الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
٣٨٦١ - عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ﵁، قَالَ: «سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ يَقُولُ: " ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال: ٦٠] أَلَا إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ، أَلَا إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ، أَلَا إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
_________________
(١) بَابُ إِعْدَادِ آلَةِ الْجِهَادِ أَيْ: تَهْيِئَةِ أَسْبَابِ الْمُجَاهِدَةِ فِي سِلَاحِ وَغَيْرِهِ. الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
(٢) (عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ﵁) ; أَيِ: الْجُهَنِيِّ كَانَ وَالِيًا عَلَى مِصْرَ لِمُعَاوِيَةَ بَعْدَ أَخِيهِ عُتْبَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ، ثُمَّ عَزَلَهُ وَمَاتَ بِهَا سَنَةَ ثَمَانٍ وَخَمْسِينَ، رَوَى عَنْهُ نَفَرٌ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَخَلْقٌ كَثِيرٌ مِنَ التَّابِعِينَ، ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ. (قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ يَقُولُ): حَالَانِ ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الفاتحة: ٦٠ - ٣٣٣٩٨]: الْكَشَّافُ: هِيَ كُلُّ مَا يُتَقَوَّى بِهِ فِي الْحَرْبِ مِنْ عِدَدِهَا. قَالَ الطِّيبِيُّ: (مَا) فِي مَا اسْتَطَعْتُمْ مَوْصُولَةٌ وَالْعَائِدُ مَحْذُوفٌ وَ﴿مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال: ٦٠] بَيَانٌ لَهُ. فَالْمُرَادُ هُنَا نَفْسُ الْقُوَّةِ، وَفِي هَذَا الْبَيَانِ وَالْمُبَيَّنِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ هَذِهِ الْعُدَّةَ لَا تَسْتَتِبُّ بِدُونِ الْمُعَالَجَةِ وَالْإِدْمَانِ الطَّوِيلِ، وَلَيْسَ شَيْءٌ مِنْ عُدَّةِ الْحَرْبِ وَأَدَاتِهَا أَحْوَجَ إِلَى الْمُعَالَجَةِ وَالْإِدْمَانِ عَلَيْهَا مِثْلَ الْقَوْسِ وَالرَّمْيِ بِهَا، وَلِذَلِكَ كَرَّرَ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ تَفْسِيرَ الْقُوَّةِ بِالرَّمْزِ بِقَوْلِهِ: (أَلَا): لِلتَّنْبِيهِ (إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ) ; أَيْ: هُوَ الْعُمْدَةُ (أَلَا إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ، أَلَا إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ): يُكَرِّرُهَا ثَلَاثًا لِزِيَادَةِ التَّأْكِيدِ، أَوْ إِشَارَةً إِلَى الْأَحْوَالِ الثَّلَاثِ مِنَ الْقِلَّةِ وَالْكَثْرَةِ وَمَا بَيْنَهُمَا، فَإِنَّهَا نَافِعَةٌ فِي جَمِيعِهَا (رَوَاهُ مُسْلِمٌ): قَالَ النَّوَوِيُّ: فِيهِ وَفِي الْأَحَادِيثِ بَعْدَهُ فَضِيلَةُ الرَّمْيِ وَالْمُنَاضَلَةِ وَالِاعْتِنَاءِ بِذَلِكَ بِنِيَّةِ الْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَالْمُرَادُ بِهَذَا التَّمَرُّنُ عَلَى الْقِتَالِ وَالتَّدَرُّبُ فِيهِ وَرِيَاضَةُ الْأَعْضَاءِ بِذَلِكَ.
[ ٦ / ٢٤٩٨ ]
٣٨٦٢ - وَعَنْهُ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يَقُولُ: «سَتُفْتَحُ عَلَيْكُمُ الرُّومُ وَيَكْفِيكُمُ اللَّهُ ; فَلَا يَعْجِزْ أَحَدُكُمْ أَنْ يَلْهُوَ بِأَسْهُمِهِ» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
_________________
(١) (وَعَنْهُ): أَيْ: عَنْ عُتْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ﵁ (قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يَقُولُ: سَتُفْتَحُ عَلَيْكُمُ الرُّومُ): أَيْ: بِفَتْحِ اللَّهِ وَنَصْرِهِ (وَيَكْفِيكُمُ اللَّهُ): أَيْ: شَرَّهُمْ بِقُوَّتِهِ وَقَهْرِهِ، لَكِنَّ ثَوَابَكُمْ وَأَجْرَكُمْ مُتَرَتِّبٌ عَلَى سَعْيِكُمْ وَكَسْبِكُمْ (فَلَا يَعْجِزْ أَحَدُكُمْ): بِصِيغَةِ النَّهْيِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِالنَّفْيِ، وَفِي شَرْحِ مُسْلِمٍ هُوَ بِكَسْرِ الْجِيمِ عَلَى الْمَشْهُورِ وَبِفَتْحِهَا لُغَةٌ، وَالْمَعْنَى لَا يَكْسَلُ أَحَدُكُمْ (مِنْ أَنْ يَلْهُوَ): أَيْ: يَشْتَغِلَ، أَوْ يَلْعَبَ (بِأَسْهُمِهِ): أَيْ: مَعَ قِسِيِّهِ بِنِيَّةِ الْجِهَادِ مَعَ أَهْلِ الرُّومِ وَغَيْرِهِمْ مِنْ ذَوِي الْعِنَادِ (رَوَاهُ مُسْلِمٌ): وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ بِلَفْظِ: " «سَتُفْتَحُ عَلَيْكُمْ أَرْضُونَ وَيَكْفِيكُمُ اللَّهُ فَلَا يَعْجِزْ أَحَدُكُمْ أَنْ يَلْهُوَ بِأَسْهُمِهِ» " رَوَاهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ الْمُظْهِرُ: يَعْنِي أَهْلَ الرُّومِ غَالِبُ حَرْبِهُمُ الرَّمْيُ، وَأَنْتُمْ تَتَعَلَّمُونَ الرَّمْيَ لِيُمْكِنَكُمْ مُحَارَبَةُ أَهْلِ الرُّومِ وَسَتُفْتَحُ عَلَيْكُمْ، وَيَدْفَعُ اللَّهُ عَنْكُمْ شَرَّ أَهْلِ الرُّومِ، فَإِذَا فَتَحَ لَكُمُ الرُّومَ فَلَا تَتْرُكُوا الرَّمْيَ وَتَعَلُّمَهُ بَأَنْ تَقُولُوا: لَمْ نَكُنْ نَحْتَاجُ فِي قِتَالِهِمْ إِلَى الرَّمْيِ، بَلْ تَعَلَّمُوا الرَّمْيَ، وَدَاوِمُوا عَلَيْهِ، فَإِنَّ الرَّمْيَ مِمَّا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ أَبَدًا. وَقَالَ الْأَشْرَفُ: أَيْ: لَا يَنْبَغِي أَنْ يَعْجِزَ أَحَدُكُمْ عَنْ تَعَلُّمِ الرَّمْيِ، حَتَّى إِذَا حَانَ وَقْتُ فَتْحِ الرُّومِ أَمْكَنَهُ الْعَوْنُ عَلَى الْفَتْحِ، وَهَذَا حَثٌّ وَتَحْرِيضٌ مِنْهُ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ عَلَى تَعَلُّمِ الرَّمْيِ، وَالْمَعْنَى: لَهُ أَنْ يَلْعَبَ بِهَا وَلَيْسَ مَمْنُوعًا عَنْهُ. قَالَ الطِّيبِيُّ: لَعَلَّ الْأَوْجَهَ التَّوْجِيهُ الثَّانِي فَإِنَّ الْفَاءَ فِي قَوْلِهِ: فَلَا يَعْجِزُ سَبَبِيَّةٌ كَأَنَّهُ قِيلَ: إِنَّ اللَّهَ سَيَفْتَحُ لَكُمْ عَنْ قَرِيبٍ الرُّومَ وَهُمْ رُمَاةٌ، وَيُكْفِيكُمُ اللَّهُ تَعَالَى بِوَاسِطَةِ الرَّمْيِ شَرَّهُمْ؛ فَإِذَنْ لَا يُعْجِزُ أَحَدُكُمْ أَنْ يَلْهُوَ بِأَسْهُمِهِ ; أَيْ: عَلَيْكُمْ أَنْ تَهْتَمُّوا بِشَأْنِ النِّضَالِ، وَتَمَرَّنُوا فِيهِ، وَعَضُّوا عَلَيْهِ بِالنَّوَاجِذِ، حَتَّى إِذَا زَاوَلْتُمْ مُحَارَبَةَ الرُّومِ تَكُونُوا مُتَمَكِّنِينَ، وَإِنَّمَا أَخْرَجَهُ مُخْرَجَ اللَّهْوِ إِمَالَةً لِلرَّغَبَاتِ إِلَى تَعَلُّمِ الرَّمْيِ وَإِلَى التَّرَامِي وَالْمُسَابَقَةِ، فَإِنَّ النُّفُوسَ مَجْبُولَةٌ عَلَى مَيْلِهَا إِلَى اللَّهْوِ.
[ ٦ / ٢٤٩٩ ]
٣٨٦٣ - وَعَنْهُ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يَقُولُ: «مَنْ عَلِمَ الرَّمْيَ، ثُمَّ تَرَكَهُ ; فَلَيْسَ مِنَّا، أَوْ قَدْ عَصَى» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
_________________
(١) (وَعَنْهُ): أَيْ: عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ﵁ (قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يَقُولُ: «مِنْ عُلِّمَ الرَّمْيَ، ثُمَّ تَرَكَهُ، فَلَيْسَ مِنَّا»): أَيْ: لَيْسَ بِمُتَّصِلٍ مِنَّا وَمَعْدُودٍ فِي زُمْرَتِنَا، وَهُوَ أَشَدُّ مِمَّا لَمْ يَتَعَلَّمْ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ فِي زُمْرَتِهِمْ، وَهَذَا دَخَلَ، ثُمَّ خَرَجَ، كَأَنَّهُ رَأَى النَّقْصَ فِيهِ وَاسْتَهْزَأَ بِهِ، وَكُلُّ ذَلِكَ كُفْرَانٌ لِتِلْكَ النِّعْمَةِ الْخَطِيرَةِ ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ. (أَوْ قَدْ عَصَى): الظَّاهِرُ أَنَّهُ شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ لِلتَّنْوِيعِ عَلَى أَنَّ الْأَوَّلَ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ تَرَكَهُ تَكَاسُلًا وُتَهَاوُنًا، وَالثَّانِي عَلَى أَنَّهُ رَأَى فِيهِ نُقْصَانًا وَامْتِهَانًا. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
[ ٦ / ٢٤٩٩ ]
٣٨٦٤ - وَعَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ ﵁، قَالَ: «خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - عَلَى قَوْمٍ مِنْ أَسْلَمَ يَتَنَاضَلُونَ بِالسُّوقِ. فَقَالَ: " ارْمُوا بَنِي إِسْمَاعِيلَ! فَإِنَّ أَبَاكُمْ كَانَ رَامِيًا، وَأَنَا مَعَ بَنِي فُلَانٍ " لِأَحَدِ الْفَرِيقَيْنِ. فَأَمْسَكُوا بِأَيْدِيهِمْ، فَقَالَ: " مَا لَكُمْ؟ " قَالُوا: وَكَيْفَ نَرْمِي وَأَنْتَ مَعَ بَنِي فُلَانٍ؟ قَالَ: " ارْمُوا وَأَنَا مَعَكُمْ كُلِّكُمْ» ". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
_________________
(١) (وَعَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ ﵁، قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - عَلَى قَوْمٍ مِنْ أَسْلَمَ): قَبِيلَةٌ (يَتَنَاضَلُونَ): بِالضَّادِ الْمُعْجَمَةِ ; أَيْ: يَتَرَامُونَ لِلسَّبْقِ (بِالسُّوقِ): بِضَمٍّ أَوَّلِهِ وَهُوَ مَعْرُوفٌ، وَقِيلَ اسْمُ مَوْضِعٍ ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ. وَقَالَ الْقَاضِي: السُّوقُ جَمْعُ سَاقٍ اسْتَعْمَلَهُ لِلْأَسْهُمِ عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِعَارَةِ، أَقُولُ: الْأَظْهَرُ أَنَّهُ كِنَايَةٌ عَنِ الْمَشْيِ ; أَيْ: مَاشِينَ غَيْرَ رَاكِبِينَ، وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: هُوَ بِفَتْحِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ اسْمُ مَوْضِعٍ وَالْبَاءُ بِمَعْنَى: " فِي " (فَقَالَ: ارْمُوا): أَيْ: دُومُوا عَلَى الرَّمْيِ (بَنِي إِسْمَاعِيلَ): أَيْ: يَا بَنِيهِ (كَانَ أَبَاكُمْ): يَعْنِي إِسْمَاعِيلَ (كَانَ رَامِيًا) ; أَيْ: عَظِيمًا، أَوْ مُخْتَرِعًا لِلرَّمْيِ (وَأَنَا مَعَ بَنِي فُلَانٍ): وَهَذَا بِنَاءٌ عَلَى الْمُعْتَادِ مِنْ أَنَّ مَنْ حَضَرَ مِنَ الرُّمَاةِ يَكُونُ مَعَ قَوْمٍ مِنْهُمْ (لِأَحَدِ الْفَرِيقَيْنِ): مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ فَقَالَ ; أَيْ: قَالَ لِأَجْلِ أَحَدِ الْفَرِيقَيْنِ أَنَا مَعَهُمْ (فَأَمْسَكُوا) ; أَيِ: الْفَرِيقُ الْآخَرُ (بِأَيْدِيهِمْ): الْبَاءُ زَائِدَةٌ، وَالْمَعْنَى أَنَّهُمْ تَرَكُوا الرَّمْيَ (فَقَالَ: مَا لَكُمْ؟) ; أَيْ: فِي امْتِنَاعِكُمْ مِنَ الرَّمْيِ (قَالُوا): وَفِي نُسْخَةٍ فَقَالُوا: (وَكَيْفَ نَرْمِي وَأَنْتَ مَعَ بَنِي فُلَانٍ؟) ; أَيْ: بِالنَّصْرِ وَالْمَعُونَةِ (قَالَ: ارْمُوا وَأَنَا مَعَكُمْ كُلِّكُمْ): بِالْجَرِّ تَامٌّ تَأْكِيدٌ لِلضَّمِيرِ الْمَجْرُورِ (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) .
[ ٦ / ٢٤٩٩ ]
٣٨٦٥ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁، قَالَ: «كَانَ أَبُو طَلْحَةَ يَتَتَرَّسُ مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - بِتُرْسٍ وَاحِدٍ، وَكَانَ أَبُو طَلْحَةَ حَسَنَ الرَّمْيِ، فَكَانَ إِذَا رَمَى تَشَرَّفَ النَّبِيُّ - ﷺ - فَيَنْظُرُ إِلَى مَوْضِعِ نُبْلِهِ» ". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
_________________
(١) (وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: كَانَ أَبُو طَلْحَةَ): وَهُوَ زَيْدُ بْنُ سَهْلٍ الْأَنْصَارِيُّ الْخَزْرَجِيُّ النَّجَّارِيُّ، شَهِدَ الْمَشَاهِدَ كُلَّهَا. وَقَالَ - ﷺ - فِيهِ: " «لَصَوْتُ أَبِي طَلْحَةَ فِي الْجَيْشِ خَيْرٌ مِنْ مِائَةِ رَجُلٍ» ". وَقَتَلَ يَوْمَ حُنَيْنٍ عِشْرِينَ رَجُلًا وَأَخَذَ سَلَبَهُمْ، وَقَوْلُهُ: («يَتَتَرَّسُ مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - بِتُرْسٍ وَاحِدٍ»): يَدُلُّ عَلَى كَمَالِ قُرْبِهِ بِهِ - ﷺ - قِيلَ: وَكَانَ ذَلِكَ فِي أُحُدٍ، وَكَانَ أَبُو طَلْحَةَ حَسَنَ الرَّمْيِ (فَكَانَ): أَيْ: أَبُو طَلْحَةَ (إِذَا رَمَى تَشَرَّفَ النَّبِيُّ - ﷺ -: أَيْ: تَحَقَّقَ نَظَرَهُ وَتَطَلَّعَ عَلَيْهِ، وَالِاسْتِشْرَافُ أَنْ تَضَعَ يَدَكَ عَلَى حَاجِبِكَ وَتَنْظُرَ كَالَّذِي يَسْتَظِلُّ الشَّمْسَ حَتَّى يَسْتَبِينَ الشَّيْءَ، كَذَا فِي النِّهَايَةِ. فَيَنْظُرَ إِلَى مَوْضِعِ نَبْلِهِ): أَيْ: مَوْقِعِ سَهْمِ أَبِي طَلْحَةَ. قَالَ الطِّيبِيُّ: الْفَاءُ فِي فَكَانَ سَبَبِيَّةٌ ; أَيْ: لِأَجْلِ أَنَّهُ كَانَ حَسَنَ الرَّمْيِ يُتْبِعُ النَّبِيُّ - ﷺ - بَصَرَهُ سَهْمَهُ لِيَنْظُرَ الْمُصَابَ مِنَ الْأَعْدَاءِ مَنْ هُوَ ; لِأَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - إِنَّمَا دَرَسَ بِتُرْسِهِ وِقَايَةً وَاسْتِشْرَافًا (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) .
[ ٦ / ٢٥٠٠ ]
٣٨٦٦ - وَعَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: " «الْبَرَكَةُ فِي نَوَاصِي الْخَيْلِ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
_________________
(١) (وَعَنْهُ): أَيْ: عَنْ أَنَسٍ ﵁ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «الْبَرَكَةُ فِي نَوَاصِي الْخَيْلِ»): أَيْ: فِي ذَوَاتِهِمْ كَنَّى عَنِ الذَّاتِ بِالنَّاصِيَةِ يُقَالُ: فُلَانٌ مُبَارَكُ النَّاصِيَةِ ; أَيْ: مُبَارَكُ الذَّاتِ، وَإِنَّمَا جُعِلَتِ الْبَرَكَةُ فِي الْخَيْلِ ; لِأَنَّ بِهَا يَحْصُلُ الْجِهَادُ الَّذِي فِيهِ خَيْرُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ﴾ [الأنفال: ٦٠] الْآيَةَ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ): وَرَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالنَّسَائِيُّ.
[ ٦ / ٢٥٠٠ ]
٣٨٦٧ - وَعَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵁، قَالَ: «رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يَلْوِي نَاصِيَةَ فَرَسٍ بِإِصْبَعِهِ، يَقُولُ: " الْخَيْلُ مَعْقُودٌ بِنَوَاصِيهَا الْخَيْرُ إِلَى الْقِيَامَةِ: الْأَجْرُ وَالْغَنِيمَةُ» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
_________________
(١) (وَعَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ): أَيِ: الْبَجَلِيِّ (﵁، قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ): وَفِي نُسْخَةٍ النَّبِيَّ (- ﷺ - يَلْوِي): أَيْ: يُدِيرُ وَيَفْتِلُ (نَاصِيَةَ فَرَسٍ بِإِصْبَعِهِ): قَالَ النَّوَوِيُّ: أَرَادَ بِالنَّاصِيَةِ هُنَا الشَّعْرَ الْمُسْتَرْسَلَ عَلَى الْجَبْهَةِ، وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ، قَالُوا: كَنَّى بِالنَّاصِيَةِ عَنْ جَمِيعِ ذَاتِ الْفَرَسِ، يُقَالُ: فُلَانٌ مُبَارَكُ النَّاصِيَةِ وَمُبَارَكُ الْغُرَّةِ ; أَيِ الذَّاتِ اه. فَهُوَ مَجَازٌ بِذِكْرِ الْجُزْءِ وَإِرَادَةِ الْكُلِّ نَحْوَ الرَّقَبَةِ وَالرَّأْسِ وَأَمْثَالِهِمَا مِمَّا يُطْلَقُ وَيُرَادُ بِهِ الْكُلُّ. (وَهُوَ يَقُولُ): أَيْ: فِي حَالِ لَيِّ نَاصِيَةِ الْفَرَسِ (الْخَيْلُ): أَيْ: جِنْسُهَا (مَعْقُودٌ بِنَوَاصِيهَا): أَيْ: فِي نَوَاصِيهَا كَمَا فِي رِوَايَةٍ (الْخَيْرُ): أَيْ: مُلَازِمٌ بِهَا كَأَنَّهُ مَعْقُودٌ فِيهَا، كَذَا فِي النِّهَايَةِ (إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ): أَيْ: إِلَى قُرْبِهِ، وَفِي شَرْحِ السُّنَّةِ: فِيهِ تَرْغِيبٌ فِي اتِّخَاذِ الْخَيْلِ لِلْجِهَادِ وَأَنَّ الْجِهَادَ لَا يَنْقَطِعُ، وَقَوْلُهُ: (الْأَجْرُ وَالْغَنِيمَةُ): تَفْسِيرَانِ لِلْخَيْرِ فُهُمَا بَدَلٌ مِنْهُ، أَوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ ; أَيْ هُوَ الْأَجْرُ وَالْغَنِيمَةُ، وَفِيهِ أَنَّ الْمَالَ الْمُكْتَسَبَ بِهَا هُوَ خَيْرُ مَالٍ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) . وَقَالَ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: «وَالْخَيْلُ مَعْقُودٌ فِي نَوَاصِيهَا الْخَيْرُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ» ". رَوَاهُ مَالِكٌ، وَأَحْمَدُ، وَالشَّيْخَانِ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ عَنِ ابْنِ عُمَرَ. وَرَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالشَّيْخَانِ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الْجَعْدِ، وَالْبُخَارِيُّ عَنْ أَنَسٍ، وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَأَحْمَدُ عَنْ أَبِي ذَرٍّ. وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ، وَالطَّبَرَانِيُّ عَنْ سَوَادَةَ بْنِ الرَّبِيعِ، وَعَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ، وَعَنْ أَبِي كَبْشَةَ. وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ: " «الْخَيْرُ مَعْقُودٌ بِنَوَاصِي الْخَيْلِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَالْمُنْفِقُ عَلَى الْخَيْلِ كَالْبَاسِطِ كَفِّهِ بِالنَّفَقَةِ لَا يَقْبِضُهَا» . وَفِي رِوَايَةٍ لِأَحْمَدَ، وَالشَّيْخَيْنِ، وَالتِّرْمِذِيِّ، وَالنَّسَائِيِّ عَنْ عُرْوَةَ الْبَارِقِيِّ بِلَفْظِ: " «الْخَيْلُ مَعْقُودٌ بِنَوَاصِيهَا الْخَيْرُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ الْأَجْرُ وَالْغَنَمُ» ". وَرَوَاهُ أَحْمَدُ، وَمُسْلِمٌ، وَالنَّسَائِيُّ عَنْ جَرِيرٍ. وَفِي رِوَايَةِ الطَّبَرَانِيِّ الْأَوْسَطِ " «الْخَيْلُ مَعْقُودٌ فِي نَوَاصِيهَا الْخَيْرُ وَالنَّيْلُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَأَهْلُهُ مُعَانُونَ عَلَيْهَا قَلِّدُوهَا وَلَا تُقَلِّدُوهَا الْأَوْتَارَ» " وَفِي رِوَايَةِ الطَّبَرَانِيِّ فِي الْكَبِيرِ: " «الْخَيْلُ مَعْقُودٌ بِنَوَاصِيهَا الْخَيْرُ وَالنَّيْلُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَأَهْلُهَا مُعَانُونَ عَلَيْهَا، وَالْمُنْفِقُ عَلَيْهَا كَبَاسِطِ يَدِهِ فِي صَدَقَتِهِ، وَأَبْوَالُهَا وَأَرْوَاثُهَا لِأَهْلِهَا عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ مِسْكِ الْجَنَّةِ» ". وَفِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ، عَنْ جَابِرٍ: " «الْخَيْلُ مَعْقُودٌ فِي نَوَاصِيهَا الْخَيْرُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَأَهْلُهَا مُعَانُونَ عَلَيْهَا، فَامْسَحُوا بِنَوَاصِيهَا وَادْعُوا لَهَا بِالْبَرَكَةِ، وَقَلِّدُوهُمَا وَلَا تُقَلِّدُوهَا الْأَوْتَارَ» " اه. فَهُوَ حَدِيثٌ مُتَوَاتِرٌ، أَوْ كَادَ أَنْ يَتَوَاتَرَ فَهُوَ مَشْهُورٌ بِلَا شُبْهَةٍ.
[ ٦ / ٢٥٠٠ ]
٣٨٦٨ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: " «مَنِ احْتَبَسَ فَرَسًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ; إِيمَانًا بِاللَّهِ وَتَصْدِيقًا بِوَعْدِهِ ; فَإِنَّ شِبَعَهُ وَرِيَّهُ، وَرَوْثَهُ، وَبَوْلَهُ فِي مِيزَانِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» ". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
_________________
(١) (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: مَنِ احْتَبَسَ فَرَسًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ): أَيْ: رَبَطَهُ وَحَبَسَهُ عَلَى نَفْسِهِ مِمَّا عَسَى أَنْ يَحْدُثَ مِنْ غَزْوٍ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، وَقَدْ يَجِيءُ بِمَعْنَى الْوَقْفِ. قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: حَبَسْتُهُ وَاحْتَبَسَ أَيْضًا بِنَفْسِهِ يَتَعَدَّى وَلَا يَتَعَدَّى، وَالْمَعْنَى أَنَّهُ يَحْبِسُهُ عَلَى نَفْسِهِ لِسَدِّ مَا عَسَى أَنْ يَحْدُثَ فِي ثَغْرٍ مِنَ الثُّغُورِ ثُلْمَةٌ. (إِيمَانًا بِاللَّهِ): مَفْعُولٌ لَهُ ; أَيْ: رَبَطَهُ خَالِصًا لِلَّهِ تَعَالَى وَامْتِثَالًا لِأَمْرِهِ (وَتَصْدِيقًا بِوَعْدِهِ): عِبَارَةٌ عَنِ الثَّوَابِ عَلَى الِاحْتِبَاسِ وَتَلْخِيصُهُ أَنَّهُ امْتِثَالًا وَاحْتِسَابًا، وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى وَعَدَ الثَّوَابَ عَلَى الِاحْتِبَاسِ، فَمَنِ احْتَبَسَ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: صَدَّقْتُكَ فِيمَا وَعَدْتَنِي (فَإِنَّ شِبَعَهُ): بِكَسْرٍ فَفَتْحٍ (وَرِيَّهُ): بِكَسْرٍ فَتَشْدِيدِ تَحْتِيَّةٍ ; أَيْ: مَا يُشْبِعُهُ وَيَرْوِيهِ (وَرَوْثَهُ وَبَوْلَهُ فِي مِيزَانِهِ): أَيْ: فِي مِيزَانِ صَاحِبِهِ ثَوَابُ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ (يَوْمَ الْقِيَامَةِ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) .
[ ٦ / ٢٥٠١ ]
٣٨٦٩ - وَعَنْهُ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - يَكْرَهُ الشِّكَالَ فِي الْحَلِّ. وَالشِّكَالُ: أَنْ يَكُونَ الْفَرَسُ فِي رِجْلِهِ الْيُمْنَى بَيَاضٌ وَفِي يَدِهِ الْيُسْرَى، أَوْ فِي يَدِهِ الْيُمْنَى وَرِجْلِهِ الْيُسْرَى. رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
_________________
(١) (وَعَنْهُ): أَيْ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ (قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - يَكْرَهُ الشِّكَالَ»): بِكَسْرِ أَوَّلِهِ (فِي الْخَيْلِ): وَلَفَظُ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ مِنَ الْخَيْلِ (وَالشِّكَالُ: أَنْ يَكُونَ الْفَرَسُ فِي رِجْلِهِ الْيُمْنَى بَيَاضٌ، وَفِي يَدِهِ الْيُسْرَى، أَوْ فِي يَدِهِ الْيُمْنَى وَرِجْلِهِ الْيُسْرَى): أَوْ لِلتَّنْوِيعِ وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا مِنْ كَلَامِ الرَّاوِي، وَلَيْسَ مِنْ لَفْظِ النُّبُوَّةِ وَإِلَّا لَكَانَ نَصًّا فِي الْمَقْصُودِ، وَمَا وَقَعَ الْإِشْكَالُ فِي تَفْسِيرِ الشِّكَالِ، ثُمَّ وَجْهُ الْكَرَاهَةِ مُفَوَّضٌ إِلَى الشَّارِعِ. قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - يَكْرَهُ الشِّكَالَ، وَفَسَّرَهُ فِي الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ بِأَنْ يَكُونَ فِي رِجْلِهِ الْيُمْنَى بَيَاضٌ، وَفِي يَدِهِ الْيُسْرَى، أَوْ يَدِهِ الْيُمْنَى وَرِجْلِهِ الْيُسْرَى، وَهَذَا التَّفْسِيرُ هُوَ أَحَدُ الْأَقْوَالِ فِي الشِّكَالِ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ، وَجُمْهُورُ أَهْلِ اللُّغَةِ: وَالْغَرِيبُ هُوَ أَنْ يَكُونَ مِنْهُ ثَلَاثُ قَوَائِمٍ مُحَجَّلَةٌ وَوَاحِدَةٌ مُطْلَقَةٌ تَشْبِيهًا بِالشِّكَالِ الَّذِي يُشْكَلُ بِهِ الْخَيْلُ فَإِنَّهُ يَكُونُ فِي ثَلَاثِ قَوَائِمَ غَالِبًا. قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: وَقَدْ يَكُونُ الشِّكَالُ ثَلَاثَ قَوَائِمَ مُطْلَقَةً وَوَاحِدَةٌ مُحَجَّلَةً، وَلَا تَكُونُ الْمُطْلَقَةُ أَوِ الْمُحَجَّلَةُ إِلَّا لِلرَّجُلِ، وَقَالَ ابْنُ دُرَيْدٍ: الشِّكَالُ أَنْ يَكُونَ مُحَجَّلًا مِنْ شَقٍّ وَاحِدٍ فِي يَدِهِ وَرِجْلِهِ، فَإِنْ كَانَ مُخَالِفًا قِيلَ شِكَالٌ مُخَالِفٌ، قَالَ الْقَاضِي، وَقَالَ أَبُو عَمْرٍو الْمَوْزُ: قِيلَ: الشِّكَالُ بَيَاضُ الرِّجْلِ الْيُمْنَى وَالْيَدِ الْيُمْنَى، وَقِيلَ: بَيَاضُ الرِّجْلِ الْيُسْرَى وَالْيَدِ الْيُسْرَى، وَقِيلَ: بَيَاضُ الْيَدَيْنِ، وَقِيلَ: بَيَاضُ الرِّجْلَيْنِ وَيَدٍ وَاحِدَةٍ، وَقِيلَ: بَيَاضُ الْيَدَيْنِ وَرِجْلٍ وَاحِدَةٍ. قَالَ الْعُلَمَاءُ: وَإِنَّمَا كَرِهَهُ ; لِأَنَّهُ عَلَى صُورَةِ الْمَشْكُولِ، يَعْنِي تَفَاؤُلًا، وَقِيلَ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قَدْ جَرَّبَ ذَلِكَ الْجِنْسَ، فَلَمْ يَكُنْ فِيهِ نَجَابَةٌ. وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: إِذَا كَانَ مَعَ ذَلِكَ أَغَرَّ زَالَتِ الْكَرَاهَةُ لِزَوَالِ شُبْهَةِ الشِّكَالِ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
[ ٦ / ٢٥٠١ ]
٣٨٧٠ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - سَابَقَ بَيْنَ الْخَيْلِ الَّتِي أَضْمَرَتْ مِنَ الْحَيْفَاءِ، وَأَمَدُهَا ثَنِيَّةُ الْوَدَاعِ، وَبَيْنَهُمَا سِتَّةُ أَمْيَالٍ، وَسَابَقَ بَيْنَ الْخَيْلِ الَّتِي لَمْ تَضْمُرُ مِنَ الثِّنْيَةِ إِلَى مَسْجِدِ بَنِي زَرَيْقٍ، وَبَيْنَهُمَا مِيلٌ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
_________________
(١) (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - سَابَقَ بَيْنَ الْخَيْلِ الَّتِي أَضْمَرَتْ»): قَالَ السُّيُوطِيُّ: الْإِضْمَارُ أَنْ تُعْلَفَ حَتَّى تَسْمَنَ وَتَقْوَى، ثُمَّ يُقَلَّلُ عَلْفُهَا بِقَدْرِ الْقُوتِ وَتَدْخُلُ بَيْتًا وَتَغْشَى بِالْجَلَالِ، حَتَّى تَحْمَى وَتَعْرَقَ، فَإِذَا جَفَّ عَرَقُهَا خَفَّ لَحْمُهَا وَقَوِيَتْ عَلَى الْجَرْيِ. وَقَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: الضُّمُرُ الْهُزَالُ وَخِفَّةُ اللَّحْمِ، وَأَرَادَ بِالْإِضْمَارِ التَّضْمِيرَ، وَهُوَ أَنْ يَعْلِفَ الْفَرَسَ حَتَّى يَسْمَنَ، ثُمَّ يَرُدَّهُ إِلَى الْقُوتِ، وَذَلِكَ فِي أَرْبَعِينَ يَوْمًا، وَقَدْ كَانُوا يَشُدُّونَ عَلَيْهِ السَّرْجَ وَيُجَلِّلُونَهُ، حَتَّى يَعْرَقَ تَحْتَهُ فَيَذْهَبَ رَهَلُهُ وَيَشْتَدَّ لَحْمُهُ، وَهَذِهِ الْمُدَّةُ تُسَمَّى الْمِضْمَارَ، وَالْمَوْضِعُ الَّذِي يُضْمَرُ فِيهِ أَيْضًا مِضْمَارٌ، وَالرِّوَايَةُ عَلَى مَا ذَكَرْنَا، وَالْمَشْهُورُ مِنْ كَلَامِ الْعَرَبِ التَّضْمِيرُ، فَلَعَلَّهُ مِنْ بَعْضِ الرُّوَاةِ أَقَامَ الْإِضْمَارَ مَوْضِعَ التَّضْمِيرِ، أَوْ كَانُوا يَسْتَعْمِلُونَ ذَلِكَ اه. وَفِي الْقَامُوسِ: الضُّمُرُ بِالضَّمِّ وَبِضَمَّتَيْنِ الْهُزَالُ وَلَحَاقُ الْبَطْنِ، وَضَمَّرَ الْخَيْلَ تَضْمِيرًا: عَلَفَهَا الْقُوتَ بَعْدَ السَّمْنِ كَأَضْمَرَهَا اه. فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُمَا لُغَتَانِ (مِنَ الْحَيْفَاءِ): بِفَتْحِ الْحَاءِ وَسُكُونِ الْفَاءِ يُمَدُّ وَيُقْصَرُ مَوْضِعٌ، وَمِنْ لِابْتِدَاءِ الْغَايَةِ (وَأَمَدُهَا): بِفَتْحَتَيْنِ ; أَيْ: غَايَتُهَا (ثَنِيَّةُ الْوَدَاعِ): بِكَسْرٍ فَفَتْحِ الْوَاوِ وَتُكْسَرُ مَوْضِعٌ آخَرُ وَأُضِيفُ الثَّنْيَةُ إِلَى الْوَدَاعِ ; لِأَنَّهَا مَوْضِعُ التَّوْدِيعِ، وَفِي الْقَامُوسِ: الثَّنْيَةُ الْعَقَبَةُ، أَوْ طَرِيقُهَا وَالْجَبَلُ، أَوِ الطَّرِيقَةُ فِيهِ، أَوْ إِلَيْهِ، (وَبَيْنَهُمَا): أَيْ: بَيْنَ الْحَيْفَاءِ وَالثَّنِيَّةُ (سِتَّةُ أَمْيَالٍ): أَيْ: فَرْسَخَانِ («وَسَابَقَ بَيْنَ الْخَيْلِ الَّتِي لَمْ تَضْمُرْ»): بِالتَّخْفِيفِ (مِنَ الثَّنِيَةِ): أَيْ: ثَنِيَّةِ الْوَدَاعِ (إِلَى مَسْجِدِ بَنِي زَرَيْقٍ): بِفَتْحِ الزَّايِ وَفَتْحِ الرَّاءِ اسْمُ رَجُلٍ (وَبَيْنَهُمَا): أَيْ: بَيْنَ الثَّنِيَّةِ وَالْمَسْجِدِ (مِيلٌ): قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: وَإِنَّمَا جَعَلَ غَايَةَ الْمُضْمَرَةِ أَبْعَدَ لِكَوْنِهَا أَقْوَى، وَفِيهِ جَوَازُ الْمُسَابَقَةِ بِالْخَيْلِ ; أَيْضًا (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
[ ٦ / ٢٥٠١ ]
٣٨٧١ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁، قَالَ: «كَانَتْ نَاقَةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - تُسَمَّى الْعَضْبَاءَ، وَكَانَتْ لَا تُسْبَقُ، فَجَاءَ أَعْرَابِيٌّ عَلَى قَعُودٍ لَهُ، فَسَبَقَهَا، فَاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: " إِنَّ حَقًّا عَلَى اللَّهِ أَنْ لَا يَرْتَفِعَ شَيْءٌ مِنَ الدُّنْيَا إِلَّا وَضَعَهُ» ". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
_________________
(١) (وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: «كَانَتْ نَاقَةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - تُسَمَّى الْعَضْبَاءَ»): بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْمُعْجَمَةِ فَمُوَحَّدَةٌ مَمْدُودًا، الْمَقْطُوعَةُ الْأُذُنِ، أَوِ الْمَشْقُوقَةُ، وَهِيَ الْقَصْوَاءُ، أَوْ غَيْرُهَا قَوْلَانِ. ذَكَرَهُ السُّيُوطِيُّ، وَفِي النِّهَايَةِ: هُوَ عَلَمٌ لَهَا مِنْ قَوْلِهِمْ: نَاقَةٌ عَضْبَاءُ ; أَيْ: مَشْقُوقَةُ الْأُذُنِ، وَلَمْ تَكُنْ مَشْقُوقَةَ الْأُذُنِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّهَا كَانَتْ مَشْقُوقَةَ الْأُذُنِ، وَالْأَوَّلُ أَكْثَرُ. قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ هُوَ مَنْقُولٌ مِنْ قَوْلِهِمْ: نَاقَةٌ عَضْبَاءُ وَهِيَ الْقَصِيرَةُ الْيَدِ. (وَكَانَتْ لَا تُسْبَقُ): بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ ; أَيْ: لَا تَسْبِقُ عَنْهَا إِبِلٌ قَطُّ (فَجَاءَ أَعْرَابِيٌّ عَلَى قَعُودٍ لَهُ): بِفَتْحِ الْقَافِ وَضَمِّ الْعَيْنِ، إِبِلٍ ذَلُولٍ تَقْتَعِدُهُ كُلَّ أَحَدٍ. قَالَ الطِّيبِيُّ: الْقَعُودُ مِنَ الْإِبِلِ مَا أَمْكَنَ أَنْ يُرْكَبَ وَأَدْنَاهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ سَنَتَانِ، ثُمَّ هُوَ قَعُودٌ إِلَى السَّنَةِ السَّادِسَةِ، ثُمَّ هُوَ جَمَلٌ. (فَسَبَقَهَا فَاشْتَدَّ ذَلِكَ): أَيْ: صَعُبَ سَبْقُهُ ; إِيَّاهَا (عَلَى الْمُسْلِمِينَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: إِنَّ حَقًّا عَلَى اللَّهِ): أَيْ: أَمْرًا ثَابِتًا (أَنْ لَا يَرْتَفِعَ شَيْءٌ مِنَ الدُّنْيَا): أَيْ: مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا كَمَا فِي رِوَايَةِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ (إِلَّا وَضَعَهُ): أَيِ: اللَّهُ. قَالَ الطِّيبِيُّ قَوْلُهُ: " عَلَى اللَّهِ " مُتَعَلِّقٌ بِحَقًّا، وَ" أَنْ لَا يَرْتَفِعَ " خَبَرُ إِنَّ، وَ" أَنْ " مَصْدَرِيَّةٌ فَيَكُونُ مَعْرِفَةً، وَالِاسْمُ نَكِرَةٌ، فَيَكُونُ مِنْ بَابِ الْقَلْبِ ; أَيْ: إِنَّ عَدَمَ الِارْتِفَاعِ حَقٌّ عَلَى اللَّهِ عَلَى نَحْوِ قَوْلِهِمْ: كَانَ مِزَاجَهَا عَسَلٌ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَتَحَمَّلَ بِأَنْ يُقَالَ: عَلَى اللَّهِ صِفَةُ حَقًّا ; أَيْ: حَقًّا ثَابِتًا وَاجِبًا عَلَى اللَّهِ، وَفِيهِ وَفِي الَّذِي قَبْلَهُ جَوَازُ الْمُسَابَقَةِ بِالْخَيْلِ وَالْإِبِلِ. (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ): وَكَذَا أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ.
[ ٦ / ٢٥٠٢ ]
الْفَصْلُ الثَّانِي
٣٨٧٢ - عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ﵁، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يَقُولُ: " «إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُدْخِلُ بِالسَّهْمِ الْوَاحِدِ ثَلَاثَةَ نَفَرٍ الْجَنَّةَ: صَانِعَهُ يَحْتَسِبُ فِي صَنْعَتِهِ الْخَيْرَ وَالرَّامِيَ بِهِ، وَمُنَبِّلَهُ. فَارْمُوا، وَارْكَبُوا، وَأَنْ تَرْمُوا أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ تَرْكَبُوا. كُلُّ شَيْءٍ يَلْهُو بِهِ الرَّجُلُ بَاطِلٌ، إِلَّا رَمْيَهُ بِقَوْسِهِ، وَتَأْدِيبَهُ فَرَسَهُ، وَمُلَاعَبَتَهُ امْرَأَتَهُ، فَإِنَّهُنَّ مِنَ الْحَقِّ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَزَادَ أَبُو دَاوُدَ، وَالدَّارِمِيُّ: " «وَمَنْ تَرَكَ الرَّمْيَ بَعْدَمَا عَلِمَهُ رَغْبَةً عَنْهُ، فَإِنَّهُ نِعْمَةٌ تَرَكَهَا» ".، أَوْ قَالَ: " كَفَرَهَا ".
_________________
(١) الْفَصْلُ الثَّانِي
(٢) (عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يَقُولُ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُدْخِلُ بِالسَّهْمِ الْوَاحِدِ): أَيْ: بِسَبَبِ رَمْيِهِ عَلَى الْكُفَّارِ (ثَلَاثَةَ نَفَرٍ الْجَنَّةَ): بِالنَّصْبِ فِيهِمَا عَلَى الْمَفْعُولِيَّةِ (صَانِعَهُ): بَدَلُ بَعْضٍ مِنْ ثَلَاثَةَ (يَحْتَسِبُ): أَيْ: حَالَ كَوْنِهِ يَطْلُبُ (فِي صُنْعِهِ): أَيْ: لِذَلِكَ السَّهْمِ (الْخَيْرَ): أَيِ: الثَّوَابَ (وَالرَّامِيَ بِهِ): أَيْ: كَذَلِكَ مُحْتَسِبًا، وَكَذَا قَوْلُهُ (وَمُنَبِّلَهُ): بِتَشْدِيدِ الْمُوَحَّدَةِ وَيُخَفَّفُ ; أَيْ: مُنَاوِلَ النَّبْلِ، وَهُوَ السَّهْمُ، سَوَاءٌ كَانَ مِلْكَ الْمُعْطِي، أَوِ الرَّامِي، فَفِي النِّهَايَةِ يُقَالُ: نَبَلْتُ الرَّجُلَ بِالتَّشْدِيدِ إِذَا نَاوَلْتَهُ النَّبْلَ لِيَرْمِيَ بِهِ، وَكَذَلِكَ أَنْبَلْتُهُ. قَالَ أَبُو عَمْرٍو الزَّاهِدُ: نَبَلْتُهُ وَأَنْبَلْتُهُ وَنَبَلْتُهُ، وَيَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِالْمُنَبِّلِ الَّذِي يَرُدُّ النَّبْلَ عَلَيْهِ الرَّامِي مِنَ الْهَدَفِ اه. وَاخْتَارَهُ ابْنُ الْمَلَكِ قَالَ: فَالضَّمِيرُ لِلرَّامِي وَفِيهِ بَحْثٌ (وَارْمُوا وَارْكَبُوا) ; أَيْ: لَا تَقْتَصِرُوا عَلَى الرَّمْيِ مَاشِيًا، وَاجْمَعُوا بَيْنَ الرَّمْيِ وَالرُّكُوبِ، أَوِ الْمَعْنَى: اعْلَمُوا هَذِهِ الْفَضِيلَةَ وَتَعَلَّمُوا الرَّمْيَ وَالرُّكُوبَ بِتَأْدِيبِ الْفَرَسِ وَالتَّمْرِينِ عَلَيْهِ، كَمَا يُشِيرُ إِلَيْهِ آخِرُ الْحَدِيثِ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: عَطْفُ " وَارْكَبُوا " يَدُلُّ عَلَى الْمُغَايَرَةِ، وَأَنَّ الرَّامِيَ يَكُونُ رَاجِلًا، وَالرَّاكِبُ رَامِحًا، فَيَكُونُ مَعْنَى قَوْلِهِ: («وَأَنْ تَرْمُوا أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ تَرْكَبُوا»): أَنَّ الرَّمْيَ بِالسَّهْمِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنَ الطَّعْنِ بِالرُّمْحِ اه. وَالْأَظْهَرُ أَنَّ مَعْنَاهُ: أَنَّ مُعَالَجَةَ الرَّمْيِ وَتَعَلُّمَهُ أَفْضَلُ مِنْ تَأْدِيبِ الْفَرَسِ وَتَمْرِينِ رُكُوبِهِ لِمَا فِيهِ مِنَ الْخُيَلَاءِ وَالْكِبْرِيَاءِ، وَلِمَا فِي الرَّمْيِ مِنَ النَّفْعِ الْأَعَمِّ، وَلِذَا قَدَّمَهُ تَعَالَى فِي قَوْلِهِ: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ﴾ [الأنفال: ٦٠] مَعَ أَنَّهُ لَا دَلَالَةَ فِي الْحَدِيثِ عَلَى الرُّمْحِ أَصْلًا، وَيُؤَيِّدُ مَا ذَكَرْنَاهُ تَأْكِيدُهُ - ﷺ - فِيمَا سَبَقَ بِقَوْلِهِ: (كُلُّ شَيْءٍ يَلْهُو بِهِ الرَّجُلُ): أَيْ: يَشْتَغِلُ وَيَلْعَبُ، (بَاطِلٌ): لَا ثَوَابَ لَهُ (إِلَّا رَمْيَهُ بِقَوْسِهِ): احْتِرَازٌ عَنْ رَمْيِهِ
[ ٦ / ٢٥٠٢ ]
بِالْحَجَرِ وَالْخَشَبِ (وَتَأْدِيبَهُ فَرَسَهُ): أَيْ: تَعْلِيمَهُ إِيَّاهُ بِالرَّكْضِ وَالْجَوَلَانِ عَلَى نِيَّةِ الْغَزْوِ (وَمُلَاعَبَتَهُ امْرَأَتَهُ، فَإِنَّهُنَّ مِنَ الْحَقِّ): أَيْ: وَلَيْسَ مِنَ اللَّهْوِ الْبَاطِلِ فَيَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الثَّوَابُ الْكَامِلُ، وَفِي مَعْنَاهَا كُلُّ مَا يُعِينُ عَلَى الْحَقِّ مِنَ الْعِلْمِ وَالْعَمَلِ إِذَا كَانَ مِنَ الْأُمُورِ الْمُبَاحَةِ، كَالْمُسَابَقَةِ بِالرِّجْلِ وَالْخَيْلِ وَالْإِبِلِ، وَالتَّمْشِيَةِ لِلتَّنَزُّهِ عَلَى قَصْدِ تَقْوِيَةِ الْبَدَنِ، وَتَطْرِيَةِ الدِّمَاغِ، وَمِنْهَا السَّمَاعُ إِذَا لَمْ يَكُنْ بِالْآلَاتِ الْمُطْرِبَةِ الْمُحَرَّمَةِ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ): أَيْ: إِلَى هُنَا وَكَذَلِكَ أَحْمَدُ (وَزَادَ أَبُو دَاوُدَ وَالدَّارِمِيُّ): أَيْ: عَلَى مَا سَبَقَ (وَمَنْ تَرَكَ الرَّمْيَ بَعْدَمَا عَلِمَهُ رَغْبَةً عَنْهُ): أَيْ: إِعْرَاضًا عَنِ الرَّمْيِ (فَإِنَّهُ نِعْمَةٌ): هَذَا عِلَّةٌ لِجَوَابِ الشَّرْطِ الْمُقَدَّرِ ; أَيْ: فَلَيْسَ مِنَّا، أَوْ قَدْ عَصَى، فَإِنَّهُ ; أَيِ الرَّمْيَ نِعْمَةٌ (تَرَكَهَا): أَيْ: تَرَكَ شُكْرَهَا، أَوْ أَعْرَضَ عَنْهَا (أَوْ قَالَ): أَيْ: بَدَلَ تَرَكَهَا وَهُوَ شَكٌّ مِنْ أَحَدِ الرُّوَاةِ فَالضَّمِيرُ لِمَنْ قَبْلَهُ (كَفَرَهَا): أَيْ: سَتَرَ تِلْكَ النِّعْمَةَ، أَوْ مَا قَامَ بِشُكْرِهَا مِنَ الْكُفْرَانِ ضِدُّ الشُّكْرِ. وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ " «مَنْ تَرَكَ الرَّمْيَ بَعْدَمَا عَلِمَهُ رَغْبَةً عَنْهُ فَإِنَّهَا نِعْمَةٌ كَفَرَهَا» ". رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ عَنْ عُقْبَةَ.
[ ٦ / ٢٥٠٣ ]
٣٨٧٣ - وَعَنْ أَبِي نَجِيحٍ السُّلَمِيِّ ﵁، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يَقُولُ: " «مَنْ بَلَغَ بِسَهْمٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَهُوَ لَهُ دَرَجَةٌ فِي الْجَنَّةِ، وَمَنْ رَمَى بِسَهْمٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَهُوَ لَهُ عِدْلُ مُحَرِّرٍ، وَمَنْ شَابَ شَيْبَةً فِي الْإِسْلَامِ ; كَانَتْ لَهُ نُورًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ» ". رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي " شُعَبِ الْإِيمَانِ ". وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ الْفَصْلَ الْأَوَّلَ، وَالنَّسَائِيُّ الْأَوَّلَ وَالثَّانِيَ، وَالتِّرْمِذِيُّ الثَّانِيَ وَالثَّالِثَ، وَفِي رِوَايَتِهِمَا: " مَنْ شَابَ شَيْبَةً فِي سَبِيلِ اللَّهِ " بَدَلَ: " فِي الْإِسْلَامِ ".
_________________
(١) (وَعَنْ أَبِي نَجِيحٍ): بِفَتْحِ النُّونِ وَكَسْرِ الْجِيمِ وَبِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ (السُّلَمِيِّ): بِضَمٍّ فَفَتْحٍ، قَالَ الْمُؤَلِّفُ: اسْمُهُ عَمْرُو بْنُ عَبَسَةَ بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ وَبِالسِّينِ الْمُهْمَلَةِ ﵁، أَسْلَمَ قَدِيمًا فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ، قِيلَ: كَانَ رَابِعَ أَرْبَعَةٍ فِي الْإِسْلَامِ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى قَوْمِهِ بَنِي سُلَيْمٍ، وَقَدْ قَالَ لَهُ النَّبِيُّ - ﷺ -. " «إِذَا سَمِعْتَ أَنِّي خَرَجْتُ فَاتَّبِعْنِي» " فَلَمْ يَزَلْ مُقِيمًا بِقَوْمِهِ حَتَّى انْقَضَتْ خَيْبَرُ فَقَدِمَ بَعْدَ ذَلِكَ عَلَى النَّبِيِّ - ﷺ - وَأَقَامَ بِالْمَدِينَةِ، وَعِدَادُهُ فِي الشَّامِيِّينَ، رَوَى عَنْهُ جَمَاعَةٌ (قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يَقُولُ: مَنْ بَلَغَ): بِالتَّخْفِيفِ وَفِي نُسْخَةٍ بِالتَّشْدِيدِ (بِسَهْمٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ): أَيْ: أَوْصَلَهُ إِلَى كَافِرٍ (فَهُوَ لَهُ دَرَجَةٌ فِي الْجَنَّةِ): فَقَوْلُهُ: (وَمَنْ رَمَى بِسَهْمٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ): أَيْ: وَلَمْ يُوصِلْهُ إِلَى كَافِرٍ (فَهُوَ لَهُ عِدْلُ مُحَرِّرٍ): بِكَسْرِ الْعَيْنِ وَيُفْتَحُ ; أَيْ: مِثْلُ ثَوَابِ مُعْتِقٍ يَكُونُ تَنَزُّلًا. وَقِيلَ: مَعْنَاهُ مَنْ بَلَغَ مَكَانَ الْغَزْوِ مُلْتَبِسًا بِسَهْمٍ، وَإِنْ لَمْ يَرْمِ فَيَكُونَ تَرَقِّيًا، فَالْبَاءُ عَلَى الْأَوَّلِ لِلتَّعْدِيَةِ، وَعَلَى الثَّانِي لِلْمُلَابَسَةِ وَيُلَائِمُهُ نُسْخَةُ التَّشْدِيدِ، (وَمَنْ شَابَ شَيْبَةً فِي الْإِسْلَامِ): يَعْنِي أَعَمَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ فِي الْجِهَادِ، أَوْ غَيْرِهِ (كَانَتْ لَهُ نُورًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ) ; فِيهِ إِشْعَارٌ بِالنَّهْيِ عَنْ نَتْفِ الشَّيْبِ وَعَدَمِ كَرَاهَتِهِ، وَإِنَّمَا لَمْ يَقَعْ لَهُ - ﷺ - كَثِيرٌ مِنَ الشَّيْبِ ; لِأَنَّهُ - ﷺ - كَانَ يُحِبُّ النِّسَاءَ وَهُنَّ بِالطَّبْعِ يَكْرَهْنَ الشَّيْبَ. وَقَدْ رَأَى أَبُو يَزِيدَ فِي مِرْآةِ وَجْهِهِ فَقَالَ: ظَهَرَ الشَّيْبُ وَلَمْ يَذْهَبِ الْعَيْبُ، وَمَا أَدْرَى مَا فِي الْغَيْبِ (رَوَاهُ): أَيِ: الْحَدِيثَ بِكَمَالِهِ مِنَ الْفُصُولِ الثَّلَاثَةِ (الْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ، وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ الْفَصْلَ الْأَوَّلَ): أَيِ: الْفِقْرَةَ الْأُولَى مِنَ الْحَدِيثِ (وَالنَّسَائِيُّ الْأَوَّلَ وَالثَّانِي، وَالتِّرْمِذِيُّ الثَّانِيَ وَالثَّالِثَ، وَفِي رِوَايَتِهِمَا): لَا يَصِحُّ إِرْجَاعُ الضَّمِيرِ إِلَى النَّسَائِيِّ وَالتِّرْمِذِيِّ، مَعَ أَنَّهُمَا أَقْرَبُ مَذْكُورٍ ; لِأَنَّ النَّسَائِيَّ لَمْ يَرْوِ الثَّالِثَ، فَالْمَعْنَى وَفِي رِوَايَةِ الْبَيْهَقِيِّ وَالتِّرْمِذِيِّ (مَنْ شَابَ شَيْبَةً فِي سَبِيلِ اللَّهِ. بَدَلَ فِي الْإِسْلَامِ): وَفِيهِ إِشْكَالٌ وَهُوَ أَنَّ رِوَايَةَ الْبَيْهَقِيِّ كَمَا تَقَدَّمَتْ إِنَّمَا هِيَ فِي الْإِسْلَامِ وَجَوَابُهُ أَنَّ مَعْنَاهُ: وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبَيْهَقِيِّ وَرِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ، أَوْ فِي رِوَايَةٍ لَهُمَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بَدَلَ فِي الْإِسْلَامِ، أَوِ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ أَنَّهُ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ بِكَمَالِهِ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ لَفْظِهِ، ثُمَّ قَوْلُهُ: وَفِي رِوَايَتِهِمَا إِلَخِ تَحْقِيقٌ لِلَفْظِهِ، وَيَكُونُ كَالِاعْتِرَاضِ عَلَى صَاحِبِ الْمَصَابِيحِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَالَ الطِّيبِيُّ: الرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ وَهِيَ: " مَنْ شَابَ شَيْبَةً فِي سَبِيلِ اللَّهِ " أَنْسَبُ بِهَذَا الْمَقَامِ، وَمَعْنَاهُ مَنْ مَارَسَ الْمُجَاهَدَةَ حَتَّى يَشِيبَ طَاقَةٌ مِنْ شَعْرِهِ فَلَهُ مَا لَا يُوصَفُ مِنَ الثَّوَابِ دَلَّ عَلَيْهِ تَخْصِيصُ ذِكْرِ النُّورِ وَالتَّنْكِيرِ فِيهِ، وَمَنْ
[ ٦ / ٢٥٠٣ ]
رَوَى فِي الْإِسْلَامِ بَدَلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَرَادَ بِالْعَامِّ الْخَاصَّ، أَوْ سُمِّيَ الْجِهَادُ إِسْلَامًا ; لِأَنَّهُ عَمُودُهُ وَذُرْوَةُ سَنَامِهِ اه. وَهَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ صُدُورَ الْفُصُولَ كَانَتْ مِنْهُ - ﷺ - مُتَّصِلَةً فِي الْكَلَامِ، وَإِلَّا فَالظَّاهِرُ أَنَّهَا جُمَلٌ مُفَصَّلَةٌ أَجْمَلَهَا الرَّاوِي فِي رِوَايَتِهِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ تَفْرِيقُهَا فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ حَيْثُ قَالَ: «وَمَنْ رَمَى بِسَهْمٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَهُوَ لَهُ عِدْلُ مُحَرِّرٍ» " رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَالْحَاكِمُ عَنْ أَبِي نَجِيحٍ وَقَالَ: «وَمَنْ شَابَ شَيْبَةً فِي الْإِسْلَامِ كَانَتْ لَهُ نُورًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ» ". وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ، عَنْ كَعْبِ بْنِ مُرَّةَ.
[ ٦ / ٢٥٠٤ ]
٣٨٧٤ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: " «لَا سَبَقَ إِلَّا فِي نَصْلٍ، أَوْ خُفٍّ، أَوْ حَافِرٍ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ.
_________________
(١) (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: لَا سَبَقَ): بِفَتْحَتَيْنِ وَفِي نُسْخَةٍ بِسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ فَفِي النِّهَايَةِ: هُوَ بِفَتْحِ الْبَاءِ مَا يُجْعَلُ مِنَ الْمَالِ رَهْنًا عَلَى الْمُسَابَقَةِ، وَبِالسُّكُونِ مَصْدَرُ سَبَقْتُ أَسْبِقُ. وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: الرِّوَايَةُ الْفَصِيحَةُ بِفَتْحِ الْبَاءِ، وَالْمَعْنَى لَا يَحِلُّ أَخْذُ الْمَالِ بِالْمُسَابَقَةِ (إِلَّا فِي نَصْلٍ): أَيْ: لِلسَّهْمِ (أَوْ خُفٍّ): أَيْ: لِلْبَعِيرِ (أَوْ حَافِرٍ): أَيْ: لِلْخَيْلِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: وَلَا بُدَّ فِيهِ مِنْ تَقْدِيرٍ ; أَيْ: ذِي نَصْلٍ وَذِي خُفٍّ وَذِي حَافِرٍ. وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: الْمُرَادُ ذُو نَصْلٍ كَالسَّهْمِ، وَذُو خُفٍّ كَالْإِبِلِ وَالْفِيلِ، وَذُو حَافِرٍ كَالْخَيْلِ وَالْحَمِيرِ ; أَيْ: لَا يَحِلُّ أَخْذُ الْمَالِ بِالْمُسَابَقَةِ إِلَّا فِي أَحَدِهَا، وَأَلْحَقَ بَعْضٌ بِهَا الْمُسَابَقَةَ بِالْأَقْدَامِ، وَبَعْضٌ الْمُسَابَقَةَ بِالْأَحْجَارِ. وَفِي شَرْحِ السُّنَّةِ: وَيَدْخُلُ فِي مَعْنَى الْخَيْلِ الْبِغَالُ وَالْحَمِيرُ، وَفِي مَعْنَى الْإِبِلِ الْفِيلُ، قِيلَ: لِأَنَّهُ أَغْنَى مِنَ الْإِبِلِ فِي الْقِتَالِ، وَأَلْحَقَ بَعْضُهُمُ الشَّدَّ عَلَى الْأَقْدَامِ وَالْمُسَابَقَةَ عَلَيْهَا، وَفِيهِ إِبَاحَةُ أَخْذِ الْمَالِ عَلَى الْمُنَاضَلَةِ لِمَنْ نَضَلَ، وَعَلَى الْمُسَابَقَةِ عَلَى الْخَيْلِ وَالْإِبِلِ لِمَنْ سَبَقَ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ ; لِأَنَّهَا عُدَّةٌ لِقِتَالِ الْعَدُوِّ، وَفِي بَذْلِ الْجُعْلِ عَلَيْهَا تَرْغِيبٌ فِي الْجِهَادِ. قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ: لَيْسَ بِرِهَانِ الْخَيْلِ بَأْسٌ إِذَا أُدْخِلَ فِيهَا مُحَلَّلٌ وَالسِّبَاقُ بِالطَّيْرِ وَالرِّجْلِ وَبِالْحَمَامِ، وَمَا يَدْخُلُ فِي مَعْنَاهَا مِمَّا لَيْسَ مِنْ عُدَّةِ الْحَرْبِ، وَلَا مِنْ بَابِ الْقُوَّةِ عَلَى الْجِهَادِ، فَأَخْذُ الْمَالِ عَلَيْهِ قِمَارٌ مَحْظُورٌ، وَسُئِلَ ابْنُ الْمُسَيَّبِ عَنِ الدَّحْوِ بِالْحِجَارَةِ ; فَقَالَ: لَا بَأْسَ بِهِ، يُقَالُ: فُلَانٌ يَدْحُو بِالْحِجَارَةِ ; أَيْ: يَرْمِي بِهَا (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ): بِلَفْظِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: لَا سَبَقَ إِلَّا فِي خُفٍّ، أَوْ حَافِرٍ، أَوْ نَصْلٍ. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْأَرْبَعَةُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ.
[ ٦ / ٢٥٠٤ ]
٣٨٧٥ - وَعَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: " «مَنْ أَدْخَلَ فَرَسًا بَيْنَ فَرَسَيْنِ، فَإِنْ كَانَ يُؤْمَنُ أَنْ يَسْبِقَ ; فَلَا خَيْرَ فِيهِ، وَإِنْ كَانَ لَا يُؤْمَنُ أَنْ يَسْبِقَ، فَلَا بَأْسَ بِهِ» ". رَوَاهُ فِي " شَرْحِ السُّنَّةِ ". وَفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ، قَالَ: " «مَنْ أَدْخَلَ فَرَسًا بَيْنَ فَرَسَيْنِ، يَعْنِي وَهُوَ لَا يَأْمَنُ أَنْ يَسْبِقَ ; فَلَيْسَ بِقِمَارٍ. وَمَنْ أَدْخَلَ فَرَسًا بَيْنَ فَرَسَيْنِ، وَقَدْ أَمِنَ أَنْ يَسْبِقَ ; فَهُوَ قِمَارٌ» ".
_________________
(١) (وَعَنْهُ): أَيْ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: مَنْ أَدْخَلَ فَرَسًا بَيْنَ فَرَسَيْنِ): وَفِي نُسْخَةٍ بَيْنَ الْفَرَسَيْنِ. قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: هَذَا إِشَارَةٌ إِلَى الْمُحَلِّلِ، وَهُوَ مِنْ جَعَلَ الْعَقْدَ حَلَالًا، وَهُوَ أَنْ يُدْخِلَ ثَالِثًا بَيْنَهُمَا. (فَإِنْ كَانَ يُؤْمَنُ): بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ وَكَذَا قَوْلُهُ: (أَنْ يَسْبِقَ): أَيْ: مِنْ أَنْ يَسْبِقَ قَالَ الطِّيبِيُّ، وَتَبِعَهُ ابْنُ الْمَلَكِ ; أَيْ: يَعْلَمُ وَيَعْرِفُ أَنَّ هَذَا الْفَرَسَ سَابِقٌ غَيْرُ مَسْبُوقٍ (فَلَا خَيْرَ فِيهِ): بِخِلَافِهِ إِذَا لَمْ يَعْلَمْ وَلَمْ يَعْرِفْ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ: (وَإِنْ كَانَ لَا يُؤْمَنُ أَنْ يَسْبِقَ ; فَلَا بَأْسَ بِهِ. رَوَاهُ): أَيْ: صَاحِبُ الْمَصَابِيحِ بِهَذَا اللَّفْظِ (فِي شَرْحِ السُّنَّةِ) ; أَيْ: بِإِسْنَادِهِ (وَفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ قَالَ: «مَنْ أَدْخَلَ فَرَسًا بَيْنَ فَرَسَيْنِ، يَعْنِي وَهُوَ لَا يَأْمَنُ أَنْ يَسْبِقَ»): أَشَارَ بِقَوْلِهِ يَعْنِي أَنَّهُ رِوَايَةٌ بِالْمَعْنَى (فَلَيْسَ بِقِمَارٍ): بِكَسْرِ الْقَافِ ; أَيْ: بِمُقَامَرَةٍ («وَمَنْ أَدْخَلَ فَرَسًا بَيْنَ فَرَسَيْنِ، وَقَدْ أَمِنَ أَنْ يَسْبِقَ فَهُوَ قِمَارٌ»): وَضُبِطَ فِي نُسَخِ الْمَصَابِيحِ لَفْظُ أَنْ
[ ٦ / ٢٥٠٤ ]
يَسْبِقَ بِصِيغَةِ الْمَعْلُومِ فِي الْمَوَاضِعِ الْأَرْبَعَةِ. قَالَ الْمُظْهِرُ: اعْلَمْ أَنَّ الْمُحَلِّلَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ عَلَى فَرَسٍ مِثْلَ فَرَسِ الْمُخْرِجِينَ، أَوْ قَرِيبًا مِنْ فَرَسَيْهِمَا فِي الْعَدْوِ، فَإِنْ كَانَ فَرَسُ الْمُحَلِّلِ جَوَادًا بِحَيْثُ يَعْلَمُ الْمُحَلِّلُ أَنَّ فَرَسَ الْمُخْرِجِينَ لَا يَسْبِقَانِ فَرَسَهُ لَمْ يَجُزْ بَلْ وُجُودُهُ كَعَدَمِهِ، وَإِنْ كَانَ لَا يُعْلَمُ أَنَّهُ يَسْبِقُ فَرَسَيِ الْمُخْرِجِينَ يَقِينًا، أَوْ أَنَّهُ يَكُونُ مَسْبُوقًا جَازَ، وَفِي شَرْحِ السُّنَّةِ: ثُمَّ فِي الْمُسَابَقَةِ إِنْ كَانَ الْمَالُ مِنْ جِهَةِ الْإِمَامِ، أَوْ مِنْ جِهَةِ وَاحِدٍ مِنْ عَرْضِ النَّاسِ شَرَطَ لِلسَّابِقِ مِنَ الْفَارِسَيْنِ مَالًا مَعْلُومًا فَجَائِزٌ، وَإِذَا سَبَقَ اسْتَحَقَّهُ، وَإِنْ كَانَ مِنْ جِهَةِ الْفَارِسَيْنِ فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: إِنْ سَبَقْتَنِي فَلَكَ عَلَيَّ كَذَا، وَإِنْ سَبَقْتُكَ فَلَا شَيْءَ لِي عَلَيْكَ فَهُوَ جَائِزٌ أَيْضًا، فَإِذَا سَبَقَ اسْتَحَقَّ الْمَشْرُوطَ، وَإِنْ كَانَ الْمَالُ مِنْ جِهَةِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِأَنْ قَالَ لِصَاحِبِهِ: إِنْ سَبَقْتُكَ فَلِي عَلَيْكَ كَذَا، وَإِنْ سَبَقْتَنِي فَلَكَ عَلَيَّ كَذَا، فَهَذَا لَا يَجُوزُ إِلَّا بِمُحَلِّلٍ يَدْخُلُ بَيْنَهُمَا إِنْ سَبَقَ الْمُحَلِّلُ أَخَذَ السَّبَقَيْنِ، وَإِنْ سُبِقَ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَسُمِّيَ مُحَلِّلًا ; لِأَنَّهُ مُحَلِّلٌ لِلسَّابِقِ أَخْذَ الْمَالِ فَبِالْمُحَلِّلِ يَخْرُجُ الْعَقْدُ عَنْ أَنْ يَكُونَ قِمَارًا ; لِأَنَّ الْقِمَارَ كَوْنُ الرَّجُلِ مُتَرَدِّدًا بَيْنَ الْغُنْمِ وَالْغُرْمِ، فَإِذَا دَخَلَ بَيْنَهُمَا لَمْ يُوجَدْ فِيهِ هَذَا الْمَعْنَى، ثُمَّ إِذَا جَاءَ الْمُحَلِّلُ أَوَّلًا، ثُمَّ جَاءَ الْمُسْتَبِقَانِ مَعًا، أَوْ أَحَدُهُمَا بَعْدَ الْآخَرِ أَخَذَ الْمُحَلِّلُ السَّبَقَيْنِ، وَإِنْ جَاءَ الْمُسْتَبِقَانِ مَعًا، ثُمَّ الْمُحَلِّلُ فَلَا شَيْءَ لِأَحَدٍ وَإِنْ جَاءَ أَحَدُ الْمُسْتَبِقَيْنِ أَوَّلًا، ثُمَّ الْمُحَلِّلُ وَالْمُسْتَبِقُ الثَّانِي إِمَّا مَعًا، أَوْ أَحَدُهُمَا بَعْدَ الْآخَرِ أَحْرَزَ السَّابِقُ سَبَقَهُ، وَأَخَذَ سَبَقَ الْمُسْتَبِقِ الثَّانِي، وَإِنْ جَاءَ الْمُحَلِّلُ وَأَحَدُ الْمُسْتَبِقَيْنِ مَعًا، ثُمَّ جَاءَ الثَّانِي مُصَلِّيًا أَخَذَ السَّابِقَانِ سَبَقَهُ.
[ ٦ / ٢٥٠٥ ]
٣٨٧٦ - وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ﵄، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: " «لَا جَلَبَ وَلَا جَنَبَ» ". زَادَ يَحْيَى فِي حَدِيثِهِ: " فِي الرِّهَانِ ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ مَعَ زِيَادَةٍ فِي بَابِ " الْغَصْبِ ".
_________________
(١) (وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: لَا جَلَبَ): بِفَتْحَتَيْنِ ; أَيْ: لَا صِيَاحَ عَلَى الْخَيْلِ، وَالْمَعْنَى لَا يُصَوَّتُ عَلَى الْفَرَسِ لِيَكُونَ أَشَدَّ عَدْوًا (وَلَا جَنَبَ): بِفَتْحَتَيْنِ، وَهُوَ أَنْ يُجَنِّبَ إِلَى جَنْبِ مَرْكُوبِهِ فَرَسًا آخَرَ لِيَرْكَبَهُ إِذَا خَافَ أَنْ يُسْبَقَ، ذَكَرَهُ ابْنُ الْمَلَكِ. وَفِي النِّهَايَةِ: الْجَلَبُ فِي الزَّكَاةِ مَرَّ مَعْنَاهُ، وَفِي السِّبَاقِ أَنْ يُتْبِعَ الرَّجُلُ فَرَسَهُ رَجُلًا فَيَزْجُرَهُ وَيَصِيحَ حَثًّا لَهُ عَلَى الْجَرْيِ، وَالْجَنَبُ فِي السِّبَاقِ أَنْ يُجَنِّبَ فَرَسًا إِلَى فَرَسِهِ الَّذِي سَابَقَ عَلَيْهِ، فَإِذَا فَتَرَ الْمَرْكُوبُ تَحَوَّلَ إِلَى الْمَجْنُوبِ (زَادَ يَحْيَى فِي حَدِيثِهِ): أَيْ: فِي مَرْوِيِّهِ قَوْلَهُ: (فِي الرِّهَانِ): قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: بَيَّنَ أَبُو دَاوُدَ أَنَّ قَوْلَهُ فِي الرِّهَانِ مُدْرَجٌ عَنْ قَتَادَةَ ﵁ رِوَايَةً. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: هُوَ قَوْلُ أَبِي دَاوُدَ، يَرْوِي هَذَا الْحَدِيثَ بِإِسْنَادَيْنِ. إِسْنَادٍ لَيْسَ فِيهِ يَحْيَى بْنُ خَلَفٍ هَذَا وَلَا هَذِهِ الزِّيَادَةُ، وَإِسْنَادِ يَحْيَى وَالزِّيَادَةِ، وَأَمَّا مَا فِي الْمَصَابِيحِ مِنْ قَوْلِهِ يَعْنِي فِي الرِّهَانِ فَهُوَ تَفْسِيرُ مُؤَلِّفِهِ كُنَّا قَالَ الشَّيْخُ التُّورِبِشْتِيُّ: لَعَلَّهُ فَسَّرَ الْحَدِيثَ الَّذِي لَيْسَ فِيهِ هَذِهِ الزِّيَادَةُ اه. وَقَالَ شَارِحٌ: إِنَّهُ مِنْ كَلَامِ بَعْضِ الرُّوَاةِ، ثُمَّ الرِّهَانُ وَالْمُرَاهَنَةُ الْمُرَادُ مِنْهُ الْمُخَاطَرَةُ وَالْمُسَابَقَةُ عَلَى الْخَيْلِ، ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْقَامُوسِ (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ): أَيْ: هَذَا الْمِقْدَارُ مِنَ الْحَدِيثِ (وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ مَعَ زِيَادَةٍ فِي بَابِ الْغَضَبِ): وَالزِّيَادَةُ هِيَ: " «وَلَا شِغَارَ فِي الْإِسْلَامِ» "، «وَمَنِ انْتَهَبَ نَهْبَةً فَلَيْسَ مِنَّا»، وَالشِّغَارُ أَنْ تُشَاغِرَ الرَّجُلَ بِأَنْ تُزَوِّجَهُ أُخْتَكَ عَلَى أَنْ يُزَوِّجَكَ أُخْتَهُ مَثَلًا وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: " «لَا جَلَبَ وَلَا جَنَبَ وَلَا شِغَارَ فِي الْإِسْلَامِ» " رَوَاهُ النَّسَائِيُّ، وَالضِّيَاءُ عَنْ أَنَسٍ ﵁.
[ ٦ / ٢٥٠٥ ]
٣٨٧٧ - وَعَنْ أَبِي قَتَادَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: " «خَيْرُ الْخَيْلِ الْأَدْهَمُ الْأَقْرَحُ الْأَرْثَمُ، ثُمَّ الْأَقْرَحُ الْمُحَجَّلُ طُلُقُ الْيَمِينِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَدْهَمَ، فَكُمَيْتٌ عَلَى هَذِهِ الشِّيَةِ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَالدَّارِمِيُّ.
_________________
(١) (وَعَنْ أَبِي قَتَادَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «خَيْرُ الْخَيْلِ الْأَدْهَمُ»): قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: الْأَدْهَمُ الَّذِي يَشْتَدُّ سَوَادُهُ وَقَوْلُهُ: (الْأَقْرَحُ): الَّذِي فِي وَجْهِهِ الْقُرْحَةُ بِالضَّمِّ، وَهِيَ مَا دُونَ الْغُرَّةِ يَعْنِي فِيهِ بَيَاضٌ يَسِيرٌ وَلَوْ قَدْرُ دِرْهَمٍ وَقَوْلُهُ: (الْأَرْثَمُ): بِالْمُثَلَّثَةِ ; أَيْ فِي جَحْفَلَتِهِ الْعُلْيَا بَيَاضٌ مِنْ أَنَّهُ الْأَبْيَضُ الشَّفَةِ الْعُلْيَا وَقِيلَ: الْأَبْيَضُ الْأَنْفِ (ثُمَّ): أَيْ بَعْدَ مَا ذُكِرَ مِنَ الْأَوْصَافِ الْمُجْتَمِعَةِ فِي الْفَرَسِ خَيْرُ الْخَيْلِ (الْأَقْرَحُ الْمُحَجَّلُ): وَالتَّحْجِيلُ: بَيَاضٌ فِي قَوَائِمِ الْفَرَسِ، أَوْ فِي ثَلَاثٍ مِنْهَا، أَوْ فِي رِجْلَيْهِ قَلَّ أَوْ كَثُرَ بَعْدَ أَنْ يُجَاوِزَ الْأَرْسَاغَ وَلَا يُجَاوِزَ الرُّكْبَتَيْنِ
[ ٦ / ٢٥٠٥ ]
وَالْعُرْقُوبَيْنِ، (طُلُقُ الْيَمِينِ): بِضَمِّ الطَّاءِ وَاللَّامِ وَيُسَكَّنُ إِذَا لَمْ يَكُنْ فِي إِحْدَى قَوَائِمِهَا تَحْجِيلٌ (فَإِنْ لَمْ يَكُنْ): أَيِ الْفَرَسُ (أَدْهَمَ): أَيْ أَسْوَدَ مِنَ الدُّهْمَةِ، وَهِيَ السَّوَادُ عَلَى مَا فِي الْقَامُوسِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِرَفْعِ أَدْهَمَ ; أَيْ فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ، أَوْ لَمْ يَقَعْ أَدْهَمُ (فَكُمَيْتٌ): بِالتَّصْغِيرِ ; أَيْ بِأُذُنَيْهِ وَعُرْفِهِ سَوَادٌ وَالْبَاقِي أَحْمَرُ. وَقَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: الْكُمَيْتُ مِنَ الْخَيْلِ يَسْتَوِي فِيهِ الْمُذَكَّرُ وَالْمُؤَنَّثُ، وَالْمَصْدَرُ الْكُمْتَةُ وَهِيَ حُمْرَةٌ يَدْخُلُهَا قَتْرَةٌ، وَقَالَ الْخَلِيلُ: إِنَّمَا صُغِّرَ ; لِأَنَّهُ بَيْنَ السَّوَادِ وَالْحُمْرَةِ لَمْ يَخْلُصْ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا، فَأَرَادُوا بِالتَّصْغِيرِ أَنَّهُ قَرِيبٌ مِنْهُمَا (عَلَى هَذِهِ الشِّيَةِ): بِكَسْرِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَفَتْحِ التَّحْتِيَّةِ ; أَيِ الْعَلَامَةِ، وَهِيَ فِي الْأَصْلِ كُلُّ لَوْنٍ يُخَالِفُ مُعْظَمَ لَوْنِ الْفَرَسِ وَغَيْرِهِ، وَالْهَاءُ عِوَضٌ عَنِ الْوَاوِ الذَّاهِبَةِ مَنْ أَوَّلِهِ وَهَمْزُهَا لَحْنٌ، وَهَذِهِ إِشَارَةٌ إِلَى الْأَقْرَحِ الْأَرْثَمِ، ثُمَّ الْمُحَجَّلُ طُلُقُ الْيَمِينِ. (رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالدَّارِمِيُّ): وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ بِلَفْظِ: " «خَيْرُ الْخَيْلِ الْأَدْهَمُ الْأَقْرَحُ الْأَرْقَمُ الْمُحَجَّلُ ثَلَاثُ طُلُقِ الْيَمِينِ» ". الْحَدِيثُ رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَالْحَاكِمُ عَنْهُ.
[ ٦ / ٢٥٠٦ ]
٣٨٧٨ - وَعَنْ أَبِي وَهَبٍ الْجُشَمِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: " «عَلَيْكُمْ بِكُلِّ كُمَيْتٍ أَغَرَّ مُحَجَّلٍ، أَوْ أَشْقَرَ أَغَرَّ مُحَجَّلٍ، أَوْ أَدْهَمَ أَغَرَّ مُحَجَّلٍ» ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ.
_________________
(١) (وَعَنْ أَبِي وَهْبٍ الْجُشَمِيِّ): بِضَمٍّ وَفَتْحٍ، قَالَ الْمُؤَلِّفُ: اسْمُهُ كُنْيَتُهُ وَلَهُ صُحْبَةٌ وَرِوَايَةٌ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: عَلَيْكُمْ): اسْمُ فِعْلٍ بِمَعْنَى الْزَمُوا (بِكُلِّ كُمَيْتٍ أَغَرَّ): أَيْ فِي جَبْهَتِهِ بَيَاضٌ كَثِيرٌ (مُحَجَّلٍ، أَوْ أَشْقَرَ): الشُّقْرَةُ الْحُمْرَةُ الصَّافِيَةُ. قَالَ الطِّيبِيُّ: الْفَرْقُ بَيْنَ الْكُمَيْتِ وَالْأَشْقَرِ بِقَتْرَةٍ تَعْلُو الْحُمْرَةَ وَبِسَوَادِ الْعُرْفِ وَالذَّنَبِ فِي الْكُمَيْتِ (أَغَرَّ مُحَجَّلٍ، أَوْ أَدْهَمَ أَغَرَّ مُحَجَّلٍ): أَوْ فِيهِمَا لِلتَّنْوِيعِ وَظَاهِرُهُ التَّرْتِيبُ (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ) .
[ ٦ / ٢٥٠٦ ]
٣٨٧٩ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: " «يُمْنُ الْخَيْلِ فِي الشُّقْرِ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ.
_________________
(١) (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «يُمْنُ الْخَيْلِ»): أَيْ بَرَكَتُهَا (فِي الشُّقْرِ): بِضَمِّ أَوَّلِهِ جَمْعُ أَشْقَرَ وَهُوَ أَحْمَرُ، وَفِي رِوَايَةِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: فِي شُقْرَتِهَا (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ): وَكَذَا الْإِمَامُ أَحْمَدُ.
[ ٦ / ٢٥٠٦ ]
٣٨٨٠ - وَعَنْ عُتْبَةَ بْنِ عَبْدٍ السُّلَمِيِّ ﵁، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يَقُولُ: " «لَا تَقُصُّوا نَوَاصِيَ الْخَيْلِ، وَلَا مَعَارِفَهَا، وَلَا أَذْنَابَهَا فَإِنَّ أَذْنَابَهَا مَذَابُّهَا، وَمَعَارِفَهَا دِفَاؤُهَا، وَنَوَاصِيهَا مَعْقُودٌ فِيهَا الْخَيْرُ» ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
_________________
(١) (وَعَنْ عُتْبَةَ): بِضَمٍّ فَفَوْقِيَّةٍ سَاكِنَةٍ (ابْنِ عَبْدٍ السُّلَمِيِّ): مَرَّ ذِكْرُهُ قَرِيبًا (أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يَقُولُ: لَا تَقُصُّوا): مِنَ الْقَصِّ وَهُوَ الْقَطْعُ ; أَيْ: لَا تَجُزُّوا (نَوَاصِيَ الْخَيْلِ): أَيْ شَعْرَ مُقَدَّمِ رَأْسِهَا (وَلَا مَعَارِفَهَا): قَالَ الْقَاضِي: أَيْ شُعُورَ عُنُقِهَا جَمْعُ عُرْفٍ عَلَى غَيْرِ قِيَاسٍ، وَقِيلَ: هِيَ جَمْعُ مَعْرَفَةٍ هِيَ الْمَحَلُّ الَّذِي يَنْبُتُ عَلَيْهَا الْعُرْفُ فَأُطْلِقَتْ عَلَى الْأَعْرَافِ مَجَازًا (وَلَا أَذْنَابَهَا فَإِنَّ أَذْنَابَهَا مَذَابُّهَا): أَيْ مَرَاوِحُهَا تَذُبُّ بِهَا الْهَوَامَّ عَنْ أَنْفُسِهَا (وَمَعَارِفَهَا): بِالنَّصْبِ عَطَفٌ عَلَى أَذْنَابِهَا وَبِالرَّفْعِ عَلَى أَنَّهُ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ (دِفَاؤُهَا): بِكَسْرِ الدَّالِ ; أَيْ كِسَاؤُهَا الَّذِي تَدْفَأُ بِهِ (وَنَوَاصِيهَا): بِالْوَجْهَيْنِ (مَعْقُودٌ فِيهَا الْخَيْرُ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) .
[ ٦ / ٢٥٠٦ ]
٣٨٨١ - وَعَنْ أَبِي وَهْبٍ الْجُشَمِيِّ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: " «ارْتَبِطُوا الْخَيْلَ، وَامْسَحُوا بِنَوَاصِيهَا وَأَعْجَازِهَا - أَوْ قَالَ: أَكْفَالِهَا - وَقَلِّدُوهَا، وَلَا تُقَلِّدُوهَا الْأَوْتَارَ» ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ.
_________________
(١) (وَعَنْ أَبِي وَهْبٍ الْجُشَمِيِّ): سَبَقَ آنِفًا (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «ارْتَبِطُوا الْخَيْلَ»): أَيْ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ﴾ [الأنفال: ٦٠] ; أَيْ بَالِغُوا فِي رَبْطِهَا وَإِمْسَاكِهَا عِنْدَكُمْ (وَامْسَحُوا بِنَوَاصِيهَا): أَيْ تَلَطُّفًا بِهَا وَتَنْظِيفًا لَهَا (وَأَعْجَازِهَا - أَوْ قَالَ أَكْفَالِهَا -): بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ جَمْعُ عَجُزٍ وَهُوَ الْكِفْلُ. قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: يُرِيدُ بِهَذَا الْمَسْحِ تَنْظِيفَهَا مِنَ الْغُبَارِ وَتَعَرُّفَ حَالِهَا مِنَ السَّمْنِ (وَقَلِّدُوهَا): أَيِ اجْعَلُوا ذَلِكَ لَازِمًا لَهَا فِي أَعْنَاقِهَا لُزُومَ الْقَلَائِدِ لِلْأَعْنَاقِ، وَقِيلَ مَعْنَاهُ اجْعَلُوا فِي أَعْنَاقِ الْخَيْلِ مَا شِئْتُمْ. (وَلَا تُقَلِّدُوهَا الْأَوْتَارَ): جَمْعُ الْوَتَرِ بِفَتْحَتَيْنِ ; أَيْ: لَا تَجْعَلُوا أَوْتَارَ الْقَوْسِ فِي أَعْنَاقِهَا فَتَخْتَنِقَ ; لِأَنَّ الْخَيْلَ رُبَّمَا رَعَتِ الْأَشْجَارَ، أَوْ حَكَّتْ بِهَا عُنُقَهَا، فَيَتَشَبَّثُ الْأَوْتَارُ بِبَعْضِ شِعْبِهَا فَيَخْنُقُهَا، وَقِيلَ: إِنَّمَا نَهَاهُمْ عَنْهَا لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَعْتَقِدُونَ أَنَّ تَقْلِيدَ الْخَيْلِ بِالْأَوْتَارِ يَدْفَعُ عَنْهَا الْعَيْنَ وَالْأَذَى فَتَكُونَ كَالْمُعَوِّذَةِ لَهَا فَنَهَاهُمْ عَنْهَا، وَأَعْلَمَهُمْ أَنَّهَا لَا تَدْفَعُ ضَرًّا وَلَا تَصْرِفُ حَذَرًا. وَفِي النِّهَايَةِ: أَيْ قَلِّدُوهَا طَلَبَ إِعْلَاءِ الدِّينِ وَالدِّفَاعِ عَنِ الْمُسْلِمِينَ، وَلَا تُقَلِّدُوهَا أَوْتَارَ الْجَاهِلِيَّةِ الَّتِي كَانَتْ بَيْنَكُمْ عَلَى أَنَّ الْأَوْتَارَ جَمْعُ وِتْرٍ بِكَسْرٍ فَسُكُونٍ وَهُوَ الدَّمُ وَطَلَبُ الثَّأْرِ ; أَيْ: لَا تَرْكَبُوهَا لِتَطْلُبُوَا عَلَيْهَا أَوْتَارَ الْجَاهِلِيَّةِ وَمَدَاخِلَهَا الَّتِي كَانَتْ بَيْنَكُمْ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ) .
[ ٦ / ٢٥٠٧ ]
٣٨٨٢ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - عَبْدًا مَأْمُورًا، مَا اخْتَصَّنَا دُونَ النَّاسِ بِشَيْءٍ إِلَّا بِثَلَاثٍ: أَمَرَنَا أَنْ نُسْبِغَ الْوُضُوءَ، وَأَنْ لَا نَأْكُلَ الصَّدَقَةَ، وَأَنْ لَا نَنْزِيَ حِمَارًا عَلَى فَرَسٍ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ.
_________________
(١) (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - عَبْدًا مَأْمُورًا»): أَيْ بِأَوَامِرِهِ وَمَنْهِيًّا عَنْ نَوَاهِيهِ، أَوْ مَأْمُورًا مِنَ اللَّهِ بِأَنْ يَأْمُرَ أُمَّتَهُ بِشَيْءٍ وَيَنْهَاهُمْ عَنْ شَيْءٍ كَذَا قِيلَ. وَقَالَ الْقَاضِي: أَيْ مِطْوَاعًا غَيْرَ مُسْتَبِدٍّ فِي الْحُكْمِ، وَلَا حَاكِمٍ بِمُقْتَضَى مَيْلِهِ وَتَشَهِّيهِ حَتَّى يَحُضَّ مَنْ شَاءَ بِمَا شَاءَ مِنَ الْأَحْكَامِ اه. وَالْأَظْهَرُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّهُ كَانَ مَأْمُورًا بِتَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ عُمُومًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ [المائدة: ٦٧] الْآيَةَ. (مَا اخْتَصَّنَا): أَيْ أَهْلَ الْبَيْتِ يُرِيدُ بِهِ نَفْسَهُ وَسَائِرَ أَهْلِ بَيْتِ النُّبُوَّةِ (دُونَ النَّاسِ): أَيْ مُتَجَاوِزًا عَنْهُمْ (بِشَيْءٍ إِلَّا بِثَلَاثٍ): أَيْ مَا اخْتَصَّنَا بِحُكْمٍ لَمْ يَحْكُمْ بِهِ عَلَى سَائِرِ أُمَّتِهِ، وَلَمْ يَأْمُرْنَا بِشَيْءٍ لَمْ يَأْمُرْهُمْ بِهِ، إِلَّا بِثَلَاثِ خِصَالٍ («أَمَرَنَا أَنْ نُسْبِغَ الْوُضُوءَ»): بِضَمِّ أَوَّلِهِ ; أَيْ نَسْتَوْعِبَ مَاءَهُ، أَوْ نُكْمِلَ أَعْضَاءَهُ قَالَ فِي الْمُغْرِبِ: أَيْ وُجُوبًا ; لِأَنَّ إِسْبَاغَ الْوُضُوءِ مُسْتَحَبٌّ لِلْكُلِّ («وَأَنْ لَا نَأْكُلَ الصَّدَقَةَ، وَأَنْ لَا نَنْزِيَ حِمَارًا عَلَى فَرَسٍ»): بِالْيَاءِ فِي آخِرِهِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِالْهَمْزِ مَنْ أَنْزَى الْحُمُرَ عَلَى الْخَيْلِ حَمَلَهَا عَلَيْهِ، وَلَعَلَّهُ كَانَ هَذَا فِي تَحْرِيمٍ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِمْ. وَقَالَ الْقَاضِي: الظَّاهِرُ أَنَّ قَوْلَهُ أَمَرَنَا إِلَخِ. تَفْصِيلٌ لِلْخِصَالِ، وَعَلَى هَذَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْأَمْرُ أَمْرَ إِيجَابٍ، وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ فِيهِ اخْتِصَاصٌ ; لِأَنَّ إِسْبَاغَ الْوُضُوءِ مَنْدُوبٌ عَلَى غَيْرِهِمْ، وَإِنْزَاءُ الْحِمَارِ عَلَى الْفَرَسِ مَكْرُوهٌ مُطْلَقًا لِحَدِيثِ عَلِيٍّ الْآتِي، وَالسَّبَبُ فِيهِ قَطْعُ النَّسْلِ، وَاسْتِبْدَالُ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ، فَإِنَّ الْبَغْلَةَ لَا تَصْلُحُ لِلْكَرِّ وَالْفَرِّ، وَلِذَلِكَ لَا سَهْمَ لَهَا فِي الْغَنِيمَةِ وَلَا سَبْقَ فِيهَا عَلَى وَجْهٍ، وَلِأَنَّهُ عَلَّقَ بِأَنْ لَا يَأْكُلَ الصَّدَقَةَ وَهُوَ وَاجِبٌ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ قَرِينَةً أَيْضًا كَذَلِكَ، وَإِلَّا لَزِمَ اسْتِعْمَالُ اللَّفْظِ الْوَاحِدِ فِي مَعْنَيَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ، اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يُفَسِّرَ الصَّدَقَةَ بِالتَّطَوُّعِ، أَوِ الْأَمْرَ بِالْمُشْتَرَكِ بَيْنَ الْإِيجَابِ وَالنَّدْبِ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّ الْمُرَادَ لَهُ أَنَّهُ - ﷺ - مَا اخْتَصَّنَا بِشَيْءٍ إِلَّا بِمَزِيدِ الْحَثِّ وَالْمُبَالَغَةِ فِي ذَلِكَ اه. وَفِي الْحَدِيثِ رَدٌّ بَلِيغٌ عَلَى الشِّيعَةِ حَيْثُ زَعَمُوا أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - اخْتَصَّ أَهْلَ الْبَيْتِ بِعُلُومٍ مَخْصُوصَةٍ، وَنَظِيرُهُ مَا صَحَّ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ حِينَ سُئِلَ: هَلْ عِنْدَكُمْ شَيْءٌ لَيْسَ فِي الْقُرْآنِ؟ فَقَالَ: وَالَّذِي خَلَقَ الْجَنَّةَ وَبَرَأَ النِّسْمَةَ مَا عِنْدَنَا إِلَّا مَا فِي الْقُرْآنِ إِلَّا فَهْمًا يُعْطَى الرَّجُلَ فِي كِتَابِهِ، وَمَا فِي الصَّحِيفَةِ، الْحَدِيثَ. وَقَدْ سَبَقَ ذِكْرُهُ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ) .
[ ٦ / ٢٥٠٧ ]
٣٨٨٣ - وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁، قَالَ: «أُهْدِيَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - بَغْلَةٌ، فَرَكِبَهَا، فَقَالَ عَلِيٌّ: لَوْ حَمَلْنَا الْحِمَارَ عَلَى الْخَيْلِ فَكَانَتْ لَنَا مِثْلُ هَذِهِ ; فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: " إِنَّمَا يَفْعَلُ ذَلِكَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ» ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ.
_________________
(١) (وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: أُهْدِيَتْ): بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ ; أَيْ أُتِيَتْ هَدِيَّةٌ (لِرَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - بِغْلَةٌ، فَرَكِبَهَا، قَالَ عَلِيٌّ: لَوْ حَمَلْنَا الْحَمِيرَ عَلَى الْخَيْلِ فَكَانَتْ لَنَا مِثْلُ هَذِهِ؟): وَفِي نُسْخَةٍ مِثْلُ ذَلِكَ ; أَيِ الْمَرْكُوبِ وَهُوَ عَطْفٌ عَلَى حَمَلْنَا وَجَوَابُ (لَوْ) مُقَدَّرٌ ; أَيْ لَكَانَ حَسَنًا، أَوْ لِلتَّمَنِّي (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: إِنَّمَا يَفْعَلُ ذَلِكَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ): أَيْ إِنَّ إِنْزَاءَ الْفَرَسِ عَلَى الْفَرَسِ خَيْرٌ مِنْ ذَلِكَ لِمَا ذُكِرَ مِنَ الْمَنَافِعِ: أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَحْكَامَ الشَّرِيعَةِ، وَلَا يَهْتَدُونَ إِلَى مَا هُوَ أَوْلَى لَهُمْ وَأَنْفَعُ سَبِيلًا. قَالَ الطِّيبِيُّ، قَوْلُهُ: لَا يَعْلَمُونَ مُطْلَقٌ يُحْتَمَلُ أَنْ يَقْدَّرَ مَفْعُولُهُ بِدَلَالَةِ الْحَدِيثِ السَّابِقِ ; أَيْ: لَا يَعْلَمُونَ كَرَاهِيَتَهُ وَعِلَّتَهَا كَمَا سَبَقَ، وَأَنْ لَا يُقَدَّرَ وَيَجْرِيَ مَجْرَى اللَّازِمِ لِلْمُبَالَغَةِ ; أَيِ الَّذِينَ لَيْسُوا مِنْ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ فِي شَيْءٍ، وَأَنَّهُمْ غَيْرُ عَارِفِينَ أَنَّهُ بَعِيدٌ عَنِ الْحِكْمَةِ، أَوْ تَغْيِيرٌ لِخَلْقِ اللَّهِ، وَمَالَ الْمُظْهِرُ إِلَى كَرَاهِيَةِ ذَلِكَ حَيْثُ قَالَ: وَإِنْزَاءُ الْحِمَارِ عَلَى الْفَرَسِ جَائِزٌ ; لِأَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - رَكِبَ الْبَغْلَ وَجَعَلَهُ تَعَالَى مِنَ النِّعَمِ وَمَنَّ عَلَى عِبَادِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾ [النحل: ٨] قَالَ الطِّيبِيُّ: لَعَلَّ الْإِنْزَاءَ غَيْرُ جَائِزٍ، وَالرُّكُوبَ وَالتَّزَيُّنَ بِهِ جَائِزَانِ كَالصُّوَرِ، فَإِنَّ عَمَلَهَا حَرَامٌ وَاسْتِعْمَالَهَا فِي الْفَرْشِ وَالْبَسْطِ مُبَاحٌ اه. وَفِي تَنْظِيرِهِ، نَظَرٌ لَا يَخْفَى. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ) .
[ ٦ / ٢٥٠٨ ]
٣٨٨٤ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁، قَالَ؟ «كَانَتْ قَبِيعَةُ سَيْفِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - مِنْ فِضَّةٍ.» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَالدَّارِمِيُّ.
_________________
(١) (وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: كَانَتْ قَبِيعَةُ سَيْفِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -): أَيْ قَبْضَتُهُ (مِنْ فِضَّةٍ): فِي النِّهَايَةِ: هِيَ الَّتِي تَكُونُ عَلَى رَأْسِ قَائِمِ السَّيْفِ، وَقِيلَ: مَا تَحْتَ شَارِبَيِ السَّيْفِ، وَفِي الْقَامُوسِ: قَبِيعَةُ السَّيْفِ كَسَفِينَةٍ مَا عَلَى طَرَفِ قَبْضَتِهِ مِنْ حَدِيدٍ، أَوْ فِضَّةٍ، وَكَذَا ذَكَرَهُ الْجَوْهَرِيُّ. وَفِي شَرْحِ السُّنَّةِ: فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ تَحْلِيَةِ السَّيْفِ بِالْقَلِيلِ مِنِ الْفِضَّةِ، وَكَذَلِكَ الْمِنْطَقَةُ، وَاخْتَلَفُوا فِي تَحْلِيَةِ اللِّجَامِ وَالسَّرْجِ فَأَبَاحَهُ بَعْضُهُمْ كَالسَّيْفِ، وَحَرَّمَ بَعْضُهُمْ ; لِأَنَّهُ مِنْ زِينَةِ الدَّابَّةِ، وَكَذَلِكَ اخْتَلَفُوا فِي تَحْلِيَةِ سِكِّينِ الْحَرْبِ وَالْمِقْلَمَةِ بِقَلِيلٍ مِنَ الْفِضَّةِ، فَأَمَّا التَّحَلِّي بِالذَّهَبِ فَغَيْرُ مُبَاحٍ فِي جَمِيعِهَا. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَالدَّارِمِيُّ) .
[ ٦ / ٢٥٠٨ ]
٣٨٨٥ - وَعَنْ هُودِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ جَدِّهِ مَزِيدَةَ ﵁، قَالَ: دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - يَوْمَ الْفَتْحِ وَعَلَى سَيْفِهِ ذَهَبٌ وَفِضَّةٌ، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ.
_________________
(١) (وَعَنْ هُودٍ) ﵁، بِضَمِّ الْهَاءِ وَسُكُونِ الْوَاوِ عَلَى مَا فِي الْمُغْنِي، وَذَكَرَ فِي الْأَزْهَارِ أَنَّهُ قَالَ الْخَطَّابِيُّ: هَوْذَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ بِفَتْحِ الْهَاءِ وَالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ وَبِالتَّاءِ، هَكَذَا هُوَ فِي بَعْضِ نُسَخِ الْمَصَابِيحِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ هُوَ هُودٌ بِضَمِّ الْهَاءِ وَسُكُونِ الْوَاوِ وَدَالٍ مُهْمَلَةٍ بِلَا تَاءٍ، سَمِيُّ هُودٍ النَّبِيِّ ﵇. (ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ جَدِّهِ): أَيْ لِأُمِّهِ كَذَا قِيلَ (مَزِيدَةَ): بِفَتْحِ الْمِيمِ وَكَسْرِ الزَّايِ وَسُكُونِ الْيَاءِ عَلَى وَزْنِ كَبِيرَةٍ، ذَكَرَهُ فِي التَّقْرِيبِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَالْيَاءِ عَلَى وَزْنِ مَسْعَدَةَ. قَالَ الْمُصَنِّفُ: هُودُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدٍ الْبَصْرِيُّ، رَوَى عَنْ جَدِّهِ مَزِيدَةَ وَمَعْبَدِ بْنِ وَهْبٍ الصَّحَابِيَّيْنِ، وَعَنْهُ طَالِبُ بْنُ حُجَيْرٍ وَقَالَ فِي حَرْفِ الْمِيمِ فِي فَصْلِ الصَّحَابَةِ: مَزِيدَةُ بْنُ جَابِرٍ الْعَبْدِيُّ يُعَدُّ فِي الْبَصْرِيِّينَ وَحَدِيثُهُ عِنْدَهُمْ، رَوَى عَنْهُ هُودُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدٍ، وَهُوَ ابْنُ ابْنِهِ، وَمَزِيدَةُ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الزَّايِ وَفَتْحِ الْيَاءِ تَحْتَهَا نُقْطَتَانِ. (قَالَ: دَخَلَ): أَيْ مَكَّةَ (رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - يَوْمَ الْفَتْحِ وَعَلَى سَيْفِهِ ذَهَبٌ وَفِضَّةٌ، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ): قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: حَدِيثُ مَزِيدَةَ لَا يَقُومُ بِهِ حُجَّةٌ؛ إِذْ لَيْسَ لَهُ سَنَدٌ يُعْتَدُّ بِهِ، ذَكَرَ صَاحِبُ الِاسْتِيعَابِ حَدِيثَهُ وَقَالَ: إِسْنَادُهُ لَيْسَ بِالْقَوِيِّ.
[ ٦ / ٢٥٠٨ ]
٣٨٨٦ - وَعَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ ﵁، أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - كَانَ عَلَيْهِ يَوْمَ أُحُدٍ دِرْعَانِ قَدْ ظَاهَرَ بَيْنَهُمَا. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ.
_________________
(١) (وَعَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ ﵁): قَالَ الْمُؤَلِّفُ: " حَضَرَ حِجَّةَ الْوَدَاعِ مَعَ أَبِيهِ، وَهُوَ ابْنُ سَبْعِ سِنِينَ، رَوَى عَنْهُ الزُّهْرِيُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ (أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - كَانَ عَلَيْهِ يَوْمَ أُحُدٍ): بِضَمَّتَيْنِ مَوْضِعٌ مَعْرُوفٌ بِالْمَدِينَةِ السَّكِينَةِ (دِرْعَانِ قَدْ ظَاهَرَ): أَيْ عَاوَنَ (بَيْنَهُمَا): بِأَنْ لَيْسَ أَحَدُهُمَا فَوْقَ الْآخَرِ مِنَ الظَّاهِرِ بِمَعْنَى التَّعَاوُنِ وَالتَّسَاعُدِ كَذَا فِي النِّهَايَةِ، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى جَوَازِ الْمُبَالَغَةِ فِي أَسْبَابِ الْمُجَاهَدَةِ، وَأَنَّهُ لَا يُنَافِي التَّوَكُّلَ وَالتَّسْلِيمَ بِالْأُمُورِ الْوَاقِعَةِ الْمُقَدَّرَةِ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ) .
[ ٦ / ٢٥٠٩ ]
٣٨٨٧ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: «كَانَتْ رَايَةُ نَبِيِّ اللَّهِ - ﷺ - سَوْدَاءَ، وَلِوَاؤُهُ أَبْيَضَ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ.
_________________
(١) (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَتْ رَايَةُ نَبِيِّ اللَّهِ): وَفِي نُسْخَةٍ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - (سَوْدَاءَ): قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: أَيْ مَا غَالِبُ لَوْنِهِ أَسْوَدُ بِحَيْثُ يُرَى مِنَ الْبَعِيدِ أَسْوَدَ، لَا أَنَّهُ خَالِصُ السَّوَادِ يَعْنِي لِمَا سَيَأْتِي مِنْ أَنَّهَا كَانَتْ مِنْ نَمِرَةٍ (وَلِوَاؤُهُ أَبْيَضَ): بِالنَّصْبِ عَلَى خَبَرِ كَانَ، وَيَجُوزُ رَفْعُهُ عَلَى الْخَبَرِيَّةِ، فِي النِّهَايَةِ: الرَّايَةُ الْعَلَمُ الضَّخْمُ، «وَكَانَ اسْمُ رَايَةِ النَّبِيِّ - ﷺ - الْعَقْلَبَ»، وَيُقَالُ: أرْبَيْتُ الرَّايَةَ ; أَيْ رَكَزْتُهَا يَعْنِي أَنَّ أَلِفَهُ مُنْقَلِبَةٌ عَنْ يَاءٍ، وَفِي الْمُغْرِبِ: اللِّوَاءُ عَلَمُ الْجَيْشِ وَهُوَ دُونَ الرَّايَةِ ; لِأَنَّهُ شِقَّةُ ثَوْبٍ يُلْوَى وَيُشَدُّ إِلَى عُودِ الرُّمْحِ، وَالرَّايَةُ عَلَمُ الْجَيْشِ، وَيُكْنَى أُمَّ الْحَرْبِ، وَهُوَ فَوْقَ اللِّوَاءِ. قَالَ الْأَزْهَرِيُّ: وَالْعَرَبُ لَا تَهْمِزُهَا وَأَصْلُهَا الْهَمْزُ، وَأَنْكَرَ أَبُو عُبَيْدٍ وَالْأَصْمَعِيُّ الْهَمْزَ ; أَيْ فِي الرَّايَةِ. وَقَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: الرَّايَةُ هِيَ الَّتِي يَتَوَلَّاهَا صَاحِبُ الْحَرْبِ. وَيُقَاتِلُ عَلَيْهَا وَتَمِيلُ الْمُقَاتِلَةُ إِلَيْهَا، وَاللِّوَاءُ عَلَامَةُ كِبْكِبَةِ الْأَمِيرِ تَدُورُ مَعَهُ حَيْثُ دَارَ، وَفِي شَرْحِ مُسْلِمٍ: الرَّايَةُ الْعَلَمُ الصَّغِيرُ وَاللِّوَاءُ الْعَلَمُ الْكَبِيرُ. قُلْتُ: وَيُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ: " «بِيَدِي لِوَاءُ الْحَمْدِ، وَآدَمُ وَمَنْ دُونَهُ تَحْتَ لِوَائِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ» . (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ): وَكَذَا الْحَاكِمُ.
[ ٦ / ٢٥٠٩ ]
٣٨٨٨ - وَعَنْ مُوسَى بْنِ عُبَيْدَةَ مَوْلَى مُحَمَّدِ بْنِ الْقَاسِمِ، قَالَ: «بَعَثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْقَاسِمِ إِلَى الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ، يَسْأَلُهُ عَنْ رَايَةِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -. فَقَالَ: كَانَتْ سَوْدَاءَ مُرَبَّعَةً مِنْ نَمِرَةٍ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ.
_________________
(١) (وَعَنْ مُوسَى بْنِ عُبَيْدَةَ): بِالتَّصْغِيرِ قَالَ الْمُؤَلِّفُ فِي فَصْلِ التَّابِعِينَ: هُوَ الزَّيْدِيُّ، رَوَى عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ، وَمُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ، وَعَنْهُ شُعْبَةُ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى وَمَكِّيٌّ ضَعَّفُوهُ (مَوْلَى مُحَمَّدِ بْنِ الْقَاسِمِ): أَيِ الْخَلَّادِ الْعَنْبَرِيِّ الْمَعْرُوفِ بِأَبِي الْعَيْنَاءِ، مَوْلَى أَبِي جَعْفَرٍ الْمَنْصُورِ، وَأَصْلُهُ مِنَ الْيَمَامَةِ، وَمَوْلِدُهُ بِالْأَهْوَازِ، وَمَنْشَؤُهُ بِالْبَصْرَةِ، كَانَ مِنْ أَحْفَظِ النَّاسِ وَأَفْصَحِهِمْ لِسَانًا وَأَسْرَعِهِمْ جَوَابًا، رَوَى عَنْهُ جَمَاعَةٌ، ذَكَرَهُ الْمُؤَلَّفُ فِي التَّابِعِينَ. (قَالَ): أَيْ مُوسَى (بَعَثَنِي): أَيْ أَرْسَلَنِي (مُحَمَّدُ بْنُ الْقَاسِمِ إِلَى الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ): هُمَا صَحَابِيَّانِ (يَسْأَلُهُ عَنْ رَايَةِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -): أَيْ عَنْ لَوْنِهَا وَكَيْفِيَّتِهَا (فَقَالَ: كَانَتْ سَوْدَاءَ مُرَبَّعَةً): قَالَ الْقَاضِي: أَرَادَ بِالسَّوْدَاءِ مَا غَالِبُ لَوْنِهِ سَوَادٌ بِحَيْثُ يَرَى مِنَ الْبَعِيدِ أَسْوَدَ، لَا مَا لَوْنُهُ سَوَادٌ خَالِصٌ ; لِأَنَّهُ قَالَ: (مِنْ نَمِرَةٍ): بِفَتْحٍ فَكَسْرٍ وَهِيَ بُرْدَةٌ مِنْ صُوفٍ يَلْبَسُهَا الْأَعْرَابُ فِيهَا تَخْطِيطٌ مِنْ سَوَادٍ وَبَيَاضٍ، وَلِذَلِكَ سُمِّيَتْ نَمِرَةً تَشْبِيهًا بِالنَّمِرِ، وَيُقَالُ لَهَا: الْعَبَاءُ ; أَيْضًا. (رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ) .
[ ٦ / ٢٥٠٩ ]
٣٨٨٩ - وَعَنْ جَابِرٍ: «أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - دَخَلَ مَكَّةَ وَلِوَاؤُهُ أَبْيَضُ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ.
_________________
(١) (وَعَنْ جَابِرٍ ﵁، أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - دَخَلَ مَكَّةَ): أَيْ يَوْمَ الْفَتْحِ (وَلِوَاؤُهُ أَبْيَضُ، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ) .
[ ٦ / ٢٥١٠ ]
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
٣٨٩٠ - عَنْ أَنَسٍ ﵁، قَالَ: «لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ أَحَبَّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - بَعْدَ النِّسَاءِ مِنَ الْخَيْلِ» . رَوَاهُ النَّسَائِيُّ.
_________________
(١) الْفَصْلُ الثَّالِثُ
(٢) (عَنْ أَنَسٍ ﵁، قَالَ: «لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ أَحَبَّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - بَعْدَ النِّسَاءِ مِنَ الْخَيْلِ»): أَيِ: الْجِهَادِ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: ذِكْرُ الْخَيْلِ هُنَا كِنَايَةٌ عَنِ الْغَزْوِ وَالْمُجَاهَدَةِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَقِرَانُهُ مَعَ النِّسَاءِ هُنَا لِإِرَادَةِ التَّكْمِيلِ، كَمَا جَاءَ فِي حَدِيثٍ آخَرَ: " «حُبِّبَ إِلَيَّ الطِّيبُ وَالنِّسَاءُ وَجُعِلَ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلَاةِ» "، فَإِنَّهُ لَمَّا أَخْبَرَ أَنَّ النِّسَاءَ كُنَّ أَحَبَّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - وَالْخَيْلُ لِمَصْلَحَةِ الْعِبَادِ عَلَى مَا مَرَّ فِي حَدِيثِ الِاسْتِغْفَارِ، أَحَسَّ فِي نَفْسِهِ أَنَّ هَذَا الْوَصْفَ يُوهِمُ أَنَّهُ - ﷺ - كَانَ مَائِلًا إِلَى مُعَاشَرَةِ أَرْبَابِ الْخُدُورِ وَمُشْتَغِلًا بِهِنَّ عَنْ أَعَالِي الْأُمُورِ، فَكَمَّلَ بِقَوْلِهِ: مِنَ الْخَيْلِ لِيُؤْذِنَ بِأَنَّهُ مَعَ ذَلِكَ مِقْدَامٌ يَظَلُّ فِي الْكَرِّ وَالْفَرِّ مُجَاهِدًا مَعَ أَعْدَاءِ اللَّهِ، كَمَا كَمَّلَ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ بِقَوْلِهِ: وَجُعِلَ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلَاةِ، فَأَذِنَ بِأَنَّهُ - ﷺ - مُجَاهِدٌ مَعَ نَفْسِهِ وَاصَلٌ إِلَى مَخْدَعِ الْقُرْبِ اهـ. قِيلَ: وَقَدْ أُعْطِي - ﷺ - قُوَّةَ أَرْبَعَةِ آلَافِ رَجُلٍ فِي الْجِمَاعِ، فَعَلَى هَذَا كَانَ غَايَةً فِي التَّصَبُّرِ عَنْهُنَّ، وَنِهَايَةً فِي الِامْتِنَاعِ عَنِ اجْتِمَاعِهِنَّ. (رَوَاهُ النَّسَائِيُّ) .
[ ٦ / ٢٥١٠ ]
٣٨٩١ - وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁، قَالَ: «كَانَتْ بِيَدِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - قَوْسٌ عَرَبِيَّةٌ فَرَأَى رَجُلًا بِيَدِهِ قَوْسٌ فَارِسِيَّةٌ، قَالَ: " مَا هَذِهِ؟ أَلْقِهَا، وَعَلَيْكُمْ بِهَذِهِ وَأَشْبَاهِهَا وَرِمَاحِ الْقَنَا فَإِنَّهَا يُؤَيِّدُ اللَّهُ لَكُمْ بِهَا فِي الدِّينِ وَيُمَكِّنُ لَكُمْ فِي الْبِلَادِ» ". رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ.
_________________
(١) (وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: «كَانَتْ بِيَدِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - قَوْسٌ عَرَبِيَّةٌ»): أَيْ: مَنْسُوبَةٌ إِلَى الْعَرَبِ فِي الصِّنَاعَةِ فَرَأَى رَجُلًا بِيَدِهِ قَوْسٌ فَارِسِيَّةٌ): بِكَسْرِ الرَّاءِ وَيُسَكَّنُ ; أَيْ: عَجَمِيَّةٌ (قَالَ: مَا هَذِهِ؟): أَيِ: الْقَوْسُ الْفَارِسِيَّةُ (أَلْقِهَا): أَيِ: اطْرَحْهَا (وَعَلَيْكُمْ بِهَذِهِ): أَيِ: الْقَوْسِ الْعَرَبِيَّةِ (وَأَشْبَاهِهَا): أَيْ: فِي الْهَيْئَةِ (وَرِمَاحِ الْقَنَا): بِفَتْحِ الْقَافِ جَمْعِ الْقَنَاةِ ; أَيْ: بِرِمَاحٍ كَامِلَةٍ) فَإِنَّهَا): أَيِ: الْقِصَّةَ (يُؤَيِّدُ اللَّهُ لَكُمْ بِهَا): أَيْ: بِكُلٍّ مِنَ الْقَوْسِ وَالرِّمَاحِ (فِي الدِّينِ وَيُمَكِّنُ لَكُمْ فِي الْبِلَادِ): يُقَالُ: مَكَّنَتْهُ فِي الْأَرْضِ تَمْكِينًا أَثْبَتُّهُ فِيهَا. قَالَ الطِّيبِيُّ: اسْمُ إِنَّ ضَمِيرُ الْقِصَّةِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ﴾ [الحج: ٤٦] وَلَعَلَّ الصَّحَابِيَّ رَأَى أَنَّ الْقَوْسَ الْفَارِسِيَّةَ أَقْوَى وَأَشَدُّ وَأَبْعَدُ مَرْمًى، فَآثَرَهَا عَلَى الْعَرَبِيَّةِ زَعْمًا بِأَنَّهَا أَعْوَنُ فِي الْحَرْبِ وَفَتْحِ الْبِلَادِ، فَأَرْشَدَهُ - ﷺ - بِأَنَّهُ لَيْسَ كَمَا زَعَمْتَ، بَلِ اللَّهُ تَعَالَى هُوَ الَّذِي يَنْصُرُكُمْ فِي الدِّينِ، وَيُمَكِّنُكُمْ فِي الْبِلَادِ بِعَوْنِهِ لَا بِعَوْنِكُمْ وَلَا قُوَّةِ إِعْدَادِكُمْ، وَفِي الْقَامُوسِ: الْقَوْسُ مُؤَنَّثٌ وَقَدْ تُذَكَّرُ، وَذُو الْقَوْسِ حَاجِبُ ابْنُ زُرَارَةَ أَتَى كِسْرَى فِي جَدْبٍ أَصَابَهُمْ بِدَعْوَةِ النَّبِيِّ - ﷺ - يَسْتَأْذِنُهُ لِقَوْمِهِ أَنْ يَصِيرُوا فِي نَاحِيَةٍ مِنْ بِلَادِهِ حَتَّى يَحْيَوْا فَقَالَ: إِنَّكُمْ مُعَاشِرَ الْعَرَبِ غُدُرٌ حُرُصٌ، فَإِذَا أَذِنْتُ لَكُمْ أَفْسَدْتُمُ الْبِلَادَ وَأَغَرْتُمْ عَلَى الْعِبَادِ. قَالَ حَاجِبٌ: إِنِّي ضَامِنٌ لِلْمَلِكِ أَنْ لَا يَفْعَلُوا. قَالَ: فَمَنْ لِي بِأَنْ تَفِيَ؟ قَالَ: أَرْهَنُكَ قَوْسِي فَضَحِكَ مَنْ حَوْلَهُ فَقَالَ كِسْرَى: مَا كَانَ لِيُسَلِّمَهَا أَبَدًا فَقَبِلَهَا مِنْهُ، وَأَذِنَ لَهُمْ، ثُمَّ أُحْيِيَ النَّاسُ بِدَعْوَةِ النَّبِيِّ - ﷺ -، وَقَدْ مَاتَ حَاجِبٌ فَارْتَحَلَ عُطَارِدٌ ابْنُهُ ﵁ إِلَى كِسْرَى يَطْلُبُ قَوْسَ أَبِيهِ، فَرَدَّهَا عَلَيْهِ وَكَسَاهُ حُلَّةً، فَلَمَّا رَجَعَ أَهْدَاهَا لِلنَّبِيِّ - ﷺ - فَبَاعَهَا مِنْ يَهُودِيٍّ بِأَرْبَعَةِ آلَافِ دِرْهَمٍ. (رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ) .
[ ٦ / ٢٥١٠ ]