الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
٣٦٣٠ - عَنْ أَبِي بُرْدَةَ بْنِ دِينَارٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا يُجْلَدُ فَوْقَ عَشْرِ جَلَدَاتٍ إِلَّا فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
_________________
(١) الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
(٢) (عَنْ أَبِي بُرْدَةَ) بِضَمِّ الْمُوَحِّدَةِ وَاسْمُهُ هَانِئٌ بِالْهَمْزِ (ابْنِ دِينَارٍ) بِكَسْرِ نُونٍ فَتَحْتِيَّةٍ مُخَفَّفَةٍ فِي آخِرِهِ رَاءٌ قَالَ الْمُؤَلِّفُ: شَهِدَ الْعَقَبَةَ الثَّانِيَةَ مَعَ السَّبْعِينَ وَشَهِدَ بَدْرًا وَمَا بَعْدَهَا مِنَ الْمَشَاهِدِ وَهُوَ خَالُ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ، وَلَا عَقِبَ لَهُ، مَاتَ فِي أَوَّلِ زَمَنِ مُعَاوِيَةَ بَعْدَ شُهُودِهِ مَعَ عَلِيٍّ حُرُوبَهُ كُلَّهَا، رَوَى عَنْهُ الْبَرَاءُ وَجَابِرٌ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا يُجْلَدُ فَوْقَ عَشْرِ جَلَدَاتٍ») وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: فَوْقَ عَشَرَةِ أَسْوَاطٍ. جَمْعُ جَلْدَةٍ بِمَعْنَى ضَرْبَةٍ (إِلَّا فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) وَرَوَاهُ «أَحْمَدُ» وَالْأَرْبَعَةُ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ لِلنَّوَوِيِّ، قَالَ أَصْحَابُنَا: هَذَا الْحَدِيثُ مَنْسُوخٌ، وَاسْتَدَلُّوا بِأَنَّ الصَّحَابَةَ جَاوَزُوا عَشَرَةَ أَسْوَاطٍ، وَقَالَ أَصْحَابُ مَالِكٍ: إِنَّهُ كَانَ ذَلِكَ مُخْتَصًّا بِزَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ ضَعِيفٌ، وَقَالَ جُمْهُورُ أَصْحَابِنَا: لَا يَبْلُغُ تَعْزِيرُ كُلِّ إِنْسَانٍ أَدْنَى الْحُدُودِ كَالشُّرْبِ، فَلَا يَبْلُغُ تَعْزِيرُ الْعَبْدِ عِشْرِينَ وَلَا تَعْزِيرُ الْحُرِّ أَرْبَعِينَ، وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَأَشْهَبُ الْمَالِكِيُّ وَبَعْضُ أَصْحَابِنَا: لَا تَجُوزُ الزِّيَادَةُ عَلَى عَشَرَةٍ، وَقَالَ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ وَأَبُو ثَوْرٍ وَالطَّحَاوِيُّ ﵏: لَا ضَبْطَ لِعَدَدِ الضَّرَبَاتِ بَلْ ذَلِكَ إِلَى رَأْيِ الْإِمَامِ، فَلَهُ أَنْ يَزِيدَ عَلَى قَدْرِ الْحُدُودِ، فِي شَرْحِ السُّنَّةِ مَذْهَبُ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ أَنَّ التَّعْزِيرَ أَدَبٌ يَقْصُرُ عَنْ مَبْلَغِ أَقَلِّ الْحُدُودِ ; لِأَنَّ الْجِنَايَةَ الْمُوجِبَةَ لِلتَّعْزِيرِ قَاصِرَةٌ عَنْ كَمَالِ دِيَةِ ذَلِكَ الْعُضْوِ، قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: وَالتَّعْزِيرُ أَكْثَرُهُ تِسْعَةٌ وَثَلَاثُونَ سَوْطًا عِنْدِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: يُبْلَغُ بِهِ خَمْسٌ وَسَبْعُونَ سَوْطًا، وَالْأَصْلُ فِي نَقْصِهِ عَنِ الْحُدُودِ، قَوْلُهُ ﵊: «مَنْ بَلَغَ حَدًّا فِي غَيْرِ حَدٍّ فَهُوَ مِنَ الْمُعْتَدِينَ»، ذَكَرَ الْبَيْهَقِيُّ أَنَّ الْمَحْفُوظَ أَنَّهُ مُرْسَلٌ، وَأَخْرَجَهُ عَنْ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ، وَرَوَاهُ ابْنُ نَاجِيَةَ فِي فَوَائِدِهِ ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حُصَيْنٍ الْأَصْبَحِيُّ ثَنَا عُمَرُ بْنُ عَلِيٍّ الْمُقَدَّمِيُّ ثَنَا مِسْعَرٌ عَنْ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ عَنِ النُّعْمَانَ بْنِ بَشِيرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَنْ بَلَغَ. الْحَدِيثَ وَرَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ فِي كِتَابِ الْآثَارِ مُرْسَلًا وَقَالَ: أَخْبَرَنَا مِسْعَرُ بْنُ كِدَامٍ أَخْبَرَنِي أَبُو الْوَلِيدِ بْنُ عُثْمَانَ عَنِ الضَّحَّاكِ بْنِ مُزَاحِمٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَنْ بَلَغَ الْحَدِيثَ وَالْمُرْسَلُ عِنْدَنَا حُجَّةٌ مُوجِبَةٌ لِلْعَمَلِ وَعِنْدَ أَكْثَرَ أَهْلِ الْعِلْمِ وَأَبُو يُوسُفَ قَلَّدَ عَلِيًّا كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ فِيهِ لَكِنْ قَالَ أَهْلُ الْحَدِيثِ: إِنَّهُ غَرِيبٌ، وَنَقَلَهُ الْبَغَوِيُّ فِي
[ ٦ / ٢٣٧٩ ]
شَرْحُ السُّنَّةِ عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى وَبِقَوْلِنَا قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْحُرِّ وَقَالَ: فِي الْعَبْدِ تِسْعَةَ عَشَرَ ; لِأَنَّ حَدَّ الْعَبْدِ عِنْدَهُ عِشْرُونَ وَفِي الْأَحْرَارِ أَرْبَعُونَ وَقَالَ مَالِكٌ: لَا حَدَّ لِأَكْثَرِهِ فَيَجُوزُ لِلْإِمَامِ أَنْ يَزِيدَ فِي التَّعْزِيرِ فِي الْحَدِّ إِذَا رَأَى الْمَصْلَحَةَ فِي ذَلِكَ مُجَانِبًا لِهَوَى النَّفْسِ لِمَا رُوِيَ أَنَّ مَعْنَ بْنَ زَائِدَةَ عَمِلَ خَاتَمًا عَلَى نَقْشِ خَاتَمِ بَيْتِ الْمَالِ ثُمَّ جَاءَ بِهِ لِصَاحِبِ بَيْتِ الْمَالِ فَأَخَذَ مِنْهُ مَالًا فَبَلَغَ عُمَرَ ذَلِكَ فَضَرْبَهُ مِائَةً وَحَبَسَهُ فَكُلِّمَ فِيهِ، فَضَرَبَهُ مِائَةً أُخْرَى فَكُلِّمَ فِيهِ مِنْ بَعْدُ، فَضَرَبَهُ مِائَةً، فَنَفَاهُ. وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ بِإِسْنَادِهِ أَنَّ عَلِيًّا أُتِيَ بِالنَّجَاشِيِّ الشَّاعِرِ قَدْ شَرِبَ خَمْرًا فِي رَمَضَانَ فَضَرَبَهُ ثَمَانِينَ لِلشُّرْبِ وَعِشْرِينَ سَوْطًا لِفِطْرِهِ فِي رَمَضَانَ. وَلَنَا الْحَدِيثُ الْمَذْكُورُ وَلِأَنَّ الْعُقُوبَةَ عَلَى قَدْرِ الْجِنَايَةِ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَبْلُغَ بِمَا هُوَ أَهْوَنُ مِنَ الزِّنَا فَوْقَ مَا فُرِضَ بِالزِّنَا وَحَدِيثُ مَعْنٍ يَحْتَمِلُ أَنَّ لَهُ ذُنُوبًا كَثِيرَةً أَوْ كَانَ ذَنْبُهُ يَشْمَلُ كَثِيرًا مِنْهَا كَتَزْوِيرِهِ وَأَخْذِهِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ بِغَيْرِ حَقِّهِ وَفَتْحِهِ بَابَ هَذِهِ الْحِيلَةِ لِغَيْرِهِ مِمَّا كَانَتْ نَفْسُهُ عَارِيَةً عَنِ اسْتِشْرَافِهَا، وَحَدِيثُ النَّجَاشِيِّ ظَاهِرٌ أَنْ لَا احْتِجَاجَ فِيهِ فَإِنَّهُ نَصَّ عَلَى أَنَّهُ ضَرَبَهُ الْعِشْرِينَ فَوْقَ الثَّمَانِينَ لِفِطْرِهِ فِي رَمَضَانَ وَقَدْ نَصَّتْ عَلَى أَنَّهُ لِهَذَا الْمَعْنَى أَيْضًا الرِّوَايَةُ الْأُخْرَى الْقَائِلَةُ أَنَّ عَلِيًّا أُتِيَ بِالنَّجَاشِيِّ الشَّاعِرِ وَقَدْ شَرِبَ الْخَمْرَ فِي رَمَضَانَ فَضَرَبَهُ ثَمَانِينَ ثُمَّ ضَرَبَهُ مِنَ الْغَدِ عِشْرِينَ وَقَالَ: ضَرَبْنَاكَ الْعِشْرِينَ بِجَرَاءَتِكَ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى وَإِفْطَارِكَ فِي رَمَضَانَ فَإِنَّ الزِّيَادَةَ فِي التَّعْزِيرِ عَلَى الْحَدِّ لَيْسَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ، وَعَنْ أَحْمَدَ لَا يُزَادُ عَلَى عَشَرَةِ أَسْوَاطٍ وَعَلَيْهِ حَمَلَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ مَذْهَبَ الشَّافِعِيِّ لِمَا اشْتُهِرَ عَنْ قَوْلِهِ إِذَا صَحَّ الْحَدِيثُ فَهُوَ مَذْهَبِي وَقَدْ صَحَّ عَنْهُ ﵊ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا مِنْ حَدِيثِ أَبِي بُرْدَةَ أَنَّهُ قَالَ: «لَا يُجْلَدُ فَوْقَ عَشَرَةِ أَسْوَاطٍ إِلَّا فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ»، وَأَجَابَ أَصْحَابُنَا عَنْهُ وَبَعْضُ الثِّقَاتِ بِأَنَّهُ مَنْسُوخٌ بِدَلِيلِ عَمَلِ الصَّحَابَةِ بِخِلَافِهِ مِنْ غَيْرِ إِنْكَارِ أَحَدٍ وَكَتَبَ عُمَرُ إِلَى أَبِي مُوسَى أَنْ لَا تَبْلُغَ بِنَكَالٍ أَكْثَرَ مِنْ عِشْرِينَ سَوْطًا. وَرُوِيَ ثَلَاثِينَ إِلَى أَرْبَعِينَ وَبِمَا ذَكَرْنَا مِنْ تَقْدِيرِ أَكْثَرِهِ بِتِسْعَةٍ وَثَلَاثِينَ يُعْرَفُ أَنَّ مَا ذُكِرَ فِيمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّهُ لَيْسَ فِي التَّعْزِيرِ شَيْءٌ مُقَدَّرٌ بَلْ مُفَوَّضٌ إِلَى رَأْيِ الْإِمَامِ أَيْ مِنْ أَنْوَاعِهِ فَإِنَّهُ يَكُونُ بِالضَّرْبِ وَغَيْرِهِ مِمَّا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ أَمَّا إِنِ اقْتَضَى رَأْيُهُ الضَّرْبَ فِي خُصُوصِ الْوَاقِعَةِ فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ لَا يَزِيدُ عَلَى التِّسْعَةِ وَالثَّلَاثِينَ قَالَ: وَلَا حَدَّ لِأَقَلِّهِ وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
[ ٦ / ٢٣٨٠ ]
الْفَصْلُ الثَّانِي
٣٦٣١ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِذَا ضَرَبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَتَّقِ الْوَجْهَ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
_________________
(١) الْفَصْلُ الثَّانِي
(٢) (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: إِذَا ضَرَبَ أَحَدُكُمْ) أَيْ أَحَدًا فِي حَدٍّ أَوْ تَعْزِيرٍ (فَلْيَتَّقِ الْوَجْهَ) أَيْ فَلْيَتَجَنَّبْ مَنْ ضَرَبَ وَجْهَهُ وَقَدْ سَبَقَ تَعْلِيلُهُ بِقَوْلِهِ فَإِنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ وَتَقَدَّمَ مَا يَتَعَلَّقُ بِحِكْمَةٍ (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ مَرْفُوعًا: «إِذَا ضَرَبَ أَحَدُكُمْ خَادِمَهُ فَذَكَرَ اللَّهَ فَارْفَعُوا أَيْدِيَكُمْ» أَيْ عَنْ ضَرْبِهِ.
[ ٦ / ٢٣٨٠ ]
٣٦٣٢ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِذَا قَالَ الرَّجُلُ لِلرَّجُلِ: يَا يَهُودِيُّ فَاضْرِبُوهُ عِشْرِينَ، وَإِذَا قَالَ: يَا مُخَنَّثُ فَاضْرِبُوهُ عِشْرِينَ، وَمَنْ وَقَعَ عَلَى ذَاتِ مَحْرَمٍ فَاقْتُلُوهُ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ.
_________________
(١) (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: إِذَا قَالَ الرَّجُلُ لِلرَّجُلِ أَيِ الْمُسْلِمِ (يَا يَهُودِيُّ) وَفِي مَعْنَاهُ يَا نَصْرَانِيُّ وَيَا كَافِرُ (فَاضْرِبُوهُ عِشْرِينَ) أَيْ سَوْطًا (وَإِذَا قَالَ: يَا مُخَنَّثُ) بِفَتْحِ النُّونِ الْمُشَدَّدَةِ وَيُكْسَرُ (فَاضْرِبُوهُ عِشْرِينَ) قَالَ الطِّيبِيُّ: قَوْلُهُ يَا يَهُودِيُّ فِيهِ تَوْرِيَةٌ وَإِيهَامٌ لِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ بِهِ الْكُفْرُ وَالذِّلَّةُ ; لِأَنَّ الْيَهُودَ مَثَلٌ فِي الصَّغَارِ وَالْحَمْلُ عَلَى الثَّانِي أَرْجَحُ لِلدَّرْءِ فِي الْحُدُودِ وَعَلَى هَذَا الْمُخَنَّثِ. اه وَفِيهِ بَحْثٌ ظَاهِرٌ. قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: وَمَنْ قَذَفَ عَبْدًا أَوْ أَمَةً أَوْ أُمَّ وَلَدٍ أَوْ كَافِرًا بِالزِّنَا عُزِّرَ بِالْإِجْمَاعِ إِلَّا عَلَى قَوْلِ دَاوُدَ فِي الْعَبْدِ فَإِنَّهُ يُحَدُّ بِهِ وَإِلَّا فَمَا عُزِّرَ بِهِ ; لِأَنَّ هَذَا الْكَلَامَ جِنَايَةُ قَذْفٍ وَقَدِ امْتَنَعَ وُجُوبُ الْحَدِّ عَلَى الْقَاذِفِ لِفَقْدِ الْإِحْصَانِ فَوَجَبَ التَّعْزِيرُ وَكَذَا إِذَا قَذَفَ مُسْلِمًا بِغَيْرِ الزِّنَا فَقَالَ: يَا فَاسِقُ أَوْ يَا كَافِرُ أَوْ يَا
[ ٦ / ٢٣٨٠ ]
خَبِيثُ أَوْ يَا سَارِقُ وَمِثْلُهُ يَا لُصُّ يَا فَاجِرُ أَوْ يَا زِنْدِيقُ أَوْ يَا مَقْبُوحُ يَا ابْنَ الْقَحْبَةِ يَا قَرْطَبَانُ يَا مَنْ يَعْمَلُ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ أَوْ يَا لُوطِيُّ أَوْ قَالَ: أَنْتَ تَلْعَبُ بِالصِّبْيَانِ يَا آكِلَ الرِّبَا يَا شَارِبَ الْخَمْرِ يَا دَيُّوثُ يَا مُخَنَّثُ يَا مَأْوَى الزَّوَانِي يَا مَأْوَى اللُّصُوصِ يَا مُنَافِقُ يَا يَهُودِيُّ عُزِّرَ هَكَذَا مُطْلَقًا فِي فَتَاوَى قَاضِيخَانَ وَذَكَرَهُ النَّاطِفِيُّ وَقَيَّدَهُ بِمَا إِذَا قَالَ لِرَجُلٍ صَالِحٍ، أَمَّا لَوْ قَالَ لِفَاسِقٍ يَا فَاسِقُ أَوْ لِلِصٍّ يَا لُصُّ أَوْ لِلْفَاجِرِ يَا فَاجِرُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَالتَّعْلِيلُ يُفِيدُ ذَلِكَ وَهُوَ قَوْلُنَا: إِنَّهُ آذَاهُ بِمَا أَلْحَقَ بِهِ مِنَ الشَّيْنِ فَإِنَّ ذَلِكَ إِنَّمَا يَكُونُ فِيمَنْ لَمْ يُعْلَمِ اتِّصَافُهُ بِهَذِهِ أَمَّا لَوْ عَلِمَ فَإِنَّ الشَّيْنَ قَدْ أَلْحَقَهُ هُوَ بِنَفْسِهِ قَبْلَ قَوْلِ الْقَائِلِ ثُمَّ فِي كُلِّ مَا قَذَفَهُ بِغَيْرِ الزِّنَا مِنَ الْمَعَاصِي فَالرَّأْيُ إِلَى الْإِمَامِ وَلَوْ قَالَ: يَا حِمَارُ أَوْ يَا خِنْزِيرُ لَمْ يُعَزَّرْ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَنْسُبْهُ إِلَى شَيْنِ مَعْصِيَةٍ وَلَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ شَيْنٌ أَصْلًا بَلْ إِنَّمَا أَلْحَقَ الشَّيْنَ بِنَفْسِهِ حَيْثُ كَانَ كَذِبُهُ ظَاهِرًا وَمِثْلُهُ يَا بَقَرُ يَا ثَوْرُ يَا حَيَّةُ يَا تَيْسُ يَا قِرْدُ يَا ذِئْبُ يَا وَلَدَ حَرَامٍ يَا كَلْبُ لَمْ يُعَزَّرْ، وَعَدَمُ التَّعْزِيرِ فِي الْكَلْبِ وَالْخِنْزِيرِ وَنَحْوِهِمَا هُوَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ عَنْ عُلَمَائِنَا الثَّلَاثَةِ، وَاخْتَارَ الْهِنْدُوَانِيُّ أَنَّهُ يُعَزَّرْ بِهِ وَهُوَ قَوْلُ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ ; لِأَنَّ هَذِهِ الْأَلْفَاظَ تُذْكَرُ لِلشَّتِيمَةِ فِي عُرْفِنَا، وَصَاحِبُ الْهِدَايَةِ اسْتَحْسَنَ التَّعْزِيرَ إِذَا كَانَ الْمُخَاطَبُ مِنَ الْأَشْرَافِ فَتَحَصَّلَتْ ثَلَاثَةٌ، ثُمَّ الْأَوْلَى لِلْإِنْسَانِ فِيمَا إِذَا قِيلَ لَهُ مَا يُوجِبُ التَّعْزِيرَ لَا يُجِيبُهُ قَالُوا: وَلَوْ قَالَ لَهُ يَا خَبِيثُ الْأَحْسَنُ أَنْ يَكُفَّ عَنْهُ وَلَوْ رُفِعَ إِلَى الْقَاضِي لِيُؤَدِّبَهُ يَجُوزُ، وَلَوْ أَجَابَ مَعَ هَذَا فَقَالَ: بَلْ أَنْتَ لَا بَأْسَ، وَإِذَا أَسَاءَ الْعَبْدُ حَلَّ لِمَوْلَاهُ تَأْدِيبُهُ، وَكَذَا الزَّوْجَةُ وَبَائِعُ الْخَمْرِ، وَآكِلُ الرِّبَا يُعَزَّرُ وَيُحْبَسُ وَكَذَا الْمُغَنِّي وَالْمُخَنَّثُ وَالنَّائِحَةُ يُعَزَّرُونَ وَيُحْبَسُونَ حَتَّى يُحْدِثُوا تَوْبَةً، وَكَذَا الْمُسْلِمُ إِذَا شَتَمَ الذِّمِّيَّ يُعَزَّرُ ; لِأَنَّهُ ارْتَكَبَ مَعْصِيَةً وَكَذَا مَنْ قَبَّلَ أَجْنَبِيَّةً أَوْ عَانَقَهَا أَوْ مَسَّهَا بِشَهْوَةٍ وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. (وَمَنْ وَقَعَ عَلَى ذَاتِ مَحْرَمٍ) أَيْ بِالْجِمَاعِ مُتَعَمِّدًا أَيْ (فَاقْتُلُوهُ) قِيلَ: إِنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى الْمُسْتَحِلِّ لِذَلِكَ. وَقَالَ الْمُظْهِرُ: حَكَمَ أَحْمَدُ بِظَاهِرِ الْحَدِيثِ وَقَالَ غَيْرُهُ: إِذَا زُجِرَ وَإِلَّا حُكْمُهُ حُكْمُ سَائِرِ الزُّنَاةِ يُرْجَمُ إِنْ كَانَ مُحْصَنًا وَيُجْلَدُ إِنْ لَمْ يَكُنْ مُحْصَنًا. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ) .
[ ٦ / ٢٣٨١ ]
٣٦٣٣ - وَعَنْ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِذَا وَجَدْتُمُ الرَّجُلَ قَدْ غَلَّ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَاحْرُقُوا مَتَاعَهُ وَاضْرِبُوهُ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ.
_________________
(١) (وَعَنْ عُمَرَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِذَا وَجَدْتُمُ الرَّجُلَ قَدْ غَلَّ») أَيْ خَانَ (فِي سَبِيلِ اللَّهِ) بِأَنْ سَرَقَ مِنْ مَالِ الْغَنِيمَةِ قَبْلَ الْقِسْمَةِ (فَاحْرِقُوا مَتَاعَهُ وَاضْرِبُوهُ) قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: إِحْرَاقُ الْمَتَاعِ كَانَ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ بِالْمَدِينَةِ ثُمَّ نُسِخَ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ: أَمَّا تَأْدِيبُهُ عُقُوبَةً فِي نَفْسِهِ عَلَى سُوءِ فِعْلِهِ فَلَا أَعْلَمَ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ خِلَافًا، وَأَمَّا عُقُوبَتُهُ فِي مَالِهِ فَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيهِ، فَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: يُحْرَقُ مَالُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مُصْحَفًا أَوْ حَيَوَانًا، وَبِهِ قَالَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ: إِلَّا أَنَّهُ لَا يُحْرَقُ مَا قَدْ غَلَّ ; لِأَنَّ حَقَّ الْغَاَنِمِينَ يُرَدُّ عَلَيْهِمْ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يُعَاقَبُ الرَّجُلُ فِي بَدَنِهِ دُونَ مَتَاعِهِ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ) .
[ ٦ / ٢٣٨١ ]