الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
٤٦٦٧ - عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: أَتَانَا أَبُو مُوسَى، قَالَ: «إِنَّ عُمَرَ أَرْسَلَ إِلَيَّ أَنْ آتِيَهُ، فَأَتَيْتُ بَابَهُ، فَسَلَّمْتُ ثَلَاثًا، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيَّ، فَرَجَعْتُ. فَقَالَ: مَا مَنَعَكَ أَنْ تَأْتِيَنَا؟ فَقُلْتُ: إِنِّي أَتَيْتُ فَسَلَّمْتُ عَلَى بَابِكَ ثَلَاثًا فَلَمْ تَرُدُّوا فَرَجَعْتُ، وَقَدْ قَالَ لِيَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: " إِذَا اسْتَأْذَنَ أَحَدُكُمْ ثَلَاثًا فَلَمْ يُؤْذَنْ لَهُ، فَلْيَرْجِعْ ". فَقَالَ عُمَرُ: أَقِمْ عَلَيْهِ الْبَيِّنَةَ. قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: فَقُمْتُ مَعَهُ، فَذَهَبْتُ إِلَى عُمَرَ، فَشَهِدْتُ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
_________________
(١) بَابُ الِاسْتِئْذَانِ بِسُكُونِ الْهَمْزِ وَيُبْدَلُ يَاءً، وَمَعْنَاهُ: طَلَبُ الْإِذْنِ وَالْأَصْلُ فِيهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا﴾ [النور: ٢٧] الْآيَاتِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الِاسْتِئْذَانَ مَشْرُوعٌ وَتَظَاهَرَتْ بِهِ دَلَائِلُ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ، وَالْأَفْضَلُ أَنْ يُجْمَعَ بَيْنَ السَّلَامِ وَالِاسْتِئْذَانِ، وَاخْتَلَفُوا فِي أَنَّهُ هَلْ يُسْتَحَبُّ تَقْدِيمُ السَّلَامِ أَوِ الِاسْتِئْذَانِ، وَالصَّحِيحُ تَقْدِيمُ السَّلَامِ فَيَقُولُ: السَّلَامُ عَلَيْكُمُ. أَدْخُلُ؟ وَعَنِ الْمَاوَرْدِيِّ إِنْ وَقَعَتْ عَيْنُ الْمُسْتَأْذِنِ عَلَى صَاحِبِ الْمَنْزِلِ قَبْلَ دُخُولِهِ قَدَّمَ السَّلَامَ، وَإِلَّا قَدَّمَ الِاسْتِئْذَانَ. قُلْتُ: وَهُوَ بِظَاهِرِهِ يُخَالِفُ مَا سَبَقَ مِنْ حَدِيثِ السَّلَامِ قَبْلَ الْكَلَامِ. الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
(٢) (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ: أَتَانَا أَبُو مُوسَى)، أَيِ: الْأَشْعَرِيُّ (قَالَ) أَيْ: أَبُو مُوسَى اسْتِئْنَافُ بَيَانٍ لِعِلَّةِ الْإِتْيَانِ (إِنَّ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَرْسَلَ إِلَيَّ أَنْ آتِيَهُ)، أَيْ بِأَنْ
[ ٧ / ٢٩٥٨ ]
أَجِيئَهُ (فَأَتَيْتُ بَابَهُ، فَسَلَّمْتُ ثَلَاثًا)، أَيْ: ثَلَاثَ مَرَّاتٍ غَيْرَ مُتَوَالِيَاتٍ عَلَى مَا هُوَ الظَّاهِرُ مِنَ الْأَدَبِ الْمُتَعَارَفِ، وَالْمُرَادُ بِهِ سَلَامُ الْإِيذَانِ، وَهُوَ قَدْ يَكُونُ مَعَ أَدْخُلُ؟، وَقَدْ يَتَجَرَّدُ عَنْهُ اكْتِفَاءً، وَسَيَأْتِي بَيَانُ حِكْمَةِ التَّثْلِيثِ (فَلَمْ يَرُدَّ) أَيْ: عُمَرُ أَوْ أَحَدٌ (عَلَيَّ)، أَيِ: الْجَوَابَ (فَرَجَعْتُ)، أَيْ: لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ﴾ [النور: ٢٨]، وَالسُّكُوتُ فِي هَذَا الْمَقَامِ دَلِيلٌ عَلَى الْإِعْرَاضِ، فَهُوَ فِي مَعْنَى الْأَمْرِ بِالرُّجُوعِ فَرَجَعْتُ. (فَقَالَ) أَيْ: بَعْدَ ذَلِكَ مُعَاتِبًا لِي (مَا مَنَعَكَ أَنْ تَأْتِيَنَا؟) أَيْ: مِنَ الْإِتْيَانِ إِلَيْنَا مَعَ إِرْسَالِنَا إِلَيْكَ بِالْإِتْيَانِ (فَقُلْتُ: إِنِّي): بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِهَا (أَتَيْتُ) أَيْ: إِلَيْكَ (فَسَلَّمْتُ) وَالْكَسْرُ هُوَ الْأَظْهَرُ ; لِأَنَّهُ اسْتِئْنَافٌ فِيهِ مَعْنَى التَّعْلِيلِ مَعَ أَنَّ الْمَقُولَ لَا يَكُونُ إِلَّا جُمْلَةً، وَلِهَذَا تَكُونُ أَنَّ بَعْدَ الْقَوْلِ دَائِمًا مَكْسُورَةً. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: الظَّاهِرُ فَتْحُ إِنَّ لِيَكُونَ مُطَابِقًا لِلسُّؤَالِ، فَإِنَّ السُّؤَالَ عَنِ الْمَنْعِ فَيَجِبُ أَنْ يُبَيِّنَ الْمَانِعَ، وَيُقَالَ: إِنَّ الْمَانِعَ إِتْيَانِي وَتَسْلِيمِي، وَالْكَسْرُ يَدُلُّ عَلَى الْمَانِعِ بِالْمَفْهُومِ. (عَلَى بَابِكَ): مُتَعَلِّقٌ بِمُقَدَّرٍ أَيْ: فَسَلَّمْتُ عَلَيْكَ حَالَ كَوْنِي وَاقِفًا عَلَى بَابِي (ثَلَاثًا فَلَمْ تَرُدُّوا) أَيْ: لَا أَنْتَ وَلَا أَحَدٌ مِنْ خُدَّامِكَ (عَلَيَّ) أَيِ: السَّلَامَ أَوِ الْجَوَابَ (فَرَجَعْتُ وَقَدْ): الْوَاوُ حَالِيَّةٌ أَوِ اسْتِئْنَافِيَّةٌ (قَالَ) أَيْ: لِي كَمَا فِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ، وَالْمَعْنَى مُخَاطِبًا لِي (رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: «إِذَا اسْتَأْذَنَ أَحَدُكُمْ ثَلَاثًا فَلَمْ يُؤْذَنْ لَهُ فَلْيَرْجِعْ»): فَإِنَّ الْأَوَّلَ لِلتَّعَرُّفِ، وَالثَّانِي لِلتَّأَمُّلِ، وَالثَّالِثَ لِلْإِذْنِ وَعَدَمِهِ (فَقَالَ عُمَرُ: أَقِمْ عَلَيْهِ) أَيْ: عَلَى أَنَّ الْحَدِيثَ الَّذِي رَوَيْتَهُ هُوَ قَوْلُ النَّبِيِّ - ﷺ - (الْبَيِّنَةَ) أَيْ: تَمَامَ الْبَيِّنَةِ، وَالْمُرَادُ بِهَا الشَّاهِدُ لَهُ، وَلَوْ كَانَ وَاحِدًا وَإِنَّمَا أَمَرَهُ بِذَلِكَ لِيَزْدَادَ فِيهِ وُثُوقًا، فَالْعِلْمَانِ خَيْرٌ مِنْ عِلْمٍ وَاحِدٍ لَا لِلشَّكِّ فِي صِدْقِ خَبَرِهِ عِنْدَهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ.
وَقَالَ الطِّيبِيُّ: تَعَلَّقَ بِهَذَا الْحَدِيثِ مَنْ يَقُولُ لَا يُحْتَجُّ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ وَهُوَ بَاطِلٌ، فَإِنَّهُمْ أَجْمَعُوا عَلَى الِاحْتِجَاجِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ وَوُجُوبِ الْعَمَلِ بِهِ، وَدَلَائِلُهُمْ أَكْثَرُ مِمَّا تُحْصَى، وَأَمَّا قَوْلُ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - هَذَا، فَلَيْسَ مَعْنَاهُ رَدُّ خَبَرِ الْوَاحِدِ مِنْ حَيْثُ هُوَ خَبَرٌ وَاحِدٌ، وَلَكِنْ خَافَ مُسَارَعَةَ النَّاسِ إِلَى الْقَوْلِ عَلَى النَّبِيِّ - ﷺ - بِمَا لَمْ يَقُلْ كَمَا يَفْعَلُهُ الْمُبْتَدِعُونَ وَالْكَذَّابُونَ، وَكَذَا مَنْ وَقَعَ لَهُ قَضِيَّةٌ وَضَعَ فِيهَا حَدِيثًا عَلَى النَّبِيِّ - ﷺ -، فَأَرَادَ سَدَّ الْبَابِ لَا شَكًّا فِي رِوَايَةِ أَبِي مُوسَى ; لِأَنَّهُ أَجَلُّ مِنْ أَنْ يُظَنَّ بِهِ أَنْ يُحَدِّثَ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - مَا لَمْ يَقُلْ، وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - لَمْ يَرُدَّ خَبَرَ أَبِي مُوسَى لِكَوْنِهِ خَبَرَ وَاحِدٍ أَنَّهُ طَلَبَ مِنْهُ إِخْبَارَ رَجُلٍ آخَرَ حَتَّى يَعْمَلَ بِالْحَدِيثِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ خَبَرَ الِاثْنَيْنِ خَبَرُ وَاحِدٍ، وَكَذَا مَا زَادَ حَتَّى يَبْلُغَ التَّوَاتُرَ ; لِأَنَّ مَا لَمْ يَبْلُغِ التَّوَاتُرَ فَهُوَ خَبَرُ وَاحِدٍ.
(قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: فَقُمْتُ مَعَهُ)، أَيْ: مَعَ أَبِي مُوسَى (فَذَهَبْتُ إِلَى عُمَرَ، فَشَهِدْتُ)، أَيْ: عَلَى الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ أَبُو مُوسَى (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) . وَالْقَدْرُ الْمَرْفُوعُ مِنْهُ رَوَاهُ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ وَالشَّيْخَانِ وَأَبُو دَاوُدَ عَنْ أَبِي مُوسَى وَأَبَى سَعِيدٍ مَعًا، وَالطَّبَرَانِيُّ وَالضِّيَاءُ عَنْ جُنْدَبٍ الْبَجَلِيِّ.
[ ٧ / ٢٩٥٩ ]
٤٦٦٨ - «وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ - ﵁ - قَالَ: قَالَ لِيَ النَّبِيُّ - ﷺ: " إِذْنُكَ عَلَيَّ أَنْ تَرْفَعَ الْحِجَابَ وَأَنْ تَسْمَعَ سِوَادِي حَتَّى أَنْهَاكَ» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
_________________
(١) (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ؟ قَالَ لِيَ) أَيْ: مَخْصُوصًا (النَّبِيُّ - ﷺ -: إِذْنُكَ): بِكَسْرٍ فَسُكُونٍ وَهُوَ مُبْتَدَأٌ، أَيْ: عَلَامَةُ إِذْنِكَ (عَلَيَّ) أَيْ: بِالدُّخُولِ، وَالْخَبَرُ قَوْلُهُ: (أَنْ تَرْفَعَ الْحِجَابَ) أَيْ: رَفْعُكَ الْحِجَابَ وَهُوَ السِّتَارَةُ (وَأَنْ تَسْمَعَ): وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ: وَأَنْ تَسْمَعَ (سِوَادِي): بِكَسْرِ السِّينِ، أَيْ: سِرِّي وَكَلَامِيَ الْخَفِيَّ الدَّالَّ عَلَى كَوْنِي فِي الْبَيْتِ (حَتَّى أَنْهَاكَ)، أَيْ: عَنِ الدُّخُولِ حِينَئِذٍ لِمَانِعٍ يَكُونُ عِنْدِي، أَوْ عَنِ الدُّخُولِ بِغَيْرِ اسْتِئْذَانٍ، فَيَكُونُ مَعَ النَّاسِ سَوَاءً، وَضَبَطَ شَارِحٌ لِلْمَصَابِيحِ قَوْلَهُ: إِذْنُكَ بِمَدِّ أَوَّلِهِ وَفَتْحِ الذَّالِ، وَقَالَ: مَعْنَاهُ أَنَا آذِنٌ لَكَ عَلَيَّ بِأَنْ تَرْفَعَ الْحِجَابَ، يَعْنِي: لَا حَاجَةَ لَكَ إِلَى الِاسْتِئْذَانِ إِذَا أَرَدْتَ الدُّخُولَ عَلَيَّ، بَلْ أَذِنْتُ لَكَ أَنْ تَدْخُلَ عَلَيَّ وَأَنْ تَرْفَعَ الْحِجَابَ.
[ ٧ / ٢٩٥٩ ]
قُلْتُ: وَفِي هَذَا مَنْقَبَةٌ عَظِيمَةٌ وَمِدْحَةٌ جَسِيمَةٌ لَهُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَمَا ذَاكَ إِلَّا لِكَثْرَةِ خِدْمَتِهِ وَمُلَازِمَةِ صُحْبَتِهِ، فَإِنَّهُ كَانَ صَاحِبَ النَّعْلَيْنِ وَالسِّوَاكِ وَالْمَطْهَرَةِ وَالسَّجَّادَةِ فَهَنِيئًا لَهُ، ثُمَّ هَنِيئًا، ثُمَّ قَالَ الشَّارِحُ، وَقَوْلُهُ: سِوَادِي بِالْكَسْرِ أَيْ: سِرَارِي يُقَالُ: سَاوَدْتُهُ مُسَاوَدَةً، أَيْ: سَارَرْتُهُ، سُمِّيَ السِّوَارُ سِوَادًا ; لِاقْتِرَابِ السِّوَادَيْنِ فِيهِ، وَهُمَا شَخْصَا الْمُتَنَاجِيَيْنِ اهـ. وَهُوَ الْمَفْهُومُ مِنَ النِّهَايَةِ.
وَقَالَ الطِّيبِيُّ قَوْلُهُ: عَلَيَّ مُتَعَلِّقٌ بِإِذْنِكَ وَهُوَ مُبْتَدَأٌ، وَأَنْ تَرْفَعَ مَعَ الْمَعْطُوفِ خَبَرُهُ يَعْنِي: إِذْنُكَ الْجَمْعُ بَيْنَ رَفْعِكَ الْحِجَابَ وَبَيْنَ مَعْرِفَتِكَ إِيَّايَ فِي الدَّارِ لَوْ كُنْتَ مُسَارًا لِغَيْرِي هَذَا شَأْنُكَ مُسْتَمِرٌّ فِي جَمِيعِ الْأَحْيَانِ إِلَّا أَنْ أَنْهَاكَ، وَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى شَرَفِهِ، وَأَنَّهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - بِمَنْزِلَةِ أَهْلِ الْبَيْتِ وَصَاحِبِ السِّرِّ، وَلَيْسَ مَعْنَاهُ أَنَّهُ يَدْخُلُ عَلَيْهِ فِي كُلِّ حَالٍ، وَأَنْ يَدْخُلَ عَلَى نِسَائِهِ وَمَحَارِمِهِ. قَالَ النَّوَوِيُّ: فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ الِاعْتِمَادِ عَلَى الْعَلَامَةِ فِي الْإِذْنِ بِالدُّخُولِ، فَإِذَا جَعَلَ الْأَمِيرُ وَالْقَاضِي أَوْ غَيْرُهُمَا رَفْعَ السِّتْرِ الَّذِي بَابُهُ عَلَامَةً لِلْإِذْنِ فِي الدُّخُولِ عَلَيْهِ لِلنَّاسِ عَامَّةً أَوْ لِطَائِفَةٍ خَاصَّةٍ، أَوْ لِشَخْصٍ، أَوْ جَارٍ، أَوْ عَلَامَةً غَيْرَ ذَلِكَ جَازَ الِاعْتِمَادُ عَلَيْهَا وَالدُّخُولُ بِغَيْرِ اسْتِئْذَانٍ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
[ ٧ / ٢٩٦٠ ]
٤٦٦٩ - «وَعَنْ جَابِرٍ - ﵁ - قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - فِي دَيْنٍ كَانَ عَلَى أَبِي، فَدَقَقْتُ الْبَابَ، فَقَالَ: " مَنْ ذَا؟ " فَقُلْتُ: أَنَا. فَقَالَ: " أَنَا! أَنَا! " كَأَنَّهُ كَرِهَهَا» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
_________________
(١) (وَعَنْ جَابِرٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -) أَيِ: ابْنِ عَبْدِ اللَّهِ صَحَابِيَّانِ جَلِيلَانِ، قُتِلَ أَبُوهُ فِي أُحُدٍ (قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - فِي دَيْنٍ كَانَ عَلَى أَبِي)، وَسَيَأْتِي حَدِيثُهُ فِي الْفَصْلِ الْأَوَّلِ مِنْ بَابِ الْمُعْجِزَاتِ (فَدَقَقْتُ الْبَابَ) أَيْ: بِلُطْفٍ كَضَرْبِ الْأَظَافِيرِ عَلَى مَا هُوَ دَأْبُ أَرْبَابِ الْأَلْبَابِ. (فَقَالَ: مَنْ ذَا؟)، أَيِ: الَّذِي يَدُقُّ (قُلْتُ): وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ: فَقُلْتُ (أَنَا): يُقْرَأُ بِالْأَلِفِ وَقْفًا وَبِحَذْفِهِ وَصْلًا (فَقَالَ: أَنَا! أَنَا): مُكَرِّرٌ لِلْإِنْكَارِ عَلَيْهِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: أَيْ: قَوْلُكَ أَنَا مَكْرُوهٌ فَلَا تَعْدُو الثَّانِي تَأْكِيدٌ. (كَأَنَّهُ كَرِهَهَا) . أَيْ: كَلِمَةَ أَنَا، فَإِنَّهُ لَمْ يَسْتَأْذِنْ بِالسَّلَامِ، بَلْ بِالدَّقِّ؛ ذَكَرَهُ الْبَرْمَاوِيُّ، أَوْ لِأَنَّ قَوْلَهُ مَنْ ذَا اسْتِكْشَافٌ لِلْإِبْهَامِ، وَقَوْلَهُ: أَنَا لَمْ يَزَلْ بِهِ الْإِشْكَالُ وَالْإِبْهَامُ ; لِأَنَّهُ بَيَانٌ عِنْدَ الْمُشَاهَدَةِ لَا عِنْدَ الْغَيْبَةِ، وَكَانَ حَقُّ الْجَوَابِ أَنْ يَقُولَ: جَابِرٌ، أَوْ أَنَا جَابِرٌ، وَهَذَا مَعْنَى مَا قَالَ شَارِحٌ ; لِأَنَّ قَوْلَهُ أَنَا لَا يُشْعِرُ بِصَاحِبِهِ. قُلْتُ: اللَّهُمَّ إِلَّا إِذَا كَانَ مِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ مِمَّنْ يُعْرَفُ بِصَوْتِهِ عَلَى مَا هُوَ الْمُتَعَارَفُ، إِذْ لَا شَكَّ أَنَّهُ لَوْ عَرَفَهُ - ﷺ - بِصَوْتِهِ لَمَا أَنْكَرَهُ عَلَيْهِ لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ بِهِ، ثُمَّ قَالَ: أَوْ لِأَنَّ فِيهِ تَعْظِيمًا فَلَمْ يَرَ التَّكَلُّمَ بِلَفْظٍ لَيْسَ فِيهِ تَوَاضُعٌ اهـ. وَفِيهِ أَنَّهُ لَوْ قَالَ: أَنَا جَابِرٌ لَمْ يَكُنْ يَكْرَهُهَا. وَقَالَ النَّوَوِيُّ وَإِنَّمَا كُرِهَ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَحْصُلْ بِقَوْلِهِ أَنَا فَائِدَةٌ تُزِيلُ الْإِبْهَامَ، بَلْ يَنْبَغِي أَنْ يَقُولَ فُلَانٌ بِاسْمِهِ، وَإِنْ قَالَ: أَنَا فُلَانٌ فَلَا بَأْسَ، كَمَا قَالَتْ أُمُّ هَانِئٍ حِينَ اسْتَأْذَنَتْ، فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ: " مَنْ هَذِهِ؟ " فَقَالَتْ: أَنَا أُمُّ هَانِئٍ، وَلَا بَأْسَ أَنْ يَصِفَ نَفْسَهُ بِمَا يُعْرَفُ إِذَا لَمْ يَكُنْ مِنْهُ بُدٌّ، وَإِنْ كَانَ صُورَةً لَهَا فِيهِ تَبْجِيلٌ وَتَعْظِيمٌ بِأَنْ يُكَنِّيَ نَفْسَهُ، أَوْ يَقُولَ أَنَا الْمُفْتِي فُلَانٌ أَوِ الْقَاضِي أَوِ الشَّيْخُ اهـ. وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمَقْصُودَ الْمَعْرِفَةُ لِيَتَرَتَّبَ عَلَيْهِ الْإِذْنُ وَعَدَمُهُ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
[ ٧ / ٢٩٦٠ ]
٤٦٧٠ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - قَالَ: «دَخَلْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -، فَوَجَدَ لَبَنًا فِي قَدَحٍ. فَقَالَ: " أَبَا هِرٍّ! الْحَقْ بِأَهْلِ الصُّفَّةِ فَادْعُهُمْ إِلَيَّ " فَأَتَيْتُهُمْ فَدَعَوْتُهُمْ، فَأَقْبَلُوا، فَاسْتَأْذَنُوا، فَأَذِنَ لَهُمْ، فَدَخَلُوا» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
_________________
(١) (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ: دَخَلْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -)، أَيْ: فِي بَيْتِهِ، وَقِيلَ عَلَى سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِصِحَّتِهِ. (فَوَجَدَ) أَيِ: النَّبِيُّ - ﷺ - (لَبَنًا فِي قَدَحٍ: لَعَلَّ التَّنْوِينَ لِلتَّعْظِيمِ (فَقَالَ: أَبَا هِرٍّ!) بِحَذْفِ حَرْفِ النِّدَاءِ لِكَمَالِ أَدَبِهِ وَالْهِرُّ يُرَادُ بِهِ الْجِنْسُ، فَلَا يُنَافِيهِ أَنَّهُ مُكَنَّى بِأَبِي هُرَيْرَةَ (الْحَقْ): بِهَمْزِ وَصْلٍ وَفَتْحِ حَاءٍ أَيِ: اذْهَبْ مُسْتَعْجِلًا (بِأَهْلِ الصُّفَّةِ) أَيْ: بِالْوُصُولِ إِلَيْهِمْ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّ الْبَاءَ لِلتَّعْدِيَةِ، أَيْ: آتِيهِمْ (فَادْعُهُمْ إِلَيَّ فَأَتَيْتُهُمْ فَدَعَوْتُهُمْ فَأَقْبَلُوا، فَاسْتَأْذَنُوا، فَأَذِنَ لَهُمْ، فَدَخَلُوا) . قَالَ الطِّيبِيُّ: أَهْلُ الصُّفَّةِ جَمَاعَةٌ مِنْ صَعَالِيكِ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ اجْتَمَعُوا فِي صُفَّةٍ، ذَكَرَهُمُ الشَّيْخُ أَبُو نُعَيْمٍ الْأَصْفَهَانِيُّ فِي حِلْيَةِ الْأَوْلِيَاءِ، وَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ مَنْ دُعِيَ إِلَى وَلِيمَةٍ أَوْ طَعَامٍ لَا يَكْفِيهِ الدُّعَاءُ، بَلْ لَا بُدَّ مِنَ الِاسْتِئْذَانِ، اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يَقْرُبَ الزَّمَانُ اهـ. فَالتَّوْفِيقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْحَدِيثِ الْآتِي إِذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ فَجَاءَ مَعَ الرَّسُولِ، فَإِنَّ ذَلِكَ إِذْنٌ لَهُ أَنَّ أَهْلَ الصُّفَّةِ جَاءُوا بَعْدَ الدَّاعِي، فَاحْتَاجُوا إِلَى إِذْنٍ جَدِيدٍ أَوْ مِنْ غَايَةِ الْأَدَبِ وَالْحَيَاءِ جَدَّدُوا الِاسْتِئْذَانَ، أَوْ كَانَ هُنَاكَ مَا يَقْتَضِي ذَلِكَ، أَوْ مَا وَصَلَ إِلَيْهِمُ الْحَدِيثُ السَّابِقُ، أَوْ هُوَ مُتَأَخِّرٌ عَنْ هَذَا الْفِعْلِ؛ احْتِمَالَاتٌ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِالْحَالَاتِ. (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) .
[ ٧ / ٢٩٦٠ ]
الْفَصْلُ الثَّانِي
٤٦٧١ - «عَنْ كَلَدَةَ بْنِ حَنْبَلٍ: أَنَّ صَفْوَانَ بْنَ أُمَيَّةَ - ﵁ - بَعَثَ بِلَبَنٍ أَوْ جَدَايَةٍ وَضَغَابِيسَ إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ -، وَالنَّبِيُّ - ﷺ - بِأَعْلَى الْوَادِي، قَالَ: فَدَخَلْتُ عَلَيْهِ وَلَمْ أُسَلِّمْ وَلَمْ أَسْتَأْذِنْ، فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ: " ارْجِعْ، فَقُلِ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ أَأَدْخُلُ؟» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ.
_________________
(١) الْفَصْلُ الثَّانِي
(٢) (عَنْ كَلَدَةَ): بِفَتْحِ الْكَافِ وَاللَّامِ وَبِالدَّالِّ الْمُهْمَلَةِ ضَبَطَهُ الْمُؤَلِّفُ (ابْنُ حَنْبَلٍ): بِفَتْحِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ النُّونِ وَفَتْحِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ عَلَى مَا فِي جَامِعِ الْأُصُولِ، وَهُوَ أَسْلَمِيٌّ أَخُو صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ الْجُمَحِيِّ لِأُمِّهِ، وَكَانَ عَبْدًا لِعُمَرَ بْنِ حَبِيبٍ اشْتَرَاهُ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ بِسُوقِ عُكَاظٍ، وَحَالَفَهُ وَأَنْكَحَهُ وَأَقَامَ بِمَكَّةَ إِلَى أَنْ مَاتَ بِهَا، رَوَى عَنْهُ عَمْرُو بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صَفْوَانَ، ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ فِي الصَّحَابَةِ (أَنَّ صَفْوَانَ بْنَ أُمَيَّةَ): بِضَمِّ هَمْزٍ وَفَتْحِ مِيمٍ وَتَشْدِيدِ تَحْتِيَّةٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَتْ تَرْجَمَتُهُ، وَكَانَ مِنْ أَفْصَحِ قُرَيْشٍ لِسَانًا، وَكَانَ مِنَ الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَحَسُنَ إِسْلَامُهُ، رَوَى عَنْهُ نَفَرٌ (بَعَثَ بِلَبَنٍ وَجَدَايَةٍ): قَالَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ، وَالشُّرَّاحُ: هُوَ بِفَتْحِ الْجِيمِ وَكَسْرِهَا أَوْلَادُ الظِّبَاءِ ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى مِمَّا بَلَغَ سِتَّةَ أَشْهُرٍ أَوْ سَبْعَةً بِمَنْزِلَةِ الْجَدْيِ مِنَ الْمَعْزِ (وَضَغَابِيسَ): جَمْعُ ضَغْبُوسٍ بِفَتْحِ الضَّادِ وَسُكُونِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَتَيْنِ وَهُوَ صَغِيرُ الْقِثَّاءِ (إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ - وَالنَّبِيُّ - ﷺ - بِأَعْلَى الْوَادِي) أَيْ: فَوْقَ الْمَدِينَةِ، وَنُكْتَةُ الْعُدُولِ عَنْ قَوْلِهِ: وَهُوَ إِلَى الْوَصْفِ الظَّاهِرِ لَا يَخْفَى (قَالَ) أَيْ: صَفْوَانُ (فَدَخَلْتُ عَلَيْهِ وَلَمْ أُسَلِّمْ) أَيْ: قَبْلَ الدُّخُولِ (وَلَمْ أَسْتَأْذِنْ) أَيْ: بِقَوْلِي أَدْخُلُ؟ (فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ: ارْجِعْ)، أَيْ: تَعْذِيبًا لَهُ وَتَأْدِيبًا لِغَيْرِهِ (فَقُلِ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ أَأَدْخُلُ؟): يَجُوزُ فِيهِ تَحْقِيقُ الْهَمْزَتَيْنِ وَتَسْهِيلُ الثَّانِيَةِ وَإِبْدَالُهَا أَلِفًا (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ) .
[ ٧ / ٢٩٦١ ]
٤٦٧٢ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: " «إِذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ فَجَاءَ مَعَ الرَّسُولِ، فَإِنَّ ذَلِكَ لَهُ إِذْنٌ» ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ، «قَالَ: " رَسُولُ الرَّجُلِ إِلَى الرَّجُلِ إِذْنُهُ» "
_________________
(١) (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: إِذَا دُعِيَ)، بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيْ: إِذَا طُلِبَ (أَحَدُكُمْ فَجَاءَ مَعَ الرَّسُولِ، فَإِنَّ ذَلِكَ لَهُ إِذْنٌ) . أَيْ: إِجَازَةٌ بِالدُّخُولِ، فَإِنْ وَقَعَ تَقْصِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ فَلَا حَرَجَ عَلَيْهِ (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ)، وَكَذَا الْبُخَارِيُّ فِي تَارِيخِهِ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِهِ. (وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ)، أَيْ: لِأَبِي دَاوُدَ (قَالَ) أَيِ: النَّبِيُّ - ﷺ - (رَسُولُ الرَّجُلِ إِلَى الرَّجُلِ إِذْنُهُ) أَيْ: إِذَا كَانَ مَصْحُوبًا مَعَهُ لِمَا سَبَقَ.
[ ٧ / ٢٩٦١ ]
٤٦٧٣ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُسْرٍ - ﵁ - قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - إِذَا أَتَى بَابَ قَوْمٍ لَمْ يَسْتَقْبِلِ الْبَابَ مِنْ تِلْقَاءِ وَجْهِهِ، وَلَكِنْ مِنْ رُكْنِهِ الْأَيْمَنِ أَوِ الْأَيْسَرِ فَيَقُولُ: " السَّلَامُ عَلَيْكُمْ، السَّلَامُ عَلَيْكُمْ " وَذَلِكَ أَنَّ الدُّورَ لَمْ يَكُنْ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا سُتُورٌ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. وَذَكَرَ حَدِيثَ أَنَسٍ، «قَالَ ﵊: " السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ» " فِي " بَابِ الضِّيَافَةِ ".
_________________
(١) (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُسْرٍ): بِضَمِّ مُوَحَّدَةٍ وَسُكُونِ مُهْمَلَةٍ سُلَمِيٌّ مَازِنِيٌّ، لَهُ وَلِأَبِيهِ بُسْرٍ وَأُمِّهِ وَأَخِيهِ عَطِيَّةَ وَأُخْتِهِ الصَّمَّاءِ صُحْبَةٌ، نَزَلَ الشَّامَ وَمَاتَ بِحِمْصَ فَجْأَةً وَهُوَ يَتَوَضَّأُ سَنَةَ ثَمَانٍ وَثَمَانِينَ، وَهُوَ آخِرُ مَنْ مَاتَ مِنَ الصَّحَابَةِ، رَوَى عَنْهُ جَمَاعَةٌ. (قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - إِذَا أَتَى بَابَ قَوْمٍ) أَيْ: وَصَلَهُ (لَمْ يَسْتَقْبِلِ الْبَابَ مِنْ تِلْقَاءِ وَجْهِهِ)، أَيْ: مُقَابِلَ وَجْهِهِ وَحِذَائِهِ لِئَلَّا يَقَعَ بَصَرُهُ عَلَى أَهْلِ الْبَيْتِ (وَلَكِنْ) أَيْ: يَسْتَقْبِلُ مَعَ الِانْحِرَافِ وَالْمَيْلِ (مِنْ رُكْنِهِ الْأَيْمَنِ أَوِ الْأَيْسَرِ) أَيْ: مِنْ أَحَدِ جَانِبَيْهِ الْأَنْسَبِ بِالْوُقُوفِ (فَيَقُولُ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ)، أَيْ: أَوَّلًا (السَّلَامُ عَلَيْكُمْ) أَيْ: ثَانِيًا حَتَّى يَتَحَقَّقَ السَّمَاعُ وَالْإِذْنُ، وَالْمُرَادُ بِالتَّكْرَارِ التَّعَدُّدُ لَا الِاقْتِصَارُ عَلَى الْمَرَّتَيْنِ، فَإِنَّهُ كَانَ مِنْ عَادَتِهِ التَّثْلِيثُ لِمَا سَبَقَ (وَذَلِكَ) أَيْ: مَا ذُكِرَ مِنْ عَدَمِ اسْتِقْبَالِ الْبَابِ وَوُجُودِ الِانْحِرَافِ (أَنَّ): وَفِي نُسْخَةٍ لِأَنَّ (الدُّورَ): بِالضَّمِّ جَمْعُ الدَّارِ أَيْ: أَبْوَابُهَا (لَمْ يَكُنْ عَلَيْهَا يَوْمَئِذٍ سُتُورٌ) . جَمْعُ سِتْرٍ بِالْكَسْرِ وَهُوَ الْحِجَابُ، وَفِيهِ مُقَابَلَةُ الْجَمْعِ بِالْجَمْعِ وَالْمَعْنَى أَنَّهُ إِذَا كَانَ هُنَاكَ بَابٌ أَوْ سِتْرٌ يَحْصُلُ بِهِ حِجَابٌ فَلَا بَأْسَ بِالِاسْتِقْبَالِ، لَكِنَّ الِانْحِرَافَ أَوْلَى مُرَاعَاةً لِأَصْلِ السُّنَّةَ، وَلِأَنَّهُ رُبَّمَا يَحْصُلُ بَعْضُ الِانْكِشَافِ عِنْدَ فَتْحِ الْبَابِ أَوْ رَفْعِ الْحِجَابِ، كَمَا لَا يَخْفَى عَلَى أَرْبَابِ الْأَلْبَابِ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) . وَكَذَا الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ.
[ ٧ / ٢٩٦١ ]
(وَذَكَرَ حَدِيثَ أَنَسٍ، قَالَ ﵊) أَيْ: لِلِاسْتِئْذَانِ عَلَى بَابِ بَعْضِ الْأَصْحَابِ (السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ فِي " بَابِ الضِّيَافَةِ ") . مُتَعَلِّقٌ بِذِكْرٍ.
[ ٧ / ٢٩٦٢ ]
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
٤٦٧٤ - عَنْ عَطَاءٍ، «أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ -، فَقَالَ: أَسْتَأْذِنُ عَلَى أُمِّي؟ فَقَالَ: " نَعَمْ " فَقَالَ الرَّجُلُ: إِنِّي مَعَهَا فِي الْبَيْتِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: " اسْتَأْذِنْ عَلَيْهَا " فَقَالَ الرَّجُلُ: إِنِّي خَادِمُهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: (اسْتَأْذِنْ عَلَيْهَا، أَتُحِبُّ أَنْ تَرَاهَا عُرْيَانَةً؟ " قَالَ: لَا. قَالَ: " فَاسْتَأْذِنْ عَلَيْهَا» ". رَوَاهُ مَالِكٌ مُرْسَلًا.
_________________
(١) الْفَصْلُ الثَّالِثُ
(٢) (عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ): مِنْ أَجِلَّاءِ التَّابِعِينَ (أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ -، فَقَالَ: أَسْتَأْذِنُ) أَيْ: أَطْلُبُ الْإِذْنَ عِنْدَ إِرَادَتِي الدُّخُولَ (عَلَى أُمِّي): وَفِي مَعْنَاهَا بَقِيَّةُ الْمَحَارِمِ نَسَبًا وَرَضَاعًا وَمُصَاهَرَةً إِلَّا الزَّوْجَةَ (فَقَالَ: نَعَمْ) أَيْ: لِأَنَّهُ رُبَّمَا يَنْكَشِفُ عَنْ عُضْوٍ لَا يَجُوزُ لِلْوَلَدِ أَنْ يَنْظُرَ إِلَيْهِ (فَقَالَ الرَّجُلُ: إِنِّي مَعَهَا فِي الْبَيْتِ) أَيْ: فِي بَيْتِهَا أَوْ فِي بَيْتِي، وَالْمَعْنَى: أَنَّا فِي بَيْتٍ وَاحِدٍ ; لِأَنَّهَا فِي بَيْتٍ وَحْدَهَا لِيَكُونَ دُخُولِي عَلَيْهَا نَادِرًا، أَفَأَسْتَأْذِنُ حِينَئِذٍ كَمَا هُوَ الْمُتَعَارَفُ فِي زَمَانِنَا؟ (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: اسْتَأْذِنْ عَلَيْهَا) أَيْ: وَلَوْ كُنْتُمَا فِي بَيْتٍ وَاحِدٍ لِاحْتِمَالِ تَكَشُّفِهَا فِي الْغَيْبَةِ (فَقَالَ الرَّجُلُ: إِنِّي): وَفِي نُسْخَةٍ: أَنَا (خَادِمُهَا) أَيْ: فَيَكْثُرُ تَرَدُّدِي إِلَيْهَا، فَهَلْ يَكُونُ الْإِذْنُ كُلَّ مَرَّةٍ سَاقِطًا لِدَفْعِ الْحَرَجِ عَلَى مُقْتَضَى الْقَوَاعِدِ الشَّرْعِيَّةِ؟ (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: اسْتَأْذِنْ عَلَيْهِ) أَيْ: وَلَوْ بِنَحْوِ تَنَحْنُحٍ وَضَرْبِ رِجْلٍ وَرَفْعِ صَوْتٍ (أَتُحِبُّ أَنْ تَرَاهَا عُرْيَانَةً؟) أَيْ: كُلَّهَا أَوْ بَعْضَهَا (قَالَ: لَا. قَالَ: فَاسْتَأْذِنْ عَلَيْهَا)، أَيْ: دَائِمًا، وَبِهَذَا حَصَلَ الْفَرْقُ بَيْنَ هَذِهِ الْقَضِيَّةِ وَتَرْكِ إِيجَابِ الْإِحْرَامِ لِمَنْ كَثُرَ تَرَدُّدُهُ إِلَى الْحَرَمِ مِنْ أَهْلِ الْمَوَاقِيتِ كَمَا هُوَ مُقَرَّرٌ فِي مَحَلِّهِ. (رَوَاهُ مَالِكٌ مُرْسَلًا) .
[ ٧ / ٢٩٦٢ ]
٤٦٧٥ - «وَعَنْ عَلِيٍّ - ﵁ - قَالَ: كَانَ لِي مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - مَدْخَلٌ بِاللَّيْلِ، وَمَدْخَلٌ بِالنَّهَارِ، فَكُنْتُ إِذَا دَخَلْتُ بِاللَّيْلِ، تَنَحْنَحَ لِي» . رَوَاهُ النَّسَائِيُّ.
_________________
(١) («وَعَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ: كَانَ لِي مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - مَدْخَلٌ»): مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ، أَيْ: دُخُولٌ (بِاللَّيْلِ، وَمَدْخَلٌ بِالنَّهَارِ)، قَالَ الطِّيبِيُّ: لِي: خَبَرُ كَانَ، وَاسْمُهُ مَدْخَلٌ، وَمِنْ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - مُتَعَلِّقٌ بِالْجَارِّ وَالْمَجْرُورِ، أَيْ: حَصَلَ لِي مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - دُخُولٌ بِاللَّيْلِ وَدُخُولٌ بِالنَّهَارِ، وَعَلَامَةُ الْإِذْنِ بِاللَّيْلِ تَنَحْنُحُهُ ﵊، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ كَرَّمَ اللَّهِ وَجْهَهُ: (فَكُنْتُ إِذَا دَخَلْتُ بِاللَّيْلِ، تَنَحْنَحَ لِي): قِيلَ: إِنَّ التَّنَحْنُحَ لِلْمَنْعِ كَمَا جَاءَ فِي حَدِيثٍ صَرِيحٍ، وَفِيهِ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ التَّنَحْنُحُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى عَلَامَةِ الْإِذْنِ، وَإِنْ كَانَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى غَيْرِهِ عَلَامَةَ الْمَنْعِ بَقِيَ الْكَلَامُ عَلَى عَلَامَةِ دُخُولِ عَلِيٍّ فِي النَّهَارِ، فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْأَمْرُ بِالْعَكْسِ عَلَى مُقْتَضَى الْمَفْهُومِ الْمُخَالِفِ، أَيْ: وَكُنْتُ إِذَا دَخَلْتُ بِالنَّهَارِ تَنَحْنَحْتُ لَهُ، وَيُحْتَمَلُ غَيْرُ ذَلِكَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (رَوَاهُ النَّسَائِيُّ) .
[ ٧ / ٢٩٦٢ ]
٤٦٧٦ - وَعَنْ جَابِرٍ - ﵁ - أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: " «لَا تَأْذَنُوا لِمَنْ لَمْ يَبْدَأْ بِالسَّلَامِ» " رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي " شُعَبِ الْإِيمَانِ ".
_________________
(١) (وَعَنْ جَابِرٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: لَا تَأْذَنُوا) أَيْ: بِالدُّخُولِ أَوْ لِلطَّعَامِ (لِمَنْ لَمْ يَبْدَأْ بِالسَّلَامِ) أَيْ: بِسَلَامِ الْإِذْنِ، أَوْ بِسَلَامِ الْمُلَاقَاةِ بِأَنْ دَخَلَ سَاكِتًا أَوْ بَدَأَ بِالْكَلَامِ. (رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي " شُعَبِ الْإِيمَانِ "): وَكَذَا الضِّيَاءُ. وَقَدْ سَبَقَ أَحَادِيثُ تُقَوِّيهِ فِي الْمَعْنَى الْمُرَامِ.
[ ٧ / ٢٩٦٢ ]