[ ٨ / ٣٣٤٣ ]
[٦] بَابُ الْبُكَاءِ وَالْخَوْفِ
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
٥٣٣٩ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁، قَالَ: قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ - ﷺ: " «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ، لَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا وَلَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا» "، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
[٦]
بَابُ الْبُكَاءِ وَالْخَوْفِ
جَمَعَ بَيْنَهُمَا تَنْبِيهًا لِتَلَازُمِهِمَا غَالِبًا، وَقَدَّمَ الْبُكَاءَ وَلَوْ سَبَبُهُ الْخَوْفُ لِظُهُورِهِ أَوَّلًا، أَوْ أُرِيدَ بِالْخَوْفِ التَّعْمِيمُ، فَذَكَرَهُ بَعْدَ الْبُكَاءِ كَالتَّتْمِيمِ، ثُمَّ الْبُكَاءُ بِالْقَصْرِ: خُرُوجُ الدَّمْعِ مَعَ الْحُزْنِ، وَبِالْمَدِّ: خُرُوجُهُ مَعَ رَفْعِ الصَّوْتِ، كَذَا قِيلَ، وَالْمَدُّ أَشْهَرُ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ لَهُ هَاهُنَا الْمَعْنَى الْأَعَمَّ، فَحَمْلُهُ عَلَى التَّجْرِيدِ فِي أَحَدِ مَعْنَيَيْهِ هُوَ الْأَتَمُّ.
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
٥٣٣٩ - (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ ") أَيْ: مِنْ عِقَابِ اللَّهِ لِلْعُصَاةِ، وَشِدَّةِ الْمُنَاقَشَةِ يَوْمَ الْحِسَابِ لِلْعُتَاةِ، وَكَشْفِ السَّرَائِرِ وَخُبْثِ النِّيَّاتِ (" لَبَكَيْتُمْ "): جَوَابُ الْقَسَمِ السَّادِّ مَسَدَّ جَوَابِ لَوْ (" كَثِيرًا ") أَيْ: بُكَاءً كَثِيرًا، أَوْ زَمَانًا كَثِيرًا، أَيْ: مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ، تَرْجِيحًا لِلْخَوْفِ عَلَى الرَّجَاءِ وَخَوْفًا مِنْ سُوءِ الْخَاتِمَةِ (" وَلَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا ")، وَكَأَنَّ الْحَدِيثَ مُقْتَبَسٌ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا﴾ [التوبة: ٨٢] قَالَ الْغَزَالِيُّ - ﵀ -: هَذَا الْحَدِيثُ مِنَ الْأَسْرَارِ الَّتِي أُودِعَهَا قَلْبَ مُحَمَّدٍ الْأَمِينِ الصَّادِقِ، وَيَجُوزُ إِفْشَاءُ السِّرِّ، فَإِنَّ صُدُورَ الْأَحْرَارِ قُبُورُ الْأَسْرَارِ، بَلْ كَانَ يَذْكُرُ ذَلِكَ لَهُمْ حَتَّى يَبْكُوا وَلَا يَضْحَكُوا، فَإِنَّ الْبُكَاءَ ثَمَرَةُ شَجَرَةِ حَيَاةِ الْقَلْبِ الْحَيِّ بِذِكْرِ اللَّهِ، وَاسْتِشْعَارِ عَظَمَتِهِ وَهَيْبَتِهِ وَجَلَالِهِ، وَالضَّحِكُ نَتِيجَةُ الْقَلْبِ الْغَافِلِ عَنْ ذَلِكَ، فَبِأَنَّ الْحَقِيقَةَ حَثَّ الْخَلْقِ عَلَى طَلَبِ الْقَلْبِ الْحَيِّ وَالتَّعَوُّذِ مِنَ الْقَلْبِ الْغَافِلِ، (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) أَيْ: مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَهُوَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ، وَكَذَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ، ذَكَرَهُ مِيرَكُ، وَفِي الْجَامِعِ: رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالشَّيْخَانِ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ عَنْ أَنَسٍ، وَالْحَاكِمُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَرَوَاهُ الضِّيَاءُ عَنْ أَبِي ذَرٍّ وَزَادَ: " وَلَمَا سَاغَ لَكُمُ الطَّعَامُ وَالشَّرَابُ "، وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ، وَالْحَاكِمُ، وَالْبَيْهَقِيُّ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ، وَلَفْظُهُ: " «لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا وَلَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا، وَلَخَرَجْتُمْ إِلَى الصُّعُدَاتِ تَجْأَرُونَ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى لَا تَدْرُونَ تَنْجُونَ أَوْ لَا تَنْجُونَ» "، وَسَيَأْتِي هَذَا الْحَدِيثُ فِي الْفَصْلِ الثَّانِي مُطَوَّلًا. وَرُوِيَ أَنَّ الْمُنَادِي يُنَادِي مِنَ السَّمَاءِ: لَيْتَ هَذَا الْخَلْقَ لَمْ يُخْلَقُوا، وَلَيْتَهُمْ إِذَا خُلِقُوا عَلِمُوا لِمَاذَا خُلِقُوا. وَعَنِ الصِّدِّيقِ الْأَكْبَرِ أَنَّهُ قَالَ: وَدِدْتُ أَنْ أَكُونَ خُضَرًا تَأْكُلُنِي الدَّوَابُّ مَخَافَةَ الْعَذَابِ. وَعَنْ عُمَرَ الْفَارُوقِ: أَنَّهُ سَمِعَ إِنْسَانًا يَقْرَأُ: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا﴾ [الإنسان: ١] فَقَالَ: لَيْتَهَا تَمَّتْ، بَلْ «وَرَدَ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي رِوَايَةٍ أَنَّهُ قَالَ: لَيْتَ رَبَّ مُحَمَّدٍ لَمْ يَخْلُقْ مُحَمَّدًا»، وَعَنِ الْفُضَيْلِ أَنَّهُ قَالَ: إِنِّي لَا أَغْبِطُ مَلَكًا مُقَرَّبًا، وَلَا نَبِيًّا مُرْسَلًا، وَلَا عَبْدًا صَالِحًا، أَلَيْسَ هَؤُلَاءِ يُعَانُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ إِنَّمَا أَغْبِطُ مَنْ لَا يُخْلَقُ.
[ ٨ / ٣٣٤٤ ]
٥٣٤٠ - وَعَنْ أُمِّ الْعَلَاءِ الْأَنْصَارِيَّةِ، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: " «وَاللَّهِ لَا أَدْرِي، وَاللَّهِ لَا أَدْرِي، وَأَنَا رَسُولُ اللَّهِ، مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ» "، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
_________________
(١) (وَعَنْ أُمِّ الْعَلَاءِ الْأَنْصَارِيَّةِ)، هِيَ مِنَ الْمُبَايِعَاتِ، رَوَى عَنْهَا خَارِجَةُ بْنُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ وَهِيَ أُمُّهُ، كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَعُودُهَا فِي مَرَضِهَا، (قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " وَاللَّهِ لَا أَدْرِي ")، وَفِي نُسْخَةٍ (" وَاللَّهِ لَا أَدْرِي ") مُكَرَّرًا، (" وَأَنَا رَسُولُ اللَّهِ ") - ﷺ - جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ (" مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ "): مَفْعُولُ لَا أَدْرِي، وَدُخُولُ " لَا " لِمَزِيدِ التَّأْكِيدِ ; لِيُفِيدَ اشْتِمَالَ النَّفْيِ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْقَبِيلَيْنِ عَلَى حِدَهْ. قَالَ الطِّيبِيُّ - ﵀ -: فِيهِ وُجُوهٌ، أَحَدُهَا: أَنَّ هَذَا الْقَوْلَ مِنْهُ حِينَ قَالَتِ امْرَأَةُ عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ لَمَّا تُوُفِّيَ: هَنِيئًا لَكَ الْجَنَّةُ، زَجْرًا لَهَا عَلَى سُوءِ الْأَدَبِ بِالْحُكْمِ عَلَى الْغَيْبِ، وَنَظِيرُهُ قَوْلُهُ لِعَائِشَةَ - ﵂،
[ ٨ / ٣٣٤٤ ]
وَعَنْ أَبِيهَا - حِينَ سَمِعَهَا تَقُولُ: طُوبَى لِهَذَا عُصْفُورٌ مِنْ عَصَافِيرِ الْجَنَّةِ، قُلْتُ: لَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا سَبَبُ وُرُودِ الْحَدِيثِ، وَزَمَانُ صُدُورِهِ، وَلَا مَدْخَلَ لَهُ إِزَالَةَ إِشْكَالِ مَعْنَاهُ. وَثَانِيهَا: أَنْ يَكُونَ هَذَا مَنْسُوخًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح: ٢] كَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ﴾ [الأحقاف: ٩]، قُلْتُ: وَفِيهِ أَنَّ النَّسْخَ عَلَى تَقْدِيرِ صِحَّتِهِ تَأْخِيرُ النَّاسِخِ إِنَّمَا يَكُونُ فِي الْأَحْكَامِ لَا فِي الْأَخْبَارِ، كَمَا هُوَ مُقَرَّرٌ فِي الِاعْتِبَارِ. وَثَالِثُهَا: أَنْ يَكُونَ نَفْيًا لِلدِّرَايَةِ الْمُفَصَّلَةِ دُونَ الْمُجْمَلَةِ، قُلْتُ: هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ. وَرَابِعُهَا: أَنْ يَكُونَ مَخْصُوصًا بِالْأُمُورِ الدُّنْيَوِيَّةِ، مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ إِلَى سَبَبِ وُرُودِ الْحَدِيثِ، قُلْتُ: وَهَذَا مُنْدَرِجٌ فِيمَا قَبْلَهُ وَالْحُكْمُ بِطَرِيقِ الْأَعَمِّ هُوَ الْوَجْهُ الْأَتَمُّ، وَالْمُرَادُ بِالْأُمُورِ الدُّنْيَوِيَّةِ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هِيَ الْجُوعُ وَالْعَطَشُ، وَالشِّبَعُ وَالرَّيُّ، وَالْمَرَضُ وَالصِّحَّةُ، وَالْفَقْرُ وَالْغِنَى، وَكَذَا حَالُ الْأُمَّةِ. وَقِيلَ: الْمَعْنَى: وَأُخْرَجُ مِنْ بَلَدِي أَمْ أُقْتَلُ، كَمَا فُعِلَ بِالْأَنْبِيَاءِ قَبْلِي، وَأَتُرْمَوْنَ بِالْحِجَارَةِ أَمْ يُخْسَفُ بِكُمْ كَالْكَذَّابِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ؟ وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ يُرِيدُ نَفْيَ عِلْمِ الْغَيْبِ عَنْ نَفْسِهِ، وَأَنَّهُ لَيْسَ بِمُطَّلِعٍ عَلَى الْمَكْنُونِ.
قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: لَا يَجُوزُ حَمْلُ هَذَا الْحَدِيثِ وَمَا وَرَدَ فِي مَعْنَاهُ عَلَى أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ مُتَرَدِّدًا فِي عَاقِبَةِ أَمْرِهِ، غَيْرَ مُتَيَقِّنٍ بِمَا لَهُ عِنْدَ اللَّهِ مِنَ الْحُسْنَى، لِمَا وَرَدَ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنَ الْأَحَادِيثِ الصِّحَاحِ الَّتِي يَنْقَطِعُ الْعُذْرُ دُونَهَا بِخِلَافِ ذَلِكَ، وَأَنَّى يُحْمَلُ ذَلِكَ، وَهُوَ الْمُخْبِرُ عَنِ اللَّهِ تَعَالَى أَنَّهُ يُبَلِّغُهُ الْمَقَامَ الْمَحْمُودَ، وَأَنَّهُ أَكْرَمُ الْخَلَائِقِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَأَنَّهُ أَوَّلُ شَافِعٍ وَأَوَّلُ مُشَفَّعٍ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ. (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) .
[ ٨ / ٣٣٤٥ ]
٥٣٤١ - وَعَنْ جَابِرٍ - ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: " «عُرِضَتْ عَلَيَّ النَّارُ، فَرَأَيْتُ فِيهَا امْرَأَةً مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ تُعَذَّبُ فِي هِرَّةٍ لَهَا، رَبَطَتْهَا فَلَمْ تُطْعِمْهَا وَلَمْ تَدَعْهَا تَأْكُلُ مِنْ خَشَاشِ الْأَرْضِ حَتَّى مَاتَتْ جُوعًا، وَرَأَيْتُ عَمْرَو بْنَ عَامِرٍ الْخُزَاعِيَّ يَجُرُّ قُصْبَهُ فِي النَّارِ، وَكَانَ أَوَّلَ مَنْ سَيَّبَ السَّوَائِبَ» "، رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
_________________
(١) (وَعَنْ جَابِرٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " عُرِضَتْ عَلَيَّ النَّارُ ")، أَيْ: أُظْهِرَتْ لِي وَأَهْلُهَا (" فَرَأَيْتُ فِيهَا امْرَأَةً مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ ") أَيْ: مِنْ مُؤْمِنِيهِمْ (" تُعَذَّبُ فِي هِرَّةٍ ")، أَيْ: فِي شَأْنِ هِرَّةٍ وَلِأَجْلِهَا، وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ: فِي هِرَّةٍ لَهَا (" رَبَطَتْهَا "): اسْتِئْنَافُ بَيَانٍ (" فَلَمْ تُطْعِمْهَا ") أَيْ: كِفَايَتَهَا (" وَلَمْ تَدَعْهَا ") أَيْ: وَلَمْ تَتْرُكْهَا (" تَأْكُلُ "): بِالرَّفْعِ وَالْجُمْلَةُ حَالٌ أَيْ: تَصِيدُ وَتَأْكُلُ (" مِنْ خَشَاشِ الْأَرْضِ ") بِفَتْحِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَتُكْسَرُ وَتُضَمُّ، فَفِي الْقَامُوسِ: الْخَشَاشُ مُثَلَّثٌ: حَشَرَاتُ الْأَرْضِ. وَقَالَ ابْنُ الْمَلِكِ: هُوَ بِفَتْحِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَكَسْرِهَا وَضَمِّهَا، وَالْفَتْحُ أَظْهَرُ، وَفِي النِّهَايَةِ: وَرُوِيَ بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَهُوَ يَابِسُ النَّبَاتِ وَهُوَ وَهْمٌ. (" حَتَّى مَاتَتْ ") أَيِ: الْهِرَّةُ (" جُوعًا، وَرَأَيْتُ عَمْرَو بْنَ عَامِرٍ الْخُزَاعِيَّ ") بِضَمِّ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ نِسْبَةً إِلَى بَنِي خُزَاعَةَ قَبِيلَةٍ مَشْهُورَةٍ، قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ سَنَّ عِبَادَةَ الْأَصْنَامِ بِمَكَّةَ، وَحَمَلَ أَهْلَهَا بِالتَّقَرُّبِ إِلَيْهَا بِتَسْيِيبِ السَّوَائِبِ، وَهُوَ أَنْ يَتْرُكَ الدَّابَّةَ فَتَسِيرَ حَيْثُ شَاءَتْ، فَلَا تُرَدُّ عَنْ حَوْضٍ وَعَلَفٍ، وَلَا يُتَعَرَّضُ لَهَا بِرُكُوبٍ وَلَا حَمْلٍ، وَكَانُوا يُسَيِّبُونَ الْعَبِيدَ أَيْضًا بِأَنْ يُعْتِقُوهُمْ، وَلَا يَكُونَ الْوَلَاءُ لِلْمُعْتِقِ، وَلَا عَلَى الْمُعْتَقِ حَجْرٌ فِي مَالِهِ، فَيَضَعَهُ حَيْثُ شَاءَ، وَقَدْ قَالَ لَهُ: إِنَّهُ سَائِبَةٌ. (" يَجُرُّ ") أَيْ: يَجْذِبُ (" قُصْبَهُ ") بِضَمِّ قَافٍ فَسُكُونِ صَادٍ مُهْمَلَةٍ أَيْ: أَمْعَاءَهُ (" فِي النَّارِ ")، وَقِيلَ: لَعَلَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كُوشِفَ مِنْ سَائِرِ مَا كَانَ يُعَاقَبُ بِهِ فِي النَّارِ بِجَرِّ قُصْبِهِ فِي النَّارِ ; لِأَنَّهُ اسْتَخْرَجَ مِنْ بَاطِنِهِ بِدْعَةً جَرَّ بِهَا الْجَرِيرَةَ إِلَى قَوْمِهِ الْجَرِيمَةَ، (" وَكَانَ أَوَّلَ مَنْ سَيَّبَ السَّوَائِبَ ")، أَيْ: وَضَعَ تَحْرِيمَ السَّوَائِبِ، جَمْعُ سَائِبَةٍ، وَهِيَ نَاقَةٌ يُسَيِّبُهَا الرَّجُلُ عِنْدَ بُرْئِهِ مِنَ الْمَرَضِ، أَوْ قُدُومِهِ مِنَ السَّفَرِ، فَيَقُولُ: نَاقَتِي سَائِبَةٌ فَلَا تُمْنَعُ مِنَ الْمَرَاعِي، وَلَا تُرَدُّ عَنْ حَوْضٍ، وَلَا عَنْ عَلَفٍ، وَلَا يُحْمَلُ عَلَيْهَا، وَلَا يُرْكَبُ عَلَيْهَا، وَلَا تُحْلَبُ، وَكَانَ ذَلِكَ تَقَرُّبًا مِنْهُمْ إِلَى أَصْنَامِهِمْ، وَقِيلَ: نَاقَةٌ وَلَدَتْ عَشْرَ إِنَاثٍ عَلَى التَّوَالِي ذَكَرَهُ ابْنُ الْمَلِكِ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ)، أَيْ مِنْ حَدِيثٍ طَوِيلٍ يَتَضَمَّنُ ذِكْرُهُ صَلَاةَ الْكُسُوفِ عَنْ جَابِرٍ، وَاتَّفَقَ هُوَ وَالْبُخَارِيُّ عَلَى إِخْرَاجِ حَدِيثِ الْهِرَّةِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَيْضًا، وَلَيْسَ فِيهِ ذِكْرُ عَمْرِو بْنِ عَامِرٍ، لَكِنَّ رُؤْيَا حَدِيثِ عَمْرٍو مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، كَذَا نَقَلَهُ مِيرَكُ عَنِ التَّصْحِيحِ، وَفِي الْجَامِعِ: رَأَيْتُ عَمْرَو بْنَ عَامِرٍ الْخُزَاعِيَّ يَجُرُّ قُصْبَهُ فِي النَّارِ، وَكَانَ أَوَّلَ مَنْ سَيَّبَ السَّوَائِبَ وَبَحَرَ الْبَحَائِرَ، يَعْنِي: إِذَا نَتَجَتِ النَّاقَةُ خَمْسَةَ أَبْطُنٍ بَحَرُوا أُذُنَهَا أَيْ شَقُّوهَا، وَخَلَّوْا سَبِيلَهَا فَلَا تُرْكَبُ وَلَا تُحْلَبُ.
[ ٨ / ٣٣٤٥ ]
٥٣٤٢ - وَعَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ - ﵂ - «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - دَخَلَ عَلَيْهَا يَوْمًا فَزِعًا يَقُولُ: " لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، مِنْ شَرٍّ قَدِ اقْتَرَبَ، فُتِحَ الْيَوْمَ مِنْ رَدْمِ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مِثْلُ هَذِهِ " وَحَلَّقَ بِأُصْبَعَيْهِ: الْإِبْهَامَ وَالَّتِي تَلِيهَا، قَالَتْ زَيْنَبُ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَفَنُهْلَكُ وَفِينَا الصَّالِحُونَ؟ قَالَ: " نَعَمْ، إِذَا كَثُرَ الْخَبَثُ» " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
_________________
(١) (وَعَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ) مَرَّ ذِكْرُهَا، وَهِيَ إِحْدَى أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دَخَلَ عَلَيْهَا يَوْمًا فَزِعًا) بِفَتْحٍ فَكَسْرٍ، أَيْ: خَائِفًا (يَقُولُ: " لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَيْلٌ لِلْعَرَبِ ") فَفِي الْقَامُوسِ: الْوَيْلُ: حُلُولُ الشَّرِّ، وَهُوَ تَفْجِيعٌ، انْتَهَى. وَخَصَّ بِذَلِكَ الْعَرَبَ لِأَنَّهُمْ كَانُوا مُعْظَمَ مَنْ أَسْلَمَ حِينَئِذٍ (" مِنْ شَرٍّ ") أَيْ: خُرُوجِ جَيْشٍ يُقَاتِلُ الْعَرَبَ (" قَدِ اقْتَرَبَ ")، أَيْ: قَرُبَ ذَلِكَ الشَّرُّ فِي غَايَةِ الْقُرْبِ، بَيَانُهُ قَوْلُهُ: (" فُتِحَ الْيَوْمَ مِنْ رَدْمِ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ ") بِالْأَلِفِ وَيُهْمَزُ فِيهِمَا بِلَا انْصِرَافٍ، وَالْمُرَادُ بِالرَّدْمِ: السَّدُّ، وَالِاسْمُ وَالْمَصْدَرُ فِيهِ سَوَاءٌ، وَهُوَ السَّدُّ الَّذِي بَنَاهُ ذُو الْقَرْنَيْنِ (" مِثْلُ هَذِهِ ") بِالرَّفْعِ عَلَى أَنَّهُ نَائِبُ الْفَاعِلِ لِقَوْلِهِ: فُتِحُ، وَالْإِشَارَةُ إِلَى الْحَلْقَةِ الْمُبَيَّنَةِ بِقَوْلِهِ: (وَحَلَّقَ) بِتَشْدِيدِ اللَّامِ أَيْ: جَعَلَ حَلْقَةً (بِأُصْبَعَيْهِ ") أَيْ: بِضَمِّهَا (الْإِبْهَامَ وَالَّتِي تَلِيهَا) بِالنَّصْبِ عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولُ حَلَّقَ، أَوْ عَلَى تَفْسِيرِ الْأُصْبُعَيْنِ بِتَقْدِيرِ: أَعْنِي، وَيَجُوزُ جَرُّهُمَا عَلَى الْبَدَلِيَّةِ، وَالْمُرَادُ: أَنَّهُ يَكُنْ فِي ذَلِكَ الرَّدْمِ ثُقْبَةٌ إِلَى الْيَوْمِ، وَقَدِ انْفَتَحَتْ فِيهِ إِذِ انْفِتَاحُهَا مِنْ عَلَامَاتِ قُرْبِ السَّاعَةِ، فَإِذَا اتَّسَعَتْ خَرَجُوا، وَذَلِكَ بَعْدَ خُرُوجِ الدَّجَّالِ كَمَا سَيَأْتِي قَرِيبًا، وَيَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ جِنْسَانِ مِنْ بَنِي آدَمَ، وَطَائِفَتَانِ كَافِرَتَانِ مِنَ التُّرْكِ، (قَالَتْ زَيْنَبُ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَفَنُهْلَكُ): بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ مِنَ الْإِهْلَاكِ، وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ بِفَتْحِ النُّونِ وَكَسْرِ اللَّامِ (وَفِينَا الصَّالِحُونَ) أَيْ: أَنُعَذَّبُ فَنُهْلَكُ نَحْنُ مَعْشَرَ الْأُمَّةِ، وَالْحَالُ أَنَّ بَعْضَنَا مُؤْمِنُونَ، وَفِينَا الطَّيِّبُونَ الطَّاهِرُونَ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ هَذَا مِنْ بَابِ الِاكْتِفَاءِ عَلَى تَقْدِيرِ الِاسْتِغْنَاءِ، أَيْ: وَفِينَا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ، (قَالَ: " نَعَمْ ")، أَيْ: يُهْلَكُ الطَّيِّبُ أَيْضًا (" إِذَا كَثُرَ الْخَبَثُ ") بِفَتْحَتَيْنِ أَيِ: الْفِسْقُ، وَالْفُجُورُ، وَالشِّرْكُ، وَالْكُفُورُ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ الزِّنَا، وَالْمَقْصُودُ: أَنَّ النَّارَ إِذَا وَقَعَتْ فِي مَوْضِعٍ وَاشْتَدَّتْ أَكَلَتِ الرَّطْبَ وَالْيَابِسَ، وَغَلَبَتْ عَلَى الطَّاهِرِ وَالنَّجِسِ، وَلَا تُفَرِّقُ بَيْنَ الْمُؤْمِنِ وَالْمُنَافِقِ، وَالْمُخَالِفِ وَالْمُوَافِقِ، وَسَيَأْتِي أَنَّ اللَّهَ إِذَا أَنْزَلَ بِقَوْمٍ عَذَابًا أَصَابَ الْعَذَابُ مَنْ كَانَ فِيهِمْ، ثُمَّ بُعِثُوا عَلَى أَعْمَالِهِمْ، وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ: الْخُبْثُ بِضَمٍّ فَسُكُونٍ، أَيِ: الْفَوَاحِشُ وَالْفُسُوقُ، أَوْ مَعْنَاهُمَا وَاحِدٌ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) . وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ، وَالْحَاكِمُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: «وَيْلٌ لِلْعَرَبِ مِنْ شَرٍّ قَدِ اقْتَرَبَ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ كَفَّ يَدَهُ» .
[ ٨ / ٣٣٤٦ ]
٥٣٤٣ - وَعَنْ أَبِي عَامِرٍ، أَوْ أَبِي مَالِكٍ الْأَشْعَرِيِّ - ﵁ -، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يَقُولُ: " «لَيَكُونَنَّ مِنْ أُمَّتِي أَقْوَامٌ يَسْتَحِلُّونَ الْخَزَّ وَالْحَرِيرَ وَالْخَمْرَ وَالْمَعَازِفَ وَلَيَنْزِلَنَّ أَقْوَامٌ إِلَى جَنْبِ عَلَمٍ يَرُوحُ عَلَيْهِمْ بِسَارِحَةٍ لَهُمْ يَأْتِيهِمْ رَجُلٌ لِحَاجَةٍ فَيَقُولُونَ: ارْجِعْ إِلَيْنَا غَدًا، فَيُبَيِّتُهُمُ اللَّهُ، وَيَضَعُ الْعَلَمَ، وَيَمْسَخُ آخَرِينَ قِرَدَةً وَخَنَازِيرَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ» ". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. وَفَى بَعْضِ نُسَخِ (الْمَصَابِيحِ): (الْحَرَّ) بِالْحَاءِ وَالرَّاءِ الْمُهْمَلَتَيْنِ، وَهُوَ تَصْحِيفٌ، وَإِنَّمَا هُوَ بِالْخَاءِ وَالزَّايِ الْمُعْجَمَتَيْنِ، نَصَّ عَلَيْهِ الْحُمَيْدِيُّ، وَابْنُ الْأَثِيرِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ، وَفَى كِتَابِ (الْحُمَيْدِيِّ) عَنِ الْبُخَارِيِّ، وَكَذَا فِي (شَرْحِهِ) لِلْخَطَّابِيِّ: (تَرُوحُ عَلَيْهِمْ سَارِحَةٌ لَهُمْ يَأْتِيهِمْ لِحَاجَةٍ) .
_________________
(١) (وَعَنْ أَبِي عَامِرٍ) هُوَ عَمُّ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ، وَاسْمُهُ عَبِيدُ بْنُ وَهْبٍ (وَأَبِي مَالِكٍ الْأَشْعَرِيِّ) وَيُقَالُ لَهُ الْأَشْجَعِيُّ، وَاسْمُهُ مُخْتَلَفٌ فِيهِ، وَقَدْ أَخْرَجَ حَدِيثَهُ الْبُخَارِيُّ بِالشَّكِّ، فَقَالَ: عَنْ أَبِي مَالِكٍ الْأَشْعَرِيِّ أَوْ أَبِي عَامِرٍ، (قَالَ) أَيْ: أَحَدُهُمَا (سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: " لَيَكُونَنَّ مِنْ أُمَّتِي ") كَذَا هُوَ فِي نُسَخِ الْبُخَارِيِّ، أَيْ: مِنْ جُمْلَتِهِمْ وَوَقَعَ فِي الْمَصَابِيحِ فِي أُمَّتِي (" أَقْوَامٌ ") أَيْ: جَمَاعَاتٌ (" يَسْتَحِلُّونَ الْخَزَّ ") بِفَتْحِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَتَشْدِيدِ الزَّايِ: نَوْعٌ مِنَ الْحَرِيرِ رَدِيهٌ (" وَالْحَرِيرَ وَالْخَمْرَ "): تَخْصِيصٌ بَعْدَ تَعْمِيمٍ، أَوِ الْمُرَادُ بِالنَّهْيِ عَنِ الْخَزِّ هُوَ الرُّكُوبُ عَلَيْهِ وَفَرْشُهُ لِلْوَطْءِ ; لِأَنَّهُ مِنَ الْإِسْرَافِ، وَهُوَ مَكْرُوهٌ، وَإِلَّا فَلَا، وَنَهْيُهُ عَنْ لُبْسِهِ فَإِنَّهُ ثَوْبٌ يُنْسَجُ مِنْ صُوفٍ وَإِبْرَيْسَمٍ، نَعَمْ إِذْ كَانَ لِحْمَتُهُ حَرِيرًا وَسِدَاهُ غَيْرَهُ فَمَمْنُوعٌ لُبْسُهُ إِلَّا فِي الْحَرْبِ، بِخِلَافِ الْعَكْسِ فَإِنَّهُ قُطْنِيٌّ مَشْرُوعٌ لُبْسُهُ (" وَالْمَعَازِفَ ")، بِفَتْحِ الْمِيمِ أَيْ: آلَاتِ اللَّهْوِ يُضْرَبُ بِهَا، كَالطُّبُولِ، وَالْعُودِ، وَالْمِزْمَارِ، وَنَحْوِهَا، وَالْمَعْنَى: يَعُدُّونَ هَذِهِ الْمُحَرَّمَاتِ حَلَالَاتٍ بِإِرَادَاتِ شُبُهَاتٍ وَأَدِلَّةٍ وَاهِيَاتٍ، مِنْهَا: مَا ذَكَرَهُ بَعْضُ عُلَمَائِنَا مِنْ أَنَّ الْحَرِيرَ إِنَّمَا يَحْرُمُ إِذَا كَانَ مُلْتَصِقًا بِالْجَسَدِ، وَأَمَّا إِذَا لُبِسَ فَوْقَ الثِّيَابِ فَلَا بَأْسَ بِهِ، فَهَذَا تَقْيِيدٌ مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ نَقْلِيٍّ وَلَا عَقْلِيٍّ، وَلِإِطْلَاقِ كَلَامِ الشَّارِعِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِقَوْلِهِ: " «مَنْ لَبِسَ الْحَرِيرَ فِي الدُّنْيَا لَمْ يَلْبَسْهُ فِي الْآخِرَةِ» " وَكَثِيرٌ مِنَ الْأُمَرَاءِ وَالْعَوَامِّ إِذَا قِيلَ لَهُمْ: لُبْسُ الْحَرِيرِ حَرَامٌ، يَقُولُونَ: لَوْ كَانَ حَرَامًا لَمَا لَبِسَهُ الْقُضَاةُ
[ ٨ / ٣٣٤٦ ]
وَالْعُلَمَاءُ الْأَعْلَامُ، فَيَقَعُونَ فِي اسْتِحْلَالِ الْحَرَامِ، وَكَذَلِكَ لِبَعْضِ الْعُلَمَاءِ تَعَلُّقَاتٌ بِالْمَعَازِفِ يَطُولُ بَيَانُهَا، فَأَعْرَضْتُ عَنْ تَفْصِيلِ شَأْنِهَا، فَإِنَّهُ يَحْتَاجُ إِلَى مُصَنَّفٍ مُسْتَقِلٍّ فِي تِبْيَانِهَا، وَهَذَا الْحَدِيثُ مُؤَيَّدٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [لقمان: ٦] وَرَوَى ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا فِي ذَمِّ الْمَلَاهِي عَنْ أَنَسٍ مَرْفُوعًا: " «لَيَكُونَنَّ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ خَسْفٌ وَقَذْفٌ وَمَسْخٌ وَذَلِكَ إِذَا شَرِبُوا الْخُمُورَ وَاتَّخَذُوا الْقَيْنَاتِ وَضَرَبُوا بِالْمَعَازِفِ» " أَيْ: إِذَا فَعَلُوا هَذِهِ الْأَشْيَاءَ مُسْتَحِلِّينَ لَهَا. (" وَلَيَنْزِلَنَّ أَقْوَامٌ ") أَيْ: مِنْهُمْ عَلَى مَا هُوَ الظَّاهِرُ مِنِ اسْتِحْقَاقِهِمُ الْعَذَابَ (" إِلَى جَنْبِ عَلَمٍ ") أَيْ: جَبَلٍ (" يَرُوحُ ") أَيْ: يَسِيرُ (" عَلَيْهِمْ بِسَارِحَةٍ لَهُمْ ") أَيْ: مَاشِيَةٍ لَهُمْ، وَالْبَاءُ زَائِدَةٌ فِي الْفَاعِلِ، وَقِيلَ: الصَّوَابُ يَرُوحُ عَلَيْهِمْ رَجُلٌ بِسَارِحَةٍ، ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ - ﵀ - وَالْأَظْهَرُ أَنَّ الْفِعْلَ نَزَلَ مَنْزِلَةَ اللَّازِمِ، وَالتَّقْدِيرُ: يَقَعُ السَّيْرُ عَلَيْهَا بِسَيْرِ مَاشِيَةٍ، وَفِيهِ إِشَارَةٌ لَطِيفَةٌ إِلَى أَنَّهُمْ فِي سَيْرِهِمْ تَابِعُونَ لِحَيَوَانَاتِهِمْ عَلَى مُقْتَضَى الطِّبَاعِ الْحَيَوَانِيَّةِ وَالشَّهَوَاتِ النَّفْسَانِيَّةِ، وَتَارِكُونَ مُتَابَعَةَ الْعُلَمَاءِ بِالْآيَاتِ الْقُرْآنِيَّةِ وَالْأَحَادِيثِ النُّورَانِيَّةِ، وَلِذَا وَقَعُوا فِيمَا وَقَعُوا أَوَّلًا، وَجَوَّزُوا عَلَى مَا فَعَلُوا آخِرًا، وَقِيلَ: الْأَظْهَرُ أَنَّ الْفَاعِلَ ضَمِيُرٌ مَفْهُومٌ مِنَ السِّيَاقِ، أَيْ: يَأْتِيهِمْ رَاعِيهِمْ كُلَّ حِينٍ بِسَارِحَةٍ أَيْ مَاشِيَةٍ لَهُمْ تَسْرَحُ بِالْغُدْوَةِ يَنْتَفِعُونَ بِأَلْبَانِهَا وَأَوْبَارِهَا، (" يَأْتِيهِمْ رَجُلٌ لِحَاجَةٍ ") أَيْ: ضَرُورِيَّةٍ، وَإِلَّا فَهُمْ مُبْعَدُونَ مِنْ أَنْ يَأْتِيَهُمُ النَّاسُ، أَوْ مِنْ أَنْ يَحْصُلَ لَهُمْ بِأَحَدٍ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ شَيْءٌ مِنَ الِاسْتِئْنَاسِ (" فَيَقُولُونَ ") أَيْ: تَعَلُّلًا أَوْ بُخْلًا وَتَذَلُّلًا (" ارْجِعْ إِلَيْنَا غَدًا ") أَيْ: لِنَقْضِيَ حَاجَتَكَ، أَوْ لِنُؤَدِّيَ طَلَبَكَ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَقُولُونَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ (" فَيُبَيِّتُهُمْ ") بِالتَّشْدِيدِ، أَيْ: يُعَذِّبُهُمْ (" اللَّهُ ") بِاللَّيْلِ فَإِنَّهُ أَدْهَى بِالْوَيْلِ (" وَيَضَعُ ") أَيْ: يُوقِعُ اللَّهُ وَيُسْقِطُ (" الْعَلَمَ ")، أَيِ: الْجَبَلَ عَلَى بَعْضِهِمْ، كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: (" وَيَمْسَخُ آخَرِينَ قِرَدَةً وَخَنَازِيرَ ") أَيْ: وَيُحَوِّلُ صُوَرَ بَعْضِهِمْ إِلَى صُوَرِ الْقِرَدَةِ وَالْخَنَازِيرِ، فَيَكُونُ نَصْبُهَا بِنَزْعِ الْخَافِضِ وَإِيصَالِ الْفِعْلِ إِلَيْهِمَا، فَفِي الْقَامُوسِ: مَسَخَهُ كَمَنَعَهُ حَوَّلَ صُورَتَهُ إِلَى أُخْرَى، وَلَعَلَّ الْمُرَادَ أَنَّ شَبَابَهُمْ صَارُوا قِرَدَةً، وَشُيُوخَهُمْ خَنَازِيرَ ; لِكَثْرَةِ ذُنُوبِ الْكِبَارِ وَتَخْفِيفِ أَمْرِ الصِّغَارِ، فَإِنَّ الْقِرْدَ يَبْقَى فِيهِ نَوْعٌ مِنَ الْمَعْرِفَةِ، وَصِنْفٌ مِنَ الْمُشَابَهَةِ بِالْجِنْسِ الْإِنْسَانِيِّ، وَقَوْلُهُ: (" إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ") إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ مَسْخَهُمُ امْتَدَّ إِلَى الْمَوْتِ، وَأَنَّ مَنْ مَاتَ فَقَدْ قَامَتْ قِيَامَتُهُ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ حَشْرُهُمْ عَلَى تِلْكَ الصُّورَةِ أَيْضًا. (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ)، وَكَذَا أَبُو دَاوُدَ. وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ: «لَيَبِيتَنَّ أَقْوَامٌ مِنْ أُمَّتِي عَلَى أَكْلٍ وَلَهْوٍ وَلَعِبٍ ثُمَّ لَيُصْبِحُنَّ قِرَدَةً وَخَنَازِيرَ» .
(وَفِي بَعْضِ نُسَخِ " الْمَصَابِيحِ ": " الْحِرَّ " بِالْحَاءِ) أَيِ: الْمَكْسُورَةِ (وَالرَّاءِ) أَيِ: الْمُخَفَّفَةِ (الْمُهْمَلَتَيْنِ، وَهُوَ تَصْحِيفٌ، وَإِنَّمَا هُوَ بِالْخَاءِ) أَيِ: الْمَفْتُوحَةِ (وَالزَّايِ) أَيِ: الْمُشَدَّدَةِ (الْمُعْجَمَتَيْنِ، نَصَّ عَلَيْهِ الْحُمَيْدِيُّ) أَيِ: الْجَامِعُ بَيْنَ الصَّحِيحَيْنِ (وَابْنُ الْأَثِيرِ) أَيْ: صَاحِبُ جَامِعِ الْأُصُولِ (فِي هَذَا الْحَدِيثِ، وَفِي كِتَابِ " الْحُمَيْدِيِّ " عَنِ الْبُخَارِيِّ)، أَيْ: رِوَايَةٌ عَنْهُ أَيْضًا (وَكَذَا فِي " شَرْحِهِ ") أَيْ: شَرْحِ الْبُخَارِيِّ (لِلْخَطَّابِيِّ: " تَرُوحُ ") قِيلَ: بِالتَّأْنِيثِ، وَيَجُوزُ تَذْكِيرُهُ، بَلْ هُوَ الْأَظْهَرُ، فَتَدَبَّرْ، (" عَلَيْهِمْ سَارِحَةٌ لَهُمْ ") أَيْ: بِغَيْرِ الْبَاءِ الْجَارَّةِ (" يَأْتِيهِمْ لِحَاجَةٍ ") أَيْ: بِحَذْفِ الْفَاعِلِ، وَالتَّقْدِيرُ: يَأْتِيهَا الْآتِي، أَوِ الْمُحْتَاجُ، أَوِ الرَّجُلُ عَلَى مَا يُفْهَمُ مِنَ السِّيَاقِ، وَلِلْإِسْمَاعِيلِيِّ: يَأْتِيهِمْ طَالِبُ حَاجَةٍ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْعَسْقَلَانِيُّ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
ثُمَّ لِلشُّرَّاحِ هُنَا مَبَاحِثُ شَرِيفَةٌ وَأَجْوِبَةٌ لَطِيفَةٌ، مِنْهَا قَوْلُ الشَّيْخِ التُّورِبِشْتِيِّ - ﵀ -: الْحَرُ بِتَخْفِيفِ الرَّاءِ الْفَرْجُ، وَقَدْ صُحِّفَ هَذَا اللَّفْظُ فِي كِتَابِ الْمَصَابِيحِ، وَكَذَلِكَ صَحَّفَهُ بَعْضُ الرُّوَاةِ مِنْ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ، فَحَسِبُوهُ الْخَزَّ بِالْخَاءِ وَالزَّايِ الْمَنْقُوطَيْنِ، وَالْخَزُّ لَمْ يُحَرَّمْ حَتَّى يُسْتَحَلَّ، وَلَقَدْ وَجَدْتُ مِنَ النَّاسِ مَنِ اعْتَنَى بِخَطِّ مَنْ كَانَ يَعْرِفُ بِعِلْمِ الْحَدِيثِ وَحِفْظِهِ، فَقَدْ كَانَ قَيْدُهُ بِالْخَاءِ وَالزَّايِ الْمَنْقُوطَيْنِ، حَتَّى ثَبَتَ لَهُ أَنَّهُ صُحِّفَ، أَوِ اتَّبَعَ رِوَايَةَ بَعْضِ مَنْ
[ ٨ / ٣٣٤٧ ]
لَمْ يَعْلَمْ. وَمِنْهَا: قَوْلُهُ أَيْضًا فِي قَوْلِهِ: تَرُوحُ عَلَيْهِمْ بِسَارِحَتِهِ، سَقَطَ مِنْهُ فَاعِلُ تَرُوحُ، فَالْتَبَسَ الْمَعْنَى عَلَى مَنْ لَمْ يَعْلَمْ بِهِ، وَإِنَّمَا الصَّوَابُ: يَرُوحُ عَلَيْهِمْ رِجَالٌ بِسَارِحَةٍ لَهُمْ، كَذَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي كِتَابِهِ، وَإِنَّمَا السَّهْوُ مِنَ الْمُؤَلِّفِ ; لِأَنَّا وَجَدْنَا النُّسَخَ سَائِرَهَا عَلَى ذَلِكَ، وَمِنْهَا قَوْلُهُ: وَيَضَعُ الْعِلْمَ سَقَطَ كَلِمَةٌ وَهِيَ (عَلَيْهِمْ)، انْتَهَى.
وَيُؤَيِّدُهُ مَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْمَفَاتِيحِ مِنْ شُرَّاحِ الْمَصَابِيحِ، مِنْ أَنَّ الْحِرَ بِحَاءٍ مُهْمَلَةٍ مَكْسُورَةٍ وَرَاءٍ مُهْمَلَةٍ مُخَفَّفَةٍ، وَأَصْلُهُ الْحِرْحُ، فَحُذِفَتِ الْحَاءُ الْأَخِيرَةُ، وَجَمْعُهُ أَحْرَاحٌ، وَالْحِرُ: الْفَرْجُ، يَعْنِي: قَدْ يَكُونُ جَمَاعَةٌ فِي آخِرِ الزَّمَانِ يَزْنُونَ وَيَعْتَقِدُونَ أَنَّهُ إِذَا رَضِيَ الزَّوْجُ وَالْمَرْأَةُ حَلَّ مِنْهَا جَمِيعُ أَنْوَاعِ الِاسْتِمْتَاعَاتِ، وَيَقُولُونَ: الْمَرْأَةُ مِثْلُ الْبُسْتَانِ، فَكَمَا أَنَّ لِصَاحِبِ الْبُسْتَانِ أَنْ يُبِيحَ ثَمَرَةَ بُسْتَانِهِ لِمَنْ شَاءَ، فَكَذَلِكَ لِلزَّوْجِ أَنَّ يُبِيحَ زَوْجَتَهُ لِمَنْ شَاءَ، وَالَّذِينَ لَهُمْ هَذَا الِاعْتِقَادُ هُمُ الْحِرَفِيُّونَ وَالْمَلَاحِدَةُ، وَأَمَّا لُبْسُ الْحَرِيرِ فَهُوَ حَرَامٌ عَلَى الرِّجَالِ، وَمَنِ اعْتَقَدَ حِلَّهُ فَهُوَ كَافِرٌ، وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ اخْتَلَفَ نُسَخُ الْمَصَابِيحِ فِي مَوْضِعَيْنِ لِأَحَدِهِمَا فِي الْحِرِ فَإِنَّهُ فِي بَعْضِ النُّسَخِ بِالْخَاءِ وَالزَّايِ الْمُعْجَمَتَيْنِ، وَالصَّوَابُ مَا قُلْنَا فَإِنَّهُ ذُكِرَ فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ بِالْحَاءِ وَالرَّاءِ الْمُهْمَلَتَيْنِ، وَالْمَوْضِعُ الثَّانِي قَوْلُهُ: يَرُوحُ عَلَيْهِمْ رَجُلٌ بِسَارِحَتِهِ لَهُمْ، فَفِي بَعْضِ النُّسَخِ هَكَذَا، وَفِي بَعْضِهَا يَرُوحُ عَلَيْهِمْ مِنْ غَيْرِ لَفْظِ رَجُلٍ، وَالرَّجُلُ مَذْكُورٌ فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ، وَأَفَادَ هَذَا الْحَدِيثُ أَنَّهُ يَكُونُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ نُزُولُ الْفِتَنِ، وَمَسْخُ الصُّوَرِ، فَلْيَجْتَنِبِ الْمُؤْمِنُ الْمَعَاصِيَ ; كَيْلَا يَقَعَ فِي الْعَذَابِ وَمَسْخِ الصُّوَرِ.
قَالَ الطِّيبِيُّ - ﵀ - بَعْدَ نَقْلِهِ كَلَامَ الشَّارِحِ الْأَوَّلِ: أَمَّا قَوْلُهُ أَوَّلًا فَقَدْ صُحِّفَ إِلَى آخِرِهِ، فَجَوَابُهُ مَا ذَكَرَهُ الْحُمَيْدِيُّ فِي الْجَمْعِ بَيْنَ الصَّحِيحَيْنِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ، بَعْدَ مَا رَوَى: يَسْتَحِلُّونَ الْخَزَّ، بِالْخَاءِ وَالزَّايِ الْمُعْجَمَتَيْنِ، قُلْتُ: مُعَارَضَةُ الْخَصْمِ لَا تَصْلُحُ أَنْ تَكُونَ جَوَابًا، قَالَ: وَالَّذِي ذَكَرَهُ إِسْحَاقُ الْحَرْبِيُّ فِي بَابِ الْحَاءِ وَالرَّاءِ لَيْسَ مِنْ هَذَا فِي شَيْءٍ، إِنَّمَا هُوَ حَدِيثٌ آخَرُ عَنْ أَبِي ثَعْلَبَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: " «أَوَّلُ دِينِكُمْ نُبُوَّةٌ وَرَحْمَةٌ، ثُمَّ مُلْكٌ وَرَحْمَةٌ وَخَيْرَةٌ، ثُمَّ مُلْكٌ غَضٌّ يُسْتَحَلُّ فِيهِ الْحَرُ وَالْحَرِيرُ» "، يُرِيدُ اسْتِحْلَالَ الْحَرَامِ مِنَ الْفُرُوجِ، وَهَذَا لَا يَتَّفِقُ مَعَ الَّذِي أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ، وَكَذَلِكَ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ فِي السُّنَنِ فِي كِتَابِ اللِّبَاسِ فِي بَابِ الْخَزِّ وَلِبَاسِهِ، وَإِنَّمَا ذَكَرْنَا ذَلِكَ لِأَنَّ مِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَوَهَّمُ فِي ذَلِكَ شَيْئًا فَبَيَّنَاهُ، وَحَدِيثُ أَبِي ثَعْلَبَةَ لَيْسَ مِنْ شَرْطِ الصَّحِيحِ، ثُمَّ كَلَامُهُ أَيْ: كَلَامُ أَبِي إِسْحَاقَ، وَقَرِيبٌ مِنْهُ مَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ النِّهَايَةِ فِي بَابِ الْحَاءِ وَالرَّاءِ الْمُهْمَلَتَيْنِ، قُلْتُ: كَوْنُهُ حَدِيثًا آخَرَ مُسَلَّمٌ، لَكِنَّهُ مُؤَيِّدٌ لِلْمُنَازَعِ فِيهِ، بَلْ نَصٌّ فِي الْمَعْنَى الْمُرَادِ، وَلَا يَضُرُّهُ أَنَّهُ لَيْسَ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ إِذَا ثَبَتَ صِحَّتُهُ، وَالْأَصْلُ تَوَافُقِ الْأَحَادِيثِ لِأَنَّ بَعْضَهَا يُفَسِّرُ بَعْضًا، لَا سِيَّمَا وَالْخَزُّ بِالزَّايِ لَيْسَ مِنَ الْمُحَرَّمَاتِ حَتَّى يَكُونَ اسْتِحْلَالُهُ مِنَ الْكُفْرِيَّاتِ، ثُمَّ رَأَيْتُ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ أَنَّ ابْنَ عَسَاكِرَ رَوَى عَنْ عَلِيٍّ مَرْفُوعًا: «أَوْشَكَ أُمَّتِي أَنْ تَسْتَحِلَّ فُرُوجَ النِّسَاءِ وَالْحَرِيرَ» .
وَأَمَّا قَوْلُهُ ثَانِيًا: وَالْخَزُّ لَمْ يُحَرَّمْ حَتَّى يُسْتَحَلَّ، فَجَوَابُهُ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ الْأَثِيرِ فِي النِّهَايَةِ فِي حَدِيثِ عَلِيٍّ، أَنَّهُ نَهَى عَنْ رُكُوبِ الْخَزِّ وَالْجُلُوسِ عَلَيْهِ، وَالْخَزُّ الْمَعْرُوفُ فِي الزَّمَنِ الْأَوَّلِ ثِيَابٌ تُنْسَجُ مِنْ صُوفٍ وَإِبْرَيْسَمٍ، وَهِيَ مُبَاحَةٌ، وَقَدْ لَبِسَهَا الصَّحَابَةُ وَالتَّابِعُونَ فَيَكُونُ النَّهْيُ عَنْهَا لِأَجْلِ التَّشَبُّهِ بِالْعَجَمِ وَزِيِّ الْمُتْرَفِينَ، وَإِنْ أُرِيدَ بِالْخَزِّ النَّوْعُ الْآخَرُ، وَهُوَ الْمَعْرُوفُ الْآنَ، فَهُوَ حَرَامٌ، لِأَنَّ جَمِيعَهُ مَعْمُولٌ مِنَ الْإِبْرَيْسَمِ، وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ الْحَدِيثُ الْآخَرُ مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ يَسْتَحِلُّونَ الْخَزَّ وَالْحَرِيرَ، تَمَّ كَلَامُهُ، أَيْ: كَلَامُ ابْنِ الْأَثِيرِ، وَفِيهِ أَنَّ كَوْنَ الرُّكُوبِ عَلَى الْخَزِّ وَفِرَاشِهِ مَكْرُوهًا، مَعَ أَنَّ الْحَرِيرَ كَذَلِكَ لَا يَقْتَضِي أَنَّ اسْتِبَاحَتَهُ كُفْرٌ يُوجِبُ الْعَذَابَ، لَا سِيَّمَا وَالْخَزُّ لُغَةً وَاصْطِلَاحًا فِي زَمَنِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ مِنْ جُمْلَةِ الْمُبَاحَاتِ، فَكَيْفَ يَصِحُّ أَنْ يُحْمَلَ عَلَيْهِ؟ وَأَمَّا عَلَى مَا تُعُورِفَ عِنْدَ بَعْضِ النَّاسِ مِنْ حَمْلِ الْخَزِّ عَلَى الْإِبْرَيْسَمِ، فَيُعَدُّ كَلَامُهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يُفَسَّرَ بِهِ، لَا سِيَّمَا مَعَ وُقُوعِ تَكْرَارِهِ مَعَ صَرِيحِ لَفْظِ الْحَرِيرِ، وَالْأَصْلُ التَّغَايُرُ بَيْنَ الْمُتَعَاطِفَيْنِ.
قَالَ الطِّيبِيُّ - ﵀ -: فَإِنْ قُلْتَ: كَيْفَ يُعْطَفُ الْحَرِيرُ عَلَى الْخَزِّ، وَالْأَوَّلُ مَكْرُوهٌ، وَالثَّانِي حَرَامٌ عَلَى الْمَعْنَى الْأَوَّلِ، وَعَلَى الثَّانِي يَلْزَمُ عَطْفُ الشَّيْءِ عَلَى نَفْسِهِ، أَوْ كَيْفَ يُحَرَّمُ وَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مُصْطَلَحًا حِينَئِذٍ؟ وَالْجَوَابُ
[ ٨ / ٣٣٤٨ ]
عَنِ الْأَوَّلِ: أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذَهَبَ إِلَى التَّغْلِيبِ لِإِرَادَةِ التَّغْلِيظِ، قُلْتُ: التَّغْلِيبُ تَغَلُّبٌ وَعَنْ ظَاهِرِهِ تَقَلُّبٌ، قَالَ: وَالْجَوَابُ عَنِ الثَّانِي: أَنَّهُ عَطْفُ بَيَانٍ، وَعَنِ الثَّالِثِ: بِأَنَّهُ إِخْبَارٌ عَنِ الْغَيْبِ، فَكَانَ مُعْجِزَةً، قُلْتُ: عَطْفُ الْبَيَانِ مُسَلَّمٌ لَوْ كَانَ الْخَزُّ فِي زَمَنِهِ يُطْلَقُ عَلَى الْحَرِيرِ، وَأَمَّا جَعْلُهُ مُعْجِزَةً بِأَنَّهُ يُطْلَقُ بَعْدَهُ عَلَى الْحَرِيرِ فَفِي غَايَةٍ مِنَ الْبُعْدِ.
قَالَ: وَأَمَّا قَوْلُهُ ثَالِثًا: سَقَطَ مِنْهُ فَاعِلُ يَرُوحُ فَالْتَبَسَ الْمَعْنَى، فَجَوَابُهُ: أَنَّهُ مَا الْتَبَسَ مِنْهُ، بَلْ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ كَمَا فِي الْمَصَابِيحِ، وَلَكِنَّ الْحُمَيْدِيَّ، وَالْخَطَّابِيَّ، وَصَاحِبَ جَامِعِ الْأُصُولِ ذَكَرُوا (تَرُوحُ عَلَيْهُمْ سَارِحَةٌ) بِالتَّاءِ الْمُقَيَّدَةِ بِنُقْطَتَيْنِ مِنْ فَوْقُ، وَيَرْفَعُ " سَارِحَةٌ " عَلَى الْفَاعِلِيَّةِ، فَوَجَبَ أَنْ يُقَالَ أَنَّ الْبَاءَ زَائِدَةٌ، عَلَى أَنَّ الْبَاءَ تُزَادُ فِي الْفَاعِلِ، كَمَا اسْتَدَلَّ بِقَوْلِ امْرِئِ الْقَيْسِ:
أَلَا هَلْ أَتَاهَا وَالْحَوَادِثُ جَمَّةٌ بِأَنَّ امْرَأَ الْقَيْسِ بْنَ نَمْلِكَ بَيْقَرَا
قُلْتُ: لَا شَكَّ فِي وُقُوعِ الِالْتِبَاسِ عَلَى تِلْكَ النُّسْخَةِ، وَزِيَادَةِ الْبَاءِ فِي الْفَاعِلِ مِنْ مُخْتَصَّاتِ كَفَى، وَالْبَيْتُ لَيْسَ نَصًّا فِي الْمَعْنَى، بَلِ الْأَظْهَرُ فِيهِ حَذْفُ الْفَاعِلِ عَلَى مَا جَوَّزَهُ بَعْضُهُمْ، قَالَ: وَأَمَّا نِسْبَتُهُ إِلَى مُسْلِمٍ وَأَنَّهُ رَوَاهُ فِي كِتَابِهِ كَذَا، فَهُوَ سَهْوٌ مِنْهُ ; لِأَنِّي مَا وَجَدْتُ الْحَدِيثَ فِي كِتَابِ مُسْلِمٍ، فَكَيْفَ وَقَدْ أَوْرَدَهُ الْحُمَيْدِيُّ فِي أَفْرَادِ الْبُخَارِيِّ فَحَسْبُ، وَصَاحِبُ جَامِعِ الْأُصُولِ رَوَاهُ عَنِ الْبُخَارِيِّ وَأَبِي دَاوُدَ؟ قُلْتُ: مَنْ حَفِظَ حُجَّةٌ عَلَى مَنْ لَمْ يَحْفَظْ، وَالْمُثْبِتُ مُقَدَّمٌ عَلَى النَّافِي، وَالشَّيْخُ ثِقَةٌ مُحَقِّقٌ، لَا سِيَّمَا وَهُوَ فِي صَدَدِ الِاحْتِجَاجِ.
قَالَ: وَأَمَّا قَوْلُهُ رَابِعًا: وَقَدْ سَقَطَ مِنْهُ كَلِمَةُ (عَلَيْهِمْ)، فَإِنِّي مَا وَجَدْتُ فِي الْأُصُولِ هَذِهِ الْكَلِمَةَ ثَابِتَةً، قُلْتُ: فَثَبَتَ الْمُدَّعَى بِالْأَقْوَى، مَعَ أَنَّهُ أَثْبَتَ وُجُودَهُ فِي بَعْضِ النُّسَخِ، وَأَسْنَدَهُ إِلَى مُسْلِمٍ وَإِسْنَادُهُ مُسَلَّمٌ، ثُمَّ قَالَ: فَإِنْ قُلْتَ: كَيْفَ يَكُونُ نُزُولُ بَعْضِهِمْ إِلَى جَنْبِ عَلَمٍ وَرَوَاحُ سَارِحَتِهِمْ عَلَيْهِمْ، وَدَفْعُهُمْ ذَا الْحَاجَةِ بِالْمَطْلِ وَالتَّسْوِيفِ، سَبَبًا لِهَذَا الْعَذَابِ الْأَلِيمِ، وَالنَّكَالِ الْهَائِلِ الْعَظِيمِ؟ قُلْتُ: إِنَّهُمْ لَمَّا بَالَغُوا فِي الشُّحِّ وَالْمَنْعِ، بُولِغَ فِي الْعَذَابِ، وَبَيَانُ ذَلِكَ أَنَّ فِي إِيثَارِ ذِكْرِ الْعَلَمِ عَلَى الْجَبَلِ، إِيذَانًا بِأَنَّ الْمَكَانَ مُخْصِبٌ مُمْرِعٌ، وَمَقْصَدٌ لِذَوِي الْحَاجَاتِ، فَيَلْزَمُ مِنْهُ أَنْ يَكُونُوا ذَوِي ثَرْوَةٍ، وَمَوْئِلًا لِلْمَلْهُوفِينَ، فَلَمَّا دَلَّ خُصُوصِيَّةُ الْمَكَانِ عَلَى ذَلِكَ الْمَعْنَى، دَلَّ خُصُوصِيَّةُ الزَّمَانِ فِي قَوْلِهِ: تَرُوحُ عَلَيْهُمْ سَارِحَتَهُمْ، وَتَعْدِيَتُهُ (بِعَلَى) الْمُنَبِّهَةِ لِلِاسْتِعْلَاءِ عَلَى أَنَّ ثَرْوَتَهُمْ حِينَئِذٍ أَوْفَرُ وَأَظْهَرُ، وَأَنَّ احْتِيَاجَ الْوَارِدِينَ إِلَيْهِمْ أَشَدُّ وَأَكْثَرُ ; لِأَنَّهُمْ أَحْوَجُ مَا يَكُونُونَ حِينَئِذٍ، وَفِي قَوْلِهِمْ: ارْجِعْ إِلَيْنَا غَدًا، إِدْمَاجٌ لِمَعْنَى الْكَذِبِ وَخَلْفِ الْمَوْعِدِ، وَاسْتِهْزَاءٌ بِالطَّالِبِ، فَإِذَا يَسْتَأْهِلُونَ، قُلْتُ: هَذَا كُلُّهُ لَمْ يُفِدِ اسْتِحْقَاقَ الْعَذَابِ الشَّدِيدِ مِنَ الْمَسْخِ الْمُقَرَّرِ، فَإِنَّهُ لَا يُوجَدُ فِي غَيْرِ أَهْلِ الْكُفْرِ، فَالصَّوَابُ مَا قَرَّرْنَا، وَفِيمَا سَبَقَ قَدَّرْنَاهُ وَحَرَّرْنَاهُ، قَالَ: وَإِنَّمَا قُلْنَا: أَنَّ الْعَلَمَ يَدُلُّ عَلَى الشُّهْرَةِ وَالْمَقْصِدِ لِقَوْلِ الْخَنْسَاءِ فِي مَدْحِ أَخِيهَا:
كَأَنَّهُ عَلَمٌ فِي رَأْسِهِ نَارُ
نَبَّهَتْ بِهِ عَلَى أَنَّ أَخَاهَا مَشْهُورٌ مَعْرُوفٌ، وَمَلْجَأٌ لِلْمَلْهُوفِينَ، وَمَأْمَنٌ لِلْمُضْطَرِّينَ، فَإِنَّ رَوَاحَ السَّارِحَةِ دَلَّ عَلَى وُفُورِ الثَّرْوَةِ وَظُهُورِهَا، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ﴾ [النحل: ٦]، قَالَ صَاحِبُ الْكَشَّافِ: فَإِنْ قُلْتَ: لِمَ قُدِّمَتِ الْإِرَاحَةُ عَلَى التَّسْرِيحِ؟ قُلْتُ: لِأَنَّ الْجَمَالَ فِي الْإِرَاحَةِ أَظْهَرُ إِذَا أَقْبَلَتْ مَلْأَى الْبُطُونِ حَافِلَةَ الضُّرُوعِ، ثُمَّ أَدْبَرَتْ إِلَى الْحَظَائِرِ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ: فِيهِ بَيَانُ أَنَّ الْمَسْخَ قَدْ يَكُونُ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ، وَكَذَلِكَ الْخَسْفُ، كَمَا كَانَا فِي سَائِرِ الْأُمَمِ، خِلَافَ قَوْلِ مَنْ زَعَمَ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَكُونُ، إِنَّمَا مَسْخُهَا بِقُلُوبِهَا، أَقُولُ: فَمَا جَاءَ فِي الْأَحَادِيثِ مِنْ نَفْيِهَا، فَهُوَ إِمَّا مَحْمُولٌ عَلَى أَوَّلِ زَمَانِ الْأُمَّةِ فَهُوَ عَامٌّ خُصَّ مِنْهُ آخِرُ الزَّمَانِ كَذَا الْحَدِيثُ، وَإِمَّا مَحْمُولٌ عَلَى مَسْخِ جَمِيعِ الْأُمَّةِ وَخَسْفِهِمْ، وَالْمُثْبَتُ مِنْهَا مَا وَقَعَ لِبَعْضِهِمْ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
[ ٨ / ٣٣٤٩ ]
٥٣٤٤ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ - ﵄ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: " «إِذَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِقَوْمٍ عَذَابًا أَصَابَ الْعَذَابُ مَنْ كَانَ فِيهِمْ، ثُمَّ بُعِثُوا عَلَى أَعْمَالِهِمْ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
_________________
(١) (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: " إِذَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِقَوْمٍ عَذَابًا أَصَابَ الْعَذَابُ مَنْ كَانَ فِيهِمْ) أَيْ: جَمِيعَهُمُ الصَّالِحِينَ وَالطَّالِحِينَ (" ثُمَّ بُعِثُوا ") أَيْ: يَوْمَ الْقِيَامَةِ (" عَلَى أَعْمَالِهِمْ ") أَيْ: بُعِثَ الصَّالِحُ عَلَى عَمَلِهِ وَكَذَا الطَّالِحُ، قَالَ الْمُظْهِرُ: يَعْنِي إِذَا أَذْنَبَ بَعْضُ الْقَوْمِ نَزَلَ الْعَذَابُ بِجَمِيعِ مَنْ كَانَ فِي الْقَوْمِ، سَوَاءٌ فِيهِ الْمُذْنِبُ وَغَيْرُهُ بَشَرِّهِمْ، وَلَكِنَّهُمْ مَجْزِيُّونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى حَسَبِ أَعْمَالِهِمْ إِنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ وَإِنْ شَرًّا فَشَرٌّ، (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) أَيْ: مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - ﵄ - عَنْ أَبِيهِ ذَكَرَهُ مِيرَكُ، فَكَانَ حَقُّ الْمُؤَلِّفِ أَنْ يُسْنِدَ الْحَدِيثَ إِلَى عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -.
[ ٨ / ٣٣٥٠ ]
٥٣٤٥ - وَعَنْ جَابِرٍ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: " «يُبْعَثُ كُلُّ عَبْدٍ عَلَى مَا مَاتَ عَلَيْهِ» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
_________________
(١) (وَعَنْ جَابِرٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: " يُبْعَثُ ") أَيْ: يُحْشَرُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ (" كُلُّ عَبْدٍ عَلَى مَا مَاتَ عَلَيْهِ ") أَيْ: مِنَ الْعَمَلِ خَيْرًا كَانَ أَوْ شَرًّا فَيُجَازَى بِهِ (رَوَاهُ مُسْلِمٌ)، وَكَذَا ابْنُ مَاجَهْ، وَفِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: " «يُبْعَثُ النَّاسُ عَلَى نِيَّاتِهِمْ» ".
[ ٨ / ٣٣٥٠ ]
الْفَصْلُ الثَّانِي
٥٣٤٦ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: " «مَا رَأَيْتُ مِثْلَ النَّارِ نَامَ هَارِبُهَا، وَلَا مِثْلَ الْجَنَّةِ نَامَ طَالِبُهَا» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
_________________
(١) الْفَصْلُ الثَّانِي
(٢) (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: " مَا رَأَيْتُ "): فِيهِ مَعْنَى التَّعَجُّبِ، أَيْ: مَا عَلِمْتُ (" مِثْلَ النَّارِ ")، أَيْ: شِدَّةً وَهَوْلًا (" نَامَ هَارِبُهَا ") مَفْعُولٌ ثَانٍ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ رَأَيْتُ بِمَعْنَى أَبْصَرْتُ فَتَكُونَ الْجُمْلَةُ صِفَةً أَوْ حَالًا، أَيْ: صَارَ غَافِلًا عَنْهَا، وَيَنْبَغِي لِلْهَارِبِ مِنْ عَذَابِ النَّارِ أَنْ يَفِرَّ مِنْ كُلِّ الْفُجَّارِ (" وَلَا مِثْلَ الْجَنَّةِ ") أَيْ: نِعْمَةً وَنُزُلًا (" نَامَ طَالِبُهَا ") وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَجِدَّ كُلَّ الْجِدِّ فِي امْتِثَالِ الْأَوَامِرِ لِيُدْرِكَ الْحَدَّ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ)، وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ عَنْ أَنَسٍ.
[ ٨ / ٣٣٥٠ ]
٥٣٤٧ - وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: " «إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ، وَأَسْمَعُ مَا لَا تَسْمَعُونَ، أَطَّتِ السَّمَاءُ وَحُقَّ لَهَا أَنْ تَئِطَّ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا فِيهَا مَوْضِعُ أَرْبَعَةِ أَصَابِعَ إِلَّا وَمَلَكٌ وَاضِعٌ جَبْهَتَهُ سَاجِدًا لِلَّهِ، وَاللَّهِ لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا، وَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا، وَمَا تَلَذَّذْتُمْ بِالنِّسَاءِ عَلَى الْفُرُشَاتِ، وَلَخَرَجْتُمْ إِلَى الصُّعُدَاتِ تَجْأَرُونَ إِلَى اللَّهِ» "، قَالَ أَبُو ذَرٍّ: يَا لَيْتَنِي كُنْتُ شَجَرَةً تُعْضَدُ. رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ.
_________________
(١) (وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: " إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ ") أَيْ: أُبْصِرُ مَا لَا تُبْصِرُونَ، بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ: (" وَأَسْمَعُ مَا لَا تَسْمَعُونَ ")، ثُمَّ بَيَّنَ سَمَاعَهُ لِقُرْبِهِ، وَلِكَوْنِهِ نَتِيجَةً لِكَثْرَةِ مَا رَآهُ بِقَوْلِهِ: (" أَطَّتِ السَّمَاءُ ") بِتَشْدِيدِ الطَّاءِ مِنَ الْأَطِيطِ: وَهُوَ صَوْتُ الْأَقْتَابِ، وَأَطِيطُ الْإِبِلِ أَصْوَاتُهَا وَحَنِينُهَا عَلَى مَا فِي النِّهَايَةِ، أَيْ: صَوَّتَتْ (" حُقَّ ") بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ، أَيْ: وَيُسْتَحَقُّ وَيَنْبَغِي (" لَهَا أَنْ تَئِطَّ ") أَيْ: تُصَوِّتَ، ثُمَّ بَيَّنَ سَبَبَهُ وَهُوَ مَا رَآهُ مِنَ الْكَثْرَةِ بِقَوْلِهِ: (" وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا فِيهَا ") أَيْ: لَيْسَ فِي السَّمَاءِ جِنْسِهَا (" مَوْضِعُ أَرْبَعَةِ أَصَابِعَ ") بِالرَّفْعِ عَلَى أَنَّهُ فَاعِلٌ لِلظَّرْفِ الْمُعْتَمِدِ عَلَى حَرْفِ النَّفْيِ وَالْمَذْكُورُ بَعْدَ إِلَّا فِي قَوْلِهِ: (" إِلَّا وَمَلَكٌ ") حَالٌ مِنْهُ، أَيْ: وَفِيهِ مَلَكٌ (" وَاضِعٌ جَبْهَتَهُ لِلَّهِ سَاجِدًا ") أَيْ: مُنْقَادًا لِيَشْمَلَ مَا قِيلَ: إِنَّ بَعْضَهُمْ قِيَامٌ، وَبَعْضَهُمْ رُكُوعٌ، وَبَعْضَهُمْ سُجُودٌ، كَمَا قَالَ تَعَالَى حِكَايَةً عَنْهُمْ: ﴿وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ﴾ [الصافات: ١٦٤] أَوْ خَصَّهُ بِاعْتِبَارِ الْغَالِبِ مِنْهُمْ، أَوْ هَذَا مُخْتَصٌّ بِإِحْدَى السَّمَاوَاتِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ، ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ " أَرْبَعَةِ " بِغَيْرِ هَاءٍ فِي جَامِعِ التِّرْمِذِيِّ وَابْنِ مَاجَهْ، وَمَعَ الْهَاءِ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ، وَبَعْضِ نُسَخِ الْمَصَابِيحِ، وَسَبَبُهُ أَنَّ الْأُصْبَعَ يُذَكَّرُ وَيُؤَنَّثُ.
[ ٨ / ٣٣٥٠ ]
قَالَ الطِّيبِيُّ - ﵀ -: أَيْ: أَنَّ كَثْرَةَ مَا فِيهَا مِنَ الْمَلَائِكَةِ قَدْ أَثْقَلَهَا حَتَّى أَطَّتْ، وَهَذَا مَثَلُ إِيذَانٍ بِكَثْرَةِ الْمَلَائِكَةِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ثَمَّةَ أَطِيطٌ، وَإِنَّمَا هُوَ كَلَامُ تَقْرِيبٍ، أُرِيدَ بِهِ تَقْرِيرُ عَظْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى، قُلْتُ: مَا الْمُحْوِجُ عَنْ عُدُولِ كَلَامِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنَ الْحَقِيقَةِ إِلَى الْمَجَازِ مَعَ إِمْكَانِهِ عَقْلًا وَنَقْلًا حَيْثُ صَرَّحَ بِقَوْلِهِ: وَأَسْمَعُ مَا لَا تَسْمَعُونَ، مَعَ أَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أَطِيطُ السَّمَاءِ صَوْتَهَا بِالتَّسْبِيحِ، وَالتَّحْمِيدِ، وَالتَّقْدِيسِ، وَالتَّمْجِيدِ ; لِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء: ٤٤] لَا سِيَّمَا وَهِيَ مَعْبَدُ الْمُسَبِّحِينَ وَالْعَابِدِينَ، وَمَنْزِلُ الرَّاكِعِينَ وَالسَّاجِدِينَ، (" وَاللَّهِ لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا، وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا، وَمَا تَلَذَّذْتُمْ بِالنِّسَاءِ عَلَى الْفُرُشَاتِ ") بِضَمِّ الْفَاءِ وَالرَّاءِ: جَمْعُ فُرُشٍ، فَهُوَ جَمْعُ الْجَمْعِ لِلْمُبَالَغَةِ (" وَلَخَرَجْتُمْ ") أَيْ: مِنْ مَنَازِلِكُمُ الْعَالِيَاتِ (" إِلَى الصُّعُدَاتِ ") بِضَمَّتَيْنِ، أَيْ: إِلَى الصَّحَارِي، وَاخْتِيَارُ الْجَمْعِ لِلْمُبَالَغَةِ، وَالصُّعُدِ: جَمْعُ صَعِيدٍ كَطُرُقٍ جَمْعُ طَرِيقٍ وَطُرُقَاتٍ، وَالصَّعِيدُ هُوَ الطَّرِيقُ، وَفِي الْأَصْلِ التُّرَابُ، أَيْ: لَخَرَجْتُمْ إِلَى الطُّرُقَاتِ الْبَرَارِي وَالصَّحَارِي وَمَمَرِّ النَّاسِ، كَمَا يَفْعَلُ الْمَحْزُونُ لِبَثِّ الشَّكْوَى وَالْهَمِّ الْمَكْنُونِ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّ الصَّعِيدَ هُوَ وَجْهُ الْأَرْضِ، وَقِيلَ التُّرَابُ، وَلَا مَعْنَى لَهُ هَاهُنَا، قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: الْمَعْنَى: لَخَرَجْتُمْ مِنْ مَنَازِلِكُمْ إِلَى الْجَبَّانَةِ، مُتَضَرِّعِينَ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَمِنْ حَالِ الْمَحْزُونِ أَنْ يَضِيقَ بِهِ الْمَنْزِلُ فَيَطْلُبُ الْفَضَاءَ الْخَالِيَ لِشَكْوَى بَثِّهِ، (" تَجْأَرُونَ إِلَى اللَّهِ ") أَيْ: تَتَضَرَّعُونَ إِلَيْهِ بِالدُّعَاءِ لِيَرْفَعَ عَنْكُمُ الْبَلَاءَ.
(قَالَ أَبُو ذَرٍّ: يَا لَيْتَنِي كُنْتُ شَجَرَةً تُعْضَدُ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ، أَيْ: تُقْطَعُ وَتُسْتَأْصَلُ، وَهَذَا نَشَأَ مِنْ كَمَالِ خَوْفِهِ مِنْ عَذَابِ رَبِّهِ (رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ)، قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ - ﵀ -: يَا لَيْتَنِي هُوَ مِنْ قَوْلِ أَبِي ذَرٍّ، وَلَكِنْ لَيْسَ فِي كِتَابِ أَحْمَدَ مِمَّنْ نَقَلَ هُوَ عَنْ كِتَابِهِ، (قَالَ أَبُو ذَرٍّ) بَلْ أُدْرِجَ فِي الْحَدِيثِ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: قِيلَ هُوَ مِنْ قَوْلِ أَبِي ذَرٍّ، وَقَدْ عَلِمُوا أَنَّهُ بِكَلَامِ أَبِي ذَرٍّ أَشْبَهُ، وَالنَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَعْلَمُ بِاللَّهِ مِنْ أَنْ يَتَمَنَّى عَلَيْهِ حَالًا هُوَ أَوْضَعُ مِمَّا هُوَ فِيهِ، ثُمَّ إِنَّهَا مِمَّا لَا تَكُونُ، قَالَ الطِّيبِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي جَامِعِ التِّرْمِذِيِّ وَجَامِعِ الْأُصُولِ: هَكَذَا تَجْأَرُونَ إِلَى اللَّهِ لَوَدِدْتُ أَنِّي شَجَرَةٌ تُعْضَدُ، وَفِي رِوَايَةٍ: أَنَّ أَبَا ذَرٍّ قَالَ: لَوَدِدْتُ أَنِّي شَجَرَةٌ تُعْضَدُ، وَيُرْوَى عَنْ أَبِي ذَرٍّ مَوْقُوفًا، وَفِي سُنَنِ ابْنِ مَاجَهْ كَمَا فِي الْمَتْنِ وَنُسَخِ الْمَصَابِيحِ: قَالَ أَبُو ذَرٍّ: يَا لَيْتَنِي إِلَى آخِرِهِ، وَلِلْبَحْثِ فِيهِ مَجَالٌ.
[ ٨ / ٣٣٥١ ]
٥٣٤٨ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: " «مَنْ خَافَ أَدْلَجَ، وَمَنْ أَدْلَجَ بَلَغَ الْمَنْزِلَ، أَلَا إِنَّ سِلْعَةَ اللَّهِ غَالِيَةٌ، أَلَا إِنَّ سِلْعَةَ اللَّهِ الْجَنَّةُ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
_________________
(١) (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: " مَنْ خَافَ ") أَيِ: الْبَيَانَ وَالْإِغَارَةَ مِنَ الْعَدُوِّ وَقْتَ السَّحَرِ (" أَدْلَجَ ") أَيْ: سَارَ أَوَّلَ اللَّيْلِ، وَمَنْ خَافَ فَوْتَ الْمَطْلُوبِ سَهَرَ فِي طَلَبِ الْمَحْبُوبِ (" وَمَنْ أَدْلَجَ ") أَيْ: بِالسَّهَرِ (" بَلَغَ الْمَنْزِلَ ") أَيْ: وَصَلَ إِلَى الْمَطْلَبِ. قَالَ الطِّيبِيُّ - ﵀ -: هَذَا مَثَلٌ ضَرَبَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِسَالِكِ الْآخِرَةِ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ عَلَى طَرِيقِهِ، وَالنَّفْسُ وَأَمَانِيهِ الْكَاذِبَةُ أَعْوَانُهُ، فَإِنْ تَيَقَّظَ فِي مَسِيرِهِ، وَأَخْلَصَ النِّيَّةَ فِي عَمَلِهِ أَمِنَ مِنَ الشَّيْطَانِ وَجُنْدِهِ، وَمَنْ قَطَعَ الطَّرِيقَ بِأَعْوَانِهِ ثُمَّ أُرْشِدَ إِلَى أَنَّ سُلُوكَ طَرِيقِ الْآخِرَةِ صَعْبٌ، وَتَحْصِيلَ الْآخِرَةِ مُتَعَسِّرٌ، لَا يَحْصُلُ بِأَدْنَى سَعْيٍ فَقَالَ: (" أَلَا ") بِالتَّخْفِيفِ لِلتَّنْبِيهِ (" إِنَّ سِلْعَةَ اللَّهِ ") أَيْ: مَتَاعَهُ مِنْ نَعِيمِ الْجَنَّةِ الْمُعَبَّرِ عَنْهُ بِالْحُسْنَى وَزِيَادَةٍ (" غَالِيَةٌ ") بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ، أَيْ: رَفِيعَةُ الْقَدْرِ (" أَلَا إِنَّ سِلْعَةَ اللَّهِ ") أَيِ: الْغَالِيَةَ (" الْجَنَّةُ ") أَيِ: الْعَالِيَةُ، وَالْمَعْنَى: ثَمَنُهَا الْأَعْمَالُ الْبَاقِيَةُ الْمُشَارُ إِلَيْهَا بِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: ﴿وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا﴾ [الكهف: ٤٦] وَالْمُومَأُ إِلَيْهَا بِقَوْلِهِ عَزَّ وَعَلَا: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ [التوبة: ١١١] . (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ)، وَكَذَا الْحَاكِمُ.
[ ٨ / ٣٣٥١ ]
٥٣٤٩ - وَعَنْ أَنَسٍ - ﵁ - عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ: قَالَ: " «يَقُولُ اللَّهُ جَلَّ ذِكْرُهُ: أَخْرِجُوا مِنَ النَّارِ مَنْ ذَكَرَنِي يَوْمًا أَوْ خَافَنِي فِي مَقَامٍ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ والْبَيْهَقِيُّ فِي " كِتَابِ الْبَعْثِ وَالنُّشُورِ ".
_________________
(١) (وَعَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: " يَقُولُ اللَّهُ جَلَّ ذِكْرُهُ ") أَيْ: عَظُمَ ذِكْرُهُ وَفَخُمَ ذَاكِرُهُ، وَمَا أَحْسَنَ رَفْعَ ذِكْرِهِ فِي هَذَا الْمَقَامِ، مِنْ حَيْثُ أَنَّهُ تَوْطِئَةٌ لِذِكْرِهِ فِي الْأَيَّامِ وَخَوْفِهِ فِي كُلِّ مَقَامٍ، (" أَخْرِجُوا مِنَ النَّارِ مَنْ ذَكَرَنِي ") أَيْ: بِشَرْطِ كَوْنِهِ مُؤْمِنًا مُخْلِصًا (" يَوْمًا ") أَيْ: وَقْتًا وَزَمَانًا (" أَوْ خَافَنِي فِي مَقَامٍ ") أَيْ: مَكَانٍ فِي ارْتِكَابِ مَعْصِيَةٍ مِنَ الْمَعَاصِي، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ [النازعات: ٤٠] قَالَ الطِّيبِيُّ - ﵀ -: أَرَادَ بِالذِكْرِ الْإِخْلَاصَ وَهُوَ تَوْحِيدُ اللَّهِ عَنْ إِخْلَاصِ الْقَلْبِ وَصِدْقِ النِّيَّةِ، وَإِلَّا فَجَمِيعُ الْكُفَّارِ يَذْكُرُونَهُ بِاللِّسَانِ دُونَ الْقَلْبِ، يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " «مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ خَالِصًا مِنْ قَلْبِهِ دَخَلَ الْجَنَّةَ» "، وَالْمُرَادُ بِالْخَوْفِ كَفُّ الْجَوَارِحِ عَنِ الْمَعَاصِي وَتَقْيِيدُهَا بِالطَّاعَاتِ، وَإِلَّا فَهُوَ حَدِيثُ نَفْسٍ وَحَرَكَةٌ لَا يَسْتَحِقُّ أَنْ يُسَمَّى خَوْفًا، وَذَلِكَ عِنْدَ مُشَاهَدَةِ سَبَبٍ هَائِلٍ، وَإِذَا غَابَ ذَلِكَ السَّبَبُ عَنِ الْحِسِّ رَجَعَ الْقَلْبُ إِلَى الْفَضْلَةِ، قَالَ الْفُضَيْلُ: إِذَا قِيلَ لَكَ هَلْ تَخَافُ اللَّهَ فَاسْكُتْ، فَإِنَّكَ إِذَا قُلْتَ لَا كَفَرْتَ، وَإِذَا قُلْتَ نَعَمْ كَذَبْتَ، وَأَشَارَ بِهِ إِلَى الْخَوْفِ الَّذِي هُوَ كَفُّ الْجَوَارِحِ عَنِ الْمَعَاصِي. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) أَيْ: فِي سُنَنِهِ (والْبَيْهَقِيُّ فِي " كِتَابِ الْبَعْثِ وَالنُّشُورِ ") .
[ ٨ / ٣٣٥٢ ]
٥٣٥٠ - وَعَنْ عَائِشَةَ - ﵂ - قَالَتْ: «سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ [المؤمنون: ٦٠] أَهُمُ الَّذِينَ يَشْرَبُونَ الْخَمْرَ وَيَسْرِقُونَ؟ قَالَ: " لَا يَا بِنْتَ الصِّدِّيقِ! وَلَكِنَّهُمُ الَّذِينَ يَصُومُونَ، وَيُصَلُّونَ، وَيَتَصَدَّقُونَ، وَهُمْ يَخَافُونَ أَنْ لَا يُقْبَلَ مِنْهُمْ، أُولَئِكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ» " رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ.
_________________
(١) (وَعَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا﴾ [المؤمنون: ٦٠] أَيْ: يُعْطُونَ مَا أَعْطَوْهُ مِنَ الزَّكَاةِ وَالصَّدَقَاتِ، وَقُرِئَ (يُأْتُونَ مَا أَتَوْا) بِالْقَصْرِ، أَيْ: يَفْعَلُونَ مَا فَعَلُوهُ مِنَ الطَّاعَاتِ، وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَيْ: خَائِفَةٌ أَنْ لَا يُقْبَلَ مِنْهُمْ، وَأَنْ لَا يَقَعَ عَلَى الْوَجْهِ اللَّائِقِ فَيُؤَاخَذُونَ بِهِ، وَتَمَامُهُ: أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ، أَيْ: لِأَنَّ مَرْجِعَهُمْ إِلَيْهِ، أُولَئِكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ، أَيْ: يَرْغَبُونَ فِي الطَّاعَاتِ أَشَدَّ الرَّغْبَةِ فَيُبَادِرُونَهَا، وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ أَيْ: لِأَجْلِهَا فَاعِلُونَ السَّبْقَ أَوْ سَابَقُوا النَّاسَ إِلَى الطَّاعَاتِ أَوِ الثَّوَابِ أَوِ الْجَنَّةِ. قَالَ الطِّيبِيُّ - ﵀ -: هُوَ كَذَا فِي نُسَخِ الْمَصَابِيحِ، وَهِيَ الْقِرَاءَةُ الْمَشْهُورَةُ، وَمَعْنَاهُ يُعْطُونَ مَا أَعْطَوْا، وَسُؤَالُ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا -: (أَهُمُ الَّذِينَ يَشْرَبُونَ الْخَمْرَ وَيَسْرِقُونَ) لَا يُطَابِقُهَا، وَقِرَاءَةُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: (يَأْتُونَ مَا أَتَوْا) بِغَيْرِ مَدٍّ أَيْ: يَفْعَلُونَ مَا فَعَلُوا، وَسُؤَالُهَا مُطَابِقٌ لِهَذِهِ الْقِرَاءَةِ، وَهَكَذَا هُوَ فِي تَفْسِيرِ الزَّجَّاجِ وَالْكَشَّافِ، قُلْتُ: مُؤَدَّى الْقِرَاءَتَيْنِ وَاحِدٌ، لَا الْمُرَادُ بِالْقِرَاءَةِ الشَّاذَّةِ الْمَنْسُوبَةِ إِلَيْهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَبْلَ قَطْعِ طُرُقِ التَّوَاتُرِ يَفْعَلُونَ مَا فَعَلُوهُ مِنَ الطَّاعَةِ؛ لِأَنَّ مَا ظَنَّتْ عَائِشَةُ - ﵂ - أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ مَا فَعَلُوهُ مِنَ الْمَعْصِيَةِ، وَلَا الْمَعْنَى الْأَعَمُّ مِنَ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ لِعَدَمِ مُطَابَقَتِهِ لِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ ﴿أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ﴾ [المؤمنون: ٦١] (قَالَ) أَيِ: النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: (" لَا ") أَيْ: لَيْسُوا هُمْ، أَوْ لَيْسَ الْمُرَادُ مِنَ الْآيَةِ أَمْثَالَهُمْ (" يَا بِنْتَ الصِّدِّيقِ ") وَفَى نُسْخَةٍ يَا ابْنَةَ الصِّدِّيقِ، وَفَى هَذَا النِّدَاءِ مَنْقَبَةٌ عَظِيمَةٌ لَهَا وَلِأَبِيهَا عَلَى وَجْهِ التَّحْقِيقِ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: لَيْسَ كَذَلِكَ وَأَنْتِ الصَّادِقَةُ عَلَى مَا هُوَ الْمُتَعَارَفُ مِنْ حُسْنِ الْآدَابِ بَيْنَ الْأَحْبَابِ، (" وَلَكِنَّهُمُ الَّذِينَ يَصُومُونَ وَيُصَلُّونَ وَيَتَصَدَّقُونَ ") فَهَذَا تَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا﴾ [المؤمنون: ٦٠] عَلَى الْقِرَاءَتَيْنِ غَايَتُهُ أَنَّ فِي كُلِّ نَوْعٍ مِنْهُمَا تَغْلِيبٌ، فَالْمَشْهُورَةُ ظَاهِرُهَا مُتَعَلِّقٌ بِالْعِبَادَةِ الْمَالِيَّةِ، كَمَا أَنَّ الشَّاذَّةَ تَتَعَلَّقُ بِالطَّاعَةِ الْبَدَنِيَّةِ، عَلَى أَنَّ الْمَشْهُورَةَ يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ فِي تَفْسِيرِهَا: يُعْطُونَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ مَا أَعْطَوْا مِنَ الطَّاعَاتِ فَيَشْمَلُ النَّوْعَيْنِ مِنَ الْعِبَادَةِ، (" وَهُمْ يَخَافُونَ أَنْ لَا يُقْبَلَ مِنْهُمْ ") أَيْ: إِلَّا أَنَّهُمْ يَخَافُونَ مِمَّا فَعَلُوا بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: (أُولَئِكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ)، فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى شَرْبَةِ الْخَمْرِ وَسَرِقَةِ الْمَالِ وَسَائِرِ السَّيِّئَاتِ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ) .
[ ٨ / ٣٣٥٢ ]
٥٣٥١ - وَعَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ - ﵁ - قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - إِذَا ذَهَبَ ثُلُثَا اللَّيْلِ قَامَ فَقَالَ: " يَا أَيُّهَا النَّاسُ! اذْكُرُوا اللَّهَ، اذْكُرُوا اللَّهَ، جَاءَتِ الرَّاجِفَةُ، تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ، جَاءَ الْمَوْتُ بِمَا فِيهِ، جَاءَ الْمَوْتُ بِمَا فِيهِ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
_________________
(١) (وَعَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - إِذَا ذَهَبَ ثُلُثَا اللَّيْلِ قَامَ فَقَالَ: " يَا أَيُّهَا النَّاسُ "): أَرَادَ بِهِ النَّائِمِينَ مِنْ أَصْحَابِهِ الْغَافِلِينَ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ، يُنَبِّهُهُمْ عَنِ النَّوْمِ لِيَشْتَغِلُوا بِذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى وَالتَّهَجُّدِ، وَفِي هَذَا مَأْخَذٌ لِلْمُذَكِّرِينَ مِنَ الْمُؤَذِّنِينَ، وَأَنَّهُ يَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ لَا يَقُومُوا قَبْلَ مُضِيِّ الثُّلُثَيْنِ مِنَ اللَّيْلِ، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى اسْتِحْبَابِ الْقِيَامِ فِي الثُّلُثِ الْأَخِيرِ مِنَ اللَّيْلِ اسْتِحْبَابًا مُؤَكَّدًا (" اذْكُرُوا اللَّهَ ") أَيْ: بِوَحْدَانِيَّةِ ذَاتِهِ وَسَائِرِ صِفَاتِهِ (" اذْكُرُوا اللَّهَ ") أَيْ: عِقَابَهُ وَثَوَابَهُ لِتَكُونُوا بَيْنَ الْخَوْفِ وَالرَّجَاءِ، وَمِمَّنْ قَالَ تَعَالَى فِيهِمْ: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ [السجدة: ١٦] وَفَى نُسْخَةٍ: اذْكُرُوا اللَّهَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، أَيْ: آلَاءَهُ، وَنَعْمَاءَهُ، وَسَرَّاءَهُ، وَضَرَّاءَهُ، (" جَاءَتِ الرَّاجِفَةُ "): فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ﴾ [النازعات: ٦] وَعَبَّرَ بِصِيغَةِ الْمُضِيِّ لِتَحَقُّقِ وُقُوعِهَا، فَكَأَنَّهَا جَاءَتْ، وَالْمُرَادُ أَنَّهُ قَارَبَ وُقُوعُهَا، فَاسْتَعِدُّوا لِتَهْوِيلِ أَمْرِهَا، وَالرَّاجِفَةُ هِيَ الْأَجْرَامُ السَّاكِنَةُ الَّتِي تَشْتَدُّ حَرَكَتُهَا حِينَئِذٍ مِنَ الْأَرْضِ وَالْجِبَالِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ﴾ [المزمل: ١٤]، أَوْ مَجَازٌ عَنِ الْوَاقِعَةِ الَّتِي تَرْجُفُ الْأَجْرَامُ عِنْدَهَا، وَهَذَا الْمَعْنَى أَنْسَبُ بِالْحَدِيثِ فِي هَذَا الْمَقَامِ وَهِيَ النَّفْخَةُ الْأُولَى تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ أَيِ: التَّابِعَةُ وَهِيَ السَّمَاءُ وَالْكَوَاكِبُ تَنْشَقُّ وَتُنْشَرُ، أَوِ النَّفْخَةُ الثَّانِيَةُ، وَهِيَ الَّتِي يَحْيَى فِيهَا الْخَلْقُ، وَالْجُمْلَةُ فِي مَوْقِعِ الْحَالِ، أَوِ اسْتِئْنَافُ بَيَانٍ لِمَا يَقَعُ بَعْدَ الرَّجْفَةِ. قَالَ الطِّيبِيُّ - ﵀ -: أَرَادَ بِالرَّاجِفَةِ النَّفْخَةَ الْأُولَى الَّتِي يَمُوتُ مِنْهَا جَمِيعُ الْخَلْقِ، وَالرَّاجِفَةُ صَيْحَةٌ عَظِيمَةٌ فِيهَا تَرَدُّدٌ وَاضْطِرَابٌ، كَالرَّعْدِ إِذَا تَمَحَّصَ، وَأَرَادَ بِالرَّادِفَةِ النَّفْخَةَ الثَّانِيَةَ رَدِفَتِ النَّفْحَةَ الْأُولَى، أَنْذَرَهُمْ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِاقْتِرَابِ السَّاعَةِ لِئَلَّا يَغْفَلُوا عَنِ اسْتِعْدَادِهَا، (" جَاءَ الْمَوْتُ بِمَا فِيهِ ") أَيْ: مَعَ مَا فِيهِ مِنَ الشَّدَائِدِ الْكَائِنَةِ فِي حَالَةِ النَّزْعِ وَالْقَبْرِ وَمَا بَعْدَهُ، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ مَنْ مَاتَ قَامَتْ قِيَامَتُهُ، فَهِيَ الْقِيَامَةُ الصُّغْرَى الدَّالَّةُ عَلَى الْقِيَامَةِ الْكُبْرَى، (" جَاءَ الْمَوْتُ بِمَا فِيهِ ") لَعَلَّ الْأَوَّلَ بَيَانُ مَا وَقَعَ وَتَحَقَّقَ لِمَنْ قَبْلَنَا مَوْعِظَةً لَنَا، فَقَدْ وَرَدَ: كَفَى بِالْمَوْتِ وَاعِظًا، وَالثَّانِي إِشَارَةٌ إِلَى قُرْبِ مَجِيئِهِ بِالْمَوْجُودِينَ، وَهَذَا التَّأْسِيسُ السَّدِيدُ الْمُؤَسَّسُ عَلَى التَّأْبِيدِ أَوْلَى مِنْ حَمْلِ التَّكْرَارِ عَلَى التَّأْكِيدِ، (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ)، قَالَ الْمُنْذِرِيُّ: رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
[ ٨ / ٣٣٥٣ ]
٥٣٥٢ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ - ﵁ - قَالَ: «خَرَجَ النَّبِيُّ - ﷺ - لِصَلَاةٍ فَرَأَى النَّاسَ كَأَنَّهُمْ يَكْتَشِرُونَ، قَالَ: " أَمَا إِنَّكُمْ لَوْ أَكْثَرْتُمْ ذِكْرَ هَادِمِ اللَّذَّاتِ لَشَغَلَكُمْ عَمَّا أَرَى الْمَوْتُ، فَأَكْثِرُوا ذِكْرَ هَاذِمِ اللَّذَّاتِ، الْمَوْتِ، فَإِنَّهُ لَمْ يَأْتِ عَلَى الْقَبْرِ إِلَّا تَكَلَّمَ، فَيَقُولُ: أَنَا بَيْتُ الْغُرْبَةِ، وَأَنَا بَيْتُ الْوَحْدَةِ، وَأَنَا بَيْتُ التُّرَابِ، وَأَنَا بَيْتُ الدُّودِ، وَإِذَا دُفِنَ الْعَبْدُ الْمُؤْمِنُ قَالَ لَهُ الْقَبْرُ: مَرْحَبًا وَأَهْلًا، أَمَا إِنْ كُنْتَ لَأَحَبُّ مَنْ يَمْشِي عَلَى ظَهْرِي إِلَيَّ، فَإِذْ وُلِّيتُكَ الْيَوْمَ وَصِرْتَ إِلَيَّ فَسَتَرَى صَنِيعِي بِكَ "، قَالَ: " فَيَتَّسِعُ لَهُ مَدَّ بَصَرِهِ، وَيُفْتَحُ لَهُ بَابٌ إِلَى الْجَنَّةِ، وَإِذَا دُفِنَ الْعَبْدُ الْفَاجِرُ أَوِ الْكَافِرُ قَالَ لَهُ الْقَبْرُ: لَا مَرْحَبًا وَلَا أَهْلًا، أَمَا إِنْ كُنْتَ لَأَبْغَضَ مَنْ يَمْشِي عَلَى ظَهْرِي إِلَيَّ، فَإِذَا وُلِّيتُكَ الْيَوْمَ وَصِرْتَ إِلَيَّ فَسَتَرَى صَنِيعِي بِكَ " قَالَ: " فَيَلْتَئِمُ عَلَيْهِ حَتَّى يَخْتَلِفَ أَضْلَاعُهُ "، قَالَ: وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - بِأَصَابِعِهِ، فَأَدْخَلَ بَعْضَهَا فِي جَوْفِ بَعْضٍ، قَالَ: " وَيُقَيَّضُ لَهُ سَبْعُونَ تِنِّينًا لَوْ أَنَّ وَاحِدًا مِنْهَا نَفَخَ فِي الْأَرْضِ مَا أَنْبَتَتْ شَيْئًا مَا بَقِيَتِ الدُّنْيَا، فَيَنْهَسْنَهُ وَيَخْدِشْنَهُ حَتَّى يُفْضِي بِهِ إِلَى الْحِسَابِ "، قَالَ: وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: " إِنَّمَا الْقَبْرُ رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ، أَوْ حُفْرَةٌ مِنْ حُفَرِ النَّارِ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
_________________
(١) (وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: خَرَجَ النَّبِيُّ - ﷺ - لِصَلَاةٍ) أَيْ: لِأَدَاءِ صَلَاةٍ، وَالظَّاهِرُ الْمُتَبَادِرُ مِنْ مُقْتَضَى الْمَقَامِ أَنَّهَا صَلَاةُ جَنَازَةٍ لِمَا ثَبَتَ أَنَّهُ - ﵊ - إِذَا رَأَى جِنَازَةً رُئِيَتْ عَلَيْهِ كَآبَةٌ أَيْ: حُزْنٌ شَدِيدٌ، وَأَقَلَّ الْكَلَامَ، (فَرَأَى النَّاسَ كَأَنَّهُمْ يَكْتَشِرُونَ) أَيْ: يَضْحَكُونَ، مِنَ الْكَشْرِ: وَهُوَ ظُهُورُ الْأَسْنَانِ لِلضَّحِكِ، وَلَعَلَّ التَّاءَ لِلْمُبَالَغَةِ، فَفِي الْقَامُوسِ: كَشَّرَ عَنْ أَسْنَانِهِ: أَبْدَى، يَكُونُ وَالضَّحِكُ وَغَيْرُهُ، انْتَهَى. فَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّهُمْ جَمَعُوا بَيْنَ الضَّحِكِ الْبَالِغِ وَالْكَلَامِ الْكَثِيرِ، قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ - ﵀ -: أَيْ يَضْحَكُونَ، وَالْمَشْهُورُ فِي اللُّغَةِ الْكَسْرُ، (قَالَ: " أَمَا ") بِالتَّخْفِيفِ لِيُنَبِّهَ عَلَى نَوْمِ الْغَفْلَةِ الْبَاعِثِ عَلَى الضَّحِكِ وَالْمُكَالَمَةِ (" إِنَّكُمْ لَوْ أَكْثَرْتُمْ ذِكْرَ هَادِمِ اللَّذَّاتِ ") بِالدَّالِ الْمُهْمَلَةِ فِي أَصْلِ السَّيِّدِ وَأَكْثَرِ النُّسَخِ الْمُعْتَمَدَةِ، وَفِي بَعْضِهَا بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ، وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ السُّيُوطِيُّ - ﵀ - فِي حَاشِيَةِ التِّرْمِذِيِّ، وَفِي الْقَامُوسِ: هَذَمَ بِالْمُعْجَمَةِ: قَطَعَ وَأَكَلَ بِسُرْعَةٍ، وَبِالْمُهْمَلَةِ: نَقَضَ الْبِنَاءَ،
[ ٨ / ٣٣٥٣ ]
وَالْمَعْنَى: لَوْ أَكْثَرْتُمْ مِنْ ذِكْرِ قَاطِعِ اللَّذَّاتِ (" لَشَغَلَكُمْ عَمَّا أَرَى ") أَيْ: مِنَ الضَّحِكِ وَكَلَامِ أَهْلِ الْغَفْلَةِ (" الْمَوْتِ ") بِالْجَرِّ: تَفْسِيرٌ لِهَادِمِ اللَّذَّاتِ أَوْ بَدَلٌ مِنْهُ، كَمَا يَأْتِي فِيمَا بَعْدَهُ، وَبِالنَّصْبِ: بِإِضْمَارِ أَعْنِي، وَبِالرَّفْعِ بِتَقْدِيرِ هُوَ الْمَوْتُ، (" فَأَكْثِرُوا ذِكْرَ هَادِمِ اللَّذَّاتِ ") أَيِ: الْمَوْجُودَةِ الْمَعْمُولَةِ لِلْأَغْنِيَاءِ، وَالْمَفْقُودَةِ الْمَسْؤُولَةِ لِلْفُقَرَاءِ، فَهُوَ مَوْعِظَةٌ بَلِيغَةٌ لِلطَّائِفَتَيْنِ، وَمِنَ الْغَرِيبِ أَنَّ ذِكْرَ الْمَوْتِ يُحْيِي الْقَلْبَ النَّائِمَ، وَالنَّوْمُ أَخُو الْمَوْتِ، وَكَانَ شَيْخُنَا الْعَارِفُ بِاللَّهِ تَعَالَى - ﵀ - الْوَلِيُّ مَوْلَانَا نُورُ الدِّينِ عَلِيٌّ الْمُتَّقِي يَعْمَلُ كِيسًا مَكْتُوبًا عَلَيْهِ لَفْظُ الْمَوْتِ، يُعَلَّقُ فِي رَقَبَةِ الْمُرِيدِ لِيَسْتَفِيدَ مِنْهُ أَنَّهُ قَرِيبٌ غَيْرُ بَعِيدٍ، فَيَقْصُرُ أَمَلُهُ وَيَكْثُرُ عَمَلُهُ، وَكَانَ بَعْضُ الصَّالِحِينَ مِنَ السَّلَاطِينِ أَمَرَ وَاحِدًا مِنْ أُمَرَائِهِ أَنْ يَقِفَ دَائِمًا مِنْ وَرَائِهِ يَقُولُ: الْمَوْتَ الْمَوْتَ لِيَكُونَ دَوَاءً لِدَائِهِ، ثُمَّ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَيَّنَ لِلصَّحَابَةِ وَجْهَ حِكْمَةِ الْأَمْرِ بِإِكْثَارِ ذِكْرِ الْمَوْتِ وَأَسْبَابِهِ بِقَوْلِهِ: (" فَإِنَّهُ ") أَيِ: الشَّأْنَ (" لَمْ يَأْتِ عَلَى الْقَبْرِ يَوْمٌ ") أَيْ: وَقْتُ زَمَانٍ (" إِلَّا تَكَلَّمَ ") أَيْ: بِلِسَانِ الْقَالِ أَوْ بَيَانِ الْحَالِ، وَفِي رِوَايَةٍ زِيَادَةُ فِيهِ أَيْ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ (" فَيَقُولُ: أَنَا بَيْتُ الْغُرْبَةِ ") أَيْ: فَكُنْ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ (" وَأَنَا بَيْتُ الْوَحْدَةِ ") أَيْ: فَلَا يَنْفَعُ إِلَّا التَّوْحِيدُ وَشُهُودُ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ (" وَأَنَا بَيْتُ التُّرَابِ ") أَيْ: أَصْلُ كُلِّ حَيٍّ مَخْلُوقٍ، فَمَنْ مَرْجِعُهُ لِلتُّرَابِ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ لِئَلَّا تَفُوتَهُ جِنْسِيَّةُ الْمُنَاسَبَةِ، (" وَأَنَا بَيْتُ الدُّودِ ") أَيْ: فَلَا يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ هِمَّتُكُمْ وَنَهْمَتُكُمْ فِي اسْتِعْمَالِ اللَّذَّاتِ مِنَ الْمَأْكُولِ وَالْمَشْرُوبِ ; لِأَنَّ مَآلَ أَمْرِهَا إِلَى الْفَنَاءِ، وَلَا يَنْفَعُ فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ إِلَّا الْعَمَلُ الصَّالِحُ، فَالْقَبْرُ صُنْدُوقُ الْعَمَلِ، قِيلَ: يَتَوَلَّدُ الدُّودُ مِنَ الْعُفُونَةِ وَتَآكُلِ الْأَعْضَاءِ ثُمَّ يَأْكُلُ بَعْضُهَا بَعْضًا، إِلَى أَنْ تَبْقَى دُودَةٌ وَاحِدَةٌ فَتَمُوتُ جُوعًا، وَاسْتَثْنَى الْأَنْبِيَاءَ، وَالشُّهَدَاءَ، وَالْأَوْلِيَاءَ، وَالْعُلَمَاءَ مِنْ ذَلِكَ فَقَدْ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " «إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلَى الْأَرْضِ أَنْ تَأْكُلَ أَجْسَادَ الْأَنْبِيَاءِ» "، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى فِي حَقِّ الشُّهَدَاءِ: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٩]، وَالْعُلَمَاءُ الْعَامِلُونَ الْمُعَبَّرُ عَنْهُمْ بِالْأَوْلِيَاءِ مِدَادُهُمْ أَفْضَلُ مِنْ دِمَاءِ الشُّهَدَاءِ، (" وَإِذَا دُفِنَ الْعَبْدُ الْمُؤْمِنُ قَالَ لَهُ الْقَبْرُ ") أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهُ (" مَرْحَبًا ") أَيْ: أَتَيْتَ مَكَانًا وَاسِعًا لِرَقْدَتِكَ (" وَأَهْلًا ") أَيْ: وَحَضَرْتَ أَهْلًا لِمَحَبَّتِكَ (" أَمَا ") بِتَخْفِيفِ الْمِيمِ لِلتَّنْبِيهِ (" إِنْ كُنْتَ ") أَيْ: إِنَّهُ كُنْتَ فَإِنْ مُخَفَّفَةٌ مِنَ الْمُثَقَّلَةِ، وَاللَّامُ فَارِقَةٌ بَيْنَهَا وَبَيْنَ أَنِ النَّافِيَةِ فِي قَوْلِهِ: (" لَأَحَبُّ ") وَهُوَ أَفْعَلُ تَفْضِيلٍ بُنِيَ لِلْمَفْعُولِ أَيْ: لَأَفْضَلُ (" مَنْ يَمْشِي عَلَى ظَهْرِي إِلَيَّ "): مُتَعَلِّقٌ بِأَحَبَّ (" فَإِذْ ") بِسُكُونِ الذَّالِ، وَأَبْعَدَ الطِّيبِيُّ حَيْثُ قَالَ: وَفِي إِذْ مَعْنَى التَّعْلِيلِ إِذِ الصَّحِيحُ أَنَّهُ هُنَا ظَرْفٌ مَحْضٌ، وَالْعِلَّةُ وَالسَّبَبُ كَوْنُهُ مُؤْمِنًا أَيْ: فَحِينَ (" وُلِّيتُكَ "): مِنَ التَّوْلِيَةِ مَجْهُولًا، أَوْ مِنَ الْوَلَايَةِ مَعْلُومًا أَيْ: صِرْتُ قَادِرًا حَاكِمًا عَلَيْكَ (" الْيَوْمَ ") أَيْ: هَذَا الْوَقْتَ، وَهُوَ مَا بَعْدَ الْمَوْتِ وَالدَّفْنِ (" وَصِرْتَ إِلَيَّ ") أَيْ: مَقْهُورًا وَمَجْبُورًا (" فَسَتَرَى ") أَيْ: سَتُبْصِرُ أَوْ تَعْلَمُ (" صَنِيعِي بِكَ "): مِنَ الْإِحْسَانِ إِلَيْكَ بِالتَّوْسِيعِ عَلَيْكَ.
(قَالَ) أَيِ: النَّبِيُّ - ﷺ - وَإِنَّمَا أَعَادَهُ لِطُولِ الْكَلَامِ ; وَلِئَلَّا يُتَوَهَّمَ أَنَّ مَا بَعْدَهُ مِنْ كَلَامِ الرَّاوِي تَفْسِيرٌ لِلْمَرَامِ (" فَيَتَّسِعُ ") أَيْ: فَيَصِيرُ الْقَبْرُ وَسِيعًا، وَفِي رِوَايَةٍ: فَيُوَسَّعُ (" لَهُ ") أَيْ: لِلْمُؤْمِنِ (" مَدَّ بَصَرِهِ ") أَيْ: مِنْ كُلِّ جَانِبٍ، حَقِيقَةً، أَوْ كَشْفًا، أَوْ مَجَازًا عَنْ عَدَمِ التَّضْيِيقِ حِسًّا وَمَعْنًى، وَفِيهِ كِنَايَةٌ عَنْ تَنْوِيرِهِ أَيْضًا، (" وَيُفْتَحُ لَهُ بَابٌ إِلَى الْجَنَّةِ ") أَيْ: وَيُعْرَضُ لَهُ مَقْعَدُهُ مِنْهَا، يَأْتِيهِ مِنْ رُوحِهَا وَنَسِيمِهَا، وَيَشُمُّ مِنْ طِيبِهَا، وَتَقَرُّ عَيْنُهُ بِمَا يَرَى فِيهَا مَنْ حُورِهَا وَقُصُورِهَا وَأَنْهَارِهَا وَأَشْجَارِهَا وَأَثْمَارِهَا، (" وَإِذَا دُفِنَ الْعَبْدُ الْفَاجِرُ ") أَيِ: الْفَاسِقُ، وَالْمُرَادُ بِهِ الْفَرْدُ الْأَكْمَلُ، وَهُوَ الْفَاسِقُ، بِقَرِينَةِ مُقَابَلَتِهِ لِقَوْلِهِ: الْعَبْدُ الْمُؤْمِنُ سَابِقًا، وَلِمَا سَيَأْتِي مِنْ قَوْلِ الْقَبْرِ لَهُ بِكَوْنِهِ أَبْغَضَ مَنْ
[ ٨ / ٣٣٥٤ ]
يَمْشِي عَلَى ظَهْرِهِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا﴾ [السجدة: ١٨] الْآيَةَ، (" أَوِ الْكَافِرُ "): شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي لَا لِلتَّنْوِيعِ، وَقَدْ جَرَتْ عَادَةُ الْكِتَابِ وَالسُّنَةِ عَلَى بَيَانِ حُكْمِ الْفَرِيقَيْنِ فِي الدَّارَيْنِ، وَالسُّكُونِ عَنْ حَالِ الْمُؤْمِنِ الْفَاسِقِ سَتْرًا عَلَيْهِ، أَوْ لِيَكُونَ بَيْنَ الرَّجَاءِ وَالْخَوْفِ، لَا لِإِثْبَاتِ الْمَنْزِلَةِ بَيْنَ الْمَنْزِلَتَيْنِ كَمَا تَوَهَّمَتِ الْمُعْتَزِلَةُ، (" قَالَ لَهُ الْقَبْرُ: لَا مَرْحَبًا وَلَا أَهْلًا، أَمَا إِنْ كُنْتَ لَأَبْغَضَ مَنْ يَمْشِي عَلَى ظَهْرِي إِلَيَّ، فَإِذَا وُلِّيتُكَ الْيَوْمَ وَصِرْتَ إِلَيَّ فَسَتَرَى صَنِيعِي بِكَ ". قَالَ) أَيِ: النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: (" فَيَلْتَئِمُ ") أَيْ: يَنْضَمُّ الْقَبْرُ (" عَلَيْهِ حَتَّى تَخْتَلِفَ أَضْلَاعُهُ ") أَيْ: يَدْخُلُ بَعْضُهَا فِي بَعْضٍ، وَفِي رِوَايَةٍ: حَتَّى تَلْتَقِي وَتَخْتَلِفَ أَضْلَاعُهُ.
(قَالَ) أَيِ: الرَّاوِي (وَقَالَ) أَيْ: أَشَارَ (رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - بِأَصَابِعِهِ) أَيْ: مِنَ الْيَدَيْنِ الْكَرِيمَتَيْنِ (فَأَدْخَلَ بَعْضَهَا) وَهُوَ أَصَابِعُ الْيَدِ الْيُمْنَى (فِي جَوْفِ بَعْضٍ) وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ تَضْيِيقَ الْقَبْرِ وَاخْتِلَافَ الْأَضْلَاعِ حَقِيقِيٌّ، لَا أَنَّهُ مُجَازٌ عَنْ ضِيقِ الْحَالِ، وَأَنَّ الِاخْتِلَافَ مُبَالَغَةٌ فِي أَنَّهُ عَلَى وَجْهِ الْكَمَالِ، كَمَا تَوَهَّمَهُ بَعْضُ أَرْبَابِ النُّقْصَانِ، حَتَّى جَعَلُوا عَذَابَ الْقَبْرِ رُوحَانِيًّا لَا جُسْمَانِيًّا، وَالصَّوَابُ أَنَّ عَذَابَ الْآخِرَةِ وَنَعِيمَهَا مُتَعَلِّقَانِ بِهِمَا.
(قَالَ) أَيِ: النَّبِيُّ - ﷺ - (" وَيُقَيَّضُ ") بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ الْمَفْتُوحَةِ أَيْ: يُسَلَّطُ وَيُوَكَّلُ (" لَهُ ") أَيْ: بِخُصُوصِهِ وَإِلَّا فَهُوَ عَلَيْهِ (" سَبْعُونَ تِنِّينًا ") بِكَسْرِ التَّاءِ وَتَشْدِيدِ النُّونِ الْأَوَّلِ مَكْسُورَةً أَيْ: حَيَّةً عَظِيمَةً، يُقَالُ لَهُ: أَزْرَدُ بِالْفَارِسِيِّ وَبِالْعَرَبِيِّ أَفْعَى، وَعَدَدُ السَبْعِينَ يَحْتَمِلُ التَّحْدِيدَ وَالتَّكْثِيرَ، وَيُؤَيِّدُ الثَّانِيَ مَا ذَكَرَهُ فِي الْإِحْيَاءِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا " هَلْ تَدْرُونَ فِيمَا إِذَا أُنْزِلَتْ ﴿فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾ [طه: ١٢٤] قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: " عَذَابُ الْكَافِرِ فِي قَبْرِهِ، يُسَلَّطُ عَلَيْهِ تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ تِنِّينًا، هَلْ تَدْرُونَ مَا التِّنِّينُ؟ " قَالَ: " تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ حَيَّةً لِكُلِّ وَاحِدَةٍ تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ رَأْسًا يَخْدِشْنَهُ، وَيَلْحَسْنَهُ، وَيَنْفُخْنَ فِي جِسْمِهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ " انْتَهَى. (" لَوْ أَنَّ وَاحِدًا مِنْهَا نَفَخَ ") الْخَاءُ الْمُعْجَمَةُ أَيْ: تَنَفَّسَ (" فِي الْأَرْضِ مَا أَنْبَتَتْ ") أَيِ: الْأَرْضُ (" شَيْئًا ") أَيْ: مِنَ الْإِنْبَاتِ أَوِ النَّبَاتَاتِ (" مَا بَقِيَتِ الدُّنْيَا ") أَيْ: مُدَّةَ بَقَائِهَا (" فَيَنْهَسْنَهُ "): بِفَتْحِ الْهَاءِ وَسُكُونِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ، أَيْ: يَلْدَغْنَهُ، وَفِي الْقَامُوسِ: نَهَسَ اللَّحْمَ، كَمَنَعَ وَفَرِحَ، أَخَذَهُ بِمَقْدِمِ أَسْنَانِهِ وَنَتَفَهُ (" وَيَخْدِشْنَهُ ") بِكَسْرِ الدَّالِ أَيْ: يُخْرِجْنَهُ (" حَتَّى يُفْضِي ") بِفَتْحٍ فَسُكُونِ فَاءٍ فَفَتْحِ ضَادٍ مُعْجَمَةٍ أَيْ: يُوصِلُ (" بِهِ ") أَيْ: بِالْكَافِرِ (" إِلَى الْحِسَابِ ") أَيْ: وَثُمَّ إِلَى الْعِقَابِ، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْكَافِرَ يُحَاسَبُ، خِلَافًا لِمَا تَوَهَّمَ بَعْضُهُمْ أَنَّ الْكَافِرَ يَدْخُلُ النَّارَ بِغَيْرِ حِسَابٍ، اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يُقَالَ: الْمُرَادُ بِالْحِسَابِ الْجَزَاءُ، وَأَنَّ ظَوَاهِرَ الْآيَاتِ مِنْ قَوْلِهِ: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ﴾ [القارعة: ٨] فَصَرِيحٌ فِي حِسَابِهِمْ، نَعَمْ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ بَعْضُهُمْ مِنَ الْعُصَاةِ الْعُتَاةِ يَدْخُلُونَ النَّارَ مِنْ غَيْرِ حِسَابٍ وَلَا كِتَابٍ، كَمَا يَدْخُلُ بَعْضُ الْمُؤْمِنِينَ الْمُبَالِغِينَ فِي الصَّبْرِ وَالتَّوَكُّلِ عَلَى مَا سَبَقَ بِغَيْرِ حِسَابٍ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
(قَالَ) أَيِ: الرَّاوِي (وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -) أَيْ: فِي هَذَا الْمَحَلِّ أَوْ فِي وَقْتٍ آخَرَ، فَتَأَمَّلْ، (" إِنَّمَا الْقَبْرُ رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ، أَوْ حُفْرَةٌ مِنْ حُفَرِ النَّارِ ") بِصِيغَةِ الْإِفْرَادِ الْمُنَاسِبَةِ لِلَفْظَةِ الْجَنَّةِ، وَفِي نُسْخَةِ: النِّيرَانِ لِمُنَاسَبَةِ جَمْعِ الْحُفَرِ وَلِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْجَنَّةِ الْجِنَانُ، قَالَ الطِّيبِيُّ - ﵀ -: قَوْلُهُ: مِنْ حُفَرِ النَّارِ كَذَا فِي جَامِعِ التِّرْمِذِيِّ، وَجَامِعِ الْأُصُولِ، وَأَكْثَرِ نُسَخِ الْمَصَابِيحِ، وَفِي بَعْضِهَا: النِّيرَانِ بِالْجَمْعِ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) .
[ ٨ / ٣٣٥٥ ]
قَالَ السُّيُوطِيُّ - ﵀ -: وَحَسَّنَهُ، وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: «خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي جِنَازَةٍ، فَجَلَسَ إِلَى قَبْرٍ فَقَالَ: " مَا يَأْتِي عَلَى هَذَا الْقَبْرِ مِنْ يَوْمٍ وَهُوَ يُنَادِي بِصَوْتٍ طَلْقٍ ذَلْقٍ: يَا ابْنَ آدَمَ! كَيْفَ نَسِيتَنِي؟ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنِّي بَيْتُ الْوَحْدَةِ، وَبَيْتُ الْغُرْبَةِ، وَبَيْتُ الْوَحْشَةِ، وَبَيْتُ الدُّودِ، وَبَيْتُ الضِّيقِ إِلَّا مَنْ وَسَّعَنِي اللَّهُ عَلَيْهِ» " ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " الْقَبْرُ رَوْضَةٌ "، وَفِي نُسْخَةٍ: " إِمَّا رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ أَوْ حُفْرَةٌ مِنْ حُفَرِ النَّارِ "، قَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ: مَنْ أَكْثَرَ مِنْ ذِكْرِ الْقَبْرِ وَجَدَهُ رَوْضَةً مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ، وَمَنْ غَفَلَ عَنْ ذِكْرِهِ وَجَدَهُ حُفْرَةً مِنْ حُفَرِ النَّارِ.
[ ٨ / ٣٣٥٦ ]
٥٣٥٣ - وَعَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ - ﵁ - قَالَ: «قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! قَدْ شِبْتَ، قَالَ: " شَيَّبَتْنِي سُورَةُ هُودٍ وَأَخَوَاتُهَا» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
_________________
(١) (وَعَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ): بِضَمِّ الْجِيمِ وَفَتْحِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَبِالْفَاءِ، ذَكَرَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تُوُفِّيَ وَلَمْ يَبْلُغِ الْحُلُمَ، وَلَكِنَّهُ سَمِعَ مِنْهُ، وَرَوَى عَنْهُ، مَاتَ بِالْكُوفَةِ، رَوَى عَنْهُ ابْنُهُ عَوْنٌ وَجَمَاعَةٌ مِنَ التَّابِعِينَ، (قَالَ: قَالُوا) أَيْ: بَعْضُ الصَّحَابَةِ (يَا رَسُولَ اللَّهِ! قَدْ شِبْتَ) أَيْ: ظَهَرَ عَلَيْكَ آثَارُ الضَّعْفِ، قِيلَ: أَوَانُ الْكِبَرِ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ مِنْهُ ظُهُورَ كَثْرَةِ الشَّعْرِ الْأَبْيَضِ عَلَيْهِ ; لِمَا رَوَى التِّرْمِذِيُّ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: «مَا عَدَدْتُ فِي رَأْسِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - وَلِحْيَتِهِ إِلَّا أَرْبَعَ عَشْرَةَ شَعْرَةً بِيضًا»، (قَالَ: " شَيَّبَتْنِي هُودُ ") بِغَيْرِ انْصِرَافٍ، وَفِي نُسْخَةٍ بِالصَّرْفِ، قِيلَ: إِنْ جَعَلَ هُودَ اسْمَ السُّورَةِ لَمْ يُصْرَفْ، وَإِلَّا صُرِفَ، فَالْمُضَافُ مُقَدَّرٌ حِينَئِذٍ، أَقُولُ: لِأَنَّهُ إِذَا لَمْ يُصْرَفُ كَانَ كَجُورِ، وَإِذَا صُرِفَ كَانَ التَّقْدِيرُ سُورَةُ هُودٍ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا فِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ سُورَةُ هُودٍ، (" وَأَخَوَاتُهَا ") أَيْ: وَأَشْبَاهُهَا مِنَ السُّوَرِ الَّتِي فِيهَا ذِكْرُ الْقِيَامَةِ وَالْعَذَابِ. قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: يُرِيدُ أَنَّ اهْتِمَامِي بِمَا فِيهَا مِنْ أَهْوَالِ الْقِيَامَةِ وَالْحَوَادِثِ النَّازِلَةِ بِالْأُمَمِ الْمَاضِيَةِ، آخُذُ مِنْ مَأْخَذِهِ حَتَّى شِبْتُ قَبْلَ أَوَانِ الْمَشِيبِ خَوْفًا عَلَى أُمَّتِي، وَذَكَرَ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ عَنْ بَعْضِهِمْ قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْمَنَامِ فَقُلْتُ لَهُ: رُوِيَ عَنْكَ أَنَّكَ قُلْتَ: " شَيَّبَتْنِي هُودٌ " فَقَالَ: " نَعَمْ "، فَقُلْتُ: بِأَيَّةِ آيَةٍ؟ قَالَ: قَوْلُهُ: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾ [هود: ١١٢] قَالَ الْإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ - ﵀ -: الْمَلِكُ الْمُعِينُ وَذَلِكَ أَنَّ الِاسْتِقَامَةَ عَلَى الطَّرِيقِ الْمُسْتَقِيمِ مِنْ غَيْرِ مَيْلٍ إِلَى طَرَفَيِ الْإِفْرَاطِ وَالتَّفْرِيطِ فِي الِاعْتِقَادَاتِ وَالْأَعْمَالِ الظَّاهِرَةِ وَالْبَاطِنَةِ عَسِرٌ جِدًّا، قُلْتُ: لَا شَكَّ أَنَّ الِاسْتِقَامَةَ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ كَرَامَةٍ لِكَوْنِهَا أَصْعَبَ مِنْ جِسْرِ الْقِيَامَةِ، مَعَ أَنَّهَا أَدَقُّ مِنَ الشَّعْرِ، وَأَمَرُّ مِنَ الصَّبْرِ، وَأَحَدُّ مِنَ السَّيْفِ، وَأَحَرُّ مِنَ الصَّيْفِ، لَكِنَّ حَمْلَ الْحَدِيثِ عَلَى الْآيَةِ غَيْرُ ظَاهِرٍ ; لِقَوْلِهِ: وَأَخَوَاتُهَا، الْمُفَسَّرَةُ بِالسُّوَرِ الْآتِيَةِ الَّتِي لَيْسَ فِيهَا ذِكْرُ الِاسْتِقَامَةِ لِلتَّخْلِيصِ عَنِ النَّدَامَةِ وَالْمَلَامَةِ، فَكَأَنَّهَا مَذْكُورَةٌ فِي جَمِيعِهَا، أَوْ يُقَالُ: الْجَوَابُ لِلنَّائِمِ كَانَ عَلَى طِبْقِ مَا يُنَاسِبُهُ مِنَ الْمَقَامِ الَّذِي هُوَ فِيهِ، وَالتَّحْرِيضِ عَلَى مَا هُوَ الْمَطْلُوبُ مِنْهُ، فَيَكُونُ مِنْ بَابِ أُسْلُوبِ الْحَكِيمِ، وَاللَّهُ ﷾ أَعْلَمُ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) أَيْ: عَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ، وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ، وَعَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ، وَزَادَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أَبِي بَكْرٍ: قَبْلَ الْمَشِيبِ.
[ ٨ / ٣٣٥٦ ]
٥٣٥٤ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ - «قَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! قَدْ شِبْتَ، قَالَ: " شَيَّبَتْنِي هُودٌ وَالْوَاقِعَةُ وَالْمُرْسَلَاتُ وَعَمَّ يَتَسَاءَلُونَ وَإِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
وَذُكِرَ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ: " لَا يَلِجُ فِي النَّارِ " فِي (كِتَابِ الْجِهَادِ) .
_________________
(١) (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! قَدْ شِبْتَ، قَالَ: " شَيَّبَتْنِي هُودٌ وَالْوَاقِعَةُ وَالْمُرْسَلَاتُ) بِالرَّفْعِ، وَيَجُوزُ كَسْرُهَا عَلَى الْحِكَايَةِ (وَعَمَّ يَتَسَاءَلُونَ وَإِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ) يَعْنِي: وَأَمْثَالُهَا مِمَّا فِيهِ ذِكْرُ الْقِيَامَةِ وَأَهْوَالُهَا. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ)، وَكَذَا الْحَاكِمُ، وَرَوَاهُ أَيْضًا عَنْ أَبِي بَكْرٍ، وَرَوَاهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ سَعْدٍ، وَرَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ فِي سُنَنِهِ عَنْ أَنَسٍ، وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عِمْرَانَ بِلَفْظِ: " «شَيَّبَتْنِي هُودٌ وَأَخَوَاتُهَا مِنَ الْمُفَصَّلِ» " وَفِي رِوَايَةٍ لِابْنِ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أَنَسٍ " «شَيَّبَتْنِي سُورَةُ هُودٍ وَأَخَوَاتُهَا الْوَاقِعَةُ وَالْقَارِعَةُ وَالْحَاقَّةُ وَإِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ وَسَأَلَ سَائِلٌ» " (وَذُكِرَ حَدِيثٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: " لَا يَلِجُ النَّارَ ") أَيْ: لَا يُدْخُلُهَا، مَنْ بَكَى مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ، الْحَدِيثُ بِطُولِهِ، (فِي " كِتَابِ الْجِهَادِ ") أَيْ: فَأُسْقِطَ لِلتَّكْرَارِ.
[ ٨ / ٣٣٥٦ ]
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
٥٣٥٥ - عَنْ أَنَسٍ - ﵁ - قَالَ: «إِنَّكُمْ لَتَعْمَلُونَ أَعْمَالًا هِيَ أَدَقُّ فِي أَعْيُنِكُمْ مِنَ الشَّعْرِ، كُنَّا نَعُدُّهَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - مِنَ الْمُوبِقَاتِ، يَعْنِي الْمُهْلِكَاتِ» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
_________________
(١) الْفَصْلُ الثَّالِثُ
(٢) (عَنْ أَنَسٍ قَالَ: إِنَّكُمْ لَتَعْمَلُونَ أَعْمَالًا) أَيْ: عَظِيمَةً فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، وَتَسْتَصْغِرُونَهَا وَتَعُدُّونَهَا مِنَ الْكَرَامَاتِ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ: (هِيَ أَدَقُّ فِي أَعْيُنِكُمْ مِنَ الشَّعْرِ) قَالَ الطِّيبِيُّ - ﵀ -: عِبَارَةٌ عَنْ تَدْقِيقِ النَّظَر فِي الْعَمَلِ وَإِمْعَانِهِ فِيهِ، وَالْمَعْنَى: أَنَّكُمْ تَعْمَلُونَ أَعْمَالًا وَتَحْسَبُونَ أَنَّكُمْ تُحْسِنُونَ صُنْعًا، وَلَيْسَ كَذَلِكَ فِي الْحَقِيقَةِ. (كُنَّا نَعُدُّهَا) أَيْ: تِلْكَ الْأَعْمَالَ (عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -) أَيْ: فِي زَمَانِهِ (مِنَ الْمُوبِقَاتِ): بِكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ، يَعْنِي الْمُهْلِكَاتِ تَفْسِيرٌ مِنْ أَحَدِ الرُّوَاةِ أَيْ: يُرِيدُ أَنَسٌ بِالْمُوبِقَاتِ الْمُهْلِكَاتِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ مَوْبِقًا﴾ [الكهف: ٥٢] بِفَتْحِ الْمِيمِ أَيْ: مَهْلِكًا. (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) .
[ ٨ / ٣٣٥٧ ]
٥٣٥٦ - وَعَنْ عَائِشَةَ - ﵂ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: " «يَا عَائِشَةَ! إِيَّاكِ وَمُحَقَّرَاتِ الذُّنُوبِ، فَإِنَّ لَهَا مِنَ اللَّهِ طَالِبًا» " رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَالدَّارِمِيُّ، والْبَيْهَقِيُّ فِي (شُعَبِ الْإِيمَانِ) .
_________________
(١) (وَعَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: " يَا عَائِشَةَ! إِيَّاكِ وَمُحَقَّرَاتِ الذُّنُوبِ ") أَيْ: صَغَائِرَهَا وَخَصَّ بِهَا فَإِنَّهُ رُبَّمَا يُسَامَحُ صَاحِبُهَا فِيهَا بِعَدَمِ تَدَارُكِهَا بِالتَّوْبَةِ، وَبِعَدَمِ الِالْتِفَاتِ بِهَا فِي الْخَشْيَةِ غَفْلَةً عَنْهُ أَنَّهُ لَا صَغِيرَةَ مَعَ الْإِصْرَارِ، وَأَنَّ كُلَّ صَغِيرَةٍ بِالنِّسْبَةِ إِلَى عَظَمَةِ اللَّهِ وَكِبْرِيَائِهِ كَبِيرَةٌ، وَالْقَلِيلَةَ مِنْهَا كَثِيرَةٌ ; وَلِذَا قَدْ يَعْفُو اللَّهُ عَنِ الْكَبِيرَةِ وَيُعَاقِبُ عَلَى الصَّغِيرَةِ، كَمَا يُسْتَفَادُ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨]، وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [النساء: ٣١] الصَّغِيرَةَ بِسَبَبِ الْعِبَادَاتِ الْمُكَفِّرَةِ، قُلْنَا: بِشَرْطِ اجْتِنَابِكُمُ الْكَبَائِرَ لَا بِمُجَرَّدِ اجْتِنَابِ الْكَبَائِرِ عَلَى مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْمُعْتَزِلَةُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (" فَإِنَّ لَهَا ") أَيْ: لِلْمُحَقَّرَاتِ مِنَ الذُّنُوبِ (" مِنَ اللَّهِ ") أَيْ: مِنْ عِنْدِهِ سُبْحَانَهُ (" طَالِبًا ") أَيْ: نَوْعًا مِنَ الْعَذَابِ يَعْقُبُهُ، فَكَأَنَّهُ يَطْلُبُهُ طَلَبًا لَا مُرَادَ لَهُ، فَالتَّنْوِينُ لِلتَّعْظِيمِ، أَيْ: طَالِبًا عَظِيمًا، فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَغْفَلَ عَنْهُ، بَلْ يَنْبَغِي أَنْ يَخْشَى مِنْهُ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ - ﵀ -: قَوْلُهُ: (مِنَ اللَّهِ طَالِبًا) هُوَ مِنْ بَابِ التَّجْرِيدِ: كَقَوْلِ الْقَائِلِ: وَفِي الرَّحْمَنِ لِلضُّعَفَاءِ كَافٍ وَأَقُولُ: الظَّاهِرُ فِي قَوْلِ الْقَائِلِ أَنَّ مَعْنَاهُ: وَفِي رَحْمَةِ الرَّحْمَنِ لِلضُّعَفَاءِ كِفَايَةٌ، فَإِنَّ اسْمَ الْفَاعِلِ قَدْ يَأْتِي بِمَعْنَى الْمَصْدَرِ، كَمَا هُوَ مَذْكُورٌ فِي مَقَامِهِ الْمُقَرَّرِ. (رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ) أَيْ: فِي سُنَنِهِ، (وَالدَّارِمِيُّ) أَيْ: فِي مُسْنَدِهِ، (والْبَيْهَقِيُّ، فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ ")، وَرَوَاهُ أَحْمَدُ، والطَّبَرَانِيُّ، والْبَيْهَقِيُّ، وَالضِّيَاءُ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ مَرْفُوعًا، وَلَفْظُهُ: " «إِيَّاكُمْ وَمُحَقَّرَاتِ الذُّنُوبِ، فَإِنَّمَا مَثَلُ مُحَقَّرَاتِ الذُّنُوبِ كَمَثَلِ قَوْمٍ نَزَلُوا بَطْنَ وَادٍ، فَجَاءَ ذَا بِعُودٍ وَجَاءَ ذَا بِعُودٍ حَتَّى حَمَلُوا مَا أَنْضَجُوا بِهِ خُبْزَهُمْ، وَإِنَّ مُحَقَّرَاتِ الذُّنُوبِ مَنْ يُؤْخَذُ بِهَا صَاحِبُهَا تُهْلِكُهُ» "، وَرَوَاهُ أَحْمَدُ والطَّبَرَانِيُّ أَيْضًا عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ نَحْوَهُ.
[ ٨ / ٣٣٥٧ ]
٥٣٥٧ - وَعَنْ أَبِي بُرْدَةَ بْنِ أَبِي مُوسَى - ﵁ - قَالَ: قَالَ لِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: هَلْ تَدْرِي مَا قَالَهُ أَبِي لِأَبِيكَ؟ قَالَ: قُلْتُ: لَا، قَالَ: فَإِنَّ أَبِي قَالَ لِأَبِيكَ: يَا أَبَا مُوسَى! هَلْ يَسُرُّكَ أَنَّ إِسْلَامَنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - وَهِجْرَتَنَا مَعَهُ وَجِهَادَنَا مَعَهُ وَعَمَلَنَا كُلَّهُ مَعَهُ بَرَدَ لَنَا؟ وَأَنَّ كُلَّ عَمَلٍ عَمِلْنَاهُ بَعْدَهُ نَجَوْنَا مِنْهُ كَفَافًا، رَأْسًا بِرَأْسٍ؟ فَقَالَ أَبُوكَ لِأَبِي: لَا وَاللَّهِ، قَدْ جَاهَدْنَا بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - وَصَلَّيْنَا وَصُمْنَا وَعَمِلْنَا خَيْرًا كَثِيرًا، وَأَسْلَمَ عَلَى أَيْدِينَا بَشَرٌ كَثِيرٌ وَإِنَّا لَنَرْجُو ذَلِكَ، قَالَ أَبِي: وَلَكِنِّي أَنَا، وَالَّذِي نَفْسُ عُمَرَ بِيَدِهِ لَوَدِدْتُ أَنَّ ذَلِكَ بَرَدَ لَنَا، وَأَنَّ كُلَّ شَيْءٍ عَمِلْنَاهُ بَعْدَهُ نَجَوْنَا مِنْهُ كَفَافًا رَأْسًا بِرَأْسٍ، فَقُلْتُ: إِنَّ أَبَاكَ وَاللَّهِ كَانَ خَيْرًا مِنْ أَبِي. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
_________________
(١) (وَعَنْ أَبِي بُرْدَةَ بْنِ أَبِي مُوسَى) قَالَ الْمُؤَلِّفُ: هُوَ عَامِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَيْسٍ الْأَشْعَرِيُّ، أَحَدُ التَّابِعِينَ الْمَشْهُورِينَ الْمُكْثِرِينَ التَّابِعِينَ، سَمِعَ أَبَاهُ وَعَلِيًّا وَغَيْرَهُمَا، كَانَ عَلَى قَضَاءِ الْكُوفَةِ بَعْدَ شُرَيْحٍ فَعَزَلَهُ الْحَجَّاجُ. (قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: هَلْ تَدْرِي مَا قَالَ أَبِي لِأَبِيكَ؟) أَيْ: فِي أَمْرِ غَلَبَةِ الْخَوْفِ الْمُعَنْوَنِ بِهِ الْبَابُ. (قَالَ) أَيْ: أَبُو بُرْدَةَ، أَوِ التَّقْدِيرُ: قَالَ الرَّاوِي نَاقِلًا عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، (قُلْتُ: لَا) أَيْ: لَا أَدْرَى (قَالَ: فَإِنَّ أَبِي قَالَ لِأَبِيكَ: يَا أَبَا مُوسَى) نَادَاهُ بِكُنْيَتِهِ إِشْعَارًا بِعَظَمَتِهِ وَتَقْرِيرًا لِحَضْرَتِهِ، (هَلْ يَسُرُّكَ) أَيْ: يُوقِعُكَ فِي السُّرُورِ (أَنَّ إِسْلَامَنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -) أَيْ: مِنْهُمَا مَعَ بِعْثَتِهِ (وَهِجْرَتَنَا مَعَهُ وَجِهَادَنَا مَعَهُ وَعَمَلَنَا): كَالصَّلَاةِ
[ ٨ / ٣٣٥٧ ]
وَالصَّوْمِ وَالزَّكَاةِ وَالْحَجِّ وَأَمْثَالِهَا (كُلَّهُ) أَيْ: جَمِيعَهُ بِجَمِيعِ أَفْرَادِهِ وَأَصْنَافِهِ (مَعَهُ) أَيْ: فِي زَمَنِهِ (بَرَدَ) أَيْ: ثَبَتَ وَدَامَ (لَنَا؟) فَفِي النِّهَايَةِ: فِي الْحَدِيثِ الصَّوْمُ فِي الشِّتَاءِ الْغَنِيمَةُ الْبَارِدَةُ، أَيْ: لَا تَعَبَ فِيهِ وَلَا مَشَقَّةَ، وَكُلُّ مَحْبُوبٍ عِنْدَهُمْ بَارِدٌ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ الْغَنِيمَةُ الثَّابِتَةُ الْمُسْتَقِرَّةُ، مِنْ قَوْلِهِمْ: بَرَدَ لَنَا عَلَى فُلَانٍ حَقٌّ، أَيْ: ثَبَتَ، انْتَهَى كَلَامُهُ. وَهُوَ خَبَرُ قَوْلِهِ: أَنَّ إِسْلَامَنَا، وَالْجُمْلَةُ فَاعِلُ هَلْ يَسُرُّكَ. ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ - ﵀ -.
(وَأَنَّ كُلَّ عَمَلٍ): عَطْفٌ عَلَى (أَنَّ إِسْلَامَنَا)، (عَمِلْنَاهُ بَعْدَهُ) أَيْ: بَعْدَ مَوْتِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (نَجَوْنَا مِنْهُ) أَيْ: مِنْ ذَلِكَ الْعَمَلِ (كَفَافًا): بِفَتْحِ الْكَافِ، أَيْ: سَوَاءً (رَأْسًا بِرَأْسٍ): بَدَلٌ أَوْ بَيَانٌ وَنَصْبُهُ عَلَى الْحَالِ مِنْ فَاعِلِ نَجَوْنَا، أَيْ: مُتَسَاوِينَ لَا يَكُونُ لَنَا وَلَا عَلَيْنَا، بِأَنْ لَا يُوجِبَ ثَوَابًا وَلَا عِقَابًا، وَقَالَ الطِّيبِيُّ - ﵀ -: قَوْلُهُ: كَفَافًا نُصِبَ عَلَى الْحَالِ مِنَ الضَّمِيرِ الْمَجْرُورِ، أَيْ: نَجَوْنَا مِنْهُ فِي حَالَةِ كَوْنِهِ لَا يَفْضُلُ عَلَيْنَا شَيْءٌ مِنْهُ، أَوْ مِنَ الْفَاعِلِ، أَيْ: مَكْفُوفًا عَنَّا شَرُّهُ. (فَقَالَ أَبُوكَ لِأَبِي! لَا وَاللَّهِ) أَيْ: لَا يَسُرُّنَا، وَبَيَّنَ سَبَبَهُ بِقَوْلِهِ: (قَدْ جَاهَدْنَا) أَيِ: الْكُفَّارَ (بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - وَصَلَّيْنَا) أَيْ: صَلَوَاتٍ (وَصُمْنَا) أَيْ: سَنَوَاتٍ (وَعَمِلْنَا خَيْرًا كَثِيرًا) أَيْ: مِنَ الصَّدَقَاتِ وَنَوَافِلِ الْعِبَادَاتِ (وَأَسْلَمَ عَلَى أَيْدِينَا) أَيْ: بِسَبَبِنَا (بَشَرٌ كَثِيرٌ) أَيْ: مِنْ فَتْحِ الْبِلَادِ (وَإِنَّا لَنَرْجُو ذَاكَ) وَفِي نُسْخَةٍ ذَلِكَ، أَيْ: ثَوَابَ مَا ذُكِرَ زِيَادَةً عَلَى مَا سَبَقَ لَنَا مِنَ الْإِسْلَامِ وَالْهِجْرَةِ وَسَائِرِ الْأَعْمَالِ.
(قَالَ أَبِي): يَعْنِي عُمَرَ (وَلَكِنِّي أَنَا): زِيدَ لِلتَّأْكِيدِ (وَالَّذِي نَفْسُ عُمَرَ بِيَدِهِ لَوَدِدْتُ أَنَّ ذَلِكَ) أَيْ: مَا سَبَقَ لَنَا مِنَ الْعَمَلِ مَعَهُ - ﷺ -، (بَرَدَ لَنَا) أَيْ: تَمَّ وَلَمْ يَبْطُلْ وَلَمْ يَنْقَضِي بِبَرَكَةِ وَجُودِهِ وَفَضْلِهِ - ﷺ -، (وَأَنَّ كُلَّ شَيْءٍ عَمِلْنَاهُ) بِإِثْبَاتِ الضَّمِيرِ هُنَا (بَعْدَهُ) أَيْ: بَعْدَ مَمَاتِهِ وَفَقْدِ حَيَاتِهِ وَبَعْدَ بَرَكَاتِهِ (نَجَوْنَا مِنْهُ كَفَافًا رَأْسًا بِرَأْسٍ): وَذَلِكَ - وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ - أَنَّ التَّابِعَ أَسِيرُ الْمَتْبُوعِ فِي الصِّحَّةِ وَالْفَسَادِ، اعْتِقَادًا وَإِخْلَاصًا وَعِلْمًا وَعَمَلًا، أَمَا تَرَى صِحَّةَ بِنَاءِ صَلَاةِ الْمُقْتَدِي عَلَى صَلَاةِ الْإِمَامِ الْمُقْتَدَى، وَكَذَا فَسَادُهَا، وَلَا شَكَّ فِي وُصُولِ الْكَمَالِ وَحُصُولِ صِحَّةِ الْأَعْمَالِ، فَيُحَالُ مُلَازَمَتُهُ - ﷺ - وَأَمَّا بَعْدَهُ فَمَا وَقَعَ مِنَ الطَّاعَاتِ لَا يَخْلُو مِنْ تَغْيِيرِ النِّيَّاتِ، وَفَسَادِ الْحَالَاتِ، وَمُرَاعَاةِ الْمُرَايَاتِ، كَمَا أَخْبَرَ بَعْضُ الصَّحَابَةِ عِنْدَ الْوَفَاةِ بِقَوْلِهِ: فَمَا نَقَضْنَا أَيْدِيَنَا عَنِ التُّرَابِ، وَإِنَّا لَفِي دَفْنِهِ - ﷺ - حَتَّى أَنْكَرَ قُلُوبَنَا، يَعْنِي بِالْمُظْلِمَةِ النَّاشِئَةَ عَنْ غَيْبَةِ نُورِ شَمْسِ وُجُودِهِ، وَقَمَرِ جُودِهِ، فَالْغَنِيمَةُ الْبَارِدَةُ أَنْ يَكُونَ فِي مَرْتَبَةِ السَّرِيَّاتِ بَيْنَ الطَّاعَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ، وَهَذَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى أَجِلَّاءِ الصَّحَابَةِ وَعُظَمَاءِ الْخِلَافَةِ، وَأَمَّا مَنْ بَعْدَهُمْ فَطَاعَاتُهُمُ الْمَشْحُونَةُ بِالْغُرُورِ، وَالْعَجَبِ، وَالرِّيَاءِ أَسْبَابٌ لِلْمَعَاصِي، وَوَسَائِلُ لِعُقُوبَاتِ الْعَاصِي غَالِبًا، إِلَّا أَنْ يَتَفَضَّلَ اللَّهُ بِرَحْمَتِهِ، وَعَيْنِ عِنَايَتِهِ بِأَنْ يُلْحِقَ الْمُسِيئِينَ بِالْمُحْسِنِينَ، بَلْ قَالَ بَعْضُ الْعَارِفِينَ: مَعْصِيَةٌ أَوْرَثَتْ ذُلًّا وَاسْتِصْغَارًا خَيْرٌ مِنْ طَاعَةٍ أَوْرَثَتْ عُجْبًا وَاسْتِكْبَارًا.
(فَقُلْتُ: إِنَّ أَبَاكَ) أَيْ: عُمَرَ (وَاللَّهِ كَانَ خَيْرًا مِنْ أَبِي) أَيْ: أَبِي مُوسَى فِي كُلِّ شَيْءٍ، فَهَذَا كَذَلِكَ ; لِأَنَّ كَلَامَ السَّادَاتِ سَادَاتُ الْكَلَامِ، وَكَيْفَ وَهُوَ النَّاطِقُ الصَّوَابَ، وَالْفَارُوقُ الَّذِي يُفَرِّقُ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ مِنْ كُلِّ بَابٍ، وَالْمُوَافِقُ رَأْيُهُ نُزُولَ الْكِتَابِ، وَقَدْ طَابَقَ قَوْلُهُ حَدِيثَهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أَنَا أَعْلَمُكُمْ بِاللَّهِ وَأَخْشَاكُمْ لَهُ، وَقَالَ ﷾: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨] هَذَا وَقَالَ الطِّيبِيُّ - ﵀ -: قَوْلُهُ: لَوَدِدْتُ خَبَرُ لَكِنِّي مَعَ اللَّامِ وَهُوَ ضَعِيفٌ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لَوَدِدْتُ جَوَابَ الْقِسْمِ، وَالْجُمْلَةُ الْقَسَمِيَّةُ خَبَرُ لَكِنِّي عَلَى التَّأْوِيلِ، قُلْتُ: بَلِ الْحَدِيثُ حُجَّةٌ لِلْكُوفِيِّينَ، فَفِي الْمَعْنَى: وَلَا يَدْخُلُ اللَّامُ فِي خَبَرِ لَكِنَّ خِلَافًا لِلْكُوفِيِّينَ احْتَجُّوا بِقَوْلِهِ:
وَلَكِنَّنِي مِنْ حُبِّهَا لَعَمِيدُ
وَخُرِّجَ عَلَى زِيَادَةِ اللَّامِ، أَوْ عَلَى أَنَّ الْأَصْلَ: لَكِنَّ أَنَّنِي، ثُمَّ حُذِفَتِ الْهَمْزَةُ تَخْفِيفًا وَنُونُ لَكِنْ لِلسَّاكِنَيْنِ، قُلْتُ هَذِهِ كُلُّهَا تَكَلُّفَاتٌ بَعِيدَةٌ، وَتَعَسُّفَاتٌ مَزِيدَةٌ، مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ، وَلَا دَلِيلٍ وَلَا بُرْهَانٍ، فَالصَّوَابُ أَنَّهَا لِلتَّأْكِيدِ، كَمَا جُوِّزَ فِي بَعْضِ أَخَوَاتِ لَكِنَّ عَلَى الْقِيَاسِ السَّدِيدِ، لَا سِيَّمَا وَقَدْ وَرَدَ عَلَى لِسَانِ الْأَوْحَدِيِّ مِنْ فُصَحَاءِ الْعَرَبِ بِإِسْنَادٍ هُوَ أَصَحُّ الْأَسَانِيدِ (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ)، ثُمَّ مِنْ أَعْجَبِ الْغَرَائِبِ وَأَغْرَبِ الْعَجَائِبِ أَنَّهُ لَوْ حُكِيَ مِنْ طَرِيقِ الْأَصْمَعِيِّ وَنَحْوِهُ: أَنَّ أَعْرَابِيًّا مِمَّنْ يَبُولُ عَلَى عَقِبَيْهِ تَكَلَّمَ بِمِثْلِهِ نَثْرًا أَوْ نَظْمًا، أَخَذَ النُّحَاةُ بِهِ، وَجَعَلُوهُ أَصْلًا مُمَهِّدًا وَأَسَاسًا مُؤَيِّدًا، فَصَدَقَ مَنْ قَالَ: أَنَّ أَدِلَّةَ الصَّرْفِيِّينَ وَالنَّحْوِيِّينَ كَنَارَاتِ بَيْتِ الْعَنْكَبُوتِ فَتَارَةً تَطَّرِدُ وَتَارَةً تَفُوتُ.
[ ٨ / ٣٣٥٨ ]
٥٣٥٨ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: " «أَمَرَنِي رَبِّي بِتِسْعٍ: خَشْيَةِ اللَّهِ فِي السِّرِّ وَالْعَلَانِيَةِ، وَكَلِمَةِ الْعَدْلِ فِي الْغَضَبِ وَالرِّضَى، وَالْقَصْدِ فِي الْفَقْرِ وَالْغِنَى، وَأَنْ أَصِلَ مَنْ قَطَعَنِي، وَأُعْطِي مَنْ حَرَمَنِي، وَأَعْفُو عَمَّنْ ظَلَمَنِي، وَأَنْ يَكُونَ صَمْتِي فِكْرًا، وَنُطْقِي ذِكْرًا، وَنَظَرِي عِبْرَةً، وَآمُرُ بِالْعُرْفِ» " وَقِيلَ: (بِالْمَعْرُوفِ) . رَوَاهُ رَزِينٌ.
_________________
(١) (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: " أَمَرَنِي رَبِّي بِتِسْعٍ ") أَيْ: خِصَالٍ (" خَشْيَةِ اللَّهِ ") بِالْجَرِّ وَيَجُوزُ أُخْتَاهُ، أَيْ: خَوْفِهِ الْمَقْرُونِ بِالْعَظَمَةِ (" فِي السِّرِّ وَالْعَلَانِيَةِ ") أَيْ: فِي الْقَلْبِ وَالْقَالَبِ، أَوْ فِي الْخَلَا وَالْمَلَا (" وَكَلِمَةِ الْعَدْلِ فِي الْغَضَبِ وَالرِّضَا ") بِالْقَصْرِ أَيْ: فِي الْحَالَيْنِ (" وَالْقَصْدِ ") أَيِ: الِاقْتِصَادِ فِي الْمَعِيشَةِ، أَوِ التَّوَسُّطِ بَيْنَ الصَّبْرِ وَالشُّكْرِ، غَيْرِ خَارِجٍ عَنْهُمَا بِالْجَزَعِ وَالطُّغْيَانِ (" فِي الْفَقْرِ وَالْغِنَى، وَأَنْ أَصِلَ مَنْ قَطَعَنِي ") أَيْ: مِنْ ذَوِي الْأَرْحَامِ أَوْ غَيْرِهِمْ، وَهَذَا غَايَةُ الْحِلْمِ وَنِهَايَةُ التَّوَاضُعِ، (" وَأُعْطِي مَنْ حَرَمَنِي ") وَهَذَا كَمَالُ الْكَرَمِ وَالْجُودِ (وَأَعْفُو عَمَّنْ ظَلَمَنِي) أَيْ: مَعَ قُدْرَتِي عَلَى الِانْتِقَامِ، هَذَا نَتِيجَةُ الصَّبْرِ، وَقَضِيَّةُ الشُّكْرِ، وَرِعَايَةُ الْإِحْسَانِ وَالرَّحْمَةِ عَلَى أَفْرَادِ الْإِنْسَانِ، (" وَأَنْ يَكُونَ صَمْتِي فِكْرًا ") أَيْ: فِي أَسْمَائِكَ، وَصِفَاتِكَ، وَمَصْنُوعَاتِكَ، وَمَعَانِي آيَاتِكَ (" وَنُطْقِي ذِكْرًا ") أَيْ: بِتَسْبِيحِكَ وَتَحْمِيدِكَ، وَتَقْدِيسِكَ وَتَمْجِيدِكَ، وَتَكْبِيرِكَ وَتَوْحِيدِكَ، وَتِلَاوَةِ كِتَابِكَ، وَمَوْعِظَةِ عِبَادِكَ (" وَنَظَرِي عِبْرَةً ") أَيْ: فِي الْآفَاقِ وَالْأَنْفُسِ وَمَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، (وَآمُرُ بِالْعُرْفِ، وَقِيلَ بِالْمَعْرُوفِ) أَيْ: بَدَلًا مِنْ عَنِ الْعُرْفِ بِالضَّمِّ وَالسُّكُونِ، وَلَمْ يَقُلْ: وَأَنْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ اكْتِفَاءً، أَوِ الْعُرْفُ يَشْمَلُ الْمَعْرُوفَ فِي الشَّرْعِ ارْتِكَابًا وَاجْتِنَابًا. قَالَ الطِّيبِيُّ - ﵀ -: ذَكَرَ تِسْعًا وَأَتَى بِعَشْرٍ، فَالْوَجْهُ أَنْ يُحْمَلَ الْعَاشِرُ وَهُوَ الْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ عَلَى أَنَّهُ مُجْمَلٌ عَقِبَ التَّفْصِيلِ؛ لِأَنَّ الْمَعْرُوفَ هُوَ اسْمٌ جَامِعٌ لِكُلِّ مَا عُرِفَ مِنْ طَاعَةِ اللَّهِ وَالتَّقَرُّبِ إِلَيْهِ، وَالْإِحْسَانِ إِلَى النَّاسِ، وَكُلِّ مَا نَدَبَ إِلَيْهِ الشَّرْعُ وَنَهَى عَنْهُ مِنَ الْمُحْسَّنَاتِ وَالْمُقَبَّحَاتِ، كَأَنَّهُ قِيلَ: أَمَرَنِي رَبِّي بِأَنْ أَتَّصِفَ بِهَذِهِ الصِّفَاتِ، وَآمُرَ غَيْرِي بِالِاتِّصَافِ بِهَا، فَالْوَاوَاتُ كُلُّهَا عَطَفَتِ الْمُفْرَدَ عَلَى الْمُفْرَدِ، وَفِي قَوْلِهِ: وَآمُرُ بِالْمَعْرُوفِ عَطَفَتِ الْمَجْمُوعَ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى عَلَى الْمَجْمُوعِ بِحَسْبَ اللَّفْظِ، وَنَحْوُهُ فِي التَّفْرِقَةِ بَيْنَ الْوَاوَيْنِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ - وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ - وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ﴾ [فاطر: ١٩ - ٢١] . (رَوَاهُ رَزِينٌ) .
[ ٨ / ٣٣٥٩ ]
٥٣٥٩ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ - ﵄ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: " «مَا مِنْ عَبْدٍ مُؤْمِنٍ يَخْرُجُ مِنْ عَيْنَيْهِ دُمُوعٌ وَإِنْ كَانَ مِثْلَ رَأْسِ الذُّبَابِ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ، ثُمَّ يُصِيبُ شَيْئًا مِنْ حَرِّ وَجْهِهِ إِلَّا حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَى النَّارِ» ". رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ.
_________________
(١) (وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: " مَا مِنْ عَبْدٍ مُؤْمِنٍ يَخْرُجُ مِنْ عَيْنَيْهِ ") أَيْ: أَوْ مِنْ أَحَدِهِمَا (" دُمُوعٌ ") أَيْ: دَمَعَاتٌ أَقَلُّهَا ثَلَاثٌ (" وَإِنْ كَانَ ") أَيِ: الْخَارِجُ أَوْ كُلُّ دَمْعٍ (" مِثْلَ رَأْسِ الذُّبَابِ ") أَيْ: كَمِّيَّةً أَوْ كَيْفِيَّةً (" مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ ثُمَّ يُصِيبُ ") بِالرَّفْعِ، وَقِيلَ بِالنَّصْبِ، أَيْ: يَصِلُ الدَّمْعُ (" شَيْئًا مِنْ حُرِّ وَجْهِهِ ") بِضَمِّ الْحَاءِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ الْمُهْمَلَتَيْنِ، أَيْ: خَالِصَةً، فَفِي الْقَامُوسِ: حُرُّ الْوَجْهِ مَا أَقْبَلَ عَلَيْكَ وَبَدَا لَكَ مِنْهُ (" إِلَّا حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَى النَّارِ ") وَضَمِيرُ الْمَفْعُولِ رَاجِعٌ إِلَى الْعَبْدِ الْمُؤْمِنِ الْمَوْصُوفِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى حُرِّ وَجْهِهِ، فَيَكُونُ كِنَايَةً عَنْ تَحْرِيمِ ذَاتِهِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. (رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ)، وَفِي الْجَامِعِ بِلَفْظِ: " «مَا مِنْ عَبْدٍ مُؤْمِنٍ يَخْرُجُ مِنْ عَيْنَيْهِ مِنَ الدُّمُوعِ مِثْلُ رَأْسِ الذُّبَابِ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ، فَيُصِيبُ حُرَّ وَجْهِهِ فَتَمَسُّهُ النَّارُ أَبَدًا» " وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ.
[ ٨ / ٣٣٥٩ ]