[ ٨ / ٣١٦٩ ]
(١٩) بَابُ الرِّفْقِ وَالْحَيَاءِ وَحُسْنِ الْخُلُقِ
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
٥٠٦٧ - عَنْ عَائِشَةَ - ﵂ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: " «إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ، وَيُعْطِي عَلَى الرِّفْقِ مَا لَا يُعْطِي عَلَى الْعُنْفِ، وَمَا لَا يُعْطِي عَلَى مَا سِوَاهُ ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ: قَالَ لِعَائِشَةَ: " عَلَيْكِ بِالرِّفْقِ، وَإِيَّاكِ وَالْعُنْفَ وَالْفُحْشَ، إِنَّ الرِّفْقَ لَا يَكُونُ فِي شَيْءٍ إِلَّا زَانَهُ، وَلَا يُنْزَعُ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا شَانَهُ» ".
[١٩]
بَابُ الرِّفْقِ وَالْحَيَاءِ وَحُسْنِ الْخُلُقِ
الرِّفْقُ: بِالْكَسْرِ ضِدُّ الْعُنْفِ وَهُوَ الْمُدَارَاةُ مَعَ الرُّفَقَاءِ وَلِينُ الْجَانِبِ وَاللُّطْفُ فِي أَخْذِ الْأَمْرِ بِأَحْسَنِ الْوُجُوهِ وَأَيْسَرِهَا، وَأَمَّا الْحَيَاءُ فَقَالَ الْحُكَمَاءُ: هُوَ تَغَيُّرٌ وَانْكِسَارٌ يَعْتَرِي الْإِنْسَانَ مِنْ خَوْفِ مَا يُلَامُ بِهِ. وَقَالَ الْجُنَيْدُ: حَالَةٌ تَتَوَلَّدُ مِنْ رُؤْيَةِ الْآلَاءِ وَالتَّقْصِيرِ فِي شُكْرِ النَّعْمَاءِ. وَقَالَ ذُو النُّونِ: الْحَيَاءُ وُجُودُ الْهَيْبَةِ فِي الْقَلْبِ مَعَ وَحْشَةِ مَا سَبَقَ مِنْكَ إِلَى رَبِّكَ. وَقَالَ الدَّقَّاقُ: هُوَ تَرْكُ الدَّعْوَى بَيْنَ يَدَيِ الْمَوْلَى، وَأَمَّا حُسْنُ الْخُلُقِ فَقَالُوا: هُوَ الْإِنْصَافُ فِي الْمُعَامَلَةِ وَبَذْلُ الْإِحْسَانِ وَالْعَدْلُ فِي الْأَحْكَامِ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ هُوَ الِاتِّبَاعُ بِمَا أَتَى بِهِ مُحَمَّدٌ - ﷺ - مِنْ أَحْكَامِ الشَّرِيعَةِ وَآدَابِ الطَّرِيقَةِ، وَأَحْوَالِ الْحَقِيقَةِ، وَلِذَا «لَمَّا سُئِلَتْ عَائِشَةُ - ﵂ - عَنْ خُلُقِهِ ﵊ الْوَارِدِ فِي حَقِّهِ " ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤] " فَقَالَتْ: كَانَ خُلُقُهُ الْقُرْآنُ» تَعْنِي أَنَّ كُلَّ مَا فِيهِ مِنْ خَصْلَةٍ مَحْمُودَةٍ كَانَ يَتَّصِفُ بِهَا وَكُلُّ فِعْلَةٍ مَذْمُومَةٍ فِيهِ يَجْتَنِبُ عَنْهَا، ثُمَّ الِاتِّبَاعُ بِقَدْرِ الْمَحَبَّةِ وَتَوْفِيقُ الْمُتَابَعَةِ بِأَخْذِ كُلِّ سَهْمِهِ وَنَصِيبِهِ وَقَدْ أَشَارَ إِلَى ذَلِكَ الشَّاطِبِيُّ - ﵀ - فِي وَصْفِهِ لِلْقُرَّاءِ:
أُولُو الْبِرِّ وَالْإِحْسَانِ وَالصَّبْرِ وَالتُّقَى حُلَاهُمْ بِهَا جَاءَ الْقُرْآنُ مُفَصَّلًا.
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
٥٠٦٧ - (عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: إِنَّ اللَّهَ رَفِيقٌ) أَيْ: لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ، يُرِيدُ بِهِمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِهِمُ الْعُسْرَ، فَيُسَامِحُهُمْ وَلَا يُكَلِّفُ فَوْقَ وُسْعِهِمْ، أَوْ يُحِبُّ أَنْ يَرْفُقَ الْعِبَادُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا كَمَا بَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ: (يُحِبُّ الرِّفْقَ) أَيْ: يَرْضَى بِهِ وَيُثْنِي عَلَيْهِ (وَيُعْطِي عَلَى الرِّفْقِ) أَيِ: الْمَثُوبَاتِ وَالْمَآرِبَ أَوْ مِنَ الْأَغْرَاضِ وَالْمَطَالِبِ (مَا لَا يُعْطِي عَلَى الْعُنْفِ): بِالضَّمِّ فِي الْقَامُوسِ هِيَ مُثَلَّثَةُ الْعَيْنِ ضِدُّ الرِّفْقِ (وَمَا لَا يُعْطِي عَلَى مَا سِوَاهُ) أَيْ: سُوءِ الرِّفْقِ، وَهُوَ الْعُنْفُ، فَفِي الْكَلَامِ زِيَادَةُ مُبَالَغَةٍ وَتَأْكِيدٌ لِلْحُكْمِ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّ التَّقْدِيرَ مَا سِوَى الرِّفْقِ مِنَ الْخِصَالِ الْحَسَنَةِ. قَالَ الْقَاضِي: وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ إِطْلَاقُ الرَّفِيقِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى اسْمًا لِأَنَّهُ لَمْ يَتَوَاتَرْ وَلَمْ يُسْتَعْمَلْ أَيْضًا عَلَى قَصْدِ الِاسْمِيَّةِ، وَإِنَّمَا أُخْبِرَ عَنْهُ تَمْهِيدًا لِلْحُكْمِ الَّذِي بَعْدَهُ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: هُوَ الَّذِي يَرْفُقُ عِبَادَهَ فِي أُمُورِهِمْ فَيُعْطِيهِمْ بِالرِّفْقِ مَا لَا يُعْطِيهِمْ عَلَى مَا سِوَاهُ، وَإِنَّمَا ذَكَرَ قَوْلَهُ وَمَا لَا يُعْطِي عَلَى مَا سِوَاهُ بَعْدَ قَوْلِهِ: مَا لَا يُعْطِي عَلَى الْعُنْفِ، لِيَدُلَّ عَلَى أَنَّ الرِّفْقَ أَنْجَحُ الْأَسْبَابِ كُلِّهَا وَأَنْفَعُهَا بِأَسْرِهَا. قَالَ الطِّيبِيُّ: وَفِي مَعْنَاهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ:
يَا طَالِبَ الرِّزْقِ الْهَنِيِّ بِقُوَّةٍ هَيْهَاتَ أَنْتَ بِبَاطِلٍ مَشْغُوفُ
أَكَلَ الْعُقَابُ بِقُوَّةٍ جِيفَ الْفَلَا وَرَعَى الذُّبَابُ الشَّهْدَ وَهُوَ ضَعِيفُ
وَالْمَعْنَى يَنْبَغِي لِلْمَرْءِ أَنْ لَا يَحْرِصَ فِي رِزْقِهِ، بَلْ يَكِلُ أَمْرَهُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى الَّذِي تَوَلَّى الْقِسْمَةَ فِي خَلْقِهِ، فَالنِّسْرُ يَأْكُلُ الْجِيفَةَ بِعُنْفِهِ، وَالنَّحْلُ يَرْعَى الْعَسَلَ بِرِفْقِهِ. قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: فَإِنْ قِيلَ: فَمَا مَعْنَى قَوْلِهِ ﵊: أَنْتَ رَفِيقٌ وَاللَّهُ الطَّبِيبُ؟ قُلْنَا: الطَّبِيبُ الْحَاذِقُ بِالشَّيْءِ الْمَوْصُوفُ، وَلَمْ يَرِدْ بِهَذَا الْقَوْلِ نَفْيَ هَذَا الِاسْمَ عَمَّنْ يَتَعَاطَى ذَلِكَ، وَإِنَّمَا حَوَّلَ الْمَعْنَى مِنَ الطَّبِيعَةِ إِلَى الشَّرِيعَةِ، وَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّ الَّذِي يَرْجُونَ مِنَ الطَّبِيبِ فَاللَّهُ فَاعِلُهُ، وَالْمَنَّانُ بِهِ عَلَى عِبَادِهِ وَهَذَا كَقَوْلِهِ: فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الدَّهْرُ: وَلَيْسَ الطَّبِيبُ بِمَوْجُودٍ فِي أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى، وَلَا الرَّفِيقُ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ فِي الدُّعَاءِ يَا طَبِيبُ وَلَا يَا رَفِيقُ اهـ. وَفِيهِ إِيمَاءٌ إِلَى أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: هُوَ الطَّبِيبُ وَهُوَ رَفِيقٌ عَلَى مِنْوَالِ مَا وَرَدَ، وَأَمَّا قَوْلُهُ - ﷺ - فِي آخِرِ كَلَامِهِ عِنْدَ خُرُوجِهِ مِنَ الدُّنْيَا: الرَّفِيقُ الْأَعْلَى، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ بِهِ اللَّهُ، وَأَنْ يُرَادَ لَهُ الْمَلَأُ الْأَعْلَى، فَمَعَ الِاحْتِمَالِ لَا يَصِحُّ الِاسْتِدْلَالُ. وَفِي شَرْحِ مُسْلِمٍ لِلنَّوَوِيِّ، قَالَ الْمَازِرِيُّ: لَا يُوصَفُ اللَّهُ ﷾ إِلَّا بِمَا سَمَّى بِهِ نَفْسَهُ أَوْ سَمَّاهُ بِهِ رَسُولُهُ - ﷺ - أَوْ أَجْمَعَتِ الْأُمَّةُ عَلَيْهِ، وَأَمَّا مَا لَمْ يَرِدْ بِهِ إِذْنٌ فِي
[ ٨ / ٣١٧٠ ]
إِطْلَاقِهِ، وَلَا وَرَدَ مَنْعٌ فَفِيهِ خِلَافٌ، مِنْهُمْ مَنْ قَالَ يَبْقَى عَلَى مَا كَانَ قَبْلُ، وَوُرُودُ الشَّرْعِ فَلَا يُوصَفُ بِهِ، وَلَا يُمْنَعُ مِنْهُ وَمِنْهُمْ مَنْ مَنَعَهُ، وَبَيْنَ الْأُصُولِيِّينَ خِلَافٌ فِي تَسْمِيَةِ اللَّهِ تَعَالَى. بِمَا ثَبَتَ بِخَبَرِ الْآحَادِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: يَجُوزُ لِأَنَّ الْخَبَرَ الْوَاحِدَ عَنْهُ يَقْتَضِي الْعَمَلَ بِهِ، وَبَعْضُهُمْ لَا يُجَوِّزُ ذَلِكَ لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ الْعِلْمِيَّاتِ فَلَا يَثْبُتُ بِالْأَقْيِسَةِ، وَإِنْ كَانَتْ يُعْمَلُ بِهَا فِي الْمَسَائِلِ الْفِقْهِيَّةِ الْعَمَلِيَّةِ. قَالَ النَّوَوِيُّ: وَالصَّحِيحُ جَوَازُ تَسْمِيَةِ اللَّهِ تَعَالَى رَفِيقًا وَغَيْرُهُ بِمَا يَثْبُتُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ (رَوَاهُ مُسْلِمٌ): وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: «إِنَّ اللَّهَ رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ وَيُعْطِي عَلَيْهِ مَا لَا يُعْطِي عَلَى الْعُنْفِ» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ، وَأَبُو دَاوُدَ فِي جَامِعِهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ، وَابْنُ مَاجَهْ وَابْنُ حِبَّانَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَأَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ عَنْ عَلِيٍّ، وَالطَّبَرَانِيُّ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ، وَالْبَزَّارُ عَنْ أَنَسٍ، فَكَادَ الْحَدِيثُ أَنْ يَكُونَ مُتَوَاتِرًا عِنْدَ بَعْضِهِمْ.
(وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ) أَيْ: لِمُسْلِمٍ (قَالَ لِعَائِشَةَ: «عَلَيْكِ بِالرِّفْقِ، وَإِيَّاكِ وَالْعُنْفَ وَالْفُحْشَ») أَيِ: الْمُتَوَلِّدُ مِنْهُ (إِنَّ الرِّفْقَ): اسْتِئْنَافُ بَيَانٍ (لَا يَكُونُ) أَيْ: لَا يُوجَدُ (فِي شَيْءٍ) أَيْ: مِنَ الذَّوَاتِ وَالْأَعْرَاضِ (إِلَّا زَانَهُ) أَيْ: زَيَّنَهُ وَكَمَّلَهُ (وَلَا يُنْزَعُ): بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيْ: لَا يُفْقَدُ وَلَا يُعْدَمُ (مِنْ شَيْءٍ إِلَّا شَانَهُ) أَيْ: عَيَّبَهُ وَنَقَّصَهُ قَالَ الطِّيبِيُّ، قَوْلُهُ: (يَكُونُ) يُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ تَامَّةً، وَ(فِي شَيْءٍ) مُتَعَلِّقٌ بِهَا، وَأَنْ تَكُونَ نَاقِصَةً وَ(فِي شَيْءٍ) خَبَرُ كَانَ، فَالِاسْتِثْنَاءُ مُفَرَّغٌ. مِنْ أَعَمِّ عَامِّ وَصْفِ الشَّيْءِ، أَيْ: لَا يَكُونُ الرِّفْقُ مُسْتَقِرًّا فِي شَيْءٍ يُتَّصَفُ بِوَصْفٍ مِنَ الْأَوْصَافِ إِلَّا بِصِفَةِ الزِّينَةِ. وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: «عَلَيْكِ بِالرِّفْقِ وَإِيَّاكِ وَالْعُنْفَ وَالْفُحْشَ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ، عَنْ عَائِشَةَ، وَرَوَى مُسْلِمٌ عَنْ عَائِشَةَ: عَلَيْكِ بِالرِّفْقِ إِنَّ الرِّفْقَ لَا يَكُونُ فِي شَيْءٍ الْحَدِيثَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
[ ٨ / ٣١٧١ ]
٥٠٦٨ - وَعَنْ جَرِيرٍ - ﵁ - عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: " «مَنْ يُحْرَمِ الرِّفْقَ يُحْرَمِ الْخَيْرَ» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
_________________
(١) (وَعَنْ جَرِيرٍ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: مَنْ يُحْرَمْ): بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ مَجْزُومًا. وَقِيلَ مَرْفُوعًا (الرِّفْقَ): بِالنَّصْبِ عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولٌ ثَانٍ أَيْ: مَنْ يَصِرْ مَحْرُومًا مِنْهُ (يُحْرَمِ الْخَيْرَ) أَيْ: كُلَّهُ كَمَا فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ، فَفِيهِ فَصْلُ الرِّفْقِ وَالْحَثِّ عَلَى التَّخَلُّقِ بِهِ وَذَمِّ الْعُنْفِ، وَأَنَّ الرِّفْقَ سَبَبُ كُلِّ خَيْرٍ (رَوَاهُ مُسْلِمٌ): وَكَذَا أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ.
[ ٨ / ٣١٧١ ]
٥٠٦٩ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ - ﵄ - «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - مَرَّ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ وَهُوَ يَعِظُ أَخَاهُ فِي الْحَيَاءِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: " دَعْهُ، فَإِنَّ الْحَيَاءَ مِنَ الْإِيمَانِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
_________________
(١) (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - مَرَّ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ وَهُوَ يَعِظُ أَخَاهُ) أَيْ: يَنْصَحُهُ (فِي الْحَيَاءِ): بِأَنْ لَا يُكْثِرَ مِنْهُ، فَإِنَّ الْحَيَاءَ يَمْنَعُ الرِّزْقَ وَيَمْنَعُ الْعِلْمَ عَلَى مَا رُوِيَ. قَالَ الطِّيبِيُّ: أَيْ يُنْذِرُهُ. قَالَ الرَّاغِبُ: الْوَعْظُ زَجْرٌ مُقْتَرِنٌ بِتَخْوِيفِهِ، وَقَالَ الْخَلِيلُ: هُوَ التَّذْكِيرُ بِالْخَيْرِ فِيمَا يَرِقُّ لَهُ الْقَلْبُ اهـ كَلَامُهُ. وَالْوَعْظُ هُنَا بِمَعْنَى الْعِتَابِ لِمَا جَاءَ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - بِرَجُلٍ وَهُوَ يُعَاتِبُ أَخَاهُ فِي الْحَيَاءِ، وَيَقُولُ: إِنَّهُ لَيَسْتَحْيِي يَعْنِي كَأَنَّهُ يَقُولُ قَدْ أَضَرَّ بِكَ. (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: دَعْهُ) أَيِ: اتْرُكْهُ عَلَى حَالِهِ مِنْ كَثْرَةِ الْحَيَاءِ (فَإِنَّ الْحَيَاءَ مِنَ الْإِيمَانِ) أَيْ: بَعْضِهِ أَوْ مِنْ شُعَبِهِ. قَالَ النَّوَوِيُّ: يَعِظُهُ فِي الْحَيَاءِ أَيْ: يَنْهَاهُ عَنْهُ وَيُقَبِّحُ لَهُ فِعْلَهُ وَيَزْجُرُهُ عَنْ كَثْرَتِهِ، فَنَهَاهُ النَّبِيُّ - ﷺ - عَنْ ذَلِكَ. أَيْ: دَعْهُ عَلَى فِعْلِ الْحَيَاءِ، وَكُفَّ عَنْ نَهْيِهِ، وَوَقَعَتْ لَفْظَةُ (دَعْهُ) فِي الْبُخَارِيِّ وَلَمْ تَقَعْ فِي مُسْلِمٍ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ): قُلْتُ: أَمَّا قَوْلُهُ (الْحَيَاءُ مِنَ الْإِيمَانِ) فَقَدْ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ أَيْضًا عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَكَذَا التِّرْمِذِيُّ وَالْحَاكِمُ وَالْبَيْهَقِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَالْبُخَارِيُّ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ، وَابْنُ مَاجَهْ وَالْحَاكِمُ وَالْبَيْهَقِيُّ عَنْ أَبِي بَكْرَةَ الثَّقَفِيِّ، وَالطَّبَرَانِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، وَابْنُ عَسَاكِرَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ.
[ ٨ / ٣١٧١ ]
٥٠٧٠ - وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ - ﵄ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " «الْحَيَاءُ لَا يَأْتِي إِلَّا بِخَيْرٍ ". وَفِي رِوَايَةٍ: " الْحَيَاءُ خَيْرٌ كُلُّهُ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
_________________
(١) (وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «الْحَيَاءُ لَا يَأْتِي إِلَّا بِخَيْرٍ») أَيْ: لَا يُغْرِي الْإِنْسَانَ إِلَّا بِخَيْرٍ. وَالْحَيَاءُ تَغَيُّرٌ وَانْكِسَارٌ يَعْتَرِي الْإِنْسَانَ مِنْ خَوْفِ مَا يُعَابُ بِهِ وَيُذَمُّ، ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ. وَقَالَ النَّوَوِيُّ: قَدْ يُشْكِلُ عَلَى بَعْضِ النَّاسِ هَذَا الْحَدِيثُ مِنْ حَيْثُ إِنَّ صَاحِبَ الْحَيَاءِ قَدْ يَسْتَحِي أَنْ يُوَاجِهَ بِالْحَقِّ مَنْ يُجِلُّهُ وَيُعَظِّمُهُ، فَيَتْرُكُ أَمْرَهُ بِالْمَعْرُوفِ وَنَهْيَهُ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَقَدْ يَحْمِلُهُ الْحَيَاءُ عَلَى الْإِخْلَالِ بِبَعْضِ الْحُقُوقِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مَا هُوَ مَعْرُوفٌ فِي الْعَادَةِ، وَالْجَوَابُ مَا أَجَابَ عَنْهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ مِنْهُمُ: الشَّيْخُ أَبُو عَمْرِو بْنُ الصَّلَاحِ أَنَّ هَذَا الْمَانِعَ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ لَيْسَ حَيَاءً حَقِيقَةً، بَلْ هُوَ عَجْزٌ وَخَوْرٌ، وَتَسْمِيَتُهُ حَيَاءً، بِحَسَبِ اللُّغَةِ، وَإِنَّمَا حَقِيقَةُ الْحَيَاءِ فِي اصْطِلَاحِ أَهْلِ الشَّرْعِ خُلُقٌ يَبْعَثُ عَلَى تَرْكِ الْقَبِيحِ، وَيَمْنَعُ مِنَ التَّقْصِيرِ فِي حَقِّ ذِي الْحَقِّ يَدُلُّ عَلَيْهِ مَا رَوَى الْإِمَامُ أَبُو الْقَاسِمِ الْقُشَيْرِيُّ عَنِ السَّيِّدِ الْجَلِيلِ أَبِي الْقَاسِمِ الْجُنَيْدِ. قَالَ: الْحَيَاءُ رُؤْيَةُ الْآلَاءِ، وَرُؤْيَةُ التَّقْصِيرِ فَيَتَوَلَّدُ بَيْنَهُمَا حَالَةٌ تُسَمَّى الْحَيَاءَ. قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ وَغَيْرُهُ: إِنَّمَا جُعِلَ الْحَيَاءُ مِنَ الْإِيمَانِ ; لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ تَخَلُّقًا وَاكْتِسَابًا كَسَائِرِ أَعْمَالِ الْبِرِّ، وَقَدْ يَكُونُ غَرِيزَةً، وَلَكِنَّ اسْتِعْمَالَهُ عَلَى قَانُونِ الشَّرْعِ يَحْتَاجُ إِلَى اكْتِسَابٍ وَنِيَّةٍ وَعِلْمٍ، وَهَذَا الْمَعْنِيُّ بِقَوْلِهِ ﷺ: («الْحَيَاءُ مِنَ الْإِيمَانِ») . قَالَ الطِّيبِيُّ: وَيُمْكِنُ أَنْ يُحْمَلَ التَّعْرِيفُ فِيهِ عَلَى الْعَهْدِ، وَيَكُونُ إِشَارَةً إِلَى مَا وَرَدَ فِي قَوْلِهِ ﷺ: " «الِاسْتِحْيَاءُ مِنَ اللَّهِ أَنْ يَحْفَظَ الرَّأْسَ وَمَا وَعَى وَالْبَطْنَ وَمَا حَوَى» " الْحَدِيثَ اهـ. وَهُوَ مَعْنًى حَسَنٌ وَقَيْدٌ مُسْتَحْسَنٌ يَزُولُ بِهِ الْإِشْكَالُ السَّابِقُ، وَبَيَانُهُ أَنَّ الْحَيَاءَ مِنَ اللَّهِ هُوَ الَّذِي خَيْرٌ كُلُّهُ، وَهُوَ الَّذِي لَا يَأْتِي إِلَّا بِخَيْرٍ، وَهُوَ الَّذِي لَا يَنْفَكُّ عَنِ الْإِيمَانِ، وَأَمَّا الْحَيَاءُ مِنَ الْخُلُقِ فَالْغَالِبُ فِيهِ أَيْضًا أَنْ يَكُونَ مَحْمُودًا، فَالْحَصْرُ ادِّعَائِيٌّ أَوْ كُلُّهُ مَحْمُودٌ إِلَّا إِذَا عَارَضَهُ تَرْكُ الْحَيَاءِ مِنَ اللَّهِ، فَيَتْرُكُ جَانِبَهُ مِنْ أَدَاءِ الْحُقُوقِ وَيُرَاعِي جَانِبَ الْمَخْلُوقِ، فَحِينَئِذٍ يَسْتَحِقُّ ذَلِكَ الْحَيَاءُ أَنْ لَا يُسَمَّى حَيَاءً فَالْحَيَاءُ كُلُّهُ خَيْرٌ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (وَفِي رِوَايَةٍ) أَيْ: لَهُمَا عَلَى مَا هُوَ ظَاهِرٌ لَكِنْ فِي الْجَامِعِ أَسْنَدَهَا إِلَى مُسْلِمٍ وَأَبِي دَاوُدَ (الْحَيَاءُ خَيْرٌ كُلُّهُ): قِيلَ عَامٌّ أُرِيدَ بِهِ الْخَاصُّ أَيِ: الْحَيَاءُ عَنْ فِعْلِ مَا لَا يَرْضَاهُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ): وَفِي رِوَايَةِ الطَّبَرَانِيِّ عَنْ قُرَّةَ: الْحَيَاءُ هُوَ الدِّينُ كُلُّهُ.
[ ٨ / ٣١٧٢ ]
٥٠٧١ - وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " «إِنَّ مِمَّا أَدْرَكَ النَّاسُ مِنْ كَلَامِ النُّبُوَّةِ الْأُولَى: إِذَا لَمْ تَسْتَحيِ فَاصْنَعْ مَا شِئْتَ» ". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
_________________
(١) (وَعَنْ أَبِي مَسْعُودٍ): هُوَ عُقْبَةُ بْنُ عُمَرَ الْأَنْصَارِيُّ شَهِدَ الْعَقَبَةَ، رَوَى عَنْهُ ابْنُهُ بَشِيرٌ وَخَلْقٌ سِوَاهُ قَالَ مِيرَكُ: وَفِي نُسْخَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَهُوَ غَلَطٌ. (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إِنَّ مِمَّا أَدْرَكَ النَّاسُ): بِالرَّفْعِ نَصَّ الْكَازْرُونِيُّ عَلَى أَنَّهُ الرِّوَايَةُ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ بِالنَّصْبِ أَيْ: مِمَّا وَصَلَ إِلَيْهِمْ وَظَفِرُوا بِهِ وَلَحِقُوهُ (مِنْ كَلَامِ النُّبُوَّةِ): (مِنْ) تَبْعِيضِيَّةٌ، وَالْمَعْنَى أَنَّ مِنْ جُمْلَةِ أَخْبَارِ أَصْحَابِ النُّبُوَّةِ (الْأُولَى) أَيِ: السَّابِقَةِ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ أَضَافَهُ إِلَيْهِمْ إِعْلَامًا بِأَنَّهُ مِنْ نَتَائِجِ الْوَحْيِ (إِذَا لَمْ تَسْتَحْيِ): بِسُكُونِ الْحَاءِ وَكَسْرِ الْيَاءِ وَحَذْفِ الثَّانِيَةِ لِلْجَزْمِ (فَاصْنَعْ مَا شِئْتَ) أَيِ: الرَّادِعُ عَمَّا لَا يَنْبَغِي هُوَ الْحَيَاءُ، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ صَدَرَ كُلُّ مَا لَا يَنْبَغِي فَالْأَمْرُ بِمَعْنَى الْخَبَرِ أَوِ الْأَمْرُ لِلتَّهْدِيدِ وَأَنْشَدَ: إِذَا لَمْ تَخْشَ عَاقِبَةَ اللَّيَالِي وَلَمْ تَسْتَحْيِ فَاصْنَعْ مَا تَشَاءُ فَلَا وَاللَّهِ مَا فِي الْعَيْشِ خَيْرٌ وَفِي الدُّنْيَا إِذَا ذَهَبَ الْحَيَاءُ قَالَ الطِّيبِيُّ: مَنْ فِي مِمَّا ابْتِدَائِيَّةٌ، وَهُوَ خَبَرُ إِنَّ وَاسْمُهُ قَوْلُهُ: إِذَا لَمْ تَسْتَحْيِ عَلَى تَأْوِيلِ أَنَّ هَذَا الْقَوْلَ حَاصِلٌ مِمَّا أَدْرَكَ النَّاسُ، وَالرَّاجِعُ إِلَى مَا مَحْذُوفٌ وَالنَّاسُ فَاعِلُ أَدْرَكَ، وَعَلَيْهِ كَلَامُ الشَّيْخِ التُّورِبِشْتِيِّ حَيْثُ قَالَ: الْمَعْنَى أَنَّ مِمَّا بَقِيَ بَيْنَ النَّاسِ وَأَدْرَكُوهُ مِنْ كَلَامِ الْأَنْبِيَاءِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فَاعِلَ أَدْرَكَ الضَّمِيرُ الرَّاجِعُ إِلَى " مَا " وَالنَّاسُ مَفْعُولُهُ، وَعَلَيْهِ كَلَامُ الْقَاضِي أَيْ مِمَّا بَلَغَ النَّاسَ مِنْ كَلَامِ الْأَنْبِيَاءِ الْمُتَقَدِّمِينَ أَنَّ الْحَيَاءَ هُوَ الْمَانِعُ مِنِ اقْتِرَافِ الْقَبَائِحِ وَالِاشْتِغَالِ بِمَنْهِيَّاتِ الشَّرْعِ وَمُسْتَحَبَّاتِ الْعَقْلِ، وَقَوْلُهُ: إِذَا لَمْ تَسْتَحْيِ الْجُمْلَةُ الشَّرْطِيَّةُ اسْمُ إِنَّ عَلَى الْحِكَايَةِ قَالَ الْخَطَّابِيُّ، قَوْلُهُ: مِنْ كَلَامِ النُّبُوَّةِ الْأُولَى مَعْنَاهُ اتِّفَاقُ كَلَامِ الْأَنْبِيَاءِ ﵈ عَلَى اسْتِحْسَانِ الْحَيَاءِ فَمَا مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا وَقَدْ نَدَبَ إِلَيْهِ، وَبَعَثَ عَلَيْهِ، وَلَمْ يُنْسَخْ فِيمَا نُسِخَ مِنْ شَرَائِعِهِمْ، وَلَمْ يُبَدَّلْ فِيمَا بُدِّلَ مِنْهَا، وَذَلِكَ أَنَّهُ أَمْرٌ قَدْ عُلِمَ صَوَابُهُ وَبَانَ فَضْلُهُ، وَاتَّفَقَتِ الْعُقُولُ عَلَى حُسْنِهِ، وَمَا كَانَ هَذَا صِفَةً لَهُ لَمْ يَجُزْ عَلَيْهِ النَّسْخُ وَالتَّبْدِيلُ، وَقَيَّدَ النُّبُوَّةَ بِالْأُولَى لِلْإِرْشَادِ إِلَى اتِّفَاقِ كَلِمَةِ الْأَنْبِيَاءِ ﵈ مِنْ أَوَّلِهِمْ إِلَى آخِرِهِمْ.
[ ٨ / ٣١٧٢ ]
وَفِي شَرْحِ السُّنَّةِ قَوْلُهُ: فَاصْنَعْ مَا شِئْتَ فِيهِ أَقَاوِيلُ. أَحَدُهَا: أَنَّ مَعْنَاهُ الْخَبَرُ، وَإِنْ كَانَ لَفْظُهُ لَفْظَ الْأَمْرِ كَأَنَّهُ يَقُولُ: إِذَا لَمْ يَمْنَعْكَ الْحَيَاءُ فَعَلْتَ مَا شِئْتَ بِمَا تَدْعُوكَ إِلَيْهِ نَفْسُكَ مِنَ الْقَبِيحِ، وَإِلَى هَذَا الْمَعْنَى ذَهَبَ أَبُو عُبَيْدٍ. وَثَانِيهَا: أَنَّ مَعْنَاهُ الْوَعِيدُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ [فصلت: ٤٠] أَيِ: اصْنَعْ مَا شِئْتَ، فَإِنَّ اللَّهَ يُجَازِيكَ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ أَبُو الْعَبَّاسِ. وَثَالِثُهَا: مَعْنَاهُ يَنْبَغِي أَنْ تَنْظُرَ إِلَى مَا تُرِيدُ أَنْ تَفْعَلَهُ، فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ مِمَّا لَا يُسْتَحَى مِنْهُ فَافْعَلْهُ، وَإِنْ كَانَ مِمَّا يُسْتَحْيَ مِنْهُ فَدَعْهُ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ أَبُو إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيُّ، وَرَوَى هَذَا الْحَدِيثَ جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُورٍ بِإِسْنَادِهِ، ثُمَّ قَالَ جَرِيرٌ: مَعْنَاهُ أَنْ يُرِيدَ الرَّجُلُ أَنْ يَعْمَلَ الْخَيْرَ فَيَدَعَهُ حَيَاءً مِنَ النَّاسِ كَأَنَّهُ يَخَافُ مَذْهَبَ الرِّيَاءِ يَقُولُ: فَلَا يَمْنَعْكَ الْحَيَاءُ مِنْ مُضِيِّ مَا أَرَدْتَ. قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: وَهُوَ شَبِيهٌ بِالْحَدِيثِ الْآخَرِ إِذَا جَاءَكَ الشَّيْطَانُ وَأَنْتَ تُصَلِّي، فَقَالَ: إِنَّكَ مُرَاءٍ فَزِدْهَا طُولًا قُلْتُ: وَيُؤَيِّدُهُ كَلَامُ الْفُضَيْلِ بْنِ عِيَاضٍ تَرْكُ الْعَمَلِ لِأَجْلِ النَّاسِ رِيَاءٌ، وَالْعَمَلُ لِأَجْلِهِمْ شِرْكٌ، وَالْإِخْلَاصُ أَنْ يُخَلِّصَكَ اللَّهُ مِنْهُمَا. وَاخْتَارَ النَّوَوِيُّ أَنَّ صِيغَةَ الْأَمْرِ لِلْإِبَاحَةِ أَيْ: إِذَا أَرَدْتَ أَنْ تَفْعَلَ شَيْئًا، فَإِنْ كَانَ بِحَيْثُ لَا يَسْتَحْيِ مِنَ اللَّهِ، وَمِنَ النَّاسِ فِي فِعْلِهِ فَافْعَلْهُ، وَإِلَّا فَلَا. وَزُبْدَةُ كَلَامِهِ أَنَّكَ إِذَا لَمْ تَسْتَحْيِ مِنْ صُنْعِ أَمْرٍ فَذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ ارْتِكَابِهِ، ثُمَّ قَالَ: وَعَلَى هَذَا مَدَارُ الْإِسْلَامِ وَتَوْجِيهُهُ أَنَّ أَفْعَالَ الْإِنْسَانِ إِمَّا أَنْ يُسْتَحَى مِنْهَا أَمْ لَا. فَالْأَوَّلُ يَشْمَلُ الْحَرَامَ وَالْمَكْرُوهَ، وَتَرْكُهُمَا هُوَ الْمَشْرُوعُ. وَالثَّانِي: يَشْمَلُ الْوَاجِبَ وَالْمَنْدُوبَ وَالْمُبَاحَ، وَفِعْلُهَا مَشْرُوعٌ فِي الْأَوَّلَيْنِ جَائِزٌ فِي الثَّالِثِ، فَعَلَى هَذَا يَتَضَمَّنُ الْحَدِيثُ الْأَحْكَامَ الْخَمْسَةَ.
وَقَالَ بَعْضُ الْعَارِفِينَ: التَّحْقِيقُ أَنَّ الْحَيَاءَ يَنْشَأُ عَنْ عِلْمِ الْقَلْبِ بِأَنَّ اللَّهَ رَقِيبٌ عَلَيْهِ فَيُحَافِظُ ظَاهِرَهُ وَبَاطِنَهُ مِنْ مُخَالَفَةِ أَحْكَامِهِ، وَيَسْتَقْبِحُ مَا صَدَرَ مِنْ هَفَوَاتِهِ، وَيَتَحَمَّلُ أَنْوَاعَ الْبَلَاءِ فِي نَظَرِهِ نَشِيطًا وَلَا يَشْتَكِي إِلَى غَيْرِهِ، فَإِذَا تَرَقَّى عَنْ ذَلِكَ وَتَحَقَّقَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ﷻ وَلَا إِلَهَ غَيْرُهُ أَقْرَبُ الْأَشْيَاءِ إِلَيْهِ بِلَا رَيْبٍ، اسْتَحْيَا مِنْ قُرْبِهِ فَوْقَ مَا يَسْتَحْيِي مِنْ رُؤْيَتِهِ، فَيَدْعُوهُ ذَلِكَ إِلَى مَحَبَّتِهِ وَالْخَلْوَةِ مَعَهُ مُسْتَوْحِشًا مِنَ الْأَغْيَارِ مُسْتَلِذًّا بِرُوحِ أُنْسِ الْمَلِكِ الْغَفَّارِ، حَتَّى تَطْلُعَ عَلَيْهِ طَوَالِعُ أَنْوَاعِ التَّوْحِيدِ، وَتَلْمَعَ فِي سَرْدِ بِوَارِقِ أَسْرَارِ التَّفْرِيدِ، فَيَسْتَحْيِي مِنْ شُهُودِ مَشْهُودِهِ، فَانِيًا عَنِ الْخَلْقِ بَاقِيًا مَعَ الْحَقِّ. قَالَ الْعَارِفُ السُّهْرَوَرْدِيُّ:
الْحَيَاءُ إِطْرَاقُ الرُّوحِ إِجْلَالًا لِعِظَمِ الْجَلَالِ، وَمِنْ هَذَا الْقَبِيلِ حَيَاءُ إِسْرَافِيلَ، كَمَا وَرَدَ: إِنَّهُ يَسْتَتِرُ بِجَنَاحِهِ حَيَاءً مِنَ اللَّهِ ﷿، وَحَيَاءُ عُثْمَانَ ﵁ كَمَا قَالَ: إِنِّي لَأَغْتَسِلُ فِي الْبَيْتِ الْمُظْلِمِ. فَأَنْطَوِي حَيَاءً مِنَ اللَّهِ ﷿. قُلْتُ: رَوَى ابْنُ عَسَاكِرَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: " «الْحَيَاءُ مِنَ الْإِيمَانِ وَأَحْيَا أُمَّتِي عُثْمَانُ» ". (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ): وَكَذَا رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ وَأَحْمَدُ أَيْضًا عَنْ حُذَيْفَةَ.
[ ٨ / ٣١٧٣ ]
٥٠٧٢ - وَعَنِ النَّوَّاسِ بْنِ سَمْعَانَ - ﵁ - قَالَ: «سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - عَنِ الْبِرِّ وَالْإِثْمِ فَقَالَ: " الْبِرُّ حُسْنُ الْخُلُقِ وَالْإِثْمُ مَا حَاكَ فِي صَدْرِكَ وَكَرِهْتَ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِ النَّاسُ» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
_________________
(١) (وَعَنِ النَّوَّاسِ): بِتَشْدِيدِ الْوَاوِ (ابْنِ سَمْعَانَ): بِكَسْرِ السِّينِ وَيُفْتَحُ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الصُّفَّةِ (قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - عَنِ الْبِرِّ) أَيِ: الطَّاعَةِ (وَالْإِثْمِ) أَيِ: الْمَعْصِيَةِ (فَقَالَ: الْبِرُّ) أَيْ: أَعْظَمُ خِصَالِهِ أَوِ الْبِرُّ كُلُّهُ مُجْمَلًا (حُسْنُ الْخُلُقِ) أَيْ: مَعَ الْخَلْقِ بِأَمْرِ الْحَقِّ أَوْ مُدَارَاةُ الْخَلْقِ، وَمُرَاعَاةُ الْحَقِّ. قِيلَ: فُسِّرَ الْبِرُّ فِي الْحَدِيثِ بِمَعَانٍ شَتَّى فَفَسَّرَهُ فِي مَوْضِعٍ بِمَا اطْمَأَنَّتْ إِلَيْهِ النَّفْسُ وَاطْمَأَنَّ إِلَيْهِ الْقَلْبُ، وَفَسَّرَهُ فِي مَوْضِعٍ بِالْإِيمَانِ، وَفِي مَوْضِعٍ بِمَا يُقَرِّبُكَ إِلَى اللَّهِ، وَهُنَا بِحُسْنِ الْخُلُقِ، وَفُسِّرَ حُسْنُ الْخُلُقِ بِاحْتِمَالِ الْأَذَى وَقِلَّةِ الْغَضَبِ وَبَسْطِ الْوَجْهِ وَطِيبِ الْكَلَامِ، وَكُلُّهَا مُتَقَارِبَةٌ فِي الْمَعْنَى ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ. وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: الْبِرُّ هُنَا الصِّلَةُ وَالتَّصَدُّقُ وَالطَّاعَةُ، وَيَجْمَعُهَا حُسْنُ الْخُلُقِ. وَقَالَ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ: تَلْخِيصُ الْكَلَامِ فِي هَذَا الْمَقَامِ أَنْ يُقَالَ: الْبِرُّ اسْمٌ جَامِعٌ لِأَنْوَاعِ الطَّاعَاتِ وَالْأَعْمَالِ الْمُقَرِّبَاتِ، وَمِنْهُ بِرُّ الْوَالِدَيْنِ، وَهُوَ اسْتِرْضَاؤُهُمَا بِكُلِّ مَا أَمْكَنَ، وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ الْبِرَّ مِنْ خَوَاصِّ الْأَنْبِيَاءِ ﵈ أَيْ: كَمَالُ الْبِرِّ إِذْ لَا يُسْتَبْعَدُ أَنْ يُوجَدَ فِي الْأُمَّةِ مَنْ يُوصَفُ بِهِ، وَقَدْ أَشَارَ إِلَيْهِمَا مَنْ أُوتِيَ جَوَامِعَ الْكَلِمِ - ﷺ - بِقَوْلِهِ: حُسْنُ الْخُلُقِ لِأَنَّهُ عِبَارَةٌ عَنْ حُسْنِ الْعِشْرَةِ، وَالصُّحْبَةِ مَعَ الْخَلْقِ بِأَنْ يَعْرِفَ أَنَّهُمْ أُسَرَاءُ الْأَقْدَارِ، وَإِنْ كَانَ مَا لَهُمْ مِنَ الْخُلُقِ وَالْخَلْقِ وَالرِّزْقِ وَالْأَجَلِ بِمِقْدَارٍ، فَيُحْسِنَ إِلَيْهِمْ حَسَبَ الِاقْتِدَارِ، فَيَأْمَنُونَ مِنْهُ وَيُحِبُّونَهُ بِالِاخْتِيَارِ. قُلْتُ: وَقَدْ أَشَارَ الشَّاطِبِيُّ إِلَى هَذَا الْمَعْنَى بِقَوْلِهِ: يُعَدُّ جَمِيعُ النَّاسِ مَوْلًى لِأَنَّهُمْ عَلَى مَا قَضَاهُ اللَّهُ يَجْرُونَ أَفْعُلَا
[ ٨ / ٣١٧٣ ]
هَذَا مَعَ الْخَلْقِ، وَأَمَّا مَعَ الْخَالِقِ فَبِأَنْ يَشْتَغِلَ بِجَمِيعِ الْفَرَائِضِ وَالنَّوَافِلِ، وَيَأْتِيَ لِأَنْوَاعِ الْفَضَائِلِ عَالِمًا بِأَنَّ كُلَّ مَا أَتَى مِنْهُ نَاقِصٌ يَحْتَاجُ إِلَى الْعُذْرِ، وَكُلَّ مَا صَدَرَ مِنَ الْحَقِّ كَامِلٌ يُوجِبُ الشُّكْرَ، قُلْتُ: وَإِلَيْهِ إِيمَاءٌ فِي قَوْلِ الشَّاطِبِيِّ:
يَرَى نَفْسَهُ بِالذَّمِّ أَوْلَى لِأَنَّهَا عَلَى الْمَجْدِ لَمْ تَلْعَقْ مِنَ الصَّبْرِ وَإِلَّا لَا
ثُمَّ يَتَخَلَّقُ بِأَخْلَاقِ اللَّهِ بِدَوَامِ الْإِعْرَاضِ عَمَّا سِوَاهُ، وَالْإِقْبَالِ عَلَيْهِ وَدَوَامِ ذِكْرِهِ، حَتَّى يَكْتَحِلَ الْقَلْبُ بِنُورِ ذِكْرِ الذَّاتِ فَصَارَ بَحْرًا مَوَّاجًا مِنْ نَسَمَاتِ الْقُرْبِ، وَجَرَى فِي جَدَاوِلِ أَخْلَاقِ النَّفْسِ صَفَاءُ النُّعُوتِ وَالصِّفَاتِ، وَحِينَئِذٍ يَحْصُلُ نِهَايَةُ التَّحْقِيقِ بِعِنَايَةِ التَّوْفِيقِ. (وَالْإِثْمُ مَا حَاكَ) أَيْ: تَرَدَّدَ وَتَحَرَّكَ وَأَثَّرَ (فِي صَدْرِكَ): وَرِوَايَةُ الْأَرْبَعِينَ: فِي نَفْسِكَ بِأَنْ لَمْ تَنْشَرِحْ لَهُ وَحَلَّ فِي الْقَلْبِ مِنْهُ الشَّكُّ وَالْخَوْفُ مِنْ كَوْنِهِ ذَنْبًا وَأَقْلَقَهُ وَلَمْ يَطْمَئِنَّ إِلَيْهِ، قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: يُرِيدُ أَنَّ الْإِثْمَ مَا كَانَ فِي الْقَلْبِ مِنْهُ شَيْءٌ فَلَا يَنْشَرِحُ لَهُ الصَّدْرُ، وَالْأَقْرَبُ أَنَّ ذَلِكَ أَمْرٌ يَتَهَيَّأُ لِمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ دُونَ عُمُومِ الْمُؤْمِنِينَ، وَقَالَ شَارِحٌ: يَعْنِي الْإِثْمَ مَا أَثَّرَ قُبْحُهُ فِي نَفْسِكَ أَيْ تَرَدَّدَ فِي قَلْبِكَ وَلَمْ تُرِدْ أَنْ تُظْهِرَهُ لِكَوْنِهِ قَبِيحًا، وَهُوَ الْمَعْنِيُّ بِقَوْلِهِ: (وَكَرِهْتَ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِ النَّاسُ) أَيْ: أَعْيَانُهُمْ وَأَمْثَالُهُمْ إِذِ الْجِنْسُ يَنْصَرِفُ إِلَى الْكَامِلِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ النَّفْسَ بِطَبْعِهَا تُحِبُّ اطِّلَاعَ النَّاسِ عَلَى خَيْرِهَا، فَإِذَا كَرِهْتَ الِاطِّلَاعَ عَلَى بَعْضِ أَفْعَالِهَا فَهُوَ غَيْرُ مَا تُقَرَّبُ بِهِ إِلَى اللَّهِ، أَوْ غَيْرُ مَا أَذِنَ الشَّرْعُ فِيهِ، وَعَلِمَ أَنَّهُ لَا خَيْرَ فِيهِ وَلَا بِرَّ، فَهُوَ إِذًا إِثْمٌ وَشَرٌّ (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: «الْبِرُّ حُسْنُ الْخُلُقِ» . . . الْحَدِيثَ، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ، وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ عَنِ النَّوَّاسِ، وَرَوَاهُ أَحْمَدُ عَنْ أَبِي ثَعْلَبَةَ وَلَفْظُهُ: «الْبِرُّ مَا سَكَنَتْ إِلَيْهِ النَّفْسُ وَاطْمَأَنَّ إِلَيْهِ الْقَلْبُ، وَالْإِثْمُ مَا لَمْ تَسْكُنْ إِلَيْهِ النَّفْسُ، وَلَمْ يَطْمَئِنَّ لَهُ الْقَلْبُ، وَإِنْ أَفْتَاكَ الْمُفْتُونَ»، هَذَا وُفِي الْأَرْبَعِينَ لِلْإِمَامِ النَّوَوِيِّ عَنْ وَابِصَةَ بْنِ مَعْبَدٍ الْأَسَدِيِّ قَالَ: «أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - فَقَالَ: " جِئْتَ تَسْأَلُ عَنِ الْبِرِّ؟ " فَقُلْتُ: نَعَمْ، فَقَالَ: " اسْتَفْتِ قَلْبَكَ، الْبِرُّ مَا اطْمَأَنَّتْ إِلَيْهِ النَّفْسُ وَاطْمَأَنَّ إِلَيْهِ الْقَلْبُ، وَالْإِثْمُ مَا حَاكَ فِي النَّفْسِ وَتَرَدَّدَ فِي الصَّدْرِ وَإِنْ أَفْتَاكَ النَّاسُ وَأَفْتَوْكَ» " حَدِيثٌ حَسَنٌ رُوِّينَاهُ فِي مُسْنَدَيِ الْإِمَامَيْنِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ وَالدَّارِمِيِّ، بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ.
قَالَ الطِّيبِيُّ فِي شَرْحِ حَدِيثِ الْمِشْكَاةِ: مُرَاعَاةُ الْمُطَابَقَةِ تَقْتَضِي أَنَّ نَفْسَ حُسْنِ الْخُلُقِ بِمَا يُقَابِلُ مَا حَاكَ فِي الصَّدْرِ، وَهُوَ مَا اطْمَأَنَّتْ إِلَيْهِ النَّفْسُ وَالْقَلْبُ، كَمَا فِي حَدِيثِ وَابِصَةَ، فَوُضِعَ مَوْضِعَهُ حُسْنُ الْخُلُقِ لِيُؤْذِنَ أَنَّ حُسْنَ الْخُلُقِ هُوَ مَا اطْمَأَنَّتْ إِلَيْهِ النَّفْسُ الشَّرِيفَةُ الطَّاهِرَةُ مِنْ أَوْضَارِ الذُّنُوبِ الْبَاطِنَةِ وَالظَّاهِرَةِ، وَتَبْدِيلِ مَسَاوِئِ الْأَخْلَاقِ مِنَ الصِّدْقِ فِي الْمَقَالِ وَاللُّطْفِ فِي الْأَحْوَالِ وَالْأَفْعَالِ، أَحْسَنَ مُعَامَلَتَهُ مَعَ الرَّحْمَنِ، وَمُعَاشَرَتَهُ مَعَ الْإِخْوَانِ وَصِلَةَ الرَّحِمِ وَالسَّخَاءَ وَالشَّجَاعَةَ أَقُولُ: الْأَحْسَنُ فِي تَحْصِينِ الْمُقَابَلَةِ بَيْنَ الْقَرِينَتَيْنِ الْحُسْنَتَيْنِ أَنْ يُقَالَ: الْمُرَادُ بِحُسْنِ الْخُلُقِ مُسْتَحْسَنُ الطَّبْعِ الْجِبِلِّيِّ الْفِطْرِيِّ الْعَارِي عَنِ التَّعَلُّقَاتِ التَّقْلِيدِيَّةِ وَالتَّقْيِيدَاتِ الْعُرْفِيَّةِ، فَإِنَّ الْإِنْسَانَ إِذَا خَلَى وَطَبْعُهُ الْأَصْلِيُّ اخْتَارَ الْوَجْهَ الْأَحْسَنَ مِنَ الْعَقَائِدِ وَالْأَخْلَاقِ وَالْأَفْعَالِ، وَسَائِرِ الْأَحْوَالِ، كَمَا حُقِّقَ فِي حَدِيثِ: " «كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ» " وَحَاصِلُ الْجَوَابِ عَلَى طَرِيقِ الِاسْتِيعَابِ أَنَّ الْأَمْرَ لَا يَخْلُو إِمَّا أَنْ يَجْزِمَ الْعَقْلُ بِاسْتِحْسَانِهِ، أَوْ بِاسْتِقْبَاحِهِ، أَوْ يَتَرَدَّدَ فِيمَا بَيْنَهُمَا. فَالْأَوَّلُ هُوَ الْبِرُّ وَمَا عَدَاهُ هُوَ الْإِثْمُ، وَهَذَا تَمْهِيدُ قَاعِدَةٍ كُلِّيَّةٍ تَحْتَهَا مَسَائِلُ جُزْئِيَّةٌ فِيمَا لَمْ يُعْرَفْ مِنَ الشَّرْعِ حُسْنُهُ وَقُبْحُهُ عَلَى طَرِيقِ الْيَقِينِ فِي الْعِلْمِيَّاتِ، وَعَلَى سَبِيلِ الظَّنِّ أَيْضًا فِي الْعَمَلِيَّاتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
[ ٨ / ٣١٧٤ ]
٥٠٧٣ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو - ﵄ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: " «إِنَّ مِنْ أَحَبِّكُمْ إِلَيَّ أَحْسَنَكُمْ أَخْلَاقًا» " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
_________________
(١) (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو): بِالْوَاوِ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إِنَّ مِنْ أَحَبِّكُمْ إِلَيَّ) أَيْ: أَكْثَرِكُمْ مَحَبَّةً لِيَّ أَوْ أَعْظَمِكُمْ مَحْبُوبِيَّةً عِنْدِي (أَحْسَنَكُمْ أَخْلَاقًا) أَيْ: شَمَائِلَ مَرْضِيَّةً مُرَاعًى فِيهَا حُدُودُ الرُّبُوبِيَّةِ وَالْعُبُودِيَّةِ، وَقَدْ رَوَاهُ الْحَكِيمُ عَنِ الْعَلَاءِ بْنَ كَثِيرٍ مُرْسَلًا «إِنَّ مَحَاسِنَ الْأَخْلَاقِ مَخْزُونَةً عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى، فَإِذَا أَحَبَّ اللَّهُ عَبْدًا مَنَحَهُ خُلُقًا حَسَنًا» . وَفِي رِوَايَةِ الطَّبَرَانِيِّ فِي الْأَوْسَطِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: «إِنَّ هَذِهِ الْأَخْلَاقَ مِنَ اللَّهِ، فَمَنْ أَرَادَ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا مَنَحَهُ خُلُقًا حَسَنًا، وَمَنْ أَرَادَ اللَّهُ بِهِ سُوءًا مَنَحَهُ سَيِّئًا»، ثُمَّ الظَّاهِرُ أَنَّ " مِنْ " زَائِدَةٌ عَلَى مَذْهَبِ مَنْ يُجَوِّزُ زِيَادَتَهَا فِي الْكَلَامِ الْمُثْبَتِ، أَوِ الْمُرَادُ أَحْسَنُكُمْ أَخْلَاقًا مَعَ الْخَلْقِ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالْحَاكِمُ عَنْ عَائِشَةَ: «إِنَّ مِنْ أَكْمَلِ الْمُؤْمِنِينَ إِيمَانًا أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا وَأَلْطَفُهُمْ بِأَهْلِهِ»، وَيُؤَيِّدُ الْأَوَّلَ مَا فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ، عَلَى مَا رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالشَّيْخَانِ وَالتِّرْمِذِيُّ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ بِلَفْظِ: " «خِيَارُكُمْ أَحْسَنُكُمْ أَخْلَاقًا» " (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) .
[ ٨ / ٣١٧٤ ]
٥٥٧٤ - وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " «إِنَّ مِنْ خِيَارِكُمْ أَحْسَنَكُمْ أَخْلَاقًا» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
_________________
(١) (وَعَنْهُ) أَيْ: عَنِ ابْنِ عَمْرٍو (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " «إِنَّ مِنْ خِيَارِكُمْ أَحَاسِنَكُمْ»): وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ أَحْسَنَكُمْ أَخْلَاقًا. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
[ ٨ / ٣١٧٥ ]
الْفَصْلُ الثَّانِي
٥٠٧٥ - عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عِهَا - قَالَتْ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: " «مَنْ أُعْطِيَ حَظَّهُ مِنَ الرِّفْقِ أُعْطِي حَظَّهُ مِنْ خَيْرِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَمَنْ حُرِمَ حَظَّهُ مِنَ الرِّفْقِ حُرِمَ حَظَّهُ مِنْ خَيْرِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ» . رَوَاهُ فِي " شَرْحِ السُّنَّةِ ".
_________________
(١) الْفَصْلُ الثَّانِي
(٢) (عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: مَنْ أُعْطِيَ): بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ (حَظَّهُ) أَيْ: نَصِيبَهُ (مِنَ الرِّفْقِ) أَيِ: اللُّطْفِ (أُعْطِيَ حَظَّهُ مِنْ خَيْرِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَمَنْ حُرِمَ): عَلَى بِنَاءِ الْمَفْعُولِ (حَظَّهُ): بِالنَّصْبِ أَيْ: نَصِيبَهُ (مِنَ الرِّفْقِ حُرِمَ حَظَّهُ مِنْ خَيْرِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ): وَهَدَّا تَصْرِيحٌ بِمَا عُلِمَ ضِمْنًا لِلْمُبَالَغَةِ وَالتَّأْكِيدِ فِي الْحُكْمِ (رَوَاهُ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ): وَرَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ، لَكِنْ لَفْظَهُ: (مِنَ الْخَيْرِ)، بَدَلٌ: مِنْ خَيْرِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَالْحَدِيثَانِ مُتَّفِقَانِ فِي الْمَعْنَى لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْخَيْرِ جِنْسُهُ الشَّامِلُ لِنَوْعَيْهِ.
[ ٨ / ٣١٧٥ ]
٥٠٧٦ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " «الْحَيَاءُ مِنَ الْإِيمَانِ، وَالْإِيمَانُ فِي الْجَنَّةِ. وَالْبَذَاءُ مِنَ الْجَفَاءِ، وَالْجَفَاءُ فِي النَّارِ» ". رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ.
_________________
(١) (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: الْحَيَاءُ مِنَ الْإِيمَانِ، وَالْإِيمَانُ) أَيْ: أَهْلُهُ (فِي الْجَنَّةِ): قَالَ الطِّيبِيُّ: جُعِلَ أَهْلُ الْإِيمَانِ عَيْنَ الْإِيمَانِ دَلَالَةً عَلَى أَنَّهُمْ تَمَحَّضُوا مِنْهُ وَتَمَكَّنُوا مِنْ بَعْضِ شُعَبِهِ الَّذِي هُوَ أَعْلَى فَرْعٍ مِنْهُ، كَمَا جُعِلَ الْإِيمَانُ مَقَرًّا وَمُبَوَّءًا لِأَهْلِهِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ﴾ [الحشر: ٩] لِتَمَكُّنِهِمْ مِنَ الْإِيمَانِ وَاسْتِقَامَتِهِمْ عَلَيْهِ (وَالْبَذَاءُ): بِفَتْحِ الْبَاءِ خِلَافُ الْحَيَاءِ وَالنَّاشِئُ مِنْهُ الْفُحْشُ فِي الْقَوْلِ وَالسُّوءُ فِي الْخُلُقِ (مِنَ الْجَفَاءِ): وَهُوَ خِلَافُ الْبِرِّ الصَّادِرِ مِنْهُ الْوَفَاءُ (وَالْجَفَاءُ) أَيْ: أَهْلُهُ التَّارِكُونَ لِلْوَفَاءِ الثَّابِتُونَ عَلَى غِلَاظَةِ الطَّبْعِ وَقَسَاوَةِ الْقَلْبِ (فِي النَّارِ): إِمَّا مُدَّةً أَوْ أَبَدًا لِأَنَّهُ فِي مُقَابِلِ الْإِيمَانِ الْكَامِلِ أَوْ مُطْلَقِهِ، فَصَاحِبُهُ إِمَّا مِنْ أَهْلِ الْكُفْرَانِ أَوِ الْكُفْرِ (رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ): وَكَذَا الْحَاكِمُ وَالْبَيْهَقِيُّ عَنْهُ وَالْبُخَارِيُّ فِي الْأَدَبِ، وَابْنُ مَاجَهْ وَالْحَاكِمُ وَالْبَيْهَقِيُّ عَنْ أَبِي بَكْرَةَ الثَّقَفِيِّ، وَالطَّبَرَانِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، وَفِي رِوَايَةٍ لِأَحْمَدَ وَالتِّرْمِذِيِّ وَالْحَاكِمِ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ: " «الْحَيَاءُ وَالْعِيُّ شُعْبَتَانِ مِنَ الْإِيمَانِ وَالْبَذَاءُ وَالْبَيَانُ شُعْبَتَانِ مِنَ النِّفَاقِ» ".
[ ٨ / ٣١٧٥ ]
٥٠٧٧ - وَعَنْ رَجُلٍ مِنْ مُزَيْنَةَ، قَالَ: «قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! مَا خَيْرُ مَا أُعْطِيَ الْإِنْسَانُ؟ قَالَ: " الْخُلُقُ الْحَسَنُ» " رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي " شُعَبِ الْإِيمَانِ ".
_________________
(١) (وَعَنْ رَجُلٍ مِنْ مُزَيْنَةَ): بِالتَّصْغِيرِ قَبِيلَةٌ مَعْرُوفَةٌ وَجَهَالَةُ الصَّحَابِيِّ لَا تَضُرُّ لِأَنَّهُمْ كُلَّهُمْ عُدُولٌ وَمُرْسَلُهُمْ عِنْدَ الْكُلِّ مَقْبُولٌ (قَالَ: قَالُوا) أَيْ: بَعْضُ الْأَصْحَابِ (يَا رَسُولَ اللَّهِ! مَا خَيْرُ مَا أُعْطِيَ الْإِنْسَانُ؟): بِالرَّفْعِ أَيْ: أُعْطِيهِ الْإِنْسَانُ، فَالْمَفْعُولُ الثَّانِي مَحْذُوفٌ مِنَ الصِّلَةِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِالنَّصْبِ فَنَائِبُ الْفَاعِلِ ضَمِيرٌ رَاجِعٌ إِلَى مَا (قَالَ: الْخُلُقُ الْحَسَنُ) أَيْ: هُوَ هَذَا (رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ) .
[ ٨ / ٣١٧٥ ]
٥٠٧٨ - وَفِي " شَرْحِ السُّنَّةِ " عَنْ أُسَامَةَ بْنِ شَرِيكٍ.
_________________
(١) (وَفِي شَرْحِ السُّنَّةِ عَنْ أُسَامَةَ بْنِ شَرِيكٍ): قَالَ مِيرَكُ: وَظَاهِرُهُ أَنَّ الْبَيْهَقِيَّ لَمْ يَرْوِ الْحَدِيثَ عَنْ أُسَامَةَ، لَكِنْ قَالَ الشَّيْخُ الْجَزَرِيُّ: رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي الشُّعَبِ مِنْ حَدِيثِ أُسَامَةَ. قُلْتُ: وَفِي الْجَامِعِ «خَيْرُ مَا أُعْطِيَ النَّاسُ خُلُقٌ حَسَنٌ»، رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَالْحَاكِمُ عَنْ أُسَامَةَ بْنِ شَرِيكٍ، وَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ رَجُلٍ مِنْ جُهَيْنَةَ وَلَفْظُهُ: «خَيْرُ مَا أُعْطِيَ الرَّجُلُ الْمُؤْمِنُ خُلُقٌ حَسَنٌ، وَشَرُّ مَا أُعْطِيَ الرَّجُلُ قَلْبُ سُوءٍ فِي صُورَةٍ حَسَنَةٍ»، وَقَدْ رَوَى الْبَيْهَقِيُّ عَنِ الْحَسَنِ مُرْسَلًا: ثَلَاثُ خِلَالٍ مَنْ لَمْ تَكُنْ فِيهِ وَاحِدَةٌ مِنْهُنَّ كَانَ الْكَلْبُ خَيْرًا مِنْهُ: وَرَعٌ يَحْجِزُهُ عَنْ مَحَارِمِ اللَّهِ ﷿، أَوْ حِلْمٌ يَرُدُّ لَهُ جَهْلَ جَاهِلٍ، أَوْ حُسْنُ خُلُقٍ يَعِيشُ بِهِ فِي النَّاسِ، وَقَدْ ذَكَرَ السُّيُوطِيُّ عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ أَبِي الْحَسَنِ، عَنْ جَدِّ الْحَسَنِ، «أَنَّ أَحْسَنَ الْحَسَنِ الْخُلُقُ الْحَسَنُ» .
[ ٨ / ٣١٧٦ ]
٥٠٧٩ - وَعَنْ حَارِثَةَ بْنِ وَهْبٍ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ الْجَوَّاظُ وَلَا الْجَعْظَرِيُّ» قَالَ: وَالْجَوَّاظُ: الْغَلِيظُ الْفَظُّ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ فِي " سُنَنِهِ " وَالْبَيْهَقِيُّ فِي " شُعَبِ الْإِيمَانِ " وَصَاحِبُ " جَامِعِ الْأُصُولِ " فِيهِ عَنْ حَارِثَةَ. وَكَذَا فِي " شَرْحِ السُّنَّةِ " عَنْهُ، وَلَفْظُهُ: قَالَ: " «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ الْجَوَّاظُ الْجَعْظَرِيُّ» ". يُقَالُ: الْجَعْظَرِيُّ: الْفَظُّ الْغَلِيظُ
٥٠٨٠ - وَفِي نُسَخِ " الْمَصَابِيحِ " عَنْ عِكْرِمَةَ بْنِ وَهْبٍ وَلَفْظُهُ قَالَ: وَالْجَوَّاظُ: الَّذِي جَمَعَ وَمَنَعَ. وَالْجَعْظَرِيُّ: الْغَلِيظُ الْفَظُّ. .
_________________
(١) (وَعَنْ حَارِثَةَ بْنِ وَهْبٍ): قَالَ الْمُؤَلِّفُ، فِي فَصْلِ الصَّحَابَةِ: خُزَاعِيٌّ أَخُو عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ لِأُمِّهِ، رَوَى عَنْهُ أَبُو إِسْحَاقَ السَّبِيعِيُّ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ الْجَوَّاظُ): بِفَتْحِ جِيمٍ وَتَشْدِيدِ وَاوٍ وَظَاءٍ مُعْجَمَةٍ (وَلَا الْجَعْظَرِيُّ): بِفَتْحِ جِيمٍ وَسُكُونِ عَيْنٍ مُهْمِلَةٍ وَفَتْحِ ظَاءٍ مُعْجَمَةٍ فَرَاءٍ فَتَحْتِيَّةٍ مُشَدَّدَةٍ (قَالَ) أَيِ: الرَّاوِي (الْجَوَّاظُ: الْغَلِيظُ الْفَظُّ): بِتَشْدِيدِ الظَّاءِ أَيْ: سِيِّءُ الْخُلُقِ. قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ﴾ [آل عمران: ١٥٩] فَاللَّائِقُ أَنْ يُفَسَّرَ الْجَعْظَرِيُّ بِغَلِيظِ الْقَلْبِ، وَكَانَ غِلَظُ الْقَلْبِ إِيمَاءً إِلَى سُوءِ بَاطِنِهِ مِنَ الْأَحْوَالِ، وَالْفَظُّ إِشَارَةٌ إِلَى قُبْحِ ظَاهَرِهِ مِنَ الْأَفْعَالِ، وَقَدَّمَ الْجَوَّاظَ إِمَّا لِظُهُورِهِ، وَإِمَّا لِأَنَّ مَدَارَ الْحُكْمِ عَلَيْهِ وَإِنَّمَا أَتَى بـ (لَا) الْمَزِيدَةِ إِشَارَةً إِلَى أَنَّ الْمَوْصُوفَ بِكُلٍّ مِنَ الْخَصْلَتَيْنِ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مُطْلَقًا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُنَافِقِينَ، أَوْ لَا يَدْخُلُهَا مَعَ الْفَائِزِينَ إِنْ كَانَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ): قَالَ الطِّيبِيُّ، وَقَوْلُهُ: الْجَوَّاظُ الْغَلِيظُ الْفَظُّ كَذَا فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ وَالْبَيْهَقِيِّ، وَفِي النِّهَايَةِ، وَشَرْحِ التُّورِبِشْتِيِّ، وَكَلَامِ الْقَاضِي: الْجَوَّاظُ الْمُخْتَالُ، وَقِيلَ: الْجَمُوعُ الْمَنُوعُ وَقِيلَ هُوَ السَّمِينُ، وَقِيلَ الصَّيَّاحُ الْمِهْذَارُ، وَالْجَعْظَرِيُّ الْفَظُّ الْغَلِيظُ، وَقِيلَ الْقَصِيرُ الْمُنْتَفِخُ بِمَا لَيْسَ عِنْدَهُ، وَقِيلَ الْعَظِيمُ الْجِسْمُ الْأَكُولُ، وَالْمَانِعُ لِمَنْ شَأْنُهُ هَذَا أَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ حَيْثُ يَدْخُلُهَا الْآخَرُونَ عَجَبُهُمْ وَسُوءُ خُلُقِهِمْ وَشَرَهُهُمْ عَلَى الطَّعَامِ وَإِفْرَاطُهُمْ فِي الْكَلَامِ اهـ. وَالْأَظْهَرُ مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ أَنَّ الْمُرَادَ غَلِيظُ الْقَلْبِ سَيِّئُ الْخُلُقِ، وَسَبَبُهُ مَا رَوَى الْخَطِيبُ عَنْ عَائِشَةَ مَرْفُوعًا " «إِنْ لِكُلِّ شَيْءٍ تَوْبَةً إِلَّا صَاحِبَ سُوءِ الْخُلُقِ، فَإِنَّهُ لَا يَتُوبُ مِنْ ذَنْبٍ إِلَّا وَقَعَ فِي شَرٍّ مِنْهُ» ". (وَصَاحِبُ جَامِعِ الْأُصُولِ) أَيْ: وَرَوَاهُ أَيْضًا (فِيهِ) أَيْ: فِي الْجَامِعِ (عَنْ حَارِثَةَ. وَكَذَا فِي شَرْحِ السُّنَّةِ عَنْهُ) أَيْ: رُوِيَ عَنْ حَارِثَةَ (وَلَفْظُهُ) أَيْ: وَلَفْظُ مَا فِي شَرْحِ السُّنَّةِ أَوْ لَفْظُ صَاحِبِ شَرْحٍ أَوْ لَفْظُ حَارِثَةَ فِي الشَّرْحِ (قَالَ: لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ الْجَوَّاظُ الْجَعْظَرِيُّ) أَيْ: مِنْ غَيْرِ عَاطِفَةٍ وَزِيَادَةٍ لَا وَلَعَلَّهُ عُدَّ الْمَوْصُوفَانِ وَاحِدًا لِكَمَالِ الِاتِّحَادِ بَيْنَ الْوَصْفَيْنِ، أَوِ الْمُرَادُ الْجَامِعُ بَيْنَهُمَا فَهُوَ الْفَرْدُ الْكَامِلُ فِي الْقُبْحِ.
(٢) (وَفِي نُسَخِ الْمَصَابِيحِ عَنْ عِكْرِمَةَ بْنِ وَهْبٍ) أَيْ: فِي بَعْضِهَا وَإِلَّا فَفِي أَكْثَرِهَا عَنْ حَارِثَةَ بْنِ وَهْبٍ (وَلَفْظُهُ) أَيْ: لَفْظُ الْمَصَابِيحِ، وَفِيهِ تَجَوُّزٌ (وَالْجَوَّاظُ: الَّذِي جَمَعَ) أَيْ: مَالًا بِمَا لَا يَجُوزُ (وَمَنَعَ) أَيْ: مَنَعَهُ مِنَ الصَّرْفِ فِيمَا يَجِبُ عَلَيْهِ (وَالْجَعْظَرِيُّ: الْغَلِيظُ الْفَظُّ) .
[ ٨ / ٣١٧٦ ]
قَالَ الطِّيبِيُّ: أَشَارَ الْمُؤَلِّفُ بِهَذَا أَنَّ رَاوِي الْحَدِيثِ فِي الْأُصُولِ الْمَذْكُورَةِ، هُوَ حَارِثَةُ بْنُ وَهْبٍ، وَهُوَ صَحَابِيٌّ. وَفِي نُسَخِ الْمَصَابِيحِ عَنْ عِكْرِمَةَ بْنِ وَهْبٍ، وَقَدْ قَالَ الشَّيْخُ التُّورِبِشْتِيُّ: لَمْ يَذْكُرْهُ أَحَدٌ فِي الصَّحَابَةِ، فَالْحَدِيثُ مُرْسَلٌ حِينَئِذٍ أَيْ: إِنْ صَحَّ كَوْنُهُ تَابِعِيًّا، وَكَذَا قَوْلُ الَّذِي جَمَعَ وَمَنَعَ لَيْسَ فِي الْأُصُولِ، وَقَدْ أُثْبِتَ فِي حَوَاشِي الْمَصَابِيحِ، فَأُلْحِقَ بِالْمَتْنِ وَكَذَا قَوْلُهُ: الْغَلِيظُ الْفَظُّ فِي الْمَصَابِيحِ تَفْسِيرٌ لِلْجَعْظَرِيِّ، وَفِي الْأُصُولِ تَفْسِيرٌ لِلْجَوَّاظِ. تَمَّ كَلَامُهُ. وَفِي الْجَامِعِ بِرِوَايَةِ الطَّبَرَانِيِّ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ: " «أَلَا أُخْبِرُكَ بِأَهْلِ النَّارِ؟ كُلُّ جَعْظَرِيٍّ جَوَّاظٍ مُسْتَكْبِرٍ جَمَّاعٍ مَنُوعٍ، أَلَا أُخْبِرُكَ بِأَهْلِ الْجَنَّةِ؟ كُلُّ مِسْكِينٍ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لَأَبَرَّهُ» ".
[ ٨ / ٣١٧٧ ]
٥٠٨١ - وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ - ﵁ - عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: " «إِنَّ أَثْقَلَ شَيْءٍ يُوضَعُ فِي مِيزَانِ الْمُؤْمِنِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ خُلُقٌ حَسَنٌ، وَإِنَّ اللَّهَ يُبْغِضُ الْفَاحِشَ الْبَذِيءَ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ الْفَصْلَ الْأَوَّلَ.
_________________
(١) (وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - يَقُولُ: إِنَّ أَثْقَلَ شَيْءٍ يُوضَعُ) أَيْ: ثَوَابُهُ وَصَحِيفَتُهُ أَوْ عَيْنُهُ الْمُجَسِّدُ (فِي مِيزَانِ الْمُؤْمِنِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ خَلُقٌ حَسَنٌ): فَإِنَّهُ تَعَالَى يُحِبُّهُ وَيَرْضَى عَنْ صَاحِبِهِ (وَإِنَّ اللَّهَ يُبْغِضُ الْفَاحْشَ) أَيْ: لِفُحْشِهِ أَيْ: وَالْفُحْشُ أَيْضًا (الْبَذِيءُ): فَعِيلٌ مِنَ الْبِذَاءِ، وَهُوَ ضِدُّ الْحَيِيِّ ذَكَرَهُ شَارِحٌ، وَهُوَ الْمُنَاسِبُ لِلْمَقَامِ، وَفِي الْغَرِيبَيْنِ رَجُلٌ بَذِيءٌ أَيْ فَاحِشٌ سَيِّئُ الْخُلُقِ اهـ. وَفِي الْمُقَرَّرِ أَنَّ كُلَّ مَا يَكُونُ مَبْغُوضًا لِلَّهِ لَيْسَ لَهُ وَزْنٌ وَقَدْرٌ كَمَا أَنَّ كُلَّ مَا يَكُونُ مَحْبُوبًا لَهُ يَكُونُ عِنْدَهُ عَظِيمًا قَالَ تَعَالَى فِي حَقِّ الْكُفَّارِ: ﴿فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾ [الكهف: ١٠٥] وَفِي الْحَدِيثِ الْمَشْهُورِ: " «كَلِمَتَانِ خَفِيفَتَانِ عَلَى اللِّسَانِ ثَقِيلَتَانِ فِي الْمِيزَانِ حَبِيبَتَانِ إِلَى الرَّحْمَنِ سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ سُبْحَانَ اللَّهِ الْعَظِيمِ» " وَبِهَذَا تَمَّتِ الْمُقَابَلَةُ بَيْنَ الْقَرِينَتَيْنِ، هَذَا وَقَالَ الطِّيبِيُّ: أُوقِعَ قَوْلُهُ: وَإِنَّ اللَّهَ يُبْغِضُ الْفَاحِشَ الْبَذِيءَ مُقَابِلًا لِقَوْلِهِ: إِنَّ أَثْقَلَ شَيْءٍ يُوضَعُ فِي الْمِيزَانِ دَلَالَةً عَلَى أَنَّ أَخَفَّ مَا يُوضَعُ فِي الْمِيزَانِ هُوَ سُوءُ الْخُلُقِ، وَأَنَّ حُسْنَ الْخُلُقِ أَحَبُّ الْأَشْيَاءِ عِنْدَ اللَّهِ وَالْخُلُقُ السَّيِّئُ أَبْغَضُهَا لِأَنَّ الْفُحْشَ وَالْبَذَاءَةَ أَسْوَأُ شَيْءٍ فِي مَسَاوِئِ الْأَخْلَاقِ (رَوَاهُ) أَيِ: الْحَدِيثَ بِكَمَالِهِ (التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ الْفَصْلُ الْأَوَّلُ) أَيِ: الْقَرِينَةُ الْأُولَى دُونَ الثَّانِيَةِ، وَقَدْ رَوَى أَحْمَدُ عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ «أَنَّ اللَّهَ يُبْغِضُ الْفَاحِشَ الْمُتَفَحِّشَ»، وَرَوَى الدَّيْلَمِيُّ فِي مُسْنَدِ الْفِرْدَوْسِ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ «أَنَّ اللَّهَ يُبْغِضُ الْمُعْبِسَ فِي وُجُوهِ إِخْوَانِهِ» .
[ ٨ / ٣١٧٧ ]
٥٠٨٢ - وَعَنْ عَائِشَةَ - ﵂ - قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يَقُولُ: " «إِنَّ الْمُؤْمِنَ لَيُدْرِكُ بِحُسْنِ خُلُقِهِ دَرَجَةَ قَائِمِ اللَّيْلِ وَصَائِمِ النَّهَارِ» ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
_________________
(١) (وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يَقُولُ: إِنَّ الْمُؤْمِنَ) أَيِ: الْكَامِلَ وَهُوَ الْعَالِمُ الْعَامِلُ (يُدْرِكَ بِحُسْنِ خُلُقِهِ دَرَجَةَ قَائِمِ اللَّيْلِ) أَيْ: فِي الطَّاعَةِ (وَصَائِمِ النَّهَارِ): قَالَ الْحَسَنُ: حُسْنُ الْخُلُقِ بَسْطُ الْوَجْهِ وَبَذْلُ النَّدَى، وَكَفُّ الْأَذَى. وَقَالَ الْوَاسِطِيُّ: هُوَ أَنْ لَا يُخَاصِمَ وَلَا يُخَاصَمَ مِنْ شِدَّةِ مَعْرِفَتِهِ بِاللَّهِ تَعَالَى، وَقَالَ أَيْضًا: هُوَ إِرْضَاءُ الْخَلْقِ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ. وَقَالَ سَهْلٌ: أَدْنَى حُسْنِ الْخُلُقِ الِاحْتِمَالُ وَتَرْكُ الْمُكَافَأَةِ وَالرَّحْمَةُ لِلظَّالِمِ وَالِاسْتِغْفَارُ لَهُ وَالشَّفَقَةُ عَلَيْهِ (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ): وَفِي الْجَامِعِ بِلَفْظِ: " دَرَجَةَ الْقَائِمِ الصَّائِمِ ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ عَنْهَا.
[ ٨ / ٣١٧٧ ]
٥٠٨٣ - وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: " «اتَّقِ اللَّهَ حَيْثُمَا كُنْتَ، وَأَتْبِعِ السَّيِّئَةَ الْحَسَنَةَ تَمْحُهَا، وَخَالِقِ النَّاسَ بِخُلُقٍ حَسَنٍ» ". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالدَّارِمِيُّ.
_________________
(١) (وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ) أَيِ: الْغِفَارِيُّ رَابِعُ الْإِسْلَامِ أَوْ خَامِسُهُ، زَادَ النَّوَوِيُّ فِي أَرْبَعِينِهِ: وَمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ (قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ) أَيْ: مُخْتَصًّا لِي بِخِطَابِهِ وَهُوَ لَا يُنَافِي التَّعَدُّدَ لِاحْتِمَالِ اخْتِلَافِ الْمَجْلِسِ مَعَ أَنَّهُ غَيْرُ مَذْكُورٍ فِي الْأَرْبَعِينَ. (اتَّقِ اللَّهَ) أَيْ: بِالْإِتْيَانِ بِجَمِيعِ الْوَاجِبَاتِ وَالِانْتِهَاءِ عَنْ سَائِرِ الْمُنْكَرَاتِ، فَإِنَّ التَّقْوَى أَسَاسُ الدِّينِ، وَبِهِ يَرْتَقِي إِلَى مَرَاتِبِ الْيَقِينِ، ثُمَّ التَّحْقِيقُ أَنَّ التَّقْوَى أَدْنَاهَا التَّبَرُؤُ عَنِ الشِّرْكَ بِاللَّهِ، وَأَعْلَاهَا
[ ٨ / ٣١٧٧ ]
الْإِعْرَاضُ عَمَّا سِوَاهُ، وَمَا بَيْنَهُمَا مَرَاتِبُ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ مِنْ تَرْكِ الْمَحْظُورِ، ثُمَّ الْمَكْرُوهِ، ثُمَّ الْمُبَاحِ مِمَّا لَا يَعْنِي، لِلَّهِ دَرُّ مَنْ قَالَ مِنْ أَهْلِ الْحَالِ:
مَنْ عَرَفَ اللَّهُ فَلَمْ تُغْنِهِ مَعْرِفَةُ اللَّهِ فَذَاكَ الشَّقِي
مَا يَصْنَعُ الْعَبْدُ بِعِزِّ الْغِنَى فَالْعِزُّ كُلُّ الْعِزِّ لِلْمُتَّقِي
(حَيْثُمَا كُنْتَ) أَيْ: فِي الْخَلَاءِ وَفِي النَّعْمَاءِ وَالْبَلَاءِ، فَإِنَّ اللَّهَ عَالِمٌ بِسِرِّ أَمْرِكَ كَمَا أَنَّهُ مُطَّلِعٌ عَلَى ظَوَاهِرِكَ، فَعَلَيْكَ بِرِعَايَةِ دَقَائِقِ الْأَدَبِ فِي حِفْظِ أَوَامِرِهِ وَمَرَاضِيهِ، وَالِاحْتِرَازِ عَنْ مَسَاخِطِهِ وَمَسَاوِيهِ، وَعَنْ دَاوُدَ الطَّائِيِّ أَنَّهُ سَمِعَ صَوْتًا مِنْ قَبْرٍ: أَلَمْ أُزَكِّ أَلَمْ أُصَلِّ أَلَمْ أَصُمْ أَلَمْ أَفْعَلْ كَذَا؟ أُجِيبَ: بَلَى يَا عَبْدَ اللَّهِ، وَلَكِنْ إِذَا خَلَوْتَ بَارَزْتَهُ بِالْمَعَاصِي وَلَمْ تُرَاقِبْهُ. (وَأَتْبِعِ): أَمْرٌ مِنْ بَابِ الْأَفْعَالِ: هُوَ مُتَعَدٍّ إِلَى مَفْعُولَيْنِ (السَّيِّئَةَ الْحَسَنَةَ) أَيِ: التَّوْبَةَ وَالطَّاعَةَ مُطْلَقًا، أَوْ بِأَنْ تُبَاشِرَ حَسَنَاتٍ تُضَادُّ آثَارُهَا تِلْكَ السَّيِّئَاتِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: فَسَمَاعُ الْمَلَاهِي يُكَفَّرُ بِسَمَاعِ الْقُرْآنِ وَبِمَجَالِسِ الذِّكْرِ وَالْوَعْظِ عَنِ الْمَنَاهِي، وَشُرْبُ الْخَمْرِ يُكَفَّرُ بِالصِّدْقِ بِكُلِّ شَرَابٍ حَلَالٍ، وَعَلَى هَذَا فَقِسْ لِأَنَّ الْمَرَضَ يُعَالَجُ بِضِدِّهِ، وَالْمُتَضَادَّاتُ هِيَ الْمُنَاسَبَاتُ، فَلِذَلِكَ يَنْبَغِي أَنْ يَمْحُوَ كُلَّ سَيِّئَةٍ بِحَسَنَةٍ مِنْ جِنْسِهَا لَنْ تُضَادَّهَا، فَالْبَيَاضُ يُزَالُ بِالسَّوَادِ لَا بِغَيْرِهِ، وَحُبُّ الدُّنْيَا لِأَنَّ أَثَرَ السُّرُورِ بِهَا فِي الْقَلْبِ، فَلَا جَرَمَ كَفَّارَتُهُ كُلُّ أَذًى يُصِيبُ الْمُسْلِمَ مِنَ الْهَمِّ وَالْغَمِّ اهـ.
وَلَا خَفَاءَ أَنَّهُ لَا يَظْهَرُ حُسْنُ الْمُقَابَلَةِ بَيْنَ حُبِّ الدُّنْيَا، وَمَا ذَكَرَهُ مِنَ الْمُشَاكَلَةِ لِأَنَّ الْهَمَّ وَالْغَمَّ لَيْسَا مِنَ الْأُمُورِ الِاخْتِيَارِيَّةِ الْمُرَادُ بِهَا فِي الْحَدِيثِ، عَلَى مَا هُوَ ظَاهِرٌ مِنْ قَوْلِهِ: أَتْبِعِ، فَالصَّوَابُ أَنَّ مُقَابَلَةَ حُبِّ الدُّنْيَا بِضِدِّهَا، وَهُوَ بُغْضُهَا بِأَنْ يَتَصَدَّقَ وَلَوْ بِبَعْضِهَا عَلَى أَنَّ هَذِهِ الْمُنَاسَبَاتِ غَيْرُ لَازِمَةٍ فِي مَحْوِ السَّيِّئَاتِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤] وَقَدْ وَرَدَتِ الْآيَةُ فِيمَنْ قَبَّلَ امْرَأَةً، ثُمَّ صَلَّى مَعَهُ - ﷺ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (تَمْحُهَا) أَيْ: تَدْفَعُ الْحَسَنَةُ السَّيِّئَةَ وَتَرْفَعُهَا وَالْإِسْنَادُ مَجَازِيٌّ، وَالْمُرَادُ يَمْحُو اللَّهُ بِهَا آثَارَهَا مِنَ الْقَلْبِ أَوْ مِنْ دِيوَانِ الْحَفَظَةِ، هَذَا إِذَا كَانَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى، فَإِنْ تَعَلَّقَتْ بِالْعَبْدِ فَتُدْفَعُ الْحَسَنَةُ إِلَى خَصْمِهِ عِوَضًا عَنِ الْمَظْلِمَةِ أَوْ يُرْضِيهِ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ، حُكِيَ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ رُئِيَ فِي الْمَنَامِ فَقِيلَ لَهُ: مَا فَعَلَ اللَّهُ بِكَ؟ قَالَ: غَفَرَ لِي وَأَحْسَنَ إِلَيَّ إِلَّا أَنَّهُ حَاسَبَنِي حَتَّى طَالَبَنِي بِيَوْمٍ كُنْتُ صَائِمًا، فَلَمَّا كَانَ وَقْتُ الْإِفْطَارِ أَخَذْتُ حِنْطَةً مِنْ حَانُوتِ صَدِيقٍ لِي فَكَسَرْتُهَا فَذَكَرْتُ أَنَّهَا لَيْسَتْ لِي، فَأَلْقَيْتُهَا عَلَى حِنْطَتِهِ، فَأَخَذَ مِنْ حَسَنَاتِي بِمِقْدَارِ أَرْشِ كَسْرِهَا. قَالَ الْبَيْضَاوِيُّ: صَغَائِرُ الذُّنُوبِ تَقَعُ مُكَفَّرَةً بِالْحَسَنَاتِ، وَكَذَا مَا خُفِيَ مِنَ الْكَبَائِرِ لِعُمُومِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [النساء: ٣١] وَالْحَدِيثِ، أَمَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَتَحَقَّقَ عِنْدَ الْحَاكِمِ، فَلَا يَسْقُطُ حَدُّهَا وَلَا بِالتَّوْبَةِ، وَلَمَّا وَصَّاهُ بِمَا يَتَعَلَّقُ بِحُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى وَإِصْلَاحِ نَفْسِهِ دُونَ مَا يَتَعَلَّقُ بِحُقُوقِ الْعِبَادِ فَقَالَ: (وَخَالِقِ النَّاسَ): أَمْرٌ مِنَ الْمُخَالَقَةِ مَأْخُوذٌ مِنَ الْخُلُقِ مَعَ الْخَلْقِ أَيْ: خَالِطْهُمْ وَعَامِلْهُمْ (بِخُلُقٍ حَسَنٍ): وَهُوَ بَسْطُ الْمُحَيَّا وَبَذْلُ النَّدَى وَتَحَمُّلُ الْأَذَى (رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالدَّارِمِيُّ): وَفِي الْأَرْبَعِينَ: رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ. وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ حَسَنٌ صَحِيحٌ اهـ. كَلَامُهُ. وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالْحَاكِمُ وَالْبَيْهَقِيُّ عَنْ أَبِي ذَرٍّ، وَأَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ عَنْ مُعَاذٍ، وَابْنُ عَسَاكِرَ عَنْ أَنَسٍ.
[ ٨ / ٣١٧٨ ]
٥٠٨٤ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: " «أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِمَنْ يَحْرُمُ عَلَى النَّارِ وَبِمَنْ تَحْرُمُ النَّارُ عَلَيْهِ؟ عَلَى كُلِّ هَيِّنٍ لَيِّنٍ قَرِيبٍ سَهْلٍ» ". رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ.
_________________
(١) (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِمَنْ يَحْرُمُ): بِضَمِّ الرَّاءِ (عَلَى النَّارِ) أَيْ: يُمْنَعُ عَنْهَا (وَبِمَنْ تَحْرُمُ النَّارُ عَلَيْهِ؟): زِيَادَةُ تَأْكِيدٍ، وَإِلَّا فَالْمَعْنَيَانِ مُتَلَازِمَانِ، وَلَمَّا كَانَ مَآلُهُمَا
[ ٨ / ٣١٧٨ ]
وَاحِدًا اكْتَفَى بِالْجَوَابِ عَنِ الْأَوَّلِ لِأَنَّهُ الْمُعَوِّلُ وَالثَّانِي مُؤَكِّدٌ مُحْمَلٌ مُجْمَلٌ فَقَالَ قَبْلَ قَوْلِهِمْ: بَلَى (عَلَى كُلِّ هَيِّنٍ لَيِّنٍ): بِتَشْدِيدِ التَّحْتِيَّةِ فِيهِمَا أَيْ: تَحْرُمُ عَلَى كُلِّ سَهْلٍ طَلْقٍ حَلِيمٍ لَيِّنِ الْجَانِبِ، قِيلَ: هُمَا يُطْلَقَانِ عَلَى الْإِنْسَانِ بِالتَّثْقِيلِ وَالتَّخْفِيفِ، وَعَلَى غَيْرِهِ بِالتَّشْدِيدِ، وَعَنِ ابْنِ الْأَعْرَابِيِّ بِالتَّخْصِيصِ لِلْمَدْحِ وَبِالتَّشْدِيدِ لِلذَّمِّ، ذَكَرَهُ ابْنُ الْمَلَكِ، ثُمَّ قَوْلُهُ: هَيِّنٌ فَعِيلٌ مِنَ الْهَوْنِ وَهُوَ السُّكُونُ وَالْوَقَارُ وَالسُّهُولَةُ فَعَيْنُهُ وَاوٌ، فَأُبْدِلَتْ وَأُدْغِمَتْ، وَأَمَّا اللَّيِّنُ فَيَأْتِي (قَرِيبٌ) أَيْ: مِنَ النَّاسِ بِمُجَالَسَتِهِمْ فِي مَحَافِلِ الطَّاعَةِ وَمُلَاطَفَتِهِمْ قَدْرَ الطَّاعَةِ (سَهْلٌ) أَيْ: فِي قَضَاءِ حَوَائِجِهِمْ، أَوْ مَعْنَاهُ أَنَّهُ سَمْحُ الْقَضَاءِ سَمْحُ الِاقْتِضَاءِ سَمْحُ الْبَيْعِ سَمْحُ الشِّرَاءِ عَلَى مَا وَرَدَ فِي فَضْلِ الْمُؤْمِنَ الْكَامِلِ، هَذَا وَقَالَ الطِّيبِيُّ: قَوْلُهُ عَلَى كُلِّ هَيِّنٍ لَيِّنٍ هَذَا جَوَابٌ عَنِ السُّؤَالَيْنِ وَالْجَوَابُ الظَّاهِرُ عَنْهُمَا كُلُّ هَيِّنٍ لَيِّنٍ، ثُمَّ فِي الدَّرَجَةِ الثَّانِيَةِ أَنْ يُقَالَ عَنِ الْأَوَّلِ يَحْرُمُ عَلَى النَّارِ كُلُّ هَيِّنٍ لَيِّنٍ، وَعَلَى الثَّانِي تَحْرُمُ النَّارُ عَلَى كُلِّ هَيِّنٍ لَيِّنٍ، فَأَتَى بِجَوَابٍ مُوجَزٍ يَدُلُّ عَلَيْهِمَا بِالتَّفْصِيلِ وَلَوْ أَتَى بِهِ كَمَا يَقْتَضِيهِ الظَّاهِرُ وَهُوَ قَوْلُهُ: كُلِّ هَيِّنٍ لَمْ يَدُلَّ عَلَى التَّفْصِيلِ اهـ. وَهُوَ غَرِيبٌ مِنْهُ، فَإِنَّ دَلَالَةَ مَا يَقْتَضِيهِ الظَّاهِرُ عَلَى التَّفْصِيلِ أَظْهَرُ مِنْ دَلَالَةِ الْجَوَابِ الْمُوجَزِ عِنْدَهُ عَلَيْهِ، كَمَا يَظْهَرُ بِأَدْنَى تَأَمُّلٍ، فَإِنَّ تَقْدِيرَهُ حِينَئِذٍ هُوَ كُلُّ هَيِّنٍ لَيِّنٍ، وَيَكُونُ مَرْجِعُ الضَّمِيرِ مَا ذَكَرَهُ مِنَ الْوَصْفَيْنِ، وَهُوَ مَنْ يَحْرُمُ عَلَى النَّارِ، وَمَنْ تَحْرُمُ عَلَيْهِ النَّارُ، بَلْ لَوْ حَقَّقْتَ النَّظَرَ وَدَقَّقْتَ التَّأَمُّلَ لَوَجَدْتَ أَنَّ جَوَابَهُ الْمُوجِزَ عَلَى زَعْمِهِ لَا دَلَالَةَ لَهُ عَلَى التَّفْصِيلِ أَصْلًا، بَلْ دَلَالَتُهُ إِجْمَالِيَّةٌ كَمَا قَدَّمْنَاهُ، وَقَدْ يُقَالُ: إِنَّهُ مِنْ بَابِ الِاكْتِفَاءِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ [النحل: ٨١] أَيْ: وَالْبَرْدَ، فَكَذَلِكَ هُنَا يُقَدَّرُ: وَعَلَى كُلِّ هَيِّنٍ لَيِّنٍ مَعَ احْتِمَالِ أَنَّ الْقَرِينَةَ الثَّانِيَةَ زَائِدَةٌ مِنْ بَعْضِ الرُّوَاةِ لِأَجْلِ الْمُبَالَغَةِ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا فِي الْجَامِعِ بِلَفْظِ: «أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِمَنْ تَحْرُمُ عَلَيْهِ النَّارُ غَدًا عَلَى كُلِّ هَيِّنٍ لَيِّنٍ قَرِيبٍ سَهْلٍ»، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ): وَفِي الْجَامِعِ: رَوَاهُ أَبُو يَعْلَى فِي مُسْنَدِهِ، عَنْ جَابِرٍ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالطَّبَرَانِيُّ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ.
[ ٨ / ٣١٧٩ ]
٥٠٨٥ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: " «الْمُؤْمِنُ غِرٌّ كَرِيمٌ، وَالْفَاجِرُ خَبٌّ لَئِيمٌ» ". رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ.
_________________
(١) (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: الْمُؤْمِنُ) أَيْ: الْبَارُّ (غِرٌّ): بِكَسْرِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ (كَرِيمٌ) أَيْ: مَوْصُوفٌ بِالْوَصْفَيْنِ أَيْ: لَهُ الِاغْتِرَارُ لِكَرَمِهِ، وَلَهُ الْمُسَامَحَةُ فِي حُظُوظِ الدُّنْيَا لَا لِجَهْلِهِ (وَالْفَاجِرُ خَبٌّ): بِفَتْحِ خَاءٍ مُعْجَمَةٍ وَتُكْسَرُ وَتَشْدِيدِ مُوَحَّدَةٍ أَيْ: خَدَّاعٌ (لَئِيمٌ) أَيْ: بَخِيلٌ لَجُوجٌ سَيِّئُ الْخُلُقِ، وَفِي كُلٍّ مِنْهُمَا الْوَصْفُ الثَّانِي سَبَبٌ لِلْأَوَّلِ؟ وَهُوَ نَتِيجَةُ الثَّانِي فَتَأَمَّلْ، فَكِلَاهُمَا مِنْ بَابِ التَّذْيِيلِ وَالتَّكْمِيلِ. وَفِي النِّهَايَةِ أَيْ: لَيْسَ بِذِي مَكْرٍ فَهُوَ يَنْخَدِعُ لِانْقِيَادِهِ وَلِينِهِ وَهُوَ ضِدُّ الْخَبِّ، يُرِيدُ أَنَّ الْمُؤْمِنَ الْمَحْمُودَ مِنْ طَبْعِهِ الْغِرَارَةُ وَقِلَّةُ الْفِطْنَةِ لِلشَّرِّ وَتَرْكُ الْبَحْثِ عَنْهُ وَلَيْسَ ذَلِكَ فِيهِ جَهْلًا، وَلَكِنَّهُ كَرَمٌ وَحُسْنُ خُلُقٍ، وَالْفَاجِرُ مِنْ عَادَتِهِ الْبَحْثُ لَا عَلَى أَنَّهُ عَقْلٌ مِنْهُ، بَلْ خُبْثٌ وَلُؤْمٌ اهـ. قَالَ الْفَرَزْدَقُ: إِنَّ الْكَرِيمَ إِذَا خَادَعْتَهُ انْخَدَعَا وَقِيلَ: هُمُ الَّذِينَ لَمْ يُجَرِّبُوا الْأُمُورَ، فَهُمْ قَلِيلُو الشَّرِّ مُنْقَادُونَ، فَإِنَّ مَنْ آثَرَ الْخُمُولَ وَإِصْلَاحَ نَفْسِهِ الْمُتَزَوِّدَ لِمِعَادِهِ وَنَبَذَ أُمُورَ الدُّنْيَا، فَلَيْسَ غِرَّا فِيمَا قَصَدَهُ وَلَا مَذْمُومًا بِنَوْعٍ مِنَ الذَّمِّ. قَالَ الطِّيبِيُّ: وَالْأَوَّلُ هُوَ الْوَجْهُ لِمَا سَبَقَ فِي قَوْلِهِ ﵊: " «لَا يُلْدَغُ الْمُؤْمِنُ مِنْ جُحْرٍ مَرَّتَيْنِ» " وَلِأَنَّ الْمُؤْمِنَ قَدْ يَنْخَدِعُ فِي مَقَامِ اللِّينِ وَالتَّعَطُّفِ مَعَ الْأَغْيَارِ، رُوِيَ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ ﵄ كُلَّمَا صَلَّى عَبْدٌ لَهُ أَعْتَقَهُ، فَقِيلَ لَهُ فَقَالَ: مَنْ خَادَعَنَا بِاللَّهِ نَنْخَدِعْ. قُلْتُ: وَمِنْ ذَلِكَ انْخِدَاعُ آدَمَ وَحَوَّاءَ بِكَلَامِ إِبْلِيسَ حَيْثُ قَاسَمَهَا إِنِّي لَكُمَا لِمَنِ النَّاصِحِينَ. قَالَ: وَلَفْظُ الْحَدِيثِ أَيْضًا يُسَاعِدُهُ لِأَنَّهُ - ﷺ - لَمَّا وَصَفَهُ بِالْغُرُورِ أَيْ: بِوَصْفٍ غَيْرِ كَامِلٍ كَمَّلَهُ بِقَوْلِهِ (كَرِيمٌ)، لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ فِيهِ ذَلِكَ نَقْصًا، وَالْخَبُّ بِالْفَتْحِ الْخَدَّاعُ وَهُوَ الْحَرِيزُ الَّذِي يَسْعَى بَيْنَ النَّاسِ بِالْفَسَادِ، يُقَالُ: رَجُلٌ خَبٌّ، وَقَدْ تُكْسَرُ خَاؤُهُ، وَأَمَّا الْمَصْدَرُ فَبِالْكَسْرِ لَا غَيْرَ اهـ. فَالْكَسْرُ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ فَتَأَمَّلْ. (رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ): وَكَذَا الْحَاكِمُ وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ: «الْمُؤْمِنُ هَيِّنٌ لَيِّنٌ حَيِيٌّ تَخَالُهُ مِنَ اللِّينِ أَحْمَقَ» .
[ ٨ / ٣١٧٩ ]
٥٠٨٦ - وَعَنْ مَكْحُولٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " «الْمُؤْمِنُونَ هَيِّنُونَ لَيِّنُونَ كَالْجَمَلِ الْآنِفِ إِنْ قِيدَ انْقَادَ، وَإِنْ أُنِيخَ عَلَى صَخْرَةٍ اسْتَنَاخَ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ مُرْسَلًا.
_________________
(١) (وَعَنْ مَكْحُولٍ): تَابِعِيٌّ جَلِيلٌ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " الْمُؤْمِنُونَ هَيِّنُونَ لَيِّنُونَ): بِالتَّشْدِيدِ وَيُخَفَّفَانِ، فَفِي النِّهَايَةِ هُمَا تَخْفِيفُ الْهَيِّنِ وَاللَّيِّنِ اهـ. وَكَأَنَّهُ اعْتَمَدَ عَلَى كَلَامِ ابْنِ الْأَعْرَابِيِّ، وَقَدْ سَبَقَ أَنَّهُ ضَعِيفُ خِلَافُ الْأَصْلِ، فَلَا يَثْبُتُ إِلَّا بِثَبْتٍ، فَالْجَزْمُ بِهِ غَيْرُ تَثَبُّتٍ، وَفِي الْفَائِقِ: وَالْمَحْذُوفُ مِنْ يَاءَيْ هَيِّنٍ وَلَيِّنٍ الْأُولَى، وَقِيلَ! الثَّانِيَةُ. قُلْتُ: الثَّانِيَةُ أَوْلَى مِنَ الْأُولَى لِلِاحْتِيَاجِ عِنْدَهَا لِلتَّخْفِيفِ وَلِئَلَّا يَحْتَاجَ إِلَى تَخْفِيفٍ آخَرَ، فَتَدَبَّرْ. (كَالْجَمَلِ الْآنِفِ): بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَيُمَدُّ وَكَسْرِ النُّونِ فَفِي الْقَامُوسِ: أَنِفَ الْبَعِيرُ كَفَرِحَ اشْتَكَى أَنْفَهُ مِنَ الْبَرِّةِ، فَهُوَ أَنِفٌ كَكَتِفٍ وَصَاحِبٍ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ وَأَفْصَحُ. وَقَالَ شَارِحٌ: الْمَدُّ فِيهِ خَطَأٌ، وَهُوَ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَرَادَ رِوَايَةً أَوْ دِرَايَةً. وَفِي النِّهَايَةِ: الْأَنْفُ بِمَعْنَى الْمَأْنُوفِ وَهُوَ الَّذِي عَقَرَ الْخِشَاشُ أَنْفَهُ فَهُوَ لَا يَمْتَنِعُ عَلَى قَائِدِهِ لِلْوَجَعِ الَّذِي بِهِ، وَقِيلَ الْأَنِفُ الذَّلُولُ يُقَالُ: أَنِفَ الْبَعِيرُ فَهُوَ أَنِفٌ إِذَا اشْتَكَى أَنْفَهُ مِنَ الْحِشَاشِ، وَكَانَ الْأَصْلُ أَنْ يُقَالَ: مَأْنُوفٌ لِأَنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ كَمَا يَقُولُ مَصْدُورٌ وَمَبْطُونٌ لِلَّذِي يَشْتَكِي صَدْرَهُ وَبَطْنَهُ، وَإِنَّمَا جَاءَ هَذَا شَاذًّا وَيُرْوَى كَالْجُمَلِ الْآنِفِ بِالْمَدِّ وَهُوَ بِمَعْنَاهُ. الْجَوْهَرِيُّ: الْخِشَاشُ بِالْكَسْرِ خَشَبٌ يَدْخُلُ فِي أَنْفِ الْبَعِيرِ، ثُمَّ الْكَافُ مَرْفُوعَةُ الْمَحَلِّ عَلَى أَنَّهَا خَبَرٌ ثَالِثٌ، وَالْمَوْتُ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ كَالْجَمَلِ الْأَنِفِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَنْتَصِبَ مَحَلُّهَا عَلَى أَنَّهَا صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ لَيِّنُونَ لِينًا مِثْلَ الْجَمَلِ الْأَنِفِ. ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ. وَالثَّانِي أَظْهَرُ وَالْأَوَّلُ أَدَقُّ وَبِالِاعْتِمَادِ أَحَقُّ، وَلَا يَحْتَاجُ إِلَى تَقْدِيرِ كُلِّ وَاحِدٍ، بَلِ الْمَعْنَى أَنَّ الْمُؤْمِنِينَ كُلَّهُمْ مِنْ كَمَالِ انْقِيَادِهِمْ وَاجْتِمَاعِهِمْ فِي سَبِيلِ رِضَاءِ مَوْلَاهُمْ، مِثْلَ الْجَمَلِ الْوَاحِدِ الْمَأْنُوفِ. فَالْجُمَلُ صَحِيحٌ مَعَ إِفَادَةِ الْمُبَالِغَةِ كَمَا وَرَدَ: " «الْمُؤْمِنُونَ كَرَجُلٍ وَاحِدٍ إِنِ اشْتَكَى رَأْسَهُ اشْتَكَى كُلَّهُ، وَإِنِ اشْتَكَى عَيْنَهُ اشْتَكَى كُلَّهُ» " عَلَى مَا رَوَاهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ، أَوِ الْمُرَادُ بِالْجَمَلِ الْجِنْسُ فَيُسْتَفَادُ مِنْهُ مَعْنَى الْجَمْعِيَّةِ فَلَا إِشْكَالَ (إِنْ قِيدَ): مَجْهُولٌ قَادَهُ وَجَرَّهُ وَقَوْلُهُ (انْقَادَ): وَمُطَاوِعٌ لَهُ أَيْ: طَاوَعَهُ وَانْسَحَبَ مَعَهُ (وَإِنْ أُنِيخَ): مَجْهُولٌ أَنَاخَ الْبَعِيرَ إِذَا بَرَّكَهُ وَمِنْهُ حَدِيثُ: مِنًى مُنَاخُ مَنْ سَبَقَ (عَلَى صَخْرَةٍ) أَيْ: فَرْضًا أَوْ مَثَلًا (اسْتَنَاخَ): فِي شَرْحِ السُّنَّةِ: مَعْنَى الْحَدِيثِ أَنَّ الْمُؤْمِنَ شَدِيدُ الِانْقِيَادِ لِلشَّارِعِ فِي أَوَامِرِهِ، وَنَوَاهِيهِ. وَفِي قَوْلِهِ: إِنْ أُنِيخَ عَلَى صَخْرَةٍ اسْتَنَاخَ إِيذَانٌ بِكَثْرَةِ تَحَمُّلِ الْمَشَاقِّ؛ لِأَنَّ الْإِنَاخَةَ عَلَى الصَّخْرِ شَاقَّةٌ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ مُرْسَلًا): وَفِي الْجَامِعِ: رَوَاهُ ابْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ مَكْحُولٍ مُرْسَلًا، وَالْبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَيْ: مُتَّصِلًا مَرْفُوعًا.
[ ٨ / ٣١٨٠ ]
٥٠٨٧ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ - ﵄ - عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: " «الْمُسْلِمُ الَّذِي يُخَالِطُ النَّاسَ وَيَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُمْ أَفْضَلُ مِنَ الَّذِي لَا يُخَالِطُهُمْ وَلَا يَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُمْ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ.
_________________
(١) (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: «الْمُسْلِمُ الَّذِي يُخَالِطُ النَّاسَ وَيَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُمْ أَفْضَلُ مِنَ الَّذِي لَا يُخَالِطُهُمْ وَلَا يَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُمْ»): فِيهِ فَضِيلَةُ الْخِلْطَةِ عَلَى الْعُزْلَةِ، وَذَلِكَ مِمَّا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَزْمِنَةِ وَالْأَمْكِنَةِ وَأَهْلِهِمَا مَعَ الشُّرُوطِ الْمُعْتَبَرَةِ فِي آدَابِ الصُّحْبَةِ، فَفِي الْأَحْيَاءِ اخْتَلَفُوا فِي الْمُخَالَطَةِ وَالْعُزْلَةِ، وَتَفْضِيلِ أَحَدِهَا عَلَى الْآخَرِ فَقَالَ أَكْثَرُ التَّابِعِينَ: بِاسْتِحْبَابِ الْمُخَالَطَةِ وَاسْتِكْثَارِ الْمَعَارِفِ وَالْأَحْوَالِ لِلتَّأَلُّفِ وَالتَّحَبُّبِ إِلَى الْمُؤْمِنِينَ، وَالِاسْتِعَانَةِ بِهِمْ فِي الدُّنْيَا تَعَاوُنًا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى، وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: عَلَيْكُمْ بِالْإِخْوَانِ، فَإِنَّهُمْ عُدَّةٌ لَكُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، أَلَا تَسْمَعُ إِلَى قَوْلِ أَهْلِ النَّارِ: ﴿فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ - وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾ [الشعراء: ١٠٠ - ١٠١]، وَهَذَا الْحَدِيثُ أَدَّلُ شَيْءٍ عَلَى اسْتِحْبَابِ الْمُخَالَطَةِ، وَمَالَ أَكْثَرُ الْعُبَّادِ وَالزُّهَّادِ إِلَى اخْتِيَارِ الْعُزْلَةِ وَتَفْضِيلِهَا عَلَى الْمُخَالَطَةِ، وَعَلَيْهِ الْفُضَيْلُ، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَغَيْرُهُمْ. قَالَ عُمَرُ ﵁: خُذُوا بِحَظِّكُمْ مِنَ الْعُزْلَةِ، وَقَالَ فُضَيْلٌ: كَفَى بِاللَّهِ مُحِبًّا وَبِالْقُرْآنِ مُؤْنِسًا وَبِالْمَوْتِ وَاعِظًا، اتَّخِذِ اللَّهَ صَاحَبًا وَدَعِ النَّاسَ جَانِبًا، وَأَوْصَى دَاوُدُ الطَّائِيُّ أَبَا الرَّبِيعِ فَقَالَ: صُمْ مِنَ الدُّنْيَا وَاجْعَلْ فِطْرَكَ الْآخِرَةَ، وَفِرَّ مِنَ النَّاسِ فِرَارَكَ مِنَ الْأَسَدِ، وَقَالَ وَهْبُ بْنُ الْوَرْدِ: بَلَغَنَا أَنَّ الْحِكْمَةَ عَشَرَةُ أَجْزَاءٍ تِسْعَةٌ مِنْهَا فِي الصَّمْتِ، وَالْعَاشِرُ فِي عُزْلَةِ النَّاسِ، وَدَخَلَ عَلَى حَاتِمٍ الْأَصَمِّ بَعْضُ الْأُمَرَاءِ فَقَالَ: أَلَكَ حَاجَةٌ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: مَا هِيَ؟ قَالَ: أَنْ لَا تَرَانِي. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَفْضَلُ الْمَجَالِسِ مَجْلِسٌ فِي قَعْرِ بَيْتِكَ أَنْ لَا تَرَى وَلَا تُرَى، وَقِيلَ: آدَابُ الْعُزْلَةِ أَرْبَعَةٌ: أَنْ يَنْوِيَ بِهَا كَفَّ شَرِّهِ أَوَّلًا. ثُمَّ السَّلَامَةُ مِنَ الشَّرِّ ثَانِيًا، ثُمَّ الْخَلَاصُ مِنَ الْإِخْلَاصِ بِالْحُقُوقِ ثَالِثًا، ثُمَّ التَّجَرُّدُ بِكُنْهِ الْهِمَّةِ لِلْعِبَادَةِ رَابِعًا اهـ.
[ ٨ / ٣١٨٠ ]
وَالْمُخْتَارُ هُوَ التَّوَسُّطُ بَيْنَ الْعُزْلَةِ عَنْ أَكْثَرِ النَّاسِ وَعَوَامِّهِمْ، وَالْخِلْطَةُ بِالصَّالِحِينَ مِنْهُمْ وَخَوَاصِّهِمْ، وَالِاجْتِمَاعُ مَعَ عَامَّتِهِمْ فِي نَحْوِ جُمْعَتِهِمْ وَجَمَاعَتِهِمْ بَعْدَ حُصُولِ الْعِلْمِ الْمُحْتَاجِ إِلَى الْعَمَلِ، وَوُصُولِ الزُّهْدِ الْمُوجِبِ لِقَطْعِ الطَّمَعِ عَنِ الْخُلُقِ، وَلِذَا قَالَ بَعْضُ الْعَارِفِينَ: الْعُزْلَةُ بِغَيْرِ عَيْنِ الْعِلْمِ زَلَّةٌ وَبِغَيْرِ زَايِ الزُّهْدِ عِلَّةٌ، وَهَذَا طَرِيقُ الْكُمَّلِ مِنَ الصُّوفِيَّةِ الصَّفِيَّةِ كَالنَّقْشَبَنْدِيَّةِ وَالشَّاذِلِيَّةِ وَالْبَكْرِيَّةِ فَهُمْ كَائِنُونَ بَائِنُونَ قَرِيبُونَ غَرِيبُونَ فَرْشِيُّونَ عَرْشِيُّونَ، كَمَا قِيلَ: كُنْ وَسَطًا وَامْشِ جَانِبًا. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ): وَفِي الْجَامِعِ بِلَفْظِ: «الْمُؤْمِنُ الَّذِي يُخَالِطُهُ النَّاسُ وَيَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُمْ أَفْضَلُ مِنَ الْمُؤْمِنَ الَّذِي لَا يُخَالِطُ النَّاسَ وَلَا يَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُمْ»، رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْبُخَارِيُّ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ عَنِ ابْنِ عُمَرَ.
[ ٨ / ٣١٨١ ]
٥٠٨٨ - وَعَنْ سَهْلِ بْنِ مُعَاذٍ، عَنْ أَبِيهِ - ﵁ - أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: " «مَنْ كَظَمَ غَيْظًا وَهُوَ يَقْدِرُ عَلَى أَنْ يُنْفِذَهُ دَعَاهُ اللَّهُ عَلَى رُءُوسِ الْخَلَائِقِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُخَيِّرَهُ فِي أَيِّ الْحُورِ شَاءَ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ.
_________________
(١) (وَعَنْ سَهْلِ بْنِ مُعَاذٍ) أَيِ: ابْنِ أَنَسٍ كَمَا فِي الْمَعَالِمِ (عَنْ أَبِيهِ): الْمُتَبَادَرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِمَعْنَاهُ هُوَ ابْنُ جَبَلٍ لِأَنَّهُ الْمَشْهُورُ بَيْنَ الصَّحَابَةِ أِلَّا أَنَّهُ فِي هَذَا الْمَقَامِ مُعَاذُ بْنُ أَنَسٍ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ سَهْلُ بْنُ مُعَاذٍ، فَإِنَّهُ وَلَدُ مُعَاذِ بْنِ أَنَسٍ فَقَدْ قَالَ الْمُؤَلِّفُ فِي أَسْمَاءِ رِجَالِهِ: هُوَ مُعَاذُ بْنُ أَنَسٍ الْجُهَنِيُّ، مَعْدُودٌ فِي أَهْلِ مِصْرَ، وَحَدِيثُهُ عِنْدَهُمْ، رَوَى عَنْهُ ابْنُهُ سَهْلٌ (أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: مَنْ كَظَمَ غَيْظًا) أَيِ: اجْتَرَعَ غَضَبًا كَامِنًا فِيهِ (وَهُوَ يَقْدِرُ عَلَى أَنْ يُنَفِّذَهُ): بِتَشْدِيدِ الْفَاءِ أَيْ: يُمْضِيَهُ وَفِي رِوَايَةٍ عَلَى إِنْفَاذِهِ، فَيَجُوزُ تَخْفِيفُ الْفَاءِ، وَالْجُمْلَةُ حَالِيَّةٌ وَجَوَابُ الشَّرْطِ (دَعَاهُ اللَّهُ عَلَى رُءُوسِ الْخَلَائِقِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) أَيْ: شَهَرَهُ بَيْنَ النَّاسِ وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَتَبَاهَى بِهِ، وَيُقَالُ فِي حَقِّهِ: هَذَا الَّذِي صَدَرَتْ مِنْهُ هَذِهِ الْخَصْلَةُ الْعَظِيمَةُ (حَتَّى يُخَيِّرَهُ) أَيْ: يَجْعَلُهُ مُخَيَّرًا (فِي أَيِّ الْحَوَرِ شَاءَ) أَيْ: فِي أَخْذِ أَيِّهِنَّ شَاءَ، وَهُوَ كِنَايَةٌ عَنْ إِدْخَالِهِ الْجَنَّةَ الْمَنِيعَةَ وَإِيصَالِهِ الدَّرَجَةَ الرَّفِيعَةَ. وَفِي النِّهَايَةِ: كَظْمُ الْغَيْظِ تَجَرُّعُهُ وَاحْتِمَالُ سَبَبِهِ وَالصَّبْرُ عَلَيْهِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: وَإِنَّمَا حُمِدُ الْكَظْمُ لِأَنَّهُ قَهْرٌ لِلنَّفْسِ الْأَمَّارَةِ بِالسُّوءِ، وَلِذَلِكَ مَدَحَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى بِقَوْلِهِ: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾ [آل عمران: ١٣٤]، وَمَنْ نَهَى النَّفْسَ عَنْ هَوَاهُ، فَإِنَّ الْجَنَّةَ مَأْوَاهُ، وَالْحُورَ الْعَيْنَ جَزَاهُ. قُلْتُ: وَهَذَا الثَّنَاءُ الْجَمِيلُ وَالْجَزَاءُ الْجَزِيلُ إِذَا تَرَتَّبَ عَلَى مُجَرَّدِ كَظْمِ الْغَيْظِ، فَكَيْفَ إِذَا انْضَمَّ الْعَفْوُ إِلَيْهِ أَوْ زَادَ بِالْإِحْسَانِ عَلَيْهِ. قَالَ النَّوَوِيُّ: الْإِحْسَانُ أَنْ تُحْسِنَ إِلَى الْمُسِيءِ، فَإِنَّ الْإِحْسَانَ إِلَى الْمُحْسِنِ مُتَاجَرَةٌ، وَفِي الْبَيْضَاوِيِّ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - إِنَّ هَؤُلَاءِ فِي أُمَّتِي قَلِيلٌ إِلَّا مَنْ عَصَمَهُ اللَّهُ، وَقَدْ كَانُوا كَثِيرًا مِنَ الْأُمَمِ الَّتِي مَضَتِ اهـ. وَهُوَ قَدْ ذَكَرَهُ الثَّعْلَبِيُّ عَنْ مُقَاتِلِ بْنِ حِبَّانَ. قَالَ: بَلَغَنَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: إِنَّ هَؤُلَاءِ إِلَخْ. وَلَعَلَّهُ مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ - أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ - فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ - ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ - وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ﴾ [الواقعة: ١٠ - ١٤] (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ): وَكَذَا رَوَاهُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ.
[ ٨ / ٣١٨١ ]
٥٠٨٩ - وَفِي رِوَايَةٍ لِأَبِي دَاوُدَ، عَنْ سُوَيْدِ بْنِ وَهْبٍ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَبْنَاءِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - ﷺ - عَنْ أَبِيهِ قَالَ: " «مَلَأَ اللَّهُ قَلْبَهُ أَمْنًا وَأَمَانًا» ".
وَذُكِرَ حَدِيثُ سُوْيَدٍ: " «مَنْ تَرَكَ لِبْسَ ثَوْبِ جَمَالٍ» " فِي " كِتَابِ اللِّبَاسِ ".
_________________
(١) (وَفِي رِوَايَةٍ لِأَبِي دَاوُدَ، عَنْ سُوَيْدِ بْنِ وَهْبٍ): ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ فِي التَّابِعِينَ، وَقَالَ: هُوَ شَيْخٌ لِابْنِ عَجْلَانَ (عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَبْنَاءِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ، عَنْ أَبِيهِ) أَيِ: الصَّحَابِيُّ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الِابْنُ أَيْضًا صَحَابِيًّا، وَأَنْ يَكُونَ تَابِعِيًّا (قَالَ) أَيْ: بَدَلَ الْجَزَاءِ السَّابِقِ مَعَ مُحَافَظَةِ الْإِبْقَاءِ عَلَى شَرْطِهِ إِلَّا قَوْلَ أَنْ يُنَفِّذَهُ، فَإِنَّ أُصُولَ هَذَا الْحَدِيثِ اتَّفَقَتْ عَلَى تَبْدِيلِهِ عَلَى إِنْفَاذِهِ (مَلَأَ اللَّهُ قَلْبَهُ أَمْنًا وَإِيمَانًا): وَفِي الْجَامِعِ: رَوَاهُ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا فِي ذَمِّ الْغَضَبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. (وَذَكَرَ حَدِيثَ سُوَيْدٍ) أَيِ: ابْنِ وَهْبٍ بِإِسْنَادِهِ الْمَذْكُورِ (وَمَنْ تَرَكَ لِبْسَ ثَوْبِ جَمَالٍ) أَيْ: وَهُوَ يَقْدِرُ عَلَيْهِ كَسَاهُ اللَّهُ حُلَّةَ الْكَرَامَةِ (فِي كِتَابِ اللِّبَاسِ): وَهُوَ مُحْتَمِلٌ أَنْ يَكُونَ عَنْ تَكْرِيرٍ أَسْقَطَهُ، وَأَنْ يَكُونَ حَوَّلَهُ مِنْ هُنَا إِلَى ذَلِكَ الْبَابِ لِمُنَاسَبَتِهِ إِلَى ذَلِكَ الْكِتَابِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
[ ٨ / ٣١٨١ ]
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
٥٠٩٠ - عَنْ زَيْدِ بْنِ طَلْحَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " «إِنَّ لِكُلِّ دِينٍ خُلُقًا وَخُلُقُ الْإِسْلَامِ الْحَيَاءُ» ". رَوَاهُ مَالِكٌ مُرْسَلًا.
_________________
(١) الْفَصْلُ الثَّالِثُ
(٢) (عَنْ زَيْدِ بْنِ طَلْحَةَ): تَابِعِيٌّ رَوَى عَنْهُ سَلَمَةُ بْنُ صَوَّانٍ الزُّرَّقِيُّ، أَخْرَجَ حَدِيثَهُ مَالِكٌ فِي الْحَيَاءِ ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ. (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (إِنَّ لِكُلِّ دِينٍ خُلُقًا) أَيْ: مُخْتَصًّا بِهِ أَوْ غَالِبًا فِيهِ (وَخُلُقُ الْإِسْلَامِ الْحَيَاءُ) أَيْ: فِيمَا شُرِعَ فِيهِ الْحَيَاءُ بِخِلَافِ مَا لَمْ يُشْرَعْ فِيهِ كَتَعَلُّمِ الْعِلْمِ وَالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَالْحُكْمِ بِالْحَقِّ، وَالْقِيَامِ بِهِ، وَأَدَاءِ الشَّهَادَاتِ عَلَى وَجْهِهَا، كَذَا ذَكَرَهُ السُّيُوطِيُّ، وَفِيهِ أَنَّ ارْتِكَابَ الْمَذْكُورَاتِ لَا يَخْلُو عَنِ الْحَيَاءِ عَنِ الْحَقِّ، وَعَدَمِ الِالْتِفَاتِ إِلَى الْخَلْقِ عَلَى مَا سَبَقَ تَحْقِيقُهُ وَحُقِّقَ طَرِيقَهُ، فَالْحُكْمُ عَلَى عُمُومِهِ مِنِ اسْتِعْمَالِ الْحَيَاءِ مِنَ اللَّهِ فِي جَمِيعِ الْأَحْكَامِ بِأَنْ يَسْتَحْيِيَ مِنْ فِعْلِ الْآثَامِ، وَمِنْ تَرْكِ شُعْبَةٍ مِنْ شُعَبِ الْإِسْلَامِ، بَلْ وَلَا عِبْرَةَ بِالْحَيَاءِ مِنَ الْأَنَامِ لَا فِعْلًا وَلَا تَرْكًا عِنْدَ عُلَمَاءِ الْأَعْلَامِ. وَفِي النِّهَايَةِ: الْخُلُقُ الدَّيْنُ وَالطَّبْعُ وَالسَّجِيَّةُ. قُلْتُ: الْمُرَادُ هُنَا السَّجِيَّةُ أَيْ: بِمَعْنَى الْخَصْلَةِ أَيْ: لِكُلِّ دِينٍ سَجِيَّةٌ شُرِعَتْ فِيهِ، وَحَضَّ أَهْلُ ذَلِكَ الدِّينِ عَلَيْهَا. قَالَ الطِّيبِيُّ: وَالْمَعْنَى أَنَّ الْغَالِبَ عَلَى أَهْلِ كُلِّ دِينٍ سَجِيَّةٌ سِوَى الْحَيَاءِ، وَالْغَالِبُ عَلَى أَهْلِ دِينِنَا الْحَيَاءُ لِأَنَّهُ مُتَمِّمٌ لِمَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ، وَإِنَّمَا بُعِثَ - ﷺ - لِإِتْمَامِهَا، وَقَالَ يَوْمًا لِأَصْحَابِهِ: " «اسْتَحْيُوا مِنَ اللَّهِ تَعَالَى حَقَّ الْحَيَاءِ» ". الْحَدِيثَ. قُلْتُ: الظَّاهِرُ أَنَّ الْمَعْنَى أَنَّ الْغَالِبَ عَلَى أَهْلِ كُلِّ دِينٍ سَجِيَّةٌ سِوَى الْحَيَاءِ، فَإِنَّهَا مُخْتَصَّةٌ بِالْغَلَبَةِ لَنَا مَعَ اشْتِرَاكِنَا بِجَمِيعِ الْمَلَلِ فِي سَائِرِ السَّجِيَّاتِ، لِقَوْلِهِ ﵊: " «بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ مَكَارِمَ الْأَخْلَاقِ»، بَلِ الْأَظْهَرُ أَنَّ الْأَخْلَاقَ كُلَّهَا كَانَتْ نَاقِصَةً فِيمَنْ قَبْلَنَا، وَإِنَّمَا كَمُلَتْ فِي دِينِنَا بِبَرَكَةِ نَبِيِّنَا - ﷺ - وَلِذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠] الْآيَةَ. (رَوَاهُ مَالِكٌ) أَيْ: عَنْ زَيْدِ بْنِ طَلْحَةَ (مُرْسَلًا): لِأَنَّهُ تَابِعِيٌّ.
[ ٨ / ٣١٨٢ ]
٥٠٩١ - ٥٠٩٢ - وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي " شُعَبِ الْإِيمَانِ "، عَنْ أَنَسٍ، وَابْنِ عَبَّاسٍ.
_________________
(١) ٥٠٩٢ - (وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ عَنْ أَنَسٍ، وَابْنِ عَبَّاسٍ) أَيْ: مَرْفُوعًا لَا مَوْقُوفًا كَمَا يُتَوَهَّمُ مِنَ الْإِطْلَاقِ، ثُمَّ ظَاهِرُهُ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يُرْوَى عَنْ كِلَيْهِمَا، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ عَلَى طَرِيقِ اللَّفِّ وَالنَّشْرِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ثُمَّ رَأَيْتُ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ أَسْنَدَ الْحَدِيثَ إِلَى ابْنِ مَاجَهْ بِرِوَايَتِهِ عَنْهُمَا، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْبَيْهَقِيَّ كَذَلِكَ.
[ ٨ / ٣١٨٢ ]
٥٠٩٣ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ - ﵄ - أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: " «إِنَّ الْحَيَاءَ وَالْإِيمَانَ قُرَنَاءُ جَمِيعًا، فَإِذَا رُفِعَ أَحَدُهُمَا رُفِعَ الْآخَرُ» ".
_________________
(١) (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: إِنَّ الْحَيَاءَ وَالْإِيمَانَ) أَيِ: الْكَامِلَ (قُرَنَاءُ): جَمْعُ قَرِينٍ. قَالَ الطِّيبِيُّ: فِيهِ دَلِيلٌ لِمَنْ يَقُولُ: أَقَلُّ الْجَمْعِ اثْنَانِ اهـ. وَفِي نُسْخَةٍ قُرِنَا بِالْمَاضِي الْمُثَنَّى الْمَجْهُولِ أَيْ: جُعِلَا مَقْرُونَيْنِ (جَمِيعًا) أَيْ: مُجْتَمِعَيْنِ وَهُوَ تَأْكِيدٌ فِي الْمَعْنَى (فَإِذَا رُفِعَ أَحَدُهُمَا رُفِعَ الْآخَرُ) .
[ ٨ / ٣١٨٢ ]
٥٠٩٤ - وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ: " «فَإِذَا سُلِبَ أَحَدُهُمَا تَبِعَهُ الْآخَرُ» ". رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي " شُعَبِ الْإِيمَانِ ".
_________________
(١) (وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ: " فَإِذَا سُلِبَ أَحَدُهُمَا تَبِعَهُ الْآخَرُ " رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ): وَوَافَقَهُ الْحَاكِمُ وَأَبُو نُعَيْمٍ فِي الْحِلْيَةِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَوَافَقَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، لَكِنْ لَفْظُهُ: الْحَيَاءُ وَالْإِيمَانُ فِي قَرَنٍ، فَإِذَا سُلِبَ أَحَدُهُمَا تَبِعَهُ الْآخَرُ، وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ أَيْضًا عَنْ أَبِي مُوسَى بِلَفْظِ: «الْحَيَاءُ وَالْإِيمَانُ مَقْرُونَانِ لَا يَفْتَرِقَانِ إِلَّا جَمِيعًا» .
[ ٨ / ٣١٨٢ ]
٥٠٩٥ - وَعَنْ مُعَاذٍ - ﵁ - قَالَ: «كَانَ آخِرُ مَا وَصَّانِي بِهِ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - حِينَ وَضَعْتُ رِجْلِي فِي الْغَرْزِ أَنْ قَالَ: " يَا مُعَاذُ! أَحْسِنْ خُلُقَكَ لِلنَّاسِ» . رَوَاهُ مَالِكٌ.
_________________
(١) (وَعَنْ مُعَاذٍ) أَيِ: ابْنِ جَبَلٍ (قَالَ: كَانَ آخِرَ مَا وَصَّانِي بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ) أَيْ: حَالَةَ تَوَجُّهِي إِلَى الْيَمَنِ بِأَمْرِهِ (حِينَ وَضَعْتُ رِجْلِي فِي الْغَرْزِ): بِغَيْنٍ مُعْجَمَةٍ مَفْتُوحَةٍ فَسُكُونِ رَاءٍ فَزَايٍ، أَيْ: فِي مَوْضِعِ رِكَابٍ مِنْ رَحْلِ الْبَعِيرِ، كَالرِّكَابِ لِلسَّرْجِ قَالَهُ الْبَاجِيُّ، وَفِي النِّهَايَةِ الْغَرْزُ رِكَابُ كُورِ الْجَمَلِ إِذَا كَانَ مِنْ جِلْدٍ أَوْ خَشَبٍ، وَقِيلَ هُوَ الْكُورُ مُطْلَقًا كَالرِّكَابِ لِلسَّرْجِ. (أَنْ قَالَ: يَا مُعَاذُ! أَحْسِنْ خُلُقَكَ لِلنَّاسِ): قَالَ الطِّيبِيُّ: إِنْ قَالَ خَبَرُ كَانَ وَحِينَ وَضَعْتُ ظَرْفٌ قَالَهُ حِينَ بَعَثَهُ إِلَى الْيَمَنِ لِلْقَضَاءِ أَوْصَاهُ لِيُجَامِلَ النَّاسَ بِحُسْنِ الْخُلُقِ. قَالَ السُّيُوطِيُّ: تَحْسِينُ خُلُقِهِ أَنْ يُظْهِرَ لِمَنْ يُجَالِسُهُ أَوْ وَرَدَ عَلَيْهِ الْبِشْرَ وَالْحِلْمَ وَالْإِشْفَاقَ، وَالصَّبْرَ عَلَى التَّعْلِيمِ، وَالتَّوَدُّدَ إِلَى الصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ، وَالْمُرَادُ بِالنَّاسِ مَنْ يَسْتَحِقُّ ذَلِكَ، فَأَمَّا أَهْلُ الْكُفْرِ وَالْإِصْرَارِ عَلَى الْكَبَائِرِ وَالتَّمَادِي عَلَى الظُّلْمِ، فَلَمْ يُؤْمَرْ بِتَحْسِينِ الْخُلُقِ لَهُمْ، بَلْ يُؤْمَرُ بِأَنْ يُغْلِظَ عَلَيْهِمْ. قُلْتُ: قَدْ يُقَالُ: إِنَّ الرِّفْقَ مِنْ جُمْلَةِ حُسْنِ الْخُلُقِ، فَيُمْكِنُ أَنْ يَعُمَّ جَمْعَ الْخَلْقِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ [النحل: ١٢٥] الْآيَةَ (رَوَاهُ مَالِكٌ) .
[ ٨ / ٣١٨٣ ]
٥٠٩٦ - وَعَنْ مَالِكٍ - ﵁ - بَلَغَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: " «بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ حُسْنَ الْأَخْلَاقِ» ". رَوَاهُ فِي " الْمُوَطَّأِ ".
_________________
(١) (وَعَنْ مَالِكٍ، بَلَغَهُ): بِتَخْفِيفِ اللَّامِ وَضَمِيرِ الْمَفْعُولِ إِلَيْهِ، وَالْفَاعِلُ قَوْلُهُ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ): وَهُوَ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مُتَّصِلًا عِنْدَ مَالِكٍ، لَكِنَّهُ لَمْ يَذْكُرِ التَّابِعِيَّ وَلَا الصَّحَابِيَّ، وَأَنْ يَكُونَ مُنْقَطِعًا بِأَنْ تَرَكَ فِيهِ رَاوِيَانِ، وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ وَإِلَّا لَذَكَرَ الصَّحَابِيَّ، فَكَانَ مَرْفُوعًا، أَوْ ذَكَرَ التَّابِعِيَّ فَكَانَ مُرْسَلًا. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: هَذَا يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مُتَّصِلًا، وَرَاوِي مَالِكٍ لَمْ يَذْكُرِ الِاتِّصَالَ وَأَنْ يَكُونَ مُرْسَلًا. وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْ مَالِكٌ التَّابِعِيَّ، وَلَا الصَّحَابِيَّ، وَقِيلَ إِنَّهُ مُنْقَطِعٌ. قُلْتُ: هَذَا كُلُّهُ احْتِمَالَاتٌ عَقْلِيَّةٌ وَكَوْنُهُ مُنْقَطِعًا هُوَ الْمُوَافِقُ لِلْقَوَاعِدِ الْحَدِيثِيَّةِ، إِذْ لَا يُقَالُ فِي غَيْرِهِ أَنَّهُ بَلَغَهُ، بَلِ التَّحْقِيقُ أَنَّهُ مِنْ قَبِيلِ الْمُعَلَّقِ، وَفِيهِ بَحْثٌ طَوِيلٌ بَيَّنْتُهُ فِي شَرْحِ النُّخْبَةِ فِي أُصُولِ الْحَدِيثِ. (قَالَ: بُعِثْتُ): بِصِيغَةِ الْمَفْعُولِ أَيْ: أُرْسِلْتُ إِلَى الْخَلْقِ (لِأُتَمِّمَ حُسْنَ الْأَخْلَاقِ): بِضَمِّ حَاءٍ وَسُكُونِ سِينٍ، أَيِ: الْأَخْلَاقُ الْحَسَنَةُ وَالْأَفْعَالُ الْمُسْتَحْسَنَةُ، وَفِي نُسْخَةٍ: بِفَتْحَتَيْنِ أَيْ لِأَنْ أَجْعَلَ حُسْنَهَا أَحْسَنَهَا قَالَ الْبَيْضَاوِيُّ: وَكَانَتِ الْعَرَبُ أَحْسَنَ أَخْلَاقًا بِمَا بَقِيَ عِنْدَهُمْ مِنْ شَرِيعَةِ إِبْرَاهِيمَ ﵇، وَكَانُوا ضَلُّوا بِالْكُفْرِ عَنْ كَثِيرٍ مِنْهَا: فَبُعِثَ - ﷺ - لِيُتَمِّمَ مَحَاسِنَ الْأَخْلَاقِ، ذَكَرَهُ السُّيُوطِيُّ، وَالتَّحْقِيقُ مَا قَدَّمْنَاهُ فِيمَا سَبَقَ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: قَوْلُهُ: لِأُتَمِّمَ إِلَخْ. يُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ بِهِ أَنَّهُ كَمَّلَهَا بَعْدَ النُّقْصَانِ وَأَنَّهُ جَمَعَهَا بَعْدَ التَّفْرِقَةِ، وَعَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ﴾ [الأنعام: ٩٠] قَالَ الْإِمَامُ فَخَرُ الدِّينِ: الْآيَةُ دَالَّةٌ عَلَى فَضْلِهِ ﵊، لِأَنَّهُ تَعَالَى أَمَرَهُ بِالِاقْتِدَاءِ بِهُدَاهُمْ، وَلَا بُدَّ لَهُ مِنِ امْتِثَالِهِ لِذَلِكَ الْأَمْرِ، فَوَجَبَ أَنْ يَجْتَمِعَ فِيهِ جَمِيعُ خَصَائِلِهِمْ وَأَخْلَاقِهِمُ الْمُتَفَرِّقَةِ، وَإِلَى مَعْنَى الْأَوَّلِ أَشَارَ ﷺ بِقَوْلِهِ: " «مَثَلِي وَمَثَلُ الْأَنْبِيَاءِ كَمَثَلِ قَصْرٍ أُحْسِنَ بُنْيَانُهُ وَتُرِكَ مَوْضِعُ لَبِنَةٍ مِنْهُ " إِلَى أَنْ قَالَ: " لَكُنْتُ أَنَا سَدَدْتُ مَوْضِعَ تِلْكَ اللَّبِنَةِ حَتَّى تَمَّ بِيَ الْبُنْيَانُ» اهـ. وَلَا مَنْعَ مِنَ الْجَمْعِ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ لِأَنَّهُ - ﷺ - كَانَ فِي مَرْتَبَةِ جَمْعِ الْجَمْعِ، اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا فِي الْمَسِيرِ وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ. (رَوَاهُ) أَيْ: مَالِكٌ (فِي الْمُوَطَّأِ): وَتَقَدَّمَ مَا فِيهِ مِنَ الْمُنَاقَشَةِ أَوْ يَصِيرُ التَّقْدِيرُ رَوَاهُ مَالِكٌ عَنْ مَالِكٍ، فَكَانَ حَقُّ الْمُؤَلِّفِ أَنْ يَقُولَ: كَذَا فِي الْمُوَطَّأِ.
[ ٨ / ٣١٨٣ ]
٥٠٩٧ - وَرَوَاهُ أَحْمَدُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ.
_________________
(١) (وَرَوَاهُ أَحْمَدُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) أَيْ: مَرْفُوعًا وَفِي الْجَامِعِ " «إِنَّمَا بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ صَالِحَ الْأَخْلَاقِ» " رَوَاهُ ابْنُ سَعْدٍ، وَالْبُخَارِيُّ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ، وَالْحَاكِمُ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ.
[ ٨ / ٣١٨٤ ]
٥٠٩٨ - وَعَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - إِذَا نَظَرَ فِي الْمِرْآةِ قَالَ: " الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي حَسَّنَ خُلُقِي وَخَلْقِي، وَزَانَ مِنِّي مَا شَانَ مِنْ غَيْرِي» ". رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي " شُعَبِ الْإِيمَانِ " مُرْسَلًا.
_________________
(١) (وَعَنْ جَعْفَرٍ) أَيِ: الصَّادِقِ (ابْنِ مُحَمَّدٍ) أَيِ: الْبَاقِرِ (عَنْ أَبِيهِ): تَابِعِيٌّ أَدْرَكَ جَابِرًا وَبَلَّغَهُ السَّلَامَ مِنَ النَّبِيِّ - ﷺ - (قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - إِذَا نَظَرَ) أَيْ: إِلَى وَجْهِهِ الشَّرِيفِ (فِي الْمِرْآةِ): بِكَسْرِ الْمِيمِ (قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي حَسَّنَ): بِتَشْدِيدِ السِّينِ أَيْ: حَسَّنَ (خَلْقِي وَخُلُقِي): بِفَتْحٍ الْأَوَّلِ وَضَمِّ الثَّانِي وَقَدَّمَ الْأَوَّلَ لِظُهُورِهِ أَوَّلًا وَنَظَرَ التَّرَقِّيَ (وَزَانَ) أَيْ: زَيَّنَ (مِنِّي) أَيْ: مِنْ خُلُقِي وَخَلْقِي (مَا شَانَ) أَيْ: عَابَهُ وَقَبَّحَهُ (مِنْ غَيْرِي): سَوَاءٌ فِي خَلْقِهِ أَوْ خُلُقِهِ، وَفِيهِ دَلَالَةٌ صَرِيحَةٌ عَلَى أَنَّ صُورَتَهُ وَسِيرَتَهُ عَلَى أَتَمِّ الْحُسْنِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى غَيْرِهِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: فِيهِ مَعْنَى قَوْلِهِ " «بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ حُسْنَ الْأَخْلَاقِ» " فَجُعِلَ النُّقْصَانُ شَيْنًا كَمَا قَالَ أَبُو الطِّيبِ: وَلَمْ أَرَ فِي عُيُوبِ النَّاسِ عَيْبًا كَنَقْصِ الْقَادِرِينَ عَلَى التَّمَامِ وَعَلَى نَحْوِ هَذَا الْحَمْدِ حَمْدُ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ عَلَيْهِمَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النمل: ١٥] وَفِيهِ اسْتِحْبَابُ النَّظَرِ فِي الْمِرْآةِ، وَالْحَمْدُ عَلَى حُسْنِ الْخِلْقَةِ وَالْخُلُقِ، لَأَنَّهُمَا نِعْمَتَانِ) مَوْهُوبَتَانِ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى يَجِبُ الشُّكْرُ عَلَيْهِمَا اهـ. بَقِيَ أَنَّ مَعْرِفَةَ حُسْنِ الظَّاهِرِ مِنَ الْمِرْآةِ ظَاهِرَةٌ بِاعْتِبَارِ الْمَظَاهِرِ، فَمَا مَعْنَى ذِكْرِ الْخُلُقِ وَالسِّيرَةِ، فَإِنَّهُ أَمْرٌ بَاطِنٌ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ الظَّاهِرَ عُنْوَانُ الْبَاطِنِ، أَوْ أَنَّهُ مِنْ بَابِ الشَّيْءِ بِالشَّيْءِ يُذْكَرُ. فَإِنْ قُلْتَ: فَهَلْ لِغَيْرِهِ أَنْ يَقْتَدِيَ بِهِ وَيَقُولَ: هَذَا الْحَمْدُ أَوْ هَذَا مُخْتَصٌّ بِهِ ﵊، وَيَكُونُ لِغَيْرِهِ أَنْ يَدْعُوَ بِمَا سَيَأْتِي فِي الْحَدِيثِ الَّذِي يَلِيهِ؟ قُلْتُ: وَيَجُوزُ لِكُلِّ مُؤْمِنٍ أَنْ يَقُولَ ذَلِكَ الْقَوْلَ، لِأَنَّ الْإِنْسَانَ مِنْ حَيْثُ هُوَ خُلِقَ عَلَى أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ، وَصَاحِبُ الْإِيمَانِ لَا شَكَ أَنَّهُ عَلَى خُلُقٍ مُسْتَقِيمٍ وَدِينٍ قَوِيمٍ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ. (رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ مُرْسَلًا): وَكَذَا رَوَاهُ الْبَزَّارُ عَنْ أَنَسٍ مَرْفُوعًا وَلَفْظُهُ: " «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي سَوَّى خَلْقِي وَأَحْسَنَ صُورَتِي، وَزَانَ مِنِّي مَا شَانَ مِنْ غَيْرِي» ". وَفِي رِوَايَةٍ لِلطَّبَرَانِيِّ وَابْنِ السُّنِّيِّ، عَنْ أَنَسٍ أَيْضًا: " «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي سَوَّى خَلْقِي فَعَدَلَهُ، وَصُوَّرَ صُورَةَ وَجْهِي فَأَحْسَنَهَا وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ» ".
[ ٨ / ٣١٨٤ ]
٥٠٩٩ - وَعَنْ عَائِشَةَ - ﵂ - قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - يَقُولُ: " اللَّهُمَّ كَمَا حَسَّنْتَ خَلْقِي فَأَحْسِنْ خُلُقِي» . رَوَاهُ أَحْمَدُ.
_________________
(١) (وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - يَقُولُ) أَيْ: مُطْلَقًا أَوْ عِنْدَ نَظَرِهِ إِلَى الْمِرْآةِ عَلَى مَا صَرَّحَ بِهِ الْجَزَرِيُّ فِي الْحِصْنِ، وَهُوَ اللَّائِقُ لِلْحَدِيثِ السَّابِقِ. (اللَّهُمَّ كَمَا حَسَّنْتَ خَلْقِي فَأَحْسِنْ خُلُقِي): يُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ طَلَبَ الْكَمَالِ وَإِتْمَامَ النِّعْمَةِ عَلَيْهِ بِإِكْمَالِ دِينِهِ. قَالَ تَعَالَى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ [المائدة: ٣] وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى قَوْلِ عَائِشَةَ - ﵂ -: كَانَ خُلُقُهُ الْقُرْآنَ، وَأَنْ يَكُونَ قَدْ طَلَبَ الْمَزِيدَ وَالثَّبَاتَ عَلَى مَا كَانَ. قُلْتُ: طَلَبُ الثَّبَاتِ عَلَى مَا كَانَ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ ﷺ كَتَحْصِيلِ الْحَاصِلِ الَّذِي لَا يَرْضَى بِهِ الْكَامِلُ، فَالتَّحْقِيقُ أَنَّهُ لِطَلَبِ الْمَزِيدِ كَمَا يُفِيدُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤] وَقَدْ صَرَّحَ بَعْضُ الْعَارِفِينَ بِأَنَّ التَّرْقِيَاتِ الْبَاطِنِيَّةَ لَا تَتَنَاهَى حَتَّى فِي الْجَنَّةِ لِأَنَّهَا حَاصِلَةٌ مِنَ التَّجَلِّيَاتِ الْإِلَهِيَّةِ وَهِيَ لَا تُحْصَى، وَلَعَلَّ فِي قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦] إِيمَاءً إِلَى هَذِهِ الْإِفَادَةِ (رَوَاهُ أَحْمَدُ): وَكَذَا رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ عَنْ عَائِشَةَ وَابْنِ حِبَّانَ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَلَفْظُهُمَا: " «اللَّهُمَّ أَنْتَ حَسَّنْتَ خَلْقِي فَحَسِّنْ خُلُقِي» ". وَرَوَاهُ الْبَزَّارُ عَنْ عَائِشَةَ وَأَبِي هُرَيْرَةَ أَيْضًا بِلَفْظِ: " «اللَّهُمَّ كَمَا حَسَّنْتَ خَلْقِي فَأَحْسِنْ خُلُقِي وَحَرِّمْ وَجْهِي عَلَى النَّارِ» ".
[ ٨ / ٣١٨٤ ]
٥١٠٠ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: " «أَلَا أُنْبِئُكُمْ بِخِيَارِكُمْ؟ " قَالُوا: بَلَى قَالَ: " خِيَارُكُمْ أَطْوَلُكُمْ أَعْمَارًا، وَأَحْسَنُكُمْ أَخْلَاقًا» " رَوَاهُ أَحْمَدُ.
_________________
(١) (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " أَلَا أُنْبِئُكُمْ بِخِيَارِكُمْ؟ قَالُوا: بَلَى قَالَ: خِيَارُكُمْ أَطُولُكُمْ أَعْمَارًا) أَيْ: فِي الْكَمِّيَّةِ أَوِ الْكَيْفِيَّةِ (وَأَحْسَنُكُمْ أَخْلَاقًا) أَيْ: إِلَهِيَّةً وَإِنْسَانِيَّةً أَوْ عَبَّرَ عَنِ الْأَعْمَالِ بِالْأَخْلَاقِ لِأَنَّهَا مَنْبَعُهَا وَمَعْدِنُهَا وَلِأَنَّ مَدَارَهَا فِي الْحُسْنِ وَالْقُبْحِ عَلَيْهَا لِقَوْلِهِ ﵇ عَلَى مَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ، وَأَبُو نُعَيْمٍ فِي الْحِلْيَةِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُسْرٍ مَرْفُوعًا: " «طُوبَى لِمَنْ طَالَ عُمُرُهُ وَحَسُنَ عَمَلُهُ» ". قَالَ الطِّيبِيُّ: فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى «قَوْلِهِ - ﷺ - فِي جَوَابٍ مَنْ سَأَلَهُ أَيُّ النَّاسِ خَيْرٌ؟ قَالَ: " مَنْ طَالَ عُمْرُهُ وَحَسُنَ عَمَلُهُ» " فَقَوْلُهُ: وَأَحْسَنُكُمْ أَخْلَاقًا كَقَوْلِهِ: وَحَسُنَ عَمَلُهُ فِي إِرَادَةِ الْجَمْعِ بَيْنَ طُولِ الْعُمُرِ وَحُسْنِ الْخُلُقِ. (رَوَاهُ أَحْمَدُ) .
[ ٨ / ٣١٨٥ ]
٥١٠١ - وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَكْمَلُ الْمُؤْمِنِينَ إِيمَانًا أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا» ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالدَّارِمِيُّ.
_________________
(١) (وَعَنْهُ) أَيْ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " «أَكْمَلُ الْمُؤْمِنِينَ إِيمَانًا أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا» " رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالدَّارِمِيُّ): وَكَذَا أَحْمَدُ وَابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ وَزَادَ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ فِي رِوَايَةٍ: وَخِيَارُكُمْ خِيَارُكُمْ لِنِسَائِهِمْ.
[ ٨ / ٣١٨٥ ]
٥١٠٢ - وَعَنْهُ «أَنَّ رَجُلًا شَتَمَ أَبَا بَكْرٍ، وَالنَّبِيُّ - ﷺ - جَالِسٌ يَتَعَجَّبُ وَيَتَبَسَّمُ، فَلَمَّا أَكْثَرَ رَدَّ عَلَيْهِ بَعْضَ قَوْلِهِ، فَغَضِبَ النَّبِيُّ ﷺ، وَقَامَ فَلَحِقَهُ أَبُو بَكْرٍ، وَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَانَ يَشْتُمُنِي وَأَنْتَ جَالِسٌ، فَلَمَّا رَدَدْتُ عَلَيْهِ بَعْضَ قَوْلِهِ غَضِبْتَ وَقُمْتَ. قَالَ: كَانَ مَعَكَ مَلَكٌ يَرُدُّ عَلَيْهِ، فَلَمَّا رَدَدْتَ عَلَيْهِ وَقَعَ الشَّيْطَانُ ". ثُمَّ قَالَ: " يَا أَبَا بَكْرٍ! ثَلَاثٌ كُلُّهُنَّ حَقٌّ: مَا مِنْ عَبْدٍ ظُلِمَ بِمَظْلِمَةٍ فَيُغْضِي عَنْهَا لِلَّهِ ﷿ إِلَّا أَعَزَّ اللَّهُ بِهَا نَصْرَهُ، وَمَا فَتَحَ رَجُلٌ بَابَ عَطِيَّةٍ يُرِيدُ بِهَا صِلَةً إِلَّا زَادَ اللَّهُ بِهَا كَثْرَةً، وَمَا فَتَحَ رَجُلٌ بَابَ مَسْأَلَةٍ يُرِيدُ بِهَا كَثْرَةً إِلَّا زَادَ اللَّهُ بِهَا قِلَّةً» ". رَوَاهُ أَحْمَدُ.
_________________
(١) (وَعَنْهُ) أَيْ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (أَنَّ رَجُلًا شَتَمَ أَبَا بَكْرٍ، وَالنَّبِيُّ - ﷺ - جَالِسٌ): جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ (يَتَعَجَّبُ) أَيْ: مِنْ شَتْمِ الرَّجُلِ وَقِلَّةِ حَيَائِهِ، أَوْ مِنْ صَبْرِ أَبِي بَكْرٍ وَكَثْرَةِ وَفَائِهِ (وَيَتَبَسَّمُ): لِمَا يَرَى مِنَ الْفَرْقِ بَيْنَ الشَّخْصَيْنِ وَمَا يَتَرَتَّبُ عَلَى فِعْلِهِمَا مِنَ الْعُقُوبَةِ الْكَامِلَةِ وَالرَّحْمَةِ النَّازِلَةِ وَلِمَا ظَهَرَ لَهُ مِنْ مَظَاهِرِ الْجَلَالِ وَالْجَمَالِ عَلَى مَا هُوَ مَشْهُودُ أَهْلِ الْكَمَالِ (فَلَمَّا أَكْثَرَ) أَيِ: الرَّجُلُ فِي مَقَالِهِ (رَدَّ) أَيْ: أَجَابَ أَبُو بَكْرٍ (عَلَيْهِ) أَيْ: عَلَى الرَّجُلِ (بَعْضَ قَوْلِهِ): عَمَلًا بِالرُّخْصَةِ الْمُجَوِّزَةِ لِلْعَوَامِّ وَتَرْكًا لِلْعَزِيمَةِ الْمُنَاسِبَةِ لِمَرْتَبَةِ الْخَوَاصِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ﴾ [الشورى: ٣٩]، ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: ٤٠] وَقَالَ ﷿: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾ [النحل: ١٢٦] وَهُوَ - ﵁ - وَإِنْ كَانَ جَمَعَ بَيْنَ الِانْتِقَامِ عَنْ بَعْضِ حَقِّهِ وَبَيْنَ الصَّبْرِ عَنْ بَعْضِهِ، لَكِنَّ لَمَّا كَانَ الْمَطْلُوبُ مِنْهُ الْكَمَالَ الْمُنَاسِبَ لِمَرْتَبَتِهِ مِنَ الصِّدِّيقِيَّةِ مَا اسْتَحْسَنَهُ - ﷺ - وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ: (فَغَضِبَ النَّبِيُّ ﷺ) أَيْ: تَغَيَّرَ مِنْهُ تَغَيُّرَ الْغَضْبَانِ (وَقَامَ) أَيْ: مِنْ ذَلِكَ الْمَجْلِسِ وَخَلَّاهُمَا عَمَلًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ﴾ [القصص: ٥٥] (فَلَحِقَهُ أَبُو بَكْرٍ) أَيْ: مُعْتَذِرًا وَمُسْتَفْهِمًا (وَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! كَانَ) أَيِ: الرَّجُلُ (يَشْتُمُنِي): بِضَمِّ التَّاءِ وَالْكَسْرِ (وَأَنْتَ جَالِسٌ، فَلَمَّا رَدَدْتُ عَلَيْهِ بَعْضَ قَوْلِهِ) أَيْ: مِنَ الشَّتْمِ بِعَيْنِهِ أَوْ بِمَا يُنَاسِبُهُ (غَضِبْتَ وَقُمْتَ): يَعْنِي فَمَا الْحِكْمَةُ فِي ذَلِكَ؟ (قَالَ: كَانَ مَعَكَ مَلَكٌ يَرُدُّ عَلَيْهِ) أَيْ: وَيَدُلُّكَ عَلَى الصَّبْرِ (فَلَمَّا رَدَدْتَ عَلَيْهِ) أَيْ: بِذَاتِكَ وَدَخَلَ فِيهِ حَظُّ النَّفْسِ (وَقَعَ الشَّيْطَانُ) أَيْ: وَطَلَعَ الْمَلَكُ، وَالشَّيْطَانُ إِنَّمَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ فَخِفْتُ عَلَيْكَ أَنْ تَتَعَدَّى عَلَى خَصْمِكَ وَتَرْجِعَ ظَالِمًا بَعْدَ أَنْ كُنْتَ مَظْلُومًا، وَقَدْ رُوِيَ: كُنْ عَبْدَ اللَّهِ الْمَظْلُومَ وَلَا تَكُنْ عَبْدَ اللَّهِ الظَّالِمَ، وَفِي رِوَايَةٍ: كُنْ خَيْرَ ابْنَيْ آدَمَ، قَالَ تَعَالَى حِكَايَةً عَنْ هَابِيلَ جَوَابًا لِقَابِيلَ: ﴿لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ﴾ [المائدة: ٢٨] مَعَ أَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ قَتْلُهُ دَفْعًا عَنْ نَفْسِهِ، وَكَانَ أَقْوَى مِنْهُ لَكِنِ اخْتَارَ الطَّرِيقَ الْأَكْمَلَ لِيَكُونَ مِنْ
[ ٨ / ٣١٨٥ ]
الْفَرِيقِ الْكَمَلِ. (ثُمَّ قَالَ: يَا أَبَا بَكْرٍ! ثَلَاثٌ) أَيْ: خِصَالٌ (كُلُّهُنَّ حَقٌّ) أَيْ: ثَابِتٌ وَصِدْقٌ (مَا مِنْ عَبْدٍ ظُلِمَ): بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ (بِمَظْلِمَةٍ): بِكَسْرِ اللَّامِ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَقِيلَ بِفَتْحِهَا أَيْضًا، وَأَنْكَرَهُ بَعْضٌ. وَحَكَى الْفَرَّاءُ بِالضَّمِّ أَيْضًا. وَفِي الْمُغْرِبِ: الْمَظْلِمَةُ الظُّلْمُ وَاسْمُ الْمَأْخُوذُ، وَفِي الْقَامُوسِ: الظُّلْمُ وَضْعُ الشَّيْءِ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ، وَالْمَظْلِمَةِ بِكَسْرِ اللَّامِ مَا يَظْلِمُهُ الرَّجُلُ. (فَيُغْضِي): مِنَ الْإِغْضَاءِ بِالْغَيْنِ وَالضَّادِ الْمُعْجَمَتَيْنِ، وَهُوَ إِدْنَاءُ الْجُفُونِ بِمَعْنَى الْإِغْمَاضِ، وَالْمُرَادُ مِنْهُ هُنَا الْإِعْرَاضُ، وَفِي نُسْخَةٍ فَيُعْفَى بِالْعَيْنِ الْمُهْمِلَةِ مِنَ الْإِعْفَاءِ وَهُوَ لُغَةٌ فِي الْعَفْوِ وَالْمَعْنَى فَيُسَامِحُ (عَنْهَا) أَيْ: عَنْ تِلْكَ الْمَظْلِمَةِ وَيَتْرُكُ جَوَاهَا أَوِ الْمُطَالَبَةَ بِهَا فِي الدُّنْيَا أَوْ مُطْلَقًا (لِلَّهِ ﷿) أَيْ: لَا لِفَخْرٍ وَلَا سُمْعَةٍ وَرِيَاءٍ (إِلَّا أَعَزَّ اللَّهُ بِهَا) أَيْ: بِمُقَابَلَةِ تِلْكَ الْمَظْلِمَةِ وَالْإِهَانَةِ أَوْ بِسَبَبِ تِلْكَ الْخَصْلَةِ الْمُعَانَةِ (نُصْرَةً) أَيْ: إِعَانَتَهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ (وَمَا فَتَحَ رَجُلٌ بَابَ عَطِيَّةٍ) أَيْ: صَدَقَةٍ (يُرِيدُ بِهَا صِلَةً) أَيْ: صِلَةً لِلرَّحِمِ وَالْقَرَابَةِ أَوْ وَصْلَةً لِلْقُرْبَةِ وَفِي رِوَايَةٍ (بَابَ عَطِيَّةٍ) بِصَدَقَةٍ أَوْ صِلَةٍ (إِلَّا زَادَ اللَّهُ بِهَا كَثْرَةً) أَيْ: بَرَكَةً صُورِيَّةً وَمَعْنَوِيَّةً (وَمَا فَتَحَ رَجُلٌ بَابَ مَسْأَلَةٍ) أَيْ: سُؤَالٍ مِنْ مَخْلُوقٍ (يُرِيدُ بِهَا كَثْرَةً) أَيْ: لَا دَفْعَ حَاجَةٍ ضَرُورِيَّةٍ تُلْجِئُهُ (إِلَّا زَادَ اللَّهُ بِهَا قِلَّةً) أَيْ: حِسِّيَّةً أَوْ حَقِيقِيَّةً، وَفِي رِوَايَةٍ (إِلَّا زَادَهُ اللَّهُ تَعَالَى) فِي الْمَوْضِعَيْنِ (رَوَاهُ أَحْمَدُ): وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا فِي ذَمِّ الْغَضَبِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وَلَفْظُهُ: («ثَلَاثٌ أُقْسِمُ عَلَيْهِنَّ مَا نَقَصَ مَالٌ قَطُّ مِنْ صَدَقَةٍ فَتَصَدَّقُوا، وَلَا عَفَا رَجُلٌ عَنْ مَظْلِمَةٍ ظُلِمَهَا إِلَّا زَادَهُ اللَّهُ بِهَا عَزًّا فَاعْفُوا يَزِدْكُمُ اللَّهُ عِزًّا، وَلَا فَتَحَ رَجُلٌ عَلَى نَفْسِهِ بَابَ مَسْأَلَةٍ يَسْأَلُ النَّاسَ إِلَّا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ بَابَ فَقْرٍ»، وَرَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ عَنْ أَبِي كَبْشَةَ الْأَنْمَارِيِّ وَلَفْظُهُ: «ثَلَاثٌ أُقْسِمُ عَلَيْهِنَّ: مَا نَقَصَ مَالُ عَبْدٍ مِنْ صَدَقَةٍ، وَلَا ظُلِمَ عَبْدٌ مَظْلِمَةً صَبَرَ عَلَيْهَا إِلَّا زَادَهُ اللَّهُ ﷿ عِزًّا، وَلَا فَتْحَ عَبْدٌ بَابَ مَسْأَلَةٍ إِلَّا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ بَابَ فَقْرٍ، وَأُحَدِّثُكُمْ حَدِيثًا فَاحْفَظُوهُ، إِنَّمَا الدُّنْيَا لِأَرْبَعَةِ نَفَرٍ: عَبْدٌ رَزَقَهُ اللَّهُ مَالًا وَعِلْمًا فَهُوَ يَتَّقِي فِيهِ رَبَّهُ وَيَصِلُ فِيهِ رَحِمَهُ وَيَعْلَمُ لِلَّهَ فِيهِ حَقًّا، فَهَذَا بِأَفْضَلِ الْمَنَازِلِ، وَعَبْدٌ رَزَقَهُ اللَّهُ عِلْمًا وَلَمْ يَرْزُقْهُ مَالًا فَهُوَ صَادِقُ النِّيَّةِ يَقُولُ: لَوْ أَنَّ لِي مَالًا لَعَمِلْتُ بِعَمَلِ فُلَانٍ، فَهُوَ بِنِيَّتِهِ فَأَجْرُهُمَا سَوَاءٌ، وَعَبْدٌ رَزَقَهُ اللَّهُ مَالًا وَلَمْ يَرْزُقْهُ عِلْمًا يَخْبِطُ فِي مَالِهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ لَا يَتَّقِي فِيهِ رَبَّهُ، وَلَا يَصِلُ فِيهِ رَحِمَهُ، وَلَا يَعْلَمُ لِلَّهِ فِيهِ حَقًّا. فَهَذَا بِأَخْبَثِ الْمَنَازِلِ، وَعَبْدٌ لَمْ يَرْزُقْهُ اللَّهُ مَالًا وَلَا عِلْمًا، فَهُوَ يَقُولُ: لَوْ أَنَّ لِي مَالًا لَعَمِلْتُ فِيهِ بِعَمَلِ فُلَانٍ، فَهُوَ بِنِيَّتِهِ فَوِزْرُهُمَا سَوَاءٌ» .
[ ٨ / ٣١٨٦ ]
٥١٠٣ - وَعَنْ عَائِشَةَ - ﵂ - قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " «لَا يُرِيدُ اللَّهُ بِأَهْلِ بَيْتٍ رِفْقًا إِلَّا نَفَعَهُمْ، وَلَا يَحْرِمُهُمْ إِيَّاهُ إِلَّا ضَرَّهُمْ» " رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي " شُعَبِ الْإِيمَانِ ".
_________________
(١) (وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: لَا يُرِيدُ اللَّهُ بِأَهْلِ بَيْتٍ رِفْقًا إِلَّا نَفَعَهُمْ) أَيِ: اللَّهُ بِهِ (وَلَا يَحْرِمُهُمْ): بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَقِيلَ بِضَمِّهِ أَيْ: وَلَا يَمْنَعُ أَهْلَ بَيْتٍ (إِيَّاهُ) أَيِ: الرِّفْقَ (إِلَّا ضَرَّهُمْ) أَيْ: أَضَرَّهُمُ اللَّهُ بِهِ. (رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ) .
[ ٨ / ٣١٨٦ ]