[ ٨ / ٣٣١٤ ]
[٤] بَابُ التَّوَكُّلِ وَالصَّبْرِ
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
٥٢٩٥ - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: " «يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِي سَبْعُونَ أَلْفًا بِغَيْرِ حِسَابٍ، هُمُ الَّذِينَ لَا يَسْتَرْقُونَ وَلَا يَتَطَيَّرُونَ، وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
_________________
(١) بَابُ التَّوَكُّلِ وَالصَّبْرِ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ - إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ [آل عمران: ٣ - ١٥٩] وَقَالَ: ﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾ [النحل: ١٢٧]، إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ جَمَعَ بَيْنَهُمَا لِتَلَازُمِهِمَا وَعَدَمِ انْفِكَاكِهِمَا، وَقَدَّمَ التَّوَكُّلَ لِأَنَّهُ مُنْتِجُ الصَّبْرِ، وَبِهِ يَحْلُو الْمُرُّ وَيَنْكَشِفُ الضُّرُّ، وَمَنْ تَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ كَفَاهُ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: التَّوَكُّلُ عَلَى أَحَدٍ هُوَ أَنْ يَتَّخِذَهُ بِمَنْزِلَةِ الْوَكِيلِ الْقَائِمِ بِأَمْرِهِ الْمُتَكَفِّلِ بِإِصْلَاحِ حَالِهِ عَلَى قَدْرِهِ. وَقَالَ ابْنُ الْمَلِكِ: الْمُرَادُ بِالتَّوَكُّلِ هُوَ أَنْ يَتَيَقَّنَ أَنَّهُ لَا يُصِيبُهُ إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِ مِنَ النَّفْعِ وَالضُّرِّ، انْتَهَى. وَالصَّبْرُ عَلَى مَرَاتِبَ مِنْ حَبْسِ النَّفْسِ عَنِ الْمَنَاهِي وَعَنِ الْمُشْتَهَيَاتِ وَالْمَلَاهِي، وَعَلَى تَحَمُّلِ الْمَشَقَّاتِ فِي أَدَاءِ الْعِبَادَاتِ، وَعَلَى تَجَرُّعِ الْمَرَارَاتِ عِنْدَ حُصُولِ الْمُصيِبَاتِ وَوُصُولِ الْبَلِيَّاتِ، هَذَا وَفِي النِّهَايَةِ يُقَالُ: تَوَكَّلَ بِالْأَمْرِ إِذَا ضَمِنَ الْقِيَامَ بِهِ، وَوَكَّلْتُ أَمْرِي إِلَى فُلَانٍ أَيْ: أَلْجَأْتُهُ إِلَيْهِ وَاعْتَمَدْتُ فِيهِ عَلَيْهِ، وَوَكَّلَ فُلَانٌ فَلَانًا إِذَا اسْتَكْفَاهُ أَمْرَهُ ثِقَةً بِكِفَايَتِهِ أَوْ عَجْزًا عَنِ الْقِيَامِ بِأَمْرِ نَفْسِهِ، وَالْوَكِيلُ هُوَ الْقَيِّمُ الْكَفِيلُ بِأَرْزَاقِ الْعِبَادِ، وَحَقِيقَتُهُ أَنَّهُ مُسْتَقِلٌّ بِأَمْرِ الْمَوْكُولِ إِلَيْهِ. وَقَالَ الرَّاغِبُ: الصَّبْرُ الْإِمْسَاكُ فِي ضِيقٍ. يُقَالُ: صَبَرْتُ الدَّابَّةَ حَبَسْتُهَا بِلَا عَلَفٍ، وَالصَّبْرُ حَبْسُ النَّفْسِ عَلَى مَا يَقْتَضِيهِ الْعَقْلُ وَالشَّرْعُ، أَوْ عَمَّا يَقْتَضِيَانِ حَبْسَهَا عَنْهُ، فَالصَّبْرُ لَفْظٌ عَامٌّ، وَرُبَّمَا خُولِفَ بَيْنَ أَسْمَائِهِ بِحَسَبِ اخْتِلَافِ مَوَاقِعِهِ، فَإِنْ كَانَ حَبْسُ النَّفْسِ لِمُصِيبَةٍ سُمِّيَ صَبْرًا لَا غَيْرُ، وَيُضَادُّهُ الْجَزَعُ، وَإِنْ كَانَ فِي مُحَارَبَةٍ سُمِّيَ شَجَاعَةً وَيُضَادُّهُ الْجُبْنُ، وَإِنْ كَانَ فِي نَائِبَةٍ مُضْجِرَةٍ سُمِّيَ رَحْبَ الصَّدْرِ وَيُضَادُّهُ الضَّجَرُ، وَإِنْ كَانَ فِي إِمْسَاكِ الْكَلَامِ سُمِّيَ كِتْمَانًا وَضِدُّهُ الْإِفْشَاءُ، وَزَادَ فِي عَيْنِ الْعِلْمِ: وَفِي فُضُولِ الْعَيْشِ زُهْدٌ وَضِدُّهُ الْحِرْصُ، وَفِي الْيَسِيرِ مِنَ الدُّنْيَا قَنَاعَةٌ وَضِدُّهُ الشَّرَهُ انْتَهَى. وَالتَّوَكُّلُ بِلِسَانِ الْعَارِفِينَ عَلَى مَا قَالَ السُّرِّيُّ السَّقْطِيُّ: هُوَ الِانْخِلَاعُ مِنَ الْحَوْلِ وَالْقُوَّةِ بِلَا نِزَاعٍ. وَقَالَ ابْنُ مَسْرُوقٍ: التَّوَكُّلُ هُوَ الِاسْتِسْلَامُ لِجَرَيَانِ الْقَضَاءِ فِي الْأَحْكَامِ. وَقَالَ الْجُنَيْدِيُّ - ﵀ -: التَّوَكُّلُ أَنْ يَكُونَ لِلَّهِ كَمَا لَمْ يَكُنْ فَيَكُونَ اللَّهُ لَهُ كَمَا لَمْ يَزَلْ، ثُمَّ قِيلَ الصَّبْرُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَنْوَاعٍ: صَبْرُ الْعَوَامِّ وَهُوَ حَبْسُ النَّفْسِ عَلَى مَا يُكْرَهُ، وَصَبْرُ الْخَوَاصِّ وَهُوَ تَجَرُّعُ الْمَرَارَةِ مِنْ غَيْرِ تَعَبُّسٍ، وَصَبْرُ أَخَصِّ الْخَوَاصِّ وَهُوَ التَّلَذُّذُ بِالْبَلَاءِ، وَبِهِ يَصِلُ إِلَى مَرْتَبَةِ الشُّكْرِ وَغَايَةِ الرِّضَا بِالْقَضَاءِ، وَقَدْ وَرَدَ: «اعْبُدِ اللَّهَ عَلَى الرِّضَا فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَالصَّبْرُ عَلَى مَا تَكْرَهُ خَيْرٌ كَثِيرٌ» . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ١٩] . الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
(٢) (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " «يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِي سَبْعُونَ أَلْفًا بِغَيْرِ حِسَابٍ») أَيْ: مُسْتَقِلًّا عَنْ غَيْرِ مُلَاحَظَةِ اتِّبَاعِهِمْ، فَلَا يُنَافِي مَا وَرَدَ مِنْ أَنَّ مَعَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ سَبْعُونَ أَلْفًا (" هُمُ الَّذِينَ لَا يَسْتَرْقُونَ ") أَيْ: لَا يَطْلُبُونَ الرُّقْيَةَ مُطْلَقًا أَوْ بِغَيْرِ الْكَلِمَاتِ الْقُرْآنِيَّةِ وَالْأَسْمَاءِ الصَّمَدَانِيَّةِ (" وَلَا يَتَطَيَّرُونَ ") أَيْ: وَلَا يَتَشَاءَمُونَ بِنَحْوِ الطَّيْرِ، وَلَا يَأْخُذُونَ مِنَ الْحَيَوَانَاتِ وَالْكَلِمَاتِ الْمَسْمُوعَاتِ عَلَامَةَ الشَّرِّ وَالْخَيْرِ، بَلْ يَقُولُونَ كَمَا وَرَدَ: «اللَّهُمَّ لَا طَيْرَ إِلَّا طَيْرُكَ، وَلَا خَيْرَ إِلَّا خَيْرُكَ، وَلَا إِلَهَ غَيْرُكَ. اللَّهُمَّ لَا يَأْتِي بِالْحَسَنَاتِ إِلَّا أَنْتَ، وَلَا يَذْهَبُ بِالسَّيِّئَاتِ إِلَّا أَنْتَ» . (" وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ") أَيْ: فِي جَمِيعِ مَا يَفْعَلُونَ وَيَتْرُكُونَ. قَالَ الطِّيبِيُّ - ﵀ -: الْجَمْعُ بَيْنَ جُمْلَتَيْ لَا يَسْتَرْقُونَ وَلَا يَتَطَيَّرُونَ مِنَ الثُّنَائِي الَّذِي يُرَادُ بِهِ الِاسْتِيعَابُ لِقَوْلِهِمْ: لَا يَنْفَعُ زَيْدٌ وَلَا عَمْرٌو، عَلَى مَعْنَى لَا يَنْفَعُ إِنْسَانٌ مَا قَالَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ: هَذَا مِنْ صِفَةِ الْأَوْلِيَاءِ الْمُعْرِضِينَ عَنْ أَسْبَابِ الدُّنْيَا وَعَوَائِقِهَا الَّذِينَ لَا يَلْتَفِتُونَ إِلَى شَيْءٍ مِنْ عَلَائِقِهَا، وَتِلْكَ دَرَجَةُ الْخَوَاصِّ لَا يَبْلُغُهَا غَيْرُهُمْ، وَأَمَّا الْعَوَامُّ فَرَخَّصَ لَهُمْ فِي التَّدَاوِي وَالْمُعَالَجَاتِ، وَمَنْ صَبَرَ عَلَى الْبَلَاءِ وَانْتَظَرَ الْفَرَجَ مِنَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ بِالدُّعَاءِ كَانَ مِنْ جُمْلَةِ الْخَوَاصِّ وَالْأَوْلِيَاءِ، وَمَنْ لَمْ يَصْبِرْ رَخَّصَ لَهُ فِي الرُّقْيَةِ وَالْعِلَاجِ وَالدَّوَاءِ. أَلَا تَرَى أَنَّ الصِّدِّيقَ لَمَّا تَصَدَّقَ بِجَمِيعِ مَالِهِ لَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عِلْمًا مِنْهُ بِيَقِينِهِ وَصَبْرِهِ، وَلَمَّا أَتَاهُ الرَّجُلُ بِمِثْلِ بَيْضَةِ الْحَمَامِ مِنَ الذَّهَبِ وَقَالَ: لَا أَمْلِكُ غَيْرَهُ، فَضَرَبَهُ بِحَيْثُ لَوْ أَصَابَهُ عَقَرَهُ وَقَالَ فِيهِ مَا قَالَ. قُلْتُ: الظَّاهِرُ أَنَّ سَبَبَ غَضَبِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَكُنْ إِتْيَانَهُ بِجَمِيعِ مَالِهِ، بَلْ إِفْشَاءَ سِرِّهِ وَإِظْهَارَ حَالِهِ بِقَوْلِهِ: لَا أَمْلِكُ غَيْرَهُ مَعَ الْإِيمَاءِ إِلَى تَوَهُّمِ السُّمْعَةِ وَالرِّيَاءِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. وَفِي شَرْحِ مُسْلِمٍ لِلنَّوَوِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - قَالَ الْمَازِرِيُّ: احْتَجَّ بَعْضُهُمْ بِهِ عَلَى أَنَّ التَّدَاوِيَ مَكْرُوهٌ، وَمُعْظَمُ الْعُلَمَاءِ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ، وَاحْتَجُّوا بِالْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِي مَنَافِعِ الْأَدْوِيَةِ، وَبِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَدَاوَى، وَبِأَخْبَارِ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - عَنْ كَثْرَةِ تَدَاوِيهِ، وَبِمَا عُلِمَ مِنَ الِاسْتِشْفَاءِ بَرُقْيَاهِ، فَإِذَا ثَبَتَ هَذَا حُمِلَ الْحَدِيثُ عَلَى قَوْمٍ يَعْتَقِدُونَ أَنَّ الْأَدْوِيَةَ نَافِعَةٌ بِطَبْعِهَا، وَلَا يَفَوِّضُونَ الْأَمْرَ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى. قُلْتُ: لَا يَصِحُّ حَمْلُ الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ عَلَى الْقَوْلِ الْمَسْطُورِ، فَإِنَّهُ صَرِيحٌ فِي أَنَّهُمْ مَنْ كُمَّلِ الْأَوْلِيَاءِ، وَخُلَّصِ الْأَصْفِيَاءِ، فَالصَّوَابُ مَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ النِّهَايَةِ مِنْ أَنَّ الْأَوْلَى فِي حَقِّ أَهْلِ الْهِدَايَةِ إِنَّمَا هُوَ عَدَمُ تَعَاطِي الْأَسْبَابِ غَيْرِ الْعَادِيَّة، وَإِنْ كَانَ جَازَ هَذَا لِلْعَوَامِّ وَبَابِ الْبِدَايَةِ، وَيُحْمَلُ فِعْلُهُ ﵊ فِي الْمُعَالَجَةِ بِالْأَدْوِيَةِ عَلَى اخْتِيَارِ الرُّخْصَةِ رِعَايَةً لِعَامَّةِ الْأُمَّةِ، أَوْ عَلَى مَرْتَبَةِ جَمْعِ الْجَمْعِ الْمَشْهُورِ عِنْدَ الصُّوفِيَّةِ مِنْ أَنَّ مُشَاهَدَةَ الْأَسْبَابِ، وَمُلَاحَظَةَ صَنَائِعِ رَبِّ الْأَرْبَابِ هُوَ الْأَكْمَلُ وَالْأَفْضَلُ عِنْدَ الْكُمَّلِ، فَتَدَبَّرْ وَتَأَمَّلْ. وَلَعَلَّ الْحَدِيثَ مُقْتَبَسٌ مِنْ أَحَدِ مَعْنَيَيْنِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: ١٠] وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
[ ٨ / ٣٣١٥ ]
٥٢٩٦ - وَعَنْهُ قَالَ: «خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - يَوْمًا فَقَالَ: " عُرِضَتْ عَلَيَّ الْأُمَمُ فَجَعَلَ يَمُرُّ النَّبِيُّ وَمَعَهُ الرَّجُلُ، وَالنَّبِيُّ وَمَعَهُ الرَّجُلَانِ، وَالنَّبِيُّ وَمَعَهُ الرَّهْطُ، وَالنَّبِيُّ وَلَيْسَ مَعَهُ أَحَدٌ، فَرَأَيْتُ سَوَادًا كَثِيرًا سَدَّ الْأُفُقَ، فَرَجَوْتُ أَنْ يَكُونَ أُمَّتِي. فَقِيلَ: هَذَا مُوسَى فِي قَوْمِهِ، ثُمَّ قِيلَ لِي: انْظُرْ، فَرَأَيْتُ سَوَادًا كَثِيرًا سَدَّ الْأُفُقَ، فَقِيلَ لِي: انْظُرْ هَكَذَا وَهَكَذَا، فَرَأَيْتُ سَوَادًا كَثِيرًا سَدَّ الْأُفُقَ. فَقَالَ: هَؤُلَاءِ أُمَّتُكَ، وَمَعَ هَؤُلَاءِ سَبْعُونَ أَلْفًا قُدَّامَهُمْ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ، هُمُ الَّذِينَ لَا يَتَطَيَّرُونَ، وَلَا يَسْتَرْقُونَ، وَلَا يَكْتَوُونَ، وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ " فَقَامَ عُكَّاشَةُ بْنُ مِحْصَنٍ فَقَالَ: ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ. قَالَ: (اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ مِنْهُمْ) . ثُمَّ قَامَ رَجُلٌ آخَرُ فَقَالَ: ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ. فَقَالَ: " سَبَقَكَ بِهَا عُكَّاشَةُ)» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
_________________
(١) (وَعَنْهُ) أَيْ: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ (قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمًا فَقَالَ: " عُرِضَتْ عَلَيَّ ") أَيْ: أُظْهِرَتْ لَدَيَّ (" الْأُمَمُ ") أَيْ: مَعَ أَنْبِيَائِهِمْ (" فَجَعَلَ يَمُرُّ النَّبِيُّ "): التَّعْرِيفُ فِيهِ لِلْجِنْسِ، وَهُوَ مَا يَعْرِفُهُ كُلُّ أَحَدٍ أَنَّهُ مَا هُوَ، فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ النَّكِرَاتِ ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ - ﵀ -، فَالْمَعْنَى أَنَّهُ يَمُرُّ نَبِيٌّ مِنْهُمْ عِنْدَ الْعَرْضِ عَلَيَّ (" وَمَعَهُ الرَّجُلُ ") أَيِ: الْوَاحِدُ مِنْ أَتْبَاعِهِ لَيْسَ لَهُ تَابِعٌ غَيْرَهُ، (وَالنَّبِيُّ وَمَعَهُ الرَّجُلَانِ، وَالنَّبِيُّ وَمَعَهُ الرَّهْطُ) أَيِ: الْجَمَاعَةُ، وَالْمُرَادُ الرِّجَالُ (" وَالنَّبِيُّ وَلَيْسَ مَعَهُ أَحَدٌ ") أَيْ: لَا مِنَ الرِّجَالِ وَلَا مِنَ النِّسَاءِ، وَالْمُرَادُ
[ ٨ / ٣٣١٥ ]
مِنَ النَّبِيِّ هُنَا الرَّسُولُ - ﵊ - الْمَأْمُورُ بِالتَّبْلِيغِ، وَقَيْدُ الرُّجُولِيَّةِ وَاقِعِيَّةٌ غَالِبِيَّةٌ أَوْ قَضِيَّةٌ مِثَالِيَّةٌ، وَالْمُرَادُ الْوَحْدَةُ وَالتَّثْنِيَةُ وَالْجَمْعِيَّةُ (" فَرَأَيْتُ ") أَيْ: مِنْ أَمَامِي (" سَوَادًا كَثِيرًا ") أَيْ: جَمْعًا عَظِيمًا وَفَوْجًا جَسِيمًا (" سَدَّ الْأُفُقَ ") أَيْ: سَتَرَ طَرْفَ السَّمَاءِ بِكَثْرَتِهِ (" فَرَجَوْتُ أَنْ يَكُونَ ") أَيِ: السَّوَادُ الْكَثِيرُ (" أُمَّتِي فَقِيلَ: هَذَا مُوسَى فِي قَوْمِهِ ") أَيْ: مِمَّنْ آمَنَ بِهِ وَلَمْ يَتَغَيَّرْ عَنْ دِينِهِ (" ثُمَّ قِيلَ لِي: انْظُرْ "): فَكَأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَطْرَقَ حِينَئِذٍ وَأَعْرَضَ عَنْ مَوْضِعِ الْعَرْضِ حَيَاءً، فَقِيلَ لَهُ: انْظُرْ تَرَى رِجَالًا (" فَرَأَيْتُ ") أَيْ: مِنْ قُدَّامِي (" سَوَادًا كَثِيرًا سَدَّ الْأُفُقَ ") أَيْ: فَقَنِعْتُ بِذَلِكَ وَشَكَرْتُ لِمَا هُنَالِكَ (" فَقِيلَ لِي ") أَيْ: بَلْ لَكَ الزِّيَادَةُ عَلَى مَا ذَكَرْتَ مِنَ الِاسْتِفَادَةِ (" انْظُرْ هَكَذَا وَهَكَذَا ") أَيِ: الْيَمِينَ وَالشِّمَالَ (" فَرَأَيْتُ سَوَادًا كَثِيرًا سَدَّ الْأُفُقَ. فَقِيلَ ") أَيْ: لِي (" هَؤُلَاءِ ") أَيْ: مَجْمُوعُ مَا بَيْنَ يَدَيْكَ وَطَرَفَيْكَ (" أُمَّتُكَ، وَمَعَ هَؤُلَاءِ ") أَيْ: مَنْ جُمْلَتِهِمْ أَوْ زِيَادَةً عَلَيْهِمْ (" سَبْعُونَ أَلْفًا قُدَّامَهُمْ "): وَفِيهِ مَنْقَبَةٌ عَظِيمَةٌ لَهُمْ كَمَا فِي قَوْلِهِ: (" يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ "): قَالَ النَّوَوِيُّ - ﵀ -: يَحْتَمِلُ هَذَا أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ وَسَبْعُونَ أَلْفًا مِنْ أُمَّتِكَ غَيْرُ هَؤُلَاءِ، وَأَنَّ يَكُونَ مَعْنَاهُ فِي جُمْلَتِهِمْ سَبْعُونَ أَلْفًا، وَيُؤَيِّدُ هَذَا رِوَايَةُ الْبُخَارِيِّ: «هَذِهِ أُمَّتُكَ وَيَدْخُلُ الْجَنَّةَ مِنْ هَؤُلَاءِ سَبْعُونَ أَلْفًا» (" هُمْ "): اسْتِئْنَافُ بَيَانٍ أَيِ: السَبْعُونَ هُمُ (" الَّذِينَ لَا يَتَطَيَّرُونَ، وَلَا يَسْتَرْقُونَ، وَلَا يَكْتَوُونَ ") أَيْ: إِلَّا عِنْدَ الضَّرُورَةِ لِمَا وَقَعَ الْكَيُّ مِنْ بَعْضِ الصَّحَابَةِ مِنْهُمْ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ أَحَدُ الْعَشَرَةِ الْمُبَشَّرَةِ، أَوْ مُطْلَقًا اسْتِسْلَامًا لِلْقَضَاءِ وَتَلَذُّذًا بِالْبَلَاءِ، مَعَ عِلْمِهِمْ بِأَنَّهُ لَا يَضُرُّ وَلَا يَنْفَعُ إِلَّا اللَّهُ، وَلَا تَأْثِيرَ بِحَسَبَ الْحَقِيقَةِ لِمَا سِوَاهُ، فَهُمْ فِي مَرْتَبَةِ الشُّهُودِ خَارِجُونَ عَنْ دَائِرَةِ الْوُجُودِ فَانُونَ عَنْ حُظُوظِ أَنْفُسِهِمْ بَاقُونَ بِحَقِّ اللَّهِ فِي حِرَاسَةِ أَنْفَاسِهِمْ كَمَا قَالَ: (" وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ " فَقَامَ عُكَّاشَةُ): بِضَمِّ الْعَيْنِ وَتَشْدِيدِ الْكَافِ وَتُخَفَّفُ عَلَى مَا فِي الْقَامُوسِ وَالْمُغْنِي (ابْنُ مِحْصَنٍ): بِكَسْرِ مِيمٍ وَفَتْحِ صَادٍ. قَالَ الْمُؤَلِّفُ: أَسَدِيٌّ، شَهِدَ بَدْرًا وَمَا بَعْدَهَا، وَانْكَسَرَ سَيْفُهُ يَوْمَ بَدْرٍ، فَأَعْطَاهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عُرْجُونًا أَيْ: عُودًا فَصَارَ فِي يَدِهِ سَيْفًا، وَكَانَ مِنْ فُضَلَاءِ الصَّحَابَةِ، مَاتَ فِي خِلَافَةِ الصِّدِّيقِ، وَلَهُ خَمْسٌ وَأَرْبَعُونَ سَنَةً. رَوَى عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَأُخْتِهِ أُمِّ قَيْسٍ. (" فَقَالَ: ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ): مَا أَحْسَنَ هَذَا السُّؤَالَ الْمُشِيرَ إِلَى أَنَّهُ مِنْ أَصْحَابِ الْكَمَالِ، بَلْ مِنْ أَرْبَابِ الْوِصَالِ، حَيْثُ عَلِمَ أَنَّهُ لَمْ يَصِلْ إِلَى هَذَا الْمَقَالِ وَالْحَالِ إِلَّا بِوَسِيلَةِ دُعَائِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ ذِي الْجَلَالِ وَالْجَمَالِ. (قَالَ: " اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ مِنْهُمْ " ثُمَّ قَامَ رَجُلٌ آخَرُ فَقَالَ: ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ): وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْأَوَّلَ كَانَ نَاوِيًا قَاصِدًا لِلْقِيَامِ بِأَفْعَالِهِمْ، بَلْ مُتَّصِفًا بِأَحْوَالِهِمْ، وَأَنَّ الثَّانِيَ طَلَبَهُ عَلَى وَجْهِ التَّمَنِّي مِنْ غَيْرِ التَّعَنِّي، وَطَرِيقِ التَّقْلِيدِ فِي التَّحَلِّي مِنْ غَيْرِ قَصْدِ التَّجَلِّي. (قَالَ: " سَبَقَكَ بِهَا ") أَيْ: بِهَذِهِ الدَّعْوَةِ أَوْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ (" عُكَّاشَةُ "): وَقَدِ اسْتُجِيبَ لَهُ، وَالْمَعْبَرُ فِيهَا هِيَ الْأَوَّلِيَّةُ كَمَا وَرَدَ: «إِنَّ الصَّبْرَ عِنْدَ الصَّدْمَةِ الْأُولَى»، وَلَعَلَّ وَجْهَ الِامْتِنَاعِ مِنَ الدُّعَاءِ أَنْ لَا يَنْفَتِحَ هَذَا الْبَابُ الْمُتَفَرِّعُ عَلَيْهِ الِاكْتِفَاءُ.
قَالَ ابْنُ الْمَلِكِ: لِأَنَّهُ لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ فِي ذَلِكَ الْمَجْلِسِ بِالدُّعَاءِ إِلَّا لِوَاحِدٍ، وَفِيهِ حَثٌّ عَلَى الْمُسَارَعَةِ إِلَى الْخَيْرَاتِ وَطَلَبِ دُعَاءِ الصَّالِحِينَ لِأَنَّ فِي التَّأْخِيرِ آفَاتٌ. وَقِيلَ: كَانَ الرَّجُلُ مُنَافِقًا فَأَجَابَهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِكَلَامٍ مُحْتَمَلٍ، وَلَمْ يُصَرِّحْ بِأَنَّكَ لَسْتَ مِنْهُمْ لِحُسْنِ خُلُقِهِ، انْتَهَى. وَقِيلَ: قَدْ يَكُونُ سَبْقُ عُكَّاشَةَ بِوَحْيٍ وَلَمْ يَحْصُلْ ذَلِكَ لِلْآخَرِ. وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: قِيلَ: إِنَّ الرَّجُلَ الثَّانِيَ لَمْ يَكُنْ مِمَّنْ يَسْتَحِقُّ تِلْكَ الْمَنْزِلَةَ، وَلَا كَانَ بِصِفَةِ أَهْلِهَا بِخِلَافِ عُكَّاشَةَ. وَفِي شَرْحِ الطِّيبِيِّ - ﵀ -، قَالَ الشَّيْخُ: وَقَدْ ذَكَرَ الْخَطِيبُ الْبَغْدَادِيُّ أَنَّهُ قَالَ فِي كِتَابِهِ فِي الْأَسْمَاءِ الْمُبْهَمَةِ: أَنَّهُ يُقَالُ: إِنَّ هَذَا الرَّجُلَ هُوَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ، فَإِنْ صَحَّ هَذَا بَطَلَ قَوْلُ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ مُنَافِقٌ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
[ ٨ / ٣٣١٦ ]
٥٢٩٧ - وَعَنْ صُهَيْبٍ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: " «عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ! إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ لَهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَلِكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ، إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
_________________
(١) (وَعَنْ صُهَيْبٍ): بِالتَّصْغِيرِ قَالَ الْمُؤَلِّفُ: هُوَ ابْنُ سِنَانٍ مَوْلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جُدْعَانَ التَّيَمِيِّ، يُكَنَّى أَبَا يَحْيَى، كَانَتْ مَنَازِلُهُمْ بِأَرْضِ الْمَوْصِلِ فِيمَا بَيْنَ دِجْلَةَ وَالْفُرَاتِ، فَأَغَارَتِ الرُّومُ عَلَى تِلْكَ النَّاحِيَةِ فَسَبَتْهُ وَهُوَ غُلَامٌ صَغِيرٌ فَنَشَأَ بِالرُّومِ فَابْتَاعَهُ مِنْهُمْ كَلْبٌ، ثُمَّ قَدِمَتْ بِهِ مَكَّةَ فَاشْتَرَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جُدْعَانَ فَأَعْتَقَهُ، فَأَقَامَ مَعَهُ إِلَى أَنْ هَلَكَ، وَأَسْلَمَ قَدِيمًا بِمَكَّةَ، وَكَانَ مِنَ الْمُسْتَضْعَفِينَ الْمُعَذَّبِينَ فِي اللَّهِ بِمَكَّةَ، ثُمَّ هَاجَرَ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَفِيهِ نَزَلَ: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٠٧] رَوَى عَنْهُ جَمَاعَةٌ، مَاتَ سَنَةَ ثَمَانِينَ، وَهُوَ ابْنُ تِسْعِينَ سَنَةً، وَدُفِنَ بِالْبَقِيعِ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " عَجَبًا ") أَيْ: عَجِبْتُ عَجَبًا (" لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ ") أَيْ: لِشَأْنِهِ وَمَا لَهُ فِي كُلِّ حَالِهِ (" إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ "): بِالنَّصْبِ وَيَجُوزُ رَفْعُهُ كَمَا قُرِئَ بِالْوَجْهَيْنِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ﴾ [آل عمران: ١٥٤] أَيْ: جَمِيعَ أُمُورِهِ. (لَهُ خَيْرٌ) أَيْ: خَيْرٌ لَهُ فِي الْمَآلِ وَإِنْ كَانَ بَعْضُهُ شَرًّا صُورِيًّا فِي الْحَالِ، وَقَدَّمَ الظَّرْفَ اهْتِمَامًا (" وَلَيْسَ ذَلِكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ "): قَالَ الطِّيبِيُّ - ﵀ -: مُظْهَرٌ وَقَعَ مَوْقِعَ الْمُضْمَرِ لِيُشْعِرَ بِالْعَلِيَّةِ، انْتَهَى. وَفِيهِ أَنَّ الْإِظْهَارَ وَالْإِضْمَارَ مُسْتَوِيَانِ فِي الْإِشْعَارِ بِالْعَلِيَّةِ، وَلَعَلَّ النُّكْتَةَ هِيَ إِظْهَارُ الْإِشْعَارِ عَلَى وَجْهِ التَّصْرِيحِ، فَإِنَّهُ آكَدُ مِنْ طَرِيقِ التَّلْوِيحِ، ثُمَّ بَيَّنَهُ عَلَى وَجْهِ التَّوْضِيحِ بِقَوْلِهِ: (" إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ ") أَيْ: نَعْمَاءُ وَسَعَةُ عَيْشٍ وَرَخَاءٌ وَتَوْفِيقُ طَاعَةٍ مِنْ أَدَاءٍ وَقَضَاءٍ (" شَكَرَ فَكَانَ ") أَيْ: شُكْرُهُ (خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ): أَيْ: فَقْرٌ وَمَرَضٌ وَمِحْنَةٌ وَبَلِيَّةٌ (صَبَرَ فَكَانَ) أَيْ: صَبْرُهُ (" خَيْرًا لَهُ "): وَبِهَذَا تَبَيَّنَ قَوْلُ بَعْضِ الْعَارِفِينَ أَنَّهُ لَا يُقَالُ عَلَى الْإِطْلَاقِ: أَنَّ الْفَقِيرَ الصَّابِرَ أَفْضَلُ مِنَ الْغَنِيِّ الشَّاكِرِ، بَلْ حَالَةُ التَّفْوِيضِ وَالتَّسْلِيمِ أَوْلَى، وَالْقِيَامُ بِمُقْتَضَى الْوَقْتِ أَعْلَى بِحَسَبِ اخْتِلَافِ الْأَحْوَالِ وَتَفَاوُتِ الرِّجَالِ. قَالَ تَعَالَى ﷻ: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢١٦] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا﴾ [الإسراء: ٣٠] . وَفِي الْحَدِيثِ الْقُدُسِيِّ: («إِنَّ مِنْ عِبَادِي مَنْ لَا يُصْلِحُهُ إِلَّا الْفَقْرُ فَلَوْ أَغْنَيْتُهُ لَفَسَدَ حَالُهُ، وَإِنَّ مِنْ عِبَادِي مَنْ لَا يُصْلِحُهُ إِلَّا الْغِنَى فَلَوْ أَفْقَرْتُهُ لَضَاعَ حَالُهُ»): لِذَا قَالَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -: الْفَقْرُ وَالْغِنَى مَطِيَّتَانِ لَا أُبَالِي أَيَّتُهُمَا أَرْكَبُ. وَعَلَى هَذَا الِاخْتِلَافِ الْوَاقِعِ بَيْنَ الْقَوْمِ فِي طَلَبِ طُولِ الْعُمُرِ لِطَاعَةِ اللَّهِ، أَوْ طَلَبِ الْمَوْتِ لِخَوْفِ الْفِتْنَةِ، أَوْ لِلِاشْتِيَاقِ إِلَى لِقَاءِ اللَّهِ تَعَالَى، ثُمَّ الْمُعْتَمَدُ التَّفْوِيضُ وَالتَّسْلِيمُ، كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي دُعَائِهِ: " «اللَّهُمَّ أَحْيِنِي مَا كَانَتِ الْحَيَاةُ خَيْرًا لِي، وَتَوَفَّنِي إِذَا كَانَتِ الْوَفَاةُ خَيْرًا لِي، وَاجْعَلِ الْحَيَاةَ زِيَادَةً لِي فِي كُلِّ خَيْرٍ، وَاجْعَلِ الْمَوْتَ رَاحَةً لِي مِنْ كُلِّ شَرٍّ» " ثُمَّ وَجَّهَ حَصْرَ الْخَيْرِ فِي كُلِّ حَالٍ لِلْمُؤْمِنِ الْكَامِلِ ; لِأَنَّ غَيْرَهُ إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَبِعَ وَبَطِرَ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ جَزَعَ وَكَفَرَ، بِخِلَافِ حَالِ الْمُؤْمِنِ، فَإِنَّهُ كَمَا قَالَ بَعْضُ أَرْبَابِ الْكَمَالِ: إِذَا كَانَ شُكْرُ نِعْمَةِ اللَّهِ نِعْمَةً عَلَيَّ لَهُ فِي مِثْلِهَا يَجِبُ الشُّكْرُ فَكَيْفَ بُلُوغُ الشُّكْرِ إِلَّا بِفَضْلِهِ وَإِنْ طَالَتِ الْأَيَّامُ وَاتَّسَعَ الْعُمُرُ إِذَا مَسَّ بِالنَّعْمَاءِ عَمَّ سُرُورَهَا وَإِنْ مَسَّ بِالضَّرَّاءِ أَعْقَبَهُ الْأَجْرَ (رَوَاهُ مُسْلِمٌ): وَكَذَا الْإِمَامُ أَحْمَدُ. وَرَوَى أَحْمَدُ وَابْنُ حِبَّانَ عَنْ أَنَسٍ مَرْفُوعًا: " «عَجِبْتُ لِلْمُؤْمِنِ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَقْضِ لَهُ قَضَاءً إِلَّا كَانَ خَيْرًا لَهُ» " وَرَوَى الطَّيَالِسِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ عَنْ سَعْدٍ مَرْفُوعًا: " «عَجِبْتُ لِلْمُسْلِمِ إِذَا أَصَابَتْهُ مُصِيبَةٌ احْتَسَبَ وَصَبَرَ، وَإِذَا أَصَابَهُ خَيْرٌ حَمِدَ اللَّهَ وَشَكَرَ، إِنَّ الْمُسْلِمَ يُؤْجَرُ فِي كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى فِي اللُّقْمَةِ يَرْفَعُهَا إِلَى فِيهِ» ".
[ ٨ / ٣٣١٧ ]
٥٢٩٨ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: " «الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ، وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ، احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ، وَلَا تَعْجِزْ، وَإِنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ فَلَا تَقُلْ: لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ كَانَ كَذَا وَكَذَا، وَلَكِنْ قُلْ: قَدَّرَ اللَّهُ وَمَا شَاءَ فَعَلَ، فَإِنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
_________________
(١) (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: " الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ ") أَيِ: الْقَادِرُ عَلَى تَكْثِيرِ الطَّاعَةِ (" خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللَّهِ "): عَطْفُ تَفْسِيرٍ (" مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ ") أَيِ: الْعَاجِزِ عَنْهُ، (" وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ ") أَيْ: أَصْلُ الْخَيْرِ مَوْجُودٌ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا. قِيلَ: الْمُرَادُ بِالْمُؤْمِنِ الْقَوِيُّ الصَّابِرُ عَلَى مُخَالَطَةِ النَّاسِ وَتَحَمُّلِ أَذِيَّتِهِمْ وَتَعْلِيمِهِمُ الْخَيْرَ وَإِرْشَادِهِمْ إِلَى الْهُدَى، وَيُؤَيِّدُهُ مَا رَوَاهُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا: " «الْمُؤْمِنُ الَّذِي يُخَالِطُ النَّاسَ وَيَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُمْ أَفْضَلُ مِنَ الْمُؤْمِنِ الَّذِي لَا يُخَالِطُ النَّاسَ وَلَا يَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُمْ» ". وَقِيلَ: أَرَادَ بِالْمُؤْمِنِ الْقَوِيُّ الَّذِي قَوِيَ فِي إِيمَانِهِ وَصَلُبَ فِي إِيقَانِهِ بِحَيْثُ لَا يَرَى الْأَسْبَابَ، وَوَثِقَ بِمُسَبِّبِ الْأَسْبَابِ، وَالْمُؤْمِنُ الضَّعِيفُ بِخِلَافِهِ وَهُوَ أَدْنَى مَرَاتِبِ الْإِيمَانِ. وَقَالَ النَّوَوِيُّ - ﵀ -: الْقُوَّةُ هُنَا يُرَادُ بِهَا عَزِيمَةُ النَّفْسِ فِي أُمُورِ الْآخِرَةِ، فَيَكُونُ صَاحِبُ هَذَا أَكْثَرَ إِقْدَامًا عَلَى الْغَزْوِ وَالْجِهَادِ، وَأَسْرَعَ خُرُوجًا وَذَهَابًا فِي طَلَبِهِ وَأَشَدَّ عَزِيمَةً فِي الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالصَّبْرِ عَلَى الْأَذَى فِي كُلِّ ذَلِكَ، وَقَوْلُهُ: فِي كُلٍّ خَيْرٌ، مَعْنَاهُ فِي كُلٍّ مِنَ الْقَوِيِّ وَالضَّعِيفِ خَيْرٌ لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي الْإِيمَانِ، مَعَ مَا يَأْتِي بِهِ الضَّعِيفُ مِنَ الْعِبَادَاتِ (" احْرِصْ "): بِكَسْرِ الرَّاءِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنْ تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ﴾ [النحل: ٣٧] وَفِي نُسْخَةٍ بِفَتْحِهَا، فَفِي الْقَامُوسِ: حَرَصَ كَضَرَبَ وَسَمِعَ، وَالْمَعْنَى كُنْ حَرِيصًا (" عَلَى مَا يَنْفَعُكَ ") أَيْ: مِنْ أُمُورِ الدِّينِ (" وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ ") أَيْ: عَلَى فِعْلِكَ فَإِنَّهُ لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ (" وَلَا تَعْجِزْ ") بِكَسْرِ الْجِيمِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى ﷻ: أَعَجَزْتُ وَفِي نُسْخَةٍ بِالْفَتْحِ فَفِي الْقَامُوسِ: عَجَزَ كَضَرَبَ وَسَمِعَ أَيْ: وَلَا تَعْجَزْ عَنِ الْحِرْصِ وَالِاسْتِعَانَةِ، فَإِنَّ اللَّهَ ﷾ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُعْطِيكَ قُوَّةً عَلَى طَاعَتِهِ إِذَا اسْتَقَمْتَ عَلَى اسْتِعَانَتِهِ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ لَا تَعْجِزْ عَنِ الْعَمَلِ بِمَا أُمِرْتَ، وَلَا تَتْرُكْهُ مُقْتَصِرًا عَلَى الِاسْتِعَانَةِ بِهِ، فَإِنَّ كَمَالَ الْإِيمَانِ أَنْ يُجْمَعَ بَيْنَهُمَا. قَالَ الطِّيبِيُّ - ﵀ -: يُمْكِنُ أَنْ يَذْهَبَ إِلَى اللَّفِّ وَالنَّشْرِ، فَيَكُونُ قَوْلُهُ " احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ وَلَا تَتْرُكِ الْجُهْدَ " بَيَانًا لِلْقَوِيِّ " وَلَا تَعْجِزْ " بَيَانًا لِلضَّعِيفِ (" وَإِنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ ") أَيْ: مِنْ أَمْرِ دِينِكَ أَوْ دُنْيَاكَ (" فَلَا تَقُلْ لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ ") أَيْ: كَذَا وَكَذَا (" كَانَ ") أَيْ: لَصَارَ (" كَذَا وَكَذَا "): فَإِنَّ هَذَا الْقَوْلَ غَيْرُ سَدِيدٍ، وَمَعَ هَذَا غَيْرُ مُفِيدٍ فَإِنَّهُ قَالَ تَعَالَى جَلَّ شَأْنُهُ: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا﴾ [التوبة: ٥١] وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " «مَا أَصَابَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَكَ وَمَا أَخْطَأَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَكَ» " وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٣] (" وَلَكِنْ قُلْ ") أَيْ: بِلِسَانِ الْقَالِ أَوْ لِسَانِ الْحَالِ. (" قَدَّرَ اللَّهُ "): بِتَشْدِيدِ الدَّالِ أَيْ: قُلْ قَدَّرَ اللَّهُ، وَيَجُوزُ تَخْفِيفُهَا. أَيْ: قُلْ قَدَّرَ اللَّهُ كَذَا وَكَذَا. أَيْ: وَقَعَ ذَلِكَ بِمُقْتَضَى قَضَائِهِ وَعَلَى وَفْقِ قَدَرِهِ. (" وَمَا شَاءَ ") أَيِ: اللَّهُ فِعْلَهُ (" فَعَلَ "): فَإِنَّهُ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ وَلَا رَادَّ لِقَضَائِهِ وَلَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ، (" فَإِنَّ لَوْ ") أَيْ: كَلِمَةَ الشَّرْطِ أَوْ إِنَّ (" تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ ") .
[ ٨ / ٣٣١٨ ]
قَالَ الشَّاطِبِيُّ - ﵀ -: وَلَمْ وَلَوْ وَلَيْتَ تُوَرِّثُ الْقَلْبَ انْفِلَاقًا. قَالَ بَعْضُ شُرَّاحِ الْمَصَابِيحِ، أَيْ: أَنَّ قَوْلَ لَوْ وَاعْتِقَادَ مَعْنَاهَا يُفْضِي بِالْعَبْدِ إِلَى التَّكْذِيبِ بِالْقَدَرِ، أَوْ عَدَمِ الرِّضَا بِصُنْعِ اللَّهِ ; لِأَنَّ الْقَدَرَ إِذَا ظَهَرَ بِمَا يَكْرَهُ الْعَبْدُ قَالَ: لَوْ فَعَلْتُ كَذَا لَمْ يَكُنْ كَذَا، وَقَدْ قُدِّرَ فِي عِلْمِ اللَّهِ أَنَّهُ لَا يُفْعَلُ إِلَّا الَّذِي فُعِلَ، وَلَا يَكُونُ إِلَّا الَّذِي كَانَ، وَقَدْ أَشَارَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِقَوْلِهِ قَبْلَ ذَلِكَ، وَلَكِنْ قَدَّرَ اللَّهُ وَمَا شَاءَ فَعَلَ، وَلَمْ يُرِدْ كَرَاهَةَ اللَّفْظِ بِلَوْ فِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ وَسَائِرِ الصُّوَرِ، وَإِنَّمَا عَنَى الْإِتْيَانَ بِهَا فِي صِيغَةٍ تَكُونُ فِيهَا مُنَازَعَةُ الْقَدَرِ وَالتَّأَسُّفُ عَلَى مَا فَاتَهُ مِنْ أُمُورِ الدُّنْيَا، وَإِلَّا فَقَدَ وَرَدَ فِي الْقُرْآنِ مِثْلَ: ﴿لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ﴾ [آل عمران: ١٥٤] . وَفِي الْحَدِيثِ: " «لَوْ أَنِّي اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ» " لِأَنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِهِ مُنَازَعَةَ الْقَدَرِ.
وَقَالَ الْقَاضِي - ﵀ -: قَوْلُهُ: فَإِنَّ لَوْ تَفْتَحُ أَيْ: لَوْ كَانَ الْأَمْرُ لِي وَكُنْتُ مُسْتَبِدًّا بِالْفِعْلِ وَالتَّرْكِ كَانَ كَذَا وَكَذَا، فِيهِ تَأَسُّفٌ عَلَى الْفَائِتِ، وَمُنَازَعَةٌ لِلْقَدَرِ وَإِيهَامٌ بِأَنَّ مَا كَانَ يَفْعَلُهُ بِاسْتِبْدَادِهِ، وَمُقْتَضَى رَأْيِهِ خَيْرٌ مِمَّا سَاقَهُ الْقَدَرُ إِلَيْهِ مِنْ حَيْثُ أَنَّ لَوْ تَدُلُّ عَلَى انْتِفَاءِ الشَّيْءِ لِانْتِفَاءِ غَيْرِهِ فِيمَا مَضَى، وَلِذَلِكَ اسْتَكْرَهَهُ وَجَعَلَهُ مِمَّا يَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ، وَقَوْلُهُ ﵊ فِي حَدِيثِ فَسْخِ الْحَجِّ إِلَى الْعُمْرَةِ " وَلَوْ أَنِّي اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ " لَيْسَ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ، وَإِنَّمَا هُوَ كَلَامٌ قُصِدَ بِهِ تَطْيِيبُ قُلُوبِهِمْ وَتَحْرِيضِهِمْ عَلَى التَّحَلُّلِ بِأَعْمَالِ الْعُمْرَةِ. وَفِي شَرْحِ مُسْلِمٍ لِلنَّوَوِيِّ - ﵀ -، وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ - ﵀ -: هَذَا النَّهْيُ إِنَّمَا هُوَ لِمَنْ قَالَهُ مُعْتَقَدًا ذَلِكَ حَتْمًا، وَأَمَّا «قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ - ﵁ -: لَوْ أَنَّ أَحَدَهُمْ رَفَعَ رَأْسَهُ لَرَآنَا»، فَهَذَا لَا حُجَّةَ فِيهِ لِأَنَّهُ إِنَّمَا أَخْبَرَ عَنْ مُسْتَقْبَلٍ، وَكَذَا قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " «لَوْ كُنْتُ رَاجِمًا بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ لَرَجَمْتُ هَذَا» " وَشِبْهُ ذَلِكَ لَا اعْتِرَاضَ فِيهِ عَلَى قَدَرٍ، فَلَا كَرَاهَةَ فِيهِ لِأَنَّهُ إِنَّمَا أَخْبَرَ عَنِ اعْتِقَادِهِ فِيمَا كَانَ يَفْعَلُ لَوْلَا الْمَانِعُ وَعَمَّا هُوَ فِي قُدْرَتِهِ، وَأَمَّا الْمَاضِي فَلَيْسَ فِي قُدْرَتِهِ، وَأَمَّا مَعْنَى قَوْلِهِ: فَإِنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ، أَنَّهُ يُلْقِي فِي الْقَلْبِ مُعَارَضَةَ الْقَدَرِ وَيُوَسْوِسُ بِهِ الشَّيْطَانُ. قَالَ الشَّيْخُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: وَقَدْ جَاءَ اسْتِعْمَالُ " لَوْ " فِي الْمَاضِي كَقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " «لَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ لَمْ أَسُقِ الْهَدْيَ» " فَالظَّاهِرُ إِنَّمَا وَرَدَ فِيمَا لَا فَائِدَةَ فِيهِ، فَيَكُونُ نَهْيَ تَنْزِيهٍ لَا تَحْرِيمٍ، وَأَمَّا مَنْ قَالَهُ مُتَأَسِّفًا عَلَى مَا فَاتَ مِنْ طَاعَةِ اللَّهِ أَوْ هُوَ مُعْتَذِرٌ مِنْ ذَلِكَ فَلَا بَأْسَ بِهِ، وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ أَكْثَرُ اسْتِعْمَالِ " لَوْ " الْمَوْجُودَةِ فِي الْأَحَادِيثِ.
أَقُولُ: بَلِ التَّأَسُّفُ عَلَى فَوْتِ طَاعَةِ اللَّهِ مِمَّا يُشَابُ، فَيَنْبَغِي أَنْ يُعَدَّ مِنْ بَابِ الِاسْتِحْبَابِ، فَقَدْ رَوَى الرَّازِيُّ فِي مَشْيَخَتِهِ عَنْ أَبِي عَمْرٍو: مَنْ أَسِفَ عَلَى دُنْيَا فَاتَتْهُ اقْتَرَبَ مِنَ النَّارِ مَسِيرَةَ أَلْفِ سَنَةٍ، وَمَنْ أَسِفَ عَلَى آخِرَةٍ فَاتَتْهُ اقْتَرَبَ مِنَ الْجَنَّةِ مَسِيرَةَ أَلْفِ سَنَةٍ. ذَكَرَهُ السُّيُوطِيُّ فِي الْجَامِعِ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ): وَلَفْظُ الْجَزَرِيِّ فِي الْحِصْنِ: وَمَنْ وَقَعَ لَهُ مَا لَا يَخْتَارُهُ فَلَا يَقُلْ: لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ كَذَا وَكَذَا أَيْ: لَكَانَ كَذَا وَكَذَا - وَلَوْ لِلتَّمَنِّي - وَلَكِنْ لِيَقُلْ: بِقَدِرِ اللَّهِ وَمَا شَاءَ فَعَلَ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَابْنُ السُّنِّيِّ، لَكِنَّ لَفْظَ النَّسَائِيِّ وَابْنِ السُّنِّيِّ: قَدَّرَ اللَّهُ مَوْضِعُ بِقِدَرِ اللَّهِ، وَقَدْ ضُبِطَ بِصِيغَةِ الْفِعْلِ مُخَفَّفًا وَمُشَدَّدًا، وَبِصِيغَةِ الْمَصْدَرِ بِالرَّفْعِ مُضَافًا، وَأَيْضًا لَفْظُهُمَا صَنَعَ بَدَلُ فَعَلَ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ السُّنِّيِّ عَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكِ الْأَشْجَعِيِّ مَرْفُوعًا: " «مَنْ غَلَبَهُ أَمْرٌ فَلْيَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ» ".
[ ٨ / ٣٣١٩ ]
الْفَصْلُ الثَّانِي
٥٢٩٩ - عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - ﵁ - قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يَقُولُ: " «لَوْ أَنَّكُمْ تَتَوَكَّلُونَ عَلَى اللَّهِ حَقَّ تَوَكُّلِهِ لَرَزَقَكُمْ كَمَا يَرْزُقُ الطَّيْرَ، تَغْدُو خِمَاصًا وَتَرُوحُ بِطَانًا» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ.
_________________
(١) الْفَصْلُ الثَّانِي
(٢) (عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: " لَوْ أَنَّكُمْ تَتَوَكَّلُونَ ") وَفِي رِوَايَةِ الْجَامِعِ بِحَذْفِ إِحْدَى التَّائَيْنِ أَيْ: تَعْتَمِدُونَ (" عَلَى اللَّهِ حَقَّ تَوَكُّلِهِ ") أَيْ: بِأَنْ تَعْلَمُوا يَقِينًا أَنْ لَا فَاعِلَ فِي الْوُجُودِ مَوْجُودٌ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ كُلَّ مَوْجُودٍ مِنْ خَلْقٍ وَرِزْقٍ، وَعَطَاءٍ وَمَنْعٍ، وَضُرٍّ وَنَفْعٍ، وَفَقْرٍ وَغِنًى، وَمَرَضٍ وَصِحَّةٍ، وَمَوْتٍ وَحَيَاةٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يُطْلَقُ عَلَيْهِ اسْمُ الْمَوْجُودِ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، ثُمَّ يُسْتَعْمَلُ فِي الطَّلَبِ عَلَى الْوَجْهِ الْجَمِيلِ، وَيَشْهَدُ بِذَلِكَ تَشْبِيهُهُ بِالطَّيْرِ، فَإِنَّهَا تَغْدُو خِمَاصًا، ثُمَّ تَسْرَحُ فِي طَلَبِ الْقُوتِ فَتَرُوحُ بِطَانًا (" لَرَزَقَكُمْ ") وَلَوْ تَرَكْتُمُ الْأَسْبَابَ فَإِنَّهُ يَرْزُقُ الْبُطَّالَ وَالْعُمَّالَ، وَقَدْ يَرْزُقُ الضَّعِيفَ بِحَيْثُ يَتَعَجَّبُ الْقَوِيُّ (" كَمَا يَرْزُقُ الطَّيْرَ "): بِصِيغَةِ الْفَاعِلِ (" تَغْدُو ") أَيْ: تَذْهَبُ أَوَّلَ النَّهَارِ (" خِمَاصًا "): بِكَسْرِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ، جَمْعُ خَمِيصٍ أَيْ: جِيَاعًا (" وَتَرُوحُ ") أَيْ: تَرْجِعُ آخِرَ النَّهَارِ (بِطَانًا): بِكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ، جَمْعُ بَطِينٍ وَهُوَ عَظِيمُ الْبَطْنِ، وَالْمُرَادُ شِبَاعًا، وَفِي قَوْلِهِ: تَغْدُو إِيمَاءٌ إِلَى أَنَّ السَّعْيَ بِالْإِجْمَالِ لَا يُنَافِي الِاعْتِمَادَ عَلَى الْمَلِكِ الْمُتَعَالِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى ﷻ: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ﴾ [العنكبوت: ٦٠] فَالْحَدِيثُ لِلتَّنْبِيهِ عَلَى أَنَّ الْكَسْبَ لَيْسَ بِرَازِقٍ، بَلِ الرَّازِقُ هُوَ اللَّهُ تَعَالَى، لَا لِلْمَنْعِ عَنِ الْكَسْبِ فَإِنَّ التَّوَكُّلَ مَحَلُّهُ الْقَلْبُ فَلَا يُنَافِيهِ حَرَكَةُ الْجَوَارِحِ، مَعَ أَنَّهُ قَدْ يَرْزُقُ أَيْضًا مِنْ غَيْرِ حَرَكَةٍ، بَلْ بِتَحْرِيكِ غَيْرِهِ إِلَيْهِ يَصِلُ رِزْقُ اللَّهِ بِبَرَكَتِهِ كَمَا يُسْتَفَادُ الْعُمُومُ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود: ٦] . قَدْ حُكِيَ أَنَّ فَرْخَ الْغُرَابِ عِنْدَ خُرُوجِهِ مِنْ بَيْضَتِهِ يَكُونُ أَبْيَضَ، فَيَكْرَهُهُ الْغُرَابُ فَيَتْرُكُهُ وَيَذْهَبُ وَيَبْقَى الْفَرْخُ ضَائِعًا، فَيُرْسِلُ اللَّهُ تَعَالَى إِلَيْهِ الذُّبَابَ وَالنَّمْلَ، فَيَلْتَقِطُهُمَا إِلَى أَنْ يَكْبَرَ قَلِيلًا يَسْوَدَّ فَيَرْجِعَ إِلَيْهِ الْغُرَابُ، فَيَرَاهُ أَسْوَدَ فَيَضُمَّهُ إِلَى نَفْسِهِ فَيَتَعَهَّدَهُ، فَهَذَا يَصِلُ إِلَيْهِ رِزْقُهُ بِلَا سَعْيٍ، وَالْحِكَايَاتُ فِي ذَلِكَ كَثِيرَةٌ وَالرِّوَايَاتُ بِهِ شَهِيرَةٌ. وَمِنْ غَرَائِبِ مَا حُكِيَ أَنَّهُ ﷾ قَالَ لِعِزْرَائِيلَ: هَلْ رَحِمْتَ عَلَى أَحَدٍ عِنْدَ نَزْعِ الْأَرْوَاحِ؟ فَقَالَ: نَعَمْ يَا رَبِّ! حِينَ غَرِقَ أَهْلُ سَفِينَةٍ وَبَقِيَ بَعْضُ أَهْلِهِ عَلَى الْأَلْوَاحِ، وَكَانَتِ امْرَأَةٌ بِوَلَدِهَا تُرْضِعُهُ فَوْقَ لَوْحٍ، فَأُمِرْتُ بِقَبْضِ رُوحِهَا فَرَحِمْتُ حِينَئِذٍ عَلَى وَلَدِهَا. قَالَ تَعَالَى: فَأَلْقَيْتُهُ عَلَى جَزِيرَةٍ وَأَرْسَلْتُ إِلَيْهِ أَسَدًا تُرْضِعُهُ إِلَى أَنْ كَبِرَ قَلِيلًا، ثُمَّ قَيَّضْتُ لَهُ بَعْضًا مِنَ الْجِنِّ لِيَعْلِّمَهُ لِسَانَ الْإِنْسِ إِلَى أَنْ نَشَأَ نَشْأَةً كَامِلَةً، وَدَخَلَ فِي الْعِمَارَةِ، وَحَصَلَ لَهُ الْإِمَارَةُ، وَوَصَلَ إِلَى مَرْتَبَةِ السَّلْطَنَةِ، وَأَحَاطَ بِجَمِيعِ الْمَمْلَكَةِ فَادَّعَى الْأُلُوهِيَّةَ، وَنَسِيَ الْعُبُودِيَّةَ وَحُقُوقَ الرُّبُوبِيَّةِ، وَاسْمُهُ شَدَّادٌ، وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ، فَالرَّحِيمُ الَّذِي يَرْزُقُ أَعْدَاءَهُ كَيْفَ يَنْسَى أَحِبَّاءَهُ؟ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: قَدْ يُظَنُّ أَنَّ مَعْنَى التَّوَكُّلِ تَرْكُ الْكَسْبِ بِالْبَدَنِ، وَتَرْكُ التَّدْبِيرِ بِالْقَلْبِ، وَالسُّقُوطُ عَلَى الْأَرْضِ كَالْخِرْقَةِ الْمُلْقَاةِ أَوْ كَلَحْمٍ عَلَى وَضَمٍ، وَهَذَا ظَنُّ الْجُهَّالِ فَإِنَّ ذَلِكَ حَرَامٌ فِي الشَّرْعِ، وَالشَّرْعُ قَدْ أَثْنَى عَلَى الْمُتَوَكِّلِ، فَكَيْفَ يُنَالُ مَقَامٌ مِنْ مَقَامَاتِ الدِّينِ بِمَحْظُورٍ مِنْ مَحْظُورَاتِ الدِّينِ؟ بَلْ نَكْشِفُ عَنِ الْحَقِّ فِيهِ، فَنَقُولُ: إِنَّمَا يَظْهَرُ تَأْثِيرُ التَّوَكُّلِ فِي حَرَكَةِ الْعَبْدِ وَسَعْيِهِ بِعَمَلِهِ إِلَى مَقَاصِدِهِ. وَقَالَ الْإِمَامُ أَبُو الْقَاسِمِ الْقُشَيْرِيُّ: اعْلَمْ أَنَّ التَّوَكُّلَ مَحَلُّهُ الْقَلْبُ، وَأَمَّا الْحَرَكَةُ بِالظَّاهِرِ فَلَا تُنَافِي التَّوَكُّلَ بِالْقَلْبِ بَعْدَ مَا يَحِقُّ الْعَبْدُ أَنَّ الرِّزْقَ مِنْ قِبَلِ اللَّهِ تَعَالَى، فَإِنْ تَعَسَّرَ شَيْءٌ فَبِتَقْدِيرِهِ، وَإِنْ تَيَسَّرَ شَيْءٌ فَبِتَيْسِيرِهِ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ): وَكَذَا أَحْمَدُ وَالْحَاكِمُ.
[ ٨ / ٣٣٢٠ ]
٥٣٠٠ - وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: " «أَيُّهَا النَّاسُ! لَيْسَ مِنْ شَيْءٍ يُقَرِّبُكُمْ إِلَى الْجَنَّةِ وَيُبَاعِدُكُمْ مِنَ النَّارِ إِلَّا قَدْ أَمَرْتُكُمْ بِهِ، وَلَيْسَ شَيْءٌ يُقَرِّبُكُمْ مِنَ النَّارِ وَيُبَاعِدُكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ إِلَّا قَدْ نَهَيْتُكُمْ عَنْهُ، وَإِنَّ الرُّوحَ الْأَمِينَ - وَفِي رِوَايَةٍ: وَإِنَّ الرُّوحَ الْقُدُسَ - نَفَثَ فِي رُوعِي أَنَّ نَفْسًا لَنْ تَمُوتَ حَتَّى تَسْتَكْمِلَ رِزْقَهَا، أَلَا فَاتَّقُوا اللَّهَ، وَأَجْمِلُوا فِي الطَّلَبِ، وَلَا يَحْمِلَنَّكُمُ اسْتِبْطَاءُ الرِّزْقِ أَنْ تَطْلُبُوهُ بِمَعَاصِي اللَّهِ، فَإِنَّهُ لَا يُدْرَكُ مَا عِنْدَ اللَّهِ إِلَّا بِطَاعَتِهِ» ". رَوَاهُ فِي (شَرْحِ السُّنَّةِ) والْبَيْهَقِيُّ فِي (شُعَبِ الْإِيمَانِ) إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ (وَإِنَّ رُوحَ الْقُدُسِ) .
_________________
(١) (وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " أَيُّهَا النَّاسُ! لَيْسَ مِنْ شَيْءٍ "): مِنْ زَائِدَةٌ مُبَالَغَةً أَيْ: لَيْسَ شَيْءٌ مَا مِنَ الْأَشْيَاءِ (" يُقَرِّبُكُمْ "): بِتَشْدِيدِ الرَّاءِ أَيْ: يَجْعَلُكُمْ قَرِيبًا (" إِلَى الْجَنَّةِ وَيُبَاعِدُكُمْ ") أَيْ: وَمِنْ شَيْءٍ يُبَاعِدُكُمْ (" مِنَ النَّارِ ") أَيْ: عَلَى وَجْهِ السَّبَبِيَّةِ، فَالنِّسْبِيَّةُ فِي الْفِعْلَيْنِ مَجَازِيَّةٌ (" إِلَّا قَدْ أَمَرْتُكُمْ بِهِ ") أَيْ: بِمَا ذُكِرَ أَوْ بِكُلٍّ مِنْهُمَا (" وَلَيْسَ شَيْءٌ "): لَيْسَ مِنْ هُنَا فِي الْأُصُولِ (" يُقَرِّبُكُمْ مِنَ النَّارِ وَيُبَاعِدُكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ إِلَّا قَدْ نَهَيْتُكُمْ عَنْهُ "): وَفِيهِ دَلِيلٌ صَرِيحٌ عَلَى أَنَّ جَمِيعَ الْعُلُومِ مِنَ الْأُمُورِ النَّافِعَةِ وَالْأُمُورِ الدَّافِعَةِ يُسْتَفَادُ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَأَنَّ الِاشْتِغَالَ بِغَيْرِهَا تَضْيِيعُ الْعُمُرِ مِنْ غَيْرِ الْمَنْفَعَةِ (" وَإِنَّ الرُّوحَ الْأَمِينَ "): وَفِي نُسْخَةٍ: وَإِنَّ رُوحَ الْأَمِينِ أَيْ: جِبْرَائِيلَ - ﵇ - كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ﴾ [الشعراء: ١٩٣] (وَفِي رِوَايَةٍ: " وَإِنَّ رُوحَ الْقُدُسِ "): بِضَمَّتَيْنِ وَتُسَكَّنُ الدَّالُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾ [البقرة: ٨٧] أَيِ: الرُّوحِ الْمُقَدَّسَةِ مِنَ الْأَخْلَاقِ الْمُدَنَّسَةِ. قَالَ الطِّيبِيُّ - ﵀ -: هُوَ كَمَا يُقَالُ: حَاتِمُ الْجُودِ وَرَجُلُ صِدْقٍ، فَهُوَ مِنْ بَابِ إِضَافَةِ الْمَوْصُوفِ إِلَى الصِّفَةِ لِلْمُبَالَغَةِ فِي الِاخْتِصَاصِ، فَفِي الصِّفَةِ الْقُدُسُ مَنْسُوبٌ إِلَيْهَا، وَفِي الْإِضَافَةِ بِالْعَكْسِ نَحْوَ مَالِ زَيْدٍ (" نَفَثَ فِي رُوعِي "): بِضَمِّ الرَّاءِ أَيْ: أُوحِيَ إِلَيَّ وَأَلْقَى مِنَ النَّفْثِ بِالْفَمِ وَهُوَ شَبِيهٌ بِالنَّفْخِ، وَهُوَ أَقَلُّ مِنَ التَّفْلِ ; لِأَنَّ التَّفْلَ لَا يَكُونُ إِلَّا وَمَعَهُ شَيْءٌ مِنَ الرِّيقِ، وَالرُّوعُ الْجِلْدُ وَالنَّفْسُ، كَذَا فِي النِّهَايَةِ، وَالْمَعْنَى أَنَّهُ أُوحِيَ إِلَيَّ وَحْيًا خَفِيفًا (" أَنَّ نَفْسًا "): بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ، وَيَجُورُ الْكَسْرُ لِأَنَّ الْإِيحَاءَ فِي مَعْنَى الْقَوْلِ، وَالْمَعْنَى أَنَّ نَفْسًا ذَاتَ نَفَسٍ وَهِيَ حَيٌّ مَخْلُوقٌ (" لَنْ تَمُوتَ حَتَّى تَسْتَكْمِلَ رِزْقَهَا ") أَيِ: الْمُقَدَّرَ لَهَا كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ سُبْحَانَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ﴾ [الروم: ٤٠] (" أَلَا "): لِلتَّنْبِيهِ أَيْ: تَنَبَّهُوا (" فَاتَّقُوا اللَّهَ "): فَإِنَّكُمْ مَأْمُورُونَ بِالتَّقْوَى وَبِالسَّعْيِ إِلَى الدَّرَجَاتِ الْعُلَى (" وَأَجْمِلُوا ") أَيْ: مِنَ الْإِجْمَالِ أَيْ: وَأَحْسِنُوا (" فِي الطَّلَبِ ") أَيْ: فِي تَحْصِيلِ الرِّزْقِ وَلَا تُبَالِغُوا فِي طَلَبِهِ، فَإِنَّكُمْ غَيْرُ مُكَلَّفِينَ بِطَلَبِ الرِّزْقِ. قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ - مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ - إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات: ٥٦ - ٥٨] وَقَالَ ﷿: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى﴾ [طه: ١٣٢] فَالْأَمْرُ لِلْإِبَاحَةِ، أَوِ الْمَعْنَى اطْلُبُوا مِنَ الْحَلَالِ فَالْأَمْرُ لِلْوُجُوبِ وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ: (" وَلَا يَحْمِلَنَّكُمْ "): بِكَسْرِ الْمِيمِ أَيْ: لَا يَبْعَثُكُمُ (" اسْتِبْطَاءُ الرِّزْقِ ") أَيْ: تَأْخِيرُهُ وَمُكْثُهُ عَلَيْكُمْ (" أَنْ تَطْلُبُوهُ ") أَيْ: عَلَى أَنْ تَبْتَغُوهُ (بِمَعَاصِي اللَّهِ) أَيْ: بِسَبَبِ ارْتِكَابِهَا بِطَرِيقٍ مِنْ طُرُقِ الْحَرَامِ كَسَرِقَةٍ وَغَصْبِ وَخِيَانَةٍ وَإِظْهَارِ سِيَادَةٍ وَعِبَادَةٍ وَدِيَانَةٍ، وَأَخْذٍ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ عَلَى وَجْهِ زِيَادَةٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ. (" فَإِنَّهُ ") أَيِ: الشَّأْنَ (" لَا يُدْرَكُ مَا عِنْدَ اللَّهِ ") أَيْ: مِنَ الرِّزْقِ الْحَلَالِ أَوْ مِنَ الْجَنَّةِ وَحُسْنِ الْمَآلِ (" إِلَّا بِطَاعَتِهِ ") أَيْ: لَا بِتَحْصِيلِ الْمَالِ مِنْ طَرِيقِ الْوَبَالِ. قَالَ الطِّيبِيُّ - ﵀ -: قَوْلُهُ: فَأَجْمِلُوا أَيِ: اكْتَسِبُوا الْمَالَ بِوَجْهٍ جَمِيلٍ، وَهُوَ أَنْ لَا تَطْلُبَهُ إِلَّا بِالْوَجْهِ الشَّرْعِيِّ، وَالِاسْتِبْطَاءُ بِمَعْنَى الْإِبْطَاءِ وَالسِّينُ فِيهِ لِلْمُبَالَغَةِ، كَمَا أَنَّ اسْتَعَفَّ بِمَعْنَى عَفَّ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ﴾ [النساء: ٦] وَفِيهِ أَنَّ الرِّزْقَ مُقَدَّرٌ مَقْسُومٌ لَا بُدَّ مِنْ وُصُولِهِ إِلَى الْعَبْدِ، لَكِنَّ الْعَبْدَ إِذَا سَعَى وَطَلَبَ عَلَى وَجْهٍ مَشْرُوعٍ وُصِفَ بِأَنَّهُ حَلَالٌ، وَإِذَا طَلَبَ بِوَجْهٍ غَيْرِ مَشْرُوعٍ فَهُوَ حَرَامٌ، فَقَوْلُهُ: مَا عِنْدَ اللَّهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الرِّزْقَ كُلَّهُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْحَلَالَ وَالْحَرَامَ. وَقَوْلُهُ: أَنْ تَطْلُبُوهُ بِمَعَاصِي اللَّهِ تَعَالَى، إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ مَا عِنْدَ اللَّهِ إِذَا طُلِبَ بِمَعْصِيَةِ اللَّهِ ذُمَّ وَسُمِّيَ حَرَامًا، وَقَوْلُهُ: إِلَّا بِطَاعَتِهِ، إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ مَا عِنْدَ اللَّهِ إِذَا طُلِبَ بِطَاعَتِهِ مُدِحَ وَسُمِّيَ حَلَالًا. وَفِي هَذَا دَلِيلٌ بَيِّنٌ لِأَهْلِ السُّنَّةِ عَلَى أَنَّ الْحَلَالَ وَالْحَرَامَ يُسَمَّى رِزْقًا وَكُلَّهُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، خِلَافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ. (رَوَاهُ) أَيِ: الْبَغَوِيُّ (فِي " شَرْحِ السُّنَّةِ " والْبَيْهَقِيُّ فِي " شُعَبِ الْإِيمَانِ " إِلَّا أَنَّهُ) أَيِ: الْبَيْهَقِيُّ (لَمْ يَذْكُرْ: " وَإِنَّ رُوحَ الْقُدُسِ "): فَرِوَايَةُ رُوحِ الْقُدُسِ مِنْ رِوَايَاتِ الْبَغَوِيِّ أَوْ غَيْرِهِ.
[ ٨ / ٣٣٢١ ]
قَالَ مِيرَكُ: وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا فِي الْقَنَاعَةِ، وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ عَنْهُ، وَعَنْ جَابِرٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " «يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا اللَّهَ وَأَجْمِلُوا فِي الطَّلَبِ، فَإِنَّ نَفْسًا لَنْ تَمُوتَ حَتَّى تَسْتَوْفِيَ رِزْقَهَا وَإِنْ أَبْطَأَ عَنْهَا، فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَجْمِلُوا فِي الطَّلَبِ، خُذُوا مَا حَلَّ وَدَعُوا مَا حَرُمَ» " رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَاللَّفْظُ لَهُ، وَالْحَاكِمُ وَقَالَ: صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ.
قُلْتُ: وَرَوَى أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْحِلْيَةِ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ مَرْفُوعًا: " «إِنَّ رُوحَ الْقُدُسِ نَفَثَ فِي رُوعِي أَنَّ نَفْسًا لَنْ تَمُوتَ حَتَّى تَسْتَكْمِلَ أَجَلَهَا وَتَسْتَوْعِبَ رِزْقَهَا، فَأَجْمِلُوا فِي الطَّلَبِ، وَلَا يَحْمِلَنَّ أَحَدَكُمُ اسْتِبْطَاءُ الرِّزْقِ أَنْ يَطْلُبَهُ بِمَعْصِيَةِ اللَّهِ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يُنَالُ مَا عِنْدَهُ إِلَّا بِطَاعَتِهِ» ".
[ ٨ / ٣٣٢٢ ]
٥٣٠١ - وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: " «الزَّهَادَةُ فِي الدُّنْيَا لَيْسَتْ بِتَحْرِيمِ الْحَلَالِ وَلَا إِضَاعَةِ الْمَالِ، وَلَكِنَّ الزَّهَادَةَ فِي الدُّنْيَا أَنْ لَا تَكُونَ بِمَا فِي يَدَيْكَ أَوْثَقَ بِمَا فِي يَدَيِ اللَّهِ، وَأَنْ تَكُونَ فِي ثَوَابِ الْمُصِيبَةِ إِذَا أَنْتَ أُصِبْتَ بِهَا أَرْغَبَ فِيهَا لَوْ أَنَّهَا أُبْقِيَتْ لَكَ» " رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ، وَعَمْرُو بْنُ وَاقِدٍ الرَّاوِي مُنْكَرُ الْحَدِيثِ.
_________________
(١) (وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: " الزَّهَادَةُ "): بِفَتْحِ الزَّايِ أَيْ: تَرْكُ الرَّغْبَةِ فِي الدُّنْيَا (" لَيْسَتْ بِتَحْرِيمِ الْحَلَالِ "): كَمَا يَفْعَلُهُ بَعْضُ الْجُهَّالِ زَعْمًا مِنْهُمْ أَنَّ هَذَا مِنَ الْكَمَالِ، فَيَمْتَنِعُ مِنْ أَكْلِ اللَّحْمِ أَوِ الْحَلْوَاءِ وَالْفَوَاكِهِ وَلُبْسِ الثَّوْبِ الْجَدِيدِ وَمِنَ التَّزَوُّجِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [المائدة: ٨٧] وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَعَلَ هَذِهِ الْأَفْعَالَ وَلَا أَكْمَلَ مِنْ حَالِهِ الْكَمَالُ. (" وَلَا إِضَاعَةِ الْمَالِ ") أَيْ: بِتَضْيِيعِهِ وَصَرْفِهِ فِي غَيْرِ مَحِلِّهِ بِأَنْ يَرْمِيَهُ فِي بَحْرٍ أَوْ يُعْطِيَهُ لِلنَّاسِ مِنْ غَيْرِ تَمْيِيزٍ بَيْنَ غَنِيٍّ وَفَقِيرٍ، وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ لَا عِبْرَةَ بِالزَّهَادَةِ الظَّاهِرَةِ، وَخُلُوِّ الْيَدِ عَنِ الْأَمْوَالِ الطَّاهِرَةِ، ثُمَّ تَوَجُّهِ الْقَلْبِ إِلَى الْخَلْقِ عِنْدَ الِاحْتِيَاجِ إِلَى الْمَعِيشَةِ الْحَاضِرَةِ، بَلِ الْمَدَارُ عَلَى الزُّهْدِ الْقَلْبِيِّ بِالِانْجِذَابِ الرَّبِّيِّ، وَلِذَا اسْتَدْرَكَ مَا سَبَقَهُ مِنَ الْمَقَالِ حَيْثُ قَالَ: (" وَلَكِنَّ الزَّهَادَةَ "): بِتَشْدِيدِ النُّونِ وَيُخَفَّفُ أَيْ: وَلَكِنَّ الزَّهَادَةَ الْمُعْتَبَرَةَ الْكَامِلَةَ (" فِي الدُّنْيَا ") أَيْ: فِي شَأْنِهَا (أَنْ لَا تَكُونَ بِمَا فِي يَدَيْكَ) أَيْ: مِنَ الْأَمْوَالِ أَوْ مِنَ الصَّنَائِعِ وَالْأَعْمَالِ (أَوْثَقَ) أَيْ: أَرْجَى مِنْكَ (" بِمَا فِي يَدَيِ اللَّهِ "): بِصِيغَةِ التَّثْنِيَةِ أَيْ: بِخَزَائِنِهِ الظَّاهِرَةِ وَالْبَاطِنَةِ، وَفِيهِ نَوْعٌ مِنَ الْمُشَاكَلَةِ، وَالْمَعْنَى لِيَكُنِ اعْتِمَادُكَ بِوَعْدِ اللَّهِ لَكَ مِنْ إِيصَالِ الرِّزْقِ إِلَيْكَ، وَمِنْ إِنْعَامِهِ عَلَيْكَ مِنْ حَيْثُ لَا تَحْتَسِبُ، وَمِنْ وَجْهٍ لَا تَكْتَسِبُ أَقْوَى وَأَشَدَّ مِمَّا فِي يَدَيْكَ مِنَ الْجَاهِ وَالْمَالِ وَالْعَقَارِ وَأَنْوَاعِ الصَّنَائِعِ مِنَ الِاسْتِعْمَالِ، وَلَوْ عَلِمَ الْكِيمْيَا وَعَلِمَ السِّيمْيَا، فَإِنَّ مَا فِي يَدَيْكَ يُمْكِنُ تَلَفُهُ وَفَنَاؤُهُ بِخِلَافِ مَا فِي خَزَائِنِهِ، فَإِنَّهُ مُحَقَّقٌ بَقَاؤُهُ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ﴾ [النحل: ٩٦] (" وَأَنْ تَكُونَ "): عَطْفٌ عَلَى " أَنْ لَا تَكُونَ "، وَالزَّهَادَةُ فِيهَا أَيْضًا أَنْ لَا تَلْتَفِتَ إِلَى التَّنَعُّمِ فِيهَا، وَالتَّلَذُّذِ بِوُجُودِ نِعَمِهَا، بَلْ وَأَنْ تَغْتَنِمَ حُصُولَ الْمِحْنَةِ وَوُصُولَ الْبَلِيَّةِ فِيهَا لِئَلَّا يَمِيلَ قَلْبُكَ إِلَيْهَا، وَلَا تَسْتَأْنِسَ نَفْسُكَ بِمَا عَلَيْهَا، فَتَكُونَ حِينَئِذٍ (فِي ثَوَابِ الْمُصِيبَةِ إِذَا أَنْتَ أُصِبْتَ بِهَا): بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ (" أَرْغَبَ فِيهَا ") أَيْ: فِي حُصُولِ الْمُصِيبَةِ (" لَوْ أَنَّهَا ") أَيْ: لَوْ فُرِضَ أَنَّ تِلْكَ الْمُصِيبَةَ (" أُبْقِيَتْ لَكَ ") أَيْ: مُنِعَتْ لِأَجْلِكَ وَأُخِّرَتْ عَنْكَ، فَوَضَعَ أُبْقِيَتْ مَوْضِعَ لَمْ تُصَبْ، وَجَوَابُ لَوْ مَا دَلَّ عَلَيْهِ مَا قَبْلَهَا، وَخُلَاصَتُهُ أَنْ تَكُونَ رَغْبَتُكَ فِي وُجُودِ الْمُصِيبَةِ لِأَجْلِ ثَوَابِهَا أَكْثَرَ مِنْ رَغْبَتِكَ فِي عَدَمِهَا، فَهَذَانَ الْأَمْرَانِ شَاهِدَانِ عَدْلَانِ عَلَى زُهْدِكَ فِي الدُّنْيَا وَمَيْلِكَ فِي الْعُقْبَى. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: لَوْ أَنَّهَا أُبْقِيَتْ لَكَ حَالٌ مِنْ فَاعِلِ أَرْغَبَ، وَجَوَابُ لَوْ مَحْذُوفٌ، وَإِذَا ظَرْفٌ، وَالْمَعْنَى أَنْ تَكُونَ فِي حَالِ الْمُصِيبَةِ وَقْتَ إِصَابَتِهَا أَرْغَبَ مِنْ نَفْسِكَ فِي الْمُصِيبَةِ حَالَ كَوْنِكَ غَيْرَ مُصَابٍ بِهَا ; لِأَنَّكَ تُثَابُ بِوُصُولِهَا إِلَيْكَ، وَيَفُوتُكَ الثَّوَابُ إِذَا لَمْ تَصِلْ إِلَيْكَ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ، وَعَمْرُو بْنُ وَاقِدٍ الرَّاوِي مُنْكَرُ الْحَدِيثِ) قُلْتُ: وَغَايَتُهُ أَنَّهُ حَدِيثٌ ضَعِيفٌ مَبْنًى، وَلَكِنَّهُ حَدِيثٌ شَرِيفٌ مَعْنًى، وَمِثْلُهُ يُعْتَبَرُ فِي فَضَائِلِ الْأَعْمَالِ فِي جَمِيعِ الْأَقْوَالِ، وَمِنْ جُمْلَتِهَا الزَّهَادَةُ فِي الدُّنْيَا وَالرَّغْبَةُ فِي الْعُقْبَى.
[ ٨ / ٣٣٢٢ ]
٥٣٠٢ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ - قَالَ: «كَنْتُ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - يَوْمًا فَقَالَ: " يَا غُلَامُ احْفَظِ اللَّهَ يَحْفَظْكَ، احْفَظِ اللَّهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ، وَإِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ اللَّهَ، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ، وَاعْلَمْ أَنَّ الْأُمَّةَ لَوِ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ، وَلَوِ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ، رُفِعَتِ الْأَقْلَامُ وَجَفَّتِ الصُّحُفُ» " رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ.
_________________
(١) (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كُنْتُ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمًا) أَيْ: رَدِيفَهُ، وَفِيهِ إِشْعَارٌ بِكَمَالِ حِفْظِهِ وَإِحْسَانِهِ وَاسْتِحْضَارِ لَفْظِهِ وَإِتْقَانِهِ، فَهَذَا الْحَدِيثُ مِنْ جُمْلَةِ أَحَادِيثِهِ الَّتِي سَمِعَهَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَإِلَّا فَأَكْثَرُ مَرْوِيَّاتِهِ بِالْوَاسِطَةِ، لَكِنَّهَا مُعْتَبَرَةٌ لِكَوْنِهَا مِنْ مَرَاسِيلِ الصَّحَابَةِ، وَمَا ذَاكَ إِلَّا لِأَجْلِ صِغَرِهِ فِي زَمَانِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. قَالَ الْمُؤَلِّفُ: وُلِدَ قَبْلَ الْهِجْرَةِ بِثَلَاثِ سِنِينَ، وَتُوُفِّيَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ ابْنُ ثَلَاثَ عَشْرَةَ سَنَةً، وَقِيلَ خَمْسَ عَشْرَةَ، وَقِيلَ عَشْرٍ، لَكِنْ صَارَ حَبْرَ هَذِهِ الْأُمَّةِ وَعَالِمَهَا ; لِأَنَّهُ قَدْ دَعَا لَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْحِكْمَةِ وَالْفِقْهِ وَالتَّأْوِيلِ، وَرَأَى جِبْرِيلَ - ﵇ - مَرَّتَيْنِ، وَكُفَّ بَصَرُهُ فِي آخِرِ عُمُرِهِ، وَمَاتَ بِالطَّائِفِ سَنَةَ ثَمَانٍ وَسِتِّينَ فِي أَيَّامِ ابْنِ الزُّبَيْرِ، وَهُوَ ابْنُ إِحْدَى وَسَبْعِينَ سَنَةً، وَرَوَى عَنْهُ خَلْقٌ كَثِيرٌ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ. قِيلَ: الْمَعْنَى أَمْشِي خَلْفَهُ، لَا أَنَّهُ رَاكِبٌ رَدِيفَهُ وَهُوَ مَرْدُودٌ لِمَا فِي وَسِيطِ الْوَاحِدِيِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ أَهْدَى كِسْرَى إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَغْلَةً، فَرَكِبَهَا بِحَبْلٍ مِنْ شَعْرٍ، ثُمَّ أَرْدَفَنِي خَلْفَهُ وَسَارَ بِي مِيلًا ثُمَّ الْتَفَتَ (فَقَالَ: " يَا غُلَامُ "): بِالرَّفْعِ، كَذَا فِي الْأُصُولِ الْمُعْتَمَدَةِ وَالنُّسَخِ الْمُتَعَدِّدَةِ، وَالظَّاهِرُ كَسْرُ الْمِيمِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ أَصْلَهُ يَا غُلَامِيَ بِفَتْحِ الْيَاءِ وَسُكُونِهَا بَعْدَ حَذْفِهَا تَخْفِيفًا اكْتَفَى بِكَسْرَةِ مَا قَبْلَهَا، لَكِنْ قَدْ يُضَمُّ، وَذَلِكَ فِي الِاسْمِ الْغَالِبِ عَلَيْهِ الْإِضَافَةُ إِلَى الْيَاءِ لِلْعِلْمِ بِالْمُرَادِ، وَمِنْهُ الْقِرَاءَةُ الشَّاذَّةُ: رَبُّ احْكُمْ بِضَمِّ الْبَاءِ عَلَى أَنَّهُ يَحْتَمِلُ وُقُوعَ ضَمِّهَا لِمُشَاكَلَةِ ضَمِّ الْكَافِ كَمَا حُقِّقَ فِي " وَأَنِ احْكُمْ " حَيْثُ قُرِئَ بِالْوَجْهَيْنِ مِنَ السَّبْعَةِ، ثُمَّ فِي يَا غُلَامُ لُغَةٌ أُخْرَى، وَهِيَ قَلْبُ الْيَاءِ أَلِفًا، وَقَدْ جَاءَ شَاذًّا يَا غُلَامَ بِالْفَتْحِ اكْتِفَاءً بِالْفَتْحَةِ عَنِ الْأَلِفِ، ثُمَّ الْأَظْهَرُ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَفَ عَلَيْهِ بِالسُّكُونِ، وَلَمْ يُظْهِرْ عَلَيْهِ إِعْرَابًا عَلَى مَا هُوَ الْمُتَعَارَفُ فِي مِثْلِهِ، هَذَا وَالْمُرَادُ بِالْغُلَامِ هُنَا الْوَلَدُ الصَّغِيرُ لَا الْمَمْلُوكُ، فَفِي الْقَامُوسِ: الْغُلَامُ الطَّارُّ الشَّارِبِ، وَالْكَهْلُ ضِدُّهُ، أَوْ مِنْ حِينِ يُولَدُ إِلَى حِينِ يَشِبُّ، وَالْمَقْصُودُ مِنَ النِّدَاءِ اسْتِحْضَارُهُ لَدَيْهِ وَتَوَجُّهُهُ إِلَى مَا يُلْقَى إِلَيْهِ، وَزَادَ فِي الْأَرْبَعِينَ: إِنِّي أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ أَيْ: فُصُولًا مُفِيدَةً فِي دَفْعِ اللَّأْوَاءِ وَجَلْبِ الْمَنَافِعِ وَالْآلَاءِ، (" احْفَظِ اللَّهَ ") أَيْ: أَمْرَهُ وَنَهْيَهُ (" يَحْفَظْكَ ") أَيْ: يَحْفَظْكَ فِي الدُّنْيَا مِنَ الْآفَاتِ وَالْمَكْرُوهَاتِ، وَفِي الْعُقْبَى مِنْ أَنْوَاعِ الْعِقَابِ وَالدَّرَكَاتِ جَزَاءً وِفَاقًا، فَإِنَّ مَنْ كَانَ لِلَّهِ كَانَ اللَّهُ لَهُ (" احْفَظِ اللَّهَ ") أَيْ: حَقَّهُ مِنْ دَوَامِ ذِكْرِهِ وَتَمَامِ فِكْرِهِ وَقِيَامِ شُكْرِهِ. (" تَجِدْهُ تُجَاهَكَ "): بِضَمِّ التَّاءِ أَيْ: أَمَامَكَ، وَالْمَعْنَى أَنَّكَ تَجِدْهُ حِينَئِذٍ كَأَنَّهُ حَاضِرٌ تِلْقَاءَكَ وَقُدَّامَكَ وَتُشَاهِدُهُ فِي مَقَامِ إِحْسَانِكَ وَإِيقَانِكَ وَكَمَالِ إِيمَانِكَ، كَأَنَّكَ تَرَاهُ بِحَيْثُ تُغْنَى بِالْكُلِّيَّةِ عَنْ نَظَرِكَ مَا سِوَاهُ، فَالْأَوَّلُ حَالُ الْمُرَاقَبَةِ، وَالثَّانِي مَقَامُ الْمُشَاهَدَةِ، وَقِيلَ: الْمَعْنَى إِذَا حَفِظْتَ طَاعَةَ اللَّهِ وَجَدْتَهُ يَحْفَظُكَ وَيَنْصُرُكَ فِي مُهِمَّاتِكَ أَيْنَمَا تَوَجَّهْتَ، وَيُسَهِّلُ لَكَ الْأُمُورَ الَّتِي قَصَدْتَ، وَقِيلَ: الْمَعْنَى تَجِدُ عِنَايَتَهُ وَرَأْفَتَهُ قَرِيبًا مِنْكَ يُرَاعِيكَ فِي جَمِيعِ الْحَالَاتِ، وَيُنْقِذُكَ مِنْ جَمِيعِ الْمَضَرَّاتِ، وَيُسْعِدُكَ بِأَنْوَاعِ التُّحَفِ وَالْكَرَامَاتِ، فَهُوَ تَلْمِيحٌ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [ق: ١٦] وَقَدْ أَشَارَ بَعْضُ الْعَارِفِينَ إِلَى أَنَّهُ لَا ذَرَّةَ مِنْ ذَرَّاتِ الْعَالَمِ إِلَّا وَنُورُ الْأَنْوَارِ مُحِيطٌ بِهَا قَاهِرٌ عَلَيْهَا قَرِيبٌ مِنْ وُجُودِهِ إِلَيْهَا لَا بِمُجَرَّدِ الْعِلْمِ فَقَطْ، وَلَا بِمَعْنَى الْإِيجَادِ فَقَطْ، بَلْ بِمَعْنًى آخَرَ لَا يَجُوزُ كَشْفُهُ رَمَزَتْ إِلَيْهِ حَذَارَ الرَّقِيبِ وَكِتْمَانَ سِرِّ الْحَبِيبِ. إِذَا مَا تَلَاشَتْ فِي نُورِهِ يَقُولُ لِيَ ادْعُ فَإِنِّي قَرِيبُ قَالَ الطِّيبِيُّ - ﵀ -: أَيْ رَاعِ حَقَّ اللَّهِ وَتَحَرَّ رِضَاهُ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ أَيْ: مُقَابِلَكَ وَحِذَاءَكَ، وَالتَّاءُ بَدَلٌ مِنَ الْوَاوِ كَمَا فِي تُقَاةٍ وَتُخَمَةٍ أَيِ: احْفَظْ حَقَّ اللَّهِ تَعَالَى حَتَّى يَحْفَظَكَ اللَّهُ مِنْ مَكَارِهِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ (" وَإِذَا سَأَلْتَ ") أَيْ: أَرَدْتَ السُّؤَالَ (" فَاسْأَلِ اللَّهَ "): بِإِثْبَاتِ الْهَمْزِ وَيَجُورُ نَقْلُهُ أَيْ: فَاسْأَلِ اللَّهَ وَحْدَهُ، فَإِنَّ خَزَائِنَ الْعَطَايَا عِنْدَهُ وَمَفَاتِيحَ الْمَوَاهِبِ وَالْمَزَايَا بِيَدِهِ، وَكُلُّ نِعْمَةٍ أَوْ نِقْمَةٍ دُنْيَوِيَّةٍ أَوْ أُخْرَوِيَّةٍ، فَإِنَّهَا تَصِلُ إِلَى الْعَبْدِ أَوْ تَنْدَفِعُ عَنْهُ بِرَحْمَتِهِ مِنْ غَيْرِ شَائِبَةِ عَرَضٍ وَلَا ضَمِيمَةِ عِلَّةٍ ; لِأَنَّهُ الْجَوَّادُ الْمُطْلَقُ وَالْغَنِيُّ الَّذِي لَا يَفْتَقِرُ، فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يُرْجَى إِلَّا رَحْمَتُهُ، وَلَا يُخْشَى إِلَّا نِقْمَتُهُ، وَيُلْتَجَأَ فِي عَظَائِمِ الْمَهَامِّ إِلَيْهِ، وَيُعْتَمَدَ فِي جُمْهُورِ الْأُمُورِ عَلَيْهِ، وَلَا يُسْأَلَ غَيْرُهُ ; لِأَنَّ غَيْرَهُ غَيْرُ قَادِرٍ عَلَى الْعَطَاءِ وَالْمَنْعِ وَدَفْعِ الضُّرِّ وَجَلْبِ النَّفْعِ،
[ ٨ / ٣٣٢٣ ]
فَإِنَّهُمْ لَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا، وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا، وَلَا يُتْرَكُ السُّؤَالُ بِلِسَانِ الْحَالِ أَوْ بِبَيَانِ الْمَقَالِ فِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ، فَفِي الْحَدِيثِ: «مَنْ لَمْ يَسْأَلِ اللَّهَ يَغْضَبْ عَلَيْهِ»، إِذِ السُّؤَالُ إِظْهَارُ شَعَائِرِ الِانْكِسَارِ، وَالْإِقْرَارُ بِسَمْتِ الْعَجْزِ وَالِافْتِقَارِ وَالْإِفْلَاسِ عَنْ ذُرْوَةِ الْقُوَّةِ وَالطَّاقَةِ إِلَى حَضِيضِ الِاسْتِكَانَةِ وَالْفَاقَةِ، وَنِعْمَ مَا قِيلَ:
اللَّهُ يَغْضَبُ إِنْ تَرَكْتَ سُؤَالَهُ وَبُنَيُّ آدَمَ حِينَ يُسْأَلُ يَغْضَبُ
(" وَإِذَا اسْتَعَنْتَ ") أَيْ: أَرَدْتَ الِاسْتِعَانَةَ فِي الطَّاعَةِ وَغَيْرِهَا مِنْ أُمُورِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ (" فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ "): فَإِنَّهُ الْمُسْتَعَانُ وَعَلَيْهِ التُّكْلَانُ فِي كُلِّ زَمَانٍ وَمَكَانٍ. (" وَاعْلَمْ "): زِيَادَةُ حَثٍّ عَلَى التَّوَجُّهِ إِلَيْهِ وَالتَّقَرُّبِ بِالِاسْتِفَادَةِ لَدَيْهِ (" أَنَّ الْأُمَّةَ ") أَيْ: جَمِيعَ الْخَلْقِ مِنَ الْخَاصَّةِ وَالْعَامَّةِ وَالْأَنْبِيَاءِ وَالْأَوْلِيَاءِ وَسَائِرِ الْأُمَّةِ (" لَوِ اجْتَمَعَتْ ") أَيِ: اتَّفَقَتْ فَرْضًا وَتَقْدِيرًا (" عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ ") أَيْ: فِي أَمْرِ دِينِكَ أَوْ (لَمْ يَنْفَعُوكَ) أَيْ: لَمْ يَقْدِرُوا أَنْ يَنْفَعُوكَ (إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ) أَيْ: قَدَّرَهُ، وَأَثْبَتَهُ فِي الذِكْرِ وَفَرَغَ مِنْهُ، وَقَدْ أَذِنَهُمْ فِي ذَلِكَ (" وَلَوِ اجْتَمَعُوا "): وَقَعَ فِي الْأَرْبَعِينَ هُنَا بِلَفْظِ: وَإِنِ اجْتَمَعُوا، فَقَالَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ مِنَ الْمُحَقِّقِينَ: إِنَّ لَفْظَةَ لَوْ فِيمَا سَبَقَ بِمَعْنَى إِنْ إِذِ الْمَعْنَى عَلَى الِاسْتِقْبَالِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ﴾ [النساء: ٩] فَنُكْتَةُ الْعُدُولِ هُوَ أَنَّ اجْتِمَاعَهُمْ عَلَى الْإِمْدَادِ مِنَ الْمُسْتَحِيلَاتِ بِخِلَافِ الِاتِّفَاقِ عَلَى الْإِيذَاءِ فَإِنَّهُ مُمْكِنٌ، وَلِذَا قِيلَ:
الظُّلْمُ مِنْ شِيَمِ النُّفُوسِ فَإِنْ تَجِدْ ذَا عِفَّةٍ فَلِعِلَّةٍ لَا يَظْلِمُ
انْتَهَى كَلَامُهُ. وَهُوَ غَفْلَةٌ مِنْهُ عَنِ الْحُكْمِ الْمُقَرَّرِ فِي الِاعْتِقَادِ أَنَّ اجْتِمَاعَهُمْ عَلَى إِيصَالِ النَّفْعِ وَالضَّرِّ بِدُونِ الْمَشِيئَةِ مِنَ الْمُحَالِ، فَإِنْ ثَبَتَتِ الرِّوَايَةُ بِالِاخْتِلَافِ، فَهُوَ مِنْ بَابِ التَّفَنُّنِ، وَاخْتِيَارُ لَوْ فِي الْقَرِينَةِ الْأُولَى أَوْلَى ; لِأَنَّهَا أَدَلُّ عَلَى الْفَرِيضَةِ الْمُحَالِيَةِ، وَوُقُوعُ أَنْ فِي الثَّانِيَةِ عَلَى أَصْلِهَا مَعَ اسْتِفَادَةِ الْحُكْمِ مِنَ الْمَعْطُوفِ عَلَيْهَا (" عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ ") أَيْ: مِنْ سَلْبِ نَفْعٍ أَوْ جَلْبِ ضُرٍّ (" لَمْ يَضُرُّوكَ ") أَيْ: لَمْ يَقْدِرُوا أَنْ يَضُرُّوكَ (" إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ ") وَخُلَاصَةُ الْمَعْنَى أَنَّكَ وَحَدُّ اللَّهِ فِي الْمَطْلَبِ وَالْمَهْرَبِ، فَهُوَ الضَّارُّ النَّافِعُ وَالْمُعْطِي الْمَانِعُ، وَفِي بَعْضِ الْكُتُبِ الْإِلَهِيَّةِ: «وَعِزَّتِي وَجَلَالِي لَأَقْطَعَنَّ مَنْ يُؤَمِّلُ غَيْرِي، وَأُلْبِسَنَّهُ ثَوْبَ الْمَذَلَّةِ عِنْدَ النَّاسِ، وَلَأُجَنِّبَنَّهُ مِنْ قُرْبِي، وَلَأُبْعِدَنَّهُ مِنْ وَصْلِي، وَلَأَجْعَلَنَّهُ مُتَفَكِّرًا حَيْرَانَ يُؤَمِّلُ غَيْرِي فِي الشَّدَائِدِ، وَالشَّدَائِدُ بِيَدِي وَأَنَا الْحَيُّ الْقَيُّومُ، وَيَطْرِقُ بِالْفِكْرِ أَبْوَابَ غَيْرِي، وَبِيَدِي مَفَاتِيحُ الْأَبْوَابِ، وَهِيَ مُغْلَقَةٌ وَبَابِي مَفْتُوحٌ لِمَنْ دَعَانِي»، هَذَا وَأَوْرَدَ اللَّامَ فِي جَانِبِ النَّفْعِ ; لِأَنَّهُ لِلْمِلْكِ، وَحَقِيقَتُهُ الِاخْتِصَاصُ النَّافِعُ. وَقَوْلُهُ: " ﴿وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾ [الإسراء: ٧] " مَجَازٌ فِي صُورَةِ الضَّرِّ عَلَى مَا هُوَ الْمَشْهُورُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ. (" رُفِعَتِ الْأَقْلَامُ ") أَيْ: مِنْ كِتَابَةِ الْأَحْكَامِ (" وَجَفَّتِ الصُّحُفُ ") أَيْ: نَشَفَتْ مَا دُوِّنَ فِيهَا مِنْ أَقْضِيَةِ الْمَخْلُوقِينَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، فَلَا يُوضَعُ عَلَيْهَا قَلَمٌ بَعْدُ بِتَدْوِينِ شَيْءٍ وَتَغْيِيرِ أَمْرٍ، وَخُلَاصَتُهُ أَنَّهُ كُتِبَ فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ مَا كُتِبَ مِنَ التَّقْدِيرَاتِ، وَلَا يُكْتَبُ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْهُ شَيْءٌ آخَرُ، فَعَبَّرَ عَنْ سَبْقِ الْقَضَاءِ وَالْقَدَرِ بِرَفْعِ الْقَلَمِ، وَجَفَافِ الصَّحِيفَةِ تَشْبِيهًا بِفَرَاغِ الْكَاتِبِ فِي الشَّاهِدِ مِنْ كِتَابَتِهِ، وَقَدْ سَبَقَ فِي أَوَّلِ الْكِتَابِ حَدِيثُ: «إِنَّ أَوَّلَ مَا خَلَقَ اللَّهُ الْقَلَمَ فَقَالَ: اكْتُبْ. قَالَ: وَمَا أَكْتُبُ؟ قَالَ: اكْتُبِ الْقَدَرَ، فَكَتَبَ مَا كَانَ وَمَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى الْأَبَدِ، وَحَدِيثُ جَفَّ الْقَلَمُ عَلَى عِلْمِ اللَّهِ أَيْ: مَا عَلِمَهُ اللَّهُ وَحَكَمَ بِهِ فِي الْأَزَلِ لَا يَتَغَيَّرُ وَلَا يَتَبَدَّلُ»، وَجَفَافُ الْقَلَمِ عِبَارَةٌ عَنْهُ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ، لَا يُقَالُ: هَذَا يُنَافِي قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ﴾ [الرعد: ٣٩] لِأَنَّا نَقُولُ: الْمَحْوُ وَالْإِثْبَاتُ أَيْضًا مِمَّا جَفَّتِ الصُّحُفُ ; لِأَنَّ الْقَضَاءَ قِسْمَانِ: مُبْرَمٌ وَمُعَلَّقٌ، وَهَذَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ، وَأَمَّا بِالْإِضَافَةِ إِلَى عِلْمِ اللَّهِ فَلَا تَبْدِيلَ وَلَا تَغْيِيرَ، وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [الرعد: ٣٩] وَقِيلَ: عِنْدَ اللَّهِ كِتَابَانِ اللَّوْحُ، وَهُوَ
[ ٨ / ٣٣٢٤ ]
الَّذِي لَا يَتَغَيَّرُ، وَالَّذِي يَكْتُبُهُ الْمَلَكُ عَلَى الْخَلْقِ وَهُوَ مَحَلُّ الْمَحْوِ وَالْإِثْبَاتِ، فَهَذَا الْقَدْرُ مِنَ الْحَدِيثِ (رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ): وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ كَمَا قَالَهُ النَّوَوِيُّ، ثُمَّ قَالَ: وَفِي رِوَايَةِ غَيْرِ التِّرْمِذِيَّ: احْفَظِ اللَّهَ تَجِدْهُ أَمَامَكَ، تَعَرَّفْ إِلَى اللَّهِ - بِتَشْدِيدِ الرَّاءِ أَيْ: تَحَبَّبَ إِلَيْهِ بِحِفْظِ أَحْكَامِهِ، ذَكَرَهُ النَّوَوِيُّ - ﵀ - ; لِأَنَّ الْمَعْرِفَةَ سَبَبُ الْمَحَبَّةِ - يَعْرِفْكَ فِي الشِّدَّةِ - بِتَخْفِيفِ الرَّاءِ أَيْ: يُجَازِكَ فِيهَا - وَاعْلَمْ أَنَّ مَا أَخْطَأَكَ - أَيْ: جَاوَزَ عَنْكَ النِّعْمَةَ وَالرَّخَاءَ وَالشِّدَّةَ وَالْبَلَاءَ، وَأَصْلُ الْخَطَأِ الْعُدُولُ عَنِ الْجِهَةِ - لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَكَ - أَيْ: مُحَالٌ أَنْ يُصِيبَكَ، وَفِيهِ مُبَالَغَةٌ مِنْ وُجُوهٍ مِنْ حَيْثُ دُخُولِ اللَّامِ الْمُؤَكِّدَةِ لِلنَّفْيِ عَلَى الْخَبَرِ وَتَسْلِيطِ النَّفْيِ عَلَى الْكَيْنُونَةِ وَسِرَايَتِهِ فِي الْخَبَرِ - وَمَا أَصَابَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَكَ - فِيهِ الْحَثُّ عَلَى التَّوَكُّلِ وَالرِّضَا وَنَفْيِ الْحَوْلِ وَالْقُوَّةِ عَنْهُ، إِذْ مَا مِنْ حَادِثَةٍ مِنْ سَعَادَةٍ وَشَقَاوَةٍ وَعُسْرٍ وَيُسْرٍ، وَخَيْرٍ وَشَرٍّ، وَنَفْعٍ وَضَرٍّ، وَأَجَلٍ وَرِزْقٍ إِلَّا وَيَتَعَلَّقُ بِقَدَرِهِ وَقَضَائِهِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بِخَمْسِينَ أَلْفَ عَامٍ جَرَى قَلَمُ الْقَضَاءِ بِمَا يَكُونُ، فَسِيَّانِ التَّحَرُّكُ وَالسُّكُونُ، فَيَجِبُ الشُّكْرُ فِي حَالِ السَّرَّاءِ، وَالصَّبْرُ فِي حَالِ الضَّرَّاءِ قَائِلًا كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [النساء: ٧٨]- وَاعْلَمْ أَنَّ النَّصْرَ - أَيْ: عَلَى الْأَعْدَاءِ - مَعَ الصَّبْرِ - أَيْ: عَلَى الْمِحَنِ وَالْبَلَاءِ -، وَأَنَّ الْفَرَجَ وَهُوَ الْخُرُوجُ مِنَ الْغَمِّ مَعَ الْكَرْبِ، أَيِ الْغَمِّ الَّذِي يَأْخُذُ بِنَفَسِ النَّفْسِ، وَلِذَا وَرَدَ:
اشْتَدِّي أَزْمَةُ تَنْفَرِجِي ﴿إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ [الشرح: ٦] قَالَ شَارِحٌ: وَقَدْ وَقَعَتِ الْآيَةُ فِي الْقُرْآنِ مُكَرَّرَةً لِيُعْلَمَ أَنَّهُ لَا يُوجَدُ عُسْرٌ إِلَّا مَعَهُ يُسْرَانِ، وَهَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى الْقَاعِدَةِ الْمَشْهُورَةِ أَنَّ النَّكِرَةَ الْمُعَادَةَ غَيْرُ الْأُولَى، وَالْمَعْرِفَةَ الْمُعَادَةَ عَيْنُ الْأُولَى، لَكِنَّهَا غَالِبِيَّةٌ لِأَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ﴾ [آل عمران: ٢٦] لَا شَكَّ فِيهِ أَنَّ اللَّامَ الْأُولَى لِلِاسْتِغْرَاقِ، وَالثَّانِيَةَ لِلْجِنْسِ الَّذِي يَحْصُلُ بِوُجُودِهِ فَرْدٌ مِنْهُ، ثُمَّ قِيلَ مَعَ بِمَعْنَى بَعْدَ، وَهَذَا بَعِيدٌ عَنْ حَقِيقَةِ الْمَعْنَى، وَإِرَادَةِ الْمُبَالَغَةِ فِي الْمَبْنَى حَيْثُ قَصَدَ مُعَاقَبَةَ أَحَدِهِمَا لِلْآخَرِ وَاتِّصَالَهُ بِهِ حَتَّى جَعَلَهُ كَالْمُقَارِنِ لِزِيَادَةٍ فِي التَّسْلِيَةِ وَالتَّنْفِيسِ، عَلَى أَنَّ الْمِحَنَ لَا تَخْلُو عَنِ الْمِنَحِ، بَلْ إِنَّهَا عَيْنُهَا ﴿وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾ [البقرة: ٤٩]، ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [فصلت: ٣٥] هَذَا وَقَدْ قَالَ الْقُطْبُ الرَّبَّانِيُّ وَالْغَوْثُ الصَّمَدَانِيُّ السَّيِّدُ عَبْدُ الْقَادِرِ الْجِيلَانِيُّ - قُدِّسَ سِرُّهُ - فِي فُتُوحَاتِ الْغَيْبِ: يَنْبَغِي لِكُلِّ مُؤْمِنٍ أَنَّ يَجْعَلَ هَذَا الْحَدِيثَ مِرْآةَ قَلْبِهِ وَشِعَارَهُ وَدِثَارَهُ وَحَدِيثَهُ، فَيَعْمَلَ بِهِ فِي جَمِيعِ حَرَكَاتِهِ وَسَكَنَاتِهِ حَتَّى يَسْلَمَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَيَجِدَ الْعِزَّةَ فِيهَا بِرَحْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى، رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ.
قَالَ الطِّيبِيُّ - ﵀ -: وَزَادَ بَعْدَ قَوْلِهِ تُجَاهَكَ فِي رِوَايَةِ رَزِينٍ: «تَعَرَّفْ إِلَى اللَّهِ فِي الرَّخَاءِ يَعْرِفْكَ فِي الشِّدَّةِ»، وَفِي آخِرِهِ: «فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَعْمَلَ لِلَّهِ بِالرِّضَا فِي الْيَقِينِ فَافْعَلْ، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَإِنَّ فِي الصَّبْرِ عَلَى مَا تَكْرَهُ خَيْرًا كَثِيرًا، وَاعْلَمْ أَنَّ النَّصْرَ مَعَ الصَّبْرِ، وَالْفَرَجَ مَعَ الْكَرْبِ، وَأَنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا، وَلَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنِ» . وَالْحَدِيثُ بِطُولِهِ قَدْ جَاءَ مِثْلُهُ أَوْ نَحْوُهُ فِي مُسْنَدِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ - ﵀ -. فِي النِّهَايَةِ: مَعْنَى تَعَرَّفْ إِلَى اللَّهِ أَيِ: اجْعَلْ تَعَرُّفَكَ بِطَاعَتِكَ وَالْعَمَلِ فِيمَا أَوْلَاكَ مِنْ نِعْمَتِهِ، فَإِنَّهُ يُجَازِيكَ عِنْدَ الشِّدَّةِ وَالْحَاجَةِ إِلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَأَرَادَ بِقَوْلِهِ: «لَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنِ» أَنَّ التَّعْرِيفَ فِي الْعُسْرِ الثَّانِي فِي قَوْلِهِ تَعَالَى لِلْعَهْدِ، وَالتَّنْكِيرَ فِي " يُسْرًا " لِلنَّوْعِ، فَيَكُونُ الْعُسْرُ وَاحِدًا وَالْيُسْرُ اثْنَيْنِ، فَالْعُسْرُ مَا كَانُوا عَلَيْهِ مِنْ مَتَاعِبِ الدُّنْيَا وَمَشَاقِّهَا، وَالْيُسْرُ فِي الدُّنْيَا الْفَتْحُ وَالنُّصْرَةُ عَلَى الْأَعْدَاءِ، وَفِي الْعُقْبَى الْفَوْزُ بِالْحُسْنَى وَلِقَاءُ الْأَحِبَّاءِ.
[ ٨ / ٣٣٢٥ ]
٥٣٠٣ - وَعَنْ سَعْدٍ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: " «مِنْ سَعَادَةِ ابْنِ آدَمَ رِضَاهُ بِمَا قَضَى اللَّهُ لَهُ، وَمِنْ شَقَاوَةِ ابْنِ آدَمَ تَرْكُهُ اسْتِخَارَةَ اللَّهِ، وَمِنْ شَقَاوَةِ ابْنِ آدَمَ سُخْطُهُ بِمَا قَضَى اللَّهُ لَهُ» ". رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ.
_________________
(١) (وَعَنْ سَعْدٍ) أَيِ: ابْنِ أَبِي وَقَّاصٍ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " «مِنْ سَعَادَةِ ابْنِ آدَمَ رِضَاهُ بِمَا قَضَى اللَّهُ لَهُ» ") أَيْ: وَمِنْ سَعَادَةِ ابْنِ آدَمَ اسْتِخَارَةُ اللَّهِ ثُمَّ رِضَاهُ بِمَا حَكَمَ بِهِ وَقَدَّرَهُ وَقَضَاهُ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ مُقَابَلَتُهُ بِقَوْلِهِ: (" وَمِنْ شَقَاوَةِ ابْنِ آدَمَ تَرْكُهُ اسْتِخَارَةَ اللَّهِ ") أَيْ: طَلَبَ الْخِيَرَةِ مِنْهُ، فَإِنَّهُ يَخْتَارُ لَهُ مَا هُوَ خَيْرٌ لَهُ، وَلِذَا قَالَ بَعْضُ الْعَارِفِينَ: اتْرُكِ الِاخْتِيَارَ وَإِنْ كُنْتَ لَا بُدَّ أَنْ تَخْتَارَ أَنْ لَا تَخْتَارَ: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ﴾ [القصص: ٦٨] وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٣٦] . (" وَمِنْ شَقَاوَةِ ابْنِ آدَمَ سُخْطُهُ ") أَيْ: غَضَبُهُ وَعَدَمُ رِضَاهُ (" بِمَا قَضَى اللَّهُ لَهُ "): فَالرِّضَا بِالْقَضَاءِ بَابُ اللَّهِ الْأَعْظَمُ، وَهُوَ مِنْ بَيْنِ مَنَازِلِ السَّائِرِينَ مَوْسُومٌ بِالْمَقَامِ الْأَفْخَمِ، ثُمَّ تَقَدِيمُ الِاسْتِخَارَةِ ; لِأَنَّهُ سَبَبٌ لِلرِّضَا، وَلِأَنَّهَا تُوجَدُ قَبْلَ تَحَقُّقِ الْقَضَاءِ. قَالَ الطِّيبِيُّ - ﵀ -: أَيِ الرِّضَا بِقَضَاءِ اللَّهِ وَهُوَ تَرْكُ السُّخْطِ عَلَامَةُ سَعَادَتِهِ، وَبِهَا جَعَلَهُ عَلَامَةَ سَعَادَةِ الْعَبْدِ لِأَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: لِيَتَفَرَّغَ لِلْعِبَادَةِ لِأَنَّهُ إِذَا لَمْ يَرْضَ بِالْقَضَاءِ يَكُونُ مَهْمُومًا أَبَدًا مَشْغُولَ الْقَلْبِ بِحُدُوثِ الْحَوَادِثِ وَيَقُولُ: لِمَ كَانَ كَذَا وَلَمْ يَكُنْ كَذَا، وَالثَّانِي لِئَلَّا يَتَعَرَّضَ لِغَضَبِ اللَّهِ تَعَالَى بِسُخْطِهِ، وَسَخَطُ الْعَبْدِ أَنْ يَذْكُرَ غَيْرَ مَا قَضَى اللَّهُ لَهُ، قَالَ: إِنَّهُ أَصْلَحُ وَأَوْلَى فِيمَا لَا يَسْتَيْقِنُ فَسَادَهُ وَصَلَاحَهُ. فَإِنْ قُلْتَ: مَا مَوْقِعُ قَوْلِهِ " «وَمِنْ شَقَاوَةِ ابْنِ آدَمَ تَرْكُهُ اسْتِخَارَةَ اللَّهِ» " بَيْنَ الْمُتَقَابِلَيْنِ؟ قُلْتُ: مَوْقِعُهُ بَيْنَ الْقَرِينَتَيْنِ لِدَفْعِ تَوَهُّمِ مَنْ يَتْرُكُ الِاسْتِخَارَةَ، وَيُفَوِّضُ أَمْرَهُ بِالْكُلِّيَّةِ، انْتَهَى. وَفِيهِ أَنَّ الِاسْتِخَارَةَ وَالتَّفْوِيضَ مَآلُهُمَا وَاحِدٌ، وَكَذَا اكْتَفَى بِالِاسْتِخَارَةِ فِي الْقَرِينَتَيْنِ فِي رِوَايَةٍ عَلَى مَا يَأْتِي، ثُمَّ شَكَّ أَنَّ التَّسْلِيمَ الْمُطْلَقَ أَوْلَى مِنَ الِاسْتِخَارَةِ ; لِأَنَّهَا نَوْعُ طَلَبٍ وَإِرَادَةٍ وَضِيقُ مُنَازَعَةٍ فِي أَمْرٍ قَدْ تَحَقَّقَ، هَذَا وَحَقِيقَةُ الِاسْتِخَارَةِ هِيَ أَنْ يَطْلُبَ الْخَيْرَ مِنَ اللَّهِ فِي جَمِيعِ أَمْرِهِ، بَلْ وَأَنْ يَعْتَقِدَ أَنَّ الْإِنْسَانَ لَا يَعْلَمُ خَيْرَهُ مِنْ شَرِّهِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢١٦] ثُمَّ يَتَرَقَّى بِأَنْ يَرَى أَنْ لَا يَقَعَ فِي الْكَوْنِ غَيْرُ الْخَيْرِ، وَلِذَلِكَ وَرَدَ: «الْخَيْرُ بِيَدَيْكَ وَالشَّرُّ لَيْسَ إِلَيْكَ»، ثُمَّ الْمُسْتَحَبُّ دُعَاءُ الِاسْتِخَارَةِ بَعْدَ تَحَقُّقِ الْمُشَاوَرَةِ فِي الْأَمْرِ الْمُهِمِّ مِنَ الْأُمُورِ الدِّينِيَّةِ وَالدُّنْيَوِيَّةِ وَأَقَلُّهُ أَنْ يَقُولَ: اللَّهُمَّ خِرْ لِي وَاخْتَرْ لِي وَلَا تَكِلْنِي إِلَى اخْتِيَارِي، وَالْأَكْمَلُ أَنْ يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ مِنْ غَيْرِ الْفَرِيضَةِ، ثُمَّ يَدْعُو بِالدُّعَاءِ الْمَشْهُورِ فِي السُّنَّةِ عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ. (رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ) . تَمَامُهُ، وَلَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ حُمَيْدٍ، وَلَيْسَ هُوَ بِالْقَوِيِّ عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ. وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ فِي صَحِيحِهِ وَزَادَ فِيهِ: «مِنْ سَعَادَةِ ابْنِ آدَمَ اسْتِخَارَتُهُ اللَّهَ وَمِنْ شَقَاوَتِهِ تَرْكُهُ اسْتِخَارَةَ اللَّهِ» . رَوَاهُ الْحَاكِمُ وَالتِّرْمِذِيُّ. قَالَ مِيرَكُ: " كِلَاهُمَا مِنْ حَدِيثِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: غَرِيبٌ وَلَفْظُهُ: «مِنْ سَعَادَةِ ابْنِ آدَمَ كَثْرَةُ اسْتِخَارَتِهِ اللَّهَ تَعَالَى وَرِضَاهُ بِمَا قَضَى اللَّهُ تَعَالَى لَهُ، وَمِنْ شَقَاوَةِ ابْنِ آدَمَ تَرْكُهُ اسْتِخَارَةَ اللَّهِ تَعَالَى وَسُخْطُهُ بِمَا قَضَى اللَّهُ تَعَالَى لَهُ» . وَفِي الْجَامِعِ: أُسْنِدَ الْحَدِيثُ إِلَى التِّرْمِذِيِّ وَالْحَاكِمِ عَنْ سَعْدٍ، لَكِنْ لَفْظُهُ: «مِنْ سَعَادَةِ ابْنِ آدَمَ اسْتِخَارَتُهُ اللَّهَ تَعَالَى، وَمِنْ سَعَادَةِ ابْنِ آدَمَ رِضَاهُ بِمَا قَضَى اللَّهُ، وَمِنْ شَقَاوَةِ ابْنِ آدَمَ تَرْكُهُ اسْتِخَارَةَ اللَّهِ، وَمِنْ شَقَاوَةِ ابْنِ آدَمَ سُخْطُهُ بِمَا قَضَى اللَّهُ» . فَهَذَا وَمَا قَبْلَهُ مِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ لَفْظَ الْمِشْكَاةِ وَقَعَ فِيهِ اخْتِصَارٌ مُخِلٌّ، وَاللَّهُ ﷾ أَعْلَمُ. وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ، عَنْ أَنَسٍ مَرْفُوعًا: " «مَا خَابَ مَنِ اسْتَخَارَ، وَلَا نَدِمَ مَنِ اسْتَشَارَ، وَلَا عَالَ مَنِ اقْتَصَدَ» ". وَقَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ: مَنْ أُعْطِيَ أَرْبَعًا لَمْ يُمْنَعْ أَرْبَعًا: مَنْ أُعْطِيَ الشُّكْرَ لَمْ يُمْنَعِ الْمَزِيدَ، وَمَنْ أُعْطِيَ التَّوْبَةَ لَمْ يُمْنَعِ الْقَبُولَ، وَمَنْ أُعْطِيَ الِاسْتِخَارَةَ لَمْ يُمْنَعِ الْخَيْرَ، وَمَنْ أُعْطِيَ الْمَشُورَةَ لَمْ يُمْنَعِ الصَّوَابَ.
[ ٨ / ٣٣٢٦ ]
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
٥٣٠٤ - عَنْ جَابِرٍ - ﵁ - «أَنَّهُ غَزَا مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - قِبَلَ نَجْدٍ، فَلَمَّا قَفَلَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - قَفَلَ مَعَهُ، فَأَدْرَكَتْهُمُ الْقَائِلَةُ فِي وَادٍ كَثِيرِ الْعِضَاهِ، فَنَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -، وَتَفَرَّقَ النَّاسُ يَسْتَظِلُّونَ بِالشَّجَرِ، فَنَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - تَحْتَ سَمُرَةٍ فَعَلَّقَ بِهَا سَيْفَهُ وَنِمْنَا نَوْمَةً، فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - يَدْعُونَا، وَإِذَا عِنْدَهُ أَعْرَابِيٌّ فَقَالَ: " إِنَّ هَذَا اخْتَرَطَ عَلَيَّ سَيْفِي وَأَنَا نَائِمٌ، فَاسْتَيْقَظْتُ وَهُوَ فِي يَدِهِ صَلْتًا. قَالَ: مَنْ يَمْنَعُكَ مِنِّي؟ فَقُلْتُ: اللَّهُ، ثَلَاثًا " وَلَمْ يُعَاقِبْهُ، وَجَلَسَ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
_________________
(١) الْفَصْلُ الثَّالِثُ
(٢) (عَنْ جَابِرٍ أَنَّهُ غَزَا مَعَ النَّبِيِّ): وَفِي نُسْخَةٍ: رَسُولِ اللَّهِ (- صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قِبَلَ نَجْدٍ)، بِكَسْرِ الْقَافِ وَفَتْحِ الْبَاءِ أَيْ: جِهَتَهُ وَجَانِبَهُ. وَفِي النِّهَايَةِ: النَّجْدُ مَا ارْتَفَعَ مِنَ الْأَرْضِ وَهُوَ اسْمٌ خَاصٌّ لِمَا دُونَ الْحِجَازِ، (فَلَمَّا قَفَلَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -) أَيْ: رَجَعَ، وَسَمَّى الْقَافِلَةَ قَافِلَةً، وَلَوْ كَانَتْ ذَاهِبَةً تَفَاؤُلًا بِمَآلِهَا (قَفَلَ مَعَهُ) أَيْ: قَفَلَ جَابِرٌ مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (فَأَدْرَكَتْهُمْ) أَيِ: الصَّحَابَةَ أَوِ الْغُزَاةَ (الْقَائِلَةُ) أَيِ: الظَّهِيرَةُ أَوْ وَقْتُ الْقَيْلُولَةِ (فِي وَادٍ كَثِيرِ الْعِضَاهِ)، بِكَسْرِ الْعَيْنِ، وَهُوَ الشَّجَرُ الَّذِي لَهُ شَوْكٌ (فَنَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -)، أَيْ: فَأَرَادَ النُّزُولَ، أَوْ أَمَرَ بِالنُّزُولِ (وَتَفَرَّقَ النَّاسُ يَسْتَظِلُّونَ بِالشَّجَرِ) أَيْ: بِجِنْسِهِ مِنْ أَنْوَاعِ الْأَشْجَارِ (فَنَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَحْتَ سَمُرَةٍ): بِفَتْحِ سِينٍ فَضَمِّ مِيمٍ شَجَرَةٌ مِنَ الطَّلْحِ وَهِيَ الْعِظَامُ مِنْ شَجَرِ الْعِضَاهِ (فَعَلَّقَ بِهَا) أَيْ: بِغُصْنٍ مِنْ أَغْصَانِهَا (سَيْفَهُ وَنِمْنَا): بِكَسْرِ أَوَّلِهِ (نَوْمَةً) أَيْ: خَفِيفَةً (فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَدْعُونَا) أَيْ: يُنَادِينَا وَيَطْلُبُنَا (وَإِذَا): وَفِي نُسْخَةٍ: فَإِذَا (عِنْدَهُ أَعْرَابِيٌّ) أَيْ: بَدَوِيٌّ كَافِرٌ (فَقَالَ) أَيِ: النَّبِيُّ - ﷺ - (" إِنَّ هَذَا ") أَيِ: الْأَعْرَابِيَّ (" اخْتَرَطَ ") أَيْ: سَلَّ (" عَلَيَّ سَيْفِي ") أَيِ: الْمُعَلَّقَ (" وَأَنَا نَائِمٌ "): حَالٌ (" فَاسْتَيْقَظْتُ وَهُوَ ") أَيْ: وَالْحَالُ أَنَّ سَيْفِيَ (" فِي يَدِهِ صَلْتًا "): بِفَتْحِ الصَّادِ وَيُضَمُّ أَيْ: مَسْلُولًا مُجَرَّدًا عَنِ الْغِمْدِ. قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: هُوَ بِفَتْحِ الصَّادِ وَضَمِّهَا. وَفِي الْقَامُوسِ: الصَّلْتُ السَّيْفُ الصَّقِيلُ الْمَاضِي وَيُضَمُّ، وَفِي النِّهَايَةِ: وَسَيْفٌ مُجَرَّدٌ (قَالَ) أَيِ: الْأَعْرَابِيُّ (مَنْ يَمْنَعُكَ مِنِّي)؟ أَيْ: مِنْ أَذِيَّتِي، فَالْفِعْلُ عَلَى حَقِيقَتِهِ وَالْمُضَافُ مُقَدَّرٌ. قَالَ الطِّيبِيُّ - ﵀ -: أَيْ مَنْ يَحْمِيكَ مِنِّي. قَالَ فِي أَسَاسِ الْبَلَّاغَةِ: وَمِنَ الْمَجَازِ فُلَانٌ يَمْنَعُ الْجَارَ أَيْ: يَحْمِيهِ مِنْ أَنْ يُضَامَ (فَقُلْتُ: اللَّهُ) أَيِ: اللَّهُ يَمْنَعُنِي عَلَى الْحَقِيقَةِ أَوْ نَظَرًا إِلَى الْعِصْمَةِ الْمَوْعُودَةِ بِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧] (ثَلَاثًا) . أَيْ: ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، وَفِيهِ إِيمَاءٌ إِلَى أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ تَثْلِيثُ لَفْظِ الْجَلَالَةِ حَالَةَ الِاسْتِغَاثَةِ وَالِاسْتِعَانَةِ (وَلَمْ يُعَاقِبْهُ) أَيِ: الْأَعْرَابِيَّ (وَجَلَسَ) أَيِ: النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعْدَ مَا كَانَ قَائِمًا أَوْ مُضْطَجِعًا، ثُمَّ يُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ الْقَضِيَّةُ وَقَعَتْ قَبْلَ الْمُنَادَاةِ فَأَخْبَرَهُمْ بِمَا وَقَعَ مِنْ خَرْقِ الْعَادَةِ، وَيُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ بَعْدَهَا فَنَادَاهُمْ لِيُرِيَهُمُ الْمُعْجِزَةَ، وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
[ ٨ / ٣٣٢٧ ]
٥٣٠٥ - وَفِي رِوَايَةِ أَبِي بَكْرٍ الْإِسْمَاعِيلِيِّ فِي (صَحِيحِهِ) «فَقَالَ: مَنْ يَمْنَعُكَ مِنِّي؟ قَالَ: (اللَّهُ) فَسَقَطَ السَّيْفُ مِنْ يَدِهِ، فَأَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - السَّيْفَ فَقَالَ: " مَنْ يَمْنَعُكَ مِنِّي؟ " فَقَالَ: كُنْ خَيْرَ آخِذٍ. فَقَالَ: " تَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ؟ " قَالَ: لَا، وَلَكِنِّي أُعَاهِدُكَ عَلَى أَنْ لَا أُقَاتِلَكَ وَلَا أَكُونَ مَعَ قَوْمٍ يُقَاتِلُونَكَ فَخَلَّى سَبِيلَهُ، فَأَتَى أَصْحَابَهُ، فَقَالَ: جِئْتُكُمْ مِنْ عِنْدِ خَيْرِ النَّاسِ» . هَكَذَا فِي (كِتَابِ الْحُمَيْدِيِّ) وَفِي (الرِّيَاضِ) .
_________________
(١) (وَفِي رِوَايَةِ أَبِي بَكْرٍ الْإِسْمَاعِيلِيِّ فِي صَحِيحِهِ «فَقَالَ: مَنْ يَمْنَعُكَ مِنِّي؟ فَقَالَ: " اللَّهُ تَعَالَى ". فَسَقَطَ السَّيْفُ مِنْ يَدِهِ، فَأَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - السَّيْفَ فَقَالَ: " مَنْ يَمْنَعُكَ مِنِّي؟ " فَقَالَ: كُنْ خَيْرَ آخِذٍ» " أَيْ: مُتَنَاوِلٍ لِلسَّيْفِ وَهُوَ كِنَايَةٌ لِلْعَفْوِ مَعَ الْقُدْرَةِ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَيْ: بِالْجِنَايَاتِ يُرِيدُ الْعَفْوَ، انْتَهَى. فَالْأَخْدُ بِمَعْنَى الْمُؤَاخَذَةِ (فَقَالَ: " تَشْهَدُ ") أَيْ: أَتَشْهَدُ (أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ قَالَ: لَا) أَيْ: لَا أَشْهَدُ (وَلَكِنِّي أُعَاهِدُكَ عَلَى أَنْ لَا أُقَاتِلَكَ) أَيْ: بِانْفِرَادِي (وَلَا أَكُونَ) أَيْ: وَلَا أَنْ أَكُونَ رَفِيقًا (مَعَ قَوْمٍ يُقَاتِلُونَكَ فَخَلَّى سَبِيلَهُ) أَيْ: فَتَرَكَهُ حَتَّى مَضَى إِلَى طَرِيقِهِ (فَأَتَى) أَيِ: الْأَعْرَابِيُّ (أَصْحَابَهُ) أَيْ: قَوْمَهُ (فَقَالَ: جِئْتُكُمْ مِنْ عِنْدِ خَيْرِ النَّاسِ) أَيْ: كَرَمًا وَحِلْمًا (هَكَذَا) أَيْ: هَذَا الْحَدِيثُ الْمُتَّفَقُ عَلَيْهِ مَعَ الزِّيَادَةِ (فِي " كِتَابِ الْحُمَيْدِيِّ " وَفِي " الرِّيَاضِ ") أَيْ: وَكَذَا فِي كِتَابِ رِيَاضِ الصَّالِحِينَ لِلنَّوَوِيِّ.
[ ٨ / ٣٣٢٧ ]
٥٣٠٦ - وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ - ﵁ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: «إِنِّي لَأَعْلَمُ آيَةً لَوْ أَخَذَ النَّاسُ بِهَا لَكَفَتْهُمْ: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الفاتحة: ٢ - ١٩٨٦٧]» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَالدَّارِمِيُّ.
_________________
(١) (وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: " إِنِّي لَأَعْلَمُ آيَةً لَوْ أَخَذَ النَّاسُ ") أَيْ: عَمِلُوا (" بِهَا ") أَيْ: بِانْفِرَادِهَا (" لَكَفَتْهُمْ: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ [الفاتحة: ٢ - ١٩٨٦٣] أَيْ: مِنَ الْبَلَايَا ﴿وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: ٣] أَيْ: مِنَ الْعَطَايَا وَمَا بَعْدَهُ: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾ [الطلاق: ٣] . قَالَ الطِّيبِيُّ - ﵀ -: يُرِيدُ الْآيَةَ بِتَمَامِهَا فَقَوْلُهُ: وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: ٣] إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُ تَعَالَى يَكْفِيهِ جَمِيعَ مَا يَخْشَى وَيَكْرَهُ مِنْ أُمُورِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَقَوْلُهُ: وَمَنْ يَتَوَكَّلْ إِلَخْ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُ تَعَالَى يَكْفِيهِ جَمِيعَ مَا يَطْلُبُهُ وَيَبْتَغِيهِ مِنْ أُمُورِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَبَالِغُ أَمْرِهِ أَيْ: نَافِذُ أَمْرِهِ، وَفِيهِ بَيَانٌ لِوُجُوبِ التَّوَكُّلِ عَلَيْهِ، وَتَفْوِيضِ الْأَمْرِ إِلَيْهِ ; لِأَنَّهُ إِذَا عَلِمَ أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ مِنَ الرِّزْقِ وَنَحْوِهِ لَا يَكُونُ إِلَّا بِتَقْدِيرِهِ وَتَوْفِيقِهِ لَمْ يَبْقَ إِلَّا التَّسْلِيمُ لِلْقَدَرِ وَالْقَضَاءِ وَالتَّوَكُّلِ، وَأَنْشَدَ: إِذَا الْمَرْءُ أَمْسَى حَلِيفَ الْتُّقَى فَلَمْ يَخْشَ مِنْ طَارِقٍ حِلَّهُ أَلَمْ تَسْمَعِ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَالدَّارِمِيُّ) .
[ ٨ / ٣٣٢٨ ]
٥٣٠٧ - وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ - ﵁ - قَالَ: «أَقْرَأَنِي رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - إِنِّي أَنَا الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
_________________
(١) (وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: أَقْرَأَنِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) أَيْ: حَمَلَنِي عَلَى أَنْ أَقْرَأَ، ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ وَالْمَشْهُورَةُ - ﵀ -: هِيَ قِرَاءَةٌ شَاذَّةٌ مَنْسُوبَةٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَالْمَشْهُورَةُ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ انْتَهَى. وَالْمُرَادُ أَنَّهَا كَانَتْ قِرَاءَةً قَطْعِيَّةً مُتَوَاتِرَةً مَعْنَوِيَّةً، وَكَانَ عَلَّمَهَا رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - ابْنَ مَسْعُودٍ، لَكِنَّهَا نُسِخَتْ أَوْ شَذَّتْ طُرُقُهَا بَعْدَ ابْنِ مَسْعُودٍ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ أَيِ: الشَّدِيدُ الْقُوَّةِ، وَالْمَعْنَى فِي وَصْفِهِ بِالْقُوَّةِ وَالْمَتَانَةِ أَنَّهُ الْقَادِرُ الْبَلِيغُ الِاقْتِدَارِ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، وَقَوْلُهُ " ذُو الْقُوَّةِ " خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ، وَفِيهِ مِنَ الْمُبَالَغَاتِ تَصْدِيرُ الْجُمْلَةِ بِأَنَّ وَتَوْسِيطُ ضَمِيرِ الْفَصْلِ الْمُفِيدِ لِلِاخْتِصَاصِ وَتَعْرِيفِ الْخَبَرِ بِلَامِ الْجِنْسِ، ثُمَّ أَرْدَفَهُ بِقَوْلِهِ: ذُو الْقُوَّةِ وَتَتْمِيمِهِ بِالْمَتَانَةِ، فَوَجَبَ أَنْ لَا يَتَوَكَّلَ إِلَّا عَلَيْهِ وَلَا يُفَوِّضَ الْأُمُورَ إِلَّا إِلَيْهِ، ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ - ﵀ -. (رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ) .
[ ٨ / ٣٣٢٨ ]
٥٣٠٨ - وَعَنْ أَنَسٍ - ﵁ - قَالَ: «كَانَ أَخَوَانِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -، فَكَانَ أَحَدُهُمَا يَأْتِي النَّبِيَّ - ﷺ -، وَالْآخَرُ يَحْتَرِفُ، فَشَكَا الْمُحْتَرِفُ أَخَاهُ النَّبِيَّ - ﷺ -، فَقَالَ: " لَعَلَّكَ تُرْزَقُ بِهِ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ.
_________________
(١) (وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ أَخَوَانِ) أَيِ: اثْنَانِ مِنَ الْأَخَوَانِ (عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) أَيْ: فِي زَمَنِهِ (فَكَانَ أَحَدُهُمَا يَأْتِي النَّبِيَّ - ﷺ -)، أَيْ: لِطَلَبِ الْعِلْمِ وَالْمَعْرِفَةِ (وَالْآخَرُ يَحْتَرِفُ) أَيْ: يَكْتَسِبُ أَسْبَابَ الْمَعِيشَةِ، فَكَأَنَّهُمَا كَانَا يَأْكُلَانِ مَعًا (فَشَكَا الْمُحْتَرِفُ) أَيْ: فِي عَدَمِ مُسَاعَدَةِ أَخِيهِ إِيَّاهُ فِي حِرْفَتِهِ أَوْ فِي كَسْبٍ آخَرَ لِمَعِيشَةٍ (أَخَاهُ النَّبِيَّ): بِنَزْعِ الْخَافِضِ أَيْ: إِلَى النَّبِيِّ (- ﷺ - فَقَالَ: " لَعَلَّكَ تُرْزَقُ بِهِ ") بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيْ: أَرْجُو أَوْ أَخَافُ أَنَّكَ مَرْزُوقٌ بِبَرَكَتِهِ لَا أَنَّهُ مَرْزُوقٌ بِحِرْفَتِكَ فَلَا تَمْنُنْ عَلَيْهِ بِصَنْعَتِكَ. وَفِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ أَنْ يَتْرُكَ الْإِنْسَانُ شُغُلَ الدُّنْيَا، وَأَنْ يُقْبِلَ عَلَى الْعِلْمِ وَالْعَمَلِ وَالتَّجَرُّدِ لِزَادِ الْعُقْبَى. قَالَ الطِّيبِيُّ - ﵀ -: وَمَعْنَى لَعَلَّ فِي قَوْلِهِ لَعَلَّكَ يَجُوزُ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - فَيُفِيدَ الْقَطْعَ وَالتَّوْبِيخَ، كَمَا وَرَدَ: «فَهَلْ تُرْزَقُونَ إِلَّا بِضُعَفَائِكُمْ»، وَأَنْ يَرْجِعَ لِلْمُخَاطَبِ لِيَبْعَثَهُ عَلَى التَّفَكُّرِ وَالتَّأَمُّلِ فَيَتَّصِفَ مِنْ نَفْسِهِ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ): وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ أَيْضًا.
[ ٨ / ٣٣٢٨ ]
٥٣٠٩ - وَعَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: " «إِنَّ قَلْبَ ابْنِ آدَمَ بِكُلِّ وَادٍ شُعْبَةٌ، فَمَنْ أَتْبَعَ قَلْبَهُ الشُّعَبَ كُلَّهَا لَمْ يُبَالِ اللَّهُ بِأَيِّ وَادٍ أَهْلَكَهُ، وَمَنْ تَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ كَفَاهُ الشُّعَبَ» ". رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ.
_________________
(١) (وَعَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: " «إِنَّ قَلْبَ ابْنِ آدَمَ بِكُلِّ وَادٍ شُعْبَةٌ» ") أَيْ: لِقَلْبِهِ قِطْعَةٌ، وَالْمَعْنَى بَعْضُ تَوَجُّهٍ مِنْهُ ; لِأَنَّ الْقَلْبَ وَاحِدٌ وَأَوْدِيَةَ الْهُمُومِ مُتَعَدِّدَةٌ، وَمَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ، فَفِي النِّهَايَةِ: الشُّعْبَةُ الطَّائِفَةُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَالْقِطْعَةُ مِنْهُ. قَالَ الطِّيبِيُّ - ﵀ -: وَلَا بُدَّ فِيهِ مِنْ تَقْدِيرٍ أَيْ: فِي كُلِّ وَادٍ لَهُ شُعْبَةٌ (" فَمَنْ أَتْبَعَ قَلْبَهُ الشُّعَبَ كُلَّهَا "): مِنَ الْإِتْبَاعِ أَيْ: مَنْ جَعَلَ قَلْبَهُ تَابِعًا لِشُعَبِ الْهُمُومِ فِي أَوْدِيَةِ الْغُمُومِ (" لَمْ يُبَالِ اللَّهُ بِأَيِّ وَادٍ أَهْلَكَهُ، وَمَنْ تَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ كَفَاهُ الشُّعَبَ ") . أَيْ: كَفَاهُ اللَّهُ مُؤَنَ حَاجَاتِهِ الْمُتَشَعِّبَةِ الْمُخْتَلِفَةِ، وَفِي مَعْنَاهُ مَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " مَنْ جَعَلَ الْهُمُومَ هَمًّا وَاحِدًا هَمَّ الدِّينِ كَفَاهُ اللَّهُ هَمَّ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ". (رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ) .
[ ٨ / ٣٣٢٩ ]
٥٣١٠ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: " «قَالَ رَبُّكُمْ ﷿: لَوْ أَنَّ عَبِيدِي أَطَاعُونِي لَأَسْقَيْتُهُمُ الْمَطَرَ بِاللَّيْلِ، وَأَطْلَعْتُ عَلَيْهِمُ الشَّمْسَ بِالنَّهَارِ، وَلَمْ أُسْمِعْهُمْ صَوْتَ الرَّعْدِ» ". رَوَاهُ أَحْمَدُ.
_________________
(١) (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: " قَالَ رَبُّكُمْ ﷿: لَوْ أَنَّ عَبِيدِي أَطَاعُونِي ") أَيْ: فِي أَمْرِي وَنَهْيِي (" لَأَسْقَيْتُهُمْ ") أَيْ: لَأَنْزَلْتُ عَلَيْهِمُ (" الْمَطَرَ بِاللَّيْلِ ") أَيْ: وَهُمْ نَائِمُونَ مُسْتَرِيحُونَ (" وَأَطْلَعْتُ "): مِنْ بَابِ الْإِفْعَالِ أَيْ: أَظْهَرْتُ وَأَبْرَزْتُ (" عَلَيْهِمُ الشَّمْسَ بِالنَّهَارِ ") أَيْ: وَهُمْ بِمَكَاسِبِهِمْ وَأُمُورِهِمْ مُشْتَغِلُونَ، (" وَلَمْ أُسْمِعْهُمْ "): وَفِي رِوَايَةِ الْجَامِعِ: وَلَمَا أَسْمَعْتُهُمْ (" صَوْتَ الرَّعْدِ ") أَيْ: لَا لَيْلًا وَلَا نَهَارًا كَيْلَا يَخَافُوا وَلَا يَنْفَجِعُوا فَلَا يَتَضَرَّرُونَ. قَالَ الطِّيبِيُّ - ﵀ -: هُوَ مِنْ بَابِ التَّتْمِيمِ، فَإِنَّ السَّحَابَ مَعَ وُجُودِ الرَّعْدِ فِيهِ شَائِبَةُ الْخَوْفِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ [الرعد: ١٢] فَنَفَاهُ لِيَكُونَ رَحْمَةً مَحْضَةً (رَوَاهُ أَحْمَدُ) . وَكَذَا الْحَاكِمُ.
[ ٨ / ٣٣٢٩ ]
٥٣١١ - وَعَنْهُ، قَالَ: «دَخَلَ رَجُلٌ عَلَى أَهْلِهِ، فَلَمَّا رَأَى مَا بِهِمْ مِنَ الْحَاجَةِ خَرَجَ إِلَى الْبَرِيَّةِ، فَلَمَّا رَأَتِ امْرَأَتُهُ قَامَتْ إِلَى الرَّحَى فَوَضَعَتْهَا، وَإِلَى التَّنُّورِ، فَسَجَرَتْهُ ثُمَّ قَالَتْ: اللَّهُمَّ ارْزُقْنَا، فَنَظَرَتْ فَإِذَا الْجَفْنَةُ قَدِ امْتَلَأَتْ. قَالَ: وَذَهَبَتْ إِلَى التَّنُّورِ، فَوَجَدَتْهُ مُمْتَلِئًا. قَالَ: فَرَجَعَ الزَّوْجُ، قَالَ: أَصَبْتُمْ بَعْدِي شَيْئًا؟ قَالَتِ امْرَأَتُهُ: نَعَمْ، مِنْ رَبِّنَا، وَقَامَ إِلَى الرَّحَى، فَذُكِرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ - ﷺ -، فَقَالَ: " أَمَا إِنَّهُ لَوْ لَمْ يَرْفَعْهَا لَمْ تَزَلْ تَدُورُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ» ". رَوَاهُ أَحْمَدُ.
_________________
(١) (وَعَنْهُ قَالَ: دَخَلَ رَجُلٌ عَلَى أَهْلِهِ) أَيْ: أَهْلِ بَيْتِهِ وَأَصْحَابِ نَفَقَتِهِ (فَلَمَّا رَأَى مَا بِهِمْ مِنَ الْحَاجَةِ) أَيْ: مِنَ الْجُوعِ وَالْفَاقَةِ (خَرَجَ إِلَى الْبَرِيَّةِ) أَيْ: إِلَى قِطْعَةٍ مِنَ الْأَرْضِ مَنْسُوبَةٍ إِلَى الْبَرِّ لِلتَّضَرُّعِ إِلَى خَالِقِ الْبَرِيَّةِ، (فَلَمَّا رَأَتِ امْرَأَتُهُ) أَيْ: خُلُوَّ يَدِ الرَّجُلِ وَإِدْبَارَهُ عَنِ الْأَهْلِ مِنَ الْحَيَاءِ وَالْخَجَلِ (قَامَتْ إِلَى الرَّحَى فَوَضَعَتْهَا)، أَيِ: الطَّبَقَةَ الْعُلْيَا عَلَى السُّفْلَى، وَالْمَعْنَى فَهَيَّأَتْهَا وَنَظَّفَتْهَا، (وَإِلَى التَّنُّورِ فَسَجَرَتْهُ)، بِتَخْفِيفِ الْجِيمِ وَتُشَدَّدُ أَيْ: أَوْقَدَتْهُ (ثُمَّ قَالَتْ): فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الْعَبْدَ يَسْعَى فِي طَلَبِ الْحَلَالِ مَا أَمْكَنَهُ الْوَقْتُ، وَيَقْتَضِيهِ الْحَالُ، ثُمَّ يَسْتَعِينُ فِي تَحْصِيلِ أَمْرِهِ إِلَى الْمَلِكِ الْمُتَعَالِ بِالدُّعَاءِ بِنَحْوِ: (اللَّهُمَّ ارْزُقْنَا) أَيْ: مِنْ عِنْدِكَ فَإِنَّكَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ. وَقَدِ انْقَطَعَ طَمَعُنَا عَنْ غَيْرِكَ وَلَا نَطْمَعُ إِلَّا فِي خَيْرِكَ (فَنَظَرَتْ) أَيْ: إِلَى الرَّحَى (فَإِذَا الْجَفْنَةُ): وَهِيَ الْقَصْعَةُ عَلَى مَا فِي الْقَامُوسِ أَوِ الْقَصْعَةُ الْكَبِيرَةُ عَلَى مَا فِي خُلَاصَةِ اللُّغَةِ، وَالْمُرَادُ هُنَا مَا يُوضَعُ تَحْتَ الرَّحَى لِيَجْتَمِعَ فِيهَا الدَّقِيقُ (قَدِ امْتَلَأَتْ) أَيْ: مِنَ الدَّقِيقِ (قَالَ) أَيِ: الرَّاوِي (وَذَهَبَتْ): وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ: فَذَهَبَتْ (إِلَى التَّنُّورِ) أَيْ: لِتَخْبِزَ فِيهِ مِنَ الدَّقِيقِ بَعْدَ عَجْنِهِ (فَوَجَدَتْهُ مُمْتَلِئًا) أَيْ: مِنَ الْخُبْزِ الْمُلْتَصِقِ بِهِ (قَالَ) . أَيِ: الرَّاوِي (فَرَجَعَ الزَّوْجُ) أَيْ:
[ ٨ / ٣٣٢٩ ]
رَاجِيًا لِمَا قَامَ بِأَمْرِ اللَّهِ دَاعِيًا (قَالَ) أَيِ: الزَّوْجُ وَهُوَ اسْتِئْنَافُ بَيَانٍ (أَصَبْتُمْ) أَيْ: أَكَلْتُمْ أَوْ حَصَّلْتُمْ (بَعْدِي شَيْئًا) أَيْ: مِنَ الْأَشْيَاءِ أَوْ مِنَ الْإِصَابَةِ (قَالَتِ امْرَأَتُهُ: نَعَمْ) أَيْ: أَصَبْنَا (مِنْ رَبِّنَا) أَيْ: مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا أَوْ مِنْ رِزْقِهِ وَمَا أَخْطَأَنَا، وَأَغْرَبَ الطِّيبِيُّ - ﵀ - فِي قَوْلِهِ: اللَّهُمَّ ارْزُقْنَا حَيْثُ قَالَ: دَعَتْ أَنْ تُصِيبَ زَوْجَهَا بِمَا تَطْحَنُهُ وَتَعْجِنُهُ وَتَخْبِزُهُ، فَهَيَّأَتِ الْأَسْبَابَ لِذَلِكَ، انْتَهَى. (وَقَامَ) أَيْ: فَتَعَجَّبَ الزَّوْجُ وَقَامَ (إِلَى الرَّحَى) أَيْ: وَرَفَعَهَا لِيَرَى أَثَرَهَا (فَذُكِرَ): بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ، وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ: فَذَكَرَ أَيْ: هُوَ بِنَفْسِهِ (ذَلِكَ) أَيْ: مَا ذُكِرَ مِنَ الْقَضِيَّةِ بِتَمَامِهَا (لِلنَّبِيِّ - ﷺ -، فَقَالَ: " أَمَا "): بِالتَّخْفِيفِ لِلتَّنْبِيهِ (" إِنَّهُ ") أَيِ: الشَّأْنَ (" لَوْ لَمْ يَرْفَعْهَا لَمْ تَزَلْ تَدُورُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ". رَوَاهُ أَحْمَدُ) .
[ ٨ / ٣٣٣٠ ]
٥٣١٢ - وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: " «إِنَّ الرِّزْقَ لَيَطْلُبُ الْعَبْدَ كَمَا يَطْلُبُهُ أَجَلُهُ» " رَوَاهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي (الْحِلْيَةِ) .
_________________
(١) (وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: " إِنَّ الرِّزْقَ لَيَطْلُبُ الْعَبْدَ كَمَا يَطْلُبُهُ أَجَلُهُ ") أَقُولُ: بَلْ حُصُولُ الرِّزْقِ أَسْبَقُ وَأَسْرَعُ مِنْ وُصُولِ أَجَلِهِ ; لِأَنَّ الْأَجَلَ لَا يَأْتِي إِلَّا بَعْدَ فَرَاغِ الرِّزْقِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ [الروم: ٤٠] (رَوَاهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي " الْحِلْيَةِ "): قَالَ مِيرَكُ نَقْلًا عَنِ الْمُنْذِرِيِّ: رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ فِي صَحِيحِهِ وَالْبَزَّارُ. وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ إِلَّا أَنَّهُ قَالَ: «إِنَّ الرِّزْقَ لَيَطْلُبُ الْعَبْدَ أَكْثَرَ مِمَّا يَطْلُبُهُ أَجَلُهُ» . قُلْتُ: وَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ عَدِيٍّ فِي الْكَامِلِ، وَهُوَ يُؤَيِّدُ مَا قَرَّرْتُهُ وَفِيمَا سَبَقَ مِنَ الْمَعْنَى حَرَّرْتُهُ، وَرَوَى أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْحِلْيَةِ عَنْ جَابِرٍ مَرْفُوعًا: «لَوْ أَنَّ ابْنَ آدَمَ هَرَبَ مِنْ رِزْقِهِ كَمَا يَهْرُبُ مِنَ الْمَوْتِ لَأَدْرَكَهُ رِزْقُهُ كَمَا يُدْرِكُهُ الْمَوْتُ» .
[ ٨ / ٣٣٣٠ ]
٥٣١٣ - وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ - ﵁ - قَالَ: «كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - يَحْكِي نَبِيًّا مِنَ الْأَنْبِيَاءِ، ضَرَبَهُ قَوْمُهُ فَأَدْمَوْهُ وَهُوَ يَمْسَحُ الدَّمَ عَنْ وَجْهِهِ وَيَقُولُ: " اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِقَوْمِي فَإِنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
_________________
(١) (وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -) أَيْ: فِي اسْتِحْضَارِ الْقَضِيَّةِ وَاسْتِحْفَاظِ الْقِصَّةِ (يَحْكِي نَبِيًّا) أَيْ: حَالَ كَوْنِهِ يَحْكِي حَالَ نَبِيٍّ (مِنَ الْأَنْبِيَاءِ، ضَرَبَهُ قَوْمُهُ) أَيْ: قَدْ ضَرَبَهُ قَوْمُهُ، فَهُوَ حَالٌ بِتَقْدِيرِ قَدْ، وَجُوِّزَ بِدُونِهِ أَيْضًا. قَالَ الطِّيبِيُّ - ﵀ -: قَوْلُهُ نَبِيًّا مَنْصُوبٌ عَلَى شَرِيطَةِ التَّفْسِيرِ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ: ضَرَبَهُ قَوْمُهُ، وَهُوَ حِكَايَةُ لَفْظِ الرَّسُولِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَيَجُوزُ أَنْ تُقَدِّرَ مُضَافًا أَيْ: يَحْكِي حَالَ نَبِيٍّ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ وَهُوَ مَعْنَى مَا تَلَفَّظَ بِهِ، وَحِينَئِذٍ ضَرَبَهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ صِفَةً لِلنَّبِيِّ، وَأَنْ يَكُونَ اسْتِئْنَافًا كَأَنَّ سَائِلًا سَأَلَ مَا حَكَاهُ فَقِيلَ ضَرَبَهُ قَوْمُهُ. (فَأَدْمَوْهُ) أَيْ: جَعَلُوهُ صَاحِبَ دَمٍ خَارِجٍ مِنْ رَأْسِهِ، (وَهُوَ يَمْسَحُ الدَّمَ عَنْ وَجْهِهِ) أَيْ: خَوْفًا مِنَ الْوُقُوعِ فِي فَمِهِ أَوْ عَيْنِهِ (وَيَقُولُ) أَيْ: مِنْ كَمَالِ صَبْرِهِ (اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِقَوْمِي) أَيْ: فِعْلَهُمْ هَذَا بِمَعْنَى لَا تُعَذِّبْهُمْ بِهِ فِي الدُّنْيَا وَلَا تَسْتَأْصِلْهُمْ، وَإِلَّا فَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ مَغْفِرَةَ الْكُفَّارِ بِمَعْنَى الْعَفْوِ عَنْ شِرْكِهِمْ وَكُفْرِهِمْ غَيْرُ جَائِزٍ بِالْإِجْمَاعِ، وَيُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ الْمَغْفِرَةُ كِنَايَةً عَنِ التَّوْبَةِ الْمُوجِبَةِ لِلْمَغْفِرَةِ وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ: (" فَإِنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ "): وَهَذَا مِنْ كَمَالِ حِلْمِهِ وَحُسْنِ خُلُقِهِ حَيْثُ أَذْنَبَ الْقَوْمُ، وَهُوَ يَعْتَذِرُ عَنْهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ أَنَّهُمْ مَا فَعَلُوا مَا فَعَلُوا إِلَّا لِجَهْلِهِمْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، فَفِيهِ إِشْعَارٌ بِأَنَّ الذَّنْبَ مَعَ الْجَهْلِ أَهْوَنُ فِي الْجُمْلَةِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الذَّنْبِ مَعَ الْعِلْمِ، وَلِذَا وَرَدَ: وَيْلٌ لِلْجَاهِلِ مَرَّةً وَوَيْلٌ لِلْعَالَمِ سَبْعَ مَرَّاتٍ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
[ ٨ / ٣٣٣٠ ]