الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
٥٥٣٢ - عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: " «يُحْشَرُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى أَرْضٍ بَيْضَاءَ عَفْرَاءَ كَقُرْصَةِ النَّقِيِّ لَيْسَ فِيهَا عَلَمٌ لِأَحَدٍ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
_________________
(١) بَابُ الْحَشْرِ فِي الْمُغْرِبِ: الْحَشْرُ الْجَمْعُ. قُلْتُ: وَهُوَ ضِدُّ النَّشْرِ. الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
(٢) (عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ): سَبَقَ ذِكْرُهُ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " يُحْشَرُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى أَرْضٍ بَيْضَاءَ، عَفْرَاءَ ") أَيْ: غَيْرَ شَدِيدَةِ الْبَيَاضِ، وَالْعُفْرَةُ لَوْنُ الْأَرْضِ، وَقِيلَ: الْمَعْنَى لَا يَخْلُصُ بَيَاضُهَا بَلْ يَضْرِبُ إِلَى الْحُمْرَةِ، (كَقُرْصَةِ النَّقِيِّ): بِفَتْحِ النُّونِ وَكَسْرِ الْقَافِ وَتَشْدِيدِ الْيَاءِ، وَهُوَ الدَّقِيقُ الْمَنْخُولُ الْمُنَظَّفُ الَّذِي يُتَّخَذُ مِنْهُ الْحُوَّارَّيُّ، وَالْقُرْصَةُ بِالضَّمِّ الرَّغِيفُ، وَالتَّاءُ لِلْوَحْدَةِ وَالتَّشْبِيهُ بِهَا فِي اللَّوْنِ وَالشَّكْلِ دُونَ الْقَدْرِ (لَيْسَ فِيهَا عَلَمٌ): بِفَتْحَتَيْنِ أَيْ عَلَامَةٌ (لِأَحَدٍ) يُرِيدُ بِهِ الْأَبْنِيَةَ، وَمَعْنَاهُ أَنَّهَا تَكُونُ قَاعًا لَا بِنَاءَ فِيهَا، ذَكَرَهُ الْقَاضِي ﵀. وَقَالَ الطِّيبِيُّ - ﵀: لَعَلَّ الظَّاهِرَ أَنَّ ذَلِكَ تَعْرِيضٌ بِأَرْضِ الدُّنْيَا، وَتَخْصِيصُ كُلٍّ مِنْ مُلَّاكِهَا بِقِطَعٍ مِنْهَا أَعْلَمُ، عَلَى نَحْوِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [غافر: ١٦] . (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
[ ٨ / ٣٥١٠ ]
٥٥٣٣ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: " «تَكُونُ الْأَرْضُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ خُبْزَةً وَاحِدَةً، يَتَكَفَّؤُهَا الْجَبَّارُ بِيَدِهِ كَمَا يَتَكَفَّأُ أَحَدُكُمْ خُبْزَتَهُ فِي السَّفَرِ نَزَلَ لِأَهْلِ الْجَنَّةِ ". فَأَتَى رَجُلٌ مِنَ الْيَهُودِ فَقَالَ: بَارَكَ الرَّحْمَنُ عَلَيْكَ يَا أَبَا الْقَاسِمِ! أَلَا أُخْبِرُكَ بِنُزُلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ فَقَالَ: " بَلَى ". قَالَ: تَكُونُ الْأَرْضُ خُبْزَةً وَاحِدَةً، كَمَا قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ - فَنَظَرَ النَّبِيُّ - ﷺ - إِلَيْنَا، ثُمَّ ضَحِكَ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ، ثُمَّ قَالَ: " أَلَا أُخْبِرُكَ بِأَدَامِهِمْ؟ بَالَامٌ وَالنُّونُ ". قَالُوا: وَمَا هَذَا؟ قَالَ: " ثَوْرٌ وَنُونٌ يَأْكُلُ مِنْ زَائِدَةِ كَبِدِهِمَا سَبْعُونَ أَلْفًا» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
_________________
(١) (وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: تَكُونُ الْأَرْضُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ خُبْزَةً وَاحِدَةً) أَيْ: كَخُبْزَةٍ وَاحِدَةٍ، فَهُوَ تَشْبِيهٌ بَلِيغٌ، أَوِ التَّقْدِيرُ: تَصِيرُ خُبْزَةً وَاحِدَةً، وَهُوَ الظَّاهِرُ عَلَى مَا سَيَأْتِي (يَتَكَفَّؤُهَا): بِالْهَمْزَةِ بَعْدَ تَشْدِيدِ الْفَاءِ. قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ - ﵀: هَذِهِ رِوَايَةُ كِتَابِ الْبُخَارِيِّ، وَرِوَايَةُ كِتَابِ مُسْلِمٍ يَكْفَؤُهَا بِسُكُونِ الْكَافِ وَالْهَمْزَةِ، مِنْ كَفَأْتُ الْإِنَاءَ أَيْ قَلَبْتُهُ، وَهُوَ الصَّوَابُ، وَالْمَعْنَى يُقَلِّبُهَا، (الْجَبَّارُ) أَيِ: الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (بِيَدِهِ) أَيْ: مِنْ يَدٍ إِلَى يَدٍ وَكِلْتَا يَدَيْهِ يَمِينٌ، وَلَعَلَّ الْمُرَادَ بِهِمَا الْقُدْرَةُ وَالْإِرَادَةُ، فَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ مُنَزَّهٌ عَنِ الْجَارِحَةِ، (كَمَا يَتَكَفَّؤُ أَحَدُكُمْ خُبْزَتَهُ) أَيْ: عَجِينَتَهُ ; فَهِيَ تَسْمِيَةٌ بِالْمَآلِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا﴾ [يوسف: ٣٦]، (فِي السَّفَرِ): بِفَتْحَتَيْنِ، وَقِيلَ: بِضَمِّ أَوَّلِهِ جَمْعُ سُفْرَةٍ، فَالْأَوَّلُ ظَرْفُ الزَّمَانِ، وَالثَّانِي مَكَانُ الْبَيَانِ، وَالْمَعْنَى كَمَا يُفْعَلُ بِالْعَجِينَةِ إِذَا أُرِيدَ بِهِ تَرْقِيقُهَا وَاسْتِوَاؤُهَا حَتَّى تُلْقَى عَلَى الْمَلَّةِ فِي السَّفَرِ اسْتِعْجَالًا، (نُزُلًا): بِضَمَّتَيْنِ وَيُسَكَّنُ الثَّانِي، ذَكَرَهُ ابْنُ الْمَلَكِ أَيْ إِضَافَةً (لِأَهْلِ الْجَنَّةِ): وَهُوَ مَا يُسْتَعْجَلُ لِلضَّيْفِ مِنَ الطَّعَامِ. قَالَ النَّوَوِيُّ - ﵀: يَتَكَفَّؤُهَا بِالْهَمْزِ أَيْ: يُقَلِّبُهَا وَيُمِيلُهَا مِنْ يَدٍ إِلَى يَدٍ حَتَّى تَجْتَمِعَ وَتَسْتَوِيَ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مَبْسُوطَةً كَالرُّقَاقَةِ وَنَحْوِهَا، وَفِي نُسْخَةِ مُسْلِمٍ: وَيَكْفَؤُهَا بِالْهَمْزِ، وَالْخُبْزَةُ هِيَ الطُّلْمَةُ الَّتِي تُوضَعُ فِي الْمَلَّةِ، وَالْمَعْنَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَجْعَلُ الْأَرْضَ كَالطُّلْمَةِ وَالرَّغِيفِ الْعَظِيمِ يَكُونُ ذَلِكَ طَعَامًا نُزُلًا لِأَهْلِ الْجَنَّةِ، وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ - ﵀: أَرَى الْحَدِيثَ مُشْكِلًا جِدًّا غَيْرَ مُسْتَنْكِرٍ شَيْئًا مِنْ صُنْعِ اللَّهِ تَعَالَى وَعَجَائِبِ فِطْرَتِهِ، بَلْ لِعَدَمِ التَّوْفِيقِ الَّذِي يَكُونُ مُوجِبًا لِلْعِلْمِ فِي قَلْبِ جِرْمِ الْأَرْضِ مِنَ الطَّبْعِ الَّذِي عَلَيْهِ إِلَى طَبْعِ الْمَطْعُومِ وَالْمَأْكُولِ، مَعَ مَا وَرَدَ فِي الْآثَارِ الْمَنْقُولَةِ، أَيْ: هَذِهِ الْأَرْضُ بَرُّهَا وَبَحْرُهَا تَمْتَلِئُ نَارًا قِي النَّشْأَةِ الثَّانِيَةِ وَتَنْضَمُّ إِلَى جَهَنَّمَ، فَنَرَى الْوَجْهَ فِيهِ أَنْ نَقُولَ مَعْنَى قَوْلِهِ خُبْزَةً وَاحِدَةً أَيْ: كَخُبْزَةٍ وَاحِدَةٍ مِنْ نَعْتِهَا كَذَا وَكَذَا، وَهُوَ مِثْلُ مَا فِي حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ: كَقُرْصَةِ النَّقِيِّ، وَإِنَّمَا ضُرِبَ الْمَثَلُ بِقُرْصَةِ النَّقِيِّ لِاسْتِدَارَتِهَا وَبَيَاضِهَا عَلَى مَا ذَكَرْنَا، وَفِي الْحَدِيثِ ضَرْبُ الْمَثَلِ بِخُبْزَةٍ تُشْبِهُ الْأَرْضَ هَيْئَةً وَشَكْلًا وَمِسَاحَةً، فَاشْتَمَلَ الْحَدِيثُ عَلَى مَعْنَيَيْنِ، أَحَدُهُمَا بَيَانُ الْهَيْئَةِ الَّتِي تَكُونُ الْأَرْضُ عَلَيْهَا يَوْمَئِذٍ، وَالْآخَرُ بَيَانُ الْخُبْزَةِ الَّتِي يُهَيِّئُهَا اللَّهُ تَعَالَى نُزُلًا لِأَهْلِ الْجَنَّةِ، وَبَيَانُ عِظَمِ مِقْدَارِهَا إِبْدَاعًا وَاخْتِرَاعًا مِنَ الْقَادِرِ الْحَكِيمِ الَّذِي لَا يُعْجِزُهُ أَمْرٌ وَلَا يَعُوزُهُ شَيْءٌ اهـ. وَأَطْنَبَ الطِّيبِيُّ - ﵀ - هُنَا بِمَا لَا طَائِلَ تَحْتَهُ، فَأَعْرَضْنَا عَنْ ذِكْرِهِ، وَقِيلَ: الْحَدِيثُ مُشْكِلٌ لَا مِنْ جِهَةِ إِنْكَارِ قُدْرَتِهِ، بَلْ مِنْ جِهَةِ عَدَمِ التَّوْفِيقِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ حَدِيثِ: إِنَّ هَذِهِ الْأَرْضَ تَصِيرُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ نَارًا، وَأُجِيبَ: بِأَنَّهُ شَبَّهَ أَرْضَ الْحَشْرِ بِالْخُبْزَةِ فِي الِاسْتِوَاءِ وَالْبَيَاضِ، كَمَا فِي حَدِيثِ سَهْلٍ، وَشَبَّهَ أَرْضَ الْجَنَّةِ كَمَا فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ فِي كَوْنِهَا نُزُلًا لِأَهْلِهَا تَكْرِمَةً لَهُمْ بِعُجَالَةِ الرَّاكِبِ زَادًا يَقْنَعُ بِهِ فِي سَفَرِهِ، وَلَكِنَّ آخِرَ هَذَا الْحَدِيثِ يُشْعِرُ بِأَنَّ كَوْنَ الْأَرْضِ خُبْزَةً عَلَى التَّجَوُّزِ، وَالْأَوْلَى الْحَمْلُ عَلَى الْحَقِيقَةِ مَهْمَا أَمْكَنَ، وَقُدْرَتُهُ تَعَالَى صَالِحَةٌ لِذَلِكَ، بَلِ اعْتِقَادُ كَوْنِهِ حَقِيقَةً أَبْلَغُ بِأَنْ يَقْلِبَ اللَّهُ تَعَالَى بِقُدْرَتِهِ الْكَامِلَةِ طَبْعَ الْأَرْضِ حَتَّى يَأْكُلُوا مِنْهَا تَحْتَ أَقْدَامِهِمْ مَا شَاءَ اللَّهُ، بِغَيْرِ كُلْفَةٍ وَلَا عِلَاجٍ، وَبِهَذَا يَتَبَيَّنُ ضَعْفَ مَا قَالَهُ الْقَاضِي مِنْ أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِذَلِكَ أَنَّ جِرْمَ الْأَرْضِ يَنْقَلِبُ خُبْزَةً فِي الشَّكْلِ وَالطَّبْعِ، وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ أَنَّهَا تَكُونُ حِينَئِذٍ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا أَعَدَّ اللَّهُ لِأَهْلِ الْجَنَّةِ كَقُرْصَةِ نَقِيٍّ، يَسْتَعْجِلُ الْمُضِيفُ بِهَا نُزُلًا لِلضَّيْفِ، ثُمَّ تَعْرِيفُ الْأَرْضِ فِي الْحَدِيثِ كَتَعْرِيفِهَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠٥]، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هِيَ أَرْضُ الْجَنَّةِ، هَذَا وَمِمَّا يُؤَيِّدُ الْحَمْلَ عَلَى الْحَقِيقَةِ قَوْلُ
[ ٨ / ٣٥١١ ]
الرَّاوِي: (فَأَتَى رَجُلٌ مِنَ الْيَهُودِ) أَيْ: مِنْ أَحْبَارِهِمْ (فَقَالَ: بَارَكَ الرَّحْمَنُ عَلَيْكَ): دَعَا لَهُ بِنُزُولِ كَثْرَةِ الرَّحْمَةِ عَلَيْهِ، أَوْ إِخْبَارًا عَنْهُ (يَا أَبَا الْقَاسِمِ!): كَنَّاهُ تَعْظِيمًا (أَلَا أُخْبِرُكَ بِنُزُلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ فَقَالَ: بَلَى. قَالَ: تَكُونُ الْأَرْضُ خُبْزَةً وَاحِدَةً، كَمَا قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ - فَنَظَرَ النَّبِيُّ - ﷺ - إِلَيْنَا) أَيِ: الْتِفَاتٌ وَتَعَجُّبٌ وَتَنْبِيهٌ (ثُمَّ ضَحِكَ) أَيْ: فَرَحًا لِلْمُطَابَقَةِ وَالْمُوَافَقَةِ (حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ) أَيْ: ظَهَرَتْ آخِرُ أَضْرَاسِهِ وَهُوَ كِنَايَةٌ عَنِ الْمُبَالَغَةِ، (ثُمَّ قَالَ) أَيِ: الْيَهُودِيُّ كَمَا فِي نُسْخَةٍ (أَلَا أُخْبِرُكَ بِأَدَامِهِمْ)؟ أَيْ بِمَا يَأْتَدِمُ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْخُبْزَةَ بِهِ (بَالَامٌ) أَيْ: هُوَ بَالَامٌ وَهُوَ عَلَى وَزْنِ فَاعَانٌ أَيْ ثَوْرٌ، (وَالنُّونُ) أَيِ: السَّمَكُ (قَالُوا) أَيِ: الصَّحَابَةُ (وَمَا هَذَا)؟ أَيْ مَا مَعْنَى الَّذِي ذَكَرْتَهُ (قَالَ: ثَوْرٌ وَنُونٌ يَأْكُلُ مِنْ زَائِدَةِ كَبِدِهِمَا سَبْعُونَ أَلْفًا)، قَالَ النَّوَوِيُّ - ﵀: أَمَّا النُّونُ فَهُوَ الْحُوتُ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ، وَأَمَّا بَالَامٌ فَبِبَاءٍ مُوَحَّدَةٍ مَفْتُوحَةٍ وَتَخْفِيفِ لَامٍ وَمِيمٍ مُنَوَّنَةٍ مَرْفُوعَةٍ، وَفِي مَعْنَاهُ أَقْوَالٌ، وَالصَّحِيحُ مِنْهَا مَا اخْتَارَهُ الْمُحَقِّقُونَ مِنْ أَنَّهَا لَفْظَةٌ عِبْرَانِيَّةٌ مَعْنَاهَا بِالْعَرَبِيَّةِ الثَّوْرُ، وَفَسَّرَ الْيَهُودِيُّ بِهِ، وَلَوْ كَانَتْ عَرَبِيَّةً لَعَرَفَهَا الصَّحَابَةُ وَلَمْ يَحْتَاجُوا إِلَى سُؤَالِهِ عَنْهَا، وَأَمَّا قَوْلُهُ: يَأْكُلُ مِنْهَا سَبْعُونَ أَلْفًا فَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ - ﵀: إِنَّهُمُ السَّبْعُونَ أَلْفًا الَّذِينَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ بِلَا حِسَابٍ ; فَخُصُّوا بِأَطْيَبِ النُّزُلِ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ عَبَّرَ بِهِ مِنَ الْعَدَدِ الْكَثِيرِ، وَلَمْ يُرِدِ الْحَصْرَ فِي ذَلِكَ الْقَدْرِ، وَهَذَا مَعْرُوفٌ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
[ ٨ / ٣٥١٢ ]
٥٥٣٤ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: " «يُحْشَرُ النَّاسُ عَلَى ثَلَاثِ طَرَائِقَ: رَاغِبِينَ، رَاهِبِينَ، وَاثْنَانِ عَلَى بَعِيرٍ، وَثَلَاثَةٌ عَلَى بَعِيرٍ، وَأَرْبَعَةٌ عَلَى بَعِيرٍ، وَعَشَرَةٌ عَلَى بَعِيرٍ، وَتَحْشُرُ بَقِيَّتَهُمُ النَّارُ، تَقِيلُ مَعَهُمْ حَيْثُ قَالُوا، وَتَبِيتُ مَعَهُمْ حَيْثُ بَاتُوا، وَتُصْبِحُ مَعَهُمْ حَيْثُ أَصْبَحُوا، وَتُمْسِي مَعَهُمْ حَيْثُ أَمْسَوْا» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
_________________
(١) (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: يُحْشَرُ النَّاسُ) أَيْ: بَعْدَ الْبَعْثِ (عَلَى ثَلَاثِ طَرَائِقَ) أَيْ: فِرَقٍ، وَأَصْنَافُ الرُّكْبَانِ عَلَى طَرِيقَةٍ وَاحِدَةٍ مِنْ تِلْكَ الثَّلَاثِ، وَالْبَقِيَّةُ تَتَنَاوَلُ الطَّرِيقَتَيْنِ الْأَخِيرَتَيْنِ، وَهُمَا الْمُشَاةُ وَالَّذِينَ عَلَى وُجُوهِهِمْ، كَمَا سَيَأْتِي فِي الْفَصْلِ الثَّانِي، (رَاغِبِينَ) أَيْ: فِي الْجَنَّةِ لِمَا فِيهَا مِنْ لِقَاءِ رَبِّهِمْ وَهُوَ بَدَلٌ عَنْ ثَلَاثٍ، وَهُوَ وَاحِدُ الْفِرَقِ، وَهُمُ الَّذِينَ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ، (رَاهِبِينَ) أَيْ: مِنَ النَّارِ، وَهُمُ الَّذِينَ يَخَافُونَ، وَلَكِنْ يُنَجَّوْنَ مِنْهَا وَهُمُ الْفِرْقَةُ الثَّانِيَةُ، فَفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلَى أَنَّ طَاعَةَ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى الرَّجَاءِ أَوْلَى مِنْ عِبَادَتِهِ عَلَى الْخَوْفِ ; وَلِذَا سُمِّيَ الْأَوَّلُونَ الطَّيَّارِينَ، وَالْآخَرُونَ السَّيَّارِينَ، وَتَحْقِيقُهُ فِي كُتُبِ التَّصَوُّفِ، وَيَعْرِفُهُ أَهْلُ التَّعَرُّفِ. وَجُمْلَةُ الْكَلَامِ أَنَّ الْمُرَادَ بِالرَّاغِبِينَ مَنْ غَلَبَ عَلَيْهِمُ الرَّجَاءُ، وَبِالرَّاهِبِينَ مَنْ غَلَبَ عَلَيْهِمُ الْخَوْفُ، قَالَ تَعَالَى: ﴿يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ [السجدة: ١٦]، وَإِنَّمَا قَدَّمَ الْخَوْفَ فِي الْآيَةِ ; لِأَنَّهُ أَنْسَبُ بِعُمُومِ الْعَامَّةِ لَا سِيَّمَا فِي الْبِدَايَةِ، (وَاثْنَانِ عَلَى بَعِيرٍ) أَيِ: اعْتِقَابًا أَوِ اجْتِمَاعًا وَهُوَ الْأَظْهَرُ (وَثَلَاثَةٌ عَلَى بَعِيرٍ، وَأَرْبَعَةٌ عَلَى بَعِيرٍ، وَعَشْرٌ عَلَى بَعِيرٍ): فَعَلَى مِقْدَارِ مَرَاتِبِهِمْ يَسْتَرِيحُونَ عَلَى مَرَاكِبِهِمْ، وَالْبَاقُونَ يَمْشُونَ عَلَى أَقْدَامِهِمْ عَلَى قَدْرِ أَقْدَامِهِمْ. قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: قَوْلُهُ: وَاثْنَانِ عَلَى بَعِيرٍ الْوَاوُ فِيهِ لِلْحَالِ، وَصِفَةُ الْمُبْتَدَأِ مَحْذُوفٌ أَيِ اثْنَانِ مِنْهُمْ، وَكَذَا الْحُكْمُ فِيمَا بَعْدَهُ، وَهَذِهِ الْأَعْدَادُ تَفْصِيلٌ لِمَرَاتِبِهِمْ عَلَى سَبِيلِ الْكِنَايَةِ وَالتَّمْثِيلِ، فَمَنْ كَانَ أَعْلَى مَرَاتِبِهِ كَانَ أَقَلَّ شَرِكَةً وَأَشَدَّ سُرْعَةً وَأَكْثَرَ سِبَاقًا. فَإِنْ قُلْتَ: كَوْنُ الِاثْنَيْنِ وَإِخْوَاتِهِ عَلَى الْبَعِيرِ بِطَرِيقِ الِاجْتِمَاعِ أَمِ الِاعْتِقَابِ؟ قُلْنَا: قَالَ شَارِحٌ: السُّنَّةُ بِطَرِيقِ الِاعْتِقَابِ، لَكِنَّ الْأَوْلَى أَنْ يُحْمَلَ عَلَى الِاجْتِمَاعِ ; إِذْ فِي الِاعْتِقَابِ لَا يَكُونُ الِاثْنَانِ وَالثَّلَاثَةُ عَلَى بَعِيرٍ حَقِيقَةً، وَإِنَّمَا اقْتُصِرَ عَلَى ذِكْرِ الْعَشْرِ إِشَارَةً إِلَى أَنَّهُ غَايَةُ عَدَدِ الرَّاكِبِينَ عَلَى ذَلِكَ الْبَعِيرِ الْمُحْتَمِلِ لِلْعَشَرَةِ مِنْ بَدَائِعِ فِطْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى، كَنَاقَةِ صَالِحٍ ; حَيْثُ قَوَّى مَا لَا يَقْوَى مِنَ الْبُعْرَانِ وَإِنَّمَا لَمْ يَذْكُرِ الْخَمْسَةَ وَالسِّتَّةَ وَغَيْرَهُمَا إِلَى الْعَشَرَةِ لِلْإِيجَازِ.
[ ٨ / ٣٥١٢ ]
(وَتَحْشُرُ بَقِيَّتَهُمْ) أَيْ: تَجْمَعُهُمُ (النَّارُ تَقِيلُ): بِفَتْحِ أَوَّلِهِ مِنَ الْقَيْلُولَةِ وَفَاعِلُهُ النَّارُ، وَالْمُرَادُ أَنَّهَا تَكُونُ (مَعَهُمْ): فِي النَّهَارِ (حَيْثُ قَالُوا) أَيْ: كَانُوا أَوِ اسْتَرَاحُوا (وَتَبِيتُ): أَيِ النَّارُ (مَعَهُمْ حَيْثُ بَاتُوا) أَيْ: كَانُوا فِي اللَّيْلِ (وَتُصْبِحُ مَعَهُمْ حَيْثُ أَصْبَحُوا) أَيْ: دَخَلُوا فِي الصَّبَاحِ (وَتُمْسِي مَعَهُمْ حَيْثُ أَمْسَوْا): وَالْمَقْصُودُ أَنَّ النَّارَ تَلْزَمُهُمْ بِحَيْثُ لَا تُفَارِقُهُمْ أَبَدًا. هَذَا مُجْمَلُ الْكَلَامِ فِي تَحْصِيلِ الْمَرَامِ.
وَأَمَّا تَفْصِيلُهُ، فَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: الْحَشْرُ الْمَذْكُورُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ إِنَّمَا يَكُونُ قَبْلَ قِيَامِ السَّاعَةِ يُحْشَرُ النَّاسُ أَحْيَاءً إِلَى الشَّامِ، وَأَمَّا الْحَشْرُ بَعْدَ الْبَعْثِ مِنَ الْقُبُورِ، فَإِنَّهُ عَلَى خِلَافِ هَذِهِ الصُّورَةِ مِنْ رُكُوبِ الْإِبِلِ وَالْمُعَاقَبَةِ عَلَيْهَا، وَإِنَّمَا هُوَ عَلَى مَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ: إِنَّهُمْ يُبْعَثُونَ حُفَاةً عُرَاةً، وَفُسِّرَ ثَلَاثَةٌ عَلَى بَعِيرٍ وَأَرْبَعَةٌ عَلَى بَعِيرٍ، عَلَى أَنَّهُمْ يَعْتَقِبُونَ الْبَعِيرَ الْوَاحِدَ يَرْكَبُ بَعْضُهُمْ وَيَمْشِي بَعْضُهُمْ.
قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ - ﵀: قَوْلُ مَنْ يَحْمِلُ الْحَشْرَ عَلَى الْحَشْرِ الَّذِي هُوَ بَعْدَ الْبَعْثِ فِي الْقُبُورِ أَشَدُّ وَأَقْوَى، وَأَشْبَهُ بِسِيَاقِ الْحَدِيثِ مِنْ وُجُوهٍ، أَحَدُهَا: أَنَّ الْحَشْرَ عَلَى الْإِطْلَاقِ فِي مُتَعَارَفِ الشَّرْعِ لَا يُرَادُ مِنْهُ إِلَّا الْحَشْرُ الَّذِي بَعْدَ قِيَامِ السَّاعَةِ، إِلَّا أَنْ يُخَصَّ بِنَوْعٍ مِنَ الدَّلِيلِ، وَلَمْ نَجِدْ هَاهُنَا، وَالْآخَرُ: أَنَّ التَّقْسِيمَ الَّذِي ذُكِرَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ لَا يَسْتَقِيمُ فِي الْحَشْرِ إِلَى أَرْضِ الشَّامِ ; لِأَنَّ الْمُهَاجِرَ إِلَيْهَا لَا بُدَّ وَأَنْ يَكُونَ رَاغِبًا رَاهِبًا، أَوْ رَاهِبًا، فَأَمَّا أَنْ يَكُونَ رَاغِبًا وَرَاهِبًا، وَتَكُونَ هَذِهِ طَرِيقَةً وَاحِدَةً لَا ثَانِيَ لَهَا مِنْ جِنْسِهَا فَلَا. وَالثَّالِثُ: أَنَّ حَشْرَ النَّارِ يُقَيِّدُ الطَّائِفَتَيْنِ عَلَى مَا ذَكَرَهُ فِي الْحَدِيثِ إِلَى أَرْضِ الشَّامِ، وَالْتِزَامُهَا لَهُمْ حَتَّى لَا تُفَارِقَهُمْ فِي مَقِيلٍ وَلَا مَبِيتٍ، وَلَا صَبَاحٍ وَلَا مَسَاءٍ، قَوْلٌ لَمْ يَرِدْ بِهِ التَّوْقِيفُ، وَلَمْ يَكُنْ لَنَا أَنْ نَقُولَ بِتَسْلِيطِ النَّارِ عَلَى أُولِي الشَّقَاوَةِ فِي هَذِهِ الدَّارِ مِنْ غَيْرِ تَوْقِيفٍ. وَالرَّابِعُ: وَهُوَ أَقْوَى الدَّلَائِلِ وَأَوْثَقُهَا مَا رُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَهُوَ فِي الْحِسَانِ مِنْ هَذَا الْبَابِ: يُحْشَرُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثَلَاثَةَ أَصْنَافٍ الْحَدِيثَ. وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ مِنْ بَعْثِ النَّاسِ حُفَاةً عُرَاةً، فَلَا تَضَادَّ بَيْنَ الْقَضِيَّتَيْنِ ; لِأَنَّ إِحْدَاهَا حَالَةُ الْبَعْثِ مِنَ النَّشْرِ، وَأُخْرَى حَالَةُ السَّوْقِ إِلَى الْمَحْشَرِ، وَنَرَى التَّقْسِيمَ الَّذِي جَاءَ بِهِ الْحَدِيثُ التَّقْسِيمَ الَّذِي جَاءَ بِهِ التَّنْزِيلُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِذَا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا - وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا - فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا - وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً﴾ [الواقعة: ٤ - ٧] الْآيَاتِ، فَقَوْلُهُ رَاغِبِينَ رَاهِبِينَ يُرِيدُ بِهِ عَوَامَّ الْمُؤْمِنِينَ، وَهُمْ ذَوُو الْهَنَاتِ الَّذِينَ يَتَرَدَّدُونَ بَيْنَ الْخَوْفِ وَالرَّجَاءِ بَعْدَ زَوَالِ التَّكْلِيفِ، فَتَارَةً يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللَّهِ لِإِيمَانِهِمْ، وَتَارَةً يَخَافُونَ عَذَابَهُ لِمَا اجْتَرَحُوا مِنَ السَّيِّئَاتِ، وَهُمْ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ فِي كِتَابِ اللَّهِ عَلَى مَا فِي الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ أَيْضًا أَبُو هُرَيْرَةَ، وَهُوَ فِي الْحِسَانِ مِنْ هَذَا الْبَابِ، وَقَوْلُهُ: وَاثْنَانِ عَلَى بَعِيرٍ، فَالْمُرَادُ مِنْهُ أُولُو السَّابِقَةِ مِنْ أَفَاضِلِ الْمُؤْمِنِينَ، وَهُمُ السَّابِقُونَ، وَقَوْلُهُ: وَيَحْشُرُ بَقِيَّتَهُمُ النَّارُ، يُرِيدُ أَصْحَابَ الْمَشْأَمَةِ. فَهَذِهِ ثَلَاثُ طَرَائِقَ، فَإِنْ قِيلَ: فَلِمَ لَمْ يَذْكُرْ مِنَ السَّابِقِينَ مَنْ يَتَفَرَّدُ بِفَرْدِ مَرْكَبٍ لَا يُشَارِكُهُ فِيهِ أَحَدٌ، قُلْنَا لِأَنَّهُ عُرِفَ أَنَّ ذَلِكَ مَجْعُولٌ لِمَنْ فَوْقَهُمْ فِي الْمَرْتَبَةِ مِنْ أَنْبِيَاءِ اللَّهِ لِيَقَعَ الِامْتِيَازُ بَيْنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ فِي الْمَرَاكِبِ كَمَا وَقَعَ فِي الْمَرَاتِبِ اهـ. وَعَارَضَهُ الطِّيبِيُّ - ﵀ - بِمَا لَا طَائِلَ تَحْتَهُ فَحَذَفْنَا بَحْثَهُ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
[ ٨ / ٣٥١٣ ]
٥٥٣٥ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ - عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: " «إِنَّكُمْ مَحْشُورُونَ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلًا " ثُمَّ قَرَأَ: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٤]، " وَأَوَّلُ مَنْ يُكْسَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِبْرَاهِيمُ، وَإِنَّ نَاسًا مِنْ أَصْحَابِي يُؤْخَذُ بِهِمْ ذَاتَ الشِّمَالِ فَأَقُولُ: أُصَيْحَابِي أُصَيْحَابِي فَيَقُولُ: إِنَّهُمْ لَنْ يَزَالُوا مُرْتَدِّينَ عَلَى أَعْقَابِهِمْ مُنْذُ فَارَقْتَهُمْ. فَأَقُولُ أَيْ قَالَ الْعَبْدُ الصَّالِحُ: ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ﴾ [المائدة: ١١٧] إِلَى قَوْلِهِ: الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
_________________
(١) (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: إِنَّكُمْ مَحْشُورُونَ) أَيْ: سَتُبْعَثُونَ (حُفَاةً): بِضَمِّ الْحَاءِ جَمْعُ حَافٍ وَهُوَ الَّذِي لَا نَعْلَ لَهُ (عُرَاةً): بِضَمِّ الْعَيْنِ جَمْعُ عَارٍ وَهُوَ مَنْ لَا سِتْرَ لَهُ (غُرْلًا): بِضَمِّ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الرَّاءِ، جَمْعُ الْأَغْرَلِ، وَهُوَ الْأَقْلَفُ أَيْ غَيْرَ مَخْتُونِينَ. قَالَ الْعُلَمَاءُ: فِي قَوْلِهِ: غُرْلًا إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الْبَعْثَ يَكُونُ بَعْدَ رَدِّ تَمَامِ الْأَجْزَاءِ وَالْأَعْضَاءِ الزَّائِلَةِ فِي الدُّنْيَا إِلَى الْبَدَنِ، وَفِيهِ تَأْكِيدٌ لِذَلِكَ، فَإِنَّ الْقُلْفَةَ كَانَتْ وَاجِبَةَ الْإِزَالَةِ فِي الدُّنْيَا، فَغَيْرُهَا مِنَ الْأَشْعَارِ وَالْأَظْفَارِ وَالْأَسْنَانِ وَنَحْوِهَا أَوْلَى، وَذَلِكَ لِغَايَةِ تَعَلُّقِ عِلْمِ اللَّهِ تَعَالَى بِالْكُلِّيَّاتِ وَالْجُزْئِيَّاتِ، وَنِهَايَةِ قُدْرَتِهِ
[ ٨ / ٣٥١٣ ]
بِالْأَشْيَاءِ الْمُمْكِنَاتِ، (ثُمَّ قَرَأَ) أَيِ: اسْتِشْهَادًا، وَاعْتِضَادًا، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾ [الأنبياء: ١٠٤]: الْكَافُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ نُعِيدُهُ أَيْ نُعِيدُ الْخَلْقَ إِعَادَةً مِثْلَ الْأَوَّلِ، وَالْمَعْنَى: بَدَأْنَاهُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِهِمْ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلًا، كَذَا نُعِيدُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴿وَعْدًا عَلَيْنَا﴾ [الأنبياء: ١٠٤] أَيْ: لَازِمًا لَا يَجُوزُ الْخُلْفُ فِيهِ ﴿إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٤] أَيْ مَا وَعَدْنَاهُ وَأَخْبَرْنَا بِهِ لَا مَحَالَةَ.
قَالَ الطِّيبِيُّ - ﵀: فَإِنْ قُلْتَ: سِيَاقُ الْآيَةِ فِي إِثْبَاتِ الْحَشْرِ وَالنَّشْرِ ; لِأَنَّ الْمَعْنَى نُوجِدُكُمْ عَنِ الْعَدَمِ، كَمَا أَوَجَدْنَاكُمْ أَوَّلًا عَنِ الْعَدَمِ، فَكَيْفَ يُسْتَشْهَدُ بِهَا لِلْمَعْنَى الْمَذْكُورِ؟ قُلْتُ: دَلَّ سِيَاقُ الْآيَةِ وَعِبَارَتُهَا عَلَى إِثْبَاتِ الْحَشْرِ، وَإِشَارَتُهَا عَلَى الْمَعْنَى الْمُرَادِ مِنَ الْحَدِيثِ، فَهُوَ مِنْ بَابِ الْإِدْمَاجِ. قُلْتُ: الظَّاهِرُ أَنَّ الْآيَةَ بِعِبَارَتِهَا تَدُلُّ عَلَى الْمَعْنَيَيْنِ وَإِنْ كَانَ سِيَاقُ الْآيَةِ مُخْتَصًّا لِأَحَدِهِمَا، فَإِنَّ الْعِبْرَةَ لِعُمُومِ اللَّفْظِ لَا بِخُصُوصِ السَّبَبِ، ثُمَّ فِي قَوْلِهِ: نُوجِدُكُمْ مِنَ الْعَدَمِ مُسَامَحَةٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (وَأَوَّلُ مَنْ يُكْسَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِبْرَاهِيمُ): ﵊، قِيلَ: لِأَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ كَسَا الْفُقَرَاءَ، وَقِيلَ: لِأَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ عَرِيَ فِي ذَاتِ اللَّهِ حِينَ أُلْقِيَ فِي النَّارِ، لَا لِأَنَّهُ أَفْضَلُ مِنْ نَبِيِّنَا، أَوْ لِكَوْنِهِ أَبَاهُ فَقَدَّمَهُ لِعِزَّةِ الْأُبُوَّةِ، عَلَى أَنَّهُ قِيلَ: إِنَّ نَبِيَّنَا يَخْرُجُ فِي النَّاسِ مِنْ قَبْرِهِ فِي ثِيَابِهِ الَّتِي دُفِنَ فِيهَا، وَعِنْدِي - وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ - أَنَّ الْأَنْبِيَاءَ، يَقُومُونَ مِنْ قُبُورِهِمْ حُفَاةً عُرَاةً، لَكِنْ يَلْبَسُونَ أَكْفَانَهُمْ بِحَيْثُ لَا تُكْشَفُ عَوْرَاتُهُمْ عَلَى أَحَدٍ، وَلَا عَلَى أَنْفُسِهِمْ، وَهُوَ الْمُنَاسِبُ لِقَوْلِهِ - ﷺ: («أَخْرُجُ مِنْ قَبْرِي وَأَبُو بَكْرٍ عَنْ يَمِينِي وَعُمَرُ عَنْ يَسَارِي وَآتِي الْبَقِيعَ») الْحَدِيثَ. ثُمَّ يَرْكَبُونَ النُّوقَ وَنَحْوَهَا، وَيَحْضُرُونَ الْمَحْشَرَ، فَيَكُونُ هَذَا الْإِلْبَاسُ مَحْمُولًا عَلَى الْخِلَعِ الْإِلَهِيَّةِ، وَالْحُلَلِ الْجَنَّتِيَّةِ، عَلَى الطَّائِفَةِ الِاصْطِفَائِيَّةِ، وَأَوَّلِيَّةُ إِبْرَاهِيمَ - ﵊ - يَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ حَقِيقِيَّةً، أَوْ إِضَافِيَّةً، وَاللَّهُ ﷾ أَعْلَمُ.
ثُمَّ رَأَيْتُ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ حَدِيثَ: " «أَنَا أَوَّلُ مَنْ تَنْشَقُّ عَنْهُ الْأَرْضُ فَأُكْسَى حُلَّةً مِنْ حُلَلِ الْجَنَّةِ، ثُمَّ أَقُومُ عَنْ يَمِينِ الْعَرْشِ، لَيْسَ أَحَدٌ مِنَ الْخَلَائِقِ يَقُومُ ذَلِكَ الْمَقَامَ غَيْرِي» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالْحَاكِمُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: " «أَنَا أَوَّلُ مَنْ تَنْشَقُّ عَنْهُ الْأَرْضُ، ثُمَّ أَبُو بَكْرٍ، ثُمَّ عُمَرُ، ثُمَّ آتِي أَهْلَ الْبَقِيعِ فَيُحْشَرُونَ مَعِي، ثُمَّ أَنْتَظِرُ أَهْلَ مَكَّةَ» ". وَقَالَ التُّورِبِشْتِيُّ - ﵀: نَرَى أَنَّ التَّقَدُّمَ بِهَذِهِ الْفَضِيلَةِ إِنَّمَا وَقَعَ لِإِبْرَاهِيمَ - ﵊ - لِأَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ عَرِيَ فِي ذَاتِ اللَّهِ حِينَ أَرَادُوا إِلْقَاءَهُ فِي النَّارِ، فَإِنْ قِيلَ: أَوَلَيْسَ نَبِيُّنَا - ﷺ - هُوَ الْمَحْكُومَ لَهُ بِالْفَضْلِ عَلَى سَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ، وَتَأَخُّرُهُ فِي ذَلِكَ مُوهِمٌ أَنَّ الْفَضْلَ لِلسَّابِقِ؟ قُلْنَا: إِذَا اسْتَأْثَرَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ عَبْدًا بِفَضْلِهِ عَلَى آخَرَ، وَاسْتَأْثَرَ الْمُسْتَأْثَرَ عَلَيْهِ عَلَى الْمُسْتَأْثَرِ بِتِلْكَ الْوَاحِدَةِ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا أَوْ أَفْضَلَ كَانَتِ السَّابِقَةُ لَهُ، وَلَا يَقْدَحُ اسْتِئْثَارُ صَاحِبِهِ عَلَيْهِ بِفَضِيلَةٍ وَاحِدَةٍ فِي فَضْلِهِ، وَلَا خَفَاءَ بِأَنَّ الشَّفَاعَةَ حَيْثُ لَا يُؤْذَنُ لِأَحَدٍ فِي الْكَلَامِ لَمْ تُبْقِ سَابِقَةً لِأُولِي السَّابِقَةِ، وَلَا فَضِيلَةً لِذَوِي الْفَضَائِلِ إِلَّا أَتَتْ عَلَيْهَا، وَكَمْ لَهُ مِنْ فَضَائِلَ مُخْتَصَّةٍ بِهِ لَمْ يُسْبَقْ إِلَيْهَا، وَلَمْ يُشَارَكْ فِيهَا. (وَإِنَّ نَاسًا مِنْ أَصْحَابِي) أَيْ: جَمَاعَةً مِنْهُمْ، وَالتَّنْكِيرُ لِلتَّقْلِيلِ (يُؤْخَذُ بِهِمْ ذَاتَ الشِّمَالِ) أَيْ: إِلَى النَّارِ مَعَ أَصْحَابِ الْمَشْأَمَةِ (فَأَقُولُ: أُصَيْحَابِي): بِالتَّصْغِيرِ لِلتَّقْلِيلِ، أَيْ: هَؤُلَاءِ أَصْحَابِي (أُصَيْحَابِي!): كَرَّرَهُ تَأْكِيدًا، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ إِشَارَةً إِلَى جَمَاعَتَيْنِ، (فَيَقُولُ) أَيْ: قَائِلٌ أَوْ مُجِيبٌ (إِنَّهُمْ لَنْ يَزَالُوا مُرْتَدِّينَ عَلَى أَعْقَابِهِمْ مُذْ فَارَقْتَهُمْ) .
قَالَ الْقَاضِي - ﵀: يُرِيدُ بِهِمْ مَنِ ارْتَدَّ مِنَ الْأَعْرَابِ الَّذِينَ أَسْلَمُوا فِي أَيَّامِهِ، كَأَصْحَابِ مُسَيْلِمَةَ، وَالْأَسْوَدِ وَأَضْرَابِهِمْ، فَإِنَّ أَصْحَابَهُ، وَإِنْ شَاعَ عُرْفًا فِيمَنْ يُلَازِمُهُ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ، شَاعَ اسْتِعْمَالُهُ لُغَةً فِي كُلِّ مَنْ تَبِعَهُ، أَوْ أَدْرَكَ حَضْرَتَهُ وَوَفِدَ عَلَيْهِ وَلَوْ مَرَّةً. قُلْتُ: الْأَوَّلُ اصْطِلَاحُ أُصُولِ الْفِقْهِ، وَالثَّانِي مُصْطَلَحُ أَهْلِ الْحَدِيثِ. وَقِيلَ: أَرَادَ بِالِارْتِدَادِ إِسَاءَةَ السِّيرَةِ، وَالرُّجُوعَ عَمَّا كَانُوا عَلَيْهِ مِنَ الْإِخْلَاصِ، وَصِدْقِ النِّيَّةِ، وَالْإِعْرَاضِ عَنِ الدُّنْيَا. أَقُولُ: هَذَا بِالْإِشَارَاتُ الصُّوفِيَّةُ أَنْسَبُ وَأَقْرَبُ، وَإِلَّا فَعِبَارَةُ الِارْتِدَادِ غَيْرُ مُسْتَقِيمَةٍ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى أَصْلًا، وَلَا مُوَافِقَةٍ لِقَوْلِهِ - ﵊: (فَأَقُولُ كَمَا قَالَ الْعَبْدُ الصَّالِحُ): وَهُوَ عِيسَى - ﵊: وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ أَيْ: عَلَى أُمَّتِي شَهِيدًا أَيْ: مُطَّلِعًا رَقِيبًا حَافِظًا ﴿مَا دُمْتُ فِيهِمْ﴾ [المائدة: ١١٧] أَيْ: مَوْجُودًا فِيمَا بَيْنَهُمْ (إِلَى قَوْلِهِ: الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ): وَهُوَ قَوْلُهُ: ﴿فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ - إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة: ١١٧ - ١١٨] (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ)، وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
[ ٨ / ٣٥١٤ ]
٥٥٣٦ - «وَعَنْ عَائِشَةَ - ﵂ - قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يَقُولُ: " يُحْشَرُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلًا " قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ جَمِيعًا يَنْظُرُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ، فَقَالَ: " يَا عَائِشَةُ، الْأَمْرُ أَشَدُّ مِنْ أَنْ يَنْظُرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
_________________
(١) (وَعَنْ عَائِشَةَ - ﵂ - قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يَقُولُ: «يُحْشَرُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلًا»، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! الرِّجَالُ): بِتَقْدِيرِ الِاسْتِفْهَامِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُقْرَأَ بِالْمَدِّ وَالتَّسْهِيلِ أَيْضًا عَلَى مَا تَقَرَّرَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ﴾ [يونس: ٥٩]، (وَالنِّسَاءُ): عَطْفٌ عَلَى الرِّجَالِ وَهُمَا مُبْتَدَأٌ، وَقَوْلُهُ: (جَمِيعًا) أَيْ: مُجْتَمِعِينَ حَالٌ مِنْهُمَا عَلَى مَا جَوَّزَهُ الْبَعْضُ، فَالْخَبَرُ قَوْلُهُ: (يَنْظُرُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ)؟ وَهُوَ مَحَطُّ الِاسْتِفْهَامِ التَّعَجُّبِيِّ. قَالَ الطِّيبِيُّ - ﵀: الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ: مُبْتَدَأٌ، وَجَمِيعًا: حَالٌ سَدَّ مَسَدَّ الْخَبَرِ، أَيْ: مُخْتَلِطُونَ جَمِيعًا، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْخَبَرُ: يَنْظُرُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ، وَهُوَ الْعَامِلُ فِي الْحَالِ قُدِّمَ اهْتِمَامًا، كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ﴾ [الزمر: ٦٧] وَفِيهِ مَعْنَى الِاسْتِفْهَامِ، وَلِذَلِكَ أَجَابَ، (فَقَالَ: يَا عَائِشَةُ! الْأَمْرُ أَشَدُّ مِنْ أَنْ يَنْظُرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ) أَيْ: أَمْرُ الْقِيَامَةِ أَصْعَبُ مِنْ أَنْ يَقْدِرَ أَحَدٌ عَلَى النَّظَرِ إِلَى غَيْرِهِ عَمْدًا، أَوْ سَهْوًا ; لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس: ٣٧] . (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) . وَأَخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ، وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي الْبَعْثِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: " «يُحْشَرُونَ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلًا " فَقَالَتْ زَوْجَتُهُ: أَيَنْظُرُ بَعْضُنَا إِلَى عَوْرَةِ بَعْضٍ، فَقَالَ: " يَا فُلَانَةُ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ» ". وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ نَحْوَهُ. وَأَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أَنَسٍ: «أَنَّ عَائِشَةَ - ﵂ - سَأَلَتْ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - فَقَالَتْ: كَيْفَ يُحْشَرُ النَّاسُ؟ قَالَ: " حُفَاةً عُرَاةً ". قَالَتْ: وَاسَوْأَتَاهُ! قَالَ: " إِنَّهُ قَدْ نَزَلَ عَلَيَّ آيَةٌ لَا يَضُرُّكِ كَانَ عَلَيْكِ ثِيَابٌ أَوْ لَا ". قَالَتْ: وَأَيُّ آيَةٍ هِيَ؟ قَالَ: ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس: ٣٧]»، وَأَخْرَجَ الْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ، وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ عَائِشَةَ نَحْوَهُ، وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ، «عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يَقُولُ: " يُحْشَرُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حُفَاةً عُرَاةً " قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! وَاسَوْأَتَاهُ! يَنْظُرُ بَعْضُنَا إِلَى بَعْضٍ! فَقَالَ: " شُغُلُ النَّاسِ ". قُلْتُ: مَا شُغُلُهُمْ؟ قَالَ: " نَشْرُ الصَّحَائِفِ فَمِنْهَا مَثَاقِيلُ الذَّرِّ وَمَثَاقِيلُ الْخَرْدَلِ» ".
[ ٨ / ٣٥١٥ ]
٥٥٣٧ - وَعَنْ أَنَسٍ - ﵁ - «أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ! كَيْفَ يُحْشَرُ الْكَافِرُ عَلَى وَجْهِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ قَالَ: " أَلَيْسَ الَّذِي أَمْشَاهُ عَلَى الرِّجْلَيْنِ فِي الدُّنْيَا قَادِرًا عَلَى أَنْ يُمْشِيَهُ عَلَى وَجْهِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
_________________
(١) (وَعَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ! كَيْفَ يُحْشَرُ الْكَافِرُ عَلَى وَجْهِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ)؟ وَلِكَوْنِ الِاسْتِفْهَامِ مُقَدَّرًا (قَالَ: أَلَيْسَ) أَيِ: الشَّأْنُ (الَّذِي أَمْشَاهُ عَلَى الرِّجْلَيْنِ فِي الدُّنْيَا): مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ قَوْلُهُ: (قَادِرًا عَلَى أَنْ يُمْشِيَهُ): بِالتَّخْفِيفِ وَيَجُوزُ تَشْدِيدُهُ (عَلَى وَجْهِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ)، وَسَيَأْتِي حَدِيثُ التِّرْمِذِيِّ فِي الْفَصْلِ الثَّانِي، وَحَدِيثُ أَبِي ذَرٍّ فِي الثَّالِثِ، وَفِي الدُّرِّ الْمَنْثُورِ: أَخْرَجَ أَحْمَدُ، وَالشَّيْخَانِ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ جَرِيرٍ، وَابْنُ أَبَا حَاتِمٍ، وَالْحَاكِمُ، وَأَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمَعْرِفَةِ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ «عَنْ أَنَسٍ قِيلَ: قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ! كَيْفَ يُحْشَرُ النَّاسُ عَلَى وُجُوهِهِمْ؟ قَالَ: " الَّذِي أَمْشَاهُمْ عَلَى أَرْجُلِهِمْ قَادِرٌ أَنْ يُمْشِيَهُمْ عَلَى وُجُوهِهِمْ» ". وَأَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ «عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلَى جَهَنَّمَ﴾ [الفرقان: ٣٤] فَقَالُوا: يَا نَبِيَّ اللَّهِ! كَيْفَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ؟ قَالَ: " أَرَأَيْتَ الَّذِي أَمْشَاهُمْ عَلَى أَقْدَامِهِمْ أَلَيْسَ قَادِرًا عَلَى أَنْ يُمْشِيَهُمْ عَلَى وُجُوهِهِمْ»؟ ".
[ ٨ / ٣٥١٥ ]
٥٥٣٨ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «يَلْقَى إِبْرَاهِيمُ أَبَاهُ آزَرَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَعَلَى وَجْهِ آزَرَ قَتَرَةٌ وَغَبَرَةٌ ; فَيَقُولُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ: أَلَمْ أَقُلْ لَكَ لَا تَعْصِنِي؟ فَيَقُولُ لَهُ أَبُوهُ: فَالْيَوْمَ لَا أَعْصِيكَ. فَيَقُولُ إِبْرَاهِيمُ: يَا رَبِّ! إِنَّكَ وَعَدْتَنِي أَنْ لَا تُخْزِيَنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ، فَأَيُّ خِزْيٍ أَخْزَى مِنْ أَبِي الْأَبْعَدِ، فَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: إِنِّي حَرَّمْتُ الْجَنَّةَ عَلَى الْكَافِرِينَ، ثُمَّ يُقَالُ لِإِبْرَاهِيمَ: مَا تَحْتَ رِجْلَيْكَ؟ فَيَنْظُرُ فَإِذَا هُوَ بِذِيخٍ مُتَلَطِّخٍ، فَيُؤْخَذُ بِقَوَائِمِهِ فَيُلْقَى فِي النَّارِ» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
_________________
(١) (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: يَلْقَى) أَيْ: يَرَى (إِبْرَاهِيمُ أَبَاهُ آزَرَ): بَدَلٌ أَوْ بَيَانٌ (يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وَجْهِ آزَرَ): وُضِعَ الظَّاهِرُ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ ; لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ رَجْعُهُ إِلَى إِبْرَاهِيمَ فِي ابْتِدَاءِ الْحَالِ (قَتَرَةٌ): بِفَتْحَتَيْنِ أَيْ سَوَادٌ مِنَ الْكَآبَةِ وَالْحُزْنِ (وَغَبَرَةٌ): بِفَتْحَتَيْنِ غُبَارٌ مَعَهُ سَوَادٌ، فَذَكَرَهُمَا مُبَالَغَةً وَالْجُمْلَةُ حَالِيَّةٌ، (فَيَقُولُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ: أَلَمْ أَقُلْ لَكَ لَا تَعْصِنِي؟ فَيَقُولُ لَهُ أَبُوهُ: فَالْيَوْمَ): ظَرْفٌ مُقَدَّمٌ (لَا أَعْصِيكَ، فَيَقُولُ إِبْرَاهِيمُ: يَا رَبِّ! إِنَّكَ وَعَدْتَنِي أَنْ لَا تُخْزِيَنِي) أَيْ: لَا تَفْضَحَنِي (يَوْمَ يُبْعَثُونَ) أَيِ: الْخَلَائِقُ (فَأَيُّ خِزْيٍ): فِي النِّهَايَةِ هُوَ الْهَلَاكُ وَالْوُقُوعُ فِي بَلِيَّةٍ (أَخْزَى مِنْ أَبِي) أَيْ: مِنْ خِزْيِ أَبِي (الْأَبْعَدِ): يُرِيدُ الْبُعْدَ فِي الْمَرْتَبَةِ وَالِالْتِحَاقَ بِأَهْلِ النَّارِ، أَوِ الْهَالِكِ مِنَ الْبُعْدِ بِمَعْنَى الْهَلَاكِ، أَوِ الْأَبْعَدُ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى، فَإِنَّ الْفَاسِقَ بَعِيدٌ وَالْكَافِرَ أَبْعَدُ، وَرَحْمَةُ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ، وَإِلَى الْأَنْبِيَاءِ وَالْأَوْلِيَاءِ أَقْرَبُ. قَالَ الطِّيبِيُّ - ﵀: هُوَ أَفْعَلُ الَّذِي قُطِعَ عَنْ مُتَعَلَّقِهِ لِلْمُبَالَغَةِ، (فَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: إِنِّي حَرَّمْتُ الْجَنَّةَ عَلَى الْكَافِرِينَ، ثُمَّ قَالَ لِإِبْرَاهِيمَ: مَا تَحْتَ رِجْلَيْكَ)؟ وَفِي نُسْخَةٍ: انْظُرْ مَا تَحْتَ رِجْلَيْكَ، وَمَا: اسْتِفْهَامِيَّةٌ أَوْ مَوْصُولَةٌ، قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: مَا اسْتِفْهَامٌ خَبَرُهُ تَحْتَ، وَيَجُوزُ كَوْنُهُ بِمَعْنَى الَّذِي، أَيِ: انْظُرْ إِلَى الَّذِي تَحْتَ رِجْلَيْكَ، (فَيَنْظُرُ فَإِذَا هُوَ) أَيْ: آزَرُ (بِذِيخٍ): بِكَسْرِ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ فَتَحْتِيَّةٌ سَاكِنَةٌ فَخَاءٌ مُعْجَمَةٌ، وَهُوَ ذَكَرُ الضَّبْعِ الْكَثِيرِ الشَّعْرِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِمُوَحَّدَةٍ سَاكِنَةٍ وَحَاءٍ مُهْمَلَةٍ وَهُوَ مَا يُذْبَحُ (مُتَلَطِّخٍ): إِمَّا بِرَجِيعِهِ أَوْ بِدَمِهِ أَوْ بِالطِّينِ، (فَيُؤْخَذُ بِقَوَائِمِهِ): جَمْعُ قَائِمَةٍ وَهُوَ مَا يَقُومُ بِهِ الدَّوَابُّ بِمَثَابَةِ الْأَرْجُلِ لِلْإِنْسَانِ، كَذَا ذَكَرَهُ شَارِحٌ، فَفِيهِ تَغْلِيبٌ ; إِذِ الْمُرَادُ أَنَّهُ يُؤْخَذُ بِيَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ (فَيُلْقَى) أَيْ: فَيُطْرَحُ (فِي النَّارِ) أَيْ: فِي مَقَامِ الْكُفَّارِ، فَغُيِّرَ صُورَتُهُ لِيَكُونَ تَسْلِيَةً لِإِبْرَاهِيمَ حَتَّى لَا يُخْزِيَهُ لَوْ رَآهُ قَدْ أُلْقِيَ فِي النَّارِ عَلَى صُورَتِهِ، فَيَكُونُ خِزْيًا وَفَضِيحَةً عَلَى رُءُوسِ الْخَلَائِقِ ; فَغَيَّرَهُ سُتْرَةً لِحَالِهِ فِي تَقْبِيحِ مَآلِهِ. قِيلَ: هَذَا الْحَدِيثُ مُخَالِفٌ لِظَاهِرِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ﴾ [التوبة: ١١٤]، وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ اخْتَلَفَ فِي الْوَقْتِ الَّذِي تَبَرَّأَ إِبْرَاهِيمُ فِيهِ مِنْ أَبِيهِ، فَقِيلَ كَانَ ذَلِكَ فِي الدُّنْيَا لَمَّا مَاتَ آزَرُ مُشْرِكًا، وَقِيلَ إِنَّمَا تَبَرَّأَ مِنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَمَّا أَيِسَ مِنْهُ حِينَ مُسِخَ، وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ بِأَنَّهُ تَبَرَّأَ مِنْهُ لَمَّا مَاتَ مُشْرِكًا، فَتَرَكَ الِاسْتِغْفَارَ لَهُ، لَكِنْ لَمَّا رَآهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَدْرَكَتْهُ الرَّأْفَةُ فَسَأَلَ مِنْهُ، فَلَمَّا رَآهُ مُسِخَ أَيِسَ مِنْهُ وَتَبَرَّأَ تَبَرُّأً أَبَدِيًّا، وَقِيلَ: إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَمْ يَتَيَقَّنْ بِمَوْتِهِ عَلَى الْكُفْرِ ; لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ آمَنَ فِي نَفْسِهِ، وَلَمْ يُطْلِعْ إِبْرَاهِيمَ، وَيَكُونُ وَقْتُ تَبَرُّئِهِ مِنْهُ بَعْدَ الْحَالِ الَّتِي وَقَعَتْ فِي هَذَا الْحَدِيثِ. (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) .
[ ٨ / ٣٥١٦ ]
٥٥٣٩ - وَعَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: " يَعْرَقُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يَذْهَبَ عَرَقُهُمْ فِي الْأَرْضِ سَبْعِينَ ذِرَاعًا وَيُلْجِمُهُمْ حَتَّى يَبْلُغَ آذَانَهُمْ ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
_________________
(١) (وَعَنْهُ) أَيْ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: يَعْرَقُ): بِفَتْحِ الرَّاءِ (النَّاسُ) أَيْ: جَمِيعًا، وَالْجِنُّ أَوْلَى، فَتَرْكُهُ مِنْ بَابِ الِاكْتِفَاءِ، وَالظَّاهِرُ اسْتِثْنَاءُ الْأَنْبِيَاءِ وَالْأَوْلِيَاءِ (يَوْمَ الْقِيَامَةِ) أَيْ: فِي ابْتِدَاءِ أَمْرِهِ (حَتَّى يَذْهَبَ عَرَقُهُمْ فِي الْأَرْضِ سَبْعِينَ ذِرَاعًا): قِيلَ هَذَا الْعَرَقُ تَرَاكُمُ الْأَهْوَالِ وَحُصُولُ الْحَيَاءِ وَالْخَجَالَةِ وَالنَّدَامَةِ وَالْمَلَامَةِ، وَتَزَاحُمُ حَرِّ الشَّمْسِ وَالنَّارِ، كَمَا جَاءَ فِي رِوَايَةٍ: إِنَّ جَهَنَّمَ تُدِيرُ أَهْلَ الْمَحْشَرِ فَلَا يَكُونُ إِلَى الْجَنَّةِ طَرِيقٌ إِلَّا الصِّرَاطُ، (وَيُلْجِمُهُمْ حَتَّى يَبْلُغَ آذَانَهُمْ) أَيْ: يَصِلَ الْعَرَقُ إِلَيْهَا، وَهِيَ بِالْمَدِّ جَمْعُ أُذُنٍ. قَالَ شَارِحٌ: أَيْ إِلَى أَفْوَاهِهِمْ، وَسَيَأْتِي أَنَّ النَّاسَ مُخْتَلِفُونَ فِي أَحْوَالِهِمْ عَلَى مَرَاتِبِ أَعْمَالِهِمْ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) . وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَرْفُوعًا: " «إِنَّ الرَّجُلَ لَيُلْجِمُهُ الْعَرَقُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيَقُولُ: رَبِّ أَرِحْنِي وَلَوْ إِلَى النَّارِ» ".
[ ٨ / ٣٥١٦ ]
٥٥٤٠ - وَعَنِ الْمِقْدَادِ - ﵁ - قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يَقُولُ: " «تُدْنَى الشَّمْسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْخَلْقِ، حَتَّى تَكُونَ مِنْهُمْ كَمِقْدَارِ مِيلٍ، فَيَكُونُ النَّاسُ عَلَى قَدْرِ أَعْمَالِهِمْ فِي الْعَرَقِ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَكُونُ إِلَى كَعْبَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَكُونُ إِلَى رُكْبَتَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَكُونُ إِلَى حَقْوَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُلْجِمُهُمُ الْعَرَقُ إِلْجَامًا "، وَأَشَارَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - بِيَدِهِ إِلَى فِيهِ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
_________________
(١) (وَعَنِ الْمِقْدَادِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يَقُولُ: تَدْنُو الشَّمْسُ) أَيْ: تَقْرَبُ (يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْخَلْقِ، حَتَّى تَكُونَ مِنْهُمْ) أَيِ: الشَّمْسُ وَالْمُرَادُ جِرْمُهَا (كَمِقْدَارِ مِيلٍ): تَقْدِيرُهُ حَتَّى يَكُونَ مِقْدَارُ قُرْبِ الشَّمْسِ مِنْهُمْ مِثْلَ مِقْدَارِ مِيلٍ، نَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ﴾ [النجم: ٩] أَيْ: كَانَ قُرْبُ رَسُولِ اللَّهِ مِنْ جِبْرِيلَ، أَوْ مِنْ مَكَانِ الْقُرْبِ مِثْلَ مِقْدَارِ قَوْسَيْنِ. وَفِي شَرْحِ السُّنَّةِ قَالَ سُلَيْمٌ: لَا أَدْرِي أَيَّ الْمِيلَيْنِ يَعْنِي مَسَافَةَ الْأَرْضِ، أَوِ الْمِيلَ الَّذِي يُكْحَلُ بِهِ الْعَيْنُ، (فَيَكُونُ النَّاسُ عَلَى قَدْرِ أَعْمَالِهِمْ) أَيِ: السَّيِّئَةِ (فِي الْعَرَقِ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَكُونُ إِلَى كَعْبَيْهِ) أَيْ: تَقْرِيبًا ; فَيَقْبَلُ النُّقْصَانَ وَالزِّيَادَةَ، (وَمِنْهُمْ مَنْ يَكُونُ إِلَى رُكْبَتَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَكُونُ إِلَى حَقْوَيْهِ): الْحَقْوُ: الْخَصْرُ وَمَشَدُّ الْإِزَارِ، (وَمِنْهُمْ مَنْ يُلْجِمُهُمُ الْعَرَقُ إِلْجَامًا، وَأَشَارَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - بِيَدِهِ إِلَى فِيهِ) أَيْ: فَمِهِ. قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: إِنْ قُلْتَ: إِذَا كَانَ الْعَرَقُ كَالْبَحْرِ يُلْجِمُ الْبَعْضَ، فَكَيْفَ يَصِلُ إِلَى كَعْبِ الْآخَرِ؟ قُلْنَا يَجُوزُ أَنْ يَخْلُقَ اللَّهُ تَعَالَى ارْتِفَاعًا فِي الْأَرْضِ تَحْتَ أَقْدَامِ الْبَعْضِ، أَوْ يُقَالُ يُمْسِكُ اللَّهُ تَعَالَى عَرَقَ كُلِّ إِنْسَانٍ بِحَسَبِ عَمَلِهِ ; فَلَا يَصِلُ إِلَى غَيْرِهِ مِنْهُ شَيْءٌ، كَمَا أَمْسَكَ جَرْيَةَ الْبَحْرِ لِمُوسَى - ﵊ - قُلْتُ: الْمُعْتَمَدُ هُوَ الْقَوْلُ الْأَخِيرُ ; فَإِنَّ أَمْرَ الْآخِرَةِ كُلَّهُ عَلَى وَفْقِ الْعَادَةِ، أَمَا تَرَى أَنَّ شَخْصَيْنِ فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ يُعَذَّبُ أَحَدُهُمَا وَيُنَعَّمُ الْآخَرُ، وَلَا يَدْرِي أَحَدُهُمَا عَنْ غَيْرِهِ، وَنَظِيرُهُ فِي الدُّنْيَا نَائِمَانِ، مُخْتَلِفَانِ فِي رُؤْيَاهُمَا، فَيَحْزَنُ أَحَدُهُمَا وَيَفْرَحُ الْآخَرُ، بَلْ شَخْصَانِ قَاعِدَانِ فِي مَكَانٍ وَاحِدٍ أَحَدُهُمَا فِي عِلِّيِّينَ، وَالْآخَرُ فِي أَسْفَلِ سَافِلِينَ، أَوْ أَحَدُهُمَا فِي صِحَّةٍ وَالْآخَرُ فِي وَجَعٍ أَوْ بَلِيَّةٍ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
[ ٨ / ٣٥١٧ ]
٥٥٤١ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ - ﵁ - عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: " «يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: يَا آدَمُ! فَيَقُولُ: لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ وَالْخَيْرُ كُلُّهُ فِي يَدَيْكَ. قَالَ: أَخْرِجْ بَعْثَ النَّارِ، قَالَ: وَمَا بَعْثُ النَّارِ؟ قَالَ: مِنْ كُلِّ أَلْفٍ تِسْعَمِائَةٍ وَتِسْعَةً وَتِسْعِينَ، فَعِنْدَهُ يَشِيبُ الصَّغِيرُ، ﴿وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ [الحج: ٢] . قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! وَأَيُّنَا ذَلِكَ الْوَاحِدُ؟ أَبْشِرُوا فَإِنَّ مِنْكُمْ رَجُلًا، وَمِنْ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ أَلْفٌ، ثُمَّ قَالَ: " وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ أَرْجُو أَنْ تَكُونُوا رُبُعَ أَهْلِ الْجَنَّةِ " فَكَبَّرْنَا. فَقَالَ: " أَرْجُو أَنْ تَكُونُوا ثُلُثَ أَهْلِ الْجَنَّةِ " فَكَبَّرْنَا، فَقَالَ: " أَرْجُو أَنْ تَكُونُوا نِصْفَ أَهْلِ الْجَنَّةِ " فَكَبَّرْنَا، قَالَ: " مَا أَنْتُمْ فِي النَّاسِ إِلَّا كَالشَّعْرَةِ السَّوْدَاءِ فِي جِلْدِ ثَوْرٍ أَبْيَضَ، أَوَكَشَعْرَةٍ بَيْضَاءَ فِي جِلْدِ ثَوْرٍ أَسْوَدَ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
_________________
(١) (وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى) أَيْ: يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَمَا فِي رِوَايَةِ الْبَغَوِيِّ (يَا آدَمُ! فَيَقُولُ: لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ وَالْخَيْرُ كُلُّهُ فِي يَدَيْكَ. قَالَ: أَخْرِجْ): بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِ الرَّاءِ أَيْ: أَظْهِرْ وَمَيِّزْ مِنْ بَيْنِ أَوْلَادِكَ (بَعْثَ النَّارِ) أَيْ: جَمْعًا يَسْتَحِقُّونَ الْبَعْثَ إِلَيْهَا (قَالَ: وَمَا بَعْثُ النَّارِ)؟ قِيلَ: عَطْفٌ عَلَى مُقَدَّرٍ أَيْ: سَمِعْتُ وَأَطَعْتُ وَمَا بَعْثُ النَّارِ، أَيْ: وَمَا مِقْدَارُ مَبْعُوثِ النَّارِ؟ وَقِيلَ: (مَا) بِمَعْنَى كَمِ الْعَدَدِيَّةِ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّ الْوَاوَ اسْتِئْنَافِيَّةٌ تُفِيدُ الرَّبْطَ بَيْنَ سَابِقِهَا وَلَاحِقِهَا، (قَالَ) أَيِ: اللَّهُ تَعَالَى (مِنْ كُلِّ أَلْفٍ تِسْعَمِائَةٍ وَتِسْعَةً وَتِسْعِينَ)، قِيلَ: يُخَالِفُهُ مَا فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مِنْ كُلِّ مِائَةٍ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ. وَأَجَابَ الْكِرْمَانِيُّ: بِأَنَّ مَفْهُومَ الْعَدَدِ مِمَّا لَا اعْتِبَارَ لَهُ، وَالْمَقْصُودُ مِنْهُ تَقْلِيلُ عَدَدِ الْمُؤْمِنِينَ، وَتَكْثِيرُ عَدَدِ الْكَافِرِينَ، وَيُمْكِنُ حَمْلُ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ عَلَى جَمِيعِ ذُرِّيَّةِ آدَمَ ; فَيَكُونُ مِنْ كُلِّ أَلْفٍ عَشَرَةٌ، وَيُقَرِّبُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ ذُكِرُوا فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ دُونَ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْأَوَّلُ يَتَعَلَّقُ بِالْخَلْقِ أَجْمَعِينَ، وَالثَّانِي بِخُصُوصِ هَذِهِ الْأُمَّةِ، وَأَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِبَعْثِ النَّارِ الْكُفَّارَ، وَمَنْ يَدْخُلُ النَّارَ مِنَ الْعُصَاةِ، فَيَكُونُ مِنْ كُلِّ أَلْفٍ تِسْعُمِائَةٍ وَتِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ كَافِرًا، وَمِنْ كُلِّ مِائَةِ تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ عَاصِيًا، وَهَذَا هُوَ الْأَظْهَرُ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. (فَعِنْدَهُ) أَيْ: عِنْدَ هَذَا الْحُكْمِ (يَشِيبُ الصَّغِيرُ) أَيْ: مِنَ الْحُزْنِ الْكَثِيرِ وَالْهَمِّ الْكَبِيرِ، وَفِي رِوَايَةِ الْبَغَوِيِّ: فَحِينَئِذٍ يَشِيبُ الْمَوْلُودُ، وَظُهُورُ الشَّيْبِ إِمَّا عَلَى الْحَقِيقَةِ، أَوْ عَلَى الْفَرْضِ، وَالتَّقْدِيرُ: هَذَا هُوَ الْأَظْهَرُ الْمُلَائِمُ لِقَوْلِهِ: ﴿وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى﴾ [الحج: ٢] أَيْ: مِنَ الْخَوْفِ ﴿وَمَا هُمْ بِسُكَارَى﴾ [الحج: ٢] أَيْ: مِنَ الْخَمْرِ ﴿وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ [الحج: ٢] .
[ ٨ / ٣٥١٧ ]
ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ مُقْتَبَسٌ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ﴾ [الحج: ١] أَيِ احْذَرُوا بِطَاعَتِهِ عِقَابَهُ حَتَّى تَرْجُوا ثَوَابَهُ ﴿إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ [الحج: ١] وَالزَّلْزَلَةُ شِدَّةُ الْحَرَكَةِ عَلَى الْحَالَةِ الْهَائِلَةِ، وَاخْتَلَفُوا فِيهَا فَقَالَ عَلْقَمَةُ وَالشَّعْبِيُّ: هِيَ مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ قَبْلَ قِيَامِهَا، وَقَالَ الْحَسَنُ وَالسُّدِّيُّ: هِيَ تَكُونُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ - ﵄: زَلْزَلَةُ السَّاعَةِ قِيَامُهَا، فَتَكُونُ مَعَهَا يَوْمَ تَرَوْنَهَا أَيِ السَّاعَةَ، أَوِ الزَّلْزَلَةَ تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ أَيْ تُشْغَلُ عَمَّا أَرْضَعَتْ، وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا أَيْ سَقَطَ وَلَدُهَا مِنْ هَوْلِ ذَلِكَ الْيَوْمِ. قَالَ الْحَسَنُ: تَذْهَلُ الْمُرْضِعُ عَنْ وَلَدِهَا بِغَيْرِ فِطَامٍ، وَتَضَعُ الْحَامِلُ مَا فِي بَطْنِهَا مِنْ غَيْرِ تَمَامٍ، وَهَذَا بِظَاهِرِهِ يُؤَيِّدُ قَوْلَ مَنْ قَالَ: إِنَّ هَذِهِ الزَّلْزَلَةَ تَكُونُ فِي الدُّنْيَا ; لِأَنَّ بَعْدَ الْبَعْثِ لَا يَكُونُ حَبَلٌ، وَمَنْ قَالَ تَكُونُ فِي الْقِيَامَةِ قَالَ: هَذَا عَلَى وَجْهِ التَّعْظِيمِ لِلْأَمْرِ لَا عَلَى حَقِيقَتِهِ، كَقَوْلِهِمْ: أَصَابَنَا أَمْرٌ يَشِيبُ فِيهِ الْوَلِيدُ، يُرِيدُ بِهِ شِدَّتَهُ. (قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ! وَأَيُّنَا ذَلِكَ الْوَاحِدُ)؟ وَلَمَّا اسْتَعْظَمُوا ذَلِكَ الْأَمْرَ وَاسْتَشْعَرُوا الْخَوْفَ مِنْهُ، (قَالَ) أَيْ: فِي جَوَابِهِمْ تَسْلِيَةً لِفُؤَادِهِمْ (أَبْشِرُوا)، قَالَ الطِّيبِيُّ - ﵀: لَا يَخْلُو هَذَا الِاسْتِفْهَامُ مِنْ أَنْ يَكُونَ مُجْرًى عَلَى حَقِيقَتِهِ، أَوْ يَكُونَ اسْتِعْظَامًا لِذَلِكَ الْحُكْمِ وَاسْتِشْعَارَ خَوْفٍ مِنْهُ، فَالْأَوَّلُ يَسْتَدْعِي أَنْ يُجَابَ بِأَنَّ ذَلِكَ الْوَاحِدَ فُلَانٌ، أَوْ مُتَّصِفٌ بِالصِّفَةِ الْفُلَانِيَّةِ، وَالثَّانِي يَسْتَدْعِي أَنْ يُجَابَ بِمَا يُزِيلُ ذَلِكَ الْخَوْفَ رِفْقًا لِلنَّاسِ، وَالثَّانِي هُوَ الْمُرَادُ ; لِقَوْلِهِ: أَبْشِرُوا، وَكَأَنَّهُ قَالَ: وَأَيُّنَا مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ذَلِكَ النَّاجِي الْمُفْلِحُ مِنْ بَيْنِ سَائِرِ بَنِي آدَمَ، فَقَالَ: أَبْشِرُوا، (فَإِنَّ مِنْكُمْ رَجُلًا، وَمِنْ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ): بِالْأَلِفِ وَيُهْمَزُ فِيهِمَا (أَلْفٌ): بِالرَّفْعِ فِي الْأُصُولِ الْمُصَحَّحَةِ، فَالْجُمْلَةُ حَالِيَّةٌ، وَقَدَّمَ الْجَارَّ لِكَوْنِ الْمُبْتَدَأِ نَكِرَةً، وَفِي نُسْخَةِ السَّيِّدِ عَفِيفِ الدِّينِ أَلِفًا بِالنَّصْبِ، وَهُوَ الظَّاهِرُ ; فَإِنَّهُ مِنْ بَابِ الْعَطْفِ عَلَى مَعْمُولَيْ عَامِلَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ وَالْمَجْرُورُ مُقَدَّمٌ، وَالْمَعْنَى: سَيُوجَدُ بِعَدَدِ كُلِّ رَجُلٍ مِنْكُمْ أَلْفٌ مِنْ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ ; فَحِينَئِذٍ يَكْثُرُ أَهْلُ الْجَنَّةِ، وَفِيهِ إِشْعَارٌ بِأَنَّ أَهْلَ النَّارِ أَكْثَرُ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَلَعَلَّ أَهْلَهَا يَكْثُرُونَ بِوُجُودِ الْمَلَائِكَةِ الْمُقَرَّبِينَ وَالْحُورِ الْعِينِ، فَصَحَّ مَعْنَى الْحَدِيثِ الْقُدُسِيِّ: " «غَلَبَتْ رَحْمَتِي غَضَبِي» "، زَادَ الْبَغَوِيُّ قَالَ: فَقَالَ النَّاسُ: اللَّهُ أَكْبَرُ.
(ثُمَّ قَالَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ أَرْجُو أَنْ تَكُونُوا) أَيْ: أَنْتُمْ أَيُّهَا الصَّحَابَةُ، أَوْ أَيُّهَا الْأُمَّةُ وَهُوَ الْأَظْهَرُ (رُبُعَ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَكَبَّرْنَا): التَّكْبِيرُ لِلْعَجَبِ وَالْفَرَحِ التَّامِّ، وَالِاسْتِبْشَارِ وَالِاسْتِعْظَامِ، (فَقَالَ: أَرْجُو أَنْ تَكُونُوا ثُلُثَ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَكَبَّرْنَا)، وَلَعَلَّهُ - ﷺ - دَرَّجَ الْأَمْرَ ; لِئَلَّا تَنْقَطِعَ قُلُوبُهُمْ بِالْفَرَحِ الْكَثِيرِ دَفْعَةً، أَوْ بِالنَّظَرِ إِلَى دُخُولِهِمْ فِي دَفَعَاتٍ، أَوْ أُوحِيَ إِلَيْهِ وَحْيًا بَعْدَ وَحْيٍ فَأَخْبَرَ بِمَا بُشِّرَ (فَقَالَ: أَرْجُو أَنْ تَكُونُوا نِصْفَ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَكَبَّرْنَا)، قَالَ الطِّيبِيُّ - ﵀: فِي الْحَدِيثِ تَنْبِيهٌ عَلَى أَنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ دَاخِلُونَ فِي هَذَا الْوَعِيدِ، وَدَلَّ بِقَوْلِهِ: أَرْجُو أَنْ تَكُونُوا نِصْفَ أَهْلِ الْجَنَّةِ أَنَّ غَيْرَ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مِنَ الْأُمَمِ السَّالِفَةِ الْفَائِتَةِ لِلْحَصْرِ أَيْضًا دَاخِلُونَ فِي الْوَعِيدِ، فَإِذَا وُزِّعَ نِصْفُ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ - ﷺ - مَعَ مِثْلِهِ مِنَ الْأُمَمِ السَّالِفَةِ عَلَى هَؤُلَاءِ يَكُونُ كَالْوَاحِدِ مِنَ الْأَلْفِ ; يَدُلُّ عَلَيْهِ رِوَايَةُ الرَّاوِي (قَالَ) أَيِ: النَّبِيُّ - ﷺ - وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ فَقَالَ: (مَا أَنْتُمْ فِي النَّاسِ إِلَّا كَالشَّعْرَةِ السَّوْدَاءِ فِي جِلْدِ ثَوْرٍ أَبْيَضَ، أَوْ كَشَعْرَةٍ بَيْضَاءَ فِي جِلْدِ ثَوْرٍ أَسْوَدَ)، الظَّاهِرُ أَنَّ أَوْ لِلتَّخْيِيرِ فِي التَّعْبِيرِ وَتَحْتَمِلُ الشَّكَّ. قَالَ الطِّيبِيُّ - ﵀: وَقَوْلُهُمُ: اللَّهُ أَكْبَرُ مِرَارًا ثَلَاثًا مُتَعَجِّبِينَ اسْتِبْشَارٌ مِنْهُمْ، وَاسْتِعْظَامٌ لِهَذِهِ النِّعْمَةِ الْعُظْمَى وَالْمِنْحَةِ الْكُبْرَى، فَيَكُونُ فِي هَذَا الِاسْتِعْظَامِ بَعْدَ ذَلِكَ الِاسْتِعْظَامِ إِشَارَةٌ إِلَى فَوْزِهِمْ بِالْبُغْيَةِ بَعْدَ الْيَأْسِ مِنْهَا اهـ. وَلَعَلَّ وُرُودَ هَذَا الْحَدِيثِ قَبْلَ عِلْمِهِ - ﷺ - بِأَنَّ أُمَّتَهُ ثُلُثَا أَهْلِ الْجَنَّةِ ; إِذْ قَدْ وَرَدَ أَنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ مِائَةٌ وَعِشْرُونَ صَفًّا: ثَمَانُونَ صَفًّا أُمَّتُهُ - ﷺ - وَأَرْبَعُونَ سَائِرُ الْأُمَمِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونُوا نِصْفًا بِالنِّسْبَةِ إِلَى الدَّاخِلِينَ أَوَّلًا، وَالْأَظْهَرُ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ وَقَعَ مُخْتَصَرًا عَلَى مَا سَيَأْتِي الْحَدِيثُ بِطُولِهِ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) . وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ.
[ ٨ / ٣٥١٨ ]
وَفِي الْمَعَالِمِ: رُوِيَ «عَنْ عِمْرَانَ بْنِ الْحُصَيْنِ وَأَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ - ﵄ - أَنَّ هَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ نَزَلَتَا فِي غَزْوَةِ بَنِي الْمُصْطَلِقِ لَيْلًا، فَنَادَى مُنَادِي رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - فَحَثُّوا الْمَطِيَّ حَتَّى كَانُوا حَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - فَقَرَأَهَا عَلَيْهِمْ، فَلَمْ يُرَ أَكْثَرَ بَاكِيًا مِنْ تِلْكَ اللَّيْلَةِ، فَلَمَّا أَصْبَحُوا لَمْ يَحُطُّوا السُّرُجَ عَنِ الدَّوَابِّ، وَلَمْ يَضْرِبُوا الْخِيَامَ، وَلَمْ يَطْبُخُوا قِدْرًا، وَالنَّاسُ بَيْنَ بَاكٍ أَوْ جَالِسٍ حَزِينٍ مُتَفَكِّرِينَ ; فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: " أَتَدْرُونَ أَيَّ يَوْمٍ ذَلِكَ "؟ قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: " ذَلِكَ يَوْمَ يَقُولُ اللَّهُ ﷿: يَا آدَمُ قُمْ فَابْعَثْ بَعْثَ النَّارِ مِنْ وَلَدِكَ، قَالَ: فَيَقُولُ آدَمُ: مِنْ كُلِّ كَمْ كَمْ؟ فَيَقُولُ اللَّهُ ﷿: مِنْ كُلِّ أَلْفٍ تِسْعَمِائَةٍ وَتِسْعَةً وَتِسْعِينَ إِلَى النَّارِ وَوَاحِدًا إِلَى الْجَنَّةِ ". قَالَ: فَكَبُرَ ذَلِكَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَبَكَوْا وَقَالُوا: فَمَنْ يَنْجُو إِذًا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: " أَبْشِرُوا وَسَدِّدُوا وَقَارِبُوا ; فَإِنَّ مَعَكُمْ خَلِيقَتَيْنِ مَا كَانَتَا فِي قَوْمٍ إِلَّا كَثَّرَتَاهُ، يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ " ثُمَّ قَالَ: " فَإِنِّي لَأَرْجُو أَنْ تَكُونُوا ثُلُثَ أَهْلِ الْجَنَّةِ " فَكَبَّرُوا وَحَمِدُوا اللَّهَ، ثُمَّ قَالَ: " إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ تَكُونُوا نِصْفَ أَهْلِ الْجَنَّةِ " فَكَبَّرُوا وَحَمِدُوا اللَّهَ، ثُمَّ قَالَ: " إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ تَكُونُوا ثُلُثَيْ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَأَنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ مِائَةٌ وَعِشْرُونَ صَفًّا: ثَمَانُونَ مِنْهَا أُمَّتِي، وَمَا الْمُسْلِمُونَ فِي الْكُفَّارِ إِلَّا كَالشَّامَةِ فِي جَنْبِ الْبَعِيرِ، أَوْ كَالرَّقَبَةِ فِي ذِرَاعِ الدَّابَّةِ، بَلْ كَالشَّعْرَةِ السَّوْدَاءِ فِي الثَّوْرِ الْأَبْيَضِ، أَوْ كَالشَّعْرَةِ الْبَيْضَاءِ فِي الثَّوْرِ الْأَسْوَدِ "، ثُمَّ قَالَ: " وَيَدْخُلُ مِنْ أُمَّتِي سَبْعُونَ أَلْفًا الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ " فَقَالَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ: سَبْعُونَ أَلْفًا؟ قَالَ: " نَعَمْ وَمَعَ كُلِّ وَاحِدٍ سَبْعُونَ أَلْفًا " فَقَامَ عُكَّاشَةُ بْنُ مِحْصَنٍ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! ادْعُ اللَّهَ لِي أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: " أَنْتَ مِنْهُمْ " فَقَامَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! ادْعُ اللَّهَ لِي أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ، فَقَالَ: " سَبَقَكَ بِهَا عُكَّاشَةُ» ".
[ ٨ / ٣٥١٩ ]
٥٥٤٢ - وَعَنْهُ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يَقُولُ: " «يَكْشِفُ رَبُّنَا عَنْ سَاقِهِ، فَيَسْجُدُ لَهُ كُلُّ مُؤْمِنٍ وَمُؤْمِنَةٍ، وَيَبْقَى مَنْ كَانَ يَسْجُدُ فِي الدُّنْيَا رِيَاءً وَسُمْعَةً، فَيَذْهَبُ لِيَسْجُدَ فَيَعُودُ ظَهْرُهُ طَبَقًا وَاحِدًا» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
_________________
(١) (وَعَنْهُ) أَيْ: عَنْ أَبِي سَعِيدٍ - ﵁ - (قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يَقُولُ: يَكْشِفُ رَبُّنَا عَنْ سَاقِهِ)، قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ - ﵀: مَذْهَبُ أَهْلِ السَّلَامَةِ مِنَ السَّلَفِ التَّوَرُّعُ مِنَ التَّعَرُّضِ لِلْقَوْلِ فِي مِثْلِ هَذَا الْحَدِيثِ، وَهُوَ الْأَمْثَلُ وَالْأَحْوَطُ، وَقَدْ تَأَوَّلَهُ جَمْعٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ بِأَنَّ الْكَشْفَ عَنِ السَّاقِ مَثَلٌ فِي شِدَّةِ الْأَمْرِ، وَصُعُوبَةِ الْخَطْبِ، وَاسْتِعْمَالُهُ فِيهَا شَائِعٌ، وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ: عَجِبْتُ مِنْ نَفْسِي وَمِنْ إِشْفَاقِهَا وَمِنْ طِرَادِي الطَّيْرَ عَنْ أَرْزَاقِهَا فِي سَنَةٍ قَدْ كَشَفَتْ عَنْ سَاقِهَا وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ [القلم: ٤٢] أَيْ: عَنْ شِدَّةٍ، وَتَنْكِيرُ السَّاقِ فِي الْآيَةِ مِنْ دَلَائِلِ هَذَا التَّأْوِيلِ، وَوَجْهُ تَعْرِيفِ السَّاقِ فِي الْحَدِيثِ دُونَ الْآيَةِ أَنْ يُقَالَ: أَضَافَهَا إِلَى اللَّهِ تَعَالَى تَنْبِيهًا عَلَى أَنَّهَا الشِّدَّةُ الَّتِي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ، أَوْ عَلَى أَنَّهَا هِيَ الَّتِي ذَكَرَهَا فِي كِتَابِهِ اهـ. وَعِنْدَ الْحَاكِمِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي الْآيَةِ: هُوَ يَوْمُ كَرْبٍ وَشِدَّةٍ. وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: الْمَعْنَى يَكْشِفُ عَنْ قُدْرَتِهِ الَّتِي تَكْشِفُ عَنِ الشِّدَّةِ وَالْكَرْبِ. وَقِيلَ: الْأَصْلُ فِيهِ أَنْ يَمُوتَ الْوَلَدُ فِي بَطْنِ النَّاقَةِ، فَيُدْخِلُ يَدَهُ فِي رَحِمِهَا، فَيَأْخُذُ بِسَاقِهِ لِيُخْرِجَهُ، فَهَذَا هُوَ الْكَشْفُ عَنِ السَّاقِ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَ فِي كُلِّ أَمْرٍ فَظِيعٍ. أَقُولُ: وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ اسْتِعَارَةً، وَحَاصِلُهُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَأْخُذُهُمْ بِالشَّدَائِدِ، كَمَنْ يَكْشِفُ عَنْ سَاقِهِ بِالتَّشْمِيرِ عِنْدَ دُخُولِهِ فِي أَمْرٍ خَطِيرٍ. (فَيَسْجُدُ لَهُ كُلُّ مُؤْمِنٍ وَمُؤْمِنَةٍ) أَيْ: مِنْ كَمَالِ الشِّدَّةِ يَقَعُونَ فِي السَّجْدَةِ طَالِبِينَ رَفْعَهَا بِتِلْكَ الْقُرْبَةِ، وَأَخْرَجَ أَبُو يَعْلَى بِسَنَدٍ فِيهِ ضَعْفٌ «عَنْ أَبِي مُوسَى مَرْفُوعًا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ [القلم: ٤٢] قَالَ: " عَنْ نُورٍ عَظِيمٍ فَيَخْرُجُونَ لَهُ سُجَّدًا» " فَهَذَا يُشْعِرُ بِأَنَّهُ تَعَالَى يَتَجَلَّى لِلنَّاسِ تَجَلِّيًا صُورِيًّا، وَبِهَذَا يَنْحَلُّ الْإِشْكَالُ فِي كَثِيرٍ مِنْ أَحَادِيثِ الصِّفَاتِ عَلَى مَا قَرَّرَهُ بَعْضُ مَشَايِخِنَا، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ، ثُمَّ الْمُرَادُ بِالْمُؤْمِنِ وَالْمُؤْمِنَةِ الْخُلَّصُ مِنْهُمَا ; وَلِذَا قَالَ: (وَيَبْقَى مَنْ كَانَ يَسْجُدُ فِي الدُّنْيَا رِيَاءً وَسُمْعَةً) أَيْ: نِفَاقًا وَشُهْرَةً (فَيَذْهَبُ) أَيْ: يَقْصِدُ
[ ٨ / ٣٥١٩ ]
وَيَشْرَعُ (لِيَسْجُدَ فَيَعُودُ) أَيْ: يَصِيرُ (ظَهْرُهُ، طَبَقًا وَاحِدًا) أَيْ: عَظْمًا بِلَا مَفْصِلٍ ; بِحَيْثُ لَا يَنْثَنِي عِنْدَ الرَّفْعِ وَالْخَفْضِ فَلَا يَقْدِرُ، وَالطَّبَقُ: فَقَارُ الظَّهْرِ وَاحِدُهُ طَبَقَةٌ، يَعْنِي صَارَ فَقَارُهُ وَاحِدًا ; فَلَا يَقْدِرُ عَلَى الِانْحِنَاءِ، وَالْمَعْنَى أَنَّهُ تَعَالَى يَكْشِفُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَنْ شِدَّةٍ يَرْتَفِعُ دُونَهَا سَوَاتِرُ الِامْتِحَانِ ; فَيَتَمَيَّزُ أَهْلُ الْإِخْلَاصِ وَالْإِيقَانِ بِالسُّجُودِ، عَنْ أَهْلِ الرَّيْبِ وَالنِّفَاقِ فِي الْيَوْمِ الْمَوْعُودِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ - خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ﴾ [القلم: ٤٢ - ٤٣] . (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) . وَأَخْرَجَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ الْحَدِيثَ بِلَفْظِ: يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ. قَالَ: وَهَذَا أَصَحُّ لِمُوَافَقَةِ لَفْظِ الْقُرْآنِ، وَاللَّهُ ﷾ أَعْلَمُ.
[ ٨ / ٣٥٢٠ ]
٥٥٤٣ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: " «لَيَأْتِي الرَّجُلُ الْعَظِيمُ السَّمِينُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يَزِنُ عِنْدَ اللَّهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ ". وَقَالَ: اقْرَءُوا ﴿فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾ [الكهف: ١٠٥]» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
_________________
(١) (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: لَيَأْتِي الرَّجُلُ الْعَظِيمُ) أَيْ: جَاهًا وَمَالًا، أَوْ لَحْمًا وَشَحْمًا ; فَيَكُونُ قَوْلُهُ: (السَّمِينُ) عَطْفَ بَيَانٍ لَهُ (يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يَزِنُ) أَيْ: لَا يَعْدِلُ وَلَا يَسْوِي (عِنْدَ اللَّهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ) أَيْ: لَا يَكُونُ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ قَدْرٌ وَمَنْزِلَةٌ، تَقُولُ الْعَرَبُ: مَا لِفُلَانٍ عِنْدَنَا وَزْنٌ أَيْ: قَدْرٌ لِخِسَّتِهِ، وَمِنْهُ حَدِيثُ: («لَوْ كَانَتِ الدُّنْيَا تَعْدِلُ عِنْدَ اللَّهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ لَمَا سَقَى كَافِرًا مِنْهَا شَرْبَةَ مَاءٍ») . (وَقَالَ) أَيِ: النَّبِيُّ - ﷺ - أَوْ أَبُو هُرَيْرَةَ (اقْرَءُوا) أَيِ: اسْتِشْهَادًا وَاعْتِضَادًا ﴿فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ﴾ [الكهف: ١٠٥] أَيْ: لِلْكُفَّارِ ﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾ [الكهف: ١٠٥]، قِيلَ: مِقْدَارًا وَحِسَابًا وَاعْتِبَارًا، وَقِيلَ مِيزَانًا، فَالتَّقْدِيرُ آلَةُ الْوَزْنِ ; إِذِ الْكُفَّارُ الْخُلَّصُ يَدْخُلُونَ النَّارَ بِغَيْرِ حِسَابٍ، وَإِنَّمَا الْمِيزَانُ لِلْمُؤْمِنِينَ الْكَامِلِينَ، وَالْمُرَائِينَ وَالْمُنَافِقِينَ، وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. قَالَ الطِّيبِيُّ - ﵀: فَإِنْ قُلْتَ: كَيْفَ وُجِّهَ صِحَّةُ الِاسْتِشْهَادِ بِالْآيَةِ، فَإِنَّ الْمُرَادَ بِالْوَزْنِ فِي الْحَدِيثِ وَزْنُ الْجُثَّةِ وَمِقْدَارُهُ ; لِقَوْلِهِ: الْعَظِيمُ السَّمِينُ، وَفِي الْآيَةِ إِمَّا وَزْنُ الْأَعْمَالِ ; لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾ [الكهف: ١٠٥]، وَإِمَّا مِقْدَارُهُمْ، وَالْمَعْنَى نَزْدَرِي بِهِمْ، وَلَا يَكُونُ لَهُمْ عِنْدَنَا وَزْنٌ وَمِقْدَارٌ؟ قُلْتُ: الْحَدِيثُ مِنَ الْوَجْهِ الثَّالِثِ عَلَى سَبِيلِ الْكِفَايَةِ، وَذِكْرُ الْجُثَّةِ وَالْعَظْمِ لَا يُنَافِي إِرَادَةَ مِقْدَارِهِ وَتَفْخِيمَهُ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ﴾ [المنافقون: ٤] . (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
[ ٨ / ٣٥٢٠ ]
الْفَصْلُ الثَّانِي
٥٥٤٤ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - قَالَ: «قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾ [الزلزلة: ٤] قَالَ " أَتَدْرُونَ مَا أَخْبَارُهَا "؟ قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: فَإِنَّ أَخْبَارَهَا أَنْ تَشْهَدَ عَلَى عَبْدٍ وَأَمَةٍ بِمَا عَمِلَ عَلَى ظَهْرِهَا، أَنْ تَقُولَ: عَمِلَ عَلَيَّ كَذَا وَكَذَا ".
قَالَ: " فَهَذِهِ أَخْبَارُهَا» ". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ.
_________________
(١) الْفَصْلُ الثَّانِي
(٢) (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ﴾ [الزلزلة: ٤] أَيِ: الْأَرْضُ ﴿أَخْبَارَهَا﴾ [الزلزلة: ٤] قَالَ: " أَتَدْرُونَ مَا أَخْبَارُهَا ")؟ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ جَمْعُ خَبَرٍ، فِي نُسْخَةٍ بِكَسْرِهَا عَلَى أَنَّهُ مَصْدَرٌ أَيْ تَحْدِيثُهَا (قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: فَإِنَّ أَخْبَارَهَا): بِالْوَجْهَيْنِ (أَنْ تَشْهَدَ عَلَى كُلِّ عَبْدٍ وَأَمَةٍ) أَيْ: ذَكَرٍ وَأُنْثَى (بِمَا عَمِلَ): بِفَتْحِ أَوَّلِهِ أَيْ: فَعَلَ كُلُّ وَاحِدٍ (عَلَى ظَهْرِهَا)، وَفِي نُسْخَةٍ بِالضَّمِّ عَلَى أَنَّ نَائِبَ الْفَاعِلِ قَوْلُهُ: عَلَى ظَهْرِهَا (أَنْ تَقُولَ): بَدَلُ بَعْضٍ مِنْ أَنْ تَشْهَدَ أَوْ بَيَانٌ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا فِي رِوَايَةِ الْجَامِعِ تَقُولُ بِدُونِ أَنْ، أَوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أَيْ هِيَ يَعْنِي شَهَادَتَهَا أَنْ تَقُولَ (عَمِلَ) أَيْ: فُلَانٌ (عَلَى) أَيْ: عَلَى ظَهْرِي (كَذَا وَكَذَا) أَيْ: مِنَ الطَّاعَةِ أَوِ الْمَعْصِيَةِ (يَوْمَ كَذَا وَكَذَا) أَيْ: مِنْ
[ ٨ / ٣٥٢٠ ]
شَهْرِ كَذَا وَعَامِ كَذَا (قَالَ: فَهَذِهِ) أَيِ: الشَّهَادَاتُ أَوِ الْمَذْكُورَاتُ (أَخْبَارُهَا. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ) . وَكَذَا رَوَاهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ جَرِيرٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ، وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ.
[ ٨ / ٣٥٢١ ]
٥٥٤٥ - وَعَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: " «مَا مِنْ أَحَدٍ يَمُوتُ إِلَّا نَدِمَ ". قَالُوا: وَمَا نَدَامَتُهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: " إِنْ كَانَ مُحْسِنًا نَدِمَ أَنْ لَا يَكُونَ ازْدَادَ، وَإِنْ كَانَ مُسِيئًا نَدِمَ أَنْ لَا يَكُونَ نَزَعَ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
_________________
(١) (وَعَنْهُ) أَيْ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: مَا مِنْ أَحَدٍ يَمُوتُ إِلَّا نَدِمَ) أَيْ: فَاغْتَنِمُوا الْحَيَاةَ قَبْلَ الْمَوْتِ، وَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ قَبْلَ الْفَوْتِ، (قَالُوا: وَمَا نَدَامَتُهُ)؟ أَيْ: مَا وَجْهُ تَأَسُّفِ كُلِّ أَحَدٍ وَمَلَامَتِهِ (يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: إِنْ كَانَ مُحْسِنًا نَدِمَ أَنْ لَا يَكُونَ ازْدَادَ) أَيْ: خَيْرًا أَوْ بِرًّا، (وَإِنْ كَانَ مُسِيئًا نَدِمَ أَنْ لَا يَكُونَ نَزَعَ) أَيْ: كَفَّ نَفْسَهُ عَنِ الْإِسَاءَةِ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) .
[ ٨ / ٣٥٢١ ]
٥٥٤٦ - وَعَنْهُ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: " «يُحْشَرُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثَلَاثَةَ أَصْنَافٍ: صِنْفًا مُشَاةً، وَصِنْفًا رُكْبَانًا، وَصِنْفًا عَلَى وُجُوهِهِمْ " قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! وَكَيْفَ يَمْشُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ؟ قَالَ: " إِنَّ الَّذِي أَمْشَاهُمْ عَلَى أَقْدَامِهِمْ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُمْشِيَهُمْ عَلَى وُجُوهِهِمْ، أَمَا إِنَّهُمْ يَتَّقُونَ بِوُجُوهِهِمْ كُلَّ حَدَبٍ وَشَوْكٍ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
_________________
(١) (وَعَنْهُ) أَيْ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: يُحْشَرُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثَلَاثَةَ أَصْنَافٍ)، وَفِي نُسْخَةٍ عَلَى ثَلَاثَةِ أَصْنَافٍ، وَيُؤَيِّدُ الْأَوَّلَ قَوْلُهُ: (صِنْفًا مُشَاةً): بِضَمِّ الْمِيمِ جَمْعُ مَاشٍ، وَهُمُ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ خَلَطُوا صَالِحَ أَعْمَالِهِمْ بِسَيِّئِهَا، (وَصِنْفًا رُكْبَانًا) أَيْ: عَلَى النُّوقِ، وَهُوَ بِضَمِّ الرَّاءِ جَمْعُ رَاكِبٍ، وَهُمُ السَّابِقُونَ الْكَامِلُونَ الْإِيمَانِ، وَإِنَّمَا بَدَأَ بِالْمُشَاةِ جَبْرًا لِخَاطِرِهِمْ، كَمَا قِيلَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ [فاطر: ٣٢]، وَفِي قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: ﴿يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا﴾ [الشورى: ٤٩] أَوْ لِأَنَّهُمُ الْمُحْتَاجُونَ إِلَى الْمَغْفِرَةِ أَوَّلًا، أَوْ لِإِرَادَةِ التَّرَقِّي وَهُوَ ظَاهِرٌ. وَقَالَ التُّورِبِشْتِيُّ - ﵀: فَإِنْ قِيلَ: لِمَ بَدَأَ بِالْمُشَاةِ بِالذِّكْرِ قَبْلَ أُولِي السَّابِقَةِ؟ قُلْنَا: لِأَنَّهُمْ هُمُ الْأَكْثَرُونَ مِنْ أَهْلِ الْإِيمَانِ. (وَصِنْفًا عَلَى وُجُوهِهِمْ) أَيْ: يَمْشُونَ عَلَيْهَا، وَهُمُ الْكُفَّارُ (قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! وَكَيْفَ يَمْشُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ)؟ أَيْ وَالْعَادَةُ أَنْ يُمْشَى عَلَى الْأَرْجُلِ، (قَالَ: إِنَّ الَّذِي أَمْشَاهُمْ عَلَى أَقْدَامِهِمْ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُمْشِيَهُمْ عَلَى وُجُوهِهِمْ) يَعْنِي: وَقَدْ أَخْبَرَ فِي كِتَابِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ﴾ [الفرقان: ٣٤]، وَإِخْبَارُهُ حَقٌّ، وَوَعْدُهُ صِدْقٌ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُسْتَبْعَدَ مِثْلُ ذَلِكَ، (أَمَا): بِالتَّخْفِيفِ لِلتَّنْبِيهِ (إِنَّهُمْ) أَيِ:
[ ٨ / ٣٥٢١ ]
الْكُفَّارَ (يَتَّقُونَ) أَيْ: يَحْتَرِزُونَ وَيَدْفَعُونَ (بِوُجُوهِهِمْ كُلَّ حَدَبٍ) أَيْ: مَكَانٍ مُرْتَفِعٍ (وَشَوْكٍ) أَيْ: وَنَحْوَهُ مِنْ أَنْوَاعِ مَا يُتَأَذَّى بِهِ، وَالْمَعْنَى أَنَّ وُجُوهَهُمْ وَاقِيَةٌ لِأَبْدَانِهِمْ مِنْ جَمِيعِ الْأَذَى ; لِأَجْلِ أَنْ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ، وَالْأَمْرُ فِي الدُّنْيَا عَلَى عَكْسِ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا كَانَ كَذَلِكَ لِأَنَّ الْوَجْهَ الَّذِي هُوَ أَعَزُّ الْأَعْضَاءِ لَمْ يَضَعْهُ سَاجِدًا عَلَى التُّرَابِ، وَعَدَلَ عَنْهُ تَكَبُّرًا، فَجُعِلَ أَمْرُهُ عَلَى الْعَكْسِ.
قَالَ الْقَاضِي - ﵀: قَوْلُهُ: يَتَّقُونَ بِوُجُوهِهِمْ يُرِيدُ بَيَانَ هَوَانِهِمْ وَاضْطِرَارِهِمْ إِلَى حَدٍّ جَعَلُوا وُجُوهَهُمْ مَكَانَ الْأَيْدِي وَالْأَرْجُلِ فِي التَّوَقِّي عَنْ مُؤْذِيَاتِ الطُّرُقِ وَالْمَشْيِ إِلَى الْمَقْصِدِ ; لَمَّا لَمْ يَجْعَلُوهَا سَاجِدَةً لِمَنْ خَلَقَهَا وَصَوَّرَهَا، وَمِمَّا يُنَاسِبُ الْمَقَامَ مَا يُحْكَى: أَنَّهُ رُئِيَ بَعْضُ الْأَغْنِيَاءِ أَنَّهُ يَسْعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ عَلَى بَغْلَةٍ بِطَرِيقِ الْخُيَلَاءِ، ثُمَّ رُئِيَ فِي بَعْضِ الْبَادِيَةِ وَالصَّحْرَاءِ أَنَّهُ يَمْشِي، فَقِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ: لَمَّا رَكِبْنَا فِي مَحَلِّ الْمَشْيِ عَاقَبَنَا اللَّهُ بِأَنْ نَمْشِيَ فِي مَحَلِّ الرُّكُوبِ، هَذَا وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الزمر: ٢٤] وَفَسَّرُوا بِأَنْ يُلْقَى الْكَافِرُ مَقْلُوبًا فِي النَّارِ، فَلَا يَقْدِرُ أَنْ يَدْفَعَ عَنْ نَفْسِهِ النَّارَ إِلَّا بِوَجْهِهِ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) . وَكَذَا أَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ جَرِيرٍ، وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي الْبَعْثِ، وَحَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ - ﵏.
[ ٨ / ٣٥٢٢ ]
٥٥٤٧ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ - ﵄ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: " «مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كَأَنَّهُ رَأْيُ عَيْنٍ فَلْيَقْرَأْ: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ [التكوير: ١] وَ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ﴾ [الانفطار: ١] وَ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ [الانشقاق: ١]» . رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ
_________________
(١) (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ - ﵄ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: مَنْ سَرَّهُ) أَيْ: أَعْجَبَهُ (أَنْ يَنْظُرَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ) أَيْ: أَحْوَالِهِ وَأَنْ يَطَّلِعَ فِي أَهْوَالِهِ (كَأَنَّهُ رَأْيُ عَيْنٍ) أَيْ: فَيَتَرَقَّى مِنْ عِلْمِ الْيَقِينِ إِلَى عَيْنِ الْيَقِينِ (فَلْيَقْرَأْ: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ [التكوير: ١] أَيْ: لُفَّتْ وَأُلْقِيَتْ فِي النَّارِ، وَقَالَ الْقَاضِي - ﵀: أَيْ لُفَّتْ بِمَعْنَى رُفِعَتْ، أَوْ لُفَّ ضَوْءُهَا، أَوْ أُلْقِيَتْ عَنْ فَلَكِهَا، وَفِي الدُّرِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَيْ أَظْلَمَتْ، وَعَنْ أَبِي صَالِحٍ: نُكِّسَتْ، وَ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ﴾ [الانفطار: ١] أَيِ: انْشَقَّتْ، وَ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ [الانشقاق: ١] أَيِ انْصَدَعَتْ، وَالْمُرَادُ هَذِهِ السُّوَرُ ; فَإِنَّهَا مُشْتَمِلَةٌ عَلَى ذِكْرِ أَحْوَالِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَأَهْوَالِهِ. (رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ)، وَكَذَا ابْنُ الْمُنْذِرِ، وَالطَّبَرَانِيُّ، وَحَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَالْحَاكِمُ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ.
[ ٨ / ٣٥٢٢ ]
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
٥٥٤٨ - عَنْ أَبِي ذَرٍّ - ﵁ - قَالَ: إِنَّ الصَّادِقَ الْمَصْدُوقَ - ﷺ - حَدَّثَنِي: " «أَنَّ النَّاسَ يُحْشَرُونَ ثَلَاثَةَ أَفْوَاجٍ: فَوْجًا رَاكِبِينَ طَاعِمِينَ كَاسِينَ، وَفَوْجًا تَسْحَبُهُمُ الْمَلَائِكَةُ عَلَى وُجُوهِهِمْ، وَتَحْشُرُهُمُ النَّارُ، وَفَوْجًا يَمْشُونَ وَيَسْعَوْنَ وَيُلْقِي اللَّهُ الْآفَةَ عَلَى الظَّهْرِ فَلَا يَبْقَى، حَتَّى إِنَّ الرَّجُلَ لَتَكُونُ لَهُ الْحَدِيقَةُ يُعْطِيهَا بِذَاتِ الْقَتَبِ لَا يَقْدِرُ عَلَيْهَا» ". رَوَاهُ النَّسَائِيُّ.
_________________
(١) الْفَصْلُ الثَّالِثُ
(٢) (عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: إِنَّ الصَّادِقَ الْمَصْدُوقَ حَدَّثَنِي أَنَّ النَّاسَ يُحْشَرُونَ ثَلَاثَةَ أَفْوَاجٍ)، قَالَ الطِّيبِيُّ - ﵀: الْمُرَادُ بِالْحَشْرِ هُنَا مَا فِي قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: («أَوَّلُ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ نَارٌ تَحْشُرُ النَّاسَ مِنَ الْمَشْرِقِ إِلَى الْمَغْرِبِ») وَقَوْلِهِ: («سَتَخْرُجُ نَارٌ مِنْ نَحْوِ حَضْرَمَوْتَ تَحْشُرُ النَّاسَ) قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! فَمَا تَأْمُرُ؟ قَالَ: (عَلَيْكُمْ
[ ٨ / ٣٥٢٢ ]
بِالشَّامِ»)، (فَوْجًا): وَهُمُ السَّابِقُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ الْكَامِلِينَ (رَاكِبِينَ طَاعِمِينَ كَاسِينَ)، قَالَ الطِّيبِيُّ - ﵀: هُوَ عِبَارَةٌ عَنْ كَوْنِهِمْ مُرْهَفِينَ لِاسْتِعْدَادِهِمْ مَا يُبَلِّغُهُمْ إِلَى الْقَصْدِ مِنَ الزَّادِ وَالرِّحْلَةِ (وَفَوْجًا): وَهُمُ الْكُفَّارُ (تَسْحَبُهُمْ): بِفَتْحِ الْحَاءِ أَيْ تَجُرُّهُمُ (الْمَلَائِكَةُ عَلَى وُجُوهِهِمْ): وَهُوَ إِمَّا عَلَى حَقِيقَتِهِ، وَإِمَّا كِنَايَةٌ عَنْ كَمَالِ هَوَانِهِمْ وَذُلِّهِمْ، وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ لِدَلَالَةِ السِّبَاقِ وَاللَّحَاقِ، (وَتَحْشُرُ النَّارُ): بِنَصْبِ النَّارِ فِي أَصْلِ السَّيِّدِ وَأَكْثَرِ النُّسَخِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِرَفْعِهَا، وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ: (وَتَحْشُرُهُمُ النَّارُ) بِالضَّمِيرِ مَعَ نَصْبِ النَّارِ عَلَى نَزْعِ الْخَافِضِ، أَيْ: إِلَيْهَا وَمَعَ رَفْعِهَا عَلَى الْفَاعِلِيَّةِ. قَالَ الطِّيبِيُّ - ﵀: أَيْ تَحْشُرُ الْمَلَائِكَةُ لَهُمُ النَّارَ وَتُلْزِمُهُمْ إِيَّاهَا، حَتَّى لَا تُفَارِقَهُمْ أَيْنَ بَاتُوا وَأَيْنَ قَالُوا وَأَصْبَحُوا، وَيَصِحُّ أَنْ تُرْفَعَ النَّارُ أَيْ وَتَحْشُرُهُمُ النَّارُ، (وَفَوْجًا): وَهُمُ الْمُؤْمِنُونَ الْمُذْنِبُونَ (يَمْشُونَ وَيَسْعَوْنَ) أَيْ: وَيُسْرِعُونَ لَا أَنَّهُمْ يَمْشُونَ بِسَكِينَةٍ وَرَاحَةٍ (وَيُلْقِي اللَّهُ الْآفَةَ عَلَى الظَّهْرِ) أَيْ: عَلَى الْمَرْكُوبِ تَسْمِيَةً بِمَا هُوَ الْمَقْصُودُ مِنْهُ، وَتَعْبِيرًا عَنِ الْكُلِّ بِالْجُزْءِ، (فَلَا يَبْقَى) أَيْ: ظَهْرٌ، وَفِي نُسْخَةٍ بِالتَّأْنِيثِ أَيْ دَابَّةٌ، وَفِي نُسْخَةٍ بِضَمِّ أَوَّلِهِ أَيْ: فَلَا تُبْقِي الْآفَةُ دَابَّةً (حَتَّى إِنَّ الرَّجُلَ لَتَكُونُ لَهُ الْحَدِيقَةُ) أَيِ: الْبُسْتَانُ (يُعْطِيهَا بِذَاتِ الْقَتَبِ) أَيْ: بِعِوَضِهَا وَبَدَلِهَا، وَهُوَ بِفَتْحِ الْقَافِ وَالتَّاءِ لِلْجَمَلِ كَالْإِكَافِ لِغَيْرِهِ (لَا يَقْدِرُ) أَيْ: أَحَدٌ (عَلَيْهَا) أَيْ: عَلَى ذَاتِ الْقَتَبِ ; لِعِزَّةِ وُجُودِهَا، وَهَذَا صَرِيحٌ فِي أَنَّ الْمُرَادَ بِالْحَشْرِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ لَيْسَ حَشْرَ الْقِيَامَةِ. قَالَ الطِّيبِيُّ - ﵀: فَبَقِيَ أَنْ يُقَالَ: لِمَ ذَكَرَ الْمُؤَلِّفُ هَذَا الْحَدِيثَ فِي بَابِ الْحَشْرِ، وَهَذَا مَحَلُّ ذِكْرِهِ بَابُ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ؟ قُلْنَا: تَأَسِّيًا بِمُحْيِي السُّنَّةِ، وَالْعَجَبُ أَنَّ مُحْيِيَ السُّنَّةِ حَمَلَ الْحَدِيثَ عَلَى مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْخَطَّابِيُّ ; حَيْثُ قَالَ: وَهَذَا الْحَشْرُ قَبْلَ قِيَامِ السَّاعَةِ، وَإِنَّمَا يَكُونُ ذَلِكَ إِلَى الشَّامِ إِحْيَاءً، فَأَمَّا الْحَشْرُ بَعْدَ الْبَعْثِ مِنَ الْقُبُورِ، فَعَلَى خِلَافِ هَذِهِ الصِّفَةِ مِنْ رُكُوبِ الْإِبِلِ وَالْمُعَاقَبَةِ عَلَيْهَا، وَإِنَّمَا هُوَ كَمَا أَخْبَرَ أَنَّهُمْ يُبْعَثُونَ حُفَاةً عُرَاةً، وَأَوْرَدَهُ فِي هَذَا الْبَابِ اهـ.
وَتَقَدَّمَ الْجَوَابُ عَلَى وَجْهِ الصَّوَابِ فِي كَلَامِ التُّورِبِشْتِيِّ - ﵀ - فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَوَّلَ الْبَابِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ رُكُوبَ بَعْضِ الْخَوَاصِّ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ وَالْأَوْلِيَاءِ ثَابِتٌ فِي الْحَشْرِ بَعْدَ الْبَعْثِ أَيْضًا، وَأَنَّ حَدِيثَ: " يُبْعَثُونَ حُفَاةً عُرَاةً " بِنَاءً عَلَى أَكْثَرِ الْخَلْقِ، أَوْ نَظَرًا إِلَى ابْتِدَاءِ الْأَمْرِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. (رَوَاهُ النَّسَائِيُّ) .
وَفِي الدُّرِّ الْمَنْثُورِ: أَخْرَجَ أَحْمَدُ، وَالنَّسَائِيُّ، وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ، وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي الْبَعْثِ عَنْ أَبِي ذَرٍّ: أَنَّهُ تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ﴾ [الإسراء: ٩٧]، فَقَالَ: حَدَّثَنِي الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ: " «إِنَّ النَّاسَ يُحْشَرُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَفْوَاجٍ: فَوْجٍ طَاعِمِينَ كَاسِينَ رَاكِبِينَ، وَفَوْجٍ يَمْشُونَ وَيَسْعَوْنَ، وَفَوْجٍ تَسْحَبُهُمُ الْمَلَائِكَةُ عَلَى وُجُوهِهِمْ» " اهـ. فَهَذَا الْحَدِيثُ صَرِيحٌ بِأَنَّ الْحَشْرَ حَشْرُ يَوْمِ الْقِيَامَةِ ; لِتَصْرِيحِهِ فِي الْآيَةِ، وَالْحَدِيثُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَيُؤَيِّدُ سَحْبَ الْمَلَائِكَةِ إِيَّاهُمْ عَلَى وُجُوهِهِمْ، فَالْوَجْهُ الْوَجِيهُ مَا اخْتَارَهُ شَيْخُنَا التُّورِبِشْتِيُّ - ﵀ - لَا مَا أَخْطَأَ الْخَطَّابِيُّ ; حَيْثُ لَمْ يُدْرِكْهُ هَذَا الْمَدْرَكَ، وَإِنَّمَا جَاءَ الْآفَةُ مِنْ قَوْلِ أَبِي ذَرٍّ فِي الْحَدِيثِ عَلَى رِوَايَةِ أَصْلِ الْكِتَابِ زِيَادَةً عَلَى مَا فِي رِوَايَةِ الْجَامِعِ، وَيُلْقِي اللَّهُ الْآفَةَ، وَيُمْكِنُ دَفْعُهُ بِأَنْ يُقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ آخَرُ أَدْرَجَهُ مَعَهُ، وَأَدْمَجَهُ فِيهِ بِأَدْنَى مُنَاسَبَةٍ، فَيَنْبَغِي أَنْ يُحْمَلَ عَلَى الْمُسَامَحَةِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
[ ٨ / ٣٥٢٣ ]