[ ٧ / ٢٩٩١ ]
(٧) بَابُ الضَّحِكِ
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
٤٧٤٥ - عَنْ عَائِشَةَ - ﵂ - قَالَتْ: «مَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - مُسْتَجْمِعًا ضَاحِكًا حَتَّى أَرَى مِنْهُ لَهَوَاتِهِ، إِنَّمَا كَانَ يَبْتَسِمُ» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
_________________
(١) بَابُ الضَّحِكِ هُوَ بِكَسْرٍ فَسُكُونٍ فِي الْأُصُولِ، وَفِي الْقَامُوسِ: ضَحِكَ ضَحِكًا بِالْفَتْحِ وَبِالْكَسْرِ وَبِكَسْرَتَيْنِ كَكِتِفٍ، هَذَا وَلَعَلَّ الْمُصَنِّفَ أَرَادَ بِالضَّحِكِ الْمَعْنَى الْأَعَمَّ الشَّامِلَ لِلتَّبَسُّمِ، وَإِلَّا فَكَانَ أَكْثَرُ ضَحِكِهِ - ﷺ - تَبَسُّمًا، أَوْ أَرَادَ بِالضَّحِكِ مِنْ حَيْثُ هُوَ اسْتِدْلَالًا عَلَى جَوَازِهِ بِوُقُوعِهِ مِنْهُ - ﷺ - وَمِنْ أَصْحَابِهِ ﵃، وَأَمَّا مَا نَقَلَ الْبَغَوِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا﴾ [الكهف: ٤٩]، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: الصَّغِيرَةُ التَّبَسُّمُ، وَالْكَبِيرَةُ الضَّحِكُ، فَمَحْمُولٌ عَلَى سُخْرِيَةِ الْكُفَّارِ بِالْمُؤْمِنِينَ، أَوْ جَهَلَةِ الْفُجَّارِ بِالْعُلَمَاءِ الصَّالِحِينَ، كَمَا أَخْبَرَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ﴾ [المطففين: ٢٩] . الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
(٢) (عَنْ عَائِشَةَ - ﵂ - قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - مُسْتَجْمِعًا ضَاحِكًا) أَيْ: مَا أَبْصَرْتُهُ حَالَ كَوْنِهِ مُسْتَجْمِعًا مِنْ جِهَةِ الضَّحِكِ، فَقَوْلُهُ: ضَاحِكًا نُصِبَ عَلَى التَّمْيِيزِ، وَإِنْ كَانَ مُشْتَقًّا كَقَوْلِهِ: لِلَّهِ دَرُّهُ فَارِسًا، وَالْمَعْنَى: مَا رَأَيْتُهُ يَضْحَكُ تَامًّا مُقْبِلًا بِكُلِّيَّتِهِ عَلَى الضَّحِكِ (حَتَّى أَرَى مِنْهُ لَهَوَاتِهِ): بِفَتْحِ اللَّامِ وَالْهَاءِ جَمْعُ اللَّهَاةِ، وَهِيَ اللَّحَمَاتُ فِي سَقْفِ أَقْصَى الْفَمِ مُشْرِفَةً عَلَى الْحَلْقِ (إِنَّمَا كَانَ يَبْتَسِمُ) أَيْ: غَالِبًا، وَقَدْ يَضْحَكُ، لَكِنْ لَا يَصِلُ إِلَى الْحَدِّ الْمَذْكُورِ، وَالْإِعْرَابُ السَّابِقُ زُبْدَةُ كَلَامِ الطِّيبِيِّ، وَمَالَ ابْنُ الْمَلَكِ إِلَى أَنَّ قَوْلَهُ: ضَاحِكًا حَالٌ أَيْ: مَا رَأَيْتُهُ مُسْتَجْمِعًا لِضَحِكِهِ فِي حَالِ ضَحِكِهِ، أَيْ: لَمْ أَرَهُ يَضْحَكُ ضَحِكًا تَامًّا ضَاحِكًا بِجَمِيعِ فَمِهِ اهـ. وَهُوَ مَأْخُوذٌ مِنْ كَلَامِ شَارِحٍ سَبَقَهُ، وَقَالَ: فَكَأَنَّهَا قَالَتْ مُسْتَجْمِعًا ضَحِكًا، وَفِي الْمِصْبَاحِ: اسْتَجْمَعَتْ شَرَائِطُ الْإِمَامَةِ وَاجْتَمَعَتْ بِمَعْنَى حَصَلَتْ، فَالْفِعْلَانِ عَلَى اللُّزُومِ، وَحِينَئِذٍ لَا يَحْتَاجُ إِلَى تَقْدِيرِ مَفْعُولٍ. وَفِي الْمُغْرِبِ: اسْتَجْمَعَ السَّيْلُ اجْتَمَعَ مِنْ كُلِّ مَوْضِعٍ، وَاسْتَجْمَعَتْ لِلْمَرْءِ أُمُورُهُ اجْتَمَعَ لَهُ مَا يُحِبُّهُ وَهُوَ لَازِمٌ، كَمَا تَرَى. وَقَوْلُهُ: اسْتَجْمَعَ الْفَرَسُ جَرْيًا نُصِبَ عَلَى التَّمْيِيزِ، وَأَمَّا قَوْلُ الْفُقَهَاءِ: مُسْتَجْمِعًا شَرَائِطَ الْجُمُعَةِ فَلَيْسَ يَثْبُتُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ): وَرَوَى أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَالْحَاكِمُ، عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ: «أَنَّهُ - ﷺ - كَانَ لَا يَضْحَكُ إِلَّا تَبَسُّمًا» . جَعَلَ التَّبَسُّمَ مِنَ الضَّحِكِ، وَاسْتَثْنَى مِنْهُ فَإِنَّ التَّبَسُّمَ مِنَ الضَّحِكِ بِمَنْزِلَةِ السِّنَةِ مِنَ النَّوْمِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا﴾ [النمل: ١٩]، أَيْ: شَارِعًا فِي الضَّحِكِ.
[ ٧ / ٢٩٩٢ ]
٤٧٤٦ - وَعَنْ جَرِيرٍ - ﵁ - قَالَ: «مَا حَجَبَنِي النَّبِيُّ - ﷺ - مُنْذُ أَسْلَمْتُ، وَلَا رَآنِي إِلَّا تَبَسَّمَ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
_________________
(١) (وَعَنْ جَرِيرٍ) أَيِ: ابْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْبَجَلِيِّ (قَالَ: مَا حَجَبَنِي النَّبِيُّ - ﷺ -) أَيْ: مَا مَنَعَنِي مِنْ مُجَالَسَتِهِ الْخَاصَّةِ أَوْ مِنْ بَيْتِهِ؛ حَيْثُ يُمْكِنُ الدُّخُولُ عَلَيْهِ، وَالْمَقْصُودُ أَنِّي لَمْ أَحْتَجْ إِلَى الِاسْتِئْذَانِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مَا مَنَعَنِي مِنْ مُلْتَمَسَاتِي عَنْهُ، بَلْ أَعْطَانِي مَا طَلَبْتُهُ مِنْهُ أَلْبَتَّةَ. (مُنْذُ أَسْلَمْتُ): وَقَدْ أَسْلَمَ قَبْلَ مَوْتِهِ - ﷺ - بِأَرْبَعِينَ يَوْمًا (وَلَا رَآنِي) أَيْ: مُنْذُ أَسْلَمْتُ إِذِ الْحَذْفُ مِنَ الثَّانِي لِدَلَالَةِ الْأَوَّلِ كَثِيرٌ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا فِي رِوَايَةٍ لِلتِّرْمِذِيِّ عَنْهُ بِلَفْظِ: مَا حَجَبَنِي رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - وَلَا رَآنِي مُنْذُ أَسْلَمْتُ، فَهُوَ مُتَعَلِّقٌ بِكُلٍّ مِنَ الْفِعْلَيْنِ، لَكِنَّ قَوْلَهُ: (إِلَّا تَبَسَّمَ): مُرْتَبِطٌ بِالْفِعْلِ الثَّانِي، وَفِي رِوَايَةٍ لِلتِّرْمِذِيِّ: إِلَّا ضَحِكَ، وَالْمُرَادُ بِهِ التَّبَسُّمُ، وَهَذَا مِنْ كَمَالِ مَكَارِمِ أَخْلَاقِهِ - ﷺ - وَلَعَلَّ مَنْشَأَ كَثْرَةِ انْبِسَاطِهِ ﵇ مَعَهُ أَنَّهُ ﵁ كَانَ مِنْ مَظَاهِرِ الْجَمَالِ؛ وَلِذَا قَالَ عُمَرُ ﵁: إِنَّ جَرِيرًا يُوسُفُ هَذِهِ الْأُمَّةِ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
[ ٧ / ٢٩٩٢ ]
٤٧٤٧ - وَعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ - ﵄ - قَالَ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - لَا يَقُومُ مِنْ مُصَلَّاهُ الَّذِي يُصَلِّي فِيهِ الصُّبْحَ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، فَإِذَا طَلَعَتِ الشَّمْسُ قَامَ، وَكَانُوا يَتَحَدَّثُونَ فَيَأْخُذُونَ فِي أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ فَيَضْحَكُونَ، وَيَتَبَسَّمُ - ﷺ» -. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَفِي رِوَايَةٍ لِلتِّرْمِذِيِّ: يَتَنَاشَدُونَ الشِّعْرَ.
_________________
(١) (عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ - ﵁ - قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - لَا يَقُومُ مِنْ مُصَلَّاهُ الَّذِي يُصَلِّي فِيهِ) أَيِ: الصُّبْحَ (حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ) أَيْ: طُلُوعًا حَسَنًا كَمَا سَبَقَ (فَإِذَا طَلَعَتِ الشَّمْسُ قَامَ) أَيْ: لِصَلَاةِ الْإِشْرَاقِ، وَهُوَ مَبْدَأُ صَلَاةِ الضُّحَى، أَوْ مَعْنَاهُ قَامَ لِلِانْصِرَافِ. قَالَ النَّوَوِيُّ: فِيهِ اسْتِحْبَابُ الذِّكْرِ بَعْدَ الصُّبْحِ، وَمُلَازَمَتِهِ مَجْلِسَهَا مَا لَمْ يَكُنْ عُذْرٌ. قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: وَكَانَ السَّلَفُ يُوَاظِبُونَ عَلَى هَذِهِ السُّنَّةِ، وَيَقْتَصِرُونَ فِي ذَلِكَ عَلَى الذِّكْرِ وَالدُّعَاءِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ. (وَكَانُوا) أَيْ: أَصْحَابُهُ (يَتَحَدَّثُونَ) أَيْ: فِيمَا بَيْنَ الْوَقْتَيْنِ، وَهُوَ الْأَظْهَرُ، أَوْ فِي غَيْرِهِ أَوْ مُطْلَقًا غَيْرَ مُقَيَّدٍ بِوَقْتٍ دُونَ وَقْتٍ (فَيَأْخُذُونَ فِي أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ) أَيْ: عَلَى سَبِيلِ الْمَذَمَّةِ، أَوْ بِطَرِيقِ الْحِكَايَةِ لِمَا فِيهَا مِنْ فَائِدَةٍ وَغَيْرِهِ، مِنْ جُمْلَتِهِ أَنَّهُ قَالَ وَاحِدٌ: مَا نَفَعَ أَحَدًا صَنَمُهُ مِثْلَ مَا نَفَعَنِي. قَالُوا: كَيْفَ هَذَا؟ قَالَ: صَنَعْتُهُ مِنَ الْحَيْسِ، فَجَاءَ الْقَحْطُ، فَكُنْتُ آكُلُهُ يَوْمًا فَيَوْمًا، وَقَالَ آخَرُ: رَأَيْتُ ثَعْلَبَيْنِ جَاءَا وَصَعِدَا فَوْقَ رَأْسِ صَنَمٍ لِي وَبَالَا عَلَيْهِ فَقُلْتُ: أَرَبٌّ يَبُولُ الثَّعْلَبَانِ بِرَأْسِهِ فَجِئْتُكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ! وَأَسْلَمْتُ. (فَيَضْحَكُونَ، وَيَتَبَسَّمُ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَفِي رِوَايَةٍ لِلتِّرْمِذِيِّ: يَتَنَاشَدُونَ الشِّعْرَ) أَيْ: يَقْرَءُونَهُ، أَوْ يَطْلُبُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ قِرَاءَتَهُ. فِي الشَّمَائِلِ: عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ، قَالَ: جَالَسْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - أَكْثَرَ مِنْ مِائَةِ مَرَّةٍ، وَكَانَ أَصْحَابُهُ يَتَنَاشَدُونَ الشِّعْرَ، وَيَتَذَاكَرُونَ أَشْيَاءَ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ وَهُوَ سَاكِتٌ، وَرُبَّمَا يَتَبَسَّمُ مَعَهُمْ. وَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ فِي مَجْلِسِهِ الشَّرِيفِ لَا يُتَنَاشَدُ إِلَّا الشِّعْرُ الْمُنِيفُ الْمُشْتَمِلُ عَلَى التَّوْحِيدِ وَالتَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ، وَقَدْ كَانَ - ﷺ - يَتَمَثَّلُ بِشِعْرِ ابْنِ رَوَاحَةَ، يَقُولُ: سَتُبْدِي لَكَ الْأَيَّامُ مَا كُنْتَ جَاهِلًا وَيَأْتِيكَ بِالْأَخْبَارِ مَنْ لَمْ تُزَوَّدِ وَقَدْ قَالَ - ﷺ - وَهُوَ الصَّادِقُ الْمَصْدُوقِ: " «إِنَّ أَصْدَقَ كَلِمَةٍ قَالَهَا الشَّاعِرُ كَلِمَةُ لَبِيدٍ: أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مَا خَلَا اللَّهَ بَاطِلٌ وَكُلُّ نُعَيْمٍ لَا مَحَالَةَ زَائِلُ » أَيْ: مِنْ نَعِيمِ الدُّنْيَا لِقَوْلِهِ بَعْدَ ذَلِكَ: نَعِيمُكَ فِي الدُّنْيَا غُرُورٌ وَحَسْرَةٌوَعَيْشُكَ فِي الدُّنْيَا مُحَالٌ وَبَاطِلُ هَذَا وَمِنْ لَطَائِفِ مَا حُكِيَ عَنْ بَعْضِ الْمَشَايِخِ أَنَّهُ قَرَأَ بَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ حِزْبَهُ مِنَ الْقُرْآنِ، ثُمَّ أَنْشَدَ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِهِ شِعْرًا، فَحَصَلَ لَهُ بُكَاءٌ وَتَوَاجُدٌ، فَلَمَّا سَكَنَ قَالَ: أَتَلُومُونَ النَّاسَ يَقُولُ فُلَانٌ مُلْحِدٌ أَوْ زِنْدِيقٌ؟ قَرَأْتُ كَذَا مِنَ الْقُرْآنِ وَلَمْ يَخْرُجْ لِي دَمْعَةٌ، فَلَمَّا سَمِعْتُ هَذَا الشِّعْرَ كِدْتُ أَنْ أَتَجَنَّنَ. أَقُولُ: هَذَا فَتْحُ بَابٍ لِلسَّمَاعِ، وَيَنْجَرُّ إِلَى مَا وَقَعَ فِيهِ مِنَ النِّزَاعِ، وَيَحْتَاجُ إِلَى بَيَانِ الْحِكْمَةِ فِي الْفَرْقِ بَيْنَ حَالَيِ الشَّيْخِ فِي ذَلِكَ الْمَقَامِ مِمَّا يَحْتَاجُ إِلَى بَسْطٍ فِي الْكَلَامِ، فَأَعْرَضْنَا عَنْهُ شُرُوعًا فِي الْأَهَمِّ مِنْهُ مِنَ الْمَرَامِ.
[ ٧ / ٢٩٩٣ ]
الْفَصْلُ الثَّانِي
٤٧٤٨ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ جَزْءٍ - ﵁ - قَالَ: «مَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَكْثَرَ تَبَسُّمًا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ» -. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
_________________
(١) الْفَصْلُ الثَّانِي
(٢) (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ جَزْءٍ): بِفَتْحِ جِيمٍ وَسُكُونِ زَايٍ بَعْدَهُ هَمْزٌ (قَالَ: «مَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَكْثَرَ تَبَسُّمًا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ» -. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) .
[ ٧ / ٢٩٩٣ ]
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
٤٧٤٩ - عَنْ قَتَادَةَ - ﵁ - قَالَ: «سُئِلَ ابْنُ عُمَرَ: هَلْ كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - يَضْحَكُونَ؟ قَالَ: نَعَمْ وَالْإِيمَانُ فِي قُلُوبِهِمْ أَعْظَمُ مِنَ الْجَبَلِ. وَقَالَ بِلَالُ بْنُ سَعْدٍ: أَدْرَكْتُهُمْ يَشْتَدُّونَ بَيْنَ الْأَغْرَاضِ، وَيَضْحَكُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ، فَإِذَا كَانَ اللَّيْلُ كَانُوا رُهْبَانًا» . رَوَاهُ فِي " شَرْحِ السُّنَّةِ ".
_________________
(١) الْفَصْلُ الثَّالِثُ
(٢) (عَنْ قَتَادَةَ): مِنْ أَكَابِرِ التَّابِعِينَ (قَالَ: سُئِلَ ابْنُ عُمَرَ: هَلْ كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - يَضْحَكُونَ؟ قَالَ: نَعَمْ وَالْإِيمَانُ) أَيْ: نَعَمْ يَضْحَكُونَ، وَالْحَالُ أَنَّ عَظْمَةَ الْإِيمَانِ وَجَلَالَتَهُ (فِي قُلُوبِهِمْ أَعْظَمُ مِنَ الْجَبَلِ): فَكَانُوا فِي غَايَةٍ مِنَ الْوَقَارِ وَالثَّبَاتِ عَلَى قَوَاعِدِ الْآدَابِ الشَّرْعِيَّةِ، وَفِي نِهَايَةٍ مِنْ مُرَاعَاةِ مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ الرَّضِيَّةِ؛ حَيْثُ لَمْ يَتَجَاوَزُوا فِي حَالِ الضَّحِكِ وَغَيْرِهِ عَنْ دَائِرَةِ الْأُمُورِ الدِّينِيَّةِ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: هُوَ مِنْ بَابِ الرُّجُوعِ وَالْقَوْلِ بِالْمُوجَبِ، أَيْ: نَعَمْ كَانُوا يَضْحَكُونَ، لَكِنْ لَا يَتَجَاوَزُونَ إِلَى مَا يُمِيتُ قُلُوبَهُمْ وَيَتَزَلْزَلُ بِهِ إِيمَانُهُمْ مِنْ كَثْرَةِ الضَّحِكِ، كَمَا وَرَدَ: إِنَّ كَثْرَةَ الضَّحِكِ تُمِيتُ الْقُلُوبَ. (وَقَالَ بِلَالُ بْنُ سَعْدٍ): تَابِعِيٌّ، وَلَمْ يَذْكُرْهُ الْمُؤَلِّفُ فِي أَسْمَائِهِ (أَدْرَكْتُهُمْ) أَيْ: كَثِيرًا مِنَ الصَّحَابَةِ (يَشْتَدُّونَ): بِتَشْدِيدِ الدَّالِ مِنَ الشَّدِّ، وَهُوَ الْعَدْوُ أَيْ: يَعْدُونَ وَيَجْرُونَ (بَيْنَ الْأَغْرَاضِ): جَمْعُ الْغَرَضِ، بِفُتْحَتَيْنِ، وَهُوَ الْهَدَفُ زِنَةً وَمَعْنًى، وَالْمُرَادُ بِالْجَمْعِ هُنَا مَا فَوْقَ الْوَاحِدِ لِيُوَافِقَ مَا فِي النِّهَايَةِ فِي حَدِيثِ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ: تَخْتَلِفُ بَيْنَ هَذَيْنِ الْغَرَضَيْنِ وَأَنْتَ شَيْخٌ كَبِيرٌ، ثُمَّ قَوْلُهُ: (وَيَضْحَكُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ) أَيْ: مُتَوَجِّهًا وَمُلْتَفِتًا إِلَيْهِ لَا مُعْرِضًا وَمَائِلًا عَنْهُ، أَوْ إِلَى بِمَعْنَى " مَعَ "، كَمَا نُقِلَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾ [النساء: ٢]، وَفِي قَوْلِهِ: ﴿إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة: ٦]، أَوْ ضَمَّنَ يَضْحَكُ مَعْنَى يَنْبَسِطُ، وَأَغْرَبَ الطِّيبِيُّ فِي قَوْلِهِ: وَضَمَّنَ ضَحِكَ بِمَعْنَى السُّخْرِيَةِ وَعَدَّاهُ بِإِلَى كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ﴾ [البقرة: ١٤]، وَوَجْهُ غَرَابَتِهِ مِنْ وَجْهَيْنِ، أَمَّا أَوَّلًا فَإِنَّ السُّخْرِيَةَ يَتَعَدَّى بِمِنْ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ﴾ [التوبة: ٧٩]، نَعَمْ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ﴾ [المطففين: ٢٩]، ضَمَّنَ الضَّحِكَ مَعْنَى السُّخْرِيَةِ، وَأَمَّا ثَانِيًا - فَلِأَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾ [البقرة: ٧٦]، لَيْسَ فِيهِ تَضْمِينُ السُّخْرِيَةِ، بَلْ وَلَا يَصِحُّ لَفْظًا وَلَا مَعْنًى، بَلْ فِيهِ تَأْوِيلَانِ. أَحَدُهُمَا أَنَّ إِلَى بِمَعْنَى: مَعَ، كَمَا فِي قَوْلِهِ ﷿: ﴿مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٥٢]، وَثَانِيهُمَا تَضْمِينُ إِلَى مَعْنَى الِانْضِمَامِ أَوِ الِانْتِهَاءِ، هَذَا وَحَاصِلُ الْمَعْنَى أَنَّ هَذَا كَانَ حَالَهُمْ فِي النَّاسِ وَفِي مَجَالِسِ أَصْحَابِهِمُ الْأَبْرَارِ (فَإِذَا كَانَ اللَّيْلُ) أَيْ: وُجِدَ، أَوْ كَانَ الْوَقْتُ زَمَانَ اللَّيْلِ، وَمَقَامَ الْوِحْدَةِ وَمَرَتَبَةَ الْخِلْوَةِ بَعْدَ مَنْزِلَةِ الْجِلْوَةِ (كَانُوا رُهْبَانًا): بِضَمِّ الرَّاءِ جَمْعُ رَاهِبٍ كَرُكْبَانٍ وَرَاكِبٍ، وَقَدْ يَقَعُ عَلَى الْوَاحِدِ وَيُجْمَعُ عَلَى رَهَّابِينَ، فَفِي النِّهَايَةِ: الرُّهْبَانُ مَنْ تَرَكَ الدُّنْيَا وَزَهِدَ فِيهَا وَتَخَلَّى عَنْهَا، وَعُزِلَ عَنْ أَهْلِهَا، وَتَعَمَّدَ مَشَاقَّهَا اهـ. فَهُمْ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ﴾ [النور: ٣٧]، وَقَالَ ﷿ إِخْبَارًا عَنْهُمْ: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [السجدة: ١٦]، وَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ - وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الذاريات: ١٧ - ١٨] بَلْ أَقُولُ: إِنَّهُمْ كَانُوا حَالَ الضَّحِكِ ظَاهِرًا فِي عَيْنِ الْبُكَاءِ بَاطِنًا، فَإِنَّهُمْ فَرْشِيُّونَ بِأَشْبَاحِهِمْ، عَرْشِيُّونَ بِأَرْوَاحِهِمْ، كَائِنُونَ مَعَ الْخَلْقِ بِأَبْدَانِهِمْ، بَائِنُونَ عَنْهُمْ مَعَ الْحَقِّ بِقُلُوبِهِمْ وَجَنَانِهِمْ، قَرِيبُونَ فِي الظَّاهِرِ مَعَ الْقَرِيبِ وَالْبَعِيدِ، غَرِيبُونَ عَنِ الْخَلْقِ فِي الْبَاطِنِ عَلَى قَدَمِ التَّجْرِيدِ وَالتَّفْرِيدِ، مُلُوكٌ فِي سُلُوكِ لِبَاسِ الْأَطْمَارِ، وَأَغْنِيَاءٌ مَعَ كَمَالِ فَقْرِهِمْ فِي هَذِهِ الدَّارِ، ﵃ وَنَفَعَنَا بِبَرَكَةِ مَا ظَهَرَ مِنْهُمْ. (رَوَاهُ) أَيِ: الْبَغَوِيُّ فِي (شَرْحِ السُّنَّةِ) .
[ ٧ / ٢٩٩٤ ]