[ ٧ / ٣٠٦٠ ]
(١٢) بَابُ الْمُزَاحِ
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
٤٨٨٤ - «عَنْ أَنَسٍ - ﵁ - قَالَ: إِنْ كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - لَيُخَالِطُنَا حَتَّى يَقُولَ لِأَخٍ لِي صَغِيرٍ: " يَا أَبَا عُمَيْرٍ مَا فَعَلَ النُّغَيْرُ؟ " كَانَ لَهُ نُغَيْرٌ يَلْعَبُ بِهِ فَمَاتَ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
_________________
(١) بَابُ الْمُزَاحِ بِضَمِّ الْمِيمِ وَيُكْسَرُ. قَالَ شَارِحٌ: الْمُزَاحُ بِالضَّمِّ اسْمُ الْمِزَاحِ بِالْكَسْرِ، وَقِيلَ بِالضَّمِّ اسْمٌ مِنْ مَزَحَ يَمْزَحُ، وَبِالْكَسْرِ مَصْدَرُ مَازَحَ، وَفِي الْقَامُوسِ: مَزَحَ كَمَنَعَ مَزْحًا وَمُزَاحَةً وَمُزَاحًا: دَعَبَ، وَمَازَحَهُ مُمَازَحَةً وَمِزَاحًا - بِالْكَسْرِ - وَتَمَازُحًا. ثُمَّ الْمِزَاحُ انْبِسَاطٌ مَعَ الْغَيْرِ مِنْ غَيْرِ إِيذَاءٍ، فَإِنْ بَلَغَ الْإِيذَاءَ يَكُونُ سُخْرِيَّةً، ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّهُ وَرَدَ عَنْهُ - ﷺ: «لَا تُمَارِ أَخَاكَ وَلَا تُمَازِحْهُ»، وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ فِي جَامِعِهِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، وَقَالَ الْجَزَرِيُّ: إِسْنَادُهُ جَيِّدٌ، فَقَدْ رَوَاهُ زِيَادُ بْنُ أَيُّوبَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْبُخَارِيِّ، عَنْ لَيْثِ بْنِ أَبِي سُلَيْمٍ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَهَذَا إِسْنَادٌ مُسْتَقِيمٌ، وَلَيْثُ بْنُ أَبِي سُلَيْمٍ - وَإِنْ كَانَ فِيهِ ضَعْفٌ مِنْ قِبَلِ حِفْظِهِ - فَقَدْ رَوَى لَهُ مُسْلِمٌ مَقْرُونًا، وَكَانَ عَالِمًا ذَا صَلَاةٍ وَصِيَامٍ، ذَكَرَهُ مِيرَكُ. وَالْحَدِيثُ لَهُ تَتِمَّةٌ عَلَى مَا فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ، وَهَى: لَا تَعِدْهُ مَوْعِدًا فَتُخْلِفْهُ، وَالْحَدِيثُ سَيَأْتِي فِي أَصْلِ الْكِتَابِ. قَالَ النَّوَوِيُّ: اعْلَمْ أَنَّ الْمُزَاحَ الْمَنْهِيَّ عَنْهُ هُوَ الَّذِي فِيهِ إِفْرَاطٌ وَيُدَاوَمُ عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ يُورِثُ الضَّحِكَ وَقَسْوَةَ الْقَلْبِ، وَيَشْغَلُ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَالْفِكْرِ فِي مُهِمَّاتِ الدِّينِ، وَيَؤُولُ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَوْقَاتِ إِلَى الْإِيذَاءِ، وَيُورِثُ الْأَحْقَادَ، وَيُسْقِطُ الْمَهَابَةَ وَالْوَقَارَ، فَأَمَّا مَا سَلِمَ مِنْ هَذِهِ الْأُمُورِ، فَهُوَ الْمُبَاحُ الَّذِي كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - يَفْعَلُهُ عَلَى النُّدْرَةِ لِمَصْلَحَةِ تَطْيِيبِ نَفْسِ الْمُخَاطَبِ وَمُؤَانَسَتِهِ، وَهُوَ سُنَّةٌ مُسْتَحَبَّةٌ، فَاعْلَمْ هَذَا، فَإِنَّهُ مِمَّا يَعْظُمُ الِاحْتِيَاجُ إِلَيْهِ. اهـ. وَقَالَ الْحَنَفِيُّ: لَكِنْ لَا يُلَائِمُهُ مَا رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ قَالَ: «مَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَكْثَرَ مُزَاحًا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ» -. قُلْتُ: يُلَائِمُهُ مِنْ حَيْثُ أَنَّ غَيْرَهُ مَا كَانَ يَتَمَالَكُ مِنْ نَفْسِهِ مِثْلَهُ - ﷺ - فَكَانَ تَرْكُ الْمُزَاحِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى غَيْرِهِ أَوْلَى، وَقَدْ رَوَى التِّرْمِذِيُّ فِي الشَّمَائِلِ، «عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّكَ تُدَاعِبُنَا. قَالَ: " إِنِّي لَا أَقُولُ إِلَّا حَقًّا» . وَالْمَعْنَى لَا يُقَالُ الْمُلُوكُ بِالْحَدَّادِينَ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ غَيْرَهُ - ﷺ - دَاخِلٌ تَحْتَ نَهْيِهِ، إِلَّا إِذَا كَانَ مُتَمَكِّنًا فِي الِاسْتِقَامَةِ عَلَى حَدِّهِ وَعَدَمِ الْعُدُولِ عَنْ جَادَّتِهِ. الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
(٢) (عَنْ أَنَسٍ - ﵁ - قَالَ: إِنْ): مُخَفَّفَةٌ مِنَ الْمُثَقَّلَةِ وَاسْمُهَا ضَمِيرُ الشَّأْنِ، أَيْ: أَنَّهُ («كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - لَيُخَالِطُنَا»): بِفَتْحِ اللَّامِ وَتُسَمَّى لَامَ الْفَارِقَةِ، وَفِي نُسْخَةٍ لِلشَّمَائِلِ لَيُخَاطِبُنَا، وَالْمَعْنَى: لَيُخَالِطُنَا غَايَةَ الْمُخَالَطَةِ، وَيُعَاشِرُنَا غَايَةَ الْمُعَاشَرَةِ، وَيُجَالِسُنَا وَيُمَازِحُنَا. (حَتَّى يَقُولَ لِأَخٍ لِي) أَيْ: مِنْ أُمِّي وَأَبُوهُ أَبُو طَلْحَةَ زَيْدُ بْنُ سَهْلٍ الْأَنْصَارِيُّ (صَغِيرٍ: يَا أَبَا عُمَيْرٍ): بِالتَّصْغِيرِ وَاسْمُهُ كَبْشَةُ (مَا فَعَلَ): بِصِيغَةِ الْفَاعِلِ، أَيْ: مَا صَنَعَ (النُّغَيْرُ؟): بِضَمٍّ فَفَتَحٍ، تَصْغِيرُ نُغَرٍ بِضَمِّ النُّونِ وَفَتْحِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ، طَائِرٌ يُشْبِهُ الْعُصْفُورَ أَحْمَرُ الْمِنْقَارِ، وَقِيلَ: هُوَ الْعُصْفُورُ، وَقِيلَ: هُوَ الصَّعْوُ صَغِيرُ الْمِنْقَارِ أَحْمَرُ الرَّأْسِ، وَقِيلَ: أَهْلُ الْمَدِينَةِ يُسَمُّونَهُ الْبُلْبُلَ، وَالْمَعْنَى: مَا جَرَى لَهُ حَيْثُ لَمْ أَرَهُ مَعَكَ، وَفِي هَذَا تَسْلِيَةٌ لَهُ عَلَى فَقْدِهِ بِمَوْتِهِ، بَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ («كَانَ لَهُ نُغَيْرٌ يَلْعَبُ بِهِ فَمَاتَ») أَيِ: النُّغَيْرُ، وَحَزَنَ الْوَلَدُ لِفَقْدِهِ عَلَى عَادَةِ الصِّغَارِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: (حَتَّى) غَايَةُ قَوْلِهِ: (يُخَالِطُنَا) وَضَمِيرُ الْجَمْعِ لِأَنَسٍ وَأَهْلِ بَيْتِهِ، أَيْ: انْتَهَتْ مُخَالَطَتُهُ لِأَهْلِنَا كُلِّهِمْ حَتَّى الصَّبِيُّ، وَحَتَّى الْمُلَاعَبَةُ مَعَهُ، وَحَتَّى السُّؤَالُ عَنْ فِعْلِ النُّغَيْرِ. وَفِي مُسْلِمٍ أَنَّهُ - ﷺ - كَانَ لَا يَدْخُلُ عَلَى أَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِ إِلَّا أُمَّ سُلَيْمٍ، فَإِنَّهُ كَانَ يَدْخُلُ عَلَيْهَا، وَأُمُّ سُلَيْمٍ أُمُّ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ. وَقَالَ الرَّاغِبُ: الْفِعْلُ التَّأْثِيرُ مِنْ جِهَةٍ مُؤَثِّرَةٍ، وَالْعَمَلُ كُلُّ فِعْلٍ يَكُونُ مِنَ الْحَيَوَانِ بِقَصْدٍ، وَهُوَ أَخَصُّ مِنَ الْفِعْلِ ; لِأَنَّ الْفِعْلَ قَدْ يُنْسَبُ إِلَى الْحَيَوَانَاتِ الَّتِي يَقَعُ مِنْهَا بِغَيْرِ قَصْدٍ، وَقَدْ يُنْسَبُ إِلَى الْجَمَادَاتِ. اهـ كَلَامُهُ. فَالْمَعْنَى: مَا حَالُهُ وَشَأْنُهُ؟ ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ. وَلَوْ رُوِيَ بِصِيغَةِ الْمَفْعُولِ لَكَانَ لَهُ وَجْهٌ وَجِيهٌ وَتَنْبِيهٌ نَبِيهٌ، وَصَارَ الْمَعْنَى: مَا فُعِلَ بِهِ؟ .
[ ٧ / ٣٠٦١ ]
وَفِي شَرْحِ السُّنَّةِ: فِيهِ فَوَائِدُ، مِنْهَا: أَنَّ صَيْدَ الْمَدِينَةِ مُبَاحٌ بِخِلَافِ صَيْدِ مَكَّةَ. قُلْتُ: لَوْ ثَبَتَ هَذَا لَارْتَفَعَ الْخِلَافُ فِي أَنَّ الْمَدِينَةَ لَهَا حَرَمٌ أَمْ لَا. لَكِنْ لِلشَّافِعِيَّةِ أَنْ يَقُولُوا لَيْسَ نَصٌّ فِي الْحَدِيثِ عَلَى أَنَّهُ مِنْ صَيْدِ الْمَدِينَةِ لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ صِيدَ مِنْ خَارِجِهَا وَأُدْخِلَ فِيهَا. وَحِينَئِذٍ لَا يَضُرُّ، فَإِنَّ الصَّيْدَ لَوْ أُخِذَ خَارِجَ مَكَّةَ، ثُمَّ أُدْخِلَ فِي الْحَرَمِ وَذُبِحَ كَانَ حَلَالًا
عِنْدَهُمْ، فَكَذَا هَذَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَالَ: وَإِنَّهُ لَا بَأْسَ أَنْ يُعْطَى الصَّبِيُّ الطَّيْرَ لِيَلْعَبَ بِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُعَذِّبَهُ. قُلْتُ: هَذَا فَرْعٌ آخَرُ عَلَى الْمَسْأَلَةِ السَّابِقَةِ، إِذْ لَوْ ثَبَتَ حَرَمِيَّةُ الْمَدِينَةِ لَوَجَبَ إِرْسَالُ الصَّيْدِ إِنْ أُخِذَ مِنْهَا، وَكَذَا عِنْدَنَا بَعْدَ دُخُولِهِ فِي حَرَمِ مَكَّةَ. قَالَ: وَإِبَاحَةُ تَصْغِيرِ الْأَسْمَاءِ؟ قُلْتُ: لِأَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى اللُّطْفِ وَالشَّفَقَةِ، لَا سِيَّمَا وَفِيهِ مُرَاعَاةُ السَّجْعِ، وَهُوَ مُبَاحُ الْكَلَامِ إِذَا لَمْ يَكُنْ مَقْرُونًا بِالتَّكَلُّفِ. قَالَ: وَإِبَاحَةُ الدُّعَابَةِ مَا لَمْ يَكُنْ إِثْمًا؟ قُلْتُ: بَلِ اسْتِحْبَابُهُ إِذَا كَانَ تَطْيِيبًا وَمُطَايَبَةً. قَالَ: وَجَوَازُ تَكَنِّي الصَّبِيِّ وَلَا يَدْخُلُ ذَلِكَ فِي بَابِ الْكَذِبِ. قُلْتُ: لِأَنَّهُ قُصِدَ بِهِ التَّفَاؤُلُ. قَالَ: وَقَدْ نُقِلَ عَنِ الشَّيْخِ نَجْمِ الدِّينِ الْكَبِيرِ غَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الْفَوَائِدِ، وَهِيَ أَنْ يَجُوزَ لِلرَّجُلِ أَنْ يَدْخُلَ فِي بَيْتٍ فِيهِ امْرَأَةٌ أَجْنَبِيَّةٌ إِذَا أَمِنَ عَلَى نَفْسِهِ الْفِتْنَةَ. قُلْتُ: فِيهِ بَحْثٌ ; لِأَنَّهُ إِنْ أَرَادَ جَوَازَ الْخَلْوَةِ مَعَ الْأَجْنَبِيَّةِ، فَهُوَ لَا يَجُوزُ بِالْإِجْمَاعِ، وَإِنْ أَرَادَ الدُّخُولَ عَلَيْهَا مَعَ وُجُودِ غَيْرِهَا، فَهُوَ أَمْرٌ ظَاهِرٌ لَا شُبْهَةَ فِي جَوَازِهِ، حَتَّى مَعَ عَدَمِ الْأَمْنِ مِنَ الْفِتْنَةِ أَيْضًا، كَمَا فِي مَسْأَلَةِ تَحَمُّلِ الشَّهَادَةِ وَنَحْوِهَا. وَلَيْسَ فِي الْحَدِيثِ دَلَالَةٌ عَلَى الْخَلْوَةِ، مَعَ أَنَّهُ لَوْ ثَبَتَ لَكَانَ جَوَازُهُ مِنْ خُصُوصِيَّاتِهِ - ﷺ، مَعَ كَوْنِهِ مَعْصُومًا مَعَ أَنَّهُ أَبٌ لِلْأُمَّةٍ وَلَيْسَ لِغَيْرِ ذَلِكَ، وَلَوْ كَانَ وَلِيًّا، فَإِنَّ الْحِفْظَ مَرْتَبَةٌ دُونَ الْعِصْمَةِ، وَلِذَا لَمَّا سُئِلَ الْجُنَيْدُ: أَيَزْنِي الْعَارِفُ؟ فَأَطْرَقَ رَأْسَهُ مَلِيًّا، ثُمَّ قَالَ: وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا. وَإِنَّمَا أَطَلْتُ هَذَا الْمَبْحَثَ لِئَلَّا يَتَعَلَّقَ بِهِ بَعْضُ الزَّنَادِقَةِ وَالْمَلَاحِدَةِ وَالْمُبَاحِيَّةِ، مَعَ أَنَّا لَا نَشُكُّ فِي جَلَالَةِ الشَّيْخِ قُدِّسَ سِرُّهُ ; حَيْثُ أَثَّرَ نَظَرُهُ فِي الْكَلْبِ. قَالَ: وَأَنْ يَجُوزَ لِلرَّجُلِ أَنْ يَسْأَلَ عَمَّا هُوَ عَالِمٌ بِهِ تَعْجُّبًا مِنْهُ. قُلْتُ: هَذَا يَتَوَقَّفُ عَلَى تَقَدُّمِ عِلْمِهِ - ﷺ - بِمَوْتِ النُّغَيْرِ، لِاحْتِمَالِ صُدُورِ هَذَا الْقَوْلِ بِمُجَرَّدِ فَقْدِهِ، وَهُوَ أَعَمُّ مِنْ حُصُولِ مَوْتِهِ. قَالَ: وَفِيهِ كَمَالُ خُلُقِ النَّبِيِّ - ﷺ - وَأَنَّ رِعَايَةَ الضُّعَفَاءِ مِنْ مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ، وَأَنَّهُ يُسْتَحَبُّ اسْتِمَالَةُ قُلُوبِ الصِّغَارِ، وَإِدْخَالُ السُّرُورِ فِي قُلُوبِهِمْ. قُلْتُ كَيْفَ لَا، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى فِي وَصْفِهِ الْكَرِيمِ فِي كَلَامِهِ الْقَدِيمِ: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤] . . . (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
[ ٧ / ٣٠٦٢ ]
الْفَصْلُ الثَّانِي
٤٨٨٥ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - قَالَ: «قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّكَ تُدَاعِبُنَا. قَالَ: " إِنِّي لَا أَقُولُ إِلَّا حَقًّا» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
_________________
(١) الْفَصْلُ الثَّانِي
(٢) (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - قَالَ: قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ،) أَيْ: بَعْضُ الصَّحَابَةِ (إِنَّكَ تُدَاعِبُنَا) مِنَ الدُّعَابَةِ أَيْ: تُمَازِحُنَا، وَكَأَنَّهُمُ اسْتَبْعَدُوهُ مِنْهُ، فَلِذَلِكَ أَكَّدُوا الْكَلَامَ بِأَنْ وَبِاللَّامِ أَيْضًا عَلَى مَا فِي بَعْضِ النُّسَخِ مِنْ قَوْلِهِ: لَتُدَاعِبُنَا، وَالْأَظْهَرُ أَنَّ مَنْشَأَ سُؤَالِهِمْ أَنَّهُ - ﷺ - نَهَاهُمْ عَنِ الْمُزَاحِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ. (قَالَ: إِنِّي لَا أَقُولُ إِلَّا حَقًّا) أَيْ: عَدْلًا وَصِدْقًا، وَلَا كُلَّ أَحَدٍ مِنْكُمْ قَادِرٌ عَلَى هَذَا الْحَصْرِ لِعَدَمِ الْعِصْمَةِ فِيكُمْ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) .
[ ٧ / ٣٠٦٢ ]
٤٨٨٦ - وَعَنْ أَنَسٍ - ﵁ - «أَنَّ رَجُلًا اسْتَحْمَلَ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - فَقَالَ: إِنِّي حَامِلُكَ عَلَى وَلَدِ نَاقَةٍ، فَقَالَ: مَا أَصْنَعُ بِوَلَدِ النَّاقَةِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: " وَهَلْ تَلِدُ الْإِبِلُ إِلَّا النُّوقُ؟» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ.
_________________
(١) (وَعَنْ أَنَسٍ - ﵁ - أَنَّ رَجُلًا): قِيلَ: وَكَانَ بِهِ بَلَهٌ («اسْتَحْمَلَ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ» -) أَيْ: سَأَلَهُ الْحِمْلَانَ، وَالْمَعْنَى: طَلَبَهُ أَنْ يَحْمِلَهُ عَلَى دَابَّةٍ، وَالْمُرَادُ بِهِ أَنْ يُعْطِيَهُ حَمُولَةً يَرْكَبُهَا («فَقَالَ: إِنِّي حَامِلُكَ عَلَى وَلَدِ نَاقَةٍ»): قَالَهُ مُبَاسِطًا لَهُ بِمَا عَسَاهُ أَنْ يَكُونَ شِفَاءً لِبَلَهِهِ بَعْدَ ذَلِكَ. (فَقَالَ) أَيْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَمَا فِي الشَّمَائِلِ («مَا أَصْنَعُ بِوَلَدِ النَّاقَةِ؟»): حَيْثُ تَوَهَّمَ أَنَّ الْوَلَدَ لَا يُطْلَقُ إِلَّا عَلَى الصَّغِيرِ، وَهُوَ غَيْرُ قَابِلٍ لِلرُّكُوبِ.
[ ٧ / ٣٠٦٢ ]
(«فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: هَلْ تَلِدُ الْإِبِلُ») أَيْ: جِنْسُهَا مِنَ الصِّغَارِ وَالْكِبَارِ (إِلَّا النُّوقُ؟): بِضَمِّ النُّونِ جَمْعُ النَّاقَةِ، وَهِيَ أُنْثَى الْإِبِلِ، وَالْمَعْنَى: أَنَّكَ لَوْ تَدَبَّرْتَ لَمْ تَقُلْ ذَلِكَ، فَفِيهِ مَعَ الْمُبَاسَطَةِ لَهُ الْإِشَارَةُ إِلَى إِرْشَادِهِ وَإِرْشَادِ غَيْرِهِ، بِأَنَّهُ يَنْبَغِي لِمَنْ سَمِعَ قَوْلًا أَنْ يَتَأَمَّلَهُ، وَلَا يُبَادِرَ إِلَى رَدِّهِ إِلَّا بَعْدَ أَنْ يُدْرِكَ غَوْرَهُ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ) .
[ ٧ / ٣٠٦٣ ]
٤٨٨٧ - وَعَنْهُ، «أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ لَهُ: " يَا ذَا الْأُذُنَيْنِ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ.
_________________
(١) (وَعَنْهُ) أَيْ: عَنْ أَنَسٍ - ﵁ - («أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ لَهُ: يَا ذَا الْأُذُنَيْنِ»): مَعْنَاهُ الْحَضُّ وَالتَّنْبِيهُ عَلَى حُسْنِ الِاسْتِمَاعِ لِمَا يُقَالُ لَهُ ; لِأَنَّ السَّمْعَ بِحَاسَّةِ الْأُذُنِ، وَمَنْ خَلَقَ اللَّهُ لَهُ الْأُذُنَيْنِ وَغَفَلَ وَلَمْ يُحْسِنِ الْوَعْيَ لَمْ يُعْذَرْ، وَقِيلَ: إِنَّ هَذَا الْقَوْلَ مِنْ جُمْلَةِ مُدَاعَبَاتِهِ - ﷺ - وَلَطِيفِ أَخْلَاقِهِ. قَالَهُ صَاحِبُ النِّهَايَةِ، وَقَالَ شَارِحٌ: الْأَظْهَرُ أَنَّهُ حَمِدَهُ عَلَى ذَكَائِهِ وَفِطْنَتِهِ وَحُسْنِ اسْتِمَاعِهِ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ قَالَ ذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ الِانْبِسَاطِ إِلَيْهِ وَالْمُزَاحِ مَعَهُ. قُلْتُ: لَا مُنَافَاةَ بَيْنَهُمَا حَتَّى يُجْعَلَ قَوْلَانِ فِي مَعْنَاهُ، فَإِنَّ مَزْحَهُ الصُّورِيَّ اللَّفْظِيَّ لَا يَنْفَكُّ عَنْ مَزْحِ حَقِّهِ الْمَعْنَوِيِّ عَلَى أَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ فِي أُذُنِهِ نَوْعُ طُولٍ أَوْ قِصَرٌ أَوْ قُصُورٌ، فَأَشَارَ بِذَلِكَ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ) .
[ ٧ / ٣٠٦٣ ]
٤٨٨٨ - وَعَنْهُ، «عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ لِامْرَأَةٍ عَجُوزٍ: " إِنَّهُ لَا تَدْخُلُ الْجَنَّةَ عَجُوزٌ ". فَقَالَتْ: وَمَا لَهُنَّ؟ وَكَانَتْ تَقْرَأُ الْقُرْآنَ، فَقَالَ لَهَا: " أَمَا تَقْرَئِينَ الْقُرْآنَ؟ ﴿إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً - فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا﴾ [الواقعة: ٣٥ - ٣٦]»، رَوَاهُ رَزِينٌ. وَفِي " شَرْحِ السُّنَّةِ " بِلَفْظِ " الْمَصَابِيحِ ".
_________________
(١) (وَعَنْهُ) أَيْ: عَنْ أَنَسٍ - ﵁ - («عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ لِامْرَأَةٍ عَجُوزٍ»): بِفَتْحِ أَوَّلِهِ، وَأَمَّا الْعُجُوزُ بِالضَّمِّ فَهُوَ الضَّعْفُ، وَفِي الْقَامُوسِ: وَلَا تَقُلْ عَجُوزَةً، أَوْ هِيَ لُغَةٌ رَدِيئَةٌ، ثُمَّ قِيلَ: هِيَ صَفِيَّةُ بِنْتُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، أُمُّ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ عَمَّةُ النَّبِيِّ - ﷺ - وَسَيَأْتِي أَنَّهَا غَيْرُهَا، وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بِتَعَدُّدِ الْوَاقِعَةِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (إِنَّهُ) أَيِ: الشَّأْنُ («لَا تَدْخُلُ الْجَنَّةَ عَجُوزٌ قَالَتْ: وَمَا لَهُنَّ؟») أَيْ: وَأَيُّ مَانِعٍ لِلْعَجَائِزِ مِنْ دُخُولِهَا وَهُنَّ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ أَيِ: الدَّاخِلَاتُ فِي عُمُومِ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ. («وَكَانَتْ تَقْرَأُ الْقُرْآنَ») أَيْ: وَلِذَا سَأَلَتْهُ مُسْتَغْرِبَةً لِمَعْنَى كَلَامِهِ - ﷺ - («فَقَالَ لَهَا: أَمَا تَقْرَئِينَ الْقُرْآنَ؟») أَيْ: وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً﴾ [الواقعة: ٣٥]، الضَّمِيرُ لِمَا عَلَيْهِ سِيَاقُ السِّبَاقِ فِي الْآيَةِ وَهُوَ: فُرُشٌ مَرْفُوعَةٌ، وَالْمُرَادُ النِّسَاءُ، أَيْ: أَعَدْنَا إِنْشَاءَهُنَّ إِنْشَاءً خَاصًّا، وَخَلَقْنَاهُنَّ خَلْقًا غَيْرَ خَلْقِهِنَّ. ﴿فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا﴾ [الواقعة: ٣٦]، أَيْ: عَذَارَى، كُلَّمَا أَتَاهُنَّ أَزْوَاجُهُنَّ وَجَدُوهُنَّ أَبْكَارًا. وَفِي الْحَدِيثِ: «هُنَّ اللَّوَاتِي قُبِضْنَ فِي دَارِ الدُّنْيَا عَجَائِزَ خَلَقَهُنَّ اللَّهُ بَعْدَ الْكِبَرِ، فَجَعَلَهُنَّ عَذَارَى مُتَعَشِّقَاتِ عَلَى مِيلَادٍ وَاحِدٍ أَفْضَلَ مِنَ الْحُورِ الْعِينِ، كَفَضْلِ الظِّهَارَةِ عَلَى الْبِطَانَةِ، وَمَنْ يَكُونُ لَهَا أَزْوَاجٌ فَتَخْتَارُ أَحْسَنَهُمْ خُلُقًا» . الْحَدِيثُ فِي الطَّبَرَانِيِّ وَالتِّرْمِذِيِّ مُطَوَّلًا (رَوَاهُ رَزِينٌ) أَيْ: بِهَذَا اللَّفْظِ الَّذِي ذُكِرَ فِي الْمِشْكَاةِ. (وَفِي شَرْحِ السُّنَّةِ) أَيْ: لِلْبَغَوِيِّ بِإِسْنَادِهِ (بِلَفْظِ الْمَصَابِيحِ): وَهُوَ: رُوِيَ أَنَّهُ - ﷺ - قَالَ لِعَجُوزٍ: " «إِنَّ الْجَنَّةَ لَا يَدْخُلُهَا الْعُجُزُ» " بِضَمَّتَيْنِ جَمْعُ عَجُوزٍ ذَكَرَهُ شَارِحٌ، فَوَلَّتْ تَبْكِي. قَالَ: " «أَخْبِرُوهَا أَنَّهَا لَا تَدْخُلُهَا وَهِيَ عَجُوزٌ، إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: ﴿إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً - فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا﴾ [الواقعة: ٣٥ - ٣٦]»، وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ فِي الشَّمَائِلِ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ مُرْسَلًا قَالَ: «أَتَتْ عَجُوزٌ النَّبِيِّ - ﷺ - فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ادْعُ اللَّهَ أَنْ يُدْخِلَنِي الْجَنَّةَ. فَقَالَ: " يَا أُمَّ فُلَانٍ إِنَّ الْجَنَّةَ لَا تَدْخُلُهَا عَجُوزٌ ". قَالَ: فَوَلَّتْ تَبْكِي. فَقَالَ: " أَخْبِرُوهَا أَنَّهَا لَا تَدْخُلُهَا وَهِيَ عَجُوزٌ، إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً - فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا﴾ [الواقعة: ٣٥ - ٣٦]» . وَفِي نُسْخَةٍ زِيَادَةُ: ﴿عُرُبًا أَتْرَابًا﴾ [الواقعة: ٣٧]، وَالْعُرُبُ: بِضَمَّتَيْنِ وَيُسَكَّنُ الثَّانِي جَمْعُ عَرُوبٍ، كَرُسُلٍ وَرَسُولٍ، أَيْ: عَوَاشِقُ وَمُتَحَبِّبَاتُ إِلَى أَزْوَاجِهِنَّ، وَقِيلَ: الْعَرُوبُ الْمَلِقَةُ ; وَالْمَلَقُ الزِّيَادَةُ فِي التَّوَدُّدِ، وَمِنْهُ التَّمَلُّقُ. وَقِيلَ: الْغَنِجَةُ، وَالْغَنَجُ فِي الْجَارِيَةِ تَكَسُّرٌ وَتَدَلُّلٌ، وَقِيلَ: الْحَسَنَةُ الْكَلَامِ. وَالْأَتْرَابُ: الْمُسْتَوِيَاتُ فِي السِّنِّ، وَالْمُرَادُ هُنَا بَنَاتُ ثَلَاثِينَ أَوْ ثَلَاثٍ وَثَلَاثِينَ كَأَزْوَاجِهِنَّ عَلَى مَا فِي الْمَدَارِكِ، وَهَذَا أَكْمَلُ أَسْنَانِ أَبْنَاءِ الدُّنْيَا.
[ ٧ / ٣٠٦٣ ]
وَقَدْ أَخْرَجَ أَبُو الشَّيْخِ ابْنُ حِبَّانَ فِي كِتَابِ أَخْلَاقِ النَّبِيِّ - ﷺ - مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ كَرَامَةَ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى، عَنْ حَسَنٍ، عَنْ لَيْثٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: «دَخَلَ النَّبِيُّ - ﷺ - عَلَى عَائِشَةَ وَعِنْدَهَا عَجُوزٌ فَقَالَ: " مَنْ هَذِهِ؟ " قَالَتْ: هِيَ عَجُوزٌ مِنْ أَخْوَالِي، فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ: " إِنَّ الْعُجُزَ لَا يَدْخُلْنَ الْجَنَّةَ "، فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَى الْمَرْأَةِ، فَلَمَّا دَخَلَ النَّبِيُّ - ﷺ - قَالَتْ لَهُ عَائِشَةُ، فَقَالَ: " إِنَّ اللَّهَ ﷿ يُنْشِئُهُنَّ خَلْقًا غَيْرَ خَلْقِهِنَّ» . وَأَخْرَجَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي كِتَابِ الْوَفَاءِ مِنْ طَرِيقِ الزُّبَيْرِ بْنِ بَكَّارٍ قَالَ: حَدَّثَنِي رَجُلٌ، حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ خَالِدٍ النَّحْوِيُّ، حَدَّثَنَا خَارِجَةُ بْنُ مُصْعَبٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ: «أَنَّ عَجُوزًا دَخَلَتْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - فَسَأَلَتْهُ عَنْ شَيْءٍ، فَقَالَ لَهَا، وَمَازَحَهَا: " إِنَّهُ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ عَجُوزٌ "، فَخَرَجَ النَّبِيُّ - ﷺ - إِلَى الصَّلَاةِ، فَبَكَتْ بُكَاءً شَدِيدًا، حَتَّى رَجَعَ النَّبِيُّ - ﷺ - فَقَالَتْ عَائِشَةُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ هَذِهِ الْمَرْأَةَ تَبْكِي لِمَا قُلْتَ لَهَا أَنَّهُ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ عَجُوزٌ، فَضَحِكَ وَقَالَ: " أَجَلْ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ عَجُوزٌ، وَلَكِنْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً - فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا - عُرُبًا أَتْرَابًا﴾ [الواقعة: ٣٥ - ٣٧]، وَهُنَّ الْعَجَائِزُ الرُّمْصُ» . قَالَ مِيرَكُ: هُوَ جَمْعُ الرَّمْصَاءَ، وَالرَّمَصُ وَسَخُ الْعَيْنِ يَجْتَمِعُ فِي الْمُوقِ، هَذَا وَجَعَلَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ ضَمِيرَ ﴿أَنْشَأْنَاهُنَّ﴾ [الواقعة: ٣٥] لِلْحُورِ الْعِينِ عَلَى مَا يُفْهَمُ مِنَ السِّيَاقِ أَيْضًا، فَالْمَعْنَى: خَلَقْنَاهُنَّ مِنْ غَيْرِ تَوَسُّطِ وِلَادَةٍ، ثُمَّ يُحْتَمَلُ أَنَّ الْمُرَادَ ثُمَّ رَبَّيْنَاهُنَّ حَتَّى وَصَلْنَ لِحَدِّ التَّمَتُّعِ، وَيُحْتَمَلُ - وَهُوَ الظَّاهِرُ - أَنَّهُنَّ خُلِقْنَ ابْتِدَاءً كَامِلَاتٍ مِنْ غَيْرِ تَدْرِيجٍ فِي التَّرْبِيَةِ وَالسِّنِّ، لَكِنَّ وَجْهَ الْمُطَابَقَةِ بَيْنَ الْحَدِيثِ وَالْآيَةِ غَيْرُ ظَاهِرٍ عَلَى هَذَا، فَالصَّوَابُ أَنْ يُحْمَلَ الضَّمِيرُ إِلَى نِسَاءِ الْجَنَّةِ بِأَجْمَعِهِنَّ، وَحَاصِلُهُ أَنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ كُلَّهُمْ أَنْشَأَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى خَلْقًا آخَرَ يُنَاسِبُ الْكَمَالَ وَالْبَقَاءَ وَالدَّوَامَ، وَذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ كَمَالَ الْخُلُقِ وَتَوَفُّرَ الْقُوَى الْبَدَنِيَّةِ وَانْتِفَاءَ صِفَاتِ النَّقْصِ عَنْهَا، وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ.
[ ٧ / ٣٠٦٤ ]
٤٨٨٩ - وَعَنْهُ، «أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ كَانَ اسْمُهُ زَاهِرَ بْنَ حَرَامٍ، وَكَانَ يُهْدِي لِلنَّبِيِّ - ﷺ - مِنَ الْبَادِيَةِ، فَيُجَهِّزُهُ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - إِذَا أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ، فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ: " إِنَّ زَاهِرًا بَادِيَتُنَا وَنَحْنُ حَاضِرُوهُ ". وَكَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - يُحِبُّهُ، وَكَانَ دَمِيمًا، فَأَتَى النَّبِيُّ - ﷺ - يَوْمًا وَهُوَ يَبِيعُ مَتَاعَهُ، فَاحْتَضَنَهُ مِنْ خَلْفِهِ وَهُوَ لَا يُبْصِرُهُ. قَالَ: أَرْسِلْنِي، مَنْ هَذَا؟ فَالْتَفَتَ فَعَرَفَ النَّبِيَّ - ﷺ - فَجَعَلَ لَا يَأْلُو مَا أَلْزَقَ ظَهْرَهُ بِصَدْرِ النَّبِيِّ - ﷺ - حِينَ عَرَفَهُ، وَجَعَلَ النَّبِيُّ - ﷺ - يَقُولُ: " مَنْ يَشْتَرِي الْعَبْدَ؟ " فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِذًا وَاللَّهِ تَجِدُنِي كَاسِدًا، فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ: " لَكِنْ عِنْدَ اللَّهِ لَسْتَ بِكَاسِدٍ» رَوَاهُ فِي " شَرْحِ السُّنَّةِ ".
_________________
(١) (وَعَنْهُ) أَيْ: عَنْ أَنَسٍ - ﵁ - (أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ): فِي الِاسْتِيعَابِ أَنَّهُ كَانَ حِجَازِيًّا يَسْكُنُ الْبَادِيَةَ، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: أَشْجَعِيٌّ شَهِدَ بَدْرًا. (كَانَ اسْمُهُ زَاهِرَ بْنَ حَرَامٍ) أَيْ: ضِدُّ حَلَالٍ، وَلَمْ يَذْكُرْهُ الْمُؤَلِّفُ فِي أَسْمَائِهِ (وَكَانَ يُهْدِي): بِضَمِّ الْيَاءِ وَكَسْرِ الدَّالِ (لِلنَّبِيِّ - ﷺ -) أَيْ: لِأَجْلِهِ أَوْ إِلَيْهِ وَفِي الشَّمَائِلِ إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ - هَدِيَّةً (مِنَ الْبَادِيَةِ) أَيْ: حَاصِلَةٌ مِمَّا يُوجَدُ فِي الْبَادِيَةِ مِنَ الثِّمَارِ وَالنَّبَاتِ وَالرَّيَاحِينِ وَالْأَدْوِيَةِ وَنَحْوِهَا. (فَيُجَهِّزُهُ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -)، بِتَشْدِيدِ الْهَاءِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِالتَّخْفِيفِ عَلَى مَا فِي الشَّمَائِلِ، أَيْ: يُعِدُّ لَهُ وَيُهَيِّئُ لَهُ أَسْبَابَهُ، وَيُعَوِّضُهُ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ فِي الْبَادِيَةِ مِنْ أَمْتِعَةِ الْبُلْدَانِ (إِذَا أَرَادَ) أَيْ: زَاهِرٌ (أَنْ يَخْرُجَ) أَيْ: مِنَ الْمَدِينَةِ إِلَى الْبَادِيَةِ (فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ: إِنَّ زَاهِرًا بَادِيَتُنَا) أَيْ: سَاكِنُ بَادِيَتِنَا أَوْ صَاحِبُهَا أَوْ أَهْلُهَا، وَفِي بَعْضِ نُسَخِ الشَّمَائِلِ: بَادِينَا مِنْ غَيْرِ تَاءٍ، وَالْبَادِي الْمُقِيمُ بِالْبَادِيَةِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِي﴾ [الحج: ٢٥]، وَهُوَ فِي الْمَعْنَى أَظْهَرُ مِنَ الْأَوَّلِ (وَنَحْنُ حَاضِرُوهُ): مِنَ الْحُضُورِ، وَهُوَ الْإِقَامَةُ فِي الْمُدُنِ وَالْقُرَى. قَالَ الطِّيبِيُّ: مَعْنَاهُ أَنَّا نَسْتَفِيدُ مِنْهُ مَا يَسْتَفِيدُ الرَّجُلُ مِنْ بَادِيَتِهِ مِنْ أَنْوَاعِ النَّبَاتَاتِ، وَنَحْنُ نُعِدُّ لَهُ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ مِنَ الْبَلَدِ. اهـ. وَصَارَ الْمَعْنَى كَأَنَّهُ بَادِيَتُهُ، وَقِيلَ: تَاؤُهُ لِلْمُبَالَغَةِ، وَقِيلَ: مِنْ إِطْلَاقِ اسْمِ الْمَحِلِّ عَلَى الْحَالِ. (وَكَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - يُحِبُّهُ) أَيْ: حُبًّا شَدِيدًا (وَكَانَ): مَعَ حُسْنِ سِيرَتِهِ (رَجُلًا دَمِيمًا)، بِالدَّالِ الْمُهْمَلَةِ، أَيْ: قَبِيحَ الْمَنْظَرِ كَرِيهَ الصُّورَةِ (فَأَتَى النَّبِيُّ - ﷺ -): بِالرَّفْعِ، أَيْ: فَجَاءَهُ أَوْ مَرَّ عَلَيْهِ النَّبِيُّ - ﷺ - (يَوْمًا وَهُوَ) أَيْ: زَاهِرٌ (يَبِيعُ مَتَاعَهُ) أَيْ: فِي سُوقٍ أَوْ فَضَاءٍ (فَاحْتَضَنَهُ): وَفِي الشَّمَائِلِ بِالْوَاوِ، أَيْ: أَخَذَهُ مِنْ حِضْنِهِ وَهُوَ مَا دُونَ الْإِبْطِ إِلَى الْكَشْحِ (مِنْ خَلْفِهِ) أَيْ: مِنْ جِهَةِ وَرَائِهِ، وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ عَانَقَهُ مِنْ خَلْفِهِ بِأَنْ أَدْخَلَ يَدَيْهِ تَحْتَ إِبْطَيْ زَاهِرٍ، وَأَخَذَ عَيْنَيْهِ بِيَدَيْهِ لِئَلَّا يَعْرِفَهُ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ أَنَّهُ أَخَذَهُ مِنْ عَقِبِهِ مِنْ غَيْرِ أَخْذِ عَيْنَيْهِ ذَكَرَهُ النَّوَوِيُّ. (وَهُوَ لَا يُبْصِرُ): جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ، وَفِي الشَّمَائِلِ وَلَا يُبْصِرُ، وَفِي نُسْخَةٍ: وَلَا يُبْصِرُهُ (فَقَالَ: أَرْسِلْنِي) أَيْ: أَطْلِقْنِي (مَنْ هَذَا؟) أَيِ: الْمُعَانِقُ، وَفِي الشَّمَائِلِ مَنْ هَذَا أَرْسِلْنِي
[ ٧ / ٣٠٦٤ ]
(فَالْتَفَتَ) أَيْ: زَاهِرٌ، فَرَآهُ بِطَرَفِ عَيْنِهِ (فَعَرَفَ النَّبِيَّ - ﷺ - فَجَعَلَ) أَيْ: شَرَعَ وَطَفِقَ (لَا يَأْلُو): بِسُكُونِ الْهَمْزِ وَيُبْدَلُ وَضَمِّ اللَّامِ، أَيْ: لَا يَقْصُرُ (مَا أَلْزَقَ ظَهْرَهُ): وَفِي الشَّمَائِلِ مَا أَلْصَقَ بِالصَّادِ، وَهُوَ بِمَعْنَاهُ، وَمَا مَصْدَرِيَّةٌ مَنْصُوبَةُ الْمَحَلِّ عَلَى نَزْعِ الْخَافِضِ، أَيْ: فِي إِلْزَاقِ ظَهْرِهِ (بِصَدْرِ النَّبِيِّ - ﷺ -) أَيْ: تَبْرُّكًا (حِينَ عَرَفَهُ): قِيلَ: ذَكَرَهُ ثَانِيًا اهْتِمَامًا بِشَأْنِهِ وَتَنْبِيهًا عَلَى أَنَّ مَنْشَأَ هَذَا الْإِلْزَاقِ لَيْسَ إِلَّا مَعْرِفَتَهُ (وَجَعَلَ)، بِالْوَاوِ، وَفِي الشَّمَائِلِ فَجَعَلَ («النَّبِيُّ - ﷺ - يَقُولُ: مَنْ يَشْتَرِي الْعَبْدَ؟»): وَفِي بَعْضِ نُسَخِ الشَّمَائِلِ: هَذَا الْعَبْدُ، وَوَجْهُ تَسْمِيَتِهِ عَبْدًا ظَاهِرٌ، فَإِنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ، وَوَجْهُ الِاسْتِفْهَامِ عَلَى الِاشْتِرَاءِ الَّذِي يُطْلَقُ لُغَةً عَلَى مُقَابَلَةِ الشَّيْءِ بِالشَّيْءِ تَارَةً، وَعَلَى الِاسْتِبْدَالِ أُخْرَى، أَنَّهُ أَرَادَ مَنْ يُقَابِلُ هَذَا الْعَبْدَ بِالْإِكْرَامِ، أَوْ مَنْ يَسْتَبْدِلُهُ مِنِّي بِأَنْ يَأْتِيَنِي بِمِثْلِهِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مِنْ قَبِيلِ التَّجْرِيدِ، وَالْمَعْنَى مَنْ يَأْخُذُ هَذَا الْعَبْدَ (فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِذًا): بِالتَّنْوِينِ جَوَابٌ وَجَزَاءٌ، أَيْ: إِنْ بِعْتَنِي أَوْ عَرَضْتَنِي لِلْبَيْعِ أَوِ الْأَخْذِ إِذًا («وَاللَّهِ تَجِدُنِي كَاسِدًا») أَيْ: رَخِيصًا أَوْ غَيْرَ مَرْغُوبٍ فِيهِ، وَفِي بَعْضِ نُسَخِ الشَّمَائِلِ: إِذًا تَجِدُنِي وَاللَّهِ كَاسِدًا، بِتَأْخِيرِ كَلِمَةِ الْقَسَمِ عَنِ الْفِعْلِ، أَيْ: مَتَاعًا كَاسِدًا لِمَا فِيهِ مِنَ الدَّمَامَةِ، وَتَجِدُّ بِالرَّفْعِ فِي أَكْثَرِ النُّسَخِ، وَفِي بَعْضِهَا بِالنَّصْبِ وَهُوَ ظَاهِرٌ، فَإِنَّهُ نَحْوَ: إِذًا وَاللَّهِ نَرْمِيهِمْ بِحَرْبِ
وَلَعَلَّ وَجْهَ الرَّفْعِ هُوَ أَنْ يُرَادَ بِالْفِعْلِ مَعْنَى الْحَالِ دُونَ الِاسْتِقْبَالِ. قَالَ مِيرَكُ: وَفِي بَعْضِ نُسَخِ الشَّمَائِلِ تَجِدُونِي بِلَفْظِ الْجَمْعِ، وَيَحْتَاجُ إِلَى تَكَلُّفٍ. قُلْتُ: صِيغَةُ الْجَمْعِ قَدْ تَأْتِي لِلتَّعْظِيمِ، فَيَكُونُ الضَّمِيرُ لَهُ أَوْ لَهُ وَلِأَصْحَابِهِ («فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ: لَكِنْ عِنْدَ اللَّهِ لَسْتَ بِكَاسِدٍ»): تَقْدِيمُ الظَّرْفِ عَلَى مُتَعَلِّقِهِ وَعَامِلِهِ لِلِاهْتِمَامِ وَالِاخْتِصَاصِ، وَفِي الشَّمَائِلِ: أَوْ قَالَ: أَنْتَ عِنْدَ اللَّهِ غَالٍ، وَالشَّكُّ مِنَ الرَّاوِي، وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ " أَوْ " بِمَعْنَى " بَلْ "، وَفِي نُسْخَةٍ: لَكِنْ عِنْدَ اللَّهِ غَالٍ، وَفِيهِ زِيَادَةُ مَنْقَبَةٍ لَا تَخْفَى. (رَوَاهُ) أَيْ: صَاحِبُ الْمَصَابِيحِ (فِي شَرْحِ السُّنَّةِ) أَيْ: بِإِسْنَادِهِ، وَكَذَا التِّرْمِذِيُّ فِي الشَّمَائِلِ، وَابْنُ حِبَّانَ وَصَحَّحَهُ. هَذَا وَنَظِيرُ هَذَا الْحَدِيثِ مَا رَوَى أَبُو يَعْلَى «أَنَّ رَجُلًا كَانَ يُهْدِي إِلَيْهِ - ﷺ - الْعَكَّةَ مِنَ السَّمْنِ أَوِ الْعَسَلِ، فَإِذَا طُولِبَ بِالثَّمَنِ جَاءَ بِصَاحِبِهِ فَيَقُولُ لِلنَّبِيِّ - ﷺ: أَعْطِهِ مَتَاعَهُ، أَيْ: ثَمَنَهُ، فَمَا يَزِيدُهُ عَلَى أَنْ يَتَبَسَّمَ وَيَأْمُرَ بِهِ فَيُعْطَى» . وَفِي رِوَايَةٍ: «أَنَّهُ كَانَ لَا يَدْخُلُ الْمَدِينَةَ طَرْفَةً إِلَّا اشْتَرَى، ثُمَّ جَاءَ بِهَا، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا هَدِيَّةٌ لَكَ، فَإِذَا طَالَبَهُ صَاحِبُهُ بِثَمَنِهِ جَاءَ بِهِ فَقَالَ: أَعْطِ هَذَا الثَّمَنَ، فَيَقُولُ: أَلَمْ تُهْدِهِ لِي؟ فَيَقُولُ: لَيْسَ عِنْدِي، فَيَضْحَكُ وَيَأْمُرُ لِصَاحِبِهِ بِثَمَنِهِ» . قُلْتُ: فَكَأَنَّهُ - ﵁ - مِنْ كَمَالِ مَحَبَّتِهِ لِلنَّبِيِّ - ﷺ، كُلَّمَا رَأَى طُرْفَةً أَعْجَبَتْ نَفْسَهُ اشْتَرَاهَا وَآثَرَهُ - ﷺ - بِهَا وَأَهْدَاهَا إِلَيْهِ عَلَى نِيَّةِ أَدَاءِ ثَمَنِهَا إِذَا حَصَلَ لَدَيْهِ، فَلَمَّا عَجَزَ وَصَارَ كَالْمُكَاتِبِ، رَجَعَ إِلَى مَوْلَاهُ وَأَبْدَى لَهُ صَنِيعَ مَا أَوْلَاهُ، فَإِنَّ الْمُكَاتِبَ عَبْدٌ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ دِرْهَمٌ، فَتَرْجِعُ الْمُطَالَبَةُ إِلَى سَيِّدِهِ، فَلَعَلَّهُ هَذَا حَقٌّ مَمْزُوجٌ بِمِزَاجِ صِدْقٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
[ ٧ / ٣٠٦٥ ]
٤٨٩٠ - «وَعَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ الْأَشْجَعِيِّ قَالَ: أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ، وَهُوَ فِي قُبَّةٍ مِنْ أَدَمٍ، فَسَلَّمْتُ، فَرَدَّ عَلَيَّ، وَقَالَ: " ادْخُلْ " فَقُلْتُ: أَكُلِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: " كُلُّكَ "، فَدَخَلْتُ. قَالَ عُثْمَانُ بْنُ أَبِي الْعَاتِكَةِ: إِنَّمَا قَالَ: أَدْخُلُ كُلِّي مِنْ صِغَرِ الْقُبَّةِ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
_________________
(١) (وَعَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ الْأَشْجَعِيِّ - ﵁ -): قَالَ الْمُؤَلِّفُ: أَوَّلُ مَشَاهِدِهِ خَيْبَرُ، وَكَانَ مَعَ رَايَةِ أَشْجَعَ يَوْمَ الْفَتْحِ، سَكَنَ الشَّامَ وَمَاتَ بِهَا سَنَةَ ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ، رَوَى عَنْهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينِ. (قَالَ: «أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - وَهُوَ فِي قُبَّةٍ») أَيْ: خَيْمَةٌ صَغِيرَةٌ (مِنْ أَدَمٍ) بِفَتْحَتَيْنِ أَيْ: جِلْدٌ (فَسَلَّمْتُ) أَيْ: سَلَامُ الِاسْتِئْذَانِ أَوْ سَلَامُ الْمُلْقَاةِ (فَرَدَّ عَلَيَّ) أَيِ: السَّلَامَ («وَقَالَ: " ادْخُلْ " فَقُلْتُ: أَكُلِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: كُلُّكَ»): بِالرَّفْعِ وَيُنْصَبُ قَالَ الطِّيبِيُّ: يَجُوزُ فِيهِ الرَّفْعُ وَالنَّصْبُ، وَالتَّقْدِيرُ أَيَدْخُلُ كُلِّي؟
[ ٧ / ٣٠٦٥ ]
فَقَالَ: " كُلُّكَ يَدْخُلُ "، أَوْ أَدْخُلُ كُلِّي؟ فَقَالَ: " ادْخُلْ كُلَّكَ ". (فَدَخَلْتُ قَالَ عُثْمَانُ بْنُ أَبِي الْعَاتِكَةِ): أَحَدُ رُوَاةِ الْحَدِيثِ (إِنَّمَا قَالَ: أَدْخُلُ كُلِّي): بِمُتَكَلِّمٍ ثُلَاثِيٍّ، وَفِي نُسْخَةٍ مِنَ الْمَزِيدِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: الظَّاهِرُ أَنَّهُ مَضْمُومُ الْهَمْزَةِ عَلَى أَنَّهُ مِنْ بَابِ الْأَفْعَالِ، وَلَوْ ذَهَبَ إِلَى الْفَتْحِ فَوَجْهُهُ أَنْ يُحْمَلَ كُلِّي عَلَى أَنَّهُ تَأْكِيدٌ وَهُوَ بَعِيدٌ. (مِنْ صِغَرِ الْقُبَّةِ): وَيُمْكِنُ مِنْ كِبَرِ عَوْفِ لَا سِيَّمَا مَعَ صِغَرِهَا، أَوْ مِنْ كَثْرَةِ النَّاسِ فِيهَا، وَهَذَا مِنْ مُزَاحِ أَصْحَابِهِ مَعَهُ - ﷺ - وَطْءٌ لِبِسَاطِ الْأَدَبِ عِنْدَ انْبِسَاطِ الْحُبِّ وَتَرْكُ التَّكَلُّفِ فِي مَقَامِ الْقُرْبِ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) .
[ ٧ / ٣٠٦٦ ]
٤٨٩١ - وَعَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ - ﵄ - قَالَ: «اسْتَأْذَنَ أَبُو بَكْرٍ عَلَى النَّبِيِّ - ﷺ - فَسَمِعَ صَوْتَ عَائِشَةَ عَالِيًا، فَلَمَّا دَخَلَ تَنَاوَلَهَا لِيَلْطِمَهَا وَقَالَ: لَا أَرَاكِ تَرْفَعِينَ صَوْتَكِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - فَجَعَلَ النَّبِيُّ - ﷺ - يَحْجُزُهُ، وَخَرَجَ أَبُو بَكْرٍ مُغْضَبًا، فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ - حِينَ خَرَجَ أَبُو بَكْرٍ: " كَيْفَ رَأَيْتِنِي أَنْقَذْتُكِ مِنَ الرَّجُلِ؟ ". قَالَتْ: فَمَكَثَ أَبُو بَكْرٍ أَيَّامًا، ثُمَّ اسْتَأْذَنَ فَوَجَدَهُمَا قَدِ اصْطَلَحَا، فَقَالَ لَهُمَا: أَدْخِلَانِي فِي سِلْمِكُمَا كَمَا أَدْخَلْتُمَانِي فِي حَرْبِكُمَا، فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ: " قَدْ فَعَلْنَا، قَدْ فَعَلْنَا» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
_________________
(١) (وَعَنِ النُّعْمَانِ): بِضَمِّ أَوَّلِهِ (ابْنِ بَشِيرٍ): قِيلَ: مَاتَ النَّبِيُّ - ﷺ - وَلَهُ ثَمَانِي سِنِينَ وَسَبْعَةُ أَشْهُرٍ، وَلِأَبَوَيْهِ صُحْبَةٌ. ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ فِي فَصْلِ الصَّحَابَةِ، وَقَدْ سَبَقَ زِيَادَةٌ فِي تَرْجَمَتِهِ. (قَالَ: اسْتَأْذَنَ أَبُو بَكْرٍ عَلَى النَّبِيِّ - ﷺ - فَسَمِعَ) أَيْ: أَبُو بَكْرٍ (صَوْتَ عَائِشَةَ عَالِيًا، فَلَمَّا دَخَلَ) أَيْ: بَعْدَ الْإِذْنِ (تَنَاوَلَهَا) أَيْ: أَخَذَهَا (لِيَلْطِمَهَا): بِكَسْرِ الطَّاءِ وَيَجُوزُ ضَمُّهَا مِنَ اللَّطْمِ وَهُوَ ضَرْبُ الْخَدِّ وَصَفْحَةِ الْجَسَدِ بِالْكَفِّ مَفْتُوحَةً عَلَى مَا فِي الْقَامُوسِ. (وَقَالَ: لَا أَرَاكِ) أَيْ: بَعْدَ هَذَا، وَهُوَ نَفْيٌ بِمَعْنَى النَّهْيِ مِنْ قَبِيلِ: لَا أَرَيْنَكِ هَهُنَا، أَوْ عَلَى لُغَةِ إِثْبَاتِ حَرْفِ الْعِلَّةِ مَعَ الْجَازِمِ، وَمِنْهُ قَوْلُ الْجَزَرِيِّ: أَلَا قُولُوا لِشَخْصٍ قَدْ تَقْوَّى عَلَى ضَعْفِي وَلَمْ يَخْشَ رَقِيبَهُ وَقَوْلِ غَيْرِهِ: أَلَمْ يَأْتِيكَ وَالْأَنْبَاءُ تَنْمِي وَعَلَيْهِ وَرَدَتْ رِوَايَةُ قُنْبُلٍ، عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ﴾ [يوسف: ٩٠]، («تَرْفَعِينَ صَوْتَكِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ» -): الْجُمْلَةُ مَفْعُولٌ ثَانٍ لِأَرَى، وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ لَا أَرَاكِ دُعَاءً، وَهَمْزَةُ الْإِنْكَارِ مُقَدَّرَةٌ عَلَى قَوْلِهِ تَرْفَعِينَ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ أَيْ: لَا تَتَعَرَّضِي لِمَا يُؤَدِّي إِلَى رَفْعِ صَوْتِكِ، فَالنَّهْيُ وَارِدٌ عَلَى الْمُتَكَلِّمِ وَالْأَلِفُ فِي لَا أَرَاكِ لِلْإِشْبَاعِ، وَيَجُوزُ أَنْ تُحْمَلَ عَلَى النَّفْيِ الْوَاقِعِ مَوْقِعَ النَّهْيِ، أَيْ: لَا يَنْبَغِي لِي أَنْ أَرَاكِ عَلَى هَذِهِ الْحَالَةِ («فَجَعَلَ النَّبِيُّ - ﷺ - يَحْجُزُهُ»): بِضَمِّ الْجِيمِ وَالزَّايِ، أَيْ: يَمْنَعُ أَبَا بَكْرٍ مِنْ لَطْمِهَا وَضَرْبِهَا. (وَخَرَجَ أَبُو بَكْرٍ مُغْضَبًا): بِفَتْحِ الضَّادِ، أَيْ: غَضْبَانَ عَلَيْهَا («فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ - حِينَ خَرَجَ أَبُو بَكْرٍ: كَيْفَ رَأَيْتِنِي») أَيْ: أَبْصَرْتِنِي أَوْ عَرَفْتِنِي (أَنْقَذْتُكِ مِنَ الرَّجُلِ) أَيْ: خَلَّصْتُكِ مِنْ ضَرْبِهِ وَلَطْمِهِ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: الظَّاهِرُ أَنْ يُقَالَ مِنْ أَبِيكِ، فَعَدَلَ إِلَى الرَّجُلِ أَيْ: مِنَ الرَّجُلِ الْكَامِلِ فِي الرُّجُولِيَّةِ حِينَ غَضِبَ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ. (قُلْتُ: فَمَكُثَ): قِيلَ: هَكَذَا وُجِدَ فِي أَصْلِ أَبِي دَاوُدَ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ النُّعْمَانَ سَمِعَ هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ عَائِشَةَ. قُلْتُ: فَيَكُونُ مِنْ مَرَاسِيلِ الصَّحَابَةِ، وَهِيَ مَقْبُولَةٌ إِجْمَاعًا، ثُمَّ هُوَ بِضَمِّ الْكَافِ وَيُفْتَحُ، أَيْ: فَلَبِثَ (أَبُو بَكْرٍ أَيَّامًا) أَيْ: لَمْ يَدْخُلْ فِيهَا عِنْدَهُمْ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ لِلنَّهْيِ عَنِ الْهِجْرَانِ فَوْقَهَا. قَالَ الطِّيبِيُّ: قَوْلُهَا فَمَكُثَ أَبُو بَكْرٍ بَدَلُ أَبِي لِمَا حَدَثَ فِي سَجِيَّتِهَا مِنْ غَضَبِهِ عَلَيْهَا، فَجَعَلَتْهُ كَأَنَّهُ أَجْنَبِيٌّ، إِذْ فِي الْأُبُوَّةِ اسْتِعْطَافٌ. قُلْتُ: هَذَا يَبْعُدُ مِنْهَا كُلَّ الْبُعْدِ مَعَ كَمَالِ عَقْلِهَا وَفَهْمِهَا وَأَدَبِهَا وَعِلْمِهَا بِمَرْتَبَةِ النُّبُوَّةِ وَالْوِلَايَةِ، وَأَنْ يَكُونَ غَضَبُ أَبِيهَا فِي بَاطِنِهَا بَعْدَ مُدَّةٍ بِمُجَرَّدِ قَصْدِهِ أَنْ يَلْطِمَهَا، أَوْ مَعَ تَحَقُّقِ لَطْمِهَا رِعَايَةً لِأَجْلِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - وَتَأْدِيبًا لَهَا، وَقَدْ وَقَعَ نَظِيرُهُ كَثِيرًا فِي الصَّحَابَةِ أَنْ يَذْكُرُوا آبَاءَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ، وَهَذَا مِنْ عَدَمِ تَكَلُّفَاتِهِمْ.
[ ٧ / ٣٠٦٦ ]
الَّتِي اسْتُحْدِثَتْ بَعْدَهُمْ، وَإِنْ كَانَ ذِكْرُهُ بِوَصْفِ الْأُبُوَّةِ أَوْلَى وَأَنْسَبُ، نَعَمْ نِدَاؤُهُ بِاسْمِهِ خِلَافُ الْأَدَبِ، عَلَى أَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ فِي الْحَدِيثِ تَصَرُّفًا مِنَ الرَّاوِي ; حَيْثُ أَنَّهُ بِالْمَعْنَى، وَلِذَا قَالَ: («ثُمَّ اسْتَأْذَنَ فَوَجَدَهُمَا قَدِ اصْطَلَحَا، فَقَالَ لَهُمَا»): فَإِنَّ حَقَّ الْكَلَامِ مِنْ عَائِشَةَ فَوَجَدَنَا قَدِ اصْطَلَحْنَا فَقَالَ لَنَا: («أَدْخِلَانِي فِي سِلْمِكُمَا»): بِكَسْرِ السِّينِ وَيُفْتَحُ أَيْ: فِي صُلْحِكُمَا («كَمَا أَدْخَلْتُمَانِي فِي حَرْبِكُمَا») أَيْ: فِي شِقَاقِكُمَا وَخِنَاقِكُمَا، وَإِسْنَادُ الْإِدْخَالِ إِلَيْهِمَا فِي الثَّانِي مِنَ الْمَجَازِ السَّبَبِيِّ، أَوْ مِنْ قَبِيلِ الْمُشَاكَلَةِ، وَإِلَّا فَالْمَعْنَى كَمَا دَخَلْتُ فِي حَرْبِكُمَا. («فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ: قَدْ فَعَلْنَا»): مَفْعُولُهُ مَحْذُوفٌ أَيْ: فَعَلْنَا إِدْخَالَكَ فِي السِّلْمِ، أَوْ نَزَلَ الْفِعْلُ مَنْزِلَةَ اللَّازِمِ، أَيْ: أَوْقَعْنَا هَذَا الْفِعْلَ، وَقَدْ لِلتَّحْقِيقِ، وَقَوْلُهُ ثَانِيًا: (قَدْ فَعَلْنَا): لِلتَّأْكِيدِ، أَوْ ثَانِيهُمَا عِوَضٌ عَنْ عَائِشَةَ أَوْ عَلَى لِسَانِهَا (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) .
[ ٧ / ٣٠٦٧ ]
٤٨٩٢ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ - عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: " «لَا تُمَارِ أَخَاكَ وَلَا تُمَازِحْهُ وَلَا تَعِدْهُ مَوْعِدًا فَتُخْلِفَهُ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ.
_________________
(١) (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - أَنَّهُ قَالَ: لَا تُمَارِ): بِضَمِّ أَوَّلِهِ، مِنَ الْمُمَارَاةِ أَيْ: لَا تُجَادِلْ وَلَا تُخَاصِمْ (أَخَاكَ) أَيِ: الْمُسْلِمَ (وَلَا تُمَازِحْهُ) أَيْ: بِمَا يَتَأَذَّى مِنْهُ (وَلَا تَعِدْهُ مَوْعِدًا) أَيْ: وَعْدًا أَوْ زَمَانَ وَعْدٍ أَوْ مَكَانَهُ (فَتُخْلِفَهُ): مِنَ الْإِخْلَافِ وَهُوَ مَنْصُوبٌ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ بِالرَّفْعِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: إِنْ رُوِيَ مَنْصُوبًا كَانَ جَوَابًا لِلنَّهْيِ عَلَى تَقْدِيرِ: فَيَكُونُ مُسَبَّبًا عَمَّا قَبْلَهُ، فَعَلَى هَذَا التَّنْكِيرِ فِي مَوْعِدِ النَّوْعِ مِنَ الْمَوْعِدِ، وَهُوَ مَا يَرْضَاهُ اللَّهُ تَعَالَى بِأَنْ يَعْزِمَ عَلَيْهِ قَطْعًا، وَلَا يُسْتَثْنَى فَيَجْعَلُ اللَّهُ ذَلِكَ سَبَبًا لِلْإِخْلَافِ، أَوْ يَنْوِي فِي الْوَعْدِ كَالْمُنَافِقِ، فَإِنَّ آيَةَ النِّفَاقِ الْخُلْفُ فِي الْوَعْدِ، كَمَا وَرَدَ: إِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ النَّهْيُ عَنْ مُطْلَقِ الْوَعْدِ ; لِأَنَّهُ كَثِيرًا مَا يُفْضِي إِلَى الْخُلْفِ، وَلَوْ رُوِيَ مَرْفُوعًا كَانَ الْمَنْهِيُّ الْوَعْدَ الْمُسْتَعْقِبَ لِلْإِخْلَافِ، أَيْ: لَا تَعِدْهُ مَوْعِدًا فَأَنْتَ تُخْلِفُهُ، عَلَى أَنَّهُ جُمْلَةٌ خَبَرِيَّةٌ مَعْطُوفَةٌ عَلَى إِنْشَائِيَّةٍ، وَعَلَى هَذَا يَتَفَرَّعُ عَلَيْهِ مَسَائِلُ. قَالَ النَّوَوِيُّ: أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ مَنْ وَعَدَ إِنْسَانًا شَيْئًا لَيْسَ بِمَنْهِيٍّ عَنْهُ فَيَنْبَغِي أَنْ يَفِيَ بِوَعْدِهِ، وَهَلْ ذَلِكَ وَاجِبٌ أَوْ مُسْتَحَبٌّ؟ فِيهِ خِلَافٌ ; ذَهَبَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَالْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّهُ مُسْتَحَبٌّ، فَلَوْ تَرَكَهُ فَاتَهُ الْفَضْلُ وَارْتَكَبَ الْمَكْرُوهَ كَرَاهَةً شَدِيدَةً، وَلَا يَأْثَمُ يَعْنِي مِنْ حَيْثُ هُوَ خَلَفَ، وَإِنْ كَانَ يَأْثَمُ إِنْ قَصَدَ بِهِ الْأَذَى قَالَ: وَذَهَبَ جَمَاعَةٌ إِلَى أَنَّهُ وَاجِبٌ ; مِنْهُمْ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَبَعْضُهُمْ إِلَى التَّفْضِيلِ. وَيُؤَيِّدُ الْوَجْهَ الْأَوَّلَ مَا أَوْرَدَهُ فِي الْإِحْيَاءِ ; حَيْثُ قَالَ: وَكَانَ - ﷺ - إِذَا أَوْعَدَ وَعْدًا قَالَ: عَسَى، وَكَانَ ابْنُ مَسْعُودٍ لَا يَعِدُ وَعْدًا إِلَّا وَيَقُولُ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَهُوَ الْأَوْلَى. ثُمَّ إِذَا فُهِمَ مَعَ ذَلِكَ الْجَزْمُ فِي الْوَعْدِ، فَلَا بُدَّ مِنَ الْوَفَاءِ إِلَّا أَنْ يَتَعَذَّرَ، فَإِنْ كَانَ عِنْدَ الْوَعْدِ عَازِمًا عَلَى أَنْ لَا يَفِيَ بِهِ فَهَذَا هُوَ النِّفَاقُ. اهـ. وَهَذَا كُلُّهُ يُؤَيِّدُ الْوُجُوبَ إِذَا كَانَ الْوَعْدُ مُطْلَقًا غَيْرَ مُقَيَّدٍ بِعَسَى أَوْ بِالْمَشِيئَةِ وَنَحْوِهِمَا، مِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ جَازِمٌ فِي وَعْدِهِ، فَقَوْلُهُ: وَهُوَ الْأَوْلَى مَحَلُّ بَحْثٍ كَمَا لَا يَخْفَى. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ) . وَقَدْ سَبَقَ مَا تَعَلَّقَ بِهِ. وَهَذَا الْبَابُ خَالٍ مِنَ الْفَصْلِ الثَّالِثِ
[ ٧ / ٣٠٦٧ ]