[ ٧ / ٢٧٣٠ ]
(١) بَابُ الضِّيَافَةِ
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
٤٢٤٣ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: («مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، فَلَا يُؤْذِ جَارَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ ". وَفِي رِوَايَةٍ بَدَلَ: (الْجَارِ): وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
_________________
(١) بَابُ الضِّيَافَةِ بِكَسْرِ أَوَّلِهِ. فَفِي الْقَامُوسِ: ضِفْتُهُ أَضِيفُهُ ضَيْفًا وَضِيَافَةً بِالْكَسْرِ نَزَلْتُ عَلَيْهِ ضَيْفًا. وَقَالَ الرَّاغِبُ: أَصْلُ الضَّيْفِ الْمَيْلُ. يُقَالُ: ضِفْتُ إِلَى كَذَا، وَأَضَفْتُ كَذَا إِلَى كَذَا. وَالضَّيْفُ مَنْ مَالِ إِلَيْكَ نَازِلًا بِكَ، وَصَارَتِ الضِّيَافَةُ مُتَعَارَفَةً فِي الْقُرَى، وَأَصْلُ الضَّيْفِ مَصْدَرٌ، وَلِذَلِكَ اسْتَوَى فِيهِ الْوَاحِدُ وَالْجَمْعُ فِي عَامَّةِ كَلَامِهِمْ. الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
(٢) (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: («مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ»)، فِي شَرْحِ السُّنَّةِ. قَالَ تَعَالَى: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ﴾ [الذاريات: ٢٤] قِيلَ: أَكْرَمَهُمْ إِبْرَاهِيمُ - ﵇ - بِتَعْجِيلِ قِرَاهُمْ وَالْقِيَامِ بِنَفْسِهِ عَلَيْهِمْ، وَطَلَاقَةِ الْوَجْهِ لَهُمْ، وَكَانَ سَلْمَانُ إِذَا دَخَلَ عَلَيْهِ رَجُلٌ فَدَعَا مَا حَضَرَ خُبْزًا وَمِلْحًا. وَقَالَ: لَوْلَا أَنْ نُهِينَا أَنْ يُكَلِّفَ بَعْضُنَا بَعْضًا لَتَكَلَّفْتُ لَكَ اهـ. وَلَيْسَ الْمُرَادُ تَوَّقُفَ الْإِيمَانِ عَلَى هَذِهِ الْأَفْعَالِ، بَلْ هُوَ مُبَالَغَةٌ فِي الْإِتْيَانِ بِهَا، كَمَا يَقُولُ الْقَائِلُ لِوَلَدِهِ: إِنْ كُنْتَ ابْنِي فَأَطِعْنِي تَحْرِيضًا لَهُ عَلَى الطَّاعَةِ، أَوِ الْمُرَادُ مَنْ كَانَ كَامِلَ الْإِيمَانِ فَلْيَأْتِ بِهَا، وَإِنَّمَا ذَكَرَ طَرَفَيِ الْمُؤْمِنِ بِهِ إِشْعَارًا بِجَمِيعِهَا. وَقِيلَ: تَخْصِيصُ الْيَوْمِ الْآخِرِ بِالذِّكْرِ دُونَ شَيْءٍ مِنْ مُكَمِّلَاتِ الْإِيمَانِ بِاللَّهِ ; لِأَنَّ الْخَيْرَ وَالْمَثُوبَةَ وَرَجَاءَ الثَّوَابِ وَالْعِقَابِ كُلُّهَا رَاجِعَةٌ إِلَى الْإِيمَانِ بِالْيَوْمِ الْآخِرِ، فَمَنْ لَا يَعْتَقِدُهُ لَا يَرْتَدِعُ عَنْ شَرٍّ، وَلَا يُقْدِمُ عَلَى خَيْرٍ وَتَكْرِيرُهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ لِلِاهْتِمَامِ وَالِاعْتِنَاءِ بِكُلِّ خَصْلَةٍ مُسْتَقِلَّةٍ. قَالُوا: وَإِكْرَامُ الضَّيْفِ بِطَلَاقَةِ الْوَجْهِ، وَطَيِّبِ الْكَلَامِ، وَالْإِطْعَامِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فِي الْأَوَّلِ بِمَقْدُورِهِ وَمُيَسَّرِهِ، وَالْبَاقِي بِمَا حَضَرَهُ مِنْ غَيْرِ تَكَلُّفٍ، لِئَلَّا يَثْقُلَ عَلَيْهِ وَعَلَى نَفْسِهِ وَبَعْدَ الثَّلَاثَةِ يُعَدُّ مِنَ الصَّدَقَةِ إِنْ شَاءَ فَعَلَ وَإِلَّا فَلَا. قَالُوا: وَيُشْعِرُ بِأَنَّ الثَّلَاثَةَ لَيْسَتْ مِنَ الصَّدَقَةِ، فَيُحْتَمَلُ أَنَّهَا وَاجِبَةٌ، لَكِنَّهَا نُسِخَتْ بِوُجُوبِ الزَّكَاةِ، أَوْ جُعِلَتْ كَالْوَاجِبِ لِلْعِنَايَةِ بِهَا، وَأَرَادُوا بِمَا بَعْدَهَا التَّبَرُّعَ الْمُبَاحَ، وَالضَّيْفُ يَسْتَوِي فِيهِ الْوَاحِدُ وَالْجَمْعُ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَصْدَرًا. («وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، فَلَا يُؤْذِ جَارَهُ»): أَيْ أَقَلُّهُ هَذَا وَإِلَّا فَفِي رِوَايَةٍ لِلشَّيْخَيْنِ: " فَلْيُكْرِمْ جَارَهُ "، وَفِي رِوَايَةٍ: " فَلْيُحْسِنْ إِلَى جَارِهِ " أَيْ بِأَنْ يُعِينَهُ عَلَى مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ، وَيَدْفَعَ عَنْهُ السُّوءَ وَيُخَصِّصَهُ بِالنَّيْلِ لِئَلَّا يَسْتَحِقَّ الْوَعِيدَ وَالْوَيْلَ. قَالَ - ﷺ: («أَتَدْرُونَ مَا حَقُّ الْجَارِ؟ إِنِ اسْتَعَانَكَ أَعَنْتَهُ، وَإِنِ اسْتَقْرَضَكَ أَقْرَضْتَهُ، وَإِنِ افْتَقَرَ جُدْتَ عَلَيْهِ، وَإِنْ مَرِضَ عُدْتَهُ، وَإِنْ مَاتَ اتَّبَعْتَ جَنَازَتَهُ، وَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ هَنَّأْتَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ مُصِيبَةٌ عَزَّيْتَهُ، وَلَا تَسْتَطِيلُ عَلَيْهِ بِالْبِنَاءِ فَتَحْجِزَ عَنْهُ الرِّيحَ إِلَّا بِإِذْنِهِ، وَإِنِ اشْتَرَيْتَ فَاكِهَةً فَاهْدِ لَهُ، وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَأَدْخِلْهُ سِرًّا، وَلَا يَخْرُجْ بِهَا وَلَدُكَ لِيَغِيظَ بِهَا وَلَدَهُ، وَلَا تُؤْذِ بِغُبَارِ قِدْرِكَ إِلَّا أَنْ تَغْرِفَ لَهُ مِنْهَا. أَتَدْرُونَ مَا حَقُّ الْجَارِ؟ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يَبْلُغُ حَقَّ الْجَارِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ اللَّهُ تَعَالَى» ". رَوَاهُ الْغَزَالِيُّ - ﵀ - فِي الْأَرْبَعِينَ، وَفِي شَرْحِ مُسْلِمٍ لِلنَّوَوِيِّ. قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: مَنِ الْتَزَمَ شَرَائِعَ الْإِسْلَامِ لَزِمَهُ إِكْرَامُ جَارِهِ وَضَيْفِهِ وَبَرِّهِمَا، وَقَدْ أَوْصَى اللَّهُ تَعَالَى بِالْإِحْسَانِ إِلَى الْجَارِ، وَالضِّيَافَةِ مِنْ مَحَاسِنِ الشَّرِيعَةِ وَمَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ، وَقَدْ أَوْجَبَهَا اللَّيْثُ لَيْلَةً وَاحِدَةً، وَاحْتَجَّ بِحَدِيثِ عُقْبَةَ: " «إِنْ نَزَلْتُمْ بِقَوْمٍ فَأَمَرُوا لَكُمْ بِحَقِّ الضَّيْفِ فَاقْبَلُوا، وَإِنْ لَمْ يَفْعَلُوا فَخُذُوا مِنْهُمْ حَقَّ الضَّيْفِ الَّذِي يَنْبَغِي لَهُمْ» "، وَعَامَّةُ الْفُقَهَاءِ عَلَى أَنَّهَا مِنْ مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ، وَحُجَّتُهُمْ قَوْلُهُ - ﷺ: " جَائِزَتُهُ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ " وَالْجَائِزَةُ: الْعَطِيَّةُ وَالْمِنْحَةُ وَالصِّلَةُ، فَذَلِكَ لَا يَكُونُ إِلَّا فِي الِاخْتِيَارِ، وَقَوْلُهُ: (فَلْيُكْرِمْ) يَدُلُّ عَلَى هَذَا أَيْضًا إِذْ لَيْسَ يُسْتَعْمَلُ مِثْلُهُ فِي الْوَاجِبِ، وَتَأَوَّلُوا الْأَحَادِيثَ بِأَنَّهَا كَانَتْ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ، أَنْ كَانَتِ الْمُوَاسَاةُ وَاجِبَةً. وَاخْتُلِفَ أَنَّهَا
[ ٧ / ٢٧٣١ ]
" عَلَى الْحَاضِرِ وَالْبَادِي أَمْ عَلَى الْبَادِي؟ فَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ وَمَنْ تَبِعَهُ إِلَى أَنَّهَا عَلَيْهِمَا. وَقَالَ مَالِكٌ وَمَنْ وَافَقَهُ: إِنَّمَا ذَلِكَ عَلَى أَهْلِ الْبَوَادِي لِأَنَّ الْمُسَافِرَ يَجِدُ فِي الْحَضَرِ الْمَنَازِلَ وَمَا يَشْتَرِي فِي الْأَسْوَاقِ. («وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، فَلْيَقُلْ خَيْرًا، أَوْ لِيَصْمُتْ»): بِضَمِّ الْمِيمِ أَيْ لِيَسْكُتْ كَمَا فِي رِوَايَةٍ وَقَدْ وَرَدَ: " مَنْ صَمَتَ نَجَا "، كَمَا رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - وَيَعْنِي إِذَا أَرَادَ أَنْ يَتَكَلَّمَ، فَإِنْ كَانَ مَا يَتَكَلَّمُ بِهِ خَيْرًا يُثَابُ عَلَيْهِ وَاجِبًا كَانَ أَوْ مَنْدُوبًا فَلْيَتَكَلَّمْ بِهِ، وَإِنْ لَمْ يَظْهَرْ لَهُ خَبَرُهُ سَوَاءً ظَهَرَ أَنَّهُ حَرَامٌ أَوْ مَكْرُوهٌ أَوْ مُبَاحٌ، فَلْيُمْسِكْ عَنْهُ فَالْكَلَامُ الْمُبَاحُ مَأْمُورٌ بِتَرْكِهِ مَخَافَةَ انْجِرَارِهِ إِلَى الْحَرَامِ. (وَفِي رِوَايَةٍ): أَيْ لِلْبُخَارِيِّ (بَدَلَ الْجَارِ): أَيْ بَدَلَ الْجُمْلَةِ الَّتِي فِيهَا ذُكِرَ الْجَارُ («مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ»): فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الْقَاطِعَ كَأَنَّهُ لَمْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ لِعَدَمِ خَوْفِهِ مِنْ شِدَّةِ الْعُقُوبَةِ الْمُتَرَتِّبَةِ عَلَى الْقَطِيعَةِ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) وَالْحَدِيثُ فِي الْأَرْبَعِينَ لِلنَّوَوِيِّ بِتَأْخِيرِ الْجَارِ وَالضَّيْفِ، وَلَعَلَّهُ رِوَايَاتٌ. وَاخْتَارَ الْمُصَنِّفُ تَقْدِيمَ الضَّيْفَةِ لِمُنَاسَبَةِ الْبَابِ وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ بِلَفْظِ: " «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُحْسِنْ إِلَى جَارِهِ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَسْكُتْ» ". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالشَّيْخَانِ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ عَنْ أَبِي شُرَيْحٍ، وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵄ - وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ وَالْحَاكِمُ عَنْ جَابِرٍ: " «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ. فَلَا يَدْخُلِ الْحَمَّامَ بِغَيْرِ إِزَارٍ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلَا يُدْخِلْ حَلِيلَتَهُ الْحَمَّامَ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلَا يَجْلِسْ عَلَى مَائِدَةٍ يُدَارُ عَلَيْهَا الْخَمْرُ» ". وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ عَنْ رُوَيْفِعٍ: " «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلَا يَسْقِي مَاءَهُ وَلَدَ غَيْرِهِ» ". وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ صُرَدٍ: («مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلَا يُرَوِّعَنَّ مُسْلِمًا» ". وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ: " «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلَا يَلْبَسُ خُفَّيْهِ حَتَّى يَنْفُضَهُمَا» ". وَرَوَى أَحْمَدُ وَالْحَاكِمُ: " «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلَا يَلْبَسْ حَرِيرًا وَلَا ذَهَبًا» ".
[ ٧ / ٢٧٣٢ ]
٤٢٤٤ - وَعَنْ أَبِي شُرَيْحٍ الْكَعْبِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: " «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ، جَائِزَتُهُ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ، وَالضِّيَافَةُ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ، فَمَا بَعْدَ ذَلِكَ فَهُوَ صَدَقَةٌ، وَلَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَثْوِيَ عِنْدَهُ حَتَّى يُحَرِّجَهُ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
_________________
(١) وَعَنْ أَبِي شُرَيْحٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ): بِالتَّصْغِيرِ (الْكَعْبِيِّ)، قَالَ الْمُؤَلِّفُ: هُوَ خُوَيْلِدُ بْنُ عَمْرٍو الْكَعْبِيُّ الْعَدَوِيُّ الْخُزَاعِيُّ، أَسْلَمَ قَبْلَ الْفَتْحِ وَمَاتَ بِالْمَدِينَةِ. (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: " «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ، جَائِزَتُهُ»): بِالرَّفْعِ أَيْ عَطِيَّتُهُ (يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ)، فِي الْفَائِقِ: الْجَائِزَةُ مِنْ أَجَازَهُ بِكَذَا إِذَا أَتْحَفَهُ وَأَلْطَمَهُ كَالْفَاضِلَةِ وَاحِدَةُ الْفَوَاضِلِ مِنْ أَفْضَلَ عَلَيْهِ. وَفِي شَرْحِ السُّنَّةِ: سُئِلَ عَنْ ذَلِكَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ فَقَالَ: يُكْرِمُهُ وَيُتْحِفُهُ يَوْمًا وَلَيْلَةً («وَالضِّيَافَةُ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ»)، فِي النِّهَايَةِ: أَيْ يُضَافُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فَيَتَكَلَّفُ لَهُ فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ مَا اتَّسَعَ لَهُ مِنْ بِرٍّ وَإِلْطَافٍ، وَيُقَدِّمُ لَهُ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي وَالثَّالِثِ مَا حَضَرَ، وَلَا يَزِيدُ عَلَى عَادَتِهِ، ثُمَّ يُعْطِهِ مَا يَجُوزُ بِهِ مَسَافَةَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، وَتُسَمَّى " الْجِيزَةَ " وَهُوَ قَدْرُ مَا يَجُوزُ بِهِ الْمُسَافِرُ مِنْ مَنْهَلٍ إِلَى مَنْهَلٍ (فَمَا بَعْدَ ذَلِكَ): أَيْ مِمَّا كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ (فَهُوَ صَدَقَةٌ)، أَيْ مَعْرُوفٌ إِنْ شَاءَ فَعَلَ، وَإِلَّا فَلَا. وَفِي شَرْحِ السُّنَّةِ: قَدْ صَحَّ عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ، عَنْ أَبِي شُرَيْحٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: («الضِّيَافَةُ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ وَجَائِزَتُهُ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ» ". قَالَ: وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْجَائِزَةَ بَعْدَ الضِّيَافَةِ، وَهُوَ أَنْ يُقْرَى ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، وَيُعْطَى مَا يَجُوزُ بِهِ مَسَافَةَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ. قَالَ الطِّيبِيُّ: جَائِزَتُهُ الْخَ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ بَيَانٌ لِلْأُولَى، كَأَنَّهُ قِيلَ: كَيْفَ يُكْرِمُهُ؟ فَأُجِيبَ: جَائِزَتُهُ. وَلَا بُدَّ مِنْ تَقْدِيرِ مُضَافٍ أَيْ زَمَانِ جَائِزَتِهِ أَيْ: بِرُّهُ وَإِلْطَافُهُ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ. وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ تُحْمَلُ عَلَى الْيَوْمِ الْأَوَّلِ. وَفِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ عَلَى الْيَوْمِ الْآخِرِ أَيْ قَدْرَ مَا يَجُوزُ بِهِ الْمُسَافِرُ مَا يَكْفِيهِ يَوْمًا وَلَيْلَةً، فَيَنْبَغِي أَنْ يُحْمَلَ عَلَى هَذَا عَمَلًا بِالْحَدِيثَيْنِ. (وَلَا يَحِلُّ لَهُ): أَيْ لِلْمَضِيفِ (أَنْ يَثْوِيَ): بِفَتْحِ الْيَاءِ وَسُكُونِ الْمُثَلَّثَةِ وَكَسْرِ الْوَاوِ مِنَ الثَّوَاءِ وَهُوَ الْإِقَامَةُ أَيْ يُقِيمَ (عِنْدَهُ): أَيْ عِنْدَ مُضِيفِهِ بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ بِلَا اسْتِدْعَائِهِ (حَتَّى يُحَرِّجَهُ): بِتَشْدِيدِ الرَّاءِ أَيْ يُضَيِّقَ صَدْرَهُ وَيُوقِعَهُ فِي الْحَرَجِ، وَالْمَفْهُومُ مِنَ الطِّيبِيِّ أَنَّهُ بِتَخْفِيفِ الرَّاءِ حَيْثُ قَالَ: وَالْإِحْرَاجُ التَّضْيِيقُ عَلَى الْمُضِيفِ بِأَنْ يُطِيلَ الْإِقَامَةَ عِنْدَهُ حَتَّى يُضَيِّقَ عَلَيْهِ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
[ ٧ / ٢٧٣٢ ]
٤٢٤٥ - وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ - ﵁ - قَالَ: «قُلْتُ لِلنَّبِيِّ - ﷺ: إِنَّكَ تَبْعَثُنَا فَنَنْزِلُ بِقَوْمٍ لَا يُقْرُونَنَا، فَمَا تَرَى؟ فَقَالَ لَنَا: " إِنْ نَزَلْتُمْ بِقَوْمٍ فَأَمَرُوا لَكُمْ بِمَا يَنْبَغِي لِلضَّيْفِ فَاقْبَلُوا؟، فَانْ لَمْ يَفْعَلُوا فَخُذُوا مِنْهُمْ حَقَّ الضَّيْفِ الَّذِي يَنْبَغِي لَهُمْ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
_________________
(١) (وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ): صَحَابِيٌّ جَلِيلٌ، رَوَى عَنْهُ خَلْقٌ كَثِيرٌ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ - ﵃. (قَالَ: قُلْتُ لِلنَّبِيِّ - ﷺ: إِنَّكَ تَبْعَثُنَا): أَيْ: وَفْدًا أَوْ غُزَاةً (فَنَنْزِلُ بِقَوْمٍ لَا يُقْرُونَنَا): وَفِي رِوَايَةٍ: (لَا يُقْرُونَا) بِحَذْفِ نُونِ الْإِعْرَابِ مَعَ نُونِ الضَّمِيرِ تَخْفِيفًا، وَذَلِكَ ثَابِتٌ فِي فَصِيحِ الْكَلَامِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: أَتُحَاجُّونِّي قُرِئَ بِتَشْدِيدِ النُّونِ وَتَخْفِيفِهَا (فَمَا تَرَى): مِنَ الرَّأْيِ، أَيْ: مَا تَقُولُ فِي أَمْرِنَا؟ (فَقَالَ لَنَا: إِنْ نَزَلْتُمْ بِقَوْمٍ فَأَمَرُوا لَكُمْ بِمَا يَنْبَغِي لِلضَّيْفِ فَاقْبَلُوا): أَيْ مِنْهُمْ (فَإِنْ لَمْ يَفْعَلُوا فَخُذُوا مِنْهُمْ حَقَّ الضَّيْفِ الَّذِي يَنْبَغِي لَهُمْ): أَيِ الضَّيْفِ، وَهُوَ يُطْلَقُ عَلَى الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ وَالْمَوْصُولُ صِفَةٌ لِلْحَقِّ. قَالَ الطِّيبِيُّ: هُوَ هَكَذَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ وَالْحُمَيْدِيِّ وَشَرْحِ السُّنَّةِ، وَقَدْ غَيَّرُوا فِي الْمَصَابِيحِ إِلَى " لَهُ "، وَلَمْ يَتَنَبَّهُوا عَلَى أَنَّ الضَّيْفَ مَصْدَرٌ يَسْتَوِي فِيهِ الْوَاحِدُ وَالْجَمْعُ. قَالَ تَعَالَى: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ﴾ [الذاريات: ٢٤]، قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: أَمْرُهُ - ﷺ - بِأَخْذِ حَقِّ الضَّيْفِ عِنْدَ عَدَمِ أَدَائِهِ وَهُوَ فِي أَهْلِ الذِّمَّةِ الْمَشْرُوطَةِ عَلَيْهِمْ ضِيَافَةُ الْمَارِّ عَلَيْهِمْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، أَوْ فِي الْمُضْطَرِّينَ مِنْ أَهْلِ الْمَخْمَصَةِ، وَإِلَّا فَيَمْتَنِعُ أَخْذُ مَالِ الْغَيْرِ إِلَّا بِطِيبِ نَفْسِهِ، وَعَنْ هَذَا أَوْجَبَ قَوْمٌ ضَمَانَ الْقِيمَةِ وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ، وَقَالَ جَمْعٌ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ: لَا ضَمَانَ فِيهِ، وَهُوَ الظَّاهِرُ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ ﵀: حَمَلَ أَحْمَدُ وَاللَّيْثُ الْحَدِيثَ عَلَى ظَاهِرِهِ، وَتَأَوَّلَهُ الْجُمْهُورُ عَلَى وُجُوهٍ أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى الْمُضْطَرِّ، فَإِنَّ ضِيَافَتَهُمْ وَاجِبَةٌ. وَثَانِيهَا: أَنَّ مَعْنَاهُ أَنَّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِنْ أَعْرَاضِهَا بِأَلْسِنَتِكُمْ تَذْكُرُوا لِلنَّاسِ لَوْمَهُمْ. قُلْتُ: وَمَا أَبْعَدَ هَذَا التَّأْوِيلَ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ. قَالَ: وَثَالِثُهَا: أَنَّ هَذَا كَانَ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ، وَكَانَتِ الْمُوَاسَاةُ وَاجِبَةً، فَلَمَّا أُشِيعَ الْإِسْلَامُ نُسِخَ ذَلِكَ، وَهَذَا التَّأْوِيلُ بَاطِلٌ لِأَنَّ الَّذِي ادَّعَاهُ الْمُؤَوِّلُ لَا يُعْرَفُ قَائِلُهُ. وَرَابِعُهَا: أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ مَرَّ بِأَهْلِ الذِّمَّةِ الَّذِينَ شُرِطَ عَلَيْهِمْ ضِيَافَةُ مَنْ يَمُرُّ بِهِمْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَهَذَا أَيْضًا ضَعِيفٌ لِأَنَّهُ إِنَّمَا صَارَ هَذَا فِي زَمَنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
[ ٧ / ٢٧٣٣ ]
٤٢٤٦ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - قَالَ: «خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - ذَاتَ يَوْمٍ أَوْ لَيْلَةٍ، فَإِذَا هُوَ بِأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ فَقَالَ: " مَا أَخْرَجَكُمَا مِنْ بُيُوتِكُمَا هَذِهِ السَّاعَةَ؟ ! قَالَا: الْجُوعُ. قَالَ: " وَأَنَا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَأَخْرَجَنِي الَّذِي أَخْرَجَكُمَا، قُومُوا "، فَقَامُوا مَعَهُ، فَأَتَى رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ، فَإِذَا هُوَ لَيْسَ فِي بَيْتِهِ، فَلَمَّا رَأَتْهُ الْمَرْأَةُ، قَالَتْ: مَرْحَبًا وَأَهْلًا. قَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: " أَيْنَ فُلَانٌ؟ "، قَالَتْ: ذَهَبَ يَسْتَعْذِبُ لَنَا مِنَ الْمَاءِ. إِذْ جَاءَ الْأَنْصَارِيُّ، فَنَظَرَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - وَصَاحِبَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ، مَا أَحَدٌ الْيَوْمَ أَكْرَمَ أَضْيَافًا مِنِّي، قَالَ: فَانْطَلَقَ فَجَاءَ بِعِذْقٍ فِيهِ بُسْرٌ وَتَمْرٌ وَرُطَبٌ، فَقَالَ: كُلُوا مِنْ هَذِهِ، وَأَخَذَ الْمُدْيَةَ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: " إِيَّاكَ وَالْحَلُوبَ " فَذَبَحَ لَهُمْ، فَأَكَلُوا مِنَ الشَّاةِ وَمِنْ ذَلِكَ الْعِذْقِ، وَشَرِبُوا، فَلَمَّا أَنْ شَبِعُوا وَرَوُوا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - لِأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ: " وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتُسْأَلُنَّ عَنْ هَذَا النَّعِيمِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمُ الْجُوعُ، ثُمَّ لَمْ تَرْجِعُوا حَتَّى أَصَابَكُمْ هَذَا النَّعِيمُ» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَذُكِرَ حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ: " كَانَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ. . " فِي " بَابِ الْوَلِيمَةِ ".
_________________
(١) (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - قَالَ؟ خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - ذَاتَ يَوْمٍ أَوْ لَيْلَةٍ): شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي (فَإِذَا): لِلْمُفَاجَأَةِ (هُوَ بِأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا): أَيْ لَاحِقٌ بِهِمَا (فَقَالَ: " مَا أَخْرَجَكُمَا مِنْ بُيُوتِكُمَا): بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ وَكَسْرِهَا أَيْ: مِنْ مَحَلِّكُمَا (هَذِهِ السَّاعَةَ؟): فَإِنَّهَا لَمْ تَكُنْ وَقْتَ الْخُرُوجِ فِي الْعَادَةِ (قَالَا: الْجُوعُ): أَيْ أَخْرَجَنَا الْجُوعُ أَوِ الْجُوعُ أَخْرَجَنَا. وَفِي الشَّمَائِلِ عَنْهُ قَالَ: " «خَرَجَ النَّبِيُّ - ﷺ - سَاعَةً لَا يَخْرُجُ فِيهَا وَلَا يَلْقَاهُ فِيهَا أَحَدٌ، فَأَتَاهُ أَبُو بَكْرٍ فَقَالَ: مَا جَاءَ بِكَ يَا أَبَا بَكْرٍ؟ فَقَالَ: خَرَجْتُ أَلْقَى رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - وَأَنْظُرُ فِي وَجْهِهِ وَأُسَلِّمُ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَلْبَثْ أَنْ جَاءَ عُمَرُ فَقَالَ: مَا جَاءَ بِكَ يَا عُمَرُ؟ قَالَ: الْجُوعُ يَا رَسُولَ اللَّهِ» ! فَتَأَمَّلْ فِي الرِّوَايَتَيْنِ لِيَحْصُلَ التَّطْبِيقُ، وَاللَّهُ وَلِيُّ التَّوْفِيقِ. (قَالَ: وَأَنَا): وَفِي بَعْضِ نُسَخِ الْمَصَابِيحِ بِالْفَاءِ (وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَأَخْرَجَنِي الَّذِي أَخْرَجَكُمَا): وَفِي الشَّمَائِلِ: " وَأَنَا قَدْ وَجَدْتُ بَعْضَ ذَلِكَ ": أَيِ الْجُوعَ قَالَ النَّوَوِيُّ: فِيهِ جَوَازُ ذِكْرِ الْإِنْسَانِ مَا نَالَهُ مِنْ أَلَمٍ وَنَحْوِهِ، لَا عَلَى التَّشَكِّي وَعَدَمِ الرِّضَا وَإِظْهَارِ الْجُوعِ، وَلَمَّا كَانَا - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - عَلَى لُزُومِ الطَّاعَةِ، فَعَرَضَ لَهُمَا هَذَا الْجُوعُ الْمُفْرِطُ الْمَانِعُ مِنْ كَمَالِ النَّشَاطِ بِالْعِبَادَةِ وَكَمَالِ التَّلَذُّذِ بِهَا سَعْيًا فِي إِزَالَتِهِ بِالْخُرُوجِ فِي طَلَبِ سَبَبٍ مُبَاحٍ لِيَدْفَعَاهُ بِهِ، وَقَدْ نُهِيَ عَنِ الصَّلَاةِ مَعَ مُدَافَعَةِ الْأَخْبَثَيْنِ وَبِحَضْرَةِ الطَّعَامِ انْتَهَى. وَقَدِ اتَّفَقَ خُرُوجُهُمْ غَيْرَ قَاصِدِينَ ضِيَافَةً فَقَالَ - ﷺ - لَهُمَا:
[ ٧ / ٢٧٣٣ ]
(قُومُوا، فَقَامُوا مَعَهُ): قَالَ الطِّيبِيُّ: هَكَذَا هُوَ فِي الْأُصُولِ بِضَمِيرِ الْجَمْعِ وَهُوَ جَائِزٌ، فَمَنْ قَالَ بِأَنَّ أَقَلَّ الْجَمْعِ اثْنَانِ فَظَاهِرٌ، وَمَنْ قَالَ بِأَنَّ أَقَلَّهُ ثَلَاثَةٌ فَمَجَازٌ يَعْنِي بِأَنْ أَعْطَى الْأَكْثَرَ حُكْمَ الْكُلِّ. (فَأَتَى): أَيِ النَّبِيُّ - ﷺ - مَعَهُمَا (رَجُلًا): أَيْ بَيْتَ رَجُلٍ (مِنَ الْأَنْصَارِ): قِيلَ: هُوَ خُزَاعِيٌّ وَإِنَّمَا هُوَ حَلِيفُ الْأَنْصَارِ، فَنُسِبَ إِلَيْهِمْ. قَالَ الْأَشْرَفُ: إِفْرَادُ الضَّمِيرِ أَيْ: فِي " أَتَى " وَإِسْنَادُهُ إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ - بَعْدَ قَوْلِهِ: " قُومُوا، فَقَامُوا " إِيذَانٌ بِأَنَّهُ - ﷺ - هُوَ الْمُطَاعُ، وَأَنَّهُمَا كَانَا مُطِيعَيْنِ لَهُ مُنْقَادَيْنِ كَمَنْ لَا اخْتِيَارَ لَهُ انْتَهَى. وَفِي الشَّمَائِلِ: " فَانْطَلَقُوا إِلَى مَنْزِلِ أَبِي الْهَيْثَمِ بْنِ التَّيِّهَانِ الْأَنْصَارِيِّ، وَكَانَ رَجُلًا كَثِيرَ النَّخْلِ وَالشَّاءِ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ خَدَمٌ فَلَمْ يَجِدُوهُ "، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ: (فَإِذَا هُوَ): أَيِ الرَّجُلُ (لَيْسَ فِي بَيْتِهِ): قَالَ الطِّيبِيُّ: أَيْ أَتَى بَيْتَ رَجُلٍ أَوْ قَصَدَهُ، فَلَمَّا بَلَغَ بَيْتَهُ، فَإِذَا هُوَ لَيْسَ فِي بَيْتِهِ أَيْ: فَاجَأَهُ وَقْتَ خُلُوِّهِ مِنْ بَيْتِهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ [الروم: ٤٨]: أَيْ: فَاجَئُوا وَقْتَ الِاسْتِبْشَارِ. (فَلَمَّا رَأَتْهُ الْمَرْأَةُ): أَيْ أَبْصَرَتِ النَّبِيَّ - ﷺ - (قَالَتْ؟ مَرْحَبًا: أَيْ أَتَيْتَ مَكَانًا وَاسِعًا (وَأَهْلًا): أَيْ وَجِئْتَ أَهْلًا (فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: أَيْنَ فُلَانُ؟): وَلَفْظُ الشَّمَائِلِ: " أَيْنَ صَاحِبُكِ؟ " (قَالَتْ: ذَهَبَ يَسْتَعْذِبُ): أَيْ يَطْلُبُ الْعَذْبَ وَهُوَ الْحُلْوُ (لَنَا مِنَ الْمَاءِ): فَإِنَّ أَكْثَرَ مِيَاهِ الْمَدِينَةِ كَانَ مَالِحًا (إِذْ جَاءَ): أَيْ: هُمْ فِي ذَلِكَ إِذْ جَاءَ (الْأَنْصَارِيُّ): وَفِي الشَّمَائِلِ: " «فَلَمْ يَلْبَثُوا أَنْ جَاءَ أَبُو الْهَيْثَمِ بِقِرْبَةٍ يَزْعَبُهَا فَوَضَعَهَا، ثُمَّ جَاءَ يَلْتَزِمُ النَّبِيَّ - ﷺ - وَيَفْدِيهِ بِأَبِيهِ وَأُمِّهِ» ". قَالَ النَّوَوِيُّ ﵀: الرَّجُلُ هُوَ أَبُو الْهَيْثَمِ مَالِكُ بْنُ التَّيِّهَانِ بِفَتْحِ التَّاءِ وَكَسْرِ الْيَاءِ الْمُثَنَّاةِ تَحْتُ وَتَشْدِيدِهَا، وَفِيهِ جَوَازُ الْإِدْلَالِ عَلَى الصَّاحِبِ الَّذِي يُوثَقُ بِهِ، وَاسْتِتْبَاعُ جَمَاعَةٍ إِلَى بَيْتِهِ، وَفِيهِ مَنْقَبَةٌ لَهُ وَكَفَى لَهُ شَرَفًا بِذَلِكَ، قُلْتُ: وَهُوَ مِمَّنْ شَهِدَ الْعَقَبَةَ، وَهُوَ أَحَدُ النُّقَبَاءِ الِاثْنَيْ عَشَرَ وَشَهِدَ بَدْرًا وَأُحُدًا وَالْمَشَاهِدَ كُلَّهَا.
رَوَى عَنْهُ أَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ: وَفِيهِ اسْتِحْبَابُ إِكْرَامِ الضَّيْفِ بِقَوْلِهِ مَرْحَبًا وَأَهْلًا أَيْ: صَادَفْتَ رَحْبًا وَسِعَةً وَأَهْلًا تَسْتَأْنِسُ بِهِمْ، وَفِيهِ جَوَازُ سَمَاعِ كَلَامِ الْأَجْنَبِيَّةِ وَمُرَاجَعَتِهَا الْكَلَامَ لِلْحَاجَةِ، وَجَوَازُ إِذْنِ الْمَرْأَةِ فِي دُخُولِ مَنْزِلِ زَوْجِهَا لِمَنْ عَلِمَتْ عِلْمًا مُحَقَّقًا أَنَّهُ لَا يَكْرَهُهُ بِحَيْثُ لَا يَخْلُو بِهَا الْخُلْوَةَ الْمُحَرَّمَةَ. (فَنَظَرَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - وَصَاحِبَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ، مَا أَحَدٌ الْيَوْمَ أَكْرَمَ): بِالنَّصْبِ وَفِي نُسْخَةٍ بِالرَّفْعِ أَيْ: أَكْرَمَ عَلِيَّ اللَّهُ (أَضْيَافًا مِنِّي): فِيهِ اسْتِحْبَابُ الشُّكْرِ عِنْدَ هُجُومِ نِعْمَةٍ وَانْدِفَاعِ نِقْمَةٍ، وَفِيهِ اسْتِحْبَابُ إِظْهَارِ الْبِشْرِ وَالْفَرَحِ بِالضَّيْفِ فِي وَجْهِهِ (قَالَ): أَيْ أَبُو هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَهُوَ يَحْتَمِلُ أَنَّهُ كَانَ مَعَهُمْ أَوْ سَمِعَ مِنْهُمْ (فَانْطَلَقَ): أَيْ بِهِمْ إِلَى حَدِيقَتِهِ. فَبَسَطَ لَهُمْ بِسَاطًا، ثُمَّ انْطَلَقَ إِلَى نَخْلَةٍ كَمَا فِي رِوَايَةِ الشَّمَائِلِ، (فَجَاءَهُمْ بِعِذْقٍ): بِكَسْرٍ فَسُكُونٍ أَيْ " بِقِنْوٍ " كَمَا فِي رِوَايَةٍ، وَهُوَ مِنَ النَّخْلِ بِمَنْزِلَةِ الْعُنْقُودِ مِنَ الْعِنَبِ (فِيهِ بُسْرٌ وَتَمْرٌ وَرُطَبٌ، فَقَالَ): أَيْ فَوَضَعَهُ فَقَالَ: (كُلُوا مِنْ هَذِهِ): أَيِ التَّمَرَاتِ وَأَنْوَاعِهَا. وَزَادَ التِّرْمِذِيُّ فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ: (أَفَلَا تَنَقَّيْتَ لَنَا مِنْ رُطَبِهِ؟ "، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنِّي أَرَدْتُ أَنْ تَخْتَارُوا مِنْ رُطَبِهِ وَبُسْرِهِ، فَأَكَلُوا وَشَرِبُوا مِنْ ذَلِكَ الْمَاءِ، فَقَالَ - ﷺ: («هَذَا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مِنَ النَّعِيمِ الَّذِي تُسْئَلُونَ عَنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، ظِلٌّ بَارِدٌ وَرُطَبٌ طِيِّبٌ وَمَاءٌ بَارِدٌ» " فَانْطَلَقَ أَبُو الْهَيْثَمِ لِيَضَعَ لَهُمْ طَعَامًا انْتَهَى.
قَالَ النَّوَوِيُّ: الْعِذْقُ هُنَا بِكَسْرِ الْعَيْنِ الْكِبَاسَةُ وَهِيَ الْغُصْنُ مِنَ النَّخْلِ، وَفِيهِ اسْتِحْبَابُ تَقْدِيمِ الْفَاكِهَةِ عَلَى الطَّعَامِ، وَالْمُبَادَرَةُ إِلَى الضَّيْفِ بِمَا تَيَسَّرَ، وَإِكْرَامُهُ بَعْدَهُ بِمَا يَصْنَعُ لَهُمْ مِنَ الطَّعَامِ: وَقَدْ كَرِهَ جَمَاعَةٌ مِنَ السَّلَفِ التَّكَلُّفَ لِلضَّيْفِ، وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى مَا يَشُقُّ عَلَى صَاحِبِ الْبَيْتِ مَشَقَّةً ظَاهِرَةً لِأَنَّ ذَلِكَ يَمْنَعُهُ مِنَ الْإِخْلَاصِ وَكَمَالِ السُّرُورِ بِالضَّيْفِ، وَأَمَّا فِعْلُ الْأَنْصَارِيِّ وَذَبْحُهُ الشَّاةَ، فَلَيْسَ مِمَّا يَشُقُّ عَلَيْهِ، بَلْ لَوْ ذَبَحَ أَغْنَامًا لَكَانَ مَسْرُورًا بِذَلِكَ مَغْبُوطًا فِيهِ انْتَهَى. وَسَبَبُهُ أَنَّهُ صَارَ صَدِيقًا لَهُ - ﷺ - وَلِصَاحِبَيْهِ، حَيْثُ عَلِمُوا رِضَاهُ وَفَرَحَهُ بِمَا أَتَاهُمْ، وَنَظِيرُهُ مَا حُكِيَ عَنِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ صَارَ ضَيْفًا لِبَعْضِ أَصْحَابِهِ، فَرَأَى فِي يَدِ عَبْدِ الْمُضِيفُ وَرَقَةً فِيهَا شِرَاءُ أَسْبَابِ أَنْوَاعِ الطَّبِيخِ الَّتِي
[ ٧ / ٢٧٣٤ ]
أَرَادَهَا سَيِّدُهُ، فَأَخَذَهَا الشَّافِعِيُّ، وَأَلْحَقَ فِيهَا نَوْعَ طَبِيخٍ كَانَ مُشْتَهًى لَهُ، فَلَمَّا مَدَّ السِّمَاطَ اسْتَغْرَبَ الْمُضِيفُ ذَلِكَ النَّوْعَ، وَنَادَى عَبْدَهُ سِرًّا وَسَأَلَهُ فَذَكَرَ لَهُ فَأَعْتَقَ عَبْدَهُ فَرَحًا بِذَلِكَ وَاسْتَبْشَرَ اسْتِبْشَارًا عَظِيمًا. وَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ مِثْلَ هَذَا الْإِمَامِ الْهُمَامِ رَاضِيًا لِأَنْ أَكُونَ صَدِيقًا لَهُ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿أَوْ صَدِيقِكُمْ﴾ [النور: ٦١] (وَأَخَذَ الْمُدْيَةَ): بِضَمٍّ فَسُكُونٍ وَقَدْ يُكْسَرُ أَوَّلُهُ وَاحِدُ الْمُدَى، وَهَى سِكِّينُ الْقَصَّابِ، وَفِي الْقَامُوسِ الْمُدْيَةُ مُثَلَّثَةُ الشَّفْرَةِ. (فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: «إِيَّاكَ وَالْحَلُوبَ»): بِفَتْحِ أَوَّلِهِ أَيْ ذَاتَ اللَّبَنِ فَعُولٌ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ كَرَكُوبٍ، وَفِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ لَا تَذْبَحَنَّ لَنَا شَاةً ذَاتَ دَرٍّ (فَذَبَحَ لَهُمْ): أَيْ عَنَاقًا أَوْ جَدْيًا فَأَتَاهُمْ بِهَا، كَمَا فِي رِوَايَةِ (فَأَكَلُوا مِنَ الشَّاةِ وَمِنْ ذَلِكَ الْعِذْقِ، وَشَرِبُوا): أَيْ: ثَانِيًا أَوِ الْوَاوُ لِمُطْلَقِ الْجَمْعِ، (فَلَمَّا أَنْ شَبِعُوا وَرَوُوا): بِضَمِّ الْوَاوِ وَأَصْلُهُ رَوَيُوا فَنُقِلَتْ ضَمَّةُ الْيَاءِ إِلَى مَا قَبْلَهَا بَعْدَ سَلْبِ حَرَكَةِ مَا قَبْلَهَا فَحُذِفَتْ لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -): أَيْ ثَانِيًا جَمْعًا بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ (لِأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ - ﵄: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتُسْأَلُنَّ عَنْ هَذَا النَّعِيمِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمُ الْجُوعُ، ثُمَّ لَمْ تَرْجِعُوا حَتَّى أَصَابَكُمْ هَذَا النَّعِيمُ») .
قَالَ الطِّيبِيُّ قَوْلُهُ: أَخْرَجَكُمْ. . الَخْ، جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ بَيَانٌ لِمُوجَبِ السُّؤَالِ عَنِ النَّعِيمِ يَعْنِي: حَيْثُ كُنْتُمْ مُحْتَاجِينَ إِلَى الطَّعَامِ مُضْطَرِّينَ إِلَيْهِ، فَنِلْتُمْ غَايَةَ مَطْلُوبِكُمْ مِنَ الشِّبَعِ وَالرِّيِّ يَجِبُ أَنْ تَسْأَلُوا، وَيُقَالُ لَكُمْ: هَلْ أَدَّيْتُمْ شُكْرَهَا أَمْ لَا؟، قَالَ النَّوَوِيُّ: فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ الشِّبَعِ، وَمَا جَاءَ فِي كَرَاهَتِهِ مَحْمُولٌ عَلَى الْمُدَاوَمَةِ عَلَيْهِ؟ لِأَنَّهُ يُقَسِّي الْقَلْبَ وَيُنْسِي حَالَ الْمُحْتَاجِينَ، وَأَمَّا السُّؤَالُ عَنْ هَذَا النَّعِيمِ؟، فَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: الْمُرَادُ بِهِ السُّؤَالُ عَنِ الْقِيَامِ بِحَقِّ شُكْرِهِ، وَالَّذِي نَعْتَقِدُهُ أَنَّ السُّؤَالَ هَذَا سُؤَالُ تَعْدَادِ النِّعَمِ، وَإِعْلَامٌ بِالِامْتِنَانِ بِهَا، وَإِظْهَارُ الْكَرَامَةِ بِإِسْبَاغِهَا لَا سُؤَالُ تَوْبِيخٍ وَتَقْرِيعٍ وَمُحَاسَبَةٍ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ): وَسَيَأْتِي لِهَذَا تَتِمَّةٌ فِي أَوَّلِ الْفَصْلِ الثَّانِي، ثُمَّ فِي الشَّمَائِلِ، فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ: («هَلْ لَكَ خَادِمٌ؟ " قَالَ: لَا. قَالَ: " فَإِذَا أَتَانَا سَبْيٌ فَأْتِنَا، فَأَتَى النَّبِيَّ - ﷺ - بِرَأْسَيْنِ لَيْسَ مَعَهُمَا ثَالِثٌ؟ فَأَتَاهُ أَبُو الْهَيْثَمِ، فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ: (اخْتَرْ مِنْهُمَا) فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ! اخْتَرْ لِي. فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ: (إِنَّ الْمُسْتَشَارَ مُؤْتَمَنٌ. خُذْ هَذَا، فَإِنِّي رَأَيْتُهُ يُصَلِّى وَاسْتَوْصِ "، وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ " وَاسْتَوْصِ بِهِ مَعْرُوفًا "، فَانْطَلَقَ أَبُو الْهَيْثَمِ إِلَى امْرَأَتِهِ فَأَخْبَرَهَا بِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - فَقَالَتِ امْرَأَتُهُ: مَا أَنْتَ بِبَالِغٍ مَا قَالَ فِيهِ النَّبِيُّ - ﷺ - إِلَّا أَنْ تُعْتِقَهُ. قَالَ: فَهُوَ عَتِيقٌ. فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ: (إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَبْعَثْ نَبِيًّا وَلَا خَلِيفَةً إِلَّا وَلَهُ بِطَانَتَانِ، بِطَانَةٌ تَأْمُرُهُ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَاهُ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَبِطَانَةٌ لَا تَأْلُوهُ خَبَالًا وَمَنْ يُوقَ بِطَانَةَ السُّوءِ فَقَدْ وُقِيَ» "، وَقَدْ بَيَّنْتُ مَعْنَى الْحَدِيثِ بِكَمَالِهِ فِي شَرْحِ الشَّمَائِلِ. قَالَ الْمُؤَلِّفُ: (وَذَكَرَ حَدِيثَ أَبِي مَسْعُودٍ: " كَانَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ. فِي " بَابِ الْوَلِيمَةِ) .
[ ٧ / ٢٧٣٥ ]
الْفَصْلُ الثَّانِي
٤٢٤٧ - عَنِ الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِي كَرِبَ - ﵁ - سَمِعَ النَّبِيَّ - ﷺ - يَقُولُ: " «أَيُّمَا مُسْلِمٍ ضَافَ قَوْمًا، فَأَصْبَحَ الضَّيْفُ مَحْرُومًا؟ كَانَ حَقًّا عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ نَصْرُهُ حَتَّى يَأْخُذَ لَهُ بِقِرَاهُ مِنْ مَالِهِ وَزَرْعِهِ» ". رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ.
وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ: " «وَأَيُّمَا رَجُلٍ ضَافَ قَوْمًا فَلَمْ يُقْرُوهُ، كَانَ لَهُ أَنْ يُعْقِبَهُمْ بِمِثْلِ قِرَاهُ» ".
_________________
(١) الْفَصْلُ الثَّانِي
(٢) (عَنِ الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِي كَرِبَ - ﵁ - سَمِعَ النَّبِيَّ - ﷺ - يَقُولُ: أَيُّمَا مُسْلِمٍ ضَافَ قَوْمًا): أَيْ نَزَلَ عَلَيْهِمْ ضَيْفًا (فَأَصْبَحَ الضَّيْفُ): أَيْ صَارَ (مَحْرُومًا كَانَ حَقًّا عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ نَصْرُهُ): وَفِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ وَالْحَاكِمِ عَنْهُ: " فَإِنَّ نَصْرَهُ حَقٌّ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ ". قَالَ الطِّيبِيُّ قَوْلُهُ: فَأَصْبَحَ الضَّيْفُ مُظْهَرًا أُقِيمَ مَقَامَ الْمُضْمَرِ إِشْعَارًا بِأَنَّ الْمُسْلِمَ الَّذِي ضَافَ قَوْمًا يَسْتَحِقُّ لِذَاتِهِ أَنْ يَقْرِيَ فَمَنْ مَنَعَ حَقَّهُ فَقَدْ ظَلَمَهُ، فَحَقَّ لِغَيْرِهِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ نَصْرُهُ. (حَتَّى يَأْخُذَ لَهُ بِقِرَاهُ): بِكَسْرِ الْقَافِ أَيْ بِضِيَافَتِهِ، وَالْمَعْنَى " بِمِثْلِ قِرَاهُ " كَمَا فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى، وَفِي رِوَايَةٍ " بِقِرَى لَيْلَتِهِ " أَيْ: بِقَدْرِ أَنْ يَصْرِفَ فِي ضِيَافَتِهِ
[ ٧ / ٢٧٣٥ ]
مِنْ مَالِهِ وَزَرْعِهِ): وَتَوْحِيدُ الضَّمِيرِ مَعَ ذِكْرِ الْقَوْمِ بِاعْتِبَارِ الْمُنْزَلِ عَلَيْهِ، وَالْمُضِيفِ وَهُوَ وَاحِدٌ (رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ،. وَأَبُو دَاوُدَ) .
(وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ): أَيْ لِأَبِي دَاوُدَ (وَأَيُّمَا رَجُلٍ): الظَّاهِرُ حَذْفُ الْعَاطِفِ، فَإِنَّهُ بَدَلٌ عَنْ تِلْكَ الرِّوَايَةِ لَا أَنَّهُ زِيَادَةٌ عَلَيْهَا، فَإِنَّ مُؤَدَّاهَا وَاحِدٌ (ضَافَ قَوْمًا فَلَمْ يُقْرُوهُ): بِسُكُونِ الْقَافِ وَضَمِّ الرَّاءِ أَيْ: لَمْ يُضَيِّفُوهُ (كَانَ لَهُ): أَيْ لِلضَّيْفِ (أَنْ يُعْقِبَهُمْ): بِضَمِّ الْيَاءِ وَكَسْرِ الْقَافِ أَيْ: يُتْبِعَهُمْ وَيُؤَاخِذَهُمْ بِأَنْ يَأْخُذَ مِنْ مَالِهِمْ عَقِيبَ صُنْعِهِمْ. (بِمِثْلِ قِرَاهُ): أَيْ قَدْرِ قِرَاهُ عَادَةً. قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: وَهَذَا فِي أَهْلِ الذِّمَّةِ مِنْ سُكَّانِ الْبَوَادِي إِذَا نَزَلَ بِهِمْ مُسْلِمٌ اهـ. وَالصَّحِيحُ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْمُضْطَرُّ النَّازِلُ بِأَحَدٍ، فَيَجِبُ عَلَيْهِ ضِيَافَتُهُ. مِمَّا يَحْفَظُ عَلَيْهِ إِمْسَاكَ رَمَقَهِ، وَقِيلَ بِمِقْدَارِ مَا يُشْبِعُهُ لِأَنَّهُ مُسَافِرٌ، فَإِنِ امْتَنَعَ يَجُوزُ لَهُ أَخْذُهُ سِرًّا أَوْ عَلَانِيَةً إِنْ قَدَرَ عَلَى ذَلِكَ، هَذَا وَقَدْ رَوَاهُ الْحَاكِمُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَلَفْظُهُ: " «أَيُّمَا ضَيْفٍ نَزَلَ بِقَوْمٍ فَأَصْبَحَ الضَّيْفُ مَحْرُومًا فَلَهُ أَنْ يَأْخُذَ بِقَدْرِ قِرَاهُ وَلَا حَرَجَ عَلَيْهِ» ".
[ ٧ / ٢٧٣٦ ]
٤٢٤٨ - وَعَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ الْجُشَمِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قُلْتُ: «يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَرَأَيْتَ إِنْ مَرَرْتُ بِرَجُلٍ فَلَمْ يُقِرْنِي وَلَمْ يُضِفْنِي، ثُمَّ مَرَّ بِي بَعْدَ ذَلِكَ، أَأَقْرِيهِ أَمْ أَجْزِيهِ؟ قَالَ: " بَلِ اقْرِهِ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
_________________
(١) (وَعَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ): بِحَاءٍ وَصَادٍ مُهْمَلَتَيْنِ (الْجُشَمِيِّ): بِضَمِّ الْجِيمِ وَفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ. قَالَ الْمُؤَلِّفُ: اسْمُهُ عَوْفُ بْنُ مَالِكِ بْنِ نَضْرٍ، سَمِعَ أَبَاهُ وَابْنَ مَسْعُودٍ، وَرَوَى عَنْهُ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَغَيْرُهُ (عَنْ أَبِيهِ): أَيْ مَالِكِ بْنِ نَضْرٍ، وَلَمْ يَذْكُرْهُ الْمُؤَلِّفُ فِي أَسْمَائِهِ (قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَرَأَيْتَ): أَيْ: أَخَبِرْنِي (إِنْ مَرَرْتُ بِرَجُلٍ فَلَمْ يُقِرْنِي): بِكَسْرِ الرَّاءِ تَفْسِيرُهُ قَوْلُهُ: (وَلَمْ يُضِفْنِي): بِضَمِّ أَوَّلِهِ (ثُمَّ مَرَّ بِي بَعْدَ ذَلِكَ، أَأَقْرِيهِ أَمْ أَجْزِيهِ؟): بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ الْيَاءِ أَيْ أُكَافِئُهُ بِتَرْكِ الْقِرَى وَمَنْعِ الطَّعَامِ كَمَا فَعَلَ بِي (قَالَ: " بَلِ اقْرِهِ): فِيهِ حَثٌّ عَلَى الْقِرَى الَّذِي هُوَ مِنْ مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ، وَمِنْهَا دَفْعُ السَّيِّئَةِ بِالْحَسَنَةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ﴾ [المؤمنون: ٩٦] . (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) .
[ ٧ / ٢٧٣٦ ]
٤٢٤٩ - وَعَنْ أَنَسٍ - أَوْ غَيْرِهِ - «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - اسْتَأْذَنَ عَلَى سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ، فَقَالَ: " السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ "، فَقَالَ سَعْدٌ: وَعَلَيْكُمُ السَّلَامُ وَرَحْمَةُ اللَّهِ، وَلَمْ يُسْمِعِ النَّبِيَّ - ﷺ - حَتَّى سَلَّمَ ثَلَاثًا، وَرَدَّ عَلَيْهِ سَعْدٌ ثَلَاثًا، وَلَمْ يُسْمِعْهُ، فَرَجَعَ النَّبِيُّ - ﷺ - فَاتَّبَعَهُ سَعْدٌ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي، مَا سَلَّمْتَ تَسْلِيمَةً إِلَّا هِيَ بِأُذُنِي، وَلَقَدْ رَدَدْتُ عَلَيْكَ وَلَمْ أُسْمِعْكَ، أَحْبَبْتُ أَنْ أَسْتَكْثِرَ مِنْ سَلَامِكَ وَمِنَ الْبَرَكَةِ، ثُمَّ دَخَلُوا الْبَيْتَ، فَقَرَّبَ لَهُ زَبِيبًا، فَأَكَلَ نَبِيُّ اللَّهِ - ﷺ - فَلَمَّا فَرَغَ قَالَ: " أَكَلَ طَعَامَكُمُ الْأَبْرَارُ، وَصَلَّتْ عَلَيْكُمُ الْمَلَائِكَةُ، وَأَفْطَرَ عِنْدَكُمُ الصَّائِمُونَ» ". رَوَاهُ فِي " شَرْحِ السُّنَّةِ ".
_________________
(١) (وَعَنْ أَنَسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَوْ غَيْرِهِ): أَيْ مِنَ الصَّحَابَةِ - ﵃ أَجْمَعِينَ - وَهُوَ شَكٌّ مِنْ أَحَدِ الرُّوَاةِ، وَقَدْ جَزَمَ غَيْرُهُ بِأَنَّهُ عَنْ أَنَسٍ - ﵁ - (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - اسْتَأْذَنَ عَلَى سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ): أَيْ: طَلَبَ الْإِذْنَ أَنْ يَدْخُلَ عَلَيْهِ (قَالَ): أَيِ النَّبِيُّ - ﷺ - لِلِاسْتِئْذَانِ (السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ): وَهَلْ قَالَ: " أَدْخُلُ؟ " يُحْتَمَلُ (فَقَالَ سَعْدٌ): أَيْ سِرًّا (وَعَلَيْكُمُ السَّلَامُ وَرَحْمَةُ اللَّهِ): الظَّاهِرُ أَنَّهُ زَادَ: " وَبَرَكَاتُهُ "، فَاخْتَصَرَهُ الرَّاوِي نِسْيَانًا (وَلَمْ يُسْمِعِ النَّبِيَّ - ﷺ: مِنَ الْإِسْمَاعِ أَيْ لَمْ يَقْصِدْ سَعْدٌ سَمَاعَهُ - ﷺ - حَيْثُ لَمْ يَرْفَعْ صَوْتَهُ لِغَرَضِهِ الْآتِي وَلَمْ يَبْعُدْ أَنْ يَكُونَ مِنَ السَّمَاعِ وَهُوَ لَازِمُهُ، وَالْمَعْنَى أَنَّهُ وَقَعَ سَلَامُ الِاسْتِئْذَانِ جَهْرًا وَجَوَابُهُ سِرًّا (حَتَّى سَلَّمَ): أَيِ النَّبِيُّ - ﷺ - وَرَدَّ عَلَيْهِ سَعْدٌ ثَلَاثًا): ظَرْفٌ لِلْفِعْلَيْنِ، (وَلَمْ يُسْمِعْهُ): بِضَمِّ أَوَّلِهِ أَيْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ (فَرَجَعَ النَّبِيُّ - ﷺ - فَاتَّبَعَهُ): بِالتَّشْدِيدِ أَيْ فَتَبِعَهُ (سَعْدٌ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! بِأَبِي أَنْتَ): أَيْ مُفَدًّى أَوْ أَفْدِيكَ بِأَبِي (وَأُمِّي):
[ ٧ / ٢٧٣٦ ]
أَيْ وَبِأُمِّي، وَالْمَعْنَى أَجْعَلُكَ مَفْدِيًّا بِأَيِّهِمَا وَأُصَيِّرُهُمَا فِدَاءً لَكَ، قَالَ بَعْضُهُمْ: أَنَّهُ مِنْ خَصَائِصِهِ - ﷺ - وَلَا يُقَالُ لِغَيْرِهِ، كَذَا فِي حَاشِيَةِ الْبُخَارِيِّ لِلسُّيُوطِيِّ ﵀، لَكِنْ وَرَدَ أَنَّهُ - ﷺ - قَالَ لِسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - " فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي "، وَكَذَا لِلزُّبَيْرِ، وَلَمْ يَقُلْ ذَلِكَ لِأَحَدٍ غَيْرِهِمَا، وَلَعَلَّ هَذَا أَيْضًا مِنْ خُصُوصِيَّاتِهِ.
(مَا سَلَّمْتُ تَسِلِيمَةً إِلَّا هِيَ): وَفِي نُسْخَةٍ " إِلَّا وَهِيَ ": أَيِ التَّسْلِيمَةُ (بِأُذُنَيَّ): بِصِيغَةِ التَّثْنِيَةِ لِلْمُبَالَغَةِ أَيْ فِي مَسْمُوعِي (وَلَقَدْ رَدَدْتُ عَلَيْكَ): أَيْ أَجَبْتُكَ سِرًّا كُلَّ مَرَّةٍ (وَلَمْ أُسْمِعْكَ ; أَحْبَبْتُ): اسْتِئْنَافُ بَيَانٍ، أَيْ وَدِدْتُ (أَنْ أَسْتَكْثِرَ مِنْ سَلَامِكَ وَمِنَ الْبَرَكَةِ): أَيْ فِي سَلَامِكَ وَكَلَامِكَ. قِيلَ: هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ - ﷺ - كَانَ يَضُمُّ " وَبَرَكَاتُهُ "، وَفِيهِ بَحْثٌ ظَاهِرٌ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى اسْتِحْبَابِ عَدَمِ إِسْمَاعِ رَدِّ السَّلَامِ لِمِثْلِ هَذَا الْغَرَضِ الْخَطِيرِ، يَعْنِي لِتَقْرِيرِهِ - ﷺ - لَكِنْ فِيهِ إِشْكَالٌ، وَهُوَ أَنَّ رَدَّ السَّلَامِ مِنْ غَيْرِ إِسْمَاعٍ لَا يَقُومُ مَقَامَ الْغَرَضِ، وَلَعَلَّهُ وَقَعَ الْإِسْمَاعُ حَالَ الِاتِّبَاعِ (ثُمَّ دَخَلُوا الْبَيْتَ فَقَّرَبَ لَهُ زَبِيبًا): أَيْ قَدَّمَ بَعْضًا مِنْ هَذَا الْجِنْسِ، وَفِي رِوَايَةٍ: " فَجَاءَ بِخُبْزٍ وَزَبِيبٍ " (فَأَكَلَ نَبِيُّ اللَّهِ - ﷺ -): أَيْ مِنْهُ (فَلَمَّا فَرَغَ قَالَ): أَيْ دَعَا (أَكَلَ طَعَامَكُمُ الْأَبْرَارُ): قَالَ الْمُظْهِرُ يَجُوزُ أَنَ يَكُونَ هَذَا دُعَاءً مِنْهُ - ﷺ - وَأَنْ يَكُونَ إِخْبَارًا، وَهَذَا الْمَوْصُوفُ مَوْجُودٌ فِي حَقِّهِ - ﷺ - لِأَنَّهُ أَبَرُّ الْأَبْرَارِ، وَأَمَّا مِنْ غَيْرِهِ - ﷺ - فَيَكُونُ دُعَاءً لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُخْبِرَ أَحَدٌ عَنْ نَفْسِهِ أَنَّهُ بَرٌّ قَالَ الطِّيبِيُّ: وَلَعَلَّ إِطْلَاقَ الْأَبْرَارِ وَهُوَ جَمْعٌ عَلَى نَفْسِهِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ لِلتَّعْظِيمِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً﴾ [النحل: ١٢٠] قُلْتُ: وَكَذَا يَحْتَمِلُ قَوْلُهُ: (وَصَلَّتْ عَلَيْكُمُ الْمَلَائِكَةُ): أَنْ يَكُونَ دُعَاءً وَإِخْبَارًا وَأَمَّا قَوْلُهُ: (وَأَفْطَرَ عِنْدَكُمُ الصَّائِمُونَ): فَدُعَاءٌ لِأَنَّ مُجَرَّدَ الْإِخْبَارِ بِهِ لَا يُفِيدُ فَائِدَةً تَامَّةً، مَعَ أَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ مَا كَانَ وَقْتَ الْإِفْطَارِ، وَلَا يُنَافِيهِ تَقْيِيدُهُ فِي رِوَايَةٍ بِقَوْلِهِ: " إِذَا أَفْطَرَ عِنْدَ قَوْمٍ دَعَا لَهُمْ "، بَلْ فِيهِ تَأْيِيدٌ لَهُ، فَتَأَمَّلْ غَايَتَهُ أَنَّهُ قَيْدٌ وَاقِعِيٌّ لَا احْتِرَازِيٌّ (رَوَاهُ فِي " شَرْحِ السُّنَّةِ): قَالَ مِيرَكُ جَاءَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ: «أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - جَاءَ إِلَى سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ، فَجَاءَ بِخُبْزٍ وَزَبِيبٍ فَأَكَلَ، ثُمَّ قَالَ: " أَفْطَرَ عِنْدَكُمُ الصَّائِمُونَ وَأَكَلَ طَعَامَكُمُ الْأَبْرَارُ وَصَلَّتْ عَلَيْكُمُ الْمَلَائِكَةُ» "، هَكَذَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ، وَرَوَاهُ ابْنُ السُّنِّيِّ عَنْ أَنَسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - إِذَا أَفْطَرَ عِنْدَ قَوْمٍ دَعَا لَهُمْ فَقَالَ: " أَفْطَرَ عِنْدَكُمْ ". . الْخَ. وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ: أَفْطَرَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - عِنْدَ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ فَقَالَ: " أَفْطَرَ عِنْدَكُمْ ". . الْخَ. وَرَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ، وَعِنْدَهُ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ بَدَلَ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ، وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بِتَعَدُّدِ الْقَضِيَّةِ.
[ ٧ / ٢٧٣٧ ]
٤٢٥٠ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ - ﵁ - عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: " «مَثَلُ الْمُؤْمِنِ وَمَثَلُ الْإِيمَانِ كَمَثَلِ الْفَرَسِ فِي آخِيَّتِهِ يَجُولُ، ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى آخِيَّتِهِ، وَإِنَّ الْمُؤْمِنَ يَسْهُو، ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى الْإِيمَانِ، فَأَطْعِمُوا طَعَامَكُمُ الْأَتْقِيَاءَ، وَأَوْلُوا مَعْرُوفَكُمُ الْمُؤْمِنِينَ» ". رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي " شُعَبِ الْإِيمَانِ " وَأَبُو نُعَيْمٍ فِي " الْحِلْيَةِ ".
_________________
(١) (وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ): أَيِ الْخُدْرِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - (عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: مَثَلُ الْمُؤْمِنِ): بِفَتْحَتَيْنِ أَيْ صِفَتُهُ الْعَجِيبَةُ (وَمَثَلُ الْإِيمَانِ): أَيْ: فِي حَالَتِهِ الْغَرِيبَةِ (كَمَثَلِ الْفَرَسِ فِي آخِيَّتِهِ): هَمْزَةٌ مَمْدُودَةٌ فَمُعْجَمَةٌ مَكْسُورَةٌ فَتَحْتِيَّةٌ مَشْدُودَةٌ، عُرْوَةُ حَبْلٍ فِي وَتَدٍ يُدْفَنُ طَرَفَا الْحَبْلِ فِي أَرْضٍ فَيَصِيرُ وَسَطُهُ كَالْعُرْوَةِ، وَيُشَدُّ بِهَا الدَّابَّةُ فِي الْعَلَفِ (يَجُولُ): أَيْ يَدُورُ (ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى آخِيَّتِهِ): وَالْمَعْنَى أَنَّ الْمُؤْمِنَ مَرْبُوطٌ بِالْإِيمَانِ لَا انْفِصَامَ لَهُ عَنْهُ، وَأَنَّهُ إِنِ اتَّفَقَ أَنْ يَحُومَ حَوْلَ الْمَعَاصِي يَتَبَاعَدُ عَنْ قَضِيَّةِ الْإِيمَانِ مِنْ مُلَازَمَةِ الطَّاعَةِ، فَإِنَّهُ يَعُودُ بِالْآخِرَةِ إِلَيْهِ بِالنَّدَمِ وَالتَّوْبَةِ، وَيَتَدَارَكُ مَا فَاتَهُ مِنَ الْعِبَادَةِ وَهُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: (وَإِنَّ الْمُؤْمِنَ يَسْهُو): أَيْ عَنِ الْإِيمَانِ بِالْغَفْلَةِ عَنْ مَرَاتِبِ الْإِحْسَانِ (ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى الْإِيمَانِ): أَيْ بِعَوْنِ الرَّحْمَنِ (فَأَطْعِمُوا): جَزَاءُ شَرْطٍ مَحْذُوفٍ أَيْ: إِذَا كَانَ حُكْمُ الْإِيمَانِ حُكْمَ الْآخِيَّةِ فَقَوُّوا الْوَسَائِلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ وَأَطْعِمُوا (طَعَامَكُمُ الْأَتْقِيَاءَ): وَإِنَّمَا خَصَّ - ﷺ - الْأَتْقِيَاءَ بِالْإِطْعَامِ ; لِأَنَّ الطَّعَامَ يَصِيرُ جُزْءًا
[ ٧ / ٢٧٣٧ ]
لِبَدَنٍ فَيَتَقَوَّى بِهِ عَلَى الطَّاعَةِ ; فَيَدْعُو لَكَ، وَيُسْتَجَابُ دُعَاؤُهُ فِي حَقِّكَ. وَرُوِيَ: " «لَا تَأْكُلْ إِلَّا طَعَامَ تَقِيٍّ، وَلَا يَأْكُلْ طَعَامَكَ إِلَّا تَقِيٌّ» "، وَلَيْسَ كَذَلِكَ سَائِرُ الْمَعْرُوفِ، وَلِهَذَا عَمَّمَهُ لِعُمُومِ الْمُؤْمِنِينَ بِقَوْلِهِ: (وَأَوْلُوا): مِنَ الْإِيلَاءِ وَهُوَ الْإِعْطَاءُ، أَيْ خُصُّوا (مَعْرُوفَكُمْ): أَيْ إِحْسَانَكُمْ (الْمُؤْمِنِينَ): أَيْ أَجْمَعِينَ دُونَ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ (رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي " شُعَبِ الْإِيمَانِ "، وَأَبُو نُعَيْمٍ فِي الْحِلْيَةِ) .
[ ٧ / ٢٧٣٨ ]
٤٢٥١ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُسْرٍ - ﵁ - قَالَ: «كَانَ لِلنَّبِيِّ - ﷺ - قَصْعَةٌ، يَحْمِلُهَا أَرْبَعَةُ رِجَالٍ، يُقَالُ لَهَا: الْغَرَّاءُ، فَلَمَّا أَضْحَوْا وَسَجَدُوا الضُّحَى، أُتِيَ بِتِلْكَ الْقَصْعَةِ وَقَدْ ثُرِدَ فِيهَا، فَالْتَفُّوا عَلَيْهَا، فَلَمَّا كَثُرُوا، جَثَا رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - فَقَالَ أَعْرَابِيٌّ: مَا هَذِهِ الْجِلْسَةُ؟، فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ: " إِنَّ اللَّهَ جَعَلَنِي عَبْدًا كَرِيمًا، وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا عَنِيدًا " ثُمَّ قَالَ: " كُلُوا مِنْ جَوَانِبِهَا، وَدَعُوا ذِرْوَتَهَا يُبَارَكْ فِيهَا» ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
_________________
(١) (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُسْرٍ): بِمُوَحَّدَةٍ وَسُكُونِ مُهْمَلَةٍ قَالَ الْمُؤَلِّفُ: سُلَمِيٌّ مَازِنِيٌّ، لَهُ وَلِأَبِيهِ بُسْرٍ وَأُمِّهِ وَأَخِيهِ عَطِيَّةَ وَأُخْتِهِ الصَّمَّاءِ صُحْبَةٌ، نَزَلَ الشَّامَ، وَمَاتَ بِحِمْصَ فَجْأَةً، وَهُوَ يَتَوَضَّأُ سَنَةَ ثَمَانٍ وَثَمَانِينَ، وَهُوَ آخِرُ مَنْ مَاتَ مِنَ الصَّحَابَةِ بِالشَّامِ، رَوَى عَنْهُ جَمَاعَةٌ. (قَالَ: كَانَ لِلنَّبِيِّ - ﷺ - قَصْعَةٌ): أَيْ كَبِيرَةٌ (يَحْمِلُهَا أَرْبَعَةُ رِجَالٍ، يُقَالُ لَهَا: الْغَرَّاءُ): تَأْنِيثُ الْأَغَرِّ، بِمَعْنَى الْأَبْيَضِ الْأَنْوَرِ (فَلَمَّا أَضْحَوْا): بِسُكُونِ الضَّادِ الْمُعْجَمَةِ وَفَتْحِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ، أَيْ دَخَلُوا فِي الضُّحَى (وَسَجَدُوا الضُّحَى): أَيْ صَلَّوْهَا (أُتِيَ بِتِلْكَ الْقَصْعَةِ): أَيْ جِيءَ بِهَا. (وَقَدْ ثُرِدَ): بِضَمِّ مُثَلَّثَةٍ وَكَسْرِ رَاءٍ مُشَدَّدَةٍ (فِيهَا): أَيْ فِي الْقَصْعَةِ وَالْجُمْلَةُ حَالٌ (فَالْتَفُّوا): بِتَشْدِيدِ الْفَاءِ الْمَضْمُومَةِ أَيِ اجْتَمَعُوا (عَلَيْهَا): أَيْ حَوْلَهَا (فَلَمَّا كَثُرُوا): بِضَمِّ الْمُثَلَّثَةِ (جَثَا رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -): أَيْ مِنْ جِهَةِ ضِيقِ الْمَكَانِ تَوْسِعَةً عَلَى الْإِخْوَانِ. وَفِي الْقَامُوسِ: جَثَا كَدَعَا وَرَمَى جُثُوًّا وَجِثِيًّا بِضَمِّهِمَا جَلَسَ عَلَى رُكْبَتَيْهِ (فَقَالَ أَعْرَابِيٌّ: مَا هَذِهِ الْجِلْسَةُ؟): بِكَسْرِ الْجِيمِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: هَذِهِ نَحْوُهَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾ [العنكبوت: ٦٤]: كَأَنَّهُ اسْتَحْقَرَهَا وَرَفَعَ مَنْزِلَتَهُ عَنْ مِثْلِهَا (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ): وَفِي نُسْخَةٍ نَبِيُّ اللَّهِ - ﷺ: (إِنَّ اللَّهَ جَعَلَنِي عَبْدًا كَرِيمًا): أَيْ مُتَوَاضِعًا سَخِيًّا، وَهَذِهِ الْجِلْسَةُ أَقْرَبُ إِلَى التَّوَاضُعِ، وَأَنَا عَبْدٌ وَالتَّوَاضُعُ بِالْعَبْدِ أَلْيَقُ، قَالَ الطِّيبِيُّ: أَيْ هَذِهِ جِلْسَةُ تَوَاضُعٍ لَا حَقَارَةٍ ; وَلِذَلِكَ وَصَفَ " عَبْدًا " بِقَوْلِهِ " كَرِيمًا " اهـ. وَمَفْهُومُهُ أَنَّهُ لَا يَرْضَى بِمِثْلِ هَذِهِ الْجِلْسَةِ أَهْلُ الْجَهْلِ وَالتَّكَبُّرِ ; وَلِذَا قَالَ: (وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا): أَيْ مُتَكَبِّرًا مُتَمَرِّدًا (عَنِيدًا): أَيْ مُعَانِدًا جَائِرًا عَنِ الْقَصْدِ، وَأَدَاءِ الْحَقِّ مَعَ عِلْمِهِ بِهِ. (ثُمَّ قَالَ: كُلُوا مِنْ جَوَانِبِهَا): مُقَابَلَةُ الْجَمْعِ بِالْجَمْعِ أَيْ: لِيَأْكُلْ كُلُّ وَاحِدٍ مِمَّا يَلِيهِ مِنْ أَطْرَافِ الْقَصْعَةِ (وَدَعُوا): أَيِ اتْرُكُوا (ذِرْوَتَهَا): بِتَثْلِيثِ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ وَالْكَسْرُ أَصَحُّ أَيْ وَسَطَهَا وَأَعْلَاهَا (يُبَارَكْ): بِالْجَزْمِ عَلَى جَوَابِ الْأَمْرِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِالرَّفْعِ أَيْ هُوَ سَبَبٌ أَنْ تَكْثُرَ الْبَرَكَةُ (فِيهَا): أَيْ فِي الْقَصْعَةِ بِخِلَافِ مَا إِذَا أُكِلَ مِنْ أَعْلَاهَا انْقَطَعَ الْبَرَكَةُ مِنْ أَسْفَلِهَا. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ): وَكَذَا ابْنُ مَاجَهْ. وَقَدْ سَبَقَ مَا وَرَدَ فِي مَعْنَاهُ.
[ ٧ / ٢٧٣٨ ]
٤٢٥٢ - وَعَنْ وَحْشِيِّ بْنِ حَرْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، «أَنَّ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّا نَأْكُلُ وَلَا نَشْبَعُ. قَالَ: " فَلَعَلَّكُمْ تَفْتَرِقُونَ؟ " قَالُوا: نَعَمْ. قَالَ: " فَاجْتَمِعُوا عَلَى طَعَامِكُمْ، وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ يُبَارَكْ لَكُمْ فِيهِ» ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
_________________
(١) (وَعَنْ وَحْشِيِّ بْنِ حَرْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ): حَقُّهُ أَنْ يَقُولَ عَنْ وَحْشِيِّ بْنِ حَرْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ فِي فَصْلِ التَّابِعِينَ، وَقَالَ: وَرَوَى عَنْهُ صَدَقَةُ بْنُ خَالِدٍ وَغَيْرُهُ، وَيُعَدُّ فِي الشَّامِيِّينَ. وَقَالَ فِي فَضْلِ الصَّحَابَةِ: وَحْشِيُّ بْنُ حَرْبٍ الْحَبَشِيُّ مِنْ سُودَانِ مَكَّةَ، مَوْلَى جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، وَهُوَ الَّذِي قَتَلَ حَمْزَةَ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ يَوْمَ أُحُدٍ، وَكَانَ وَحْشِيٌّ يَوْمَئِذٍ كَافِرًا، فَأَسْلَمَ بَعْدَ الطَّائِفِ وَشَهِدَ الْيَمَامَةَ، وَزَعَمَ أَنَّهُ قَتَلَ مُسَيْلِمَةَ الْكَذَّابَ فَقَالَ: قَتَلْتُ خَيْرَ النَّاسِ وَشَرَّ النَّاسِ، تُجْزِينِي هَذِهِ عَنْ هَذِهِ، رَوَى عَنْهُ ابْنَاهُ إِسْحَاقُ وَحَرْبٌ
[ ٧ / ٢٧٣٨ ]
وَغَيْرُهُمَا اهـ. وَلَمْ يَذْكُرْ وَلَدُهُ حَرْبٌ هَذَا فِي فَضْلِ الصَّحَابَةِ، فَهُوَ مِنَ التَّابِعِينَ أَيْضًا كَوَلَدِهِ وَحْشِيٍّ. (أَنَّ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّا نَأْكُلُ): أَيْ كَثِيرًا (وَلَا نَشْبَعُ): أَيْ وَنَحْنُ نُرِيدُ الْقَنَاعَةَ، وَالْقُوَّةَ عَلَى الطَّاعَةِ (قَالَ: فَلَعَلَّكُمْ تَفْتَرِقُونَ): أَيْ حَالَ الْأَكْلِ بِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ يَأْكُلُ وَحْدَهُ، وَفِي رِوَايَةٍ: " فَلَعَلَّكُمْ تَأْكُلُونَ مُتَفَرِّقِينَ ". (قَالُوا: نَعَمْ. قَالَ: فَاجْتَمِعُوا عَلَى طَعَامِكُمْ، وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ): أَيْ جَمِيعُكُمْ فِي ابْتِدَاءِ أَكْلِكُمْ (يُبَارَكْ لَكُمْ فِيهِ): فَقَدْ رَوَى أَبُو يَعْلَى فِي مُسْنَدِهِ وَابْنُ حِبَّانَ وَالْبَيْهَقِيُّ وَالضِّيَاءُ عَنْ جَابِرٍ مَرْفُوعًا: " «أَحَبُّ الطَّعَامِ إِلَى اللَّهِ مَا كَثُرَتْ عَلَيْهِ الْأَيْدِي» ". وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَوْقُوفًا: " «طَعَامُ الِاثْنَيْنِ يَكْفِي الْأَرْبَعَةَ، وَطَعَامُ الْأَرْبَعَةِ يَكْفِي الثَّمَانِيَةَ» "، فَاجْتَمَعُوا عَلَيْهِ وَلَا تَفَرَّقُوا، وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا﴾ [النور: ٦١] فَمَحْمُولٌ عَلَى الرُّخْصَةِ أَوْ دَفْعًا لِلْحَرَجِ عَلَى الشَّخْصِ إِذَا كَانَ وَحْدَهُ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ): وَكَذَا ابْنُ مَاجَهْ وَالنَّسَائِيُّ.
[ ٧ / ٢٧٣٩ ]
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
٤٢٥٣ - عَنْ أَبِي عَسِيبٍ، قَالَ: " «خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - لَيْلًا، فَمَرَّ بِي فَدَعَانِي، فَخَرَجْتُ إِلَيْهِ، ثُمَّ مَرَّ بِأَبِي بَكْرٍ فَدَعَاهُ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ، ثُمَّ مَرَّ بِعُمَرَ فَدَعَاهُ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ، فَانْطَلَقَ حَتَّى دَخَلَ حَائِطًا لِبَعْضِ الْأَنْصَارِ، فَقَالَ لِصَاحِبِ الْحَائِطِ: " أَطْعِمْنَا بُسْرًا " فَجَاءَ بِعِذْقٍ، فَوَضَعَهُ، فَأَكَلَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - وَأَصْحَابُهُ، ثُمَّ دَعَا بِمَاءٍ بَارِدٍ، فَشَرِبَ فَقَالَ: " لَتُسْأَلُنَّ عَنْ هَذَا النَّعِيمِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ "، قَالَ: فَأَخَذَ عُمَرُ الْعِذْقَ فَضَرَبَ بِهِ الْأَرْضَ حَتَّى تَنَاثَرَ الْبُسْرُ قِبَلَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - ثُمَّ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّا لَمَسْئُولُونَ عَنْ هَذَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟، قَالَ: " نَعَمْ، إِلَّا مِنْ ثَلَاثٍ: خِرْقَةٍ لَفَّ بِهَا الرَّجُلُ عَوْرَتَهُ، أَوْ كِسْرَةٍ سَدَّ بِهَا جَوْعَتَهُ، أَوْ حُجْرٍ تَدْخُلُ فِيهِ مَنِ الْحَرِّ وَالْقُرِّ» " رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي " شُعَبِ الْإِيمَانِ " مُرْسَلٌ.
_________________
(١) الْفَصْلُ الثَّالُثُ
(٢) (عَنْ أَبِي عَسِيبٍ): بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَكَسْرِ السِّينِ الْمُهْمَلَتَيْنِ - ﵁ - مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - وَاسْمُهُ أَحْمَدُ، رَوَى عَنْهُ مُسْلِمُ بْنُ عُبَيْدٍ، ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ (قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - لَيْلًا فَمَرَّ بِي فَدَعَانِي، فَخَرَجْتُ إِلَيْهِ، ثُمَّ مَرَّ بِأَبِي بَكْرٍ فَدَعَاهُ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ، ثُمَّ مَرَّ بِعُمَرَ فَدَعَاهُ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ، فَانْطَلَقَ حَتَّى دَخَلَ حَائِطًا لِبَعْضِ الْأَنْصَارِ): يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أَبَا الْهَيْثَمِ وَتَكُونُ الْقَضِيَّةُ مُتَعَدِّدَةً، وَأَنْ يَكُونَ غَيْرُهُ مِنَ الْأَنْصَارِ (فَقَالَ لِصَاحِبِ الْحَائِطِ: " أَطْعِمْنَا بُسْرًا " ;؟ فَجَاءَ بِعِذْقٍ فَوَضَعَهُ): أَيْ بَيْنِ يَدَيْهِ (فَأَكَلَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - وَأَصْحَابُهُ، ثُمَّ دَعَا بِمَاءٍ بَارِدٍ فَشَرِبَ): أَيْ هُوَ وَأَصْحَابُهُ (فَقَالَ: لَتُسْأَلُنَّ): بِصِيغَةِ الْمُخَاطَبِ تَغْلِيبًا وَمُرَاعَاةً لِلَفْظِ الْآيَةِ، أَوْ إِشْعَارًا بِأَنَّ الْأَنْبِيَاءَ غَيْرُ مَسْئُولِينَ عَنِ النَّعْمَاءِ (عَنْ هَذَا النَّعِيمِ): أَيْ وَعَنْ أَمْثَالِهِ (يَوْمَ الْقِيَامَةِ قَالَ: فَأَخَذَ عُمَرُ الْعِذْقَ فَضَرَبَ بِهِ الْأَرْضَ حَتَّى تَنَاثَرَ الْبُسْرُ قِبَلَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -): بِكَسْرِ الْقَافِ وَفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ أَيْ جَانِبَهُ، وَهَذَا وَقَعَ لَهُ مِنْ كَمَالِ الْخَوْفِ وَالْهَيْبَةِ الْإِلَهِيَّةِ فِي السُّؤَالِ عَنِ الْأُمُورِ الْجُزْئِيَّةِ وَالْكُلِّيَّةِ، (ثُمَّ): أَيْ بَعْدَ إِفَاقَتِهِ مِنْ حَالِ غَيْبَتِهِ لِأَجْلِ جَذْبَتِهِ (قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّا لَمَسْئُولُونَ عَنْ هَذَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟): قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمُشَارُ إِلَيْهِ الْمَذْكُورَ قَبْلَهُ، وَأَنْ يَكُونَ الْمُشَارُ إِلَيْهِ الْعِذْقَ الْمُتَنَاثِرَ تَحْقِيرًا لِشَأْنِهِ، قُلْتُ: الظَّاهِرُ هُوَ الْأَوَّلُ، فَإِنَّ مَحَلَّ السُّؤَالِ هُوَ النَّعِيمُ الْمَأْكُولُ، كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ الْجَوَابُ أَيْضًا. (قَالَ: نَعَمْ): أَيْ أَنْتُمْ مَسْئُولُونَ عَنْ كُلِّ نَعِيمٍ تَتَنَعَّمُونَ وَتَنْتَفِعُونَ بِهِ، (إِلَّا مِنْ ثَلَاثٍ): أَيْ مِنْ نِعَمٍ ثَلَاثٍ، وَالْمَعْنَى مِنْ إِحْدَى ثَلَاثٍ (خِرْقَةٍ): بِالْجَرِّ عَلَى الْبَدَلِيَّةِ (لَفَّ): بِفَتْحِ اللَّامِ وَتَشْدِيدِ الْفَاءِ أَيْ سَتَرَ (بِهَا الرَّجُلُ عَوْرَتَهُ): وَفِي نُسْخَةٍ كَفَّ بِالْكَافِ أَيْ مَنْعَهَا عَنِ الْكَشْفِ (أَوْ كِسْرَةٍ سَدَّ بِهَا جَوْعَتَهُ):
[ ٧ / ٢٧٣٩ ]
بِفَتْحِ الْجِيمِ وَهِيَ مَصْدَرُ مَرَّةٍ، فَفِي الْقَامُوسِ: الْجُوعُ ضِدُّ الشِّبَعِ وَبِالْفَتْحِ الْمَصْدَرُ (أَوْ حُجْرًا): بِضَمِّ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْجِيمِ فَرَاءٍ أَيْ مَكَانٌ مُحْجَرٌ، وَمِنْهُ الْحُجْرَةُ مَأْخُوذٌ مِنَ الْحَجْرِ مُثَلَّثَةً: الْمَنْعُ، فَإِنَّهُ يَمْنَعُ دُخُولَ غَيْرِهِ عَلَيْهِ إِلَّا بِإِذْنِهِ، أَوْ يَدْفَعُ وُصُولَ الشَّمْسِ وَحُصُولَ الْهَوَاءِ الْمُخَالِفِ إِلَيْهِ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ: (يَتَدَخَّلُ فِيهِ): أَيْ يَتَكَلَّفُ فِي دُخُولِهِ لِكَوْنِهِ ضَيِّقًا أَوْ حَبْسًا (مِنَ الْحَرِّ وَالْقُرِّ): أَيْ مِنْ أَجْلِهِمَا وَالْقُرُّ بِالضَّمِّ وَيُخَصُّ بِالشِّتَاءِ عَلَى مَا فِي الْقَامُوسِ، وَمِنْهُ مَا فِي حَدِيثِ أُمِّ زَرْعٍ: " لَا حَرَّ وَلَا قُرَّ "، وَأَمَّا الْقَرُّ بِفَتْحِ الْقَافِ فَهُوَ بِمَعْنَى الْبَارِدِ، وَأَمَّا مَا ضُبِطَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ بِالْفَتْحِ فَهُوَ إِمَّا غَفْلَةٌ أَوْ أَرَادَ الْمُشَاكَلَةَ، وَأَرَادَ بِالْحَرِّ الْحَارِّ. وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ " أَوْ حُجْرٍ " بِضَمِّ جِيمٍ فَسُكُونٍ: قَالَ الطِّيبِيُّ: وَلَعَلَّ الْأَنْسَبَ فِيهِ ضَمُّ الْجِيمِ وَبَعْدَهَا جَاءَ سَاكِنَةً لِيُوَافِقَ الْقَرِينَتَيْنِ السَّابِقَتَيْنِ فِي الْحَقَارَةِ تَشْبِيهًا بِجُحْرِ الْيَرَابِيعِ وَنَحْوِهَا فِي الْحَقَارَةِ، وَمِنْ ثَمَّ عَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ " يَتَدَخَّلُ "، فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ بِقَدْرِ الْحَاجَةِ، بَلْ أَقَلُّ وَأَقَلُّهُ يَدْفَعُ عَنْهُ الْحَرَّ وَالْبَرْدَ. (رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ): وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ زَادَ: مُرْسَلًا وَهُوَ غَيْرُ مُلَائِمٍ لِلْمَقَامِ، وَلَعَلَّهُ قُيِّدَ لِرِوَايَةِ الْبَيْهَقِيِّ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ انْتِقَالٌ مِنَ الْحَدِيثِ الثَّانِي بَعْدَ هَذَا، فَإِنَّهُ مُرْسَلٌ كَمَا سَيَأْتِي، وَزَادَ الْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ: فَلَمَّا كَبَّرَ عَلَى أَصْحَابِهِ قَالَ: " «إِنْ أَصَبْتُمْ مِثْلَ هَذَا وَضَرَبْتُمْ بِأَيْدِيكُمْ فَقُولُوا: بِسْمِ اللَّهِ عَلَى بَرَكَةِ اللَّهِ، فَإِذَا شَبِعْتُمْ فَقُولُوا: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هُوَ أَشْبَعَنَا وَرَوَانَا وَأَنْعَمَ عَلَيْنَا وَأَفْضَلَ، فَإِنَّ هَذَا كَفَافُ هَذَا» ".
[ ٧ / ٢٧٤٠ ]
٤٢٥٤ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ - ﵄ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ - ﷺ: «إِذَا وُضِعَتِ الْمَائِدَةُ فَلَا يَقُومُ رَجُلٌ حَتَّى تُرْفَعَ الْمَائِدَةُ، وَلَا يَرْفَعْ يَدَهُ وَإِنْ شَبِعَ حَتَّى يَفْرُغَ الْقَوْمُ، وَلْيُعْذِرْ، فَإِنَّ ذَلِكَ يُخْجِلُ جَلِيسَهُ، فَيَقْبِضُ يَدَهُ، وَعَسَى أَنْ يَكُونَ لَهُ فِي الطَّعَامِ حَاجَةٌ» ". رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي " شُعَبِ الْإِيمَانِ ".
_________________
(١) (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: (إِذَا وُضِعَتِ الْمَائِدَةُ): أَيِ السُّفْرَةُ وَمَا فِي مَعْنَاهَا لَا الْخِوَانِ، فَإِنَّهُ بِدْعَةٌ (فَلَا يَقُومُ رَجُلٌ): أَيْ أَحَدٌ (حَتَّى تُرْفَعَ الْمَائِدَةُ، وَلَا يَرْفَعُ): أَيْ رَجُلٌ (يَدَهُ وَإِنْ شَبِعَ): أَيْ وَلَوْ شَبِعَ (حَتَّى يَفْرُغَ الْقَوْمُ وَلْيُعْذِرْ): بِضَمِّ الْيَاءِ وَكَسْرِ الذَّالِ. فَفِي الْقَامُوسِ عَذَرَ وَأَعْذَرَ أَبْدَى عُذْرًا. أَيْ: لِيَعْتَذِرْ وَيَذْكُرْ عُذْرَهُ إِنْ قَامَ وَرَفَعَ (فَإِنَّ ذَلِكَ): أَيْ مَا ذُكِرَ مِنَ الْقِيَامِ وَالرَّفْعِ أَوْ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا (يُخْجِلُ): بِضَمِّ الْيَاءِ وَتَخْفِيفِ الْجِيمِ وَيُشَدَّدُ (جَلِيسَهُ): أَيْ مُجَالِسَهُ. فَفِي الْقَامُوسِ خَجِلَ كَفَرِحَ اسْتَحْيَى وَدُهِشَ وَأَخْجَلَهُ خَجَّلَهُ (فَيَقْبِضُ): أَيْ فَيَمْسِكُ حِينَئِذٍ جَلِيسُهُ (يَدَهُ): وَيَمْتَنِعُ عَنِ الْأَكْلِ (وَعَسَى أَنْ يَكُونَ لَهُ فِي الطَّعَامِ حَاجَةٌ): أَيْ بَاقِيَةٌ قَالَ الطِّيبِيُّ: الْمُشَارُ إِلَيْهِ مُقَدَّرٌ أَيْ وَلْيُعْذِرْ إِنْ رَفَعَ يَدَهُ، فَإِنَّ رَفْعَ يَدِهِ عَنِ الطَّعَامِ بِلَا عُذْرٍ يُخْجِلُ صَاحِبَهُ، وَمِنْهُ أَخَذَ أَبُو حَامِدٍ الْغَزَالِيُّ حَيْثُ قَالَ: لَا يُمْسِكُ يَدَهُ قَبْلَ إِخْوَانِهِ إِذَا كَانُوا يَحْتَشِمُونَ الْأَكْلَ بَعْدَهُ، فَإِنْ كَانَ قَلِيلَ الْأَكْلِ تَوَقَّفَ فِي الِابْتِدَاءِ وَقَلَّلَ الْأَكْلَ، وَإِنِ امْتَنَعَ بِسَبَبٍ فَلْيَعْتَذِرْ إِلَيْهِمْ دَفْعًا لِلْخَجْلَةِ عَنْهُمْ (رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ): وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ مُرْسَلًا، وَهُوَ خَطَأٌ كَمَا تَقَدَّمَ.
[ ٧ / ٢٧٤٠ ]
٤٢٥٥ - وَعَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - إِذَا أَكَلَ مَعَ قَوْمٍ كَانَ آخِرَهُمْ أَكْلًا» . رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي " شُعَبِ الْإِيمَانِ " مُرْسَلًا.
_________________
(١) (وَعَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ): رِضَى اللَّهِ تَعَالَى عَنْهُ، وَهُوَ الْإِمَامُ جَعْفَرٌ الصَّادِقُ (عَنْ أَبِيهِ): أَيِ الْإِمَامِ مُحَمَّدٍ الْبَاقِرِ، وَهُوَ تَابِعِيٌّ كَمَا سَبَقَ، سَمِعَ أَبَاهُ الْإِمَامَ زَيْنَ الْعَابِدِينَ، وَجَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ (قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - إِذَا أَكَلَ مَعَ قَوْمٍ كَانَ آخِرَهُمْ أَكْلًا. رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ): أَيْ مُرْسَلًا كَمَا هُوَ فِي الْأُصُولِ الْمُعْتَمَدَةِ وَالنُّسَخِ الْمُصَحَّحَةِ ; وَلِأَنَّ تَعْرِيفَ الْمُرْسَلِ صَادِقٌ عَلَيْهِ، فَإِنَّ التَّابِعِيَّ إِذَا رَفَعَ الْحَدِيثَ مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ الصَّحَابِيِّ فَحَدِيثُهُ مُرْسَلٌ إِجْمَاعًا، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي أَنَّ الْمُرْسَلَ هَلْ حُجَّةٌ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ أَمْ لَا عَلَى مَا عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ؟، فَمَا فِي بَعْضِ النُّسَخِ مِنْ تَرْكِ قَوْلِهِ مُرْسَلًا مُوهِمٌ أَنْ يَكُونَ الْحَدِيثُ مُتَّصِلًا، وَهُوَ مُخِلٌّ بِالْمَقْصُودِ، وَيُمْكِنُ أَنَّهُ تَرَكَهُ اعْتِمَادًا عَلَى وُضُوحِهِ عِنْدَ أَهْلِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
[ ٧ / ٢٧٤٠ ]
٤٢٥٦ - وَعَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ يَزِيدَ - ﵂ - قَالَتْ: «أُتِيَ النَّبِيُّ - ﷺ - بِطَعَامٍ، فَعَرَضَ عَلَيْنَا، فَقُلْنَا: لَا نَشْتَهِيهِ. قَالَ: " لَا تَجْتَمِعْنَ جُوعًا وَكَذِبًا» ". رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ.
_________________
(١) (وَعَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ يَزِيدَ): لَمْ يَذْكُرْهَا الْمُؤَلِّفُ فِي أَسْمَائِهِ (قَالَتْ: أُتِيَ النَّبِيُّ - ﷺ - أَيْ جِيءَ (بِطَعَامٍ فَعُرِضَ عَلَيْنَا): بِصِيغَةِ الْمَفْعُولِ، وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ عَلَى بِنَاءِ الْفَاعِلِ (فَقُلْنَا: لَا نَشْتَهِيهِ): أَيْ عَلَى مَا هُوَ الْعَادَةُ (قَالَ: لَا تَجْتَمِعْنَ): مِنْ بَابِ الِافْتِعَالِ، وَفِي نُسْخَةٍ " لَا تَجْمَعْنَ " (جُوعًا وَكَذِبًا): بِفَتْحٍ فَكَسْرٍ وَيَجُوزُ كَسْرُ الْكَافِ وَسُكُونُ الذَّالِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: يَعْنِي إِبَاؤُكُنَّ عَنِ الطَّعَامِ بِقَوْلِكُنَّ: لَا نَشْتَهِيهِ وَأَنْتُنَّ جَائِعَاتٌ جَمْعٌ بَيْنَ الْجُوعِ وَالْكَذِبِ، وَقَرِيبٌ مِنْهُ قَوْلُهُ: " الْمُتَشَبِّعُ بِمَا لَمْ يُعْطَ كَلَابِسِ ثَوْبَيْ زُورٍ " اهـ. وَالْأَظْهَرُ أَنَّ فِيهِ تَحْذِيرًا لَهُنَّ عَنِ الْكَذِبِ ; فَإِنَّهُ يُورِثُ فِي هَذَا الْمَقَامِ جَمْعًا بَيْنَ خَسَارَتَيِ الدِّينِ وَالدُّنْيَا إِلَّا الْجَزْمَ بِأَنَّهُ وَقَعَ مِنْهُنَّ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا، فَتَأَمَّلْ ; فَإِنَّهُ مَوْضِعُ زَلَلٍ (رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ) .
[ ٧ / ٢٧٤١ ]
٤٢٥٧ - وَعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: " «كُلُوا جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا ; فَإِنَّ الْبَرَكَةَ مَعَ الْجَمَاعَةِ» ". رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ.
_________________
(١) (وَعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: (كُلُوا جَمِيعًا): أَيْ حَالَ كَوْنِكُمْ مُجْتَمِعِينَ (وَلَا تَفَرَّقُوا): بِحَذْفِ إِحْدَى التَّاءَيْنِ تَخْفِيفًا وَيَجُوزُ أَنْ يُقْرَأَ بِتَشْدِيدِ التَّاءِ (فَإِنَّ الْبَرَكَةَ مَعَ الْجَمَاعَةِ ". رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ): أَيْ بِسَنَدٍ حَسَنٍ وَقَدْ سَبَقَ لَهُ نَظَائِرُ.
[ ٧ / ٢٧٤١ ]
٤٢٥٨ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: " «مِنَ السَّنَةِ أَنْ يَخْرُجَ الرَّجُلُ مَعَ ضَيْفِهِ إِلَى بَابِ الدَّارِ» ". رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ.
_________________
(١) (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: (مِنَ السُّنَّةِ): أَيِ الْعَادَةِ الْقَدِيمَةِ وَالْفِطْرَةِ السَّلِيمَةِ أَوْ مِنْ سُنَنِي وَطَرِيقَتِي (أَنْ يَخْرُجَ الرَّجُلُ مَعَ ضَيْفِهِ إِلَى بَابِ الدَّارِ): وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا مِنْ بَابِ زِيَادَةِ الْإِكْرَامِ. وَقِيلَ: الْحِكْمَةُ فِي ذَلِكَ دَفْعُ مَا يَتَوَهَّمُ جِيرَانُهُ مِنْ دُخُولِ الْأَجْنَبِيِّ بَيْتَهُ (رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ): أَيْ عَنْهُ وَحْدَهُ.
[ ٧ / ٢٧٤١ ]
٤٢٥٩ - وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي " شُعَبِ الْإِيمَانِ " عَنْهُ وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَقَالَ فِي إِسْنَادِهِ ضَعْفٌ.
_________________
(١) (وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي " شُعَبِ الْإِيمَانِ " عَنْهُ): أَيْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ): - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - أَيْ أَيْضًا وَهُوَ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ بِإِسْنَادٍ وَاحِدٍ عَنْهُمَا، أَوْ بِإِسْنَادَيْنِ، لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إِسْنَادٌ. (وَقَالَ): أَيِ الْبَيْهَقِيُّ (فِي إِسْنَادِهِ): أَيْ إِسْنَادِ هَذَا الْحَدِيثِ (ضَعْفٌ): لَكِنَّهُ يَنْجَبِرُ بِتَعَدُّدِ إِسْنَادِهِ مَعَ أَنَّهُ فِي فَضَائِلِ الْأَعْمَالِ.
[ ٧ / ٢٧٤١ ]
٤٢٦٠ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: («الْخَيْرُ أَسْرَعُ إِلَى الْبَيْتِ الَّذِي يُؤْكَلُ فِيهِ مِنَ الشَّفْرَةِ إِلَى سَنَامِ الْبَعِيرِ» ". رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ.
_________________
(١) (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: («الْخَيْرُ أَسْرَعُ إِلَى الْبَيْتِ الَّذِي يُؤْكَلُ فِيهِ»): أَيْ لِلضِّيَافَةِ، وَفِي رِوَايَةِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: " الَّذِي يُغْشَى ": أَيْ يَغْشِيهِ الضِّيفَانُ (مِنَ الشَّفْرَةِ إِلَى سَنَامِ الْبَعِيرِ): بِفَتْحِ السِّينِ فَفِي الْقَامُوسِ: السَّنَامُ كَسَحَابِ مَعْرُوفٌ. قَالَ الطِّيبِيُّ: شَبَّهَ سُرْعَةَ وُصُولِ الْخَيْرِ إِلَى الْبَيْتِ الَّذِي يَتَثَاوَبُ الضِّيفَانُ فِيهِ بِسُرْعَةِ وُصُولِ الشَّفْرَةِ إِلَى السَّنَامِ ; لِأَنَّهُ أَوَّلُ مَا يُقْطَعُ وَيُؤْكَلُ لِاسْتِلْذَاذِهِ. (رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ) هَذَا الْبَابُ لَيْسَ لَهُ تَرْجَمَةٌ، بَلْ مِنْ مُلْحَقَاتِ كِتَابِ الْأَطْعِمَةِ، وَلَوْ عَنْوَنُوا بِبَابِ أَكْلِ الْمُضْطَرِّ لَكَانَ مُنَاسِبًا. قَالَ الْمُؤَلِّفُ: (وَهَذَا الْبَابُ خَالٍ): أَيْ فِي الْمَصَابِيحِ (عَنِ الْفَصْلِ الْأَوَّلِ): يَعْنِي عَنِ الصِّحَاحِ فَهَذَا اعْتِذَارٌ مِنْهُ أَنَّهُ لَمْ يَتْرُكْ شَيْئًا مِنَ الْأَصْلِ أَصْلًا، وَهُوَ خَالٍ أَيْضًا عَنِ الْفَصْلِ الثَّالِثِ، لَكِنَّهُ غَيْرُ مُحْتَاجٍ إِلَى الِاعْتِذَارِ، وَلِهَذَا يُتَعَرَّضُ لَهُ فِي النُّسَخِ الْمُصَحَّحَةِ، وَفِي نُسْخَةٍ: " وَعَنِ الثَّالِثِ " أَيْ وَعَنِ الْفَصْلِ الثَّالِثِ
[ ٧ / ٢٧٤١ ]