الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
٥٢٨٤ - عَنْ سَعْدٍ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: " «إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْعَبْدَ التَّقِيَّ الْغَنِيَّ الْخَفِيَّ» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَذُكِرَ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ: " لَا حَسَدَ إِلَّا فِي اثْنَيْنِ " فِي (بَابِ فَضَائِلِ الْقُرْآنِ) .
_________________
(١) اسْتِحْبَابُ الْمَالِ وَالْعُمُرِ لِلطَّاعَةِ أَيْ: جَوَازُ طَلَبِ حُبِّ الْمَالِ وَطُولِ الْعُمُرِ لِصَرْفِهَا فِي الطَّاعَةِ وَالْعِبَادَةِ. الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
(٢) (عَنْ سَعْدٍ) أَيِ: ابْنِ أَبِي وَقَّاصٍ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " «إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْعَبْدَ التَّقِيَّ» ") أَيْ: مَنْ يَتَّقِي الْمَنَاهِي أَوْ مَنْ لَا يَصْرِفُ مَالَهُ فِي الْمَلَاهِي، وَقِيلَ: هُوَ الَّذِي يَتَّقِي الْمُحَرَّمَاتِ وَالشُّبُهَاتِ وَيَتَوَرَّعُ عَنِ الْمُشْتَهَيَاتِ وَالْمُبَاحَاتِ (" الْغَنِيَّ "): قَالَ النَّوَوِيُّ - ﵀ -: الْمُرَادُ بِالْغِنَى غِنَى النَّفْسِ، وَهَذَا هُوَ الْغِنَى الْمَحْبُوبُ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " «الْغِنَى غِنَى النَّفْسِ» " وَأَشَارَ الْقَاضِي - ﵀ - إِلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ غِنَى الْمَالِ. قُلْتُ: وَهَذَا
[ ٨ / ٣٣٠٥ ]
هُوَ الْمُنَاسِبُ لِعُنْوَانِ الْبَابِ، وَهُوَ لَا يُنَافِي غِنَى النَّفْسِ، فَإِنَّهُ الْأَصْلُ فِي الْغِنَى وَالْفَرْدُ الْأَكْمَلُ فِي الْمَعْنَى، وَيَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ غِنَى الْيَدِ الْمُوجِبُ لِتَحْصِيلِ الْخَيْرَاتِ وَالْمَبَرَّاتِ فِي الدُّنْيَا، وَوُصُولِ الدَّرَجَاتِ الْعَالِيَاتِ فِي الْعُقْبَى، وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْغَنِيُّ الشَّاكِرُ، وَقَدْ يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى أَنَّهُ أَفْضَلُ مِنَ الْفَقِيرِ الصَّابِرِ، لَكِنَّ الْمُعْتَمَدَ خِلَافُهُ لِمَا سَبَقَ بَيَانُهُ وَتَحَقَّقَ بُرْهَانُهُ. (" الْخَفِيَّ ") . بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ أَيِ: الْخَامِلَ الْمُنْقَطِعَ لِعِبَادَةِ رَبِّهِ الْمُشْتَغِلَ بِأُمُورِ نَفْسِهِ، أَوِ الْخَفِيَّ الْخَيْرِ بِأَنْ يَعْمَلَهُ وَيَصْرِفَ مَالَهُ فِي مَرْضَاةِ رَبِّهِ حَيْثُ لَا يُطْلِعَ عَلَيْهِ غَيْرَهُ، الشَّامِلَ لِلْفَقِيرِ أَيْضًا، كَمَا وَرَدَ: «حَتَّى لَا تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ»، وَهُوَ الْأَظْهَرُ. وَرُوِيَ بِالْمُهْمَلَةِ أَيِ: الْمُشْفِقَ. وَقَالَ النَّوَوِيُّ - ﵀ -: مَعْنَاهُ الْوَاصِلُ لِلرَّحِمِ اللَّطِيفُ بِهِمْ وَبِغَيْرِهِمْ مِنَ الضُّعَفَاءِ، وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ، وَفِيهِ حُجَّةٌ لِمَنْ يَقُولُ: الِاعْتِزَالُ أَفْضَلُ مِنَ الِاخْتِلَاطِ، وَمَنْ قَالَ بِتَفْضِيلِ الِاخْتِلَاطِ تَأَوَّلَ هَذَا بِالِاعْتِزَالِ فِي وَقْتِ الْفِتْنَةِ. أَقُولُ: أَوْ يُحْمَلُ عَلَى اخْتِلَاطِ أَرْبَابِ الْبَطَالَةِ. وَقَالَ ابْنُ الْمَلِكِ: أَرَادَ بِهِ الْخَفِيَّ عَنْ أَعْيُنِ النَّاسِ فِي نَوَافِلِهِ لِئَلَّا يَدْخُلَهُ الرِّيَاءُ، وَقِيلَ: هُوَ مَنْ لَا يَتَكَبَّرُ عَلَى النَّاسِ وَلَا يَفْتَخِرُ عَلَيْهِمْ بِالْمَالِ، بَلْ يَجْعَلُ نَفْسَهُ مُنْكَسِرَةً مِنَ التَّوَاضُعِ، وَقِيلَ: أَرَادَ بِهِ قَلِيلَ التَّرَدُّدِ وَالْخُرُوجِ إِلَى نَحْوِ الْأَسْوَاقِ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) أَيْ: مِنْ طَرِيقِ عَامِرِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، ذَكَرَهُ الْجَزَرِيُّ. وَفِي الْجَامِعِ: رَوَاهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ. قَالَ الطِّيبِيُّ - ﵀ -: وَفِي بَعْضِ نُسَخِ الْمَصَابِيحِ أَلْحَقَ بَعْدَ قَوْلِهِ: التَّقِيَّ، النَّقِيَّ بِالنُّونِ، وَلَمْ يُوجَدْ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ وَشَرْحِهِ، وَلَا فِي الْحُمَيْدِيِّ وَجَامِعِ الْأُصُولِ.
(وَذُكِرَ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ: " «لَا حَسَدَ إِلَّا فِي اثْنَيْنِ ") أَيْ: رَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ الْقُرْآنَ، وَرَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ مَالًا» (فِي " بَابِ فَضَائِلِ الْقُرْآنِ "): صَوَابُهُ فِي كِتَابِ فَضَائِلِ الْقُرْآنِ، ثُمَّ لَمَّا كَانَ الْحَدِيثُ مُشْتَمِلًا عَلَى الْمَعْنَيَيْنِ الْمُنَاسِبَيْنِ لِلْبَابَيْنِ بِاعْتِبَارِ الرَّجُلَيْنِ، وَالْأَوَّلُ مِنْهُمَا مُتَعَلِّقٌ بِفَضْلِ الْقُرْآنِ خُصَّ بِهِ أَوَّلًا مُقَرَّرًا وَصَارَ الثَّانِي مُسْتَدْرَكًا مُكَرَّرًا.
[ ٨ / ٣٣٠٦ ]
الْفَصْلُ الثَّانِي
٥٢٨٥ - عَنْ أَبِي بَكْرَةَ - ﵁ «- أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَيُّ النَّاسِ خَيْرٌ؟ قَالَ: " مَنْ طَالَ عُمُرُهُ، وَحَسُنَ عَمَلُهُ ". قَالَ: فَأَيُّ النَّاسِ شَرٌّ؟ قَالَ: " مَنْ طَالَ عُمُرُهُ وَسَاءَ عَمَلُهُ» ". رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالدَّارِمِيُّ.
_________________
(١) الْفَصْلُ الثَّانِي
(٢) (عَنْ أَبِي بَكْرَةَ): بِالتَّاءِ (أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَيُّ النَّاسِ) أَيْ: أَيُّ أَصْنَافِهِمْ (خَيْرٌ) أَيْ: أَخْيَرُ (قَالَ: " مَنْ طَالَ عُمُرُهُ ") بِضَمَّتَيْنِ عَلَى مَا هُوَ الْأَفْصَحُ الْوَارِدُ فِي كَلَامِهِ سُبْحَانَهُ، وَبِضَمٍّ فَسُكُونٍ عَلَى مَا هُوَ الْمَشْهُورُ عَلَى أَلْسِنَةِ الْعَامَّةِ تَخْفِيفًا، وَفَتْحُ الْعَيْنِ وَسُكُونُ الْمِيمِ لُغَةٌ فِيهِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الحجر: ٧٢] وَفِي الْقَامُوسِ: الْعُمُرُ بِالْفَتْحِ وَبِالضَّمِّ وَبِضَمَّتَيْنِ الْحَيَاةُ. (" وَحَسُنَ عَمَلُهُ " قَالَ: فَأَيُّ النَّاسِ شَرٌّ)؟ أَيْ: أَشَرُّ (قَالَ: " مَنْ طَالَ عُمُرُهُ وَسَاءَ عَمَلُهُ ") . قَالَ الطِّيبِيُّ - ﵀ -: وَقَدْ سَبَقَ أَنَّ الْأَوْقَاتِ وَالسَّاعَاتِ كَرَأْسِ الْمَالِ لِلتَّاجِرِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَتْجُرَ فِيمَا يَرْبَحُ فِيهِ، وَكُلَّمَا كَانَ رَأْسُ مَالِهِ كَثِيرًا كَانَ الرِّبْحُ أَكْثَرَ، فَمَنْ مَضَى لِطَيِّبِهِ فَازَ وَأَفْلَحَ، وَمَنْ أَضَاعَ رَأْسَ مَالِهِ لَمْ يَرْبَحْ وَخَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا، انْتَهَى. وَبَقِيَ صِنْفَانِ مُسْتَوِيَانِ لَيْسَ فِيهِمَا زِيَادَةٌ مِنَ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ، وَهُمَا: مَنْ قَصُرَ عُمُرُهُ وَحَسُنَ عَمَلُهُ أَوْ سَاءَ عَمَلُهُ. (رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ)، وَفِي نُسْخَةٍ: وَقَالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ (وَالدَّارِمِيُّ): وَكَذَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ، وَالْحَاكِمُ وَالْبَيْهَقِيُّ عَنْهُ، وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ وَأَبُو نُعَيْمٍ فِي الْحِلْيَةِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُسْرٍ مَرْفُوعًا " طُوبَى لِمَنْ طَالَ عُمُرُهُ وَحَسُنَ عَمَلُهُ " وَرَوَى الْحَاكِمُ عَنْ جَابِرٍ مَرْفُوعًا: " خِيَارُكُمْ أَطْوَلُكُمْ أَعْمَارًا وَأَحْسَنُكُمْ أَعْمَالًا ".
[ ٨ / ٣٣٠٦ ]
٥٢٨٦ - وَعَنْ عُبَيْدِ بْنِ خَالِدٍ - ﵁ - «أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - آخَى بَيْنَ رَجُلَيْنِ، فَقُتِلَ أَحَدُهُمَا، ثُمَّ مَاتَ الْآخَرُ بَعْدَهُ بِجُمُعَةٍ أَوْ نَحْوِهَا، فَصَلَّوْا عَلَيْهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: " مَا قُلْتُمْ؟ " قَالُوا: دَعَوْنَا اللَّهَ أَنْ يَغْفِرَ لَهُ وَيَرْحَمَهُ وَيُلْحِقَهُ بِصَاحِبِهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: " فَأَيْنَ صَلَاتُهُ بَعْدَ صَلَاتِهِ، وَعَمَلُهُ بَعْدَ عَمَلِهِ؟ " أَوْ قَالَ: " صِيَامُهُ بَعْدَ صِيَامِهِ ; لِمَا بَيْنَهُمَا أَبْعَدُ مِمَّا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ» " رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ.
[ ٨ / ٣٣٠٦ ]
٥٢٨٦ - (وَعَنْ عُبَيْدِ): بِالتَّصْغِيرِ (بْنِ خَالِدٍ) قَالَ الْمُؤَلِّفُ فِي فَضْلِ الصَّحَابَةِ: سَلَمِيٌّ بَهْزِيٌّ مُهَاجِرِيٌّ، سَكَنَ الْكُوفَةَ، رَوَى عَنْهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الْكُوفِيِّينَ (أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - آخَى) أَيْ: عَقَدَ الْأُخُوَّةَ وَبَيْعَةَ الصُّحْبَةِ وَالْمَحَبَّةِ (بَيْنَ رَجُلَيْنِ) أَيْ: مِنْ أَصْحَابِهِ (فَقُتِلَ أَحَدُهُمَا) أَيِ: اسْتُشْهِدَ (فِي سَبِيلِ اللَّهِ) أَيْ: فِي الْجِهَادِ (ثُمَّ مَاتَ الْآخَرُ) أَيْ: عَلَى فِرَاشِهِ (بَعْدَهُ): وَفِي نُسْخَةٍ: بَعْدُ بِضَمِّ الدَّالِ مَبْنِيًّا وَالْمَعْنَى بَعْدَ قَتْلِ أَخِيهِ (بِجُمُعَةٍ) أَيْ: بِأُسْبُوعٍ (أَوْ نَحْوِهَا) أَيْ: قَرِيبًا مِنْهَا تَخْمِينًا أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ، وَإِنَّمَا أَتَى بِهِ احْتِيَاطًا (فَصَلَّوْا) أَيِ: الْمُسْلِمُونَ (عَلَيْهِ) أَيْ: عَلَى الْآخَرِ (فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: " مَا قُلْتُمْ؟ ") أَيْ: فِي حَقِّهِ مِنَ الْكَلَامِ، وَمَا لِلِاسْتِفْهَامِ (قَالُوا: دَعَوْنَا اللَّهَ أَنْ يَغْفِرَ لَهُ) أَيْ: ذُنُوبَهُ (وَيَرْحَمَهُ) أَيْ: يَتَفَضَّلَ عَلَيْهِ وَيُثِيبَهُ (وَيُلْحِقَهُ): مِنَ الْإِلْحَاقِ، أَيْ: يُوصِلَهُ (بِصَاحِبِهِ) أَيْ: فِي عُلُوِّ دَرَجَتِهِ لِكَيْ يَكُونَا فِي مَنْزِلَةٍ وَاحِدَةٍ مِنَ الْجَنَّةِ فِي الْعُقْبَى، كَمَا كَانَا فِي مَرْتَبَةٍ وَاحِدَةٍ مِنَ الْمَحَبَّةِ فِي الدُّنْيَا، (فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: " فَأَيْنَ "): جَوَابُ شَرْطٍ مُقَدَّرٍ أَيْ: إِذَا كُنْتُمْ تَدْعُونَ اللَّهَ بِأَنْ يُلْحِقَهُ بِصَاحِبِهِ، زَعْمًا مِنْكُمْ أَنَّ مَرْتَبَتَهُ دُونَ مَرْتَبَةِ أَخِيهِ، فَأَيْنَ (" صَلَاتُهُ ") أَيِ: الزَّائِدَةُ لِلْمَيِّتِ (" بَعْدَ صِلَاتِهِ ") أَيِ: الْوَاقِعَةِ لِلشَّهِيدِ (" وَعَمَلُهُ بَعْدَ عَمَلِهِ؟ "): تَعْمِيمٌ بَعْدَ تَخْصِيصٍ، أَوِ التَّقْدِيرُ وَسَائِرُ عَمَلِهِ أَيْ: عَمَلُ الْمَيِّتِ بَعْدَ انْقِطَاعِ عَمَلِ الشَّهِيدِ. (أَوْ قَالَ): شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي (" صِيَامُهُ بَعْدَ صِيَامِهِ ") وَلَعَلَّهُ كَانَ فِي رَمَضَانَ أَوِ الْمُتَخَلِّفُ كَانَ مِمَّنْ يَصُومُ النَّافِلَةَ كَثِيرًا (" لِمَا بَيْنَهُمَا "): قَالَ ابْنُ الْمَلِكِ: اللَّامُ فِيهِ تَوْطِئَةٌ لِلْقَسَمِ أَوْ لِلِابْتِدَاءِ. قُلْتُ: الثَّانِي هُوَ الصَّحِيحُ ; لِأَنَّ شَرْطَ الْمُوطِّئَةِ أَنْ تَكُونَ مَقْرُونَةً بِإِنِ الشَّرْطِيَّةِ نَحْوَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ﴾ [الزمر: ٦٥] الْآيَةَ. نَعَمْ يُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ اللَّامُ فِي جَوَابِ الْقَسَمِ الْمُقَدَّرِ أَيْ: وَاللَّهِ لِمَا بَيْنَهُمَا، وَالْمَعْنَى لِلتَّفَاوُتِ الَّذِي بَيْنَ الْأَخَوَيْنِ فِي الْقُرْبِ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى. (" أَبْعَدُ مِمَّا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ") يَعْنِي مَرْتَبَةُ الْمَيِّتِ أَعْلَى فَإِلْحَاقُ الشَّهِيدِ بِهِ أَوْلَى، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ أَيْضًا كَانَ مُرَابِطًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَلَهُ الْمُشَارَكَةُ فِي الشَّهَادَةِ حُكْمًا وَطَرِيقَةً، وَلَهُ الزِّيَادَةُ فِي الطَّاعَةِ وَالْعِبَادَةِ شَرِيعَةً وَحَقِيقَةً، وَإِلَّا فَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ لَا عَمَلَ أَزْيَدُ ثَوَابًا عَلَى الشَّهَادَةِ جِهَادًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَإِظْهَارًا لِدِينِهِ، لَا سِيَّمَا فِي مَبَادِئِ الدَّعْوَةِ مَعَ قِلَّةِ أَعْوَانِهِ مِنْ أَهْلِ الْمِلَّةِ.
وَقَالَ الطِّيبِيُّ - ﵀ -: فَإِنْ قُلْتَ: كَيْفَ تَفْضُلُ هَذِهِ الزِّيَادَةُ فِي الْعَمَلِ بِلَا شَهَادَةٍ عَلَى عَمَلِهِ مَعَهَا؟ قُلْتُ: قَدْ عَرَفَ - ﷺ - أَنَّ عَمَلَ هَذَا بِلَا شَهَادَةٍ سَاوَى عَمَلَهُ مَعَ شَهَادَتِهِ بِسَبَبِ مَزِيدِ إِخْلَاصِهِ وَخُشُوعِهِ، ثُمَّ زَادَ عَلَيْهِ بِمَا عَمِلَ بَعْدَهُ، وَكَمْ مِنْ شَهِيدٍ لَا يُدْرِكُ شَيْئًا، وَالصِّدِّيقُ فِي الْعَمَلِ انْتَهَى، فَتَأَمَّلْ فَإِنَّهُ لَيْسَ فِي الْحَدِيثِ إِشْعَارٌ بِقِلَّةِ الْإِخْلَاصِ لِلشَّهِيدِ، فَهَذَا الظَّنُّ بِالصَّحَابَةِ لَيْسَ بِالسَّدِيدِ، مَعَ أَنَّهُ لَوْ كَانَ هَذَا عِلَّةَ التَّفْضِيلِ لَبَيَّنَهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي وَجْهِ التَّعْلِيلِ، وَلَا كَلَامَ فِي الصِّدِّيقِ أَنَّهُ مِمَّنْ تَفَضَّلَ عَلَيْهِ سُبْحَانَهُ بِزِيَادَةِ التَّوْفِيقِ، مَعَ أَنَّهُ - ﵁ - شَهِيدٌ حُكْمًا، وَقَدْ قَدَّمَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ مَرْتَبَةَ الصَّدِّيقِينَ عَلَى الشُّهَدَاءِ فِي مَوَاضِعَ مِنْ كِتَابِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ) . رِجَالُ هَذَا الْحَدِيثِ رِجَالُ الصَّحِيحِ إِلَّا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ رَبِيعَةَ السُّلَمِيَّ عَنْ عُبَيْدِ بْنِ خَالِدٍ. قَالَ النَّسَائِيُّ: إِنَّهُ صَحَابِيٌّ، وَعَلَى تَقْدِيرِ أَنْ لَا يَكُونَ صَحَابِيًّا فَهُوَ تَابِعِيٌّ، وَلَمْ يَذْكُرْهُ أَحَدٌ بِضَعْفٍ، وَأَمَّا عُبَيْدُ بْنُ خَالِدٍ، وَهُوَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ السُّلَمِيُّ الْبَهْزِيُّ فَلَهُ صُحْبَةٌ وَنَزِيلُ الْكُوفَةِ، رَوَى عَنْهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعَةَ، وَتَمِيمُ بْنُ سَلَمَةَ، وَسَعِيدُ بْنُ عُبَيْدَةَ، نَقَلَهُ مِيرَكُ عَنِ التَّصْحِيحِ. وَفِي التَّقْرِيبِ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعَةَ بْنِ فَرْقَدٍ السُّلَمِيُّ ذُكِرَ فِي الصَّحَابَةِ، وَنَفَاهَا أَبُو حَاتِمٍ، وَوَثَّقَهُ ابْنُ حِبَّانَ، انْتَهَى. وَسَيَأْتِي زِيَادَةُ كَلَامٍ فِي هَذَا الْمَرَامِ.
[ ٨ / ٣٣٠٧ ]
٥٢٨٧ - وَعَنْ أَبِي كَبْشَةَ الْأَنْمَارِيِّ - ﵁ - أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يَقُولُ: " «ثَلَاثٌ أُقْسِمُ عَلَيْهِنَّ، وَأُحَدِّثُكُمْ حَدِيثًا فَاحْفَظُوهُ، فَأَمَّا الَّذِي أُقْسِمُ عَلَيْهِنَّ فَإِنَّهُ مَا نَقَصَ مَالُ عَبْدٍ مِنْ صَدَقَةٍ، وَلَا ظُلِمَ عَبْدٌ مَظْلِمَةً صَبَرَ عَلَيْهَا إِلَّا زَادَهُ اللَّهُ بِهَا عِزًّا، وَلَا فَتَحَ عَبْدٌ بَابَ مَسْأَلَةٍ إِلَّا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ بَابَ فَقْرٍ. وَأَمَّا الَّذِي أُحَدِّثُكُمْ فَاحْفَظُوهُ " فَقَالَ: " إِنَّمَا الدُّنْيَا لِأَرْبَعَةِ نَفَرٍ: عَبْدٍ رَزَقَهُ اللَّهُ مَالًا وَعِلْمًا، فَهُوَ يَتَّقِي فِيهِ رَبَّهُ، وَيَصِلُ رَحِمَهُ، وَيَعْمَلُ لِلَّهِ فِيهِ بِحَقِّهِ، فَهَذَا بِأَفْضَلِ الْمَنَازِلِ. وَعَبْدٍ رَزَقَهُ اللَّهُ عِلْمًا وَلَمْ يَرْزُقْهُ مَالًا، فَهُوَ صَادِقُ النِّيَّةِ يَقُولُ: لَوْ أَنَّ لِي مَالًا لَعَمِلْتُ بِعَمَلِ فُلَانٍ، فَأَجْرُهُمَا سَوَاءٌ. وَعَبْدٍ رَزَقَهُ اللَّهُ مَالًا وَلَمْ يَرْزُقْهُ عِلْمًا، فَهُوَ يَتَخَبَّطُ فِي مَالِهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ، لَا يَتَّقِي فِيهِ رَبَّهُ وَلَا يَصِلُ فِيهِ رَحِمَهُ، وَلَا يَعْمَلُ فِيهِ بِحَقٍّ، فَهَذَا بِأَخْبَثِ الْمَنَازِلِ، وَعَبُدٍ لَمْ يَرْزُقْهُ اللَّهُ مَالًا وَلَا عِلْمًا، فَهُوَ يَقُولُ: لَوْ أَنَّ لِي مَالًا لَعَمِلْتُ فِيهِ بِعَمَلِ فُلَانٍ، فَهُوَ نِيَّتُهُ وَوِزْرُهُمَا سَوَاءٌ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ.
_________________
(١) (وَعَنْ أَبِي كَبْشَةَ الْأَنْمَارِيِّ): قَالَ الْمُؤَلِّفُ: هُوَ عَمْرُو بْنُ سَعِيدٍ نَزَلَ الشَّامَ، رَوَى عَنْهُ سَالِمُ بْنُ أَبِي الْجَعْدِ، وَنُعَيْمُ بْنُ زِيَادٍ (أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: " ثَلَاثٌ ") أَيْ: مِنَ الْخِصَالِ (" أُقْسِمُ ") أَيْ: أَحْلِفُ (" عَلَيْهِنَّ، وَأُحَدِّثُكُمْ "): عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ " ثَلَاثٌ " بِحَسَبِ الْمَعْنَى، فَكَأَنَّهُ قَالَ: أُخْبِرُكُمْ بِثَلَاثٍ أُؤَكِّدُهُنَّ بِالْقَسَمِ عَلَيْهِنَّ، وَأُحَدِّثُكُمْ (" حَدِيثًا ") أَيْ: تَحْدِيثًا عَظِيمًا أَوْ بِحَدِيثٍ آخَرَ (" فَاحْفَظُوهُ ") أَيِ: الْأَخِيرَ أَوِ الْمُجَمَّعَ، وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى مَا اخْتَرْنَاهُ مِنَ التَّقْدِيرِ الْمَذْكُورِ وَالتَّحْرِيرِ الْمَسْطُورِ قَوْلُهُ: (" فَأَمَّا الَّذِي أُقْسِمُ عَلَيْهِنَّ ") أَيِ: الَّذِي أُخْبِرُكُمْ بِثَلَاثٍ وَأَحْلِفُ عَلَيْهِنَّ، هُوَ هَذَا الَّذِي أُبَيِّنُهُ (" فَإِنَّهُ ") أَيِ: الشَّأْنَ (" مَا نَقَصَ مَالُ عَبْدٍ ") أَيْ: بَرَكَتُهُ (" مِنْ صَدَقَةٍ ") أَيْ: مِنْ أَجْلِ إِعْطَاءِ صَدَقَةٍ لِأَنَّهَا مَخْلُوفَةٌ مُعَوَّضَةٌ كَمِّيَّةً أَوْ كَيْفِيَّةً فِي الدَّارِ الدُّنْيَوِيَّةِ وَالْأُخْرَوِيَّةِ. قَالَ تَعَالَى ﷻ: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾ [سبأ: ٣٩] (" وَلَا ظُلِمَ عَبْدٌ "): بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ (" مَظْلِمَةً "): بِفَتْحِ الْمِيمِ وَكَسْرِ اللَّامِ اسْمُ مَا أَخَذَهُ الظَّالِمُ ظُلْمًا، كَذَا ذَكَرَهُ ابْنُ الْمَلِكِ. وَفِي الْقَامُوسِ: الْمَظْلِمَةُ بِكَسْرِ اللَّامِ مَا يَظْلِمُهُ الرَّجُلُ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ هُنَا مَصْدَرٌ بِمَعْنَى الْمَفْعُولِ صِفَتُهُ قَوْلُهُ: (" صَبَرَ ") أَيِ: الْعَبْدُ (" عَلَيْهَا ") أَيْ: عَلَى تِلْكَ الْمَظْلِمَةِ وَلَوْ كَانَ مُتَضَمِّنًا لِنَوْعٍ عَنِ الْمَذَلَّةِ (" إِلَّا زَادَهُ اللَّهُ بِهَا عِزًّا ") أَيْ: عِنْدَهُ تَعَالَى، كَمَا أَنَّهُ يَزِيدُ لِلظَّالِمِ عِنْدَهُ ذُلًّا بِهَا أَوْ يَزِيدُهُ اللَّهُ بِهَا عِزًّا لَهُ فِي الدُّنْيَا مُعَاقَبَةً، كَمَا يَحْصُلُ لِلظَّالِمِ ذُلٌّ بِهَا وَلَوْ بَعْدَ حِينٍ مَنَّ الْمُدَّةِ، بَلْ رُبَّمَا يَنْقَلِبُ الْأَمْرُ وَيَجْعَلُ الظَّالِمَ تَحْتَ ذُلِّ الْمَظْلُومِ جَزَاءً وِفَاقًا، (" وَلَا فَتَحَ عَبْدٌ ") أَيْ: عَلَى نَفْسِهِ (" بَابَ مَسْأَلَةٍ ") أَيْ: بَابَ سُؤَالٍ وَطَلَبٍ مِنَ النَّاسِ لَا لِحَاجَةٍ وَضَرُورَةٍ، بَلْ لِقَصْدِ غِنًى وَزِيَادَةٍ (" إِلَّا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ بَابَ فَقْرٍ ") أَيْ: بَابَ احْتِيَاجٍ آخَرَ وَهَلُمَّ جَرَّا، أَوْ بِأَنْ سَلَبَ عَنْهُ مَا عِنْدَهُ مِنَ النِّعْمَةِ فَيَقَعُ فِي نِهَايَةٍ مِنَ النِّقْمَةِ، كَمَا هُوَ مُشَاهَدٌ فِي أَصْحَابِ التُّهْمَةِ، وَمُثِّلَ حَالُهُ بِالْحِمَارِ الَّذِي لَيْسَ لَهُ الذَّنَبُ، وَهُوَ دَائِرٌ فِي الطَّلَبِ، فَدَخَلَ فِي بُسْتَانٍ حَرِيصًا عَلَيْهِ فَقَطَعَ الْحَارِثُ أُذُنَيْهِ، وَشُبِّهَ أَيْضًا بِكَلْبٍ فِي فَمِهِ عَظْمٌ، وَمَرَّ عَلَى نَهْرٍ لِطَيْفٍ يَظْهَرُ مِنْ تَحْتِهِ عَظْمٌ نَظِيفٌ، فَفَتَحَ الْكَلْبُ فَمَهُ حِرْصًا عَلَى أَخْذِ مَا فِي قَعْرِ الْمَاءِ فَوَقَعَ مَا فِي فَمِهِ مِنَ الْعَظْمِ فِي الْمَاءِ، فَالْحِرْصُ شُؤْمٌ وَالْحَرِيصٌ مَحْرُومٌ، هَذَا وَقَالَ الطِّيبِيُّ - ﵀ - فِي قَوْلِهِ: فَأَمَّا الَّذِي أُقْسِمُ عَلَيْهِنَّ أَفْرَدَهُ وَذَكَرَهُ بِاعْتِبَارِ كَوْنِ الْمَذْكُورِ مَوْعُودًا، وَجَمَعَ الْمَرْجِعَ إِلَى الْمَوْصُولِ بِاعْتِبَارِ الْخِصَالِ الْمَذْكُورَاتِ، وَبِهِ فُسِّرَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ﴾ [البقرة: ١٧] فِي وَجْهٍ أَيِ: الْجَمْعُ أَوِ الْفَوْجُ، وَفِي الْمَصَابِيحِ: أَمَّا اللَّاتِي أُقْسِمُ عَلَيْهِنَّ وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ تَحْقِيقَ الْحَلِفِ، بَلْ تَأْكِيدَهُ تَنْوِيهًا فَإِنَّ الْمُدَّعِي يُثْبِتُ بِذِكْرِ الْقَسَمِ تَارَةً وَأُخْرَى بِلَفْظِ الْقَسَمِ، انْتَهَى. وَالْأَظْهَرُ أَنْ يُقَالَ: التَّقْدِيرُ فَأَمَّا قَوْلِي الَّذِي أُقْسِمُ فِيهِ عَلَى الْخِصَالِ الثَّلَاثِ، وَأُؤَكِّدُهُ فَإِنَّهُ إِلَى آخِرِهِ. (" وَأَمَّا الَّذِي أُحَدِّثُكُمْ حَدِيثًا فَاحْفَظُوهُ " فَقَالَ: " إِنَّمَا الدُّنْيَا "): هُوَ تَفْسِيرٌ وَبَيَانٌ، بَلْ قَالَ جُمْلَةً مُعْتَرِضَةً لِلتَّأْكِيدِ، وَالتَّقْدِيرُ: فَإِنَّمَا الدُّنْيَا، وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّهُ لَيْسَ فِي الْجَامِعِ لَفْظُ فَقَالَ: بَلْ فِيهِ: إِنَّمَا الدُّنْيَا (لِأَرْبَعَةِ نَفَرٍ) أَيْ: كُلٌّ وَاحِدٍ عِبَارَةٌ عَنْ جَمْعٍ وَصِنْفٍ (" عَبْدٍ "): بِالْجَرِّ وَيُرْفَعُ (" رَزَقَهُ اللَّهُ مَالًا وَعِلْمًا ") فِيهِ إِيمَاءٌ إِلَى أَنَّ الْعِلْمَ رِزْقٌ أَيْضًا، وَأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى هُوَ الَّذِي يَرْزُقُ الْعِلْمَ وَالْمَالَ، وَبِتَوْفِيقِهِ وَفَتْحِهِ يُفْتَحُ بَابُ الْكَمَالِ، وَقَدْ وَرَدَ فِي حَدِيثٍ: «إِنَّ عِلْمًا لَا يُقَالُ بِهِ كَكَنْزٍ لَا يُنْفَقُ مِنْهُ»، فَيَدْخُلُ الْعُلَمَاءُ وَلَوْ كَانُوا فَقُرَاءَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: ٣] ثُمَّ فِيهِ إِشْعَارٌ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْمَالِ هُنَا مَا يَزِيدُ عَلَى قَدْرِ ضَرُورَةِ الْحَالِ (" فَهُوَ يَتَّقِي فِيهِ ") أَيْ: فِي الْمَالِ (" رَبَّهُ ") بِأَنْ لَا يَصْرِفَ مَالَهُ فِي مَعْصِيَةِ خَالِقِهِ (" وَيَصِلُ رَحِمَهُ ") أَيْ: بِالْمُوَاسَاةِ إِلَى أَقَارِبِهِ (وَيَعْمَلُ لِلَّهِ فِيهِ) أَيْ: فِي الْعِلْمِ (" بِحَقِّهِ ")
[ ٨ / ٣٣٠٨ ]
أَيْ: قِيَامًا بِحَقِّ الْعِلْمِ وَمَا يَقْتَضِيهِ مِنَ الْعَمَلِ بِحَقِّ اللَّهِ وَحَقِّ عِبَادِهِ، فَفِيهِ لَفٌّ وَنَشْرٌ مُرَتَّبٌ، وَيُؤَيِّدُهُ لَفْظُ الْجَامِعِ: وَيَعْلَمُ لِلَّهِ فِيهِ حَقًّا، وَيُمْكِنُ رُجُوعُ كُلٍّ مِنَ الضَّمِيرَيْنِ إِلَى كُلٍّ مِنَ الْمَالِ وَالْعِلْمِ، وَأَفْرَدَهُ بِاعْتِبَارِ مَا ذُكِرَ. وَقَالَ ابْنُ الْمَلِكِ أَيْ: بِحَقِّ الْمَالِ، وَالْمَعْنَى يُؤَدِّي مَا فِي الْمَالِ مِنَ الْحُقُوقِ كَالزَّكَاةِ وَالْكَفَّارَةِ وَالنَّفَقَةِ وَإِطْعَامِ الضَّيْفِ، وَيَجُوزُ كَوْنُ الضَّمِيرِ لِلَّهِ أَيْ: بِحَقِّ اللَّهِ الْوَاجِبِ فِي الْمَالِ (" فَهَذَا ") أَيِ: الْعَبْدُ الْمَوْصُوفُ بِمَا ذُكِرَ (" بِأَفْضَلِ الْمَنَازِلِ ") أَيْ: فِي أَكْمَلِ مَرَاتِبِ الشَّمَائِلِ فِي الدُّنْيَا أَوْ فِي أَعْلَى الدَّرَجَاتِ فِي الْعُقْبَى (" وَعَبْدٍ رَزَقَهُ اللَّهُ عِلْمًا وَلَمْ يَرْزُقْهُ مَالًا، فَهُوَ صَادِقُ النِّيَّةِ ") أَيْ: ظَاهِرُهُ مُطَابِقٌ لِمَا فِي الطَّوِيَّةِ (" يَقُولُ ") أَيْ: بِلِسَانِ الْمَقَالِ أَوْ بِلِسَانِ الْحَالِ (" لَوْ أَنَّ لِي مَالًا لَعَمِلْتُ بِعَمَلِ فُلَانٍ ") أَيْ: مِنْ أَهْلِ الْخَيْرِ (" فَأَجْرُهُمَا سَوَاءٌ ") . وَهُوَ اسْتِئْنَافُ بَيَانٍ أَوْ حَالٍ (" وَعَبْدٍ رَزَقَهُ اللَّهُ مَالًا وَلَمْ يَرْزُقْهُ عِلْمًا، فَهُوَ يَتَخِبَّطُ "): بِكَسْرِ الْخَاءِ بِدُونِ فَهُوَ، فَهُوَ حَالٌ أَوِ اسْتِئْنَافُ بَيَانٍ، وَالْمَعْنَى يَقُومُ وَيَقْعُدُ بِالْجَمْعِ وَالْمَنْعِ (" فِي مَالِهِ "): أَوْ يَخْتَلِفُ فِي حَالِهِ بِاعْتِبَارِ الْإِنْفَاقِ وَالْإِمْسَاكِ فِي مَالِهِ (" بِغَيْرِ عِلْمٍ ") أَيْ: بِغَيْرِ اسْتِعْمَالِ عِلْمٍ بِأَنْ يُمْسِكَ تَارَةً حِرْصًا وَحُبًّا لِلدُّنْيَا، وَيُنْفِقَ أُخْرَى لِلسُّمْعَةِ وَالرِّيَاءِ وَالْفَخْرِ وَالْخُيَلَاءِ، (" لَا يَتَّقِي فِيهِ رَبَّهُ ") أَيْ: لِعَدَمِ عِلْمِهِ فِي أَخْذِهِ وَصَرْفِهِ (" وَلَا يَصِلُ فِيهِ رَحِمَهُ ")، أَيْ: لِقِلَّةِ رَحْمَتِهِ وَعَدَمِ حِلْمِهِ وَكَثْرَةِ حِرْصِهِ وَبُخْلِهِ (" وَلَا يَعْمَلُ فِيهِ بِحَقٍّ ") أَيْ: بِنَوْعٍ مِنَ الْحُقُوقِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِاللَّهِ وَبِعِبَادِهِ، وَلَفْظُ الْجَامِعِ: وَلَا يَعْلَمُ لِلَّهِ فِيهِ حَقًّا (" فَهَذَا بِأَخْبَثِ الْمَنَازِلِ، وَعَبْدٍ لَمْ يَرْزُقْهُ اللَّهُ مَالًا وَلَا عِلْمًا فَهُوَ يَقُولُ: لَوْ أَنَّ لِي مَالًا لَعَمِلْتُ فِيهِ بِعَمَلِ فُلَانٍ ") أَيْ: مِنْ أَهْلِ الشَّرِّ (" فَهُوَ نِيَّتُهُ ") أَيْ: فَهُوَ مَغْلُوبُ نِيَّتِهِ، وَمَحْكُومُ طَوِيَّتِهِ، أَوِ الْحَمْلُ بِطَرِيقِ الْمُبَالِغَةِ، فَكَأَنَّهُ عَيَّنَ نِيَّتَهُ كَرَجُلٍ عَدْلٍ. وَفِي نُسْخَةٍ: فَهُوَ بِنِيَّتِهِ، وَكَذَا فِي الْجَامِعِ أَيْ: مُجْزًى بِهَا وَمُعَاقَبٌ عَلَيْهَا، وَلَمَّا كَانَ الظَّاهِرُ أَنَّ إِثْمَهُ بِمُجَرَّدِ نِيَّتِهِ دُونَ إِثْمِ الْعَامِلِ الْمُشْتَمِلِ عَمَلُهُ عَلَى النِّيَّةِ وَالْمُبَاشَرَةِ أَكَّدَ الْوَعِيدَ وَشَدَّدَ التَّهْدِيدَ بِقَوْلِهِ: (" وَوِزْرُهُمَا سَوَاءٌ "): وَلَفْظُ الْجَامِعِ: فَوِزْرُهُمَا سَوَاءٌ.
قَالَ الطِّيبِيُّ - ﵀ -: فَهُوَ نِيَّتُهُ مُبْتَدَأٌ وَخَبَرٌ، أَيْ: يُسِيءُ النِّيَّةَ يَدُلُّ عَلَيْهِ وُقُوعُهُ فِي مُقَابَلَةِ قَوْلِهِ: فَهُوَ صَادِقُ النِّيَّةِ فِي الْقَرِينَةِ الْأُولَى، وَقَوْلُهُ: يَقُولُ لَوْ أَنَّ لِي مَالًا إِلَى آخِرِهِ، تَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ: صَادِقُ النِّيَّةِ. وَقَوْلُهُ: فَهُوَ يَقُولُ لَوْ أَنَّ لِي مَالًا إِلَى آخِرِهِ مُقَابِلُ قَوْلِهِ: فَأَجْرُهُمَا سَوَاءٌ. وَقَوْلُهُ: وَوِزْرُهُمَا سَوَاءٌ مُتَقَابِلَانِ. قَالَ ابْنُ الْمَلِكِ: هَذَا الْحَدِيثُ لَا يُنَافِي خَبَرَ: " «إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ عَنْ أُمَّتِي مَا وَسْوَسَتْ بِهِ صُدُورُهَا مَا لَمْ تَعْمَلْ بِهِ» " لِأَنَّهُ عَمِلَ هُنَا بِالْقَوْلِ اللِّسَانِيِّ، وَالْمُتَجَاوَزُ عَنْهُ هُوَ الْقَوْلُ النَّفْسَانِيُّ، انْتَهَى. وَالْمُعْتَمَدُ مَا قَالَهُ الْعُلَمَاءُ الْمُحَقِّقُونَ: إِنَّ هَذَا إِذَا لَمْ يُوَطِّنُ نَفْسَهُ وَلَمْ يَسْتَقِرَّ قَلْبُهُ بِفِعْلِهَا، فَإِنْ عَزَمَ وَاسْتَقَرَّ يُكْتَبْ مَعْصِيَةً، وَإِنْ لَمْ يَعْمَلْ وَلَمْ يَتَكَلَّمْ، وَقَدْ تَقَدَّمَ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ) .
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ: حَدِيثُ أَبِي كَبْشَةَ رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَاللَّفْظُ لَهُ. وَقَالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَابْنُ مَاجَهْ بِمَعْنَاهُ ذَكَرَهُ مِيرَكُ. وَفِي الْجَامِعِ: وَكَذَا رَوَاهُ أَحْمَدُ فِي مَسْنَدِهِ، وَرَوَى ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا فِي ذَمِّ الْغَضَبِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ صَدْرَ الْحَدِيثِ فَقَطْ وَلَفْظُهُ: " «ثَلَاثٌ أُقْسِمُ عَلَيْهِنَّ: مَا نَقَصَ مَالٌ قَطُّ مِنْ صَدَقَةٍ فَتَصَدَّقُوا، وَلَا عَفَا رَجُلٌ مَظْلِمَةً ظُلِمَهَا إِلَّا زَادَهُ اللَّهُ تَعَالَى ﷻ بِهَا عِزًّا، فَاعْفُوا يَزِدْكُمُ اللَّهُ عِزًّا، وَلَا فَتَحَ رَجُلٌ بَابَ مَسْأَلَةٍ يَسْأَلُ النَّاسَ إِلَّا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ بَابَ فَقْرٍ» ". فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْحَدِيثَ الْأَوَّلَ مُرَكَّبٌ مِنْ حَدِيثَيْنِ جَمَعَهُمَا الرَّاوِي وَجَعَلَهُمَا حَدِيثًا وَاحِدًا، وَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ أَنَّ لَفْظَ الْجَامِعِ عَنِ الْأَنْمَارِيِّ: ثَلَاثٌ أُقْسِمُ عَلَيْهِنَّ إِلَى قَوْلِهِ: بَابَ فَقْرٍ. ثُمَّ قَالَ: وَأُحَدِّثُكُمْ حَدِيثًا فَاحْفَظُوهُ وَإِنَّمَا الدُّنْيَا إِلَخْ. فَالتَّفْسِيرَاتُ الْمُحْتَاجَةُ إِلَى التَّأْوِيلَاتِ إِنَّمَا هِيَ مِنْ تَصَرُّفَاتِ بَعْضِ الرُّوَاةِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
[ ٨ / ٣٣٠٩ ]
٥٢٨٨ - وَعَنْ أَنَسٍ - ﵁ - أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: " «إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى إِذَا أَرَادَ بِعَبْدٍ خَيْرًا اسْتَعْمَلَهُ ". فَقِيلَ: وَكَيْفَ يَسْتَعْمِلُهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: " يُوَفِّقُهُ لِعَمَلٍ صَالِحٍ قَبْلَ الْمَوْتِ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
_________________
(١) (وَعَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: " إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى إِذَا أَرَادَ بِعَبْدٍ خَيْرًا ") أَيْ: فِي عَاقِبَتِهِ (" اسْتَعْمَلَهُ ") أَيْ: جَعَلَهُ عَامِلًا (" فِي الطَّاعَةِ "): فَإِنَّهُ الْفَرْدُ الْأَكْمَلُ عِنْدَ إِطْلَاقِ الْعَمَلِ (" فَقِيلَ: وَكَيْفَ يَسْتَعْمِلُهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ ") أَيْ: وَالْحَالُ أَنَّهُ دَائِمُ الِاسْتِعْمَالِ (قَالَ: " يُوَفِّقُهُ لِعَمَلٍ صَالِحٍ قَبْلَ الْمَوْتِ ") . أَيْ: حَتَّى يَمُوتَ عَلَى التَّوْبَةِ وَالْعِبَادَةِ، فَيَكُونَ لَهُ حُسْنُ الْخَاتِمَةِ، وَزَادَ فِي الْجَامِعِ: ثُمَّ يَقْبِضُهُ عَلَيْهِ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) أَيْ: وَقَالَ: صَحِيحُ الْإِسْنَادِ نَقَلَهُ مِيرَكُ عَنِ التَّصْحِيحِ، وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ، وَقَالَ: صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِهِمَا. ذَكَرَهُ الْمُنْذِرِيُّ، وَفِي الْجَامِعِ: رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ، وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ وَلَفْظُهُ: " إِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِعَبْدٍ خَيْرًا طَهَّرَهُ قَبْلَ مَوْتِهِ ". قَالُوا: وَمَا طُهْرُ الْعَبْدِ؟ قَالَ: عَمَلٌ صَالِحٌ يُلْهِمُهُ إِيَّاهُ حَتَّى يَقْبِضَهُ عَلَيْهِ ". وَرَوَاهُ أَحْمَدُ والطَّبَرَانِيُّ عَنْ أَبِي عَنْبَسَةَ وَلَفْظُهُ: " «إِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِعَبْدٍ خَيْرًا عَسَلَهُ " بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَالسِّينِ الْمُهْمَلَةِ قَالُوا: وَمَا عَسَلَهُ؟ بِالضَّبْطِ الْمَذْكُورِ عَلَى الْحِكَايَةِ. قَالَ: " يَفْتَحُ لَهُ عَمَلًا صَالِحًا قَبْلَ مَوْتِهِ، ثُمَّ يَقْبِضُهُ عَلَيْهِ» ". وَرَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْحَاكِمُ عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَمِقِ بِفَتْحٍ فَكَسْرٍ وَلَفْظُهُ: " «إِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِعَبْدٍ خَيْرًا اسْتَعْمَلَهُ ". قِيلَ: وَمَا اسْتَعْمَلَهُ؟ قَالَ: يَفْتَحُ لَهُ عَمَلًا صَالِحًا بَيْنَ يَدَيْ مَوْتِهِ حَتَّى يَرْضَى عَنْهُ مَنْ حَوْلَهُ.» هَذَا وَرَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ حِبَّانَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ مَرْفُوعًا: " «إِنَّ اللَّهَ إِذَا رَضِيَ عَنِ الْعَبْدِ أَثْنَى عَلَيْهِ بِسَبْعَةِ أَصْنَافٍ مِنَ الْخَيْرِ لَمْ يَعْمَلْهُ، وَإِذَا سَخِطَ عَلَى الْعَبْدِ أَثْنَى عَلَيْهِ بِسَبْعَةِ أَصْنَافٍ مِنَ الشَّرِّ لَمْ يَعْمَلْهُ» " انْتَهَى، وَكَأَنَّ الْعَمَلَ فِي الْمَوْضِعَيْنِ مَبْنِيٌّ عَلَى نِيَّتِهِ، أَوْ مَحْمُولٌ عَلَى أَخْذِ عِبَادَةِ ظَالِمٍ لِمَظْلُومٍ وَوَضْعِ مَظْلِمَةٍ عَنْ مَظْلُومٍ عَلَى ظَالِمٍ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
[ ٨ / ٣٣١٠ ]
٥٢٨٩ - وَعَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: " «الْكَيِّسُ مَنْ دَانَ نَفْسَهُ، وَعَمِلَ لِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ. وَالْعَاجِزُ مَنْ أَتْبَعَ نَفْسَهُ هَوَاهَا، وَتَمَنَّى عَلَى اللَّهِ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ.
_________________
(١) (وَعَنْ شَدَّادٍ): بِتَشْدِيدِ الدَّالِ الْأُولَى (ابْنِ أَوْسٍ): بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ قَالَ الْمُؤَلِّفُ: يُكْنَى أَبَا يَعْلَى الْأَنْصَارِيَّ. قَالَ عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ وَأَبُو الدَّرْدَاءِ: كَانَ شَدَّادُ مِمَّنْ أُوتِيَ الْعِلْمَ وَالْحِلْمَ. (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " الْكَيِّسُ "): بِفَتْحِ الْكَافِ وَتَشْدِيدِ الْيَاءِ أَيِ: الْعَاقِلُ الْحَازِمُ الْمُحْتَاطُ فِي الْأُمُورِ (" مَنْ دَانَ نَفْسَهُ ")، أَيْ: جَعَلَهَا دَنِيَّةً مُطِيعَةً لِأَمْرِهِ تَعَالَى، مُنْقَادَةً لِحُكْمِهِ وَقَضَائِهِ وَقَدَرِهِ. وَفِي النِّهَايَةِ أَيْ: أَذَلَّهَا وَاسْتَعْبَدَهَا. وَقِيلَ: حَاسَبَهَا. وَذَكَرَ النَّوَوِيُّ أَنَّهُ قَالَ التِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُ مِنَ الْعُلَمَاءِ: مَعْنَى دَانَ نَفْسَهُ حَاسَبَهَا، انْتَهَى. أَيْ: حَاسَبَ أَعْمَالَهَا وَأَحْوَالَهَا وَأَقْوَالَهَا فِي الدُّنْيَا، فَإِنْ كَانَتْ خَيْرًا حَمِدَ اللَّهَ تَعَالَى، وَإِنْ كَانَتْ شَرًّا تَابَ مِنْهَا، وَاسْتَدْرَكَ مَا فَاتَهَا قَبْلَ أَنْ يُحَاسَبَ فِي الْعُقْبَى، كَمَا رُوِيَ: حَاسِبُوا أَنْفُسَكُمْ قَبْلَ أَنْ تُحَاسَبُوا، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾ [الحشر: ١٨] (" وَعَمِلَ ") أَيْ: عَمَلًا نَافِعًا (" لِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ. وَالْعَاجِزُ ") أَيْ: عَنِ اسْتِعْمَالِ الْعَقْلِ وَالِاحْتِيَاطِ فِي الْأَمْرِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْكَيِّسَ هُوَ الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ، وَالْعَاجِزُ هُوَ الْمُؤْمِنُ الضَّعِيفُ، وَهُوَ (" مَنْ أَتْبَعَ نَفْسَهُ هَوَاهَا ")، مِنَ الْإِتْبَاعِ أَيْ: جَعَلَهَا تَابِعَةً لِهَوَاهَا مِنْ تَحْصِيلِ الْمُشْتَهَيَاتِ وَاسْتِعْمَالِ اللَّذَّاتِ وَالشُّبُهَاتِ، بَلْ مِنِ ارْتِكَابِ الْمُحَرَّمَاتِ وَتَرْكِ الْوَاجِبَاتِ (" وَتَمَنَّى عَلَى اللَّهِ ") قَالَ: رَبِّي كَرِيمٌ رَحِيمٌ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى جَلَّ شَأْنُهُ: ﴿مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾ [الانفطار: ٦] وَقَالَ: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ - وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ﴾ [الحجر: ٤٩ - ٥٠] . وَقَالَ: ﴿إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف: ٥٦] وَقَالَ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢١٨] وَقَدْ عَبَّرَ عَنِ الرَّجَاءِ مَعَ غَيْرِ الطَّاعَةِ بِلَفْظِ التَّمَنِّي إِشَارَةً إِلَى أَنَّ وُقُوعَهُ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحَالِ، وَإِنْ كَانَ يُمْكِنُ صُدُورُهُ مِنَ الْمَلِكِ الْمُتَعَالِ عَلَى طَرِيقِ الْإِفْضَالِ. قَالَ الطِّيبِيُّ - ﵀ -: وَالْعَاجِزُ الَّذِي غَلَبَتْ عَلَيْهِ نَفْسُهُ وَعَمِلَ مَا أَمَرَتْهُ بِهِ نَفْسُهُ، فَصَارَ عَاجِزًا لِنَفْسِهِ فَأَتْبَعَ نَفْسَهُ هَوَاهَا وَأَعْطَاهَا مَا اشْتَهَتْهُ، وَالْمُقَابِلُ الْحَقِيقِيُّ بِالْعَاجِزِ، وَالْمُقَابِلُ الْحَقِيقِيُّ لِلْكَيِّسِ السَّفِيهِ الرَّأْيِ، وَلِلْعَاجِزِ الْقَادِرِ لِيُؤْذِنَ بِأَنَّ الْكَيِّسَ هُوَ الْقَادِرُ، وَالْعَاجِزُ هُوَ السَّفِيهُ، وَتَمَنَّى عَلَى اللَّهِ أَيْ: يُذْنِبُ، وَيَتَمَنَّى الْجَنَّةَ مِنْ غَيْرِ الِاسْتِغْفَارِ وَالتَّوْبَةِ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ) . وَكَذَا أَحْمَدُ وَالْحَاكِمُ.
[ ٨ / ٣٣١٠ ]
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
[ ٨ / ٣٣١٠ ]
٥٢٩٠ - عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «كُنَّا فِي مَجْلِسٍ، فَطَلَعَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - وَعَلَى رَأْسِهِ أَثَرُ مَاءٍ فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! نَرَاكَ طَيِّبَ النَّفْسِ. قَالَ: " أَجَلْ ". قَالَ: ثُمَّ خَاضَ الْقَوْمُ فِي ذِكْرِ الْغِنَى، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: " لَا بَأْسَ بِالْغِنَى لِمَنِ اتَّقَى اللَّهَ ﷿، وَالصِّحَّةُ لِمَنِ اتَّقَى خَيْرٌ مِنَ الْغِنَى، وَطِيبُ النَّفْسِ مِنَ النَّعِيمِ» ". رَوَاهُ أَحْمَدُ.
_________________
(١) الْفَصْلُ الثَّالِثُ
(٢) (عَنْ رَجُلٍ): سَيَأْتِي اسْمُهُ (مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: كُنَّا فِي مَجْلِسٍ فَطَلَعَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) أَيْ: فَظَهَرَ كَطَلْعَةِ الشَّمْسِ (" وَعَلَى رَأْسِهِ أَثَرُ مَاءٍ ") أَيْ: مِنَ الْغُسْلِ (فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ نَرَاكَ طَيِّبَ النَّفْسِ) . أَيْ: ظَاهِرَ الْبِشْرِ وَالسُّرُورِ وَمُنْشَرِحَ الْخَاطِرِ عَلَى مَا يَتَلَأْلَأُ مِنْكَ مِنَ النُّورِ. (قَالَ: " أَجَلْ ") . بِفَتْحَتَيْنِ وَسُكُونِ اللَّامِ الْمُخَفَّفَةِ أَيْ: نَعَمْ (قَالَ) أَيِ: الرَّجُلُ الرَّاوِي (ثُمَّ خَاضَ الْقَوْمُ) أَيْ: شَرَعُوا وَبَالَغُوا (فِي ذِكْرِ الْغِنَى) أَيْ: فِي سُؤَالِهِ أَوْ ذَمِّ حَالِهِ وَسُوءِ مَآلِهِ. («فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " لَا بَأْسَ بِالْغِنَى لِمَنِ اتَّقَى اللَّهَ ﷿» ") . أَشَارَ بِقَوْلِهِ: لَا بَأْسَ أَنَّ الْفَقْرَ أَفْضَلُ لِمَنِ اتَّقَى اللَّهَ (" وَالصِّحَّةُ ") أَيْ: صِحَّةُ الْبَدَنِ، وَلَوْ مَعَ الْفَقْرِ لِمَنِ اتَّقَى (" خَيْرٌ مِنَ الْغِنَى ")، أَيْ: مُطْلَقًا، أَوِ الْمَعْنَى وَصِحَّةُ الْحَالِ لِمَنِ اتَّقَى الْمَالَ خَيْرٌ مِنَ الْغِنَى الْمُوجِبِ لِلْحِسَابِ وَالْعِقَابِ فِي الْمَآلِ، (" وَطِيبُ النَّفْسِ ") أَيِ: انْشِرَاحُ الصَّدْرِ الْمُقْتَضِي لِلشُّكْرِ، وَالصَّبْرُ الْمُسْتَوِي عِنْدَهُ الْغِنَى وَالْفَقْرُ (مِنَ النَّعِيمِ) أَيْ: مِنْ جُمْلَةِ النَّعِيمِ الَّذِي يُعَبَّرُ عَنْهُ بِجَنَّةِ نَعِيمٍ عَلَى مَا قَالَهُ بَعْضُ الْعَارِفِينَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن: ٤٦] جَنَّةٌ فِي الدُّنْيَا وَجَنَّةٌ فِي الْعُقْبَى. وَقِيلَ: مِنَ النَّعِيمِ الْمَسْئُولِ عِنْدَ الْمَذْكُورِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ [التكاثر: ٨] وَهُوَ لَا يُنَافِي مَا ذَكَرْنَاهُ فَإِنَّهُ الْفَرْدُ الْأَكْمَلُ مِنْ جِنْسِ النَّعِيمِ الَّذِي لَا يَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ لِغَيْرِهِ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ أَنَّهُ النَّعِيمُ، فَإِنَّ مَا عَدَاهُ قَدْ يُعَدُّ كَوْنُهُ مِنَ الْمَاءِ الْحَمِيمِ، أَوْ مِنْ عَذَابِ الْجَحِيمِ. (رَوَاهُ أَحْمَدُ) . وَكَذَا ابْنُ مَاجَهْ وَالْحَاكِمُ، عَنْ يَسَارِ بْنِ عَبْدٍ عَلَى مَا فِي الْجَامِعِ، فَتَبَيَّنَ إِبْهَامُ الرَّجُلِ مَعَ أَنَّ جَهَالَةَ الصَّحَابِيِّ لَا تَضُرُّ، فَإِنَّ الصَّحَابَةَ كُلَّهُمْ عُدُولٌ.
[ ٨ / ٣٣١١ ]
٥٢٩١ - وَعَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ - ﵁ - قَالَ: كَانَ الْمَالُ فِيمَا مَضَى يُكْرَهُ، فَأَمَّا الْيَوْمَ فَهُوَ تُرْسُ الْمُؤْمِنِ. وَقَالَ: لَوْلَا هَذِهِ الدَّنَانِيرُ لَتَمَنْدَلَ بِنَا هَؤُلَاءِ الْمُلُوكُ.
وَقَالَ: مَنْ كَانَ فِي يَدِهِ مِنْ هَذِهِ شَيْءٌ فَلْيُصْلِحْهُ، فَإِنَّهُ زَمَانٌ إِنِ احْتَاجَ كَانَ أَوَّلَ مَنْ يَبْذُلُ دِينَهُ. وَقَالَ: الْحَلَالُ لَا يَحْتَمِلُ السَّرَفَ. رَوَاهُ فِي (شَرْحِ السُّنَّةِ) .
_________________
(١) (وَعَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ قَالَ: كَانَ الْمَالُ فِيمَا مَضَى يُكْرَهُ) أَيْ: عِنْدَ أَرْبَابِ الْحَالِ (فَأَمَّا الْيَوْمَ) أَيْ: فِي هَذَا الزَّمَانِ (فَهُوَ تُرْسُ الْمُؤْمِنِ) . أَيْ: جَنَّتُهُ مِنْ جَنَّتِهِ، وَجَنَّتُهُ بَلَاءٌ مِنْهُ، وَحَاصِلُهُ أَنَّ الْمَالَ الْحَلَالَ يَقِي صَاحِبَ الْحَالِ مِنَ الْوُقُوعِ فِي الشُّبْهَةِ وَالْحَرَامِ، وَيَمْنَعُهُ مِنْ مُلَازَمَةِ الظَّلَمَةِ وَمُصَاحَبَتِهِمْ فِي الظَّلَامِ، أَوْ يَتَسَتَّرُ بِهِ الْمُؤْمِنُ عَنِ الرِّيَاءِ وَالسُّمْعَةِ وَالشُّهْرَةِ عِنْدَ الْعَوَامِّ (وَقَالَ: لَوْلَا هَذِهِ الدَّنَانِيرُ) أَيْ: وَجُودُهَا عِنْدَنَا وَظُهُورُ اسْتِغْنَائِنَا بِهَا عِنْدَ الْخَلْقِ (لَتَمَنْدَلَ بِنَا هَؤُلَاءِ الْمُلُوكُ) . أَيْ: لَجَعَلُونَا مَنَادِيلَ أَوْسَاخِهِمْ، وَهَى كِنَايَةٌ عَنْ الِابْتِذَالِ وَالْمَذَلَّةِ لِلظَّلَمَةِ، أَوْ عَنْ مُوَافَقَتِهِمْ فِي تَصْوِيرَاتِ حِيَلِ الْمَسْأَلَةِ قِيلَ: هُوَ مَأْخُوذٌ مِنَ الْبَذْلِ، وَهُوَ الْوَسَخُ. قِيلَ لِبَعْضِهِمْ: إِنَّ الْمَالَ يُدْنِيكَ مِنَ الدُّنْيَا. فَقَالَ: لَئِنْ أَدْنَانِي مِنَ الدُّنْيَا لَقَدْ صَانَنِي عَنْهَا، وَقِيلَ: لِأَنْ أَتْرُكَ مَالًا يُحَاسِبُنِي اللَّهُ عَلَيْهِ خَيْرٌ مِنْ أَنْ أَحْتَاجَ إِلَى النَّاسِ، يَعْنِي احْتِيَاجِي إِلَى اللَّهِ خَيْرٌ مِنِ احْتِيَاجِي إِلَى مَا سِوَاهُ، وَقَدْ أَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ، عَنِ الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِي كَرِبَ مَرْفُوعًا بِهِ: «يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ مَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ أَصْفَرُ وَلَا أَبْيَضُ لَمْ يَتَهَنَّ بِالْعَيْشِ»، وَهُوَ عِنْدَ الْإِمَامِ أَحْمَدَ بِلَفْظِ: «يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ لَا يَنْفَعُ فِيهِ إِلَّا الدِّرْهَمُ وَالدِّينَارُ»، هَذَا وَقَدْ قِيلَ: الدَّرَاهِمُ لِلْجِرَاحَاتِ مَرَاهِمُ.
[ ٨ / ٣٣١١ ]
(وَقَالَ) أَيِ: الثَّوْرِيُّ (مَنْ كَانَ فِي يَدِهِ مِنْ هَذِهِ) أَيِ: الدَّنَانِيرِ وَالْأَمْوَالِ (شَيْءٌ) أَيْ: قَلِيلٌ عَلَى قَدْرِ الْكِفَايَةِ (فَلْيُصْلِحْهُ) أَيْ: لِيَصْرِفْهُ عَلَى وَجْهِ الْقَنَاعَةِ، أَوْ لَا يُتْلِفْهُ بَلْ يَسْتَرِدُّهُ بِنَوْعٍ مِنَ التِّجَارَةِ، (فَإِنَّهُ) أَيْ: زَمَانَنَا (زَمَانٌ) أَيْ: عَجِيبٌ مِنْ وَصْفِهِ (إِنِ احْتَاجَ) أَيِ: الشَّخْصُ فِيهِ (كَانَ أَوَّلَ مَنْ يَبْذُلُ دِينَهُ) . أَيْ: لِتَحْصِيلِ دُنْيَاهُ، " وَأَوَّلَ " مَنْصُوبٌ، وَقِيلَ مَرْفُوعٌ. قَالَ الطِّيبِيُّ - ﵀ - أَيْ: كَانَ ذَلِكَ الشَّخْصُ أَوَّلَ شَخْصٍ يَبْذُلُ دِينَهُ فِيمَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ هُوَ، وَلَوْ حَمَلَ " مَنْ " عَلَى " مَا " كَمَا نَقَلَ الْمَالِكِيُّ عَنْ قُطْرُبٍ لَكَانَ أَبْيَنَ، وَيُؤَيِّدُهُ رِوَايَةُ الْكَشَّافِ: كَانَ أَوَّلَ مَا يَأْكُلُ دِينَهُ، فَمَا مَوْصُوفَةٌ، وَأَوَّلُ اسْمُ كَانَ وَدِينُهُ خَبَرُهُ. قُلْتُ: وَيُمْكِنُ عَكْسُهُ، بَلْ هُوَ الْأَظْهَرُ فَتَدَبَّرْ.
(وَقَالَ) أَيِ: الثَّوْرِيُّ (الْحَلَالُ) أَيْ: لِأَنَّهُ قَلِيلُ الْوُجُودِ فِي الْمَالِ (لَا يَحْتَمِلُ السَّرَفَ) . أَيْ: صَرْفَهُ بِالْإِكْثَارِ. قَالَ الطِّيبِيُّ - ﵀ -: يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْحَلَالَ لَا يَكُونُ كَثِيرًا فَلَا يَحْتَمِلُ الْإِسْرَافَ، وَثَانِيهِمَا: أَنَّ الْحَلَالَ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُسْرَفَ فِيهِ، ثُمَّ يَحْتَاجُ إِلَى الْغَيْرِ، انْتَهَى. وَفِي كُلٍّ مِنْهُمَا نَظَرٌ إِذْ مَعْنَى الْإِسْرَافِ هُوَ التَّجَاوُزُ عَنِ الْحَدِّ بِأَنْ يَصْرِفَهُ فِي غَيْرِ مَحَلِّهِ زِيَادَةً عَلَى قَدْرِهِ، وَهُوَ يُحْتَمَلُ فِي الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ، وَيَشْمَلُ الْمَالَ الْحَلَالَ وَالْحَرَامَ، فَالْأَوْجَهُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ الْحَلَالَ مِنْ خَاصِّيَّتِهِ أَنَّهُ لَا يَقَعُ فِي الْإِسْرَافِ كَصَرْفِهِ فِي الْمَاءِ وَالطِّينِ بِلَا ضَرُورَةٍ، وَكَزِيَادَةِ إِعْطَاءِ الْأَطْعِمَةِ عَلَى طَرِيقِ الرِّيَاءِ وَالسُّمْعَةِ، وَلِذَا قِيلَ: لَا سَرَفَ فِي خَيْرٍ وَلَا خَيْرَ فِي سَرَفٍ، وَفِيهِ تَنْبِيهٌ أَنَّهُ يَنْبَغِي لِلطَّالِبِ أَنْ يَجْتَهِدَ فِي تَحْصِيلِ الْحَلَالِ وَلَوْ كَانَ الْقَلِيلَ مِنَ الْمَالِ، وَأَنْ يَقْنَعَ بِهِ وَلَا يَصْرِفَهُ عَلَى طَرِيقِ الْإِسْرَافِ ; لِئَلَّا يُحْوِجَ نَفْسَهُ إِلَى الْأَكَابِرِ وَالْأَشْرَافِ. (رَوَاهُ فِي " شَرْحِ السُّنَّةِ ") .
[ ٨ / ٣٣١٢ ]
٥٢٩٢ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: " «يُنَادِي مُنَادٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَيْنَ أَبْنَاءُ السِتِّينَ؟ وَهُوَ الْعُمُرُ الَّذِي قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ﴾ [فاطر: ٣٧]» . رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي (شُعَبِ الْإِيمَانِ) .
_________________
(١) (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " «يُنَادِي مُنَادٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: أَيْنَ أَبْنَاءُ السِتِّينَ؟») . أَيْ: أَصْحَابُهَا مِمَّنْ وَصَلَ عُمُرُهُ إِلَيْهَا (" وَهُوَ الْعُمُرُ الَّذِي قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ") أَيْ: فِي حَقِّهِ ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ﴾ [فاطر: ٣٧]: قَالَ الطِّيبِيُّ - ﵀ -: " مَا " مَوْصُوفَةٌ، أَيْ: عَمَّرْنَاكُمْ عُمُرًا يَتَّعِظُ فِيهِ الْعَاقِلُ الَّذِي مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يَتَّعِظَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ أَيِ: الْمُنْذِرُ أَوِ الْإِنْذَارُ، وَهُوَ الشَّيْبُ أَوِ الْقُرْآنُ أَوِ الرَّسُولُ أَوِ الْمَوْتُ أَوْ جِنْسُ الْمُنْذِرِ، فَيَشْمَلُ الْكُلَّ، وَالْجُمْلَةُ حَالِيَّةٌ. (رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي " شُعَبِ الْإِيمَانِ ") . وَقَدْ سَبَقَ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ رِوَايَةً وَدِرَايَةً.
[ ٨ / ٣٣١٢ ]
٥٢٩٣ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدَّادٍ - ﵁ - قَالَ: «إِنَّ نَفَرًا مِنْ بَنِي عُذْرَةَ ثَلَاثَةً أَتَوُا النَّبِيَّ - ﷺ - فَأَسْلَمُوا، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: " مَنْ يَكْفِينِيهِمْ؟ " قَالَ طَلْحَةُ: أَنَا. فَكَانُوا عِنْدَهُ، فَبَعَثَ النَّبِيُّ - ﷺ - بَعْثًا، فَخَرَجَ فِيهِ أَحَدُهُمْ، فَاسْتُشْهِدَ، ثُمَّ بَعَثَ بَعْثًا فَخَرَجَ فِيهِ الْآخَرُ، فَاسْتُشْهِدَ، ثُمَّ مَاتَ الثَّالِثُ عَلَى فِرَاشِهِ، قَالَ: قَالَ طَلْحَةُ: فَرَأَيْتُ هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةَ فِي الْجَنَّةِ، وَرَأَيْتُ الْمَيِّتَ عَلَى فِرَاشِهِ أَمَامَهُمْ وَالَّذِي اسْتُشْهِدَ آخِرًا يَلِيهِ، وَأَوَّلَهُمْ يَلِيهِ، فَدَخَلَنِي مِنْ ذَلِكَ، فَذَكَرْتُ لِلنَّبِيِّ - ﷺ - ذَلِكَ، فَقَالَ: " وَمَا أَنْكَرْتَ مِنْ ذَلِكَ؟ ! لَيْسَ أَحَدٌ أَفْضَلَ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ مُؤْمِنٍ يُعَمَّرُ فِي الْإِسْلَامِ ; لِتَسْبِيحِهِ وَتَكْبِيرِهِ وَتَهْلِيلِهِ» ".
_________________
(١) (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدَّادٍ) تَابِعِيٌّ جَلِيلٌ كَمَا سَيَجِيءُ بَيَانُهُ وَلَمْ يَذْكُرْهُ الْمُؤَلِّفُ فِي أَسْمَائِهِ (قَالَ: إِنَّ نَفَرًا مِنْ بَنِي عُذْرَةَ): بِضَمٍّ فَسُكُونٍ قَبِيلَةٌ مَشْهُورَةٌ (ثَلَاثَةً): بِالنَّصْبِ بَدَلًا أَوْ بَيَانًا مَنْ " نَفَرًا " (أَتَوُا النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -)، أَوْ جَاؤُوهُ (فَأَسْلَمُوا) أَيْ: وَأَرَادُوا الْإِقَامَةَ بِنِيَّةِ الْمُجَاهَدَةِ، وَهُمْ مِنْ أَهْلِ الْفَقْرِ وَالْفَاقَةِ.
[ ٨ / ٣٣١٢ ]
(قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -): اسْتِئْنَافُ بَيَانٍ (" مَنْ يَكْفِينِيهِمْ؟ ") أَيْ: مُؤْنَتَهُمْ مِنْ طَعَامِهِمْ وَشَرَابِهِمْ وَنَحْوِ ذَلِكَ. قَالَ الطِّيبِيُّ - ﵀ -: " هُمْ " ثَانِي مَفْعُولَيْ يَكْفِي عَلَى تَقْدِيرِ مُضَافٍ (قَالَ طَلْحَةُ: أَنَا) . أَيْ: أَكْفِيكَهُمْ (فَكَانُوا) أَيِ: الثَّلَاثَةُ أَوِ النَّفَرُ (عِنْدَهُ) أَيْ: عِنْدَ أَبِي طَلْحَةَ، (فَبَعَثَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعْثًا) أَيْ: أَرْسَلَ سَرِيَّةً، فَالْبَعْثُ بِمَعْنَى الْمَبْعُوثِ (فَخَرَجَ فِيهِ) أَيْ: فِي ذَلِكَ الْبَعْثِ (أَحَدُهُمْ، فَاسْتُشْهِدَ)، بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيْ: صَارَ شَهِيدًا (ثُمَّ بَعَثَ بَعْثًا فَخَرَجَ فِيهِ الْآخَرُ، فَاسْتُشْهِدَ، ثُمَّ مَاتَ الثَّالِثُ عَلَى فِرَاشِهِ)، أَيْ: مُرَابِطًا نَاوِيًا لِلْجِهَادِ (قَالَ) أَيِ: ابْنُ شَدَّادٍ (قَالَ طَلْحَةُ: فَرَأَيْتُ) أَيْ: فِي الْمَنَامِ أَوْ فِي كَشْفِ الْمَقَامِ (هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةَ فِي الْجَنَّةِ، وَرَأَيْتُ الْمَيِّتَ عَلَى فِرَاشِهِ) أَيِ: الْكَائِنِ عَلَيْهِ (أَمَامَهُمْ): بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ أَيْ: قُدَّامَهُمْ. قَالَ الطِّيبِيُّ - ﵀ -: الظَّاهِرُ أَنْ يُقَالَ أَمَامَهُمَا إِلَّا أَنْ يُقَالَ الْمُرَادُ الْمُقَدَّمُ مِنْ بَيْنِهِمْ، أَوْ يَذْهَبَ إِلَى أَنَّ أَقَلَّ الْجَمْعِ اثْنَانِ. (وَالَّذِي) عَطْفٌ عَلَى الْمَيِّتِ، وَفِي نُسْخَةٍ: فَالَّذِي (اسْتُشْهِدَ آخِرًا يَلِيهِ) أَيْ: يَقْرُبُ الْمَيِّتَ (وَأَوَّلَهَمْ): بِالنَّصْبِ، وَقِيلَ بِرَفْعِهِ (يَلِيهِ)، أَيْ: يَلِي الْمُسْتَشْهِدَ آخِرًا (فَدَخَلَنِي) أَيْ: شَيْءٌ أَوْ إِشْكَالٌ (مِنْ ذَلِكَ) أَيْ: مِمَّا رَأَيْتُهُ مِنَ التَّقَدُّمِ وَالتَّأْخِيرِ عَلَى خِلَافِ مَا كَانَ يَخْطِرُ فِي الضَّمِيرِ، وَالْفَاعِلُ مَحْذُوفٌ عَلَى مَذْهَبِ ابْنِ مَالِكِ (فَذَكَرْتُ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذَلِكَ)، الْفَاءُ فَصِيحَةٌ أَيْ: فَجِئْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَذَكَرْتُ لَهُ ذَلِكَ مُسْتَغْرِبًا وَمُسْتَنْكِرًا (فَقَالَ: وَمَا أَنْكَرْتَ) أَيْ: وَأَيَّ شَيْءٍ أَنْكَرْتَهُ (" مِنْ ذَلِكَ؟ "): وَالْمَعْنَى لَا تُنْكِرْ شَيْئًا مِنْهُ فَإِنَّهُ (" لَيْسَ أَحَدٌ أَفْضَلَ عِنْدَ اللَّهِ "): فَالِاسْتِئْنَافُ مُبَيِّنٌ مُتَضَمِّنٌ لِلْعِلَّةِ أَيْ: لَيْسَ أَحَدٌ أَكْثَرَ ثَوَابًا عِنْدَهُ سُبْحَانَهُ (" مِنْ مُؤْمِنٍ يُعَمَّرُ "): بِتَشْدِيدِ الْمِيمِ الْمَفْتُوحَةِ أَيْ: يَطُولُ عُمُرُهُ (" فِي الْإِسْلَامِ ; لِتَسْبِيحِهِ ") أَيْ: لِأَجْلِ تَسْبِيحِهِ (" وَتَكْبِيرِهِ وَتَهْلِيلِهِ ") . أَيْ: وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنْ سَائِرِ عِبَادَاتِهِ الْقَوْلِيَّةِ وَالْفِعْلِيَّةِ. وَلَفْظُ الْجَامِعِ رِوَايَةً عَنْ أَحْمَدَ: لِتَكْبِيرِهِ وَتَحْمِيدِهِ وَتَسْبِيحِهِ وَتَهْلِيلِهِ. قَالَ مِيرَكُ: حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدَّادٍ، رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو يَعْلَى، وَرُوَاتُهُمَا رُوَاةُ الصَّحِيحِ، وَفِي أَوَّلِهِ عِنْدَ أَحْمَدَ إِرْسَالٌ، لَكِنْ وَصَلَهُ أَبُو يَعْلَى بِذِكْرِ طَلْحَةَ فِيهِ، كَذَا قَالَهُ الْمُنْذِرِيُّ فِي التَّرْغِيبِ، وَكَأَنَّهُ يُشِيرُ إِلَى أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنِ شَدَّادٍ لَيْسَتْ لَهُ صُحْبَةٌ، وَإِنْ وُلِدَ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَمَا ذَكَرَهُ الْعِجْلِيُّ إِنَّهُ مِنْ كِبَارِ التَّابِعِينَ الثِّقَاتِ، وَكَانَ مَعْدُودًا فِي الْفُقَهَاءِ، وَلَمْ يُصَرِّحْ هَذَا الْحَدِيثُ عِنْدَ أَحْمَدَ بِالسَّمَاعِ، بَلْ قَالَ: إِنَّ نَفَرًا، إِلَخْ. وَصَرَّحَ أَبُو يَعْلَى بِأَنَّهُ رَوَاهُ عَنْ طَلْحَةَ، وَمِمَّا نَاسَبَ حَدِيثَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدَّادٍ هَذَا، وَحَدِيثَ عُبَيْدِ بْنِ خَالِدِ الَّذِي سَبَقَ فِي الْفَصْلِ الثَّانِي، مَا رَوَاهُ أَحْمَدُ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: «كَانَ رَجُلَانِ مِنْ بَنِي قُضَاعَةَ أَسْلَمَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فَاسْتُشْهِدَ أَحَدُهُمَا، وَأُخِّرَ الْآخَرُ سَنَةً. قَالَ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ: فَرَأَيْتُ الْمُؤَخَّرَ مِنْهُمَا أُدْخِلَ الْجَنَّةَ قَبْلَ الشَّهِيدِ، فَتَعَجَّبْتُ لِذَلِكَ، فَأَصْبَحْتُ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " أَلَيْسَ قَدْ صَامَ بَعْدَهُ رَمَضَانَ وَصَلَّى سِتَّةَ آلَافِ رَكْعَةٍ وَكَذَا وَكَذَا رَكْعَةً صَلَاةَ سَنَةٍ» " وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ وَالُبَيْهَقِيُّ، كُلُّهُمْ عَنْ طَلْحَةَ بِنَحْوِهِ أَطْوَلَ مِنْهُ، وَزَادَ ابْنُ مَاجَهْ فِي آخِرِهِ: فَمَا بَيْنَهُمَا أَبْعَدُ مِمَّا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ.
[ ٨ / ٣٣١٣ ]
٥٢٩٤ - وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي عَمِيرَةَ - وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: «إِنَّ عَبْدًا لَوْ خَرَّ عَلَى وَجْهِهِ مِنْ يَوْمَ وُلِدَ إِلَى أَنْ يَمُوتَ هَرَمًا فِي طَاعَةِ اللَّهِ لَحَقَّرَهُ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ، وَلَوَدَّ أَنَّهُ رُدَّ إِلَى الدُّنْيَا كَيْمَا يَزْدَادَ مِنَ الْأَجْرِ وَالثَّوَابِ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ.
_________________
(١) (وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي عَمِيرَةَ): بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَكَسْرِ الْمِيمِ. قَالَ الْمُؤَلِّفُ: مُزَنِيٌّ يُعَدُّ فِي الشَّامِيِّينَ، رَوَى عَنْهُ جُبَيْرُ بْنُ نُفَيْرٍ (- وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: إِنَّ عَبْدًا لَوْ خَرَّ): بِفَتْحِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ أَيْ: لَسَقَطَ (عَلَى وَجْهِهِ مِنْ يَوْمَ وُلِدَ): بِفَتْحِ الْمِيمِ عَلَى الْبِنَاءِ، وَقِيلَ: بِجَرِّهَا مُنَوَّنَا (إِلَى أَنْ يَمُوتَ هَرَمًا): بِفَتْحَتَيْنِ أَيْ: ذَا هَرَمٍ، وَفِي نُسْخَةٍ بِكَسْرِ الرَّاءِ أَيْ: شَيْخًا كَبِيرًا (فِي طَاعَةِ اللَّهِ لَحَقَّرَهُ): بِتَشْدِيدِ الْقَافِ أَيْ: لَعَدَّهُ قَلِيلًا لِمَا يَرَى مِنْ ثَوَابِ الْعَمَلِ (فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ، وَلَوَدَّ) أَيْ: لَأَحَبَّ وَتَمَنَّى (أَنَّهُ رُدَّ إِلَى الدُّنْيَا كَيْمَا يَزْدَادَ) أَيْ: لِيَزِيدَ (مِنَ الْأَجْرِ وَالثَّوَابِ) أَيْ: مِنْ أَجْرِ الْعُمَّالِ بِمُقْتَضَى الْوَعْدِ وَالْعُذْرِ، وَزِيَادَةِ الْمَثُوبَةِ عَلَى طَرِيقِ الْفَضْلِ (رَوَاهُمَا) أَيِ: الْحَدِيثَيْنِ (أَحْمَدُ) . أَيْ: فِي مَسْنَدِهِ، لَكِنِ الثَّانِي رَوَاهُ مَوْقُوفًا، وَالْأَوَّلُ رَوَاهُ مُرْسَلًا كَمَا تَقَدَّمَ وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. وَرَوَى أَحْمَدُ وَالْبُخَارِيُّ فِي تَارِيخِهِ، والطَّبَرَانِيُّ عَنْ عُتْبَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ مَرْفُوعًا: " «لَوْ أَنَّ رَجُلًا يَخِرُّ عَلَى وَجْهِهِ مِنْ يَوْمَ وُلِدَ إِلَى يَوْمَ يَمُوتُ هَرَمًا فِي مَرْضَاةِ اللَّهِ لَحَقَّرَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» ".
[ ٨ / ٣٣١٤ ]