[ ٩ / ٣٨٣٤ ]
بَابُ الْكَرَامَاتِ
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
٥٩٤٤ - عَنْ أَنَسٍ - ﵁ - أَنَّ أُسَيْدَ بْنَ حُضَيْرٍ وَعَبَّادَ بْنَ بِشْرٍ تَحَدَّثَا عِنْدَ النَّبِيِّ - ﷺ - فِي حَاجَةٍ لَهُمَا، حَتَّى ذَهَبَ مِنَ اللَّيْلِ سَاعَةٌ، فِي لَيْلَةٍ شَدِيدَةِ الظُّلْمَةِ، ثُمَّ خَرَجَا مِنْ عِنْدِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - يَنْقَلِبَانِ، وَبِيَدِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عُصَيَّةٌ، فَأَضَاءَتْ عَصَا أَحَدِهِمَا لَهُمَا حَتَّى مَشَيَا فِي ضَوْئِهَا، حَتَّى إِذَا افْتَرَقَتْ بِهِمَا الطَّرِيقُ أَضَاءَتْ لِلْآخَرِ عَصَاهُ، فَمَشَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي ضَوْءِ عَصَاهُ حَتَّى بَلَغَ أَهْلَهُ، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
[٨]
بَابُ الْكَرَامَاتِ
الْكَرَامَاتُ، جَمْعُ كَرَامَةٍ وَهِيَ اسْمٌ مِنَ الْإِكْرَامِ وَالتَّكْرِيمِ، وَهِيَ فِعْلٌ خَارِقٌ لِلْعَادَةِ غَيْرُ مَقْرُونٍ بِالتَّحَدِّي، وَقَدِ اعْتَرَفَ بِهَا أَهْلُ السُّنَّةِ، وَأَنْكَرَهَا الْمُعْتَزِلَةُ، وَاحْتَجَّ أَهْلُ السُّنَّةِ بِحُدُوثِ الْحَبَلِ لِمَرْيَمَ مِنْ غَيْرِ فَحْلٍ، وَحُصُولِ الرِّزْقِ عِنْدَهَا مِنْ غَيْرِ سَبَبٍ ظَاهِرٍ، وَأَيْضًا فَفِي قِصَّةِ أَصْحَابِ الْكَهْفِ فِي الْغَارِ ثَلَاثَمِائَةِ سَنَةٍ وَأَزْيَدَ فِي النَّوْمِ أَحْيَاءً مِنْ غَيْرِ آفَةٍ دَلِيلٌ ظَاهِرٌ، وَكَذَا فِي إِحْضَارِ آصِفِ بْنِ بَرْخِيَا عَرْشَ بِلْقِيسَ قَبْلَ ارْتِدَادِ الطَّرْفِ حُجَّةٌ وَاضِحَةٌ، وَأَمَّا الْمُعْتَزِلَةُ فَتَعَلَّقُوا بِأَنَّهُ لَوْ جَازَ ظُهُورُ الْخَارِقِ فِي حَقِّ الْوَلِيِّ لَخَرَجَ الْخَارِقُ عَنْ كَوْنِهِ دَلِيلًا عَلَى النُّبُوَّةِ، وَأُجِيبُ: بِأَنَّهُ تَمْتَازُ الْمُعْجِزَةُ عَنِ الْكَرَامَةِ بِاشْتِرَاطِ الدَّعْوَى فِي الْمُعْجِزَةِ وَعَدَمِ اشْتِرَاطِهَا فِي الْكَرَامَةِ، بَلْ فِي الْحَقِيقَةِ كَرَامَةُ كُلِّ وَلِيٍّ مُعْجِزَةٌ لِنَبِيِّهِ لِدَلَالَتِهَا عَلَى حَقِيقَةٍ مَتْبُوعَةٍ، وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ الْمَلَكِ وَبِقُدْرَةِ الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهَا مَتَى أَرَادُوهَا لِيَسْهُلَ عَلَيْهِمْ تَمْهِيدُ الْأَدْيَانِ وَالشَّرَائِعِ، فَفِيهِ نَظَرٌ ظَاهِرٌ.
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
٥٩٤٤ - (عَنْ أَنَسٍ - ﵁ - أَنْ أُسَيْدَ بْنَ حُضَيْرٍ: بِالتَّصْغِيرِ فِيهِمَا. قَالَ الْمُؤَلِّفُ: أَنْصَارِيٌّ أَوْسِيٌّ، كَانَ مِمَّنْ شَهِدَ الْعَقَبَةَ وَشَهِدَ بَدْرًا وَمَا بَعْدَهَا مِنَ الْمَشَاهِدِ، رَوَى عَنْهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ، مَاتَ بِالْمَدِينَةِ سَنَةَ عِشْرِينَ وَدُفِنَ بِالْبَقِيعِ، (وَعَبَّادَ): بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَتَشْدِيدِ الْمُوَحَّدَةِ (ابْنَ بِشْرٍ): بِكَسْرٍ فَسُكُونٍ أَنْصَارِيٌّ أَسْلَمَ بِالْمَدِينَةِ قَبْلَ إِسْلَامِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ شَهِدَ بَدْرًا وَأُحُدًا وَالْمَشَاهِدَ كُلَّهَا، وَكَانَ فِيمَنْ قَتَلَ كَعْبَ بْنَ الْأَشْرَفِ الْيَهُودِيَّ، وَكَانَ مِنْ فُضَلَاءَ الصَّحَابَةِ، رَوَى عَنْهُ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ ثَابِتٍ، وَقُتِلَ يَوْمَ الْيَمَامَةَ وَلَهُ خَمْسٌ وَأَرْبَعُونَ سَنَةً. (تَحَدَّثَا عِنْدَ النَّبِيِّ - ﷺ - فِي حَاجَةٍ لَهُمَا، حَتَّى ذَهَبَ سَاعَةٌ مِنَ اللَّيْلِ)، أَيْ طَوِيلَةٌ (فِي لَيْلَةٍ شَدِيدَةِ الظُّلْمَةِ، ثُمَّ خَرَجَا)، أَيِ: انْصَرَفَا (مِنْ عِنْدِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - يَنْقَلِبَانِ)، أَيْ حَالَ كَوْنِهِمَا يَرْجِعَانِ (إِلَى بَيْتِهِمَا، وَبِيَدِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عُصَيَّةٌ)، تَصْغِيرُ عَصَاةٍ (فَأَضَاءَتْ عَصَاةُ أَحَدِهِمَا لَهُمَا): وَالْأَظْهَرُ أَنْ يَكُونَ هُوَ أَسْبَقَهُمَا إِسْلَامًا وَهُوَ الْمُقَدَّمُ ذِكْرًا (حَتَّى مَشَيَا فِي ضَوْئِهَا، حَتَّى إِذَا افْتَرَقَتْ بِهِمَا الطَّرِيقُ أَضَاءَتْ لِلْآخَرِ عَصَاهُ، فَمَشَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي ضَوْءِ عَصَاهُ حَتَّى بَلَغَ)، أَيْ: وَصَلَ كُلُّ وَاحِدٍ (أَهْلَهُ، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) . قَالَ مِيرَكُ: لَيْسَ الْحَدِيثُ فِي الْبُخَارِيِّ بِهَذَا اللَّفْظِ، بَلْ فِيهِ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَجُلَيْنِ كَانَا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - ﷺ - خَرَجَا مِنْ عِنْدِ النَّبِيِّ - ﷺ - فِي لَيْلَةٍ مُظْلِمَةٍ، وَمَعَهُمَا مِثْلُ الْمِصْبَاحَيْنِ يُضِيئَانِ بَيْنَ أَيْدِيهِمَا، فَلَمَّا افْتَرَقَا صَارَ مَعَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَاحِدٌ حَتَّى أَتَى أَهْلَهُ، وَأَخْرَجَهُ فِي آخِرِ بَابِ عَلَامَاتِ النُّبُوَّةِ فِي الْإِسْلَامِ.
وَأَخْرَجَ فِي كِتَابِ مَنَاقِبِ الْأَنْصَارِ فِي بَابِ مَنَاقِبِ أُسَيْدِ بْنِ حُضَيْرٍ وَعُبَادَةَ بْنِ بِشْرٍ بِلَفْظِ: إِنَّ رَجُلَيْنِ خَرَجَا مِنْ عِنْدِ النَّبِيِّ - ﷺ - فِي لَيْلَةٍ مُظْلِمَةٍ، فَإِذَا نُورٌ بَيْنَ أَيْدِيهِمَا حَتَّى افْتَرَقَا، فَافْتَرَقَ النُّورُ مَعَهُمَا. وَقَالَ مَعْمَرٌ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ: إِنَّ أُسَيْدَ بْنَ حُضَيْرٍ، وَرَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ. وَقَالَ حَمَّادٌ: أَخْبَرَنَا ثَابِتٌ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ وَعُبَادَةُ بْنُ بِشْرٍ عِنْدَ النَّبِيِّ - ﷺ - هَذَا مَا فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ، وَقَدْ رَوَاهُ مُحْيِى السُّنَّةِ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ مِنْ طَرِيقِ الْبُخَارِيِّ بِاللَّفْظِ الْأَوَّلِ، ثُمَّ رَوَاهُ بِإِسْنَادٍ آخَرَ بِاللَّفْظِ الَّذِي أَوْرَدَهُ صَاحِبُ الْمِشْكَاةِ فَتَأَمَّلْ، وَيُفْهَمُ مِنْ كَلَامِ الشَّيْخِ ابْنِ حَجَرٍ الْعَسْقَلَانِيِّ أَنَّ اللَّفْظَ الَّذِي أَوْرَدَهُ الْمَصَابِيحُ وَالْمِشْكَاةُ، أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ فِي مُصَنَّفِهِ مِنْ طَرِيقِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ فِي مُسْتَخْرَجِهِ، وَرَوَاهُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ، وَالْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ بِنَحْوِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
[ ٩ / ٣٨٣٥ ]
٥٩٤٥ - وَعَنْ جَابِرٍ - ﵁ - قَالَ: لَمَّا حَضَرَ أُحُدٌ دَعَانِي أَبِي مِنَ اللَّيْلِ، فَقَالَ: مَا أُرَانِي إِلَّا مَقْتُولًا فِي أَوَّلِ مَنْ يُقْتَلُ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - ﷺ - وَإِنِّي لَا أَتْرُكُ بَعْدِي أَعَزَّ عَلَيَّ فِيكَ غَيْرَ نَفْسِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - وَإِنَّ عَلَيَّ دَيْنًا فَاقْضِ، وَاسْتَوْصِ بِأَخَوَاتِكَ خَيْرًا. فَأَصْبَحْنَا فَكَانَ أَوَّلَ قَتِيلٍ، وَدَفَنْتُهُ مَعَ آخَرَ فِي قَبْرٍ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
_________________
(١) (وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: لَمَّا حَضَرَ أُحُدٌ)، أَيْ: حَرْبُهُ (دَعَانِي أَبِي مِنَ اللَّيْلِ)، أَيْ فِي بَعْضٍ مِنَ اللَّيْلِ (فَقَالَ: مَا أُرَانِي): بِضَمِّ الْهَمْزِ أَيْ مَا أَحْسَبُنِي (إِلَّا مَقْتُولًا فِي أَوَّلِ مَنْ يُقْتَلُ)، أَيْ: فِي أَوَّلِ جَمْعٍ يُقْتَلُونَ (مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - ﷺ - وَإِنِّي لَا أَتْرُكُ بَعْدِي أَعَزَّ عَلَيَّ مِنْكَ غَيْرَ نَفْسِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ)، أَيْ: فَإِنَّهُ أَعَزُّ عَلَيَّ حَتَّى مِنْ نَفْسِي (وَإِنَّ عَلَيَّ دَيْنًا)، أَيْ: كَثِيرًا (فَاقْضِ)، أَيْ سَرِيعًا (وَاسْتَوْصِ بِأَخَوَاتِكَ)، أَيِ: اقْبَلْ وَصِيَّتِي فِيهِنَّ، وَهُنَّ كُنَّ تِسْعًا، ثُمَّ انْتِصَابُ قَوْلِهِ: (خَيْرًا): عَلَى الْمَصْدَرِ، أَيِ: اسْتِيصَاءٌ خَيْرًا، وَقِيلَ التَّقْدِيرُ اقْبَلْ وَصِيَّتِي بِالْخَيْرِ فِي شَأْنِهِنَّ (فَأَصْبَحْنَا فَكَانَ)، أَيْ: أَبِي (أَوَّلَ مَنْ قُتِلَ وَدَفَنْتُهُ مَعَ آخَرَ): وَهُوَ عَمْرُو بْنُ الْجُمُوحِ، وَكَانَ صَدِيقَ، وَالِدِ جَابِرٍ وَزَوْجَ أُخْتِهِ (فِي قَبْرٍ) . قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ دَفْنِ الِاثْنَيْنِ فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ انْتَهَى. وَالظَّاهِرُ أَنَّ مَحَلَّهُ إِذَا كَانَ ضَرُورَةً، (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) .
[ ٩ / ٣٨٣٦ ]
٥٩٤٦ - وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ - ﵄ - قَالَ: إِنَّ أَصْحَابَ الصُّفَّةِ كَانُوا أُنَاسًا فَقُرَاءَ، وَإِنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: («مَنْ كَانَ عِنْدَهُ طَعَامُ اثْنَيْنِ فَلْيَذْهَبْ بِثَالِثٍ، وَمَنْ كَانَ عِنْدَهُ طَعَامُ أَرْبَعَةٍ فَلْيَذْهَبْ بِخَامِسٍ أَوْ سَادِسٍ») . وَإِنَّ أَبَا بَكْرٍ جَاءَ بِثَلَاثَةٍ وَانْطَلَقَ النَّبِيُّ - ﷺ - بِعَشَرَةٍ، وَإِنَّ أَبَا بَكْرٍ تَعَشَّى عَنَدَ النَّبِيِّ - ﷺ - ثُمَّ لَبِثَ حَتَّى صُلِّيَتِ الْعِشَاءُ، ثُمَّ رَجَعَ فَلَبِثَ حَتَّى تَعَشَّى النَّبِيُّ - ﷺ - فَجَاءَ بَعْدَمَا مَضَى مِنَ اللَّيْلِ مَا شَاءَ اللَّهُ. قَالَتْ لَهُ امْرَأَتُهُ: مَا حَبَسَكَ عَنْ أَضْيَافِكَ؟ قَالَ: أَوَ مَا عَشَّيْتِيهِمْ؟ قَالَتْ: أَبَوْا حَتَّى تَجِيءَ، فَغَضِبَ وَقَالَ: وَاللَّهِ لَا أَطْعَمُهُ أَبَدًا، فَحَلَفَتِ الْمَرْأَةُ أَنْ لَا تَطْعَمَهُ، وَحَلَفَ الْأَضْيَافُ أَنْ لَا يَطْعَمُوهُ. قَالَ أَبُو بَكْرٍ: كَانَ هَذَا مِنَ الشَّيْطَانِ، فَدَعَا بِالطَّعَامِ، فَأَكَلَ وَأَكَلُوا، فَجَعَلُوا لَا يَرْفَعُونَ لُقْمَةً إِلَّا رَبَتْ مِنْ أَسْفَلِهَا أَكْثَرَ مِنْهَا. فَقَالَ لِامْرَأَتِهِ: يَا أُخْتَ بَنِي فِرَاسٍ مَا هَذَا!؟ قَالَتْ: وَقُرَّةِ عَيْنِي إِنَّهَا الْآنَ لَأَكْثَرُ مِنْهَا قَبْلَ ذَلِكَ بِثَلَاثِ مِرَارٍ، فَأَكَلُوا، وَبَعَثَ بِهَا إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ - فَذُكِرَ أَنَّهُ أَكَلَ مِنْهَا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَذُكِرَ حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ: كُنَّا نَسْمَعُ تَسْبِيحَ الطَّعَامِ فِي (الْمُعْجِزَاتِ) .
_________________
(١) (وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ): ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ فِي التَّابِعِينَ وَقَالَ: رَوَى عَنْهُ ابْنُهُ مُحَمَّدٌ، وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: أَسْلَمَ تَمَامَ الْحُدَيْبِيَةِ، وَكَانَ أَسَنَّ أَوْلَادِ أَبِي بَكْرٍ، وَكَانَ اسْمُهُ عَبْدُ الْكَعْبَةِ، فَسَمَّاهُ النَّبِيُّ - ﷺ - انْتَهَى. وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنَ الْحَدِيثِ كَمَا لَا يَخْفَى. (قَالَ: إِنَّ أَصْحَابَ الصُّفَّةِ كَانُوا أُنَاسًا)، أَيْ: جَمَاعَةً فُقَرَاءَ)، أَيْ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - ﷺ - ثُمَّ مَشَاهِيرُهُمْ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْحَافِظُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي حِلْيَةِ الْأَوْلِيَاءِ، أَبُو ذَرٍّ الْغِفَارِيُّ، عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ، سَلْمَانُ الْفَارِسِيُّ، صُهَيْبٌ، بِلَالٌ، أَبُو هُرَيْرَةَ، خَبَّابُ بْنُ الْأَرَتِّ، حُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ، أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ، بِشْرُ بْنُ الْخَصَاصِيَةِ، أَبُو مُوَيْهِبَةَ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - وَغَيْرُهُمْ. وَفِيهِمْ نَزَلَ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [الكهف: ٢٨] وَكَانَتِ الصُّفَّةُ فِي الْمَسْجِدِ مُسَقَّفَةً بِجَرِيدِ النَّخْلِ، وَكَانَ هَؤُلَاءِ الْفُقَرَاءُ يَسْتَوْطِنُونَ تِلْكَ السَّقِيفَةَ وَيَبِيتُونَ فِيهَا، فَنَسَبُوا إِلَيْهَا، وَكَانَ الرَّجُلُ إِذَا قَدِمَ الْمَدِينَةَ، وَكَانَ لَهُ بِهَا عَرِيفٌ. يَنْزِلُ عَلَى عَرِيفِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ بِهَا عَرِيفٌ يَنْزِلُ الصُّفَّةَ. (وَأَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ)، أَيْ: يَوْمًا (مَنْ كَانَ عِنْدَهُ طَعَامُ اثْنَيْنِ)، أَيْ: مِنْ عِيَالِهِ (فَلْيَذْهَبْ بِثَالِثٍ)، أَيْ: مِنْ هَؤُلَاءِ الْفُقَرَاءِ أَصْحَابِ الصُّفَّةِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ، وَفِي أَكْثَرِ نُسَخِ الْمَصَابِيحِ: بِثَلَاثَةٍ وَهُوَ غَيْرُ صَحِيحٍ رِوَايَةً وَمَعْنًى، («وَمَنْ كَانَ عِنْدَهُ طَعَامُ أَرْبَعَةٍ فَلْيَذْهَبْ بِخَامِسٍ») أَيْ: إِنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ مَا يَقْتَضِي أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ (أَوْ سَادِسٍ) أَيْ: إِنِ اقْتَضَاهُ فَأَوْ لِلتَّنْوِيعِ أَوْ لِلتَّخَيُّرِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ لِلشَّكِّ، أَوْ بِمَعْنَى بَلْ لِلْمُبَالَغَةِ فِي بَابِ الضِّيَافَةِ، عَلَى أَنَّ مُقْتَضَى مَنْ كَانَ عِنْدَهُ طَعَامُ اثْنَيْنِ أَنْ يَذْهَبَ بِثَالِثٍ أَنَّ مَنْ يَكُونُ عِنْدَهُ طَعَامُ أَرْبَعَةٍ أَنْ يَذْهَبَ بِاثْنَيْنِ، بَلْ رَوَى أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ عَنْ جَابِرٍ مَرْفُوعًا: («طَعَامُ الْوَاحِدِ يَكْفِي الِاثْنَيْنِ، وَطَعَامُ الِاثْنَيْنِ يَكْفِي الْأَرْبَعَةَ، وَطَعَامُ الْأَرْبَعَةِ يَكْفِي الثَّمَانِيَةَ») . (وَإِنَّ أَبَا بَكْرٍ جَاءَ بِثَلَاثَةٍ وَانْطَلَقَ النَّبِيُّ - ﷺ - بِعَشَرَةٍ)، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: عَبَّرَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ بِلَفْظِ الْمَجِيءِ لِبُعْدِ مَنْزِلِهِ مِنَ الْمَسْجِدِ، وَعَبَّرَ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - بِالِانْطِلَاقِ لِقُرْبِهِ انْتَهَى. وَلَا دَلَالَةَ فِي الْحَدِيثِ عَلَى مَا ذَكَرَهُ، بَلْ مُقْتَضَاهُ الْعَكْسُ، كَمَا لَا يَخْفَى. فَالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ: إِنَّمَا عَبَّرَ عَنْهُ بِالْمَجِيءِ لِأَنَّ الرَّاوِي هُوَ ابْنُهُ، وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: جَاءَنَا بِثَلَاثَةٍ، وَذَهَبَ النَّبِيُّ - ﷺ - بِعَشَرَةٍ، («وَإِنَّ أَبَا بَكْرٍ تَعَشَّى عِنْدَ النَّبِيِّ») - ﷺ - أَيْ: أَكَلَ الْعَشَاءَ بِالْفَتْحِ وَهُوَ طَعَامُ اللَّيْلِ فِي بَيْتِهِ - ﷺ - مَعَهُ، أَوْ مَعَ أَضْيَافِهِ أَوْ بِانْفِرَادِهِ عِنْدَ بِنْتِهِ (ثُمَّ لَبِثَ)، أَيْ: مَكَثَ أَبُو بَكْرٍ بَعْدَ تَعَشِّيهِ فِيمَا بَيْنَ الْعِشَاءَيْنِ (حَتَّى
[ ٩ / ٣٨٣٦ ]
صُلِّيَتْ): بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ، أَيْ: أُدِّيَتُ مَعَهُ - ﵇ - (الْعِشَاءُ): بِكَسْرِ الْعَيْنِ أَيْ صَلَاةُ الْعِشَاءِ (ثُمَّ رَجَعَ)، أَيْ: إِلَى بَيْتِهِ - ﵇ - (فَلَبِثَ حَتَّى تَعَشَّى النَّبِيُّ - ﷺ)، أَيْ وَحْدَهُ، أَوْ مَعَ أَضْيَافِهِ فِي بَيْتِ عَائِشَةَ أَوْ غَيْرِهَا، وَإِنَّمَا رَجَعَ مَعَهُ اغْتِنَامًا لِرُؤْيَتِهِ وَاهْتِمَامًا لِصُحْبَتِهِ مَعَ احْتِمَالِ أَنَّهُ أَعَادَ الْأَكْلَ فِي حَضْرَتِهِ (فَجَاءَ بَعْدَ مَا مَضَى مِنَ اللَّيْلِ مَا شَاءَ اللَّهُ)، وَفِي رِوَايَةٍ ثُمَّ رَكَعَ بَدَلَ رَجَعَ أَيْ صَلَّى النَّافِلَةَ، وَفِي أُخْرَى: حَتَّى نَعَسَ أَيْ تَأَخَّرَ عِنْدَ النَّبِيِّ - ﷺ - حَتَّى نَعَسَ النَّبِيُّ - ﷺ - قَامَ لِيَنَامَ فَرَجَعَ إِلَى بَيْتِهِ. قَالَ الْكِرْمَانِيُّ: إِنْ قُلْتَ: هَذَا يُشْعِرُ بِأَنَّ التَّعَشِّي عِنْدَ النَّبِيِّ - ﷺ - كَانَ بَعْدَ الرُّجُوعِ إِلَيْهِ، وَمَا تَقَدَّمَ أَشْعَرَ بِأَنَّهُ كَانَ قَبْلَهُ. قُلْتُ: الْأَوَّلُ بَيَانُ حَالِ أَبِي بَكْرٍ فِي عَدَمِ احْتِيَاجِهِ إِلَى طَعَامٍ عِنْدَ أَهْلِهِ، وَالثَّانِي: وَهُوَ سَوْقُ الْقِصَّةِ عَلَى التَّرْتِيبِ الْوَاقِعِ، أَوِ الْأَوَّلُ كَانَ تَعَشِّي أَبِي بَكْرٍ، وَالثَّانِي تَعَشِّي النَّبِيِّ - ﷺ - انْتَهَى.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ لَمَّا أَبْطَأَ فِي رُجُوعِهِ إِلَى بَيْتِهِ (قَالَتْ لَهُ امْرَأَتُهُ: مَا حَبَسَكَ)، أَيْ: مَنَعَكَ (عَنْ أَضْيَافِكَ)؟ أَيْ عَنِ الْحُضُورِ مَعَهُمْ (قَالَ: أَبُو بَكْرٍ مَا عَشَّيْتِيهِمْ)؟ بِتَشْدِيدِ الشِّينِ وَإِشْبَاعِ كَسْرَةِ التَّاءِ إِلَى تَوَلُّدِ الْيَاءِ، وَهُوَ مِنَ التَّعْشِيَةِ، وَهِيَ إِعْطَاءُ الْعَشَاءِ، وَالْمَعْنَى أَقَصَّرْتِي فِي خِدْمَتِهِمْ، وَمَا أَطْعَمْتِيهِمْ عَشَاءَهُمْ (قَالَتْ: أَبَوْا)، أَيِ: امْتَنَعُوا مِنَ الْأَكْلِ (حَتَّى تَجِيءَ)، أَيْ تَحْضُرَ مَعَهُمْ وَتُشَارِكَهُمْ فِي أَكْلِهِمْ (فَغَضِبَ)، أَيْ: عَلَى أَهْلِهِ لِظَنِّ أَنَّهُمْ قَصَّرُوا فِي الْإِلْحَاحِ وَالْمُبَالَغَةِ، أَوْ عَلَى نَفْسِهِ حَيْثُ غَفَلَ عَنْ هَذَا الْمَبْنَى، وَذَهَلَ عَنْ هَذَا الْمَعْنَى. (وَقَالَ): وَفِي نُسْخَةٍ فَقَالَ (وَاللَّهِ لَا أَطْعَمُ): بِفَتْحِ الْهَمْزِ وَالْعَيْنِ أَيْ: لَا آكُلُ الطَّعَامَ أَبَدًا، فَحَلَفَتِ الْمَرْأَةُ أَنْ لَا تَطْعَمَهُ)، أَيْ أَبَدًا كَمَا فِي نُسْخَةٍ (وَحَلَفَ الْأَضْيَافُ أَنْ لَا يَطْعَمُوهُ)، أَيْ: لَا يَأْكُلُوهُ مُنْفَرِدِينَ أَوْ مُطْلَقًا.
(قَالَ أَبُو بَكْرٍ: كَانَ هَذَا)، أَيِ: الْحَلِفُ (مِنَ الشَّيْطَانِ)، أَيْ: مِنْ إِغْوَائِهِ (فَدَعَا بِالطَّعَامِ فَأَكَلَ وَأَكَلُوا)، قَالَ الْكِرْمَانِيُّ: إِنْ قُلْتَ: كَيْفَ جَازَ الْيَمِينُ؟ قُلْنَا: لِأَنَّهُ إِتْيَانٌ بِالْأَفْضَلِ لِخَبَرِ مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ، فَرَأَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا، فَلْيَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ وَلْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهِ، أَوْ كَانَ مُرَادُهُ: لَا أَطْعَمُهُ مَعَكُمْ، أَوْ فِي هَذِهِ السَّاعَةِ، أَوْ عِنْدَ الْغَضَبِ وَهَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّهُ هَلْ يُقْبَلُ التَّقْيِيدُ إِذَا كَانَتِ الْأَلْفَاظُ عَامَّةً، وَعَلَى أَنَّ الِاعْتِبَارَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لَا بِخُصُوصِ السَّبَبِ انْتَهَى، وَلَا يَخْفَى ضَعْفُ هَذِهِ الْوُجُوهِ الْأَخِيرَةِ، لَا سِيَّمَا مَعَ لَفْظِ التَّأْبِيدِ، (فَجَعَلُوا)، أَيْ: أَبُو بَكْرٍ وَأَضْيَافُهُ (لَا يَرْفَعُونَ لُقْمَةً)، أَيْ: مِنَ الصَّحْفَةِ إِلَى أَفْوَاهِهِمْ. (إِلَّا رَبَتْ)، أَيْ: زَادَتِ اللُّقْمَةُ وَارْتَفَعَتْ (مِنْ أَسْفَلِهَا)، أَيْ: مِنَ الْمَوْضِعِ الَّذِي أُخِذَتْ مِنْهُ (أَكْثَرَ مِنْهَا)، أَيْ مِنْ تِلْكَ اللُّقْمَةِ، وَضُبِطَ أَكْثَرُ بِالنَّصْبِ فِي أَكْثَرِ النُّسَخِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِالرَّفْعِ. قَالَ الطِّيبِيُّ، أَيِ: ارْتَفَعَ الطَّعَامُ مِنْ أَسْفَلِ الْقَصْعَةِ ارْتِفَاعًا أَكْثَرَ انْتَهَى.
وَفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلَى أَنَّ أَكْثَرَ مَنْصُوبٌ عَلَى أَنَّهُ صِفَةٌ لِمَفْعُولٍ مُطْلَقٍ مَحْذُوفٍ، فَوَجْهُ الرَّفْعِ أَنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: إِلَّا رَبَتْ لُقْمَةٌ هِيَ أَكْثَرُ مِنْهَا، ثُمَّ قَالَ: إِسْنَادُ رَبَتْ إِلَى الْقَصْعَةِ مَجَازِيُّ: أَقُولُ: وَكَوْنُهُ مَجَازًا لِأَنَّ الِارْتِفَاعَ إِنَّمَا هُوَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا فِي الْقَصْعَةِ مِنْ طَعَامِهَا لَا إِلَى الْقَصْعَةِ ذَاتِهَا، لَكِنَّ الْأَظْهَرَ أَنَّ الْإِسْنَادَ إِلَى اللُّقْمَةِ عَلَى سَبِيلِ الْبَدَلِيَّةِ.
(فَقَالَ لِامْرَأَتِهِ): وَهِيَ أُمُّ رُومَانَ أُمُّ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَأُمُّ عَائِشَةَ مِنْ بَنِي فِرَاسِ بْنِ تَيْمِ بْنِ مَالِكِ بْنِ النَّضْرِ ابْنِ كِنَانَةَ، وَالْمُنْتَمُونَ إِلَى النَّضْرِ بْنِ كِنَانَةَ كُلُّهُمْ قُرَيْشٌ، ذَكَرَهُ التُّورِبِشْتِيُّ. (يَا أُخْتَ بَنِي فِرَاسٍ!): بِكَسْرِ الْفَاءِ (مَا هَذَا)؟ أَيِ: الْأَمْرُ الْعَجِيبُ، وَالشَّأْنُ الْغَرِيبُ (قَالَتْ: وَقُرَّةِ عَيْنِي): بِالْجَرِّ وَفِي نُسْخَةٍ بِالنَّصْبِ، وَلَعَلَّهَا عَلَى نَزْعِ الْخَافِضِ. وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: بِالْجَرِّ وَالْوَاوُ لِلْقَسَمِ وَبِالنَّصْبِ مُنَادَى حُذِفَ حَرْفُ نِدَائِهِ انْتَهَى. وَفِيهِ نَظَرٌ مِنْ وُجُوهٍ كَمَا لَا يَخْفَى. وَقَالَ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ: قُرَّةُ الْعَيْنِ يُعَبَّرُ بِهِمَا عَنِ الْمَسَرَّةِ رُؤْيَةَ مَا يُحِبُّهُ الْإِنْسَانُ لِأَنَّ عَيْنَهُ قَرَّتْ وَسَكَنَتْ لِحُصُولِ غَرَضِهَا، فَلَا تَسْتَشْرِفُ لِشَيْءٍ آخَرَ، وَقِيلَ: مَأْخُوذٌ مِنَ الْقَرِّ أَيِ الْبَرْدِ، وَلِذَا قِيلَ: دَمْعَةُ السُّرُورِ بَارِدَةٌ، وَإِنَّمَا حَلَفَتْ أُمُّ رُومَانَ بِذَلِكَ لِمَا وَقَعَ عِنْدَهَا مِنَ السُّرُورِ بِالْكَرَامَةِ الَّتِي حَصَلَتْ لَهُمْ بِبَرَكَةِ الصِّدِّيقِ، وَزَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّ الْمُرَادَ بِقُرَّةِ عَيْنِهَا النَّبِيُّ - ﷺ - (إِنَّهَا)، أَيِ: الْقَصْعَةُ وَالْمُرَادُ مَا فِيهَا (الْآنَ لَأَكْثَرُ مِنْهَا فِي ذَلِكَ بِثَلَاثِ مِرَارٍ)، بِكَسْرِ الْمِيمِ أَيْ مَرَّاتٍ (فَأَكَلُوا، وَبَعَثَ)، أَيِ: الصِّدِّيقُ (بِهَا)، أَيْ: بِالْقَصْعَةِ أَوْ بِبَعْضِ مَا فِيهَا (إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ - فَذُكِرَ): بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيْ: فَرُوِيَ (أَنَّهُ أَكَلَ مِنْهَا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
[ ٩ / ٣٨٣٧ ]
وَذُكِرَ حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ: كُنَّا نَسْمَعُ تَسْبِيحَ الطَّعَامِ فِي (الْمُعْجِزَاتِ) . قُلْتُ: الْأَظْهَرُ إِبْقَاؤُهُ فِي بَابِ الْكَرَامَاتِ.
[ ٩ / ٣٨٣٨ ]
الْفَصْلُ الثَّانِي
٥٩٤٧ - عَنْ عَائِشَةَ - ﵂ - قَالَتْ: لَمَّا مَاتَ النَّجَاشِيُّ كُنَّا نَتَحَدَّثُ أَنَّهُ لَا يَزَالُ يُرَى عَلَى قَبْرِهِ نُورٌ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
_________________
(١) الْفَصْلُ الثَّانِي
(٢) (عَنْ عَائِشَةَ - ﵂ - قَالَتْ: لَمَّا مَاتَ النَّجَاشِيُّ): سَبَقَ ضَبْطُهُ وَتَقَدَّمَ ذِكْرُهُ (كُنَّا نَتَحَدَّثُ)، أَيْ: يَذْكُرُ بَعْضُنَا لِبَعْضٍ (أَنَّهُ لَا يَزَالُ يُرَى عَلَى قَبْرِهِ نُورٌ)، أَيْ: فِي الْحَبَشَةِ، وَالْمَعْنَى أَنَّ هَذَا أَمْرٌ مَشْهُورٌ فِيمَا بَيْنَنَا، وَمَذْكُورٌ عَمَّنْ رَأَى نُورَ قَبْرِهِ مِنَّا، وَلَا يُتَصَوَّرُ اتِّفَاقُنَا عَلَى الْكَذِبِ ; فَهُوَ كَادَ أَنْ يَكُونَ مُتَوَاتِرًا (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) .
[ ٩ / ٣٨٣٨ ]
٥٩٤٨ - وَعَنْهَا، قَالَتْ: «لَمَّا أَرَادُوا غُسْلَ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالُوا: لَا نَدْرِي أَنُجَرِّدُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - مِنْ ثِيَابِهِ كَمَا نُجَرِّدُ مَوْتَانَا أَمْ نُغَسِّلُهُ وَعَلَيْهِ ثِيَابُهُ ; فَلَمَّا اخْتَلَفُوا أَلْقَى اللَّهُ عَلَيْهِمُ النَّوْمَ، حَتَّى مَا مِنْهُمْ رَجُلٌ إِلَّا وَذَقَنُهُ فِي صَدْرِهِ، ثُمَّ كَلَّمَهُمْ مُكَلِّمٌ مِنْ نَاحِيَةِ الْبَيْتِ، لَا يَدْرُونَ مَنْ هُوَ؟: اغْسِلُوا النَّبِيَّ - ﷺ - وَعَلَيْهِ ثِيَابُهُ، فَقَامُوا، فَغَسَّلُوهُ وَعَلَيْهِ قَمِيصُهُ، يَصُبُّونَ الْمَاءَ فَوْقَ الْقَمِيصِ وَيُدَلِّكُونَهُ بِالْقَمِيصِ» . رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي (دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ) .
_________________
(١) (وَعَنْهَا)، أَيْ: عَنْ عَائِشَةَ (قَالَتْ: لَمَّا أَرَادُوا)، أَيِ: الصَّحَابَةُ أَوْ أَهْلُ الْبَيْتِ (غُسْلَ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالُوا: لَا نَدْرِي أَنُجَرِّدُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - مِنْ ثِيَابِهِ)، أَيْ: وَنُغَطِّي عَوْرَتَهُ مِنْ غَيْرِهَا (كَمَا نُجَرِّدُ مَوْتَانَا أَوْ نُغَسِّلُهُ وَعَلَيْهِ ثِيَابُهُ)؟ جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ، وَالْمَعْنَى فَاخْتَارَ بَعْضُهُمُ التَّجْرِيدَ قِيَاسًا، وَبَعْضُهُمْ عَدَمَهُ اخْتِصَاصًا (فَلَمَّا اخْتَلَفُوا أَلْقَى اللَّهُ)، أَيْ: سَلَّطَ (عَلَيْهِمُ النَّوْمَ حَتَّى مَا مِنْهُمْ رَجُلٌ إِلَّا وَذَقَنُهُ): بِفَتْحَتَيْنِ (فِي صَدْرِهِ): فِي الْقَامُوسِ: الذَّقَنُ بِالتَّحْرِيكِ مُجْتَمَعُ اللَّحْيَيْنِ مِنْ أَسْفَلِهِمَا وَيُكْسَرُ (ثُمَّ كَلَّمَهُمْ مُكَلِّمٌ مِنْ نَاحِيَةِ الْبَيْتِ لَا يَدْرُونَ مَنْ هُوَ)؟ صِفَةُ مُكَلِّمٍ، قِيلَ هُوَ الْخِضْرُ - ﵇ - («اغْسِلُوا النَّبِيَّ - ﷺ - وَعَلَيْهِ ثِيَابُهُ»)، بَيَانٌ لِقَوْلِهِ: كَلَّمَهُمْ، وَالْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ غُسْلَ الْمَيِّتِ وَعَلَيْهِ قَمِيصُهُ مُسْتَحَبٌّ، ذَكَرَهُ ابْنُ الْمَلَكِ، وَفِيهِ نَظَرٌ، إِذْ لَا يَدُلُّ إِلَّا عَلَى جَوَازِهِ أَوِ اخْتِصَاصِهِ بِهِ، إِذْ لَمْ يُذْكَرْ فِي الْمَذْهَبِ أَنَّهُ مُسْتَحَبٌّ، («فَقَامُوا فَغَسَّلُوهُ وَعَلَيْهِ قَمِيصُهُ، يَصُبُّونَ الْمَاءَ فَوْقَ الْقَمِيصِ وَيُدَلِّكُونَهُ بِالْقَمِيصِ»)، قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: قَدْ ذَكَرُوا أَنَّهُ - ﷺ - غُسِّلَ فِي قَمِيصِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ، فَكَيْفَ يُلْبِسُونَهُ الْأَكْفَانَ فَوْقَهُ وَفِيهِ بَلَلٌ؟ قُلْتُ: لَا دَلَالَةَ فِيهِ عَلَى أَنَّهُمْ أَلْبَسُوهُ الْكَفَنَ فَوْقَ الْقَمِيصِ مَبْلُولًا إِذْ يُحْتَمَلُ سَتْرُ عَوْرَتِهِ، ثُمَّ قَلْعُ قَمِيصِهِ ثُمَّ إِلْبَاسُ كَفَنِهِ بِقَمِيصٍ وَاللَّهُ ﷾ أَعْلَمُ. (رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ) .
[ ٩ / ٣٨٣٨ ]
٥٩٤٩ - وَعَنْ ابْنِ الْمُنْكَدِرِ، «أَنَّ سَفِينَةَ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - أَخْطَأَ الْجَيْشَ بِأَرْضِ الرُّومِ أَوْ أُسِرَ، فَانْطَلَقَ هَارِبًا يَلْتَمِسُ الْجَيْشَ، فَإِذَا هُوَ بِالْأَسَدِ. فَقَالَ: يَا أَبَا الْحَارِثِ! أَنَا مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - كَانَ مِنْ أَمْرِي كَيْتَ وَكَيْتَ، فَأَقْبَلَ الْأَسَدُ، لَهُ بَصْبَصَةٌ حَتَّى قَامَ إِلَى جَنْبِهِ، كُلَّمَا سَمِعَ صَوْتًا أَهْوَى إِلَيْهِ، ثُمَّ أَقْبَلَ يَمْشِي إِلَى جَنْبِهِ حَتَّى بَلَغَ الْجَيْشَ، ثُمَّ رَجَعَ الْأَسَدُ» . رَوَاهُ فِي (شَرْحِ السُّنَّةِ) .
_________________
(١) (وَعَنِ ابْنِ الْمُنْكَدِرِ): قَالَ الْمُؤَلِّفُ: هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْكَدِرِ التَّيْمِيُّ، سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، وَأَنَسَ بْنَ مَالِكٍ، وَابْنَ الزُّبَيْرِ، وَعَمَّهُ رَبِيعَةَ. رَوَى عَنْهُ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ: الثَّوْرِيُّ، مَاتَ سَنَةَ ثَلَاثِينَ وَمِائَةَ، وَلَهُ نَيِّفٌ وَسَبْعُونَ سَنَةً، وَهُوَ تَابِعِيٌّ كَبِيرٌ مِنْ مَشَاهِيرِ التَّابِعِينَ وَأَجَلِّهِمْ، جَمَعَ بَيْنَ الْعِلْمِ وَالزُّهْدِ وَالْوَرَعِ وَالْعِبَادَةِ وَالدِّينِ الْمَتِينِ وَالصِّدْقِ فِي الْفِقْهِ. (أَنَّ سَفِينَةَ مَوْلَى، رَسُولِ اللَّهِ): قَالَ الْمُؤَلِّفُ: وَقِيلَ مَوْلَى أُمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ - ﷺ - أَعْتَقَتْهُ وَاشْتَرَطَتْ عَلَيْهِ خِدْمَةَ النَّبِيِّ - ﷺ - مَا عَاشَ، وَيُقَالُ: اسْمُهُ مُخْتَلَفٌ فِيهِ وَسَفِينَةُ لَقَبٌ لَهُ، وَيُقَالُ: إِنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - كَانَ فِي سَفَرٍ وَهُوَ مَعَهُ، فَأَعْيَا رَجُلٌ فَأَلْقَى عَلَيْهِ سَيْفَهُ وَتُرْسَهُ وَرُمْحَهُ، فَحَمَلَ شَيْئًا كَثِيرًا، فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: (أَنْتَ سَفِينَةُ) رَوَى عَنْهُ بَنُوهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ.
[ ٩ / ٣٨٣٨ ]
وَمُحَمَّدٌ وَزِيَادٌ وَكَثِيرٌ. (أَخْطَأَ الْجَيْشَ)، أَيْ: أَضَلَّ طَرِيقَهُ بِحَيْثُ لَا يَهْتَدِي إِلَيْهِمْ سَبِيلًا (بِأَرْضِ الرُّومِ أَوْ أُسِرَ)، أَيْ: فِيهَا شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي (فَانْطَلَقَ هَارِبًا يَلْتَمِسُ الْجَيْشَ، فَإِذَا هُوَ)، أَيْ: سَفِينَةُ (بِالْأَسَدِ) . أَيْ: بِفَرْدٍ عَظِيمٍ مِنْ جِنْسِ الْأَسَدِ (فَقَالَ: يَا أَبَا الْحَارِثِ) ! وَهُوَ كُنْيَةُ الْأَسَدِ (أَنَا مَوْلَى - رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - كَانَ مِنْ أَمْرِي كَيْتَ وَكَيْتَ)، اسْتِئْنَافُ بَيَانٍ لِحَالِهِ فِي إِغْوَاءِ الطَّرِيقِ، أَوْ لِكَمَالِهِ فِي خِدْمَتِهِ نِعْمَ الرَّفِيقُ (فَأَقْبَلَ الْأَسَدُ، لَهُ بَصْبَصَةٌ)، أَيْ: تَحْرِيكُ ذَنَبٍ كَفِعْلِ الْكَلْبِ تَمَلُّقًا إِلَى مَالِكِهِ، وَتَذَلُّلًا لِصَاحِبِهِ، وَالْجُمْلَةُ حَالٌ. وَفِي النِّهَايَةِ: بَصْبَصَ الْكَلْبُ بِذَنَبِهِ إِذَا حَرَّكَهُ، وَإِنَّمَا يَفْعَلُ ذَلِكَ لِطَمَعٍ أَوْ خَوْفٍ (حَتَّى قَامَ)، أَيِ: الْأَسَدُ (إِلَى جَنْبِهِ، كُلَّمَا سَمِعَ)، أَيِ: الْأَسَدُ (صَوْتًا أَهْوَى إِلَيْهِ)، أَيْ: قَصَدَهُ لِيَدْفَعَهُ إِنْ كَانَ صَوْتَ أَذًى (ثُمَّ أَقْبَلَ! يَمْشِي إِلَى جَنْبِهِ)، أَيْ: إِلَى جَانِبِ سَفِينَةَ (حَتَّى بَلَغَ الْجَيْشَ، ثُمَّ رَجَعَ الْأَسَدُ): فَكَأَنَّهُ كَانَ دَلِيلًا وَلِإِيصَالِهِ كَفِيلًا، وَقَدْ أَشَارَ صَاحِبُ الْبُرْدَةِ إِلَى هَذِهِ الزُّبَدَةِ بِقَوْلِهِ:
وَمَنْ تَكُنْ بِرَسُولِ اللَّهِ نُصْرَتُهُ إِنْ تَلَقَّهُ الْأَسَدُ فِي آجَامِهَا تَجِمُ
(رَوَاهُ)، أَيِ: الْبَغَوِيُّ (فِي شَرْحِ السُّنَّةِ)، أَيْ: بِإِسْنَادِهِ.
[ ٩ / ٣٨٣٩ ]
٥٩٥٠ - وَعَنْ أَبِي الْجَوْزَاءِ، قَالَ: قُحِطَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ قَحْطًا شَدِيدًا، فَشَكَوْا إِلَى عَائِشَةَ فَقَالَتْ: انْظُرُوا قَبْرَ النَّبِيِّ - ﷺ - فَاجْعَلُوا مِنْهُ كُوًى إِلَى السَّمَاءِ، حَتَّى لَا يَكُونَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ السَّمَاءِ سَقْفٌ. فَفَعَلُوا، فَمُطِرُوا مَطَرًا حَتَّى نَبَتَ الْعُشْبُ، وَسَمِنَتِ الْإِبِلُ، حَتَّى تَفَتَّقَتْ مِنَ الشَّحْمِ، فَسُمِّيَ عَامَ الْفَتْقِ، رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ.
_________________
(١) (وَعَنْ أَبِي الْجَوْزَاءِ): قَالَ الْمُؤَلِّفُ: وَهُوَ أَوْسُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأَزْدِيُّ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ، تَابِعِيٌّ مَشْهُورُ الْحَدِيثِ، سَمِعَ عَائِشَةَ، وَابْنَ عَبَّاسٍ، وَابْنَ عُمَرَ، وَرَوَى عَنْهُ عَمْرُو بْنُ مَالِكٍ وَغَيْرُهُ، قُتِلَ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَثَمَانِينَ (قَالَ: قُحِطَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ): عَلَى بِنَاءِ الْمَفْعُولِ (قَحْطًا شَدِيدًا، فَشَكَوْا)، أَيِ: النَّاسُ (إِلَى عَائِشَةَ فَقَالَتْ: انْظُرُوا قَبْرَ النَّبِيِّ): بِالنَّصْبِ عَلَى نَزْعِ الْخَافِضِ، وَفِي نُسْخَةٍ إِلَى قَبْرِ النَّبِيِّ - ﷺ - (فَاجْعَلُوا مِنْهُ)، أَيْ: مِنْ قَبْرِهِ (كَوًى): بِفَتْحِ الْكَافِ وَيُضَمُّ، فَفِي الْمَغْرِبِ الْكُوَّةُ نَقْبُ الْبَيْتِ وَالْجَمْعُ كَوًى، وَقَدْ يُضَمُّ الْكَافُ فِي الْمُفْرَدِ وَالْجَمْعِ اه. وَقِيلَ: يُجْمَعُ عَلَى كِوًى بِالْكَسْرِ وَالْقَصْرِ وَالْمَدِّ أَيْضًا، وَالْكُوَّةُ بِالضَّمِّ، وَيُجْمَعُ عَلَى كُوًى بِالضَّمِّ، وَالْمَعْنَى اجْعَلُوا مِنْ مُقَابَلَةِ قَبْرِهِ فِي سَقْفِ حُجْرَتِهِ مَنَافِذَ مُتَعَدِّدَةً (حَتَّى لَا يَكُونَ بَيْنَهُ)، أَيْ: بَيْنَ قَبْرِهِ (وَبَيْنَ السَّمَاءِ سَقْفٌ)، أَيْ: حِجَابٌ ظَاهِرِيٌّ (فَفَعَلُوا فَمُطِرُوا): بِضَمٍّ فَكَسْرٍ (مَطَرًا)، أَيْ: شَدِيدًا (حَتَّى نَبَتَ الْعُشْبُ)، بِضَمٍّ فَسُكُونٍ أَيِ: الْعَلَفُ مِنْ مَنَابِتِهِ (وَسَمِنَتْ): بِكَسْرِ الْمِيمِ (الْإِبِلُ): وَكَذَا سَائِرُ الْمَوَاشِي بِالْأَوْلَى (حَتَّى تَفَتَّقَتْ)، أَيِ: انْتَفَخَتْ خَوَاصِرُهَا مِنَ الرَّعْيِ، وَقِيلَ: انْشَقَّتْ، وَقِيلَ: اتَّسَعَتْ (مِنَ الشَّحْمِ)، أَيْ: مِنْ كَثْرَتِهِ (فَسُمِّيَ عَامَ الْفَتْقَ)، أَيْ: سَنَةَ الْخَصْبِ الَّذِي أَفْضَى إِلَى الْفَتْقِ، هَذَا وَقَدْ قِيلَ فِي سَبَبِ كَشْفِ قَبْرِ النَّبِيِّ - ﷺ -: إِنَّ السَّمَاءَ لَمَّا رَأَتْ قَبْرَ النَّبِيِّ - ﷺ - سَأَلَ الْوَادِي مِنْ بُكَائِهَا. قَالَ تَعَالَى: ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ﴾ [الدخان: ٢٩] حِكَايَةً عَنْ حَالِ الْكُفَّارِ، فَيَكُونُ أَمْرُهَا عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْأَبْرَارِ، وَقِيلَ: إِنَّهُ - ﷺ - كَانَ يَسْتَشْفِعُ بِهِ عِنْدَ الْجَدْبِ فَتَمْطُرُ السَّمَاءُ، فَأَمَرَتْ عَائِشَةُ - ﵂ - بِكَشْفِ قَبْرِهِ مُبَالَغَةً فِي الِاسْتِشْفَاعِ بِهِ، فَلَا يَبْقَى بَيْنَهُ وَبَيْنَ السَّمَاءِ حِجَابٌ. أَقُولُ: وَكَأَنَّهُ كِنَايَةٌ عَنْ عَرْضِ الْغَرَضِ الْمَطْلُوبِ بِتَوَجُّهِهِ إِلَى السَّمَاءِ، وَهِيَ قِبْلَةُ الدُّعَاءِ وَمَحَلُّ رِزْقِ الضُّعَفَاءِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ﴾ [الذاريات: ٢٢] (رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ) .
[ ٩ / ٣٨٣٩ ]
٥٩٥١ - وَعَنْ سَعْدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، قَالَ: لَمَّا كَانَ أَيَّامُ الْحَرَّةِ لَمْ يُؤَذَّنْ فِي مَسْجِدِ النَّبِيِّ - ﷺ - ثَلَاثًا وَلَمْ يُقَمْ، وَلَمْ يَبْرَحْ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ الْمَسْجِدَ، وَكَانَ لَا يَعْرِفُ وَقْتَ الصَّلَاةِ إِلَّا بِهَمْهَمَةٍ يَسْمَعُهَا مِنْ قَبْرِ النَّبِيِّ - ﷺ - رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ.
_________________
(١) (وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ)، قَالَ الْمُؤَلِّفُ: تَنُوخِيٌّ دِمَشْقِيٌّ، كَانَ فَقِيهَ أَهْلِ الشَّامِ فِي زَمَنِ الْأَوْزَاعِيِّ بَعْدَهُ. وَقَالَ أَحْمَدُ: لَيْسَ بِالشَّامِ أَصَحَّ حَدِيثًا مِنْهُ وَمِنَ الْأَوْزَاعِيِّ، وَهُوَ وَالْأَوْزَاعِيُّ عِنْدِي سَوَاءٌ، وَكَانَ سَعِيدٌ بَكَّاءً، فَسُئِلَ فَقَالَ: مَا قُمْتُ إِلَى الصَّلَاةِ إِلَّا مُثِّلَتْ لِي جَهَنَّمُ. (قَالَ: لَمَّا كَانَ)، أَيْ: وَقَعَ (أَيَّامَ الْحَرَّةِ): بِفَتْحٍ فَتَشْدِيدٍ. قَالَ الطِّيبِيُّ: هُوَ يَوْمٌ مَشْهُورٌ فِي الْإِسْلَامِ أَيَّامَ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ لَمَّا نَهَبَ الْمَدِينَةَ عَسْكَرٌ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ نَدَبَهُمْ لِقِتَالِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، وَأَمَرَ مُسْلِمُ بْنُ عُيَيْنَةَ الْمُرِّيُّ فِي ذِي الْحِجَّةِ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ، وَعَقِيبَهَا هَلَكَ يَزِيدُ، وَالْحَرَّةُ هَذِهِ أَرْضٌ بِظَاهِرِ الْمَدِينَةِ بِهَا حِجَارَةٌ سُودٌ كَثِيرَةٌ وَقَعَتْ فِيهَا هَذِهِ الْوَقْعَةُ (لَمْ يُؤَذَّنْ فِي مَسْجِدِ النَّبِيِّ - ﷺ -): بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ. أَيْ: لَمْ يُؤَذِّنْ أَحَدٌ فِيهِ لِأَجْلِ الْفِتْنَةِ (ثَلَاثًا)، أَيْ: ثَلَاثَ لَيَالٍ بِأَيَّامِهَا (وَلَمْ يُقَمْ): عَلَى بِنَاءِ الْمَفْعُولِ مِنَ الْإِقَامَةِ أَيْ: وَلَمْ يُقِمْ أَحَدٌ لِلصَّلَاةِ أَيْضًا (وَلَمْ يَبْرَحْ): بِفَتْحِ الرَّاءِ لَمْ يُفَارِقْ (سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ الْمَسْجِدَ): وَكَانَ النَّاسُ يَقُولُونَ فِي حَقِّهِ: إِنَّهُ شَيْخٌ مَجْنُونٌ. قَالَ الْمُؤَلِّفُ: كَانَ سَيِّدَ التَّابِعِينَ جَمَعَ بَيْنَ الْفِقْهِ وَالْحَدِيثِ وَالزُّهْدِ وَالْوَرَعِ وَالْعِبَادَةِ لَقِيَ جَمَاعَةً كَثِيرَةً مِنَ الصَّحَابَةِ، وَرَوَى عَنْهُمْ وَعَنِ الزُّهْرِيِّ، وَكَثِيرٍ مِنَ التَّابِعِينَ وَغَيْرِهِمْ، حَجَّ أَرْبَعِينَ حَجَّةً مَاتَ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ. (وَكَانَ)، أَيْ: سَعِيدٌ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ الشَّدِيدِ (لَا يَعْرِفُ وَقْتَ الصَّلَاةِ إِلَّا بِهَمْهَمَةٍ)، أَيْ: بِصَوْتٍ خَفِيٍّ لَا يُفْهَمُ (يَسْمَعُهَا مِنْ قَبْرِ النَّبِيِّ - ﷺ -. رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ) .
[ ٩ / ٣٨٤٠ ]
٥٩٥٢ - وَعَنْ أَبِي خَلْدَةَ، قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي الْعَالِيَةِ: سَمِعَ أَنَسٌ مِنَ النَّبِيِّ - ﷺ -؟ قَالَ: خَدَمَهُ عَشْرَ سِنِينَ، وَدَعَا لَهُ النَّبِيُّ - ﷺ - وَكَانَ لَهُ بُسْتَانٌ يَحْمِلُ فِي كُلِّ سَنَةٍ الْفَاكِهَةَ مَرَّتَيْنِ، وَإِنَّ فِيهَا رَيْحَانٌ يَجِيءُ مِنْهُ رِيحُ الْمِسْكِ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ.
_________________
(١) (وَعَنْ أَبِي خَلْدَةَ): بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ اللَّامِ قَالَ الْمُؤَلِّفُ: هُوَ خَالِدُ بْنُ دِينَارٍ التَّمِيمِيُّ السَّعْدِيُّ الْبَصْرِيُّ الْخَيَّاطُ مِنَ الْخِيَاطَةِ مِنْ ثِقَاتِ التَّابِعِينَ، رَوَى عَنْ أَنَسٍ، وَعَنْهُ وَكِيعٌ وَغَيْرُهُ. (قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي الْعَالِيَةِ): قَالَ الْمُؤَلِّفُ: اسْمُهُ رَفِيعُ بْنُ مِهْرَانَ الرَّبَاحِيُّ مَوْلَاهُمُ الْبَصْرِيُّ، رَأَى الصِّدِّيقَ، وَرَوَى عَنْ عُمَرَ، وَأُبَيٍّ، وَعَنْهُ عَاصِمٌ الْأَحْوَلُ وَغَيْرُهُ. قَالَتْ حَفْصَةُ بِنْتُ سِيرِينَ، كَانَ يَقُولُ: قَرَأْتُ عَلَى عُمَرَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، أَدْرَكَ زَمَنَ النَّبِيِّ - ﷺ - بَعْدَ سَنَتَيْنِ مِنْ وَفَاتِهِ، تُوُفِّيَ سَنَةَ تِسْعِينَ (سَمِعَ أَنَسٌ): بِحَذْفِ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهَامِ أَيْ: أَسَمِعَ أَحَادِيثَ (مِنَ النَّبِيِّ ﷺ)، أَيْ: بِلَا وَاسِطَةٍ يَرْوِيهَا أَوَّلُهُ مَرَاسِيلُ مِنَ الصَّحَابَةِ، مَعَ أَنَّهَا حُجَّةٌ اتِّفَاقًا، وَكَأَنَّهُ بَعْدَ وَفَاتِهِ - ﷺ - تَرَدَّدَ بَعْضُ النَّاسِ فِيهِ (قَالَ)، أَيْ: أَبُو الْعَالِيَةِ (خَدَمَهُ)، أَيْ: خَدَمَ أَنَسٌ النَّبِيَّ - ﷺ - (عَشْرَ سِنِينَ)، أَيْ: وَعُمُرُهُ عَشْرُ سِنِينَ (وَدَعَا لَهُ النَّبِيُّ - ﷺ)، أَيْ: بِالْبَرَكَةِ (فِي عُمُرِهِ وَوَلَدِهِ وَمَالِهِ): فَهُوَ آخِرُ مَنْ مَاتَ بِالْبَصْرَةِ مِنَ الصَّحَابَةِ سَنَةَ إِحْدَى وَتِسْعِينَ، وَلَهُ مِنَ الْعُمُرِ مِائَةٌ وَثَلَاثُ سِنِينَ، وَيُقَالُ: إِنَّهُ وُلِدَ لَهُ مِائَةُ وَلَدٍ. (وَإِنَّ لَهُ بُسْتَانٌ يَحْمِلُ)، أَيْ: يُثْمِرُ (فِي كُلِّ سَنَةٍ الْفَاكِهَةَ مَرَّتَيْنِ، وَكَانَ فِيهَا)، أَيْ: فِي الْحَدِيقَةِ وَهِيَ فِي مَعْنَى الْبُسْتَانِ، وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ فِيهِ أَيْ: فِي ذَلِكَ الْبُسْتَانِ (رَيْحَانٌ): وَهُوَ نَبْتٌ مَعْرُوفٌ لَهُ رِيحٌ طَيِّبٌ (يَجِيءُ مِنْهُ رِيحُ الْمِسْكِ) . وَحَاصِلُ الْجَوَابِ أَنَّ مَنْ كَانَ لَهُ هَذِهِ الْمَنْزِلَةُ وَالصُّحْبَةُ وَطُولُ مُلَازِمَةِ الْخِدْمَةِ كَيْفَ لَا يُسْمَعُ وَلَا يُرْوَى عَنْهُ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ) .
[ ٩ / ٣٨٤٠ ]
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
٥٩٥٣ - عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ - ﵁ - أَنَّ سَعِيدَ بْنَ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ - ﵁ - خَاصَمَتْهُ أَرْوَى بِنْتُ أَوْسٍ إِلَى مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ، وَادَّعَتْ أَنَّهُ أَخَذَ شَيْئًا مِنْ أَرْضِهَا، فَقَالَ سَعِيدٌ: أَنَا كُنْتُ آخُذُ مِنْ أَرْضِهَا شَيْئًا بَعْدَ الَّذِي سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -؟ ! قَالَ: مَاذَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -؟ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يَقُولُ: («مَنْ أَخَذَ شِبْرًا مِنَ الْأَرْضِ ظُلْمًا طُوِّقَهُ إِلَى سَبْعِ أَرَضِينَ») فَقَالَ لَهُ مَرْوَانُ: لَا أَسْأَلُكَ بَيِّنَةً بَعْدَ هَذَا. فَقَالَ سَعِيدٌ: اللَّهُمَّ إِنْ كَانَتْ كَاذِبَةً فَأَعْمِ بَصَرَهَا وَاقْتُلْهَا فِي أَرْضِهَا قَالَ: فَمَا مَاتَتْ حَتَّى ذَهَبَ بَصَرُهَا، وَبَيْنَمَا هِيَ تَمْشِي فِي أَرْضِهَا إِذْ وَقَعَتْ فِي حُفْرَةٍ فَمَاتَتْ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بِمَعْنَاهُ، وَأَنَّهُ رَآهَا عَمْيَاءَ تَلْتَمِسُ الْجُدُرَ، تَقُولُ: أَصَابَتْنِي دَعْوَةُ سَعِيدٍ، وَأَنَّهَا مَرَّتْ عَلَى بِئْرٍ فِي الدَّارِ الَّتِي خَاصَمَتْهُ فِيهَا، فَوَقَعَتْ فِيهَا، فَكَانَتْ قَبْرَهَا.
_________________
(١) الْفَصْلُ الثَّالِثُ
(٢) (عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، أَيِ: ابْنِ الْعَوَّامِ يُكَنَّى أَبَا عَبْدِ اللَّهِ الْقُرَشِيَّ، سَمِعَ أَبَاهُ وَأُمَّهُ أَسْمَاءَ وَعَائِشَةَ وَغَيْرَهُمْ مِنْ كِبَارِ الصَّحَابَةِ، رَوَى عَنْهُ ابْنُهُ هِشَامٌ وَالزُّهْرِيُّ وَغَيْرُهُمَا، وُلِدَ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَعِشْرِينَ وَهُوَ مِنْ كِبَارِ التَّابِعِينَ، وَهُوَ أَحَدُ الْفُقَهَاءِ السَّبْعَةِ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ (أَنَّ سَعِيدَ بْنَ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ)، بِضَمِّ نُونٍ فَفَتْحِ فَاءٍ وَهُوَ أَحَدُ الْعَشَرَةِ الْمُبَشَّرَةِ بِالْجَنَّةِ (خَاصَمَتْهُ أَرْوَى): بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَالْوَاوِ مَقْصُورًا. قَالَ صَاحِبُ جَامِعِ الْأُصُولِ: لَا أَدْرِي أَكَانَتْ أَرْوَى صَحَابِيَّةً أَمْ تَابِعِيَّةً (بِنْتُ أَوْسٍ): بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ، هَكَذَا فِي نُسَخِ الْمِشْكَاةِ. قِيلَ: وَكَذَا فِي نُسَخِ الْمَصَابِيحِ، وَفِي جَامِعِ الْأُصُولِ: أُوَيْسٍ بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَفَتْحِ الْوَاوِ وَيَاءٍ سَاكِنَةٍ، وَفِي أَسْمَاءِ الرِّجَالِ لِلْمُؤَلِّفِ فِي فَصْلِ الصَّحَابَةِ أَوْسُ بْنُ أَبِي أَوْسٍ، وَيُقَالُ: أَوْسُ بْنُ أَبِي أَوْسٍ الثَّقَفِيُّ، وَهُوَ وَالِدُ عَمْرِو بْنِ أَوْسٍ، رَوَى عَنْهُ أَبُو أَشْعَثَ السَّمْعَانِيُّ وَابْنُهُ عُمَرُ وَغَيْرُهُمَا، وَالْحَاصِلُ أَنَّهَا رَافَعَتْهُ فِي الْخُصُومَةِ (إِلَى مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ)، قَالَ الْمُؤَلِّفُ: يُكْنَى أَبَا عَبْدِ الْمَلِكِ الْقُرَشِيَّ الْأُمَوِيَّ جَدَّ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، أَمَّرَهُ النَّبِيُّ - ﷺ - إِلَى الطَّائِفِ، فَلَمْ يَزَلْ بِهَا حَتَّى وَلِيَ عُثْمَانُ فَرَدَّهُ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَرَوَى عَنْ نَفَرٍ مِنَ الصَّحَابَةِ مِنْهُمْ: عُثْمَانُ وَعَلِيٌّ، وَعَنْهُ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ وَعَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ. مَاتَ بِدِمَشْقَ سَنَةَ خَمْسٍ وَسِتِّينَ اهـ وَكَأَنَّهُ كَانَ وَالِيًا فِي الْمَدِينَةِ (وَادَّعَتْ)، أَيْ: أَرْوَى (أَنَّهُ)، أَيْ: سَعِيدًا (أَخَذَ شَيْئًا مِنْ أَرْضِهَا)، أَيْ. ظُلْمًا (قَالَ سَعِيدٌ: أَنَا كُنْتُ آخُذُ مِنْ أَرْضِهَا شَيْئًا!): فِيهِ مَعْنَى الْإِنْكَارِ عَلَى نَفْسِهِ الْمُتَضَمِّنِ لِإِنْكَارِ غَيْرِهِ، وَقَوْلُهُ: (بَعْدَ الَّذِي سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؟ مُقَرِّرٌ لِجِهَةِ الْإِنْكَارِ (قَالَ)، أَيْ: مَرْوَانُ (مَاذَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ)، أَيْ: سَعِيدٌ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يَقُولُ: (مَنْ أَخَذَ شِبْرًا)، أَيْ: قَدْرَ شِبْرٍ وَأَرَادَ شَيْئًا يَسِيرًا (مِنَ الْأَرْضِ)، أَيْ: أَرْضِ أَحَدٍ (ظُلْمًا)، أَيْ: أَخْذَ ظُلْمٍ أَوْ مِنْ جِهَةِ ظُلْمٍ (طُوِّقَهُ): بِضَمِّ الطَّاءِ وَكَسْرِ الْوَاوِ الْمُشَدَّدَةِ، أَيْ: طَوَّقَهُ اللَّهُ كَمَا فِي نُسْخَةٍ، أَيْ: جَعَلَ ذَلِكَ الشِّبْرَ مِنْهَا طَوْقَهُ (إِلَى سَبْعِ أَرَضِينَ): بِفَتْحِ الرَّاءِ وَيُسَكَّنُ. قَالَ النَّوَوِيُّ: بِفَتْحِ الرَّاءِ، وَإِسْكَانُهَا قَلِيلٌ. وَفِي الْحَدِيثِ تَصْرِيحٌ بِأَنَّ الْأَرْضَ سَبْعُ طِبَاقٍ وَهُوَ مُوَافِقٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ١٢] وَمَنْ قَالَ الْمُرَادُ بِالسَّبْعِ الْأَقَالِيمُ فَقَدْ وَهِمَ ; لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يُطَوَّقِ الظَّالِمُ بِشِبْرٍ مِنْ كُلِّ إِقْلِيمٍ بِخِلَافِ طِبَاقِ الْأَرْضِ، فَإِنَّهَا تَابِعَةٌ لِهَذَا الشِّبْرِ. (فَقَالَ لَهُ مَرْوَانُ: لَا أَسْأَلُكَ بَيِّنَةً): وَفِي نُسْخَةٍ بِبَيِّنَةٍ أَيْ: لَا أُطَالِبُكَ بِحُجَّةٍ (بَعْدَ هَذَا) . أَيْ: بَعْدَ إِيرَادِكَ هَذَا الْحَدِيثَ، وَالْمَعْنَى أُصَدِّقُكَ فِي بَاطِنِ الْأَمْرِ أَنَّكَ غَيْرُ ظَالِمٍ، أَوْ لَا أَشُكُّ فِي نَقْلِكَ الْحَدِيثَ، وَلَا أَحْتَاجُ لِرِوَايَةٍ أُخْرَى، فَإِنَّكَ بِمَنْزِلَةِ رَاوِيَيْنِ وَأَكْثَرَ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: وَكَأَنَّ سَعِيدًا لَمَّا أَنْكَرَ تَوَجَّهَ عَلَيْهَا الْبَيِّنَةُ وَعِنْدَ فَقْدِهَا تَوَجَّهَ إِلَيْهِ الْيَمِينُ فَأَجْرَى مَرْوَانُ هَذَا الْكَلَامَ مِنْهُ مَجْرَى الْيَمِينِ وَقَالَ: لَا أَسْأَلُكَ بَيِّنَةً بَعْدَ هَذَا، اه. وَلَا يَخْفَى أَنَّ اعْتِبَارَ مِثْلِ هَذَا غَيْرُ شَرْعِيٍّ فِي بَابِ الدَّعْوَى، فَالصَّوَابُ مَا ذَكَرَهُ الْكِرْمَانِيُّ مِنْ أَنَّ سَعِيدًا تَرَكَ لَهَا مَا ادَّعَتْهُ كَمَا يَشْهَدُ لَهُ نَقْلُ عُرْوَةَ. (فَقَالَ سَعِيدٌ: اللَّهُمَّ إِنْ كَانَتْ كَاذِبَةً فَأَعْمِ بَصَرَهَا): بِفَتْحِ هَمْزٍ وَكَسْرِ مِيمٍ أَيِ: اجْعَلْ بَصَرَهَا أَعْمَى (وَاقْتُلْهَا فِي أَرْضِهَا)، أَيِ: الَّتِي ادَّعَتْ فِيهَا. وَفِي رِوَايَةٍ: وَاجْعَلْ قَبْرَهَا فِي دَارِهَا، وَكَانَ سَعِيدٌ مُجَابَ الدَّعْوَةِ عَلَى مَا فِي التَّهْذِيبِ. قَالَ)، أَيْ: عُرْوَةُ (فَمَا مَاتَتْ حَتَّى ذَهَبَ بَصَرُهَا، وَبَيْنَمَا هِيَ تَمْشِي فِي أَرْضِهَا إِذْ وَقَعَتْ فِي حُفْرَةٍ)، أَيْ: عَمِيقَةٍ لِمَا سَيَأْتِي مِنْ رِوَايَةِ فِي بِئْرٍ (فَمَاتَتْ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) . وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا: («مَنْ أَخَذَ مِنَ الْأَرْضِ شَيْئًا بِغَيْرِ حَقِّهِ خُسِفَ بِهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ إِلَى سَبْعِ أَرَضِينَ») . وَفِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ وَالطَّبَرَانِيِّ عَنْ يَعْلَى بْنِ مُرَّةَ: (مَنْ أَخَذَ مِنَ الْأَرْضِ شَيْئًا ظُلْمًا جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَحْمِلُ تُرَابَهَا إِلَى الْمَحْشَرِ) وَفِي رِوَايَةٍ لِلطَّبَرَانِيِّ وَالضِّيَاءِ عَنِ الْحَكَمِ بْنِ الْحَارِثِ: («مَنْ أَخَذَ مِنْ طَرِيقِ الْمُسْلِمِينَ شَيْئًا جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَحْمِلُهُ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ») .
[ ٩ / ٣٨٤١ ]
(وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بِمَعْنَاهُ)، قَالَ الْمُؤَلِّفُ: رَوَى عَنْ جَدِّهِ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَعَنْهُ بَنُوهُ، وَالْأَعْمَشُ وَغَيْرُهُمْ، ثِقَةٌ. (وَأَنَّهُ)، أَيْ: مُحَمَّدًا الْمَذْكُورَ (رَآهَا عَمْيَاءَ تَلْتَمِسُ الْجُدُرَ)، بِضَمَّتَيْنِ، وَيَجُوزُ إِسْكَانُ الدَّالِ جَمْعُ جِدَارٍ، وَفِي نُسْخَةٍ بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ، فَفِي الْقَامُوسِ الْجُدُرُ الْحَائِطُ كَالْجِدَارِ جَمْعُ جُدْرٍ وَجُدُرٍ وَجُدْرَانٍ، وَالْمَعْنَى أَنَّهَا تَدُورُ عَلَى الْجُدُرِ وَتُمْسِكُهَا (تَقُولُ: أَصَابَتْنِي دَعْوَةُ سَعِيدٍ، وَأَنَّهَا مَرَّتْ عَلَى بِئْرٍ)، أَيْ: حُفْرَةٍ عَمِيقَةٍ كَمَا سَبَقَ (فِي الدَّارِ الَّتِى خَاصَمَتْهُ فِيهَا، فَوَقَعَتْ فِيهَا، فَكَانَتْ)، أَيْ: صَارَتْ (قَبْرَهَا) . أَيْ: حَقِيقَةً أَوْ حُكْمًا.
[ ٩ / ٣٨٤٢ ]
٥٩٥٤ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ - ﵄ - أَنَّ عُمَرَ بَعَثَ جَيْشًا وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ رَجُلًا يُدْعَى سَارِيَةَ، فَبَيْنَمَا عُمَرُ يَخْطُبُ، فَجَعَلَ يَصِيحُ: يَا سَارِيَ! الْجَبَلَ فَقَدِمَ رَسُولٌ مِنَ الْجَيْشِ فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ لَقِيَنَا عَدُوُّنَا فَهَزَمُونَا، فَإِذَا بِصَائِحٍ يَصِيحُ: يَا سَارِيَ! الْجَبَلَ. فَأَسْنَدْنَا ظُهُورَنَا إِلَى الْجَبَلِ، فَهَزَمَهُمُ اللَّهُ - تَعَالَى. رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي (دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ) .
_________________
(١) (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ عُمَرَ - ﵁ - بَعَثَ جَيْشًا)، أَيْ: أَرْسَلَهُمْ (إِلَى نَهَاوَنْدَ): مُثَلَّثَةُ النُّونِ بَلَدٌ مِنْ بِلَادِ الْجِيلِ جَنُوبَيِّ هَمْدَانَ (وَأَمَّرَ): بِتَشْدِيدِ الْمِيمِ أَيْ: جَعَلَ أَمِيرًا عَلَيْهِمْ (رَجُلًا يُدْعَى)، أَيْ: يُسَمَّى (سَارِيَةَ)، فِي الْقَامُوسِ: هُوَ ابْنُ زَنِيمٍ الَّذِي نَادَاهُ عُمَرُ عَلَى الْمِنْبَرِ وَسَارِيَةُ بِنَهَاوَنْدَ اهـ. وَلَمْ يَذْكُرْهُ الْمُؤَلِّفُ. (فَبَيْنَمَا عُمَرُ يَخْطُبُ)، أَيْ: فِي مَسْجِدِ الْمَدِينَةِ عَلَى رُءُوسِ الْأَشْهَادِ مِنْ أَكَابِرِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، مِنْهُمْ: عُثْمَانُ وَعَلِيٌّ، رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ ; فَهَذِهِ كَرَامَةٌ عَظِيمَةٌ وَمَنْقَبَةٌ جَسِيمَةٌ دَالَّةٌ عَلَى مَزِيَّةِ جَلَالَتِهِ وَصِحَّةِ خِلَافَتِهِ (فَجَعَلَ) أَيْ: عُمَرُ (يَصِيحُ)، أَيْ: فِي أَثْنَاءِ خُطْبَتِهِ أَوْ بَعْدَ تَمَامِهَا (يَا سَارِيَ) ! مُرَخَّمُ سَارِيَةَ وَفِي نُسْخَةٍ: يَا سَارِيَةُ (الْجَبَلَ) بِالنَّصْبِ أَيِ: الْزَمِ الْجَبَلَ وَاجْعَلْهُ وَرَاءَ ظَهْرِكَ فَتَعَجَّبَ النَّاسُ (فَقَدِمَ رَسُولٌ مِنَ الْجَيْشِ فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ لَقِيَنَا) ! بِكَسْرِ الْقَافِ وَفَتْحِ الْيَاءِ فَقَوْلُهُ (عَدُوُّنَا) بِالرَّفْعِ وَفِي نُسْخَةٍ بِسُكُونِ الْيَاءِ وَنَصْبِ عَدُوِّنَا (فَهَزَمُونَا)، أَيْ: فَغَلَبُونَا أَوَّلًا، (فَإِذَا بِصَائِحٍ يَصِيحُ: يَا سَارِيَ! الْجَبَلَ. فَأَسْنَدْنَا ظُهُورَنَا إِلَى الْجَبَلِ، فَهَزَمَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى): فِيهِ أَنْوَاعٌ مِنَ الْكَرَامَةِ لِعُمَرَ: كَشْفُ الْمَعْرَكَةِ وَإِيصَالُ صَوْتِهِ وَسَمَاعُ كُلٍّ مِنْهُمْ لِصَيْحَتِهِ وَفَتْحُهُمْ وَنَصْرُهُمْ بِبَرَكَتِهِ (رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي (دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ) .
[ ٩ / ٣٨٤٢ ]
٥٩٥٥ - وَعَنْ نُبَيْهَةَ بْنِ وَهْبٍ، أَنَّ كَعْبًا دَخَلَ عَلَى عَائِشَةَ، فَذَكَرُوا رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - فَقَالَ كَعْبٌ: مَا مِنْ يَوْمٍ يَطْلُعُ إِلَّا نَزَلَ سَبْعُونَ أَلْفًا مِنَ الْمَلَائِكَةِ حَتَّى يَحُفُّوا بِقَبْرِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - يَضْرِبُونَ بِأَجْنِحَتِهِمْ، وَيُصَلُّونَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - حَتَّى إِذَا أَمْسَوْا عَرَجُوا وَهَبَطَ مِثْلُهُمْ فَصَنَعُوا مِثْلَ ذَلِكَ، حَتَّى إِذَا انْشَقَّتْ عَنْهُ الْأَرْضُ خَرَجَ فِي سَبْعِينَ أَلْفًا مِنَ الْمَلَائِكَةِ يَزُفُّونَهُ. رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ.
_________________
(١) (وَعَنْ نُبَيْهَةَ): بِضَمِّ النُّونِ وَفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَسُكُونِ التَّحْتِيَّةِ فَهَاءٍ فَتَاءٍ، كَذَا ضَبَطَهُ الْمُؤَلِّفُ فِي أَسْمَائِهِ، وَفِي نُسْخَةٍ نُبَيْهٍ بِدُونِ تَاءٍ وَهُوَ الظَّاهِرُ، وَقِيلَ: هُوَ الصَّوَابُ، فَإِنَّهُ الْمُوَافِقُ لِمَا فِي الْقَامُوسِ وَالْمُغْنِي، وَكَذَلِكَ فِي التَّحْرِيرِ لِلْعَسْقَلَانِيِّ (ابْنِ وَهْبٍ)، أَيِ: الْكَعْبِيِّ الْحِجَازِيِّ، سَمِعَ أَبَانَ بْنَ عُثْمَانَ وَكَعْبًا مَوْلَى سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ، وَرَوَى عَنْهُ نَافِعٌ، ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ فِي التَّابِعِينَ (أَنَّ كَعْبًا)، أَيْ: كَعْبَ الْأَحْبَارِ بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ، وَهُوَ مِنْ كِبَارِ التَّابِعِينَ. قَالَ الْمُؤَلِّفُ: هُوَ كَعْبُ بْنُ مَاتِعٍ يُكْنَى أَبَا إِسْحَاقَ الْمَعْرُوفُ بِكَعْبِ الْأَحْبَارِ، أَدْرَكَ زَمَنَ النَّبِيِّ - ﷺ - وَلَمْ يَرَهُ، وَأَسْلَمَ فِي زَمَنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، رَوَى عَنْ عُمَرَ وَصُهَيْبٍ وَعَائِشَةَ، وَمَاتَ بِحِمْصَ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ فِي خِلَافَةِ عُثْمَانَ - ﵃ - (دَخَلَ عَلَى عَائِشَةَ، فَذَكَرُوا)، أَيْ: أَهْلُ الْمَجْلِسِ (رَسُولَ اللَّهِ ﷺ)، أَيْ: بَعْضَ نَعْتِهِ أَوْ قَضِيَّةَ مَوْتِهِ (فَقَالَ كَعْبٌ)، أَيْ: نَقْلًا عَنِ الْكُتُبِ السَّابِقَةِ مِمَّا رَوَاهُ أَوْ سَمِعَهُ مِمَّنْ قَبْلَهُ أَوِ انْكِشَافًا لَهُ، وَهُوَ الْمُنَاسِبُ لِأَنْ يَكُونَ كَرَامَةً لَهُ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ كَرَامَةً لُغَوِيَّةً بِمَعْنَى أَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - أَكْرَمَ نَبِيَّهُ - ﷺ - بِمَا ذَكَرَهُ مِنْ قَوْلِهِ: (مَا مِنْ يَوْمٍ يَطْلُعُ): بِضَمِّ اللَّامِ أَيْ: يَظْهَرُ فَجْرُهُ أَوْ تَطْلُعُ شَمْسُهُ (إِلَّا نَزَلَ سَبْعُونَ أَلْفًا مِنَ الْمَلَائِكَةِ حَتَّى يَحُفُّوا): بِضَمِّ الْحَاءِ وَالْفَاءِ الْمُشَدَّدَةِ أَيْ: يُحِيطُوا (بِقَبْرِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - يَضْرِبُونَ بِأَجْنِحَتِهِمْ)، أَيْ: لِلطَّيَرَانِ حَوْلَهُ أَوْ فَوْقَهُ يَلْتَمِسُونَ بَرَكَتَهُ وَقُرْبَهُ وَنُورَهُ (وَيُصَلُّونَ عَلَى
[ ٩ / ٣٨٤٢ ]
رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - أَيْ: بِالثَّنَاءِ الْجَزِيلِ وَالدُّعَاءِ الْجَمِيلِ (حَتَّى إِذَا أَمْسَوْا)، أَيْ: دَخَلُوا فِي وَقْتِ الْمَسَاءِ (عَرَجُوا): بِفَتْحِ الرَّاءِ أَيْ: صَعَدُوا إِلَى السَّمَاءِ (وَهَبَطَ)، أَيْ: نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ (مِثْلُهُمْ)، أَيْ: مِنْ عَدَدِ الْمَلَائِكَةِ فِي لَيْلَتِهِمْ (فَصَنَعُوا مِثْلَ ذَلِكَ)، أَيْ: مِنْ ضَرْبِ الْأَجْنِحَةِ وَكَثْرَةِ التَّصْلِيَةِ (حَتَّى إِذَا انْشَقَّتْ عَنْهُ الْأَرْضُ)، أَيْ: عِنْدَ النَّفْخَةِ الثَّانِيَةِ (خَرَجَ، أَيْ: ظَهَرَ (فِي سَبْعِينَ أَلْفًا مِنَ الْمَلَائِكَةِ يَزُفُّونَهُ) . بِضَمِّ الزَّايِ وَيُكْسَرُ وَتَشْدِيدِ الْفَاءِ أَيْ: يَهْدُونَ الْمَحْبُوبَ إِلَى الْحَبِيبِ أَوِ الْمُحِبَّ إِلَى الْمَحْبُوبِ، وَالْأَوَّلُ فِيهِ الْمُبَالَغَةُ أَكْثَرُ وَهُوَ بِاعْتِبَارِ أَصْلِ اللُّغَةِ أَظْهَرُ، فَإِنَّ يَزُفُّونَ بِالضَّمِّ مَنْ زَفَفْتُ الْعَرُوسَ إِلَى زَوْجِهَا إِذَا أَهْدَيْتُهَا إِلَيْهِ، وَيَزِفُّونَ بِالْكَسْرِ مَنْ زَفَّ الْبَعِيرُ أَوِ الظَّلِيمُ، وَهُوَ الذَّكَرُ مِنَ النَّعَامِ إِذَا أَسْرَعَ فَفِيهِ حَذْفٌ وَإِيصَالٌ أَيْ: يُسْرِعُونَ بِهِ إِلَيْهِ، وَالْمَفْهُومُ مِنَ الْقَامُوسِ أَنَّهُ يَجُوزُ فِي الْحَدِيثِ ضَمُّ الْيَاءِ وَكَسْرُ الزَّايِ عَلَى الْمَعْنَيَيْنِ حَيْثُ قَالَ: زَفَّ الْعَرُوسَ إِلَى زَوْجِهَا مِنْ بَابِ كَتَبَ كَأَزَفَّهَا، وَالظَّلِيمُ وَغَيْرُهُ يَزِفُّ مِنْ بَابِ ضَرَبَ أَسْرَعَ كَأَزَفَّ (رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ) .
[ ٩ / ٣٨٤٣ ]