[ ٧ / ٣٠٧٨ ]
(١٤) بَابُ الْبِرِّ وَالصِّلَةِ
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
٤٩١١ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - قَالَ: «قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ أَحَقُّ بِحُسْنِ صَحَابَتِي؟ قَالَ: " أُمُّكَ " قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: " أُمُّكَ ". قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: " أُمُّكَ " قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: " أَبُوكَ» . وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ: " «أُمَّكَ، ثُمَّ أُمَّكَ، ثُمَّ أُمَّكَ، ثُمَّ أَبَاكَ، ثُمَّ أَدْنَاكَ أَدْنَاكَ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
_________________
(١) بَابُ الْبِرِّ وَالصِّلَةِ فِي النِّهَايَةِ: الْبِرُّ بِالْكَسْرِ الْإِحْسَانُ، وَهُوَ فِي حَقِّ الْأَبَوَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ ضِدُّ الْعُقُوقِ، وَهُوَ الْإِسَاءَةُ إِلَيْهِمْ، وَالتَّضْيِيعُ لِحَقِّهِمْ، يُقَالُ: بَرَّ يَبِرُّ فَهُوَ بَارٌّ وَجَمْعُهُ بَرَرَةٌ، وَجَمْعُ الْبَرِّ أَبْرَارٌ، وَصِلَةُ الرَّحِمِ كِنَايَةٌ عَنِ الْإِحْسَانِ إِلَى الْأَقْرَبِينَ مِنْ ذَوِي النَّسَبِ وَالْأَصْهَارِ، وَالتَّعَطُّفِ عَلَيْهِمْ، وَالرِّفْقِ بِهِمْ، وَالرِّعَايَةِ لِأَحْوَالِهِمْ، وَقَطْعُ الرَّحِمِ ضِدُّ ذَلِكَ، يُقَالُ: وَصَلَ رَحِمَهُ يَصِلُهَا وَصْلًا وَصِلَةً، وَالْهَاءُ فِيهَا عِوَضٌ عَنِ الْوَاوِ الْمَحْذُوفَةِ، فَكَأَنَّهُ بِالْإِحْسَانِ إِلَيْهِمْ قَدْ وَصَلَ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ مِنْ عَلَاقَةِ الْقَرَابَةِ وَالصِّهْرِ. الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
(٢) (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَنْ أَحَقُّ) أَيْ: أَوْلَى وَأَلْيَقُ (بِحُسْنِ صَحَابَتِي؟): بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَيُكْسَرُ أَيْ: بِإِحْسَانِ مُصَاحَبَتِي فِي مُعَاشَرَتِي. قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: صَحِبَهُ يَصْحَبُهُ صُحْبَةً بِالضَّمِّ وَصَحَابَةً بِالْفَتْحِ، وَفِي الْقَامُوسِ: صَحِبَهُ كَسَمِعَهُ صَحَابَةً وَيُكْسَرُ وَصَحِبَهُ عَاشَرَهُ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ: هُوَ بِفَتْحِ الصَّادِ هُنَا بِمَعْنَى: الصُّحْبَةِ (قَالَ: أُمُّكَ): بِالرَّفْعِ كَذَا فِي الْأُصُولِ الْمُعْتَمَدَةِ وَالنُّسَخِ الْمُصَحَّحَةِ هُنَا وَفِيمَا بَعْدَهُ إِلَى آخِرِ الرِّوَايَةِ الْأَوْلَى، وَفِي نُسْخَةٍ بِالنَّصْبِ وَهُوَ خَطَأٌ كَمَا سَنَذْكُرُ وَجْهَهُ («قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: " أُمُّكَ " قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: " أُمُّكَ " قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: " أَبُوكَ» وَفِي رِوَايَةٍ: قَالَ): قَالَ مِيرَكُ: هَذِهِ الرِّوَايَةُ مِنْ أَفْرَادِ مُسْلِمٍ فَتَأَمَّلْ فِي قَوْلِهِ: مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. قُلْتُ: أَرَادَ الْمُتَّفَقَ عَلَيْهِ مَعْنًى. (أُمَّكَ): بِالنَّصْبِ عَلَى الْإِغْرَاءِ، أَيِ: الْزَمْ أُمَّكَ، أَيْ: أَحْسِنْ صُحْبَتَهَا أَوْ رِعَايَةَ مُعَاشَرَتِهَا، أَوْ عَلَى نَزْعِ الْخَافِضِ، أَيْ: أَحْسِنْ إِلَيْهَا، أَوْ عَلَى الْمَفْعُولِ بِهِ، وَالتَّقْدِيرُ: بِرَّ أُمَّكَ وَهُوَ الْأَظْهَرُ. («ثُمَّ أُمَّكَ، ثُمَّ أُمَّكَ، ثُمَّ أَبَاكَ، ثُمَّ أَدْنَاكَ») أَيْ: أَقْرَبُكَ (أَدْنَاكَ): بِحَذْفِ الْعَاطِفِ أَوْ أُعِيدَ لِلتَّأْكِيدِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: قَوْلُهُ: " أُمُّكَ " إِلَخْ، جَاءَ مَرْفُوعًا فِي رِوَايَةٍ، وَفِي أُخْرَى مَنْصُوبًا، أَمَّا الرَّفْعُ فَظَاهِرٌ وَالنَّصْبُ عَلَى مَعْنَى أَحَقُّ مَنْ أَبَرَّ. وَيَدُلُّ عَلَيْهِ رِوَايَةُ بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ مَنْ أَبَرَّ. اهـ. وَهُوَ مُوهِمٌ أَنَّ أُمَّكَ فِي الرِّوَايَتَيْنِ جَاءَ مَرْفُوعًا وَمَنْصُوبًا، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلِ الرَّفْعُ مُتَعَيِّنٌ فِي الْأَوَّلِ لِقَوْلِهِ: أَبُوكَ هُنَاكَ، وَالنَّصْبُ مُتَعَيِّنٌ هُنَا لِقَوْلِهِ أَبَاكَ، فَإِيَّاكَ وَإِيَّاكَ أَنْ تَخْلِطَ الرِّوَايَةَ فَتُحْرَمَ الدِّرَايَةَ. وَفَى شَرْحِ مُسْلِمٍ لِلنَّوَوِيِّ: فِيهِ الْحَثُّ عَلَى بِرِّ الْأَقَارِبِ وَأَنَّ الْأُمَّ أَحَقُّهُمْ بِذَلِكَ، ثُمَّ بَعْدَهَا الْأَبُ، ثُمَّ الْأَقْرَبُ فَالْأَقْرَبُ. قَالُوا: وَسَبَبُ تَقَدُّمِ الْأُمِّ تَعَبُهَا عَلَيْهِ وَشَفَقَتُهَا وَخِدْمَتُهَا، قُلْتُ: وَفِي التَّنْزِيلِ إِشَارَةٌ إِلَى هَذَا التَّأْوِيلِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف: ١٥]، فَالتَّثْلِيثُ فِي مُقَابَلَةِ ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ مُخْتَصَّةٍ بِالْأُمِّ، وَهَى تَعَبُ الْحَمْلِ وَمَشَقَّةُ الْوَضْعِ وَمِحْنَةُ الرَّضَاعِ " (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
[ ٧ / ٣٠٧٩ ]
٤٩١٢ - وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: " «رَغِمَ أَنْفُهُ، رَغِمَ أَنْفُهُ، رَغِمَ أَنْفُهُ ". قِيلَ: مَنْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: " مَنْ أَدْرَكَ وَالِدَيْهِ عِنْدَ الْكِبَرِ، أَحَدَهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا ثُمَّ لَمْ يَدْخُلِ الْجَنَّةَ» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
_________________
(١) (وَعَنْهُ) أَيْ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: رَغِمَ): بِفَتْحٍ فَكَسْرٍ أَيْ: لَصِقَ بِالرُّغَامِ وَهُوَ التُّرَابُ الْمُخْتَلِطَةُ بِالرَّمْلِ (أَنْفُهُ): وَالْمُرَادُ بِهِ الذُّلُّ، وَهُوَ إِخْبَارٌ أَوْ دُعَاءُ، وَالضَّمِيرُ مُبْهَمٌ سَنُبَيِّنُهُ، وَالْقَصْدُ مِنَ الْإِبْهَامِ، ثُمَّ التَّبْيِينُ كَوْنُهُ أَوْقَعَ فِي نَفْسِ السَّامِعِ، وَكَذَا تَأْكِيدُهُ بِإِعَادَتِهِ مَرَّتَيْنِ. (رَغِمَ أَنْفُهُ، رَغِمَ أَنْفُهُ قِيلَ: مَنْ) أَيْ: مَنْ هُوَ أَوْ هُوَ مَنْ أَوْ تَعْنِي مَنْ أَوْ أَنْفُ مَنْ (يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: مَنْ أَدْرَكَ وَالِدَيْهِ): فِيهِ تَغْلِيبٌ (عِنْدَ الْكِبَرِ): خُصَّ بِهِ ; لِأَنَّهُ أَحْوَجُ الْأَوْقَاتِ إِلَى حُقُوقِهِمَا. قَالَ الْمُظْهِرُ: هُوَ ظَرْفٌ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ، وَالظَّرْفُ إِذَا كَانَ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ يَرْفَعُ مَا بَعْدَهُ، فَقَوْلُهُ: (أَحَدُهُمَا): مَرْفُوعٌ بِالظَّرْفِ وَقَوْلُهُ:
[ ٧ / ٣٠٧٩ ]
(أَوْ كِلَاهُمَا): مَعْطُوفٌ عَلَى أَحَدِهِمَا. اهـ. فَهُمَا فَاعِلَانِ فِي الْمَعْنَى، وَقَالَ الْأَشْرَفُ: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا خَبَرًا لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أَيْ: مُدْرِكُهُ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا، فَإِنَّ مَنْ أَدْرَكَ شَيْئًا فَقَدْ أَدْرَكَهُ ذَلِكَ الشَّيْءُ، وَهَذِهِ الْجُمْلَةُ بَيَانٌ لِقَوْلِهِ: مَنْ أَدْرَكَ وَالِدَيْهِ. وَفِي شَرْحِ الْمَصَابِيحِ قَوْلُهُ: مَنْ أَدْرَكَ وَالِدَيْهِ الْكِبَرُ أَحَدَهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا. الْكِبَرُ: فَاعِلُ أَدْرَكَ، وَأَحَدُهُمَا مَفْعُولُهُ. قُلْتُ: الظَّاهِرُ أَنَّهُ بَدَلٌ مِنْ مَفْعُولِهِ وَهُوَ وَالِدَيْهِ.
قَالَ الطِّيبِيُّ قَوْلُهُ: عِنْدَ الْكِبَرِ بِالْإِضَافَةِ، وَأَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا مَرْفُوعَانِ، هَكَذَا هُوَ فِي جَمِيعِ رِوَايَاتِ مُسْلِمٍ، وَفِي كِتَابِ الْحُمَيْدِيِّ، وَجَامِعِ الْأُصُولِ، وَبَعْضِ نُسَخِ الْمَصَابِيحِ، وَغَيْرُهُ فِي بَعْضِهَا إِلَى قَوْلِهِ عِنْدَهُ بِالْهَاءِ وَالْكِبَرُ بِالرَّفْعِ، وَأَحَدَهُمَا أَوْ كِلَيْهِمَا بِالنَّصْبِ، نَعَمْ هُوَ فِي التِّرْمِذِيِّ، كَذَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ - ﷺ: " «رَغِمَ أَنْفُ رَجُلٍ أَدْرَكَ عِنْدَهُ أَبَوَاهُ الْكِبَرَ فَلَمْ يُدْخِلَاهُ الْجَنَّةَ» ". اهـ. ثُمَّ عَطَفَ عَلَى (أَدْرَكَ) أَيْ: (ثُمَّ): بَعْدَ إِدْرَاكِهِ مَا ذُكِرَ وَإِمْهَالِهِ مُدَّةً يَسَعُ فِيهَا قَضَاءَ حُقُوقِهِمَا وَأَدَاءَ بَرِّهِمَا (لَمْ يَدْخُلِ الْجَنَّةَ): بِصِيغَةِ الْمَعْلُومِ مِنَ الدُّخُولِ أَيْ: لَمْ يَدْخُلْهَا بِسَبَبِ عُقُوقِهِمَا وَالتَّقْصِيرِ فِي حُقُوقِهِمَا. وَقَالَ النَّوَوِيُّ: مَعْنَاهُ أَنَّ بِرَّهُمَا عِنْدَ كِبَرِهِمَا وَضَعْفِهِمَا بِالْخِدْمَةِ وَالنَّفَقَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ سَبَبٌ لِدُخُولِ الْجَنَّةِ، فَمَنْ قَصَّرَ فِي ذَلِكَ فَاتَهُ دُخُولُ الْجَنَّةِ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ، (ثُمَّ) فِي قَوْلِهِ: ثُمَّ لَمْ يَدْخُلِ الْجَنَّةَ اسْتِبْعَادِيَّةٌ يَعْنِي: ذَلَّ وَخَابَ وَخَسِرَ مَنْ أَدْرَكَ تِلْكَ الْفُرْصَةَ الَّتِي هِيَ مُوجِبَةٌ لِلْفَلَاحِ وَالْفَوْزِ بِالْجَنَّةِ، ثُمَّ لَمْ يَنْتَهِزْهَا، وَانْتِهَازُهَا هُوَ مَا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا﴾ [الإسراء: ٢٣] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ [الإسراء: ٢٤]، فَإِنَّهُ دَلَّ عَلَى الِاجْتِنَابِ عَنْ جَمِيعِ الْأَقْوَالِ الْمُحَرَّمَةِ، وَالْإِتْيَانِ بِجَمِيعِ كَرَائِمِ الْأَقْوَالِ وَالْأَفْعَالِ مِنَ التَّوَاضُعِ وَالْخِدْمَةِ وَالْإِنْفَاقِ عَلَيْهِمَا، ثُمَّ الدُّعَاءُ لَهُمَا فِي الْعَاقِبَةِ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ): وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: " «رَغِمَ أَنْفُهُ، ثُمَّ رَغِمَ أَنْفُهُ، ثُمَّ رَغِمَ أَنْفُهُ، مَنْ أَدْرَكَ أَبَوَيْهِ عِنْدَهُ الْكِبَرُ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا، ثُمَّ لَمْ يَدْخُلِ الْجَنَّةَ» ". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالْحَاكِمُ عَنْهُ بِلَفْظِ: " «رَغِمَ أَنْفُ رَجُلٍ ذُكِرْتُ عِنْدَهُ فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيَّ، وَرَغِمَ أَنْفُ رَجُلٍ دَخَلَ عَلَيْهِ رَمَضَانُ، ثُمَّ انْسَلَخَ قَبْلَ أَنْ يُغْفَرَ لَهُ، وَرَغِمَ أَنْفُ رَجُلٍ أَدْرَكَ عِنْدَهُ أَبَوَاهُ الْكِبَرَ فَلَمْ يُدْخِلَاهُ الْجَنَّةَ» ".
[ ٧ / ٣٠٨٠ ]
٤٩١٣ - «وَعَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ - ﵄ - قَالَتْ: قَدِمَتْ عَلَيَّ أُمِّي وَهِيَ مُشْرِكَةٌ فِي عَهْدِ قُرَيْشٍ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ أُمِّي قَدِمَتْ عَلَيَّ وَهِيَ رَاغِبَةٌ أَفَأَصِلُهَا؟ قَالَ: " نَعَمْ صِلِيهَا» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
_________________
(١) (وَعَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ) أَيِ: الصِّدِّيقِ الْأَكْبَرِ («﵄، قَالَتْ: قَدِمَتْ عَلَيَّ أُمِّي») أَيْ: مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْمَدِينَةِ (وَهِيَ مُشْرِكَةٌ) أَيْ: مَا أَسْلَمَتْ بَعْدُ (فِي عَهْدِ قُرَيْشٍ): مُتَعَلِّقٌ بِقَدِمَتْ أَيْ: كَانَ ذَلِكَ الْقُدُومُ فِي الْمُدَّةِ الَّتِي كَانَ عَهْدُ الْمُصَالَحَةِ بَيْنَهُ - ﷺ - وَبَيْنَ قُرَيْشٍ عَلَى تَرْكِ قِتَالِهِمْ فِيهَا (فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ أُمِّي قَدِمَتْ عَلَيَّ) أَيْ: نَزَلَتْ عِنْدِي (وَهِيَ رَاغِبَةٌ): بِالْمُوَحَّدَةِ أَيْ: مُعْرِضَةٌ عَنِ الْإِسْلَامِ أَوْ مَائِلَةٌ فِيهِ، أَوْ رَاغِبَةٌ فِي صِلَتِي أَوْ رَاغِبَةٌ فِي الْإِشْرَاكِ، وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ رَاغِمَةٌ بِالْمِيمِ أَيْ: كَارِهَةٌ إِسْلَامِي وَهِجْرَتِي، أَوْ ذَلِيلَةٌ مُحْتَاجَةٌ إِلَى عَطَائِي، وَقِيلَ: أَيْ هَارِبَةٌ مِنْ قَوْمِهَا. قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: قَدْ رُوِيَ بِالْبَاءِ، وَكَذَلِكَ هُوَ فِي الْمَصَابِيحِ. وَالصَّوَابُ: رَاغِمَةٌ بِالْمِيمِ بَدَلُ الْبَاءِ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ هَذَا الْحَدِيثِ: قَدِمَتْ عَلَيَّ أُمِّي وَهِيَ رَاغِبَةٌ أَوْ رَاهِبَةٌ، وَفِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى: رَاغِبَةٌ بِلَا شَكٍّ وَهِيَ مُشْرِكَةٌ. قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: الصَّحِيحُ رَاغِبَةٌ بِلَا شَكٍّ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ: رَاغِبَةٌ فِي عَهْدِ قُرَيْشٍ، وَهِيَ رَاغِبَةٌ مُشْرِكَةٌ. قِيلَ: مَعْنَاهُ رَاغِبَةٌ عَنِ الْإِسْلَامِ أَوْ كَارِهَةٌ لَهُ، وَقِيلَ: طَامِعَةٌ فِيمَا أُعْطِيهَا حَرِيصَةٌ عَلَيْهِ، وَمَعْنَى رَاغِمَةٍ بِالْمِيمِ: كَارِهَةٌ لِلْإِسْلَامِ سَاخِطَةٌ لَهُ. قَالَ الطِّيبِيُّ: تَحْرِيرُهُ أَنَّ قَوْلَهُ: رَاغِبَةٌ إِذَا أُطْلِقَتْ مِنْ غَيْرِ تَقْيِيدٍ يُقَدَّرُ رَاغِبَةً عَنِ الْإِسْلَامِ لَا غَيْرُ، وَإِذَا قُرِنَتْ بِقَوْلِهِ: وَهِيَ مُشْرِكَةٌ أَوْ فِي عَهْدِ قُرَيْشٍ يُقَدَّرُ رَاغِبَةً فِي صِلَتِي لِيُطَابِقَ مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَهِيَ رَاغِمَةٌ. (أَفَأَصِلُهَا؟ قَالَ: نَعَمْ صِلِيهَا) أَيْ: وَأَعْطِيهَا مَا يُرْضِيهَا قَالَ النَّوَوِيُّ: وَفِيهِ جَوَازُ صِلَةِ الْقَرِيبِ الْمُشْرِكِ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
[ ٧ / ٣٠٨٠ ]
٤٩١٤ - وَعَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ - ﵁ - قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يَقُولُ: " «إِنَّ آلَ أَبِي فُلَانٍ لَيْسُوا لِي بِأَوْلِيَاءَ، إِنَّمَا وَلِيِّيَ اللَّهُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ، وَلَكِنْ لَهُمْ رَحِمٌ أَبُلُّهَا بِبَلَالِهَا» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
_________________
(١) (وَعَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ - ﵁ - قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يَقُولُ: إِنَّ آلَ أَبِي) أَيْ: " أَبِي فُلَانٍ " كَمَا فِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ، فَقِيلَ: هُوَ كِنَايَةٌ مِنْ بَعْضِ الرُّوَاةِ خَوْفًا مِنَ الْفِتْنَةِ، وَالْمُكَنَّى عَنْهُ هُوَ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ، وَقِيلَ: هُوَ الْحَكَمُ بْنُ الْعَاصِ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ عَلَى الْعُمُومِ مِنْ طَوَائِفِ قُرَيْشٍ أَوْ بَنِي هَاشِمٍ أَوْ أَعْمَامِهِ، وَهُوَ ظَاهِرُ الْحَدِيثِ، أَيْ: أَهْلُ أَبِي (لَيْسُوا لِي بِأَوْلِيَاءَ) ; لِأَنَّهُ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ﴾ [الأنفال: ٣٤]، وَأَشَارَ إِلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ﴾ [الأعراف: ١٩٦] وَفِي نُسْخَةٍ: بِيَاءٍ وَاحِدَةٍ مُشَدَّدَةٍ مَفْتُوحَةٍ وَرُوِيَ مَكْسُورَةً (وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ) أَيْ: صُلَحَاؤُهُمْ، وَالْمُرَادُ بِالصَّالِحِ الْجِنْسُ وَلِذَلِكَ عَمَّ بِالْإِضَافَةِ وَهُوَ مُقْتَبَسٌ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [التحريم: ٤]، وَكَذَلِكَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٦]، إِيمَاءٌ إِلَى هَذَا الْمَعْنَى، وَفِي رِوَايَةِ الطَّبَرَانِيِّ، عَنْ أَنَسٍ مَرْفُوعًا: " «آلُ مُحَمَّدٍ كُلُّ تَقِيٍّ» "، وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِصَالِحِ الْمُؤْمِنِينَ الْأَنْبِيَاءُ، وَقِيلَ: أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ، وَقِيلَ: عَلِيٌّ، وَالصَّحِيحُ الْعُمُومُ. قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: الْمَعْنَى أَنِّي لَا أُوَالِي أَحَدًا بِالْقَرَابَةِ، وَإِنَّمَا أُحِبُّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ، وَأُوَالِي مَنْ وَالَى بِالْإِيمَانِ وَالصَّلَاحِ، وَأُرَاعِي لِذَوِي الرَّحِمِ حَقَّهُمْ بِصِلَةِ الرَّحِمِ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ: (وَلَكِنْ لَهُمْ) أَيْ: لِآلِ أَبِي (رَحِمٌ) أَيْ: قَرَابَةٌ أَعَمُّ مِنْ ذِي مَحْرَمٍ أَوْ غَيْرِهِ (أَبُلُّهَا): بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ وَاللَّامِ الْمُشَدَّدَةِ، أَيْ: أَصِلُهَا (بِبَلَالِهَا): بِكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ الثَّانِيَةِ وَيُفْتَحُ، أَيْ: بِصِلَتِهَا وَالْإِحْسَانِ إِلَيْهَا، وَالْأَصْلُ فِي مَعْنَاهُ أَنْ يُقَالَ: أُنَدِّيهَا بِمَا يَجِبُ أَنْ تُنَدَّى لِئَلَّا تَنْقَطِعَ، وَأَصِلُهَا بِمَا يَنْبَغِي أَنْ تُوصَلَ بِهِ، يُقَالُ: الْوَصْلُ بَلٌّ يُوجِبُ الِالْتِصَاقَ وَالِاتِّصَالَ، وَالْهَجْرُ يُبْسٌ يُفْضِي إِلَى التَّعَنُّتِ وَالِانْفِصَالِ، فَالْبِلَالُ بِالْكَسْرِ مَا يُبَلُّ بِهِ الْحَلْقُ مِنَ الْمَاءِ وَاللَّبَنِ، وَالْمُرَادُ بِهِ هَهُنَا مَا يُوصَلُ بِهِ الرَّحِمُ مِنَ الْإِحْسَانِ. وَقَالَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ: يُرْوَى بِفَتْحِ الْبَاءِ عَلَى الْمَصْدَرِ وَبِكَسْرِهَا جَمْعُ بَلَلٍ مِثْلُ جَمَلٍ وَجِمَالٍ، وَقِيلَ الْكَسْرُ أَوْجَهُ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ ﵇ عَلَى مَا رَوَاهُ الْبَزَّارُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَالطَّبَرَانِيُّ عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، وَالْبَيْهَقِيُّ عَنْ أَنَسٍ وَسُوَيْدِ بْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا " «بُلُّوَا أَرْحَامَكُمْ وَلَوْ بِالسَّلَامِ» " أَيْ: صِلُوهَا وَنَدُّوهَا، وَالْعَرَبُ تَقُولُ لِلْقَطِيعَةِ الْيُبْسُ شَبَّهَ قَطِيعَةَ الرَّحِمِ بِالْحَرَارَةِ تُطْفَأُ بِالْمَاءِ وَتُنَدَّى بِالصِّلَةِ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
[ ٧ / ٣٠٨١ ]
٤٩١٥ - وَعَنِ الْمُغِيرَةَ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: " «إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلَيْكُمْ عُقُوقَ الْأُمَّهَاتِ، وَوَأْدَ الْبَنَاتِ، وَمَنَعَ وَهَاتِ. وَكَرِهَ لَكُمْ قِيلَ وَقَالَ، وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ، وَإِضَاعَةَ الْمَالِ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
_________________
(١) (وَعَنِ الْمُغِيرَةَ) أَيِ: ابْنِ شُعْبَةَ الثَّقَفِيِّ، أَسْلَمَ عَامَ الْخَنْدَقِ وَقَدِمَ مُهَاجِرًا مَاتَ بِالْكُوفَةِ وَهُوَ أَمِيرُهَا لِمُعَاوِيَةَ. (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: " «إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلَيْكُمْ عُقُوقَ الْأُمَّهَاتِ») أَيْ: مُخَالَفَتَهُمْ مَنِ الْعَقِّ، وَهُوَ الْقَطْعُ وَالشَّقُّ الْمُرَادُ صُدُورُ مَا يَتَأَذَّى بِهِ أَحَدُ الْوَالِدَيْنِ مِنْ وَلَدِهِ عُرْفًا بِقَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ، وَخَصَّ الْأُمَّهَاتِ بِالذِّكْرِ لِلِاهْتِمَامِ بِشَأْنِهِنَّ وَضَعْفِهِنَّ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مِنْ قَبِيلِ الِاكْتِفَاءِ بِذِكْرِ أَحَدِ الشَّيْئَيْنِ مِنَ الْآخَرِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ [النحل: ٨١] أَيْ: وَالْبَرْدَ. وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: لَمْ يَخُصَّ الْأُمَّهَاتِ بِالْعُقُوقِ، فَإِنَّ عُقُوقَ الْآبَاءِ مُحَرَّمٌ أَيْضًا، وَلَكِنْ نَبَّهَ بِأَحَدِهِمَا عَنِ الْآخَرِ، فَإِنَّ بِرَّ الْأُمِّ مُقَدَّمٌ عَلَى بِرِّ الْأَبِ إِلَّا أَنَّ لِعُقُوقِ الْأُمَّهَاتِ مَزِيَّةً فِي الْقُبْحِ، وَحَقُّ الْأَبِ مُقَدَّمٌ فِي الطَّاعَةِ وَحُسْنِ الْمُتَابَعَةِ لِرَأْيِهِ وَالنُّفُوذِ لِأَمْرِهِ، وَقَبُولِ الْأَدَبِ مِنْهُ. (وَوَأْدَ الْبَنَاتِ): بِسُكُونِ الْهَمْزِ وَيُبْدَلُ، أَيْ: دَفْنَهُنَّ حَيَّاتٍ قِيلَ: قَدَّمَ حُقُوقَ الْأُمَّهَاتِ ; لِأَنَّهُنَّ الْأُصُولُ وَعَقَّبَهُ بِوَأْدِ الْبَنَاتِ ; لِأَنَّهُنَّ الْفُرُوعُ، فَكَانَ ذَلِكَ تَنْبِيهًا عَلَى أَنَّ أَكْبَرَ الْكَبَائِرِ قَطْعُ النَّسْلِ الَّذِي هُوَ مُوجِبٌ لِخَرَابِ الْعَالَمِ. (وَمَنَعَ): بِسُكُونِ النُّونِ وَيُفْتَحُ وَبِفَتْحِ الْعَيْنِ عَلَى أَنَّهُ مَصْدَرٌ أَوْ مَاضٍ، وَفِي رِوَايَةِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: (وَمَنْعًا) بِالتَّنْوِينِ (وَهَاتِ): بِكَسْرِ التَّاءِ هُوَ اسْمُ فِعْلٍ بِمَعْنَى أَعْطِ، وَعَبَّرَ بِهِمَا عَنِ الْبُخْلِ وَالسُّؤَالِ أَيْ: كَرِهَ أَنْ يَمْنَعَ الرَّجُلُ مَا عِنْدَهُ وَيَسْأَلَ مَا عِنْدَ غَيْرِهِ، قِيلَ: وَلَمْ يُنَوَّنْ عَلَى رِوَايَةٍ
[ ٧ / ٣٠٨١ ]
الْمَصْدَرِ ; لِأَنَّ الْمُضَافَ إِلَيْهِ مَحْذُوفٌ مِنْهُ مُرَادًا، أَيْ: كَرِهَ مَنْعَ مَا عِنْدَهُ وَقَوْلَ هَاتِ. وَفِي النِّهَايَةِ أَيْ: حَرُمَ عَلَيْكُمْ مَنْعُ مَا عَلَيْكُمْ عَطَاؤُهُ وَطَلَبُ مَا لَيْسَ لَكُمْ أَخْذُهُ. اهـ. وَقِيلَ: نَهَى عَنْ مَنْعِ الْوَاجِبِ مِنْ أَمْوَالِهِ وَأَقْوَالِهِ وَأَفْعَالِهِ وَأَخْلَاقِهِ مِنَ الْحُقُوقِ اللَّازِمَةِ فِيهَا، وَنَهَى عَنِ اسْتِدْعَاءِ مَا لَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ مِنَ الْحُقُوقِ، وَتَكْلِيفُهُ إِيَّاهُمْ بِالْقِيَامِ بِمَا لَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ، فَكَأَنَّهُ يُنْصِفُ وَلَا يَنْتَصِفُ، وَهَذَا مِنْ أَسْمَجِ الْخِلَالِ (وَكَرِهَ): بِكَسْرِ الرَّاءِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِتَشْدِيدِهَا مَعَ فَتْحِهَا، فِي الْقَامُوسِ: كَرِهَهُ كَسَمِعَهُ وَكَرَّهَهُ إِلَيْهِ تَكْرِيهًا صَيَّرَهُ كَرِيهًا (لَكُمْ) أَيْ: لِأَجَلِكُمْ (قِيلَ وَقَالَ): بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ وَالْمَعْلُومِ لِلْمَاضِي. فِي الْفَائِقِ: نَهَى عَنْ فُضُولِ مَا يَتَحَدَّثُ بِهِ الْمُجَالِسُونَ مِنْ قَوْلِهِمْ قِيلَ كَذَا وَقَالَ كَذَا، وَبِنَاؤُهُمَا عَلَى كَوْنِهِمَا فِعْلَيْنِ مَحْكِيَّيْنِ مُتَضَمِّنَيْنِ لِلضَّمِيرِ، وَالْإِعْرَابُ عَلَى إِجْرَائِهِمَا مَجْرَى الْأَسْمَاءِ خَالِيَيْنِ مِنَ الضَّمِيرِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ: إِنَّمَا الدُّنْيَا قَالَ وَقِيلَ، وَإِدْخَالُ حَرْفِ التَّعْرِيفِ عَلَيْهِمَا لِذَلِكَ فِي قَوْلِهِمْ: يَعْرِفُ الْقَالَ مِنَ الْقِيلِ، وَفِي النِّهَايَةِ: وَهَذَا النَّهْيُ إِنَّمَا يَصِحُّ فِي قَوْلٍ لَا يَصِحُّ وَلَا يُعْلَمُ حَقِيقَتُهُ، فَأَمَّا مَنْ حَكَى مَا يَصِحُّ وَيُعْرَفُ حَقِيقَتُهُ، وَأَسْنَدَهُ إِلَى ثِقَةِ صَادِقٍ، فَلَا وَجْهَ لِلنَّهْيِ عَنْهُ، وَلَا ذَمَّ ; وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: فِيهِ تَجُوُّزُ عَرَبِيَّةٍ، وَذَلِكَ أَنَّهُ يَجْعَلُ كُلًّا مِنَ الْقِيلِ وَالْقَالِ مَصْدَرًا كَأَنَّهُ نَهَى عَنْ قِيلٍ وَقَوْلٍ. يُقَالُ: قُلْتُ قَوْلًا وَقَالًا وَقِيلًا، وَهَذَا التَّأْوِيلُ عَلَى أَنَّهُمَا اسْمَانِ، وَقِيلَ: أَرَادَ النَّهْيَ عَنْ كَثْرَةِ الْكَلَامِ مُبْتَدِئًا وَمُجِيبًا. وَقِيلَ: هَذَا الْكَلَامُ يَتَضَمَّنُ بِعُمُومِهِ حُرْمَةَ النَّمِيمَةِ وَالْغِيبَةِ، فَإِنَّ تَبْلِيغَ الْكَلَامِ مِنْ أَقْبَحِ الْخِصَالِ، وَالْإِصْغَاءَ إِلَيْهَا مِنْ أَفْحَشِ الْفِعَالِ. وَقَالَ شَارِحٌ: قَوْلُهُ: " قِيلَ وَقَالَ " إِمَّا مَصْدَرَانِ أُتِيَ بِهِمَا لِلتَّأْكِيدِ وَحَذْفِ التَّنْوِينِ لِإِرَادَةِ الْمُضَافِ إِلَيْهِ الْمَحْذُوفِ، أَيْ: كَرِهَ لَكُمْ قِيلَ وَقَالَ مَا لَا فَائِدَةَ فِيهِ، أَوْ مَاضِيَانِ، وَفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلَى تَرْكِ الْخَوْضِ فِي أَخْبَارِ النَّاسِ وَتَتَبُّعِ أَحْوَالِهِمْ وَحِكَايَةِ أَقْوَالِهِمْ وَأَفْعَالِهِمْ. وَقَالَ السُّيُوطِيُّ: الْمُرَادُ بِهَا كَثْرَةُ الْكَلَامِ ; لِأَنَّهَا تَؤُولُ إِلَى الْخَطَأِ فِي الْمُرَامِ، وَقِيلَ حِكَايَةُ أَقَاوِيلِ النَّاسِ، وَالْبَحْثُ عَنْهَا لِيُخْبِرَ بِهَا وَيَقُولَ: قَالَ فُلَانٌ كَذَا وَقِيلَ لَهُ كَذَا، وَالنَّهْيُ إِمَّا لِلزَّجْرِ عَنِ الِاسْتِكْثَارِ مِنْهُ، أَوْ لِشَيْءٍ مَخْصُوصٍ، وَهُوَ أَنْ يَكْرَهَهُ الْمَحْكِيُّ عَنْهُ، ثُمَّ هُمَا فِعْلَانِ ذُكِرَا عَلَى الْحِكَايَةِ، وَقِيلَ: اسْمَانِ مَصْدَرَانِ بِمَعْنَى الْقَوْلِ، وَلِلْكُشْمِيهَنِيِّ (قِيلٌ وَقَالٌ) بِالتَّنْوِينِ. (وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ): بِالْهَمْزِ وَيُبْدَلُ وَفِيهِ وُجُوهٌ، أَحَدُهَا: مَا فِي الْفَائِقِ: السُّؤَالُ عَنْ أُمُورِ النَّاسِ وَكَثْرَةُ الْبَحْثِ عَنْهَا. وَثَانِيهَا: مَسْأَلَةُ النَّاسِ أَمْوَالَهُمْ. قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: وَلَا أَرَى حَمْلَهُ عَلَى هَذَا، فَإِنَّ ذَلِكَ مَكْرُوهٌ، وَإِنْ لَمْ يَبْلُغْ حَدَّ الْكَثْرَةِ. وَثَالِثُهَا: كَثْرَةُ السُّؤَالِ فِي الْعِلْمِ لِلِامْتِحَانِ وَإِظْهَارِ الْمِرَاءِ، وَقِيلَ بِلَا حَاجَةٍ أَوْ مُطْلَقًا، فَإِنَّهُ قَدْ يُفْضِي بِهِ إِلَى مَا لَا يَعْنِيهِ. وَرَابِعُهَا: كَثْرَةُ سُؤَالِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ تَعَالَى: ﴿لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ [المائدة: ١٠١]، (وَإِضَاعَةَ الْمَالِ) فِي الْفَائِقِ: هُوَ إِنْفَاقُهُ فِي غَيْرِ طَاعَةِ اللَّهِ وَالسَّرَفِ.
قَالَ الطِّيبِيُّ، قِيلَ: وَالتَّقْسِيمُ الْحَاصِرُ فِيهِ الْحَاوِي بِجَمِيعِ أَقْسَامِهِ أَنْ تَقُولَ: إِنَّ الَّذِي يُصْرَفُ إِلَيْهِ الْمَالُ إِمَّا أَنْ يَكُونَ وَاجِبًا كَالنَّفَقَةِ وَالزَّكَاةِ وَنَحْوِهِمَا، فَهَذَا لَا ضَيَاعَ فِيهِ، وَهَكَذَا إِنْ كَانَ مَنْدُوبًا إِلَيْهِ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مُبَاحًا وَلَا إِشْكَالَ إِلَّا فِي هَذَا الْقِسْمِ، إِذْ كَثِيرٌ مِنَ الْأُمُورِ يَعُدُّهُ بَعْضُ النَّاسِ مِنَ الْمُبَاحَاتِ، وَعِنْدَ التَّحْقِيقِ لَيْسَ كَذَلِكَ كَتَشْيِيدِ الْأَبْنِيَةِ وَتَزْيِينِهَا وَالْإِسْرَافِ فِي النَّفَقَةِ، وَالتَّوَسُّعِ فِي لُبْسِ الثِّيَابِ النَّاعِمَةِ وَالْأَطْعِمَةِ الشَّهِيَّةِ اللَّذِيذَةِ، وَأَنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ قَسَاوَةَ الْقَلْبِ وَغِلَظَ الطَّبْعِ يَتَوَلَّدُ مِنْ لُبْسِ الرِّقَاقِ، وَأَكْلِ الرُّقَاقِ، وَسَائِرِ أَنْوَاعِ الِارْتِفَاقِ، وَيَدْخُلُ فِيهِ تَمْوِيهُ الْأَوَانِي وَالسُّقُوفِ بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَسُوءُ الْقِيَامِ عَلَى مَا يَمْلِكُهُ مِنَ الرَّقِيقِ وَالدَّوَابِّ، حَتَّى تَضِيعَ وَتَهْلَكَ، وَقِسْمَةُ مَا لَا يَنْتَفِعُ الشَّرِيكُ بِهِ كَاللُّؤْلُؤَةِ وَالسَّيْفِ يُكْسَرَانِ، وَكَذَا احْتِمَالُ الْغَبْنِ الْفَاحِشِ فِي الْبِيَاعَاتِ، وَإِيتَاءُ الْمَالِ صَاحَبَهُ وَهُوَ سَفِيهٌ حَقِيقٌ بِالْحَجْرِ، وَهَذَا الْحَدِيثُ أَصْلٌ فِي مَعْرِفَةِ حُسْنِ الْخُلُقِ الَّذِي هُوَ مَنْبَعُ الْأَخْلَاقِ الْحَمِيدَةِ وَالْخِلَالِ الْجَمِيلَةِ. قُلْتُ: وَهُوَ مِنْ جَوَامِعِ الْكَلِمِ، وَبَدَائِعِ الْحِكَمِ، وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ السَّجْعِ حَيْثُ لَا تَكَلُّفَ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
[ ٧ / ٣٠٨٢ ]
٤٩١٦ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو - ﵄ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: " «مِنَ الْكَبَائِرِ شَتْمُ الرَّجُلِ وَالِدَيْهِ ". قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَهَلْ يَشْتُمُ الرَّجُلُ وَالِدَيْهِ؟ قَالَ: " نَعَمْ، يَسُبُّ أَبَا الرَّجُلِ، فَيَسُبُّ أَبَاهُ، وَيَسُبُّ أُمَّهُ، فَيَسُبُّ أُمَّهُ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
_________________
(١) (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو) أَيِ: ابْنُ الْعَاصِ - ﵄ - (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: مِنَ الْكَبَائِرِ) أَيْ: مِنْ جُمْلَتِهَا أَوْ بَعْضِهَا («شَتْمُ الرَّجُلِ وَالِدَيْهِ») أَيْ: سَبُّهُ إِيَّاهُمَا أَوْ أَحَدَهُمَا وَلَوْ تَسَبُّبًا («قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَهَلْ يَشْتِمُ»): بِكَسْرِ عَيْنِهِ وَيُضَمُّ يَسُبُّ (الرَّجُلُ وَالِدَيْهِ) أَيْ: هَلْ يَقَعُ ذَلِكَ (قَالَ: نَعَمْ) أَيْ: يَقَعُ حَقِيقَةً تَارَةً وَهُوَ نَادِرٌ وَمَجَازًا أُخْرَى، وَهُوَ كَثِيرٌ لَكِنْ مَا تَعْرِفُونَهُ، ثُمَّ بَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ: («يَسُبُّ أَبَا الرَّجُلِ فَيَسُبُّ») أَيِ: الرَّجُلُ (أَبَاهُ) أَيْ: أَبَا مَنْ سَبَّهُ (وَيَسُبُّ) أَيْ: تَارَةً أُخْرَى، وَقَدْ يَجْمَعُ وَيَسُبُّ أَيْضًا (أُمَّهُ) أَيْ: أُمَّ الرَّجُلِ (فَيَسُبُّ) أَيِ: الرَّجُلُ (أُمَّهُ) أَيْ: أُمَّ سَابِّهِ، وَفِي الْجَمْعِ بَيْنَ الشَّتْمِ وَالسَّبِّ تَفَنُّنٌ، فَفِي الْقَامُوسِ: شَتَمَهُ يَشْتِمُهُ وَيَشْتُمُهُ: سَبَّهُ، وَقَدْ يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا وَيُقَالُ: السَّبُّ أَعَمُّ، فَإِنَّهُ شَامِلٌ لِلَّعْنِ أَيْضًا بِخِلَافِ الشَّتْمِ، وَأَصْلُ السَّبِّ عَلَى مَا فِي الْقَامُوسِ قَطْعُهُ وَطَعْنُهُ فِي السُّبَّةِ أَيِ: الْأَسْتِ وَشَتْمُهُ، وَالسُّبَّةُ بِالضَّمِّ الْعَارُ. قِيلَ: وَإِنَّمَا يَصِيرُ ذَلِكَ مِنَ الْكَبَائِرِ إِذَا كَانَ الشَّتْمُ مِمَّا يُوجِبُ حَدًّا كَمَا إِذَا شَتَمَهُ بِالزِّنَا وَالْكُفْرِ، وَقَالَ لَهُ: أَبُوكَ زَانٍ أَوْ كَافِرٌ أَوْ نَحْوُهُمَا، فَقَالَ فِي جَوَابِهِ: بَلْ أَبُوكَ كَافِرٌ أَوْ زَانٍ، أَمَّا إِذَا شَتَمَهُ بِمَا دُونَ ذَلِكَ بِأَنْ قَالَ لَهُ أَبُوكَ أَحْمَقُ أَوْ جَاهِلٌ أَوْ نَحْوُهُمَا، فَلَا يَكُونُ مِنَ الْكَبَائِرِ. قُلْتُ: إِذَا كَانَ بَعْضُ أَفْرَادِهِ كَبِيرَةً فَيَصْدُقُ عَلَيْهِ أَنَّهُ مِنَ الْكَبَائِرِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّهُ مِنَ الْكَبَائِرِ مُطْلَقًا ; لِأَنَّ سَبَبَ السَّبِّ سَبٌّ، فَكَأَنَّهُ وَاجَهَ أَبَاهُ بِقَوْلِهِ أَنْتَ أَحْمَقُ أَوْ جَاهِلٌ، وَلَا شَكَّ أَنَّ هَذَا مِنَ الْكَبَائِرِ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا﴾ [الإسراء: ٢٣] وَنَحْوَهُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام: ١٠٨]، قُلْتُ: السَّبُّ لَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ كَبِيرَةً، لَا سِيَّمَا إِذَا وُجِدَ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ مَنْ سَبَّ رَافِضِيًّا أَوْ خَارِجِيًّا، فَسَبَّ أَحَدُهُمَا بَعْضَ الصَّحَابَةِ لَا يُعَدُّ الْأَوَّلُ سَابًّا، وَكَذَا إِذَا كَانَ أَحَدُ بَعْضِ الْكُفَّارِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ، فَإِنَّهُ لَا يَصِيرُ كَافِرًا، نَعَمْ مَا يُتَوَسَّلُ بِهِ إِلَى الْحَرَامِ حَرَامٌ، لَكِنْ بِشَرْطِ قَصْدِهِ وَعِلْمِهِ. قَالَ النَّوَوِيُّ: وَفِيهِ قَطْعٌ بِتَحْرِيمِ الْوَسَائِلِ وَالذَّرَائِعِ، فَيُؤْخَذُ مِنْهُ النَّهْيُ عَنْ بَيْعِ الْعَصِيرِ لِمَنْ يَتَّخِذُ الْخَمْرَ وَالسِّلَاحَ مِمَّنْ يَقْطَعُ الطَّرِيقَ وَنَحْوَ ذَلِكَ. قُلْتُ: وَيُؤْخَذُ هَذَا الْحُكْمُ مِنْ قَوْلِهِ: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢]، (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ): وَرَوَى ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا فِي ذَمِّ الْغَضَبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا " «مِنَ الْكَبَائِرِ اسْتِطَالَةُ الرَّجُلِ فِي عِرْضِ رَجُلٍ مُسْلِمٍ وَمِنَ الْكَبَائِرِ الْبُهْتَانُ بِالسُّبَّةِ» ".
[ ٧ / ٣٠٨٣ ]
٤٩١٧ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ - ﵄ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: " «إِنَّ مِنْ أَبَرِّ الْبِرِّ صِلَةَ الرَّجُلِ أَهْلَ وُدِّ أَبِيهِ بَعْدَ أَنْ يُوَلِّيَ» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
_________________
(١) (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ - ﵄ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: «إِنَّ مِنْ أَبَرِّ الْبِرِّ») أَيْ: أَفْضَلُهُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى وَالِدِهِ، وَكَذَا الْوَالِدَةُ أَوْ هِيَ بِالْأُولَى («صِلَةَ الرَّجُلِ أَهْلَ وُدِّ أَبِيهِ»): بِضَمِّ الْوَاوِ أَيْ: أَصْحَابُ مَوَدَّتِهِ وَمَحَبَّتِهِ، وَفِي الْقَامُوسِ الْوُدُّ: الْحُبُّ وَالْمُحِبُّ وَيُثَلَّثُ. اهـ. وَإِرَادَةُ الْمَعْنَى الثَّانِي أَبْلَغُ هُنَا كَمَا لَا يَخْفَى. («بَعْدَ أَنْ يُوَلِّيَ»): بِتَشْدِيدِ اللَّامِ الْمَكْسُورَةِ أَيْ: يُدْبِرُ وَيَغِيبُ بِسَفَرٍ أَوْ مَوْتٍ، وَهُوَ الْأَظْهَرُ لِكَوْنِهِ أَبْعَدَ مِنَ الرِّيَاءِ وَالسُّمْعَةِ، فَيَكُونُ أَخْلَصَ فَأَجْرُهُ أَكْثَرُ، وَلِمَا رَوَى أَبُو يَعْلَى فِي مُسْنَدِهِ وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ: مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَصِلَ أَبَاهُ فِي قَبْرِهِ، فَلْيَصِلْ إِخْوَانَ أَبِيهِ مِنْ بَعْدِهِ. قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: هَذِهِ الْكَلِمَةُ مِمَّا يَتَخَبَّطُ النَّاسُ فِيهَا، وَالَّذِي أَعْرِفُهُ هُوَ أَنَّ الْفِعْلَ مُسْنَدٌ إِلَى أَبِيهِ أَيْ: بَعْدَ أَنْ يَغِيبَ أَبُوهُ أَوْ يَمُوتَ مِنْ وَلَّى يُوَلِّي، وَيُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ أَبِي أُسَيْدٍ السَّاعِدِيُّ يَعْنِي: الْآتِي إِنْفَاذُ عَهْدِهِمَا مِنْ بَعْدِهِمَا، وَصِلَةُ الرَّحِمِ الَّتِي لَا تُوصَلُ إِلَّا بِهِمَا وَإِكْرَامُ صَدِيقِهِمَا. قَالَ الطِّيبِيُّ: وَهَكَذَا صُحِّحَ فِي جَامِعِ الْأُصُولِ وَمَشَارِقِ الْأَنْوَارِ أَنْ يُوَلَّى بِضَمِّ الْيَاءِ وَفَتْحِ الْوَاوِ وَكَسْرِ اللَّامِ الْمُشَدَّدَةِ. قُلْتُ: وَلَعَلَّ الْخَبْطَ جَاءَ مِنْ قَبِيلِ
[ ٧ / ٣٠٨٣ ]
الضَّبْطِ بِأَنَّ ضَبْطَ (يُوَلِّيَ) مَجْهُولًا أَوْ مَعْلُومًا مِنَ التَّوَلِّي، أَوْ مِنْ قِبَلِ الْإِسْنَادِ ; حَيْثُ أُسْنِدَ إِلَى أَهْلِ وُدِّ أَبِيهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ثُمَّ الْمَعْنَى: أَنَّ مِنْ جُمْلَةِ الْمَبَرَّاتِ الْفُضْلَى مَبَرَّةَ الرَّجُلِ مِنْ أَحِبَّاءِ أَبِيهِ، فَإِنَّ مَوَدَّةَ الْآبَاءِ قَرَابَةُ الْأَبْنَاءِ، وَخُلَاصَتُهُ أَنَّهُ إِذَا غَابَ الْأَبُ أَوْ مَاتَ يَحْفَظُ أَهْلَ وُدِّهِ وَيُحْسِنُ إِلَيْهِمْ، فَإِنَّهُ مِنْ تَمَامِ الْإِحْسَانِ إِلَى الْأَبِ، وَإِنَّمَا كَانَ أَبَرَّ ; لِأَنَّهُ إِذَا حَفِظَ غَيْبَتَهُ فَهُوَ يَحْفَظُ حُضُورَهُ أَوْلَى، وَإِذَا رَاعَى أَهْلَ وُدِّهِ فَكَانَ مُرَاعَاةُ أَهْلِ رَحِمِهِ أَحْرَى. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
[ ٧ / ٣٠٨٤ ]
٤٩١٨ - وَعَنْ أَنَسٍ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: " «مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ وَيُنْسَأَ لَهُ فِي أَثَرِهِ؟ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
_________________
(١) (وَعَنْ أَنَسٍ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: «مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُبْسَطَ») بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيْ: يُوَسَّعُ (لَهُ فِي رِزْقِهِ) أَيْ: فِي دُنْيَاهُ أَوْ آخِرَتِهِ (وَيُنْسَأُ): بِضَمٍّ فَسُكُونٍ فَفَتْحٍ فَنَصْبٍ فَهَمْزَةٍ أَيْ: يُؤَخَّرُ (لَهُ فِي أَثَرِهِ): بِفَتْحَتَيْنِ أَيْ: أَجَلِهِ (فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ): فِي النِّهَايَةِ: النَّسَأُ التَّأْخِيرُ يُقَالُ: نَسَأْتُ الشَّيْءَ أَنْسَأُ وَأَنْسَأْتُهُ إِنْسَاءً: إِذَا أَخَّرْتَهُ، وَالنَّسَاءُ الِاسْمُ، وَيَكُونُ فِي الْعُمُرِ وَالدِّينِ وَالْأَثَرِ وَالْأَجَلِ، وَيُسَمَّى بِهِ لِأَنَّهُ يَتْبَعُ الْعُمُرَ. قَالَ زُهَيْرٌ: يَسْعَى الْفَتَى لِأُمُورٍ لَيْسَ يُدْرِكُهَا وَالنَّفْسُ وَاحِدَةٌ وَالْهَمُّ مُنْتَشِرُ وَالْمَرْءُ مَا عَاشَ مَمْدُودٌ لَهُ أَمَلٌ لَا يَنْتَهِي الْعُمُرُ حَتَّى يَنْتَهِيَ الْأَثَرُ وَأَصْلُهُ مِنْ أَثَرِ مَشْيِهِ فِي الْأَرْضِ، فَإِنَّ مَنْ مَاتَ لَا يَبْقَى لَهُ أَثَرٌ، فَلَا يُرَى لِأَقْدَامِهِ فِي الْأَرْضِ أَثَرٌ. قَالَ النَّوَوِيُّ: فِي تَأْخِيرِ الْأَجَلِ سُؤَالٌ مَشْهُورٌ، وَهُوَ أَنَّ الْآجَالَ وَالْأَرْزَاقَ مُقَدَّرَةٌ وَلَا تَزِيدُ وَلَا تَنْقُصُ ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٤]، وَأَجَابَ الْعُلَمَاءُ بِوُجُوهٍ، أَحَدِهَا: أَنَّ الزِّيَادَةَ بِالْبَرَكَةِ فِي الْعُمُرِ بِسَبَبِ التَّوْفِيقِ فِي الطَّاعَاتِ وَعِمَارَةِ أَوْقَاتِهِ بِمَا يَنْفَعُهُ فِي الْآخِرَةِ، وَصِيَانَتِهَا عَنِ الضَّيَاعِ وَغَيْرِ ذَلِكَ. وَثَانِيهَا: أَنَّهُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا يَظْهَرُ لِلْمَلَائِكَةِ فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ فَيَظْهَرُ لَهُمْ فِي اللَّوْحِ أَنَّ عُمْرَهُ سِتُّونَ سَنَةً إِلَّا أَنْ يَصِلَ رَحِمَهُ، فَإِنْ وَصَلَهَا زِيدَ لَهُ أَرْبَعُونَ، وَقَدْ عَلِمَ اللَّهُ تَعَالَى مَا سَيَقَعُ لَهُ مِنْ ذَلِكَ، وَهُوَ مِنْ مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ﴾ [الرعد: ٣٩]، فَبِالنِّسْبَةِ إِلَى عِلْمِ اللَّهِ تَعَالَى وَمَا سَبَقَ قَدَرُهُ لَا زِيَادَةَ، بَلْ هِيَ مُسْتَحِيلَةٌ، وَبِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا ظَهَرَ لِلْمَخْلُوقِينَ يُتَصَوَّرُ الزِّيَادَةُ وَهُوَ مُرَادُ الْحَدِيثِ، وَثَالِثِهَا: أَنَّ الْمُرَادَ بَقَاءُ ذِكْرِهِ الْجَمِيلِ بَعْدَهُ، فَكَأَنَّهُ لَمْ يَمُتْ وَهُوَ ضَعِيفٌ. اهـ. وَإِنَّمَا قَالَ فِي الْقَوْلِ الْأَوْسَطِ: إِنَّهُ مُرَادُ الْحَدِيثِ ; لِأَنَّ الْأَوَّلَ أَيْضًا يَرْجِعُ إِلَيْهِ، فَإِنَّ بَرَكَةَ الْعُمُرِ وَتَوْفِيقَ الْعَمَلِ مِنْ جُمْلَةِ الْمُقَدَّرَاتِ الَّتِي لَا تَزِيدُ وَلَا تَنْقُصُ فِي الْحَقِيقَةِ، وَكَذَا الْأَخِيرُ، وَإِنَّمَا ضَعْفُهُ لِأَنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ الصِّيتِ الْمُشْتَمِلِ عَلَى الرِّيَاءِ وَالسُّمْعَةِ غَالِبًا، فَلَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ مُرَادَ الْحَدِيثِ، وَإِنْ كَانَ لَهُ وَجْهٌ فِي الْجُمْلَةِ عَلَى أَنَّهُ وَرَدَ فِي غَيْرِ حَدِيثٍ أَنَّ صِلَةَ الرَّحِمِ تُزِيدُ فِي الْعُمُرِ، فَإِرَادَةُ غَيْرِ الْأَجَلِ الْمُتَعَارَفِ خِلَافُ الْحَقِيقَةِ، وَالْعُدُولُ مِنْهَا إِلَى الْمَجَازِ غَيْرُ جَائِزٍ بِلَا ضَرُورَةٍ. وَقَدْ غَفَلَ الطِّيبِيُّ عَنْ هَذَا الْمَعْنَى، فَتَعَقَّبَ النَّوَوِيَّ عَلَى غَيْرِ الْمَبْنَى، فَقَالَ: وَكَانَ هَذَا الْوَجْهُ أَظْهَرَ، فَإِنَّ أَثَرَ الشَّيْءِ حُصُولُ مَا يَدُلُّ عَلَى وُجُودِهِ، فَمَعْنَى يُؤَخَّرُ فِي أَثَرِهِ أَيْ: يُؤَخَّرُ ذِكْرُهُ الْجَمِيلُ بَعْدَ مَوْتِهِ، أَوْ يُجْرَى لَهُ ثَوَابُ عَمَلِهِ الصَّالِحِ بَعْدَ مَوْتِهِ. قَالَ تَعَالَى: ﴿وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾ [يس: ١٢]، قُلْتُ: وَفِيهِ أَنَّ الْمَعْنَى الثَّانِيَ عَامٌّ غَيْرُ مَخْصُوصٍ بِوَاصِلِ الرَّحِمِ. بَقِيَ الْأَوَّلُ قَالَ: وَعَلَيْهِ كَلَامُ صَاحِبِ الْفَائِقِ ; حَيْثُ قَالَ: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى أَنَّ اللَّهَ يُبْقِي أَثَرَ وَاصِلِ الرَّحِمِ فِي الدُّنْيَا طَوِيلًا، فَلَا يَضْمَحِلُّ سَرِيعًا كَمَا يَضْمَحِلُّ أَثَرُ قَاطِعِ الرَّحِمِ. قُلْتُ: كَيْفَ يَجُوزُ مَا عَبَّرَ عَنْهُ الْفَائِقُ بِيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ هُوَ الْأَظْهَرَ فِي مُرَادِ الْحَدِيثِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ): وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ عَنْ أَنَسٍ، وَأَحْمَدُ وَالْبُخَارِيُّ أَيْضًا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ.
[ ٧ / ٣٠٨٤ ]
٤٩١٩ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: " «خَلَقَ اللَّهُ الْخَلْقَ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْهُ قَامَتِ الرَّحِمُ فَأَخَذَتْ بِحَقْوَيِ الرَّحْمَنِ فَقَالَ: مَهْ، قَالَتْ: هَذَا مَقَامُ الْعَائِذِ بِكَ مِنَ الْقَطْعِيَّةِ. قَالَ: " أَلَا تَرْضَيْنَ أَنْ أَصِلَ مَنْ وَصَلَكِ، وَأَقْطَعَ مَنْ قَطَعَكِ؟ قَالَتْ: بَلَى يَا رَبِّ! قَالَ: فَذَاكَ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
_________________
(١) (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: «خَلَقَ اللَّهُ الْخَلْقَ») أَيْ: قَدَّرَ الْمَخْلُوقَاتِ فِي الْعِلْمِ السَّابِقِ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ وَقْتَ وُجُودِهِمْ، (فَلَمَّا فَرَغَ مِنْهُ) أَيْ: لَمَّا صَحَّ ذَلِكَ وَوَقَعَ مَا هُنَالِكَ. قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ أَيْ: قَضَاهُ وَأَتَمَّهُ، أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ مِمَّا يَشْهَدُ بِأَنَّهُ مَجَازُ الْقَوْلِ، فَإِنَّهُ ﷾ لَا يَشْغَلُهُ شَأْنٌ عَنْ شَأْنٍ حَتَّى يُطْلَقَ عَلَيْهِ الْفَرَاغُ الَّذِي هُوَ ضِدُّ الشَّغْلِ. (قَامَتِ الرَّحِمُ) أَيْ: قِيَامُ صُورَةٍ مُصَوَّرَةٍ أَوْ مَعْنَوِيَّةٍ مُقَدَّرَةٍ (فَأَخَذَتْ بِحَقْوَيِ الرَّحْمَنِ) أَيْ: بِكَتِفَيْ رَحْمَتِهِ الْعَامَّةِ وَالْخَاصَّةِ، وَالْحَقْوُ بِفَتْحِ الْحَاءِ وَسُكُونِ الْقَافِ الْإِزَارُ وَالْخَصْرُ، وَمَعْقِدُ الْإِزَارِ فِي اللُّغَةِ، وَالْمُرَادُ بِهِ هُنَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ الِاسْتِعَارَةُ عَنِ الِاسْتِغَاثَةِ وَالِاسْتِعَانَةِ، كَمَا يُقَالُ: أَخَذْتُ بِذَيْلِ الْمَلِكِ حَتَّى أَنْصَفَنِي، وَتَوْضِيحُهُ أَنَّهُ لَمَّا كَانَ مِنْ شَأْنِ الْمُسْتَجِيرِ أَنْ يَسْتَمْسِكَ بِحَقْوَيِ الْمُسْتَجَارِ بِهِ، وَهُمَا جَنْبَاهُ الْأَيْمَنُ وَالْأَيْسَرُ اسْتَعَارَ الْأَخْذَ بِالْحَقْوَيْنِ فِي اللِّيَاذِ بِالشَّيْءِ. تَقُولُ الْعَرَبُ: عُذْتُ بِحَقْوِ فُلَانٍ أَيِ: اسْتَجَرْتُ وَاعْتَصَمْتُ بِهِ. وَالْحَاصِلُ أَنَّ الرَّحِمَ اسْتَعَاذَتْ بِلِسَانِ الْمَقَالِ، أَوْ بَيَانِ الْحَالِ، وَالْتَجَأَتْ وَعَاذَتْ بِعِزَّةِ اللَّهِ وَعَظَمَتِهِ مِنْ أَنْ يَقْطَعَهَا أَحَدٌ، وَوَجْهُ تَخْصِيصِ الرَّحْمَنِ لَا يَخْفَى مِنْ مُنَاسَبَةِ الْمَبْنَى وَالْمَعْنَى، وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يُقَالَ: التَّقْدِيرُ بِحَقْوَيْ عَرْشِ الرَّحْمَنِ أَيْ: بِطَرَفَيْهِ، أَوْ أَطْرَافِ ذَيْلِهِ مُتَرَدِّدَةً مِنْ جَانِبٍ إِلَى جَانِبٍ، كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ حَدِيثُ عَائِشَةَ الْآتِي: الرَّحِمُ مُعَلَّقَةٌ بِالْعَرْشِ. (فَقَالَ: مَهْ) بِفَتْحِ مِيمٍ وَسُكُونِ هَاءٍ اسْمُ فِعْلٍ أَيِ: اكْفُفِي وَامْتَنِعِي عَنْ هَذَا الِالْتِجَاءِ، فَإِنَّ حَاجَتَكِ مَقْضِيَّةٌ، وَالْأَظْهَرُ أَنْ يَكُونَ اسْتِفْهَامًا وَقُلِبَتِ الْأَلِفُ هَاءً، وَيُمْكِنُ حَذْفُ أَلِفِ الِاسْتِفْهَامِ، ثُمَّ إِتْيَانُ هَاءِ السَّكْتِ، وَالْمَعْنَى مَا يَقُولُ، وَالْمُرَادُ مِنْهُ الْأَمْرُ بِإِظْهَارِ الْحَاجَةِ لِيُعْلَمَ الِاعْتِنَاءُ بِهَا لَا الِاسْتِعْلَامُ، فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى. (قَالَتْ: هَذَا) أَيْ: مَقَامِي هَذَا (مَقَامُ الْعَائِذِ) أَيِ: الْمُسْتَعِيذُ بِكَ (مِنَ الْقَطِيعَةِ) أَيْ: قَطِيعَتِي، وَالْمَعْنَى: أَنَّ سَبَبَ عِيَاذِي وَبَاعِثَ لِيَاذِي بِذَيْلِ رَحْمَتِكَ الَّتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ أَنْ يَقْطَعَنِي أَحَدٌ، فَيَقَعُ فِي غَضَبِكَ وَسُخْطِكَ (قَالَ أَلَا تَرْضَيْنَ) بِفَتْحِ الضَّادِ أَيْ: أَلَا تُحِبِّينَ («أَنْ أَصِلَ مَنْ وَصَلَكِ، وَأَقْطَعَ مَنْ قَطَعَكِ؟ قَالَتْ: بَلَى يَا رَبِّ») أَيْ: أَرْضَى بِذَلِكَ، فَإِنَّكَ الرَّبُّ تُرْبِي مَنْ تَشَاءُ بِمَا تَشَاءُ وَتُعْطِي مَنْ تَشَاءُ مَا تَشَاءُ. (قَالَ: فَذَاكِ) . بِكَسْرِ الْكَافِ مُبْتَدَأٌ وَخَبَرُهُ مَحْذُوفٌ أَيْ: لَكِ، وَالْمَعْنَى: أَفْعَلُ مَا قُلْتِ مِنَ الْوَصْلِ وَالْقَطْعِ. قَالَ النَّوَوِيُّ: الرَّحِمُ الَّتِي تُوصَلُ وَتُقْطَعُ إِنَّمَا هِيَ مَعْنَى مِنَ الْمَعَانِي، وَالْمَعَانِي لَا يَتَأَتَّى مِنْهَا الْقِيَامُ وَلَا الْكَلَامُ، فَيَكُونُ الْمُرَادُ تَعْظِيمَ شَأْنِهَا وَفَضِيلَةَ وَاصِلِهَا وَعِظَمَ إِثْمِ قَاطِعِهَا، وَلَا خِلَافَ أَنَّ صِلَةَ الرَّحِمِ وَاجِبَةٌ فِي الْجُمْلَةِ، وَقَطِيعَتَهَا مَعْصِيَةٌ كَبِيرَةٌ، وَلِلصِّلَةِ دَرَجَاتٌ بَعْضُهَا أَرْفَعُ مِنْ بَعْضٍ، وَأَدْنَاهَا تَرْكُ الْمُهَاجَرَةِ، وَصِلَتُهَا بِالْكَلَامِ وَلَوْ بِالسَّلَامِ، وَيَخْتَلِفُ ذَلِكَ بِاخْتِلَافِ الْقُدْرَةِ وَالْحَاجَةِ، فَمِنْهَا وَاجِبٌ، وَمِنْهَا مُسْتَحَبٌّ، وَلَوْ وَصَلَ بَعْضَ الصِّلَةِ وَلَمْ يَصِلْ غَايَتَهَا وَلَا يُسَمَّى قَاطِعًا، وَلَوْ قَصَّرَ عَمَّا يَقْدِرُ عَلَيْهِ وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَفْعَلَهُ لَا يُسَمَّى وَاصِلًا (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
[ ٧ / ٣٠٨٥ ]
٤٩٢٠ - وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: " «الرَّحِمُ شِجْنَةٌ مِنَ الرَّحْمَنِ. فَقَالَ اللَّهُ مَنْ وَصَلَكِ وَصَلْتُهُ، وَمَنْ قَطَعَكِ قَطَعْتُهُ» ". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
_________________
(١) (وَعَنْهُ) أَيْ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: الرَّحِمُ): قَالَ السُّيُوطِيُّ أَيْ: رَحِمُ الْأَقَارِبِ كَيْفَ كَانُوا (شِجْنَةٌ): بِكَسْرِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَبِضَمِّ وَسُكُونِ الْجِيمِ فَنُونٍ، وَفِي الْقَامُوسِ: إِنَّهَا مُثَلَّثَةٌ وَضُبِطَ فِي النِّهَايَةِ بِالْكَسْرِ وَالضَّمِّ، وَبَعْضُ الشُّرَّاحِ بِالْكَسْرِ وَالْفَتْحِ، وَهِيَ فِي الْأَصْلِ عُرُوقُ الشَّجَرِ الْمُشْتَبِكَةُ، وَالْمُرَادُ مِنْهَا هُنَا أَنَّهَا مُشْتَقَّةٌ (مِنَ الرَّحْمَنِ) أَيْ مِنَ الْحَرَمِ الْمُشْتَقِّ مِنِ اسْمِ الرَّحْمَنِ، فَكَأَنَّهَا مُشْتَبِكَةٌ بِهِ اشْتِبَاكَ الْعُرُوقِ، وَقِيلَ فِي وَجْهِ الشَّجْنَةِ أَنَّ حُرُوفَ الرَّحِمِ مَوْجُودَةٌ فِي اسْمِ الرَّحْمَنِ، وَمُتَدَاخِلَةٌ فِيهِ كَتَدَاخُلِ الْعُرُوقِ لِكَوْنِهَا مِنْ أَصْلٍ وَاحِدٍ، وَالْمَعْنَى: أَنَّهَا أَثَرٌ مِنْ آثَارِ رَحْمَتِهِ مُشْتَبِكَةٌ بِهَا، فَالْقَاطِعُ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ، وَالْوَاصِلُ فِيهَا وَاصِلٌ إِلَى رَحْمَتِهِ تَعَالَى كَمَا بَيَّنَهُ - ﷺ - بِقَوْلِهِ: («فَقَالَ اللَّهُ: مَنْ وَصَلَكِ») أَيْ: أَيُّهَا الرَّحِمُ بِالصِّلَةِ (وَصَلْتُهُ) أَيْ: بِالرَّحْمَةِ («وَمَنْ قَطَعَكِ قَطَعْتُهُ») أَيْ: عَنْهَا (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) . وَكَذَا أَبُو دَاوُدَ، وَلَكِنْ عَنْ عَائِشَةَ.
[ ٧ / ٣٠٨٥ ]
٤٩٢١ - وَعَنْ عَائِشَةَ - ﵂ - قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: " «الرَّحِمُ مُعَلَّقَةٌ بِالْعَرْشِ تَقُولُ: مَنْ وَصَلَنِي وَصَلَهُ اللَّهُ، وَمَنْ قَطَعَنِي قَطَعَهُ اللَّهُ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
_________________
(١) (وَعَنْ عَائِشَةَ - ﵂ - قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: «الرَّحِمُ مُعَلَّقَةٌ بِالْعَرْشِ»): أَيُّ مُسْتَمْسِكَةٌ بِعَرْشِ الرَّحْمَنِ مُتَعَلِّقَةٌ بِذَيْلِهِ مُسْتَجِيرَةٌ مِنَ الْقَطِيعَةِ مُخْبِرَةٌ عَنْ حُكْمِ الصِّلَةِ (تَقُولُ) أَيْ: بِطَرِيقِ الْإِخْبَارِ بِدَايَةً وَرِوَايَةً وَحِكَايَةً وَتَلَذُّذًا بِمَا سَمِعَتْ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، أَوْ عَلَى سَبِيلِ الدُّعَاءِ («مَنْ وَصَلَنِي وَصَلَهُ اللَّهُ»)، أَيْ: بِحُسْنِ رِعَايَتِهِ وَبِجَمِيلِ حِمَايَتِهِ («وَمَنْ قَطَعَنِي قَطَعَهُ اللَّهُ») أَيْ: عَنْ عَيْنِ عِنَايَتِهِ، وَمِنْ كَمَالِ رَحْمَتِهِ وَرَأْفَتِهِ، فَالْوَصْلُ كِنَايَةٌ عَنِ الْإِقْبَالِ إِلَيْهِ وَالْقَبُولِ مِنْهُ، وَالْقَطْعُ عِبَارَةٌ عَنِ الْغَضَبِ عَلَيْهِ وَالْإِعْرَاضِ عَنْهُ. قَالَ النَّوَوِيُّ: اخْتَلَفُوا فِي حَدِّ الرَّحِمِ الَّتِي يَجُبُّ صِلَتُهَا فَقِيلَ: فِي كُلِّ رَحِمٍ مُحَرَّمٍ بِحَيْثُ لَوْ كَانَ أَحَدُهَا ذَكَرًا وَالْآخَرُ أُنْثَى حَرُمَتْ مُنَاكَحَتُهَمَا، فَعَلَى هَذَا لَا يَدْخُلُ أَوْلَادُ الْأَعْمَامِ، وَأَوْلَادُ الْأَخْوَالِ، وَاحْتَجَّ هَذَا الْقَائِلُ بِتَحْرِيمِ الْجَمْعِ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا أَوْ خَالَتِهَا فِي النِّكَاحِ وَنَحْوِهِ، وَجَوَازُ ذَلِكَ فِي بَنَاتِ الْأَعْمَامِ، وَقِيلَ: هُوَ عَامٌّ فِي كُلِّ رَحِمٍ مِنْ ذَوِي الْأَرْحَامِ فِي الْمِيرَاثِ يَسْتَوِي الْمُحَرَّمُ وَغَيْرُهُ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ - ﷺ: " «ثُمَّ أَدْنَاكَ، ثُمَّ أَدْنَاكَ» " قُلْتُ: وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأُولُوا الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ [الأنفال: ٧٥]، وَأَمَّا مَا قَالَهُ الْقَائِلُ الْأَوَّلُ، فَإِنَّمَا هُوَ تَعْرِيفُ ذِي رَحِمِ مُحَرَّمٍ لَا مُطْلَقُ الرَّحِمِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ): وَفِي الْجَامِعِ أُسْنِدَ إِلَى مُسْلِمٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
[ ٧ / ٣٠٨٦ ]
٤٩٢٢ - وَعَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - " «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ قَاطِعٌ» " مُتَّفِقٌ عَلَيْهِ.
_________________
(١) (وَعَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ): مَرَّ ذِكْرُهُ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ قَاطِعٌ») أَيْ: لِلرَّحِمِ أَوْ لِلطَّرِيقِ، وَيَدُلُّ عَلَى الْأَوَّلِ إِيرَادُهُ فِي هَذَا الْبَابِ، مَعَ أَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ بِاعْتِبَارِ أَحَدِ مَعْنَيَيْهِ. قَالَ النَّوَوِيُّ " قَدْ سَبَقَ نَظَائِرُهُ مِمَّا حُمِلَ تَارَةً عَلَى مَنْ يَسْتَحِلُّ الْقَطْعَةَ بِلَا سَبَبٍ، وَلَا شُبْهَةَ مَعَ عِلْمِهِ بِتَحْرِيمِهَا، وَأُخْرَى لَا يَدْخُلُهَا مَعَ السَّابِقَيْنِ. قُلْتُ: وَأُخْرَى لَا يَدْخُلُهَا مَعَ النَّاجِينَ مِنَ الْعَذَابِ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) . وَرَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ.
[ ٧ / ٣٠٨٦ ]
٤٩٢٣ - وَعَنِ ابْنِ عَمْرٍو - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: " «لَيْسَ الْوَاصِلُ بِالْمُكَافِئِ، وَلَكِنَّ الْوَاصِلَ الَّذِي إِذَا قُطِعَتْ رَحِمُهُ وَصَلَهَا» ". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
_________________
(١) (وَعَنِ ابْنِ عَمْرٍو): بِالْوَاوِ وَفِي نُسْخَةٍ بِلَا وَاوٍ. قَالَ مِيرَكُ: الصَّحِيحُ أَنَّ رَاوِيَ هَذَا الْحَدِيثِ، عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ لَا ابْنُ عُمَرَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قُلْتُ: وَكَذَا أَسْنَدَهُ السُّيُوطِيُّ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ إِلَى ابْنِ عَمْرٍو (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: «لَيْسَ الْوَاصِلُ») أَيْ: وَاصِلُ الرَّحِمِ (بِالْمُكَافِئِ): بِكَسْرِ فَاءٍ فَهَمْزٍ أَيِ: الْمُجَازِي لِأَقَارِبِهِ إِنْ صِلَةً فَصِلَةٌ، وَإِنْ قَطْعًا فَقَطْعٌ، وَالْمُرَادُ بِهِ نَفْيُ الْكَمَالِ («وَلَكِنَّ الْوَاصِلَ»): بِتَشْدِيدِ النُّونِ وَفَتْحِ اللَّامِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِتَخْفِيفِ النُّونِ وَكَسْرِهَا لِلِالْتِقَاءِ وَرَفْعِ اللَّامِ أَيْ: وَلَكِنَّ الْوَاصِلَ الْعَمَلَ («الَّذِي إِذَا قُطِعَتْ»): بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ (رَحِمُهُ): بِالرَّفْعِ عَلَى نِيَابَةِ الْفَاعِلِ، وَيُؤَيِّدُهُ رِوَايَةُ الْجَامِعِ إِذَا قُطِعَتْ رَحِمُهُ، وَفِي نُسْخَةٍ بِصِيغَةِ الْخِطَابِ وَنَصْبِ رَحِمِهِ عَلَى الْمَفْعُولِيَّةِ (وَصَلَهَا) أَيْ: قَرَابَتَهُ الَّتِي تُقْطَعُ عَنْهُ، وَهَذَا مِنْ بَابِ الْحَثِّ عَلَى مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ﴾ [المؤمنون: ٩٦]، وَفِي آيَةٍ أُخْرَى ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ - وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [فصلت: ٣٤ - ٣٥]، وَمِنْهُ قَوْلُهُ - ﷺ - عَلَى مَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ عَلِيٍّ: " صِلْ مَنْ قَطَعَكَ وَأَحْسِنْ إِلَى مَنْ أَسَاءَ إِلَيْكَ، وَقُلِ الْحَقَّ وَلَوْ عَلَى نَفْسِكَ ". هَذَا وَقَدْ قَالَ الطِّيبِيُّ: التَّعْرِيفُ فِي الْوَاصِلِ لِلْجِنْسِ أَيْ: لَيْسَ حَقِيقَةُ الْوَاصِلِ وَمَنْ يُعْتَدُّ بِوَصْلِهِ مَنْ يُكَافِئُ صَاحِبَهُ بِمِثْلِ فِعْلِهِ وَنَظِيرُهُ قَوْلُكَ: هُوَ لَيْسَ بِالرَّجُلِ، بَلِ الرَّجُلُ مَنْ يَصْدُرُ مِنْهُ الْمَكَارِمُ وَالْفَضَائِلُ، وَالرِّوَايَةُ فِي لَكِنْ بِالتَّشْدِيدِ، وَإِنْ جَازَ التَّخْفِيفُ. (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) . وَكَذَا أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ حِبَّانَ.
[ ٧ / ٣٠٨٦ ]
٤٩٢٤ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - «أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ لِي قَرَابَةً أَصِلُهُمْ وَيَقْطَعُونِي، وَأُحْسِنُ إِلَيْهِمْ وَيُسِيئُونَ إِلَيَّ، وَأَحْلُمُ عَنْهُمْ وَيَجْهَلُونَ عَلَيَّ. فَقَالَ: " لَئِنْ كُنْتَ كَمَا قُلْتَ فَكَأَنَّمَا تُسِفُّهُمُ الْمَلَّ، وَلَا يَزَالُ مَعَكَ مِنَ اللَّهِ ظَهِيرٌ عَلَيْهِمْ مَا دُمْتَ عَلَى ذَلِكَ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
_________________
(١) (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - «أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ لِي قَرَابَةً») أَيْ: ذَوِي قَرَابَةٍ («أَصِلُهُمْ وَيَقْطَعُونِّي»): بِتَشْدِيدِ النُّونِ وَيُخَفَّفُ، وَكَأَنَّهُ أَرَادَ بِالْوَصْلِ الْمَأْتِيَّ إِلَيْهِمْ وَبِالْقَطْعِ ضِدَّهُ، إِذْ قَالَ: (وَأُحْسِنُ إِلَيْهِمْ) أَيْ: بِالْبِرِّ وَالْوَفَاءِ (وَيُسِيئُونَ إِلَيَّ)، أَيْ: بِالْجَوْرِ وَالْجَفَاءِ (وَأَحْلُمُ عَنْهُمْ) أَيْ: بِالْعَفْوِ وَالتَّحَمُّلِ (وَيَجْهَلُونَ عَلَيَّ) أَيْ: بِالسَّبِّ وَالْغَضَبِ، وَكَانَ لَفْظَةُ (عَلَيَّ) سَاقِطَةً فِي أَصْلِ الطِّيبِيِّ، فَقَالَ: قَوْلُهُ: (وَيَجْهَلُونَ) مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ أَيْ: عَلَيَّ يَعْنِي يَغْضَبُونَ، ثُمَّ هَذَا كَمَا قَالَ بَعْضُ الشُّعَرَاءِ: وَإِنَّ الَّذِي بَيْنِي وَبَيْنَ بَنِي أَبِي وَبَيْنَ بَنِي عَمِّي لِمُخْتَلِفٌ جِدًّا إِذَا أَكَلُوا لَحْمِي وَفَّرْتُ لُحُومَهُمْ وَإِنْ هَدَمُوا مَجْدِي بَنَيْتُ لَهُمْ مَجْدًا وَإِنْ ضَيَّعُوا غَيْبِي حَفِظْتُ غُيُوبَهُمْ وَإِنْ هُمْ هَوُوا غَيِّي هَوِيتُ لَهُمْ رُشْدَا (فَقَالَ) أَيِ: النَّبِيُّ، ﷺ (لَئِنْ كُنْتَ كَمَا قُلْتَ) أَيْ: إِنْ كَانَ مَقُولُكَ كَمَا قُلْتَ، أَوْ إِنْ كُنْتَ مِثْلَ مَا قُلْتَ مِنَ الْأَوْصَافِ الْجَمِيلَةِ وَالْأَخْلَاقِ الْجَزِيلَةِ (فَكَأَنَّمَا): بِالْفَاءِ تُسِفُّهُمْ): بِضَمٍّ فَسُكُونٍ فَتَشْدِيدِ فَاءٍ مِنْ بَابِ الْأَفْعَالِ مَأْخُوذٌ مِنَ السَّفُوفِ وَبِالْفَتْحِ، يُقَالُ: سَفِفْتُهُ بِالْكَسْرِ أَسُفُّهُ وَأَسْفَفْتُهُ غَيْرِي أَيْ: تُلْقِي فِي وُجُوهِهِمُ (الْمَلَّ)، بِفَتْحِ الْمِيمِ وَتَشْدِيدِ اللَّامِ أَيِ: الرَّمَادُ الْحَارُّ الَّذِي يُدْفَنُ فِيهِ الْخُبْزُ لِيَنْضَجَ، أَيْ: تَجْعَلُ الْمِلَّةَ لَهُمْ سَفُوفًا يَسُفُّونَهُ، وَالْمَعْنَى إِذَا لَمْ يَشْكُرُوا، فَإِنَّ عَطَاءَكَ إِيَّاهُمْ حَرَامٌ عَلَيْهِمْ وَنَارٌ فِي بُطُونِهِمْ، وَقَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: أَيْ إِحْسَانُكَ إِلَيْهِمْ إِذَا كَانُوا يُقَابِلُونَهُ بِالْإِسَاءَةِ يَعُودُ وَبَالًا عَلَيْهِمْ، حَتَّى كَأَنَّكَ فِي إِحْسَانِكَ إِلَيْهِمْ مَعَ إِسَاءَتِهِمْ إِيَّاكَ أَطْعَمْتَهُمُ النَّارَ. اهـ. وَقِيلَ: إِنَّكَ بِالْإِحْسَانِ إِلَيْهِمْ تُخْزِيهِمْ وَتُحَقِّرُهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ، فَصَارُوا كَمَنْ سَفَّ الْمَلَّ، وَقِيلَ: إِحْسَانُكَ إِلَيْهِمْ كَالْمَلِّ يَحْرِقُ أَحْشَاءَهُمْ، وَقِيلَ: يَجْعَلُ وُجُوهَهُمْ كَلَوْنِ الرَّمَادِ، هَذَا وَقَالَ الطِّيبِيُّ: قَوْلُهُ: (فَكَأَنَّمَا) فِي الْمَصَابِيحِ وَمُسْلِمٍ وَكِتَابِ الْحُمَيْدِيِّ وَجَامِعِ الْأُصُولِ بِالْفَاءِ، وَالظَّاهِرُ بِاللَّامِ ; لِأَنَّ اللَّامَ فِي قَوْلِهِ: لَئِنْ كُنْتَ مُوطِّئَةٌ لِلْقَسَمِ، وَهَذِهِ جَوَابُهُ سَدَّ مَسَدَّ جَوَابِ الشَّرْطِ، اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يُعْكَسَ وَيُجْعَلَ جَزَاءَ الشَّرْطِ سَادًّا مَسَدَّ جَوَابِ الْقَسَمِ، وَقَدْ وَرَدَ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ لَكَأَنَّمَا («وَلَا يَزَالُ مَعَكَ مِنَ اللَّهِ») أَيْ: مِنْ عِنْدِهِ (ظَهِيرٌ عَلَيْهِمْ) أَيْ: مُعِينٌ لَكَ عَلَيْهِمْ وَدَافِعٌ عَنْكَ أَذَاهُمْ (مَادُمْتَ عَلَى ذَلِكَ) أَيْ: مَا ذَكَرْتَ مِنْ إِحْسَانِكَ وَإِسَاءَتِهِمْ، فَالْجُمْلَةُ عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ: لَئِنْ كُنْتَ، وَإِنْ عُطِفَتْ عَلَى (فَكَأَنَّمَا) فَقَوْلُهُ: (مَادُمْتَ) وَاقِعٌ مَوْقِعَ التَّأْكِيدِ وَإِشْعَارٌ بِأَنَّ هَذَا هُوَ الْمَسْلَكُ السَّدِيدُ، وَإِنْ كَانَ عَلَى النَّفْسِ لَشَدِيدًا (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
[ ٧ / ٣٠٨٧ ]
الْفَصْلُ الثَّانِي
٤٩٢٥ - عَنْ ثَوْبَانَ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: " «لَا يَرُدُّ الْقَدَرَ إِلَّا الدُّعَاءُ، وَلَا يَزِيدُ فِي الْعُمُرِ إِلَّا الْبِرُّ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيُحْرَمُ الرِّزْقَ بِالذَّنْبِ يُصِيبُهُ» ". رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ.
_________________
(١) الْفَصْلُ الثَّانِي
(٢) (عَنْ ثَوْبَانَ) أَيْ: مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - ﵁ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - «لَا يَرُدُّ الْقَدَرَ») بِفَتْحِ الدَّالِ وَقَدْ يُسَكَّنُ أَيِ: الْقَضَاءَ الْمُعَلَّقَ (إِلَّا الدُّعَاءُ)، أَيِ: الْمُسْتَجَابُ الْمُحَقَّقُ («وَلَا يَزِيدُ فِي الْعُمُرِ») بِضَمَّتَيْنِ، وَهُوَ الْأَفْصَحُ وَبِضَمٍّ فَسُكُونٍ أَيْ: أَيَّامُ الْحَيَاةِ الْفَانِيَةِ الَّتِي خُلِقَتْ لِعِمَارَةِ الْحَيَاةِ الْبَاقِيَةِ (إِلَّا الْبِرُّ)، كَمَا رُوِيَ أَنَّ الدُّنْيَا مَزْرَعَةُ الْآخِرَةِ، فَالدُّنْيَا مَعْمَرٌ وَالْآخِرَةُ مَعْبَرٌ. قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالْقَدَرِ أَمْرًا لَوْلَا الدُّعَاءُ لَكَانَ مُقَدَّرًا وَبِالْعُمُرِ مَا لَوْلَا الْبِرُّ لَكَانَ قَصِيرًا، وَهُوَ الْقَضَاءُ الْمُعَلَّقُ فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ الْمَكْشُوفِ لِمَلَائِكَتِهِ، وَبَعْضِ خُلَّصِ عِبَادِهِ مِنْ أَنْبِيَائِهِ وَأَوْلِيَائِهِ، لَا مِنَ الْقَضَاءِ الْمُبْرَمِ الْمُتَعَلِّقِ بِهِ عِلْمُ اللَّهِ الْمُعَبَّرُ عَنْهُ بِأُمِّ الْكِتَابِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [الرعد: ٣٩]، فَيَكُونُ الدُّعَاءُ وَالْبِرُّ سَبَبَيْنِ مِنْ أَسْبَابِ ذَلِكَ، وَهُمَا
[ ٧ / ٣٠٨٧ ]
مُقَدَّرَانِ أَيْضًا كَتَقْدِيرِ حَسَنِ الْأَعْمَالِ وَسَيِّئِهَا اللَّذَيْنِ مِنْ أَسْبَابِ السَّعَادَةِ وَالشَّقَاوَةِ، مَعَ أَنَّهُمَا مُقَدَّرَانِ أَيْضًا، أَوِ الْمُرَادُ بِرَدِّ الْقَدَرِ تَسْهِيلٌ لِلْأَمْرِ الْمَقْدُورِ عَلَيْهِ حَتَّى يَصِيرَ كَأَنَّهُ قَدْ رُدَّ، وَالْمُرَادُ بِزِيَادَةِ الْعُمُرِ الْبَرَكَةُ فِيهِ، فَفِي شَرْحِ السُّنَّةِ ذَكَرَ أَبُو حَاتِمٍ السِّجِسْتَانِيُّ فِي مَعْنَى الْحَدِيثِ أَنَّ دَوَامَ الْمَرْءِ عَلَى الدُّعَاءِ يُطَيِّبُ لَهُ وُرُودَ الْقَضَاءِ، فَكَأَنَّمَا رَدَّهُ وَالْبِرُّ يُطَيِّبُ لَهُ عَيْشَهُ، فَكَأَنَّمَا زِيدَ فِي عُمُرِهِ، وَالذَّنْبُ يُكَدِّرُ عَلَيْهِ صَفَاءَ رِزْقِهِ إِذَا فَكَّرَ فِي عَاقِبَةِ أَمْرِهِ فَكَأَنَّمَا حُرِمَهُ. (وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيُحْرَمُ): بِصِيغَةِ الْمَفْعُولِ وَقَوْلُهُ: (الرِّزْقَ): بِالنَّصْبِ عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولٌ ثَانٍ، وَالْمَعْنَى: لِيَصِيرَ مَحْرُومًا مِنَ الرِّزْقِ (بِالذَّنْبِ) أَيْ: بِسَبَبِ ارْتِكَابِهِ (يُصِيبُهُ) أَيْ: حَالُ كَوْنِهِ يُصِيبُ الذَّنْبَ وَيَكْتَسِبُهُ. قَالَ الْمُظْهِرُ: لَهُ مَعْنَيَانِ أَحَدُهُمَا: أَنْ يُرَادَ بِالرِّزْقِ ثَوَابُ الْآخِرَةِ، وَثَانِيهُمَا: أَنْ يُرَادَ بِهِ الرِّزْقُ الدُّنْيَوِيُّ مِنَ الْمَالِ وَالصِّحَّةُ وَالْعَافِيَةُ، وَعَلَى هَذَا إِشْكَالٌ فَإِنَّا نَرَى الْكُفَّارَ وَالْفُسَّاقَ أَكْثَرَ مَالًا وَصِحَّةً مِنَ الصُّلَحَاءِ، وَالْجَوَابُ أَنَّ الْحَدِيثَ مَخْصُوصٌ بِالْمُسْلِمِ يُرِيدُ اللَّهُ بِهِ أَنْ يَرْفَعَ دَرَجَتَهُ فِي الْآخِرَةِ، فَيُعَذِّبُهُ بِسَبَبِ ذَنْبِهِ الَّذِي يُصِيبُهُ فِي الدُّنْيَا. قُلْتُ: وَهَذَا أَيْضًا مِنَ الْقَضَاءِ الْمُعَلَّقِ ; لِأَنَّ الْآجَالَ وَالْآمَالَ وَالْأَخْلَاقَ وَالْأَرْزَاقَ كُلَّهَا بِتَقْدِيرِهِ وَتَيْسِيرِهِ. (رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ): وَكَذَا ابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ فِي صَحِيحَيْهِمَا، وَالْبَغَوِيُّ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ ذَكَرَهُ مِيرَكُ. وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: " «لَا يَرُدُّ الْقَضَاءَ إِلَّا الدُّعَاءُ، وَلَا يَزِيدُ فِي الْعُمُرِ إِلَّا الْبِرُّ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالْحَاكِمُ عَنْ سَلْمَانَ، وَفِي الْحِصْنِ: " «لَا يَرُدُّ الْقَضَاءَ إِلَّا الدُّعَاءُ، وَلَا يَزِيدُ فِي الْعُمُرِ إِلَّا الْبِرُّ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَابْنُ حِبَّانَ، وَالْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ. قَالَ مِيرَكُ: رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ عَنْ سَلْمَانَ، وَالْبَاقِيَانِ عَنْ ثَوْبَانَ، لَكِنَّ فِي رِوَايَتِهِمَا: لَا يَرُدُّ الْقَدَرَ، كَمَا نَقَلَهُ صَاحِبُ السِّلَاحِ عَنْهُمَا. وَفِي التَّرْغِيبِ لِلْمُنْذِرِيِّ عَنْ ثَوْبَانَ كَمَا فِي أَصْلِ الْمِشْكَاةِ، وَقَالَ: رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ وَاللَّفْظُ لَهُ، وَقَالَ: صَحِيحُ الْإِسْنَادِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
[ ٧ / ٣٠٨٨ ]
٤٩٢٦ - وَعَنْ عَائِشَةَ - ﵂ - قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: " «دَخَلْتُ الْجَنَّةَ فَسَمِعْتُ فِيهَا قِرَاءَةً، فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قَالُوا: حَارِثَةُ بْنُ النُّعْمَانِ، كَذَلِكُمُ الْبِرُّ، كَذَلِكُمُ الْبِرُّ ". وَكَانَ أَبَرَّ النَّاسِ بِأُمِّهِ» . رَوَاهُ فِي " شَرْحِ السُّنَّةِ "، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي " شُعَبِ الْإِيمَانِ ". وَفِي رِوَايَتِهِمَا: قَالَ: " «نِمْتُ فَرَأَيْتُنِي فِي الْجَنَّةِ» " بَدَلَ: " دَخَلْتُ الْجَنَّةَ ".
_________________
(١) (وَعَنْ عَائِشَةَ - ﵂ - قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: «دَخَلْتُ الْجَنَّةَ») أَيْ: فِي عَالَمِ الْمَنَامِ لِمَا سَيَأْتِي («فَسَمِعْتُ فِيهَا قِرَاءَةً»)، أَيْ: صَوْتَ قِرَاءَةٍ يَقْرَؤُهَا أَحَدٌ، أَوْ قِرَاءَةَ قَارِئٍ عَلَى أَنَّ التَّنْوِينَ عِوَضٌ مِنَ الْمُضَافِ إِلَيْهِ («فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا؟») أَيِ: الْقَارِئُ لَهَا («قَالُوا: حَارِثَةُ بْنُ النُّعْمَانِ»)، بِضَمِّ أَوَّلِهِ شَهِدَ بَدْرًا وَأُحُدًا وَالْمَشَاهِدَ كُلَّهَا، وَكَانَ مِنْ فُضَلَاءِ الصَّحَابَةِ، رُوِيَ أَنَّهُ قَالَ: «مَرَرْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ وَمَعَهُ جِبْرِيلُ جَالِسٌ بِالْمَقَاعِدِ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ وَجُزْتُ، فَلَمَّا رَجَعْتُ وَانْصَرَفَ النَّبِيُّ - ﷺ - قَالَ لِي: هَلْ رَأَيْتَ الَّذِي كَانَ مَعِي؟ قُلْتُ: نَعَمْ قَالَ: فَإِنَّهُ جِبْرِيلُ، وَقَدْ رَدَّ عَلَيْكَ السَّلَامَ»، وَكَانَ قَدْ كُفَّ بَصَرُهُ، هَذَا وَلَمَّا قَصَّ عَلَيْهِمُ الرُّؤْيَا كَمَا وَرَدَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: «نِمْتُ فَرَأَيْتُنِي فِي الْجَنَّةِ» إِلَخْ، خَاطَبَهُمْ بِقَوْلِهِ: كَذَلِكُمُ الْبِرُّ، جَزَاؤُهُ أَوْ أُرِيدَ بِهِ الْمُبَالَغَةُ ; حَيْثُ جُعِلَ جَزَاءُ الْبِرِّ بِرًّا (كَذَلِكُمُ الْبِرُّ) . كَرَّرَهُ لِلتَّقْرِيرِ وَالتَّوْكِيدِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: الْمُشَارُ إِلَيْهِ مَا سَبَقَ، وَالْمُخَاطِبُونَ الصَّحَابَةُ، فَإِنَّهُ - ﷺ - رَأَى هَذِهِ الرُّؤْيَا، وَقَصَّ عَلَى أَصْحَابِهِ، فَلَمَّا بَلَغَ إِلَى قَوْلِهِ: حَارِثَةُ بْنُ النُّعْمَانِ نَبَّهَهُمْ عَلَى سَبَبِ نَيْلِ تِلْكَ الدَّرَجَةِ، فَقَالَ: (كَذَلِكُمُ الْبِرُّ) أَيْ: مِثْلُ تِلْكَ الدَّرَجَةِ تُنَالُ بِسَبَبِ الْبِرِّ. اهـ. وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ («كَذَلِكُمُ الْبِرُّ») مِنْ جُمْلَةِ مَقُولِ الْمَلَائِكَةِ، وَالْخِطَابُ لَهُ - ﷺ - وَجُمِعَ تَعْظِيمًا أَوْ أُرِيدَ هُوَ وَأَصْحَابِهِ تَغْلِيبًا. («وَكَانَ أَبَرَّ النَّاسِ بِأُمِّهِ») هَذَا مِنْ كَلَامِ الرَّاوِي، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ كَلَامِهِ - ﷺ -. (رَوَاهُ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ، وَفِي رِوَايَتِهِ): أَنَّ رِوَايَةَ الْبَيْهَقِيِّ (قَالَ: " «نِمْتُ فَرَأَيْتُنِي فِي الْجَنَّةِ» " بَدَلُ " «دَخَلْتُ الْجَنَّةَ» "): وَقَالَ الْجَزَرِيُّ فِي التَّصْحِيحِ بَعْدَ الرِّوَايَةِ الْأُولَى: رَوَاهُ الْحَاكِمُ فِي صَحِيحِهِ، وَقَالَ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ، وَأَقَرَّهُ الذَّهَبِيُّ، وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِهِ، وَرَوَاهُ مُحْيِي السُّنَّةِ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ مِنْ طَرِيقَيْنِ.
[ ٧ / ٣٠٨٨ ]
٤٩٢٧ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو - ﵄ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: " «رِضَا الرَّبِّ فِي رِضَا الْوَالِدِ، وَسُخْطُ الرَّبِّ فِي سُخْطِ الْوَالِدِ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
_________________
(١) (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو)، أَيِ: ابْنِ الْعَاصِ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: «رِضَا الرَّبِّ فِي رِضَا الْوَالِدِ») وَكَذَا حُكْمُ الْوَالِدَةِ، بَلْ هِيَ أَوْلَى («وَسُخْطُ الرَّبِّ فِي سُخْطِ الْوَالِدِ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) أَيْ: مِنْ طَرِيقِ يَعْلَى بْنِ عَطَاءٍ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ مَرْفُوعًا وَمَوْقُوفًا قَالَ: وَالْمَوْقُوفُ أَصَحُّ، وَأَخْرَجَهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ مَرْفُوعًا وَلَفْظُهُ: " «رِضَا اللَّهِ فِي رِضَا الْوَالِدِ وَسُخْطُ اللَّهِ فِي سُخْطِ الْوَالِدِ» " كَذَا فِي التَّصْحِيحِ، وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالْحَاكِمُ عَنِ ابْنِ عَمْرٍو، وَالْبَزَّارُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ. وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ عَنِ ابْنِ عَمْرٍو، وَلَفْظُهُ: " «رِضَا الرَّبِّ فِي رِضَا الْوَالِدَيْنِ وَسُخْطُهُ فِي سُخْطِهِمَا» "، وَقَالَ الْمُنْذِرِيُّ، فِي حَدِيثِ الْأَصْلِ: رَوَاهُ الْحَاكِمُ وَقَالَ: صَحِيحُ الْإِسْنَادِ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ، وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ إِلَّا أَنَّهُ قَالَ: " «طَاعَةُ اللَّهِ طَاعَةُ الْوَالِدِ وَمَعْصِيَةُ اللَّهِ مَعْصِيَةُ الْوَالِدِ» ". رَوَاهُ الْبَزَّارُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ أَوِ ابْنِ عَمْرٍو، وَلَا يَحْضُرُنِي الْآنَ أَيُّهُمَا وَلَفْظُهُ قَالَ: " «رِضَا الرَّبِّ ﵎ فِي رِضَا الْوَالِدَيْنِ وَسُخْطُ الرَّبِّ ﵎ فِي سُخْطِ الْوَالِدَيْنِ» ".
[ ٧ / ٣٠٨٩ ]
٤٩٢٨ - «وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ - ﵁ - أَنَّ رَجُلًا أَتَاهُ، فَقَالَ: إِنَّ لِي امْرَأَةً وَإِنَّ أُمِّي تَأْمُرُنِي بِطَلَاقِهَا، فَقَالَ لَهُ أَبُو الدَّرْدَاءِ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يَقُولُ: " الْوَالِدُ أَوْسَطُ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ، فَإِنْ شِئْتَ فَحَافِظْ عَلَى الْبَابِ أَوْ ضَيِّعْ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ.
_________________
(١) (وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ)، كَانَ حَقُّ الْمُؤَلِّفِ أَنَّهُ يَذْكُرُ التَّابِعِيَّ لِتَسْتَقِيمَ رِوَايَتُهُ (أَنَّ رَجُلًا أَتَاهُ) أَيْ: أَبَا الدَّرْدَاءِ (فَقَالَ: «إِنَّ لِي امْرَأَةً وَإِنَّ أُمِّي تَأْمُرُنِي بِطَلَاقِهَا، فَقَالَ لَهُ أَبُو الدَّرْدَاءِ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يَقُولُ: الْوَالِدُ أَوْسَطُ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ») قَالَ الْقَاضِي أَيْ: خَيْرُ الْأَبْوَابِ وَأَعْلَاهَا، وَالْمَعْنَى: أَنَّ أَحْسَنَ مَا يُتَوَسَّلُ بِهِ إِلَى دُخُولِ الْجَنَّةِ، وَيُتَوَصَّلُ بِهِ إِلَى وُصُولِ دَرَجَتِهَا الْعَالِيَةِ مُطَاوَعَةُ الْوَالِدِ وَمُرَاعَاةُ جَانِبِهِ. وَقَالَ غَيْرُهُ: إِنَّ لِلْجَنَّةِ أَبْوَابًا وَأَحْسَنُهَا دُخُولًا أَوْسَطُهَا، وَإِنَّ سَبَبَ دُخُولِ ذَلِكَ الْبَابِ الْأَوْسَطِ هُوَ مُحَافَظَةُ حُقُوقِ الْوَالِدِ. اهـ. فَالْمُرَادُ بِالْوَالِدِ الْجِنْسُ، أَوْ إِذَا كَانَ حُكْمُ الْوَالِدِ هَذَا فَحُكْمُ الْوَالِدَةِ أَقْوَى وَبِالِاعْتِبَارِ أَوْلَى. («فَإِنْ شِئْتَ فَحَافِظْ عَلَى الْبَابِ») أَيْ: دَاوِمْ عَلَى تَحْصِيلِهِ (أَوْ ضَيِّعْ): حُصُولَ الْبَابِ بِتَرْكِ الْمُحَافَظَةِ عَلَيْهِ، وَهَذَا كَلَامُ أَبِي الدَّرْدَاءِ، وَالْمَعْنَى: فَاخْتَرْ خَيْرَهُمَا (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ)، وَكَذَا ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ، وَأَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ وَالْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ وَصَحَّحَهُ وَأَقَرَّهُ الذَّهَبِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِهِ وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ، نَقَلَهُ مِيرَكُ عَنِ التَّصْحِيحِ، وَقَالَ الْمُنْذِرِيُّ: رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُ وَاللَّفْظُ لَهُ وَقَالَ: رُبَّمَا قَالَ سُفْيَانُ أَنَّ أُمِّي، أَوْ رُبَّمَا قَالَ أَبِي قَالَ: وَهَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ، وَلَفْظُهُ: «أَنَّ رَجُلًا أَتَى أَبَا الدَّرْدَاءِ فَقَالَ: إِنَّ أَبِي لَمْ يَزَلْ حَتَّى زَوَّجَنِي وَإِنَّهُ الْآنَ يَأْمُرُنِي بِطَلَاقِهَا. قَالَ: مَا أَنَا بِالَّذِي آمُرُكَ أَنْ تَعُقَّ وَالِدَكَ، وَلَا بِالَّذِي آمُرُكَ أَنْ تُطَلِّقَ امْرَأَتَكَ، غَيْرَ أَنَّكَ إِنْ شِئْتَ حَدَّثْتُكَ مَا سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - سَمِعْتُهُ يَقُولُ: " الْوَالِدُ أَوْسَطُ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ فَحَافِظْ عَلَى ذَلِكَ إِنْ شِئْتَ أَوْ دَعْ» . قَالَ فَأَحْسُبُ عَطَاءَ قَالَ فَطَلَّقَهَا. قُلْتُ: وَسَيَأْتِي فِي الْفَصْلِ الثَّالِثِ «أَنَّهُ - ﷺ - قَالَ لِابْنِ عُمَرَ: " طَلِّقْهَا " ; لِأَنَّ عُمَرَ كَانَ يَكْرَهُهَا» . وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: " «الْوَالِدُ أَوْسَطُ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ» " رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَالْحَاكِمُ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ.
[ ٧ / ٣٠٨٩ ]
٤٩٢٩ - «وَعَنْ بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ - ﵁ - قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ أَبَرُّ؟ قَالَ: " أُمَّكَ " قُلْتُ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: " أُمَّكَ "، قُلْتُ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: " أُمَّكَ ". قُلْتُ: ثُمَّ مَنْ قَالَ: " أَبَاكَ، ثُمَّ الْأَقْرَبَ فَالْأَقْرَبَ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ.
_________________
(١) (وَعَنْ بَهْزِ): بِفَتْحِ مُوَحَّدَةٍ وَسُكُونِ هَاءٍ فَزَايٍ (بْنِ حَكِيمٍ)، أَيْ: ابْنِ مُعَاوِيَةَ بْنِ حَيْدَةَ الْقُشَيْرِيِّ الْبَصْرِيِّ، قَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيهِ، وَقَدْ رَوَى عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ، وَلَمْ يُخْرِجِ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ فِي صَحِيحَيْهِمَا شَيْئًا لَهُ، وَقَالَ ابْنُ عُدَيٍّ: لَمْ أَرَ لَهُ حَدِيثًا مُنْكَرًا. ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ فِي فَصْلِ التَّابِعِينَ. (عَنْ أَبِيهِ)، أَيْ: حَكِيمٍ. قَالَ الْمُؤَلِّفُ: أَعْرَابِيٌّ حَسَنُ الْحَدِيثِ، رَوَى عَنْ أَبِيهِ، وَسَمِعَ مِنْهُ ابْنُهُ بِهْزٌ وَالْجَزَرِيُّ. (عَنْ جَدِّهِ)، أَيْ: جَدُ بَهْزٍ وَهُوَ مُعَاوِيَةُ بْنُ حَيْدَةَ لَمْ يَذْكُرْهُ الْمُؤَلِّفُ لَا فِي الصَّحَابَةِ وَلَا فِي التَّابِعِينَ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ صَحَابِيٌّ
[ ٧ / ٣٠٨٩ ]
(«قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَنْ أَبَرُّ؟») بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ عَلَى صِيغَةِ الْمُتَكَلِّمِ أَيْ: مَنْ أُحْسِنُ إِلَيْهِ وَمَنْ أَصِلُهُ (قَالَ: أَمَّكَ): بِالنَّصْبِ أَيْ: بَرَّ أُمَّكَ وَصِلْهَا أَوَّلًا («قُلْتُ: ثُمَّ مَنْ؟») أَيْ: أَبَرُّ («قَالَ: أُمَّكَ، قُلْتُ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: أُمَّكَ»): وَتَقَدَّمَتْ حِكْمَةُ هَذَا الْحُكْمِ («قُلْتُ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: أَبَاكَ، ثُمَّ الْأَقْرَبَ فَالْأَقْرَبَ») أَيْ: إِلَى آخِرِ ذَوِي الْأَرْحَامِ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ)، وَفِي التَّصْحِيحِ أَنَّ اللَّفْظَ لِلتِّرْمِذِيِّ وَقَالَ: حَسَنٌ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ: حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ بِلَفْظِ: مَنْ أَبَرُّ؟ قَالَ: " «أُمَّكَ، ثُمَّ أُمَّكَ، ثُمَّ أُمَّكَ، ثُمَّ أَبَاكَ، ثُمَّ الْأَقْرَبَ فَالْأَقْرَبَ» ". وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ وَقَالَ: صَحِيحٌ. وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: " «أُمَّكَ، ثُمَّ أُمَّكَ، ثُمَّ أُمَّكَ، ثُمَّ أَبَاكَ، ثُمَّ الْأَقْرَبَ فَالْأَقْرَبَ» ". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالْحَاكِمُ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ حَيْدَةَ، وَابْنُ مَاجَهْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قُلْتُ: وَتَقَدَّمَ الْحَدِيثُ الْمُتَّفَقُ عَلَيْهِ فِي هَذَا الْمَعْنَى أَوَّلَ الْبَابِ.
[ ٧ / ٣٠٩٠ ]
٤٩٣٠ - وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ - ﵁ - قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يَقُولُ: " «قَالَ اللَّهُ ﵎: أَنَا اللَّهُ، وَأَنَا الرَّحْمَنُ، خَلَقْتُ الرَّحِمَ وَشَقَقْتُ لَهَا مِنِ اسْمِي، فَمَنْ وَصَلَهَا وَصَلْتُهُ، وَمَنْ قَطَعَهَا بَتَتُّهُ» ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
_________________
(١) (وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ - ﵁ -) أَحَدِ الْعَشْرَةِ الْمُبَشَّرَةِ (قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يَقُولُ: (قَالَ اللَّهُ ﵎: أَنَا اللَّهُ) أَيِ: الْمَعْبُودُ الْوَاجِبُ الْوُجُودِ، وَكَانَ هَذَا تَوْطِئَةً لِلْكَلَامِ ; حَيْثُ ذَكَرَ الْعِلْمَ الْخَاصَّ، ثُمَّ ذَكَرَ الْوَصْفَ الْمُشْتَقَّ مِنْ مَادَّةِ الرَّحِمِ فَقَالَ: (وَأَنَا الرَّحْمَنُ)، أَيِ: الْمُتَّصِفُ بِهَذِهِ الصِّفَةِ (خَلَقْتُ الرَّحِمَ) أَيْ: قَدَّرْتُهَا أَوْ صَوَّرْتُهَا مُجَسَّدَةً (وَشَقَقْتُ) أَيْ: أَخْرَجْتُ وَأَخَذْتُ اسْمَهَا (لَهَا) أَيْ: لِلرَّحِمِ (مِنِ اسْمِي)، أَيِ: الرَّحْمَنُ، وَفِيهِ إِيمَاءٌ إِلَى أَنَّ الْمُنَاسَبَةَ الِاسْمِيَّةَ وَاجِبَةُ الرِّعَايَةِ فِي الْجُمْلَةِ، وَإِنْ كَانَ الْمَعْنَى عَلَى أَنَّهَا أَثَرٌ مِنْ آثَارِ رَحْمَةِ الرَّحْمَنِ، وَيَتَعَيَّنُ عَلَى الْمُؤْمِنَ التَّخَلُّقُ بِأَخْلَاقِ اللَّهِ تَعَالَى، وَالتَّعَلُّقُ بِأَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ وَلِذَا قَالَ: (فَمَنْ وَصَلَهَا وَصَلْتُهُ)، أَيْ: إِلَى رَحْمَتِي أَوْ مَحَلِّ كَرَامَتِي (وَمَنْ قَطَعَهَا بَتَتُّهُ) بِتَشْدِيدِ الْفَوْقِيَّةِ الثَّانِيَةِ أَيْ: قَطَعْتُهُ مِنْ رَحْمَتِي الْخَاصَّةِ (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) . وَكَذَا التِّرْمِذِيُّ، وَكِلَاهُمَا مِنْ رِوَايَةِ أَبِي سَلَمَةَ عَنْهُ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ صَحِيحٌ: قَالَ الْمُنْذِرِيُّ: فِي تَصْحِيحِهِ لَهُ نَظَرٌ، فَإِنَّ أَبَا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - شَيْئًا، قَالَهُ ابْنُ مَعِينٍ وَغَيْرُهُ، نَقَلَهُ مِيرَكُ، وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ بِلَفْظِ: " «قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: أَنَا الرَّحْمَنُ، أَنَا خَلَقْتُ الرَّحِمَ، وَشَقَقْتُ لَهَا اسْمًا مِنِ اسْمِي، فَمَنْ وَصَلَهَا وَصَلْتُهُ، وَمَنْ قَطَعَهَا قَطَعْتُهُ، وَمَنْ بَتَّهَا بَتَتُّهُ» "، فَهُوَ لِلتَّأْكِيدِ، وَالْمُرَادُ بِالْبَتِّ الْقَطْعُ الْكُلِّيُّ، وَمِنْهُ طَلَاقُ الْبَتِّ، وَكَذَا قَوْلُهُمُ الْبَتَّةَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْبُخَارِيُّ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ، وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالْحَاكِمُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وَالْحَاكِمُ أَيْضًا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ.
[ ٧ / ٣٠٩٠ ]
٤٩٣١ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى - ﵄ - قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يَقُولُ: " «لَا تَنْزِلُ الرَّحْمَةُ عَلَى قَوْمٍ فِيهِمْ قَاطِعُ الرَّحِمِ» " رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي " شُعَبِ الْإِيمَانِ ".
_________________
(١) (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى): جَهْنِيٌّ أَنْصَارِيٌّ شَهِدَ أُحُدًا وَمَا بَعْدَهَا (قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يَقُولُ: لَا تَنْزِلُ الرَّحْمَةُ) بِصِيغَةِ الْفَاعِلِ (عَلَى قَوْمٍ فِيهِمْ)، وَفِي نُسْخَةٍ فِيهِ وَأَفْرَدَهُ بِاعْتِبَارِ لَفْظِ الْقَوْمِ (قَاطِعُ رَحِمٍ) قَالَ التُّوورِبِشْتِيُّ: يَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَرَادَ بِالْقَوْمِ الَّذِينَ يُسَاعِدُونَهُ عَلَى قَطِيعَةِ الرَّحِمِ وَلَا يُنْكِرُونَ عَلَيْهِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ بِالرَّحْمَةِ الْمَطَرُ أَيْ: يُحْبَسُ عَنْهُمُ الْمَطَرُ بِشُؤْمِ الْقَاطِعِ (رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ) .
[ ٧ / ٣٠٩٠ ]
٤٩٣٢ - وَعَنْ أَبِي بَكْرَةَ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: " «مَا مِنْ ذَنْبٍ أَحْرَى أَنْ يُعَجِّلَ اللَّهُ لِصَاحِبِهِ الْعُقُوبَةَ فِي الدُّنْيَا، مَعَ مَا يَدَّخِرُ لَهُ فِي الْآخِرَةِ، مِنَ الْبَغْيِ وَقَطِيعَةِ الرَّحِمِ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ.
_________________
(١) (وَعَنْ أَبِي بَكْرَةَ) أَيِ: الثَّقَفِيِّ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: مَا مِنْ ذَنْبٍ) " مَا " نَافِيَةٌ، وَمِنْ زَائِدَةٌ لِلِاسْتِغْرَاقِ (أَحْرَى) أَيْ: أَحَقُّ وَأَوْلَى (أَنْ يُعَجِّلَ اللَّهُ) صِلَةُ أَحْرَى عَلَى تَقْدِيرِ الْبَاءِ أَيْ: بِتَعْجِيلِهِ سُبْحَانَهُ (لِصَاحِبِهِ) أَيْ: لِمُرْتَكِبِ الذَّنْبِ (الْعُقُوبَةَ) مَفْعُولُ يُعَجِّلُ وَظَرْفُهُ قَوْلُهُ: (فِي الدُّنْيَا، مَعَ مَا يَدَّخِرُ) بِتَشْدِيدِ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ: مَعَ مَا يُؤَجِّلُ مِنَ الْعُقُوبَةِ (لَهُ) أَيْ: لِصَاحِبِ الذَّنْبِ (فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْبَغْيِ) أَيْ: مِنْ بَغْيِ الْبَاغِي، وَهُوَ الظُّلْمُ أَوِ الْخُرُوجُ عَلَى السُّلْطَانِ أَوِ الْكِبْرُ، وَ(مِنْ) تَفْصِيلِيَّةٌ (وَقَطِيعَةِ الرَّحِمِ) أَيْ: وَمِنْ قَطْعِ صِلَةِ ذَوِي الْأَرْحَامِ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ) قَالَ مِيرَكُ: وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ وَقَالَ: صَحِيحُ الْإِسْنَادِ. اهـ. وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالْبُخَارِيُّ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَابْنُ حِبَّانَ، وَالْحَاكِمُ، عَنْ أَبِي بَكْرَةَ. وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ عَنْهُ أَيْضًا وَلَفْظُهُ: " «مَا مِنْ ذَنْبٍ أَجْدَرُ أَنْ يُعَجِّلَ اللَّهُ تَعَالَى لِصَاحِبِهِ الْعُقُوبَةَ فِي الدُّنْيَا مَعَ مَا يَدَّخِرُ لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ قَطِيعَةِ الرَّحِمِ وَالْخِيَانَةِ وَالْكَذِبِ، وَإِنَّ أَعْجَلَ الطَّاعَةِ ثَوَابًا صِلَةُ الرَّحِمِ، حَتَّى إِنَّ أَهْلَ الْبَيْتِ لَيَكُونُوا فَجَرَةً فَتَنْمُو أَمْوَالُهُمْ، وَيَكْثُرُ عَدَدُهُمْ إِذَا تَوَاصَلُوا» ".
[ ٧ / ٣٠٩١ ]
٤٩٣٣ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو - ﵄ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: " «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنَّانٌ، وَلَا عَاقٌّ، وَلَا مُدْمِنُ خَمْرٍ» ". رَوَاهُ النَّسَائِيُّ، وَالدَّارِمِيُّ.
_________________
(١) (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو) بِالْوَاوِ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنَّانٌ»)، قِيلَ: هُوَ مِنَ الْمِنَّةِ أَيْ: مَنْ يَمُنُّ عَلَى النَّاسِ بِمَا يُعْطِيهِمْ وَذَلِكَ مَذْمُومٌ. قَالَ تَعَالَى: ﴿لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى﴾ [البقرة: ٢٦٤]، وَقِيلَ: مِنَ الْمَنِّ بِمَعْنَى الْقَطْعِ. قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ﴾ [القلم: ٣]، وَمِنْهُ الْمَنِيَّةُ أَيْ: قَاطِعُ الرَّحِمِ، وَقَاطِعُ الطَّرِيقِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الصِّيغَةَ لِلنِّسْبَةِ أَيْ: صَاحِبُ الْمَنِّ (وَلَا عَاقٌّ)، أَيْ: عَاصٍ بِأَحَدِ وَالِدَيْهِ (وَلَا مُدْمِنُ خَمْرٍ) أَيْ: شَارِبُهُمَا مِنْ غَيْرِ تَوْبَةٍ، وَأَمَّا مَا قِيلَ مِنْ أَنَّ الْمَعْنَى: مَنْ يُدَاوِمُ عَلَى شُرْبِ الْخَمْرِ فَلَهُ مَفْهُومٌ غَيْرُ صَحِيحٍ. قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: مَحْمَلُ هَذَا أَنَّهُ لَا يَدْخُلُ مَعَ الْفَائِزِينَ، أَوْ لَا يَدْخُلُ حَتَّى يُعَاقَبَ بِمَا اجْتَرَحَهُ مِنَ الْإِثْمِ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْأَعْمَالِ الثَّلَاثَةِ، قُلْتُ: لَا بُدَّ مِنْ تَقْيِيدِهِ بِالْمَشِيئَةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨]، أَيْ: بِشَفَاعَةٍ أَوْ بِغَيْرِهَا. (رَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَالدَّارِمِيُّ) .
[ ٧ / ٣٠٩١ ]
٤٩٣٤ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: " «تَعَلَّمُوا مِنْ أَنْسَابِكُمْ مَا تَصِلُونَ بِهِ أَرْحَامَكُمْ، فَإِنَّ صِلَةَ الرَّحِمِ مَحَبَّةٌ فِي الْأَهْلِ مَثْرَاةٌ فِي الْمَالِ، مَنْسَأَةٌ فِي الْأَثَرِ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ.
_________________
(١) (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: تَعَلَّمُوا مِنْ أَنْسَابِكُمْ) أَيْ: مِنْ أَسْمَاءِ آبَائِكُمْ وَأَجْدَادِكُمْ وَأَعْمَامِكُمْ وَأَخْوَالِكُمْ وَسَائِرِ أَقَارِبِكُمْ (مَا) أَيْ: قَدْرُ مَا (تَصِلُونَ بِهِ أَرْحَامَكُمْ)، وَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ الصِّلَةَ تَتَعَلَّقُ بِذَوِي الْأَرْحَامِ كُلِّهَا لَا بِالْوَالِدَيْنِ فَقَطْ، كَمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْبَعْضُ عَلَى مَا سَبَقَ، وَالْمَعْنَى: تَعَرَّفُوا أَقَارِبَكُمْ مِنْ ذَوِي الْأَرْحَامِ لِيُمْكِنَكُمْ صِلَةَ الرَّحِمِ، وَهِيَ التَّقَرُّبُ لَدَيْهِمْ وَالشَّفَقَةُ عَلَيْهِمْ وَالْإِحْسَانُ إِلَيْهِمْ (فَإِنَّ صِلَةَ الرَّحِمِ مَحَبَّةٌ): بِفَتَحَاتٍ وَتَشْدِيدِ مُوَحَّدَةٍ مَفْعَلَةٌ مِنَ الْحُبِّ مَصْدَرِ الْمَبْنِيِّ لِلْمَفْعُولِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِكَسْرِ الْحَاءِ أَيْ: مَظِنَّةٌ لِلْحُبِّ وَسَبَبٌ لِلْوُدِّ (فِي الْأَهْلِ) أَيْ: فِي أَهْلِ الرَّحِمِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِضَمِّ الْمِيمِ، فَفِي الْقَامُوسِ: أَحَبَّهُ، وَهُوَ مَحْبُوبٌ عَلَى غَيْرِ قِيَاسٍ، وَمُحِبُّ قَلِيلٌ، وَحَبَبْتُهُ أَحِبُّهُ بِالْكَسْرِ شَاذٌّ، وَحَبُبْتُ إِلَيْهِ كَكَرُمَ: صِرْتَ حَبِيبًا
[ ٧ / ٣٠٩١ ]
(مَثْرَاةٌ فِي الْمَالِ)، أَيْ: سَبَبٌ لِكَثْرَةِ الْمَالِ وَهُوَ خَبَرٌ ثَانٍ، وَفِي النِّهَايَةِ: هِيَ مَفْعَلَةٌ مِنَ الثَّرَى وَهُوَ الْكَثْرَةُ (مَنْسَأَةٌ): بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ مَفْعَلَةٌ مِنَ النُّسَأِ وَهُوَ التَّأْخِيرُ (فِي الْأَثَرِ) بِفَتْحَتَيْنِ أَيِ: الْأَجَلُ، وَالْمَعْنَى: أَيُّ سَبَبٍ لِتَأْخِيرِ الْأَجَلِ وَمُوجِبٍ لِزِيَادَةِ الْعُمُرِ، وَقِيلَ: بَاعِثُ دَوَامٍ وَاسْتِمْرَارٍ فِي النَّسْلِ، وَالْمَعْنَى: أَنَّ يُمْنَ الصِّلَةِ يُفْضِي إِلَى ذَلِكَ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ) أَيْ: مِنْ هَذَا الْوَجْهِ عَلَى مَا فِي الْجَامِعِ، وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ وَقَالَ: صَحِيحٌ، ذَكَرَهُ مِيرَكُ.
[ ٧ / ٣٠٩٢ ]
٤٩٣٥ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ - ﵄ - «أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ - ﷺ - فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي أَصَبْتُ ذَنْبًا عَظِيمًا، فَهَلْ لِي مِنْ تَوْبَةٍ؟ قَالَ: " هَلْ لَكَ مِنْ أُمٍّ؟ " قَالَ: لَا قَالَ: " وَهَلْ لَكَ مِنْ خَالَةٍ؟ " قَالَ: نَعَمْ قَالَ: " فَبِرَّهَا» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
_________________
(١) (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ - ﷺ - فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي أَصَبْتُ) أَيْ: فَعَلْتُ (ذَنْبًا عَظِيمًا) أَيْ: قَوْلِيًّا أَوْ فِعْلِيًّا (فَهَلْ لِي مِنْ تَوْبَةٍ؟) أَيْ: رَجْعَةٍ بِطَاعَةٍ فِعْلِيَّةٍ بَعْدَ النَّدَامَةِ الْقَلْبِيَّةِ تَدَارُكًا لِلْمَعْصِيَةِ الْعَظِيمَةِ (قَالَ: هَلْ لَكَ مِنْ أُمٍّ؟) أَيْ: أَلَكَ أُمٌّ فَـ (مِنْ) زَائِدَةٌ (قَالَ: لَا قَالَ: وَهَلْ لَكَ مِنْ خَالَةٍ؟) يُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ " مِنْ " زَائِدَةً أَوْ تَبْعِيضِيَّةً (قَالَ: نَعَمْ قَالَ: فَبَرَّهَا): بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ أَمْرٌ مِنْ بَرِرْتُ فُلَانًا بِالْكَسْرِ أَبَرُّهُ بِالْفَتْحِ، أَيْ: أَحْسَنْتُ إِلَيْهِ، فَأَنَا بَارٌّ بِهِ وَبَرٌّ بِهِ، وَالْمَعْنَى: أَنَّ صِلَةَ الرَّحِمِ مِنْ جُمْلَةِ الْحَسَنَاتِ الَّتِي تُذْهِبِ السَّيِّئَاتِ، أَوْ تَقُومُ مَقَامَهَا مِنَ الطَّاعَاتِ، وَهُوَ أَحَدُ مَعانِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ [الفرقان: ٧٠] قَالَ الْمُظْهِرُ: يَجُوزُ أَنَّهُ أَرَادَ عَظِيمًا عِنْدِي ; لِأَنَّ عِصْيَانَ اللَّهِ تَعَالَى عَظِيمٌ وَإِنْ كَانَ الذَّنْبُ صَغِيرًا، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ذَنْبُهُ كَانَ عَظِيمًا مِنَ الْكَبَائِرِ، وَأَنَّ هَذَا النَّوْعَ مِنَ الْبِرِّ يَكُونُ مُكَفِّرًا لَهُ، وَكَانَ مَخْصُوصًا بِذَلِكَ الرَّجُلِ عَلِمَهُ النَّبِيُّ - ﷺ - مِنْ طَرِيقِ الْوَحْيِ. اهـ. وَتَبِعَهُ ابْنُ الْمَلَكِ وَفِيهِ أَنَّهُ لَا دَلَالَةَ عَلَى أَنَّ الرَّجُلَ مُصِرٌّ غَيْرُ تَائِبٍ مِنْ ذَلِكَ الذَّنْبِ لِيَكُونَ مِنْ خُصُوصِيَّاتِهِ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) .
[ ٧ / ٣٠٩٢ ]
٤٩٣٦ - وَعَنْ أَبِي أُسَيْدٍ السَّاعِدِيِّ - ﵁ - قَالَ: «بَيْنَا نَحْنُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - إِذْ جَاءَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي سَلَمَةَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلْ بَقِيَ مِنْ بِرِّ أَبَوَيَّ أَبَرُّهُمَا بِهِ بَعْدَ مَوْتِهِمَا؟ قَالَ: " نَعَمْ، الصَّلَاةُ عَلَيْهِمَا، وَالِاسْتِغْفَارُ لَهُمَا، وَإِنْفَاذُ عَهْدِهِمَا مِنْ بَعْدِهِمَا، وَصِلَةُ الرَّحِمِ الَّتِي لَا تُوصَلُ إِلَّا بِهِمَا، وَإِكْرَامُ صَدِيقِهِمَا» ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ.
_________________
(١) (وَعَنْ أَبِي أُسَيْدٍ): بِالتَّصْغِيرِ (السَّاعِدِيِّ): قَالَ الْمُؤَلِّفُ: أَنْصَارِيٌّ، شَهِدَ الْمَشَاهِدَ كُلَّهَا، رَوَى عَنْهُ خَلْقٌ كَثِيرٌ، مَاتَ سَنَةَ سِتِّينَ، وَلَهُ ثَمَانٍ وَسَبْعُونَ سَنَةً بَعْدَ أَنْ ذَهَبَ بَصَرُهُ، وَهُوَ آخِرُ مَنْ مَاتَ مِنَ الْبَدْرِيِّينَ. (قَالَ: بَيْنَا نَحْنُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - إِذْ جَاءَهُ رَجُلٌ مِنْ بَنِي سَلِمَةَ) بِكَسْرِ اللَّامِ بَطْنٌ مِنَ الْأَنْصَارِ لَيْسَ فِي الْعَرَبِ سَلِمَةُ غَيْرَهُمْ (قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلْ بَقِيَ مِنْ بِرِّ أَبَوِيَّ) أَيْ: وَالِدَيَّ وَفِيهِ تَغْلِيبٌ (شَيْءٌ) أَيْ: مِنَ الْبِرِّ (أَبَرُّهُمَا) بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ أَيْ: أَصِلُهُمَا وَأُحْسِنُ إِلَيْهِمَا (بِهِ) أَيْ: بِذَلِكَ الشَّيْءِ مِنَ الْبِرِّ الْبَاقِي (بَعْدَ مَوْتِهِمَا؟ قَالَ: نَعَمِ الصَّلَاةُ عَلَيْهِمَا)، أَيِ: الدُّعَاءُ وَمِنْهُ صَلَاةُ الْجِنَازَةِ (وَالِاسْتِغْفَارُ) أَيْ: طَلَبُ الْمَغْفِرَةِ (لَهُمَا) وَهُوَ تَخْصِيصٌ بَعْدَ تَعْمِيمٍ (وَإِنْفَاذُ عَهْدِهِمَا) أَيْ: إِمْضَاءُ وَصِيَّتِهِمَا (مِنْ بَعْدِهِمَا)، أَيْ: مِنْ بَعْدِ مَوْتِهِمَا وَلَوْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمَا (وَصِلَةُ الرَّحِمِ) أَيْ: وَإِحْسَانُ الْأَقَارِبِ (الَّتِي لَا تُوصَلُ إِلَّا بِهِمَا وَإِكْرَامُ صَدِيقِهِمَا) أَيْ: تَتَعَلَّقُ بِالْأَبِ وَالْأُمِّ، فَالْمَوْصُولُ صِفَةٌ كَاشِفَةٌ لِلرَّحِمِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: الْمَوْصُولُ لَيْسَ بِصِفَةٍ لِلْمُضَافِ إِلَيْهِ، بَلْ لِلْمُضَافِ أَيِ: الصِّلَةُ الْمَوْصُوفَةُ، فَإِنَّهَا خَالِصَةٌ بِحَقِّهِمَا وَأَضَافَهُمَا لَا لِأَمْرٍ آخَرَ وَنَحْوِهِ. قُلْتُ: يَرْجِعُ الْمَعْنَى إِلَى الْأَوَّلِ فَتَدَبَّرْ وَتَأَمَّلْ، وَأَمَّا اعْتِبَارُ خُلُوصِ النِّيَّةِ وَتَصْحِيحِ الطَّوِيَّةِ فَمُعْتَبَرٌ فِي كُلِّ قَضِيَّةٍ غَيْرُ مُنْحَصِرٍ فِي جُزْئِيَّةٍ مَعَ أَنَّ مَا ذَكَرَهُ مُضَافٌ لِمَا نَقَلَهُ عَنِ الْإِمَامِ فِي الْإِحْيَاءِ، وَأَنَّ الْعِبَادَ أُمِرُوا بِأَنْ لَا يَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ، وَلَا يُرِيدُوا بِطَاعَتِهِمْ غَيْرَهُ، وَكَذَلِكَ مَنْ يَخْدِمُ أَبَوَيْهِ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَخْدِمَ لِطَلَبِ مَنْزِلَةٍ عِنْدَهُمَا إِلَّا مِنْ حَيْثُ أَنَّ رِضَا اللَّهِ فِي رِضَا الْوَالِدَيْنِ، وَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُرَائِيَ بِطَاعَتِهِ لِيَنَالَ بِهَا مَنْزِلَةً عِنْدَ الْوَالِدَيْنِ، فَإِنَّ ذَلِكَ مَعْصِيَةٌ فِي الْحَالِ، وَسَيَكْشِفُ اللَّهُ عَنْ رِيَائِهِ فَتَسْقُطُ مَنْزِلَتُهُ مِنْ قَلْبِهِمَا أَيْضًا. اهـ. فَنَقْلُهُ كَلَامَ الْحُجَّةِ حُجَّةٌ عَلَيْهِ لَا عَلَيْنَا. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ) .
[ ٧ / ٣٠٩٢ ]
٤٩٣٧ - وَعَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ - ﵁ - قَالَ: «رَأَيْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - يَقْسِمُ لَحْمًا بِالْجِعْرَانَةِ إِذْ أَقْبَلَتِ امْرَأَةٌ حَتَّى دَنَتْ إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ - فَبَسَطَ لَهَا رِدَاءَهُ، فَجَلَسَتْ عَلَيْهِ. فَقُلْتُ مَنْ هِيَ؟، فَقَالُوا: هِيَ أُمُّهُ الَّتِي أَرْضَعَتْهُ.» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
_________________
(١) (وَعَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ): بِالتَّصْغِيرِ وَهُوَ آخِرُ مَنْ مَاتَ مِنَ الصَّحَابَةِ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ (قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - يَقْسِمُ لَحْمًا بِالْجِعْرَانَةِ): بِكَسْرِ جِيمٍ فَسُكُونِ عَيْنٍ وَتَخْفِيفِ رَاءٍ، وَقَدْ يُكْسَرُ وَيُشَدَّدُ الرَّاءُ عَلَى مَا فِي بَعْضِ النُّسَخِ (إِذْ أَقْبَلَتِ امْرَأَةٌ) وَهِيَ حَلِيمَةٌ (حَتَّى دَنَتْ) أَيْ: قَرُبَتْ (إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ - بَسَطَ لَهَا رِدَاءَهُ، فَجَلَسَتْ عَلَيْهِ) إِمَّا لِعَدَمِ التَّكَلُّفِ عَلَى مَا هُوَ دَأْبُ الْعَرَبِ أَوْ لِوُجُودِ أَمْرٍ هُنَاكَ. قِيلَ: فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى وُجُوبِ رِعَايَةِ الْحُقُوقِ الْقَدِيمَةِ، وَلُزُومِ إِكْرَامِ مَنْ لَهُ صُحْبَةٌ سَابِقَةٌ (فَقُلْتُ) أَيْ: لِبَعْضِهِمْ (مَنْ هِيَ؟ فَقَالُوا: هَذِهِ) وَفِي نُسْخَةٍ: هِيَ (أُمُّهُ الَّتِي أَرْضَعَتْهُ) فِي الْمَوَاهِبِ اللَّدُنِّيَّةِ، أَمَّا أُمُّهُ فِي الرَّضَاعَةِ، فَحَلِيمَةُ بِنْتُ أَبِي ذُؤَيْبٍ مِنْ هَوَازِنَ، وَهِيَ الَّتِي أَرْضَعَتْهُ حَتَّى أَكْمَلَتْ رِضَاعَهُ، وَجَاءَتْهُ ﵇ يَوْمَ حُنَيْنٍ فَقَامَ إِلَيْهَا وَبَسَطَ رِدَاءَهُ لَهَا، فَجَلَسَتْ عَلَيْهِ، وَكَذَا ثُوَيْبَةُ جَارِيَةُ أَبِي لَهَبٍ أَيْضًا، وَاخْتُلِفَ فِي إِسْلَامِهَا، كَمَا اخْتُلِفَ فِي إِسْلَامِ حَلِيمَةَ وَزَوْجِهَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَكَانَتْ ثُوَيْبَةُ تَدْخُلُ عَلَيْهِ - ﷺ - بَعْدَ أَنْ تَزَوَّجَ خَدِيجَةَ، فَكَانَتْ تُكْرِمُهَا، وَأَعْتَقَهَا أَبُو لَهَبٍ، وَكَانَ ﵇ يَبْعَثُ إِلَيْهَا مِنَ الْمَدِينَةِ بِكِسْوَةٍ وَصِلَةٍ حَتَّى مَاتَتْ بَعْدَ فَتْحِ خَيْبَرَ. ذَكَرَهُ أَبُو عَمْرٍو. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) .
[ ٧ / ٣٠٩٣ ]
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
٤٩٣٨ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ - ﵄ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «بَيْنَمَا ثَلَاثَةُ نَفَرٍ يَتَمَاشَوْنَ أَخَذَهُمُ الْمَطَرُ، فَمَالُوا إِلَى غَارٍ فِي الْجَبَلِ، فَانْحَطَّتْ عَلَى فَمِ غَارِهِمْ صَخْرَةٌ مِنَ الْجَبَلِ، فَأَطْبَقَتْ عَلَيْهِمْ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: انْظُرُوا أَعْمَالًا عَمِلْتُمُوهَا لِلَّهِ صَالِحَةً، فَادْعُوا اللَّهَ بِهَا لَعَلَّهُ يُفَرِّجُهَا، فَقَالَ أَحَدُهُمْ: اللَّهُمَّ إِنَّهُ كَانَ لِي وَالِدَانِ شَيْخَانِ كَبِيرَانِ، وَلِي صِبْيَةٌ صِغَارٌ كُنْتُ أَرْعَى عَلَيْهِمْ، فَإِذَا رُحْتُ عَلَيْهِمْ فَحَلَبْتُ بَدَأْتُ بِوَالِدَيَّ أَسْقِيهِمَا قَبْلَ وَلَدِي، وَإِنَّهُ قَدْ نَأَى بِي الشَّجَرُ، فَمَا أَتَيْتُ حَتَّى أَمْسَيْتُ، فَوَجَدْتُهُمَا قَدْ نَامَا، فَحَلَبْتُ كَمَا كُنْتُ أَحْلُبُ، فَجِئْتُ بِالْحِلَابِ، فَقُمْتُ عِنْدَ رُؤُوسِهِمَا أَكْرَهُ أَنْ أُوقِظَهُمَا، وَأَكْرَهُ أَنْ أَبْدَأَ بِالصِّبْيَةِ قَبْلَهُمَا وَالصِّبْيَةُ يَتَضَاغَوْنَ عِنْدَ قَدَمَيَّ، فَلَمْ يَزَلْ ذَلِكَ دَأْبِي وَدَأْبَهُمْ حَتَّى طَلَعَ الْفَجْرُ، فَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ، فَافْرُجْ لَنَا فُرْجَةً نَرَى مِنْهَا السَّمَاءَ. فَفَرَجَ اللَّهُ لَهُمْ حَتَّى يَرَوْنَ السَّمَاءَ. قَالَ الثَّانِي: إِنَّهُ كَانَتْ لِي بِنْتُ عَمٍّ أُحِبُّهَا كَأَشَدِّ مَا يُحِبُّ الرِّجَالُ النِّسَاءَ، فَطَلَبْتُ إِلَيْهَا نَفْسَهَا، فَأَبَتْ حَتَّى آتِيَهَا بِمِائَةِ دِينَارٍ، فَسَعَيْتُ حَتَّى جَمَعْتُ مِائَةَ دِينَارٍ، فَلَقِيتُهَا، فَلَمَّا قَعَدْتُ بَيْنَ رِجْلَيْهَا، قَالَتْ: يَا عَبْدَ اللَّهِ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تَفْتَحِ الْخَاتَمَ، فَقُمْتُ عَنْهَا. اللَّهُمَّ فَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ، فَافْرُجْ لَنَا مِنْهَا، فَفَرَجَ لَهُمْ فُرْجَةً. وَقَالَ الْآخَرُ: اللَّهُمَّ إِنِّي كُنْتُ اسْتَأْجَرْتُ أَجِيرًا بِفَرْقِ أَرُزٍّ، فَلَمَّا قَضَى عَمَلَهُ قَالَ: أَعْطِنِي حَقِّي، فَعَرَضْتُ عَلَيْهِ حَقَّهُ، فَتَرَكَهُ وَرَغِبَ عَنْهُ، فَلَمْ أَزَلْ أَزْرَعُهُ حَتَّى جَمَعْتُ مِنْهُ بَقَرًا وَرَاعِيَهَا، فَجَاءَنِي فَقَالَ: اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تَظْلِمْنِي وَأَعْطِنِي حَقِّي، فَقُلْتُ: اذْهَبْ إِلَى ذَلِكَ الْبَقْرِ وَرَاعِيهَا، فَقَالَ: اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تَهْزَأْ بِي، فَقُلْتُ: إِنِّي لَا أَهْزَأُ بِكَ فَخُذْ ذَلِكَ الْبَقْرَ وَرَاعِيَهَا. فَأَخَذَهُ فَانْطَلَقَ بِهَا، فَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ، فَافْرُجْ مَا بَقِيَ فَفَرَجَ اللَّهُ عَنْهُمْ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
_________________
(١) الْفَصْلُ الثَّالِثُ
(٢) (عَنِ ابْنِ عُمَرَ - ﵂ - عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: بَيْنَمَا) بِالْمِيمِ (ثَلَاثَةُ نَفَرٍ)، بِالْإِضَافَةِ الْبَيَانِيَّةِ (يَتَمَاشَوْنَ) بِفَتْحِ الشِّينِ أَيْ: يَسِيرُونَ فِي طَرِيقٍ (أَخَذَهُمُ الْمَطَرُ)، أَيْ: جَاءَهُمْ بِكَثْرَةٍ (فَمَالُوا إِلَى غَارٍ فِي الْجَبَلِ، فَانْحَطَّتْ) أَيْ: نَزَلَتْ وَوَقَعَتْ (عَلَى فَمِ غَارِهِمْ صَخْرَةٌ) أَيْ: حَجَرٌ كَبِيرٌ مِنَ الْجَبَلِ (فَأَطْبَقَتْ) أَيِ: الصَّخْرَةُ (عَلَيْهِمْ) وَأَغْلَقَتْ عَلَيْهِمْ بَابَ الْغَارِ وَغَطَّتْهُمْ (فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: انْظُرُوا) أَيْ: تَفَكَّرُوا وَتَذَكَّرُوا (أَعْمَالًا عَمِلْتُمُوهَا لِلَّهِ صَالِحَةً)، صِفَةٌ أُخْرَى لِأَعْمَالٍ أَيْ: خَالِصَةً لِوَجْهِهِ لَا رِيَاءَ وَلَا سُمْعَةَ فِيهَا، يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ابْتِغَاءُ وَجْهِكَ فِيمَا بَعْدُ. كَذَا قَالَهُ الطِّيبِيُّ، وَقَالَ السَّيِّدُ جَمَالُ الدِّينِ: الْأَظْهَرُ أَنْ يُقَالَ: صَالِحَةٌ صِفَةٌ لِأَعْمَالٍ، وَفِي الْعِبَارَةِ تَقُدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ أَيِ: انْظُرُوا أَعْمَالًا صَالِحَةً لِلَّهِ، فَأَخْرَجَ بِالْقَيْدِ الْأَوَّلِ الْأَعْمَالَ الْغَيْرَ الصَّالِحَةِ، وَبِالثَّانِي الْغَيْرَ الصَّالِحَةِ لِلَّهِ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا وَقَعَ فِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ: انْظُرُوا أَعْمَالًا عَمِلْتُمُوهَا صَالِحَةً لِلَّهِ. قُلْتُ: لَا شَكَّ أَنَّ كُلًّا مِنْ صَالِحَةٍ وَلِلَّهِ صِفَةٌ لِأَعْمَالًا، سَوَاءٌ أُخِّرَتْ إِحْدَاهُمَا أَوْ قُدِّمَتْ، وَإِنَّمَا حَمَلَ الطِّيبِيُّ الثَّانِيَةَ عَلَى أَنَّهَا صِفَةٌ مُؤَكِّدَةٌ ; لِأَنَّ الْأَعْمَالَ الَّتِي عُمِلَتْ لَا تَكُونُ إِلَّا صَالِحَةً، لَكِنَّ قَوْلَهُ يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ابْتِغَاءُ وَجْهِكَ فِيمَا بَعْدُ مُسْتَدْرَكٌ ; لِأَنَّهُ فُهِمَ مِنْ قَوْلِهِ: لِلَّهِ، نَعَمْ كَلَامُ السَّيِّدِ لَهُ وَجْهٌ وَجِيهٌ، وَتَنْبِيهٌ نَبِيهٌ، لَكِنْ عَلَى رِوَايَتِهِ الَّتِي ذَكَرَهَا، فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنَ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ أَنْ تَكُونَ خَالِصَةً لِلَّهِ، وَلِذَا قِيلَ: الْخَلْقُ كُلُّهُمْ هَلْكَى إِلَّا الْعَالِمُونَ، وَالْعَالِمُونَ كُلُّهُمْ هَلْكَى إِلَّا الْعَامِلُونَ، وَالْعَامِلُونَ كُلُّهُمْ هَلْكَى إِلَّا الْمُخْلِصُونَ، وَالْمُخْلِصُونَ عَلَى خَطَرٍ عَظِيمٍ. (فَادْعُوَا اللَّهَ بِهَا) أَيْ: بِتِلْكَ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ وَبِجَعْلِهَا شَفِيعَةً وَوَسِيلَةً إِلَى إِجَابَةِ الدَّعْوَةِ (لَعَلَّهُ) أَيْ: عَلَى رَجَاءِ أَنَّهُ تَعَالَى أَوْ لِكَيْ (يُفَرِّجُهَا) بِتَشْدِيدِ الرَّاءِ الْمَكْسُورَةِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَتَخْفِيفِ الرَّاءِ أَيْ: يُزِيلُ الصَّخْرَةَ، أَوْ يَكْشِفُ الْكُرْبَةَ، فَفِي الْقَامُوسِ: فَرَّجَ اللَّهُ الْغَمَّ يُفَرِّجُهُ: كَشَفَهُ كَفَرَجَهُ (فَقَالَ أَحَدُهُمْ: اللَّهُمَّ إِنَّهُ) أَيِ: الشَّأْنُ (كَانَ لِي وَالِدَانِ شَيْخَانِ كَبِيرَانِ، وَلِي صِبْيَةٌ) بِكَسْرٍ فَسُكُونٍ جَمْعُ صَبِيٍّ أَيْ: وَلِي أَيْضًا أَطْفَالٌ (صِغَارٌ كُنْتُ أَرْعَى عَلَيْهِمْ) قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ أَيْ: أَرْعَى مَاشِيَتَهُمْ. قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: يُقَالُ فُلَانٌ يَرْعَى عَلَى أَبِيهِ أَيْ: يَرْعَى غَنَمَهُ. اهـ.
[ ٧ / ٣٠٩٣ ]
وَالتَّحْقِيقُ مَا ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ مِنْ أَنَّ الرَّعْيَ ضُمِّنَ مَعْنَى الْإِنْفَاقِ، فَعُدِّيَ بِعَلَى أَيْ: أُنْفِقُ عَلَيْهِمْ رَاعِيًا الْغُنَيْمَاتِ وَكَذَا قَوْلُهُ: (فَإِذَا رُحْتُ عَلَيْهِمْ) ضُمِّنَ مَعْنَى رَدَدْتُ أَيْ: إِذَا رَدَدْتُ الْمَاشِيَةَ مِنَ الْمَرْعَى إِلَى مَوْضِعِ مَبِيتِهِمْ (فَحَلَبْتُ): عَطْفٌ عَلَى رُحْتُ وَقَوْلُهُ: (بَدَأْتُ بِوَالِدَيَّ) جَوَابُ إِذَا وَقَوْلُهُ: (أَسْقِيهِمَا): بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَيُضَمُّ (قَبْلَ وَلَدِي)، بِفَتْحَتَيْنِ وَبِضَمِّ الْوَاوِ وَيُسَكَّنُ اللَّامُ أَيْ: أَوْلَادِي، إِمَّا حَالٌ أَوِ اسْتِئْنَافُ بَيَانٍ لِلْعِلَّةِ (وَإِنَّهُ) أَيِ: الشَّأْنُ (قَدْ نَأَى بِي الشَّجَرُ)، أَيْ: بَعُدَ بِي طَلَبُ الْمَرْعَى يَوْمًا، وَفِي نُسْخَةٍ نَاءَ بِهَمْزٍ بَعْدَ الْأَلِفِ، وَهُوَ كَرِوَايَةِ ابْنِ ذَكْوَانَ عَنِ ابْنِ عَامِرٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَنَأَى بِجَانِبِهِ﴾ [الإسراء: ٨٣] قَالَ النَّوَوِيُّ، وَفِي بَعْضِ نُسَخِ مُسْلِمٍ: نَأَى بِجَعْلِ الْهَمْزَةِ قَبْلَ الْأَلِفِ، وَبِهِ قَرَأَ أَكْثَرُ الْقُرَّاءِ السَّبْعَةِ، وَهُمَا لُغَتَانِ أَيْ صَحِيحَتَانِ (فَمَا أَتَيْتُ) أَيْ: إِلَيْهِمْ لِبُعْدِ الْمَرْعَى عَنْهُمْ (حَتَّى أَمْسَيْتُ) أَيْ: دَخَلْتُ فِي الْمَسَاءِ جِدًّا (فَوَجَدْتُهُمَا قَدْ نَامَا)، أَيْ: مِنَ الضَّعْفِ أَوْ مِنْ غَلَبَةِ الِانْتِظَارِ وَكَثْرَةِ الْإِبْطَاءِ (فَحَلَبْتُ كَمَا كُنْتُ أَحْلُبُ)، بِضَمِّ اللَّامِ وَيَجُوزُ كَسْرُهُ عَلَى مَا فِي الْقَامُوسِ (فَجِئْتُ) أَيْ: إِلَيْهِمَا (بِالْحِلَابِ): بِكَسْرِ أَوَّلِهِ، وَهُوَ الْإِنَاءُ الَّذِي يُحْلَبُ فِيهِ، قِيلَ: وَقَدْ يُرَادُ بِالْحِلَابِ هُنَا اللَّبَنُ الْمَحْلُوبُ ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ، فَيَكُونُ مَجَازًا بِذِكْرِ الْمَحَلِّ لِإِرَادَةِ الْحَالِ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ أَتَى بِالْحِلَابِ الَّذِي فِيهِ الْمَحْلُوبُ اسْتِعْجَالًا (فَقُمْتُ) أَيْ: وَقَفْتُ (عَلَى رُؤُوسِهِمَا) أَيْ: عِنْدَ رُؤُوسِهِمَا كَمَا فِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ (أَكْرَهُ أَنْ أُوقِظَهُمَا)، اسْتِئْنَافُ بَيَانٍ أَوْ حَالٌ (وَأَكْرَهُ) يَعْنِي: أَيْضًا (أَنْ أَبْدَأَ بِالصِّبْيَةِ قَبْلَهُمَا) أَيْ: مَعَ أَنَّهُمْ غَيْرُ نَائِمِينَ لِأَجْلِ الْجُوعِ (وَالصِّبْيَةُ يَتَضَاغَوْنَ) بِفَتْحِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ: يَضِجُّونَ وَيَصِيحُونَ مِنَ الْجُوعِ (عِنْدَ قَدَمَيَّ)، بِفَتْحِ الْمِيمِ وَتَشْدِيدِ الْيَاءِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِالْكَسْرِ وَالتَّخْفِيفِ وَالْجُمْلَةُ حَالِيَّةٌ (فَلَمْ يَزَلْ ذَلِكَ) أَيْ: مَا ذُكِرَ مِنَ الْوُقُوفِ وَغَيْرِهِ (دَأْبِي وَدَأْبَهُمْ) بِالنَّصْبِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِالرَّفْعِ أَيْ عَادَتِي وَعَادَتُهُمْ، وَالضَّمِيرُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالصِّبْيَةِ (حَتَّى طَلَعَ الْفَجْرُ)، انْشَقَّ الصُّبْحُ وَظَهَرَ نُورُهُ، وَالْمَعْنَى: أَنَّهُ حِينَئِذٍ سَقَيْتُهُمَا أَوَّلًا، ثُمَّ سَقَيْتُهُمْ ثَانِيًا تَقْدِيمًا لِإِحْسَانِ الْوَالِدَيْنِ عَلَى الْمَوْلُودِينَ لِتَعَارُضِ صِغَرِهِمْ بِكِبَرِهِمَا، فَإِنَّ الرَّجُلَ الْكَبِيرَ يَبْقَى كَالطِّفْلِ الصَّغِيرِ، وَمَنْ لَمْ يُصَدِّقْ بِذَلِكَ أَبْلَاهُ اللَّهُ بِمَا هُنَالِكَ (فَإِنْ كُنْتَ) أَيْ: يَا أَللَّهُ (تَعْلَمُ أَنِّي فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ)، وَالتَّرْدِيدُ فِي أَنَّ عَمَلَهُ ذَلِكَ هَلِ اعْتُبِرَ عِنْدَ اللَّهِ لِإِخْلَاصٍ فِيهِ أَوْ لَا لِعَدَمِهِ (فَافْرُجْ) بِهَمْزِ وَصْلٍ وَضَمِّ رَاءٍ وَفِي نُسْخَةٍ بِهَمْزِ قَطْعٍ وَكَسْرِ رَاءٍ. قَالَ مِيرَكُ: بِهَمْزَةِ الْوَصْلِ وَضَمِّ الرَّاءِ مِنَ الْفَرَجِ، وَيَجُوزُ بِهَمْزِ الْقَطْعِ وَكَسْرِ الرَّاءِ مِنَ الْإِفْرَاجِ أَيِ: اكْشِفْ (لَنَا فُرْجَةً) بِضَمِّ الْفَاءِ وَيُفْتَحُ (نَرَى مِنْهَا السَّمَاءَ، فَفَرَجَ) بِتَخْفِيفِ الرَّاءِ وَيُكْسَرُ أَيْ: كَشَفَ (اللَّهُ لَهُمْ حَتَّى يَرَوْنَ السَّمَاءَ) بِإِثْبَاتِ النُّونِ كَمَا فِي بَعْضِ نُسَخِ شَرْحِ السُّنَّةِ، فَيَكُونُ حِكَايَةَ حَالٍ مَاضِيَةٍ كَقَوْلِكَ: شَرِبَتِ الْإِبِلُ حَتَّى يَخْرُجَ بَطْنُهُ، وَفِي بَعْضِهَا بِإِسْقَاطِهِ، وَحِينَئِذٍ يُضَمُّ الْوَاوُ وَصَلًا لِلِالْتِقَاءِ.
(قَالَ الثَّانِي: اللَّهُمَّ إِنَّهُ) أَيِ: الشَّأْنُ (كَانَتْ لِي بِنْتُ عَمٍّ أُحِبُّهَا) قَالَ الطِّيبِيُّ: ذَكَرَ ضَمِيرَ الشَّأْنِ وَالْمَذْكُورُ فِي التَّفْسِيرِ مُؤَنَّثٌ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ ذَلِكَ. اهـ. وَقَالَ الْعَسْقَلَانِيُّ: وَقَعَ فِي كَلَامِ الْأَوَّلِ: اللَّهُمَّ إِنَّهُ وَالثَّانِي اللَّهُمَّ إِنَّهَا، وَالثَّالِثُ اللَّهُمَّ إِنِّي، وَهُوَ مِنَ التَّفَنُّنِ، وَإِنَّهُ فِي الْأَوَّلِ ضَمِيرُ الشَّأْنِ، وَفِي الثَّانِي لِلْقِصَّةِ وَنَاسَبَ ذَلِكَ أَنَّ الْقِصَّةَ فِي امْرَأَةٍ. اهـ. فَهَذَا الْكَلَامُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ رِوَايَةَ الْبُخَارِيِّ وَقَعَتْ أَنَّهَا فِي كَلَامِ الثَّانِي خِلَافَ الْمِشْكَاةِ، ذَكَرَهُ مِيرَكُ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ عِبَارَةَ الْمِشْكَاةِ مَأْخُوذَةٌ مِنْ مُسْلِمٍ لَفْظًا، وَيَكُونُ قَوْلُهُ مُتَّفَقًا عَلَيْهِ مَعْنًى (كَأَشَدِّ مَا يُحِبُّ الرِّجَالُ النِّسَاءَ)، أَيْ: حُبًّا شَدِيدًا نَحْوَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٦٥]
[ ٧ / ٣٠٩٤ ]
قَالَ الطِّيبِيُّ: صِفَةُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، وَ(مَا) مَصْدَرِيَّةٌ أَيْ: أُحِبُّهَا حُبًّا مِثْلَ أَشَدِّ حُبِّ الرِّجَالِ النِّسَاءَ، أَوْ حَالًا أَيْ: أُحِبُّهَا مُشَابِهًا حُبِّي أَشَدَّ حُبِّ الرِّجَالِ النِّسَاءَ، وَنَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً﴾ [النساء: ٧٧]، فَإِنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: (أَشَدَّ خَشْيَةً) حَالٌ عَلَى تَقْدِيرِ مُشْبِهِينَ أَشَدَّ خَشْيَةً مِنْ أَهْلِ خَشْيَةِ اللَّهِ (فَطَلَبْتُ إِلَيْهَا نَفْسَهَا)، فِيهِ تَضْمِينُ مَعْنَى الْإِرْسَالِ أَيْ: أَرْسَلْتُ إِلَيْهَا طَالِبًا نَفْسَهَا (فَأَبَتْ حَتَّى آتِيَهَا): بِالنَّصْبِ وَفِي نُسْخَةٍ بِالسُّكُونِ عَلَى حِكَايَةِ الْحَالِ الْمَاضِيَةِ أَيْ: أَجِيئُهَا (بِمِائَةِ دِينَارٍ، فَسَعَيْتُ حَتَّى جَمَعْتُ مِائَةَ دِينَارٍ، فَلَقِيتُهَا) أَيْ: أَتَيْتُهَا (بِهَا، فَلَمَّا قَعَدْتُ بَيْنَ رِجْلَيْهَا. قَالَتْ: يَا عَبْدَ اللَّهِ) يَحْتَمِلُ الِاسْمِيَّةَ وَالْوَصْفِيَّةَ (اتَّقِ اللَّهَ) أَيْ: عَذَابَهُ أَوْ مُخَالَفَتَهُ (وَلَا تَفْتَحِ الْخَاتَمَ) بِفَتْحِ التَّاءِ، وَهُوَ كِنَايَةٌ عَنِ الْبَكَارَةِ (فَقُمْتُ عَنْهَا) أَيْ: مُعْرِضًا عَنْ تَعَرُّضِهَا (اللَّهُمَّ): فِيهِ زِيَادَةُ تَضَرُّعٍ (فَإِنْ كُنْتَ) قَالَ الطِّيبِيُّ: عَطْفٌ عَلَى مُقَدَّرٍ أَيِ: اللَّهُمَّ فَعَلْتُ ذَلِكَ، فَإِنْ كُنْتَ (تَعْلَمُ أَنِّي فَعَلْتُ) وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ (اللَّهُمَّ) مُقْحَمَةً بَيْنَ الْمَعْطُوفِ وَالْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ، لِتَأْكِيدِ الِابْتِهَالِ وَالتَّضَرُّعِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، فَلَا يُقَدَّرُ مَعْطُوفٌ عَلَيْهِ، وَهُوَ الْوَجْهُ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ الْقَرِينَةُ السَّابِقَةُ وَاللَّاحِقَةُ، وَإِنَّمَا كَرَّرَ (اللَّهُمَّ) فِي هَذِهِ الْقَرِينَةِ دُونَ أُخْتَيْهَا ; لِأَنَّ هَذَا الْمَقَامَ أَصْعَبُ الْمَقَامَاتِ وَأَشَقُّهَا، فَإِنَّهُ رَدْعٌ لِهَوَى النَّفْسِ فَرْقًا مِنَ اللَّهِ تَعَالَى وَمَقَامِهِ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى - فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ [النازعات: ٤٠ - ٤١] قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ: شَهْوَةُ الْفَرْجِ أَغْلَبُ الشَّهَوَاتِ عَلَى الْإِنْسَانِ، وَأَصْعَبُهَا عِنْدَ الْهَيَجَانِ عَلَى الْعَقْلِ، فَمَنْ تَرَكَ الزِّنَا خَوْفًا مِنَ اللَّهِ تَعَالَى مَعَ الْقُدْرَةِ وَارْتِفَاعِ الْمَوَانِعِ، وَتَيَسُّرِ الْأَسْبَابِ، لَا سِيَّمَا عِنْدَ صِدْقِ الشَّهْوَةِ حَازَ دَرَجَةَ الصِّدِّيقِينَ، قَوْلُهُ (ذَلِكَ) أَيْ: مَا ذَكَرَ (ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ، فَافْرُجْ لَنَا) أَيْ: زِيَادَةً (فُرْجَةً مِنْهَا)، أَيْ: مِنْ هَذِهِ الْكُرَيَّةِ أَوِ الصَّخْرَةِ، وَيُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ (مِنْ) لِلتَّبْعِيضِ أَيْ: بَعْضُ الْفُرْجَةِ (فَفَرَجَ) أَيِ: اللَّهُ (لَهُمْ فُرْجَةً) أَيْ: أُخْرَى (وَقَالَ الْآخَرُ): بِفَتْحِ الْخَاءِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِكَسْرِهَا وَمَآلُهُمَا وَاحِدٌ، وَالثَّانِي أَدَلُّ عَلَى الْمَقْصُودِ (اللَّهُمَّ إِنِّي كُنْتُ اسْتَأْجَرْتُ أَجِيرًا بِفَرْقِ أَرُزٍّ)، بِفَتْحِ هَمْزٍ وَضَمِّ رَاءٍ وَتَشْدِيدِ زَايٍ، وَفِي الْقَامُوسِ: الْأَرُزِّ كَأَشُدٍّ وَعُتُلٍّ وَقُفْلٍ وَطُنُبٍ، وَرُزٌّ وَرُنْزٌ وَإِرِزٌ كَإِبِلٍ وَأَرُزٌ كَعَضُدٍ. اهـ. فَفِيهِ لُغَاتٌ بِعَدَدِ أَوَّلِهِ وَآخِرِهِ، وَالْفَرِقُ بِكَسْرِ الرَّاءِ وَيُسَكَّنُ. قَالَ الطِّيبِيُّ: الْفَرَقُ بِفَتْحِ الرَّاءِ مِكْيَالٌ يَسَعُ سِتَّةَ عَشَرَ رِطْلًا، وَفِي الْقَامُوسِ: الْفَرَقُ مِكْيَالٌ بِالْمَدِينَةِ يَسَعُ ثَلَاثَةَ آصَعٍ وَيُحَرَّكُ، أَوْ هُوَ أَفْصَحُ وَيَسَعُ سِتَّةَ عَشَرَ رِطْلًا أَوْ أَرْبَعَةَ أَرْبَاعٍ. وَفِي النِّهَايَةِ: الْفَرَقُ بِالتَّحْرِيكِ مِكْيَالٌ يَسَعُ سِتَّةَ عَشَرَ رِطْلًا، وَبِالسُّكُونِ مِائَةٌ وَعِشْرُونَ رِطْلًا، ثُمَّ قِيلَ: وَفِي رِوَايَةٍ بِفَرَقِ ذُرَةٍ، فَيُجْمَعُ بِأَنَّ الْفَرَقَ كَانَ مِنْ صِنْفَيْنِ (فَلَمَّا قَضَى عَمَلَهُ) أَيْ: عَمِلَ عَمَلَهُ وَانْتَهَى أَجَلُهُ (قَالَ: أَعْطِنِي حَقِّي. فَعَرَضْتُ عَلَيْهِ حَقَّهُ، تَرَكَهُ وَرَغِبَ عَنْهُ) أَيْ: أَعْرَضَ عَنْ أَخْذِهِ لِمَانِعٍ أَوْ بَاعِثٍ (فَلَمْ أَزَلْ أَزْرَعُهُ) أَيِ: الْأَرُزُّ (حَتَّى جَمَعْتُ مِنْهُ) أَيْ: مِنْ ذَلِكَ الْأَرُزِّ أَوْ مِنْ زَرْعِهِ (بَقَرًا وَرَاعِيَهَا)، أَيْ: قِيمَتَهُمَا فَاشْتَرَيْتُهُمَا، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ تَصَرُّفِ الْفُضُولِيِّ فِي مَالِ الْغَيْرِ عَلَى وَجْهِ النَّصِيحَةِ، وَطَرِيقِ الْأَمَانَةِ، وَإِرَادَةِ الشَّفَقَةِ حَيْثُ اسْتَحْسَنَ ذَلِكَ مِنْهُ - ﷺ - فَهُوَ فِي حُكْمِ التَّقْرِيرِ لَا يُقَالُ لَعَلَّ هَذَا شَرْعُ مَنْ قَبْلَنَا، فَإِنَّهُ قَدْ وَرَدَ نَظِيرُهُ فِي زَمَانِهِ - ﷺ - حَيْثُ دَفَعَ قِيمَةَ كَبْشٍ لِبَعْضِ أَصْحَابِهِ فَاشْتَرَاهُ بِهَا فَبَاعَهُ بِضِعْفِ ثَمَنِهِ، وَاشْتَرَى كَبْشًا آخَرَ، وَأَتَى بِهِ مَعَ قِيمَتِهِ فَدَعَا لَهُ - ﷺ - بِالْبَرَكَةِ (فَجَاءَنِي فَقَالَ: اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تَظْلِمْنِي وَأَعْطِنِي حَقِّي): ظَاهِرُ كَلَامِهِ عُنْفٌ، لَكِنَّ بَاطِنَهُ حَقٌّ وَلُطْفٌ (فَقُلْتُ: اذْهَبْ إِلَى ذَلِكَ الْبَقْرِ وَرَاعِيهَا) .
[ ٧ / ٣٠٩٥ ]
قَالَ الطِّيبِيُّ: ذَلِكَ إِشَارَةٌ إِلَى الْبَقَرِ بِاعْتِبَارِ السَّوَادِ الْمَرْئِيِّ، كَمَا يُقَالُ: ذَلِكَ الْإِنْسَانُ أَوِ الشَّخْصُ فَعَلَ كَذَا، وَأُنِّثَ الضَّمِيرُ الرَّاجِعُ إِلَى الْبَقَرِ بِاعْتِبَارِ الْجِنْسِ (فَقَالَ: اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تَهْزَأْ بِي) بِالْبَاءِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِالنُّونِ، وَلَعَلَّهُ تَوَهَّمَ أَنَّهُ حَصَلَ لَهُ مِنْ كَلَامِهِ لَا تَظْلِمْنِي جَزَعٌ مَعَ إِبْهَامِ قَوْلِهِ: اذْهَبْ إِلَى ذَلِكَ (فَقُلْتُ: إِنِّي لَا أَهْزَأُ بِكَ فَخُذْ ذَلِكَ الْبَقْرَ وَرَاعِيَهَا فَأَخَذَهُ) أَيْ: مَجْمُوعُ مَا ذُكِرَ، وَفِي نُسْخَةٍ فَأَخَذَهَا أَيْ: كُلَّهَا (فَانْطَلَقَ بِهَا) قَالَ مِيرَكُ عِنْدَ قَوْلِهِ: حَتَّى جَمَعْتُ بَقَرًا وَرَاعِيَهَا: وَقَعَ فِي رِوَايَةِ الصَّحِيحِ، فَثَمَرْتُ أَجْرَهُ حَتَّى كَثُرَتْ مِنَ الْأَمْوَالِ، وَفِيهَا: فَقُلْتُ لَهُ: كُلُّ مَا تَرَى مِنَ الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ وَالرَّقِيقِ مِنْ أَجْرِكَ، وَفِيهَا: فَاسْتَاقَهُ فَلَمْ يَتْرُكْ شَيْئًا، فَدَلَّتْ هَذِهِ الرِّوَايَةُ عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ فِي الرِّوَايَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْمِشْكَاةِ: (جَمَعْتُ بَقَرًا) أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ جَمْعَ الْبَقَرِ فَقَطْ، وَإِنَّمَا كَانَ الْأَكْثَرَ الْأَغْلَبَ، فَلِذَلِكَ اقْتَصَرَ عَلَيْهِ، وَوَقَعَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ أَنَّهُ دَفَعَ إِلَيْهِ عَشَرَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ، وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهَا كَانَتْ قِيمَةَ الْأَشْيَاءِ الْمَذْكُورَةِ. قُلْتُ: وَلَا بِدَعَ أَنَّ الدَّرَاهِمَ مِنْ زَوَائِدِ الْفَوَائِدِ مُنْضَمَّةٌ إِلَيْهَا، فَإِنَّ الْبَرَكَةَ تُوَافِي (فَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ فَافْرُجْ مَا بَقِيَ) أَيْ: مِنْ إِطْبَاقِ الْبَابِ (فَفَرَجَ اللَّهُ عَنْهُمْ) .
فَإِنْ قُلْتَ: رُؤْيَةُ الْأَعْمَالِ نُقْصَانٌ عِنْدَ أَهْلِ الْكَمَالِ، فَمَا بَالُ هَذِهِ الْأَحْوَالِ؟ قُلْتُ: فَكَأَنَّهُمْ تَوَسَّلُوا بِمَا وَقَعَ لَهُ تَعَالَى مَعَهُمْ مِنْ تَوْفِيقِ الْعَمَلِ الصَّالِحِ الْمَقْرُونِ بِالْإِخْلَاصِ، عَلَى أَنَّهُ يُنْجِيهِمْ مِنْ مَضِيقِ الْهَلَاكِ إِلَى قَضَاءِ الْخَلَاصِ، فَكَأَنَّمَا قَالُوا: كَمَا أَنْعَمْتَ عَلَيْنَا بِمَعْرُوفِكَ أَوَّلًا فَأَتِمَّ عَلَيْنَا بِفَضْلِكَ ثَانِيًا، فَإِنَّا لَا نَسْتَغْنِي عَنْ كَرَمِكَ أَبَدًا. قَالَ النَّوَوِيُّ: اسْتَدَلَّ أَصْحَابُنَا بِهَذَا عَلَى أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِلْإِنْسَانِ أَنْ يَدْعُوَ فِي حَالِ كَرْبِهِ، وَفِي الِاسْتِسْقَاءِ وَغَيْرِهِ، وَيَتَوَسَّلَ بِصَالِحِ عَمَلِهِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى ; فَإِنَّ هَؤُلَاءِ فَعَلُوهُ، وَاسْتُجِيبَ لَهُمْ، وَذَكَرَهُ النَّبِيُّ - ﷺ - فِي مَعْرِضِ الثَّنَاءِ عَلَيْهِمْ وَجَمِيلِ فَضَائِلِهِمْ، وَفِيهِ فَضْلُ بِرِّ الْوَالِدَيْنِ وَإِيثَارُهَا عَلَى مَنْ سِوَاهُمَا مِنَ الْأَهْلِ وَالْوَلَدِ، وَفِيهِ فَضْلُ الْعَفَافِ وَالِانْكِفَافِ عَنِ الْمُحَرَّمَاتِ، لَا سِيَّمَا بَعْدَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهَا، وَفِيهِ إِثْبَاتُ كَرَامَاتِ الْأَوْلِيَاءِ وَهُوَ مَذْهَبُ أَهْلِ الْحَقِّ.
قُلْتُ: لَا خِلَافَ فِي جَوَازِ اسْتِجَابَةِ الدُّعَاءِ لِلْوَلِيِّ وَغَيْرِهِ، مَا عَدَا الْكَافِرَ، فَإِنَّ فِيهِ خِلَافًا، لَكِنَّهُ ضَعِيفٌ لِاسْتِجَابَةِ دُعَاءِ إِبْلِيسَ. وَالِاسْتِدْلَالُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ﴾ [الرعد: ١٤] غَيْرُ صَحِيحٍ ; لِأَنَّهُ وَرَدَ فِي دُعَاءِ الْكُفَّارِ فِي النَّارِ، بِخِلَافِ الدُّنْيَا، فَإِنَّهُ وَرَدَ أَنَّهُ - ﷺ - قَالَ: " «اتَّقِ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ وَإِنْ كَانَ كَافِرًا، فَإِنَّهُ لَيْسَ دُونَهُ حِجَابٌ» " عَلَى مَا رَوَاهُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ عَنْ أَنَسٍ، فَمِثْلُ هَذَا لَا يُعَدُّ مِنْ كَرَامَاتِ الْأَوْلِيَاءِ ; لِأَنَّ الْكَرَامَةَ مِنْ أَنْوَاعِ خَوَارِقِ الْعَادَةِ قَالَ: وَتَمَسَّكَ بِهِ أَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ وَغَيْرُهُمْ مِمَّنْ يُجَوِّزُ بَيْعَ الْإِنْسَانِ مَالَ غَيْرِهِ، وَالتَّصَرُّفَ فِيهِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ إِذَا أَجَازَهُ الْمَالِكُ بَعْدَ ذَلِكَ، وَأَجَابَ أَصْحَابُنَا بِأَنَّ هَذَا إِخْبَارٌ عَنْ شَرْعِ مَنْ قَبْلَنَا، وَفِي كَوْنِهِ شَرْعًا لَنَا خِلَافٌ، فَإِنْ قُلْنَا: إِنَّا مُتَعَبِّدُونَ بِهِ، فَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ اسْتَأْجَرَهُ فِي الذِّمَّةِ، وَلَمْ يُسَلَّمْ إِلَيْهِ، بَلْ عَرَضَهُ عَلَيْهِ فَلَمْ يَقْبِضْهُ فَلَمْ يَتَعَيَّنْ وَلَمْ يَصِرْ مِلْكَهُ، فَالْمُسْتَأْجِرُ قَدْ تَصَرَّفَ فِي مِلْكِ نَفْسِهِ، ثُمَّ تَبَرَّعَ بِمَا اجْتَمَعَ مِنْهُ مِنَ الْبَقْرِ وَالْغَنَمِ وَغَيْرِهِمَا. قُلْتُ: وَفِيهِ أَنَّ قَوْلَهُ اسْتَأْجَرَهُ فِي الذِّمَّةِ غَيْرُ صَحِيحٍ، لِمَا فِي الْحَدِيثِ التَّصْرِيحُ بِخِلَافِهِ ; حَيْثُ قَالَ: اسْتَأْجَرْتُ أَجِيرًا بِفَرَقِ أَرُزٍّ، وَلَا بُدَّ مِنْ تَعْيِينِهِ، وَإِلَّا فَالْإِجَارَةُ الْمَجْهُولَةُ غَيْرُ صَحِيحَةٍ عِنْدَهُمْ، وَكَذَا يَرُدُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: فَعَرَضْتُ عَلَيْهِ حَقَّهُ ; لِأَنَّهُ لَوْ فُرِضَ أَنَّهُ فِي الذِّمَّةِ مِنْ غَيْرِ تَعْيِينٍ لَا يُسَمَّى حَقَّهُ، فَالْحَقُّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ وَلَا يُوصَلَ تَقْلِيدٌ وَيَفْرَغَ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
[ ٧ / ٣٠٩٦ ]
٤٩٣٩ - وَعَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ جَاهِمَةَ - ﵁ - «أَنَّ جَاهِمَةَ جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ - فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَدْتُ أَنْ أَغْزُوَ وَقَدْ جِئْتُ أَسْتَشِيرُكَ، فَقَالَ: هَلْ لَكَ مِنْ أُمٍّ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَالْزَمْهَا، فَإِنَّ الْجَنَّةَ عِنْدَ رِجْلِهَا» ". رَوَاهُ أَحْمَدُ ". وَالنَّسَائِيُّ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي " شُعَبِ الْإِيمَانِ ".
_________________
(١) (وَعَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ جَاهِمَةَ): بِجِيمٍ ثُمَّ هَاءٍ مَكْسُورَةٍ سُلَمِيٌّ، عِدَادُهُ فِي الْحِجَازِيِّينَ، رَوَى عَنْ أَبِيهِ، وَعَنْهُ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ، كَذَا ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ فِي فَصْلِ الصَّحَابَةِ وَلَمْ يَذْكُرْ أَبَاهُ (أَنَّ جَاهِمَةَ) قِيلَ: هُوَ ابْنُ الْعَبَّاسِ بْنِ مِرْدَاسٍ السُّلَمِيُّ («جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ - فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَدْتُ أَنْ أَغْزُوَ وَقَدْ جِئْتُ أَسْتَشِيرُكَ قَالَ: هَلْ لَكَ مِنْ أُمٍّ؟ " قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَالْزَمْهَا») أَيِ: الْتَزِمْ خِدْمَتَهَا وَمُرَاعَاةَ أَمْرِهَا فَإِنَّ الْجَنَّةَ) أَيْ: وَإِنَّ
[ ٧ / ٣٠٩٦ ]
وَرَدَ: أَنَّهَا تَحْتَ ظِلَالِ السُّيُوفِ عَلَى مَا رَوَاهُ الْحَاكِمُ عَنْ أَبِي مُوسَى، فَهِيَ حَاصِلَةٌ (عِنْدَ رِجْلِهَا) لِكَوْنِهَا سَبَبًا لِحُصُولِهَا عَلَى مَا وَرَدَ مِنْ رِوَايَةِ الْخَطِيبِ فِي الْبَدِيعِ، عَنْ أَنَسٍ أَيْضًا: " «الْجَنَّةُ تَحْتَ أَقْدَامِ الْأُمَّهَاتِ» ". قَالَ الطِّيبِيُّ قَوْلُهُ: عِنْدَ رِجْلِهَا كِنَايَةٌ عَنْ غَايَةِ الْخُضُوعِ، وَنِهَايَةِ التَّذَلُّلِ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾ [الإسراء: ٢٤]، وَلَعَلَّهُ - ﷺ - عَرَفَ مِنْ حَالِهِ وَحَالِ أُمِّهِ ; حَيْثُ أَلْزَمَهُ خِدْمَتَهَا، وَلُزُومُهَا أَنَّ ذَلِكَ أَوْلَى بِهِ. (رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالنَّسَائِيُّ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ) . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ: رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالنَّسَائِيُّ، وَاللَّفْظُ لَهُ. وَالْحَاكِمُ وَقَالَ: صَحِيحُ الْإِسْنَادِ. وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ وَلَفْظُهُ قَالَ: «أَتَيْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - أَسْتَشِيرُهُ فِي الْجِهَادِ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: " أَلَكَ وَالِدَانِ؟ قُلْتُ: نَعَمْ قَالَ: " الْزَمْهُمَا، فَإِنَّ الْجَنَّةَ تَحْتَ أَرْجُلِهِمَا» ". اهـ. وَلَعَلَّ الِاقْتِصَارَ فِي الرِّوَايَةِ الْأُولَى لِلْإِشْعَارِ بِأَنَّ خِدْمَةَ الْوَالِدَةِ هِيَ الْأَوْلَى، وَلِهَذَا اقْتَصَرَ فِي حَدِيثٍ آخَرَ عَلَى الْأُمِّ ; حَيْثُ قَالَ: «الْجَنَّةُ تَحْتَ أَقْدَامِ الْأُمَّهَاتِ» " مَعَ أَنَّ خِدْمَةَ الْوَالِدِ أَيْضًا سَبَبٌ لِدُخُولِ الْجَنَّةِ بِلَا مِرْيَةٍ، وَسَيَأْتِي فِي الْحَدِيثِ " «هُمَا جَنَّتُكَ وَنَارُكَ» ".
[ ٧ / ٣٠٩٧ ]
٤٩٤٠ - «وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ - ﵄ - قَالَ: كَانَتْ تَحْتِي امْرَأَةٌ أُحِبُّهَا، وَكَانَ عُمَرُ يَكْرَهُهَا، فَقَالَ لِي: طَلِّقْهَا، فَأَبَيْتُ، فَأَتَى عُمَرُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - طَلِّقْهَا» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ.
_________________
(١) («وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ - ﵄ - قَالَ: كَانَتْ تَحْتِي امْرَأَةٌ أُحِبُّهَا، وَكَانَ عُمَرُ يَكْرَهُهَا، فَقَالَ لِي: طَلِّقْهَا، فَأَبَيْتُ)، أَيِ: امْتَنَعْتُ لِأَجْلِ مَحَبَّتِي فِيهَا (فَأَتَى عُمَرُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - طَلِّقْهَا») أَمْرُ نَدْبٍ أَوْ وُجُوبٍ إِنْ كَانَ هُنَاكَ بَاعِثٌ آخَرُ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ)، وَكَذَا النَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ حَدِيثٌ صَحِيحٌ نَقَلَهُ مِيرَكُ عَنِ الْمُنْذِرِيِّ.
[ ٧ / ٣٠٩٧ ]
٤٩٤١ - وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ - ﵁ - «أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا حَقُّ الْوَالِدَيْنِ عَلَى وَلَدِهِمَا؟ قَالَ: " هُمَا جَنَّتُكَ وَنَارُكَ» ". رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ.
_________________
(١) (وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ) أَيِ: الْبَاهِلِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - («أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا حَقُّ الْوَالِدَيْنِ عَلَى وَلَدِهِمَا؟ قَالَ: هُمَا جَنَّتُكَ وَنَارُكَ») أَيْ: أَسْبَابُهُمَا، وَالْمَعْنَى: أَنَّ حَقَّهُمَا رِضَاهُمَا الْمُوجِبُ لِدُخُولِ الْجَنَّةِ، وَتَرْكُ عُقُوقِهِمَا الْمُقْتَضِي لِدُخُولِ النَّارِ، وَلَا يَنْحَصِرُ فِي حَقٍّ دُونَ حَقٍّ عَلَى مَا يُفْهَمُ مِنَ السُّؤَالِ، فَالْجَوَابُ لَهُ مُطَابَقَةٌ مَعَ الْمُبَالَغَةِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: الْجَوَابُ مِنْ أُسْلُوبِ الْحَكِيمِ أَيْ: حَقُّهُمَا الْبِرُّ وَالْإِحْسَانُ إِلَيْهِمَا، وَتَرْكُ الْعُقُوقِ الْمُوجِبَانِ لِدُخُولِ الْجَنَّةِ وَعْدًا، وَتَرْكُ الْإِحْسَانِ وَالْعُقُوقِ الْمُوجِبَانِ لِدُخُولِ النَّارِ وَعِيدًا فَأَوْجَزَ كَمَا تَرَى، وَقَوْلُهُ: جَنَّتُكَ وَنَارُكَ عَلَى الْخِطَابِ الْعَامِّ ; لِأَنَّ سُؤَالَهُ عَامٌّ، فَيَدْخُلُ فِيهِ السَّائِلُ دُخُولًا أَوَّلِيًّا. (رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ) .
[ ٧ / ٣٠٩٧ ]
٤٩٤٢ - وَعَنْ أَنَسٍ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - " «إِنَّ الْعَبْدَ لَيَمُوتُ وَالِدَاهُ أَوْ أَحَدُهُمَا وَإِنَّهُ لَهُمَا لَعَاقٌّ، فَلَا يَزَالُ يَدْعُو لَهُمَا وَيَسْتَغْفِرُ لَهُمَا حَتَّى يَكْتُبَهُ اللَّهُ بَارًّا» ".
_________________
(١) (وَعَنْ أَنَسٍ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - إِنَّ الْعَبْدَ لَيَمُوتُ وَالِدَاهُ أَوْ أَحَدُهُمَا وَإِنَّهُ لَهُمَا) أَيْ: لِأَجَلِهِمَا الصَّادِقِ لَهُمَا، أَوْ لِأَحَدِهِمَا (لَعَاقٌّ)، اللَّامُ فِيهِ لِلتَّأْكِيدِ وَلَهُمَا مُتَعَلِّقٌ بِعَاقٍّ قُدِّمَ عَلَيْهِ لِلِاخْتِصَاصِ (فَلَا يَزَالُ) أَيِ: الْعَاقُّ فِي حَيَاتِهِمَا التَّائِبُ بَعْدَ مَوْتِهَا (يَدْعُو لَهُمَا) أَيْ: بِالرَّحْمَةِ وَنَحْوِهَا (وَيَسْتَغْفِرُ لَهُمَا) أَيْ: لِذُنُوبِهِمَا (حَتَّى يَكْتُبَهُ اللَّهُ) أَيْ: فِي دِيوَانِ عَمَلِهِ بِأَمْرِ الْحَفَظَةِ (بَارًّا)، فَإِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ، وَالتَّائِبُ مِنَ الذَّنْبِ كَمَنْ لَا ذَنْبَ لَهُ، وَإِنَّمَا قَيَّدْنَا بِالتَّوْبَةِ، فَإِنَّ الْعُقُوقَ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ أَيْضًا، فَلَا بُدَّ مِنْهَا حَتَّى يَصِيرَ بَارًّا.
[ ٧ / ٣٠٩٧ ]
٤٩٤٣ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - " «مَنْ أَصْبَحَ مُطِيعًا لِلَّهِ فِي وَالِدَيْهِ أَصْبَحَ لَهُ بَابَانِ مَفْتُوحَانِ مِنَ الْجَنَّةِ، وَإِنْ كَانَ وَاحِدًا فَوَاحِدًا، وَمَنْ أَمْسَى عَاصِيًا لِلَّهِ فِي وَالِدَيْهِ أَصْبَحَ لَهُ بَابَانِ مَفْتُوحَانِ مِنَ النَّارِ، إِنْ كَانَ وَاحِدًا فَوَاحِدًا " قَالَ رَجُلٌ: وَإِنْ ظَلَمَاهُ؟ قَالَ: " وَإِنْ ظَلَمَاهُ، وَإِنْ ظَلَمَاهُ، وَإِنْ ظَلَمَاهُ» ".
_________________
(١) (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - مَنْ أَصْبَحَ مُطِيعًا لِلَّهِ فِي وَالِدَيْهِ) أَيْ: فِي حَقِّهِمَا. وَفِيهِ: أَنَّ طَاعَةَ الْوَالِدَيْنِ لَمْ تَكُنْ طَاعَةً مُسْتَقِلَّةً، بَلْ هِيَ طَاعَةُ اللَّهِ الَّتِي بَلَغَتْ تَوْصِيَتُهَا مِنَ اللَّهِ تَعَالَى بِحَسْبِ طَاعَتِهِمَا لِطَاعَتِهِ، وَكَذَلِكَ الْعِصْيَانُ وَالْأَذَى، وَهُوَ مِنْ بَابِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [الأحزاب: ٥٧]، ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ. قُلْتُ: وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّهُ وَرَدَ: " «لَا طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ الْخَالِقِ» "، بَلْ مَنْ أَطَاعَهُمَا وَلَمْ يَنْوِ رِضَا اللَّهِ تَعَالَى لَا يَكُونُ بَارًّا، وَفِي نُسْخَةٍ (وَالِدُهُ) وَكَأَنَّهُ أَرَادَ الْجِنْسَ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ وَصْفِ الذُّكُورَةِ وَالْأُنُوثَةِ، وَقِيلَ: إِنَّهُ مِنْ صِيَغِ النَّسَبِ كَتَامِرٍ وَلَابِنٍ، فَيَشْمَلُ الْأَبَ وَالْأُمَّ ; قُلْتُ: وَمَعَ هَذَا لَا بُدَّ أَنْ يُرَادَ بِهِ الْجِنْسُ لِيَسْتَقِيمَ قَوْلُهُ: (أَصْبَحَ لَهُ بَابَانِ مَفْتُوحَانِ مِنَ الْجَنَّةِ)، يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ صِفَةً أُخْرَى لِقَوْلِهِ: بَابَانِ، وَأَنْ يَكُونَ حَالًا مِنَ الضَّمِيرِ فِي (مَفْتُوحَانِ) ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ (وَإِنْ كَانَ) وَفِي نُسَخَةٍ: فَإِنْ كَانَ أَيِ: الْوَالِدُ الْمُطَاعُ (وَاحِدًا فَوَاحِدًا)، أَيْ: فَكَانَ الْبَابُ الْمَفْتُوحُ وَاحِدًا، إِلَى هُنَا رَوَاهُ ابْنُ عَسَاكِرَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ («وَمَنْ أَمْسَى عَاصِيًا لِلَّهِ تَعَالَى فِي وَالِدَيْهِ أَصْبَحَ لَهُ بَابَانِ مَفْتُوحَانِ مِنَ النَّارِ، وَإِنْ كَانَ وَاحِدًا فَوَاحِدًا ". قَالَ رَجُلٌ: وَإِنْ ظَلَمَاهُ؟») قَالَ الطِّيبِيُّ: يُرَادُ بِالظُّلْمِ مَا يَتَعَلَّقُ بِالْأُمُورِ الدُّنْيَوِيَّةِ لَا الْأُخْرَوِيَّةِ (قَالَ: وَإِنْ ظَلَمَاهُ، وَإِنْ ظَلَمَاهُ، وَإِنْ ظَلَمَاهُ): ثَلَاثَ مَرَّاتٍ لِلتَّأْكِيدِ وَالْمُبَالَغَةِ.
[ ٧ / ٣٠٩٨ ]
٤٩٤٤ - وَعَنْهُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: " «مَا مِنْ وَلَدٍ بَارٍّ يَنْظُرُ إِلَى وَالِدَيْهِ نَظْرَةَ رَحْمَةٍ إِلَّا كَتَبَ اللَّهُ لَهُ بِكُلِّ نَظْرَةٍ حَجَّةً مَبْرُورَةً ". قَالُوا: وَإِنْ نَظَرَ كُلَّ يَوْمٍ مِائَةَ مَرَّةٍ؟ قَالَ: " نَعَمْ، اللَّهُ أَكْبَرُ وَأَطْيَبُ» ".
_________________
(١) (وَعَنْهُ) أَيْ: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ - (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: مَا مِنْ وَلَدٍ بَارٍّ يَنْظُرُ إِلَى وَالِدَيْهِ) أَيْ: أَوْ أَحَدِهِمَا (نَظْرَةَ رَحْمَةٍ) أَيْ: مَحَبَّةٍ وَشَفَقَةٍ (إِلَّا كَتَبَ اللَّهُ لَهُ بِكُلِّ نَظْرَةٍ حَجَّةً مَبْرُورَةً) أَيْ: ثَوَابُ حُجَّةٍ نَافِلَةٍ مَقْبُولَةٍ (قَالُوا: وَإِنْ نَظَرَ كُلَّ يَوْمٍ مِائَةَ مَرَّةٍ؟) أَيْ: أَيَكُونُ كَذَلِكَ؟ (قَالَ: نَعَمْ، اللَّهُ أَكْبَرُ) أَيْ: أَعْظَمُ مِمَّا يُتَصَوَّرُ، وَخَيْرُهُ أَكْثَرُ مِمَّا يُحْصَى وَيُحْصَرُ (وَأَطْيَبُ) أَيْ: أَظْهَرُ مِنْ أَنْ يُنْسَبَ إِلَى قُصُورٍ فِي قُدْرَتِهِ وَنُقْصَانٍ فِي مَشِيئَتِهِ وَإِرَادَتِهِ قَالَ الطِّيبِيُّ: وَبِالِاسْتِبْعَادِ مِنْ أَنْ يُعْطَى الرَّجُلُ بِسَبَبِ النَّظْرَةِ حَجَّةً، وَإِنْ نَظَرَ مِائَةَ مَرَّةٍ يَعْنِي: اللَّهُ أَكْبَرُ مِمَّا فِي اعْتِقَادِكَ مِنْ أَنَّهُ لَا يُكْتَبُ لَهُ تِلْكَ الْأَعْدَادُ الْكَثِيرَةُ، وَلَا يُثَابُ عَلَيْهِ مَا هُوَ أَطْيَبُ. اهـ. وَفِيهِ أَنَّ قَوْلَهُ: (أَطْيَبُ) صِفَةٌ لِلَّهِ لَا لِلثَّوَابِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
[ ٧ / ٣٠٩٨ ]
٤٩٤٥ - وَعَنْ أَبِي بَكْرَهْ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - " «كُلُّ الذُّنُوبِ يَغْفِرُ اللَّهُ مِنْهَا مَا يَشَاءُ إِلَّا عُقُوقَ الْوَالِدَيْنِ، فَإِنَّهُ يُعَجَّلُ لِصَاحِبِهِ فِي الْحَيَاةِ قَبْلَ الْمَمَاتِ» ".
_________________
(١) (وَعَنْ أَبِي بَكْرَهْ): بِالْهَاءِ - ﵁ - (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - كُلُّ الذُّنُوبِ) أَيْ: جَمِيعُ أَنْوَاعِ الْمَعَاصِي مَا عَدَا الشِّرْكَ (يَغْفِرُ اللَّهُ مِنْهَا) أَيْ: مِنْ جُمْلَتِهَا (مَا شَاءَ) فَـ (مِنْ) تَبْعِيضِيَّةٌ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّهَا مُبَيِّنَةٌ مُقَدَّمَةٌ (إِلَّا عُقُوقَ الْوَالِدَيْنِ، فَإِنَّهُ) أَيْ: إِلَيْهِ (يُعَجِّلُ) أَيِ: اللَّهُ (لِصَاحِبِهِ) أَيْ: لِمُرْتَكِبِ الْعُقُوقِ جَزَاءَ ذَنْبِهِ (فِي الْحَيَاةِ قَبْلَ الْمَمَاتِ) أَيْ: فَلَا يُؤَخِّرُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَاللَّامُ عِوَضٌ عَنِ الْمُضَافِ إِلَيْهِ أَيْ: فِي حَيَاةِ الْعَاقِّ قَبْلَ مَمَاتِهِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ فِي حَيَاةِ الْوَالِدَيْنِ قَبْلَ مَمَاتِهِمَا، ثُمَّ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ فِي مَعْنَاهُمَا سَائِرُ حُقُوقِ الْعِبَادِ ; وَلِأَنَّ مِثْلَ هَذَا الْوَعِيدِ أَيْضًا وَرَدَ فِي حَقِّ أَهْلِ الظُّلْمِ وَالْبَغْيِ بِغَيْرِ الْحَقِّ، هَذَا وَقَالَ الطِّيبِيُّ: إِنَّ (مِنْ) تَبْعِيضِيَّةٌ مَنْصُوبَةُ الْمَحَلِّ مَفْعُولُ (يَغْفِرُ) مَجَازًا وَ(مَا شَاءَ) بَدَلٌ مِنْهُ، وَيَجُوزُ أَنْ تَتَعَلَّقَ بِيَغْفِرُ وَتَكُونَ ابْتِدَائِيَّةً، وَ(مَا شَاءَ) مَفْعُولٌ، وَمَعْنَى الشُّمُولِ فِي الْكُلِّ الِاسْتِغْرَاقُ، يَعْنِي كُلَّ فَرْدٍ مِنْ أَفْرَادِ الذُّنُوبِ مَغْفُورًا إِذَا تَعَلَّقَتْ مَشِيئَةُ اللَّهِ تَعَالَى بِهِ إِلَّا عُقُوقَ الْوَالِدَيْنِ، وَهَذَا وَارِدٌ عَلَى سَبِيلِ التَّغْلِيظِ وَالتَّشْدِيدِ، وَمَفْعُولُ يُعَجِّلُ مَحْذُوفٌ أَيِ: الْعُقُوبَةُ يَدُلُّ عَلَيْهِ سِيَاقُ الْكَلَامِ. اهـ.
[ ٧ / ٣٠٩٨ ]
وَتَبِعَهُ ابْنُ الْمَلَكِ، لَكِنَّ فِي عِبَارَتِهِمَا خَطَأً فَاحِشًا إِذْ مَفْهُومُهُ أَنَّ مَغْفِرَةَ عُقُوقِ الْوَالِدَيْنِ مُسْتَثْنًى، وَلَوْ تَعَلَّقَتْ بِهَا مَشِيئَةُ اللَّهِ تَعَالَى، وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَإِيرَادُ مَا شَاءَ فِي الْحَدِيثِ إِنَّمَا هُوَ لِإِخْرَاجِ الشِّرْكِ فَقَطْ. قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨]، فَالصَّوَابُ أَنَّ مَعْنَاهُ: كُلُّ فَرْدٍ مِنْ أَفْرَادِ الذُّنُوبِ الَّتِي قَدْ يَتَعَلَّقُ بِهِ مَشِيئَةُ اللَّهِ تَعَالَى مَغْفُورٌ إِلَّا عُقُوقَ الْوَالِدَيْنِ، فَإِنَّ الْغَالِبَ أَنْ لَا يَتَعَلَّقَ بِهِ مَشِيئَةُ الْمَغْفِرَةِ. وَفِي هَذَا أَوْفَى زَجْرٍ وَتَهْدِيدٍ، وَلَا يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ: التَّقْدِيرُ إِلَّا عُقُوقَهُمَا، فَإِنَّهُ لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ الْمَشِيئَةُ مُطْلَقًا، وَحِينَئِذٍ يَكُونُ وَارِدًا عَلَى سَبِيلِ الْوَعِيدِ وَالتَّشْدِيدِ ; لِأَنَّ كَلَامَهُ - ﷺ - لَا يُحْمَلُ عَلَى مَا يَكُونُ ظَاهِرُهُ مُنَاقِضًا لِكَلَامِهِ سُبْحَانَهُ، وَقَدْ أَخْبَرَ بِأَنَّ مَشِيئَتَهُ تَتَعَلَّقُ بِمَا عَدَا الشِّرْكَ.
[ ٧ / ٣٠٩٩ ]
٤٩٤٦ - وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ - ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: " «حُقُّ كَبِيرِ الْإِخْوَةِ عَلَى صَغِيرِهِمْ حَقُّ الْوَالِدِ عَلَى وَلَدِهِ» ". رَوَى الْبَيْهَقِيُّ الْأَحَادِيثَ الْخَمْسَةَ فِي " شُعَبِ الْإِيمَانِ ".
_________________
(١) (وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ): هُوَ أَخُو عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، وُلِدَ عَامَ الْهِجْرَةِ، وَكَانَ أَحَدَ أَشْرَافِ قُرَيْشٍ، وَهُوَ أَحَدُ الَّذِينَ كَتَبُوا الْمُصْحَفَ لِعُثْمَانَ، وَاسْتَعْمَلَهُ عُثْمَانُ عَلَى الْكُوفَةِ، وَغَزَا بِالنَّاسِ طَبَرِسْتَانَ، فَافْتَتَحَهَا وَمَاتَ سَنَةَ تِسْعٍ وَخَمْسِينَ، ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ فِي فَصْلِ الصَّحَابَةِ. (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - " «حَقُّ كَبِيرِ الْإِخْوَةِ عَلَى صَغِيرِهِمْ حَقُّ الْوَالِدِ عَلَى وَلَدِهِ») أَيْ: كَحَقِّهِ عَلَيْهِمْ فَهُوَ مِنَ التَّشْبِيهِ الْبَلِيغِ مُبَالَغَةٌ (رَوَى الْبَيْهَقِيُّ الْأَحَادِيثَ الْخَمْسَةَ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ) وَلَفْظُ الْجَامِعِ: كَحَقِّ الْوَالِدِ عَلَى وَلَدِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
[ ٧ / ٣٠٩٩ ]