وَلَا لِقَوِيٍّ عَلَى الْكَسْبِ (سَوِيٍّ) أَيْ صَحِيحِ الْبَدَنِ تَامِّ الْخِلْقَةِ فِيهِ نَفْيُ كَمَالِ الْحِلِّ لَا نَفْسُ الْحِلِّ أَوْ لَا تَحِلُّ لَهُ بِالسُّؤَالِ. قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: أَيْ لَا تَحِلُّ الزَّكَاةُ لِمَنْ أَعْضَاؤُهُ صَحِيحَةٌ وَهُوَ قَوِيٌّ يَقْدِرُ عَلَى الِاكْتِسَابِ بِقَدْرِ مَا يَكْفِيهِ وَعِيَالَهُ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ، قَالَ الطِّيبِيُّ: وَقِيلَ الْمَعْنَى وَلَا لِذِي عَقْلٍ وَشَدَّةٍ وَهُوَ كِنَايَةٌ عَنِ الْقَادِرِ عَلَى الْكَسْبِ وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَالْحَنَفِيَّةِ عَلَى أَنَّهُ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ نِصَابٌ حَلَّتْ لَهُ الصَّدَقَةُ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) قَالَ مِيرَكُ: وَقَالَ حَسَنٌ وَذَكَرَ أَنَّ شُعْبَةَ لَمْ يَرْفَعْهُ وَرَوَاهُ سُفْيَانُ مَرْفُوعًا (وَأَبُو دَاوُدَ وَالدَّارِمِيُّ وَرَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: وَلِهَذَا الْحَدِيثِ طُرُقٌ كَثِيرَةٌ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ كُلُّهُمْ يَرْوُونَهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -.
[ ٤ / ١٣٠٥ ]
١٨٣٢ - وَعَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ الْخِيَارِ قَالَ: «أَخْبَرَنِي رَجُلَانِ أَنَّهُمَا أَتَيَا النَّبِيَّ - ﷺ - وَهُوَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، وَهُوَ يُقَسِّمُ الصَّدَقَةَ فَسَأَلَاهُ مِنْهَا، فَرَفَعَ فِينَا النَّظَرَ، وَخَفَضَهُ فَرَآنَا جَلْدَيْنِ، فَقَالَ: " إِنْ شِئْتُمَا أَعْطَيْتُكُمَا وَلَا حَظَّ فِيهَا لِغَنِيٍّ وَلَا لِقَوِيٍّ مُكْتَسِبٍ» ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ.
_________________
(١) (وَعَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَدِيٍّ الْخِيَارِ) وَفِي نُسْخَةٍ: ابْنِ الْخِيَارِ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: قُرَشِيٌّ نَوْفَلِيٌّ يُقَالُ إِنَّهُ وُلِدَ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - وَيُعَدُّ فِي التَّابِعِينَ، وَرَوَى عَنْ عُمَرَ وَعُثْمَانَ - ﵄ - (قَالَ: أَخْبَرَنِي رَجُلَانِ أَنَّهُمَا أَتَيَا النَّبِيَّ - ﷺ - وَهُوَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ) بِفَتْحِ الْوَاوِ أَشْهَرُ فِي السَّمَاعِ (وَهُوَ يُقَسِّمُ الصَّدَقَةَ فَسَأَلَاهُ مِنْهَا) أَيْ فَطَالَبَاهُ أَنْ يُعْطِيَهُمَا شَيْئًا مِنَ الصَّدَقَةِ (فَرَفَعَ فِينَا النَّظَرَ) أَيِ الْبَصَرَ كَمَا فِي رِوَايَةٍ (وَخَفَضَهُ فَرَآنَا جَلْدَيْنِ) بِسُكُونِ اللَّامِ وَكَسْرِهَا أَيْ قَوِيَّيْنِ (فَقَالَ: " إِنْ شِئْتُمَا أَعْطَيْتُكُمَا ") أَيْ مِنْهَا وَوَكَّلْتُ الْأَمْرَ إِلَى أَمَانَتِكُمَا لَكِنْ تَكُونَانِ فِي خَطَرِ الْأَخْذِ بِغَيْرِ حَقٍّ إِنْ كُنْتُمَا قَوِيَّيْنِ كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ حَالُكُمَا أَوْ غَنِيَّيْنِ (وَلَا حَظَّ) أَيْ لَا نَصِيبَ (فِيهَا لِغَنِيٍّ وَلَا لِقَوِيٍّ مُكْتَسِبٍ) قَالَ الطِّيبِيُّ: أَيْ أُعْطِيكُمَا لِأَنَّ فِي الصَّدَقَةِ ذُلًّا وَهَوَانًا فَإِنْ رَضِيتُمَا بِذَلِكَ أَعْطَيْتُكُمَا أَوْ لَا أُعْطِيكُمَا لِأَنَّهَا حَرَامٌ عَلَى الْقَوِيِّ الْمُكْتَسِبِ، فَإِنْ رَضِيتُمَا بِأَكْلِ الْحَرَامِ أُعْطِيكُمَا، قَالَ تَوْبِيخًا، وَقَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: الْحَدِيثُ دَلَّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ حُرْمَةُ سُؤَالِهِمَا لِقَوْلِهِ: " وَإِنْ شِئْتُمَا أَعْطَيْتُكُمَا " فَلَوْ كَانَ الْأَخْذُ مُحَرَّمًا غَيْرَ مُسْقَطٍ عَنْ صَاحِبِ الْمَالِ لَمْ يَفْعَلْهُ (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ) أَيْ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَدِيٍّ فِي شَرْحِ ابْنِ الْهُمَامِ قَالَ صَاحِبُ التَّنْقِيحِ: حَدِيثٌ صَحِيحٌ، وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ مَا أَوْجَدَهُ مِنْ حَدِيثٍ هُوَ أَحْسَنُهَا إِسْنَادًا فَهَذَا مَعَ حَدِيثِ مُعَاذٍ يُفِيدُ مَنْعَ غَنِيِّ الْغُزَاةِ وَالْغَارِمِينَ عَنْهَا، فَهُوَ حُجَّةٌ عَلَى الشَّافِعِيِّ فِي تَجْوِيزِهِ لِغَنِيِّ الْغُزَاةِ إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ شَيْءٌ فِي الدِّيوَانِ وَلَمْ يَأْخُذْ مِنَ الْفَيْءِ.
[ ٤ / ١٣٠٥ ]
١٨٣٣ - وَعَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ مُرْسَلًا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: " «لَا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَنِيٍّ إِلَّا لِخَمْسَةٍ، لِغَازٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، أَوْ لِعَامِلٍ عَلَيْهَا، أَوْ لِغَارِمٍ، أَوْ لِرَجُلٍ اشْتَرَاهَا بِمَالِهِ، أَوْ لِرَجُلٍ كَانَ لَهُ جَارٌ مِسْكِينٌ فَتَصَدَّقَ عَلَى الْمِسْكِينِ، فَأَهْدَى الْمِسْكِينُ لِلْغَنِيِّ» ". رَوَاهُ مَالِكٌ وَأَبُو دَاوُدَ.
_________________
(١) (وَعَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ) تَابِعِيٌّ جَلِيلٌ (مُرْسَلًا) أَيْ بِحَذْفِ الصَّحَابِيِّ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: " «لَا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَنِيٍّ إِلَّا لِخَمْسَةٍ: لِغَازٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» ") أَيْ لِمُجَاهِدٍ مُنْقَطِعٍ عَنِ الْغَزْوِ أَوِ الْحَجِّ، وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّهُ فَسَّرَ أَحْمَدُ سَبِيلَ اللَّهِ فِي الْآيَةِ بِسَفَرِ الْحَجِّ لِلْخَبَرِ الصَّحِيحِ أَنَّ الْحَجَّ سَبِيلُ اللَّهِ، وَاخْتَارَهُ مُحَمَّدٌ مِنْ أَصْحَابِنَا لَكِنْ فِي الِاسْتِدْلَالِ الْمَذْكُورِ
[ ٤ / ١٣٠٥ ]
بَحْثٌ لِلْجُمْهُورِ " أَوْ لِعَامِلٍ عَلَيْهَا " أَيْ عَلَى الصَّدَقَةِ مِنْ نَحْوِ عَاشِرٍ وَحَاسِبٍ وَكَاتِبٍ " أَوْ لِغَارِمٍ " أَيْ مَنِ اسْتَدَانَ لِيُصْلِحَ بَيْنَ طَائِفَتَيْنِ فِي دِيَةٍ أَوْ دَيْنٍ تَسْكِينًا لِلْفِتْنَةِ وَإِنْ كَانَ غَنِيًّا " أَوْ لِرَجُلٍ " أَيْ غَنِيٍّ " اشْتَرَاهَا " أَيِ الزَّكَاةَ مِنَ الْفَقِيرِ " بِمَالِهِ أَوْ لِرَجُلٍ " أَيْ غَنِيٍّ " كَانَ لَهُ جَارٌ مِسْكِينٌ فَتَصَدَّقَ عَلَى الْمِسْكِينِ فَأَهْدَى الْمِسْكِينُ لِلْغَنِيِّ " (رَوَاهُ مَالِكٌ وَأَبُو دَاوُدَ) أَيْ مِنْ طَرِيقِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ هَكَذَا مُرْسَلًا، وَرَوَى أَيْضًا أَبُو دَاوُدَ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ أَوْ أَبِي سَعِيدٍ مَرْفُوعًا بِمَعْنَاهُ، وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ حَدَّثَنِي اللَّيْثُ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ مُسْنَدًا، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: وَصَلَ هَذَا الْحَدِيثَ جَمَاعَةٌ مِنْ رِوَايَةِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ذَكَرَهُ مِيرَكُ وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: صَحِيحٌ أَوْ حَسَنٌ.
[ ٤ / ١٣٠٦ ]
١٨٣٤ - وَفِي رِوَايَةٍ لِأَبِي دَاوُدَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ: أَوِ ابْنِ السَّبِيلِ.
_________________
(١) (وَفِي رِوَايَةٍ لِأَبِي دَاوُدَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ: أَوِ ابْنِ السَّيْلِ) اعْلَمْ أَنِّي تَتَبَّعْتُ رِوَايَاتِ أَبِي دَاوُدَ، فَهِيَ ثَلَاثٌ: مِنْهَا حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ عَنْ مَالِكٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: الْحَدِيثَ، وَمِنْهَا حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّازِقِ أَنَا مَعْمَرٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - بِمَعْنَاهُ قَالَ أَبُو دَاوُدَ وَرَوَاهُ ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ زَيْدٍ، كَمَا قَالَ مَالِكٌ وَرَوَاهُ الثَّوْرِيُّ عَنْ زَيْدٍ قَالَ: حَدَّثَنِي اللَّيْثُ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ، وَمِنْهَا حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَوْفٍ الطَّائِيُّ حَدَّثَنَا الْفِرْيَابِيُّ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عِمْرَانَ الْبَاقِي عَنْ عَطِيَّةَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: " «لَا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَنِيٍّ إِلَّا فِي سَبِيلِ اللَّهِ - ﷿ - أَوِ ابْنِ السَّبِيلِ أَوْ جَارٍ فَقِيرٍ تَتَصَدَّقُ عَلَيْهِ فَيُهْدِي لَكَ أَوْ يَدْعُوكَ» "، وَبِهَذَا يَتَّضِحُ لَكَ مَا فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ مِنَ الْإِبْهَامِ، ثُمَّ قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: قِيلَ لَمْ يَثْبُتْ هَذَا الْحَدِيثُ وَلَوْ ثَبَتَ لَمْ يَقْوَ قُوَّةً تَرْجُحُ حَدِيثَ مُعَاذٍ، فَإِنَّهُ رَوَاهُ أَصْحَابُ الْكُتُبِ السِّتَّةِ مَعَ قَرِينَةٍ مِنَ الْحَدِيثِ الْآخَرِ؛ يَعْنِي قَوْلَهُ: " «لَا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَنِيٍّ» " وَلَوْ قَوِيَ قُوَّتَهُ تَرَجَّحَ حَدِيثُ مُعَاذٍ بِأَنَّهُ مَانِعٌ وَمَا رَوَاهُ مَبِيحٌ مَعَ أَنَّهُ دَاخِلُهُ التَّأْوِيلُ عِنْدَهُمْ حَيْثُ قُيِّدَ لِلْأَخْذِ لَهُ بِأَنْ لَا يَكُونَ لَهُ شَيْءٌ مِنَ الدِّيوَانِ وَلَا أَخَذَ مِنَ الْفَيْءِ وَهُوَ أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ، وَذَلِكَ يُضْعِفُ الدَّلَالَةَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا لَمْ يَدْخُلْهُ.
[ ٤ / ١٣٠٦ ]
١٨٣٥ - وَعَنْ زِيَادِ بْنِ الْحَارِثِ الصُّدَائِيِّ قَالَ: «أَتَيْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - فَبَايَعْتُهُ فَذَكَرَ حَدِيثًا طَوِيلًا: فَأَتَاهُ رَجُلٌ فَقَالَ: أَعْطِنِي مِنَ الصَّدَقَةِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: " إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَرْضَ بِحُكْمِ نَبِيٍّ وَلَا غَيْرِهِ فِي الصَّدَقَاتِ، حَتَّى حَكَمَ هُوَ فِيهَا، فَجَزَّأَهَا ثَمَانِيَةَ أَجْزَاءٍ، فَإِنْ كُنْتَ مِنْ تِلْكَ الْأَجْزَاءِ أَعْطَيْتُكَ» ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
_________________
(١) (وَعَنْ زِيَادِ بْنِ الْحَارِثِ الصُّدَائِيِّ) بِضَمِّ الصَّادِ مَمْدُودًا (قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - فَبَايَعْتُهُ فَذَكَرَ) أَيْ زِيَادٌ أَوِ النَّبِيُّ - ﷺ - (حَدِيثًا طَوِيلًا فَأَتَاهُ) أَيْ أَتَى النَّبِيَّ - ﷺ - (رَجُلٌ فَقَالَ: أَعْطِنِي مِنَ الصَّدَقَةِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: " «إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَرْضَ بِحُكْمِ نَبِيٍّ وَلَا غَيْرِهِ فِي الصَّدَقَاتِ حَتَّى حَكَمَ فِيهَا» ") أَيْ إِلَى أَنْ حَكَمَ فِي الصَّدَقَاتِ " هُوَ " أَيِ اللَّهُ - تَعَالَى - وَهُوَ لِمُجَرَّدِ التَّأْكِيدِ " فَجَزَّأَهَا " بِتَشْدِيدِ الزَّايِ فَهَمْزٍ أَيْ فَقَسَّمَ أَصْحَابَهَا " ثَمَانِيَةَ أَجْزَاءٍ " أَيْ أَصْنَافٍ قَالَ " فَإِنْ كُنْتَ مِنْ تِلْكَ الْأَجْزَاءِ " أَيْ مِنَ الْأَصْنَافِ الثَّمَانِيَةِ " أَعْطَيْتُكَ " أَيْ حَقَّكَ، قَالَ الطِّيبِيُّ: قِيلَ فِي التَّجْزِئَةِ دَلَالَةٌ عَلَى وُجُوبِ التَّفْرِيقِ فِي الْأَصْنَافِ، وَأَغْرَبَ ابْنُ الْمَلَكِ حَيْثُ قَالَ: وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يُفَرَّقُ عَلَى أَهْلِ السِّهَامِ بِحِصَصِهِمْ وَهُوَ مَعَ كَوْنِهِ خِلَافَ الْمَذْهَبِ لَيْسَ فِيهِ دَلَالَةٌ إِلَّا عَلَى أَنَّ الزَّكَاةَ لَا تُصْرَفُ إِلَّا إِلَى هَذِهِ الْمَصَارِفِ لَا أَنَّهَا تُصْرَفُ إِلَى جَمِيعِ هَذِهِ الْمَصَارِفِ، وَلِذَا قَالَ عُلَمَاؤُنَا: فَتُصْرَفُ إِلَى الْكُلِّ أَوِ الْبَعْضِ، قَالَ الشُّمُنِّيُّ: رَوَى ذَلِكَ الطَّبَرِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَعُمَرَ وَحُذَيْفَةَ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَعَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ وَأَبِي الْعَالِيَةَ وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ وَمَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ لِقَوْلِهِ - ﷺ - لِمُعَاذٍ: " «فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللَّهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً فِي أَمْوَالِهِمْ تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ فَتُرَدُّ فِي فُقَرَائِهِمْ» "، وَلِأَنَّهُ - ﷺ - أَمَرَ لِسَلَمَةَ بْنِ صَخْرٍ الْبَيَاضِيِّ بِصَدَقَةِ قَوْمِهِ، وَبَسَطَ فِيهِ الْكَلَامَ الْمُحَقِّقُ ابْنُ الْهُمَامِ وَانْتَصَرَ لَهُ الْفَخْرُ الرَّازِيُّ فِي هَذَا الْمَقَامِ وَأَجَابَ عَنْهُ ابْنُ حَجَرٍ بِمَا لَا نِظَامَ لَهُ فِي الْمَرَامِ (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) قَالَ مِيرَكُ: وَفِي سَنَدِهِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زِيَادِ بْنِ أَنْعُمٍ الْأَفْرِيقِيُّ وَقَدْ تَكَلَّمُوا فِيهِ.
[ ٤ / ١٣٠٦ ]
(الْفَصْلُ الثَّالِثُ)
١٨٣٦ - عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ قَالَ: شَرِبَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ لَبَنًا فَأَعْجَبَهُ، فَسَأَلَ الَّذِي سَقَاهُ: مِنْ أَيْنَ هَذَا اللَّبَنُ؟ فَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ وَرَدَ عَلَى مَاءٍ قَدْ سَمَّاهُ فَإِذَا نَعَمٌ مِنْ نَعَمِ الصَّدَقَةِ، وَهُمْ يَسْقُونَ فَحَلَبُوا مِنْ أَلْبَانِهَا، فَجَعَلْتُهُ فِي سِقَائِي فَهُوَ هَذَا، فَأَدْخَلَ عُمَرُ يَدَهُ فَاسْتَقَاءَ، رَوَاهُ مَالِكٌ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ.
_________________
(١) (الْفَصْلُ الثَّالِثُ)
(٢) (عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ قَالَ: شَرِبَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ - ﵁ - لَبَنًا فَأَعْجَبَهُ) أَيْ وَافَقَ هَوَى نَفْسِهِ فَأَنْكَرَهُ بِالِاسْتِدْلَالِ الْقَلْبِيِّ بِالْإِلْهَامِ الْغَيْبِيِّ، وَقَالَ الْغَزَالِيُّ: سَأَلَ عُمَرُ - ﵁ - إِذْ رَابَهُ فَإِنَّهُ أَعْجَبَهُ طَعْمَهُ، وَلَمْ يَكُنْ عَلَى مَا كَانَ يَأْلَفُهُ كُلَّ لَيْلَةٍ وَهَذَا مِنْ أَسْبَابِ الرِّيبَةِ وَحَمْلِهِ عَلَى الْوَرَعِ (فَسَأَلَ الَّذِي سَقَاهُ: مِنْ أَيْنَ هَذَا اللَّبَنُ؟ فَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ وَرَدَ) أَيْ مَرَّ (عَلَى مَاءٍ) أَيْ مَكَانِ مَاءٍ وَأَغْرَبَ ابْنُ حَجَرٍ فِي قَوْلِهِ: أَيْ مَكَانٍ فِيهِ مَاءٌ، كَذَا قَالَهُ شَارِحٌ وَهُوَ غَيْرُ مُحْتَاجٍ، وَمَا الْمَانِعُ أَنَّهُ وَرَدَ الْمَاءَ نَفْسَهُ وَإِنْ كَانَ مِنْ لَازِمِ وُرُودِهِ مَحَلَّهُ اهـ وَوَجْهُ غَرَابَتِهِ لَا تَخْفَى (قَدْ سَمَّاهُ) أَيْ عَيَّنَهُ بِاسْمِهِ " فَإِذَا " لِلْمُفَاجَأَةِ (نَعَمٌ) بِفَتْحَتَيْنِ (مِنْ نَعَمِ الصَّدَقَةِ وَهُمْ) أَيِ الرُّعَاةُ أَوْ أَهْلُ النَّعَمِ (يَسْقُونَ) أَيِ النَّعَمَ (فَحَلَبُوا مِنْ أَلْبَانِهَا) أَيْ فَأَعْطُونِي هَذَا فَأَخَذْتُهُ (فَجَعَلْتُهُ فِي سِقَائِي) بِكَسْرِ السِّينِ (فَهُوَ هَذَا، فَأَدْخَلَ عُمَرُ يَدَهُ) أَيْ فِي فَمِهِ أَوْ حَلْقِهِ (اسْتِقَاءَ) أَيْ فَتَقَيَّأَهُ حَتَّى أَخْرَجَهُ مِنْ جَوْفِهِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: هَذَا غَايَةُ الْوَرَعِ وَالتَّنَزُّهِ عَنِ الشُّبَهِ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ كَانَ الشَّارِحُ لَمْ يَسْتَحْضِرْ قَوْلَ أَئِمَّتِهِ: إِنَّ كُلَّ مَنْ أَكَلَ أَوْ شَرِبَ حَرَامًا لَزِمَهُ أَنْ يَتَقَيَّأَهُ إِنْ أَطَاقَهُ وَإِنْ عُذِرَ فِي تَنَاوُلِهِ اهـ وَفِيهِ أَنَّهُ لَا دَلَالَةَ فِي الْحَدِيثِ عَلَى كَوْنِ ذَلِكَ اللَّبَنِ حَرَامًا لِأَنَّ الْقَابِضَ إِذَا أَخَذَهُ عَلَى وَجْهِ الِاسْتِحْقَاقِ وَأَهْدَاهُ لِغَيْرِ الْمُسْتَحَقِّ عَلَى فَرْضٍ أَنَّ عُمَرَ غَيْرُ مُسْتَحِقٍّ فَلَا شَكَّ فِي حِلِّيَّتِهِ، كَمَا تَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ بَرَيْرَةَ أَنَّهُ لَهَا صَدَقَةٌ وَلَنَا هَدِيَّةٌ فَكَأَنَّ الْمُعْتَرِضَ لَمْ يَتَفَطَّنْ لِهَذَا وَظَنَّ أَنَّ اللَّبَنَ حَرَامٌ، وَأَيْضًا لَا فَائِدَةَ فِي اسْتِقَائِهِ إِذْ لَا يُمْكِنُ رَدُّهُ إِلَى صَاحِبِهِ وَإِنَّمَا هُوَ تَنْقِيَةُ الْبَاطِنِ مِنْ أَثَرِ الْحَرَامِ أَوِ الشُّبْهَةِ وَهَذَا لَا شُبْهَةَ أَنَّهُ وَرَعٌ، قَالَ الْغَزَالِيُّ فِي الْإِحْيَاءِ: وَإِنَّمَا تَقَيَّأَ مَا شَرِبَهُ مَعَ الْجَهْلِ حَتَّى لَا يَنْبُتَ مِنْهُ لَحْمٌ يَثْبُتُ وَيَبْقَى، وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ إِنَّهُ لَا يَدْرِي فَلَا يَضُرُّهُ، لِأَنَّ الْحَرَامَ إِذَا أُكِلَ وَحَصَلَ فِي الْمَعِدَةِ أَثَّرَ فِي قَسَاوَةِ الْقَلْبِ وَإِنْ لَمْ يَعْرِفْهُ صَاحِبُهُ وَلِذَا تَقَيَّأَ عُمَرُ - ﵁ - لِأَنَّهُ شَرِبَ عَلَى جَهْلٍ، وَهَذَا وَإِنْ أَفْتَيْنَا بِأَنَّهُ حَلَالٌ لِلْفَقِيرِ فَإِنَّمَا أَحْلَلْنَاهُ بِحُكْمِ الْحَاجَةِ إِلَيْهِ، فَهُوَ كَالْخِنْزِيرِ وَالْخَمْرِ إِذَا أَحْلَلْنَاهُ لِلضَّرُورَةِ وَلَا يَلْتَحِقُ بِالطَّيِّبَاتِ اهـ (رَوَاهُ مَالِكٌ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ) .
[ ٤ / ١٣٠٧ ]