الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
٤٠٤٢ - عَنِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ ﵁، وَمَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ ﵃ قَالَا: «خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ، عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ فِي بِضْعَ عَشْرَةَ مِائَةً مِنْ أَصْحَابِهِ، فَلَمَّا أَتَى ذَا الْحُلَيْفَةِ، قَلَّدَ الْهَدْيَ، وَأَشْعَرَ، وَأَحْرَمَ مِنْهَا بِعُمْرَةٍ، وَسَارَ حَتَّى إِذَا كَانَ بِالثَّنِيَّةِ الَّتِي يُهْبَطُ عَلَيْهِمْ مِنْهَا، بَرَكَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ، فَقَالَ النَّاسُ: حَلْ حَلْ، خَلَأَتِ الْقَصْوَاءُ فَقَالَ النَّبِيُّ: (مَا خَلَأَتِ الْقَصْوَاءُ، وَمَا ذَاكَ لَهَا بِخُلُقٍ، وَلَكِنْ حَبَسَهَا حَابِسُ الْفِيلِ) ثُمَّ قَالَ: (وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يَسْأَلُونِي خُطَّةً يُعَظِّمُونَ فِيهَا حُرُمَاتِ اللَّهِ إِلَّا أَعْطَيْتُهُمْ إِيَّاهَا)، ثُمَّ زَجَرَهَا، فَوَثَبَتْ، فَعَدَلَ عَنْهُمْ، حَتَّى نَزَلَ بِأَقْصَى الْحُدَيْبِيَةِ عَلَى ثَمَدٍ قَلِيلِ الْمَاءِ يَتَبَرَّضُهُ النَّاسُ تَبَرُّضًا، فَلَمْ يَلْبَثْهُ النَّاسُ حَتَّى نَزَحُوهُ، وَشُكِيَ إِلَى رَسُولِ ﷺ الْعَطَشَ، فَانْتَزَعَ سَهْمًا مِنْ كِنَانَتِهِ، ثُمَّ أَمَرَهُمْ أَنْ يَجْعَلُوهُ فِيهِ، فَوَاللَّهِ مَازَالَ يَجِيشُ لَهُمْ بِالرِّيِّ حَتَّى صَدَرُوا عَنْهُ، فَبَيْنَا هُمْ كَذَلِكَ، إِذْ جَاءَ بُدَيْلُ بْنُ وَرْقَاءَ الْخُزَاعِيُّ فِي نَفَرٍ فِي خُزَاعَةَ، ثُمَّ أَتَاهُ عُرْوَةُ بْنُ مَسْعُودٍ وَسَاقَ الْحَدِيثَ إِلَى أَنْ قَالَ: إِذْ جَاءَ سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: (اكْتُبْ هَذَا مَا قَاضَى عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ) . فَقَالَ سُهَيْلٌ: وَاللَّهِ لَوْ كُنَّا نَعْلَمُ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ مَا صَدَدْنَاكَ عَنِ الْبَيْتِ، وَلَا قَاتَلْنَاكَ، وَلَكِنِ اكْتُبْ: مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: (وَاللَّهِ إِنِّي لَرَسُولُ اللَّهِ وَإِنْ كَذَّبْتُمُونِي ". اكْتُبْ: مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ) فَقَالَ سُهَيْلٌ: وَعَلَى أَنْ لَا يَأْتِيَكَ مِنَّا رَجُلٌ وَإِنْ كَانَ عَلَى دِينِكَ إِلَّا رَدَدْتَهُ. فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ قَضِيَّةِ الْكِتَابِ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (قُومُوا فَانْحَرُوا، ثُمَّ احْلِقُوا) ثُمَّ جَاءَ نِسْوَةٌ مُؤْمِنَاتٌ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ﴾ [الممتحنة: ١٠] الْآيَةَ فَنَهَاهُمُ اللَّهُ تَعَالَى أَنْ يَرُدُّوهُنَّ، وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَرُدُّوا الصَّدَاقَ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى الْمَدِينَةِ فَجَاءَهُ أَبُو بَصِيرٍ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ وَهُوَ مُسْلِمٌ، فَأَرْسَلُوا فِي طَلَبِهِ رَجُلَيْنِ، فَدَفَعَهُ إِلَى الرَّجُلَيْنِ فَخَرَجَا بِهِ، حَتَّى إِذَا بَلَغَا ذَا الْحُلَيْفَةِ. نَزَلُوا يَأْكُلُونَ مِنْ تَمْرٍ لَهُمْ، فَقَالَ أَبُو بَصِيرٍ لِأَحَدِ الرَّجُلَيْنِ: وَاللَّهِ إِنِّي لَأَرَى سَيْفَكَ هَذَا يَا فُلَانُ جَيِّدًا، أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْهِ. فَأَمْكَنَهُ مِنْهُ، فَضَرَبَهُ حَتَّى بَرَدَ وَفَرَّ الْآخَرُ حَتَّى أَتَى الْمَدِينَةَ، فَدَخَلَ الْمَسْجِدَ يَعْدُو، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: (لَقَدْ رَأَى هَذَا ذُعْرًا؟) فَقَالَ: قُتِلَ وَاللَّهِ صَاحِبِي، وَإِنِّي لَمَقْتُولٌ. فَجَاءَ أَبُو بَصِيرٍ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: (وَيْلَ أُمِّهِ مِسْعَرَ حَرْبٍ لَوْ كَانَ لَهُ أَحَدٌ) فَلَمَّا سَمِعَ ذَلِكَ عَرَفَ أَنَّهُ سَيَرُدُّهُ إِلَيْهِمْ، فَخَرَجَ حَتَّى أَتَى سِيفَ الْبَحْرِ، قَالَ: وَانْفَلَتَ أَبُو جَنْدَلِ بْنُ سُهَيْلٍ، فَلَحِقَ بِأَبِي بَصِيرٍ، فَجَعَلَ لَا يَخْرُجُ مِنْ قُرَيْشٍ رَجُلٌ قَدْ أَسْلَمَ إِلَّا لَحِقَ بِأَبِي بَصِيرٍ حَتَّى اجْتَمَعَتْ مِنْهُمْ عِصَابَةٌ، فَوَاللَّهِ مَا يَسْمَعُونَ بِعِيرٍ خَرَجَتْ لِقُرَيْشٍ إِلَى الشَّامِ إِلَّا اعْتَرَضُوا لَهَا، فَقَتَلُوهُمْ، وَأَخَذُوا أَمْوَالَهُمْ. فَأَرْسَلَتْ قُرَيْشٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ تُنَاشِدُهُ اللَّهَ وَالرَّحِمَ لَمَّا أَرْسَلَ إِلَيْهِمْ فَمَنْ أَتَاهُ فَهُوَ آمِنٌ، فَأَرْسَلَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَيْهِمْ» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
_________________
(١) بَابُ الصُّلْحِ الْمُغْرِبُ: الصَّلَاحُ خِلَافُ الْفَسَادِ، وَالصُّلْحُ اسْمٌ بِمَعْنَى الْمُصَالَحَةِ، وَالتَّصَالُحُ خِلَافُ الْمُخَاصَمَةِ وَالتَّخَاصُمِ. قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: هُوَ جِهَادٌ مَعْنًى لَا صُورَةً فَأَخَّرَهُ عَلَى الْجِهَادِ صُورَةً وَمَعْنًى، فَإِذَا رَأَى الْإِمَامُ أَنْ يُصَالِحَ أَهْلَ الْحَرْبِ، أَوْ فَرِيقًا مِنْهُمْ بِمَالٍ، أَوْ بِلَا مَالٍ، وَكَانَ ذَلِكَ مَصْلَحَةً لِلْمُسْلِمِينَ فَلَا بَأْسَ بِهِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ [الأنفال: ٦١] الْآيَةَ. وَإِنْ كَانَتْ مُطْلَقَةً، لَكِنَّ إِجْمَاعَ الْفُقَهَاءِ عَلَى تَقْيِيدِهَا بِرُؤْيَةِ مَصْلَحَةِ الْمُسْلِمِينَ فِي ذَلِكَ بِآيَةٍ أُخْرَى وَهِيَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ﴾ [محمد: ٣٥] فَأَمَّا إِذَا لَمْ يَكُنْ فِي الْمُوَادَعَةِ مَصْلَحَةٌ فَلَا تَجُوزُ بِالْإِجْمَاعِ، وَالسِّلْمِ بِكَسْرِ السِّينِ وَفَتْحِهَا مَعَ سُكُونِ اللَّامِ وَفَتْحِهَا، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ﴾ [النساء: ٩٠] . الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
(٢) (عَنِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ، وَمَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ ﵁): سَبَقَ ذِكْرُهُمَا وَلَعَلَّ الْجَمْعَ بَيْنَهُمَا لِتَصْدِيقِ مَرْوَانَ فِي رِوَايَتِهِ وَتَقْوِيَتِهِ (قَالَا: خَرَجَ النَّبِيُّ): وَفِي نُسْخَةٍ: رَسُولُ اللَّهِ (ﷺ) أَيْ: يَوْمَ الِاثْنَيْنِ هِلَالَ ذِي الْقَعْدَةِ سَنَةَ سِتٍّ مِنَ الْهِجْرَةِ وَهُوَ الْمَعْنِيُّ بِقَوْلِهِ: (عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ): بِتَخْفِيفِ الْيَاءِ وَقَدْ يُشَدَّدُ، مَوْضِعٌ قَرِيبٌ مِنْ مَكَّةَ، ذَكَرَهُ فِي الْمُغْرِبِ. وَفِي النِّهَايَةِ: قَرْيَةٌ قَرِيبَةٌ مِنْ مَكَّةَ سُمِّيَتْ بِبِئْرٍ هُنَاكَ، وَهِيَ مُخَفَّفَةُ الْيَاءِ وَكَثِيرٌ مِنَ الْمُحَدِّثِينَ يُشَدِّدُونَهَا. أَقُولُ: وَهِيَ مَا بَيْنَ مَكَّةَ وَجُدَّةَ بِالْجِيمِ قَرِيبُ قَرْيَةٍ تُسَمَّى حِدَّةَ بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ، وَتُسَمَّى بِبِئْرِ شَمْسٍ، وَإِلَيْهَا يَنْتَهِي حَدُّ الْحَرَمِ مِنْ ذَلِكَ الصَّوْبِ، وَهِيَ مِنَ الْحِلِّ وَبَعْضُهَا مِنَ الْحَرَمِ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْوَاقِدِيُّ، وَهُوَ الْمُوَافِقُ
[ ٦ / ٢٦١١ ]
لِمَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَدْ قَالَ الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ: الْحُدَيْبِيَةُ قَرْيَةٌ قَرِيبَةٌ مِنْ مَكَّةَ أَكْثَرُهَا فِي الْحَرَمِ، وَهِيَ عَلَى تِسْعَةِ أَمْيَالٍ مِنْ مَكَّةَ، وَهُوَ لَا يُنَافِي مَا فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ أَنَّ الْحُدَيْبِيَةَ خَارِجُ الْحَرَمِ. قَالَ الْقَاضِي: وَإِنَّمَا أَضَافَ الْعَامَ إِلَيْهَا لِنُزُولِهِ ﷺ بِهَا حِينَ صُدَّ عَنِ الْبَيْتِ اهـ. (فِي بِضْعَ عَشْرَةَ مِائَةً): بِسُكُونِ الشِّينِ وَتُكْسَرُ، وَالْبِضْعُ بِكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ وَيُفْتَحُ مَا بَيْنَ الثَّلَاثَةِ إِلَى التِّسْعَةِ أَيْ: مَعَ أَلْفٍ وَمِائَةٍ (مِنْ أَصْحَابِهِ)، وَقَدْ سَبَقَتِ الرِّوَايَةُ عَنْ جَمْعٍ مِنْ أَكَابِرِ الصَّحَابَةِ بِأَنَّهُمْ كَانُوا أَلْفًا وَأَرْبَعَمِائَةِ رَجُلٍ، وَقِيلَ: أَلْفٌ وَثَلَاثُمِائَةٍ. وَعَنْ مُجَمِّعِ بْنِ جَارِيَةَ: أَنَّهُمْ كَانُوا أَلْفًا وَخَمْسَمِائَةٍ. قَالَ صَاحِبُ الْمَوَاهِبِ: وَالْجَمْعُ بَيْنَ هَذَا الِاخْتِلَافِ أَنَّهُمْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ أَلْفٍ وَأَرْبَعِمِائَةٍ، فَمَنْ قَالَ أَلْفٌ وَخَمْسُمِائَةٍ جَبَرَ الْكَسْرَ وَمَنْ قَالَ أَلْفٌ وَثَلَاثُمِائَةٍ فَيُمْكِنُ حَمْلُهَا عَلَى مَا اطَّلَعَ عَلَيْهِ، وَاطَّلَعَ غَيْرُهُ عَلَى زِيَادَةِ مِائَتَيْنِ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْهِمْ وَالزِّيَادَةُ مِنَ الثِّقَةِ مَقْبُولَةٌ، وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ إِسْحَاقَ: إِنَّهُمْ كَانُوا سَبْعَمِائَةٍ فَلَمْ يُوَافِقْهُ أَحَدٌ عَلَيْهِ ; لِأَنَّهُ قَالَ اسْتِنْبَاطًا مِنْ قَوْلِ جَابِرٍ نَحَرْنَا الْبَدَنَةَ عَنْ عَشَرَةٍ، وَكَانُوا نَحَرُوا سَبْعِينَ بَدَنَةً وَهَذَا لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ مَا كَانُوا نَحَرُوا غَيْرَ الْبُدْنِ مَعَ أَنَّ بَعْضَهُمْ لَمْ يَكُنْ أَحْرَمَ أَصْلًا، وَجَزَمَ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ أَنَّهُمْ كَانُوا أَلْفًا وَسِتَّمِائَةٍ، وَعِنْدَ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ حَدِيثِ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ أَلْفٌ وَسَبْعُمِائَةٍ. وَحَكَى ابْنُ سَعْدٍ أَلْفًا وَخَمْسَمِائَةٍ وَعِشْرِينَ، وَاسْتَخْلَفَ عَلَى الْمَدِينَةِ ابْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ، (فَلَمَّا أَتَى ذَا الْحُلَيْفَةِ، قَلَّدَ الْهَدْيَ، وَأَشْعَرَ): قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: تَقْلِيدُهُ أَنْ يُعَلَّقَ شَيْءٌ عَلَى عُنُقِ الْبَدَنَةِ لِيُعْلَمَ أَنَّهَا هَدْيٌ، وَإِشْعَارُهُ أَنْ يَطْعَنَ فِي سَنَامِهِ الْأَيْمَنِ، أَوِ الْأَيْسَرِ، حَتَّى يَسِيلَ الدَّمُ مِنْهُ لِيُعْلَمَ أَنَّهُ هَدْيٌ (وَأَحْرَمَ مِنْهَا) أَيْ: مِنْ تِلْكَ الْبُقْعَةِ (بِعُمْرَةٍ، وَسَارَ): فِي الْمَوَاهِبِ نَقْلًا عَنِ الْبُخَارِيِّ: وَأَحْرَمَ مِنْهَا. وَفِي رِوَايَةٍ: أَحْرَمَ مِنْهَا بِعُمْرَةٍ وَبَعَثَ عَيْنًا لَهُ مِنْ خُزَاعَةَ، وَسَارَ النَّبِيُّ ﷺ حَتَّى كَانَ بِغَدِيرِ الْأَشْطَاطِ أَتَاهُ عَيْنُهُ، فَقَالَ: إِنَّ قُرَيْشًا جَمَعُوا لَكَ جُمُوعًا، وَقَدْ جَمَعُوا لَكَ الْأَحَابِيشَ أَيْ: أَحْيَاءً مِنَ النَّادَّةِ انْضَمُّوا إِلَى بَنِي لَيْثٍ، كَذَا فِي النِّهَايَةِ. وَهُمْ مُقَاتِلُوكَ وَصَادُّوكَ عَنِ الْبَيْتِ وَمَانِعُوكَ. فَقَالَ أَشِيرُوا عَلَيَّ أَيُّهَا النَّاسُ، أَتَرَوْنَ أَنْ أَمِيلَ إِلَى عِيَالِهِمْ وَذَرَارِيِّ هَؤُلَاءِ الَّذِي يُرِيدُونَ أَنْ يَصُدُّونَا عَنِ الْبَيْتِ، وَفِيهِ قَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ خَرَجْتَ عَامِدًا لِهَذَا الْبَيْتِ لَا تُرِيدُ قَتْلَ أَحَدٍ وَلَا حَرْبَ أَحَدٍ، فَتَوَجَّهْ بِنَا فَمَنْ صَدَّنَا عَنْهُ قَاتَلْنَاهُ. قَالَ: امْضُوا عَلَى اسْمِ اللَّهِ، وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ: حَتَّى إِذَا كَانُوا بِبَعْضِ الطَّرِيقِ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: (إِنَّ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ فِي خَيْلٍ لِقُرَيْشٍ طَلِيعَةً فَخُذُوا ذَاتَ الْيَمِينِ) . فَوَاللَّهِ مَا شَعَرَ بِهِمْ خَالِدٌ حَتَّى إِذَا هُمْ بِقَتَرَةِ الْجَيْشِ، فَانْطَلَقَ يَرْكُضُ نَذِيرًا لِقُرَيْشٍ، وَسَارَ النَّبِيُّ ﷺ (حَتَّى إِذَا كَانَ بِالثَّنِيَّةِ): بِتَشْدِيدِ التَّحْتِيَّةِ، وَهِيَ الْجَبَلُ الَّذِي عَلَيْهِ الطَّرِيقُ (الَّتِي يُهْبَطُ): بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ (عَلَيْهِمْ) أَيْ: عَلَى أَهْلِ مَكَّةَ (مِنْهَا) أَيْ: مِنَ الثَّنِيَّةِ (بَرَكَتْ بِهِ) أَيْ: بِالنَّبِيِّ (رَاحِلَتُهُ)، وَالْبَاءُ لِلْمُصَاحَبَةِ (فَقَالَ النَّاسُ: حَلْ حَلْ): بِمُهْمَلَةٍ مَفْتُوحَةٍ وَلَامٍ مُخَفَّفَةٍ زَجْرٌ لِلْبَعِيرِ إِذَا حَثَثْتَهُ عَلَى الِانْبِعَاثِ، وَالثَّانِيَةُ تَأْكِيدٌ فِي الزَّجْرِ، وَيُنَوَّنُ الْأَوَّلُ إِذَا وُصِلَتْ بِالْأُخْرَى، وَالْمُحَدِّثُونَ يُسَكِّنُونَهَا فِي الْوَصْلِ. وَفِي الْمَوَاهِبِ: فَالْحَثُّ أَيْ: تَمَادَتْ عَلَى عَدَمِ الْقِيَامِ (فَقَالُوا: خَلَأَتِ): بِفَتْحِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَاللَّامِ وَالْهَمْزَةِ أَيْ: بَرَكَتْ مِنْ غَيْرِ عِلَّةٍ وَحَزِنَتْ (الْقَصْوَاءُ) بِفَتْحِ الْقَافِ مَمْدُودًا لِلنَّاقَةِ الْمَقْطُوعِ طَرَفُ أُذُنِهَا. قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: كَانَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ نَاقَةٌ تُسَمَّى قَصْوَاءَ وَلَمْ تَكُنْ مَقْطُوعَةَ الْأُذُنِ (خَلَأَتِ الْقَصْوَاءُ) كُرِّرَ تَأْكِيدًا لِعَدَمِ انْبِعَاثِهَا وَحَسِبُوا أَنَّهُ بِسَبَبِ تَعَبِهَا، أَوْ أَنَّهُ مِنْ عَادَتِهَا (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: (مَا خَلَأَتِ الْقَصْوَاءُ) أَيْ: لِلْعِلَّةِ الَّتِي تَظُنُّونَهَا (وَمَا ذَاكَ) أَيِ: الْخَلَأُ وَهُوَ لِلنَّاقَةِ كَالْحِرَانِ لِلْفَرَسِ (لَهَا بِخُلُقٍ) بِضَمَّتَيْنِ وَيُسَكَّنُ الثَّانِي أَيْ: بِعَادَةٍ (وَلَكِنْ حَبَسَهَا حَابِسُ الْفِيلِ) أَيْ: مَنَعَهَا مِنَ السَّيْرِ كَيْلَا تَدْخُلَ مَكَّةَ مَعَ أَصْحَابِ الْفِيلِ مِنْ مَكَّةَ وَهُوَ اللَّهُ تَعَالَى؛ لِئَلَّا تَقَعَ مُحَارَبَةٌ وَإِرَاقَةُ دَمٍ فِي الْحَرَمِ قَبْلَ أَوَانِهِ لَوْ قُدِّرَ دُخُولُهَا، كَمَا لَوْ قُدِّرَ دُخُولُ الْفِيلِ، لَكِنْ سَبَقَ فِي عِلْمِ اللَّهِ أَنَّهُ سَيَدْخُلُ فِي الْإِسْلَامِ مِنْهُمْ، وَسَيَخْرُجُ مِنْ أَصْلَابِهِمْ نَاسٌ يُسْلِمُونَ وَيُجَاهِدُونَ.
قَالَ الْقَاضِي: رُوِيَ أَنَّ أَبَرْهَةَ لَمَّا هَمَّ بِتَخْرِيبِ الْكَعْبَةِ وَاسْتِبَاحَةِ أَهْلِهَا تَوَجَّهَ إِلَيْهَا فِي عَسْكَرِهِمْ، فَلَمَّا وَصَلَ إِلَى ذِي الْمَجَازِ امْتَنَعَتِ الْفِيَلَةُ مِنَ التَّوَجُّهِ نَحْوَ مَكَّةَ، وَإِذَا صُرِفَتْ عَنْهَا إِلَى غَيْرِهَا أَسْرَعَتْ. اهـ.
[ ٦ / ٢٦١٢ ]
وَذُو الْمَجَازِ عَلَى مَا فِي الْقَامُوسِ: سُوقٌ كَانَتْ لَهُمْ عَلَى فَرْسَخٍ وَمِنْ عَرَفَةَ بِنَاحِيَةِ كَبْكَبَ. (ثُمَّ قَالَ: (وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يَسْأَلُونِي): بِتَخْفِيفِ النُّونِ الْمُشَدَّدَةِ، وَضَمِيرُ الْجَمْعِ لِأَهْلِ مَكَّةَ، وَالْمَعْنَى لَا يَطْلُبُونَنِي (خُطَّةً): بِضَمِّ الْمُعْجَمَةِ وَتَشْدِيدِ الْمُهْمَلَةِ أَيْ: خَصْلَةً أُرِيدَ بِهَا الْمُصَالَحَةُ حَالَ كَوْنِهِمْ (يُعَظِّمُونَ فِيهَا حُرُمَاتِ اللَّهِ): جَمْعُ حُرْمَةٍ أَرَادَ بِهَا حُرْمَةَ الْحَرَمِ، وَالْإِحْرَامُ بِالْكَفِّ فِيهَا عَنِ الْقِتَالِ (إِلَّا أَعْطَيْتُهُمْ إِيَّاهَا) أَيْ: تِلْكَ الْخُطَّةَ الْمَسْئُولَةَ قَالَ الْقَاضِي: الْمَعْنَى لَا يَسْأَلُونِي خَصْلَةً يُرِيدُونَ بِهَا تَعْظِيمَ مَا عَظَّمَهُ اللَّهُ وَتَحْرِيمَ هَتْكِ حُرْمَتِهِ إِلَّا أُسْعِفُهُمْ إِلَيْهَا، وَوَضَعَ الْمَاضِيَ مَوْضِعَ الْمُضَارِعِ مُبَالَغَةً فِي الْإِسْعَافِ (ثُمَّ زَجَرَهَا) أَيِ: الْإِبِلُ (فَوَثَبَتْ) أَيْ: قَامَتْ بِسُرْعَةٍ (فَعَدَلَ عَنْهُمْ) أَيْ: مَالَ عَنْ طَرِيقِ أَهْلِ مَكَّةَ وَدُخُولِهَا وَتَوَجَّهَ غَيْرَ جَانِبِهِمْ، وَأَغْرَبَ شَارِحٌ فَقَالَ أَيِ: انْحَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الصَّحَابَةِ وَذَهَبَ أَمَامَهُمْ، (حَتَّى نَزَلَ بِأَقْصَى الْحُدَيْبِيَةِ) أَيْ: بِآخِرِهَا مِنْ جَانِبِ الْحَرَمِ (عَلَى ثَمَدٍ): بِفَتْحِ الْمُثَلَّثَةِ وَالْمِيمِ أَيْ: مَاءٍ قَلِيلٍ، وَالْمُرَادُ بِهِ هُنَا مَوْضِعُهُ، مَجَازٌ لِإِطْلَاقِ الِاسْمِ الْحَالِّ عَلَى الْمَحَلِّ، كَانَ هُنَاكَ حُفْرَةٌ فِيهَا مَاءٌ قَلِيلٌ بِدَلِيلِ وَصْفِهِ بِقَوْلِهِ: (قَلِيلِ الْمَاءِ): وَقِيلَ: إِنَّهُ صِفَةٌ كَاشِفَةٌ فَوَصَفَهُ بِالْقِلَّةِ مَعَ اسْتِغْنَائِهِ عَنْهَا بِلَفْظِ الثَّمَدِ إِرَادَةً لِلتَّأْكِيدِ فِي كَوْنِهِ أَقَلَّ الْقَلِيلِ. قَالَ الْقَاضِي: وَالثَّمَدُ الْمَاءُ الْقَلِيلُ الَّذِي لَا مَادَّةَ لَهُ، وَسُمِّيَ قَوْمُ صَالِحٍ ثَمُودَ لِنُزُولِهِمْ عَلَى ثَمَدٍ. (يَتَبَرَّضُهُ النَّاسُ): بِالضَّادِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ: يَأْخُذُونَهُ قَلِيلًا قَلِيلًا (تَبَرُّضًا)، مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ (فَلَمْ يَلْبَثْهُ النَّاسُ): بِالتَّخْفِيفِ وَيُشَدَّدُ مِنْ أَلْبَثَ وَلَبِثَ بِمَعْنًى عَلَى مَا فِي الْقَامُوسِ أَيْ: لَمْ يَجْعَلُوا لُبْثَ ذَلِكَ الْمَاءِ طَوِيلًا فِي تِلْكَ الْبِئْرِ (حَتَّى نَزَحُوهُ) أَيِ: الْمَاءَ (وَشُكِيَ): بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ (إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْعَطَشُ) أَيْ: شَكَوْا عَدَمَ الْمَاءِ الْمُوجِبَ لِلْعَطَشِ إِلَيْهِ ﷺ (فَانْتَزَعَ) أَيْ: أَخْرَجَ (سَهْمًا مِنْ كِنَانَتِهِ)، بِكَسْرِ الْكَافِ أَيْ: جَعْبَتِهِ (ثُمَّ أَمَرَهُمْ أَنْ يَجْعَلُوهُ) أَيِ: السَّهْمَ (فِيهِ) أَيْ: فِي مَكَانِ الْمَاءِ (فَفَعَلُوا): وَفِيهِ إِيمَاءٌ إِلَى إِجْرَاءِ خَرْقِ الْعَادَةِ عَلَى أَيْدِي أَتْبَاعِهِ ﷺ (فَوَاللَّهِ مَا زَالَ يَجِيشُ) أَيْ: يَفُورُ مَاؤُهُ (لَهُمْ بِالرِّيِّ): بِكَسْرِ الرَّاءِ وَتَشْدِيدِ الْيَاءِ أَيْ: بِمَا يَرْوِيهِمْ مِنَ الْمَاءِ، أَوْ بِالْمَاءِ الْكَثِيرِ مِنْ قَوْلِهِمْ: عَيْنٌ رَيَّةٌ أَيْ: كَثِيرَةُ الْمَاءِ (حَتَّى صَدَرُوا عَنْهُ) أَيْ: رَجَعُوا عَنْ ذَلِكَ الْمَاءِ رَاضِينَ، (فَبَيْنَا هُمْ كَذَلِكَ، إِذْ جَاءَ بُدَيْلُ): بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ وَفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ (ابْنُ وَرْقَاءَ الْخُزَاعِيُّ): بِضَمِّ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ (فِي نَفَرٍ فِي خُزَاعَةَ)، قَبِيلَةٌ كَبِيرَةٌ مِنَ الْعَرَبِ (ثُمَّ أَتَاهُ عُرْوَةُ بْنُ مَسْعُودٍ، وَسَاقَ الْحَدِيثَ) أَيْ: ذَكَرَ الْبُخَارِيُّ الْحَدِيثَ بِطُولِهِ. (إِلَى أَنْ قَالَ) وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا الِاخْتِصَارَ مِنْ صَاحِبِ الْمَصَابِيحِ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ قَالَ الْبُخَارِيُّ رَاوِيًا بِسَنَدِهِ عَنِ الْمِسْوَرِ وَمَرْوَانَ. (إِذْ جَاءَ سُهَيْلُ): بِالتَّصْغِيرِ (ابْنُ عَمْرٍو): بِالْوَاوِ (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: (اكْتُبْ) أَيْ: يَا عَلِيُّ (هَذَا مَا قَاضَى) أَيْ: صَالَحَ كَمَا فِي رِوَايَةٍ، وَفِي نُسْخَةٍ قَضَى (عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ): ﷺ أَيْ: فَصَلَ بِهِ أَمْرَ الْمُصَالَحَةِ مِنْ قَضَى الْحُكْمَ إِذَا فَصَلَ الْحُكُومَةَ، وَإِنَّمَا أَتَى بِهِ عَلَى زِنَةِ فَاعَلَ ; لِأَنَّ فَصْلَ الْقَضِيَّةِ كَانَ مِنَ الْجَانِبَيْنِ أَيْ: هَذَا مَا صَالَحَ مَعَ أَهْلِ مَكَّةَ، ثُمَّ اعْلَمْ مَا بَيْنَهُمَا عَلَى مَا فِي الْمَوَاهِبِ هَكَذَا، فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ إِذْ جَاءَ بُدَيْلٌ فِي نَفَرٍ مِنْ خُزَاعَةَ، وَكَانُوا عَيْبَةَ نُصْحِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ أَهْلِ تِهَامَةَ، فَقَالَ: إِنِّي تَرَكْتُ كَعْبَ بْنَ لُؤَيٍّ وَعَامِرَ بْنَ لُؤَيٍّ أَعْدَادَ مِيَاهِ الْحُدَيْبِيَةِ أَيْ: ذَوَاتِ الْمَادَّةِ كَالْعُيُونِ وَالْأَنْهَارِ مَعَهُمُ الْعُوذُ الْمَطَافِيلُ، وَهُمْ مُقَاتِلُوكَ وَصَادُّوكَ عَنِ الْبَيْتِ وَالْعُوذُ بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ جَمْعُ عَائِذٍ وَهِيَ النَّاقَةُ ذَاتُ اللَّبَنِ، وَالْمَطَافِيلُ الْأُمَّهَاتُ الَّتِي مَعَهَا أَطْفَالُهَا يُرِيدُ أَنَّهُمْ خَرَجُوا بِنِسَائِهِمْ وَأَوْلَادِهِمْ لِإِرَادَةِ طُولِ الْمَقَامِ؛ لِيَكُونَ أَدْعَى إِلَى عَدَمِ الْفِرَارِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: («إِنَّا لَمْ نَجِئْ لِقِتَالِ أَحَدٍ وَلَكِنَّا جِئْنَا مُعْتَمِرِينَ، وَإِنَّ قُرَيْشًا قَدْ نَهَكَتْهُمُ الْحَرْبُ أَيْ: أَضْعَفَتْهُمْ وَأَضَرَّتْ بِهِمْ، فَإِنْ شَاءُوا مَادَدْتُهُمْ مُدَّةً وَيُخَلُّوا بَيْنِي وَبَيْنَ النَّاسِ إِنْ شَاءُوا فَإِنْ أَظْهَرْ فَإِنْ شَاءُوا أَنْ يَدْخُلُوا فِيمَا دَخَلَ فِيهِ النَّاسُ فَعَلُوا، وَإِلَّا فَقَدَ جَمُّوا يَعْنِي اسْتَرَاحُوا، وَإِنْ هُمْ أَبَوْا فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَأُقَاتِلَنَّهُمْ عَلَى أَمْرِي هَذَا حَتَّى تَنْفَرِدَ
[ ٦ / ٢٦١٣ ]
٩٨ - سَالِفَتِي») أَيْ: صَفْحَةُ الْعُنُقِ كَنَّى بِذَلِكَ عَنِ الْقَتْلِ (وَلَيُنْفِذَنَّ اللَّهُ أَمْرَهُ) . فَقَالَ بُدَيْلٌ: سَأُبَلِّغُهُمْ مَا تَقُولُ، فَانْطَلَقَ حَتَّى أَتَى قُرَيْشًا فَقَالَ: إِنَّا قَدْ جِئْنَاكُمْ مِنْ هَذَا الرَّجُلِ وَسَمِعْنَاهُ يَقُولُ قَوْلًا، فَإِنْ شِئْتُمْ أَنْ نَعْرِضَهُ عَلَيْكُمْ فَعَلْنَا. فَقَالَ سُفَهَاؤُهُمْ: لَا حَاجَةَ لَنَا أَنْ تُخْبِرَنَا عَنْهُ بِشَيْءٍ. قَالَ ذُو الرَّأْيِ مِنْهُمْ: هَاتِ مَا سَمِعْتَهُ يَقُولُ قَالَ: يَقُولُ كَذَا وَكَذَا، فَحَدَّثَهُمْ بِمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ فَقَامَ عُرْوَةُ بْنُ مَسْعُودٍ فَقَالَ: أَيْ قَوْمِ أَلَسْتُمْ بِالْوَالِدِ؟ قَالُوا: بَلَى، قَالَ: أَلَسْتُ بِالْوَلَدِ؟ قَالُوا: بَلَى، قَالَ: فَهَلْ تَتَّهِمُونِي؟ قَالُوا: لَا، قَالَ: أَلَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنِّي اسْتَنْفَرْتُ أَهْلَ عُكَاظٍ أَيْ: طَلَبْتُ مِنْهُمُ الْخُرُوجَ إِلَيْكُمْ؟ وَفِي الْقَامُوسِ عُكَاظٌ هُوَ كَغُرَابٍ سُوقٌ بِصَحْرَاءَ بَيْنَ نَخْلَةَ وَالطَّائِفِ كَانَتْ تَقُومُ هِلَالَ ذِي الْقَعْدَةِ، وَتَسْتَمِرُّ عِشْرِينَ يَوْمًا يَجْتَمِعُ قَبَائِلُ الْعَرَبِ فَيَتَعَاكَظُونَ يَتَفَاخَرُونَ اهـ.
فَلَمَّا بَلَّحُوا عَلَيَّ وَهُوَ بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ أَيْ: تَمَنَّعُوا مِنَ الْإِجَابَةِ جِئْتُكُمْ بِأَهْلِي وَوَلَدِي وَمَنْ أَطَاعَنِي؟ قَالُوا: بَلَى. قَالَ: فَإِنَّ هَذَا عَرَضَ عَلَيْكُمْ خُطَّةَ رُشْدٍ أَيْ: خَصْلَةَ خَيْرٍ وَصَلَاحٍ اقْبَلُوهَا وَدَعُونِي آتِيهِ، فَأَتَاهُ فَجَعَلَ يُكَلِّمُ النَّبِيَّ ﷺ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ نَحْوًا مِنْ قَوْلِهِ لِبُدَيْلٍ، فَقَالَ عُرْوَةُ عِنْدَ ذَلِكَ: أَيْ مُحَمَّدُ أَرَأَيْتَ إِنِ اسْتَأْصَلْتَ أَمْرَ قَوْمِكَ هَلْ سَمِعْتَ بِأَحَدٍ مِنَ الْعَرَبِ اجْتَاحَ أَصْلَهُ قَبْلَكَ، وَإِنْ تَكُنِ الْأُخْرَى فَإِنِّي وَاللَّهِ لَا أَرَى وُجُوهًا وَإِنِّي لَأَرَى أَوْبَاشًا يَعْنِي أَخْلَاطًا مِنَ النَّاسِ خَلِيقًا أَنْ يَفِرُّوا وَيَدَعُوكَ، فَقَالَ لَهُ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ ﵁: امْصُصْ بَظْرَ اللَّاتِ أَنَحْنُ نَفِرُّ عَنْهُ وَنَدَعُهُ؟ قِيلَ: وَهَذَا مُبَالَغَةٌ مِنْ أَبِي بَكْرٍ فِي سَبِّ عُرْوَةَ، فَإِنَّهُ أَقَامَ مَعْبُودَ عُرْوَةَ وَهُوَ صَنَمٌ مَقَامَ أُمِّهِ، وَحَمَلَهُ عَلَى ذَلِكَ مَا أَغْضَبَهُ بِهِ مِنْ نِسْبَتِهِ إِلَى الْفِرَارِ، وَالْبَظْرُ بِالْمُوَحَّدَةِ الْمَفْتُوحَةِ وَالظَّاءِ الْمُعْجَمَةِ السَّاكِنَةِ قِطْعَةٌ تَبْقَى بَعْدَ الْخِتَانِ فِي فَرْجِ الْمَرْأَةِ، وَاللَّاتُ اسْمُ صَنَمٍ، وَالْعَرَبُ تُطْلِقُ هَذَا اللَّفْظَ فِي مَعْرَضِ الذَّمِّ اهـ.
فَقَالَ عُرْوَةُ: مَنْ هَذَا؟ قَالُوا: أَبُو بَكْرٍ. فَقَالَ: أَمَا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْلَا يَدٌ كَانَتْ لَكَ عِنْدِي لَمْ أَجْزِكَ بِهَا لَأَجَبْتُكَ. قَالَ: وَجَعَلَ يُكَلِّمُ النَّبِيَّ ﷺ فَكُلَّمَا تَكَلَّمَ أَخَذَ بِلِحْيَتِهِ، وَالْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ قَائِمٌ عَلَى رَأْسِ النَّبِيِّ ﷺ وَمَعَهُ السَّيْفُ وَعَلَيْهِ الْمِغْفَرُ، فَكُلَّمَا أَهْوَى عُرْوَةُ بِيَدِهِ إِلَى لِحْيَةِ النَّبِيِّ ﷺ ضَرَبَ يَدَهُ بِنَصْلِ السَّيْفِ، وَقَالَ: أَخِّرْ يَدَكَ عَنْ لِحْيَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: قَالَ الْعُلَمَاءُ: وَكَانَتْ عَادَةُ الْعَرَبِ أَنْ يَتَنَاوَلَ الرَّجُلُ لِحْيَةَ مَنْ يُكَلِّمُهُ لَا سِيَّمَا عِنْدَ الْمُلَاطَفَةِ، وَفِي الْغَالِبِ إِنَّمَا يَصْنَعُ ذَلِكَ النَّظِيرُ بِالنَّظِيرِ، لَكِنْ كَانَ ﷺ يُفْضِي لِعُرْوَةَ اسْتِمَالَةً لَهُ وَتَأْلِيفًا وَالْمُغِيرَةُ يَمْنَعُهُ إِجْلَالًا لِلنَّبِيِّ ﷺ وَتَعْظِيمًا اهـ.
وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ احْتِرَاسًا مِنَ الْمَكِيدَةِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَالَ: فَرَفَعَ عُرْوَةُ رَأْسَهُ فَقَالَ: مَنْ هَذَا؟ قَالُوا: الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ. فَقَالَ: أَيْ غُدَرُ وَهُوَ مَعْدُولٌ عَنْ غَادِرٍ عَلَى مَا فِي النِّهَايَةِ. أَلَسْتُ أَسْعَى فِي غَدْرَتِكَ، وَكَانَ الْمُغِيرَةُ صَحِبَ قَوْمًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَقَتَلَهُمْ وَأَخَذَ أَمْوَالَهُمْ، ثُمَّ جَاءَ فَأَسْلَمَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: («أَمَّا الْإِسْلَامُ فَأَقْبَلُ وَأَمَّا الْمَالُ فَلَسْتَ مِنْهُ فِي شَيْءٍ، ثُمَّ إِنَّ عُرْوَةَ جَعَلَ يَرْمُقُ أَصْحَابَ النَّبِيِّ ﷺ بِعَيْنِهِ قَالَ: فَوَاللَّهِ مَا يَتَنَخَّمُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَّا وَقَعَتْ فِي كَفِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ فَدَلَكَ بِهَا وَجْهَهُ وَجِلْدَهُ، وَإِذَا أَمَرَهُمْ بِأَمْرٍ ابْتَدَرُوا أَمْرَهُ، وَإِذَا تَوَضَّأَ كَادُوا يَقْتَتِلُونَ عَلَى وَضُوئِهِ، وَإِذَا تَكَلَّمَ خَفَضُوا أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَهُ، وَمَا يُحِدُّونَ إِلَيْهِ النَّظَرَ تَعْظِيمًا لَهُ») . قَالَ فِي فَتْحِ الْبَارِي: فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى الرَّدِّ عَلَى مَا خَشِيَهُ مِنْ فِرَارِهِمْ، فَكَأَنَّهُمْ قَالُوا بِلِسَانِ الْحَالِ: مَنْ يُحِبُّهُ هَذِهِ الْمَحَبَّةَ وَيُعَظِّمُهُ هَذَا التَّعْظِيمَ، كَيْفَ يُظَنُّ بِهِ أَنْ يَنْفِرَ عَنْهُ وَيُسْلِمَهُ إِلَى عَدُوِّهِ؟ بَلْ هُمْ أَشَدُّ اغْتِبَاطًا بِهِ وَبِدِينِهِ وَنَصْرِهِ مِنْ هَذِهِ الْقَبَائِلِ الَّتِي تُرَاعِي بَعْضَهَا بِمُجَرَّدِ الرَّحِمِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. اهـ.
قَالَ: فَخَرَجَ عُرْوَةُ إِلَى أَصْحَابِهِ فَقَالَ: أَيْ قَوْمِ وَاللَّهِ لَقَدْ وَفَدْتُ عَلَى الْمُلُوكِ. وَفَدْتُ عَلَى قَيْصَرَ وَكِسْرَى وَالنَّجَاشِيِّ، وَاللَّهِ إِنْ رَأَيْتُ مَلِكًا قَطُّ يُعَظِّمُهُ أَصْحَابُهُ مَا يُعَظِّمُ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ مُحَمَّدًا وَاللَّهِ إِنْ يَتَنَخَّمْ نُخَامَةً إِلَّا وَقَعَتْ فِي كَفِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ فَدَلَكَ بِهَا وَجْهَهُ وَجِلْدَهُ، وَإِذَا أَمَرَهُمُ ابْتَدَرُوا أَمْرَهُ وَإِذَا تَوَضَّأَ كَادُوا يَقْتَتِلُونَ عَلَى وَضُوئِهِ، وَإِذَا تَكَلَّمَ خَفَضُوا أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَهُ، وَمَا يُحِدُّونَ إِلَيْهِ النَّظَرَ تَعْظِيمًا لَهُ، وَإِنَّهُ قَدْ عَرَضَ عَلَيْكُمْ خُطَّةَ رُشْدٍ فَاقْبَلُوهَا، فَقَالَ
[ ٦ / ٢٦١٤ ]
رَجُلٌ مِنْ بَنِي كِنَانَةَ دَعُونِي آتِيهِ، فَقَالُوا: ائْتِهِ، فَلَمَّا أَشْرَفَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَأَصْحَابِهِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ: (هَذَا فُلَانٌ، وَهُوَ مِنْ قَوْمٍ يُعَظِّمُونَ الْبُدْنَ) فَابْعَثُوا لَهُ، فَبُعِثَتْ لَهُ وَاسْتَقْبَلَهُ النَّاسُ يُلَبُّونَ، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ قَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ مَا يَنْبَغِي لِهَؤُلَاءِ أَنْ يُصَدُّوا عَنِ الْبَيْتِ فَلَمَّا رَجَعَ إِلَى أَصْحَابِهِ قَالَ: رَأَيْتُ الْبُدْنَ قَدْ قُلِّدَتْ وَأُشْعِرَتْ، فَمَا أَرَى أَنْ يُصَدُّوا عَنِ الْبَيْتِ، فَقَامَ رَجُلٌ مِنْهُمْ مِكْرَزُ بْنُ حَفْصٍ بِكَسْرِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْكَافِ وَفَتْحِ الرَّاءِ بَعْدَهَا زَايٌ فَقَالَ: دَعُونِي آتِيهِ فَلَمَّا أَشْرَفَ عَلَيْهِمْ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ هَذَا مِكْرَزٌ وَهُوَ رَجُلٌ فَاجِرٌ، فَجَعَلَ يُكَلِّمُ النَّبِيَّ ﷺ، فَبَيْنَمَا هُوَ يُكَلِّمُ إِذْ جَاءَ سُهَيْلٌ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: " سُهِّلَ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ " وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ إِسْحَاقَ فَدَعَتْ قُرَيْشٌ سُهَيْلَ بْنَ عَمْرٍو، قَالَ مَعْمَرٌ: فَأَخْبَرَنِي أَيُّوبُ عَنْ عِكْرِمَةَ أَنَّهُ لَمَّا جَاءَ سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو فَقَالَتِ: اذْهَبْ إِلَى هَذَا الرَّجُلِ فَصَالِحْهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: (قَدْ أَرَادَتْ قُرَيْشٌ الصُّلْحَ حِينَ بَعَثَتْ هَذَا) . فَلَمَّا انْتَهَى إِلَى النَّبِيِّ ﷺ جَرَى بَيْنَهُمَا الْقَوْلُ، حَتَّى وَقَعَ بَيْنَهُمَا الصُّلْحُ عَلَى أَنْ يُوضَعَ الْحَرْبُ بَيْنَهُمْ عَشْرَ سِنِينَ، وَأَنْ يُؤَمِّنَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، وَأَنْ يَرْجِعَ عَنْهُمْ عَامَهُمْ هَذَا.
وَقَالَ مَعْمَرٌ قَالَ الزُّهْرِيُّ فِي حَدِيثِهِ: فَجَاءَ سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو فَقَالَ: هَاتِ اكْتُبْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ كِتَابًا، فَدَعَا النَّبِيُّ الْكَاتِبَ يَعْنِي عَلِيًّا كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ فَقَالَ - أَيِ النَّبِيُّ ﷺ -: (اكْتُبْ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) . فَقَالَ سُهَيْلٌ: أَمَّا الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ، فَوَاللَّهِ مَا أَدْرِي مَا هُوَ وَلَكِنِ اكْتُبْ بِاسْمِكَ اللَّهُمَّ كَمَا كُنْتَ تَكْتُبُ، فَقَالَ الْمُسْلِمُونَ: وَاللَّهِ مَا نَكْتُبُهَا إِلَّا بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: (اكْتُبْ بِاسْمِكَ اللَّهُمَّ)، ثُمَّ قَالَ: (هَذَا مَا قَاضَى عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ) وَفِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ، عِنْدَ الْحَاكِمِ، فَكَتَبَ: (هَذَا مَا صَالَحَ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ أَهْلَ مَكَّةَ) الْحَدِيثَ اهـ. مَا بَيْنَهُمَا. قَالَ: وَقَوْلُهُ: اكْتُبْ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وَقَوْلُهُ أَمَّا الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ إِلَخْ. فَقَالَ الْعُلَمَاءُ: وَافَقَهُمْ ﵇ فِي تَرْكِ كِتَابَةِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وَكَتَبَ بِاسْمِكَ اللَّهُمَّ، وَكَذَا وَافَقَهُمْ فِي مُحَمَّدِ بْنِ عَبْد اللَّهِ، وَتَرَكَ كِتَابَةَ رَسُولِ اللَّهِ لِلْمَصْلَحَةِ الْمُهِمَّةِ الْحَاصِلَةِ بِالصُّلْحِ، مَعَ أَنَّهُ لَا مَفْسَدَةَ فِي هَذِهِ الْأُمُورِ، وَأَمَّا الْبَسْمَلَةُ وَبِاسْمِكَ اللَّهُمَّ فَمَعْنَاهَا وَاحِدٌ، وَكَذَا قَوْلُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْد اللَّهِ هُوَ أَيْضًا رَسُولُهُ، وَلَيْسَ فِي تَرْكِ وَصْفِ اللَّهِ تَعَالَى فِي هَذَا الْمَوْضِعِ بِالرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مَا يَنْفِي ذَلِكَ وَلَا فِي تَرْكِ وَصْفِهِ ﷺ هُنَا بِالرِّسَالَةِ مَا يَنْفِيهَا فَلَا مَفْسَدَةَ فِيمَا طَلَبُوهُ، وَإِنَّمَا كَانَتِ الْمَفْسَدَةُ تَكُونُ لَوْ طَلَبُوا أَنْ يَكْتُبُوا مَا لَا يَحِلُّ مِنْ تَعْظِيمِ آلِهَتِهِمْ وَنَحْوِ ذَلِكَ اهـ.
(فَقَالَ سُهَيْلٌ: وَاللَّهِ لَوْ كُنَّا نَعْلَمُ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ) أَيْ: حَقًّا (مَا صَدَدْنَاكَ) أَيْ: مَا مَنَعْنَاكَ (عَنِ الْبَيْتِ) أَيْ: عَنْ طَوَافِ بَيْتِ اللَّهِ لِلْعُمْرَةِ (وَلَا قَاتَلْنَاكَ) أَيْ: أَوَّلًا وَلَا هَمَمْنَا بِقِتَالِكَ آخِرًا، (وَلَكِنِ اكْتُبْ) أَيْ: مُرِ الْكَاتِبَ أَنْ يَكْتُبَ (مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ)، بِالنَّصْبِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِالرَّفْعِ عَلَى الْحِكَايَةِ فَإِنَّهُ فَاعِلُ قَاضَى وَصَالَحَ (فَقَالَ النَّبِيُّ): وَفِي نُسْخَةٍ: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِنِّي لَرَسُولُ اللَّهِ وَإِنْ كَذَّبْتُمُونِي: (اكْتُبْ) أَيْ: يَا عَلِيُّ (مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ): فِيهِ الْوَجْهَانِ. قَالَ صَاحِبُ الْمَوَاهِبِ: وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لَعَلِيٍّ: (امْحُهُ) فَقَالَ: مَا أَنَا بِالَّذِي أَمْحَاهُ وَهِيَ لُغَةٌ فِي أَمْحُوهُ. قَالَ الْعُلَمَاءُ وَهَذَا الَّذِي فَعَلَهُ عَلِيٌّ مِنْ بَابِ الْأَدَبِ الْمُسْتَحَبِّ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَفْهَمْ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ تَحْتِيمَ مَحْوٍ عَلَى نَفْسِهِ، وَلِهَذَا لَمْ يُنْكِرْهُ عَلَيْهِ، وَلَوْ حَتَّمَ مَحْوَهُ بِنَفْسِهِ لَمْ يَجُزْ لِعَلِيٍّ تَرْكُهُ اهـ. (ثُمَّ قَالَ ﷺ أَرِنِي مَكَانَهَا) فَأَرَاهُ مَكَانَهَا فَمَحَاهُ، وَكَتَبَ ابْنَ عَبْدِ اللَّهِ. وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ فِي الْمَغَازِي: فَأَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْكِتَابَ وَلَيْسَ يُحْسِنُ يَكْتُبُ، فَكَتَبَ: هَذَا مَا قَاضَى عَلَيْهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ. قَالَ فِي فَتْحِ الْبَارِي: وَقَدِيمًا تَمَسَّكَ بِظَاهِرِ هَذِهِ الرِّوَايَةِ أَبُو الْوَلِيدِ الْبَاجِيُّ ; فَادَّعَى أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَتَبَ بِيَدِهِ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ يُحْسِنُ أَنْ يَكْتُبَ، فَشَنَّعَ عَلَيْهِ عُلَمَاءُ الْأَنْدَلُسِ فِي زَمَانِهِ وَرَمَوْهُ بِالزَّنْدَقَةِ، وَأَنَّ الَّذِي قَالَهُ يُخَالِفُ الْقُرْآنَ حَتَّى قَالَ قَائِلُهُمْ شِعْرًا:
بَرِئْتُ مِمَّنْ شَرَى دُنْيَا بِآخِرَةٍ
وَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَدْ كَتَبَا فَجَمَعَهُمُ الْأَمِيرُ فَاسْتَظْهَرَ الْبَاجِيَّ عَلَيْهِمْ بِمَا لَدَيْهِ مِنَ الْمَعْرِفَةِ وَقَالَ: هَذَا لَا يُنَافِي الْقُرْآنَ بَلْ يُؤْخَذُ مِنْ مَفْهُومِ الْقُرْآنِ ; لِأَنَّهُ قَدْ قَيَّدَ النَّفْيَ بِمَا قَبْلَ وُرُودِ الْقُرْآنِ. قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ﴾ [العنكبوت: ٤٨] وَبَعْدَ مَا تَحَقَّقَتْ وَتَقَرَّرَتْ بِذَلِكَ مُعْجِزَتُهُ وَأُمِنَ الِارْتِيَابُ فِي ذَلِكَ لَا مَانِعَ مِنْ أَنْ يَعْرِفَ الْكِتَابَةَ بَعْدَ ذَلِكَ
[ ٦ / ٢٦١٥ ]
مِنْ غَيْرِ تَعَلُّمٍ، فَيَكُونَ مُعْجِزَةً أُخْرَى، وَذَكَرَ ابْنُ دِحْيَةَ أَنَّ جَمَاعَةً مِنَ الْعُلَمَاءِ وَافَقُوا الْبَاجِيَّ عَلَى ذَلِكَ مِنْهُمْ شَيْخُهُ أَبُو ذَرٍّ الْهَرَوِيُّ وَأَبُو الْفَتْحِ النَّيْسَابُورِيُّ وَآخَرُونَ مِنْ عُلَمَاءِ أَفْرِيقِيَّةَ وَاحْتَجَّ بَعْضُهُمْ لِذَلِكَ بِمَا أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَة مِنْ طَرِيقِ مُجَالِدٍ عَنْ عَوْنِ بْنِ عَبْد اللَّهِ: مَا مَاتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى كَتَبَ وَقَرَأَ. قَالَ مُجَالِدٌ: فَذَكَرْتُهُ لِلشَّعْبِيِّ فَقَالَ: صَدَقَ قَدْ سَمِعْتُ مَنْ يَذْكُرُ ذَلِكَ. وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: وَرَدَتْ آثَارٌ تَدُلُّ عَلَى مَعْرِفَتِهِ حُرُوفَ الْخَطِّ وَحُسْنَ تَصْوِيرِهَا كَقَوْلِهِ لِكَاتِبِهِ: ضَعِ الْقَلَمَ عَلَى أُذُنَيْكَ، فَإِنَّهُ أَذْكَرُ لَكَ وَقَوْلِهِ لِمُعَاوِيَةَ: (أَلْقِ الدَّوَاةَ وَحَرِّفِ الْقَلَمَ وَفَرِّقِ السِّينَ وَلَا تُغَوِّرِ الْمِيمَ) إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ. قَالَ: وَهَذَا وَإِنْ لَمْ يُثْبِتْ أَنَّهُ كَتَبَ، فَلَا يَبْعُدُ أَنْ يُرْزَقَ عِلْمَ وَضْعِ الْكِتَابَةِ فَإِنَّهُ أُوتِيَ عِلْمَ كُلِّ شَيْءٍ وَأَجَابَ الْجُمْهُورُ بِضَعْفِ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ. وَعَنْ قِصَّةِ الْحُدَيْبِيَةِ بِأَنَّ الْقِصَّةَ وَاحِدَةٌ، وَالْكَاتِبَ فِيهَا هُوَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ﵁، وَقَدْ صَرَّحَ فِي حَدِيثِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ بِأَنَّ عَلِيًّا هُوَ الَّذِي كَتَبَ، فَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّ النُّكْتَةَ فِي قَوْلِهِ: فَأَخَذَ الْكِتَابَ وَلَيْسَ يُحْسِنُ أَنْ يَكْتُبَ لِبَيَانِ أَنَّ قَوْلَهُ: (أَرِنِي مَكَانَهَا) أَنَّهُ مَا احْتَاجَ إِلَى أَنْ يُرِيَهُ مَوْضِعَ الْكَلِمَةِ الَّتِي امْتَنَعَ عَلِيٌّ مِنْ مَحْوِهَا إِلَّا لِكَوْنِهِ كَانَ لَا يُحْسِنُ الْكِتَابَةَ، وَعَلَى أَنَّ قَوْلَهُ بَعْدَ ذَلِكَ: فَكَتَبَ فِيهِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ فَمَحَاهَا، فَأَعَادَهَا لِعَلِيٍّ فَكَتَبَ، أَوْ أَطْلَقَ بِمَعْنَى أَمَرَ بِالْكِتَابَةِ، وَهُوَ كَثِيرٌ كَقَوْلِهِ: كَتَبَ إِلَى كِسْرَى وَقَيْصَرَ، وَعَلَى تَقْدِيرِ حَمْلِهِ عَلَى ظَاهِرِهِ، فَلَا يَلْزَمُ مِنْ كِتَابَةِ اسْمِهِ الشَّرِيفِ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ، وَهُوَ لَا يَحْسِنُ الْكِتَابَةَ أَنْ يَصِيرَ عَالِمًا بِالْكِتَابَةِ، وَيَخْرُجَ عَنْ كَوْنِهِ أُمِّيًّا كَكَثِيرٍ مِنَ الْمُلُوكِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ جَرَتْ يَدُهُ بِالْكِتَابَةِ حِينَئِذٍ وَهُوَ لَا يُحْسِنُهَا، فَخَرَجَ الْمَكْتُوبُ عَلَى وَفْقِ الْمُرَادِ فَيَكُونُ مُعْجِزَةً أُخْرَى فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ خَاصَّةً، وَلَا يَخْرُجُ بِذَلِكَ عَنْ كَوْنِهِ أُمِّيًّا، وَبِهَذَا أَجَابَ أَبُو جَعْفَرٍ السِّمْنَانِيُّ أَحَدُ أَئِمَّةِ الْأُصُولِ مِنَ الْأَشَاعِرَةِ، وَتَبِعَهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ، وَتَعَقَّبَ ذَلِكَ السُّهَيْلِيُّ وَغَيْرُهُ: بِأَنَّ هَذَا وَإِنْ كَانَ مُمْكِنًا وَيَكُونُ آيَةً أُخْرَى لَكِنَّهُ يُنَاقِضُ كَوْنَهُ أُمِّيًّا لَا يَكْتُبُ، وَهِيَ الْآيَةُ الَّتِي قَامَتْ بِهَا الْحُجَّةُ، وَأَفْحَمَ الْجَاحِدَ، وَانْحَسَمَتِ الشُّبْهَةُ، فَلَوْ جَازَ أَنْ يَصِيرَ يَكْتُبُ بَعْدَ ذَلِكَ لَعَادَتِ الشُّبْهَةُ. وَقَالَ الْمُعَانِدُ: كَانَ يُحْسِنُ أَنْ يَكْتُبَ، لَكِنَّهُ كَانَ يَكْتُمُ ذَلِكَ وَالْمُعْجِزَاتُ يَسْتَحِيلُ أَنْ يَدْفَعَ بَعْضُهَا بَعْضًا وَالْحَقُّ أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ: فَكَتَبَ أَمَرَ عَلِيًّا أَنْ يُكْتَبَ اهـ. قَالَ: وَفِي دَعْوَى أَنَّ كِتَابَةَ اسْمِهِ الشَّرِيفِ فَقَطْ عَلَى هَذِهِ الصُّورَةِ يَسْتَلْزِمُ مُنَاقَضَةَ الْمُعْجِزَةِ، إِذْ يَثْبُتُ كَوْنُهُ غَيْرَ أُمِّيٍّ نَظَرٌ كَبِيرٌ وَاللَّهُ أَعْلَمُ اهـ.
أَقُولُ: وَوَجْهُ النَّظَرِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّ الْمُعَانِدَ كَالْغَرِيقِ بِكُلِّ حَشِيشٍ، وَالْمُعْجِزَةُ الْقُرْآنِيَّةُ ثَابِتَةٌ مِنْ وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ، مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ أَنَّهُ الْآتِي بِهَا أُمِّيٌّ، وَإِنَّمَا زِيدَ فِيهَا وَصْفُ عَدَمِ الْقِرَاءَةِ وَالْكِتَابَةِ، لِكَمَالِ ظُهُورِ الْحُجَّةِ وَبُطْلَانِ كَلَامِ مُعَانِدِيهَا، كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ سُبْحَانَهُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٨] وَالْمَعْنَى لَوْ كُنْتَ مِمَّنْ يَخُطُّ وَيَقْرَأُ لَقَالُوا تَعَلَّمَهُ، أَوِ الْتَقَطَهُ مِنْ كُتُبِ الْأَقْدَمِينَ. قَالَ الْبَيْضَاوِيُّ وَإِنَّمَا سَمَّاهُمْ مُبْطِلِينَ لِارْتِيَابِهِمْ بِانْتِفَاءِ وَجْهٍ وَاحِدٍ مِنْ وُجُوهِ الْإِعْجَازِ الْمُتَكَاثِرَةِ اهـ.
وَبِهَذَا تَبَيَّنَ أَنَّهُ ﷺ لَوْ كَانَ قَارِئًا كَاتِبًا مِنْ أَوَّلِ الْوَهْلَةِ، وَأَتَى بِالْقُرْآنِ لَكَانَ مُعْجِزَةً، وَهَذَا وَاضِحٌ جِدًّا لَيْسَ فِيهِ مِرْيَةٌ. قَالَ: وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ، فَكَتَبَ: هَذَا مَا قَاضَى عَلَيْهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، فَقَالَ ﷺ: (عَلَى أَنْ تُخَلُّوا بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْبَيْتِ فَنَطُوفُ بِهِ) فَقَالَ سُهَيْلٌ: وَاللَّهِ لَا تَتَحَدَّثُ الْعَرَبُ أَنَّا أُخِذْنَا ضَغْطَةً أَيْ: ضِيقًا وَإِكْرَاهًا وَشِدَّةً، وَلَكِنَّ ذَلِكَ مِنَ الْعَامِ الْمُقْبِلِ، فَكَتَبَ (فَقَالَ سُهَيْلٌ: وَعَلَى) عَطْفٌ عَلَى مُقَدَّرٍ أَيْ: عَلَى أَنْ لَا يَأْتِيَنَا فِي هَذَا الْعَامِ، وَعَلَى أَنْ تَأْتِيَنَا فِي الْعَامِ الْمُقْبِلِ، وَعَلَى (أَنْ لَا يَأْتِيَكَ مِنَّا رَجُلٌ): وَفِي نُسْخَةٍ: أَحَدٌ (وَإِنْ كَانَ عَلَى دِينِكَ إِلَّا رَدَدْتَهُ عَلَيْنَا) . وَفِي الْمَوَاهِبِ، قَالَ الْمُسْلِمُونَ: سُبْحَانَ اللَّهِ كَيْفَ يُرَدُّ إِلَى الْمُشْرِكِينَ، وَقَدْ جَاءَ مُسْلِمًا؟، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. (فَلَمَّا فَرَغَ) أَيِ: النَّبِيُّ ﷺ، أَوْ عَلِيٌّ ﵁ (مِنْ قَضِيَّةِ الْكِتَابَةِ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأَصْحَابِهِ: قُومُوا فَانْحَرُوا، ثُمَّ احْلِقُوا): قَالَ الْأَشْرَفُ: فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَنْ أَحْرَمَ بِحَجٍّ، أَوْ عُمْرَةٍ فَأُحْصِرَ، فَإِنَّهُ
[ ٦ / ٢٦١٦ ]
يَنْحَرُ الْهَدْيَ مَكَانَهُ وَيَحِلُّ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بَلَغَ هَدْيُهُ الْحَرَمَ. وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: فِيهِ أَنَّ مَنْ أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ، ثُمَّ مُنِعَ عَنْ إِتْمَامِهَا فَإِنَّهُ يَنْحَرُ الْهَدْيَ فِي مَكَانِهِ الَّذِي أُحْصِرَ فِيهِ، وَيُفَرِّقُ اللَّحْمَ عَلَى مَسَاكِينِ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ، وَيَحْلِقُ وَيَتَحَلَّلُ مِنْ إِحْرَامِهِ، وَإِنْ لَمْ يَبْلُغْ هَدْيُهُ الْحَرَمَ اهـ. وَهُوَ مُخَالِفٌ لِأَئِمَّةِ الْمَذْهَبِ مِنْ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ ذَبْحُهُ إِلَّا فِي أَرْضِ الْحَرَمِ، وَقَالُوا: إِنَّ بَعْضَ الْحُدَيْبِيَةِ مِنَ الْحَرَمِ وَسَبَقَ نَقْلُهُ، وَهُوَ مُخَالِفٌ أَيْضًا لِظَاهِرِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٦] وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: ٩٥] أَيْ: حَرَمِهَا. (ثُمَّ جَاءَ نِسْوَةٌ مُؤْمِنَاتٌ) أَيْ: مِنْ مَكَّةَ (فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ﴾ [الممتحنة: ١٠] أَيْ: فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ، ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ وَآتُوهُمْ مَا أَنْفَقُوا وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ وَاسْأَلُوا مَا أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنْفَقُوا ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [الممتحنة: ١٠] فَنَهَاهُمُ اللَّهُ تَعَالَى أَنْ يَرُدُّوهُنَّ)، قِيلَ: هُنَّ غَيْرُ دَاخِلَاتٍ فِي الشَّرْطِ لِرِوَايَةِ: مِنَّا رَجُلٌ، وَعَلَى هَذَا لَا إِشْكَالَ، وَعَلَى رِوَايَةِ: مِنَّا أَحَدٌ، فَإِنَّ لَفْظَةَ أَحَدٍ وَإِنْ يَتَنَاوَلْهُنَّ، لَكِنَّ الْآيَةَ نَاسِخَةٌ لِذَلِكَ، ذَكَرَهُ ابْنُ الْمَلَكِ، وَتَوْضِيحُهُ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ: اخْتَلَفُوا فِي أَنَّ الصُّلْحَ هَلْ وَقَعَ عَلَى رَدِّ النِّسَاءِ أَمْ لَا؟ قِيلَ: إِنَّهُ وَقَعَ عَلَى رَدِّ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ جَمِيعًا، لِمَا رَوَيْنَا: أَنَّهُ لَا يَأْتِيكَ مِنَّا أَحَدٌ إِلَّا رَدَدْتَهُ، ثُمَّ صَارَ الْحُكْمُ فِي رَدِّ النِّسَاءِ مَنْسُوخًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ﴾ [الممتحنة: ١٠] وَقِيلَ: أَنَّ الصُّلْحَ لَمْ يَقَعْ عَلَى رَدِّ النِّسَاءِ لِقَوْلِهِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ (لَا يَأْتِيكَ مِنَّا رَجُلٌ) وَذَلِكَ ; لِأَنَّ الرَّجُلَ لَا يُخْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْفِتْنَةِ. (وَأَمَرَهُمْ) أَيِ: الصَّحَابَةَ (أَنْ يَرُدُّوا الصَّدَاقَ) أَيْ: صَدَاقَهُنَّ إِلَى أَزْوَاجِهِنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ، وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ أَيْ: إِنْ جَاءُوا فِي طَلَبِهِنَّ وَقَدْ سَلَّمُوا الصَّدَاقَ إِلَيْهِنَّ وَإِلَّا لَا يُعْطَوْنَ شَيْئًا اهـ. وَهُوَ خِلَافُ الْمَذْهَبِ.
قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: وَلَوْ شَرَطُوا فِي الصُّلْحِ أَنْ يُرَدَّ إِلَيْهِمْ مَنْ جَاءَ مُسْلِمًا مِنْهُمْ بَطَلَ الشَّرْطُ، فَلَا يَجِبُ الْوَفَاءُ بِهِ، فَلَا يُرَدُّ مَنْ جَاءَنَا مُسْلِمًا مِنْهُمْ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يَجِبُ الْوَفَاءُ بِالرِّجَالِ دُونَ النِّسَاءِ ; لِأَنَّهُ ﷺ فَعَلَ ذَلِكَ فِي الْحُدَيْبِيَةِ، وَأَمَّا لَوْ شَرَطَ مِثْلَهُ فِي النِّسَاءِ لَا يَجُوزُ رَدُّهُنَّ، وَلَا شَكَّ فِي انْفِسَاخِ نِكَاحِهَا، فَلَوْ طَلَبَ زَوْجُهَا الْحَرْبِيُّ هَلْ يُعْطَاهُ؟ لِلشَّافِعِيِّ فِيهِ قَوْلَانِ. فِي قَوْلٍ لَا يُعْطَاهُ وَهُوَ قَوْلُنَا، وَقَوْلُ مَالِكٍ وَأَحْمَدُ، وَفِي قَوْلٍ يُعْطَاهُ قَالَ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ﴾ [الممتحنة: ١٠] وَهَذَا هُوَ دَلِيلُ النَّسْخِ فِي حَقِّ الرِّجَالِ أَيْضًا، إِذْ لَا فَرْقَ بَيْنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ فِي ذَلِكَ، بَلْ مَفْسَدَةُ رَدِّ الْمُسْلِمِ إِلَيْهِمْ أَكْثَرُ، وَحِينَ شَرَعَ ذَلِكَ كَانَ فِي قَوْمٍ مَنْ أَسْلَمَ مِنْهُمْ لَا يُبَالِغُونَ فِيهِمْ أَكْثَرَ مِنَ الْقَيْدِ وَالسَّبِّ وَالْإِهَانَةِ، وَلَقَدْ كَانَ بِمَكَّةَ بَعْدَ هِجْرَةِ النَّبِيِّ ﷺ جَمَاعَةٌ مِنَ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِثْلُ أَبِي بَصِيرٍ، وَأَبِي جَنْدَلِ بْنِ سُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو إِلَى نَحْوِ سَبْعِينَ لَمْ يَبْلُغُوا فِيهِمُ النِّكَايَةَ لِعَشَائِرِهِمْ، وَالْآنَ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ اهـ.
وَفِي الْمَدَارِكِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاسْأَلُوا مَا أَنْفَقْتُمْ﴾ [الممتحنة: ١٠] هُوَ مَنْسُوخٌ فَلَمْ يَبْقَ سُؤَالُ الْمَهْرِ لَا مِنَّا وَلَا مِنْهُمْ، وَعِنْدَ قَوْلِهِ ﷿: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ [الممتحنة: ١٠] احْتَجَّ بِهِ أَبُو حَنِيفَةَ عَلَى أَنْ لَا عِدَّةَ عَلَى الْمُهَاجِرَةِ، وَفِي الْمَعَالِمِ اخْتَلَفَ الْقَوْلُ فِي أَنَّ الْمَهْرَ كَانَ وَاجِبًا، أَوْ مَنْدُوبًا، وَاخْتَلَفُوا فِي أَنَّهُ هَلْ يَجِبُ الْعَمَلُ بِهِ الْيَوْمَ فِي رَدِّ الْمَالِ إِذَا شُرِطَ فِي مُعَاقَدَةِ الْكُفَّارِ؟ فَقَالَ قَوْمٌ: لَا يَجِبُ، وَزَعَمُوا أَنَّ الْآيَةَ مَنْسُوخَةٌ، وَهُوَ قَوْلُ عَطَاءٍ وَمُجَاهِدٍ وَقَتَادَةَ، وَقَالَ قَوْمٌ: هِيَ غَيْرُ مَنْسُوخَةٍ.
(ثُمَّ رَجَعَ) أَيِ: النَّبِيُّ ﷺ (إِلَى الْمَدِينَة، فَجَاءَهُ أَبُو بَصِيرٍ): بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَكَسْرِ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ (رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ وَهُوَ مُسْلِمٌ)، قَالَ الْمُؤَلِّفُ: هُوَ عُتْبَةُ بْنُ أَسِيدٍ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ الثَّقَفِيُّ قَدِيمُ الْإِسْلَامِ
[ ٦ / ٢٦١٧ ]
وَالصُّحْبَةِ، مَاتَ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، (فَأَرْسَلُوا) أَيْ: أَهْلُ مَكَّةَ (فِي طَلَبِهِ رَجُلَيْنِ، فَدَفَعَهُ إِلَى الرَّجُلَيْنِ)، يَعْنِي: إِلَيْهِمَا (فَخَرَجَا بِهِ حَتَّى إِذَا بَلَغَا) أَيْ: مَعَهُ (ذَا الْحُلَيْفَةِ نَزَلُوا يَأْكُلُونَ مِنْ تَمْرٍ لَهُمْ، فَقَالَ أَبُو بَصِيرٍ لِأَحَدِ الرَّجُلَيْنِ: وَاللَّهِ إِنِّي لَأَرَى) أَيْ: بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَيُفْتَحُ أَيْ: أَظُنُّ (سَيْفَكَ هَذَا يَا فُلَانُ جَيِّدًا، أَرِنِي): بِكَسْرِ الرَّاءِ وَيَجُوزُ إِسْكَانُهَا وَاخْتِلَاسُهَا (أَنْظُرْ إِلَيْهِ) . بِالْجَزْمِ عَلَى جَوَابِ الْأَمْرِ (فَأَمْكَنَهُ) أَيْ: فَأَقْدَرَهُ وَمَكَّنَهُ (مِنْهُ) أَيْ: مِنَ السَّيْفِ حَتَّى أَخَذَهُ (فَضَرَبَهُ) أَيْ: بِهِ كَمَا فِي نُسْخَةٍ (حَتَّى بَرَدَ) أَيْ: مَاتَ، وَالْمَعْنَى أَنَّهُ سَكَنَتْ مِنْهُ حَرَكَةُ الْحَيَاةِ وَحَرَارَتُهَا فَأَطْلَقَ اللَّازِمَ عَلَى الْمَلْزُومِ. قَالَ الْقَاضِي: يُقَالُ بَرَدَهُ فُلَانٌ إِذَا قَتَلَهُ عَلَى سَبِيلِ النِّكَايَةِ، فَإِنَّ الْبُرُودَةَ مِنْ تَوَابِعِ الْمَوْتِ وَلَوَازِمِهِ، وَمِنْهُ السُّيُوفُ الْبَوَارِدُ (وَفَرَّ الْآخَرُ) أَيْ: هَرَبَ (مِنْهُ حَتَّى أَتَى الْمَدِينَةَ، فَدَخَلَ الْمَسْجِدَ يَعْدُو) أَيْ: يَجْرِي مِنْ خَوْفِ الْقَتْلِ (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: لَقَدْ رَأَى هَذَا ذُعْرًا): بِضَمِّ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ أَيْ: خَوْفًا ذَكَرَهُ بَعْضُ الشُّرَّاحِ، أَوْ مَا خَافَ مِنْهُ ذَكَرُهُ الطِّيبِيُّ، وَفِي الْقَامُوسِ: الذُّعْرُ بِالضَّمِّ الْخَوْفُ، وَبِالْفَتْحِ التَّخْوِيفُ وَبِالتَّحْرِيكِ الدَّهِشُ وَكَصُرَدٍ الْأَمْرُ الْمَخُوفُ اهـ. وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْكُلَّ يَصْلُحُ هُنَا، لَكِنَّ النُّسَخَ عَلَى الضَّمِّ (فَقَالَ: قُتِلَ): بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ (وَاللَّهِ صَاحِبِي، وَإِنِّي لَمَقْتُولٌ) . أَيْ: وَإِنِّي لِأَخَافَ الْقَتْلَ، أَوْ دَنَوْتُ مِنْ أَنْ يَقْتُلَنِي (فَجَاءَ أَبُو بَصِيرٍ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: وَيْلَ أُمِّهِ): بِالنَّصْبِ عَلَى الْمَصْدَرِ وَفِي نُسْخَةٍ بِالرَّفْعِ عَلَى الِابْتِدَاءِ وَالْخَبَرُ مَحْذُوفٌ، وَمَعْنَاهُ الْحُزْنُ وَالْمَشَقَّةُ وَالْهَلَاكُ وَقَدْ يَرِدُ بِمَعْنَى التَّعَجُّبِ وَهُوَ الْمُرَادُ هُنَا عَلَى مَا فِي النِّهَايَةِ فَإِنَّهُ ﷺ تَعَجَّبَ مِنْ حُسْنِ نَهْضَتِهِ لِلْحَرْبِ وَجَوْدَةِ مُعَالَجَتِهِ لَهَا مَعَ مَا فِيهِ خُلَاصَةً مِنْ أَيْدِي الْعَدُوِّ (مِسْعَرَ حَرْبٍ): بِكَسْرِ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْعَيْنِ وَهُوَ مَنْصُوبٌ وَيُرْفَعُ أَيْ: هُوَ مَنْ يُحْمِي الْحَرْبَ وَيُهَيِّجُ الْقِتَالَ (لَوْ كَانَ لَهُ) أَيْ: لِأَبِي بَصِيرٍ (أَحَدٌ) . أَيْ: صَاحِبٌ يَنْصُرُهُ وَيُعِينُهُ، وَقِيلَ مَعْنَاهُ لَوْ كَانَ لَهُ أَحَدٌ يَعْرِفُهُ أَنَّهُ لَا يَرْجِعُ إِلَيَّ حَتَّى لَا أَرُدَّهُ إِلَيْهِمْ وَهَذَا أَنْسَبُ بِسِيَاقِ الْحَدِيثِ، وَأَصْلُ الْمِسْعَرِ وَالْمِسْعَارِ مَا يُحَرَّكُ بِهِ النَّارُ مِنْ آلَةِ الْحَدِيدِ يُقَالُ: سَعَّرْتُ النَّارَ وَالْحَرْبَ إِذَا أَوْقَدَتُهَا يَصِفُهُ بِالْمُبَالَغَةِ فِي الْحَرْبِ وَالنَّجْدَةِ. قَالَ الْقَاضِي: لَمَّا شَبَّهَ الْحَرْبَ بِالنَّارِ مَثَّلَ الَّذِي يُهَيِّجُهُ بِمِسْعَرِ التَّنُّورِ اهـ. وَمِنْهُ قَوْلُهُ ﷺ: (حَمِيَ الْوَطِيسُ) أَيِ: التَّنُّورُ، وَقِيلَ: هِيَ حِجَارَةٌ مُدَوَّرَةٌ إِذَا حَمِيَتْ لَا يَقْدِرُ أَحَدٌ أَنْ يَطَأَهَا، وَحَمِيَ الْوَطِيسُ كِنَايَةٌ عَنِ اشْتِبَاكِ الْحَرْبِ وَقِيَامِهَا عَلَى سَاقٍ، وَهُوَ مِنْ فَصِيحِ الْكَلَامِ، وَلَمْ يُسْمَعْ مِنْ أَحَدٍ قَبْلَ النَّبِيِّ ﷺ، ذَكَرَهُ فِي النِّهَايَةِ.
(فَلَمَّا سَمِعَ) أَيْ: أَبُو بَصِيرٍ (ذَلِكَ) أَيِ: الْكَلَامَ الْمَذْكُورَ (عَرَفَ أَنَّهُ سَيَرُدُّهُ إِلَيْهِمْ)، قَالَ الْقَاضِي: إِنَّمَا عَرَفَ ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِ: مِسْعَرَ حَرْبٍ لَوْ كَانَ مَعَهُ أَحَدٌ، فَإِنَّهُ شَعَرَ بِأَنَّهُ لَا يُؤْوِيهِ وَلَا يُعِينُهُ، وَإِنَّمَا خَلَاصُهُ عَنْهُمْ بِأَنْ يَسْتَظْهِرَ بِمَنْ يُعِينُهُ عَلَى مُحَارَبَتِهِمْ (فَخَرَجَ حَتَّى أَتَى سِيفَ الْبَحْرِ) بِكَسْرِ السِّينِ وَسُكُونِ الْيَاءِ أَيْ: سَاحِلُهُ وَالْإِضَافَةُ لِمُجَرَّدِ الْبَيَانِ، فَإِنَّ السِّيفَ سَاحِلُ الْبَحْرِ، أَوْ مَحْمُولٌ عَلَى التَّجْرِيدِ (قَالَ) أَيِ: الرَّاوِي (وَانْفَلَتَ) أَيْ: تَخَلَّصَ مِنْ أَيْدِي الْمُشْرِكِينَ (أَبُو جَنْدَلِ بْنُ سُهَيْلٍ) أَيْ: ابْنُ عَمْرٍو الْقُرَشِيُّ، وَكَانَ أَسْلَمَ بِمَكَّةَ وَوَضَعَهُ أَبُوهُ فِي الْقَيْدِ، فَخَرَجَ أَوَّلًا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ بِالْحُدَيْبِيَةِ فَرَدَّهُ إِلَيْهِمْ كَمَا سَيَأْتِي فَخَرَجَ ثَانِيًا، (فَلَحِقَ بِأَبِي بَصِيرٍ)، لَمَّا عَرَفَ أَنَّ النَّبِيَّ يَرُدُّهُ إِلَيْهِمْ (فَجَعَلَ) أَيْ: شَرَعَ وَطَفِقَ (لَا يَخْرُجُ مِنْ قُرَيْشٍ رَجُلٌ قَدْ أَسْلَمَ) أَيْ: سَابِقًا، أَوْ لَاحِقًا (إِلَّا لَحِقَ بِأَبِي بَصِيرٍ)، تَحْقِيقًا لِتَمْكِينِهِ ﷺ بِقَوْلِهِ لَوْ كَانَ لَهُ أَحَدٌ (حَتَّى اجْتَمَعَتْ مِنْهُمْ عِصَابَةٌ) بِكَسْرِ أَوَّلِهِ أَيْ: جَمَاعَةٌ قَوِيَّةٌ.
[ ٦ / ٢٦١٨ ]
(فَوَاللَّهِ مَا يَسْمَعُونَ) أَيِ: الْعِصَابَةُ (بِعِيرٍ): بِكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ عَلَى أَنَّهَا حَرْفُ جَرٍّ وَبِكَسْرِ الْعَيْنِ قَالَ الطِّيبِيُّ: الْعِيرُ: يُقَالُ لِلْإِبِلِ بِأَحْمَالِهَا، وَالْمَعْنَى بِقَافِلَةٍ (خَرَجَتْ لِقُرَيْشٍ إِلَى الشَّامِ إِلَّا اعْتَرَضُوا لَهَا) أَيْ: تَعَرَّضُوا وَاسْتَقَلُّوا أَهْلَهَا بِالْمُحَارَبَةِ (فَقَتَلُوهُمْ) أَيْ: أَهْلَ الْقَافِلَةِ (وَأَخَذُوا أَمْوَالَهُمْ): لَمَّا أُخِذُوا بِالْمَوْتِ رَضُوا بِالْحُمَّى (فَأَرْسَلَتْ قُرَيْشٌ) مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ (إِلَى النَّبِيِّ ﷺ تُنَاشِدُهُ اللَّهَ وَالرَّحِمَ): مَنْصُوبَانِ بِنَزْعِ الْخَافِضِ أَيْ: تُقْسِمُ قُرَيْشٌ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَبِالرَّحِمِ يَعْنِي: بِالْقَرَابَةِ الَّتِي بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ (لَمَّا): بِتَشْدِيدِ الْمِيمِ بِمَعْنَى إِلَّا (أَرْسَلَ إِلَيْهِمْ) أَيْ: لَا يُعَامِلُهُمْ بِشَيْءٍ إِلَّا إِرْسَالَهُ إِلَى أَبِي بَصِيرٍ وَأَتْبَاعِهِ أَحَدًا، وَيَدْعُوهُمْ إِلَى الْمَدِينَة كَيْلَا يَتَعَرَّضُوا لَهُمْ فِي السَّبِيلِ (فَمَنْ أَتَاهُ) أَيْ: وَأَجَازُوا أَنَّ مَنْ أَتَى النَّبِيَّ ﷺ (فَهُوَ آمِنٌ)، وَفِي النِّهَايَةِ: نَشَدْتُكَ اللَّهَ، وَأَنْشَدْتُكَ اللَّهَ، وَنَاشَدْتُكَ اللَّهَ وَبِاللَّهِ أَيْ: سَأَلْتُكَ وَأَقْسَمْتُ عَلَيْكَ وَتَعْدِيَتُهُ فِي مَفْعُولَيْنِ إِمَّا لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ دَعَوْتُ حَيْثُ قَالُوا: نَشَدْتُكَ اللَّهَ وَبِاللَّهِ؛ أَوْ لِأَنَّهُمْ ضَمَّنُوهُ مَعْنَى ذَكَرْتُ. وَقَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: الرِّوَايَةُ فِي لَمَّا بِالتَّشْدِيدِ، وَهِيَ فِي مَوْضِعِ إِلَّا كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ﴾ [الطارق: ٤] عَلَى قِرَاءَةِ مَنْ قَرَأَ بِالتَّشْدِيدِ وَالْعَرَبُ تَسْتَعْمِلُ هَذَا الْحَرْفَ فِي كَلَامِهِمْ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي فِي الْحَدِيثِ إِذَا أَرَادُوا الْمُبَالَغَةَ فِي الْمُطَالَبَةِ كَأَنَّهُمْ يَبْتَغُونَ مِنَ الْمَسْئُولِ أَنْ لَا يَهْتَمَّ إِلَّا بِذَلِكَ. قَالَ الطِّيبِيُّ: الْفَاءُ فِي قَوْلِهِ: فَمَنْ أَتَاهُ جَوَابُ شَرْطٍ مَحْذُوفٍ، وَالْمَعْنَى أَرْسَلَتْ قُرَيْشٌ مَا تَطْلُبُ مِنْهُ ﷺ شَيْئًا إِلَّا رَدَّهُمْ إِلَى الْمَدِينَة، فَإِذَا فَعَلْتَ ذَلِكَ فَمَنْ أَتَاهُ مِنْ مَكَّةَ مُسْلِمًا بَعْدُ فَهُوَ آمِنٌ مِنَ الرَّدِّ إِلَى قُرَيْشٍ، (فَأَرْسَلَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَيْهِمْ) . أَيْ: إِلَى أَبِي بَصِيرٍ وَأَصْحَابِهِ وَطَلَبَهُمْ إِلَى الْمَدِينَة. (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) .
[ ٦ / ٢٦١٩ ]
٤٠٤٣ - وَعَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ﵁، قَالَ: «صَالَحَ النَّبِيُّ ﷺ الْمُشْرِكِينَ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ: عَلَى أَنَّ مَنْ أَتَاهُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ رَدَّهُ إِلَيْهِمْ وَمَنْ أَتَاهُمْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ لَمْ يَرُدُّوهُ وَعَلَى أَنْ يَدْخُلَهَا مِنْ قَابَلٍ وَيُقِيمَ بِهَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، وَلَا يَدْخُلَهَا إِلَّا بِجُلُبَّانِ السِّلَاحِ وَالسَّيْفِ وَالْقَوْسِ وَنَحْوِهِ، فَجَاءَ أَبُو جَنْدَلٍ يَحْجِلُ فِي قُيُودِهِ، فَرَدَّهُ إِلَيْهِمْ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
_________________
(١) (وَعَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ: صَالَحَ النَّبِيُّ ﷺ الْمُشْرِكِينَ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ) أَيْ: خِصَالٍ، أَوْ شُرُوطٍ (عَلَى أَنَّ مَنْ أَتَاهُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) أَيْ: مُسْلِمًا (رَدَّهُ إِلَيْهِمْ، وَمَنْ أَتَاهُمْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ لَمْ يَرُدُّوهُ) أَيْ: إِلَيْهِ، وَهَذَا هُوَ الْأَوَّلُ (وَعَلَى أَنْ يَدْخُلَهَا مِنْ قَابَلٍ وَيُقِيمَ بِهَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ) أَيْ: وَعَلَى أَنْ لَا يَأْتِيَهُمْ فِي هَذَا الْعَامِ وَهَذَا هُوَ الثَّانِي. (وَلَا يَدْخُلَهَا) أَيْ: وَعَلَى أَنْ لَا يَدْخُلَهَا حِينَ يَدْخُلُهَا (إِلَّا بِجُلُبَّانِ السِّلَاحِ): بِضَمِّ الْجِيمِ وَاللَّامِ وَتَشْدِيدِ الْمُوَحَّدَةِ جِرَابٌ مِنْ أَدَمٍ يُوضَعُ فِيهِ السَّيْفُ مَغْمُودًا، وَيُطْرَحُ فِي السَّوْطِ وَالْآلَاتِ، فَيُعَلَّقُ مِنْ أَخِرَةِ الرَّحْلِ، وَيُرْوَى بِسُكُونِ اللَّامِ (وَالسَّيْفِ، وَالْقَوْسِ وَنَحْوِهِ) بَدَلٌ مِنَ السِّلَاحِ، وَالْمُرَادُ أَنْ تَكُونَ الْأَسْلِحَةُ فِي أَغْمَادِهَا بِلَا تَشْهِيرِ السِّلَاحِ، كَمَا فِي صُورَةِ الْقَهْرِ وَالْغَلَبَةِ، وَكَانَ مِنْ عَادَةِ الْعَرَبِ أَنْ لَا يُفَارِقَهُمْ فِي السِّلْمِ وَالْحَرْبِ. قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: الْمُرَادُ أَنَّهُمْ لَا يَدْخُلُونَ مَكَّةَ كَاشِفِينَ سِلَاحَهُمْ مُتَأَهِّبِينَ لِلْحَرْبِ، وَبِهَا شَرَطُوهُ لِيَكُونَ أَمَارَةً لِلسِّلْمِ فَلَا يُظَنُّ أَنَّهُمْ دَخَلُوهَا قَهْرًا، وَاشْتِرَاطُهُ هَذِهِ الشُّرُوطَ كَانَ لِضَعْفِ حَالِ الْمُسْلِمِينَ وَعَجْزِهِمْ عَنْ مُقَاوَمَةِ الْكُفَّارِ حِينَئِذٍ ظَاهِرٌ اهـ. وَتَبِعَ الْقَاضِي فِيهِ حَيْثُ قَالَ: شَرْطُ رَدِّ الْمُسْلِمِ إِلَى الْكُفَّارِ فَاسِدٌ يُفْسِدُ الصُّلْحَ إِلَّا إِذَا كَانَ بِالْمُسْلِمِينَ خَوَرٌ وَعَجْزٌ ظَاهِرٌ، وَلِذَلِكَ شَرَطَهُ ﷺ فِي صُلْحِ الْحُدَيْبِيَةِ اهـ. وَهُوَ خَطَأٌ ظَاهِرٌ إِذْ لَمْ يَكُنْ بِالْمُسْلِمِينَ ضَعْفٌ حِينَئِذٍ وَهُمْ قَرِيبُ أَلْفَيْنِ مِنْ شُجْعَانِ الْعَرَبِ، وَقَدْ غَلَبُوا وَهُمْ ثَلَاثُمِائَةٍ أَهْلَ مَكَّةَ بِبَدْرٍ، وَهُمْ أَلْفَانِ بَلْ إِنَّمَا كَانَ الصُّلْحُ لِكَوْنِهِمْ فِي الْإِحْرَامِ وَالْحَرَمِ، وَلَمْ يُؤْذَنُوا بِالْقِتَالِ فِيهِ، وَلِمَا رَأَى ﷺ فِيهِ مِنَ الْحِكَمِ وَالْمَصَالِحِ الْآتِي بَعْضُهَا، وَمِنْهَا قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الفتح: ٢٥] الْآيَاتِ، هَذَا وَقَدْ قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: وَلَوْ حَاصَرَ الْعَدُوُّ الْمُسْلِمِينَ وَطَلَبُوا الْمُوَادَعَةَ عَلَى مَالٍ يَدْفَعُهُ الْمُسْلِمُونَ إِلَيْهِمْ لَا يَفْعَلُهُ الْإِمَامُ لِمَا فِيهِ مِنْ إِعْطَاءِ الدَّنِيَّةِ أَيِ: النَّقِيصَةِ، وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ عُمَرَ لِأَبِي بَكْرٍ ﵄ فِي الْحُدَيْبِيَةِ، وَكَانَ مُتَجَانِفًا عَنِ الصُّلْحِ: أَلَيْسَ بِرَسُولِ اللَّهِ؟ قَالَ أَبُو بَكْرٍ: بَلَى، قَالَ: أَوَلَسْنَا بِالْمُسْلِمِينَ؟ قَالَ؟ بَلَى، قَالَ: أَوَلَيْسُوا بِالْمُشْرِكِينَ؟ قَالَ: فَعَلَامَ نُعْطِي الدَّنِيَّةَ فِي دِينِنَا؟ فَقَالَ لَهُ أَبُو بَكْرٍ ﵁: الْزَمْ غَرْزَهُ فَإِنِّي أَشْهَدُ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ عُمَرُ ﵁: وَأَنَا أَشْهَدُ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ ذَكَرَهُ ابْنُ إِسْحَاقَ ﵁ فِي السِّيَرِ. وَفِي الْحَدِيثِ: لَيْسَ لِلْمُؤْمِنِ أَنْ يُذِلَّ نَفْسَهُ، فَالْعِزَّةُ خَاصِّيَّةُ الْإِيمَانِ
[ ٦ / ٢٦١٩ ]
قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون: ٨] إِلَّا إِذَا خَافَ الْإِمَامُ الْهَلَاكَ عَلَى نَفْسِهِ وَالْمُسْلِمِينَ، فَلَا بَأْسَ ; لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا اشْتَدَّ عَلَى النَّاسِ الْبَلَاءُ فِي وَقْعَةِ الْخَنْدَقِ أَرْسَلَ إِلَى عُيَيْنَةَ بْنِ حِصْنٍ الْفَزَارِيِّ، وَالْحَارِثِ بْنِ عَوْفِ بْنِ أَبِي حَارِثَةَ الْمُزَنِيِّ، وَهُمَا قَائِدَا غَطَفَانَ وَأَعْطَاهُمَا ثُلُثَيْ ثِمَارِ الْمَدِينَةِ عَلَى أَنْ يَرْجِعُوا بِمَنْ مَعَهُمَا، فَجَرَى بَيْنَهُمَا الصُّلْحُ حَتَّى كَتَبُوا الْكِتَابَ وَلَمْ تَقَعِ الشَّهَادَةُ وَلَا عَزِيمَةُ الصُّلْحِ فَلَمَّا أَرَادَ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَفْعَلَ بَعَثَ إِلَى سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ وَسَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ. فَذَكَرَ لَهُمَا ذَلِكَ، فَاسْتَشَارَهُمَا فِيهِ فَقَالَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَمْرًا تُحِبُّهُ فَتَصْنَعَهُ أَمْ شَيْئًا أَمَرَكَ اللَّهُ بِهِ لَا بُدَّ مِنَ الْعَمَلِ بِهِ، أَمْ شَيْئًا تَصْنَعَهُ لَنَا؟ قَالَ: (بَلْ أَصْنَعُهُ لَكُمْ، وَاللَّهِ مَا أَصْنَعُ ذَلِكَ إِلَّا لِأَنِّي رَأَيْتُ الْعَرَبَ قَدْ رَمَتْكُمْ عَنْ قَوْسٍ وَاحِدٍ، وَكَالَبُوكُمْ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ فَأَرَدْتُ أَنْ أَكْسِرَ عَنْكُمْ مِنْ شَوْكَتِهِمْ إِلَى أَمْرٍ مَا) . فَقَالَ لَهُ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ كُنَّا وَنَحْنُ وَهَؤُلَاءِ عَلَى الشِّرْكِ بِاللَّهِ وَعِبَادَةِ الْأَوْثَانِ لَا نَعْبُدُ اللَّهَ وَلَا نَعْرِفُهُ، وَهُمْ لَا يَطْمَعُونَ أَنْ يَأْكُلُوا مِنْهَا ثَمَرَةً إِلَّا شِرَاءً أَوْ بَيْعًا فَحِينَ كَرَّمَنَا اللَّهُ بِالْإِسْلَامِ وَهَدَانَا لَهُ وَعَزَّنَا بِكَ وَبِهِ نُعْطِيهِمْ أَمْوَالَنَا مَا لَنَا بِهَذَا مِنْ حَاجَةٍ، وَاللَّهِ مَا نُعْطِيهِمْ إِلَّا السَّيْفَ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (فَأَنْتَ وَذَاكَ) فَتَنَاوَلَ سَعْدٌ الصَّحِيفَةَ فَمَحَا مَا فِيهَا مِنَ الْكِتَابَةِ، ثُمَّ قَالَ: لِيَجْهِدُوا عَلَيْنَا. قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ: حَدَّثَنِي بِهِ عَاصِمُ بْنُ عَمْرِو بْنِ قَتَادَةَ، وَمَنْ لَا أَتَّهِمُهُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سَلَمَةَ بْنِ عَبْد اللَّهِ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ الزُّهْرِيِّ اهـ.
وَقَدْ سَبَقَ لَهُ تَحْقِيقٌ مُنَاسِبٌ لِلْمَقَامِ أَيْضًا فَتَدَبَّرْ. وَأَغْرَبَ الطِّيبِيُّ حَيْثُ قَالَ قَوْلُهُ: لَمْ يَرُدُّوهُ. فَإِنْ قُلْتَ: كَيْفَ أَتَى الْجَزَاءُ هُنَا بِلَفْظِ الْمُضَارِعِ، وَفِيمَا سَبَقَ بِلَفْظِ الْمَاضِي، وَمَا فَائِدَتُهُ عِنْدَ عُلَمَاءِ الْمَعَانِي؟ قُلْتُ: اهْتِمَامُهُمْ بِشَأْنِ رَدِّ الْمُسْلِمِينَ مَنْ أَتَاهُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ أَشَدُّ وَأَوْلَى مِنْ رَدِّهِمُ الْمُسْلِمِينَ إِلَيْهِمُ اهـ. وَوَجْهُ غَرَابَتِهِ أَنَّ قَوْلَهُ: لَمْ يَرُدُّوهُ مَاضٍ مَعْنًى، وَإِنْ كَانَ لَفْظُهُ مُضَارِعًا، كَمَا هُوَ مُقَرَّرٌ فِي مَحَلِّهِ فَلَا فَرْقَ بَيْنَ لَمْ يَرُدُّوا وَبَيْنَ مَا رَدُّوهُ فِي الْمَعْنَى، وَالْعِبْرَةُ بِالْمَعْنَى عِنْدَ أَرْبَابِ الْمَعَانِي مَعَ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا بَعْدَ دُخُولِ حِرَفِ الْجَزَاءِ يَصِيرُ مُضَارِعًا فِي الْمَعْنَى.
(فَجَاءَ أَبُو جَنْدَلٍ) أَيِ: ابْنُ سُهَيْلِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَبْد شَمْسِ بْنِ عَبْد وُدٍّ، أَسْلَمَ بِمَكَّةَ، فَقَيَّدَهُ الْمُشْرِكُونَ فَانْفَلَتَ مِنْهُمْ مَعَ قَيْدِهِ (يَحْجِلُ): بِسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ وَضَمِّ الْجِيمِ أَيْ: يَمْشِي (فِي قُيُودِهِ): عَلَى دِينِهِ كَمَا يَمْشِي الْغُرَابُ، وَالْحَجْلُ مَشْيُ الْغُرَابِ (فَرَدَّهُ إِلَيْهِمْ) أَيْ: مُحَافَظَةً لِلْعَهْدِ وَمُرَاعَاةً لِلشَّرْطِ. قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: فَصَارَ يُنَادِي: يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ أُرَدُّ إِلَى الْمُشْرِكِينَ يَفْتِنُونَنِي عَنْ دِينِي فَقَالَ لَهُ ﵇ اصْبِرْ أَبَا جَنْدَلٍ وَاحْتَسِبْ فَإِنَّ اللَّهَ جَاعِلٌ لَكَ وَلِلْمُسْتَضْعَفِينَ فَرَجًا وَمَخْرَجًا (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) . قَالَ صَاحِبُ الْمَوَاهِبِ: وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ: فَبَيْنَا هُمْ كَذَلِكَ دَخَلَ أَبُو جَنْدَلِ بْنُ سُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو يَرْسُفُ فِي قُيُودِهِ قَدْ خَرَجَ مِنْ أَسْفَلِ مَكَّةَ حَتَّى رَمَى بِنَفْسِهِ بَيْنَ أَظْهُرِ الْمُسْلِمِينَ فَقَالَ سُهَيْلٌ: هَذَا يَا مُحَمَّدُ أَوَّلُ مَا أُقَاضِيكَ عَلَيْهِ أَنْ تَرُدَّهُ إِلَيَّ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: (إِنَّا لَمْ نَقْضِ الْكِتَابَ بَعْدُ) أَيْ: لَمْ نَفْرَغْ. قَالَ: فَوَاللَّهِ إِذًا لَا أُصَالِحُكَ عَلَى شَيْءٍ أَبَدًا. قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: (فَأَجِزْهُ لِي) قَالَ: مَا أَنَا بِمُجِيزٍ ذَلِكَ. قَالَ: (بَلَى فَافْعَلْ) . قَالَ: مَا أَنَا بِفَاعِلٍ. قَالَ مِكْرَزٌ: بَلَى قَدْ أَجَرْنَاهُ لَكَ. قَالَ أَبُو جَنْدَلٍ أَيْ: مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ أُرَدُّ إِلَى الْمُشْرِكِينَ، وَقَدْ جِئْتُ مُسْلِمًا أَلَا تَرَوْنَ مَا قَدْ لَقِيتُ، وَكَانَ قَدْ عُذِّبَ فِي اللَّهِ عَذَابًا شَدِيدًا. زَادَ ابْنُ إِسْحَاقَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: (يَا أَبَا جَنْدَلٍ اصْبِرْ وَاحْتَسِبْ فَإِنَّا لَا نَغْدِرُ وَإِنَّ اللَّهَ جَاعِلٌ لَكَ فَرَجًا وَمَخْرَجًا) . وَوَثَبَ عُمَرُ يَمْشِي إِلَى يَمِينِهِ وَيَقُولُ: اصْبِرْ فَإِنَّمَا هُمُ الْمُشْرِكُونَ وَدَمُ أَحَدِهِمْ كَدَمِ كَلْبٍ.
قَالَ الْخَطَّابِيُّ: تَأَوَّلَ الْعُلَمَاءُ مَا وَقَعَ فِي قِصَّةِ أَبِي جَنْدَلٍ عَلَى وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا: أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَبَاحَ التَّقِيَّةَ لِمُسْلِمٍ إِذَا خَافَ الْهَلَاكَ وَرَخَّصَ لَهُ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِالْكُفْرِ مَعَ إِضْمَارِ الْإِيمَانِ إِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ التَّوْرِيَةُ، فَلَمْ يَكُنْ رَدُّهُ إِسْلَامًا لِأَبِي جَنْدَلٍ إِلَى الْهَلَاكِ، مَعَ وُجُودِ السَّبِيلِ إِلَى الْخَلَاصِ مِنَ الْمَوْتِ بِالتَّقِيَّةِ. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُ رَدَّهُ إِلَى أَبِيهِ، وَالْغَالِبُ أَنَّ أَبَاهُ لَا يَبْلُغُ بِهِ إِلَى الْهَلَاكِ، وَإِنْ عَذَّبَهُ، أَوْ سَجَنَهُ، فَلَهُ مَنْدُوحَةٌ بِالتَّقِيَّةِ أَيْضًا، وَأَمَّا مَا يُخَافُ عَلَيْهِ مِنَ الْفِتْنَةِ فَإِنَّ ذَلِكَ امْتِحَانٌ مِنَ اللَّهِ يَبْتَلِي بِهِ خَيْرَ عِبَادِهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ.
[ ٦ / ٢٦٢٠ ]
٤٠٤٤ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁: أَنَّ قُرَيْشًا صَالَحُوا النَّبِيَّ ﷺ فَاشْتَرَطُوا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ أَنَّ مَنْ جَاءَنَا مِنْكُمْ لَمْ نَرُدَّهُ عَلَيْكُمْ، وَمَنْ جَاءَكُمْ مِنَّا رَدَدْتُمُوهُ عَلَيْنَا فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنَكْتُبُ هَذَا؟ قَالَ: («نَعَمْ إِنَّهُ مَنْ ذَهَبَ مِنَّا فَأَبْعَدَهُ اللَّهُ، وَمَنْ جَاءَنَا مِنْهُمْ سَيَجْعَلُ اللَّهُ لَهُ فَرَجًا وَمَخْرَجًا») . رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
_________________
(١) (وَعَنْ أَنَسٍ ﵁، أَنَّ قُرَيْشًا صَالَحُوا النَّبِيَّ ﷺ، فَاشْتَرَطُوا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ أَنَّ مَنْ جَاءَنَا مِنْكُمْ لَمْ نَرُدَّهُ): بِضَمِّ الدَّالِّ وَبِفَتْحٍ (عَلَيْكُمْ، وَمَنْ جَاءَكُمْ مِنَّا رَدَدْتُمُوهُ عَلَيْنَا): قَالَ الطِّيبِيُّ: حِكَايَةُ مَا تَلَفَّظُوا بِهِ وَاشْتَرَطُوا عَلَيْهِ (فَقَالُوا) أَيِ: الصَّحَابَةُ اسْتِبْعَادًا لِهَذَا الشَّرْطِ كَمَا سَبَقَ. وَسَيَأْتِي تَفْصِيلُهُ. (يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنَكْتُبُ) أَيْ: نَحْنُ (هَذَا)؟ أَيِ: الشَّرْطَ الْمَذْكُورَ (قَالَ: نَعَمْ إِنَّهُ) أَيِ: الشَّأْنُ (مَنْ ذَهَبَ مِنَّا إِلَيْهِمْ فَأَبْعَدَهُ اللَّهُ) أَيْ: مِنْ رَحْمَتِهِ بِأَنَّهُ مُرْتَدٌّ (وَمَنْ جَاءَنَا مِنْهُمْ) أَيْ: وَرَدَدْنَاهُ إِلَيْهِمْ (سَيَجْعَلُ اللَّهُ لَهُ فَرَجًا) أَيْ: خَلَاصًا (وَمَخْرَجًا): خُرُوجًا، وَالْمَعْنَى سَوْفَ يُخْرِجُهُ مِنْ أَيْدِيهِمْ. قَالَ الطِّيبِيُّ قَوْلُهُ: إِنَّهُ مَنْ ذَهَبَ إِلَخْ. بَيَانٌ لِنَعَمْ عَلَى الِاسْتِئْنَافِ وَهُوَ جَوَابٌ لِإِنْكَارِهِمْ فِي قَوْلِهِمْ: أَنَكْتُبُ؟ كَأَنَّهُمُ اسْتَبْعَدُوا هَذَا الشَّرْطَ فَرَفَعَ ﷺ: شُبْهَتَهُمْ. بِمَا ذَكَرَ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) . وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ. فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁: فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَقُلْتُ: أَلَسْتَ نَبِيَّ اللَّهِ حَقًّا؟ قَالَ: (بَلَى) . قَالَ: أَلَسْنًا عَلَى الْحَقِّ وَعَدُوُّنَا عَلَى الْبَاطِلِ؟ قَالَ: (بَلَى) . قَلْتُ فَلِمَ نُعْطِي الدَّنِيَّةَ فِي دِينِنَا إِذًا؟ قَالَ: («إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَلَسْتُ أَعْصِيهِ وَهُوَ نَاصِرِي») قُلْتُ: أَوَلَيْسَ كُنْتَ تُحَدِّثُنَا أَنَّا سَنَأْتِي الْبَيْتَ فَنَطُوفُ بِهِ؟ قَالَ: (بَلَى فَأَخْبَرْتُكَ أَنَّا نَأْتِيهِ الْعَامَ؟) قُلْتُ: لَا. قَالَ: (فَإِنَّكَ آتِيهِ وَتَطُوفُ بِهِ) . قَالَ: فَأَتَى أَبَا بَكْرٍ ﵁ فَقُلْتُ: يَا أَبَا بَكْرٍ أَلَيْسَ هَذَا نَبِيَّ اللَّهِ حَقًّا؟ قَالَ: بَلَى، قُلْتُ: أَلَسْنَا عَلَى الْحَقِّ وَعَدُوُّنَا عَلَى الْبَاطِلِ؟ قَالَ: بَلَى، قُلْتُ: فَلِمَ نُعْطِي الدَّنِيَّةَ فِي دِينِنَا إِذًا؟ قَالَ: أَيُّهَا الرَّجُلُ إِنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَلَيْسَ يَعْصِي رَبَّهُ، وَهُوَ نَاصِرُهُ، فَاسْتَمْسِكْ بِغَرْزِهِ، فَوَاللَّهِ إِنَّهُ الْحَقُّ. قُلْتُ: أَوَلَيْسَ كَانَ يُحَدِّثُنَا أَنَّا سَنَأْتِي الْبَيْتَ فَنَطُوفُ بِهِ؟ قَالَ: بَلَى أَفَأَخْبَرَكَ أَنَّا نَأْتِيهِ الْعَامَ؟ قُلْتُ: لَا، قَالَ: إِنَّكَ آتِيهِ فَمُطَوِّفٌ بِهِ. قَالَ الْعُلَمَاءُ لَمْ يَكُنْ سُؤَالُ عُمَرَ ﵁ وَكَلَامُهُ الْمَذْكُورُ شَكًّا، بَلْ طَلَبًا لِكَشْفِ مَا خَفِيَ، وَحَثًّا عَلَى إِذْلَالِهِ لِلْكُفَّارِ وَظُهُورِ الْإِسْلَامِ، كَمَا عُرِفَ فِي خُلُقِهِ وَقْتَهُ فِي نُصْرَةِ الدِّينِ، وَإِذْلَالِ الْمُبْطِلِينَ. وَأَمَّا جَوَابُ أَبِي بَكْرٍ لِعُمَرَ ﵄ بِمِثْلِ جَوَابِ النَّبِيِّ ﷺ فَهُوَ مِنَ الدَّلَائِلِ الظَّاهِرَةِ عَلَى عِظَمِ فَضْلِهِ، وَبَارِعِ عِلْمِهِ، وَزِيَادَةِ عِرْفَانِهِ، وَرُسُوخِهِ وَزِيَادَتِهِ فِي كُلِّ ذَلِكَ عَلَى غَيْرِهِ، كَذَا فِي الْمَوَاهِبِ وَفِيهِ إِشْكَالٌ لَا يَخْفَى، وَهُوَ أَنَّ عُمَرَ سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ وَعَرَفَ جَوَابَهُ مُفَصَّلًا، وَمِنْ جُمْلَتِهِ قَوْلُهُ: إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ وَلَسْتُ أَعْصِيهِ وَهُوَ نَاصِرِي فَكَيْفَ يَسُوغُ لَهُ إِعَادَةُ ذَلِكَ عِنْدَ أَبِي بَكْرٍ، اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يُقَالَ: أَرَادَ امْتِحَان مَا عِنْدَ الصِّدِّيقِ مِنَ التَّحْقِيقِ وَاللَّهُ وَلِيُّ التَّوْفِيقِ. هَذَا وَفِي كَلَامِهِ ﷺ: إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ وَلَسْتُ أَعْصِيهِ دَلِيلٌ وَاضِحٌ أَنَّ الصُّلْحَ مَا وَقَعَ لِضَعْفِ الْمُسْلِمِينَ، بَلْ لِأَمْرٍ مِنَ اللَّهِ حَقِيقَةً بِوَحْيٍ، أَوْ بِإِشَارَةٍ، كَمَا سَبَقَ مِنْ قَوْلِهِ ﷺ: (حَبَسَهَا حَابِسُ الْفِيلِ)، أَوْ بِإِلْهَامِ اسْتِنْبَاطٍ لَمَّا رَأَى الْمَصْلَحَةَ الْمُتَرَتِّبَةَ عَلَى إِتْمَامِ هَذَا الصُّلْحِ، وَمَا ظَهَرَ مِنْ ثَمَرَاتِهِ الْبَاهِرَةِ، وَفَوَائِدِهِ الْمُتَظَاهِرَةِ الَّتِي كَانَ أَوَّلُهَا فَتَحَ خَيْبَرَ وَتَقَوِّي الْمُسْلِمِينَ بِالْكُرَاعِ وَالسِّلَاحِ، عَاقِبَتُهَا فَتْحُ مَكَّةَ وَإِسْلَامُ أَهْلِهَا كُلِّهِمْ، وَدُخُولُ النَّاسِ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ قَبْلَ الصُّلْحِ لَمْ يَكُونُوا يَخْتَلِطُونَ بِالْمُسْلِمِينَ وَلَا تَتَظَاهَرُ عِنْدَهُمْ أُمُورُ النَّبِيِّ ﷺ كَمَا هِيَ، وَلَا يَخْتَلِطُونَ بِمَنْ يُعْلِمُهُمْ بِهَا مُفَصَّلَةً فَلَمَّا حَصَلَ صُلْحُ الْحُدَيْبِيَةِ اخْتَلَطُوا بِالْمُسْلِمِينَ، وَجَاءُوا إِلَى الْمَدِينَة وَذَهَبَ الْمُسْلِمُونَ إِلَى مَكَّةَ، وَخَلَوْا بِأَهْلِهِمْ وَبِأَصْدِقَائِهِمْ وَغَيْرِهِمْ مِمَّنْ يَسْتَنْصِحُونَهُ، وَسَمِعُوا مِنْهُمْ أَحْوَالَ النَّبِيِّ ﷺ، وَمُعْجِزَاتِهِ الظَّاهِرَةَ، وَأَعْلَامَ نُبُوَّتِهِ الْمُتَظَاهِرَةِ، وَحُسْنَ سِيرَتِهِ وَجَمِيلَ طَرِيقَتِهِ وَعَايَنُوا بِأَنْفُسِهِمْ كَثِيرًا مِنْ ذَلِكَ، فَمَالَتْ نُفُوسُهُمْ إِلَى الْإِيمَانِ، حَتَّى بَادَرَ خَلْقٌ مِنْهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ قَبْلَ فَتْحِ مَكَّةَ، فَأَسْلَمُوا بَيْنَ صُلْحِ الْحُدَيْبِيَةِ وَفَتْحِ مَكَّةَ، وَازْدَادَ الْآخَرُونَ مَيْلًا إِلَى الْإِسْلَامِ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الْفَتْحِ أَسْلَمُوا كُلُّهُمْ لِمَا كَانَ قَدْ تَمَهَّدَ لَهُمْ مِنَ الْمَيْلِ، وَكَانَتِ الْعَرَبُ غَيْرَ قُرَيْشٍ فِي الْبَوَادِي يَنْتَظِرُونَ بِإِسْلَامِهِمْ إِسْلَامَ قُرَيْشٍ، فَلَمَّا أَسْلَمَتْ قُرَيْشٌ أَسْلَمَتِ الْعَرَبُ فِي الْبَوَادِي. قَالَ تَعَالَى: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ - وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا﴾ [النصر: ١ - ٢] فَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ.
[ ٦ / ٢٦٢١ ]
وَفِي الْمَوَاهِبِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ هَلْ يَجُوزُ الصُّلْحُ مَعَ الْمُشْرِكِينَ عَلَى أَنْ يَرُدَّ إِلَيْهِمْ مَنْ جَاءَ مُسْلِمًا مِنْ عِنْدِهِمْ أَمْ لَا. فَقِيلَ؟ نَعَمْ عَلَى مَا دَلَّتْ عَلَيْهِ قِصَّةُ أَبِي جَنْدَلٍ وَأَبِي بَصِيرٍ، وَقِيلَ: لَا، وَأَنَّ الَّذِي وَقَعَ فِي الْقِصَّةِ مَنْسُوخٌ، وَأَنَّ نَاسِخَهُ حَدِيثُ: «أَنَا بَرِيءٌ مِنْ مُسْلِمٍ بَيْنَ مُشْرِكِينَ»، وَهُوَ قَوْلُ الْحَنَفِيَّةِ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ يُفْصَلُ بَيْنَ الْعَاقِلِ وَالْمَجْنُونِ وَالصَّبِيِّ فَلَا يُرَدَّانِ. وَقَالَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ: ضَابِطُ جَوَازِ الرَّدِّ أَنْ يَكُونَ الْمُسْلِمُ بِحَيْثُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْهِجْرَةُ مِنْ دَارِ الْحَرْبِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَالَهُ فِي فَتْحِ الْبَارِي.
وَقَالَ ابْنُ مَكِّيِّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ الْقَيْرَوَانِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ: وَبَعَثَ ﵇ بِالْكِتَابِ إِلَيْهِمْ مَعَ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ ﵁، وَأَمْسَكَ سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو عِنْدَهُ، فَأَمْسَكَ الْمُشْرِكُونَ عُثْمَانَ فَغَضِبَ الْمُسْلِمُونَ. وَقَالَ مُغْلَطَايْ: فَاحْتَبَسَتْهُ قُرَيْشٌ عِنْدَهُمْ، فَبَلَغَ النَّبِيَّ ﷺ أَنَّ عُثْمَانَ قَدْ قُتِلَ، فَدَعَا النَّاسَ إِلَى بَيْعَةِ الرِّضْوَانِ تَحْتَ الشَّجَرَةِ عَلَى الْمَوْتِ، وَقِيلَ عَلَى أَنْ لَا يَفِرُّوا اهـ. وَوَضَعَ النَّبِيُّ ﷺ شِمَالَهُ فِي يَمِينِهِ وَقَالَ: هَذِهِ عَنْ عُثْمَانَ، وَفِي الْبُخَارِيِّ، فَقَالَ ﷺ بِيَدِهِ الْيُمْنَى: هَذِهِ بَيْعَةُ عُثْمَانَ فَضَرَبَ بِهَا عَلَى يَدَيْهِ. الْحَدِيثَ. وَلَمَّا سَمِعَ الْمُشْرِكُونَ بِهَذِهِ الْبَيْعَةِ خَافُوا وَبَعَثُوا بِعُثْمَانَ وَجَمَاعَةٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَفِي هَذِهِ الْبَيْعَةُ نَزَلَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح: ١٠] وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الفتح: ١٨] وَأَقَامَ ﷺ بِالْحُدَيْبِيَةِ بِضْعَةَ عَشَرَ يَوْمًا، وَقِيلَ عِشْرِينَ يَوْمًا، ثُمَّ قَفَلَ فِي نُفُوسِ بَعْضِهِمْ شَيْءٌ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى سُورَةَ الْفَتْحِ يُسَلِّيهِمْ وَيُذَكِّرُهُمْ نِعَمَهُ فَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ [الفتح: ١] وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَأَنَسٌ، وَالْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ ﵃: الْفَتْحُ هَنَا فَتْحُ الْحُدَيْبِيَةِ، وَوُقُوعُ الصُّلْحِ بَعْدَ أَنْ كَانَ الْمُنَافِقُونَ يَظُنُّونَ أَنْ لَا يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا أَيْ: حَسِبُوا أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ بَلْ كُلُّهُمْ يُقْتَلُونَ، وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ [الفتح: ١٨] فَالْمُرَادُ فَتْحُ خَيْبَرَ عَلَى الصَّحِيحِ ; لِأَنَّهَا وَقَعَتْ فِيهَا الْمَغَانِمُ الْكَثِيرَةُ لِلْمُسْلِمِينَ. وَقَدْ رَوَى أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ وَالْحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِ مُجَمِّعِ بْنِ جَارِيَةَ قَالَ: شَهِدْنَا الْحُدَيْبِيَةَ، فَلَمَّا انْصَرَفْنَا وَجَدْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَاقِفًا عِنْدَ كُرَاعِ الْغَمِيمِ وَقَدْ جَمَعَ النَّاسَ وَقَرَأَ عَلَيْهِمْ: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ [الفتح: ١] الْآيَةَ. فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَوَفَتْحٌ هُوَ؟ قَالَ: (إِي، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّهُ لَفَتْحٌ) . وَرَوَى سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ [الفتح: ١] الْحُدَيْبِيَةُ، وَغُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ، وَتَبَايَعُوا بَيْعَةَ الرِّضْوَانِ، وَأُطْعِمُوا نَخِيلَ خَيْبَرَ، وَظَهَرَتِ الرُّومُ عَلَى فَارِسَ، وَفَرِحَ الْمُسْلِمُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ، وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ [النصر: ١] وَقَوْلُهُ: («لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ») فَفَتْحُ مَكَّةَ بِاتِّفَاقٍ. قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ: فَبِهَذَا يَرْتَفِعُ الْإِشْكَالُ وَتَجْتَمِعُ الْأَقْوَالُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالْأَحْوَالِ اهـ.
وَقِصَّةُ فَتْحِ مَكَّةَ مَشْهُورَةٌ، وَفِي كُتُبِ السِّيَرِ وَالْمَغَازِي مَسْطُورَةٌ، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي أَنَّهَا فُتِحَتْ عَنْوَةً، أَوْ صُلْحًا، وَالصَّحِيحُ هُوَ الْأَوَّلُ لِمَا فِي مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، أَنَّهُ ذَكَرَ فَتْحَ مَكَّةَ فَقَالَ: أَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى دَخَلَ مَكَّةَ، فَبَعَثَ الزُّبَيْرُ عَلَى إِحْدَى الْمُجَنِّبَتَيْنِ وَبَعَثَ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ عَلَى الْمُجَنِّبَةِ الْأُخْرَى، وَبَعَثَ أَبَا عُبَيْدَةَ عَلَى الْجَيْشِ، وَأَخَذُوا مِنْ بَطْنِ الْوَادِي، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي كَتِيبَةٍ أَيْ: قِطْعَةٍ عَظِيمَةٍ مِنَ الْجَيْشِ قَالَ: فَنَظَرَ إِلَيَّ فَقَالَ: (يَا أَبَا هُرَيْرَةَ) قُلْتُ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: («اهْتِفْ لِي بِالْأَنْصَارِ فَلَا يَأْتِينِي إِلَّا أَنْصَارِيٌّ») . فَهَتَفْتُ بِهِمْ فَجَاءُوا، فَأَطَافُوا بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَوَبَّشَتْ قُرَيْشٌ أَوْبَاشَهَا فَقَالَ لَهُمْ: («أَلَا تَرَوْنَ أَوْبَاشَ قُرَيْشٍ وَأَتْبَاعَهُمْ»؟)، ثُمَّ قَالَ بِيَدِهِ فَضَرَبَ بِأَحَدِهِمَا عَلَى الْأُخْرَى وَقَالَ: («احْصُدُوهُمْ حَصْدًا حَتَّى تُوَافُونِي عَلَى الصَّفَا») فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: فَانْطَلَقْنَا فَمَا شَاءَ مِنَّا أَحَدٌ أَنْ يَقْتُلَ مَا شَاءَ مِنْهُمْ إِلَّا قَتَلَهُ، الْحَدِيثَ بِطُولِهِ. وَقَدْ سَبَقَ فِي الْمَغَانِمِ زِيَادَةً عَلَى ذَلِكَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
[ ٦ / ٢٦٢٢ ]
٤٠٤٥ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ «فِي بَيْعَةِ النِّسَاءِ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَمْتَحِنُهُنَّ بِهَذِهِ الْآيَةِ ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ﴾ [الممتحنة: ١٢] فَمَنْ أَقَرَّتْ بِهَذَا الشَّرْطِ مِنْهُنَّ قَالَ لَهَا: (قَدْ بَايَعْتُكِ) كَلَامًا يُكَلِّمُهَا بِهِ، وَاللَّهِ مَا مَسَّتْ يَدُهُ يَدَ امْرَأَةٍ قَطُّ فِي الْمُبَايَعَةِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
_________________
(١) (وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ فِي بَيْعَةِ النِّسَاءِ) أَيْ: فِي سَبَبِهَا وَكَيْفِيَّتِهَا (إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَمْتَحِنُهُنَّ) أَيِ: الْمُؤْمِنَاتِ كُلَّهُنَّ، أَوِ الْوَارِدَاتِ مِنْ مَكَّةَ فِي صُلْحِ الْحُدَيْبِيَةِ وَهُوَ الظَّاهِرُ لِقَوْلِهِ: يَمْتَحِنُهُنَّ بِهَذِهِ الْآيَةِ، فَإِنَّهُ تَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ﴾ [الممتحنة: ١٠] الْآيَةَ.
[ ٦ / ٢٦٢٢ ]
قَالَ الْبَغَوِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ: وَكَانَتْ أُمُّ كُلْثُومٍ بِنْتُ عُقْبَةَ بْنِ أَبِي مَعِيطٍ، خَرَجَتْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمَئِذٍ وَهِيَ عَاتِقٌ، فَجَاءَ أَهْلُهَا يَسْأَلُونَ النَّبِيَّ ﷺ أَنْ يُرْجِعَهَا إِلَيْهِمْ، فَلَمْ يُرْجِعْهَا إِلَيْهِمْ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِنَّ: ﴿إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ﴾ [الممتحنة: ١٠] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ [الممتحنة: ١٠] قَالَ عُرْوَةُ: فَأَخْبَرَتْنِي عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَكَانَ يَمْتَحِنُهُنَّ بِهَذِهِ الْآيَةِ: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ﴾ [الممتحنة: ١٢] أَيْ: إِلَى آخِرِ الْآيَةِ وَهِيَ: ﴿عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الممتحنة: ١٢] (فَمَنْ أَقَرَّتْ بِهَذَا الشَّرْطِ مِنْهُنَّ) أَيْ: قَبِلَتْهُ بِمَجْمُوعِهِ وَقَرَّرَتْهُ وَالْبَاءُ زَائِدَةٌ (قَالَ لَهَا: (قَدْ بَايَعْتُكِ) بِكَسْرِ الْكَافِ (كَلَامًا): نُصِبَ عَلَى أَنَّهُ مَصْدَرُ قَالَ مِنْ غَيْرِ لَفْظِهِ (يُكَلِّمُهَا بِهِ)، اسْتِئْنَافٌ، أَوْ صِفَةٌ مُؤَكِّدَةٌ لِدَفْعِ تَوَهُّمِ التَّجَوُّزِ أَيْ: يُكَلِّمُ النَّبِيُّ ﷺ الْمَرْأَةَ الْمُقِرَّةَ بِذَلِكَ الْكَلَامِ وَيَعْقِدُهَا بِهِ، وَقِيلَ كَلَامًا نَصَبَهُ عَلَى الْحَالِ مِنْ مَفْعُولٍ قَالَ: وَالْحَاصِلُ لِأَنَّهَا تُرِيدُ أَنَّ مُبَايَعَتَهُ ﷺ النِّسَاءَ كَانَتْ بِالْكَلَامِ لَهُنَّ لَا بِوَضْعِ الْيَدِ فِي أَيْدِيهِنَّ وَلِذَا قَالَتْ: (وَاللَّهِ مَا مَسَّتْ يَدُهُ يَدَ امْرَأَةٍ قَطُّ فِي الْمُبَايَعَةِ) . احْتِرَازٌ مِنْ إِحْدَى نِسَائِهِ وَمَحَارِمِهِ فِي غَيْرِ حَالِ الْمُبَايَعَةِ. وَزَادَ الْبَغَوِيُّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْهَا مَا بَايَعَهُنَّ إِلَّا بِقَوْلِهِ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: أَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُعْتَمِرًا حَتَّى إِذَا كَانَ بِالْحُدَيْبِيَةِ صَالَحَهُ مُشْرِكُو مَكَّةَ عَلَى أَنَّ مَنْ أَتَاهُ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ رَدَّهُ إِلَيْهِمْ وَمَنْ أَتَى أَهْلَ مَكَّةَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: لَنْ يَرُدُّوهُ عَلَيْهِ، وَكَتَبُوا عَلَيْهِ كِتَابًا، وَخَتَمُوا عَلَيْهِ فَجَاءَتْ سُبَيْعَةُ بِنْتُ الْحَارِثِ الْأَسْلَمِيَّةُ مُسْلِمَةً بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنَ الْكِتَابِ، فَأَقْبَلَ زَوْجُهَا مُسَافِرٌ مِنْ بَنِي مَخْزُومٍ، وَقَالَ مُقَاتِلٌ: هُوَ صَيْفِيُّ بْنُ الْوَاهِبِ فِي طَلَبِهَا، وَكَانَ كَافِرًا فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ ارْدُدْ عَلَيَّ امْرَأَتِي فَإِنَّكَ قَدْ شَرَطْتَ أَنْ تَرُدَّ عَلَيْنَا مَنْ أَتَاكَ مِنَّا، وَهَذِهِ طِينَةُ الْكِتَابِ لَمْ تَجِفَّ بَعْدُ فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﷿: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ﴾ [الممتحنة: ١٠] أَيْ: مِنْ دَارِ السَّلَامِ (فَامْتَحِنُوهُنَّ) قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: امْتِحَانًا أَنْ تُسْتَحْلَفَ مَا خَرَجَتْ لِبُغْضِ زَوْجِهَا، وَلَا عِشْقًا لِرَجُلٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَلَا رَغْبَةً بِأَرْضٍ عَنْ أَرْضٍ، وَلَا لِحَدَثٍ أَحْدَثَتْ وَلَا الْتِمَاسَ الدُّنْيَا، وَلَا خَرَجَتْ إِلَّا حُبًّا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَرَغْبَةً فِي الْإِسْلَامِ، فَاسْتَحْلَفَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى ذَلِكَ، فَحَلَفَتْ فَلَمْ يَرُدَّهَا، وَأَعْطَى زَوْجَهَا مَهْرَهَا وَمَا أَنْفَقَ عَلَيْهَا، فَتَزَوَّجَهَا عُمَرُ ﵁ كَذَا فِي الْمَعَالِمِ.
[ ٦ / ٢٦٢٣ ]
الْفَصْلُ الثَّانِي
٤٠٤٦ - عَنِ الْمِسْوَرِ ﵁، وَمَرْوَانَ: أَنَّهُمُ اصْطَلَحُوا عَلَى وَضْعِ الْحَرْبِ عَشْرَ سِنِينَ يَأْمَنُ فِيهَا النَّاسُ، وَعَلَى أَنَّ بَيْنَنَا عَيْبَةً مَكْفُوفَةً، وَأَنَّهُ لَا إِسْلَالَ وَلَا إِغْلَالَ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
_________________
(١) الْفَصْلُ الثَّانِي
(٢) (عَنِ الْمِسْوَرِ، وَمَرْوَانَ ﵄: أَنَّهُمْ) أَيْ: أَهْلُ مَكَّةَ (اصْطَلَحُوا عَلَى وَضْعِ الْحَرْبِ عَشْرَ سِنِينَ يَأْمَنُ فِيهِنَّ النَّاسُ) أَيْ: بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ أَيْ: صَالَحُوا مَعَ الرَّسُولِ عَلَى تَرْكِ الْحَرْبِ هَذِهِ الْمُدَّةَ فَلَمَّا مَضَى بَعْدَ هَذَا الصُّلْحِ ثَلَاثَ سِنِينَ نَقَضُوا عَهْدَهُمْ بِإِعَانَتِهِمْ بَنِي بَكْرٍ عَلَى حَرْبِ خُزَاعَةَ حُلَفَاءِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَمُحَارِبُ حَلِيفِ الشَّخْصِ مُحَارِبٌ ذَلِكَ الشَّخْصَ كَذَا ذَكَرَهُ بَعْضُهُمْ وَقَالَ شَارِحٌ مِنْ عُلَمَائِنَا صَالَحُوا هَذِهِ الْمُدَّةَ، لَكِنِ الْمُشْرِكُونَ نَقَضُوهُ فِي السَّنَةِ الرَّابِعَةِ، فَغَزَاهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: وَقَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: يُسْتَدَلُّ بِنَبْذِ الْمُوَادَعَةِ الَّتِي كَانَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَهْلِ مَكَّةَ عَلَى أَنَّ الْمُعَاهِدِينَ إِذَا بَدَءُوا بِخِيَانَةٍ نُقَاتِلُهُمْ وَلَمْ نَنْبِذْ إِلَيْهِمْ إِذَا كَانَ بِاتِّفَاقِهِمْ ; لِأَنَّهُمْ صَارُوا نَاقِضِينَ لِلْعَهْدِ فَلَا حَاجَةَ إِلَى نَقْضِهِ، وَكَذَا إِذَا دَخَلَ عَلَى جَمَاعَةٍ مِنْهُمْ لَهُمْ مَنَعَةٌ وَقَاتَلُوا الْمُسْلِمِينَ عَلَانِيَةً يَكُونُ نَقْضًا فِي حَقِّهِمْ خَاصَّةً، فَيُقْتَلُونَ وَيُسْتَرَقُّونَ هُمْ وَمَنْ مَعَهُمْ مِنَ الذَّرَارِيِّ إِلَّا أَنْ يَكُونَ بِإِذْنِ مَلِكِهِمْ، فَيَكُونُ نَقْضًا فِي حَقِّ الْكُلِّ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ مَنَعَةٌ لَمْ يَكُنْ نَقْضًا لَا فِي حَقِّهِمْ وَلَا فِي حَقِّ غَيْرِهِمْ، وَإِنَّمَا قُلْنَا هَذَا ; لِأَنَّهُ ﷺ لَمْ يَبْدَأْ أَهْلَ
[ ٦ / ٢٦٢٣ ]
مَكَّةَ، بَلْ هُمْ بَدَءُوا بِالْغَدْرِ قَبْلَ مُضِيِّ الْمُدَّةِ فَقَاتَلَهُمْ وَلَمْ يَنْبِذْ إِلَيْهِمْ، بَلْ سَأَلَ اللَّهَ أَنْ يُعَمِّيَ عَلَيْهِمْ حَتَّى يَبْغَتَهُمْ، وَهَذَا هُوَ الْمَذْكُورُ لِجَمِيعِ أَصْحَابِ السِّيَرِ وَالْمَغَازِي، وَمَنْ تَلَقَّى الْقِصَّةَ وَرَوَاهَا كَمَا فِي حَدِيثِ ابْنِ إِسْحَاقَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ وَالْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ قَالَا: وَكَانَا فِي صُلْحِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَدَخَلَتْ بَنُو بَكْرٍ فِي عَقْدِ قُرَيْشٍ، فَمَكَثُوا فِي الْهُدْنَةِ نَحْوَ السَّبْعَةِ، أَوِ الثَمَانِيَةَ عَشَرَ شَهْرًا، ثُمَّ إِنَّ بَنِي بَكْرٍ الَّذِينَ دَخَلُوا فِي عَقْدِ قُرَيْشٍ وَثَبُوا عَلَى خُزَاعَةَ الَّذِينَ دَخَلُوا فِي عَقْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَيْلًا بِمَاءٍ لَهُمْ يُقَالُ لَهُ: الْوَثِيرُ قَرِيبٍ مِنْ مَكَّةَ، وَقَالَتْ قُرَيْشٌ: هَذَا لَيْلٌ وَلَا يَعْلَمُ بِنَا مُحَمَّدٌ، وَلَا يَرَانَا أَحَدٌ، فَأَعَانُوا بَنِي بَكْرٍ بِالسِّلَاحِ وَالْكُرَاعِ، وَقَاتَلُوا خُزَاعَةَ مَعَهُمْ، وَرَكِبَ عَمْرُو بْنُ سَالِمٍ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يُخْبِرُهُ الْخَبَرَ، فَلَمَّا قَدِمَ عَلَيْهِ أَنْشَدَهُ: لَاهُمَّ إِنِّي نَاشِدٌ مُحَمَّدًا حِلْفَ أَبِينَا وَأَبِيهِ الْأَتْلَدَا إِنَّ قُرَيْشًا أَخْلَفُوكَ الْمَوْعِدَا وَنَقَضُوا مِيثَاقَكَ الْمُؤَكَّدَا هُمْ بَيَّتُونَا بِالْوَثِيرِ هُجَّدًا فَقَتَلُونَا رُكَّعًا وَسُجَّدَا فَانْصُرْ رَسُولَ اللَّهِ نَصْرًا عُتَّدَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (نُصِرْتَ يَا عَمْرَو بْنَ سَالِمٍ) . ثُمَّ أَمَرَ النَّاسَ فَتَجَهَّزُوا، وَسَأَلَ اللَّهَ أَنْ يُعَمِّيَ عَلَى قُرَيْشٍ خَبَرَهُمْ حَتَّى يَبْغَتَهُمْ فِي بِلَادِهِمْ، وَذَكَرَ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ نَحْوَ هَذَا، وَأَنَّ أَبَا بَكْرٍ ﵁ قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: أَلَمْ يَكُنْ بَيْنَكَ وَبَيْنَهُمْ مُدَّةٌ؟ قَالَ: (أَلَمْ يَبْلُغْكَ مَا صَنَعُوا بِبَنِي كَعْبٍ)؟ وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ مَيْمُونَةَ، وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مُرْسَلًا عَنْ عُرْوَةَ، وَرَوَاهُ مُرْسَلًا عَنْ جَمَاعَةٍ عَنْ كَثِيرٍ فِي كِتَابِ الْمَغَازِي، وَفِيهِ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ ﵁: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَوَلَمْ يَكُنْ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ مُدَّةٌ؟ فَقَالَ: (إِنَّهُمْ غَدَرُوا وَنَقَضُوا الْعَهْدَ فَأَنَا غَازِيهِمْ) اهـ. كَلَامُ ابْنِ الْهُمَامِ.
وَفِي الْمَوَاهِبِ: كَانَ الصُّلْحُ بَيْنَهُمْ عَشْرَ سِنِينَ كَمَا فِي السِّيَرِ، وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ، وَلِأَبِي نُعَيْمٍ فِي مُسْنَدِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ: كَانَتْ أَرْبَعَ سِنِينَ، وَكَذَا أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ فِي الْبُيُوعِ مِنَ الْمُسْتَدْرَكِ، وَالْأَوَّلُ أَشْهَرُ. قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: وَأَمَّا حَدِيثُ مُوَادَعَتِهِ ﷺ أَهْلَ مَكَّةَ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ عَشْرَ سِنِينَ، فَنَظَرَ فِيهِ بَعْضُ الشَّارِحِينَ بِأَنَّ الصَّحِيحَ عِنْدَ أَصْحَابِ الْمَغَازِي أَنَّهَا سَنَتَانِ، كَذَا ذَكَرَهُ مُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ أَبِيهِ، وَلَيْسَ بِلَازِمٍ ; لِأَنَّ الْحَاصِلَ أَنَّ أَهْلَ النَّقْلِ مُخْتَلِفُونَ فِي ذَلِكَ، فَوَقَعَ فِي سِيرَةِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ ; لِأَنَّهَا كَانَتْ سَنَتَيْنِ أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ عَنْهُ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ مُرْسَلًا، ثُمَّ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ، وَقَوْلُهُ: سَنَتَيْنِ يُرِيدُ أَنَّ بَقَاءَهُ كَانَ سَنَتَيْنِ إِلَى أَنْ نَقَضَ الْمُشْرِكُونَ عَهِدَهُمْ، وَخَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَيْهِمْ بِفَتْحِ مَكَّةَ، وَأَمَّا الْمُدَّةُ الَّتِي وَقَعَ عَلَيْهَا عَقْدُ الصُّلْحِ فَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ الْمَحْفُوظُ مَا رَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ وَهِيَ عَشْرُ سِنِينَ اهـ.
وَمَا ذَكَرَهُ عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ هُوَ الْمَذْكُورُ فِي سِيرَتِهِ وَسِيرَةِ ابْنِ هِشَامٍ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَتَعَقَّبَهُ، وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ إِسْحَاقَ عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنِ الْمِسْوَرِ وَمَرْوَانَ، الْحَدِيثَ. عَلَى مَا فِي الْأَصْلِ. وَرَوَاهُ أَحْمَدُ فِي مَسْنَدِهِ مُطَوَّلًا بِقِصَّةِ الْفَتْحِ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أَنْبَأَنَا إِسْحَاقُ فَسَاقَهُ إِلَى أَنْ قَالَ: عَلَى وَضْعِ الْحَرْبِ عَشْرَ سِنِينَ يَأْمَنُ فِيهَا النَّاسُ وَيَكْفِي بَعْضُهُمْ عَنْ بَعْضٍ، وَكَذَا رَوَاهُ الْوَاقِدِيُّ فِي الْمَغَازِي حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي سَبْرَةَ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْد اللَّهِ بْن أَبِي فَرْوَةَ، عَنْ وَاقِدِ بْنِ عَمْرٍو، وَذَكَرَ قِصَّةَ الْحُدَيْبِيَةِ إِلَى أَنْ قَالَ: وَضَعَ الْحَرْبَ عَشْرَ سِنِينَ إِلَى آخِرِهِ، فَالْوَجْهُ الَّذِي ذَكَرَهُ الْبَيْهَقِيُّ وَجْهٌ حَسَنٌ بِهِ تَنْتَفِي الْمُعَارَضَةُ فَيَجِبُ اعْتِبَارُهُ، فَإِنَّ الْكُلَّ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ سَبَبَ الْفَتْحِ كَانَ نَقْضَ قُرَيْشٍ بَعْضَ الْعَهْدِ، حَيْثُ أَعَانُوا عَلَى خُزَاعَةَ، وَكَانُوا دَخَلُوا فِي حِلْفِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَاخْتَلَفُوا فِي مُدَّةِ الصُّلْحِ، فَرَفْعُ الْخِلَافِ ظَاهِرٌ بِأَنَّ مُرَادَ مَنْ قَالَ سَنَتَيْنِ أَنَّ بَقَاءَهُ سَنَتَيْنِ، وَمَنْ قَالَ عَشْرًا قَالَ: إِنَّهُ عَقَدَهُ عَشْرًا، كَمَا رَوَاهُ كَذَلِكَ، فَإِنَّهُ لَا تَنَافِيَ بَيْنَهُمَا حِينَئِذٍ وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ.
أَقُولُ: بَقِيَ رِوَايَةُ بَعْضِهِمْ ; لِأَنَّهَا كَانَتْ أَرْبَعَ سِنِينَ، وَلَعَلَّهُ حَاسِبٌ سَنَتَيِ الْعَهْدِ وَالنَّقْضِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَالَ الْقَاضِي: إِنَّمَا هَادَنَهُمْ عَشْرَ سِنِينَ لِضَعْفِ الْمُسْلِمِينَ وَهِيَ أَقْصَى مُدَّةِ الْمُهَادَنَةِ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ، فَلَا يَجُوزُ الزِّيَادَةُ عَلَيْهَا ; لِأَنَّهُ تَعَالَى أَمَرَ بِقِتَالِ الْكُفَّارِ فِي عُمُومِ الْأَوْقَاتِ وَالْأَحْوَالِ، فَلَا يُسْتَثْنَى مِنْهُ إِلَّا الْقَدْرُ الَّذِي اسْتَثْنَاهُ الرَّسُولُ ﷺ، وَقِيلَ: لَا يَجُوزُ أَكْثَرُ مِنْ ثَلَاثِ سِنِينَ إِذِ الصُّلْحُ لَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، فَإِنَّ الْمُشْرِكِينَ نَقَضُوا الْعَهْدَ فِي السَّنَةِ الرَّابِعَةِ، فَغَزَاهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَكَانَ الْفَتْحُ ضَعْفُهُ ظَاهِرٌ، وَقِيلَ: لَا حَدَّ لَهَا وَأَنَّ تَقْدِيرَ مُدَّتِهَا مَوْكُولٌ إِلَى رَأْيِ الْإِمَامِ وَاقْتِضَاءِ الْحَالِ.
[ ٦ / ٢٦٢٤ ]
قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: لَا يَقْتَصِرُ جَوَازُ مُدَّةِ الْمُوَادَعَةِ عَلَى الْمُدَّةِ الْمَذْكُورَةِ وَهِيَ عَشْرُ سِنِينَ ; لِأَنَّ مَا عَلَّلَ جَوَازَهَا بِهِ هُوَ حَاجَةُ الْمُسْلِمِينَ، أَوْ ثُبُوتُ مَصْلَحَتِهِمْ، فَإِنَّهُ قَدْ يَكُونُ بِأَكْثَرَ، بِخِلَافِ مَا إِذَا لَمْ تَكُنِ الْمُوَادَعَةُ، أَوِ الْمُدَّةُ خَيْرًا لِلْمُسْلِمِينَ، فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ ; لِأَنَّهُ تَرْكٌ لِلْجِهَادِ صُورَةً وَمَعْنًى وَمَا أُبِيحَ إِلَّا بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ جِهَادٌ، وَذَلِكَ إِنَّمَا يَتَحَقَّقُ إِذَا كَانَ خَيْرًا لِلْمُسْلِمِينَ، وَإِلَّا فَهُوَ تَرْكٌ لِلْمَأْمُورِ بِهِ، وَبِهَذَا يَنْدَفِعُ مَا نُقِلَ عَنْ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ مِنْ مَنْعِهِ أَكْثَرَ مِنْ عَشْرِ سِنِينَ، وَإِذَا كَانَ الْإِمَامُ غَيْرُهُ مُسْتَظْهِرٌ وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَلَقَدْ كَانَ فِي صُلْحِ الْحُدَيْبِيَةِ مَصَالِحُ عَظِيمَةٌ، فَإِنَّ النَّاسَ لَمَّا تَقَارَبُوا انْكَشَفَتْ مَحَاسِنُ الْإِسْلَامِ لِلَّذِينَ كَانُوا مُتَبَاعِدِينَ لَا يَعْقِلُونَهَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ لَمَّا قَارَبُوهُمْ وَخَالَطُوهُمْ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَوْلُهُ: (وَعَلَى أَنَّ بَيْنَنَا عَيْبَةً): بِفَتْحِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ التَّحْتِيَّةِ وَبِالْمُوَحَّدَةِ مَا يُجْعَلُ فِيهِ الثِّيَابُ (مَكْفُوفَةً) أَيْ: مَشْدُودَةٌ وَمَمْنُوعَةٌ، قِيلَ أَيْ: صَدْرًا نَقِيًّا عَنِ الْغِلِّ وَالْخِدَاعِ، مَطْوِيًّا عَلَى حُسْنِ الْعَهْدِ وَالْوَفَاءِ بِالصُّلْحِ، وَالْعَرَبُ تُكَنِّي عَنِ الصَّدْرِ بِالْعَيْبَةِ ; لِأَنَّهُ مُسْتَوْدَعُ الْأَسْرَارِ، كَمَا أَنَّ الْعَيْبَةَ مُسْتَوْدَعُ الْأَمْتِعَةِ وَالثِّيَابِ، وَأَنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ نَقَاوَةَ الصَّدْرِ مِنَ الْغِلِّ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَالْكُفَّارِ لَا يَكَادُ يَحْصُلُ، فَالْوَجْهُ أَنْ يُقَالَ: أَنَّهُمْ أَرَادُوا بِذَلِكَ تَرْكَ مَا كَانَ بَيْنَ الْفِئَتَيْنِ مِنَ الْأَضْغَانِ وَالدِّمَاءِ وَالِانْتِهَابِ، أَوِ الْمَعْنَى نَحْفَظُ الْعَهْدَ وَالشَّرْطَ وَلَا نَنْقُضُهُ، كَمَا نَحْفَظُ مَا فِي الْعَيْبَةِ بِشَدِّ رَأْسِهَا، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ مُوَادَعَةٌ مُصَادَقَةٌ تَكُونُ بَيْنَ الْمُتَصَادِقَيْنِ الْمُتَشَاوِرَيْنِ فِي الْأُمُورِ، فَيَكُونُ كُلٌّ صَاحِبَ مُشَاوَرَةٍ لِلْآخَرِ وَعَيْبَةَ سِرِّهِ، وَنَظِيرُهُ قَوْلُهُ ﷺ: (الْأَنْصَارُ كَرِشِي وَعَيْبَتِي) . وَقِيلَ: مَعْنَاهُ عَلَى أَنْ يَكُونَ مَا سَلَفَ مِنَّا فِي عَيْبَةٍ مَكْفُوفَةٍ أَيْ: مَشْرُوجَةٌ مُشَدَّدَةٌ لَا يَظْهَرُ أَحَدٌ مَا وَلَا يَذْكُرُهُ. قَالَ تَعَالَى: ﴿عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ﴾ [المائدة: ٩٥] . (وَأَنَّهُ) أَيْ: وَعَلَى أَنَّ الشَّأْنَ (لَا إِسْلَالَ): بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَفَتْحِ اللَّامِ أَيْ: سَرِقَةً خَفِيَّةً (وَلَا إِغْلَالَ) أَيْ: خِيَانَةً، وَالْمَعْنَى لَا يَأْخُذُ بَعْضُنَا مَالَ بَعْضٍ لَا فِي السِّرِّ وَلَا فِي الْعَلَانِيَةِ، وَقِيلَ: الْإِسْلَالُ سَلُّ السَّيْفِ، وَالْإِغْلَالُ لُبْسُ الدِّرْعِ أَيْ: لَا يُحَارِبُ بَعْضُنَا بَعْضًا. وَفِي شَرْحِ السُّنَّةِ: مَعْنَاهُ أَنَّ بَعْضَنَا يَأْمَنُ بَعْضًا فَلَا يَتَعَرَّضُ لِدَمِهِ وَلَا مَالِهِ سِرًّا وَلَا جَهْرًا.
قَالَ الطِّيبِيُّ: فَإِنْ قُلْتَ: لِمَ خَصَّ الْإِسْلَالَ وَالْإِغْلَالَ بِالذِّكْرِ مِنْ بَيْنِ سَائِرِ الْفَسَادِ وَأَتَى بِضَمِيرِ الشَّأْنِ؟ قُلْتُ: لَمَّا نَفَى الدُّخُولَ الَّتِي كَانَتْ بَيْنَهُمْ بِأَنْ لَا يَنْشُرُوهَا، بَلْ يَتَكَافَوْنَ عَنْهَا مَا أَتْبَعَهُ مَا يَتَعَلَّقُ بِالظَّاهِرِ، وَإِنَّمَا خَصَّهُمَا بِالذِّكْرِ لِلِاسْتِيعَابِ، وَمِنْ ثَمَّةَ كَرَّرَ (لَا) الَّتِي لِنَفْيِ الْجِنْسِ وَحَذَفَ الْخَبَرَ نَسْيًّا مَنْسِيًّا، وَنَحْوُ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ [مريم: ٦٢] كَأَنَّهُ قِيلَ: يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ بَوَاطِنُنَا خَالِيَةً عَنْ جَمِيعِ الْمَفَاسِدِ وَظَوَاهِرُنَا كَذَلِكَ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) .
[ ٦ / ٢٦٢٥ ]
٤٠٤٧ - وَعَنْ صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْمٍ، عَنْ عِدَّةٍ مِنْ أَبْنَاءِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، عَنْ آبَائِهِمْ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: («أَلَا مَنْ ظَلَمَ مُعَاهِدًا، أَوِ انْتَقَصَهُ، أَوْ كَلَّفَهُ فَوْقَ طَاقَتِهِ، أَوْ أَخَذَ مِنْهُ شَيْئًا بِغَيْرِ طِيبِ نَفْسٍ، فَأَنَا حَجِيجُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ») . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
_________________
(١) (وَعَنْ صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْمٍ ﵁): بِالتَّصْغِيرِ قَالَ الْمُؤَلِّفُ: هُوَ مَوْلَى حُمَيْدِ بْنِ عَبْد الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ تَابِعِيٌّ جَلِيلُ الْقَدْرِ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَشْهُورٌ، رَوَى عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ وَنَفَرٍ مِنَ التَّابِعِينَ، كَانَ مِنْ خِيَارِ عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ، يُقَالُ: إِنَّهُ لَمْ يَضَعْ جَنْبَهُ عَلَى الْأَرْضِ أَرْبَعِينَ سَنَةً، وَيَقُولُونَ: إِنَّ جَبْهَتَهُ نُقِبَتْ مِنْ كَثْرَةِ السُّجُودِ، وَكَانَ لَا يَقْبَلُ جَوَائِزَ السُّلْطَانِ وَمَنَاقِبُهُ كَثِيرَةٌ، مَاتَ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَمِائَةٍ، رَوَى عَنْهُ ابْنُ عُيَيْنَةَ. (عَنْ عِدَّةٍ) أَيْ: جَمَاعَةٍ (مِنْ أَبْنَاءِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ): يُحْتَمَلُ كَوْنُهُمْ مِنَ الصَّحَابَةِ، أَوِ التَّابِعِينَ (عَنْ آبَائِهِمْ): يَعْنِي الصَّحَابَةَ (عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: أَلَا): لِلتَّنْبِيهِ (مَنْ ظَلَمَ مُعَاهِدًا): بِكَسْرِ الْهَاءِ أَيْ: ذِمِّيًّا، أَوْ مُسْتَأْمَنًا (أَوِ انْتَقَصَهُ) أَيْ: نَقَصَ حَقَّهُ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ أَيْ: عَابَهُ لِمَا فِي الْأَسَاسِ اسْتَنْقَصَهُ وَانْتَقَصَهُ عَابَهُ اهـ. وَلَا يَخْفَى بُعْدُهُ ; لِأَنَّهُ مُخَالِفٌ لِلْحَقِيقَةِ اللُّغَوِيَّةِ مَعَ أَنَّهُ غَيْرُ ظَاهِرٍ فِي الْمَعْنَى مِنَ الْمَنْهِيَّاتِ الشَّرْعِيَّةِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِالضَّادِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ: نَقَضَ الْأَجَلَ الْمَضْرُوبَ لِأَمْنِهِ وَأَمَانَهِ (أَوْ كَلَّفَهُ) أَيْ: فِي أَدَاءِ الْجِزْيَةِ، أَوِ الْخَرَاجِ (فَوْقَ طَاقَتِهِ): بِأَنْ أَخَذَ مِمَّنْ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْجِزْيَةُ عَلَى مَا سَبَقَ، أَوْ أَخَذَ مِمَّنْ يَجِبُ عَلَيْهِ أَكْثَرَ مِمَّا يَطِيقُ، أَوْ فَوْقَ نِصْفِ الْعُشْرِ مِنْ مَالِ تِجَارَتِهِ إِنْ كَانَ ذِمِّيًّا. وَفَوْقَ عُشْرِ مَالِ تِجَارَتِهِ إِنْ كَانَ حَرْبِيًّا مُسْتَأْمَنًا (أَوْ أَخَذَ مِنْهُ شَيْئًا بِغَيْرِ طِيبِ نَفْسٍ): تَعْمِيمٌ بَعْدَ تَخْصِيصٍ، أَوْ تَقْيِيدٌ وَتَأْكِيدٌ (فَأَنَا حَجِيجُهُ) أَيْ: خَصْمُهُ وَمُحَاجُّهُ وَمُغَالِبُهُ بِإِظْهَارِ الْحُجَجِ عَلَيْهِ (يَوْمَ الْقِيَامَةِ): وَالْحُجَّةُ الدَّلِيلُ وَالْبُرْهَانُ، يُقَالُ: حَاجَجَهُ وَمُحَاجُّهُ، فَأَنَا مُحَاجٌّ وَحَجِيجٌ فَعِيلٌ بِمَعْنَى فَاعِلٍ كَذَا النِّهَايَةُ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) .
[ ٦ / ٢٦٢٥ ]
٤٠٤٨ - وَعَنْ أُمَيْمَةَ بِنْتِ رُقِيْقَةَ ﵂، قَالَتْ: «بَايَعْتُ النَّبِيَّ ﷺ فِي نِسْوَةٍ، فَقَالَ لَنَا: (فِيمَا اسْتَطَعْتُنَّ وَأَطَقْتُنَّ) قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَرْحَمُ بِنَا مِنَّا بِأَنْفُسِنَا قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ بَايِعْنَا تَعْنِي: صَافِحْنَا قَالَ: (إِنَّمَا قَوْلِي لِمِائَةِ امْرَأَةٍ كَقَوْلِي لِامْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ)» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَمَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ كُلُّهُمْ مِنْ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ أَنَّهُ سَمِعَ مِنْ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ حَسَنٌ صَحِيحٌ لَا يُعْرَفُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ ابْنِ الْمُنْكَدِرِ قَالَهُ ابْنُ الْجَزَرِيِّ.
_________________
(١) (وَعَنْ أُمَيْمَةَ) . بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَفَتْحِ الْمِيمَيْنِ وَسُكُونِ التَّحْتِيَّةِ بَيْنَهُمَا أَبُوهَا عَبْدُ اللَّهِ (بِنْتُ رُقِيْقَةَ): بِضَمِّ الرَّاءِ وَفَتْحِ الْقَافَيْنِ وَسُكُونِ التَّحْتِيَّةِ بَيْنَهُمَا، وَهِيَ أُمُّهَا بِنْتُ خُوَيْلِدٍ أُخْتُ خَدِيجَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ (قَالَتْ: بَايَعْتُ النَّبِيَّ ﷺ فِي نِسْوَةٍ) أَيْ: مَعَ جَمَاعَةٍ مِنَ النِّسَاءِ، وَمَا قَيَّدْنَا الْمُبَايَعَةَ بِقَدْرِ الِاسْتِطَاعَةِ (فَقَالَ لَنَا: فِيمَا اسْتَطَعْتُنَّ وَأَطَقْتُنَّ): مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ أَيْ: أُبَايِعُكُنَّ فِيمَا اسْتَطَعْتُنَّ كَأَنَّهُ ﷺ أَشْفَقَ عَلَيْهِنَّ حَيْثُ قَيَّدَ الْمُبَايَعَةَ فِي التَّكَالِيفِ بِالِاسْتِطَاعَةِ. ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ. (قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَرْحَمُ بِنَا مِنَّا بِأَنْفُسِنَا): ذِكْرُ اللَّهَ لِلتَّزْيِينِ، أَوْ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ رَحْمَةَ رَسُولِهِ أَثَرٌ مِنْ أَثَرِ رَحْمَتِهِ، أَوْ إِيمَاءٌ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦] قَالَ الطِّيبِيُّ: (بِنَا) مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ أَرْحَمُ وَبِأَنْفُسِنَا تَأْكِيدٌ لَهُ اهـ. وَالْأَظْهَرُ أَنَّ بِأَنْفُسِنَا مُتَعَلِّقٌ بِالرَّحْمَةِ الْمُقَدَّرَةِ؛ إِذِ التَّقْدِيرُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَرْحَمُ بِنَا مِنْ رَحْمَتِنَا بِأَنْفُسِنَا. (قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ بَايِعْنَا) أَيْ: بِالْفِعْلِ كَمَا بَايَعْتَنَا بِالْقَوْلِ قِيَاسًا عَلَى مُبَايَعَةِ الرِّجَالِ حَيْثُ كَانَتْ بِاللِّسَانِ وَالْيَدِ جَمِيعًا وَلِذَا قَالَ الرَّاوِي (تَعْنِي) أَيْ: تُرِيدُ أُمَيْمَةُ بِقَوْلِهَا بَايِعْنَا (صَافِحْنَا) أَيْ: ضَعْ يَدَكَ فِي يَدِ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنَّا (قَالَ: إِنَّمَا قَوْلِي لِمِائَةِ امْرَأَةٍ كَقَوْلِي لِامْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ): مُجْمَلُ الْكَلَامِ ; لِأَنَّهَا طَلَبَتِ الْمُصَافَحَةَ بِالْيَدِ، فَأَجَابَ بِأَنَّ الْقَوْلَ كَافٍ، وَلَا حَاجَةَ إِلَى الْمُصَافَحَةِ، وَلَا إِلَى تَخْصِيصِ كُلِّ امْرَأَةٍ بِالْمُبَايَعَةِ الْقَوْلِيَّةِ، وَفِي قَوْلِهِ مِائَةِ امْرَأَةٍ مُبَالَغَةٌ لَا تَخْفَى، وَهَذَا خُلَاصَةُ كَلَامِ الطِّيبِيِّ حَيْثُ أَطَالَ وَقَالَ. فَإِنْ قُلْتَ: كَيْفَ يُطَابِقُ قَوْلُهُ: إِنَّمَا قَوْلِي لِمِائَةِ امْرَأَةٍ جَوَابًا عَنْ قَوْلِهَا صَافِحْنَا ; لِأَنَّهَا طَلَبَتِ الْمُصَافَحَةَ بِالْيَدِ، وَأَجَابَهَا بِالْقَوْلِ وَطَلَبَتِ الْمُصَافَحَةَ لِسَائِرِهِنَّ فَقَالَ: قَوْلِي لِمِائَةِ امْرَأَةٍ كَقَوْلِي لِامْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ. قُلْتُ: قَوْلُهُ إِنَّمَا قَوْلِي رَدٌّ لِقَوْلِهَا صَافِحْنَا بِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْمُبَايَعَةَ مَقْصُورَةٌ عَلَى الْقَوْلِ دُونَ الْفِعْلِ وَثَانِيهِمَا أَنَّ قَوْلِي لَكِ هَذَا بِمَحْضَرٍ مِنَ النِّسَاءِ كَقَوْلِي لِسَائِرِهِنَّ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (رَوَاهُ): هُنَا بَيَاضٌ فِي الْأَصْلِ، وَأُلْحِقَ بِهِ فِي الْحَاشِيَةِ بِخَطِّ مِيرَكَ: التِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ وَمَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ، كُلُّهُمْ مِنْ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ أَنَّهُ سَمِعَ مِنْ أُمَيْمَةَ الْحَدِيثَ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ ابْنِ الْمُنْكَدِرِ قَالَهُ ابْنُ الْجَزَرِيِّ اهـ. وَفِي نُسْخَةٍ فِي الْهَامِشِ أَيْضًا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَابْنُ حِبَّانَ، وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ، وَمَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
[ ٦ / ٢٦٢٦ ]
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
٤٠٤٩ - وَعَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ، قَالَ: «اعْتَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي ذِي الْقَعْدَةِ فَأَبَى أَهْلُ مَكَّةَ أَنْ يَدَعُوهُ يَدْخُلُ مَكَّةَ، حَتَّى قَاضَاهُمْ عَلَى أَنْ يَدْخُلَ يَعْنِي: مِنَ الْعَامِ الْمُقْبِلِ يُقِيمُ بِهَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ. فَلَمَّا كَتَبُوا الْكِتَابَ، كَتَبُوا: هَذَا مَا قَاضَى عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ. قَالُوا: لَا نُقِرُّ بِهَا، فَلَوْ نَعْلَمُ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَا مَنَعَاكَ، وَلَكِنْ أَنْتَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ. فَقَالَ: (أَنَا رَسُولُ اللَّهِ، وَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) . ثُمَّ قَالَ لِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ: (امْحُ: رَسُولَ اللَّهِ) قَالَ: لَا وَاللَّهِ، لَا أَمْحُوكَ أَبَدًا. فَأَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَلَيْسَ يُحْسِنُ يَكْتُبُ، فَكَتَبَ: (هَذَا مَا قَاضَى عَلَيْهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: لَا يُدْخِلُ مَكَّةَ بِالسِّلَاحِ إِلَّا السَّيْفَ فِي الْقِرَابِ، وَأَنْ لَا يَخْرُجَ مِنْ أَهْلِهَا بِأَحَدٍ إِنْ أَرَادَ أَنْ يَتْبَعَهُ، وَأَنْ لَا يَمْنَعَ مِنْ أَصْحَابِهِ أَحَدًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُقِيمَ بِهَا) فَلَمَّا دَخَلَهَا وَمَضَى الْأَجَلُ، أَتَوْا عَلِيًّا، فَقَالُوا: قُلْ لِصَاحِبِكَ، اخْرُجْ عَنَّا، فَقَدْ مَضَى الْأَجَلُ، فَخَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
_________________
(١) الْفَصْلُ الثَّالِثُ
(٢) (عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ﵁، قَالَ: اعْتَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي ذِي الْقَعْدَةِ) أَيْ: نَهَارُ الِاثْنَيْنِ سَنَةَ سِتٍّ مِنَ الْهِجْرَةِ (فَأَبَى أَهْلُ مَكَّةَ أَنْ يَدَعُوهُ): بِفَتْحِ الدَّالِ أَيْ: يَتْرُكُوهُ (يَدْخُلُ مَكَّةَ) مَفْعُولٌ بِهِ بِتَقْدِيرِ أَنْ فَحُذِفَ أَنْ وَارْتَفَعَ الْفِعْلُ (حَتَّى قَاضَاهُمْ) أَيْ: صَالَحَهُمْ عَلَى أَشْيَاءَ مِنْهَا: عَلَى أَنْ يَرْجِعَ هَذَا الْعَامَ وَمِنْهَا: (عَلَى أَنْ يَدْخُلَ يَعْنِي: مِنَ الْعَامِ الْمُقْبِلِ): تَفْسِيرُ كَلَامِ الرَّاوِي لِكَلَامِ الْبَرَاءِ أَيْ: يُرِيدُ الْبَرَاءُ بِدُخُولِهِ ﷺ فِي الْعَامِ الْمُقْبِلِ لِئَلَّا يُنَاقِضَ قَوْلَهُ السَّابِقَ، فَتَرَكَهُ الْبَرَاءُ لِظُهُورِهِ، وَقَوْلُهُ: (يُقِيمُ بِهَا): حَالٌ مِنْ فَاعِلِ يَدْخُلُ أَيْ: يَسْكُنُ بِمَكَّةَ (ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ): قَالَ النَّوَوِيُّ: فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ مُكْثَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ لِلْمُسَافِرِ فِي مَوْضِعٍ لَيْسَ لَهُ حُكْمُ الْإِقَامَةِ. قُلْتُ: لَا دَلَالَةَ فِيهِ عَلَيْهَا لَا نَفْيًا وَلَا إِثْبَاتًا، بَلْ ظَاهِرُهُ الْإِثْبَاتُ نَظَرًا إِلَى لَفْظِ الْإِقَامَةِ، (فَلَمَّا كَتَبُوا الْكِتَابَ):
[ ٦ / ٢٦٢٦ ]
أَيْ: أَرَادُوا أَنْ يَكْتُبُوا كِتَابَ الصُّلْحِ (كَتَبُوا) أَيْ: كَتَبَ كَاتِبُهُمْ وَهُوَ عَلِيٌّ ﵁ بِرِضَاهُمْ فَنُسِبَ إِلَيْهِمْ (هَذَا): إِشَارَةٌ إِلَى مَا فِي الذِّهْنِ، أَوْ إِلَى مَا سَيَأْتِي فِي الْخَارِجِ (مَا قَاضَى) أَيِ: الَّذِي صَالَحَ (عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ فَقَالُوا) أَيْ: قَالَ بَعْضُ كَفَّارِ مَكَّةَ وَهُوَ سُهَيْلٌ (لَا نُقِرُّ بِهَا) أَيْ: لَا نَعْتَرِفُ بِرِسَالَتِكَ وَلَا نَرْضَى بِكِتَابِكَ (فَلَوْ نَعْلَمُ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَا مَنَعْنَاكَ): هَذَا الْكَلَامُ مِنْهُ بِمَنْزِلَةِ تَعْلِيلٍ لِقَوْلِهِ: لَا نُقِرُّ بِهَا. قَالَ الطِّيبِيُّ: فَإِنْ قُلْتَ: لَوْ تَقْتَضِي أَنْ يَلِيَهَا الْمَاضِي فَمَا فَائِدَةُ الْعُدُولِ إِلَى الْمُضَارِعِ؟ قُلْتُ: لِيَدُلَّ عَلَى الِاسْتِمْرَارِ أَيِ: اسْتَمَرَّ عَدَمُ عِلْمِنَا بِرِسَالَتِكَ فِي سَائِرِ الْأَزْمِنَةِ مِنَ الْمَاضِي وَالْمُضَارِعِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ﴾ [الحجرات: ٧] . وَقَوْلِكَ: لَوْ تُحْسِنُ إِلَيَّ لَشَكَرْتَ (وَلَكِنْ أَنْتَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) . فَقَالَ: أَنَا رَسُولُ اللَّهِ، وَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) أَيْ: هُمَا مُتَلَازِمَانِ لَا يَنْفَكَّانِ سَوَاءً ذُكِرَا جَمِيعًا، أَوِ اقْتُصِرَ عَلَى أَحَدِهِمَا. قَالَ الطِّيبِيُّ: هُوَ مِنَ الْأُسْلُوبِ الْحَكِيمِ يَعْنِي اسْتِدْرَاكُكُمْ بِقَوْلِكُمْ: أَنْتَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بَدَلَ قَوْلِي مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ يُؤْذِنُ بِأَنَّ الْجَمْعَ بَيْنَهُمَا غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ ; لِأَنَّ الرِّسَالَةَ تَثْبُتُ بِدَعْوَاهَا وَإِظْهَارِ الْمُعْجِزَةِ لَهَا، وَقَدْ حَصَلَ ذَلِكَ وَهُوَ كَقَوْلِ الرُّسُلِ: ﴿قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ﴾ [يس: ١٦] جَوَابًا عَلَى قَوْلِهِمْ: ﴿مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا﴾ [يس: ١٥] اهـ. وَحَاصِلُ الْجَوَابِ قَوْلُهُ تَعَالَى عَنْهُمْ: ﴿إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ [إبراهيم: ١١] وَأَشَارَ إِلَيْهِ صَاحِبُ الْبُرْدَةِ بِقَوْلِهِ: فَمَبْلَغُ الْعِلْمِ مِنْهُ أَنَّهُ بَشَرٌ وَأَنَّهُ خَيْرُ خَلْقِ اللَّهِ كُلِّهِمُ (ثُمَّ قَالَ لِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ): لِمَا سَبَقَ أَنَّهُ الْكَاتِبُ (امْحُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ): بِالنَّصْبِ أَيْ: هَذَا اللَّفْظَ، وَحُكِيَ الرَّفْعُ عَلَى الْحِكَايَةِ (قَالَ: لَا وَاللَّهِ لَا أَمْحُوكَ) أَيْ: اسْمَكَ (أَبَدًا. فَأَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَلَيْسَ يُحْسِنُ): مِنَ الْإِحْسَانِ بِمَعْنَى الْإِجَادَةِ (يَكْتُبُ) أَيْ: أَنْ يَكْتُبَ كَمَا فِي رِوَايَةٍ فَحُذِفَ أَنْ وَرُفِعَ الْفِعْلُ، وَهُوَ جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ الْمَعْطُوفِ وَالْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ أَيْ: فَأَخَذَ الْكِتَابَ مِنْ يَدِ عَلِيٍّ (فَكَتَبَ: هَذَا مَا قَاضَى مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ): وَهُوَ كَذَا فِي بَعْضِ رِوَايَاتِ الْبُخَارِيِّ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ قَوْلَهُ: فَأَخَذَ فَكَتَبَ مَعَ الْجُمْلَةِ الْمُعْتَرِضَةِ صَرِيحٌ فِي كِتَابَتِهِ ﷺ وَلَا مَانِعَ مِنْ أَنْ يُقَالَ مَعْنَى كَتَبَ أَمَرَ عَلِيًّا أَنْ يُكْتَبَ: اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يُقَدَّرَ فَأَخَذَ لِلْمَحْوِ فَمَحَاهُ بِيَدِهِ لِامْتِنَاعِ عَلِيٍّ بِمُقْتَضَى أَدَبِهِ، فَكَتَبَ أَيْ: أَمَرَهُ بِالْكِتَابَةِ، أَوْ فَكَتَبَ عَلِيٌّ بَعْدَ مَحْوِهِ: هَذَا مَا قَاضَى عَلَيْهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا كَانَ مَكْتُوبًا مِنْ قَبْلِ الْمَحْوِ أَيْضًا، فَالْمَعْنَى أَنَّهُ أَثْبَتَ: هَذَا مَا قَاضَى عَلَيْهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَالَ الطِّيبِيُّ: قَوْلُهُ: وَلَيْسَ يُحْسِنُ يَكْتُبُ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ. أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ مِنْ بَابِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ﴾ [المرسلات: ٣٦] أَيْ: لَا كِتَابَةَ وَلَا إِجَادَةَ وَلَا اعْتِذَارَ وَلَا إِيذَانَ وَثَانِيهِمَا: أَنْ يَكُونَ ثَمَّةَ كِتَابَةٌ، وَلَكِنْ لَا إِجَادَةَ فِيهَا، وَعَلَى هَذَا وَقَعَ الِاخْتِلَافُ. قُلْتُ: قَدْ أَشْبَعْنَا الْقَوْلَ فِيمَا سَبَقَ وَنَذْكُرُ هُنَا أَيْضًا مَا يُنَاسِبُ أَنْ يُلْحَقَ، فَفِي شَرْحِ مُسْلِمٍ لِلنَّوَوِيِّ قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: احْتَجَّ بِهَذَا نَاسٌ عَلَى أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَتَبَ بِيَدِهِ وَقَالُوا: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَجْرَى ذَلِكَ عَلَى يَدِهِ إِمَّا بِأَنْ كَتَبَ الْقَلَمُ بِيَدِهِ وَهُوَ غَيْرُ عَالِمٍ بِمَا كَتَبَ، أَوْ بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى عَلَّمَهُ ذَلِكَ حِينَئِذٍ زِيَادَةً فِي مُعْجِزَتِهِ، كَمَا عَلَّمَهُ مَا لَمْ يَعْلَمْ، وَجَعَلَهُ تَالِيًا بَعْدَ النُّبُوَّةِ بَعْدَ مَا لَمْ يَكُنْ يَتْلُو قَبْلَهَا، وَهُوَ لَا يَقْدَحُ فِي وَصْفِهِ بِالْأُمِّيِّ، وَاحْتَجُّوا بِآثَارٍ جَاءَتْ فِي هَذَا عَنِ الشَّعْبِيِّ، وَبَعْضِ السَّلَفِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَمُتْ حَتَّى كَتَبَ. قَالَ الْقَاضِي: وَإِلَى جَوَازِ هَذَا ذَهَبَ الْبَاجِيُّ، وَحَكَاهُ عَنِ السِّمْنَانِيِّ وَأَبِي ذَرٍّ وَغَيْرِهِمَا، وَذَهَبَ الْأَكْثَرُونَ إِلَى الْمَنْعِ مُطْلَقًا وَقَالُوا: هَذَا الَّذِي زَعَمُوا يُبْطِلُهُ وَصْفُ اللَّهِ تَعَالَى إِيَّاهُ بِالنَّبِيِّ الْأُمِّيِّ وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا﴾ [العنكبوت: ٤٨]،
[ ٦ / ٢٦٢٧ ]
﴿تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ﴾ [العنكبوت: ٤٨] وَقَالُوا مَعْنَى قَوْلِهِ كَتَبَ أَمَرَ بِالْكِتَابَةِ، كَمَا يُقَالُ: رَجَمَ مَاعِزًا قَالَ الْقَاضِي: فَأَجَابَ الْأَوَّلُونَ أَنَّ مَعْنَى الْآيَةِ: لَوْ كُنْتَ تَقْرَأُ وَتَكْتُبُ قَبْلَ الْوَحْيِ لَشَكَّ الْمُبْطِلُونَ، وَكَمَا جَازَ أَنْ يَتْلُوَ جَازَ أَنْ يَخُطَّ وَلَا يَقْدَحُ هَذَا فِي كَوْنِهِ أُمِّيًّا إِذْ لَيْسَتِ الْمُعْجِزَةُ مُجَرَّدَ كَوْنِهِ أُمِّيًّا فَإِنَّ الْمُعْجِزَةَ حَاصِلَةٌ بِكَوْنِهِ أَوَّلًا كَذَلِكَ، ثُمَّ جَاءَ بِالْقُرْآنِ وَبِعُلُومٍ لَا يَعْلَمُهَا الْأُمِّيُّونَ قُلْتُ: وَبِعُلُومٍ لَا يَعْلَمُهَا الْعُلَمَاءُ أَجْمَعُونَ بِحَيْثُ لَوْ لَمْ يَكُنْ أُمِّيًّا مِنْ أَصْلِهِ لَكَانَ مُعْجِزَةً أَيْضًا، فَالْقُرْآنُ مُشْتَمِلٌ عَلَى مُعْجِزَاتٍ كَثِيرَةٍ، وَلِذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ [العنكبوت: ٤٩] قَالَ: وَالْجَوَابُ عَنْ قَوْلِهِمْ: فَكَتَبَ أَيْ: أَمَرَ أَنَّهُ عُدُولٌ عَنِ الظَّاهِرِ وَلَا ضَرُورَةَ إِلَيْهِ ; لِأَنَّ قَوْلَهُ: وَلَيْسَ يُحْسِنُ أَنْ يَكْتُبَ، فَكَتَبَ كَالنَّصِّ فِي أَنَّهُ كَتَبَ بِنَفْسِهِ اهـ. وَقَدْ حَصَلَ تَوَارُدٌ لِي فِي هَذَا الْمَعْنَى عَلَى مَا سَبَقَ مِنِّي كَمَا لَا يَخْفَى. قَالَ الطِّيبِيُّ: وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ سَبِيلُ هَذِهِ الْكِتَابَةِ مَعَ هَذِهِ الْآيَةِ وَكَوْنُهُ أُمِّيًّا سَبِيلُ قَوْلِهِ ﷺ: «هَلْ أَنْتِ إِلَّا إِصْبَعٌ دَمِيتِ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ مَا لَقِيتِ» وَنَحْوُهُ مَعَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾ [يس: ٦٩] قَالُوا: مَا هُوَ إِلَّا كَلَامٌ مِنْ جِنْسِ الْكَلَامِ الَّذِي يُرْمَى عَلَى السَّلِيقَةِ مِنْ غَيْرِ صَنْعَةٍ وَقَصْدٍ إِلَى ذَلِكَ وَلَا الْتِفَاتٍ مِنْهُ إِلَيْهِ. قُلْتُ: مِثْلُ هَذَا يُتَصَوَّرُ فِي الْقَوْلِ، وَأَمَّا وُقُوعُهُ بِالْفِعْلِ فَلَا يَكُونُ إِلَّا بِأَحَدِ الْوَجْهَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ فِي كَلَامِهِمُ السَّابِقِ فَالْمَدَارُ عَلَيْهِ، وَلَا يُلْتَفَتُ إِلَّا إِلَيْهِ. قَالَ النَّوَوِيُّ: فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى اسْتِحْبَابِ الْكَتَبَةِ فِي أَوَّلِ الْوَثَائِقِ وَكُتُبِ الْأَمْلَاكِ وَالصَّدَاقِ وَنَحْوِهَا، هَذَا مَا اشْتَرَى فُلَانٌ، أَوْ هَذَا مَا أَصْدَقَ، أَوْ وَقَفَ، أَوْ أَعْتَقَ وَنَحْوَهَا، قُلْتُ: وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ إِنَّمَا يَدُلُّ عَلَى الْجَوَازِ ; لِأَنَّ الْأَمْرَ بِالْكِتَابَةِ كَانَ مِنَ الْكُفَّارِ، وَقَبِلَهَا النَّبِيُّ ﷺ عَلَى الْمُصَالَحَةِ فَالْأَوْلَى الِاسْتِدْلَالُ عَلَى اسْتِحْبَابِهَا بِآيَةِ الْمُدَايَنَةِ حَيْثُ قَالَ تَعَالَى: ﴿إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ [البقرة: ٢٨٢] عَلَى خِلَافٍ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُ أَمْرُ الْوُجُوبِ، أَوِ النَّدْبِ وَعَلَيْهِ الْجُمْهُورُ. قَالَ وَعَلَى أَنَّهُ يَكْفِي فِي الِاسْمِ الْمَشْهُورِ أَنْ يُضَمَّ مَعَ الْأَبِ خِلَافًا لِمَنْ قَالَ: لَا بُدَّ مِنْ أَرْبَعَةٍ أَبِيهِ وَجَدِّهِ وَنَسَبَتِهِ. قُلْتُ لَا يَخْفَى أَنَّ الْمَدَارَ عَلَى حُصُولِ الْعِلْمِ الْمُرَتَّبِ عَلَى الشُّهْرَةِ وَهِيَ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ النَّاسِ زَمَانًا وَمَكَانًا حَتَّى فِي الِاصْطِلَاحِ أَيْضًا، أَلَا تَرَى أَنَّ الْمُحَدِّثِينَ إِذَا قَالُوا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، فَالْمُرَادُ بِهِ ابْنُ مَسْعُودٍ، وَكَذَا إِذَا قَالُوا عَنِ الْحَسَنِ فَهُوَ الْبَصْرِيُّ مَعَ كَثْرَةِ الِاسْمَيْنِ فِي غَيْرِهِمَا مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ. قَالَ: وَفِيهِ أَنَّ لِلْإِمَامِ أَنْ يَعْقِدَ الصُّلْحَ عَلَى مَا رَآهُ مَصْلَحَةً لِلْمُسْلِمِينَ وَإِنْ كَانَ لَا يَظْهَرُ ذَلِكَ لِبَعْضِ النَّاسِ فِي بَادِئِ الرَّأْيِ، وَفِي احْتِمَالِ الْمَفْسَدَةِ الْيَسِيرَةِ لِدَفْعِ مَضَرَّةٍ كَثِيرَةٍ، أَوْ لِجَلْبِ مَصْلَحَةٍ أَعْظَمَ مِنْهَا. قُلْتُ: وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ الْحِكَمِ وَالْمَصَالِحِ فِي هَذِهِ الْمُصَالَحَةِ فَتَدَبَّرْ. قَالَ الطِّيبِيُّ: هَذَا إِشَارَةٌ إِلَى مَا فِي الذِّهْنِ وَمَا قَاضَى خَبَرُهُ مُفَسِّرٌ لَهُ وَقَوْلُهُ: (لَا يَدْخُلُ مَكَّةَ): تَفْسِيرٌ لِلتَّفْسِيرِ اهـ.
وَقَوْلُهُ: (بِالسِّلَاحِ): أُرِيدَ بِهِ الْجِنْسُ، وَفِي نُسْخَةٍ بِالتَّنْكِيرِ (إِلَّا بِالسَّيْفِ فِي الْقِرَابِ): بِكَسْرِ الْقَافِ أَيْ: جَعْبَتِهِ، وَهُوَ وِعَاءٌ يُجْعَلُ فِيهِ السَّيْفُ بِغِمْدِهِ، وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ بِالْقِرَابِ عَلَى أَنَّ الْبَاءَ ظَرْفِيَّةٌ (وَأَنْ لَا يَخْرُجَ مِنْ أَهْلِهَا بِأَحَدٍ) أَيْ: حِينِ يَخْرُجُ بَعْدَ دُخُولِهَا (إِنْ أَرَادَ) أَيْ: أَحَدٌ (أَحَدٌ أَنْ يَتْبَعَهُ): بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ أَيْ: يُوَافِقُهُ فِي الْخُرُوجِ (وَأَنْ لَا يَمْنَعَ مِنَ الصَّحَابَةِ): وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ (مِنْ أَصْحَابِهِ) أَيْ: بَعْضِهِمْ (إِنْ أَرَادَ أَنْ يُقِيمَ بِهَا): وَبِهَذَا وَمَا سَبَقَ فِي الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ مِنَ الْفَصْلِ الثَّانِي يُعْلَمُ أَنَّ الشُّرُوطَ كَانَتْ زَائِدَةً عَلَى ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ، كَمَا فِي حَدِيثِ الْبَرَاءِ السَّابِقِ فَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّ الْعُمْدَةَ فِي الشُّرُوطِ هِيَ الثَّلَاثَةُ، (فَلَمَّا دَخَلَهَا):
[ ٦ / ٢٦٢٨ ]
يَعْنِي فِي الْعَامِ الْمُقْبِلِ (وَمَضَى الْأَجَلُ) أَيْ: قَرُبَ انْقِضَاءُ الْأَجَلِ، أَوْ شَارَفَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ ﷺ قَضَاءَ الْأَجَلِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [الطلاق: ٢] وَلَا بُدَّ مِنْ وُرُودِ التَّأْوِيلِ لِئَلَّا يَلْزَمَ عَدَمُ الْوَفَاءِ بِالشَّرْطِ (أَتَوْا عَلِيًّا فَقَالُوا: قُلْ لِصَاحِبِكَ: اخْرُجْ عَنَّا، فَقَدْ مَضَى الْأَجَلُ): قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: وَلِإِظْهَارِ كَرَاهَةِ الْمُشْرِكِينَ إِقَامَتَهُ ﷺ فِيهَا قَالُوا ذَلِكَ قَبْلَ انْقِضَاءِ الْأَجَلِ اهـ. وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ خَوْفًا مِنْهُ وَإِظْهَارًا لِلشَّوْكَةِ وَالْغَلَبَةِ (فَخَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ أَيْ: قَبْلَ مُضِيِّ الْأَجَلِ، أَوْ فِي ابْتِدَاءِ انْتِهَائِهِ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ): وَزَادَ الْبُخَارِيُّ: فَتَبِعَتْهُ ابْنَةُ حَمْزَةَ تُنَادِي: يَا عَمِّ يَا عَمِّ فَتَنَاوَلْهَا عَلِيٌّ فَأَخَذَ بِيَدِهَا وَقَالَ لِفَاطِمَةَ: دُونَكِ بِنْتَ عَمِّكَ، فَحَمَلَتْهَا فَاخْتَصَمَ فِيهَا عَلِيٌّ وَزَيْدٌ وَجَعْفَرٌ. قَالَ عَلِيٌّ: أَنَا أَخَذْتُهَا وَهِيَ ابْنَةُ عَمِّي، وَقَالَ جَعْفَرٌ: ابْنَةُ عَمِّي وَخَالَتُهَا تَحْتِي، فَقَالَ زَيْدٌ: بِنْتُ أَخِي، فَقَضَى بِهَا النَّبِيُّ ﷺ لِخَالَتِهَا، وَقَالَ: (الْخَالَةُ بِمَنْزِلَةِ الْأُمِّ) الْحَدِيثَ. وَإِنَّمَا أَقَرَّهُمُ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى أَخْذِهَا مَعَ اشْتِرَاطِ الْمُشْرِكِينَ أَنْ لَا يَخْرُجَ بِأَحَدٍ مِنْ أَهْلِهَا أَرَادَ الْخُرُوجَ ; لِأَنَّهُمْ لَمْ يَطْلُبُوهَا، هَذَا وَقَضِيَّةُ عُمْرَةِ الْقَضَاءِ مُجْمَلًا عَلَى مَا فِي الْمَوَاهِبِ هُوَ مَا قَالَ الْحَاكِمُ فِي الْإِكْلِيلِ: تَوَاتَرَتِ الْأَخْبَارُ أَنَّهُ ﷺ لَمَّا أَهَلَّ ذُو الْقَعْدَةِ يَعْنِي سَنَةَ سَبْعٍ أَمَرَ أَصْحَابَهُ أَنْ يَعْتَمِرُوا قَضَاءً لِعُمْرَتِهِمُ الَّتِي صَدَّهُمُ الْمُشْرِكُونَ عَنْهَا بِالْحُدَيْبِيَةِ، وَأَنْ لَا يَتَخَلَّفَ أَحَدٌ مِمَّنْ شَهِدَ الْحُدَيْبِيَةَ، فَلَمْ يَتَخَلَّفْ مِنْهُمْ إِلَّا رِجَالٌ مَاتُوا، وَخَرَجَ مَعَهُمْ ﷺ مِنَ الْمُسْلِمِينَ أَلْفَانِ وَاسْتَخْلَفَ عَلَى الْمَدِينَةِ أَبَا ذَرٍّ الْغِفَارِيَّ وَسَاقَ ﵊ سِتِّينَ بَدَنَةً، وَحَمَلَ السِّلَاحَ وَالْبَيْضَ وَالدُّرُوعَ وَالرِّمَاحَ وَقَادَ مِائَةَ فَرَسٍ، فَلَمَّا انْتَهَى إِلَى ذِي الْحُلَيْفَةِ قَدَّمَ الْخَيْلَ أَمَامَهُ عَلَيْهَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، وَقَدَّمَ السِّلَاحَ، وَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهِ بِشْرُ بْنُ سَعْدٍ، وَأَحْرَمَ النَّبِيُّ ﷺ وَلَبَّى، وَالْمُسْلِمُونَ يُلَبُّونَ مَعَهُ، وَمَضَى مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ فِي الْخَيْلِ إِلَى مَرِّ الظَّهْرَانِ فَوَجَدَ بِهَا نَفَرًا مِنْ قُرَيْشٍ فَسَأَلُوهُ فَقَالَ: هَذَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصْبِحُ هَذَا الْمَنْزِلَ غَدًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، فَأَتَوْا قُرَيْشًا فَأَخْبَرُوهُمْ فَفَزِعُوا، وَنَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمَرِّ الظَّهْرَانِ وَقَدَّمَ السِّلَاحَ إِلَى بَطْنِ يَأْجَجَ كَيَسْمَعُ وَيُبْصِرُ وَيَضْرِبُ مَوْضِعٌ بِمَكَّةَ حَيْثُ يَنْظُرُ إِلَى نِصَابِ الْحَرَمِ، وَخَلَّفَ عَلَيْهِ أَوْسَ بْنَ خَوْلِيٍّ الْأَنْصَارِيَّ فِي مِائَتَيْ رَجُلٍ، وَخَرَجَتْ قُرَيْشٌ مِنْ مَكَّةَ إِلَى رُءُوسِ الْجِبَالِ، وَقَدَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْهَدْيَ أَمَامَهُ، فَحُبِسَ بِذِي طُوًى، وَخَرَجَ ﷺ عَلَى رَاحِلَتِهِ الْقَصْوَاءِ، وَالْمُسْلِمُونَ مُتَوَشِّحُونَ السُّيُوفَ مُحْدِقُونَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: يُلَبُّونَ، فَدَخَلَ فِي الثَّنِيَّةِ الَّتِي تُطْلِعُهُ عَلَى الْحَجُونِ، وَابْنُ رَوَاحَةَ آخِذًا بِزِمَامٍ رَاحِلَتِهِ، وَفِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيَّ فِي الشَّمَائِلِ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ: أَنَّهُ ﵊ دَخَلَ مَكَّةَ فِي عُمْرَةِ الْقَضَاءِ، وَابْنُ رَوَاحَةَ يَمْشِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُوَ يَقُولُ:
خَلُّوا بَنِي الْكُفَّارِ عَنْ سَبِيلِهِ الْيَوْمَ نَضْرِبُكُمْ عَلَى تَنْزِيلِهِ ضَرْبًا يُزِيلُ الْهَامَ عَنْ مَقِيلِهِ وَيُذْهِلُ الْخَلِيلَ عَنْ خَلِيلِهِ
فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: يَا ابْنَ رَوَاحَةَ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تَقُولُ شِعْرًا، فَقَالَ ﷺ: («خَلِّ عَنْهُ يَا عُمَرُ فَلَهِيَ أَسْرَعُ فِيهِمْ مِنْ نَضْحِ النَّبْلِ») قَالُوا: وَلَمْ يَزَلْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُلَبِّي حَتَّى اسْتَلَمَ الرُّكْنَ بِمِحْجَنِهِ مُضْطَبِعًا بِثَوْبِهِ، وَطَافَ عَلَى رَاحِلَتِهِ وَالْمُسْلِمُونَ يَطُوفُونَ مَعَهُ، وَقَدِ اضْطَبَعُوا بِثِيَابِهِمْ، وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ: ارْمُلُوا لِيُرِيَ الْمُشْرِكِينَ قُوَّتَهُمْ، وَالْمُشْرِكُونَ مِنْ قِبَلَ قُعَيْقِعَانَ وَهُوَ جَبَلٌ بِمَكَّةَ وَجْهُهُ إِلَى أَبِي قُبَيْسٍ، ثُمَّ طَافَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ عَلَى رَاحِلَتِهِ. فَلَمَّا كَانَ الطَّوَافُ السَّابِعُ عِنْدَ فَرَاغِهِ وَقَدْ وَقَفَ الْهَدْيُ عَنِ الْمَرْوَةِ وَقَالَ: («هَذَا الْمَنْحَرُ وَكُلُّ فِجَاجِ مَكَّةَ مَنْحَرٌ») فَنَحَرَ عِنْدَ الْمَرْوَةِ وَحَلَقَ هُنَاكَ، وَكَذَلِكَ فَعَلَ الْمُسْلِمُونَ، وَأَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ نَاسًا مِنْهُمْ إِلَى أَصْحَابِهِمْ بِبَطْنِ يَأْجَجَ فَيُقِيمُوا السِّلَاحَ، وَيَأْتِيَ الْآخَرُونَ فَيَقْضُوا نُسُكَهُمْ فَفَعَلُوا، وَأَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمَكَّةَ يَعْنِي ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فَخَرَجَ رَاجِعًا إِلَى الْمَدِينَة السَّكِينَةِ.
[ ٦ / ٢٦٢٩ ]