[ ٦ / ٢٦٢٩ ]
بَابُ إِخْرَاجِ الْيَهُودِ مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
٤٠٥٠ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: «بَيْنَا نَحْنُ فِي الْمَسْجِدِ، خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ " انْطَلِقُوا إِلَى يَهُودَ " فَخَرَجْنَا مَعَهُ حَتَّى جِئْنَا بَيْتَ الْمِدْرَاسِ، فَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ يَهُودَ أَسْلِمُوا تَسْلَمُوا، اعْلَمُوا أَنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ، وَأَنِّي أُرِيدُ أَنْ أُجْلِيَكُمْ مِنْ هَذِهِ الْأَرْضِ، فَمَنْ وَجَدَ مِنْكُمْ بِمَالِهِ شَيْئًا فَلْيَبِعْهُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
_________________
(١) بَابُ إِخْرَاجِ الْيَهُودِ مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ فِي النِّهَايَةِ: الْجَزِيرَةُ اسْمُ مَوْضِعٍ مِنَ الْأَرْضِ، وَهُوَ مَا بَيْنَ حَفْرِ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ إِلَى أَقْصَى الْيَمَنِ فِي الطُّولِ، وَمَا بَيْنَ رَمْلِ يَزَنَ إِلَى مُنْقَطَعِ السَّمَاوَةِ فِي الْعَرْضِ قَالَهُ أَبُو عُبَيْدَةَ. وَقَالَ الْأَصْمَعِيُّ: مِنْ أَقْصَى عَدَنَ أَبْيَنَ إِلَى رِيفِ الْعِرَاقِ طُولًا، وَمِنْ جُدَّةَ وَسَاحِلِ الْبَحْرِ إِلَى أَطْرَافِ الشَّامِ عَرْضًا. قَالَ الْأَزْهَرِيُّ: سُمِّيَتْ جَزِيرَةً لِأَنَّ بَحْرَ فَارِسَ وَبَحْرَ السُّودَانِ أَحَاطَ بِجَانِبَيْهَا، وَأَحَاطَ بِالْجَانِبِ الشَّمَالِ دِجْلَةُ وَالْفُرَاتُ اهـ. وَعَنْ مَالِكٍ: أَنَّ جَزِيرَةَ الْعَرَبِ مَكَّةُ وَالْمَدِينَةُ وَالْيَمَامَةُ وَالْيَمَنُ. وَفِي الْقَامُوسِ: جَزِيرَةُ الْعَرَبِ مَا أَحَاطَ بِهِ بَحْرُ الْهِنْدِ وَبَحْرُ الشَّامِ، ثُمَّ دِجْلَةُ وَالْفُرَاتُ. الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
(٢) (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: بَيْنَا): وَفِي نُسْخَةٍ بَيْنَمَا بِالْمِيمِ أَيْ: بَيْنَ أَوْقَاتٍ (نَحْنُ فِي الْمَسْجِدِ، خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ " انْطَلِقُوا ") أَيِ: اذْهَبُوا مَعِيَ (إِلَى يَهُودَ فَخَرَجْنَا مَعَهُ) أَيْ: مِنَ الْمَسْجِدِ، أَوْ مِنَ الْمَدِينَةِ (حَتَّى جِئْنَا بَيْتَ الْمِدْرَاسِ): قَالَ الْقَاضِي مِفْعَالٌ مِنَ الدِّرَاسَةِ إِمَّا لِلْمُبَالَغَةِ كَالْمِكْثَارِ وَالْمِعْطَاءِ وَالْمُرَادُ صَاحِبُ دِرَاسَةِ كُتُبِهِمُ الَّذِي يُدَارِسُهَا لِلنَّاسِ وَإِمَّا بِمَعْنَى الْمَدْرَسَةِ وَالْمُرَادُ بِهِ الْمَوْضِعُ الَّذِي يَقْرَأُ فِيهِ أَهْلُ الْكِتَابِ كُتُبَهُمْ وَيَدْرُسُونَهَا فِيهِ إِضَافَةَ الْبَيْتِ كَإِضَافَةِ الْمَسْجِدِ إِلَى الْجَامِعِ وَيَدُلُّ عَلَى الْمَعْنَى الثَّانِي أَنَّ بَعْضَ الرِّوَايَاتِ الصِّحَاحِ حَتَّى أَتَى الْمِدْرَاسَ (فَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ) أَيْ: فَوَقَفَ عَلَيْهِمْ، وَالْمَعْنَى فَثَبَتَ قَائِمًا وَلَمْ يَجْلِسْ (قَالَ: يَا مَعْشَرَ يَهُودَ أَسْلِمُوا) أَمْرٌ مِنَ الْإِسْلَامِ (تَسْلَمُوا) جَوَابُ الْأَمْرِ مِنَ السَّلَامَةِ أَيْ: تَنْجُوا مِنَ الذُّلِّ فِي الدُّنْيَا وَالْعَذَابِ فِي الْعُقْبَى قَالَ الطِّيبِيُّ قَوْلُهُ تَسْلَمُوا مِنَ الْعَامِّ الَّذِي خُصَّ مِنْهُ الْبَعْضُ بِقَرِينَةِ الْحَالِ أَيْ: تَسْلَمُوا مِنَ الْإِجْلَاءِ، وَفَائِدَتُهُ أَنَّ أَوَّلَ مَا يَسْلَمُونَ مِنَ الْآفَاتِ هُوَ الْإِجْلَاءُ، وَمُفَارَقَةُ الْأَوْطَانِ الْمَأْلُوفَةِ الَّتِي هِيَ أَشَدُّ الْبَلَاءِ وَمِنْ ثَمَّ فُسِّرَ قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ﴾ [البقرة: ١٩١] بِالْإِخْرَاجِ مِنَ الْوَطَنِ ; لِأَنَّهُ عُقِّبَ بِقَوْلِهِ ﴿وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ﴾ [البقرة: ١٩١] وَأَنْشَدَ: لَقَتْلٌ بِحَدِّ السَّيْفِ أَهْوَنُ مَوْقِعًا عَلَى النَّفْسِ مِنْ قَتْلٍ بِحَدِّ فِرَاقِ وَقَالَ: يَقُولُونَ إِنَّ الْمَوْتَ صَعْبٌ وَإِنَّمَا مُفَارَقَةُ الْأَوْطَانِ وَاللَّهِ أَصْعَبُ (اعْلَمُوا) اسْتِئْنَافُ كَلَامٍ تَوْطِئَةٌ لِمَا بَعْدَهُ بَعْدَ الْيَأْسِ مِمَّا قَبْلَهُ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ اعْلَمُوا جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ فَإِنَّهُ ﷺ لَمَّا خَاطَبَهُمْ بِقَوْلِهِ: (أَسْلِمُوا تَسْلَمُوا) اتَّجَهَ لَهُمْ أَنْ يَقُولُوا لِمَ إِذًا تُخَاطِبُنَا بِهَذَا وَمَا سَنَحَ لَكَ مِنَ الرَّأْيِ؟ قَالَ: (اعْلَمُوا أَنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ) أَيْ: حَقِيقَةٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ [الأعراف: ١٢٨] وَتَبَعًا وَعَاقِبَةً قَالَ الطِّيبِيُّ وَمَعْنَى قَوْلِهِ: إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى:) ﴿إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ [الأعراف: ١٢٨] (أَيْ: أَرْضُكُمْ هَذِهِ قَدْ تَعَلَّقَتْ مَشِيئَةُ اللَّهِ تَعَالَى بِأَنْ يُورِثَهَا الْمُسْلِمِينَ فَفَارِقُوهَا، وَإِنَّمَا أَسْنَدَ الْجَلَاءَ إِلَى نَفْسِهِ ﷺ ; لِأَنَّهُ خَلِيفَةُ اللَّهِ فِي أَرْضِهِ تَعْظِيمًا لِشَأْنِهِ وَأَنَّ إِجْلَاءَهُ نَحْوُ قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [الأنفال: ١] وَحَاصِلُ كَلَامِهِ أَنَّ ذِكْرَ اللَّهِ لِلتَّزْيِينِ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة: ٩] . (وَأَنِّي) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ عَطْفًا عَلَى مَا سَبَقَ وَفِي نُسْخَةٍ بِالْكَسْرِ أَيْ: وَالْحَالُ أَنِّي (أُرِيدُ أَنْ أُجْلِيَكُمْ): مِنَ الْإِجْلَاءِ أَيْ: أُبْعِدُكُمْ وَأُخْرِجُكُمْ " مِنْ هَذِهِ الْأَرْضِ ":
[ ٦ / ٢٦٣٠ ]
أَيْ: مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ وَالْخِطَابُ لِمَنْ بَقِيَ فِي الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهَا مِنَ الْيَهُودِ بَعْدَ إِخْرَاجِ بَنِي النَّضِيرِ، وَقَتْلِ قُرَيْظَةَ كَيَهُودِ بَنِي قَيْنُقَاعَ فَإِنَّ إِجْلَاءَ بَنِي النَّضِيرِ كَانَ فِي السَّنَةِ الرَّابِعَةِ مِنَ الْهِجْرَةِ وَقَتْلَ قُرَيْظَةَ فِي خَامِسِهَا، وَإِسْلَامَ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ فِي السَّنَةِ السَّابِعَةِ، فَيَكُونُ مَا ذَكَرَهُ بَعْدَ ذَلِكَ بِسَنَتَيْنِ (فَمَنْ وَجَدَ مِنْكُمْ بِمَالِهِ) أَيْ: مِنْ مَالِهِ فَالْبَاءُ بِمَعْنَى (مِنْ) كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾ [الإنسان: ٦] (شَيْئًا) أَيْ: مِمَّا لَا يَتَيَسَّرُ لَهُ نَقْلُهُ كَالْعَقَارِ وَالْأَشْجَارِ، وَقِيلَ الْبَاءُ بِمَعْنَى (فِي) وَقِيلَ الْبَاءُ لِلْبَدَلِيَّةِ كَمَا فِي قَوْلِهِ بِعْتُ هَذَا بِهَذَا، وَالْمَعْنَى مَنْ صَادَفَ عِوَضَ مَالِهِ الَّذِي لَا يُمْكِنُهُ حَمْلُهُ (فَلْيَبِعْهُ) قَالَ الْخَطَّابِيُّ اسْتَدَلَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْبُخَارِيُّ عَلَى جَوَازِ بَيْعِ الْمُضْطَرِّ أَشْبَهَ، وَأَمَا الْمَكْرُوهُ عَلَى الْبَيْعِ فَهُوَ الَّذِي يُحْمَلُ عَلَى بَيْعِ الشَّيْءِ شَاءَ، أَوْ أَبَى، وَالْيَهُودُ لَوْ لَمْ يَبِيعُوا أَرَاضِيَهُمْ لَمْ يُحْمَلُوا عَلَيْهِ وَإِنَّمَا أَشْفَقُوا عَلَى أَمْوَالِهِمْ فَاخْتَارُوا بَيْعَهَا، فَصَارُوا كَأَنَّهُمُ اضْطُرُّوا إِلَى بَيْعِهَا كَمَنِ اضْطُرَّ إِلَى بَيْعِ مَالِهِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ جَائِزًا وَلَوْ أُكْرِهَ عَلَيْهِ لَمْ يَجُزْ، قَالَ النَّوَوِيُّ: أَوْجَبَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُمَا مِنَ الْعُلَمَاءِ إِخْرَاجَ الْكَافِرِ مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ وَقَالُوا لَا يَجُوزُ تَمْكِينُهُمْ سُكْنَاهَا وَلَكِنَّ الشَّافِعِيَّ خَصَّ هَذَا الْحُكْمَ بِالْحِجَازِ وَهُوَ عِنْدَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ وَالْيَمَامَةِ وَأَعْمَالِهَا دُونَ الْيَمَنِ وَغَيْرِهِ وَقَالُوا: لَا يُمْنَعُ الْكُفَّارُ مِنَ التَّرَدُّدِ مُسَافِرِينَ فِي الْحِجَازِ، وَلَا يُمَكَّنُونَ مِنَ الْإِقَامَةِ فِيهِ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، قَالَ الشَّافِعِيُّ: إِلَّا مَكَّةَ وَحَرَمَهَا فَلَا يَجُوزُ تَمْكِينُ كَافِرٍ مِنْ دُخُولِهَا بِحَالٍ، فَإِنْ دَخَلَهَا بِخُفْيَةٍ وَجَبَ إِخْرَاجُهُ فَإِنْ مَاتَ وَدُفِنَ فِيهَا نُبِشَ، وَأُخْرِجَ مِنْهَا مَا لَمْ يَتَغَيَّرْ، وَجَوَّزَ أَبُو حَنِيفَةَ دُخُولَهُمُ الْحَرَمَ، وَحُجَّةُ الْجَمَاهِيرِ قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة: ٢٨] اهـ. وَفِي الْمَعَالِمِ: أَرَادَ مَنْعَهُمْ مِنْ دُخُولِ الْحَرَمِ ; لِأَنَّهُمْ إِنْ دَخَلُوا الْحَرَمَ فَقَدْ قَرُبُوا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ. قَالَ وَجَوَّزَ أَهْلُ الْكُوفَةِ لِلْمُعَاهَدِ دُخُولَ الْحَرَمِ، وَفِي الْمَدَارِكِ: فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ فَلَا يَحُجُّوا وَلَا يَعْتَمِرُوا كَمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا وَهُوَ عَامُ تِسْعٍ مِنَ الْهِجْرَةِ حَيْثُ أُمِّرَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ عَلَى الْمَوْسِمِ وَهُوَ مَذْهَبُنَا، وَلَا يُمْنَعُونَ مِنْ دُخُولِ الْحَرَمِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَسَائِرِ الْمَسَاجِدِ عِنْدَنَا، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ يُمْنَعُونَ مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ خَاصَّةً، وَعِنْدَ مَالِكٍ يُمْنَعُونَ مِنْهُ وَمِنْ غَيْرِهِ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
[ ٦ / ٢٦٣١ ]
٤٠٥١ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَامَ عُمَرُ خَطِيبًا فَقَالَ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ عَامَلَ يَهُودَ خَيْبَرَ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَقَالَ " «نُقِرُّكُمْ مَا أَقَرَّكُمُ اللَّهُ» " وَقَدْ رَأَيْتُ إِجْلَاءَهُمْ فَلَمَّا أَجْمَعَ عُمَرُ عَلَى ذَلِكَ أَتَاهُ أَحَدُ بَنِي أَبِي الْحُقَيْقِ فَقَالَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَتُخْرِجُنَا قَدْ أَقَرَّنَا مُحَمَّدٌ وَعَامَلَنَا عَلَى الْأَمْوَالِ؟ فَقَالَ عُمَرُ أَظْنَنْتَ أَنِّي نَسِيتُ قَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ " وَكَيْفَ بِكَ إِذَا أُخْرِجْتَ مِنْ خَيْبَرَ تَعْدُو بِكَ قَلُوصُكَ لَيْلَةً بَعْدَ لَيْلَةٍ؟ فَقَالَ هَذِهِ كَانَتْ هُزَيْلَةً مِنْ أَبِي الْقَاسِمِ فَقَالَ كَذَبْتَ يَا عَدُوَّ اللَّهِ فَأَجْلَاهُمْ عُمَرُ وَأَعْطَاهُمْ قِيمَةَ مَا كَانَ لَهُمْ مِنَ الثَّمَرِ مَالًا وَإِبِلًا وَعُرُوضًا مِنْ أَقْتَابٍ وَحِبَالٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
_________________
(١) (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، قَامَ عُمَرُ خَطِيبًا، فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ عَامَلَ يَهُودَ خَيْبَرَ عَلَى أَمْوَالِهِمْ) أَيْ: أَقَرَّهُمْ عَلَيْهَا بِأَخْذِ الْجِزْيَةِ وَسَاقَاهُمْ (وَقَالَ) أَيْ: النَّبِيُّ ﷺ حِينَ أَقَرَّهُمْ عَلَى الْجِزْيَةِ (نُقِرُّكُمْ مَا أَقَرَّكُمُ اللَّهُ) أَيْ: مَا لَمْ يَأْمُرِ اللَّهُ بِإِخْرَاجِكُمْ وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ أَيْ: نَتْرُكُكُمْ مَا شَاءَ اللَّهُ بِإِعْطَائِكُمُ الْجِزْيَةَ أَيْ: مَا دُمْتُمْ تُعْطُونَهَا، وَالْوَجْهُ هُوَ الْأَوَّلُ فَتَأَمَّلْ. قَالَ النَّوَوِيُّ: اسْتَدَلَّ بِهِ مِنْ جَوَّزَ الْمُسَاقَاةَ مُدَّةً مَجْهُولَةً، وَتَأَوَّلَهُ الْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهُ عَائِدٌ إِلَى مُدَّةِ الْعَهْدِ ; لِأَنَّهُ ﷺ كَانَ عَازِمًا عَلَى إِخْرَاجِ الْكُفَّارِ مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ وَقِيلَ جَازَ ذَلِكَ أَوَّلَ الْإِسْلَامِ خَاصَّةً لِلنَّبِيِّ ﷺ (وَقَدْ رَأَيْتُ إِجْلَاءَهُمْ) هَذَا كَلَامُ عُمَرَ ﵁ مِنَ الرَّأْيِ، وَالْمَعْنَى أَنَّهُ قَالَ: وَرَأَيْتُ الْآنَ الْمَصْلَحَةَ فِي إِجْلَائِهِمْ وَهُوَ فِي الْحَقِيقَةِ بَيَانُ انْتِهَاءِ الْمُدَّةِ الْمُسْتَفَادَةِ مِنْ قَوْلِهِ (مَا أَقَرَّكُمُ اللَّهُ) (فَلَمَّا أَجْمَعَ عُمَرُ عَلَى ذَلِكَ) أَيْ: صَمَّمَ عَزْمَهُ عَلَى إِجْلَائِهِمْ وَاتَّفَقَ آرَاؤُهُ عَلَى إِخْرَاجِهِمْ (أَتَاهُ أَحَدُ بَنِي أَبِي الْحُقَيْقِ) بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ الْقَافِ الْأُولَى قَبِيلَةٌ مِنَ الْيَهُودِ أَيْ: جَاءَهُ أَمِيرُهُمْ، أَوْ كَبِيرُهُمْ (فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَتُخْرِجُنَا وَقَدْ أَقَرَّنَا مُحَمَّدٌ أَيْ: عَلَى أَرَاضِي دِيَارِنَا (وَعَامَلَنَا عَلَى الْأُصُولِ) أَيْ: وَجَعَلَنَا عَامِلِينَ عَلَى أَرَاضِي خَيْبَرَ بِالْمُسَاقَاةِ (فَقَالَ عُمَرُ: أَظْنَنْتَ
[ ٦ / ٢٦٣١ ]
أَنِّي نَسِيتُ) بِفَتْحِ النُّونِ وَكَسْرِ السِّينِ (قَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ) أَيْ: لَكَ كَيْفَ بِكَ أَيْ: كَيْفَ كَوْنُ حَالِكَ (إِذَا أُخْرِجْتَ) أَيْ: وَقْتَ إِخْرَاجِكَ (مِنْ خَيْبَرَ تَعْدُو) أَيْ: حَالَ كَوْنِكَ تُسْرِعُ (بِكَ قَلُوصُكَ) بِفَتْحِ الْقَافِ أَيْ: نَاقَتُكَ الشَّابَّةُ الْقَوِيَّةُ (لَيْلَةً بَعْدَ لَيْلَةٍ فَقَالَ هَذِهِ) أَيِ: الْكَلِمَةُ (كَانَتْ هُزَيْلَةً) تَصْغِيرُ هَزْلَةٍ وَهِيَ الْمَرَّةُ مِنَ الْهَزْلِ الَّذِي هُوَ نَقِيضُ الْجَدِّ وَالْمَعْنَى أَنَّ هَذِهِ الْكَلِمَةَ أَنَّهَا كَانَتْ عَلَى طَرِيقَةِ الْمِزَاحِ وَالْمُطَايَبَةِ (مِنْ أَبِي الْقَاسِمِ) أَيِ: النَّبِيِّ ﷺ (فَقَالَ كَذَبْتَ يَا عَدُوَّ اللَّهِ) أَيْ: فِي قَوْلِكَ إِنَّمَا هَزْلٌ بَلْ جَدٌّ وَفَصْلٌ وَإِخْبَارٌ عَنِ الْغَيْبِ الْوَاقِعِ بَعْدَهُ فَهُوَ نَوْعٌ مِنْ مُعْجِزَاتِهِ ﷺ (فَأَجْلَاهُمْ عُمَرُ وَأَعْطَاهُمْ قِيمَةَ مَا كَانَ لَهُمْ مِنَ الثَّمَرِ) بِفَتْحِ الْمُثَلَّثَةِ وَالْمِيمِ وَيَجُوزُ ضَمُّهَا وَضَمُّ الْأَوَّلِ أَيْ: أَعْطَاهُمْ قِيمَةَ مَا ثَبَتَ لَهُمْ بِاعْتِمَالِهِمْ فِي النَّخِيلِ بِالسَّقْيِ وَالتَّأْبِيرِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ حِصَّةِ التَّمْرِ فِي سَنَتِهِمْ تِلْكَ (مَالًا) بَدَلٌ مِنْ قِيمَةِ مَا كَانَ لَهُمْ وَكَذَا قَوْلُهُ (وَإِبِلًا، وَعُرُوضًا) بِضَمَّتَيْنِ أَيْ: أَمْتِعَةً بَيَانُهَا قَوْلُهُ (مِنْ أَقْتَابٍ) جَمْعُ قَتَبٍ بِفَتْحَتَيْنِ أَيْ: رَحْلٌ وَهُوَ لِلْجَمَلِ كَالْإِكَافِ لِغَيْرِهِ (وَحِبَالٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ) أَيْ: غَيْرِ مَا ذُكِرَ مِنَ الْعُرُوضِ (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) .
[ ٦ / ٢٦٣٢ ]
٤٠٥٢ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ أَوْصَى بِثَلَاثَةٍ قَالَ: " أَخْرِجُوا الْمُشْرِكِينَ مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ وَأَجِيزُوا الْوَفْدَ نَحْوَ مَا كُنْتُ أُجِيزُهُمْ " قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَسَكَتَ عَنِ الثَّالِثَةِ، أَوْ قَالَ فَأُنْسِيتُهَا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
_________________
(١) وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَوْصَى بِثَلَاثَةٍ) أَيْ: أَشْيَاءَ (قَالَ: أَخْرِجُوا الْمُشْرِكِينَ) قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: يُرِيدُ بِهِمُ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى (مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ وَأَجِيزُوا) مِنَ الْإِجَازَةِ بِالزَّايِ إِعْطَاءُ الْأَمِيرِ (الْوَفْدَ) هُمُ الَّذِينَ يَقْصِدُونَ الْأُمَرَاءَ لِزِيَارَةٍ، أَوِ اسْتِرْفَادٍ، أَوْ رِسَالَةٍ وَغَيْرِهَا وَالْمَعْنَى أَعْطُوهُمْ مُدَّةَ إِقَامَتِهِمْ مَا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ (بِنَحْوِ مَا كُنْتُ أُجِيزُهُمْ) فِي التَّعْبِيرِ بِالنَّحْوِ إِيمَاءٌ إِلَى أَنَّ مِقْدَارَ الْعَطَاءِ مُفَوَّضٌ إِلَى رَأْيِهِمْ فَتَجُوزُ الزِّيَادَةُ وَالنُّقْصَانُ قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: وَإِنَّمَا أَخْرَجَ ذَلِكَ بِالْوَصِيَّةِ عَنْ عُمُومِ الْمَصَالِحِ لِمَا فِيهِ مِنَ الْمَصْلَحَةِ الْعُظْمَى، وَذَلِكَ أَنَّ الْوَافِدَ سَفِيرُ قَوْمِهِ، وَإِذَا لَمْ يُكْرَمُ رَجَعَ إِلَيْهِمْ بِمَا يُنَفِّرُ دُونَهُمْ رَغْبَةَ الْقَوْمِ فِي الطَّاعَةِ وَالدُّخُولِ فِي الْإِسْلَامِ، فَإِنَّهُ سَفِيرُهُمْ فَفِي تَرْغِيبِهِ تَرْغِيبُهُمْ وَبِالْعَكْسِ، ثُمَّ إِنَّ الْوَافِدَ إِنَّمَا يَفِدُ عَلَى الْإِمَامِ، فَيَجِبُ رِعَايَتُهُ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي أُقِيمَ لِمَصَالِحِ الْعِبَادِ وَإِضَاعَتُهُ تُفْضِي إِلَى الدَّنَاءَةِ الَّتِي أَجَارَ اللَّهُ عَنْهَا أَهْلَ الْإِسْلَامِ (قَالَ) أَيِ: ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ كَمَا فِي نُسْخَةٍ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهَا غَيْرُ صَحِيحَةٍ وَأَنَّ ضَمِيرَ قَالَ رَاجِعٌ إِلَى عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ ; لِأَنَّ الْفَاعِلَ فِي قَوْلِهِ (وَسَكَتَ عَنِ الثَّالِثَةِ) هُوَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ وَكَذَا فِي قَوْلِهِ (أَوْ قَالَ: فَأُنْسِيتُهَا) وَأَغْرَبَ ابْنُ الْمَلَكِ فِي شَرْحِهِ لِلْمَشَارِقِ حَيْثُ قَالَ: الضَّمِيرُ فِي قَالَ لِابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ وَفِي سَكَتَ لِلنَّبِيِّ ﷺ، ثُمَّ قَالَ، وَقَالَ الْهَرَوِيُّ فِي شَرْحِ صَحِيحِ مُسْلِمٍ: النَّاسِي هُوَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَهُوَ الَّذِي رَوَى الْحَدِيثَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، فَعَلَى هَذَا ضَمِيرُ قَالَ لِسَعِيدٍ، وَضَمِيرُ سَكَتَ لِابْنِ عَبَّاسٍ. وَفِي مَتْنِ صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ بِلَفْظِ: وَأَجِيزُوا الْوَفْدَ بِنَحْوِ مَا كُنْتُ أُجِيزُهُمْ وَنَسِيتُ الثَّالِثَةَ اهـ. وَهَذَا صَحِيحٌ فِي أَنَّهُ مِنْ كَلَامِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَغَيْرُ صَحِيحٍ أَنْ يَكُونَ مِنْ كَلَامِهِ ﷺ قَطْعًا نَظَرًا إِلَى سَابِقِ الْحَدِيثِ وَلَاحِقِهِ، وَإِلَى اخْتِلَافِ الْعُلَمَاءِ فِي الثَّالِثَةِ كَمَا سَيَأْتِي وَقَالَ السَّيِّدُ جَمَالُ الدِّينِ فِي رَوْضَةِ الْأَحْبَابِ: إِنَّ رَاوِيَ هَذَا الْحَدِيثِ سُلَيْمَانُ الْأَجْوَدُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ لَا أَدْرَى مَا رَأَى سَعِيدٌ مَصْلَحَةً فِي بَيَانِ الثَّالِثَةِ وَسَكَتَ عَنْهَا، أَوْ قَالَهَا وَلِكِنِّي نَسِيتُ، ثُمَّ قِيلَ إِنَّهَا إِنْقَاذُ جَيْشِ أُسَامَةَ، وَكَانَ الْمُسْلِمُونَ اخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ عَلَى أَبِي بَكْرٍ، فَأَعْلَمَهُمْ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ عَهِدَ بِذَلِكَ عِنْدَ مَوْتِهِ ذَكَرَهُ الزَّرْكَشِيُّ، وَكَذَا نُقِلَ عَنِ الْمُهَلَّبِ وَفِي شَرْحِ مُسْلِمٍ لِلنَّوَوِيِّ قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: يُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ الثَّالِثَةُ قَوْلَهُ ﷺ " «لَا تَتَّخِذُوا قَبْرِي وَثَنًا يُعْبَدُ» " فَذَكَرَهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ مَعَ إِجْلَاءِ الْيَهُودِ مِنْ حَدِيثِ عُمَرَ ﵁ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ)
[ ٦ / ٢٦٣٢ ]
٤٠٥٣ - وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «لَأُخْرِجَّنَ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ حَتَّى لَا أَدَعَ فِيهَا إِلَّا مُسْلِمًا» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَفِي رِوَايَةٍ «لَئِنْ عِشْتُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَأُخْرِجَنَّ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ» .
_________________
(١) (وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵁، قَالَ: أَخْبَرَنِي عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ «(لَأُخْرِجَنَّ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ حَتَّى لَا أَدَعَ) أَيْ: لَا أَتْرُكُ (فِيهَا إِلَّا مُسْلِمًا)» (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) وَكَذَا أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ (وَفِي رِوَايَةٍ) أَيْ: لِلتِّرْمِذِيِّ «(لَئِنْ عِشْتُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ قَيْدٌ لِقَوْلِهِ (لَأُخْرِجَنَّ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ)»
[ ٦ / ٢٦٣٣ ]
الْفَصْلُ الثَّانِي
لَيْسَ فِيهِ إِلَّا حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ " «لَا تَكُونُ قِبْلَتَانِ» وَقَدْ مَرَّ فِي بَابِ الْجِزْيَةِ
_________________
(١) الْفَصْلُ الثَّانِي (لَيْسَ فِيهِ) أَيْ: فِي حِسَانِ الْمَصَابِيحِ (إِلَّا حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ («لَا تَكُونُ قِبْلَتَانِ») أَيْ: فِي بَلَدٍ وَاحِدٍ (وَقَدْ مَرَّ فِي بَابِ الْجِزْيَةِ) يَعْنِي لِتَكْرَارِهِ أَسْقَطْتُهُ فَهُوَ اعْتِرَاضٌ وَاعْتِذَارٌ.
[ ٦ / ٢٦٣٣ ]
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
٤٠٥٤ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ أَجْلَى الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى مِنْ أَرْضِ الْحِجَازِ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَمَّا ظَهَرَ عَلَى أَهْلِ خَيْبَرَ أَرَادَ أَنْ يُخْرِجَ الْيَهُودَ مِنْهَا وَكَانَتِ الْأَرْضُ لَمَّا ظُهِرَ عَلَيْهَا لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُسْلِمِينَ، فَسَأَلَ الْيَهُودُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَتْرُكَهُمْ عَلَى أَنْ يَكْفُوا الْعَمَلَ وَلَهُمْ نِصْفُ الثَّمَرِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ " «نُقِرُّكُمْ عَلَى مَا شِئْنَا» " فَأُقِرُّوا حَتَّى أَجْلَاهُمْ عُمَرُ فِي إِمَارَتِهِ إِلَى تَيْمَاءَ وَأَرِيحَاءَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
_________________
(١) الْفَصْلُ الثَّالِثُ
(٢) (عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁، أَجْلَى الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى مِنْ أَرْضِ الْحِجَازِ) أَيْ: مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ؛ لِيُوَافِقَ سَائِرَ الرِّوَايَاتِ (وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَمَّا ظَهَرَ) أَيْ: غَلَبَ (عَلَى أَهْلِ خَيْبَرَ أَرَادَ) أَنْ يُخْرِجَ الْيَهُودَ مِنْهَا) أَيْ: مِنْ خَيْبَرَ (وَكَانَتِ الْأَرْضُ) أَيْ: جِنْسُهَا (لَمَّا ظُهِرَ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيْ: غَلَبَ (عَلَيْهَا) وَالْجَارُّ هُوَ النَّائِبُ وَقَوْلُهُ (لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُسْلِمِينَ) مُتَعَلِّقَةٌ بِكَانَتْ (فَسَأَلَ الْيَهُودُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَتْرُكَهُمْ) أَيْ: فِي أَرَاضِيهِمْ (عَلَى أَنْ يَكْفُوا) بِسُكُونِ الْكَافِ وَضَمِّ الْفَاءِ (الْعَمَلَ) أَيْ: يَكْفُوا مُؤْنَتَهُ بِأَنْ يَقُومُوا بِسَقْيِ الْأَرْضِ وَتَأْبِيرِ الْأَشْجَارِ، وَمَا يَتَعَلَّقُ بِعَمَلِ الزَّرْعِ (وَلَهُمْ نِصْفُ الثَّمَرِ) بِالْمُثَلَّثَةِ (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (نُقِرُّكُمْ عَلَى ذَلِكَ مَا شِئْنَا) أَيْ: مَعَاشِرَ الْإِسْلَامِ (فَأُقِرُّوا) بِصِيغَةِ الْمَفْعُولِ وَفِي نُسْخَةٍ بِصِيغَةِ الْمَعْلُومِ فَالْمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ أَيْ: فَأَقَرَّهُمُ الصَّحَابَةُ بَعْدَهُ ﷺ عَلَى ذَلِكَ (حَتَّى أَجْلَاهُمْ عُمَرُ فِي إِمَارَتِهِ) بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ أَيْ: خِلَافَتِهِ (إِلَى تَيْمَاءَ) بِفَتْحِ الْفَوْقِيَّةِ وَسُكُونِ التَّحْتِيَّةِ (وَأَرِيحَاءَ) بِفَتْحٍ فَكَسْرٍ وَحَاءٍ مُهْمَلَةٍ وَهُمَا مَمْدُودَتَانِ قَرْيَتَانِ مَعْرُوفَتَانِ فَتَيْمَاءُ عَلَى مَا فِي الْمُغْرِبِ مَوْضِعٌ قَرِيبٌ مِنَ الْمَدِينَةِ وَأَرِيحَاءَ عَلَى مَا فِي النِّهَايَةِ قَرْيَةٌ بِقُرْبِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَقِيلَ هُمَا مَوْضِعَانِ بِالشَّامِ وَقَالَ النَّوَوِيُّ: فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مُرَادَ النَّبِيِّ ﷺ بِإِخْرَاجِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ إِخْرَاجُهُمْ مِنْ بَعْضِهَا، وَهُوَ الْحِجَازُ خَاصَّةً ; لِأَنَّ تَيْمَاءَ مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ لَكِنَّهَا لَيْسَتْ مِنَ الْحِجَازِ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ)
[ ٦ / ٢٦٣٣ ]