الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
٣٩٧٧ - «عَنْ أُمِّ هَانِئٍ بِنْتِ أَبِي طَالِبٍ قَالَتْ ذَهَبْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - عَامَ الْفَتْحِ فَوَجَدْتُهُ يَغْتَسِلُ وَفَاطِمَةُ ابْنَتُهُ تَسْتُرُهُ بِثَوْبٍ فَسَلَّمْتُ فَقَالَ مَنْ هَذِهِ فَقُلْتُ أَنَا أُمُّ هَانِئٍ بِنْتُ أَبِي طَالِبٍ فَقَالَ مَرْحَبًا بِأُمِّ هَانِئٍ فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ غُسْلِهِ قَامَ فَصَلَّى ثَمَانِيَ رَكَعَاتٍ مُلْتَحِفًا فِي ثَوْبٍ، ثُمَّ انْصَرَفَ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ زَعَمَ ابْنُ أُمِّي عَلِيٌّ أَنَّهُ قَاتِلٌ رَجُلًا أَجَرْتُهُ فُلَانَ بْنَ هُبَيْرَةَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ قَدْ أَجَرْنَا مَنْ أَجَرْتِ يَا أُمَّ هَانِئٍ، وَذَلِكَ ضُحًى» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَفِي رِوَايَةٍ لِلتِّرْمِذِيِّ قَالَتْ: أَجَرْتُ رَجُلَيْنِ مِنْ أَحْمَائِي فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَدْ أَمَّنَّا مَنْ أَمَّنْتِ.
_________________
(١) بَابُ الْأَمَانِ الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
(٢) (عَنْ أُمِّ هَانِئٍ ﵂) بِكَسْرِ نُونٍ وَهَمْزَةٍ اسْمُهَا فَاخِتَةُ وَقِيلَ عَاتِكَةُ بِنْتُ أَبِي طَالِبٍ أَسْلَمَتْ عَامَ فَتْحِ مَكَّةَ («قَالَتْ ذَهَبْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - عَامَ الْفَتْحِ فَوَجَدْتُهُ يَغْتَسِلُ وَفَاطِمَةُ ابْنَتُهُ تَسْتُرُهُ») ; أَيْ عَنْهَا وَعَنْ غَيْرِهَا (بِثَوْبٍ فَسَلَّمْتُ فَقَالَ مَنْ هَذِهِ، فَقُلْتُ أَنَا أُمُّ هَانِئٍ بِنْتُ أَبِي طَالِبٍ فَقَالَ مَرْحَبًا بِأُمِّ هَانِئٍ) الْبَاءُ إِمَّا زَائِدَةٌ فِي الْفَاعِلِ ; أَيْ أَتَتْ أُمُّ هَانِئٍ مَرْحَبًا ; أَيْ مَوْضِعًا رَحْبًا ; أَيْ وَاسِعًا لَا ضَيِّقًا، أَوْ لِلتَّعْدِيَةِ ; أَيْ أَتَى اللَّهُ بِأُمِّ هَانِئٍ مَرْحَبًا فَمَرْحَبًا مَنْصُوبٌ عَلَى الْمَفْعُولِ بِهِ، وَهَذِهِ كَلِمَةُ إِكْرَامٍ وَالتَّكَلُّمُ بِهَا سُنَّةٌ (فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ غُسْلِهِ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَفِي نُسْخَةٍ بِفَتْحِهِ (قَامَ فَصَلَّى ثَمَانِيَ رَكَعَاتٍ) ; أَيْ صَلَاةَ الضُّحَى كَمَا بَيَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ فِي الشَّمَائِلِ (مُلْتَحِفًا فِي ثَوْبٍ، ثُمَّ انْصَرَفَ) ; أَيْ عَنِ الصَّلَاةِ (فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ زَعَمَ ابْنُ أُمِّي) ; أَيْ وَأَبِي وَإِنَّمَا اقْتَصَرَتْ عَلَيْهَا ; لِأَنَّهَا تَقْتَضِي الرَّحْمَةَ وَالشَّفَقَةَ أَكْثَرَ وَكَذَا قَالَ هَارُونُ يَا ابْنَ أُمَّ (عَلِيٌّ) بَدَلٌ، أَوْ عَطْفُ بَيَانٍ (أَنَّهُ قَاتِلٌ رَجُلًا أَجَرْتُهُ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَقَصْرِهَا صِفَةُ " رَجُلًا " ; أَيْ أَمَّنْتُهُ مِنَ الْإِجَارَةِ بِمَعْنَى الْأَمْنِ أَصْلُهُ أَجْوَرْتُهُ فَنُقِلَتْ حَرَكَةُ الْوَاوِ إِلَى الْجِيمِ فَانْقَلَبَتْ أَلِفًا وَحُذِفَتْ لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ (فُلَانَ) بِالنَّصْبِ وَفِي نُسْخَةٍ بِالرَّفْعِ (ابْنَ هُبَيْرَةَ) بِضَمِّ الْهَاءِ وَفَتْحِ الْمُوَحَّدِ، قَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ فِي جَامِعِ الْأُصُولِ كَذَا وَقَعَ فِي الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ وَالْمُوَطَّأِ وَلَمْ يُسَمِّهِ أَحَدٌ مِنْهُمْ فِي كِتَابِهِ وَهُوَ الْحَارِثُ بْنُ هِشَامِ بْنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ
[ ٦ / ٢٥٦١ ]
مَخْزُومٍ وَقِيلَ إِنَّهُ بَعْضُ بَنِي زَوْجِهَا مِنْهَا، أَوْ مِنْ غَيْرِهَا وَزَوْجُهَا كَانَ هُبَيْرَةَ بْنَ وَهْبِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَائِذِ بْنِ عِمْرَانَ بْنِ مَخْزُومٍ وَهُوَ الْأَشْبَهُ ; لِأَنَّهَا قَالَتْ فُلَانَ بْنَ هُبَيْرَةَ (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - قَدْ أَجَرْنَا مَنْ أَجَرْتِ يَا أُمَّ هَانِئٍ وَذَلِكَ) ; أَيْ مَا ذُكِرَ (ضُحًى) ; أَيْ وَقْتُهُ فَتَكُونُ تِلْكَ الصَّلَاةُ صَلَاةَ الضُّحَى وَقَدْ ذَكَرَ التِّرْمِذِيُّ فِي الشَّمَائِلِ «عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى قَالَ: مَا أَخْبَرَنِي أَحَدٌ أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ - ﷺ - يُصَلِّي الضُّحَى إِلَّا أُمَّ هَانِئٍ فَإِنَّهَا حَدَّثَتْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - دَخَلَ بَيْتَهَا يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ فَاغْتَسَلَ فَسَبَّحَ ثَمَانِيَ رَكَعَاتٍ مَا رَأَيْتُهُ ﷺ صَلَّى صَلَاةً قَطُّ أَخَفَّ مِنْهَا غَيْرَ أَنَّهُ كَانَ يُتِمُّ الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ» اهـ. وَلَا تَخْفَى الْمُخَالَفَةُ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ حَيْثُ يَدُلُّ حَدِيثُ التِّرْمِذِيِّ عَلَى أَنَّ الْغُسْلَ فِي بَيْتِ أُمِّ هَانِئٍ بِخِلَافِ مَا سَبَقَ فَإِنَّ ظَاهِرَهُ أَنَّهُ كَانَ الِاغْتِسَالُ فِي بَيْتِهِ - ﷺ - أَوْ فِي بَيْتِ فَاطِمَةَ ﵂ اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يُقَالَ التَّقْدِيرُ فَوَجَدْتُهُ يَغْتَسِلُ فِي بَيْتِي، أَوْ يُحْمَلُ عَلَى تَعَدُّدِ الْوَاقِعَةِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَفِي رِوَايَةٍ لِلتِّرْمِذِيِّ قَالَتْ أَجَرْتُ رَجُلَيْنِ مِنْ أَحْمَائِي) جَمْعُ حَمْوٍ، قَرِيبُ الزَّوْجِ (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - قَدْ أَمَّنَّا) ; أَيْ أَعْطَيْنَا الْأَمَانَ (مَنْ أَمَّنْتِ) قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: وَرَوَاهُ الْأَزْرَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ الْوَاقِدِيِّ عَنْ أَبِي ذِئْبٍ عَنِ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِي مُرَّةَ مَوْلَى عَقِيلٍ «عَنْ أُمِّ هَانِئٍ بِنْتِ أَبِي طَالِبٍ قَالَتْ ذَهَبْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي أَجَرْتُ حَمْوَيْنِ لِي مِنَ الْمُشْرِكِينَ فَأَرَادَ هَذَا أَنْ يَقْتُلَهُمَا فَقَالَ - ﷺ -: " مَا كَانَ لَهُ ذَلِكَ» " الْحَدِيثَ، وَكَانَ اللَّذَانِ أَجَارَتْ أُمُّ هَانِئٍ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي رَبِيعَةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ وَالْحَارِثَ بْنَ هِشَامِ بْنِ الْمُغِيرَةِ كِلَاهُمَا مِنْ بَنِي مَخْزُومٍ.
[ ٦ / ٢٥٦٢ ]
الْفَصْلُ الثَّانِي
٣٩٧٨ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ «إِنَّ الْمَرْأَةَ لَتَأْخُذُ لِلْقَوْمِ يَعْنِي تُجِيرُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
_________________
(١) الْفَصْلُ الثَّانِي
(٢) (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: إِنَّ الْمَرْأَةَ لَتَأْخُذُ) ; أَيِ الْأَمَانَ (لِلْقَوْمِ يَعْنِي تُجِيرُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ) ; أَيْ جَازَ أَنْ تَأْخُذَ الْمَرْأَةُ الْمُسْلِمَةُ الْأَمَانَ لِلْقَوْمِ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ ثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنِ الْأَسْوَدِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: إِنْ كَانَتِ الْمَرْأَةُ لَتُجِيرُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ، وَتَرْجَمَ التِّرْمِذِيُّ بَابَ أَمَانِ الْمَرْأَةِ ثَنَا يَحْيَى بْنُ أَكْثَمَ إِلَى أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «إِنَّ الْمَرْأَةَ لَتَأْخُذُ لِلْقَوْمِ يَعْنِي تُجِيرُ الْقَوْمَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ» وَقَالَ حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ وَقَالَ فِي عِلَلِهِ الْكُبْرَى سَأَلْتُ مُحَمَّدَ بْنَ إِسْمَاعِيلَ عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ فَقَالَ هُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ وَمِنْ أَحَادِيثِ الْبَابِ حَدِيثُ إِجَارَةِ زَيْنَبَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - أَبَا الْعَاصِ فَقَالَ - ﷺ -: أَلَا وَإِنَّهُ يُجِيرُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ أَدْنَاهُمْ، رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ بِطُولِهِ.
[ ٦ / ٢٥٦٢ ]
٣٩٧٩ - وَعَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَمِقِ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يَقُولُ «مَنْ أَمَّنَ رَجُلًا عَلَى نَفْسِهِ فَقَتَلَهُ أُعْطِيَ لِوَاءَ الْغَدْرِ يَوْمَ الْقَيَامَةِ» . رَوَاهُ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ.
_________________
(١) (وَعَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَمِقِ) بِفَتْحٍ فَكَسْرٍ ﵁ قَالَ الْمُؤَلِّفُ: خُزَاعِيٌّ لَهُ صُحْبَةٌ رَوَى عَنْهُ جُبَيْرُ بْنُ نُفَيْرٍ وَرِفَاعَةُ بْنُ شَدَّادٍ وَغَيْرُهُمَا قُتِلَ بِالْمَوْصِلِ سَنَةَ إِحْدَى وَخَمْسِينَ (قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يَقُولُ: مَنْ أَمَّنَ رَجُلًا عَلَى نَفْسِهِ) ; أَيْ أَعْطَاهُ الْأَمَانَ، وَالْضَمِيرُ فِي نَفْسِهِ إِلَى الرَّجُلِ (فَقَتَلَهُ أُعْطِيَ لِوَاءَ الْغَدْرِ) فِيهِ اسْتِعَارَةٌ (يَوْمَ الْقِيَامَةِ) كِنَايَةَ فَضِيحَتِهِ عَلَى رُءُوسِ الْأَشْهَادِ (رَوَاهُ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ) وَفِي شَرْحِ ابْنِ الْهُمَامِ، وَالْغَدْرُ مُحَرَّمٌ بِالْعُمُومَاتِ نَحْوُ مَا صَحَّ فِي الْبُخَارِيِّ عَنْهُ ﵊ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ: «أَرْبَعُ خِصَالٍ مَنْ كَانَتْ فِيهِ كَانَ مُنَافِقًا خَالِصًا مَنْ إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ» .
[ ٦ / ٢٥٦٢ ]
٣٩٨٠ - وَعَنْ سُلَيْمِ بْنِ عَامِرٍ قَالَ «كَانَ بَيْنَ مُعَاوِيَةَ وَبَيْنَ الرُّومِ عَهْدٌ وَكَانَ يَسِيرُ نَحْوَ بِلَادِهِمْ حَتَّى إِذَا انْقَضَى الْعَهْدُ أَغَارَ عَلَيْهِمْ فَجَاءَ رَجُلٌ عَلَى فَرَسٍ، أَوْ بِرْذَوْنٍ وَهُوَ يَقُولُ اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ وَفَاءٌ لَا غَدْرٌ فَنَظَرُوا فَإِذَا هُوَ عَمْرُو بْنُ عَبَسَةَ فَسَأَلَهُ مُعَاوِيَةُ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ يَقُولُ مَنْ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَوْمٍ عَهْدٌ فَلَا يَحُلَّنَّ عَهْدًا وَلَا يَشُدَّنَّهُ حَتَّى يُمْضِيَ أَمَدَهُ، أَوْ يَنْبِذَ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ قَالَ فَرَجَعَ مُعَاوِيَةُ بِالنَّاسِ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ.
_________________
(١) (وَعَنْ سُلَيْمِ ﵁) بِالتَّصْغِيرِ (بْنِ عَامِرٍ) تَابِعِيٍّ (قَالَ كَانَ بَيْنَ مُعَاوِيَةَ وَبَيْنَ الرُّومِ عَهْدٌ) ; أَيْ إِلَى وَقْتٍ مَعْهُودٍ (وَكَانَ يَسِيرُ نَحْوَ بِلَادِهِمْ) ; أَيْ يَذْهَبُ مُعَاوِيَةُ قَبْلَ انْقِضَاءِ الْعَهْدِ لِيَقْرُبَ مِنْ بِلَادِهِمْ حِينَ انْقِضَاءِ الْعَهْدِ (حَتَّى إِذَا انْقَضَى الْعَهْدُ) ; أَيْ زَمَانُهُ (أَغَارَ عَلَيْهِمْ) وَفِي رِوَايَةٍ غَزَاهُمْ (وَفِي رِوَايَةٍ فَجَاءَ رَجُلٌ عَلَى فَرَسٍ، أَوْ بِرْذَوْنٍ) بِكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ وَفَتْحِ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ قَالَ الطِّيبِيُّ: الْمُرَادُ بِالْفَرَسِ هُنَا الْعَرَبِيُّ، بِالْبِرْذَوْنِ التُّرْكِيُّ مِنَ الْخَيْلِ (وَهُوَ) ; أَيِ الرَّجُلُ (يَقُولُ اللَّهُ أَكْبَرُ) تَعَجُّبًا وَاسْتِبْعَادًا (اللَّهُ أَكْبَرُ) تَأْكِيدًا (وَفَاءٌ لَا غَدْرٌ) بِالرَّفْعِ عَلَى أَنَّ لَا لِلْعَطْفِ ; أَيِ الْوَاجِبُ عَلَيْكَ وَفَاءٌ لَا غَدْرٌ وَفِي نُسْخَةٍ بِالْفَتْحِ عَلَى أَنَّ لَا لِنَفْيِ الْجِنْسِ فَيَكُونُ خَبَرًا مَعْنَاهُ النَّهْيُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ [البقرة: ٢] قَالَ الطِّيبِيُّ: فِيهِ اخْتِصَارٌ حُذِفَ لِضِيقِ الْمَقَامِ ; أَيْ لِيَكُنْ مِنْكُمْ وَفَاءٌ لَا غَدْرٌ يَعْنِي بَعِيدٌ مِنْ أَهْلِ اللَّهِ وَأُمَّةِ مُحَمَّدٍ ارْتِكَابُ الْغَدْرِ وَلِلِاسْتِبْعَادِ صَدَّرَ الْجُمْلَةَ بِقَوْلِهِ: اللَّهُ أَكْبَرُ وَكَرَّرَهُ (فَنَظَرُوا) ; أَيْ فَرَأَى النَّاسُ فِي مَكَانِ مَجِيءِ الرَّجُلِ (فَإِذَا هُوَ) ; أَيِ الرَّجُلُ (عَمْرُو بْنُ عَبَسَةَ) بِفَتْحِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ وَالسِّينِ الْمُهْمَلَةِ كُنْيَتُهُ أَبُو نَجِيحٍ بِفَتْحِ النُّونِ وَكَسْرِ الْجِيمِ وَبِالْحَاءِ سُلَمِيٌّ أَسْلَمَ قَدِيمًا فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ قِيلَ كَانَ رَابِعَ أَرْبَعَةٍ فِي الْإِسْلَامِ عِدَادُهُ فِي الشَّامِيِّينَ رَوَى عَنْهُ جَمَاعَةٌ ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ وَإِنَّمَا كَرِهَ عَمْرُو بْنُ عَبَسَةَ ذَلِكَ ; لِأَنَّهُ إِذَا هَادَنَهُمْ إِلَى مُدَّةٍ وَهُوَ مُقِيمٌ فِي وَطَنِهِ فَقَدْ صَارَتْ مُدَّةُ مَسِيرِهِ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ الْمَضْرُوبَةِ كَالْمَشْرُوطِ مَعَ الْمُدَّةِ فِي أَنْ يَغْزُوَهُمْ فِيهَا فَإِذَا سَارَ إِلَيْهِمْ فِي أَيَّامِ الْهُدْنَةِ كَانَ إِيقَاعُهُ قَبْلَ الْوَقْتِ الَّذِي يَتَوَقَّعُونَهُ فَعَدَّ ذَلِكَ عَمْرٌو غَدْرًا وَأَمَّا إِنْ نَقَضَ أَهْلُ الْهُدْنَةِ بِأَنْ ظَهَرَتْ مِنْهُمْ خِيَانَةٌ فَلَهُ أَنْ يَسِيرَ إِلَيْهِمْ عَلَى غَفْلَةٍ مِنْهُمْ (فَسَأَلَ مُعَاوِيَةُ عَنْ ذَلِكَ) ; أَيْ عَنْ دَلِيلِ مَا ذَكَرَهُ («فَقَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يَقُولُ مَنْ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَوْمٍ عَهْدٌ فَلَا يَحُلَّنَّ عَهْدًا») ; أَيْ عَقْدَ عَهْدٍ (وَلَا يَشُدَّنَّهُ) أَرَادَ بِهِ الْمُبَالَغَةَ عَنْ عَدَمِ التَّغَيُّرِ وَإِلَّا فَلَا مَانِعَ مِنَ الزِّيَادَةِ فِي الْعَهْدِ وَالتَّأْكِيدِ، وَالْمَعْنَى لَا يُغَيِّرِنَّ عَهْدًا وَلَا يَنْقُضْهُ بِوَجْهٍ وَفِي رِوَايَةٍ فَيَشُدُّهُ وَلَا يَحُلُّهُ، قَالَ الطِّيبِيُّ: هَكَذَا جُمْلَتُهُ عِبَارَةٌ عَنْ عَدَمِ التَّغْيِيرِ فِي الْعَدِّ فَلَا يَذْهَبُ عَلَى اعْتِبَارِ مَعَانِي مُفْرَدَاتِهَا، وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ ; أَيْ لَا يَجُوزُ نَقْضُ الْعَهْدِ وَلَا الزِّيَادَةُ عَلَى تِلْكَ الْمُدَّةِ، وَفِيهِ نَصٌّ وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ يَتْرُكُ الْمُعَاهِدُ الْعَهْدَ مِنْ غَيْرِ نَقْضٍ (حَتَّى يُمْضِيَ أَمَدَهُ) بِفَتْحَتَيْنِ أَيْ تَنْقَضِيَ غَايَتُهُ (أَوْ يَنْبِذَ) بِكَسْرِ الْبَاءِ ; أَيْ يَرْمِيَ عَهْدَهُمْ (إِلَيْهِمْ)، بِأَنْ يُخْبِرَهُمْ بِأَنَّهُ نَقَضَ الْعَهْدَ عَلَى تَقْدِيرِ خَوْفِ الْخِيَانَةِ مِنْهُمْ (عَلَى سَوَاءٍ) ; أَيْ لِيَكُونَ خَصْمُهُ مُسَاوِيًا مَعَهُ فِي النَّقْضِ كَيْ لَا يَكُونَ ذَلِكَ مِنْهُ غَدْرًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ﴾ [الأنفال: ٥٨] قَالَ الطِّيبِيُّ: قَوْلُهُ عَلَى سَوَاءٍ حَالٌ قَالَ الْمُظْهِرُ ; أَيْ يُعْلِمُهُمْ أَنَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَغْزُوَهُمْ وَأَنَّ الصُّلْحَ قَدِ ارْتَفَعَ فَيَكُونُ الْفَرِيقَانِ فِي عِلْمِ ذَلِكَ سَوَاءً (قَالَ) ; أَيْ سُلَيْمٌ (فَرَجَعَ مُعَاوِيَةُ بِالنَّاسِ) الْبَاءُ لِلتَّعْدِيَةِ فَإِنَّ " رَجَعَ " لَازِمٌ وَمُتَعَدٍّ قَالَ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ﴾ [التوبة: ٨٣] ; أَيْ فَذَهَبَ بِهِمْ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّ الْبَاءَ لِلْمُصَاحَبَةِ ; أَيْ فَرَجَعَ مَعَهُمْ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ وَرَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ حِبَّانَ وَابْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَغَيْرُهُمْ.
[ ٦ / ٢٥٦٣ ]
٣٩٨١ - وَعَنْ أَبِي رَافِعٍ قَالَ «بَعَثَتْنِي قُرَيْشٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - فَلَمَّا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - أُلْقِيَ فِي قَلْبِيَ الْإِسْلَامُ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي وَاللَّهِ أَرْجِعُ إِلَيْهِمْ أَبَدًا قَالَ، إِنِّي لَا أَخِيسُ بِالْعَهْدِ وَلَا أَحْبِسُ الْبُرُدَ وَلَكِنِ ارْجِعْ فَإِنْ كَانَ فِي نَفْسِكَ الَّذِي فِي نَفْسِكَ الْآنَ فَارْجِعْ قَالَ فَذَهَبْتُ، ثُمَّ أَتَيْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - فَأَسْلَمْتُ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
_________________
(١) (وَعَنْ أَبِي رَافِعٍ) لَمْ يَذْكُرْهُ الْمُؤَلِّفُ فِي أَسْمَائِهِ وَإِنَّمَا ذَكَرَ أَسْلَمَ مَوْلَى النَّبِيِّ - ﷺ - غَلَبَتْ عَلَيْهِ كُنْيَتُهُ كَانَ قِبْطِيًّا وَكَانَ لِلْعَبَّاسِ فَوَهَبَهُ لِلنَّبِيِّ - ﷺ - فَلَمَّا بُشِّرَ النَّبِيُّ - ﷺ - بِإِسْلَامِ الْعَبَّاسِ أَعْتَقَهُ وَكَانَ إِسْلَامُهُ قَبْلَ بَدْرٍ اهـ. فَلَعَلَّهُ هُوَ لَكِنَّ سِيَاقَ الْحَدِيثِ يَأْبَاهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ (قَالَ بَعَثَتْنِي قُرَيْشٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - فَلَمَّا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - أُلْقِيَ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ ; أَيْ أُوقِعَ (فِي قَلْبِي الْإِسْلَامُ) ; أَيْ نَفْسُهُ وَهُوَ التَّصْدِيقُ، أَوْ مَحَبَّتُهُ قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: فِيهِ أَنَّ إِلْقَاءَ الْإِسْلَامِ لَمْ يَتَخَلَّفْ عَنِ الرُّؤْيَةِ، وَأَنْشَدَ: لَوْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ آيَاتٌ مُبَيِّنَةٌ كَانَتْ بَدَاهَتُهُ تُنْبِيكَ عَنْ خَبَرِهْ فَدَلَّ عَلَى فِرَاسَتِهِ وَدَهَائِهِ وَنَظَرِهِ الصَّائِبِ وَأَنَّ فِي رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - سِوَى الْمُعْجِزَاتِ مَا لَوْ نَظَرَ إِلَيْهِ النَّاظِرُ الثَّابِتُ النَّظَرِ لَآمَنَ (فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي وَاللَّهِ لَا أَرْجِعُ إِلَيْهِمْ) وَهَذَا كِنَايَةٌ عَنْ تَمَكُّنِ الْإِسْلَامِ مِنْ قَلْبِهِ وَلِذَلِكَ
[ ٦ / ٢٥٦٣ ]
أَكَّدَهُ بِالْقَسَمِ وَذَيَّلَهُ بِقَوْلِ (أَبَدًا قَالَ) ; أَيِ النَّبِيُّ - ﷺ - (إِنِّي لَا أَخِيسُ) بِكَسْرِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ بَعْدَهَا تَحْتِيَّةٌ لَا أَغْدِرُ (بِالْعَهْدِ) وَلَا أَنْقُضُهُ وَفِيهِ أَنَّ الْعَهْدَ يُرَاعَى مَعَ الْكُفَّارِ كَمَا يُرَاعَى مَعَ الْمُسْلِمِينَ (وَلَا أَحْبِسُ الْبُرُدَ) بِضَمَّتَيْنِ وَقِيلَ بِسُكُونِ الرَّاءِ جَمْعُ بَرِيدٍ وَهُوَ الرَّسُولُ وَإِنَّمَا لَمْ يَحْبِسْهُ الرَّسُولُ - ﷺ - لِاقْتِضَاءِ الرِّسَالَةِ جَوَابًا عَلَى وَفْقِ مُدَّعَاهُمْ بِلِسَانِ مَنِ اسْتَأْمَنُوهُ قَالَ الطِّيبِيُّ: الْمُرَادُ بِالْعَهْدِ هَاهُنَا الْعَادَةُ الْجَارِيَةُ الْمُتَعَارَفَةُ بَيْنَ النَّاسِ مِنْ أَنَّ الرُّسُلَ لَا يُتَعَرَّضُ لَهُمْ بِمَكْرُوهٍ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ الْآتِي بَعْدَهُ أَمَا وَاللَّهِ لَوْلَا أَنَّ الرُّسُلَ لَا تُقْتَلُ الْحَدِيثَ، أَلَا تَرَى كَيْفَ صَدَّرَ الْجُمْلَةَ بِلَفْظِ " أَمَا " الَّتِي هِيَ مِنْ طَلَائِعِ الْقَسَمِ، ثُمَّ عَقَّبَهَا بِهِ دَلَالَةً عَلَى أَنَّ ارْتِكَابَ هَذَا الْأَمْرِ مِنْ عَظَائِمِ الْأُمُورِ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُرْتَكَبَ، وَقَوْلُهُ (وَلَكِنِ ارْجِعْ) اسْتِدْرَاكٌ عَنْ مُقَدَّرٍ ; أَيْ لَا تُقِمْ هَاهُنَا وَتُظْهِرِ الْإِسْلَامَ وَلَكِنِ ارْجِعْ (فَإِنْ كَانَ) ; أَيْ ثَبَتَ (فِي نَفْسِكَ) ; أَيْ فِي مُسْتَقْبَلِ الزَّمَانِ (الَّذِي فِي نَفْسِكَ الْآنَ فَارْجِعْ) ; أَيْ مِنَ الْكُفَّارِ إِلَيْنَا، ثُمَّ أَسْلِمْ لِأَنِّي لَوْ قَبِلْتُ مِنْكَ الْإِسْلَامَ الْآنَ وَمَا أَرُدُّكَ عَلَيْهِمْ لَغَدَرْتُ قَالَهُ ابْنُ الْمَلَكِ، وَفِيهِ أَنَّ قَبُولَ الْإِسْلَامِ مِنْهُ لَا يَكُونُ غَدْرًا وَلَا يُتَصَوَّرُ أَنْ يَكُونَ عَدَمُ حَبْسِهِ لَهُ غَدْرًا بَلِ الْمُرَادُ مِنْهُ أَنَّهُ لَا يُظْهِرِ الْإِسْلَامَ وَيَرْجِعْ إِلَيْهِمْ حَيْثُ يَتَعَذَّرُ حَبْسُهُ فَإِنَّهُ أَرْفَقُ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ يَرْجِعُ إِلَى الْحَقِّ عَلَى الطَّرِيقِ الْحَقِّ. (قَالَ) ; أَيْ أَبُو رَافِعٍ (﵁ فَذَهَبْتُ) ; أَيْ إِلَيْهِمْ (ثُمَّ أَتَيْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - فَأَسْلَمْتُ) ; أَيْ أَظْهَرْتُ الْإِسْلَامَ (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) .
[ ٦ / ٢٥٦٤ ]
٣٩٨٢ - وَعَنْ نُعَيْمِ بْنِ مَسْعُودٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ لِرَجُلَيْنِ جَاءَا مِنْ عِنْدِ مُسَيْلِمَةَ أَمَّا وَاللَّهِ لَوْلَا أَنَّ الرُّسُلَ لَا تُقْتَلُ لَضَرَبْتُ أَعْنَاقَكُمَا» . رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ.
_________________
(١) (وَعَنْ نُعَيْمِ) بِالتَّصْغِيرِ (ابْنِ مَسْعُودٍ) ; أَيِ الْأَشْجَعِيِّ هَاجَرَ إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ - وَأَسْلَمَ بِالْخَنْدَقِ وَهُوَ الَّذِي سَعَى بَيْنَ بَنِي قُرَيْظَةَ وَأَبِي سُفْيَانَ بْنِ حَرْبٍ، وَأَبُو سُفْيَانَ يَوْمَئِذٍ رَأْسُ الْأَحْزَابِ، وَخَذَّلَهُمْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - وَحِكَايَتُهُ مَعْرُوفَةٌ، سَكَنَ الْمَدِينَةَ رَوَى عَنْهُ ابْنُهُ سَلَمَةُ مَاتَ فِي خِلَافَةِ عُثْمَانَ وَقِيلَ بَلْ قُتِلَ فِي وَقْعَةِ الْجَمَلِ قَبْلَ قُدُومِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ لِرَجُلَيْنِ) أَحَدُهُمَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ النَّوَّاحَةِ وَالثَّانِي ابْنُ أُثَالٍ كَمَا سَيَأْتِي (جَاءَا) بِصِيغَةِ التَّثْنِيَةِ ; أَيْ كِلَاهُمَا (مِنْ عِنْدِ مُسَيْلِمَةَ) بِضَمِّ الْمِيمِ الْأُولَى وَفَتْحِ السِّينِ وَكَسْرِ اللَّامِ وَهُوَ الْكَذَّابُ الْمَشْهُورُ بِدَعْوَى النُّبُوَّةِ (أَمَا) بِتَخْفِيفِ الْمِيمِ لِلتَّنْبِيهِ (وَاللَّهِ لَوْلَا أَنَّ الرُّسُلَ لَا تُقْتَلُ) قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ وَذَلِكَ ; لِأَنَّهُمْ كَمَا حُمِّلُوا تَبْلِيغَ الرِّسَالَةِ حُمِّلُوا تَبْلِيغَ الْجَوَابِ فَلَزِمَهُمُ الْقِيَامُ بِكِلَا الْأَمْرَيْنِ فَيُصَيِّرُونِي بِرَفْضِ مَآرِبِهِمْ مَوْسُومِينَ بِسِمَةِ الْغَدْرِ، وَكَانَ نَبِيُّ اللَّهِ - ﷺ - أَبْعَدَ النَّاسِ عَنْ ذَلِكَ، ثُمَّ إِنَّ فِي تَرَدُّدِ الرُّسُلِ الْمَصْلَحَةَ الْكُلِّيَّةَ وَمَهْمَا جَوَّزَ حَبْسَهُمْ، أَوِ التَّعَرُّضَ لَهُمْ بِمَكْرُوهٍ صَارَ ذَلِكَ سَبَبًا ; لِانْقِطَاعِ السُّبُلِ مِنَ الْفِئَتَيْنِ الْمُخْتَلِفَتَيْنِ وَفِي ذَلِكَ مِنَ الْفِتْنَةِ وَالْفَسَادِ مَا لَا يَخْفَى عَلَى ذِي اللُّبِّ مَوْقِعُهُ، وَقَوْلُهُ (لَضَرَبْتُ أَعْنَاقَكُمْ) إِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ لَهُمَا ; لِأَنَّهُمَا قَالَا بِحَضْرَتِهِ نَشْهَدُ أَنَّ مُسَيْلِمَةَ رَسُولُ اللَّهِ اهـ، وَقِيلَ عَدَمُ جَوَازِ قَتْلِ الرُّسُلِ مُسْتَفَادٌ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ﴾ [التوبة: ٦] وَالْوَافِدُ فِي حُكْمِ الْمُسْتَجِيرِ، قُلْتُ: وَهُوَ مَا يُنَافِي كَلَامَ الشَّيْخِ مِنَ الْحِكْمَةِ الْجَلِيَّةِ (رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ) .
[ ٦ / ٢٥٦٤ ]
٣٩٨٣ - وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جِدِّهِ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ فِي خُطْبَتِهِ أَوْفُوا بِحَلِفِ الْجَاهِلِيَّةِ فَإِنَّهُ لَا يَزِيدُهُ يَعْنِي الْإِسْلَامَ إِلَّا شِدَّةً وَلَا تُحْدِثُوا حَلِفًا فِي الْإِسْلَامِ» . رَوَاهُ وَذَكَرَ حَدِيثَ عَلِيٍّ: " الْمُسْلِمُونَ تَتَكَافَأُ " فِي كِتَابِ الْقِصَاصِ.
_________________
(١) (وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ فِي خُطْبَتِهِ) ; أَيْ عَلَى مَلَأٍ مِنَ النَّاسِ فِي (أَوْفُوا بِحَلِفِ الْجَاهِلِيَّةِ) بِفَتْحِ الْحَاءِ وَكَسْرِ اللَّامِ وَفِي نُسْخَةٍ بِكَسْرٍ فَسُكُونٍ ; أَيْ بِالْعُقُودِ وَالْعُهُودِ وَالْأَيْمَانِ الْوَاقِعَةِ فِي زَمَنِ الْجَاهِلِيَّةِ عَلَى التَّعَاوُنِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١] لَكِنَّهُ مُقَيَّدٌ بِمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢] (فَإِنَّهُ) ; أَيِ الشَّأْنَ (لَا يَزِيدُهُ) ; أَيِ الْعَهْدُ وَفِعْلُ " يَزِيدُ " مُضْمَرٌ فَسَّرَهُ الرَّاوِي بِالْإِسْلَامِ حَيْثُ قَالَ (يَعْنِي الْإِسْلَامَ) ; أَيْ يُرِيدُ النَّبِيُّ - ﷺ - بِفَاعِلِ " يَزِيدُ " الْمُسْتَتِرِ فِيهِ مَعْنَى الْإِسْلَامِ ; أَيْ لَا يَزِيدُ الْإِسْلَامُ الْحَلِفَ (إِلَّا شِدَّةً) فَإِنَّ الْإِسْلَامَ أَقْوَى مِنَ الْحَلِفِ فَمَنِ اسْتَمْسَكَ بِالْعَاصِمِ الْقَوِيِّ اسْتَغْنَى عَنِ الْعَاصِمِ الضَّعِيفِ، فِي النِّهَايَةِ أَصْلُ الْحَلِفِ الْمُعَاقَدَةُ عَلَى التَّعَاضُدِ وَالتَّسَاعُدِ وَالِاتِّفَاقِ فَمَا كَانَ مِنْهُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ عَلَى الْفِتَنِ وَالْقِتَالِ بَيْنَ الْقَبَائِلِ فَذَلِكَ الَّذِي وَرَدَ النَّهْيُ عَنْهُ فِي الْإِسْلَامِ بِقَوْلِهِ - ﷺ - لَا حَلِفَ فِي الْإِسْلَامِ، وَمَا كَانَ مِنْهُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ عَلَى نُصْرَةِ الْمَظْلُومِ وَصِلَةِ الْأَرْحَامِ وَنَحْوِهِمَا فَذَلِكَ الَّذِي قَالَ فِيهِ - ﷺ - ; أَيُّمَا حَلِفٍ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ لَمْ يَزِدْهُ الْإِسْلَامُ إِلَّا شِدَّةً (وَلَا تُحْدِثُوا) ; أَيْ لَا تُبَدِّلُوا وَلَا تَبْتَدِعُوا (حَلِفًا فِي الْإِسْلَامِ) ; أَيْ ; لِأَنَّهُ كَافٍ فِي وُجُوبِ التَّعَاوُنِ قَالَ الطِّيبِيُّ: التَّنْكِيرُ فِيهِ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنْ يَكُونَ لِلْجِنْسِ ; أَيْ لَا تُحْدِثُوا حَلِفًا مَا وَالْآخَرُ أَنْ يَكُونَ لِلنَّوْعِ، قُلْتُ: الظَّاهِرُ هُوَ الثَّانِي وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُ الْمُظْهِرِ: يَعْنِي إِنْ كُنْتُمْ حَلَفْتُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ بِأَنْ يُعِينَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَيَرِثَ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ، فَإِذَا أَسْلَمْتُمْ فَأَوْفُوا بِهِ فَإِنَّ الْإِسْلَامَ يُحَرِّضُكُمْ عَلَى الْوَفَاءِ بِهِ وَلَكِنْ لَا تُحْدِثُوا مُحَالَفَةً فِي الْإِسْلَامِ بِأَنْ يَرِثَ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ (رَوَاهُ. . .) هُنَا بَيَاضٌ فِي الْأَصْلِ وَأَلْحَقَ الْجَزَرِيُّ فِي تَصْحِيحِهِ حَيْثُ قَالَ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ طَرِيقِ حُسَيْنِ بْنِ ذَكْوَانَ عَنْ عَمْرٍو،
[ ٦ / ٢٥٦٤ ]
وَقَالَ حَسَنٌ (وَذَكَرَ حَدِيثَ عَلِيٍّ ﵁ الْمُسْلِمُونَ تَتَكَافَأُ) بِالتَّأْنِيثِ وَالتَّذْكِيرِ ; أَيْ دِمَاؤُهُمْ (وَيَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ وَيَرُدُّ عَلَيْهِمْ أَقْصَاهُمْ وَهُمْ يَدٌ عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ. . .) الْحَدِيثَ بِطُولِهِ (فِي كِتَابِ الْقِصَاصِ) يَعْنِي فَأَسْقَطْنَاهُ مِنْ هَاهُنَا لِلتَّكْرَارِ، قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: إِذَا أَمَّنَ رَجُلٌ حُرٌّ، أَوِ امْرَأَةٌ حُرَّةٌ كَافِرًا، أَوْ جَمَاعَةً، أَوْ أَهْلَ حِصْنٍ، أَوْ مَدِينَةً صَحَّ أَمَانُهُمْ عَلَى إِسْنَادِ الْمَصْدَرِ إِلَى الْمَفْعُولِ وَلَمْ يَجُزْ لِأَحَدٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ قِتَالُهُمْ، وَالْأَصْلُ فِيهِ هَذَا الْحَدِيثُ وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - «الْمُسْلِمُونَ تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ» ; أَيْ لَا تَزِيدُ دِيَةُ الشَّرِيفِ عَلَى دِيَةِ الْوَضِيعِ وَيَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ وَيَرُدُّ عَلَيْهِمْ أَقْصَاهُمْ، وَلَفْظُ ابْنِ مَاجَهْ وَيُجِيرُ عَلَيْهِمْ أَقْصَاهُمْ وَهُمْ يَدٌ عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ أَيْ كَأَنَّهُمْ آلَةٌ وَاحِدَةٌ مَعَ مَنْ سِوَاهُمْ مِنَ الْمِلَلِ كَالْعُضْوِ الْوَاحِدِ بِاعْتِبَارِ تَعَاوُنِهِمْ عَلَيْهِ، قَالَ: وَلَا يَصِحُّ أَمَانُ الْعَبْدِ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ إِلَّا أَنْ يَأْذَنَ لَهُ مَوْلَاهُ فِي الْقِتَالِ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ: يَصِحُّ وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ وَأَبُو يُوسُفَ فِي رِوَايَةٍ لِإِطْلَاقِ الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ وَهُوَ قَوْلُهُ وَيَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ، وَلِمَا رَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ ثَنَا مَعْمَرٌ عَنْ عَاصِمِ بْنِ سُلَيْمَانَ عَنْ فُضَيْلِ بْنِ يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ قَالَ: شَهِدْتُ قَرْيَةً مِنْ قُرَى فَارِسَ يُقَالُ لَهَا شَاهَرْتَا فَحَاصَرْنَاهَا شَهْرًا حَتَّى إِذَا كُنَّا ذَاتَ يَوْمٍ وَطَمِعْنَا أَنْ نُصَبِّحَهُمُ انْصَرَفْنَا عَنْهُمْ عِنْدَ الْمَقِيلِ خَلْفَ عَبْدٍ مِنَّا فَاسْتَأْمَنُوهُ فَكَتَبَ إِلَيْهِمْ أَمَانًا، ثُمَّ رَمَى بِهِ إِلَيْهِمْ فَلَمَّا رَجَعْنَا إِلَيْهِمْ خَرَجُوا إِلَيْنَا فِي ثِيَابِهِمْ وَوَضَعُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَقُلْنَا مَا شَأْنُكُمْ فَقَالُوا أَمَّنْتُمُونَا وَأَخْرَجُوا إِلَيْنَا السَّهْمَ فِيهَا كِتَابٌ بِأَمَانِهِمْ فَقُلْنَا هَذَا عَبْدٌ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ، قَالُوا: لَا نَدْرِي عَبْدَكُمْ مِنْ حُرِّكُمْ قَدْ خَرَجْنَا بِأَمَانٍ فَكَتَبْنَا إِلَى عُمَرَ فَكَتَبَ أَنَّ الْعَبْدَ الْمُسْلِمَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَأَمَانُهُ أَمَانُهُمْ وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَزَادَ فَأَجَازَ عُمَرُ أَمَانَهُ، وَالْحَدِيثُ جَيِّدٌ وَفُضَيْلُ بْنُ يَزِيدَ الرَّقَاشِيُّ وَثَّقَهُ ابْنُ مَعِينٍ، وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ مَرْفُوعًا " «أَمَانُ الْعَبْدِ أَمَانٌ» " فَحَدِيثٌ لَا يُعْرَفُ اهـ. وَحُجَّةُ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ فِي رِوَايَةِ سَحْنُونٍ عَنْهُ مَذْكُورَةٌ فِي شَرْحِ ابْنِ الْهُمَامِ مَبْسُوطَةٌ قَالَ وَإِنْ آمَنَ الصَّبِيُّ وَهُوَ لَا يَعْقِلُ الْإِسْلَامَ وَلَا يَصِفُهُ لَا يَصِحُّ بِإِجْمَاعِ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ كَالْمَجْنُونِ وَإِنْ كَانَ يَعْقِلُ وَهُوَ مَحْجُورٌ عَنِ الْقِتَالِ فَعَلَى الْخِلَافِ بَيْنَ أَصْحَابِنَا لَا يَصِحُّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَيَصِحُّ عِنْدَ مُحَمَّدٍ وَبِقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ فِي وَجْهٍ ; لِأَنَّ قَوْلَهُ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ كَطَلَاقِهِ وَعَتَاقِهِ، وَبِقَوْلِ مُحَمَّدٍ قَالَ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ، وَإِنْ كَانَ مَأْذُونًا لَهُ فِي الْقِتَالِ فَالْأَصَحُّ أَنَّهُ يَصِحُّ بِالِاتِّفَاقِ بَيْنَ أَصْحَابِنَا وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ.
[ ٦ / ٢٥٦٥ ]
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
٣٩٨٤ - عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ «جَاءَ ابْنُ النَّوَّاحَةِ وَابْنُ أُثَالٍ رَسُولَا مُسَيْلِمَةَ إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ - فَقَالَ لَهُمَا أَتَشْهَدَانِ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ فَقَالَا نَشْهَدُ أَنَّ مُسَيْلِمَةَ رَسُولُ اللَّهِ فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ - آمَنْتُ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَلَوْ كُنْتُ قَاتِلًا رَسُولًا لَقَتَلْتُكُمَا قَالَ عَبْدُ اللَّهِ فَمَضَتِ السُّنَّةُ أَنَّ الرَّسُولَ لَا يُقْتَلُ» ". رَوَاهُ أَحْمَدُ.
_________________
(١) الْفَصْلُ الثَّالِثُ
(٢) (عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: جَاءَ ابْنُ النَّوَّاحَةِ) بِفَتْحِ النُّونِ وَتَشْدِيدِ الْوَاوِ وَبِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ ذَكَرَهُ ابْنُ الْأَثِيرِ (وَابْنُ أُثَالٍ) بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَبِالْمُثَلَّثَةِ (رَسُولَا مُسَيْلِمَةَ إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ -) مُتَعَلِّقٌ بِجَاءَ، أَوْ بِرَسُولَا وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ وَيَحْتَمِلُ التَّنَازُعَ (فَقَالَ لَهُمَا أَتَشْهَدَانِ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ) فَكَأَنَّهُ - ﷺ - أَرَادَ بِذَلِكَ دَعْوَتَهُمَا إِلَى الْإِسْلَامِ مَعَ احْتِمَالِ كَوْنِهِمَا مُسْلِمَيْنِ (فَقَالَا) وَفِي نُسْخَةٍ قَالَا وَفِي نُسْخَةٍ بِزِيَادَةِ لَا، ثُمَّ اسْتَأْنَفَا بِقَوْلِهِمَا (نَشْهَدُ أَنَّ مُسَيْلِمَةَ رَسُولُ اللَّهِ) أَرَادَا بِذَلِكَ أَنَّهُمَا مِنْ أَتْبَاعِ مُسَيْلِمَةَ لَا غَيْرَ، قَالَ الطِّيبِيُّ: جَوَابٌ غَيْرُ مُطَابِقٍ لِلسُّؤَالِ وَلَا لِنَفْسِ الْأَمْرِ ; لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - أَرَادَ بِقَوْلِهِ أَتَشْهَدَانِ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ قَدِ ادَّعَيْتُ الرِّسَالَةَ وَصَدَّقْتُهَا بِمُعْجِزَةٍ فَأَقِرَّا بِذَلِكَ، فَقَوْلُهُمَا نَشْهَدُ إِلَخْ رَدٌّ لِهَذَا الْمَعْنَى كَأَنَّهُمْ أَنْكَرُوا أَنَّ الرِّسَالَةَ تَثْبُتُ بِالْمُعْجِزَاتِ فَكَانَ جَوَابُهُمْ مِنَ الْأُسْلُوبِ الْأَحْمَقِ (فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ - آمَنْتُ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ) الظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِهَذَا الْمُضَافِ الْجِنْسُ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا فِي نُسْخَةٍ وَرُسُلِهِ قَالَ الطِّيبِيُّ: فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى الْمَعْنَى السَّابِقِ حَيْثُ لَمْ يَقُلْ آمَنْتُ بِاللَّهِ وَبِي بَلْ قَالَ وَرَسُولِهِ ; أَيْ مَنِ ادَّعَى الرِّسَالَةَ وَأَثْبَتَهَا بِالْمُعْجِزَةِ كَائِنًا مَنْ كَانَ وَهُوَ كَلَامُ الْمُنْصِفِ يَعْنِي وَإِلَّا فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعَهُ وَلَا بَعْدَهُ - ﷺ - مَنْ يَدَّعِي الرِّسَالَةَ وَلِذَا قَالَ بَعْضُ عُلَمَائِنَا مَنْ قَالَ لِمُدَّعِي الرِّسَالَةِ أَظْهِرِ الْمُعْجِزَةَ كَفَرَ، ثُمَّ قَالَ الطِّيبِيُّ: وَكَأَنَّهُمْ تَرَقَّبُوا أَنْ يُشْرِكَ - ﷺ - مُسَيْلِمَةَ فِي الرِّسَالَةِ فَنَفَاهُ بِقَوْلِهِ وَرَسُولِهِ ; أَيْ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ مَعْنَى الرِّسَالَةِ فِي شَيْءٍ فَيَكُونُ كَلَامُهُ - ﷺ - مِنَ الْأُسْلُوبِ الْحَكِيمِ اهـ. وَفِي كَوْنِهِمْ مُرَاقِبِينَ لِشِرْكِهِ مَحَلُّ بَحْثٍ ; لِأَنَّهُمْ لَوْ أَرَادُوا ذَلِكَ لَأَقَرَّا بِرِسَالَةِ نَبِيِّنَا أَيْضًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ (لَوْ كُنْتُ) وَفِي نُسْخَةٍ وَلَوْ كُنْتُ (قَاتِلًا رَسُولًا) ; أَيْ قَادِمًا بِالْخَبَرِ مِنْ عِنْدِ أَحَدٍ بِأَمَانٍ (لَقَتَلْتُكُمَا، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ) ; أَيِ ابْنُ مَسْعُودٍ فَإِنَّهُ الرَّاوِي بَلْ هُوَ الْمُرَادُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ (فَمَضَتِ السُّنَّةُ أَنَّ الرَّسُولَ لَا يُقْتَلُ) قَالَ الطِّيبِيُّ: مَعْنَاهُ جَرَتِ السُّنَّةُ عَلَى الْعَادَةِ الْجَارِيَةِ فَجَعَلَتْهَا سُنَّةً (رَوَاهُ أَحْمَدُ) .
[ ٦ / ٢٥٦٥ ]