الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
٤٩٤٧ - عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - " «لَا يَرْحَمُ اللَّهُ مَنْ لَا يَرْحَمُ النَّاسَ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
_________________
(١) بَابُ الشَّفَقَةِ وَالرَّحْمَةِ عَلَى الْخَلْقِ الشَّفَقَةُ: الِاسْمُ مِنَ الْإِشْفَاقِ، وَهُوَ الْخَوْفُ، وَالشَّفَقَةُ عِنَايَةٌ مُخْتَلِطَةٌ بِخَوْفٍ ; لِأَنَّ الْمُشْفِقَ يُحِبُّ الْمُشْفَقَ عَلَيْهِ، وَيَخَافُ مَا يَلْحَقُهُ مِنَ الْمَشَقَّةِ الدُّنْيَوِيَّةِ وَالْأُخْرَوِيَّةِ، وَفِي الْقَامُوسِ: أَشْفَقَ أَيْ حَاذَرَ. الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
(٢) (عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ) أَيِ: الْبَجَلِيُّ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - «لَا يَرْحَمُ اللَّهُ مَنْ لَا يَرْحَمُ النَّاسَ») أَيْ: مَنْ لَا يَتَعَطَّفُ عَلَيْهِمْ وَلَا يَرْأَفُ بِهِمْ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ إِخْبَارٌ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ دُعَاءً، وَالْمَعْنَى: أَنَّهُ لَا يَكُونُ مِنَ الْفَائِزِينَ بِالرَّحْمَةِ الْكَامِلَةِ، وَالسَّابِقِينَ إِلَى دَارِ الرَّحْمَةِ، وَإِلَّا فَرَحْمَتُهُ وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ. قَالَ الطِّيبِيُّ: الرَّحْمَةُ الثَّانِيَةُ مَحْمُولَةٌ عَلَى الْحَقِيقَةِ، وَالْأَوْلَى عَلَى الْمَجَازِ ; لِأَنَّ الرَّحْمَةَ مِنَ الْخَلْقِ التَّعَطُّفُ وَالرِّقَّةُ، وَهُوَ لَا يَجُوزُ عَلَى اللَّهِ، وَالرَّحْمَةُ مِنَ اللَّهِ الرِّضَا عَمَّنْ رَحِمَهُ ; لِأَنَّ مَنْ رَقَّ لَهُ الْقَلْبُ فَقَدْ رَضِيَ عَنْهُ، أَوِ الْإِنْعَامُ وَإِرَادَةُ الْخَيْرِ ; لِأَنَّ الْمَلِكَ إِذَا عَطَفَ عَلَى رَعِيَّتِهِ رَقَّ لَهُمْ وَأَصَابَهُمْ بِمَعْرُوفِهِ وَإِنْعَامِهِ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) وَرَوَاهُ أَحْمَدُ وَالشَّيْخَانِ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَالشَّيْخَانِ عَنْ جَرِيرٍ أَيْضًا بِلَفْظِ: " «مَنْ لَا يَرْحَمْ لَا يُرْحَمْ» ". وَفِي رِوَايَةٍ لِأَحْمَدَ وَالشَّيْخَيْنِ وَالتِّرْمِذِيِّ عَنْ جَرِيرٍ، وَلِأَحْمَدَ وَالتِّرْمِذِيِّ أَيْضًا عَنْ أَبِي سَعِيدٍ بِلَفْظِ: " «مَنْ لَا يَرْحَمِ النَّاسَ لَا يَرْحَمْهُ اللَّهُ» "، وَفِي رِوَايَةٍ لِلطَّبَرَانِيِّ، عَنْ جَرِيرٍ: " «مَنْ لَا يَرْحَمْ مَنْ فِي الْأَرْضِ لَا يَرْحَمْهُ مَنْ فِي السَّمَاءِ» "، وَفِي أُخْرَى لَهُ عَنْهُ أَيْضًا: " «مَنْ لَا يَرْحَمْ لَا يُرْحَمْ، وَمَنْ لَا يَغْفِرُ لَا يُغْفَرُ لَهُ، وَمَنْ لَا يَتُبْ لَا يُتَبْ عَلَيْهِ» " كَذَا فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ، وَلَمْ يُذْكَرْ فِيهِ لَفْظُ الْمِشْكَاةِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
[ ٧ / ٣٠٩٩ ]
٤٩٤٨ - وَعَنْ عَائِشَةَ - ﵂ - قَالَتْ: «جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ - فَقَالَ: أَتُقَبِّلُونَ الصِّبْيَانَ؟ فَمَا نُقَبِّلُهُمْ، فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ - " أَوَأَمْلِكُ لَكَ أَنْ نَزَعَ اللَّهُ مِنْ قَلْبِكَ الرَّحْمَةَ؟» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
_________________
(١) (وَعَنْ عَائِشَةَ - ﵂ - قَالَتْ: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ) وَفِي نُسْخَةٍ إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ - (فَقَالَ: أَتُقَبِّلُونَ الصِّبْيَانَ؟) أَيِ: الصِّغَارُ وَالْهَمْزَةُ لِلْإِنْكَارِ (فَمَا نُقَبِّلُهُمْ) أَيْ: إِنْ كُنْتُمْ تُقَبِّلُونَهُمْ فَمَا نُقَبِّلُهُمْ، وَهُوَ إِمَّا لِلِاسْتِكْبَارِ أَوْ لِلِاسْتِحْقَارِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: الْفَاءُ اسْتِبْعَادِيَّةٌ أَيْ: أَتَفْعُلُونَ ذَلِكَ، وَهُوَ مُسْتَبْعَدٌ عِنْدَنَا؟ قُلْتُ: الظَّاهِرُ أَنَّ الِاسْتِبْعَادَ مَفْهُومٌ مِنَ الِاسْتِفْهَامِ لَا مِنَ الْفَاءِ ; لِأَنَّهُ غَيْرُ مَعْرُوفٍ فِي مَعَانِيهَا. (فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ - أَوَأَمْلِكُ لَكَ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ الِاسْتِفْهَامِيَّةِ الْإِنْكَارِيَّةِ وَوَاوِ الْعَاطِفَةِ أَوِ الرَّابِطَةِ (أَنْ نَزَعَ اللَّهُ مِنْ قَلْبِكَ الرَّحْمَةَ) بِفَتْحِ هَمْزَةِ (أَنْ) فَأَنْ مَعَ الْفِعْلِ مَصْدَرٌ وَقَعَ مَوْقِعَ الظَّرْفِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِكَسْرِهَا، فَإِنْ شَرْطِيَّةٌ دَلَّ عَلَى جَزَائِهَا مَا قَبْلَهَا. قَالَ الْأَشْرَفُ: يُرْوَى (أَنْ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ فَهِيَ مَصْدَرِيَّةٌ، وَيُقَدَّرُ مُضَافٌ أَيْ: لَا أَمْلِكُ لَكَ دَفْعَ نَزْعِ اللَّهِ مِنْ قَلْبِكَ الرَّحْمَةَ، أَوْ لَا أَمْلِكُ لَكَ أَنْ أَضَعَ فِي قَلْبِكَ مَا نَزَعَهُ اللَّهُ مِنْهُ مِنَ الرَّحْمَةِ، وَيُرْوَى بِكَسْرِهَا، فَتَكُونُ شَرْطِيَّةً وَالْجَزَاءُ مَحْذُوفٌ مِنْ جِنْسِ مَا قَبْلَهُ أَيْ: إِنْ نَزَعَ اللَّهُ مِنْ قَلْبِكَ الرَّحْمَةَ لَا أَمْلِكُ لَكَ دَفْعَهُ وَمَنْعَهُ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
[ ٧ / ٣١٠٠ ]
٤٩٤٩ - وَعَنْهَا، قَالَتْ: «جَاءَتْنِي امْرَأَةٌ وَمَعَهَا ابْنَتَانِ لَهَا تَسْأَلُنِي، فَلَمْ تَجِدْ عِنْدِي غَيْرَ تَمْرَةٍ وَاحِدَةٍ، فَأَعْطَيْتُهَا إِيَّاهَا، فَقَسَمَتْهَا بَيْنَ ابْنَتَيْهَا، وَلَمْ تَأْكُلْ مِنْهَا، ثُمَّ قَامَتْ فَخَرَجَتْ، فَدَخَلَ النَّبِيُّ - ﷺ - فَحَدَّثْتُهُ، فَقَالَ: " مَنِ ابْتُلِيَ مِنْ هَذِهِ الْبَنَاتِ بِشَيْءٍ فَأَحْسَنَ إِلَيْهِنَّ كُنَّ لَهُ سِتْرًا مِنَ النَّارِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
_________________
(١) (وَعَنْهَا) أَيْ: عَنْ عَائِشَةَ - ﵂ - (قَالَتْ: جَاءَتْنِي امْرَأَةٌ وَمَعَهَا ابْنَتَانِ لَهَا تَسْأَلُنِي)، أَيْ: عَطِيَّةً (فَلَمْ تَجِدْ عِنْدِي غَيْرَ تَمْرَةٍ وَاحِدَةٍ، فَأَعْطَيْتُهَا إِيَّاهَا)، أَيِ: التَّمْرَةَ وَلَمْ تَسْتَحْقِرْهَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧]، وَلِقَوْلِهِ ﵇: " «اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ» " (فَقَسَمَتْهَا بَيْنَ ابْنَتَيْهَا، وَلَمْ تَأْكُلْ مِنْهَا)، أَيْ: مَعَ جُوعِهَا إِذْ يُسْتَبْعَدُ أَنْ تَكُونَ شَبْعَانَةً مَعَ جُوعِ ابْنَتَيْهَا (ثُمَّ قَامَتْ فَخَرَجَتْ، فَدَخَلَ النَّبِيُّ - ﷺ - فَحَدَّثْتُهُ)، أَيْ: بِمَا جَرَى (فَقَالَ: مَنِ ابْتُلِيَ): بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيِ: امْتُحِنَ ; لِأَنَّ النَّاسَ يَكْرَهُونَهُنَّ غَالِبًا (مِنْ هَذِهِ الْبَنَاتِ بِشَيْءٍ)، مُتَعَلِّقٌ بِـ (ابْتُلِيَ) وَ(مِنْ) بَيَانِيَّةٌ مَعَ مَجْرُورِهَا حَالٌ مِنْ (شَيْءٍ)، وَالْإِشَارَةُ إِلَى الْجِنْسِ. وَقَالَ شَارِحٌ لِلْمَصَابِيحِ قَوْلُهُ: مَنْ بَلِيَ مِنَ الْإِبْلَاءِ مِنْ هَذِهِ الْبَنَاتِ شَيْئًا، أَيْ: بِشَيْءٍ، وَفِي كِتَابِ مُسْلِمٍ: مَنِ ابْتُلِيَ مِنْ هَذِهِ الْبَنَاتِ بِشَيْءٍ وَهُوَ الصَّوَابُ، وَرَوَى لَفْظَ الْمَصَابِيحِ: يَلِيَ مِنَ الْوَلَايَةِ لِمَكَانٍ شَيْئًا وَلَيْسَ بِشَيْءٍ. وَقَالَ التُّورِبِشْتِيُّ قَوْلُهُ: مَنِ ابْتُلِيَ مِنْ هَذِهِ الْبَنَاتِ بِشَيْءٍ، هَذِهِ الرِّوَايَةُ هِيَ الصَّوَابُ، وَالرِّوَايَةُ الَّتِي اخْتَارَهَا صَاحِبُ الْمَصَابِيحِ يَتَخَبَّطُ النَّاسُ فِيهَا ; لِمَكَانِ قَوْلِهِ شَيْئًا، وَرَوَى يَلِي بِالْيَاءِ مِنَ الْوِلَايَةِ، وَلَيْسَ بِشَيْءٍ، وَالصَّوَابُ فِيهِ مَنْ بَلِيَ مِنْ هَذِهِ الْبَنَاتِ بِشَيْءٍ. اهـ. وَحَاصِلُ كَلَامِهِ أَنَّ الرِّوَايَةَ الثَّانِيَةَ إِمَّا ابْتُلِيَ كَمَا فِي الْمِشْكَاةِ، وَإِمَّا بَلِيَ كَمَا فِي الْمَصَابِيحِ، وَإِنَّ الصَّوَابَ فِيهِمَا بِشَيْءٍ، وَإِنَّ (شَيْئًا) بِالنَّصْبِ خَطَأٌ، وَكَذَا يَلِي مِنَ الْوِلَايَةِ، بَلْ هُوَ تَصْحِيفٌ وَتَحْرِيفٌ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَالَ الطِّيبِيُّ: الرِّوَايَةُ فِي الْبُخَارِيِّ وَالْحُمَيْدِيِّ وَالْبَيْهَقِيِّ وَشَرْحِ السُّنَّةِ: مَنِ ابْتُلِيَ مِنْ هَذِهِ الْبَنَاتِ بِشَيْءٍ وَلَمْ نَقِفْ عَلَى مَا فِي الْمَصَابِيحِ، وَهُوَ: مَنْ يَلِيَ مِنْ هَذِهِ الْبَنَاتِ شَيْئًا فِي الْأُصُولِ. اهـ. (فَأَحْسَنَ إِلَيْهِنَّ) قِيلَ: بِتَزْوِيجِهِنَّ الْأَكْفَاءَ، وَالْأَحْسَنُ أَنْ يَعُمَّ الْإِحْسَانُ (كُنَّ لَهُ) أَيْ: لِلْمُبْتَلَى (سِتَرًا) بِكَسْرِ أَوَّلِهِ أَيْ: حِجَابًا دَافِعًا (مِنَ النَّارِ) أَيْ: دُخُولُهَا، وَلَعَلَّ وَجْهَ تَخْصِيصِهِنَّ أَنَّ احْتِيَاجَهُنَّ إِلَى الْإِحْسَانِ يَكُونُ أَكْثَرَ مِنَ الصِّبْيَانِ، فَمَنْ سَتَرَهُنَّ بِالْإِحْسَانِ عَنْ لُحُوقِ الْعَارِ يُجَازَى بِالسَّتْرِ عَنِ النَّارِ جَزَاءً وِفَاقًا، وَاخْتُلِفَ فِي الْمُرَادِ بِالِابْتِلَاءِ هَلْ هُوَ نَفْسُ وُجُودِهِنَّ، أَوِ الِابْتِلَاءُ بِمَا صَدَرَ مِنْهِنَّ، أَوِ الْإِنْفَاقُ عَلَيْهِنَّ؟ وَكَذَا اخْتُلِفَ فِي الْمُرَادِ بِالْإِحْسَانِ هَلْ يَقْتَصِرُ عَلَى قَدْرِ الْوَاجِبِ، أَوْ مَا زَادَ عَلَيْهِ؟ وَالظَّاهِرُ الثَّانِي، ثُمَّ شَرْطُ الْإِحْسَانِ أَنْ يُوَافِقَ الشَّرْعَ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الثَّوَابَ الْمَذْكُورَ إِنَّمَا يَحْصُلُ لِفَاعِلِهِ إِذَا اسْتَمَرَّ عَلَيْهِ إِلَى أَنْ يَحْصُلَ اسْتِغْنَاؤُهُنَّ عَنْهُ بِزَوْجٍ أَوْ غَيْرِهِ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) وَرَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ بِلَفْظِ الْمِشْكَاةِ عَلَى مَا فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ.
[ ٧ / ٣١٠٠ ]
٤٩٥٠ - وَعَنْ أَنَسٍ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - («مَنْ عَالَ جَارِيَتَيْنِ حَتَّى تَبْلُغَا جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَنَا وَهُوَ هَكَذَا، وَضَمَّ أَصَابِعَهُ») . رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
_________________
(١) (وَعَنْ أَنَسٍ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - مَنْ عَالَ جَارِيَتَيْنِ) أَيْ: أَنْفَقَ عَلَيْهِمَا وَقَامَ بِمُؤْنَتِهِمَا (حَتَّى تَبْلُغَا) أَيْ: تُدْرِكَا الْبُلُوغَ أَوْ تَصِلَا إِلَى زَوْجِهِمَا (جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَنَا وَهُوَ كَذَلِكَ) جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ بِغَيْرِ وَاوٍ أَيْ: جَاءَ مُصَاحِبًا لِي (وَضَمَّ أَصَابِعَهُ) أَيْ: أُصْبُعَيْهِ (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) . وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ بِلَفْظِ: " «مَنْ عَالَ جَارِيَتَيْنِ حَتَّى تُدْرِكَا دَخَلْتُ أَنَا وَهُوَ الْجَنَّةَ كَهَاتَيْنِ» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ عَنْ أَنَسٍ، وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ وَلَفْظُهُ: " «مَنْ عَالَ ثَلَاثَ بَنَاتٍ فَأَدَّبَهُنَّ وَزَوَّجَهُنَّ وَأَحْسَنَ إِلَيْهِنَّ فَلَهُ الْجَنَّةُ» ".
[ ٧ / ٣١٠١ ]
٤٩٥١ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - " «السَّاعِي عَلَى الْأَرْمَلَةِ وَالْمِسْكِينِ كَالسَّاعِي فِي سَبِيلِ اللَّهِ ". وَأَحْسَبُهُ قَالَ: " كَالْقَائِمِ لَا يَفْتُرُ وَكَالصَّائِمِ لَا يُفْطِرُ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
_________________
(١) (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - السَّاعِي عَلَى الْأَرْمَلَةِ) بِفَتْحِ الْمِيمِ الَّتِي لَا زَوْجَ لَهَا. قِيلَ: سَوَاءٌ كَانَتْ غَنِيَّةً أَوْ فَقِيرَةً، وَفِيهِ بُعْدٌ، وَإِنْ كَانَ ظَاهِرُ إِطْلَاقِ الْحَدِيثِ يَعُمُّهُمَا (وَالْمِسْكِينِ) وَفِي مَعْنَاهُ: الْفَقِيرُ، بَلْ بِالْأَوْلَى عِنْدَ بَعْضِهِمْ (كَالسَّاعِي فِي سَبِيلِ اللَّهِ) أَيْ: ثَوَابُ الْقَائِمِ بِأَمْرِهِمَا وَإِصْلَاحِ شَأْنِهِمَا وَالْإِنْفَاقِ عَلَيْهِمَا، كَثَوَابِ الْغَازِي فِي جِهَادِهِ، فَإِنَّ الْمَالَ شَقِيقُ الرُّوحِ، وَفِي بَذْلِهِ مُخَالَفَةُ النَّفْسِ وَمُطَالَبَةُ رِضَا الرَّبِّ. قَالَ النَّوَوِيُّ: الْمُرَادُ بِالسَّاعِي الْكَاسِبُ لَهُمَا الْعَامِلُ لِمُؤْنَتِهِمَا، وَالْأَرْمَلَةُ مَنْ لَا زَوْجَ لَهَا، سَوَاءٌ تَزَوَّجَتْ قَبْلَ ذَلِكَ أَمْ لَا، وَقِيلَ: الَّتِي فَارَقَهَا زَوْجُهَا. قَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: سُمِّيَتْ أَرْمَلَةً لِمَا يَحْصُلُ لَهَا مِنَ الْإِرْمَالِ، وَهُوَ الْفَقْرُ وَذَهَابُ الزَّادِ بِفَقْدِ الزَّوْجِ. يُقَالُ: أَرْمَلَ الرَّجُلُ: إِذَا فَنِيَ زَادُهُ، قُلْتُ: وَهَذَا مَأْخَذٌ لَطِيفٌ فِي إِخْرَاجِ الْغَنِيَّةِ مِنْ عُمُومِ الْأَرْمَلَةِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: وَإِنَّمَا كَانَ مَعْنَى السَّاعِي عَلَى الْأَرْمَلَةِ مَا قَالَهُ النَّوَوِيُّ ; لِأَنَّهُ - ﷺ - عَدَّاهُ بِـ (عَلَى) مُضَمِّنًا فِيهِ مَعْنَى الْإِنْفَاقِ. (وَأَحْسِبُهُ) بِكَسْرِ السِّينِ وَفَتْحِهَا أَيْ: أَظُنُّهُ (قَالَ: كَالْقَائِمِ) قِيلَ: قَائِلُهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَمَةَ الْقَعْنَبِيُّ شَيْخُ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ الرَّاوِي عَنْ مَالِكٍ، كَمَا صُرِّحَ بِهِ فِي الْبُخَارِيِّ، وَمَعْنَاهُ أَظُنُّ أَنَّ مَالِكًا قَالَ: كَالْقَائِمِ، وَظَاهِرُ الْمِشْكَاةِ أَنَّ قَائِلَهُ أَبُو هُرَيْرَةَ، فَالتَّقْدِيرُ أَحْسَبُ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ أَيْضًا: كَالْقَائِمِ، أَوْ وَقَعَ لَهُ الشَّكُّ فِي التَّشْبِيهِ الْأَوَّلِ وَالثَّانِي، وَيُؤَيِّدُهُ مَا فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ بِرِوَايَةِ أَحْمَدَ وَالشَّيْخَيْنِ وَالتِّرْمِذِيِّ وَالنَّسَائِيِّ وَابْنِ مَاجَهْ بِلَفْظِ: «السَّاعِي عَلَى الْأَرْمَلَةِ وَالْمِسْكِينِ كَالْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ الْقَائِمِ اللَّيْلِ الصَّائِمِ النَّهَارِ، عَلَى أَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ» " أَوْ " بِمَعْنَى " بَلْ " وَاللَّهُ أَعْلَمُ، فَقَوْلُهُ: كَالْقَائِمِ أَيْ بِاللَّيْلِ لِلْعِبَادَةِ (لَا يَفْتُرُ)، مِنَ الْفُتُورِ وَهُوَ الْمَلَلُ وَالْكَسَلُ، وَهُوَ مِنْ بَابِ نَصَرَ كَمَا فِي الْمَفَاتِيحِ، وَمِنْ بَابِ ضَرَبَ أَيْضًا عَلَى مَا فِي الْقَامُوسِ، وَأَكْثَرُ النُّسَخِ عَلَى الْأَوَّلِ فَهُوَ الْمُعَوَّلُ، وَالْمَعْنَى: لَا يَضْعُفُ عَنِ الْعِبَادَةِ (وَكَالصَّائِمِ لَا يُفْطِرُ) أَيْ: فِي نَهَارِهِ، بَلْ يَصُومُ الدَّهْرَ كُلَّهُ قَالَ الْأَشْرَفُ: الْأَلِفُ وَاللَّامُ فِي كَالْقَائِمِ وَالصَّائِمِ غَيْرُ مُعَرِّفَيْنِ، وَلِذَلِكَ وُصِفَ كُلُّ وَاحِدٍ بِجُمْلَةٍ فِعْلِيَّةٍ بَعْدَهُ كَقَوْلِ الشَّاعِرِ: وَلَقَدْ أَمُرُّ عَلَى اللَّئِيمِ يَسُبُّنِي وَقَالَ الطِّيبِيُّ: هُمَا عِبَارَتَانِ عَنِ الصَّوْمِ بِالنَّهَارِ وَالْقِيَامِ بِاللَّيْلِ، كَقَوْلِهِمْ: نَهَارُهُ صَائِمٌ وَلَيْلُهُ قَائِمٌ، يُرِيدُونَ الدَّيْمُومَةَ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) . وَتَقَدَّمَ رِوَايَةُ غَيْرِهِمَا.
[ ٧ / ٣١٠١ ]
٤٩٥٢ - وَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - " «أَنَا وَكَافِلُ الْيَتِيمِ لَهُ وَلِغَيْرِهِ، فِي الْجَنَّةِ هَكَذَا " وَأَشَارَ بِالسَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى وَفَرَّجَ بَيْنَهُمَا شَيْئًا» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
_________________
(١) (وَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ) أَيِ: السَّاعِدِيِّ - ﵁ - (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - أَنَا وَكَافِلُ الْيَتِيمِ) أَيِ: الَّذِي مَاتَ أَبُوهُ وَهُوَ صَغِيرٌ يَسْتَوِي فِيهِ الْمُذَكَّرُ وَالْمُؤَنَّثُ أَيْ: مُرَبِّيهِ (لَهُ)، أَيْ: كَائِنًا لِذَلِكَ الْكَافِلِ كَوَلَدِ وَلَدِهِ، وَإِنْ أَسْفَلَ، أَوِ ابْنِ أَخِيهِ وَنَحْوِهِ (وَلِغَيْرِهِ)، الْوَاوُ بِمَعْنَى: " أَوْ " أَيْ أَوْ كَائِنًا لِغَيْرِهِ فَيَكُونُ أَجْنَبِيًّا مِنْهُ (فِي الْجَنَّةِ) خَبَرُ أَنَا وَمَعْطُوفَةٌ (هَكَذَا) إِشَارَةٌ إِلَى كَمَالِ الْقُرْبِ (وَأَشَارَ بِالسَّبَّابَةِ) أَيِ: الْمُسَبِّحَةُ (وَالْوُسْطَى وَفَرَّجَ) بِالتَّشْدِيدِ أَيْ: فَرَّقَ (بَيْنَهُمَا شَيْئًا) أَيْ: قَلِيلًا لِعَدَمِ تَصَوُّرِ الْكَثِيرِ، وَكَأَنَّهُ أَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى عُلُوِّ مَرْتَبَةِ النُّبُوَّةِ وَإِنْ تَلَاهَا رُتْبَةُ الْفُتُوَّةِ وَالْمُرُوَّةِ، هَذَا وَفِي النِّهَايَةِ: الْكَافِلُ هُوَ الْقَائِمُ بِأَمْرِ الْيَتِيمِ الْمُرَبِّي لَهُ، وَهُوَ مِنَ الْكَفِيلِ بِمَعْنَى: الضَّمِينِ، وَالضَّمِيرُ فِي لَهُ وَلِغَيْرِهِ رَاجِعٌ إِلَى الْكَافِلِ أَيْ: أَنَّ الْيَتِيمَ سَوَاءٌ كَانَ لِلْكَافِلِ مِنْ ذَوِي رَحِمِهِ وَأَنْسَابِهِ، أَوْ كَانَ أَجْنَبِيًّا لِغَيْرِهِ وَتَكَفَّلَ بِهِ. قَالَ الطِّيبِيُّ قَوْلُهُ: (فِي الْجَنَّةِ) خَبَرُ (أَنَا) وَهَكَذَا نُصِبَ عَلَى الْمَصْدَرِ مِنْ مُتَعَلِّقِ الْخَبَرِ، وَأَشَارَ بِالسَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى أَيْ: أَشَارَ بِهِمَا إِلَى مَا فِي ضَمِيرِهِ ﵇ مِنْ مَعْنَى الِانْضِمَامِ وَهُوَ بَيَانُ (هَكَذَا) . اهـ.
[ ٧ / ٣١٠١ ]
وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ - ﷺ - ضَمَّ أُصْبُعَيْهِ عِنْدَ قَوْلِهِ: هَكَذَا، فَعَبَّرَ الرَّاوِي عَنْ فِعْلِهِ - ﷺ - بِقَوْلِهِ: وَأَشَارَ إِذِ الْإِشَارَةُ عَمَّا فِي ضَمِيرِ ﵇ غَيْرُ مُتَصَوَّرٍ لِلرَّاوِي، قِيلَ: الْيَتِيمُ مِنَ النَّاسِ مَنْ مَاتَ أَبُوهُ، وَمِنَ الدَّوَابِّ مَنْ مَاتَ أُمُّهُ، وَكَافِلُ الْيَتِيمِ مَنْ يَقُومُ بِأَمْرِهِ وَيَعُولُهُ وَيُرَبِّيهِ، وَيُنْفِقُ عَلَيْهِ، وَلَوْ مِنْ مَالِ الْيَتِيمِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) . وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: " «أَنَا وَكَافِلُ الْيَتِيمِ فِي الْجَنَّةِ هَكَذَا» ". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْبُخَارِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ. اهـ. وَظَاهِرُهُ أَنَّ قَوْلَهُ فِي الْمِشْكَاةِ: (لَهُ وَلِغَيْرِهِ) مِنْ كَلَامِ سَهْلٍ، أَوْ مَنْ بَعْدَهُ أُدْرِجَ فِي الْحَدِيثِ، أَوْ هُوَ رِوَايَةٌ أُخْرَى، وَفِيهَا زِيَادَةٌ مَقْبُولَةٌ، وَأَمَّا قَوْلُهُ: (وَأَشَارَ) فَهُوَ مِنْ كَلَامِ سَهْلٍ، وَلَعَلَّهُ تَرَكَهُ صَاحِبُ الْجَامِعِ اخْتِصَارًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
[ ٧ / ٣١٠٢ ]
٤٩٥٣ - وَعَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ - ﵄ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: " «تَرَى الْمُؤْمِنِينَ فِي تَرَاحُمِهِمْ وَتَوَادِّهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ كَمَثَلِ الْجَسَدِ الْوَاحِدِ إِذَا اشْتَكِي عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
_________________
(١) (وَعَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ): مَرَّ ذِكْرُهُمَا (﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - تَرَى الْمُؤْمِنِينَ) أَيِ: الْكَامِلِينَ (فِي تَرَاحُمِهِمْ) أَيْ: فِي رَحْمِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا بِأُخُوَّةِ الْإِيمَانِ لَا بِسَبَبِ رَحِمٍ وَنَحْوِهِ (وَتَوَادِّهِمْ) بِتَشْدِيدِ الدَّالِ الْمَكْسُورَةِ أَيْ: تَوَاصُلِهِمُ الْجَالِبِ لِلْمَحَبَّةِ كَالتَّزَاوُرِ وَالتَّهَادِي (وَتَعَاطُفِهِمْ) أَيْ: بِإِعَانَةِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا (كَمَثَلِ الْجَسَدِ) أَيْ: جِنْسِهِ (الْوَاحِدِ): الْمُشْتَمِلِ عَلَى أَنْوَاعِ الْأَعْضَاءِ (إِذَا اشْتَكَى) أَيِ: الْجَسَدُ (عُضْوًا) لِعَدَمِ اعْتِدَالِ حَالِ مِزَاجِهِ، وَنَصْبُهُ عَلَى التَّمْيِيزِ، وَالْمَعْنَى: إِذَا تَأَلَّمَ الْجَسَدُ مِنْ جِهَةِ ذَلِكَ الْعُضْوِ، وَفِي نُسْخَةٍ إِذَا اشْتَكِي عُضْوٌ بِالرَّفْعِ أَيْ: إِذَا تَأَلَّمَ عُضْوٌ مِنْ أَعْضَاءِ جَسَدِهِ (تَدَاعَى لَهُ) أَيْ: ذَلِكَ الْعُضْوُ (سَائِرُ الْجَسَدِ) أَيْ: بَاقِي أَعْضَائِهِ (بِالسَّهَرِ) بِفَتْحَتَيْنِ أَيْ: عَدَمِ الرُّقَادِ (وَالْحُمَّى) أَيْ: بِالْحَرَارَةِ وَالتَّكَسُّرِ وَالضَّعْفِ، لِيَتَوَافَقَ الْكُلُّ فِي الْعُسْرِ كَمَا كَانُوا فِي حَالِ الصِّحَّةَ مُتَوَافِقِينَ فِي الْيُسْرِ، ثُمَّ أَصْلُ التَّدَاعِي أَنْ يَدْعُوَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا لِيَتَّفِقُوا عَلَى فِعْلِ شَيْءٍ، فَالْمَعْنَى: أَنَّهُ كَمَا أَنَّ عِنْدَ تَأَلُّمِ بَعْضِ أَعْضَاءِ الْجَسَدِ يَسْرِي ذَلِكَ إِلَى كُلِّهِ، كَذَلِكَ الْمُؤْمِنُونَ كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ إِذَا أَصَابَ وَاحِدًا مِنْهُمْ مُصِيبَةٌ يَنْبَغِي أَنْ يَغْتَمَّ جَمِيعُهُمْ وَيَهْتَمُّوا بِإِزَالَتِهَا عَنْهُ، وَفِي النِّهَايَةِ: كَانَ بَعْضُهُ دَعَا بَعْضًا، وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ: تَدَاعَتِ الْحِيطَانُ أَيْ: تَسَاقَطَتْ أَوْ كَادَتْ، وَوَجْهُ الشَّبَهِ هُوَ التَّوَافُقُ فِي الْمَشَقَّةِ وَالرَّاحَةِ وَالنَّفْعِ وَالضُّرِّ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
[ ٧ / ٣١٠٢ ]
٤٩٥٤ - وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: " «الْمُؤْمِنُونَ كَرَجُلٍ وَاحِدٍ، إِنِ اشْتَكَى عَيْنُهُ اشْتَكَى كُلُّهُ، وَإِنِ اشْتَكَى رَأْسُهُ اشْتَكَى كُلُّهُ» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
_________________
(١) (وَعَنْهُ) أَيْ: عَنِ النُّعْمَانِ - ﵁ - (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - الْمُؤْمِنُونَ كَرَجُلٍ) أَيْ: كَأَعْضَاءِ رَجُلٍ (وَاحِدٍ) لِأَنَّهُمْ عَلَى دِينٍ وَاحِدٍ (إِنِ اشْتَكَى عَيْنُهُ) بِالرَّفْعِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِالنَّصْبِ وَكَذَا فِيمَا بَعْدَهُ (اشْتَكَى كُلُّهُ، وَإِنِ اشْتَكَى رَأْسُهُ اشْتَكَى كُلُّهُ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ) . وَكَذَا الْإِمَامُ أَحْمَدُ.
[ ٧ / ٣١٠٢ ]
٤٩٥٥ - وَعَنْ أَبِي مُوسَى - ﵁ - عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: " «الْمُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا» "، ثُمَّ شَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
_________________
(١) (وَعَنْ أَبِي مُوسَى) أَيِ: الْأَشْعَرِيُّ (﵁ - عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: الْمُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِ) التَّعْرِيفُ لِلْجِنْسِ، وَالْمُرَادُ بَعْضُ الْمُؤْمِنِ لِلْبَعْضِ ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ لِلِاسْتِغْرَاقِ أَيْ: كُلُّ مُؤْمِنٍ لِكُلِّ مُؤْمِنٍ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ لِلْعَهْدِ الذِّهْنِيِّ فِي الْأَوَّلِ، وَلِلْجِنْسِ فِي الثَّانِي أَيِ: الْمُؤْمِنُ الْكَامِلُ لِمُطْلَقِ الْمُؤْمِنِ (كَالْبُنْيَانِ) أَيِ: الْبَيْتِ الْمَبْنِيِّ (يَشُدُّ بَعْضُهُ) أَيْ: بَعْضُ الْبُنْيَانِ (بَعْضًا) وَالْجُمْلَةُ حَالٌ أَوْ صِفَةٌ أَوِ اسْتِئْنَافُ بَيَانٍ لِوَجْهِ الشَّبَهِ، وَهُوَ الْأَظْهَرُ، ثُمَّ لَا شَكَّ أَنَّ الْقَوِيَّ هُوَ الَّذِي يَشُدُّ الضَّعِيفَ وَيُقَوِّيهِ، وَحَاصِلُ مَعْنَاهُ أَنَّ الْمُؤْمِنَ لَا يَتَقَوَّى فِي أَمْرِ دِينِهِ أَوْ دُنْيَاهُ إِلَّا بِمَعُونَةِ أَخِيهِ، كَمَا أَنَّ بَعْضَ الْبِنَاءِ يُقَوِّي بَعْضَهُ (ثُمَّ شَبَّكَ) أَيِ: النَّبِيُّ - ﷺ - أَبُو مُوسَى (بَيْنَ أَصَابِعِهِ) أَيْ: أَدْخَلَ إِحْدَى يَدِهِ بَيْنَ أَصَابِعِ الْيَدِ الْأُخْرَى قَالَ الطِّيبِيُّ: قَوْلُهُ (ثُمَّ شَبَّكَ) كَالْبَيَانِ لِوَجْهِ الشَّبَهِ أَيْ: شَدًّا مِثْلَ هَذَا الشَّدِّ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) قَالَ مِيرَكُ: اخْتُصَّ الْبُخَارِيُّ بِذِكْرِ التَّشْبِيكِ وَبِدُونِهِ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ، قُلْتُ: وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ بِدُونِ التَّشْبِيكِ أَسْنَدَهُ إِلَى الشَّيْخَيْنِ وَالتِّرْمِذِيِّ وَالنَّسَائِيِّ، وَهَذَا يُؤَيِّدُ أَنَّ ضَمِيرَ (شَبَّكَ) إِلَى أَبِي مُوسَى، فَمَنْ رَوَاهُ إِنَّمَا رَوَاهُ مُدْرَجًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَالَ النَّوَوِيُّ: فِيهِ تَعْظِيمُ حُقُوقِ الْمُسْلِمِينَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ، وَحَثُّهُمْ عَلَى التَّرَاحُمِ وَالْمُلَاطَفَةِ وَالتَّعَاضُدِ فِي غَيْرِ إِثْمٍ وَلَا مَكْرُوهٍ، وَفِيهِ جَوَازُ التَّشْبِيهِ وَضَرْبِ الْأَمْثَالِ لِتَقْرِيبِ الْمَعَانِي إِلَى الْأَفْهَامِ.
[ ٧ / ٣١٠٢ ]
٤٩٥٦ - وَعَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - «أَنَّهُ كَانَ إِذَا أَتَاهُ السَّائِلُ أَوْ صَاحِبُ الْحَاجَةِ قَالَ: " اشْفَعُوا فَلْتُؤْجَرُوا وَيَقْضِي اللَّهُ عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ مَا شَاءَ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
_________________
(١) (وَعَنْهُ) أَيْ: عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ - ﵁ - (عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - أَنَّهُ كَانَ إِذَا أَتَاهُ السَّائِلُ) أَيْ: لِلْعَطِيَّةِ (أَوْ صَاحِبُ الْحَاجَةِ) أَيْ: إِلَيْهِ أَوْ إِلَى غَيْرِهِ، وَهُوَ أَعَمُّ مِنَ السُّؤَالِ فَأَوْ لِلتَّنْوِيعِ (قَالَ: اشْفَعُوا) أَيْ: لَهُ (فَلْتُؤْجَرُوا) بِسُكُونِ الْهَمْزَةِ وَيُبْدَلُ، وَهُوَ أَمْرُ الْمُخَاطَبِ بِاللَّامِ نَحْوَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾ [يونس: ٥٨]، بِالْخِطَابِ فِي رِوَايَةِ يَعْقُوبَ مِنَ الْعَشَرَةِ بِنَاءً عَلَى الْأَصْلِ الْمَرْفُوضِ، وَقَدْ رُوِيَ مَرْفُوعًا، وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّهُ قُرِئَ (فَافْرَحُوا) وَالْفَاءُ بِمَعْنَى الشَّرْطِ، كَأَنَّهُ قِيلَ: إِنْ شَفَعْتُمْ فَتُؤْجَرُوا، وَفِي الْمُغْنِي أَنَّ اللَّامَ الطَّلَبِيَّةَ قَدْ تَخْرُجُ عَنِ الطَّلَبِيَّةِ إِلَى غَيْرِهِ كَالَّتِي يُرَادُ بِهَا أَوْ بِمَصْحُوبِهَا الْخَيْرُ نَحْوُ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ فِي الضَّلَالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا﴾ [مريم: ٧٥]، ﴿اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ﴾ [العنكبوت: ١٢]، أَيْ: فَيَمُدُّ وَنَحْمِلُ. اهـ. وَخُلَاصَةُ الْمَعْنَى اشْفَعُوا تُؤْجَرُوا كَمَا فِي رِوَايَةِ ابْنِ عَسَاكِرَ عَنْ مُعَاوِيَةَ، وَكَذَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ عَلَى مَا سَيَأْتِي، ثُمَّ رَأَيْتُ الطِّيبِيَّ قَالَ: الْفَاءُ فِي (فَلْتُؤْجَرُوا) أَوِ اللَّامُ مُقْحَمَةٌ لِلتَّأْكِيدِ، بَلْ كِلَاهُمَا مُؤَكِّدَانِ ; لِأَنَّهُ لَوْ قِيلَ: تُؤْجَرُوا جَوَابًا لِلْأَمْرِ تَمَّ كَلَامُهُ، وَلَا يَخْفَى مَا سَبَقَ مِنَ التَّحْقِيقِ وَاللَّهُ وَلِيُّ التَّوْفِيقِ. قَالَ الْمُظْهِرُ: وَالْمَعْنَى إِذَا عَرَضَ صَاحِبُ حَاجَةٍ حَاجَتَهُ عَلَيَّ اشْفَعُوا لَهُ إِلَيَّ، فَإِنَّكُمْ إِنْ شَفَعْتُمْ لَهُ حَصَلَ لَكُمْ بِتِلْكَ الشَّفَاعَةِ أَجْرٌ، سَوَاءٌ قُبِلَتْ شَفَاعَتُكُمْ أَوْ لَمْ تُقْبَلْ، وَقَوْلُهُ: وَيَقْضِي اللَّهُ عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ، أَيْ: يُجْرِي عَلَى لِسَانِي (مَا شَاءَ) أَيْ: إِنْ قَضَيْتُ حَاجَتَهُ مِنْ شَفَاعَتِكُمْ لَهُ فَهُوَ بِتَقْدِيرِ اللَّهِ، وَإِنْ لَمْ أَقْضِ فَهُوَ أَيْضًا بِتَقْدِيرِ اللَّهِ. اهـ. وَقَوْلُهُ عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ نَقْلًا بِالْمَعْنَى، وَأَنْ يَكُونَ فِيهِ نَوْعُ الْتِفَاتٍ وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُظْهِرِ، وَفِي زِيَادَةِ الْمُضَافِ إِفَادَةُ أَنَّ غَيْرَهُ فِي هَذَا الْمِلَفِّ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى. وَقَالَ الطِّيبِيُّ هُوَ مِنْ بَابِ التَّجْرِيدِ إِذِ الظَّاهِرُ أَنْ يُقَالَ عَلَى لِسَانِي، كَأَنَّهُ قَالَ: اشْفَعُوا لِي وَلَا تَقُولُوا مَا نَدْرِي، أَيَقْبَلُ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - شَفَاعَتَنَا أَمْ لَا؟ فَإِنِّي وَإِنْ كُنْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَنَبِيَّهُ وَصَفِيَّهُ لَا أَدْرِي أَيْضًا أَقْبَلُ شَفَاعَتَكُمْ أَمْ لَا؟ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى هُوَ الْقَاضِي، فَإِنْ قَضَى فِي أَنْ أَقْبَلَ أَقْبَلُ وَإِلَّا فَلَا. وَهُوَ مِنْ قَوْلِهِ - ﷺ - " «اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ» " قُلْتُ: وَفِيهِ تَلْمِيحٌ وَتَلْوِيحٌ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ﴾ [الأحقاف: ٩] . قَالَ النَّوَوِيُّ: أَجْمَعُوا عَلَى تَحْرِيمِ الشَّفَاعَةِ فِي الْحُدُودِ بَعْدَ بُلُوغِهَا إِلَى الْإِمَامِ، وَأَمَّا قَبْلَهُ فَقَدْ أَجَازَ الشَّفَاعَةَ فِيهِ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ إِنْ لَمْ يَكُنِ الْمَشْفُوعُ فِيهِ صَاحِبَ شَرٍّ وَأَذًى لِلنَّاسِ، وَأَمَّا الْمَعَاصِي الَّتِي لَا حَدَّ فِيهَا وَالْوَاجِبُ التَّعْزِيرُ، فَيَجُوزُ الشَّفَاعَةُ وَالتَّشَفُّعُ فِيهَا سَوَاءٌ بَلَغَتِ الْإِمَامَ أَمْ لَا، ثُمَّ الشَّفَاعَةُ فِيهَا مُسْتَحَبَّةٌ إِذَا لَمْ يَكُنِ الْمَشْفُوعُ فِيهِ مُؤْذِيًا وَشِرِّيرًا. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) . وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ ذَكَرَهُ مِيرَكُ، وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: " «اشْفَعُوا تُؤْجَرُوا وَيَقْضِي اللَّهُ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ مَا شَاءَ» ". رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَالثَّلَاثَةُ.
[ ٧ / ٣١٠٣ ]
٤٩٥٧ - وَعَنْ أَنَسٍ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - " «انْصُرْ أَخَاكَ ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا "، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَنْصُرُهُ مَظْلُومًا، فَكَيْفَ أَنْصُرُهُ ظَالِمًا؟ قَالَ: " تَمْنَعُهُ مِنَ الظُّلْمِ، فَذَلِكَ نَصْرُكَ إِيَّاهُ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
_________________
(١) (وَعَنْ أَنَسٍ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - «انْصُرْ أَخَاكَ») أَيِ: الْمُسْلِمُ (ظَالِمًا) حَالٌ مِنَ الْمَفْعُولِ (أَوْ مَظْلُومًا) تَنْوِيعٌ (فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَنْصُرُهُ) أَيْ: أَنَا (مَظْلُومًا)، أَيْ: حَالَ كَوْنِهِ مَظْلُومًا وَهُوَ ظَاهِرُ الْمَبْنَى (فَكَيْفَ أَنْصُرُهُ ظَالِمًا؟)، فَإِنَّهُ خَفِيُّ الْمَعْنَى (قَالَ: تَمْنَعُهُ مِنَ الظُّلْمِ)، أَيِ: الَّذِي يُرِيدُ فِعْلَهُ (فَذَلِكَ) أَيْ: مَنَعُكَ إِيَّاهُ مِنْهُ (نَصْرُكَ إِيَّاهُ) أَيْ: عَلَى شَيْطَانِهِ الَّذِي يُغْوِيهِ أَوْ عَلَى نَفْسِهِ الَّتِي تُطْغِيهِ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) قَالَ مِيرَكُ: فِيهِ نَظَرٌ، فَإِنَّ الْحَدِيثَ بِهَذَا السِّيَاقِ مِنْ أَفْرَادِ الْبُخَارِيِّ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ، وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ أَيْضًا، كَمَا صَرَّحَ بِهِ الشَّيْخُ الْجَزَرِيُّ أَيْضًا، نَعَمْ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ فِي أَثْنَاءِ حَدِيثٍ بِلَفْظِ: «وَلْيَنْصُرِ الرَّجُلُ أَخَاهُ ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا إِنْ كَانَ ظَالِمًا فَلْيَنْهَهُ، فَإِنَّهُ لَهُ نَصْرٌ، وَإِنْ كَانَ مَظْلُومًا فَلْيَنْصُرْهُ» . قُلْتُ: وَيَنْصُرُهُ صَنِيعُ صَاحِبِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ ; حَيْثُ أَوْرَدَ الْحَدِيثَ بِلَفْظِ: " «انْصُرْ أَخَاكَ ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا ". قِيلَ كَيْفَ أَنْصُرُهُ ظَالِمًا؟ قَالَ: " تَحْجِزْهُ عَنِ الظُّلْمِ، فَإِنَّ ذَلِكَ نَصْرُهُ» ". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْبُخَارِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ عَنْ أَنَسٍ، ثُمَّ قَالَ: وَفِي رِوَايَةِ الدَّارِمِيِّ وَابْنِ عَسَاكِرَ عَنْ جَابِرٍ: " «انْصُرْ أَخَاكَ ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا إِنْ يَكُ ظَالِمًا فَارْدُدْهُ عَنْ ظُلْمِهِ وَإِنْ يَكُ مَظْلُومًا فَانْصُرْهُ» ".
[ ٧ / ٣١٠٣ ]
٤٩٥٨ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ - ﵄ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: «الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ، لَا يَظْلِمُهُ، وَلَا يُسْلِمُهُ، وَمَنْ كَانَ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ كَانَ اللَّهُ فِي حَاجَتِهِ، وَمَنْ فَرَّجَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً فَرَّجَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرُبَاتِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
_________________
(١) (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: «الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ»)، فِيهِ إِشْعَارٌ بِأَنَّ الْمُسْلِمَ وَالْمُؤْمِنَ وَاحِدٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: ١٠]، وَهُوَ مُجْمَلٌ تَفْصِيلُهُ مَا بَعْدَهُ، وَلِهَذَا وَرَدَ مُنْقَطِعًا عَمَّا بَعْدَهُ عَلَى مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ عَنْ سُوِيدَ بْنِ حَنْظَلَةَ، وَابْنِ عَسَاكِرَ عَنْ وَاثِلَةَ، وَحَاصِلُهُ أَنَّ الْمُسْلِمَ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ، وَالْأَخُ لَا يَضُرُّ أَخَاهُ، بَلْ يَنْفَعُهُ فِي كُلِّ مَا يَرَاهُ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ التَّرْكِيبُ مِنْ قَبِيلِ التَّشْبِيهِ الْبَلِيغِ مُبَالَغَةً، كَمَا وَرَدَ: " «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ» " (لَا يَظْلِمُهُ)، نَفْيٌ بِمَعْنَى النَّهْيِ، وَالْمَعْنَى: لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَظْلِمَهُ، وَفِي حُكْمِ الْمُسْلِمِ الذِّمِّيُّ وَالْمُسْتَأْمَنُ، ثُمَّ إِنَّهُ لَا مَفْهُومَ لَهُ، فَإِنَّ الظُّلْمَ لَا يُتَصَوَّرُ فِي حَقِّ الْكَافِرِ، وَهُوَ اسْتِئْنَافُ بَيَانٍ لِلْمُوجَبِ أَوْ لِوَجْهِ الشَّبَهِ، فَإِنَّ الظَّالِمَ يَنْحَطُّ أَوَّلًا عَنْ رُتْبَةِ النُّبُوَّةِ: ﴿لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ١٢٤]، وَثَانِيًا عَنْ دَرَجَةِ الْوَلَايَةِ: ﴿أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [هود: ١٨]، وَثَالِثًا عَنْ مَزِيدِ السَّلْطَنَةِ: لَبَيْتُ الظَّالِمِ خَرَابٌ وَلَوْ بَعْدَ حِينٍ، وَرَابِعًا: عَنْ نَظَرِ الْخَلَائِقِ: جُبِلَتِ الْقُلُوبُ عَلَى حُبِّ مَنْ أَحْسَنَ إِلَيْهَا وَبُغْضِ مَنْ أَسَاءَ إِلَيْهَا، وَخَامِسًا: عَنْ حِفْظِ نَفْسِهِ: " وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ". لَا تَظْلِمْنَ إِذَا مَا كُنْتَ مُقْتَدِرًا فَالظُّلْمُ آخِرُهُ يَأْتِيكَ بِالنَّدَمِ نَامَتْ عُيُونُكَ وَالْمَظْلُومُ مُنْتَبِهٌ يَدْعُو عَلَيْكَ وَعَيْنُ اللَّهِ لَمْ تَنَمِ (وَلَا يُسْلِمُهُ)، بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَكَسْرِ اللَّامِ أَيْ: لَا يَخْذُلُهُ، بَلْ يَنْصُرُهُ، فَفِي النِّهَايَةِ يُقَالُ: أَسْلَمَ فُلَانٌ فُلَانًا: إِذَا أَلْقَاهُ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَلَمْ يَحْمِهِ مِنْ عَدُوِّهِ، وَهُوَ عَامٌّ فِي كُلِّ مَنْ أَسْلَمْتَهُ إِلَى شَيْءٍ، لَكِنْ دَخَلَهُ التَّخْصِيصُ وَغَلَبَ عَلَيْهِ الْإِلْقَاءُ فِي التَّهْلُكَةِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: الْهَمْزَةُ فِيهِ لِلسَّلْبِ أَيْ: لَا يُزِيلُ سِلْمَهُ، وَهُوَ بِكَسْرِ السِّينِ وَفَتْحِهَا الصُّلْحُ (وَمَنْ كَانَ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ) أَيْ: سَاعِيًا فِي قَضَائِهَا (كَانَ اللَّهُ فِي حَاجَتِهِ) هُنَا مِنْ قَبِيلِ الْمُشَاكَلَةِ، وَقَدْ وَرَدَ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَلَفْظُهُ: " «وَاللَّهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ» "، وَفِيهِ تَنْبِيهٌ نَبِيهٌ عَلَى فَضِيلَةِ عَوْنِ الْأَخِ عَلَى أُمُورِهِ، وَإِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الْمُكَافَأَةَ عَلَيْهَا بِجِنْسِهَا مِنَ الْعِنَايَةِ الْإِلَهِيَّةِ، سَوَاءٌ كَانَ بِقَلْبِهِ أَوْ بَدَنِهِ أَوْ بِهِمَا لِدَفْعِ الْمَضَارِّ، أَوْ جَذْبِ الْمَنَافِعِ إِذِ الْكُلُّ عَوْنٌ (وَمَنْ فَرَّجَ) بِتَشْدِيدِ الرَّاءِ وَيُخَفَّفُ، وَفِي رِوَايَةٍ مَنْ نَفَّسَ بِتَشْدِيدِ الْفَاءِ، وَالْمَعْنَى وَاحِدٌ أَيْ: أَزَالَ وَكَشَفَ (عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً) أَيْ: مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا كَمَا فِي نُسْخَةٍ، وَهِيَ كَذَلِكَ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَالْكُرْبَةُ بِضَمِّ الْكَافِ فُعْلَةٌ مِنَ الْكَرْبِ، وَهِيَ الْخَصْلَةُ الَّتِي يَحْزَنُ بِهَا وَجَمْعُهَا كُرَبٌ بِضَمٍّ فَفَتْحٍ، وَالتَّنْوِينُ فِيهَا لِلْإِفْرَادِ وَالتَّحْقِيرِ أَيْ: هَمًّا وَاحِدًا مِنْ هُمُومِهَا أَيُّ هَمٍّ كَانَ صَغِيرَهُ أَوْ كَبِيرَهُ عَرْضَهُ وَعِرْضَهُ عَدَدَهُ وَعُدَدَهُ، وَقَوْلُهُ مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا أَيْ: بَعْضِ كُرَبِهَا أَوْ كُرْبَةٌ مُبْتَدَأَةٌ مِنْ كُرَبِهَا (فَرَّجَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرُبَاتِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ) بِضَمِّ الْكَافِ وَالرَّاءِ، وَفِي رِوَايَةٍ مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ أَيِ الَّتِي لَا تُحْصَى ; لِأَنَّ الْخَلْقَ كُلَّهُمْ عِيَالُ اللَّهِ، وَتَنْفِيسُ الْكُرَبِ إِحْسَانٌ لَهُمْ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾ [الرحمن: ٦٠]، وَلَيْسَ هَذَا مُنَافِيًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠]، لِمَا وَرَدَ مِنْ أَنَّهَا تُجَازَى بِمَثَلِهَا وَضِعْفِهَا إِلَى عَشْرَةٍ إِلَى مِائَةٍ إِلَى سَبْعِمِائَةٍ إِلَى غَيْرِ حِسَابٍ، عَلَى أَنَّ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ تُسَاوِي عَشْرًا أَوْ أَكْثَرَ مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ تَنْوِينُ التَّعْظِيمِ وَتَخْصِيصُ يَوْمِ الْقِيَامَةِ دُونَ يَوْمٍ آخَرَ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمُضَاعَفَةَ إِمَّا فِي الْكَمِّيَّةِ أَوْ فِي الْكَيْفِيَّةِ (وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا) أَيْ: بَدَنَهُ أَوْ عَيْبَهُ بِعَدَمِ الْغِيبَةِ لَهُ وَالذَّبِّ عَنْ مَعَايِبِهِ، وَهَذَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَنْ لَيْسَ مَعْرُوفًا بِالْفَسَادِ، وَإِلَّا فَيُسْتَحَبُّ أَنْ تُرْفَعَ قَصْعَتُهُ إِلَى الْوَالِي، فَإِذَا رَآهُ فِي مَعْصِيَةٍ فَيُنْكِرُهَا بِحَسَبِ الْقُدْرَةِ، وَإِنْ عَجَزَ يَرْفَعُهَا إِلَى الْحَاكِمِ إِذَا لَمْ يَتَرَتَّبْ عَلَيْهِ مَفْسَدَةٌ ; كَذَا فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ لِلنَّوَوِيِّ (سَتَرَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ) وَفِي رِوَايَةٍ: سَتَرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَفِيهِ إِشَارَةٌ خَفِيَّةٌ صُوفِيَّةٌ صَفِيَّةٌ إِلَى أَنَّ مَنْ وَقَفَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ مَقَامَاتِ أَهْلِ الْعِرْفَانِ وَكَرَامَاتِ ذَوِي الْإِيقَانِ أَنْ يَحْفَظَ سِرَّهُ وَيَكْتُمَ أَمْرَهُ، فَإِنَّ كَشْفَ الْأَسْرَارِ عَلَى الْأَغْيَارِ يَسُدُّ بَابَ الْعِنَايَةِ وَيُوجِبُ الْحِرْمَانَ وَالْغِوَايَةَ. مَنْ أَطْلَعُوهُ عَلَى سِرٍّ فَبَاحَ بِهِ لَمْ يَأْمَنُوهُ عَلَى الْأَسْرَارِ مَا عَاشَ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ): وَهُوَ مُخْتَصَرٌ مِنْ حَدِيثٍ طَوِيلٍ ذَكَرَهُ الْإِمَامُ النَّوَوِيُّ فِي أَرْبَعِينِهِ مُسْنَدًا إِلَى مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَقَدْ سَبَقَ ذِكْرُهُ فِي الْكِتَابِ.
[ ٧ / ٣١٠٤ ]
٤٩٥٩ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - " «الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ، لَا يَظْلِمُهُ، وَلَا يَخْذُلُهُ، وَلَا يَحْقِرُهُ، التَّقْوَى هَهُنَا ". وَيُشِيرُ إِلَى صَدْرِهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ " بِحَسْبِ امْرِئٍ مِنَ الشَّرِّ أَنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ، كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ: دَمُهُ وَمَالُهُ وَعِرْضُهُ» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
_________________
(١) (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - «الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ، لَا يَظْلِمُهُ وَلَا يَخْذُلُهُ»)، بِضَمِّ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ مِنَ الْخِذْلَانِ، وَهُوَ تَرْكُ النُّصْرَةِ وَالْإِعَانَةِ (وَلَا يَحْقِرُهُ)، بِكَسْرِ الْقَافِ وَفَتْحِ أَوَّلِهِ، أَيْ: لَا يَحْتَقِرُهُ بِذِكْرِ الْمَعَايِبِ وَتَنَابُزِ الْأَلْقَابِ وَالِاسْتِهْزَاءِ وَالسُّخْرِيَةِ إِذَا رَآهُ رَثَّ الْحَالِ، أَوْ ذَا عَاهَةٍ فِي بَدَنِهِ أَوْ غَيْرَ لَائِقٍ فِي مُحَادَثَتِهِ، فَلَعَلَّهُ أَخْلَصُ ضَمِيرًا وَأَتْقَى قَلْبًا مِمَّنْ هُوَ عَلَى ضِدِّ صِفَتِهِ فَيَظْلِمُ نَفْسَهُ بِتَحْقِيرِ مَنْ وَقَّرَهُ اللَّهُ (التَّقْوَى هَهُنَا) وَقَالَ الْمُظْهِرُ: يَعْنِي لَا يَجُوزُ تَحْقِيرُ الْمُتَّقِي مِنَ الشِّرْكِ وَالْمَعَاصِي وَالتَّقْوَى مَحَلُّهُ الْقَلْبُ، وَمَا كَانَ مَحَلُّهُ الْقَلْبَ يَكُونُ مَخْفِيًّا عَنْ أَعْيُنِ النَّاسِ، وَإِذَا كَانَ مَخْفِيًّا فَلَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَحْكُمَ بِعَدَمِ تَقْوَى مُسْلِمٍ حَتَّى يُحَقِّرَهُ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ مَحَلُّ التَّقْوَى هُوَ الْقَلْبُ، فَمَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ التَّقْوَى فَلَا يُحَقِّرُ مُسْلِمًا ; لِأَنَّ الْمُتَّقِيَ لَا يُحَقِّرُ الْمُسْلِمَ. قَالَ الطِّيبِيُّ: وَالْقَوْلُ الثَّانِي أَوْجَهُ وَالنَّظْمُ لَهُ أَدْعَى ; لِأَنَّهُ - ﷺ - إِنَّمَا شَبَّهَ الْمُسْلِمَ بِالْأَخِ لِيُنَبِّهَ عَلَى الْمُسَاوَاةِ وَأَنْ لَا يَرَى أَحَدٌ لِنَفْسِهِ عَلَى أَحَدٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَضْلًا وَمَزِيَّةً، وَيُحِبُّ لَهُ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ، وَتَحْقِيرُهُ إِيَّاهُ مِمَّا يُنَافِي هَذِهِ الْحَالَةَ وَيَنْشَأُ مِنْهُ قَطْعُ وُصْلَةِ الْأُخُوَّةِ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ بِهَا أَنْ تُوصَلَ، وَمُرَاعَاةُ هَذِهِ الشَّرِيطَةِ أَمْرٌ صَعْبٌ ; لِأَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يُسَوَّى بَيْنَ السُّلْطَانِ وَأَدْنَى الْعَوَامِّ، وَبَيْنَ الْغَنِيِّ وَالْفَقِيرِ، وَبَيْنَ الْقَوِيِّ وَالضَّعِيفِ، وَالْكَبِيرِ وَالصَّغِيرِ وَلَا يَتَمَكَّنُ مِنْ هَذِهِ الْخَصْلَةِ إِلَّا مَنِ امْتَحَنَ اللَّهُ قَلْبَهُ لِلتَّقْوَى وَأَخْلَصَهُ مِنَ الْكِبْرِ وَالْغِشِّ وَالْحِقْدِ، وَنَحْوِهَا إِخْلَاصَ الذَّهَبِ الْإِبْرِيزِ مِنْ خُبْثِهِ وَنَقَّاهُ مِنْهَا، فَيُؤْثِرُ لِذَلِكَ أَمْرَ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى مُتَابَعَةِ الْهَوَى، كَذَلِكَ جَاءَ قَوْلُهُ - ﷺ - " «التَّقْوَى هَهُنَا " (وَيُشِيرُ إِلَى صَدْرِهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ») مُعْتَرِضًا بَيْنَ قَوْلِهِ: وَيَحْقِرُهُ، وَبَيْنَ قَوْلِهِ: («بِحَسْبِ امْرِئٍ مِنَ الشَّرِّ أَنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ»)، فَإِنَّ كُلًّا مِنْهُمَا مُتَضَمِّنٌ لِلنَّهْيِ عَنِ الِاحْتِقَارِ، وَأَنْتَ عَرَفْتَ أَنَّ مَوْقِعَ الِاعْتِرَاضِ بَيْنَ الْكَلَامِ مَوْقِعُ التَّأْكِيدِ. وَقَوْلُهُ: («كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ: دَمُهُ وَمَالُهُ وَعِرْضُهُ») هُوَ الْغَرَضُ الْأَصْلِيُّ، وَالْمَقْصُودُ الْأَوْلَى، وَالسَّابِقُ كَالتَّمْهِيدِ وَالْمُقَدِّمَةِ لَهُ، فَجَعَلَ الْمُسْلِمَ وَعِرْضَهُ جُزْءًا مِنْهُ تَلْوِيحًا إِلَى مَعْنَى مَا رُوِيَ: «حُرْمَةُ مَالِ الْمُسْلِمِ كَحُرْمَةِ دَمِهِ»، وَالْمَالُ يُبْذَلُ لِلْعِرْضِ. قَالَ: أَصُونُ عِرْضِي بِمَالِي لَا أُدَنِّسُهُ لَا بَارَكَ اللَّهُ بَعْدَ الْعِرْضِ فِي الْمَالِ وَلِمَا أَنَّ التَّقْوَى تَشُدُّ مِنْ عَقْدِ هَذِهِ الْأُخُوَّةِ وَتَسْتَوْثِقُ مِنْ عُرَاهَا ; قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ [الحجرات: ١٠] يَعْنِي: إِنَّكُمْ إِنِ اتَّقَيْتُمْ لَمْ تَحْمِلْكُمُ التَّقْوَى إِلَّا عَلَى التَّوَاصُلِ وَالِائْتِلَافِ وَالْمُسَارَعَةِ إِلَى إِمَاطَةِ مَا يَفْرُطُ مِنْهُ، وَأَنَّ مُسْتَقَرَّ التَّقْوَى وَمَكَانَهَا الْمُضْغَةُ الَّتِي إِذَا صَلُحَتْ صَلُحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ قَالَ تَعَالَى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى﴾ [الحجرات: ٣]، وَلِذَلِكَ كَرَّرَ - ﷺ - هَذِهِ الْكَلِمَةَ، وَأَشَارَ إِلَى صَدْرِهِ ثَلَاثًا، وَإِنَّمَا عَدَلَ الرَّاوِي عَنِ الْمَاضِي إِلَى الْمُضَارِعِ اسْتِحْضَارًا لِتِلْكَ الْحَالَةِ فِي مُشَاهَدَةِ السَّامِعِ، وَاهْتِمَامًا بِشَأْنِهَا. وَهَذَا الْحَدِيثُ مِنْ جَوَامِعِ الْكَلِمِ، وَفَصْلِ الْخِطَابِ الَّذِي خُصَّ بِهِ هَذَا النَّبِيُّ الْمُكَرَّمُ - ﷺ - إِلَى هُنَا كَلَامُ الطِّيبِيِّ قَدْ تَمَّ، فَلْنَرْجِعْ إِلَى بَعْضِ مَا يَتَعَلَّقُ بِالْحَدِيثِ الشَّرِيفِ مِنْ زَوَائِدِ فَوَائِدِ شَرْحِهِ الْمُنِيفِ. مِنْهَا، قَوْلُهُ: " التَّقْوَى هَهُنَا ". قَالَ بَعْضُ الْعَارِفِينَ: مَعْنَاهُ أَنَّ حَقِيقَةَ التَّقْوَى فِي صَدْرِي، وَفُرُوعَهَا فِي قُلُوبِ جَمِيعِ الْخَلْقِ ; لِأَنَّهُ مَحَلُّ عَيْنِ الْجَمْعِ، وَمِرْآةُ كُشُوفِ الْغَيْبِ، كَمَا قَالَ: " «أَنَا أَعْلَمُكُمْ بِاللَّهِ وَأَخْوَفُكُمْ مِنْهُ» " بَيَّنَ أَنَّ مَنْ زَادَ مَعْرِفَتُهُ زَادَ خَشْيَتُهُ وَتَقْوَاهُ، وَلَيْسَ فِي الْكَوْنَيْنِ أَعْرَفُ مِنْهُ، وَقَدْ وَرَدَ أَنَّهُ قَالَ: " «لِكُلِّ شَيْءٍ مَعْدِنٌ وَمَعْدِنُ التَّقْوَى قُلُوبُ الْعَارِفِينَ» " ; لِأَنَّ الْعَارِفَ غَائِبٌ فِي عَظَمَةِ اللَّهِ تَعَالَى، تَائِقٌ إِلَى لِقَائِهِ، هَائِمٌ فِي مَحَبَّتِهِ تَجْرِي عَيْنُ التَّقْوَى مِنْ بِحَارِ مَعْرِفَتِهِ مِنْ رُوحِهِ إِلَى قَلْبِهِ، وَمِنْ قَلْبِهِ إِلَى قَالَبِهِ، وَسِرُّهُ مَعْدِنُ التَّوْحِيدِ ; لِأَنَّ الْحَقَّ تَجَلَّى فِيهِ بِنَعْتِ الْقِدَمِ، وَرُوحُهُ مَعْدِنُ الْمَعْرِفَةِ ; لِأَنَّ الْحَقَّ تَجَلَّى بِوَصْفِ الْبَقَاءِ فِيهَا، وَقَلْبُهُ مَعْدِنُ الْخَشْيَةِ وَالتَّقْوَى ; لِأَنَّهُ تَجَلَّى بِوَصْفِ الْكِبْرِيَاءِ وَالْعَظَمَةِ، فَالتَّوْحِيدُ مِنْ عَيْنِ الْقِدَمِ، وَالْمَعْرِفَةُ مِنْ عَيْنِ الْبَقَاءِ، وَالتَّقْوَى مِنْ عَيْنِ الْكِبْرِيَاءِ، وَقَوْلُهُ: (ثَلَاثُ مِرَارٍ) بِرَاءٍ فِي آخِرِهِ فِي الْأُصُولِ الْمُعْتَمَدَةِ وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ بِالتَّاءِ الْفَوْقِيَّةِ، ثُمَّ قَوْلُهُ: (بِحَسْبِ امْرِئٍ) مُبْتَدَأٌ وَالْبَاءُ فِيهِ
[ ٧ / ٣١٠٥ ]
زَائِدَةٌ ; وَقَوْلُهُ: " أَنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ " خَبَرُهُ أَيْ: حَسْبُهُ وَكَافِيهِ مِنْ خِلَالِ الشَّرِّ وَرَذَائِلِ الْأَخْلَاقِ تَحْقِيرُ أَخِيهِ الْمُسْلِمِ، كَذَا ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ، وَهُوَ مُوهِمٌ أَنَّ قَوْلَهُ: (يَحْقِرُ) مِنْ بَابِ التَّفْعِيلِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ هُوَ بِفَتْحِ الْيَاءِ وَكَسْرِ الْقَافِ فِي الْأُصُولِ.
قَالَ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ: وَحَسْبُ يَسْتَوِي فِيهِ الْوَاحِدُ وَالْجَمْعُ وَالتَّثْنِيَةُ، وَالْمُذَكَّرُ وَالْمُؤَنَّثُ ; لِأَنَّهُ مَصْدَرٌ. قَالَ النُّحَاةُ: إِذَا كَانَ مَا بَعْدَهُ مَعْرِفَةً فَرَفْعُهُ عَلَى الْخَبَرِيَّةِ، وَالْإِضَافَةُ لَفْظِيَّةٌ، أَوْ عَلَى الِابْتِدَاءِ، وَإِنْ كَانَ نَكِرَةً فَرَفْعُهُ عَلَى الِابْتِدَاءِ فَقَطْ، وَالْإِضَافَةُ مَعْنَوِيَّةٌ، ثُمَّ الْمُرَادُ بِالْعِرْضِ مَا يَجِبُ أَوْ يُسْتَحَبُّ شَرْعًا حِمَايَتُهُ لَا الْعَصَبِيَّةُ وَالْحَمِيَّةُ الْجَاهِلِيَّةُ الَّتِي اعْتَادَهَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، فَيَصْرِفُونَ النَّاسَ لِطَلَبِ الْجَاهِ وَالْمَنْزِلَةِ فِي قُلُوبِ الْخَلْقِ، إِذْ هُوَ مِنَ الْهَوَى الْمُتَّبَعِ الْمُهْلِكِ لِكَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ، فَمَا أَهْلَكَ النَّاسَ إِلَّا النَّاسُ، وَلَوْ أَنْصَفَ الْعُلَمَاءُ لَعَلِمُوا أَنَّ أَكْثَرَ مَا هُمْ فِيهِ مِنَ الْعُلُومِ وَالْعِبَادَاتِ فَضْلًا عَنِ الْعِبَادَاتِ مَا يَحْمِلُهُمْ عَلَيْهَا إِلَّا مُرَاعَاةُ الْخَلْقِ. قَالَ يَحْيَى بْنُ مُعَاذٍ: الرِّيَاسَةُ مَيَادِينُ إِبْلِيسَ يَنْزِلُ هُوَ وَجُنُودُهُ، وَقِيلَ: آخِرُ شَيْءٍ يَخْرُجُ مِنْ رَأْسِ الصِّدِّيقِينَ مَحَبَّةُ الْجَاهِ، هَذَا وَزُبْدَةُ الْحَدِيثِ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ أَنْ لَا يَقَعَ فِي عِرْضِ أَخِيهِ بِالْغِيبَةِ وَالطَّعْنِ وَالْقَذْفِ وَالشَّتْمِ وَالْغَمْزِ وَاللَّمْزِ وَالتَّجَسُّسِ عَنْ عَوْرَاتِهِ وَإِفْشَاءِ أَسْرَارِهِ، فَإِنَّ مَنْ تَتَبَّعَ عَوْرَةَ أَخِيهِ تَتَبَّعَ اللَّهُ عَوْرَتَهُ فَيَفْضَحُهُ، وَلَوْ فِي جَوْفِ بَيْتِهِ، وَلَا يُمَارِيهِ، وَيَرَى الْفَضْلَ لِكُلِّ أَحَدٍ عَلَى نَفْسِهِ، أَمَّا الصَّغِيرُ فَلِأَنَّهُ لَمْ يَعْصِ اللَّهَ وَهُوَ قَدْ عَصَى، وَالْكَبِيرُ فَلِأَنَّهُ أَكْثَرُ عِبَادَةً، وَالْعَالِمُ لِعِلْمِهِ، وَالْجَاهِلُ لِأَنَّهُ قَدْ عَصَى اللَّهَ بِجَهْلِهِ، فَحُجَّةُ اللَّهِ عَلَى الْعَالِمِ أَوْكَدُ، وَلِذَا وَرَدَ: وَيْلٌ لِلْجَاهِلِ مَرَّةً، وَوَيْلٌ لِلْعَالَمِ سَبْعَ مَرَّاتٍ، وَأَمَّا الْكَافِرُ فَلِأَنَّ حُسْنَ الْعَاقِبَةِ غَيْرُ مَعْلُومَةٍ، وَالْمَدَارُ عَلَى خَاتِمَتِهَا. خَتَمَ اللَّهُ لَنَا بِالْحُسْنَى وَبَلَّغَنَا الْمَقَامَ الْأَسْنَى (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) وَهُوَ أَيْضًا بَعْضٌ مِنَ الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ الْإِمَامُ النَّوَوِيُّ فِي أَرْبَعِينِهِ، وَأَسْنَدَهُ إِلَى مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: " «لَا تَحَاسَدُوا وَلَا تَنَاجَشُوا وَلَا تَبَاغَضُوا وَلَا تَدَابَرُوا، وَلَا يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ، وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمٍ» " الْحَدِيثُ.
[ ٧ / ٣١٠٦ ]
٤٩٦٠ - وَعَنْ عِيَاضِ بْنِ حِمَارٍ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - " «أَهْلُ الْجَنَّةِ ثَلَاثَةٌ: ذُو سُلْطَانٍ مُقْسِطٌ مُتَصَدِّقٌ مُوَفَّقٌ، وَرَجُلٌ رَحِيمٌ رَقِيقُ الْقَلْبِ لِكُلِّ ذِي قُرْبٍ وَمُسْلِمٍ، وَعَفِيفٌ مُتَعَفِّفٌ ذُو عِيَالٍ. وَأَهْلُ النَّارِ خَمْسَةٌ: الضَّعِيفُ الَّذِي لَا زَبْرَ لَهُ، الَّذِينَ فِيكُمْ تَبَعٌ لَا يَبْغُونَ أَهْلًا وَلَا مَالًا، وَالْخَائِنُ الَّذِي لَا يَخْفَى لَهُ طَمَعٌ وَإِنْ دَقَّ إِلَّا خَانَهُ، وَرَجُلٌ لَا يُصْبِحُ وَلَا يُمْسِي إِلَّا وَهُوَ يُخَادِعُكَ عَنْ أَهْلِكَ وَمَالِكَ، وَذَكَرَ الْبُخْلَ أَوِ الْكَذِبَ. وَالشِّنْظِيرُ: الْفَحَّاشُ» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
_________________
(١) (وَعَنْ عِيَاضِ بْنِ حِمَارٍ) وَهُوَ اسْمُ الْحَيَوَانِ الْمَعْرُوفِ، وَالْعَرَبُ مَا كَانُوا يَتَحَاشَوْنَ عَنْ مِثْلِ هَذِهِ الْأَسْمَاءِ حَتَّى كَانُوا يُسَمُّونَ أَوْلَادَهُمْ كَلْبًا وَكِلَابًا. قَالَ الْمُؤَلِّفُ: هُوَ عِيَاضُ بْنُ حِمَارٍ التَّمِيمِيُّ الْمُجَاشِعِيُّ، يُعَدُّ فِي الْبَصْرِيِّينَ، وَكَانَ صَدِيقًا لِرَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - أَسْلَمَ قَدِيمًا، رَوَى عَنْهُ جَمَاعَةٌ - ﵁ - (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - أَهْلُ الْجَنَّةِ ثَلَاثَةٌ) أَيْ: ثَلَاثَةُ أَجْنَاسٍ مِنَ الْأَشْخَاصِ (ذُو سُلْطَانٍ) أَيْ: حُكْمٍ. قَالَ الطِّيبِيُّ أَيْ: سُلْطَانٌ ; لِأَنَّهُ ذُو قَهْرٍ وَغَلَبَةٍ مِنَ السَّلَاطَةِ، وَهِيَ التَّمَكُّنُ مِنَ الْقَهْرِ. قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ﴾ [النساء: ٩٠]، وَمِنْهُ سُمِّيَ السُّلْطَانُ، وَقِيلَ: ذُو حُجَّةٍ لِأَنَّهُ يُقَامُ الْحُجَجُ بِهِ (مُقْسِطٌ) بِالرَّفْعِ صِفَةُ الْمُضَافِ أَيْ: عَادِلٌ، يُقَالُ: أَقْسَطَ فَهُوَ مُقْسِطٌ: إِذَا عَدَلَ، وَقَسَطَ فَهُوَ قَاسِطٌ: إِذَا جَارَ، فَالْهَمْزَةُ فِيهِ لِلسَّلْبِ كَمَا يُقَالُ: شَكَا إِلَيْهِ فَأَشْكَاهُ (مُتَصَدِّقٌ) أَيْ: مُحْسِنٌ إِلَى النَّاسِ (مُوَفَّقٌ) أَيِ الَّذِي هُيِّئَ لَهُ أَسْبَابُ الْخَيْرِ، وَفُتِحَ لَهُ أَبْوَابُ الْبِرِّ (وَرَجُلٌ رَحِيمٌ) أَيْ: عَلَى الصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ (رَقِيقُ الْقَلْبِ لِكُلِّ ذِي قُرْبَى) خُصُوصًا (وَمُسْلِمٍ) أَيْ: لِكُلِّ مُسْلِمٍ عُمُومًا. قَالَ الطِّيبِيُّ: مُفَسِّرٌ لِقَوْلِهِ (رَحِيمٌ) أَيْ: يَرِقُّ قَلْبُهُ، وَيَرْحَمُ لِكُلِّ مَنْ بَيْنِهِ وَبَيْنَهُ لُحْمَةُ الْقَرَابَةِ أَوْ صِلَةُ الْإِسْلَامِ. اهـ وَالظَّاهِرُ أَنْ يُرَادَ بِالرَّحِيمِ صِيغَةٌ فِعْلِيَّةٌ يَظْهَرُ وَجُودُهَا فِي الْخَارِجِ، وَبِالرَّقِيقِ صِفَةٌ قَلْبِيَّةٌ سَوَاءٌ ظَهَرَ أَثَرُهَا أَمْ لَا. وَالثَّانِي أَظْهَرُ، فَيَكُونُ بِاعْتِبَارِ الْقُوَّةِ وَالْأَوَّلُ بِاعْتِبَارِ الْفِعْلِ، وَيُمْكِنُ أَنْ تَتَعَلَّقَ رَحْمَةُ الرَّحِيمِ إِلَى الْمَعْنَى الْأَعَمِّ مِنَ الْإِنْسَانِ وَالْحَيَوَانِ الشَّامِلِ لِلْمُؤْمِنِ وَالْكَافِرِ وَالدَّوَابِّ، فَيَكُونُ الثَّانِي أَخَصَّ. وَالْحَاصِلُ أَنَّ التَّأْسِيسَ أَوْلَى مِنَ التَّأْكِيدِ. (وَعَفِيفٌ) بِالرَّفْعِ عَلَى أَنَّهُ الثَّالِثُ مِنَ الثَّلَاثَةِ أَيْ: مُجْتَنِبٌ عَمَّا لَا يَحِلُّ (مُتَعَفِّفٌ) أَيْ: عَنِ السُّؤَالِ مُتَوَكِّلٌ عَلَى الْمَلِكِ الْمُتَعَالِ فِي أَمْرِهِ وَأَمْرِ عِيَالِهِ مَعَ فَرْضِ وَجُودِهِمْ، فَإِنَّهُ أَصْعَبُ، وَلِهَذَا قَالَ: (ذُو عِيَالٍ) أَيْ: لَا يَحْمِلُهُ حُبُّ الْعِيَالِ وَلَا خَوْفُ رِزْقِهِمْ عَلَى تَرْكِ التَّوَكُّلِ بِارْتِكَابِ سُؤَالِ الْخَلْقِ، وَتَحْصِيلِ الْمَالِ الْحَرَامِ وَالِاشْتِغَالِ بِهِمْ عَنْ
[ ٧ / ٣١٠٦ ]
الْعِلْمِ وَالْعَمَلِ مِمَّا يَجِبُ عَلَيْهِ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَشَارَ بِالْعَفِيفِ إِلَى مَا فِي نَفْسِهِ مِنَ الْقُوَّةِ الْمَانِعَةِ عَنِ الْفَوَاحِشِ، وَبِالْمُتَعَفِّفِ إِلَى إِبْرَازِ ذَلِكَ بِالْفِعْلِ وَاسْتِعْمَالِ تِلْكَ الْقُوَّةِ لِإِظْهَارِ الْعِفَّةِ عَنْ نَفْسِهِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: وَإِذِ اسْتَقْرَيْتَ أَحْوَالَ الْعِبَادِ عَلَى اخْتِلَافِهَا لَمْ تَجِدْ أَحَدًا يَسْتَأْهِلُ أَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ، وَيَحِقَّ لَهُ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِهَا إِلَّا وَهُوَ مُنْدَرِجٌ تَحْتَ هَذِهِ الْأَقْسَامِ غَيْرُ خَارِجٍ عَنْهَا (وَأَهْلُ النَّارِ خَمْسَةٌ) إِشَارَةٌ إِلَى كَثْرَتِهِمْ (الضَّعِيفُ الَّذِي لَا زَبْرَ لَهُ) بِفَتْحِ الزَّايِ وَسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ أَيْ: لَا رَأْيَ وَلَا عَقْلَ كَامِلًا يَعْقِلُهُ، وَيَمْنَعُهُ عَنِ ارْتِكَابِ مَا لَا يَنْبَغِي، وَقَدْ وَرَدَ: «الدُّنْيَا دَارُ مَنْ لَا دَارَ لَهُ، وَمَالُ مَنْ لَا مَالَ لَهُ، وَلَهَا يَجْمَعُ مَنْ لَا عَقْلَ لَهُ»، وَفِي الْقَامُوسِ: الزَّبْرُ الْعَقْلُ وَالْكَمَالُ وَالصَّبْرُ وَالِانْتِهَارُ وَالْمَنْعُ وَالنَّهْيُ. اهـ. وَلِكُلٍّ وَجْهٌ فِي الْمَعْنَى.
وَفِي شَرْحِ السُّنَّةِ أَيْ: لَا عَقْلَ لَهُ، وَفِي الْغَرِيبَيْنِ يُقَالُ: مَا لَهُ زَبْرٌ أَيْ عَقْلٌ. قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: الْمَعْنَى لَا يَسْتَقِيمُ عَلَيْهِ ; لِأَنَّ مَنْ لَا عَقْلَ لَهُ لَا تَكْلِيفَ عَلَيْهِ، فَكَيْفَ يُحْكَمُ بِأَنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، وَأَرَى الْوَجْهَ فِيهِ أَنْ يُفَسَّرَ بِالتَّمَاسُكِ، فَإِنَّ أَهْلَ اللُّغَةِ يَقُولُونَ لَا زَبْرَ لَهُ أَيْ: لَا تَمَاسُكَ لَهُ، وَهُوَ فِي الْأَصْلِ مَصْدَرٌ، وَالْمَعْنَى: لَا تَمَاسُكَ لَهُ عِنْدَ مَجِيءِ الشَّهَوَاتِ، فَلَا يَرْتَدِعُ عَنْ فَاحِشَةٍ وَلَا يَتَوَرَّعُ عَنْ حَرَامٍ. قُلْتُ: التَّمَاسُكُ إِنَّمَا هُوَ مِنْ كَمَالِ الْعَقْلِ وَحَاصِلٌ بِالصَّبْرِ فَيُحْمَلُ عَلَى أَحَدِهِمَا.
وَأَغْرَبَ الطِّيبِيُّ فِي قَوْلِهِ: لَعَلَّ الشَّيْخَ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ قَوْلَهُ: (الَّذِينَ هُمْ فِيكُمْ تَبَعٌ) قِسْمٌ آخَرُ مِنَ الْأَقْسَامِ الْخَمْسَةِ، وَلِذَلِكَ فَسَّرَهُ بِقَوْلِهِ يَعْنِي بِهِ الْخُدَّامَ الَّذِينَ يَكْتَفُونَ بِالشُّبُهَاتِ، وَعَلَيْهِ كَلَامُ الْقَاضِي ; حَيْثُ قَالَ: الَّذِينَ هُمْ فِيكُمْ تَبَعٌ يُرِيدُ بِهِ الْخُدَّامَ الَّذِينَ لَا مَطْمَحَ لَهُمْ وَلَا مَطْمَعَ إِلَّا مَا يَمْلَأُونَ بِهِ بُطُونَهُمْ مِنْ أَيِّ وَجْهٍ كَانَ، وَلَا تَتَخَطَّى هِمَمُهُمْ إِلَى مَا وَرَاءَ ذَلِكَ مِنْ أَمْرٍ دِينِيٍّ أَوْ دُنْيَوِيٍّ. أَقُولُ: وَالظَّاهِرُ أَنَّ الضَّعِيفَ وَصْفٌ بِاعْتِبَارِ لَفْظِهِ تَارَةً بِالْمُفْرَدِ، وَبِاعْتِبَارِ الْجِنْسِ أُخْرَى بِالْجَمْعِ، أَوِ الْمَوْصُولُ الثَّانِي بَيَانٌ أَوْ بَدَلٌ مِمَّا قَبْلَهُ لِعَدَمِ الْعَاطِفِ كَمَا فِي الْأُصُولِ الْمَشْهُورَةِ، وَعَلَيْهِ كَلَامُ الْأَشْرَفِ ; حَيْثُ قَالَ: الَّذِي فِي قَوْلِ الَّذِي لَا زَبْرَ لَهُ بِمَعْنَى الَّذِينَ لِلْجَمْعِ، وَهُوَ الَّذِي جَوَّزَ جَعْلَ قَوْلِهِ الَّذِينَ هُمْ فِيكُمْ تَبَعٌ بَدَلًا مِنْ قَوْلِهِ الَّذِي لَا زَبْرَ لَهُ. اهـ كَلَامُهُ. وَعَلَى هَذَا لَا يَتَوَجَّهُ الْإِشْكَالُ الَّذِي أَوْرَدَهُ الشَّيْخُ التُّورِبِشْتِيُّ، وَيَتَعَيَّنُ تَقْسِيمُ الْأَقْسَامِ الْخَمْسَةِ. أَحَدُهَا: الضَّعِيفُ، وَثَانِيهَا: الْخَائِنُ، وَثَالِثُهَا: رَجُلٌ، وَرَابِعُهَا: الْبَخِيلُ، وَخَامِسُهَا: الشِّنْظِيرُ. تَمَّ كَلَامُ الطِّيبِيِّ.
وَوَجْهُ غَرَابَتِهِ أَنَّهُ لَيْسَ فِي كَلَامِ الشَّيْخِ وَالْقَاضِي مَا يَدُلُّ عَلَى جَعْلِهِ قِسْمًا آخَرَ، وَهُمَا أَعْقَلُ مِنْ أَنْ يُخَالِفَا النَّصَّ عَلَى الْخَمْسِ بِالزِّيَادَةِ عَلَيْهِ، لَا سِيَّمَا عِنْدَ عَدَمِ وُجُودِ الْعَاطِفِ عَلَى مَا فِي الْأُصُولِ الْمَشْهُورَةِ، وَلَا دَلَالَةَ لِتَفْسِيرَيْهِمَا عَلَى مَا تَوَهَّمَ الْفَاضِلُ، إِذْ لَا مُنَافَاةَ بَيْنَ الْوَصْفِ السَّابِقِ وَاللَّاحِقِ، بَلِ الثَّانِي مُمَيِّزٌ لِلْأَوَّلِ، وَحَاصِلُهُ أَنَّ الْقِسْمَ الْأَوَّلَ هُوَ جِنْسُ الضَّعِيفِ فِي أَمْرِ دِينِهِ النَّاقِصُونَ فِي عُقُولِهِمُ الَّذِينَ هُمْ فِيكُمْ تَبَعٌ (لَا يَبْغُونَ أَهْلًا) أَيْ: لَا يَطْلُبُونَ زَوْجَةً وَلَا سُرِّيَّةً، فَأَعْرَضُوا عَنِ الْحَلَالِ وَارْتَكَبُوا الْحَرَامَ (وَلَا مَالًا) أَيْ: وَلَا يَطْلُبُونَ مَالًا حَلَالًا مِنْ طَرِيقِ الْكَدِّ وَالْكَسْبِ الطَّيِّبِ، فَقِيلَ: هُمُ الْخَدَمُ الَّذِينَ يَكْتَفُونَ بِالشُّبَهَاتِ وَالْمُحَرَّمَاتِ الَّتِي سَهُلَ عَلَيْهِمْ مَأْخَذُهَا عَمَّا أُبِيحَ لَهُمْ، وَلَيْسَ لَهُمْ دَاعِيَةٌ إِلَى مَا وَرَاءَ ذَلِكَ مِنْ أَهْلٍ وَمَالٍ، وَقِيلَ: هُمُ الَّذِينَ يَدُورُونَ حَوْلَ الْأُمَرَاءِ وَيَخْدِمُونَهُمْ، وَلَا يُبَالُونَ مِنْ أَيِّ وَجْهٍ يَأْكُلُونَ وَيَلْبَسُونَ، أَمِنَ الْحَلَالِ أَمْ مِنَ الْحَرَامِ، لَيْسَ لَهُمْ مَيْلٌ إِلَى أَهْلٍ وَلَا إِلَى مَالٍ، بَلْ قَصَرُوا أَنْفُسَهُمْ عَلَى الْمَأْكَلِ وَالْمَشْرَبِ، ثُمَّ الْإِشْكَالُ الَّذِي أَوْرَدَهُ الشَّيْخُ عَلَى مَعْنَى لَا زَبْرَ لَهُ لَا تَعَلُّقَ لَهُ بِأَنْ يَكُونَ مَا بَعْدَهُ قِسْمًا آخَرَ أَوْ لَا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ثُمَّ قَوْلُهُ: تَبَعٌ هُوَ الْأَصْلُ وَفِي نُسْخَةٍ بِالنَّصْبِ وَهُوَ بِفَتْحَتَيْنِ جَمْعُ تَابِعٍ كَخَدَمٍ جَمْعُ خَادِمٍ.
قَالَ الطِّيبِيُّ: تَبَعٌ فِي بَعْضِ نُسَخِ الْمَصَابِيحِ مَرْفُوعٌ كَمَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَلَى أَنَّهُ فَاعِلُ الظَّرْفِ أَوْ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ الظَّرْفُ، وَالْجُمْلَةُ خَبَرُهُمْ، وَفِي بَعْضِهَا مَنْصُوبٌ كَمَا فِي الْحُمَيْدِيِّ وَجَامِعِ الْأُصُولِ، وَهُوَ حَالٌ مِنَ الضَّمِيرِ الْمُسْتَتِرِ فِي الْخَبَرِ. اهـ. وَقَوْلُهُ: لَا يَبْغُونَ بِفَتْحِ الْيَاءِ وَتَسْكِينِ الْمُوَحَّدَةِ وَضَمِّ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ فِي النُّسَخِ الْمُصَحَّحَةِ الْمُعْتَمَدَةِ، وَفِي بَعْضِهَا بِفَتْحِ الْيَاءِ وَتَشْدِيدِ الْفَوْقِيَّةِ وَكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ وَالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ مِنَ الِاتِّبَاعِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِضَمِّ الْيَاءِ وَسُكُونِ الْفَوْقِيَّةِ وَكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ وَالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ. قَالَ النَّوَوِيُّ: لَا يُتْبِعُونَ بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ يُخَفَّفُ وَيُشَدَّدُ مِنَ الِاتِّبَاعِ
[ ٧ / ٣١٠٧ ]
وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ يَبْغُونَ بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ (وَالْخَائِنُ الَّذِي لَا يَخْفَى لَهُ طَمَعٌ) مَصْدَرٌ بِمَعْنَى الْمَفْعُولِ قَالَ الْقَاضِي أَيْ: لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِمَّا يُمْكِنُ أَنْ يُطْمَعَ فِيهِ (وَإِنْ دَقَّ) بِحَيْثُ لَا يَكَادُ أَنْ يُدْرَكَ (إِلَّا خَانَهُ) أَيْ: إِلَّا وَهُوَ يَسْعَى فِي التَّفَحُّصِ عَنْهُ، وَالتَّطَلُّعِ عَلَيْهِ حَتَّى يَجِدَهُ فَيَخُونُهُ، وَهَذَا هُوَ الْإِغْرَاقُ فِي الْوَصْفِ بِالْخِيَانَةِ. قُلْتُ: بَلْ هُوَ إِغْرَاقٌ فِي وَصْفِ الطَّمَعِ، وَالْخِيَانَةُ تَابِعَةٌ لَهُ، وَالْمَعْنَى أَنَّهُ لَا يَتَعَدَّى عَنِ الطَّمَعِ، وَلَوِ احْتَاجَ إِلَى الْخِيَانَةِ، وَلِهَذَا قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: الطَّمَعُ فَسَادُ الدِّينِ وَالْوَرَعُ صَلَاحُهُ. قَالَ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ (خَفِيًّا) مِنَ الْأَضْدَادِ وَالْمَعْنَى لَا يَظْهَرُ لَهُ شَيْءٌ يَطْمَعُ فِيهِ إِلَّا خَانَهُ، وَإِنْ كَانَ شَيْئًا يَسِيرًا. قُلْتُ: لَا خَفَاءَ فِي أَنَّ الْمَعْنَى الْأَسْبَقَ أَبْلَغُ وَأَنْسَبُ بِقَوْلِهِ: وَإِنْ دَقَّ، فَهُوَ بِالِاعْتِبَارِ أَوْلَى وَأَحَقُّ، وَإِنْ كَانَ تَعْدِيَةُ (خَفِيَ) بِاللَّامِ فِي مَعْنَى الْإِظْهَارِ أَظْهَرُ، فَإِنَّهُ يُقَالُ خَفِيَ لَهُ أَيْ: ظَهَرَ، وَخَفِيَ عَلَيْهِ الْأَمْرُ أَيِ: اسْتَتَرَ عَلَى مَا ذَكَرَهُ بَعْضُ الشُّرَّاحِ، لَكِنْ فِي الْقَامُوسِ خَفَاهُ يَخْفِيهِ: أَظْهَرَهُ وَخَفِيَ كَرَضِيَ لَمْ يَظْهَرْ، اهـ
فَالْمَعْنَى الْأَوَّلُ هُوَ الْمُعَوَّلُ فِي فَتْحِ الْفَاءِ فِي لَا يَخْفَى إِلَّا إِنْ ثَبَتَتِ الرِّوَايَةُ بِكَسْرِهَا كَمَا لَا يَخْفَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَرَجُلٌ لَا يُصْبِحُ وَلَا يُمْسِي إِلَّا وَهُوَ يُخَادِعُكَ عَنْ أَهْلِكَ وَمَالِكَ) أَيْ: بِسَبَبِهِمَا فَعَنْ بِمَعْنَى الْبَاءِ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ [النجم: ٣]، عَلَى مَا فِي الْقَامُوسِ، الْكَشَّافِ فِي قَوْلِهِ: ﴿فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا﴾ [البقرة: ٣٦]، أَيْ: حَمَلَهُمَا الشَّيْطَانُ عَلَى الزَّلَّةِ بِسَبَبِهَا (وَذَكَرَ) أَيْ: النَّبِيُّ - ﷺ - إِنْ كَانَ الشَّكُّ الْآتِي مِنَ الصَّحَابِيِّ، أَوْ ذِكْرُ عِيَاضٍ إِنْ كَانَ مِنَ التَّابِعِيِّ وَهَلُمَّ جَرًّا (الْبُخْلَ) أَيْ: فِي الْقِسْمِ الرَّابِعِ (أَوِ الْكَذِبَ): قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ أَيِ: الْبَخِيلُ وَالْكَذَّابُ أَقَامَ الْمَصْدَرَ مَقَامَ الْفَاعِلِ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: وَلَعَلَّ الرَّاوِيَ نَسِيَ أَلْفَاظًا ذَكَرَهَا - ﷺ - فِي شَأْنِ الْبَخِيلِ أَوِ الْكَذَّابِ، فَعَبَّرَ بِهَذِهِ الصِّيغَةِ، وَإِلَّا كَانَ يَقُولُ: وَالْبَخِيلُ أَوِ الْكَذَّابُ. قُلْتُ: الْمَعْنَى كَمَا قَالَ الشَّيْخُ، سَوَاءٌ كَانَ هُنَاكَ صِفَةٌ أُخْرَى لَهُمَا أَمْ لَا. هَذَا وَرُوِيَ بِالْوَاوِ وَحِينَئِذٍ إِمَّا أَنْ يُجْعَلَ اثْنَيْنِ مِنَ الْخَمْسَةِ فَيَكُونُ قَوْلُهُ: (وَالشِّنْظِيرَ) مَنْصُوبًا عَطْفًا عَلَى الْكَذِبِ تَتِمَّةً لَهُ، وَإِمَّا أَنْ يُجْعَلَا وَاحِدًا فَيَكُونُ الشِّنْظِيرُ مَرْفُوعًا. كَذَا قَالَهُ شَارِحٌ، لَكِنْ قَوْلُهُ: تَتِمَّةً لَهُ غَيْرُ صَحِيحٍ ; لِأَنَّ التَّعَدُّدَ الْمَفْهُومَ مِنَ الْوَاوِ، وَهُوَ الَّذِي فَرَّ مِنْهُ وَاقِعٌ فِيهِ، وَلَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ الشِّنْظِيرُ عَطْفَ تَفْسِيرٍ لِلْكَذِبِ لِمَا بَيْنَهُمَا مِنَ التَّبَايُنِ، فَالصَّوَابُ أَنَّ الْوَاوَ بِمَعْنَى " أَوْ " كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ الْأُصُولُ الْمُعْتَمَدَةُ وَالنُّسَخُ الصَّحِيحَةُ، ثُمَّ الشِّنْظِيرُ بِكَسْرِ الشِّينِ وَالظَّاءِ الْمُعْجَمَتَيْنِ بَيْنَهُمَا نُونٌ سَاكِنَةٌ السَّيِّئُ الْخُلُقِ، وَهُوَ مَرْفُوعٌ عَلَى التَّصْحِيحِ كَمَا سَبَقَ. قَوْلُهُ: (الْفَاحِشُ) نَعْتٌ لَهُ، وَلَيْسَ بِمَعْنَى لَهُ أَيِ: الْمُكْثِرُ لِلْفُحْشِ، وَالْمَعْنَى: أَنَّهُ مَعَ سُوءِ خُلُقِهِ فَحَّاشٌ فِي كَلَامِهِ لِمَا بَيْنَهُمَا مِنَ التَّلَازُمِ الْغَالِبِيِّ، هَذَا وَفِي شَرْحِ مُسْلِمٍ لِلنَّوَوِيِّ فِي أَكْثَرِ النُّسَخِ: أَوِ الْكَذِبَ بِأَوْ وَفِي بَعْضِهَا بِالْوَاوِ، وَالْأَوَّلُ هُوَ الْمَشْهُورُ فِي نُسَخِ بِلَادِنَا، وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: رِوَايَتُنَا عَنْ جَمِيعِ شُيُوخِنَا بِالْوَاوِ إِلَّا ابْنَ أَبِي جَعْفَرٍ عَنِ الطَّبَرِيِّ، وَقَالَ بَعْضُ الشُّيُوخِ: وَلَعَلَّهُ الصَّوَابُ، وَبِهِ تَكُونُ الْمَذْكُورَاتُ خَمْسَةً. قَالَ الطِّيبِيُّ: فَعَلَى هَذَا قَوْلُهُ: وَالشِّنْظِيرُ مَرْفُوعٌ فَيَكُونُ عَطْفًا عَلَى رَجُلٍ كَمَا سَبَقَ، وَعَلَى تَأْوِيلِ الْوَاوِ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مَنْصُوبًا مِنْ تَتِمَّةِ الْكَذِبِ أَوِ الْبُخْلِ أَوِ الْبَخِيلُ السَّيِّئُ الْخُلُقِ الْفَحَّاشُ أَوِ الْكَذَّابُ السَّيِّئُ الْخُلُقِ الْفَحَّاشُ. اهـ. وَمَا قَدَّمْنَاهُ هُوَ التَّحْقِيقُ وَإِنْ خَفِيَ عَلَى بَعْضِ أَرْبَابِ التَّدْقِيقَ وَاللَّهُ وَلِيُّ التَّوْفِيقِ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
[ ٧ / ٣١٠٨ ]
٤٩٦١ - وَعَنْ أَنَسٍ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: " «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يُؤْمِنُ عَبْدٌ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ» " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
_________________
(١) (وَعَنْ أَنَسٍ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يُؤْمِنُ عَبْدٌ) أَيْ: إِيمَانًا كَامِلًا (حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ) أَيِ: الْمُسْلِمِ (مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ) أَيْ: مِثْلَ جَمِيعِ مَا يُحِبُّهُ الْعَبْدُ لِنَفْسِهِ، وَفِي شَرْحِ مُسْلِمٍ لِلنَّوَوِيِّ قَالُوا: لَا يُؤْمِنُ الْإِيمَانَ التَّامَّ، وَإِلَّا فَأَصْلُ الْإِيمَانِ يَحْصُلُ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ بِهَذِهِ الصِّفَةِ، وَالْمُرَادُ يُحِبُّ لِأَخِيهِ مِنَ الطَّاعَاتِ وَالْمُبَاحَاتِ. يَدُلُّ عَلَيْهِ مَا جَاءَ فِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ فِي هَذَا الْحَدِيثِ، حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مِنَ الْخَيْرِ. وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو عَمْرِو بْنُ الصَّلَاحِ: وَهَذَا قَدْ يُعَدُّ مِنَ الصَّعْبِ الْمُمْتَنِعِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ إِذْ مَعْنَاهُ لَا يَكْمُلُ إِيمَانُ أَحَدِكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ فِي الْإِسْلَامِ مِثْلَ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ، وَالْقِيَامُ بِذَلِكَ يَحْصُلُ بِأَنْ يُحِبَّ لَهُ حُصُولَ مِثْلِ ذَلِكَ مِنْ جِهَةٍ لَا يُزَاحِمُهُ فِيهَا، وَذَلِكَ سَهْلٌ عَلَى الْقَلْبِ السَّلِيمِ. اهـ.
[ ٧ / ٣١٠٨ ]
وَتَحْقِيقُ ذَلِكَ أَنَّ الْمُؤْمِنِينَ مُتَّحِدُونَ بِحَسَبِ الْأَرْوَاحِ مُتَعَدِّدُونَ مِنْ حَيْثُ الْأَجْسَامِ وَالْأَشْبَاحِ كَنُورٍ وَاحِدٍ فِي مَظَاهِرَ مُخْتَلِفَةٍ، أَوْ كَنَفْسِ وَاحِدَةٍ فِي أَبْدَانٍ مُتَفَرِّقَةٍ، بِحَيْثُ لَوْ تَأَلَّمَ الْوَاحِدُ تَأَثَّرَ الْجَمِيعُ، كَمَا لَوَّحَ إِلَى هَذَا الْمَعْنَى قَوْلُهُ - ﷺ: " «الْمُؤْمِنُونَ كَرَجُلٍ وَاحِدٍ إِنِ اشْتَكَى عَيْنُهُ اشْتَكَى كُلُّهُ، وَإِنِ اشْتَكَى رَأْسُهُ اشْتَكَى كُلُّهُ» "، وَكَمَا رُوِيَ عَنْ بَعْضِ الْمَشَايِخِ النَّقْشَبَنْدِيَّةِ أَنَّهُ أَحَسَّ بِالْبُرُودَةِ فَقَالَ: زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي، فَغَطَّوْهُ فَجَاءَهُ مُرِيدٌ لَهُ وَقَعَ فِي مَاءٍ بَارِدٍ فِي شِتَاءٍ شَدِيدٍ، فَقَالَ الشَّيْخُ: أَدْفِئُوهُ، فَلَمَّا دَفِئَ الْمُرِيدُ قَامَ الشَّيْخُ مُسْتَدْفِئًا، وَنَظِيرُهُ أَنَّ لَيْلَى افْتُصِدَتْ فَخَرَجَ الدَّمُ مِنْ يَدِ الْعَامِرِيِّ، فَأَنْشَدَ:
أَنَا مَنْ أَهْوَى وَمَنْ أَهْوَى أَنَا نَحْنُ رُوحَانِ حَلَلْنَا بَدَنَا
لَكِنَّ الْأَظْهَرَ أَنْ يَقُولَ: نَحْنُ رُوحٌ وَاحِدٌ تَعَلَّقَ بِهَا بَدَنَانِ، فَيَكُونُ إِشَارَةً إِلَى الْأَبْدَانِ الْمُكْتَسَبَةِ الْوَاقِعَةِ لِلسَّادَةِ الصُّوفِيَّةِ، وَإِلَّا فَهُوَ مُوهِمٌ لِلْحُلُولِ، ثُمَّ بَلْ لَوْ تَمَكَّنُوا فِيهِ صَحَّ ذَلِكَ لَهُمْ بِالنِّسْبَةِ إِلَى جَمِيعِ الْأَشْيَاءِ، كَمَا رُوِيَ عَنْ بَعْضِهِمْ: أَنَّهُ ضَرَبَ عَبْدُهُ حِمَارًا، فَتَأَلَّمَ الشَّيْخُ بِحَيْثُ رُؤِيَ أَلَمُ الضَّرْبِ فِي عُضْوِهِ الَّذِي بِإِزَاءِ الْعُضْوِ الْمَضْرُوبِ لِلْحِمَارِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ إِيمَانَهُمْ مِنْ أَثَرِ نُورِ الْهِدَايَةِ شَرْعًا وَطَرِيقَةً، وَمِنْ أَثَرِ نُورِ اللَّهِ حَقِيقَةً، وَهُوَ نُورُ التَّوْحِيدِ مِنْ عَكْسِ نُورِ الْفَرْدَانِيَّةِ مِنْ نُورِ الذَّاتِ فَأَرْوَاحُهُمُ اتَّحَدَتْ بِذَلِكَ النُّورِ الْمُقْتَضِي لِلْأُلْفَةِ وَالرَّحْمَةِ، فَإِنْ حَزِنَ وَاحِدٌ حَزِنُوا، وَإِنْ فَرِحَ وَاحِدٌ فَرِحُوا، وَهَذَا مَقَامُ الْجَمْعِ بِالرُّوحِ، وَهُوَ أَنْ يَجْتَمِعَ عِنْدَ تَجَلِّي الرُّوحِ الْأَعْظَمِ عَنْ تَفْرِقَةِ الطَّبِيعَةِ وَتَتَّحِدُ الْأَرْوَاحُ، وَهُنَاكَ مَقَامٌ أَعْلَى يُقَالُ لَهُ: جَمْعُ الْجَمْعِ، وَهُوَ أَنْ يَجْتَمِعَ عِنْدَ تَجَلِّي الْحَقِّ لَهُ عَنْ تَفْرِقَةِ الْغَيْرِ رُوحَانِيًّا وَنَفْسَانِيًّا مَلَكِيًّا وَمَلَكُوتِيًّا، فَلَا يُرَى غَيْرُ اللَّهِ لِاخْتِفَاءِ جَمِيعِ الْأَشْيَاءِ فِي نُورِ التَّوْحِيدِ، كَاخْتِفَاءِ النُّجُومِ عِنْدَ إِشْرَاقِ الشَّمْسِ، وَهَذَا رَشْحُهُ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ خِتَامُهُ مِسْكٌ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) أَيْ: مَعْنًى، فَلَفْظُ الْبُخَارِيِّ: لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ وَفِي نُسْخَةٍ عَبْدٌ، وَفِي أُخْرَى أَحَدٌ مِنْ غَيْرِ قَسَمٍ، وَلَفْظُ مُسْلِمٍ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يُؤْمِنُ عَبْدٌ حَتَّى يُحِبَّ لِجَارِهِ، أَوْ قَالَ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ»، فَلَمْ يَذْكُرِ الْمُؤَلِّفُ لَفْظَ وَاحِدٍ مِنْهُمَا. وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ، ذَكَرَهُ مِيرَكُ. فَالْمُتَّفَقُ عَلَيْهِ لَفْظًا هُوَ: «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ»، كَمَا رَوَاهُ النَّوَوِيُّ فِي أَرْبَعِينِهِ. وَقَالَ: رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ، وَكَذَا فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ، وَقَالَ: رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالشَّيْخَانِ وَالثَّلَاثَةُ.
[ ٧ / ٣١٠٩ ]
٤٩٦٢ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: " «وَاللَّهِ لَا يُؤْمِنُ، وَاللَّهِ لَا يُؤْمِنُ، وَاللَّهِ لَا يُؤْمِنُ ". قِيلَ: مَنْ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: " الَّذِي لَا يَأْمَنُ جَارُهُ بَوَائِقَهُ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
_________________
(١) (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: وَاللَّهِ) قَسَمٌ خَبَرُهُ (لَا يُؤْمِنُ) أَيْ: إِيمَانًا كَامِلًا أَوْ إِيمَانًا مُطَابِقًا لِمَبْنَاهُ وَمَعْنَاهُ (وَاللَّهِ لَا يُؤْمِنُ، وَاللَّهِ لَا يُؤْمِنُ) كَرَّرَهُ ثَلَاثًا لِلتَّأْكِيدِ وَهُوَ بِلَا عَاطِفَةٍ لِلتَّأْكِيدِ (قِيلَ: مَنْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: الَّذِي لَا يَأْمَنُ جَارُهُ بَوَائِقَهُ) جَمْعُ بَائِقَةٍ بِالْهَمْزِ وَهِيَ الدَّاهِيَةُ أَيْ: غَوَائِلَهُ وَشُرُورَهُ عَلَى مَا فِي النِّهَايَةِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ كَمَالَ الْإِيمَانِ هُوَ الْعَمَلُ بِالْقُرْآنِ، وَمِنْ جُمْلَتِهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ﴾ [النساء: ٣٦]، (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
[ ٧ / ٣١٠٩ ]
٤٩٦٣ - وَعَنْ أَنَسٍ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: " «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ لَا يَأْمَنُ جَارُهُ بَوَائِقَهُ» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
_________________
(١) (وَعَنْ أَنَسٍ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ) أَيْ: مَعَ النَّاجِينَ (مَنْ لَا يَأْمَنُ جَارُهُ بَوَائِقَهُ) وَفِيهِ مُبَالَغَةٌ ; حَيْثُ جَعَلَ عَدَمَ الْأَمْنِ مِنْ وُقُوعِ الضَّرَرِ سَبَبًا لِنَفْيِ دُخُولِ الْجَنَّةِ، فَكَيْفَ إِذَا تَحَقَّقَ لُحُوقُ الضَّرَرِ وَالشَّرِّ؟ (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
[ ٧ / ٣١٠٩ ]
٤٩٦٤ - وَعَنْ عَائِشَةَ وَابْنِ عُمَرَ - ﵃ - عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: " «مَازَالَ جِبْرِيلُ يُوصِينِي بِالْجَارِ، حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ سَيُوَرِّثُهُ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
_________________
(١) (وَعَنْ عَائِشَةَ - ﵂ - وَابْنِ عُمَرَ ﵄، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ: مَا زَالَ جِبْرِيلُ) تَقَدَّمَ فِيهِ أَرْبَعُ قِرَاءَاتٍ (يُوصِينِي بِالْجَارِ) أَيْ: يَأْمُرُنِي بِحِفْظِ حَقِّهِ مِنَ الْإِحْسَانِ إِلَيْهِ وَدَفْعِ الْأَذَى عَنْهُ (حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ) أَيْ: جِبْرِيلُ (سَيُوَرِّثُهُ) أَيِ: الْجَارَ، وَهُوَ بِتَشْدِيدِ الرَّاءِ وَيَجُوزُ تَخْفِيفُهُ عَلَى مَا فِي الْقَامُوسِ، وَرِثَ أَبَاهُ وَمِنْهُ بِكَسْرِ الرَّاءِ يَرِثُهُ كَيَعِدُهُ وَأَوْرَثَهُ جَعَلَهُ مِنْ وَرَثَتِهِ أَيْ: سَيُشْرِكُهُ جِبْرِيلُ فِي الْمِيرَاثِ، كَمَا قَالَ شَارِحٌ، وَالْمَعْنَى: أَنَّهُ يَحْكُمُ بِمِيرَاثِ أَحَدِ الْجَارَيْنِ مِنَ الْآخَرِ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) قَالَ الْمُنْذِرِيُّ: وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِهِمَا، وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ وَحْدَهَا، وَابْنُ مَاجَهْ أَيْضًا وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، ذَكَرَهُ مِيرَكُ. وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالشَّيْخَانِ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَرَوَاهُ أَحْمَدُ وَالشَّيْخَانِ وَالْأَرْبَعَةُ عَنْ عَائِشَةَ، وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ بِسَنَدٍ حَسَنٍ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ بِلَفْظِ: " «مَا زَالَ يُوصِينِي جِبْرِيلُ بِالْجَارِ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ يُوَرِّثُهُ، وَمَا زَالَ يُوصِينِي بِالْمَمْلُوكِ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ يَضْرِبُ لَهُ أَجَلًا أَوْ وَقْتًا إِذَا بَلَغَهُ عَتَقَ» ".
[ ٧ / ٣١١٠ ]
٤٩٦٥ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: " «إِذَا كُنْتُمْ ثَلَاثَةً فَلَا يَتَنَاجَى اثْنَانِ دُونَ الْآخَرِ، حَتَّى تَخْتَلِطُوا بِالنَّاسِ، مِنْ أَجْلِ أَنْ يَحْزُنَهُ» " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
_________________
(١) (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: إِذَا كُنْتُمْ ثَلَاثَةً) أَيْ: فِي الْمُصَاحَبَةِ سَفَرًا أَوْ حَضَرًا (فَلَا يَتَنَاجَى اثْنَانِ) أَيْ: لَا يَتَكَلَّمَا بِالسِّرِّ (دُونَ الْآخَرِ) أَيْ: مُجَازَيْنِ عَنْهُ غَيْرَ مُشَارِكَيْنِ لَهُ، لِئَلَّا يَتَوَهَّمَ أَنَّ نَجْوَاهُمَا لِشَرٍّ مُتَعَلِّقٍ بِهِ (حَتَّى تَخْتَلِطُوا) أَيْ: جَمِيعُكُمْ (بِالنَّاسِ) وَفِيهِ إِيذَانٌ بِأَنَّ النَّهْيَ مَحَلُّهُ أَنْ يَكُونُوا فِي مَوْضِعٍ لَا يَأْمَنُ الْوَاحِدُ فِيهِ عَلَى نَفْسِهِ (مِنْ أَجْلِ أَنْ يَحْزُنَهُ): بِفَتْحِ الْيَاءِ وَضَمِّ الزَّايِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَكَسْرِ ثَالِثِهِ، وَهُمَا لُغَتَانِ فَصِيحَتَانِ، وَالْأُولَى أَشْهَرُ وَعَلَيْهَا الْأَكْثَرُ، وَأَمَّا مَا ضُبِطَ بِفَتْحِ الْيَاءِ وَالزَّايِ فَخَطَأٌ ; لِأَنَّهُ لَازِمٌ وَهُنَا الْفِعْلُ مُتَعَدٍّ وَضَمِيرُ الْفَاعِلِ لِلتَّنَاجِي وَضَمِيرُ الْمَفْعُولِ لِلْآخَرِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عِلَّةً لِلنَّهْيِ أَيْ: لَا تَنَاجَوْا لِئَلَّا يَحْزَنَ صَاحِبُكَ، وَأَنْ يَكُونَ عِلَّةً لِلْفِعْلِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ أَيْ: لَا يَنْبَغِي أَنْ يَصْدُرَ مِنْكُمْ تَنَاجٍ هُوَ سَبَبٌ لِلْحُزْنِ، فَعُلِمَ أَنَّ هُنَاكَ تَنَاجِيًا غَيْرَ مَنْهِيٍّ عَنْهُ، وَالْأَوَّلُ هُوَ الْمُعَوَّلُ لِرِوَايَةِ: فَإِنَّ ذَلِكَ يُحْزِنُهُ. قَالَ الْخَطَابِيُّ: وَإِنَّمَا يُحْزِنُهُ ذَلِكَ لِأَحَدِ مَعْنَيَيْنِ. أَحَدِهِمَا: أَنَّهُ رُبَّمَا يَتَوَهَّمُ أَنَّ نَجْوَاهُمَا لِتَبْيِيتِ رَأَيٍ فِيهِ أَوْ دَسِيسِ غَائِلَةٍ لَهُ، أَوِ الْأَحْزَانُ لِأَجْلِ الِاخْتِصَاصِ بِالْكَرَامَةِ وَهُوَ يُحْزِنُ صَاحِبَهُ. قُلْتُ: وَيَرُدُّ الْقَوْلَ الْآخَرَ قَوْلُهُ حَتَّى يَخْتَلِطُوا، وَقَدْ قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: هَذَا فِي السَّفَرِ، وَفِي الْمَوْضِعِ الَّذِي لَا يَأْمَنُ الرَّجُلُ فِيهِ صَاحِبَهُ عَلَى نَفْسِهِ، فَأَمَّا فِي الْحَضَرِ وَبَيْنَ ظَهْرَانَيِ الْعِمَارَةِ فَلَا بَأْسَ بِهِ، وَقِيلَ قُيِّدَ بِالثَّلَاثَةِ ; لِأَنَّهُمْ لَوْ كَانُوا أَرْبَعَةً فَتَنَاجَى اثْنَانِ فَلَا بَأْسَ. وَقَالَ شَارِحٌ: إِنْ تَنَاجَى اثْنَانِ إِذَا كَثُرَ النَّاسُ فَلَا بَأْسَ ; لِأَنَّهُ لَا يَظُنُّ الثَّالِثُ أَنَّهُمَا يَذْكُرَانِ مِنْهُ قَبِيحًا. قُلْتُ: وَلَوْ ظَنَّهُ أَيْضًا لَا يُبَالِي ; حَيْثُ إِنَّهُ مُخْتَلِطٌ بِالنَّاسِ. وَفِي شَرْحِ السُّنَّةِ: قَدْ صَحَّ «عَنْ عَائِشَةَ أَنَّا كُنَّا أَزْوَاجَ النَّبِيِّ - ﷺ - عِنْدَهُ يَوْمًا فَأَقْبَلَتْ فَاطِمَةُ، فَلَمَّا رَآهَا رَحَّبَ، ثُمَّ سَارَّهَا»، فَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمُسَارَّةَ فِي الْجَمْعِ حَيْثُ لَا رِيبَةَ جَائِزَةٌ. قَالَ النَّوَوِيُّ: هَذَا النَّهْيُ عَنْ تَنَاجِي اثْنَيْنِ بِحَضْرَةِ ثَالِثٍ، وَكَذَا ثَلَاثَةٍ وَأَكْثَرَ بِحَضْرَةِ وَاحِدٍ هُوَ نَهْيُ تَحْرِيمٍ، فَيَحْرُمُ عَلَى الْجَمَاعَةِ الْمُنَاجَاةُ دُونَ وَاحِدٍ مِنْهُمْ إِلَّا بِإِذْنِهِ، وَهَذَا مَذْهَبُ ابْنِ عُمَرَ وَمَالِكٍ وَأَصْحَابِنَا وَجَمَاهِيرِ الْعُلَمَاءِ، وَهُوَ عَامٌّ فِي كُلِّ الْأَزْمَانِ حَضَرًا وَسَفَرًا. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ)، وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ بِلَفْظِ: " «إِذَا كُنْتُمْ ثَلَاثَةً فَلَا يَتَنَاجَى رَجُلَانِ دُونَ الْآخَرِ حَتَّى تَخْتَلِطُوا بِالنَّاسِ، فَإِنَّ ذَلِكَ يَحْزُنُهُ» ". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالشَّيْخَانِ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ.
[ ٧ / ٣١١٠ ]
٤٩٦٦ - وَعَنْ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ - ﵁ -
أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: " «الدِّينُ النَّصِيحَةُ " ثَلَاثًا. قُلْنَا: لِمَنْ؟ قَالَ: " لِلَّهِ، وَلِكِتَابِهِ، وَلِرَسُولِهِ وَلِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ، وَعَامَّتِهِمْ» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
_________________
(١) (وَعَنْ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ): مَنْسُوبٌ إِلَى جَدٍّ لَهُ اسْمُهُ دَارٌ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَمَرْوِيَّاتُهُ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ حَدِيثًا وَلَيْسَ لَهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ إِلَّا هَذَا. قَالَ الْمُؤَلِّفُ: هُوَ تَمِيمُ بْنُ أَوْسٍ الدَّارِيُّ كَانَ نَصْرَانِيًّا أَسْلَمَ سَنَةَ تِسْعٍ، وَكَانَ يَخْتِمُ الْقُرْآنَ فِي رَكْعَةٍ، وَرُبَّمَا رَدَّدَ الْآيَةَ الْوَاحِدَةَ كُلَّهَا إِلَى الصَّبَاحِ. قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْكَدِرِ: إِنَّ تَمِيمًا الدَّارِيَّ نَامَ لَيْلَةً وَلَمْ يَقُمْ لِلتَّهَجُّدِ فِيهَا حَتَّى أَصْبَحَ، فَقَامَ سَنَةً لَمْ يَنَمْ فِيهَا عُقُوبَةً لِلَّذِي صَنَعَ، سَكَنَ الْمَدِينَةَ، ثُمَّ انْتَقَلَ إِلَى الشَّامِ بَعْدَ قَتْلِ عُثْمَانَ، وَأَقَامَ بِهَا إِلَى أَنْ مَاتَ، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ أَسْرَجَ السِّرَاجَ فِي الْمَسْجِدِ، رَوَى عَنْهُ النَّبِيُّ - ﷺ - قِصَّةَ
[ ٧ / ٣١١٠ ]
الدَّجَّالِ وَالْجَسَّاسَةِ وَعَنْهُ أَيْضًا جَمَاعَةٌ (أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: الدِّينُ) أَيْ: أَعْمَالُهُ وَأَفْضَلُ أَعْمَالِهِ أَوِ الْأَمْرُ الْمُهِمُّ فِي الدِّينِ (النَّصِيحَةُ): وَهِيَ تَحَرِّي قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ فِيهِ صَلَاحٌ لِصَاحِبِهِ، أَوْ تَحَرِّي إِخْلَاصِ الْوُدِّ لَهُ، وَالْحَاصِلُ أَنَّهَا إِرَادَةُ الْخَيْرِ لِلْمَنْصُوحِ لَهُ وَهُوَ لَفْظٌ جَامِعٌ لِمَعَانٍ شَتَّى. قَالَ الْخَطَّابِيُّ: النَّصِيحَةُ كَلِمَةٌ جَامِعَةٌ يُعَبَّرُ بِهَا عَنْ جُمْلَةٍ هِيَ إِرَادَةُ الْخَيْرِ، وَلَيْسَ يُمْكِنُ أَنْ يُعَبَّرَ عَنْ هَذَا الْمَعْنَى بِكَلِمَةٍ وَجِيزَةٍ يُحْصِيهَا وَيَجْمَعُ مَعْنَاهَا غَيْرُهَا، كَمَا قَالُوا فِي الْفَلَاحِ لَيْسَ فِي كَلَامِهِمْ كُلِّهِ أَجْمَعُ لِخَيْرِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ مِنْهُ، فَقَوْلُهُ ﵊: " «الدِّينُ النَّصِيحَةُ» " يُرِيدُ عِمَادَ الدِّينِ وَقِوَامَهُ، إِنَّمَا هُوَ النَّصِيحَةُ وَبِهَا ثَبَاتُهُ، كَقَوْلِهِ - ﷺ: " «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّةِ» " وَكَمَا فِي قَوْلِهِ: " «الْحَجُّ عَرَفَةُ» " فَالْحَصْرُ ادِّعَائِيٌّ وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى مَا اشْتُهِرَ مِنْ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ أَحَدُ أَرْبَاعِ الْإِسْلَامِ، وَأَمَّا عَلَى مَا اخْتَارَهُ النَّوَوِيُّ مِنْ أَنَّهُ عَلَيْهِ مَدَارُ الْإِسْلَامِ كَمَا سَيَأْتِي، فَالْحَصْرُ حَقِيقِيٌّ وَهِيَ مَأْخُوذَةٌ مِنْ نَصَحْتُ الْعَسَلَ: إِذَا صَفَّيْتَهُ مِنَ الشَّمْعِ، شَبَّهُوا تَخْلِيصَ الْقَوْلِ وَالْفِعْلِ مِنَ الْغِشِّ بِتَخْلِيصِ الْعَسَلِ مِنَ الشَّمْعِ (ثَلَاثًا) أَيْ: ذَكَرَهَا ثَلَاثًا لِلتَّأْكِيدِ بِهَا وَالِاهْتِمَامِ بِشَأْنِهَا، وَلَيْسَ لَهُ ذِكْرٌ فِي الْأَرْبَعِينَ لِلنَّوَوِيِّ، ثُمَّ لَمَّا كَانَتِ النَّصِيحَةُ مِنَ الْأُمُورِ الْإِضَافِيَّةِ اسْتُفْصِلَتْ، فَقَالَ الرَّاوِي: (قُلْنَا) أَيْ: مَعْشَرُ الصَّحَابَةِ وَالْمُرَادُ بَعْضُهُمْ (لِمَنْ؟) أَيِ: النَّصِيحَةُ لِمَنْ؟ (قَالَ) أَيِ: النَّبِيُّ ﵊: (لِلَّهِ) أَيْ: بِالْإِيمَانِ وَصِحَّةِ الِاعْتِقَادِ فِي وَحْدَانِيَّتِهِ وَتَرْكِ الْإِلْحَادِ فِي صِفَاتِهِ وَإِخْلَاصِ النِّيَّةِ فِي عِبَادَتِهِ، وَبَذْلِ الطَّاقَةِ فِيمَا أَمَرَ بِهِ وَنَهَى عَنْهُ، وَالِاعْتِرَافِ بِنِعْمَتِهِ وَالشُّكْرِ لَهُ عَلَيْهَا، وَمُوَالَاةِ مَنْ أَطَاعَهُ، وَمُعَادَاةِ مَنْ عَصَاهُ، وَحَقِيقَةُ هَذِهِ الْإِضَافَةِ رَاجِعَةٌ إِلَى الْعَبْدِ فِي نَصِيحَةِ نَفْسِهِ لِلَّهِ، وَاللَّهُ غَنِيٌّ عَنْ نُصْحِ كُلِّ نَاصِحٍ، كَذَا ذَكَرَهُ الْخَطَّابِيُّ، وَخُلَاصَتُهُ أَنَّ النَّصِيحَةَ لِلَّهِ هِيَ التَّعْظِيمُ لِأَمْرِهِ وَالشَّفَقَةُ عَلَى خَلْقِهِ. وَقَالَ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ: هِيَ الْإِيمَانُ بِوُجُودِهِ بِأَنْ يَعْلَمَ أَنَّ وَرَاءَ التَّحَيُّزَاتِ مَوْجُودًا خَالِقًا وَبِصِفَاتِهِ الثُّبُوتِيَّةِ وَالسَّلْبِيَّةِ وَالْإِضَافِيَّةِ، وَبِأَفْعَالِهِ بِأَنْ يَعْلَمَ أَنَّ كُلَّ مَا سِوَاهُ الْمُسَمَّى بِالْعَالَمِ، فَإِنَّمَا حَدَثَ بِقُدْرَتِهِ، وَهُوَ مِنَ الْعَرْشِ إِلَى الثَّرَى بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْعَظَمَةِ الْإِلَهِيَّةِ أَقَلُّ مِنْ خَرْدَلَةٍ بِالنِّسْبَةِ إِلَى جَمِيعِ الْعَالَمِ، وَبِأَحْكَامِهِ بِأَنْ يَعْلَمَ أَنَّهَا غَيْرُ مُعَلَّلَةٍ بِغَرَضٍ، وَأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ شَرْعِهَا مَنَافِعُ عَائِدَةٌ إِلَى الْعَبْدِ، وَأَنَّ لَهُ الْحُكْمَ كَيْفَ يَشَاءُ، وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ، إِنْ أَثَابَ فَبِفَضْلِهِ وَإِنَّ عَذَّبَ فَبِعَدْلِهِ. وَأَسْمَائِهِ بِأَنْ يَعْلَمَ بِأَنَّهَا تَوْقِيفِيَّةٌ، ثُمَّ بِإِخْلَاصِ الْعِبَادَةِ وَاجْتِنَابِ مَعَاصِيهِ وَالْحُبِّ لَهُ وَالْبُغْضِ فِيهِ (وَلِكِتَابِهِ) أَيْ: وَالنَّصِيحَةُ لِكِتَابِهِ بِالْإِيمَانِ بِهِ، وَبِأَنَّهُ كَلَامُ اللَّهِ وَوَحْيُهُ وَتَنْزِيلُهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى مِثْلِهِ أَحَدٌ مِنَ الْمَخْلُوقِينَ، وَإِقَامَةُ حُرُوفِهِ فِي التِّلَاوَةِ، وَالتَّصْدِيقُ بِوَعْدِهِ وَوَعِيدِهِ وَالِاعْتِبَارُ بِمَوَاعِظِهِ، وَالتَّفَكُّرُ فِي عَجَائِبِهِ، وَالْعَمَلُ بِمُحْكَمِهِ، وَالتَّسْلِيمُ بِمُتَشَابِهِهِ ذَكَرَهُ الْخَطَّابِيُّ.
وَقِيلَ: هُوَ أَنْ يُكْرِمَهُ وَيَبْذُلَ مَجْهُودَهُ فِي الذَّبِّ عَنْهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْجَاهِلِيَّةِ وَابْتِهَالِ الْمُبْطِلِينَ. وَقَالَ بَعْضُ الْمُدَقِّقِينَ: الْمُرَادُ بِالْكِتَابِ الْقُرْآنُ ; لِأَنَّ الْإِيمَانَ بِهِ يَتَضَمَّنُ الْإِيمَانَ بِجَمِيعِ الْكُتُبِ، أَوْ جِنْسِ الْكُتُبِ السَّمَاوِيَّةِ، إِذِ الْجِنْسُ الْمُضَافُ يُفِيدُ الْعُمُومَ كَمَا تَقَرَّرَ فِي الْأُصُولِ. عَلَى أَنَّ صَاحِبَ الْمِفْتَاحِ صَرَّحَ بِأَنَّ اسْتِغْرَاقَ الْمُفْرَدِ أَشْمَلُ مِنِ اسْتِغْرَاقِ الْجَمْعِ، وَلِذَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الْكِتَابُ أَكْثَرُ مِنَ الْكُتُبِ لِتَنَاوُلِهِ وُحْدَانَ الْجِنْسِ بِخِلَافِ الْكُتُبِ، لَكِنْ حَقَّقَ بَعْضُ الْأَفَاضِلِ أَنَّ الْجَمْعَ الْمُحَلَّى بِاللَّامِ يَشْمَلُ كُلَّ فَرْدٍ مِثْلُ الْمُفْرَدِ. قُلْتُ: وَلَوْ سَلِمَ، فَلَيْسَ شُمُولُ الْجَمْعِ مِثْلَ شُمُولِ الْمُفْرَدِ، ثُمَّ وُقُوعُ الْكِتَابِ فِي جَوَابِ (مَنْ) عَلَى سَبِيلِ التَّغْلِيبِ (وَلِرَسُولِهِ) بِالتَّصْدِيقِ لِنُبُوَّتِهِ وَقَبُولِ مَا جَاءَ بِهِ وَدَعَا إِلَيْهِ، وَبَذْلِ الطَّاعَةِ لَهُ فِيمَا أَمَرَ بِهِ وَنَهَى عَنْهُ، وَالِانْقِيَادِ لَهُ وَإِيثَارِهِ بِالْمَحَبَّةِ فَوْقَ نَفْسِهِ وَوَلَدِهِ وَوَالِدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، وَالْمُرَادُ مُحَمَّدٌ - ﷺ - أَوِ الْجِنْسُ لِيَشْمَلَ الْمَلَكَ أَيْضًا إِذْ هُمْ رُسُلٌ إِلَى الْأَنْبِيَاءِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا﴾ [فاطر: ١]، وَقَالَ: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ﴾ [الحج: ٧٥]، (وَلِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ) بِأَنْ يَنْقَادَ لِطَاعَتِهِمْ فِي الْحَقِّ، وَلَا يَخْرُجَ عَلَيْهِمْ إِذَا جَارُوا، وَيُذَكِّرَهُمْ بِرِفْقٍ وَلُطْفٍ، وَيُعْلِمَهُمْ بِمَا غَفَلُوا عَنْهُ وَلَمْ يَبْلُغْهُمْ مِنْ حُقُوقِ الْمُسْلِمِينَ، وَيُؤَلِّفَ قُلُوبَ النَّاسِ لِطَاعَتِهِمْ، وَمِنَ النَّصِيحَةِ لَهُمْ: الصَّلَاةُ خَلْفَهُمْ وَالْجِهَادُ مَعَهُمْ وَأَدَاءُ الصَّدَقَاتِ إِلَيْهِمْ، وَأَنْ لَا يُغْرِيَهُمْ بِالثَّنَاءِ الْكَاذِبِ عَلَيْهِمْ، وَأَنْ يَدْعُوَ لَهُمْ بِالصَّلَاحِ، هَذَا كُلُّهُ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْأَئِمَّةِ الْخُلَفَاءُ وَغَيْرُهُمْ مِمَّنْ يَقُومُ بِأُمُورِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ أَصْحَابِ الْوِلَايَةِ، وَمُجْمَلُ مَعْنَى الْإِمَامِ مَنْ لَهُ خِلَافَةُ الرَّسُولِ فِي إِقَامَةِ الدِّينِ
[ ٧ / ٣١١١ ]
بِحَيْثُ يَجِبُ اتِّبَاعُهُ عَلَى الْكُلِّ، وَقَدْ يَتَنَاوَلُ ذَلِكَ الْأَئِمَّةَ الَّذِينَ هُمْ عُلَمَاءُ الدِّينِ، وَأَنَّ مِنْ نَصِيحَتِهِمْ قَبُولَ مَا رَوَوْهُ، وَتَقْلِيدَهُمْ فِي الْأَحْكَامِ، وَإِحْسَانَ الظَّنِّ بِهِمْ (وَعَامَّتِهِمْ) أَيْ: وَلِعَامَّةِ الْمُسْلِمِينَ، وَلَعَلَّ حِكْمَةَ تَرْكِ إِعَادَةِ الْعَامِلِ هُنَا إِشَارَةٌ إِلَى حَطِّ مَرْتَبَتِهِمْ بِسَبَبِ تَبَعِيَّتِهِمْ لِلْخَوَاصِّ مِنْ أَئِمَّتِهِمْ بِخِلَافِ مَا قَبْلَهُ، فَإِنَّ كُلًّا مِنَ الْمَعْمُولَاتِ مُسْتَقِلٌّ فِي قَصْدِ النَّصِيحَةِ، ثُمَّ نَصِيحَةُ الْعَامَّةِ بِإِرْشَادِهِمْ إِلَى مَصَالِحِهِمُ الدِّينِيَّةِ وَالدُّنْيَوِيَّةِ وَكَفِّ الْأَذَى عَنْهُمْ وَتَعْلِيمِهِمْ مَا يَنْفَعُهُمْ فِي دِينِهِمْ وَدُنْيَاهُمْ، وَإِعَانَتِهِمْ عَلَيْهِ قَوْلًا وَفِعْلًا، وَسَتْرِ عَوْرَاتِهِمْ، وَسَدِّ خَلَّاتِهِمْ، وَدَفْعِ الْمَضَارِّ عَنْهُمْ، وَجَلْبِ الْمَنَافِعِ لَهُمْ، وَأَمْرِهِمْ بِالْمَعْرُوفِ وَنَهْيِهِمْ عَنِ الْمُنْكَرِ بِرِفْقٍ، وَتَوْقِيرِ كَبِيرِهِمْ وَرَحْمِ صَغِيرِهِمْ، وَتَخَوُّلِهِمْ بِالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَتَرْكِ غِيبَتِهِمْ وَحَسَدِهِمْ وَالذَّبِّ عَنْ أَمْوَالِهِمْ وَأَعْرَاضِهِمْ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَحْوَالِهِمْ، وَمُجْمَلُهُ أَنْ يُحِبَّ لَهُمْ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ مِنَ الْخَيْرِ وَيَكْرَهَ لَهُمْ مَا يَكْرَهُ لِنَفْسِهِ مِنَ الشَّرِّ.
قَالَ الطِّيبِيُّ: وَجُمَّاعُ الْقَوْلِ فِيهِ أَنَّ النَّصِيحَةَ هِيَ خُلُوصُ الْمَحَبَّةِ لِلْمَنْصُوحِ لَهُ وَالتَّحَرِّي فِيمَا يَسْتَدْعِيهِ حَقُّهُ، فَلَا يَبْعُدُ أَنْ يُدْخِلَ فِيهِ نَفْسَهُ بِأَنْ يَنْصَحَهَا بِالتَّوْبَةِ النَّصُوحِ، وَأَنْ يَأْتِيَ بِهَا عَلَى طَرِيقَتِهَا مُتَدَارِكَةً لِلْفُرُطَاتِ مَاحِيَةً لِلسَّيِّئَاتِ، وَيَجْعَلَ قَلْبَهُ مَحَلًّا لِلنَّظَرِ وَالْفِكْرِ، وَرُوحَهُ مُسْتَقَرًّا لِلْمَحَبَّةِ، وَسِرَّهُ مَنَصًّا لِلْمُشَاهَدَةِ، وَعَلَى هَذَا أَعْمَالُ كُلِّ عُضْوٍ مِنَ الْعَيْنِ بِأَنْ يَحْمِلَهَا عَلَى النَّظَرِ إِلَى الْآيَاتِ النَّازِلَةِ، وَالْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ، وَاللِّسَانِ عَلَى النُّطْقِ بِالْحَقِّ وَتَحَرِّي الصِّدْقِ وَالْمُوَاظَبَةِ عَلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَثَنَائِهِ. قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: ٣٦]، (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) وَرَوَى الْبُخَارِيُّ فِي تَارِيخِهِ صَدْرَ الْحَدِيثِ فَقَطْ وَهُوَ قَوْلُهُ: «الدِّينُ النَّصِيحَةُ»، عَنْ ثَوْبَانَ وَالْبَزَّارُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ.
قَالَ النَّوَوِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ عَظِيمُ الشَّأْنِ، وَعَلَيْهِ مَدَارُ الْإِسْلَامِ وَالْإِيمَانِ، وَأَمَّا مَا قِيلَ مِنْ أَنَّهُ أَحَدُ أَرْبَاعِ الْإِسْلَامِ أَيِ: الْأَحَادِيثِ الْأَرْبَعَةِ الَّتِي تَجْمَعُ أُمُورَ الْإِسْلَامِ، فَلَيْسَ كَمَا قَالُوا، بَلِ الْمَدَارُ عَلَى هَذَا وَحْدَهُ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: فِيهِ أَنَّ النَّصِيحَةَ تُسَمَّى دِينًا وَإِسْلَامًا وَأَنَّ الدِّينَ يَقَعُ عَلَى الْعَمَلِ كَمَا يَقَعُ عَلَى الْقَوْلِ، وَقَالُوا: النَّصِيحَةُ فَرْضُ كِفَايَةٍ إِذَا قَامَ بِهِ وَاحِدٌ سَقَطَ عَنِ الْبَاقِينَ، وَالنَّصِيحَةُ لَازِمَةٌ عَلَى قَدْرِ الطَّاقَةِ إِذَا عَلِمَ النَّاصِحُ أَنَّهُ تُقْبَلُ نَصِيحَتُهُ وَيُطَاعُ أَمْرُهُ، وَأَمِنَ عَلَى نَفْسِهِ الْمَكْرُوهَ، وَإِنْ خَشِيَ أَذًى فَهُوَ فِي سِعَةٍ وَاللَّهُ ﷾ أَعْلَمُ.
[ ٧ / ٣١١٢ ]
٤٩٦٧ - وَعَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ - ﵁ - قَالَ: «بَايَعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - عَلَى إِقَامِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَالنُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
_________________
(١) (وَعَنْ جَرِيرٍ) أَيِ: ابْنِ عَبْدِ اللَّهِ كَمَا فِي نُسْخَةٍ وَهُوَ الْبَجَلِيُّ (قَالَ: بَايَعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - عَلَى إِقَامِ الصَّلَاةِ) أَيْ: إِقَامَتِهَا وَإِدَامَتِهَا وَحَذْفُ تَاءِ الْإِقَامَةِ عِنْدَ الْإِضَافَةِ لِلْإِطَالَةِ (وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ) أَيْ: إِعْطَائِهَا وَتَمْلِيكِهَا لِمُسْتَحِقِّيهَا. قَالَ النَّوَوِيُّ: وَإِنَّمَا اقْتَصَرَ عَلَى الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ لِكَوْنِهِمَا أُمَّيِ الْعِبَادَاتِ الْمَالِيَّةِ وَالْبَدَنِيَّةِ، وَهُمَا أَهَمُّ أَرْكَانِ الْإِسْلَامِ بَعْدَ الشَّهَادَتَيْنِ وَإِظْهَارِهَا. اهـ. لَا يُقَالُ لَعَلَّ غَيْرَهُمَا مِنَ الصَّوْمِ وَالْحَجِّ لَمْ يَكُونَا وَاجِبَيْنِ حِينَئِذٍ ; لِأَنَّهُ أَسْلَمَ عَامَ تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - كَمَا سَبَقَ فِي تَرْجَمَتِهِ ; وَلِأَنَّ الصَّوْمَ مِنْ جُمْلَةِ الْعِبَادَاتِ الْبَدَنِيَّةِ، وَمَنْ أَقَامَ عَلَى مُحَافَظَةِ الصَّلَوَاتِ وَمُدَاوَمَتِهَا، فَبِالْأَوْلَى أَنْ يُقِيمَ بِالصَّوْمِ بِخِلَافِ عَكْسِهِ، كَمَا هُوَ مُشَاهَدٌ فِي أَهْلِ الزَّمَانِ، وَالْحَجِّ مُرَكَّبٌ مِنَ الْعِبَادَاتِ الْمَالِيَّةِ وَالْبَدَنِيَّةِ، فَمَنْ قَامَ بِهِمَا قَامَ بِهِ، لَا سِيَّمَا وَمَحَلُّهُ فِي الْعُمُرِ مَرَّةً بِخِلَافِ الصَّلَاةِ، فَإِنَّ لَهَا أَوْقَاتًا فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ. وَالزَّكَاةُ وَاجِبَةٌ فِي كُلِّ سَنَةٍ (وَالنُّصْحِ) بِضَمٍّ فَسُكُونٍ أَيْ: وَبِالنَّصِيحَةِ (لِكُلِّ مُسْلِمٍ) أَيْ: مِنْ خَاصَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ. قَالَ النَّوَوِيُّ: رُوِيَ «أَنَّ جَرِيرًا - ﵁ - اشْتُرِيَ لَهُ فَرَسٌ بِثَلَاثِمِائَةِ دِرْهَمٍ فَقَالَ جَرِيرٌ لِصَاحِبِ الْفَرَسِ: فَرَسُكَ خَيْرٌ مِنْ ثَلَاثِمِائَةِ دِرْهَمٍ أَتَبِيعُهُ بِأَرْبَعِمِائَةٍ؟ قَالَ: ذَلِكَ إِلَيْكَ يَا عَبْدَ اللَّهِ، فَقَالَ: فَرَسُكَ خَيْرٌ مِنْ ذَلِكَ أَتَبِيعُهُ بِخَمْسِمِائَةٍ؟ ثُمَّ لَمْ يَزَلْ يَزِيدُهُ مِائَةً مِائَةً حَتَّى بَلَغَ ثَمَانِمِائَةٍ، فَاشْتَرَاهُ بِهَا فَقِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ: بَايَعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - عَلَى النُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ» (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
[ ٧ / ٣١١٢ ]
الْفَصْلُ الثَّانِي
٤٩٦٨ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا الْقَاسِمِ الصَّادِقَ الْمَصْدُوقَ ﷺ يَقُولُ: " «لَا تُنْزَعُ الرَّحْمَةُ إِلَّا مِنْ شَقِيٍّ» ". رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ.
_________________
(١) الْفَصْلُ الثَّانِي
(٢) (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا الْقَاسِمِ الصَّادِقَ): أَيْ: فِي أَقْوَالِهِ وَأَفْعَالِهِ (الْمَصْدُوقَ): أَيِ: الْمَشْهُودَ بِصِدْقِهِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ [النجم: ٣] ﷺ: قَالَ الْمُظْهِرُ: الصَّادِقُ مَنْ صَدَقَ فِي قَوْلِهِ، وَتَحَرَّاهُ بِفِعْلِهِ، وَالْمَصْدُوقُ مَنْ صَدَقَهُ غَيْرُهُ. اهـ. وَهُوَ بِتَخْفِيفِ الدَّالِ، وَمَعْنَاهُ أَنَّهُ قَالَ لَهُ: صَدَقْتَ، وَأَمَّا بِتَشْدِيدِ الدَّالِ فَالْمَفْعُولُ مِنْهُ مُصَدَّقٌ لَا مَصْدُوقٌ فَافْهَمْ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (يَقُولُ: لَا تُنْزَعُ الرَّحْمَةُ): بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيْ: لَا تُسْلَبُ الشَّفَقَةُ عَلَى خَلْقِ اللَّهِ، وَمِنْهُمْ نَفْسُهُ الَّتِي هِيَ أَوْلَى بِالشَّفَقَةِ وَالْمَرْحَمَةِ عَلَيْهَا مِنْ غَيْرِهَا، بَلْ فَائِدَةُ شَفَقَتِهِ عَلَى غَيْرِهِ رَاجِعَةٌ إِلَيْهَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ﴾ [الإسراء: ٧]، وَلِأَنَّ شَفَقَتَهُ عَلَى خَلْقِ اللَّهِ سَبَبٌ لِرَحْمَتِهِ تَعَالَى عَلَيْهِ لِمَا سَيَأْتِي: أَنَّ الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمُ الرَّحْمَنُ. (إِلَّا مِنْ شَقِيٍّ): أَيْ: كَافِرٍ، أَوْ فَاجِرٍ يَتْعَبُ فِي الدُّنْيَا وَيُعَاقَبُ فِي الْعُقْبَى (رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ): قَالَ مِيرَكُ: وَأَبُو دَاوُدَ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ. قُلْتُ: وَرَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ، وَالْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ.
[ ٨ / ٣١١٣ ]
٤٩٦٩ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو - ﵄ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " «الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمُ الرَّحْمَنُ، ارْحَمُوا مَنْ فِي الْأَرْضِ يَرْحَمْكُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ» ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ.
_________________
(١) (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو): بِالْوَاوِ (﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمُ الرَّحْمَنُ»): لِأَنَّهُمْ مَظَاهِرُهُ، وَمُتَخَلِّقُونَ بِأَخْلَاقِهِ (ارْحَمُوا مَنْ فِي الْأَرْضِ): قَالَ الطِّيبِيُّ: أَتَى بِصِيغَةِ الْعُمُومِ ; لِيَشْمَلَ جَمِيعَ أَصْنَافِ الْخَلْقِ فَيَرْحَمَ الْبَرَّ وَالْفَاجِرَ وَالنَّاطِقَ وَالْبُهْمَ وَالْوُحُوشَ وَالطَّيْرَ اهـ. وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ إِيرَادَ (مَنْ) لِتَغْلِيبِ ذَوِي الْعُقُولِ لِشَرَفِهِمْ عَلَى غَيْرِهِمْ أَوْ لِلْمُشَاكَلَةِ الْمُقَابَلَةِ بِقَوْلِهِ: (يَرْحَمُكُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ): وَهُوَ مَجْزُومٌ عَلَى جَوَابِ الْأَمْرِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِالرَّفْعِ أَيْ: مِنْ مُلْكِهِ الْوَاسِعِ وَقُدْرَتِهِ الْبَاهِرَةِ فِي السَّمَاءِ، أَوْ مَنْ أَمْرُهُ نَافِذٌ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، فَهُوَ مِنْ بَابِ الِاكْتِفَاءِ، وَخَصَّ السَّمَاءَ بِالذِّكْرِ تَشْرِيفًا أَوْ لِأَنَّ الْأَرْضَ تُفْهَمُ بِالْأَوْلَى، أَوْ لِأَنَّ السَّمَاءَ مُحِيطَةٌ بِهَا وَهِيَ كَحَلَقَةٍ بِجَنْبِهَا فِي وَسَطِهَا فَلَا تُذْكَرُ مَعَهَا ; لِحَقَارَتِهَا، وَقِيلَ: الْمُرَادُ مَنْ سَكَنَ فِيهَا وَهُمُ الْمَلَائِكَةُ، فَإِنَّهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينِ آمَنُوا وَيَقُولُونَ: ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينِ تَابُوا﴾ [غافر: ٧] الْآيَةَ. قَالَ الْمُظْهِرُ: اخْتُلِفَ فِي الْمُرَادِ بِقَوْلِهِ: مَنْ فِي السَّمَاءِ، فَقِيلَ: هُوَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ أَيِ: ارْحَمُوا مَنْ فِي الْأَرْضِ شَفَقَةً يَرْحَمْكُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ تَفَضُّلًا، وَتَقْدِيرُ الْكَلَامِ يَرْحَمْكُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ مُلْكُهُ وَقُدْرَتُهُ، وَإِنَّمَا نُسِبَ إِلَى السَّمَاءِ ; لِأَنَّهَا أَوْسَعُ وَأَعْظَمُ مِنَ الْأَرْضِ، أَوْ لِعُلُوِّهَا وَارْتِفَاعِهَا، أَوْ لِأَنَّهَا قِبْلَةُ الدُّعَاءِ وَمَكَانُ الْأَرْوَاحِ الْقُدْسِيَّةِ الطَّاهِرَةِ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ مِنْهُ الْمَلَائِكَةُ أَيْ: يَحْفَظْكُمُ الْمَلَائِكَةُ مِنَ الْأَعْدَاءِ وَالْمُؤْذِيَاتِ، بِأَمْرِ اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُوا لَكُمُ الرَّحْمَةَ مِنَ اللَّهِ الْكَرِيمِ. قُلْتُ: الْمَعْنَى الْأَوَّلُ هُوَ الْمُدَارُ عَلَيْهِ كَمَا أَشَارَ صَدْرُ الْحَدِيثِ إِلَيْهِ، وَلِأَنَّ رَحْمَةَ الْمَلَائِكَةِ فَرْعُ رَحْمَتِهِ تَعَالَى. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ): وَزَادَ فِيهِ: " «الرَّحِمُ شِجْنَةٌ مِنَ الرَّحْمَنِ مَنْ وَصَلَهَا وَصَلَهُ اللَّهُ وَمَنْ قَطَعَهَا قَطَعَهُ» " وَقَالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ اهـ. كَلَامُ التِّرْمِذِيِّ. وَهَذَا هُوَ الْحَدِيثُ الْمُسَلْسَلُ بِالْأَوَّلِيَّةِ ذَكَرَهُ مِيرَكُ وَبَيَّنَّا طَرِيقَهُ فِي بَحْثِ الْمُسَلْسَلِ مِنْ شَرْحِنَا عَلَى شَرْحِ النُّخْبَةِ. وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالْحَاكِمُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَزَادَ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالْحَاكِمُ: وَالرَّحِمُ إِلَخْ.
[ ٨ / ٣١١٣ ]
٤٩٧٠ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " «لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَرْحَمْ صَغِيرَنَا، وَلَمْ يُوَقِّرْ كَبِيرَنَا، وَيَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ، وَيَنْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ.
_________________
(١) (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لَيْسَ مِنَّا) أَيْ: مِنْ خَوَاصِّنَا وَهُوَ كِنَايَةٌ عَنِ التَّبْرِئَةِ: (مَنْ لَمْ يَرْحَمْ صَغِيرَنَا، وَيُوَقِّرْ): بِالْجَزْمِ وَفِي نُسْخَةٍ: وَلَمْ يُوَقِّرْ أَيْ: لَمْ يُعَظِّمْ (كَبِيرَنَا): وَهُوَ شَامِلٌ لِلشَّابِّ، وَالشَّيْخِ (وَيَأْمُرُ بِالْمَعْرُوفِ): بِالْجَزْمِ عَطْفًا عَلَى الْمَجْزُومِ وَكَذَا قَوْلُهُ: (وَيَنْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ): وَهُوَ بِحَذْفِ الْأَلِفِ، وَأَمَّا إِثْبَاتُهُ عَلَى مَا فِي نُسْخَةٍ فَغَيْرُ صَحِيحٍ رِوَايَةً، وَإِنْ كَانَ لَهُ وَجْهُ دِرَايَةٍ فَتَأَمَّلْ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ): وَفِي نُسْخَةٍ: حَسَنٌ غَرِيبٌ، وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ، وَأَبُو دَاوُدَ فِي سُنَنِهِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَيْضًا، لَكِنْ بِلَفْظٍ: " «مَنْ لَمْ يَرْحَمْ صَغِيرَنَا وَيَعْرِفْ حَقَّ كَبِيرِنَا، فَلَيْسَ مِنَّا» ".
[ ٨ / ٣١١٤ ]
٤٩٧١ - وَعَنْ أَنَسٍ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " «مَا أَكْرَمَ شَابٌّ شَيْخًا مِنْ أَجْلِ سِنِّهِ، إِلَّا قَيَّضَ اللَّهُ لَهُ عِنْدَ سِنِّهِ مَنْ يُكْرِمُهُ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
_________________
(١) (وَعَنْ أَنَسٍ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: مَا أَكْرَمَ) أَيْ: مَا أَعْظَمَ وَوَقَّرَ (شَابٌّ شَيْخًا مِنْ أَجْلِ سِنِّهِ) أَيْ: كِبَرِ عُمُرِهِ ; لِأَنَّ الْغَالِبَ عَلَيْهِ زِيَادَةُ عِلْمٍ وَعَمَلٍ مَعَ سَبْقِ إِيمَانِهِ، (إِلَّا قَيَّضَ اللَّهُ): بِتَشْدِيدِ التَّحْتِيَّةِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ [الزخرف: ٣٦] أَيْ قَدَرٌ (لَهُ) أَيْ: لِلشَّابِّ (عِنْدَ سِنِّهِ) أَيْ: حَالِ كِبَرِهِ (مَنْ يُكْرِمُهُ) أَيْ: قَرِينًا يُعَظِّمُهُ وَيَخْدِمُهُ ; لِأَنَّ مَنْ خَدَمَ خُدِمَ، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى طُولِ عُمُرِ الشَّابِّ الْمُعَظِّمِ لِلشَّيْخِ الْمُكَرَّمِ، وَقَدْ حُكِيَ أَنَّ بَعْضَ الْمُرِيدِينَ خَرَجَ مِنْ خُرَاسَانَ ; لِمُلَازِمَةِ شَيْخٍ مِنْ أَهْلِ مِصْرَ، فَاجْتَمَعَ لَهُ وَكَانَ مَعَهُ مُدَّةً، فَجَاءَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْأَكَابِرِ ; لِزِيَارَةِ الشَّيْخِ، فَأَشَارَ الْمُرِيدُ أَنْ يُمْسِكَ دَوَابَّهُمْ، فَخَرَجَ الْمُرِيدُ إِلَى الْخِدْمَةِ، لَكِنْ خَطَرَ بِبَالِهِ أَنَّهُ مَعَ طُولِ مُدَّةِ السَّفَرِ وَاجْتِمَاعِهِ سِنِينَ مَعَ الشَّيْخِ فِي الْحَضَرِ هَذَا نَتِيجَتُهُ، فَلَمَّا خَرَجَ الْأَكَابِرُ، وَدَخَلَ الْمُرِيدُ عِنْدَ الْأُسْتَاذِ، فَقَالَ: يَا وَلَدِي! سَيَأْتِيكَ الْأَكَابِرُ وَيُقَدِّرُ اللَّهُ لَكَ مَنْ يَخْدِمُهُمْ. قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ، وَنَدِيمٌ الْبَارِيُّ عَبْدُ اللَّهِ الْأَنْصَارِيُّ صَاحِبُ مَنَازِلِ السَّائِرِينَ، نَفَعَنَا اللَّهُ مِنْ بَرَكَاتِهِمْ أَجْمَعِينَ، فَكَانَ كَمَا قَالَ الشَّيْخُ حَيْثُ إِنَّهُ لَمْ يُوجَدْ زَمَانٌ إِلَّا عَلَى بَابِهِ بَغْلٌ أَوْ فَرَسٌ ; لِكَثْرَةِ زِيَارَةِ الْأَكَابِرِ، هَذَا وَرَاوِي هَذَا الْحَدِيثِ مِمَّنْ وَفَّقَهُ اللَّهُ لِهَذَا الْمَنْصِبِ الْجَلِيلِ، وَهُوَ الْقَائِمُ بِخِدْمَةِ الْحَبِيبِ وَعُمُرُهُ عَشْرُ سِنِينَ، وَقَدْ أَطَالَ اللَّهُ عُمُرَهُ، وَأَكْثَرَ مَالَهُ وَوَلَدَهُ، فَهُوَ آخِرُ مَنْ مَاتَ بِالْبَصْرَةِ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَلَهُ مِنَ الْعُمُرِ مِائَةٌ وَثَلَاثُ سِنِينَ، وَوُلِدَ لَهُ مِائَةُ وَلَدٍ، وَرَوَى عَنْهُ خَلْقٌ كَثِيرٌ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ): قَالَ مِيرَكُ: وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ غَرِيبٌ.
[ ٨ / ٣١١٤ ]
٤٩٧٢ - وَعَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " «إِنَّ مِنْ إِجْلَالِ اللَّهِ إِكْرَامُ ذِي الشَّيْبَةِ، وَحَامِلُ الْقُرْآنِ غَيْرَ الْغَالِي فِيهِ وَلَا الْجَافِي عَنْهُ وَإِكْرَامُ السُّلْطَانِ الْمُقْسِطِ» ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي " شُعَبِ الْإِيمَانِ ".
_________________
(١) (وَعَنْ أَبِي مُوسَى - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (إِنَّ مِنْ إِجْلَالِ اللَّهِ) أَيْ: تَعْظِيمِهِ وَتَكْرِيمِهِ وَالْمَصْدَرُ مُضَافٌ إِلَى الْفَاعِلِ أَوِ الْمَفْعُولِ قَالَهُ ابْنُ الْمَلَكِ، وَالظَّاهِرُ هُوَ الثَّانِي، كَمَا هُوَ مُتَعَيَّنٌ فِي قَوْلِهِ: (إِكْرَامُ ذِي الشَّيْبَةِ الْمُسْلِمِ، وَحَامِلُ الْقُرْآنِ) أَيْ: وَإِكْرَامُ قَارِئِهِ وَحَافِظِهِ وَمُفَسِّرِهِ (غَيْرَ الْغَالِي فِيهِ): بِالْجَرِّ، أَيْ: غَيْرَ الْمُجَاوِرِ عَنِ الْحَدِّ لَفْظًا وَمَعْنًى كَالْمُوَسْوَسِينَ وَالشَّكَّاكِينَ أَوِ الْمُرَائِينَ أَوِ الْخَائِنِ فِي لَفْظِهِ بِتَحْرِيفِهِ كَأَكْثَرِ الْعَوَامِّ، بَلْ وَكَثِيرٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ أَوْ فِي مَعْنَاهُ بِتَأْوِيلِهِ الْبَاطِلَ كَسَائِرِ الْمُبْتَدِعَةِ. (وَلَا الْجَافِي عَنْهُ)، أَيْ: وَغَيْرَ الْمُتَبَاعِدِ عَنْهُ الْمُعْرِضِ عَنْ تِلَاوَتِهِ، وَأَحْكَامِ قِرَاءَتِهِ، وَإِتْقَانِ مَعَانِيهِ، وَالْعَمَلِ بِمَا فِيهِ، وَقِيلَ: الْغُلُوُّ الْمُبَالَغَةُ فِي التَّجْوِيدِ أَوِ الْإِسْرَاعُ فِي الْقِرَاءَةِ، بِحَيْثُ يَمْنَعُهُ عَنْ تَدَبُّرِ الْمَعْنَى، وَالْجَفَاءُ أَنْ يَتْرُكَهُ بَعْدَمَا عَلِمَهُ لَا سِيَّمَا إِذَا كَانَ نَسِيَهُ، فَإِنَّهُ عُدَّ مِنَ الْكَبَائِرِ. فِي النِّهَايَةِ، وَمِنْهُ الْحَدِيثُ: «اقْرَءُوا الْقُرْآنَ، وَلَا تَجْفُوا عَنْهُ»، أَيْ: تَعَاهَدُوهُ، وَلَا تَبْعُدُوا عَنْ تِلَاوَتِهِ بِأَنْ تَتْرُكُوا قِرَاءَتَهُ وَتَشْتَغِلُوا
[ ٨ / ٣١١٤ ]
بِتَفْسِيرِهِ وَتَأْوِيلِهِ، وَلِذَا قِيلَ: اشْتَغِلْ بِالْعِلْمِ بِحَيْثُ لَا يَمْنَعُكَ عَنِ الْعَمَلِ، وَاشْتَغِلْ بِالْعَمَلِ بِحَيْثُ لَا يَمْنَعُكَ عَنِ الْعِلْمِ، وَحَاصِلُهُ أَنَّ كُلًّا مِنْ طَرَفَيِ الْإِفْرَاطِ وَالتَّفْرِيطِ مَذْمُومٌ وَالْمَحْمُودُ هُوَ الْوَسَطُ الْعَادِلُ، وَأَقَلُّهُ أَنْ يَغْلِبَ عَدْلُهُ جَوْرَهُ خِلَافًا لِمَنْ كَانَ عَكْسُهُ، فَإِنَّ الْبُعْدَ عَنْهُ أَفْضَلُ، وَلِذَا قَالَ بَعْضُ عُلَمَائِنَا: مَنْ قَالَ فِي هَذَا الزَّمَانِ سُلْطَانُنَا عَادِلٌ، فَهُوَ كَافِرٌ، مَعَ أَنَّهُ لَا يَخْلُو كُلُّ سُلْطَانٍ عَنْ نَوْعِ عَدْلٍ، وَتَحْقِيقُهُ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَرْقِ بَيْنَ مَنْ يَعْدِلُ وَبَيْنَ الْعَادِلِ، فَإِنَّ الثَّانِيَ يُطْلَقُ عُرْفًا عَلَى مَنْ كَانَ مَوْصُوفًا بِالْعَدْلِ عَلَى طَرِيقِ الدَّوَامِ، كَمَا يُقَالُ: فُلَانٌ الْمُصَلِّي وَفُلَانٌ الَّذِي يُصَلِّي، هَذَا وُفِي شَرْحِ السُّنَّةِ قَالَ طَاوُسٌ: مِنَ السُّنَّةِ أَنْ تُوَقِّرَ أَرْبَعَةً: الْعَالِمَ وَذَا الشَّيْبَةِ وَالسُّلْطَانَ وَالْوَالِدَ. قُلْتُ: وَفِي مَعْنَاهُ الْوَالِدَةُ، وَالْمُرَادُ بِالْعَالِمِ: هُوَ الْجَامِعُ بَيْنَ الْعِلْمِ وَالْعَمَلِ، كَمَا هُوَ مُسْتَفَادٌ مِنْ قَوْلِهِ: (حَامِلُ الْقُرْآنِ) . وَلَعَلَّ عَدَمَ ذِكْرِ الْوَالِدِ فِي الْحَدِيثِ لِظُهُورِهِ وَعُمُومِهِ، أَوْ لِأَنَّ الْكَلَامَ فِي الْأَجَانِبِ، فَإِذَا كَانَ الْأَبُ شَيْخًا وَحَامِلًا لِلْقُرْآنِ وَسُلْطَانًا ظَاهِرِيًّا فَيَزْدَادُ إِجْلَالُهُ ; لِأَنَّهُ يَجِبُ تَعْظِيمُهُ مِنْ وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ) . وَرَوَى الْخَطِيبُ فِي الْجَامِعِ، عَنْ أَنَسٍ أَنَّ «مِنَ الْإِجْلَالِ تَوْقِيرُ الشَّيْخِ مِنْ أُمَّتِي»، وَلَعَلَّهُ مِنْ جَوَامِعِ الْكَلِمِ، فَإِنَّ الشَّيْخَ يُطْلَقُ عَلَى ذِي الشَّيْبَةِ وَالْعَالِمِ وَالرَّئِيسِ، وَمِنْهُ مَا رُوِيَ: الشَّيْخُ فِي قَوْمِهِ كَالنَّبِيِّ فِي أُمَّتِهِ.
[ ٨ / ٣١١٥ ]
٤٩٧٣ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " «خَيْرُ بَيْتٍ فِي الْمُسْلِمِينَ بَيْتٌ فِيهِ يَتِيمٌ يُحْسَنُ إِلَيْهِ، وَشَرُّ بَيْتٍ فِي الْمُسْلِمِينَ بَيْتٌ فِيهِ يَتِيمٌ يُسَاءُ إِلَيْهِ» ". رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ.
_________________
(١) (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ: خَيْرُ بَيْتٍ فِي الْمُسْلِمِينَ) أَيْ: فِيمَا بَيْنَ بُيُوتِهِمْ (بَيْتٌ فِيهِ يَتِيمٌ يُحْسَنُ إِلَيْهِ)، بِصِيغَةِ الْمَفْعُولِ (وَشَرُّ بَيْتٍ فِي الْمُسْلِمِينَ بَيْتٌ فِيهِ يَتِيمٌ يُسَاءُ إِلَيْهِ) أَيْ: يُؤْذَى بِالْبَاطِلِ، فَإِنَّ ضَرْبَهُ لِلتَّأْدِيبِ، وَتَعْلِيمِ الْقُرْآنِ جَائِزٌ، فَهُمَا دَاخِلَانِ فِي الْإِحْسَانِ مَعْنًى، وَإِنْ كَانَ فِي الصُّورَةِ إِسَاءَةٌ وَالْعَكْسُ عَكْسٌ (رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ): زَادَ فِي الْجَامِعِ: «أَنَا وَكَافِلُ الْيَتِيمِ فِي الْجَنَّةِ هَكَذَا»، وَقَالَ: رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَأَبُو نُعَيْمٍ فِي الْحِلْيَةِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ.
[ ٨ / ٣١١٥ ]
٤٩٧٤ - وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " «مَنْ مَسَحَ رَأْسَ يَتِيمٍ لَمْ يَمْسَحْهُ إِلَّا لِلَّهِ، كَانَ لَهُ بِكُلِّ شَعْرَةٍ تَمُرُّ عَلَيْهَا يَدُهُ حَسَنَاتٌ، وَمَنْ أَحْسَنَ إِلَى يَتِيمَةٍ أَوْ يَتِيمٍ عِنْدَهُ كُنْتُ أَنَا وَهُوَ فِي الْجَنَّةِ كَهَاتَيْنِ " وَقَرَنَ بَيْنَ أُصْبُعَيْهِ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ.
_________________
(١) (وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ) أَيِ: الْبَاهِلِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: مَنْ مَسَحَ رَأْسَ يَتِيمٍ): وَكَذَا حُكْمُ الْيَتِيمَةِ، بَلْ هِيَ الْأَوْلَى بِالْحِنِّيَّةِ ; لِضَعْفِهَا، ثُمَّ التَّنْكِيرُ يُفِيدُ الْعُمُومَ فَيَشْمَلُ الْقَرِيبَ، وَالْأَجْنَبِيَّ يَكُونُ عِنْدَهُ أَوْ عِنْدَ غَيْرِهِ. (لَمْ يَمْسَحْهُ): حَالٌ مِنْ فَاعِلِ مَسَحَ أَيْ: وَالْحَالُ أَنَّهُ لَمْ يَمْسَحْ رَأْسَ الْيَتِيمِ (إِلَّا لِلَّهِ) أَيْ: لَا لِغَرَضٍ سِوَاهُ (كَانَ لَهُ) أَيْ: لِلْمَاسِحِ (بِكُلِّ شَعْرَةٍ): بِسُكُونِ الْعَيْنِ وَيُفْتَحُ أَيْ: بِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْ شَعْرِ رَأْسِهِ (يَمُرُّ): بِالتَّذْكِيرِ وَيُؤَنَّثُ مِنَ الْمُرُورِ أَيْ: يَأْتِي (عَلَيْهَا): وَكَذَا حُكْمُ مُحَاذِيهَا (يَدُهُ): وَفِي نُسْخَةٍ: مِنَ الْإِمْرَارِ فَفَاعِلُهُ ضَمِيرُ الْمَاسِحِ وَيَدُهُ مَفْعُولُهُ (حَسَنَاتٌ) بِالرَّفْعِ عَلَى اسْمِ كَانَ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْحَسَنَاتِ مُخْتَلِفَةٌ كَمِّيَّةً وَكَيْفِيَّةً بِاعْتِبَارِ تَحْسِينِ النِّيَّاتِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: مَسْحُ رَأْسِ الْيَتِيمِ كِنَايَةٌ عَنِ الشَّفَقَةِ وَالتَّلَطُّفِ إِلَيْهِ، وَلَمَّا لَمْ تَكُنِ الْكِنَايَةُ مُنَافِيَةً لِإِرَادَةِ الْحَقِيقَةِ لِإِمْكَانِ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا كَمَا تَقُولُ: فُلَانٌ طَوِيلُ النِّجَادِ وَتُرِيدُ طُولَ قَامَتِهِ، مَعَ طُولِ عَلَاقَةِ سَيْفِهِ رُتِّبَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ بِكُلِّ شَعْرَةٍ يَمُرُّ عَلَيْهِ يَدُهُ. (وَمَنْ أَحْسَنَ إِلَى يَتِيمَةٍ أَوْ يَتِيمٍ): قِيلَ: " أَوْ " لِلتَّنْوِيعِ وَقَدَّمَ الْيَتِيمَةَ ; لِأَنَّهَا أَحْوَجُ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ شَكٌّ مِنْ أَحَدِ الرُّوَاةِ وَقَعَ فِي غَيْرِ مَحَلِّهِ ; لِأَنَّ حُكْمَ الْيَتِيمِ قَدْ عُلِمَ مِمَّا سَبَقَ، فَفِي هَذِهِ الْفِقْرَةِ جَبْرُ الْيَتِيمَةِ بِاللُّطْفِ، اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يُخَصَّ الْإِحْسَانُ بِالْإِنْعَامِ وَالْإِنْفَاقِ وَنَحْوِهِمَا مِمَّا يُغَايِرُ مَعْنَى مُطْلَقِ الْإِحْسَانِ الشَّامِلِ لِلْمَسْحِ، فَـ (أَوْ) لِلتَّنْوِيعِ حِينَئِذٍ مَعَ احْتِمَالِ الشَّكِّ ; لِأَنَّ الْأَحْكَامَ الشَّرْعِيَّةَ غَالِبًا يَسْتَوِي فِيهَا الْمُذَكَّرُ وَالْمُؤَنَّثُ، مَعَ احْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ كُلُّ فَصْلٍ مِنَ الْحَدِيثِ عَلَى حِدَةٍ سَمِعَهُ الرَّاوِي، فَجَمَعَهُمَا فِي الْأَدَاءِ، ثُمَّ قَوْلُهُ: (عِنْدَهُ): أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ الْيَتِيمُ لَهُ أَوْ لِغَيْرِهِ
[ ٨ / ٣١١٥ ]
(كُنْتُ أَنَا وَهُوَ) أَيِ: الْمُحْسِنُ وَأَتَى بِضَمِيرِ الْفَصْلِ، لِيَصِحَّ الْعَطْفُ عَلَى الضَّمِيرِ (فِي الْجَنَّةِ): خَبَرُ كَانَ، فَيَجِبُ أَنْ يُقَدَّرَ مُتَعَلِّقُهُ خَاصًّا يُوَافِقُ قَوْلَهُ: (كَهَاتَيْنِ) أَيْ: مُتَقَارِنَيْنِ فِي الْجَنَّةِ اقْتِرَانًا مِثْلَ هَاتَيْنِ الْأُصْبُعَيْنِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ كَهَاتَيْنِ حَالًا مِنَ الضَّمِيرِ الْمُسْتَقِرِّ فِي الْخَبَرِ، وَأَنْ يَكُونَ هُوَ الْخَبَرَ، وَفِي الْجَنَّةِ ظَرْفٌ لَكُنْتُ كَذَا حَقَّقَهُ الطِّيبِيُّ (وَقَرَنَ بَيْنَ أُصْبُعَيْهِ) أَيِ: الْمِسْبَحَةُ وَالْوُسْطَى. وَفِي الْحَدِيثِ إِشَارَةٌ إِلَى بِشَارَةِ حُسْنِ الْخَاتِمَةِ (رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ) . وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: " «مَنْ أَحْسَنَ إِلَى يَتِيمٍ أَوْ يَتِيمَةٍ كُنْتُ أَنَا وَهُوَ فِي الْجَنَّةِ كَهَاتَيْنِ» " رَوَاهُ الْحَكِيمُ عَنْ أَنَسٍ، وَفِي رِوَايَةِ الطَّبَرَانِيِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِلَفْظِ: " «مَنْ آوَى يَتِيمًا أَوْ يَتِيمَيْنِ، ثُمَّ صَبَرَ وَاحْتَسَبَ كُنْتُ أَنَا وَهُوَ فِي الْجَنَّةِ كَهَاتَيْنِ» ".
[ ٨ / ٣١١٦ ]
٤٩٧٥ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " «مَنْ آوَى يَتِيمًا إِلَى طَعَامِهِ وَشَرَابِهِ أَوْجَبَ اللَّهُ لَهُ الْجَنَّةَ أَلْبَتَّةَ، إِلَّا أَنْ يَعْمَلَ ذَنْبًا لَا يُغْفَرُ. وَمَنْ عَالَ ثَلَاثَ بَنَاتٍ أَوْ مِثْلَهُنَّ مِنَ الْأَخَوَاتِ فَأَدَّبَهُنَّ وَرَحِمَهُنَّ حَتَّى يُغْنِيَهُنَّ اللَّهُ أَوْجَبَ اللَّهُ لَهُ الْجَنَّةَ ". فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! وَاثْنَتَيْنِ؟ قَالَ: " أَوِ اثْنَتَيْنِ " حَتَّى لَوْ قَالُوا: أَوْ وَاحِدَةً؟ لَقَالَ: وَاحِدَةً " وَمَنْ أَذْهَبَ اللَّهُ بِكَرِيمَتَيْهِ وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ ". قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! وَمَا كَرِيمَتَاهُ؟ قَالَ: " عَيْنَاهُ» ". رَوَاهُ فِي " شَرْحِ السُّنَّةِ ".
_________________
(١) (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: مَنْ آوَى): بِمَدِّ الْهَمْزَةِ وَيُقْصَرُ فَفِي النِّهَايَةِ: آوَى وَأَوَى بِمَعْنًى وَاحِدٍ، وَالْمَقْصُورُ مِنْهُمَا لَازِمٌ وَمُتَعَدٍّ أَيْ ضَمَّ. (يَتِيمًا): وَالْيَتِيمَةُ بِالْأُولَى أَوْ هُوَ مِنْ بَابِ الِاكْتِفَاءِ (إِلَى طَعَامِهِ وَشَرَابِهِ) أَيْ: سَوَاءٌ أَكَلَ مَعَهُ، أَمْ لَا وَالضَّمِيرَانِ لِمَنْ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَا لِلْيَتِيمِ، وَإِلَى بِمَعْنَى " مَعَ " فَيَكُونُ أَبْلَغَ فِي التَّرْغِيبِ وَيُفْهَمُ الْأَوَّلُ بِالْأَوْلَى (أَوْجَبَ): أَيْ أَثْبَتَ (اللَّهُ لَهُ الْجَنَّةَ)، أَوْ أَوْجَبَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ عَلَى نَفْسِهِ بِمُقْتَضَى وَعْدِهِ (أَلْبَتَّةَ)، أَيْ: إِيجَابًا قَاطِعًا بِلَا شَكٍّ وَشُبْهَةٍ (إِلَّا أَنْ يَعْمَلَ ذَنْبًا لَا يُغْفَرُ) الْمُرَادُ مِنْهُ الشِّرْكُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨] كَذَا ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَقَالَ شَارِحٌ، وَتَبِعَهُ ابْنُ الْمَلَكِ أَيِ: الشِّرْكُ، وَقِيلَ مَظَالِمُ الْخَلْقِ. قُلْتُ: وَالْجَمْعُ هُوَ الْأَظْهَرُ لِلْإِجْمَاعِ عَلَى أَنَّ حَقَّ الْعِبَادِ لَا يُغْفَرُ بِمُجَرَّدِ ضَمِّ الْيَتِيمِ أَلْبَتَّةَ، مَعَ أَنَّ مِنْ جُمْلَةِ حُقُوقِ الْعِبَادِ أَكْلَ مَالِ الْيَتِيمِ، نَعَمْ يَكُونُ تَحْتَ الْمَشِيئَةِ، فَالتَّقْدِيرُ إِلَّا أَنْ يَعْمَلَ ذَنْبًا لَا يُغْفَرُ إِلَّا بِالتَّوْبَةِ أَوْ بِالِاسْتِحْلَالِ وَنَحْوِهِ، وَحَاصِلُهُ أَنَّ سَائِرَ الذُّنُوبِ الَّتِي بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تُغْفَرُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. (وَمَنْ عَالَ ثَلَاثَ بَنَاتٍ) أَيْ: تَعَهَّدَهُنَّ وَقَامَ بِمُؤْنَتِهِنَّ (أَوْ مِثْلَهُنَّ) أَيْ: فِي الْعَدَدِ (مِنَ الْأَخَوَاتِ فَأَدَّبَهُنَّ) أَيِ: الْبَنَاتِ أَوِ الْأَخَوَاتِ، وَكَذَا قَوْلُهُ: (وَرَحَمَهُنَّ) أَيْ: أَشْفَقَ عَلَيْهِنَّ وَأَحْسَنَ إِلَيْهِنَّ (حَتَّى يُغْنِيَهُنَّ اللَّهُ): إِمَّا بِمَالٍ، أَوْ بِزَوْجٍ أَوْ بِمَوْتٍ (أَوْجَبَ اللَّهُ لَهُ الْجَنَّةَ فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَوِ اثْنَتَيْنِ)؟ قَالَ الطِّيبِيُّ: عَطْفُ تَلْقِينٍ أَيْ قُلْ أَوِ اثْنَتَيْنِ وَلِذَلِكَ (قَالَ: أَوِ اثْنَتَيْنِ): قُلْتُ: وَ(أَوْ) لِلتَّنْوِيعِ أَوْ بِمَعْنَى " بَلْ " أَوْ بِمَعْنَى الْوَاوِ لِلتَّشْرِيكِ فِي الْحُكْمِ، وَكَأَنَّ الْحُكْمَ الْإِلَهِيَّ كَانَ عَامًّا أَوْ مُطْلَقًا مُفَوَّضًا إِلَيْهِ فَاخْتَارَ الْأَكْثَرَ بِالذِّكْرِ تَرْغِيبًا، فَلَمَّا قِيلَ تَهْوِينًا لِلْأَمْرِ أَوِ اثْنَتَيْنِ قَالَ: أَوِ اثْنَتَيْنِ. (حَتَّى لَوْ قَالُوا): أَيْ بَعْضُ الصَّحَابَةِ أَعَمَّ مِنْ ذَلِكَ الْقَائِلِ (أَوْ وَاحِدَةً)؟ بِالنَّصْبِ (فَقَالَ: وَاحِدَةً) أَيْ (أَوْ وَاحِدَةً) قَالَ الطِّيبِيُّ: حَتَّى غَايَةِ الْمُرَافَقَةِ أَيْ: لَمْ يَزَلْ يُوَافِقُهُ فِي التَّنَزُّلِ حَتَّى لَوْ قَالَ أَوْ وَاحِدَةً لَوَافَقَهُ اهـ. وَيُمْكِنُ أَنَّهُ - ﷺ - أَخْبَرَ عَنْ حُكْمِ الثَّلَاثِ. وَقَالَ رَجُلٌ: أَوِ اثْنَتَيْنِ، فَقَالَ بِوَحْيٍ جَدِيدٍ أَوِ اثْنَتَيْنِ حَتَّى لَوْ قَالُوا أَوْ وَاحِدَةً لَوَافَقَهُمْ بِنَاءً عَلَى عَادَةِ اللَّهِ الْجَارِيَةِ لِلْأُمَّةِ الْمَرْحُومَةِ مِنْ كَمَالِ لُطْفِهِ وَكَرَمِهِ إِلَيْهِمْ بِبَرَكَتِهِ - ﷺ - وَنَظِيرُهُ: «اللَّهُمَّ ارْحَمِ الْمُحَلِّقِينَ. قَالُوا: وَالْمُقَصِّرِينَ؟» الْحَدِيثَ. اسْتَدْعَى أَنْ يَشْمَلَ الرَّحْمَةَ لِلْمُقَصِّرِينَ أَيْضًا، وَإِنَّمَا وَقَعَ الِالْتِمَاسُ التَّلْقِينِيُّ هُنَا ; لِأَنَّهُ رُبَّمَا لَا تُوجَدُ عِنْدَ شَخْصٍ ثَلَاثَةٌ أَوِ اثْنَتَانِ فَيَصِيرُ مَحْرُومًا مِنَ الثَّوَابِ وَهُمْ حَرِيصُونَ عَلَى تَحْصِيلِهِ مِنْ كُلِّ بَابٍ، كَمَا وَرَدَ فِي الْبُخَارِيِّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ: أَنَّهُ - ﷺ - قَالَ: " «مَا مِنْكُنَّ امْرَأَةٌ تُقَدِّمَ بَيْنَ يَدَيْهَا مِنْ
[ ٨ / ٣١١٦ ]
وَلَدِهَا ثَلَاثَةً إِلَّا كُنَّ لَهَا حِجَابًا مِنَ النَّارِ ". فَقَالَتِ امْرَأَةٌ مِنْهُنَّ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَوِ اثْنَيْنِ فَأَعَادَتْهَا مَرَّتَيْنِ؟ ثُمَّ قَالَ: " وَاثْنَيْنِ وَاثْنَيْنِ» ". وَفِي رِوَايَةٍ لِأَحْمَدَ عَنْ مُعَاذٍ: " «مَا مِنْ مُسْلِمَيْنِ يُتَوَفَّى لَهُمَا ثَلَاثَةٌ إِلَّا أَدْخَلَهُمَا اللَّهُ الْجَنَّةَ بِفَضْلِ رَحْمَتِهِ إِيَّاهُمَا " فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَوِ اثْنَانِ؟ قَالَ: " أَوِ اثْنَانِ ". قَالُوا: " أَوْ وَاحِدٌ ". قَالَ: " أَوْ وَاحِدٌ» ". وَجَاءَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ: وَمَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ فَرَطٌ، فَإِنَّا فَرَطُهُ ; فَإِنَّهُمْ لَنْ يُصَابُوا بِمِثْلِي، وَحَاصِلُهُ أَنَّ حُكْمَ الْبِنْتِ وَالْأُخْتِ الْوَاحِدَةِ كَذَلِكَ، لَكِنَّهَا فِي الْمَرْتَبَةِ الْأَدْنَى، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ بِنْتٌ أَوْ أُخْتٌ فَلْيَتَعَهَّدْ يَتِيمَةً مِنَ الْأَقَارِبِ أَوِ الْأَجَانِبِ، وَمَنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى ذَلِكَ فَنِيَّةُ الْمُؤْمِنِ خَيْرٌ مِنْ عَمَلِهِ. (وَمَنْ أَذْهَبَ اللَّهُ كَرِيمَتَيْهِ) أَيْ عَيْنَيْهِ، وَالْمُرَادُ نُورُهُمَا وَهُوَ بِأَنْ خُلِقَ أَكْمَهَ أَوْ حَدَثَ لَهُ فِي الصِّغَرِ أَوِ الْكِبَرِ. وَفِي النِّهَايَةِ أَيْ: جَارِحَتَيْهِ الْكَرِيمَتَيْنِ عَلَيْهِ، وَكُلُّ شَيْءٍ يُكْرَمُ عَلَيْكَ فَهُوَ كَرِيمُكَ وَكَرِيمَتُكَ. وَفِي الْقَامُوسِ: الْكَرِيمَانِ: الْحَجُّ وَالْجِهَادُ، وَمِنْهُ «خَيْرُ النَّاسِ مُؤْمِنٌ بَيْنَ كَرِيمَيْنِ»، أَوْ مَعْنَاهُ بَيْنَ فَرَسَيْنِ يَغْزُو عَلَيْهِمَا، أَوْ بَعِيرَانِ يَسْتَقِي عَلَيْهِمَا، وَأَبَوَانِ كَرِيمَانِ مُؤْمِنَانِ، وَكَرِيمَتُكَ ابْنَتُكَ، وَكُلُّ جَارِحَةٍ شَرِيفَةٍ كَالْأُذُنِ، وَالْكَرِيمَتَانِ: الْعَيْنَانِ اهـ. فَتَأَمَّلْ. وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ: بِكَرِيمَتَيْهِ، فَالْبَاءُ زَائِدَةٌ فِيهَا، لِلْمُبَالَغَةِ فِي التَّعْدِيَةِ، وَالْمَعْنَى فَصَبَرَ عَلَى فَقْدِهِمَا وَشَكَرَ رَبَّهُ عَلَى سَائِرِ نِعَمِهِ. (وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ) . وَفِي نُسْخَةٍ إِلَّا أَوْجَبَ اللَّهُ لَهُ الْجَنَّةَ (قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! وَمَا كَرِيمَتَاهُ؟ قَالَ: عَيْنَاهُ): وَالظَّاهِرُ أَنْ يُرَادَ التَّثْنِيَةُ ; لِإِزَالَةِ كَمَالِ الثَّوَابِ وَإِلَّا فَقْدُ وَاحِدَةٍ أَيْضًا لَا يَخْلُو عَنِ الْمَثُوبَةِ (رَوَاهُ) أَيِ: الْبَغَوَيُّ (فِي شَرْحِ السُّنَّةِ) أَيْ: بِإِسْنَادِهِ وَنَقَلَ مِيرَكُ عَنِ التَّصْحِيحِ أَنَّ الْحَدِيثَ رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ بِجُمْلَتِهِ، وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ مِنْهُ إِلَى قَوْلِهِ: إِلَّا أَنْ يَعْمَلَ ذَنْبًا لَا يُغْفَرُ. وَرَوَاهُ الْمُصَنِّفُ يَعْنِي صَاحِبَ الْمَصَابِيحِ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ بِتَمَامِهِ أَيْضًا إِلَّا قَوْلَهُ: إِلَّا أَنْ يَعْمَلَ ذَنْبًا لَا يُغْفَرُ اهـ. فَالصَّوَابُ أَنْ يُنْسَبَ الْحَدِيثُ إِلَى الطَّبَرَانِيِّ فَيَتَوَجَّهُ الِاعْتِرَاضُ عَلَى صَاحِبِ الْمِشْكَاةِ فِي قُصُورِ تَتَبُّعِهِ، وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: " «مَنْ عَالَ ثَلَاثَ بَنَاتٍ فَأَدَّبَهُنَّ وَزَوَّجَهُنَّ وَأَحْسَنَ إِلَيْهِنَّ فَلَهُ الْجَنَّةُ» ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، وَفِيهِ أَيْضًا: " «مَنْ ذَهَبَ بَصَرُهُ فِي الدُّنْيَا جَعَلَ اللَّهُ لَهُ نُورًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنْ كَانَ صَالِحًا» " رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ.
[ ٨ / ٣١١٧ ]
٤٩٧٦ - وَعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ - ﵄ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " «لَأَنْ يُؤَدِّبَ الرَّجُلُ وَلَدَهُ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِصَاعٍ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ، وَنَاصِحٌ الرَّاوِي لَيْسَ عِنْدَ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ بِالْقَوِيِّ.
_________________
(١) (وَعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ): ﵁ مَرَّ ذِكْرُهُ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لَأَنْ يُؤَدِّبَ الرَّجُلُ) أَيْ: وَاللَّهِ لَتَأْدِيبُ الرَّجُلِ بِقَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ (وَلَدَهُ) أَيْ: تَأْدِيبًا وَاحِدًا لَيُلَائِمُ قَوْلَهُ: (خَيْرٌ لَهُ) أَيْ: لِلرَّجُلِ (مِنْ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِصَاعٍ) . وَإِنَّمَا يَكُونُ خَيْرًا لَهُ ; لِأَنَّ الْأَوَّلَ وَاقِعٌ فِي مَحَلِّهِ لَا مَحَالَةَ بِخِلَافِ الثَّانِي ; فَإِنَّهُ تَحْتَ الِاحْتِمَالِ، أَوْ لِأَنَّ الْأَوَّلَ إِفَادَةٌ عِلْمِيَّةٌ حَالِيَّةٌ، وَالثَّانِي عَمَلِيَّةٌ مَالِيَّةٌ، أَوْ لِأَنَّ أَثَرَ الثَّانِي سَرِيعُ الْفَنَاءِ، وَنَتِيجَةَ الْأَوَّلِ طَوِيلَةُ الْبَقَاءِ، أَوْ لِأَنَّ الرَّجُلَ بِتَرْكِ الْأَوَّلِ قَدْ يُعَاقَبُ، وَبِتَرْكِ الثَّانِي لَمْ يُعَاقَبْ، وَأَمْثَالُ ذَلِكَ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ، وَنَاصِحٌ الرَّاوِي لَيْسَ عِنْدَ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ بِالْقَوِيِّ) . أَيْ: وَلَمْ يَعْرِفْ هَذَا الْحَدِيثَ إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ اهـ ذَكَرَهُ مِيرَكُ. وَعَلَى تَقْدِيرِ ضَعْفِهِ يَعْمَلُ بِهِ فِي فَضَائِلِ الْأَعْمَالِ إِجْمَاعًا، وَلَا شَكَّ أَنَّ الْمُرَادَ بِالتَّأْدِيبِ هُنَا تَعْلِيمُ الْآدَابِ الشَّرْعِيَّةِ، وَهَذَا الْمَعْنَى مُسْتَفَادٌ مِنَ الْأَدِلَّةِ الْقُرْآنِيَّةِ وَالْحَدِيثِيَّةِ، وَقَدْ رَوَى الطَّبَرَانِيُّ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ أَبِي رَافِعٍ مَرْفُوعًا " «لَأَنْ يَهْدِيَ اللَّهُ عَلَى يَدَيْكَ رَجُلًا خَيْرٌ لَكَ مِمَّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ وَغَرَبَتْ» " وَمِمَّا يُؤَيِّدُهُ الْحَدِيثُ الْآتِي مِمَّا يَلِيهِ.
[ ٨ / ٣١١٧ ]
٤٩٧٧ - وَعَنْ أَيُّوبَ بْنِ مُوسَى، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " «مَا نَحَلَ وَالِدٌ وَلَدَهُ مِنْ نُحْلٍ أَفْضَلَ مِنْ أَدَبٍ حَسَنٍ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي " شُعَبِ الْإِيمَانِ " وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا عِنْدِي حَدِيثٌ مُرْسَلٌ.
_________________
(١) (وَعَنْ أَيُّوبَ بْنِ مُوسَى) أُمَوِيٌّ تَابِعِيٌّ، رَوَى عَنْ عَطَاءٍ وَمَكْحُولٍ وَطَبَقَتِهِمَا، وَعَنْهُ شُعْبَةُ وَغَيْرُهُ وَكَانَ أَحَدَ الْفُقَهَاءِ (عَنْ أَبِيهِ) أَيْ: مُوسَى بْنِ عَمْرٍو، لَمْ يَذْكُرْهُ الْمُصَنِّفُ (عَنْ جَدِّهِ) أَيْ: عَمْرِو بْنِ سَعِيدٍ أَوْ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ، وَسَيَأْتِي بَيَانُهُ. وَسَعِيدُ بْنُ الْعَاصِ وُلِدَ عَامَ الْهِجْرَةِ، وَكَانَ أَحَدَ أَشْرَافِ قُرَيْشٍ، وَهُوَ أَحَدُ الَّذِينَ كَتَبُوا الْمُصْحَفَ لِعُثْمَانَ، وَاسْتَعْمَلَهُ عُثْمَانُ عَلَى الْكُوفَةِ، وَغَزَا بِالنَّاسِ طَبَرِسْتَانَ فَافْتَتَحَهَا وَمَاتَ سَنَةَ تِسْعٍ وَخَمْسِينَ، ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِي فَصْلِ الصَّحَابَةِ. (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: مَا نَحَلَ) أَيْ: مَا أَعْطَى (وَالِدٌ وَلَدَهُ مِنْ نُحْلٍ): بِضَمِّ النُّونِ وَيُفْتَحُ أَيْ عَطِيَّةً أَوْ إِعْطَاءً، فَفِي النِّهَايَةِ: النَّحْلُ الْعَطِيَّةُ وَالْهِبَةُ ابْتِدَاءً مِنْ غَيْرِ عِوَضٍ وَلَا اسْتِحْقَاقٍ، يُقَالُ: نَحَلَهُ يَنْحَلُهُ نُحْلًا بِالضَّمِّ، وَالنِّحْلَةُ بِالْكَسْرِ الْعَطِيَّةُ. وَفِي الْقَامُوسِ: النِّحْلُ الشَّيْءُ الْمُعْطَى وَبِالضَّمِّ مَصْدَرُ نَحَلَهُ أَعْطَاهُ، وَالِاسْمُ النِّحْلَةُ بِالْكَسْرِ وَيُضَمُّ (أَفْضَلَ مِنْ أَدَبٍ حَسَنٍ) . وَهُوَ الْمُطَابِقُ لِلْعُرْفِ الْمُوَافِقُ لِلشَّرْعِ قَالَ الطِّيبِيُّ: جَعَلَ الْأَدَبَ الْحَسَنَ مَنْ جِنْسِ الْمَالِ وَالْعَطَيَاتِ مُبَالَغَةً، كَمَا جَعَلَ اللَّهُ الْقَلْبَ السَّلِيمَ مَنْ جِنْسِ الْبَنِينَ وَالْمَالِ. فِي قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ - إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء: ٨٨ - ٨٩] قُلْتُ وَالصَّحِيحُ فِي الْآيَةِ: أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ مُنْقَطِعٌ أَيْ: وَلَكِنَّ سَلَامَةَ مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ تَنْفَعُهُ، أَوْ مُتَّصِلٌ وَالْمَعْنَى: الْآمَالُ مَنْ هَذَا شَأْنُهُ وَبَنُوهُ حَيْثُ أَنْفَقَ مَالَهُ مِنَ الْبِرِّ، وَأَرْشَدَ بَنِيهِ إِلَى الْحَقِّ، وَقِيلَ: الِاسْتِثْنَاءُ مِمَّا يَدُلُّ عَلَيْهِ الْمَالُ وَالْبَنُونَ أَيْ: لَا يَنْفَعُ غِنَى الْأَغْنِيَاءِ، هَذَا وَلَمْ يَظْهَرْ وَجْهُ الْمُبَالَغَةِ لَا فِي الْحَدِيثِ، وَلَا فِي الْآيَةِ مَعَ أَنَّ الْحَدِيثَ مُسْتَغْنٍ عَنِ التَّكَلُّفِ، فَإِنَّهُ إِذَا قِيلَ: الْأَدَبُ خَيْرٌ مِنَ الذَّهَبِ، أَوِ الْبَشَرِ خَيْرٌ مِنَ الْمُلْكِ، فَالْمَعْنَى أَنَّ هَذَا الْجِنْسَ أَحْسَنٌ مِنْ هَذَا الْجِنْسِ وَلَا يَحْتَاجُ إِلَى جَعْلِ أَحَدِهِمَا مِنْ جِنْسِ الْآخَرِ، إِذْ مَعْنَى الْكَلَامِ تَامٌّ بِدُونِهِ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ عِنْدِي مُرْسَلٌ) . قَالَ الطِّيبِيُّ، قَوْلُهُ: عِنْدِي يَدُلُّ عَلَى اخْتِلَافٍ فِيهِ، وَذَلِكَ أَنَّ قَوْلَهُ عَنْ جَدِّهِ يُوهِمُ الِاتِّصَالَ وَالْإِرْسَالَ، فَإِنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ جَدُّ أَيُّوبَ وَهُوَ عَمْرٌو، فَيَكُونُ مُرْسَلًا، وَأَنْ يَكُونَ جَدُّ أَبِيهِ وَهُوَ سَعِيدٌ صَحَابِيًّا، فَيَكُونُ مُتَّصِلًا. قَالَ الطِّيبِيُّ: رَوَى الْبُخَارِيُّ الْحَدِيثَ فِي تَارِيخِهِ وَقَالَ: إِنَّهُ لَمْ يَصِحَّ سَمَاعُ جَدِّ أَيُّوبَ، فَوَافَقَ التِّرْمِذِيُّ الْبُخَارِيَّ وَقَالَ: هَذَا عِنْدِي مُرْسَلٌ. وَفِي جَامِعِ الْأُصُولِ إِشْعَارٌ بِأَنَّهُ مُتَّصِلٌ حَيْثُ رُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ. قُلْتُ: وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُ مُرْسَلٌ حَيْثُ قَالَ: رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالْحَاكِمُ عَنْ عَمْرِو بْنِ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ، هَذَا وَكَلَامُ الْبُخَارِيِّ أَنَّهُ لَمْ يَصِحَّ لَهُ سَمَاعُ جَدِّ أَيُّوبَ إِنْ أَرَادَ بِهِ جَدَّهُ الْكَبِيرَ، فَلَا يَضُرُّ الْحَدِيثَ ; لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ مِنْ مَرَاسِيلِ الصَّحَابَةِ، وَهُوَ مَقْبُولٌ عِنْدَ الْكُلِّ، وَإِنْ أَرَادَ بِهِ جَدَّهُ بِلَا وَاسِطَةٍ فَهُوَ الْمُرْسَلُ الْمُتَعَارَفُ، لَكِنَّهُ حُجَّةٌ عِنْدَ الْجُمْهُورِ عَلَى أَنَّ الْحَدِيثَ مِنْ فَضَائِلِ الْأَعْمَالِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالْحَالِ.
[ ٨ / ٣١١٨ ]
٤٩٧٨ - وَعَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ الْأَشْجَعِيِّ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " «أَنَا وَامْرَأَةٌ سَفْعَاءُ الْخَدَّيْنِ كَهَاتَيْنِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ". وَأَوْمَأَ يَزِيدُ بْنُ ذُرَيْعٍ إِلَى الْوُسْطَى وَالسَّبَّابَةِ " امْرَأَةٌ آمَتْ مِنْ زَوْجِهَا، ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجِمَالٍ، حَبَسَتْ نَفْسَهَا عَلَى يَتَامَاهَا حَتَّى بَانُوا أَوْ مَاتُوا» ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
_________________
(١) (وَعَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ الْأَشْجَعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أَنَا وَامْرَأَةٌ سَفْعَاءُ الْخَدَّيْنِ): بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَيُفْتَحُ بِتَقْدِيرِ هِيَ أَوْ أَعْنِي أَيْ: مُتَغَيِّرَةُ لَوْنِ الْخَدَّيْنِ، لِمَا يُكَابِدُهَا مِنَ الْمَشَقَّةِ وَالضَّنْكِ صِفَةٌ كَاشِفَةٌ لِاعْتِبَارِ غَالِبِ حَالِهَا لِيَصِحَّ الْإِطْلَاقُ فِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ وَمُسْلِمٍ وَأَبِي دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيِّ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ: " «أَنَا وَكَافِلُ الْيَتِيمِ هَكَذَا» ". (كَهَاتَيْنِ) أَيْ: مِنَ الْأُصْبُعَيْنِ (يَوْمَ الْقِيَامَةِ. وَأَوْمَأَ): بِهَمْزٍ فِي آخِرِهِ مِنْ وَمَأَ إِلَيْهِ أَشَارَ كَأَوْمَأَ، كَذَا فِي الْقَامُوسِ، وَلَمْ يُذْكَرْ فِيهِ مَادَّةُ وَمِ يَ فَمَا فِي بَعْضِ النُّسَخِ أُومِيَ بِالْيَاءِ لَا يَظْهَرُ لَهُ وَجْهٌ إِلَّا أَنْ يُقَالَ بِالْإِبْدَالِ وَإِبْدَالُ الْقَامُوسِ الْهَمْزَ الْمُتَحَرِّكَ ضَعِيفٌ عِنْدَ قَوْمِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ أَشَارَ (يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ): بِضَمِّ زَايٍ وَفَتْحِ رَاءٍ أَحَدُ رُوَاةِ الْحَدِيثِ (إِلَى الْوُسْطَى وَالسَّبَّابَةِ) أَيْ: بَيَانًا لِهَاتَيْنِ (امْرَأَةٌ) أَيْ: هِيَ فَهِيَ خَبَرُهَا
[ ٨ / ٣١١٨ ]
مَحْذُوفُ (آمَتْ): بِمَدِّ هَمْزَةٍ وَتَخْفِيفِ مِيمٍ أَيْ: صَارَتْ أَيِّمًا بِأَنْ فَارَقَتْ (مِنْ زَوْجِهَا) بِمَوْتٍ أَوْ طَلَاقٍ (ذَاتُ مَنْصِبٍ): بِكَسْرِ الصَّادِ أَيْ: صَاحِبَةُ نِسَبٍ أَوْ حَسَبٍ (وَجَمَالٍ) أَيْ: كَمَالِ صُورَةٍ وَسِيرَةٍ فَهِيَ صِفَةٌ لِامْرَأَةٍ، وَأُرِيدَ بِهَا كَمَالُ الثَّوَابِ وَلَيْسَتْ لِلِاحْتِرَازِ، وَالْمَعْنَى أَنَّهَا هَذِهِ مَعَ الصِّفَةِ الْمَرْغُوبَةِ الْمَطْلُوبَةِ لِكُلِّ أَحَدٍ (حَبَسَتْ نَفْسَهَا): فَالْجُمْلَةُ اسْتِئْنَافٌ أَوْ صِفَةٌ أُخْرَى أَوْ حَالٌ بِتَقْدِيرِ قَدْ أَوْ بِدُونِهِ أَيْ: مَنَعَتْهَا عَنِ الزَّوَاجِ صَابِرَةً أَوْ شَفَقَةً (عَلَى يَتَامَاهَا) . وَقَالَ شَارِحٌ: أَيِ اشْتَغَلَتْ بِخِدْمَةِ الْأَوْلَادِ، وَعَمِلَتْ لَهُمْ، فَكَأَنَّهَا حَبَسَتْ نَفْسَهَا أَيْ: وَقَفَتْ عَلَيْهِمْ وَفِي نُسْخَةٍ: عَلَى أَيْتَامِهَا (حَتَّى بَانُوا) أَيْ: إِلَى أَنْ كَبِرُوا وَحَصَلَتْ لَهُمُ الْإِبَانَةُ، أَوْ وَصَلُوا إِلَى مَرْتَبَةِ كَمَالِهِمْ، فَإِنَّ الْبَيْنَ مِنَ الْأَضْدَادِ بِمَعْنَى الْفَصْلِ وَالْوَصْلِ وَقَالَ شَارِحٌ: أَيْ حَتَّى فَضَلُوا، وَزَادُوا قُوَّةً وَعَقْلًا وَاسْتَقَلُّوا بِأَمْرِهِمْ مِنَ الْبَوْنِ وَهُوَ الْفَضْلُ وَالْمَزِيَّةُ (أَوْ مَاتُوا) أَيْ: أَوْ مَاتَتْ فَأَوْ لِلتَّنْوِيعِ، وَقَالَ الْقَاضِي قَوْلُهُ: (امْرَأَةٌ آمَتْ) إِلَخْ بَدَلٌ مُجْرَى مَجْرَى الْبَيَانِ وَالتَّفْسِيرِ، وَآمَتِ الْمَرْأَةُ أَيْمَةً وَأُيُومًا إِذَا صَارَتْ بِلَا زَوْجٍ وَقَوْلُهُ: (حَتَّى بَانُوا) أَيِ اسْتَقَلُّوا بِأَمْرِهِمْ وَانْفَصَلُوا عَنْهَا. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: التَّنْكِيرُ فِي (امْرَأَةٌ) لِلتَّعْظِيمِ وَقَوْلُهُ (سَفْعَاءُ الْخَدَّيْنِ) نُصِبَ أَوْ رُفِعَ عَلَى الْمَدْحِ وَهُوَ مُعْتَرِضٌ بَيْنَ الْمُبْتَدَأِ وَالْخَبَرِ (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) .
[ ٨ / ٣١١٩ ]
٤٩٧٩ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " «مَنْ كَانَتْ لَهُ أُنْثَى فَلَمْ يَئِدْهَا وَلَمْ يُهِنْهَا، وَلَمْ يُؤْثِرْ وَلَدَهُ عَلَيْهَا - يَعْنِي الذُّكُورَ - أَدْخَلَهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ» ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
_________________
(١) (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: مَنْ كَانَتْ لَهُ أُنْثَى) أَيْ: بِنْتٌ أَوْ أُخْتٌ (فَلَمْ يَئِدْهَا): عَلَى وَزْنِ يَعِدْهَا أَيْ: لَمْ يَدْفِنْهَا حَيَّةً كَمَا هُوَ عَادَةُ الْجَاهِلِيَّةِ ; لِلْفِرَارِ عَنِ الْفَقْرِ أَوِ الْعَارِ (وَلَمْ يُهِنْهَا): مِنَ الْإِهَانَةِ، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ - يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ﴾ [النحل: ٥٨ - ٥٩] فَالْمَعْنَى: وَلَمْ يُمْسِكْهَا عَلَى هَوَانٍ وَمَذَلَّةٍ وَحَقَارَةٍ وَمَشَقَّةٍ (وَلَمْ يُؤْثِرْ): مِنَ الْإِيثَارِ أَيْ: لَمْ يَخْتَرْ (وَلَدَهُ) أَيْ: صَبِيَّهُ إِذَا كَانَ لَهُ (عَلَيْهَا) أَيْ: عَلَى الْأُنْثَى، وَلَمَّا كَانَ الْوَلَدُ فِي اللُّغَةِ يُطْلَقُ عَلَى الِابْنِ وَالْبِنْتِ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: (يَعْنِي) أَيْ: يُرِيدُ النَّبِيَّ - ﵇ - بِالْوَلَدِ (الذُّكُورَ) . وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ التَّفْسِيرُ لِغَيْرِ ابْنِ عَبَّاسٍ فَتَأَمَّلْ، ثُمَّ تَفْسِيرُ الْوَلَدِ بِالذُّكُورِ عَلَى صِيغَةِ الْجَمْعِ ; لِأَنَّ الْوَلَدَ اسْمُ جِنْسٍ، أَوِ الْجِنْسِيَّةُ هُنَا مُسْتَفَادَةٌ مِنَ الْإِضَافَةِ، وَلَعَلَّ الْعُدُولَ فِي التَّفْسِيرِ عَنِ الذَّكَرِ إِلَى الذُّكُورِ تَحَاشِيًا عَنْ ذِكْرِ الذَّكَرِ فَتَدَبَّرْ. (أَدْخَلَهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ) أَيْ: مَعَ السَّابِقِينَ قَالَ الطِّيبِيُّ: فِي وَضْعِ الْأُنْثَى مَوْضِعَ الْبِنْتِ تَحْقِيرٌ لِشَأْنِهَا، كَمَا وُضِعَ الْوَلَدُ مَوْضِعَ مَكَانِ الِابْنِ تَعْظِيمًا لَهُ إِيذَانًا بِمُخَالِفَةٍ عَظِيمَةٍ لِهَوَى النَّفْسِ، وَإِيثَارِ رِضَا اللَّهِ عَلَى رِضَاهُ، وَلِذَلِكَ رُتِّبَ عَلَيْهِ دُخُولُ الْجَنَّةِ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) .
[ ٨ / ٣١١٩ ]
٤٩٨٠ - وَعَنْ أَنَسٍ - ﵁ - عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " «مَنِ اغْتِيبَ عِنْدَهُ أَخُوهُ الْمُسْلِمُ وَهُوَ يَقْدِرُ عَلَى نَصْرِهِ فَنَصَرَهُ، نَصْرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ. فَإِنْ لَمْ يَنْصُرْهُ وَهُوَ يَقْدِرُ عَلَى نَصْرِهِ ; أَدْرَكَهُ اللَّهُ بِهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ» ". رَوَاهُ فِي " شَرْحِ السُّنَّةِ ".
_________________
(١) (وَعَنْ أَنَسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: مَنِ اغْتِيبَ): يَجُوزُ كَسْرُ النُّونِ وَضَمِّهَا وَصَلًا أَيْ مِنْ تَكَلَّمٍ بِالْغِيبَةِ (عِنْدَهُ أَخُوهُ الْمُسْلِمُ وَهُوَ يَقْدِرُ عَلَى نَصْرِهِ): الْجُمْلَةُ حَالٌ مِنْ ضَمِيرِ مَنْ (فَنَصَرَهُ)، عَطْفٌ عَلَى الشَّرْطِ أَيْ: فَمَنَعَهُ وَدَفَعَهُ وَجَزَاؤُهُ (نَصَرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، فَإِنْ لَمْ يَنْصُرْهُ وَهُوَ يَقْدِرُ عَلَى نَصْرِهِ، أَدْرَكَهُ اللَّهُ) أَيْ: عَاقَبَهُ (بِهِ) أَيْ: بِسَبَبِ عَدَمِ نَصْرِهِ عِنْدَ وُجُودِ قُدْرَتِهِ (فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ. رَوَاهُ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ): وَفَى سَنَدِهِ ضَعْفٌ، لَكِنْ لَهُ شَوَاهِدٌ يُقَوِّي بِهَا نَقْلَهُ مِيرَكُ عَنِ التَّصْحِيحِ.
[ ٨ / ٣١١٩ ]
٤٩٨١ - وَعَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ يَزِيدَ - ﵂ - قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " «مَنْ ذَبَّ عَنْ لَحْمِ أَخِيهِ بِالْمَغِيبَةِ كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ أَنْ يُعْتِقَهُ مِنَ النَّارِ» ". رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي " شُعَبِ الْإِيمَانِ ".
_________________
(١) (وَعَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ يَزِيدَ) أَيِ: ابْنُ السَّكَنِ (قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: مَنْ ذَبَّ) أَيْ: دَفَعَ (عَنْ لَحْمِ أَخِيهِ): كِنَايَةٌ عَنْ غَيْبَتِهِ عَلَى طِبْقِ الْآيَةِ، وَالْمَعْنَى مَنْ دَفَعَ أَوْ مَنْ مَنَعَ مُغْتَابًا عَنْ غِيبَةِ أَخِيهِ (بِالْمَغِيبَةِ) أَيْ: فِي زَمَانِ كَوْنِ أَخِيهِ غَائِبًا وَهُوَ مَصْدَرٌ أَوِ اسْمُ زَمَانٍ أَوْ مَكَانٍ. قَالَ الطِّيبِيُّ: كَأَنَّهُ قِيلَ مَنْ ذَبَّ عَنْ غَيْبَةِ أَخِيهِ فِي غَيْبَتِهِ، وَعَلَى هَذَا بِالْمَغِيبَةِ ظَرْفٌ، وَيَجُوزُ أَنَّ يَكُونَ حَالًا، وَفِي هَذِهِ الْكِنَايَةِ مِنَ الْمُبَالَغَةِ أَنَّهُ جَعَلَ الْغَيْبَةَ كَأَكْلِ لَحْمِ الْإِنْسَانِ، وَلَمْ يَقْتَصِرْ عَلَيْهِ، بَلْ جَعَلَهَا كَلَحْمِ أَخِيهِ ; لِأَنَّهُ أَشَدُّ نِفَارًا مِنْ لَحْمِ الْأَجَانِبِ، وَزَادَ فِي الْمُبَالَغَةِ حَيْثُ جَعَلَ الْأَخَ مَيْتًا. (كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ) أَيْ: ثَابِتًا عِنْدَهُ أَوْ وَاجِبًا عَلَيْهِ، بِمُقْتَضَى وَعْدِهِ (أَنْ يُعْتِقَهُ مِنَ النَّارِ) . وَهُوَ إِمَّا فِي أَوَّلِ وَهْلَةٍ قَبْلَ دُخُولِهَا أَوْ بَعْدَهُ قَبْلَ اسْتِيفَاءِ الْعُقُوبَةِ (رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ): وَفِي التَّصْحِيحِ: رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ وَمُحْيِي السُّنَّةِ، وَفِي سَنَدِهِ ضَعْفٌ. وَقَالَ الْحَافِظُ الْمُنْذِرِيُّ فِي التَّرْغِيبِ: رَوَاهُ أَحْمَدُ بِسَنَدٍ حَسَنٍ وَابْنُ أَبِي الدُّنْيَا وَالطَّبَرَانِيُّ وَغَيْرُهُمْ نَقْلَهُ مِيرَكُ. وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ بِلَفْظِ: " «مَنْ ذَبَّ عَنْ عِرْضِ أَخِيهِ بِالْمَغِيبَةِ كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ أَنْ يَقِيَهُ مِنَ النَّارِ» " رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ يَزِيدَ.
[ ٨ / ٣١٢٠ ]
٤٩٨٢ - وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ - ﵁ - قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَرُدُّ عَنْ عِرْضِ أَخِيهِ إِلَّا كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ أَنْ يَرُدَّ عَنْهُ نَارَ جَهَنَّمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» ". ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم: ٤٧] . رَوَاهُ فِي " شَرْحِ السُّنَّةِ ".
_________________
(١) (وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ - ﵁ - قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَرُدُّ عَنْ عِرْضِ أَخِيهِ») أَيْ: يَمْنَعُ عَنْ غَيْبَةِ أَخِيهِ مَثَلًا (إِلَّا كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ أَنْ يَرُدَّ) أَيْ: يَصْرِفُ (عَنْهُ) أَيْ: عَنِ الرَّادِّ (نَارَ جَهَنَّمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، ثُمَّ تَلَا) أَيِ: النَّبِيُّ - ﷺ - اسْتِشْهَادًا، أَوْ يَحْتَمِلُ أَنَّهُ قَرَأَ أَبُو الدَّرْدَاءِ اعْتِضَادًا ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم: ٤٧] قَالَ الطِّيبِيُّ: قَوْلُهُ وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا إِلَخْ اسْتِشْهَادٌ لِقَوْلِهِ: إِلَّا كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ أَنْ يَرُدَّ عَنْهُ، وَالضَّمِيرُ فِي عَنْهُ رَاجِعٌ إِلَى الْمُسْلِمِ الذَّابِّ عَنْ عِرْضِ أَخِيهِ أَتَى بِالْعَامِّ، فَيَدْخُلُ فِيهِ مِنْ سَبَقَ لَهُ الْكَلَامُ دُخُولًا أَوَّلِيًّا كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٨٩] وَهُوَ أَبْلَغُ مِنْ لَوْ قِيلَ عَلَيْهِمْ لِمَوْقِعِ الْكِنَايَةِ اهـ. وَلَا خَفَاءَ أَنْ " مَا " فِي صَدْرِ الْحَدِيثِ نَافِيَةٌ وَ" مِنْ " مَزِيدَةٌ ; لِاسْتِغْرَاقِ النَّفْيِ، فَالْحُكْمُ عَامٌّ شَامِلٌ، وَلَيْسَ فِي الْحَدِيثِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ هُنَاكَ مِنْ سَبَقَ لَهُ الْكَلَامُ لِيَدْخُلَ دُخُولًا أَوَّلِيًّا، وَأَمَّا الْآيَةُ فَالظَّاهِرُ أَنَّ حِكْمَةَ الْعُدُولِ عَنْ عَلَيْهِمْ إِلَى عَلَى الْكَافِرِينَ ; لِيَخْرُجَ مَنْ سَيُؤْمِنُ مِنْهُمْ وَيَدْخُلُ فِيهِمْ غَيْرُهُمْ مِنْ سَائِرِ الْكُفَّارِ، مَعَ مَا فِيهِ مِنْ تَنْبِيهِ نَبِيِّهِ عَلَى أَنَّ لَعْنَ الْأَحْيَاءِ مِنَ الْكُفَّارِ غَيْرُ جَائِزٍ إِذَا كَانُوا قَوْمًا مَحْصُورِينَ ; لِأَنَّ الْمَدَارَ عَلَى الْخَاتِمَةِ. وَأَمَّا قَوْلُ الطِّيبِيُّ، وَفِيهِ أَنَّ مَفْهُومَ الْمُسْلِمِ وَالْمُؤْمِنِ وَاحِدٌ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الذاريات: ٣٥] فَفِيهِ أَنَّ الصَّوَابَ كَوَّنَ مَفْهُومُهُمَا لُغَةً وَشَرِيعَةً مُتَغَايِرَيْنِ عَلَى مَا يَشْهَدُ لَهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات: ١٤] وَيَدُلُّ عَلَيْهِ حَدِيثُ جِبْرِيلَ كَمَا سَبَقَ فِي أَوَّلِ الْكِتَابِ مِنْ تَغَايُرِ تَعْرِيفِ الْإِيمَانِ وَالْإِسْلَامِ، نَعَمْ مَاصَدَقُهُمَا وَاحِدٌ فِي اعْتِبَارِ عُرْفِ الْفُقَهَاءِ وَالْمُتَكَلِّمِينَ بِحَيْثُ يُطْلِقُ كُلُّ مَوْضِعٍ الْآخَرَ ; لِأَنَّ انْقِيَادَ الظَّاهِرِ بِدُونِ انْقِيَادِ الْبَاطِنِ غَيْرٌ صَحِيحٍ، وَكَذَا الْعَكْسُ. فَلَا بُدَّ مِنْ تُحَقُّقِهِمَا، ثُمَّ لَا يَلْزَمُ مِنْ تَرْكِ عَمَلٍ مِنْ أَعْمَالِ الْإِسْلَامِ عَدَمُ انْقِيَادِ الظَّاهِرِ لِلْفَرْقِ بَيْنَ تَرْكِهِ كَسَلًا وَإِعْرَاضًا، فَمَنْ تَرَكَ صَلَاةً مُتَعَمِّدًا أَوْ قَتَلَ نَفْسًا غَيْرُ مُعْتَقِدٍ وُجُوبَ الْأَوَّلِ وَحُرْمَةَ الْآخَرِ كَانَ كَافِرًا، وَهَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ الْفَارِقُ بَيْنَ مَذْهَبِ أَهْلِ الْحَقِّ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ، وَبَيْنَ مَشْرَبِ الْمُعْتَزِلَةِ وَالْخَوَارِجِ، وَسَائِرِ أَهْلِ الضَّلَالَةِ وَالْبِدْعَةِ. (رَوَاهُ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ) .
[ ٨ / ٣١٢٠ ]
وَقَالَ الْمُنْذِرِيُّ: أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ بِلَفْظِ: «مَنْ رَدَّ عَنْ عِرْضِ أَخِيهِ رَدَّ اللَّهُ عَنْ وَجْهِهِ النَّارَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ»، وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ، وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا، وَأَبُو الشَّيْخِ فِي كِتَابِ التَّوْبِيخِ وَلَفْظُهُ قَالَ: «مَنْ ذَبَّ عَنْ أَخِيهِ رَدَّ اللَّهُ عَنْهُ عَذَابَ النَّارِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَتَلَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم: ٤٧]» نَقْلَهُ مِيرَكُ. وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ بِلَفْظِ: " «مَنْ رَدَّ عَنْ عِرْضِ أَخِيهِ رَدَّ اللَّهُ عَنْ وَجْهِهِ النَّارَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» " رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ، وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ أَيْضًا بِلَفْظِ: " «مَنْ رَدَّ عَنْ عِرْضِ أَخِيهِ كَانَ لَهُ حِجَابًا مِنَ النَّارِ» ".
[ ٨ / ٣١٢١ ]
٤٩٨٣ - وَعَنْ جَابِرٍ - ﵁ - أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: " «مَا مِنِ امْرِئٍ مُسْلِمٍ يَخْذُلُ امْرَأً مُسْلِمًا فِي مَوْضِعٍ يُنْتَهَكُ فِيهِ حُرْمَتُهُ، وَيُنْتَقَصُ فِيهِ مِنْ عِرْضِهِ إِلَّا خَذَلَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي مَوْطِنٍ يُحِبُّ فِيهِ نُصْرَتَهُ، وَمَا مِنِ امْرِئٍ مُسْلِمٍ يَنْصُرُ مُسْلِمًا فِي مَوْضِعٍ يُنْتَقَصُ فِيهِ مِنْ عِرْضِهِ، وَيُنْتَهَكُ فِيهِ مِنْ حُرْمَتِهِ إِلَّا نَصَرَهُ اللَّهُ فِي مَوْطِنٍ يُحِبُّ فِيهِ نُصْرَتَهُ» ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
_________________
(١) (وَعَنْ جَابِرٍ - ﵁ - أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَا مِنِ امْرِئٍ مُسْلِمٍ يَخْذُلُ»): بِضَمِّ الذَّالِ («امْرَأً مُسْلِمًا فِي مَوْضِعٍ يُنْتَهَكُ»): بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيْ: يُتَنَاوَلُ بِمَا لَا يَحِلُّ (فِيهِ) أَيْ: فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ (حُرْمَتُهُ) أَيِ: احْتِرَامُهُ وَبَعْضُ إِكْرَامِهِ، وَرِوَايَةُ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ مِنْ حُرْمَتِهِ، وَلَعَلَّهُ هُوَ الصَّوَابُ فِي الرِّوَايَةِ كَمَا تَقْتَضِي الدِّرَايَةُ مِنْ حُسِنِ الْمُقَابَلَةِ إِلَّا أَنَّ فِي الْجَامِعِ يُنْتَقَصُ فِيهِ مِنْ عِرْضِهِ، وَيُنْتَهَكُ فِيهِ مَنْ حُرْمَتِهِ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ تَرْتِيبَهُ أَيْضًا هُوَ الْأَنْسَبُ ; لِيَكُونَ تَعْمِيمًا بَعْدَ تَخْصِيصٍ، وَهُوَ الْمُطَابِقُ لِمَا سَيَأْتِي فِي الْفِقْرَةِ الثَّانِيَةِ فَعَكَسَ فِي تَرْتِيبِ الْمِشْكَاةِ هُنَا بِقَوْلِهِ: (وَيُنْتَقَصُ فِيهِ مِنْ عَرْضِهِ): بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ مِنَ الِانْتِقَاصِ وَهُوَ لَازِمٌ وَمُتَعَدٍّ، وَالْمَعْنَى لَيْسَ أَحَدٌ يَتْرُكُ نُصْرَةَ مُسْلِمٍ مَعَ وُجُودِ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ بِالْقَوْلِ أَوِ الْفِعْلِ عِنْدَ حُضُورِ غَيْبَتِهِ أَوْ إِهَانَتِهِ أَوْ ضَرْبِهِ أَوْ قَتْلِهِ وَنَحْوِهَا. (إِلَّا خَذَلَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي مَوْطِنٍ يُحِبُّ) أَيْ: ذَلِكَ الْخَاذِلُ (فِيهِ) أَيْ: فِي ذَلِكَ الْمَوْطِنِ (نُصْرَتَهُ) أَيْ: إِعَانَتَهُ سُبْحَانَهُ، وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ إِضَافَتُهُ إِلَى الْمَفْعُولِ، وَذَلِكَ شَامِلٌ لِمَوَاطِنِ الدُّنْيَا، وَمَوَاقِفِ الْآخِرَةِ. («وَمَا مِنِ امْرِئٍ مُسْلِمٍ يَنْصُرُ مُسْلِمًا فِي مَوْضِعٍ يُنْتَقَصُ مِنْ عَرْضِهِ وَيُنْتَهَكُ») أَيْ: " فِيهِ " كَمَا فِي نُسْخَةٍ مُطَابِقَةٍ لِرِوَايَةِ الْجَامِعِ. (مِنْ حُرْمَتِهِ) أَيْ: مِنْ بَعْضِ احْتِرَامِهِ مِنْ لَوَازِمَ إِكْرَامِهِ (إِلَّا نَصَرَهُ اللَّهُ فِي مَوْطِنٍ): فِيهِ تَفَنَّنَ بِالْعِبَارَةِ، وَرِوَايَةُ الْجَامِعِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ بِلَفْظِ: مَوْطِنٍ. (يُحِبُّ فِيهِ نُصْرَتَهُ): وَلَعَلَّ هَذَا مُقْتَبَسٌ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿جَزَاءً وِفَاقًا﴾ [النبأ: ٢٦] وَقَوْلِهِ ﷿: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء: ١٢٣] (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) . وَكَذَا أَحْمَدُ وَالضِّيَاءُ عَنْ جَابِرٍ وَأَبِي طَلْحَةَ بْنِ سَعْدٍ.
[ ٨ / ٣١٢١ ]
٤٩٨٤ - وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " «مَنْ رَأَى عَوْرَةً فَسَتَرَهَا كَانَ كَمَنْ أَحْيَا مَوْءُودَةً» ". رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ.
_________________
(١) (وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ رَأَى عَوْرَةً»): وَهِيَ مَا يَكْرَهُ الْإِنْسَانُ ظُهُورَهُ، فَالْمَعْنَى مَنْ عَلِمَ عَيْبًا أَوْ أَمْرًا قَبِيحًا فِي مُسْلِمٍ (فَسَتَرَهَا): أَوْ رَأَى عَوْرَةَ مُسْلِمٍ مَكْشُوفَةً فَسَتَرَهَا بِثَوْبِهِ أَوْ مِنْ عِنْدِهِ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ أَيْ: مَنْ رَأَى خَلَلًا مِنْ هَتْكِ سِتْرٍ أَوْ وَقْعٍ فِي عِرْضٍ وَنَحْوِهِمَا ; لِأَنَّ النَّاسَ يَخْتَلُّ حَالُهُمْ عِنْدَهَا. (كَانَ كَمَنْ أَحْيَا) أَيْ: كَانَ ثَوَابُهُ كَثَوَابِ مَنْ أَحْيَا (مَوْءُودَةً): بِأَنْ رَأَى أَحَدٌ أَحَدًا يُرِيدُ وَأْدَ بِنْتٍ فَمَنَعَ أَوْ سَعَى فِي خَلَاصِهَا وَلَوْ بِحِيلَةٍ، وَقَالَ الْمُظْهِرُ: بِأَنْ رَأَى حَيًّا مَدْفُونًا فِي قَبْرٍ فَأَخْرَجَ ذَلِكَ الْمَدْفُونَ مِنَ الْقَبْرِ كَيْلَا يَمُوتَ، وَوَجْهُ تَشْبِيهِ السَّتْرِ عَلَى عُيُوبِ النَّاسِ بِإِحْيَاءِ الْمَوْءُودَةِ أَنَّ مَنِ انْتَهَكَ سِتْرَةً يَكُونُ مِنَ الْخَجَالَةِ كَمَيِّتٍ إِذْ يُحِبُّ الْمَوْتَ مِنْهَا، فَإِذَا سَتَرَ أَحَدٌ عَلَى عَيْبِهِ، فَقَدْ دَفَعَ عَنْهُ الْخَجَالَةَ الَّتِي هِيَ عِنْدَهُ بِمَنْزِلَةِ الْمَوْتِ اهـ.
[ ٨ / ٣١٢١ ]
وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: وَجْهُ الْمُشَابَهَةِ هُوَ الْمُنَاسَبَةُ الضِّدِّيَّةُ، فَإِنَّ بِالشَّيْءِ يُذْكَرُ ضِدُّهُ، وَالْمَعْنَى مَنْ سَتَرَ مَا شَرَعَ اللَّهُ سَتْرَهُ كَانَ كَمَنْ رَفَعَ السِّتْرَ عَمَّا لَمْ يُشْرَعْ سِتْرُهُ، أَوْ وَجْهُ الشَّبَهِ هُوَ إِصْلَاحُ الْفَسَادِ فِي الْقَرِينَتَيْنِ فَلَا إِشْكَالَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالْحَالِ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ أَنَّ وَجْهَ الشَّبَهِ الْأَمْرُ الْعَظِيمُ يَعْنِي مَنْ سَتَرَ عَلَى مُسْلِمٍ فَقَدِ ارْتَكَبَ أَمْرًا عَظِيمًا كَمَنْ أَحْيَا مَوْءُودَةً، فَإِنَّهُ أَمْرٌ عَظِيمٌ، فَيَدُلُّ عَلَى فَخَامَةِ تِلْكَ الشَّنْعَاءِ نَحْوَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة: ٣٢] الْكَشَّافُ: فِيهِ تَعْظِيمُ قَتْلِ النَّفْسِ وَإِحْيَائِهَا فِي الْقُلُوبِ ; لِيَسْتَمِرَّ النَّاسُ عَلَى الْجَسَارَةِ عَلَيْهَا، وَيَتَرَاغَبُوا فِي الْمُحَامَاةِ عَلَى حُرْمَتِهَا ; لِأَنَّ الْمُتَعَرِّضَ لِقَتْلِ النَّفْسِ إِذَا تَصَوَّرَ قَتْلَهَا بِصُورَةِ قَتْلِ جَمِيعِ النَّاسِ عَظُمَ ذَلِكَ عَلَيْهِ فَثَبَّطَهُ، وَكَذَلِكَ الَّذِي أَرَادَ إِحْيَاءَهَا اهـ كَلَامُهُ.
فَكَذَا مَنْ أَرَادَ أَنْ يَسْتُرَ عَيْبَ مُؤْمِنٍ وَعِرْضَهُ إِذَا تَصَوَّرَ أَنَّهُ إِحْيَاءُ الْمَوْءُودَةِ عَظُمَ عِنْدَهُ سَتْرُ عَوْرَةِ الْمُؤْمِنِ، فَيَتَحَرَّى فِيهِ وَيَبْذُلُ جُهْدَهُ. قُلْتُ: وَهَذَا الْمَعْنَى لَا يُنَافِيهِ اعْتِبَارُ وَجْهِ الشَّبَهِ فِيمَا سَبَقَ، نَعَمْ فِي الْآيَةِ لَمَّا عَظُمَ عَلَى صَاحِبِ الْكَشَّافِ وَجْهُ شَبَهِ قَتْلِ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ بِقَتْلِ الْأَنْفُسِ جَمِيعِهَا، وَكَذَا إِحْيَاؤُهَا بِإِحْيَائِهَا اعْتُبِرَ مَعْنَى الْعَظَمَةِ الْمُشْتَمِلَةِ عَلَى الْمُنَاسَبَةِ لِلْمُشَابَهَةِ بَيْنَ الْكَمِّيَّةِ وَالْكَيْفِيَّةِ، مَعَ أَنَّ فِي الْآيَةِ مَعَانِيَ أُخَرَ أَظْهَرُ مِنْ قَوْلِ الْكَشَّافِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ أَيْ: مَنِ اسْتَحَلَّ دَمَ مُسْلِمٍ فَكَأَنَّمَا اسْتَحَلَّ دِمَاءَ النَّاسِ ; لِأَنَّهُ لَا فَرْقَ عِنْدَهُ بَيْنَ نَفْسٍ وَنَفْسٍ، وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَوْ لِأَنَّهُ يُقْتَلُ قِصَاصًا كَمَا لَوْ قَتَلَ جَمِيعَ النَّاسِ وَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ كَمَا لَوْ قَتَلَ الْجَمِيعَ، وَهَذَا قَوْلُ مُجَاهِدٍ، أَوْ كَمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وِزْرًا وَإِثْمًا، وَهَذَا قَوْلُ قَتَادَةَ وَهُوَ تَعْظِيمٌ لِلْقَتْلِ، وَلَا يَصِحُّ إِلَّا عَلَى طَرِيقِ الْوَعِيدِ وَالتَّهْدِيدِ. وَقَالَ الْبَيْضَاوِيُّ: فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا مِنْ حَيْثُ أَنَّ قَتْلَ الْوَاحِدِ وَالْجَمْعِ سَوَاءٌ فِي اسْتِجْلَابِ غَصْبِ اللَّهِ وَالْعَذَابِ الْعَظِيمِ أَيْ: فِي أَصْلِ الِاسْتِجْلَابِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. (رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ) . وَنَقَلَ مِيرَكُ عَنِ التَّصْحِيحِ أَنَّهُ رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ، وَفِيهِ قِصَّةٌ وَقَدْ جَاءَ مِنْ عِدَّةِ طُرُقٍ اهـ. وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ بِلَفْظِ: " «مَنْ رَأَى عَوْرَةً فَسَتَرَهَا كَانَ كَمَنْ أَحْيَا مَوْءُودَةً مِنْ قَبْرِهَا» " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ وَأَبُو دَاوُدَ وَالْحَاكِمُ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ.
[ ٨ / ٣١٢٢ ]
٤٩٨٥ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " «إِنَّ أَحَدَكُمْ مِرْآةُ أَخِيهِ، فَإِنْ رَأَى بِهِ أَذًى فَلْيُمِطْ عَنْهُ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَضَعَّفَهُ. وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ وَلِأَبِي دَاوُدَ: " «الْمُؤْمِنُ مِرْآةُ الْمُؤْمِنِ، وَالْمُؤْمِنُ أَخُو الْمُؤْمِنِ، يَكُفُّ عَنْهُ ضَيْعَتَهُ، وَيَحُوطُهُ مِنْ وَرَائِهِ» ".
_________________
(١) (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّ أَحَدَكُمْ مِرْآةُ أَخِيهِ»)، بِكَسْرِ مِيمٍ وَمَدِّ هَمْزٍ أَيْ: آلَةٌ لِإِرَاءَةِ مَحَاسِنِ أَخِيهِ وَمَعَايِبِهِ، لَكِنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ، فَإِنَّ النَّصِيحَةَ فِي الْمَلَأِ فَضِيحَةٌ، وَأَيْضًا هُوَ يَرَى مِنْ أَخِيهِ مَا لَا يَرَاهُ مِنْ نَفْسِهِ كَمَا يُرْسَمُ فِي الْمِرْآةِ مَا هُوَ مُخْتَفٍ عَنْ صَاحِبِهِ فَيَرَاهُ فِيهَا أَيْ: إِنَّمَا يَعْلَمُ الشَّخْصُ عَيْبَ نَفْسِهِ بِإِعْلَامِ أَخِيهِ كَمَا يَعْلَمُ خَلَلَ وَجْهِهِ بِالنَّظَرِ فِي الْمِرْآةِ (فَإِنْ رَأَى) أَيْ: أَحَدُكُمْ (بِهِ) أَيْ: بِأَخِيهِ (أَذًى) أَيْ: عَيْبًا مِمَّا يُؤْذِيهِ أَوْ يُؤْذِي غَيْرَهُ (فَلْيُمِطْ) أَيْ: فَلْيُمِطْهُ كَمَا فِي رِوَايَةِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ مِنَ الْإِمَاطَةِ، وَالْمَعْنَى فَلْيُزِلْ ذَلِكَ الْأَذَى (عَنْهُ) أَيْ: عَنْ أَخِيهِ إِمَّا بِإِعْلَامِهِ حَتَّى يَتْرُكَهُ أَوْ بِالدُّعَاءِ لَهُ حَتَّى يُرْفَعَ عَنْهُ، وَهَذَا وَجْهُ قَوْلٍ عُمَرَ ﵁: رَحِمَ اللَّهُ امْرَأً أَهْدَى إِلَيَّ بِعُيُوبِ نَفْسِي، وَفِي إِتْيَانِهِ - بِصِيغَةِ الْجَمْعِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ النَّفْسَ مَعْدِنُ الْعُيُوبِ وَمَنْبَعُهَا وَلِذَا قِيلَ: وُجُودُكَ ذَنْبٌ لَا يُقَاسُ بِهِ ذَنْبُ وَفِي شَرْحِ الطِّيبِيِّ قِيلَ أَيِ: الْمُؤْمِنُ فِي إِرَاءَةِ عَيْبِ أَخِيهِ كَالْمِرْآةِ الْمَجْلُوَّةِ الَّتِي تَحْكِي كُلَّ مَا يُرْسَمُ فِيهَا مِنَ الصُّوَرِ، وَلَوْ كَانَ أَدْنَى شَيْءٍ، فَالْمُؤْمِنُ إِذَا نَظَرَ إِلَى أَخِيهِ يَسْتَشِفُّ مِنْ وَرَاءِ أَقْوَالِهِ وَأَفْعَالِهِ وَأَحْوَالِهِ تَعْرِيفَاتٍ وَتَلْوِيحَاتٍ مِنَ اللَّهِ الْكَرِيمِ، فَأَيُّ وَقْتٍ ظَهَرَ مِنْ أَحَدِ الْمُؤْمِنِينَ الْمُجْتَمِعِينَ فِي عَقْدِ الْأُخُوَّةِ عَيْبٌ فَادِحٌ فِي أُخُوَّتِهِ نَافِرُوهُ ; لِأَنَّ ذَلِكَ يَظْهَرُ بِظُهُورِ النَّفْسِ مِنْ تَضْيِيعِ حَقِّ الْوَقْتِ، فَعَلِمُوا مِنْهُ خُرُوجَهُ بِذَلِكَ عَنْ دَائِرَةِ الْجَمْعِيَّةِ فَنَافَرُوهُ ; لِيَعُودَ إِلَى دَائِرَةِ الْجَمْعِيَّةِ، قَالَ رُوَيْمٌ: لَا يَزَالُ الصُّوفِيَّةُ بِخَيْرٍ مَا تَنَافَرُوا، فَإِذَا اصْطَلَحُوا هَلَكُوا، وَهَذَا إِشَارَةٌ
[ ٨ / ٣١٢٢ ]
إِلَى حُسْنٍ تَفَقُّدِ بَعْضِهِمْ أَحْوَالَ الْبَعْضِ إِشْفَاقًا مِنْ ظُهُورِ النَّفْسِ، يَقُولُ: إِذَا اصْطَلَحُوا وَرُفِعَ التَّنَافُرُ بَيْنَهُمْ يُخَافُ أَنْ يُخَامِرَ الْبَوَاطِنَ الْمُسَاهَلَةُ وَالْمِرْآةُ، وَمُسَامَحَةُ الْبَعْضِ الْبَعْضِ فِي إِهْمَالِ دَقِيقِ آدَابِهِمْ، وَبِذَلِكَ تَظْهَرُ النُّفُوسُ وَتَتَوَلَّى، وَتَصْدَأُ مِرْآةُ الْقَلْبِ، فَلَا يُرَى فِيهَا الْخَلَلُ وَالْعَيْبُ. قَالَ عُمَرُ - ﵁ - فِي مَجْلِسٍ فِيهِ الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَارُ: أَرَأَيْتُمْ لَوْ تَرَخَّصْتُ فِي بَعْضِ الْأُمُورِ مَاذَا كُنْتُمْ فَاعِلِينَ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا؟ فَلَمْ يُجِيبُوا. قَالَ بَشِيرُ بْنُ سَعْدٍ: لَوْ فَعَلْتَ ذَلِكَ قَوَّمْنَاكَ تَقْوِيمَ الْقَدَحِ. قَالَ عُمَرُ: أَنْتُمْ إِذًا أَنْتُمْ كَذَا فِي كِتَابِ الْعَوَارِفِ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَضَعَّفَهُ. وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ وَلِأَبِي دَاوُدَ): وَكَذَا لِلْبُخَارِيِّ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ («الْمُؤْمِنُ مِرْآةُ الْمُؤْمِنِ، وَالْمُؤْمِنُ أَخُو الْمُؤْمِنِ، يَكُفُّ عَنْهُ ضَيْعَتَهُ»)، أَيْ: يَمْنَعُ عَنْ أَخِيهِ تَلَفَهُ وَخُسْرَانَهُ، فَهُوَ مَرَّةٌ مِنَ الضَّيَاعِ، وَقِيلَ ضَيْعَةُ الرَّجُلِ مَا يَكُونُ مِنْهُ مَعَاشُهُ أَيْ: يَجْمَعُ عَلَيْهِ مَعِيشَتَهُ. (وَيَحُوطُهُ) أَيْ: يَحْفَظُهُ وَيُخَصِّرُهُ وَيَضُمُّهُ إِلَيْهِ (مِنْ وَرَائِهِ) أَيْ: فِي غَيْبَتِهِ نَفْسًا وَمَالًا وَعِرْضًا بِأَنْ لَا يَسْكُتَ إِذَا اغْتِيبَ عِنْدَهُ وَقَدَرَ عَلَى دَفْعِهِ، هَذَا وَصَدْرُ الْحَدِيثِ هُوَ قَوْلُهُ: (الْمُؤْمِنُ مِرْآةُ الْمُؤْمِنِ) حَدِيثٌ مُسْتَقِلٌّ أَيْضًا. وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ، وَالضِّيَاءُ عَنْ أَنَسٍ.
وَلِلطَّائِفَةِ الصُّوفِيَّةِ الصَّفِيَّةِ تَعَلُّقٌ بِهَذَا الْحَدِيثِ مِنْ حَيْثُ تَصْوِيرُ الْجَمْعِ بَيْنَ الْكَثْرَةِ وَالْوَحْدَةِ تَارَةً بِوُجُودِ مِرْآةٍ وَاحِدَةٍ وَمِرَاءٍ مُتَعَدِّدَةٍ، وَتَارَةً بِالْعَكْسِ فِي الِانْعِكَاسِ، وَجَعَلُوا أَحَدَ الْمُؤْمِنِينَ عِبَارَةً عَنِ الْمُؤْمِنِ الْمُهَيْمِنِ الْمُتَعَالِ، وَهُوَ تِمْثَالٌ عَلَى وَجْهِ الْكَمَالِ، وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى وَالصِّفَةُ الْأَعْلَى مِنْ حُجَّةِ دَلَالَتِهِ عَلَى تَنْزِيهِ الرَّائِي وَالْمَرْئِيِّ مِنَ الْمُحِبِّ وَالْمَحْبُوبِ، وَالطَّالِبِ وَالْمَطْلُوبِ. وَمِنْ حَيْثِيَّةِ كَوْنِ الْمِرْآةِ مَظْهَرًا وَمَظْهَرَ الْمُتَعَالِي عَنِ الْمَحْلُولِ وَالِاتِّحَادِ، وَالِانْفِصَالِ وَالِاتِّصَالِ خِلَافُ مَا تَصَوَّرَهُ أَهْلُ الضَّلَالِ، وَأَيْضًا فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ تَجَلِّيَّاتِ الظُّهُورِ الرَّبَّانِيِّ، وَتَجَلِّيَّاتِ الْعَوَارِفِ الصَّمَدَانِيِّ إِنَّمَا هُوَ بِقَدْرِ صَفَاءِ الْمِرْآةِ عَنْ صَدَاءِ الذُّنُوبِ، وَتَجَلِّيَّاتِ الشَّهَوَاتِ وَسَائِرِ الْعُيُوبِ مِمَّا يَحْجِبُ الْقُلُوبَ عَنْ مُطَالَعَةِ الْغُيُوبِ، لَكِنْ إِذَا كَانَ الرَّائِي مُتَوَجِّهًا إِلَى مِرْآةِ الْقَلْبِ لَا مُعْرِضًا عَنْهَا، وَإِلَّا فَيَكُونُ وَجْهُ الْمِرْآةِ وَقَفَاؤُهَا مُسْتَوِيَيْنِ عِنْدَهُ، وَكَذَا إِذَا تَرَاكَمَ الصَّدَأُ وَالرَّيْنُ وَارْتَفَعَ الْعَيْنُ بِسَبَبِ الْغَيْنِ، فَيَكُونُ مَحْجُوبًا فِي الْبَيْنِ، فَانْظُرِ التَّفَاوُتَ بَيْنَ الْفَرِيقَيْنِ، فَإِنَّهُ بَوْنٌ بَيِّنٌ، وَلِذَا قَالَ نَدِيمُ الْبَارِيِّ خَوَاجَهْ عَبْدُ اللَّهِ الْأَنْصَارِيُّ، صَاحِبُ مَنَازِلِ السَّائِرِينَ، وَمَقَامَاتِ الطَّائِرِينَ: آهْ آهْ مِنْ تَفَاوُتِ سَالِكِي طَرِيقِ الْإِلَهِ، مَعَ أَنَّ الْكُلَّ مِنْ حَدِيدٍ وَاحِدٍ فِي كَيْرٍ وَارِدٍ، فَيُصَاغُ مِنْ قِطْعَةِ مِرْآةٍ يَرَى بِهَا وَجْهَهُ الْمَحْبُوبَ، وَيُصْنَعُ مِنْ أُخْرَى نَعْلٌ يُوضَعُ تَحْتَ رِجْلِ الْمَرْكُوبِ مُشِيرًا إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٩] أَيِ: الْكَافِرُونَ الْكَامِلُونَ فِي الْغَفْلَةِ بِخِلَافِ الْمُؤْمِنِينَ الْكَامِلِينَ فِي مَرْتَبَةِ الْحُضُورِ دَائِمًا كَالْأَنْبِيَاءِ، أَوْ غَالِبًا كَالْأَوْلِيَاءِ، وَتَارَةً كَسَائِرِ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا، فَإِنَّ الْغَفْلَةَ كُفْرٌ كَمَا بَيَّنْتُهُ فِي شَرْحِ حِزْبِ الْفَتْحِ لِلشَّيْخِ أَبِي الْحَسَنِ الْبَكْرِيِّ قَدَّسَ اللَّهُ سِرَّهُ السَّرِيَّ، هَذَا وَكَانَ صَاحِبُ الْمَنَازِلِ أَرَادَ بِأَحَدِهِمَا مِثْلَ آدَمَ وَمُوسَى وَالْخَاتَمَ، وَبِالْآخَرِ: إِبْلِيسَ وَفِرْعَوْنَ وَأَبَا جَهْلٍ، لَكِنْ عِنْدِي أَنْ يُقَالَ نَبِيُّنَا الرَّئِيسُ بِمُقَابَلَةِ إِبْلِيسَ، فَإِنَّ سَيِّدَنَا مُحَمَّدًا أَعْظَمُ مَظَاهِرِ الْجَمَالِ وَإِبْلِيسَ أَقْوَى مَظَاهِرِ الْجَلَالِ، وَكَذَا مَا يَتَرَتَّبُ عَلَى مُتَابَعَتِهِمَا مِنَ الْجَنَّةِ وَالثَّوَابِ وَالنَّارِ وَالْعِقَابِ، وَأَبُو جَهْلٍ يُقَابَلُ بِآدَمَ الَّذِي هُوَ أَبُو الْعِلْمِ، وَلِكُلِّ فِرْعَوْنَ مُوسَى، وَهُنَا يُفْتَحُ أَبْوَابُ بَحْثِ الْقَضَاءِ وَالْقَدَرِ، وَيَدْخُلُ أَسْبَابُ التَّحَيُّرِ فِي أَمْرِ الْقُوَى وَالْقَدْرِ، وَالْجَوَابُ الْمُحَمَّدِيُّ لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ، ثُمَّ هَذَانِ الْأَمْرَانِ لِاقْتِضَاءِ صِفَتَيِ الْجَمَالِ وَالْجَلَالِ مِنْ صَاحِبِ الْكَمَالِ، وَبَسْطِهِمَا يُوجِبُ كَلَالَ أَرْبَابِ الْمِلَالِ، مَعَ أَنَّهُ غَايَةُ ذَوْقِ أَصْحَابِ الْحَالِ، فَقَدْ مَزَجْتُ لَكَ الْإِشَارَةَ الصُّوفِيَّةَ الْبَاطِنِيَّةَ بِالْعِبَارَةِ الْعِلْمِيَّةِ الظَّاهِرِيَّةِ، لَعَلَّكَ تَعْتَرِفُ بِالْجَهْلِ مِنْ هَذَا الْمَذْهَبِ، وَتَغْتَرِفُ بِالْعِلْمِ مِنْ هَذَا الْمَشْرَبِ، وَلَوْ كَانَ مَمْزُوجًا لِعَدَمِ حُصُولِهِ صَرْفًا، كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ سُبْحَانَهُ وَدَلَّ عَلَيْهِ كَلَامُهُ وَبُرْهَانُهُ حَيْثُ قَالَ: " ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ﴾ [المطففين: ٢٢] " إِلَى أَنْ قَالَ: " ﴿يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ - خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ - وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ - عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ﴾ [المطففين: ٢٥ - ٢٨] " وَقَدْ قَالَ الْعَارِفُ ابْنِ الْفَارِضِ:
عَلَيْكَ بِهَا صَرْفًا وَإِنْ شِئْتَ مَزْجَهَا فَعَدْلُكَ عَنْ ظُلْمِ الْحَبِيبِ هُوَ الظُّلْمُ
أَذَاقَنَا اللَّهُ مِنْ كَأْسِ مَشْرَبِهِمْ، وَرَزَقَنَا سُلُوكَ مَذْهَبِهِمْ وَحُسْنَ مَطْلَبِهِمْ.
[ ٨ / ٣١٢٣ ]
٤٩٨٦ - وَعَنْ مُعَاذِ بْنِ أَنَسٍ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " «مَنْ حَمَى مُؤْمِنًا مِنْ مُنَافِقٍ بَعَثَ اللَّهُ مَلَكًا يَحْمِي لَحْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ نَارِ جَهَنَّمَ، وَمَنْ رَمَى مُسْلِمًا بِشَيْءٍ يُرِيدُ بِهِ شَيْنَهُ حَبْسَهُ اللَّهُ عَلَى جِسْرِ جَهَنَّمَ حَتَّى يَخْرُجَ مِمَّا قَالَ» ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
_________________
(١) (وَعَنْ مُعَاذِ بْنِ أَنَسٍ ﵁) أَيِ: الْجُهَنِيِّ، رَوَى عَنْهُ ابْنُ سَهْلٍ، ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ فِي فَصْلِ الصَّحَابَةِ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: مَنْ حَمَى) أَيْ: حَرَسَ (مُؤْمِنًا) أَيْ: عِرْضَهُ (مِنْ مُنَافِقٍ) أَيْ: مُغْتَابٍ، وَإِنَّمَا سُمِّيَ مُنَافِقًا ; لِأَنَّهُ لَا يُظْهِرُ عَيْبَ أَخِيهِ عِنْدَهُ لِيَتَدَارَكَ، بَلْ يُظْهِرُ عِنْدَ خِلَافِ ذَلِكَ، أَوْ لِأَنَّهُ يُظْهِرُ النَّصِيحَةَ وَيُبْطِنُ الْفَضِيحَةَ. (بَعَثَ اللَّهُ مَلَكًا يَحْمِي لَحْمَهُ) أَيْ: لَحْمَ حَامِي الْمُؤْمِنِ (يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ نَارِ جَهَنَّمَ وَمَنْ رَمَى) أَيْ: قَذَفَ (مُسْلِمًا): فِيهِ تَفَنُّنٌ لِإِشْعَارٍ بِصِحَّةِ إِطْلَاقِ كُلِّ مَوْضِعٍ الْآخَرَ (بِشَيْءٍ) أَيْ: مِنَ الْعُيُوبِ (يُرِيدُ بِهِ شَيْنَهُ) أَيْ: غَيْبَهُ، وَالْجُمْلَةُ حَالٌ مِنَ الضَّمِيرِ لِلِاحْتِرَازِ عَمَّنْ يُرِيدُ بِهِ زَجْرَهُ، أَوِ احْتِرَاسِ غَيْرِهِ عَنْهُ، وَنَحْوُ ذَلِكَ مِنَ الْمُجَوَّزَاتِ الشَّرْعِيَّةِ. (حَبَسَهُ اللَّهُ) أَيْ: وَقَّفَهُ (عَلَى جِسْرِ جَهَنَّمَ): وَهُوَ صِرَاطٌ مَمْدُودٌ بَيْنَ ظَهْرَانَيْهَا أَدَقُّ مِنَ الشَّعْرِ، وَأَحَدُّ مِنَ السَّيْفِ (حَتَّى يَخْرُجَ مِمَّا قَالَ) أَيْ: مِنْ عُهْدَتِهِ، وَالْمَعْنَى حَتَّى يُنَقَّى مِنْ ذَنْبِهِ ذَلِكَ بِإِرْضَاءِ خَصْمِهِ أَوْ بِشَفَاعَةٍ أَوْ بِتَعْذِيبِهِ بِقَدْرِ ذَنْبِهِ (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) . أَيْ: مِنْ طَرِيقِ سَهْلِ بْنِ مُعَاذِ بْنِ أَنَسٍ عَنْ أَبِيهِ ذَكَرَهُ مِيرَكُ.
[ ٨ / ٣١٢٤ ]
٤٩٨٧ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو - ﵄ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " «خَيْرُ الْأَصْحَابِ عِنْدَ اللَّهِ خَيْرُهُمْ لِصَاحِبِهِ، وَخَيْرُ الْجِيرَانِ عِنْدَ اللَّهِ خَيْرُهُمْ لِجَارِهِ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَالدَّارِمِيُّ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ.
_________________
(١) (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو) بِالْوَاوِ (قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: خَيْرُ الْأَصْحَابِ») أَيْ: أَكْثَرُهُمْ ثَوَابًا (عِنْدَ اللَّهِ) أَيْ: فِي حُكْمِهِ الَّذِي هُوَ مُعْتَبَرٌ عِنْدَ الْكُلِّ (خَيْرُهُمْ لِصَاحِبِهِ) أَيْ: أَكْثَرُهُمْ إِحْسَانًا وَلَوْ بِالنَّصِيحَةِ («وَخَيْرُ الْجِيرَانِ عِنْدَ اللَّهِ خَيْرُهُمْ لِجَارِهِ») أَيْ: وَلَوْ بِرَفْعِ الْأَذَى عَنْهُ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَالدَّارُقُطْنِيُّ)، وَكَذَا أَحْمَدُ وَالْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ (وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ) قَالَ مِيرَكُ: وَإِسْنَادُهُ جَيِّدٌ وَرِجَالُهُ رِجَالُ الصَّحِيحِ، وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: («خَيْرُ الْأَصْحَابِ صَاحِبٌ إِذَا ذَكَرْتَ اللَّهَ أَعَانَكَ، وَإِنْ نَسِيتَ ذَكَّرَكَ») . رَوَاهُ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا فِي كِتَابِ الْإِخْوَانِ عَنِ الْحَسَنِ مُرْسَلًا.
[ ٨ / ٣١٢٤ ]
٤٩٨٨ - وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ - ﵁ - قَالَ: «قَالَ رَجُلٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! كَيْفَ لِي أَنْ أَعْلَمَ إِذَا أَحْسَنْتُ أَوْ إِذَا أَسَأْتُ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: " إِذَا سَمِعْتَ جِيرَانَكَ يَقُولُونَ: قَدْ أَحْسَنْتَ؟ فَقَدْ أَحْسَنْتَ، وَإِذَا سَمِعْتَهُمْ يَقُولُونَ: قَدْ أَسَأْتَ فَقَدْ أَسَأْتَ» " رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ.
_________________
(١) (وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ - ﵁ - قَالَ: «قَالَ رَجُلٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ: كَيْفَ لِي أَنْ أَعْرِفَ إِذَا أَحْسَنْتُ أَوْ إِذَا أَسَأْتُ»)؟ وَفِي نُسْخَةٍ بِالْوَاوِ بِمَعْنَى أَوْ، وَالْمَعْنَى كَيْفَ يَحْصُلُ لِي الْعِلْمُ بِإِحْسَانِي أَوْ إِسَاءَتِي إِذَا صَدَرَ مِنْ عَمَلٍ غَيْرِ مَعْرُوفٍ حُسْنُهُ وَقُبْحُهُ شَرْعًا (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: إِذَا سَمِعْتَ جِيرَانَكَ) أَيْ: جَمِيعَهُمْ لِعَدَمِ اجْتِمَاعِهِمْ عَلَى الضَّلَالَةِ غَالِبًا (يَقُولُونَ: قَدْ أَحْسَنْتَ فَقَدْ أَحْسَنْتَ، وَإِذَا سَمِعْتَهُمْ يَقُولُونَ: قَدْ أَسَأْتَ فَقَدْ أَسَأْتَ) وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ أَلْسِنَةَ الْخَلْقِ أَقْلَامُ الْحَقِّ (رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ)، وَكَذَا ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ، وَأَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ، وَالطَّبَرَانِيُّ، وَرِجَالُ ابْنِ مَاجَهْ رِجَالُ الصَّحِيحَيْنِ إِلَّا شَيْخَهُ مُحَمَّدَ بْنَ يَحْيَى قَدْ أَخْرَجَ لَهُ الْبُخَارِيُّ دُونَ مُسْلِمٍ، كَذَا فِي التَّصْحِيحِ، وَفِي الْجَامِعِ رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ وَالطَّبَرَانِيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ مَاجَهْ أَيْضًا عَنْ كُلْثُومَ الْخُزَاعِيِّ.
[ ٨ / ٣١٢٤ ]
٤٩٨٩ - وَعَنْ عَائِشَةَ - ﵂ - أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: " «أَنْزِلُوا النَّاسَ مَنَازِلَهُمْ» " رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
_________________
(١) (وَعَنْ عَائِشَةَ - ﵂ - أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: أَنْزِلُوا النَّاسَ): أَمْرٌ مِنَ الْإِنْزَالِ وَقَوْلُهُ: (مَنَازِلَهُمْ) مَنْصُوبٌ بِنَزْعِ الْخَافِضِ قِيلَ: أَيْ: مَقَامَاتِهِمُ الْمُعَيَّنَةِ الْمَعْلُومَةِ لَهُمْ قَالَ تَعَالَى حِكَايَةً عَنِ الْمَلَائِكَةِ: " ﴿وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ﴾ [الصافات: ١٦٤] " وَلِكُلِّ أَحَدٍ مَرْتَبَةٌ وَمَنْزِلَةٌ لَا يَتَخَطَّاهَا إِلَى غَيْرِهَا، فَالْوَضِيعُ لَا يَكُونُ فِي مَوْضِعِ الشَّرِيفِ، وَلَا الشَّرِيفُ فِي مَنْزِلِ الْوَضِيعِ، فَاحْفَظُوا عَلَى كُلِّ أَحَدٍ مَنْزِلَتَهُ، وَلَا تُسَوُّوا بَيْنَ الْخَادِمِ وَالْمَخْدُومِ، وَالسَّائِدِ وَالْمُسَوَّدِ، وَأَكْرِمُوا كُلًّا عَلَى حَسَبِ فَضْلِهِ وَشَرَفِهِ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ﴾ [الزخرف: ٣٢] وَقَالَ عَزَّ مِنْ قَائِلٍ: " ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة: ١١] " وَهَذَا الْحَدِيثُ مَبْدَأُ فَهْمِ أَقْوَالِ الْعُلَمَاءِ فِي تَفَاضُلِ الْأَنْبِيَاءِ، وَتَفْضِيلِ الْبَشَرِ عَلَى الْمَلَكِ وَتَفْضِيلِ الْخُلَفَاءِ، وَأَمْثَالِ ذَلِكَ مِنَ الْمَبَاحِثِ كَمَا أَنَّهُ مَنْشَأُهُمُ الْأَغْنِيَاءَ وَالْأَغْبِيَاءَ وَالْمُتَكَبِّرِينَ مِنَ الْأُمَرَاءِ وَالْوُزَرَاءِ عَلَى مَا هُوَ مُشَاهَدٌ فِي مَجَالِسِ الْحَوَادِثِ قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ، وَفَهِمَ كُلُّ فَرِيقٍ مَذْهَبَهُمْ يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) أَيْ: مِنْ طَرِيقِ مَيْمُونِ بْنِ شُعَيْبَ عَنْ عَائِشَةَ، وَقَالَ: مَيْمُونُ بْنُ شُعَيْبَ لَمْ يُدْرِكْ عَائِشَةَ اهـ. وَسُئِلَ أَبُو بَكْرٍ الرَّازِيُّ: مَيْمُونٌ عَنْ عَائِشَةَ مُتَّصِلٌ؟ قَالَ: لَا نَقَلَهُ مِيرَكُ عَنِ التَّصْحِيحِ، وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَبِي دَاوُدَ عَنْ عَائِشَةَ، فَالِاعْتِرَاضُ مُتَوَجِّهٌ عَلَى صَاحِبِ الْمَصَابِيحِ، وَكَذَا عَلَى صَاحِبِ الْمِشْكَاةِ فِي غَفْلَةِ الْأَوَّلِ بِإِيرَادِهِ فِي الْفَصْلِ الثَّانِي، وَفِي تَقْصِيرِ الثَّانِي بِقُصُورِ التَّتَبُّعِ، بَلْ وَعَلَى صَاحِبِ التَّصْحِيحِ إِنْ كَانَ نَقْلُ الْجَامِعِ هُوَ الصَّحِيحَ، هَذَا وَرَوَاهُ الْخَرَائِطِيُّ فِي مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ بِلَفْظِ: «أَنْزِلِ النَّاسَ مَنَازِلَهُمْ مِنَ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ، وَأَحْسِنْ أَدَبَهُمْ عَلَى الْأَخْلَاقِ الصَّالِحَةِ» .
[ ٨ / ٣١٢٥ ]
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
٤٩٩٠ - عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي قُرَادٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - تَوَضَّأَ يَوْمًا، فَجَعَلَ أَصْحَابُهُ يَتَمَسَّحُونَ بِوَضُوئِهِ، فَقَالَ لَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ: " مَا يَحْمِلُكُمْ عَلَى هَذَا؟ " قَالُوا: حَبُّ اللَّهِ وَرَسُولِهِ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: " مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُحِبَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أَوْ يُحِبُّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ فَلْيُصَدِّقْ حَدِيثَهُ إِذَا حَدَّثَ، وَلْيُؤَدِّ أَمَانَتَهُ إِذَا أُؤْتُمِنَ، وَلِيُحْسِنَ جِوَارَ مَنْ جَاوَرَهُ» ".
_________________
(١) الْفَصْلُ الثَّالِثُ
(٢) (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي قُرَادٍ) بِضَمِّ الْقَافِ. قَالَ الْمُؤَلِّفُ: صَحَابِيٌّ أَسْلَمِيٌّ، يُعَدُّ فِي أَهْلِ الْحِجَازِ، رَوَى عَنْهُ أَبُو جَعْفَرٍ الْخَطْمِيُّ وَغَيْرُهُ. («أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَوَضَّأَ يَوْمًا، فَجَعَلَ أَصْحَابُهُ يَمْسَحُونَ بِوَضُوئِهِ»)، بِفَتْحِ الْوَاوِ وَأَبْعَدَ مَنْ ضَمَّهَا وَقَدَرِ الْمَاءِ (فَقَالَ لَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ: مَا يَحْمِلُكُمْ عَلَى هَذَا؟) أَيِ: التَّمَسُّحِ، وَكَانَ هَذَا مِنَ الْمَعْلُومِ الْوَاضِحِ عِنْدَهُ أَنَّهُ لِلتَّبَرُّكِ النَّاشِئِ عَنْ حُسْنِ الِاعْتِقَادِ فِي اللَّهِ وَرَسُولِهِ فَالسُّؤَالُ لِإِظْهَارِ مَا يَتَرَتَّبُ عَلَى الْجَوَابِ. (قَالُوا: حُبُّ اللَّهِ وَرَسُولِهِ) أَيِ: الْحَامِلُ أَوْ حَمَلَنَا، (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُحِبَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ») أَيْ: عَلَى وَجْهِ الْكَمَالِ (أَوْ يُحِبُّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ): أَوْ لِلتَّنْوِيعِ أَوْ بِمَعْنَى بَلْ، وَهُوَ الْأَظْهَرُ وَيُحْتَمَلُ شَكُّ الرَّاوِي (فَلْيُصَدِّقْ): بِضَمِّ الدَّالِ (حَدِيثَهُ): بِالنَّصْبِ أَيْ: فِي حَدِيثِهِ فَفِي الْقَامُوسِ: الصِّدْقُ بِالْكَسْرِ وَالْفَتْحِ ضِدُّ الْكَذِبِ، أَوْ بِالْفَتْحِ مَصْدَرٌ وَبِالْكَسْرِ الِاسْمُ، وَصَدَقَ فِي الْحَدِيثِ وَصَدَّقَ فُلَانًا الْحَدِيثَ أَوِ الْقِتَالَ، وَصَدَّقَهُ تَصْدِيقًا ضِدُّ كَذَّبَهُ. (إِذَا حَدَّثَ)، أَيْ: مَتَى تَكَلَّمَ وَتَحَدَّثَ («وَلْيُؤَدِّ أَمَانَتَهُ إِذَا أُؤْتُمِنَ») بِسُكُونِ الْهَمْزِ وَيُبَدَّلُ أَلِفًا حَالَ الْوَصْلِ، وَهُوَ عَلَى بِنَاءِ الْمَفْعُولِ وَيُكْتَبُ بِالْوَاوِ ; لِأَنَّ حَالَةَ الِابْتِدَاءِ بِهِ بَعْدَ الْوَقْفِ عَلَى مَا قَبْلَهُ يَجِبْ قَلْبُ الْهَمْزَةِ الثَّانِيَةِ وَاوًا، وَلَا يَغُرَّكَ كِتَابَتُهُ فِي أَكْثَرِ النُّسَخِ إِذَا ائْتَمَنَ بِالْيَاءِ، فَإِنَّهُ نَشَأَ مِنْ قِلَّةِ الِاطِّلَاعِ عَلَى الرَّسْمِ وَآدَابِ الْوَقْفِ وَالْوَصْلِ، وَهُوَ عِلْمٌ مُسْتَقِلٌّ، بَلْ عِلْمَانِ غَيْرُ مَا يَتَعَلَّقُ بِالْكَلِمَةِ مِنَ الْقَوَاعِدِ الصَّرْفِيَّةِ وَالنَّحْوِيَّةِ، وَسَائِرِ عُلُومِ الْعَرَبِيَّةِ، وَمِنْ هَذَا الْقَبِيلِ قَوْلُهُ تَعَالَى:
[ ٨ / ٣١٢٥ ]
﴿فَلْيُؤَدِّ الَّذِي أُؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣] (وَلِيُحْسِنْ): مِنَ الْإِحْسَانِ أَيْ: لِيُكْرِمْ (جِوَارَ مَنْ جَاوَرَهُ) . بِكَسْرِ الْجِيمِ أَيْ: مُجَاوَرَةَ جِيرَانِهِ، وَمُعَاشَرَةَ أَصْحَابِهِ وَإِخْوَانِهِ، فَإِنَّ هَذِهِ الْأَوْصَافَ مِنْ أَخْلَاقِ الْمُؤْمِنِينَ، وَأَضْدَادَهَا مِنْ عَلَامَاتِ الْمُنَافِقِينَ، فَالْمَدَارُ عَلَى الْأَفْعَالِ الْبَاطِنَةِ دُونَ الْأَحْوَالِ الظَّاهِرَةِ، فَكَأَنَّهُ ﷺ نَبَّهَهُمْ عَلَى أَنَّ جُمْلَةَ هِمَّتِهِمْ يَجِبُ أَنْ تَكُونَ عَلَى أَمْثَالِ هَذِهِ الْأَخْلَاقِ دُونَ الِاكْتِفَاءِ بِظَوَاهِرِ الْأُمُورِ الْمُشْتَرَكَ فِيهَا الْمُؤْمِنُ وَالْمُنَافِقُ، وَالْمُخَالِفُ وَالْمُوَافِقُ وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ. وَخُلَاصَةُ مَعْنَاهُ مَا ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ مِنْ قَوْلِهِ: يُرِيدُ أَنَّ ادِّعَاءَكُمْ مَحَبَّةَ اللَّهِ، وَمَحَبَّةَ رَسُولِهِ لَا يَتِمُّ، وَلَا يَسْتَتِبُّ بِمَسْحِ الْوَضُوءِ فَقَطْ، بَلْ بِالصِّدْقِ فِي الْمَقَالِ، وَبِأَدَاءِ الْأَمَانَةِ، وَبِالْإِحْسَانِ إِلَى الْجَارِ.
[ ٨ / ٣١٢٦ ]
٤٩٩١ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ - قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يَقُولُ: «لَيْسَ الْمُؤْمِنُ بِالَّذِي يَشْبَعُ وَجَارُهُ جَائِعٌ إِلَى جَنْبِهِ» ". رَوَاهُمَا الْبَيْهَقِيُّ فِي " شُعَبِ الْإِيمَانِ ".
_________________
(١) (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ - قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يَقُولُ: لَيْسَ الْمُؤْمِنُ) أَيِ: الْكَامِلُ (بِالَّذِي): الْبَاءُ زَائِدَةٌ قَدْ تَدْخُلُ فِي خَبَرِ لَيْسَ وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ الَّذِي (يَشْبَعُ وَجَارُهُ جَائِعٌ إِلَى جَنْبِهِ) الْجُمْلَةُ حَالٌ مِنْ ضَمِيرِ يَشْبَعُ أَيْ: وَهُوَ عَالِمٌ بِحَالِ اضْطِرَارِهِ، وَقِلَّةِ اقْتِدَارِهِ، وَفِي ذِكْرِ الْجَنْبِ إِشْعَارٌ بِكَمَالِ غَفْلَتِهِ عَنْ تَعَهُّدِ جَارِهِ (رَوَاهُمَا) أَيِ: الْحَدِيثَيْنِ (الْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ) . وَالْأَوَّلُ رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ، ذَكَرَهُ مِيرَكُ، وَالثَّانِي رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ، وَالطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ، وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِهِ عَلَى مَا فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ.
[ ٨ / ٣١٢٦ ]
٤٩٩٢ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - قَالَ: «قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ فُلَانَةً تُذْكَرُ مِنْ كَثْرَةِ صَلَاتِهَا وَصِيَامِهَا وَصَدَقَتِهَا، غَيْرَ أَنَّهَا تُؤْذِي جِيرَانَهَا بِلِسَانِهَا. قَالَ: " هِيَ فِي النَّارِ ". قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! فَإِنَّ فُلَانَةً تُذْكَرُ قِلَّةَ صِيَامِهَا وَصَدَقَتِهَا وَصَلَاتِهَا وَإِنَّهَا تَصَدَّقُ بِالْأَثْوَارِ مِنَ الْأَقِطِ وَلَا تُؤْذِي بِلِسَانِهَا جِيرَانَهَا قَالَ: " هِيَ فِي الْجَنَّةِ» ". رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي " شُعَبِ الْإِيمَانِ ".
_________________
(١) (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ فُلَانَةً): بِفَتْحِ آخِرِهَا وَهَى كِنَايَةٌ عَنِ اسْمِ امْرَأَةٍ (تُذْكَرُ): بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ مُسْنَدٍ إِلَى ضَمِيرِ " فُلَانَةً "، وَالْمَعْنَى أَنَّهَا تُذْكَرُ فِيمَا بَيْنَ النَّاسِ بِطَرِيقِ الشُّهْرَةِ (مِنْ كَثْرَةِ صَلَاتِهَا وَصِيَامِهَا وَصَدَقَتِهَا) أَيْ: مِنْ أَجْلِ هَذِهِ النَّوَافِلِ، وَ(مِنْ) تَعْلِيلِيَّةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِـ (تُذْكَرُ) (غَيْرَ أَنَّهَا) أَيْ: إِلَّا أَنَّهَا (تُؤْذِي): قَالَ الطِّيبِيُّ: الِاسْتِثْنَاءُ مُنْقَطِعٌ يَعْنِي لَكِنْ تُؤْذِي (جِيرَانَهَا بِلِسَانِهَا) . وَلَعَلَّ وَجْهَ التَّقْيِيدِ بِاللِّسَانِ أَنَّهُ أَغْلَبُ مَا يُؤْذَى بِهِ وَأَقْوَى مَا يَتَأَذَّى لَهُ الْإِنْسَانُ كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ: جِرَاحَاتُ السِّنَّانِ لَهَا الْتِئَامُ وَلَا يَلْتَامُ مَا جَرَحَ اللِّسَانُ (قَالَ: هِيَ فِي النَّارِ) . أَيْ: لِارْتِكَابِ النَّفْلِ الْمُبَاحِ تَرْكُهُ وَاكْتِسَابِ الْأَذَى الْمُحَرَّمِ فِي الشَّرْعِ، وَفِي نَظِيرِهِ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَاقِعُونَ حَتَّى عِنْدَ دُخُولِ الْبَيْتِ الشَّرِيفِ، وَاسْتِلَامِ الرُّكْنِ الْمُنِيفِ، وَمِنْ هَذَا الْقَبِيلِ عَمَلُ الظَّلَمَةِ مِنْ جَمْعِ مَالِ الْحَرَامِ وَصَرْفِهِ فِي بِنَاءِ الْمَسَاجِدِ وَالْمَدَارِسِ، وَإِطْعَامِ الطَّعَامِ. (قَالَ) أَيِ: الرَّجُلُ (يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ فُلَانَةً) أَيْ: غَيْرَهَا (تُذْكَرُ) أَيْ: عَلَى أَلْسِنَةِ النَّاسِ (قِلَّةَ صِيَامِهَا وَصَدَقَتِهَا وَصِلَاتِهَا)، وَفِي نُسْخَةٍ مِنْ قِلَّةِ صِيَامِهَا قَالَ الطِّيبِيُّ: الْقَرِينَةُ الثَّانِيَةُ لَيْسَتْ فِيهَا مِنْ " وَقِلَّةَ " نُصِبَ عَلَى نَزْعِ الْخَافِضِ اهـ. وَكَأَنَّهُ ثَبَتَ عِنْدَهُ رِوَايَةُ النَّصْبِ كَمَا تَقْتَضِي مُرَاعَاةُ الْمُنَاسَبَةِ بَيْنَ الْقَرِينَتَيْنِ، وَإِلَّا فَلَوْ رُوِيَ أَوْ قُرِئَ بِالرَّفْعِ فَوَجْهُهُ ظَاهِرٌ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (وَإِنَّهَا): بِالْكَسْرِ (تُصَدَّقُ): بِحَذْفِ إِحْدَى التَّاءَيْنِ وَضَمِّ الْقَافِ، وَالْجُمْلَةُ حَالٌ وَإِنْ رُوِيَ بِفَتْحِ أَنَّ عَطْفًا عَلَى (أَنَّهَا) مَعْمُولُ (تُذْكَرُ)، فَلَهُ وَجْهٌ فَتُذْكَرُ. وَالْمَعْنَى أَنَّهَا تَتَصَدَّقُ. (بِالْأَثْوَارِ مِنَ الْأَقِطِ)، أَيْ: بِقِطَعٍ مِنْهُ جَمْعُ ثَوْرٍ بِالْمُثَلَّثَةِ وَهُوَ قِطْعَةٌ مِنَ الْأَقِطِ ذَكَرَهُ الْجَوْهَرِيُّ، فَفِي الْكَلَامِ تَجْرِيدٌ أَوْ تَوْكِيدٌ، وَفِي ذِكْرِهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ صَدَقَتَهَا بِالنِّسْبَةِ لِتِلْكَ الْمَرْأَةِ قَلِيلَةٌ جِدًّا، ثُمَّ فِي الْقَرِينَةِ الثَّانِيَةِ تَوَسَّطَتِ الْعِبَادَةُ الْمَالِيَّةُ بَيْنَ عِبَادَتَيِ الْبَدَنِيَّةِ لَعَلَّهَا بِسَبَبِ طَرَفَيْهَا تَنْجَبِرُ قِلَّتُهَا. (وَلَا تُؤْذِي بِلِسَانِهَا جِيرَانَهَا): عَطْفٌ عَلَى تَصَدَّقُ أَوْ حَالٌ مِنْ ضَمِيرِهِ
[ ٨ / ٣١٢٦ ]
(قَالَ: هِيَ فِي الْجَنَّةِ)؛ لِأَنَّ مَدَارَ أَمْرِ الدِّينِ عَلَى اكْتِسَابِ الْفَرَائِضِ وَاجْتِنَابِ الْمَعَاصِي، إِذْ لَا فَائِدَةَ فِي تَحْصِيلِ الْفُضُولِ وَتَضْيِيعِ الْأُصُولِ، وَكَمَا هُوَ وَاقِعٌ فِيهِ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ وَكَثِيرٌ مِنَ الصُّلَحَاءِ، حَيْثُ لَمْ يَقُمِ الْأَوَّلُونَ بِمَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ مِنَ الْعَمَلِ، وَلَمْ يُحَصِّلِ الْآخَرُونَ مَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ مِنَ الْعِلْمِ، وَأَمَّا الصُّوفِيَّةُ الْجَامِعُونَ بَيْنَ الْعِلْمِ وَالْعَمَلِ الْمَقْرُونَيْنِ بِالْإِخْلَاصِ، فَهُمْ يَأْدِمُونَ رِعَايَةَ الِاحْتِمَاءِ عَلَى إِعْطَاءِ الدَّوَاءِ سَالِكِينَ سَبِيلَ الْحُكَمَاءِ فَيَقُولُونَ: التَّخْلِيَةُ مُقَدَّمَةٌ عَلَى التَّحْلِيَةِ، وَلِذَا جَعَلُوا التَّوْبَةَ أَوَّلَ مَنَازِلِ السَّائِرِينَ وَمَقَامَاتِ الطَّائِرِينَ. وَفِي كَلِمَهِ التَّوْحِيدُ إِشَارَةٌ إِلَى هَذَا الْمَلَفِّ بِطَرِيقِ النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ دَائِمًا إِلَى أَنَّ الصِّفَافَ السَّلْبِيَّةَ مُقَدَّمَةٌ عَلَى النُّعُوتِيَّةِ الثُّبُوتِيَّةِ، فَكَأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنَ الْأَوْلَى حُصُولُ الثَّانِيَةِ بِخِلَافِ الْعَكْسِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ) . وَكَذَا الْبَزَّارُ، وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ وَالْحَاكِمُ، وَقَالَ: صَحِيحُ الْإِسْنَادِ، وَابْنُ أَبِي شَيْبَةَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ ذَكَرَهُ مِيرَكُ.
[ ٨ / ٣١٢٧ ]
٤٩٩٣ - وَعَنْهُ قَالَ: «إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - وَقَفَ عَلَى نَاسٍ جُلُوسٍ فَقَالَ: " أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِخَيْرِكُمْ مِنْ شَرِّكُمْ؟ " قَالَ: فَسَكَتُوا فَقَالَ ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ فَقَالَ رَجُلٌ: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَخْبِرْنَا بِخَيْرِنَا مِنْ شَرِّنَا فَقَالَ: " خَيْرُكُمْ مَنْ يُرْجَى خَيْرُهُ، وَيُؤْمَنُ شَرُّهُ، وَشَرُّكُمْ مَنْ لَا يُرْجَى خَيْرُهُ، وَلَا يُؤْمَنُ شَرُّهُ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي " شُعَبِ الْإِيمَانِ ". وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
_________________
(١) (وَعَنْهُ) أَيْ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - (قَالَ: «إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - وَقَفَ عَلَى نَاسٍ جُلُوسٍ») أَيْ: جَالِسِينَ أَوْ ذَوِي جُلُوسٍ («فَقَالَ: أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِخَيْرِكُمْ مِنْ شَرِّكُمْ»)؟ أَيْ: مُمَيِّزًا مِنْهُ حَالٌ مِنَ الْمُتَكَلِّمِ (قَالَ) أَيِ: الرَّاوِي (فَسَكَتُوا) أَيْ: مُتَوَقِّفِينَ فِي أَنَّ السُّؤَالَ أَوْلَى أَوِ السُّكُوتَ أَحْرَى خَوْفًا مِنْ أَنْ يَكُونَ مِنْ بَابِ: " ﴿لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ [المائدة: ١٠١] " وَعَمَلًا بِقَوْلِهِ ﷺ: " «وَسَكَتَ عَنْ أَشْيَاءَ رَحْمَةً لَكُمْ مِنْ غَيْرِ نِسْيَانٍ فَلَا تَبْحَثُوا عَنْهَا» ". (فَقَالَ ذَلِكَ) أَيِ: الْكَلَامَ السَّابِقَ (ثَلَاثَ مَرَّاتٍ): فَلَمَّا أَفَادَ التَّكْرَارُ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنَ الِاخْتِيَارِ أَجَابَ بَعْضُهُمْ (فَقَالَ رَجُلٌ) أَيْ: كُلُّ الرَّجُلِ شَدِيدُ الْقَلْبِ فَتَنْوِينُهُ لِلتَّعْظِيمِ («بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَخْبِرْنَا بِخَيْرِنَا مِنْ شَرِّنَا») . وَفِيهِ بَسْطُ الْكَلَامِ بِمُقْتَضَى انْبِسَاطِ الْمَقَامِ (فَقَالَ) أَيْ: بِطَرِيقِ الْإِبْهَامِ احْتِرَازًا مِنْ فَضِيحَةِ الْأَنَامِ («خَيْرُكُمْ مَنْ يُرْجَى خَيْرُهُ»): فَخَيْرُ الْأَوَّلِ بِمَعْنَى الْأَخْيَرِ، وَالثَّانِي مُفْرَدُ الْخُيُورِ أَيْ: مَنْ يَرْجُو النَّاسُ مِنْهُ إِحْسَانَهُ إِلَيْهِمْ (وَيُؤْمَنُ شَرُّهُ)، أَيْ: مَنْ يَأْمَنُونَ عَنْهُ عَنْ إِسَاءَتِهِ عَلَيْهِمْ («وَشَرُّكُمْ مَنْ لَا يُرْجَى خَيْرُهُ، وَلَا يُؤْمَنُ شَرُّهُ») . وَتَرَكَ ذِكْرَ مَنْ يَأْتِي مِنْهُ الْخَيْرُ وَالشَّرُّ وَنَقِيضُهُ، فَإِنَّهُمَا سَاقِطَا الِاعْتِبَارِ حَيْثُ تَعَارَضَا تَسَاقُطًا، وَنَظِيرُهُ مَا أَشَارَ إِلَيْهِ ﷺ فِي حَدِيثٍ آخَرَ مَا مَعْنَاهُ: أَنَّ مِنَ النَّاسِ مَنْ هُوَ سَرِيعُ الْغَضَبِ سَرِيعُ الْفَيْءِ، فَهَذَا بِذَاكَ، وَمِنْهُمْ بَطِيءُ الْغَضَبِ بَطِيءُ الْفَيْءِ، فَكَذَلِكَ وَخَيْرُهُمْ مَنْ يَكُونُ بَطِيءَ الْغَضَبِ سَرِيعَ الرُّجُوعِ، وَشَرُّهُمْ عَكْسُ ذَلِكَ، هَذَا وَقَالَ الطِّيبِيُّ: وَلَمَّا تَوَهَّمُوا مَعْنَى التَّمْيِيزِ وَتَخَوَّفُوا مِنَ الْفَضِيحَةِ سَكَتُوا حَتَّى كَرَّرَ ثَلَاثًا، ثُمَّ أَبْرَزَ الْبَيَانَ فِي مَعْرِضِ الْعُمُومِ، لِئَلَّا يُفْضَحُوا فَقَالَ: (خَيْرُكُمْ) . وَالتَّقْسِيمُ الْعَقْلِيُّ يَقْتَضِي أَرْبَعَةَ أَقْسَامٍ ذَكَرَ مِنْهَا اثْنَتَيْنِ تَرْغِيبًا، وَتَرْهِيبًا، وَتَرْكَ قِسْمَيْنِ ; لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِمَا تَرْغِيبٌ وَتَرْهِيبٌ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ) . وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: " «خَيْرُكُمْ مَنْ يُرْجَى خَيْرُهُ» " الْحَدِيثَ. رَوَاهُ أَبُو يَعْلَى فِي مُسْنَدِهِ عَنْ أَنَسٍ، وَأَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَرَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ: " «أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِخَيْرِكُمْ مِنْ شَرِّكُمْ؟ خَيْرُكُمْ مَنْ يُرْجَى خَيْرُهُ» " إِلَخْ. وَرَوَى ابْنُ عَسَاكِرَ عَنْ مُعَاذٍ بِلَفْظِ: " «أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِشَرِّ النَّاسِ؟ مَنْ أَكَلَ وَحْدَهُ وَمَنَعَ رِفْدَهُ، وَسَافَرَ وَحْدَهُ وَضَرَبَ عَبْدَهُ، أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ هَذَا؟ مَنْ يَبْغَضُ النَّاسَ وَيَبْغَضُونَهُ. أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ هَذَا؟ مَنْ يُخْشَى شَرُّهُ: لَا يُرْجَى خَيْرُهُ. أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ هَذَا؟ مَنْ بَاعَ آخِرَتَهُ بِدُنْيَا غَيْرِهِ. إِلَّا أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ هَذَا؟ مَنْ أَكَلَ الدُّنْيَا بِالدِّينِ» ".
[ ٨ / ٣١٢٧ ]
٤٩٩٤ - وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " «إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَسَمَ بَيْنَكُمْ أَخْلَاقَكُمْ كَمَا قَسَمَ بَيْنَكُمْ أَرْزَاقَكُمْ، إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُعْطِي الدُّنْيَا مَنْ يُحِبُّ وَمَنْ لَا يُحِبُّ، وَلَا يُعْطِي الدِّينَ إِلَّا مَنْ أَحَبَّ، فَمَنْ أَعْطَاهُ اللَّهُ الدِّينَ فَقَدْ أَحَبَّهُ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يُسْلِمُ عَبْدٌ حَتَّى يُسْلِمَ قَلْبُهُ، وَلِسَانُهُ، وَلَا يُؤْمِنُ حَتَّى يَأْمَنَ جَارُهُ بَوَائِقَهُ» ".
_________________
(١) (وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَسَمَ): بِالتَّخْفِيفِ وَيَجُوزُ تَشْدِيدُهُ فَفِي الْقَامُوسِ قَسَمَهُ وَقَسَّمَهُ جَزَّأَهُ، وَالْمَعْنَى قَدَّرَ بِمِقْدَارٍ مُعَيَّنٍ (بَيْنَكُمْ أَخْلَاقَكُمْ) أَيْ: أَعْمَالَكُمْ، وَأَحْوَالَكُمْ («كَمَا قَسَّمَ بَيْنَكُمْ أَرْزَاقَكُمْ») أَيْ: أَمْوَالَكُمْ سَوَاءٌ حَرَامَكُمْ وَحَلَالَكُمْ. كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الزخرف: ٣٢] إِلَى أَنْ قَالَ: " ﴿وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [الزخرف: ٣٢] " اللَّهُمَّ فَحَسِّنْ أَخْلَاقَنَا، وَطَيِّبْ أَرْزَاقَنَا. («إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُعْطِي الدُّنْيَا») أَيِ: الْأَرْزَاقَ الدُّنْيَوِيَّةَ الدَّنِيَّةَ (مَنْ يُحِبُّ) أَيْ: مَنْ يُحِبُّهُ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ، وَالْأَوْلِيَاءِ كَسُلَيْمَانَ وَعُثْمَانَ (وَمَنْ لَا يُحِبُّ)، أَيْ: وَيُعْطِيهَا أَيْضًا مَنْ لَا يُحِبُّهُ كَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ، قَالَ تَعَالَى: ﴿كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا﴾ [الإسراء: ٢٠]، (وَلَا يُعْطِي الدِّينَ) أَيِ: الْأَخْلَاقَ الْحَسَنَةَ، وَالْآدَابَ الْمُسْتَحْسَنَةَ (إِلَّا مَنْ أَحَبَّ): قَالَ بَعْضُ الْعَارِفِينَ: التَّصَوُّفُ هُوَ الْخُلُقُ، فَمَنْ زَادَ عَلَيْكَ بِخُلُقٍ حَسَنٍ، فَقَدْ زَادَ عَلَيْكَ فِي التَّصَوُّفِ («فَمَنْ أَعْطَاهُ اللَّهُ الدِّينَ فَقَدْ أَحَبَّهُ») أَيْ: سَوَاءٌ أَعْطَاهُ الدُّنْيَا أَمْ لَا، وَلَا يُتَوَهَّمُ أَنَّ مَنْ جُمِعَ لَهُ بَيْنَ الْأَرْزَاقِ الدُّنْيَوِيَّةِ، وَالْأَخْلَاقِ الدِّينِيَّةِ أَنَّهُ أَفْضَلُ مِمَّنِ اقْتَصَرَ لَهُ عَلَى الدِّينِ مَعَ قَدْرِ كِفَايَتِهِ مِنَ الدُّنْيَا، كَمَا يَتَبَادَرُ إِلَى فَهْمِ أَرْبَابِ الْعُقُولِ النَّاقِصَةِ، فَإِنَّهُ ثَبَتَ عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: " «مَنْ أَحَبَّ آخِرَتَهُ أَضَرَّ بِدُنْيَاهُ، وَمَنْ أَحَبَّ دُنْيَاهُ أَضَرَّ بِآخِرَتِهِ، فَآثِرُوا مَا يَبْقَى عَلَى مَا يَفْنَى» ". وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ: " «أَجْوَعُكُمْ فِي الدُّنْيَا أَشْبَعُكُمْ فِي الْآخِرَةِ» ". وَوَرَدَ أَنَّ سُلَيْمَانَ - ﵇ - يَدْخُلُ الْجَنَّةَ بَعْدَ الْأَنْبِيَاءِ بِخَمْسِمَائَةِ عَامٍ، وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ مَعَ كَوْنِهِ مِنَ الْعَشْرَةِ الْمُبَشَّرَةِ، يَدْخُلُ الْجَنَّةَ حَبْوًا، وَحَاصِلُ الْمَسْأَلَةِ يَرْجِعُ إِلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ الْفَقِيرَ الصَّابِرَ أَفْضَلُ أَمِ الْغَنِيَّ الشَّاكِرَ؟ وَإِجْمَاعُ الصُّوفِيَّةِ، وَأَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ عَلَى الْأَوَّلِ، بَلْ قَالَ بَعْضُهُمْ: الْفَقِيرُ الشَّاكِرُ أَفْضَلُ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: التَّفْوِيضُ وَالتَّسْلِيمُ أَكْمَلُ وَهُوَ كَذَلِكَ، لَكِنْ لَيْسَ لَهُ دَخْلٌ فِي الْبَحْثِ، بَلْ فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا﴾ [الإسراء: ٣٠]، وَقَدْ بَسَطْتُ فِي الْجُمْلَةِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ فِي شَرْحِ حِزْبِ الْفَتْحِ لِلشَّيْخِ أَبِي الْحَسَنِ الْبَكْرِيِّ، وَالْعَاقِلُ يَكْفِيهِ الْإِشَارَةُ، وَلَا يَحْتَاجُ إِلَى تَطْوِيلِ الْعِبَارَةِ، وَمَنْ أَرَادَ الِاسْتِقْصَاءَ فَعَلَيْهِ بِكِتَابِ الْإِحْيَاءِ. (وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يُسْلِمُ عَبْدٌ) أَيْ: إِسْلَامًا كَامِلًا مُطَابِقًا لِمُسَمَّاهُ مِنَ الْعُبُودِيَّةِ، وَمُوَافِقًا وَصْفُهُ لِمَأْخَذِهِ مِنَ الْإِسْلَامِ وَالسَّلَامَةِ، وَحَاصِلُهُ أَنَّ مَدَارَ الْخُلُقِ الْحَسَنِ عَلَى تَرْكِ الْإِسَاءَةِ وَإِحْسَانِ الْقَلْبِ وَاللِّسَانِ، إِذْ هُمَا مَنْبَعُ الْأَخْلَاقِ، وَأَحَدُهُمَا تُرْجُمَانُ الْآخَرِ، فَإِنَّ الْإِنَاءَ يَتَرَشَّحُ بِمَا فِيهِ. (حَتَّى يُسْلِمَ قَلْبُهُ وَلِسَانُهُ)، وَفِي نُسْخَةٍ يَسْلَمُ بِفَتْحَتَيْنِ بِمَعْنَى يَنْقَادُ (وَلَا يُؤْمِنُ) أَيْ: عَبَدٌ إِيمَانًا تَامًّا (حَتَّى يَأْمَنَ جَارُهُ) أَيْ: خُصُوصًا أَوْ مَثَلًا (بَوَائِقَهُ) . أَيْ: شُرُورَهُ. قَالَ الطِّيبِيُّ، قَوْلُهُ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُعْطِي الدُّنْيَا كَالنَّشْرِ لِمَا لَفَّ قَبْلَهُ، وَأَشَارَ بِالدُّنْيَا إِلَى الْأَرْزَاقِ، وَبِالدِّينِ إِلَى الْأَخْلَاقِ لِيُشْعِرَ بِأَنَّ الرِّزْقَ الَّذِي يُقَابِلُ الْخُلُقَ هُوَ الدُّنْيَا، وَلَيْسَ مِنَ الدِّينِ فِي شَيْءٍ، وَأَنَّ الْأَخْلَاقَ الْحَمِيدَةَ لَيْسَتْ غَيْرَ الدِّينِ. قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤] . ثُمَّ أَتَى بِمَا يُفَضِّلُ الدِّينَ مِنَ الْأَعْمَالِ الْخَارِجَةِ وَالدَّاخِلَةِ مِنَ الِانْقِيَادِ وَالتَّصْدِيقِ، كَمَا فِي حَدِيثِ جِبْرِيلَ ﵇: «أَتَاكُمْ يُعَلِّمُكُمْ أَمْرَ دِينِكُمْ» بَعْدَ ذِكْرِ الْإِسْلَامِ وَالْإِيمَانِ، وَفَسَّرَهُمَا بِمَا يُنْبِئُ عَنِ الْأَخْلَاقِ، وَخَصَّ الْقَلْبَ وَاللِّسَانَ بِالذِّكْرِ ; لِأَنَّ مَدَارَ الْإِنْسَانِ عَلَيْهِمَا، كَمَا وَرَدَ فِي الْمَثَلِ: الْمَرْءُ بِأَصْغَرَيْهِ، فَإِسْلَامُ اللِّسَانِ كَفُّهُ عَمَّا فِيهِ آفَاتُهُ وَهِيَ لَا تَكَادُ تَنْحَصِرُ، وَإِسْلَامُ الْقَلْبِ تَطْهِيرُهُ عَنِ الْعَقَائِدِ الْبَاطِلَةِ، وَالْآرَاءِ الزَّائِفَةِ، وَالْأَخْلَاقِ الذَّمِيمَةِ، ثُمَّ تَحْلِيَتُهُمَا بِمَا يُخَالِفُهُمَا.
[ ٨ / ٣١٢٨ ]
٤٩٩٥ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: " «الْمُؤْمِنُ مَأْلَفٌ وَلَا خَيْرَ فِيمَنْ لَا يَأْلَفُ وَلَا يُؤْلَفُ» " رَوَاهُمَا أَحْمَدُ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي " شُعَبِ الْإِيمَانِ ".
_________________
(١) (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - «أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: الْمُؤْمِنُ مَأْلَفٌ»): بِفَتْحِ اللَّامِ مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ، اسْتُعْمِلَ فِي مَعْنَى الْفَاعِلِ وَالْمَفْعُولِ، أَيْ: يَأْلَفُ وَيُؤْلَفُ كَمَا فِي رِوَايَةٍ، وَيُؤَيِّدُهُ آخِرُ الْحَدِيثِ أَيْضًا. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَصْدَرًا عَلَى سَبِيلِ الْمُبَالَغَةِ كَرَجُلٍ عَدْلٍ يَعْنِي إِذَا لَمْ يَأْلَفْ صَاحِبَهُ أَلِفَ مَعَهُ، وَإِذَا ائْتُلِفَ ائْتَلَفَ، أَوِ اسْمَ مَكَانٍ أَيْ: يَكُونُ مَكَانَ الْأُلْفَةِ وَمَنْشَأَهَا وَمِنْهُ إِنْشَاؤُهُ، إِلَيْهِ مَرْجِعُهَا («وَلَا خَيْرَ فِيمَنْ لَا يَأْلَفُ وَلَا يُؤْلَفُ»): لِأَنَّ التَّآلُفَ سَبَبُ الِاعْتِصَامِ بِاللَّهِ وَبِحَبْلِهِ وَبِهِ يَحْصُلُ الِاجْتِمَاعُ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، وَبِضِدِّهِ يَحْصُلُ التَّفْرِقَةُ بِهِمْ وَهُوَ بِتَوْفِيقِ اللَّهِ وَتَأْلِيفِهِ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ تَعَالَى بِقَوْلِهِ: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾ [آل عمران: ١٠٣] . (رَوَاهُمَا) أَيِ: الْحَدِيثَيْنِ (أَحْمَدُ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ) . وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: رَوَى الْحَدِيثَ الثَّانِيَ أَحْمَدُ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، وَرَوَاهُ الدَّارُقُطْنِيُّ فِي الْإِفْرَادِ وَالضِّيَاءِ عَنْ جَابِرٍ وَلَفْظُهُ: " «الْمُؤْمِنُ يَأْلَفُ وَيُؤْلَفُ، وَلَا خَيْرَ فِيمَنْ لَا يَأْلَفُ وَلَا يُؤْلَفُ، وَخَيْرُ النَّاسِ أَنْفَعُهُمْ لِلنَّاسِ» ".
[ ٨ / ٣١٢٩ ]
٤٩٩٦ - وَعَنْ أَنَسٍ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " «مَنْ قَضَى لِأَحَدٍ مِنْ أُمَّتِي حَاجَةً يُرِيدُ أَنْ يَسُرَّهُ بِهَا فَقَدْ سَرَّنِي، وَمَنْ سَرَّنِي فَقَدْ سَرَّ اللَّهَ، وَمَنْ سَرَّ اللَّهَ أَدْخَلَهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ» ".
_________________
(١) (وَعَنْ أَنَسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ قَضَى لِأَحَدٍ مِنْ أُمَّتِي») أَيْ: أُمَّةِ الْإِجَابَةِ (حَاجَةً) أَيْ: دِينِيَّةً أَوْ دُنْيَوِيَّةً (يُرِيدُ أَنْ يُسِرَّهُ) أَيْ: أَحَدَ أُمَّتِي (بِهَا) أَيْ: بِقَضَاءِ حَاجَتِهِ (فَقَدْ سَرَّنِي) أَيْ: فَإِنِّي أُسَرُّ بِسُرُورِ جَمِيعِ أُمَّتِي («وَمَنْ سَرَّنِي فَقَدْ سَرَّ اللَّهَ») أَيْ: أَرْضَاهُ («وَمَنْ سَرَّ اللَّهَ أَدْخَلَهُ الْجَنَّةَ») أَيْ: وَأَحْسَنَ مَثْوَاهُ وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: «مَنْ قَضَى لِأَخِيهِ الْمُسْلِمِ حَاجَةً كَانَ لَهُ مِنَ الْأَجْرِ كَمَنْ حَجَّ أَوِ اعْتَمَرَ» ". رَوَاهُ الْخَطِيبُ عَنْ أَنَسٍ. «وَمَنْ قَضَى لِأَخِيهِ الْمُسْلِمِ حَاجَةً كَانَ لَهُ مِنَ الْأَجْرِ كَمَنْ خَدَمَ اللَّهَ عُمُرَهُ» " رَوَاهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْحِلْيَةِ عَنْ أَنَسٍ أَيْضًا.
[ ٨ / ٣١٢٩ ]
٤٩٩٧ - وَعَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " «مَنْ أَغَاثَ مَلْهُوفًا كَتَبَ اللَّهُ لَهُ ثَلَاثًا وَسَبْعِينَ مَغْفِرَةً، وَاحِدَةٌ فِيهَا صَلَاحُ أَمْرِهِ كُلِّهِ، وَثِنْتَانِ وَسَبْعُونَ لَهُ دَرَجَاتٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» ".
_________________
(١) (وَعَنْهُ) أَيْ: عَنْ أَنَسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ أَغَاثَ مَلْهُوفًا») أَيْ: ضَعِيفًا مُتَحَيِّرًا. وَفِي النِّهَايَةِ مَكْرُوبًا («كَتَبَ اللَّهُ لَهُ ثَلَاثًا وَسَبْعِينَ مَغْفِرَةً»): حِكْمَةُ الْعَدَدِ مُفَوَّضٌ إِلَى صَاحِبِ الْوَحْيِ، وَلَعَلَّ فِيهِ إِشَارَةً إِلَى أَنَّ مَثُوبَتَهُ مَزِيدَةٌ بِوَصْفِ الْجَمْعِيَّةِ عَلَى الْعَدَدِ الْمَشْهُورِ فِي الْكَثْرَةِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ بِالنَّظَرِ إِلَى صَاحِبِ الْحِسَابِ عَدَدُ الثَّلَاثِ مَأْخُوذٌ مِنْ ثَلَاثَةِ الْحُرُوفِ فِي آخِرِ الْمَلْهُوفِ، وَعَدَدُ السَّبْعِينَ مِنْ مَجْمُوعِ الْمِيمِ وَاللَّامِ، وَهَذَا مِنْ أَنْوَاعِ التَّعْمِيَةِ وَالْإِبْهَامِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالْمَرَامِ. (وَاحِدَةٌ فِيهَا صَلَاحُ أَمْرِهِ كُلِّهِ) أَيْ: فِي الدُّنْيَا (وَثِنْتَانِ وَسَبْعُونَ لَهُ دَرَجَاتٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ): فِيهِ إِشَارَةٌ خَفِيَّةٌ إِلَى بِشَارَةِ حِلْيَةٍ، وَهِيَ أَنَّ الْمَغْفِرَةَ الْوَاحِدَةَ تَعُمُّ جَمِيعَ ذُنُوبِهِ فِي الدُّنْيَا، وَيُعَوَّضُ عَنْ سَائِرِ أَعْدَادِ الْمَغْفِرَةِ بِالدَّرَجَاتِ الْعُلَى فِي الْعُقْبَى، وَلَعَلَّ هَذَا الْحَدِيثَ مَأْخَذُ مَا قَالَهُ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ كَالنَّوَوِيِّ وَغَيْرِهِ: أَنَّ الْمُكَفِّرَاتِ إِذَا اجْتَمَعَتْ فَتَتَوَجَّهُ أَوَّلًا إِلَى مَحْوِ الصَّغَائِرِ، ثُمَّ إِلَى تَخْفِيفِ الْكَبَائِرِ مِنَ السَّيِّئَاتِ، ثُمَّ تَكُونُ سَبَبًا لِرَفْعِ الدَّرَجَاتِ الْعَالِيَاتِ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: فِيهِ أَنَّ غُفْرَانَ الذُّنُوبِ مُقَدَّمَةٌ عَلَى فَتْحِ بَابِ رَحْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى فِي الدُّنْيَا وَالْعُقْبَى، وَمِنْ ثَمَّ قَدَّمَهَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح: ٢] عَلَى قَوْلِهِ: " ﴿وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ﴾ [الفتح: ٢] " ﴿وَيَهْدِيَكَ﴾ [الفتح: ٢] ; لِأَنَّ التَّحْلِيَةَ بَعْدَ التَّخْلِيَةِ اهـ. فَتَأَمَّلْ يَظْهَرُ لَكَ مَا لَا يَخْفَى.
[ ٨ / ٣١٢٩ ]
٤٩٩٨ - و٤٩٩٩ - وَعَنْهُ، وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ - ﵄ - قَالَا: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " «الْخَلْقُ عِيَالُ اللَّهِ، فَأَحَبُّ الْخَلْقِ إِلَى اللَّهِ مَنْ أَحْسَنَ إِلَى عِيَالِهِ» ". رَوَى الْبَيْهَقِيُّ الْأَحَادِيثَ الثَّلَاثَةَ فِي " شُعَبِ الْإِيمَانِ ".
_________________
(١) ، ٤٩٩٩ - (وَعَنْهُ) أَيْ: عَنْ أَنَسٍ - ﵁ - (وَعَنْ): بِالْعَاطِفِ مَعَ إِعَادَةِ الْعَامِلِ لِيَصِحَّ الْعَطْفُ عَلَى الضَّمِيرِ الْمَجْرُورِ عَلَى الْقَوْلِ الْمَشْهُورِ (عَبْدُ اللَّهِ) أَيِ: ابْنُ مَسْعُودٍ (قَالَا) أَيْ: كِلَاهُمَا (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «الْخَلْقُ عِيَالُ اللَّهِ»): عِيَالُ الْمَرْءِ بِكَسْرِ الْعَيْنِ مَنْ يَعُولُهُ، وَيَقُومُ بِرِزْقِهِ وَإِنْفَاقِهِ، وَهُوَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى غَيْرِهِ مَجَازُ صُورَةٍ، وَإِلَّا فَهُوَ الرَّزَّاقُ كَمَا أَنَّهُ هُوَ الْخَلَّاقُ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا﴾ [هود: ٦] («فَأَحَبُّ الْخَلْقِ إِلَى اللَّهِ مَنْ أَحْسَنَ إِلَى عِيَالِهِ») أَيْ: مَنْ هُيِّئَ، وَوُفِّقَ إِلَى الْإِحْسَانِ إِلَى خَلْقِهِ تَعَالَى، كَمَا وَرَدَ: خَيْرُ النَّاسِ أَنْفَعُهُمْ لِلنَّاسِ، وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: «الْخَلْقُ كُلُّهُمْ عِيَالُ اللَّهِ، فَأَحَبُّهُمْ إِلَى اللَّهِ أَنْفَعُهُمْ لِعِيَالِهِ» . وَقَالَ: رَوَاهُ أَبُو يَعْلَى فِي مُسْنَدِهِ، وَالْبَزَّارُ عَنْ أَنَسٍ، وَالطَّبَرَانِيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ (رَوَى الْبَيْهَقِيُّ الْأَحَادِيثَ الثَّلَاثَةَ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ): وَلَعَلَّهُ عَدَلَ عَنِ الضَّمِيرِ بِأَنْ يَقُولَ رَوَاهَا إِلَى الِاسْمِ الظَّاهِرِ تَنْصِيصًا عَلَى الْعَدَدِ لِئَلَّا يَلْتَبِسَ بِالتَّثْنِيَةِ لَفْظًا أَوْ مَعْنًى، ثُمَّ الْحَدِيثُ الثَّانِي مِنْهَا أَسْنَدَهُ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ إِلَى الْبُخَارِيِّ فِي تَارِيخِهِ عَنْهُ أَيْضًا ".
[ ٨ / ٣١٣٠ ]
٥٠٠٠ - وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " «أَوَّلُ خَصْمَيْنِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ جَارَانِ» ". رَوَاهُ أَحْمَدُ.
_________________
(١) (وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَوَّلُ خَصْمَيْنِ») أَيْ: مُتَخَاصِمَيْنِ بَعْدَ خِصَامِ أَهْلِ الدَّارِ (يَوْمَ الْقِيَامَةِ جَارَانِ) أَيْ: فِيمَا حَصَلَ مِنَ الْأَذَى، أَوْ وَقَعَ تَقْصِيرٌ مِنْ حُقُوقِ وَاجِبِ الْأَدَاءِ. وَقَالَ السُّيُوطِيُّ: وَرَدَ «أَوَّلُ مَا يُحَاسَبُ بِهِ الْعَبْدُ صِلَاتُهُ»، وَوَرَدَ: أَوَّلُ مَا بَيْنَ النَّاسِ الدَّمُ، وَلَا تَنَافِي ; لِأَنَّ ذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمَظَالِمِ كَذَا فِي الزُّجَاجَةِ حَاشِيَةٌ عَلَى ابْنِ مَاجَهْ، وَحَاصِلُهُ أَنَّ أَوَّلَ مَا يُحَاسَبُ الْعَبْدُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَبِّهِ هُوَ الصَّلَاةُ ; لِفَضْلِهَا عَلَى سَائِرِ الْعِبَادَاتِ، وَأَوَّلُ مَا يُقْضَى مِنْ حُقُوقِ الْعِبَادِ قَتْلُ النَّفْسِ ; فَإِنَّهُ أَكْبَرُ الْخَطِيئَاتِ وَأَمَّا هَذَا الْحَدِيثُ فَمُقَيَّدٌ بِاخْتِصَامِ خَصْمَيْنِ وَقَعَ الذَّنْبُ مِنْ كُلٍّ مِنْهُمَا نَوْعُ تَقْصِيرٍ وَإِنْ فُرِضَ أَنَّ التَّقْصِيرَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَإِطْلَاقُ الْخَصْمَيْنِ عَلَى التَّغْلِيبِ أَوِ الْمُشَاكَلَةِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠] فَالْأَوَّلُ إِضَافِيَّةٌ، وَلَعَلَّ الْمُرَادَ مِنْهُ الصَّغَائِرُ دُونَ الْكَبَائِرِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ (رَوَاهُ أَحْمَدُ): وَكَذَا الطَّبَرَانِيُّ عَنْهُ.
[ ٨ / ٣١٣٠ ]
٥٠٠١ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - «أَنَّ رَجُلًا شَكَا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ قَسْوَةَ قَلْبِهِ فَقَالَ: " امْسَحْ رَأْسَ الْيَتِيمِ، وَأَطْعِمِ الْمِسْكِينَ» ". رَوَاهُ أَحْمَدُ.
_________________
(١) (وَعَنْهُ): أَيْ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ (أَنَّ رَجُلًا شَكَا): يَنْبَغِي أَنْ يَكْتُبَ بِالْأَلْفِ كَدَعَا وَعَفَا، وَيَجُوزُ كِتَابَتُهَا بِالْيَاءِ أَيْضًا ; لِأَنَّ (شَكَيْتُ) لُغَةٌ فِي شَكَوْتُ (إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ - قَسْوَةَ قَلْبِهِ) أَيْ: قَسَاوَتَهُ وَشِدَّتَهُ وَقِلَّةَ رِقَّتِهِ وَعَدَمَ أُلْفَتِهِ وَرَحْمَتِهِ («قَالَ: امْسَحْ رَأْسَ الْيَتِيمِ»): لِتَتَذَكَّرَ الْمَوْتَ فَيَغْتَنِمَ الْحَيَاةَ، فَإِنَّ الْقَسْوَةَ مَنْشَؤُهَا الْغَفْلَةُ. («وَأَطْعِمِ الْمِسْكِينَ»): لِتَرَى آثَارَ نِعْمَةِ اللَّهِ عَلَيْكَ حَيْثُ أَغْنَاكَ، وَأَحْوَجَ إِلَيْكَ سِوَاكَ فَيَرِقَّ قَلْبُكَ وَيَزُولَ قَسْوَتُهُ، وَلَعَلَّ وَجْهَ تَخْصِيصِهِمَا بِالذِّكْرِ أَنَّ الرَّحْمَةَ عَلَى الصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ مُوجِبَةٌ لِرَحْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى عَبْدِهِ الْمُتَخَلِّقِ بِبَعْضِ صِفَاتِهِ، فَيُنْزِلُ عَلَيْهِ الرَّحْمَةَ، وَيَرْفَعُ عَنْهُ الْقَسْوَةَ، وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنِ ارْتِكَابِ أَسْبَابِ تَحْصِيلِ الْأَخْلَاقِ بِالْمُعَالَجَةِ الْعِلْمِيَّةِ أَوْ بِالْعَمَلِيَّةِ، أَوْ بِالْمَعْجُونِ الْمُرَكَّزِ مِنْهُمَا عَلَى مَا بَيَّنَهُ فِي الْإِحْيَاءِ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: خَصَّهُمَا بِالذِّكْرِ تَلْمِيحًا إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ﴾ [البلد: ١٤]، وَمُرَاعَاتُهُمَا مِنِ اقْتِحَامِ الْعَقَبَةِ الشَّاقَّةِ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ مُعَانَاةِ الْمَشَقَّةِ وَمُجَاهَدَةِ النَّفْسِ، فَمَنِ اقْتَحَمَ تِلْكَ الْعَقَبَةَ يَرِقُّ قَلْبُهُ وَتَسْمَحُ نَفْسُهُ فِي تَعَاطِي كُلِّ خَيْرٍ، وَفِيهِ أَنَّ مَنِ ابْتُلِيَ بِدَاءٍ مِنَ الْأَخْلَاقِ الذَّمِيمَةِ يَكُونُ تَدَارُكُهُ بِمَا يُضَادُّهُ مِنَ الدَّوَاءِ فَالتَّكَبُّرُ يُدَاوَى بِالتَّوَاضُعِ، وَالْبُخْلُ بِالسَّمَاحَةِ، وَقَاسِي الْقَلْبِ بِالتَّعَطُّفِ وَالرِّقَّةِ. (رَوَاهُ أَحْمَدُ) .
[ ٨ / ٣١٣٠ ]
٥٠٠٢ - وَعَنْ سُرَاقَةَ بْنِ مَالِكٍ - ﵁ - أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: " «أَلَا أَدُلُّكُمْ عَلَى أَفْضَلِ الصَّدَقَةِ؟ ابْنَتُكَ مَرْدُودَةً إِلَيْكَ لَيْسَ لَهَا كَاسِبٌ غَيْرُكَ» ". رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ.
_________________
(١) (وَعَنْ سُرَاقَةَ): بِضَمِّ السِّينِ (ابْنُ مَالِكٍ) أَيِ: ابْنُ جُعْشُمٍ الْمُدْلِجِيُّ صَحَابِيٌّ مَشْهُورٌ (أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: «أَلَا أَدُلُّكُمْ عَلَى أَفْضَلِ الصَّدَقَةِ؟ ابْنَتُكَ»): بِالرَّفْعِ أَيْ: هُوَ صَدَقَتُهَا (مَرْدُودَةً): بِالنَّصْبِ عَلَى الْحَالِيَّةِ أَيْ: مُطَلَّقَةً رَاجِعَةً (إِلَيْكَ لَيْسَ لَهَا كَاسِبٌ) أَيْ: مُنْفِقٌ عَلَيْهَا (غَيْرُكَ): بِالرَّفْعِ عَلَى الْوَصْفِيَّةِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِالنَّصْبِ عَلَى الِاسْتِثْنَاءِ لَكِنَّهُ ضَعِيفٌ ; لِأَنَّ الصَّحِيحَ فِي ذِي الْحَالِ أَنْ يَكُونَ مَعْرِفَةَ هَذَا. وَفِي النِّهَايَةِ الْمَرْدُودَةُ هِيَ الَّتِي تُطَلَّقُ وَتُرَدُّ إِلَى بَيْتِ أَبِيهَا، وَأَرَادَ أَلَا أَدُلُّكَ عَلَى أَفْضَلِ أَهْلِ الصَّدَقَةِ فَحُذِفَ الْمُضَافُ. قَالَ الطِّيبِيُّ: وَيُمْكِنُ أَنْ تُقَدَّرَ: صَدَقَةً تَسْتَحِقُّهَا ابْنَتُكَ فِي حَالِ رَدِّهَا إِلَيْكَ، وَلَيْسَ لَهَا كَاسِبٌ غَيْرُكَ وَهُمَا حَالَانِ إِمَّا مُتَرَادِفَانِ أَوْ مُتَدَاخِلَتَانِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ) .
[ ٨ / ٣١٣١ ]