[ ٨ / ٣٤٠٤ ]
[١] بَابُ الْمَلَاحِمِ
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
٥٤١٠ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: " «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَقْتَتِلَ فِئَتَانِ عَظِيمَتَانِ، تَكُونُ بَيْنَهُمَا مَقْتَلَةٌ عَظِيمَةٌ، دَعَوَاهُمَا وَاحِدَةٌ، وَحَتَّى يُبْعَثَ دَجَّالُونَ كَذَّابُونَ، قَرِيبًا مِنْ ثَلَاثِينَ، كُلُّهُمْ يَزْعُمُ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ، وَحَتَّى يُقْبَضَ الْعِلْمُ، وَتَكْثُرَ الزَّلَازِلُ، وَيَتَقَارَبَ الزَّمَانُ، وَتَظْهَرَ الْفِتَنُ، وَيَكْثُرَ الْهَرْجُ وَهُوَ الْقَتْلُ، وَحَتَّى يَكْثُرَ فِيكُمُ الْمَالُ فَيَفِيضَ، حَتَّى يُهِمَّ رَبَّ الْمَالِ مَنْ يَقْبَلُ صَدَقَتَهُ، وَحَتَّى يَعْرِضَهُ فَيَقُولُ الَّذِي يُعْرَضُ عَلَيْهِ: لَا أَرَبَ لِي بِهِ، وَحَتَّى يَتَطَاوَلَ النَّاسُ فِي الْبُنْيَانِ، وَحَتَّى يَمُرَّ الرَّجُلُ بِقَبْرِ الرَّجُلِ فَيَقُولُ: يَا لَيْتَنِي مَكَانَهُ، وَحَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا، فَإِذَا طَلَعَتْ وَرَآهَا النَّاسُ آمَنُوا أَجْمَعُونَ، فَذَلِكَ حِينَ ﴿لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ [الأنعام: ١٥٨]، وَلَتَقُومَنَّ السَّاعَةُ وَقَدْ نَشَرَ الرَّجُلَانِ ثَوْبَهُمَا بَيْنَهُمَا، فَلَا يَتَبَايَعَانِهِ وَلَا يَطْوِيَانِهِ، وَلَتَقُومَنَّ السَّاعَةُ وَقَدِ انْصَرَفَ الرَّجُلُ بِلَبَنِ لِقْحَتِهِ فَلَا يَطْعَمُهُ، وَلَتَقُومَنَّ السَّاعَةُ وَهُوَ يُلِيطُ حَوْضَهُ فَلَا يَسْقِي فِيهِ، وَلَتَقُومَنَّ السَّاعَةُ وَقَدْ رَفَعَ أُكْلَتَهُ إِلَى فِيهِ فَلَا يَطْعَمُهَا» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
[١]
بَابُ الْمَلَاحِمِ
بِفَتْحِ الْمِيمِ وَكَسْرِ الْحَاءِ جَمْعُ الْمَلْحَمَةِ، وَهِيَ الْمَقْتَلَةُ، أَوْ هِيَ الْوَاقِعَةُ الْعَظِيمَةُ، وَفِي النِّهَايَةِ: هُوَ الْحَرْبُ وَمَوْضِعُ الْقِتَالِ مَأْخُوذٌ مِنِ اشْتِبَاكِ النَّاسِ وَاخْتِلَاطِهِمْ فِيهَا، كَاشْتِبَاكِ لُحْمَةِ الثَّوْبِ بِالثَّدْيِ، وَقِيلَ: هُوَ مِنَ اللَّحْمِ لِكَثْرَةِ لُحُومِ الْقَتْلَى فِيهَا اهـ. وَمِنْ أَسْمَائِهِ - ﷺ - نَبِيُّ الْمَلْحَمَةِ، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُ مَعْدِنُ الْجَلَالِ، كَمَا أَنَّهُ مَنْبَعُ الْجَمَالِ ; لِكَوْنِهِ نَبِيَّ الرَّحْمَةِ، وَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا هُوَ الْكَمَالُ، وَإِنَّمَا أَطْلَقَ سُبْحَانَهُ فِي حَقِّهِ قَوْلَهُ: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧] بِنَاءً عَلَى غَلَبَةِ رَحْمَتِهِ، تَخَلُّقًا بِأَخْلَاقِ اللَّهِ وَصِفَتِهِ، كَمَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ الْقُدْسِيِّ: («سَبَقَتْ رَحْمَتِي غَضَبِي») ; وَلِذَا يُنَادَى بَيَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، بَلِ الْمَلْحَمَةُ فِي الْحَقِيقَةِ عَيْنُ الْمَرْحَمَةِ، كَمَا أَنَّ الْمِحَنَ مِنْ عِنْدِهِ سُبْحَانَهُ هِيَ الْمِنَحُ وَالْمِنَنُ، وَالْبَلَاءُ عَيْنُ الْوَلَاءِ، وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ.
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
٥٤١٠ - (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: " لَا تَقُومُ السَّاعَةُ ") بِتَأْنِيثِ الْفِعْلِ وَيُذَكَّرُ، وَكَذَا قَوْلُهُ: (" حَتَّى تَقْتَتِلَ فِئَتَانِ عَظِيمَتَانِ ") أَيْ: كَثِيرَتَانِ أَوْ كَمِّيَّةٌ وَكَيْفِيَّةٌ ; لِمَا كَانَ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا جَمَاعَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَيُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى التَّغْلِيبِ، إِذِ الْجَمَاعَةُ الْعَظِيمَةُ فِي الْحَقِيقَةِ إِنَّمَا كَانَتْ جَمَاعَةَ عَلِيٍّ - كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ - قَالَ الْأَكْمَلُ: وَهَذَا مِنَ الْمُعْجِزَاتِ ; لِأَنَّهُ وَقَعَ بَعْدَهُ فِي الصَّدْرِ الْأَوَّلِ، (" تَكُونُ بَيْنَهُمَا مَقْتَلَةٌ عَظِيمَةٌ ") أَيْ: حَرْبٌ عَظِيمَةٌ وَقِتَالٌ قَوِيٌّ، (" دَعَوَاهُمَا وَاحِدَةٌ ") أَيْ: كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْفِئَتَيْنِ تَدَّعِي الْإِسْلَامَ، قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: الْمُرَادُ عَلِيٌّ وَمُعَاوِيَةُ وَمَنْ مَعَهُمَا، وَيُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِهِ: دَعْوَاهُمَا وَاحِدَةٌ الرَّدُّ عَلَى الْخَوَارِجِ فِي تَكْفِيرِهِمْ كِلْتَا الطَّائِفَتَيْنِ، اهـ.
وَفِي كَوْنِ الْحَدِيثِ رَدًّا عَلَيْهِمْ مُجَرَّدُ دَعْوًى لَا يَخْفَى ; فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ تَحَقُّقِ الدَّعْوَى وُصُولُ الْمُدَّعَى، وَحُصُولُ الْمَعْنَى، مَعَ أَنَّ الدَّعْوَى قَدْ تُصْرَفُ إِلَى دَعْوَى الْخِلَافَةِ وَنَحْوَهَا، (" وَحَتَّى يُبْعَثَ ") أَيْ: يُرْسَلُ مِنْ عَالَمِ الْغَيْبِ إِلَى صَحْنِ الْوُجُودِ، وَيَظْهَرُ (" دَجَّالُونَ ") أَيْ: مُبَالِغُونَ فِي فَسَادِ الْعِبَادِ وَالْبِلَادِ (" كَذَّابُونَ ") أَيْ: عَلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ.
فِي شَرْحِ السُّنَّةِ: كُلُّ كَذَّابٍ دَجَّالٌ، يُقَالُ: دَجَلَ فُلَانٌ الْحَقَّ بِبَاطِلِهِ غَطَّاهُ، وَمِنْهُ أُخِذَ الدَّجَّالُ، وَدَجَلَهُ سَحَرَهُ وَكَذَبَهُ، وَقِيلَ: عَنِ الدَّجَّالِ دَجَّالًا لِتَمْوِيهِهِ عَلَى النَّاسِ وَتَلْبِيسِهِ، يُقَالُ: دَجَلَ إِذَا مَوَّهَ وَلَبَّسَ، (" قَرِيبًا مِنْ ثَلَاثِينَ ")، وَهَذَا لَا يُنَافَى جَزْمُهُ فِيمَا سَبَقَ بِقَوْلِهِ ثَلَاثُونَ، فَإِنَّهُ إِمَّا مُتَأَخِّرٌ، وَإِمَّا الْمُرَادُ مِنْهُ التَّقْرِيبُ، وَكَذَا لَا يُنَافِي مَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: «وَلَا تُقَوْمُ السَّاعَةُ حَتَّى يَخْرُجَ سَبْعُونَ كَذَّابًا»، فَإِنَّ الْمُرَادَ مِنْهُ التَّكْثِيرُ، أَوِ الثَلَاثُونَ مُقَيَّدُونَ بِدَعْوَى النُّبُوَّةِ، وَالْبَاقُونَ بِغَيْرِهَا عَلَى احْتِمَالِ أَنَّ السَبْعِينَ غَيْرُ الثَلَاثِينَ، فَتَكْمُلُ الْمِائَةُ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. (" كُلُّهُمْ يَزْعُمُ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ ")، وَفِي نُسْخَةٍ نَبِيُّ اللَّهِ (" وَحَتَّى يُقْبَضَ ") أَيْ: يُؤْخَذُ وَيُرْفَعُ (" الْعِلْمُ ") أَيِ: النَّافِعُ الْمُتَعَلِّقُ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ بِقَبْضِ الْعُلَمَاءِ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ، فَيَكْثُرُ أَهْلُ الْجَهْلِ وَالْبِدْعَةِ، (" وَتَكْثُرُ الزَّلَازِلُ ")، أَيِ الْحِسِّيَّةُ وَهِيَ تَحْرِيكُ الْأَرْضِ، أَوِ الْمَعْنَوِيَّةُ وَهِيَ أَنْوَاعُ الْبَلِيَّةِ، فَإِنَّ مَوْتَ الْعُلَمَاءِ فَوْتُ الْعَالَمِ (" وَيَتَقَارَبَ الزَّمَانُ ")، قَالَ الْخَطَّابِيُّ: أَرَادَ بِهِ زَمَانَ الْمَهْدِيِّ لِوُقُوعِ الْأَمْنِ فِي الْأَرْضِ ; فَيَسْتَلِذُّ الْعَيْشَ عِنْدَ ذَلِكَ ; لِانْبِسَاطِ عَدْلِهِ، فَتُسْتَقْصَرُ مُدَّتُهُ ; لِأَنَّهُمْ يَسْتَقْصِرُونَ مُدَّةَ أَيَّامِ الرَّخَاءِ وَإِنْ طَالَتْ، وَيَسْتَطِيلُونَ أَيَّامَ الشِّدَّةِ وَإِنْ قَصُرَتْ، (" وَتَظْهَرَ الْفِتَنُ ") أَيْ: وَيَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا الْمِحَنُ، (" وَيَكْثُرَ الْهَرْجُ ") قِيلَ: الْمُرَادُ بِكَثْرَتِهِ شُمُولُهُ وَدَوَامُهُ (" وَهُوَ "):
[ ٨ / ٣٤٠٥ ]
أَيِ: الْهَرْجُ (" الْقَتْلُ ")، يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَرْفُوعًا، وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ تَفْسِيرٌ مِنْ أَحَدِ الرُّوَاةِ، فَهُوَ جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ، (" وَحَتَّى يَكْثُرَ فِيكُمُ الْمَالُ فَيَفِيضَ ") بِالنَّصْبِ وَيُرْفَعُ، مِنْ فَاضَ الْمَاءُ إِذَا انْصَبَّ عِنْدَ امْتِلَائِهِ، وَالضَّمِيرُ إِلَى الْمَالِ، فَهُوَ مُبَالَغَةٌ لِحُصُولِ الْمَنَالِ فِي الْمَآلِ، (حَتَّى يُهِمَّ) بِضَمِّ الْيَاءِ وَكَسْرِ الْهَاءِ وَتَشْدِيدِ الْمِيمِ، مِنْ أَهَمَّهُ أَحْزَنَهُ وَأَقْلَقَهُ، وَقَوْلُهُ: (" رَبَّ الْمَالِ ") مَنْصُوبٌ عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولٌ، وَالْفَاعِلُ قَوْلُهُ: (" مَنْ يَقْبَلُ صَدَقَتَهُ ") عَلَى تَقْدِيرٍ مُضَافٍ، أَيْ: حَتَّى يُوقِعَ فِي الْحُزْنِ فُقْدَانُ مَنْ يَقْبَلُ الصَّدَقَةَ مِنْ رَبِّ الْمَالِ ; حَيْثُ لَمْ يَجِدْ مَنْ يَقْبَلُهُ، وَالتَّمْلِيكُ شَرْطٌ لِحُصُولِ الزَّكَاةِ، كَمَا أَنَّ الْقَبْضَ شَرْطٌ لِحُصُولِ الصَّدَقَةِ. وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ: بِضَمِّ الْيَاءِ وَفَتْحِ الْهَاءِ، عَلَى أَنَّهُ هَمُّهُ لُغَةٌ بِمَعْنَى أَحْزَنَهُ، فَرَبَّ الْمَالِ مَنْصُوبٌ عَلَى حَالِهِ، وَفِي بَعْضِهَا يَرْفَعُهُ عَلَى أَنَّهُ فَاعِلٌ، وَمِنْ مَفْعُولِهِ، أَيْ: يَقْصِدُهُ رَبُّ الْمَالِ، عَكْسُ الْمُتَعَارَفِ فِي بَقِيَّةِ الْأَزْمِنَةِ وَالْأَحْوَالِ مِنْ هَمَّ بِهِ إِذَا قَصَدَهُ، فَيَكُونُ مِنْ بَابِ الْحَذْفِ وَالْإِيصَالِ، وَالْمَعْنَى الْأَوَّلُ هُوَ الْمُعَوَّلُ، فَتَأَمَّلْ.
قَالَ النَّوَوِيُّ - ﵀ - فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ: ضَبَطُوهُ بِوَجْهَيْنِ، وَأَشْهُرُهَا ضَمُّ أَوَّلِهِ وَكَسْرِ الْهَاءِ. قَالَ الطِّيبِيُّ - ﵀: وَفِي جَامِعِ الْأُصُولِ مُقَيَّدٌ بِضَمِّ الْبَاءِ، وَرَبُّ الْمَالِ مَفْعُولُهُ، وَالْمَوْصُولُ مَعَ صِلَتِهِ فَاعِلُهُ، وَقَوْلُهُ: (" وَحَتَّى يَعْرِضَهُ ") بِكَسْرِ الرَّاءِ عَطْفٌ عَلَى مُقَدَّرٍ، وَالْمَعْنَى: حَتَّى يُهِمَّ طَلَبُ مَنْ يَقْبَلُ الصَّدَقَةَ صَاحِبَ الْمَالِ ; فَيَطْلُبُهُ حَتَّى يَجِدَهُ وَحَتَّى يَعْرِضَهُ، اهـ.
أَيْ: حَتَّى يَعْرِضَ الْمَالَ الَّذِي أَرَادَ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِهِ عَلَى مَنْ يَظُنُّ أَنَّهُ يَقْبَلُهُ (" فَيَقُولُ الَّذِي يَعْرِضُهُ عَلَيْهِ! لَا أَرَبَ لِي بِهِ ") بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَالرَّاءِ أَيْ: لَا حَاجَةَ لِي إِلَيْهِ "، إِمَّا لِغِنَى قَلْبِهِ أَوْ لِغِنَى يَدِهِ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ لَهُمَا جَمِيعًا، فَكَأَنَّ الْخَيْرَ وَسِعَ الْجَمِيعَ بِمَا فِيهِ، وَقَنِعَ كُلُّ وَاحِدٍ بِمَا يَكْفِيهِ، فَلَا يُرِيدُ مَا يُطْغِيهِ أَوْ مَا لَا يَعْنِيهِ، وَإِلَّا فَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّهُ لَوْ كَانَ لِابْنِ آدَمَ وَادِيَانِ مِنْ ذَهَبٍ لَابْتَغَى ثَالِثًا، وَلَنْ يَمْلَأَ جَوْفَ ابْنِ آدَمَ إِلَّا التُّرَابُ، وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ تَابَ، عَلَى مَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ، بَلْ فِي الْقُرْآنِ الْمَنْسُوخِ التِّلَاوَةِ، فَكَانَ أَهْلُ ذَلِكَ الزَّمَانِ كُلُّهُمْ مِمَّنْ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، حَتَّى رَجَعُوا إِلَى مَقَامِ الرِّضَا بِالْقَضَاءِ، وَالْقَنَاعَةِ بِالْكِفَايَةِ، وَالِاسْتِغْنَاءِ بِمَا قَسَمَهُ اللَّهُ عَلَى النَّاسِ، فَإِنَّ الِاسْتِئْنَاسَ بِالنَّاسِ مِنْ عَلَامَةِ الْإِفْلَاسِ. (" وَحَتَّى يَتَطَاوَلَ النَّاسُ فِي الْبُنْيَانِ ") أَيْ: حَتَّى يَتَزَايَدُوا فِي طُولِهِ وَعَرْضِهِ، أَوْ يَفْتَخِرُوا فِي تَزْيِينِهِ وَتَحْسِينِهِ، وَهَذَا غَيْرُ مُقَيَّدٍ بِزَمَانِ الْمَهْدِيِّ، بَلِ الْمُرَادُ لَهُ إِمَّا بَعْدَهُ وَإِمَّا قَبْلَهُ، فَإِنَّ الْآنَ قَدْ كَثُرَ الْبُنْيَانُ وَافْتَخَرَ بِهِ أَهْلُ الزَّمَانِ، وَتَطَاوَلَ بِهِ اللِّسَانُ فِي كُلِّ مَكَانٍ، وَهَدَمُوا الْعِمَارَةَ الْمَوْضُوعَةَ لِلْخَيِّرَاتِ، وَجَعَلُوهَا دُورًا وَبَسَاتِينَ وَمَوَاضِعَ التَّنَزُّهَاتِ وَمَحَالَّ التَّلَهِياتِ، (" وَحَتَّى يَمُرَّ الرَّجُلُ ") أَيْ: مِنْ كَثْرَةِ هُمُومِهِ وَغُمُومِهِ فِي أَمْرِ دِينِهِ أَوْ دُنْيَاهِ، أَوْ كَثْرَةِ بَلَائِهِ وَقِلَّةِ دَوَائِهِ (" بِقَبْرِ الرَّجُلِ ") أَيْ: مِنْ أَقَارِبِهِ أَوْ أَجَانِبِهِ (" فَيَقُولُ ") بِالنَّصْبِ وَيُرْفَعُ (" يَا لَيْتَنِي مَكَانَهُ ")، نَقْلٌ بِالْمَعْنَى ; إِذْ لَفْظُهُ: مَكَانَكَ، أَيْ: لَيْتَنِي كُنْتُ مَيِّتًا حَتَّى لَا أَرَى الْفِتْنَةَ وَلَا أُشَاهِدَ الْمِحْنَةَ، (" وَحَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا، فَإِذَا طَلَعَتْ وَرَآهَا النَّاسُ آمَنُوا أَجْمَعُونَ ") تَأْكِيدٌ لِلنَّاسِ أَوْ لِضَمِيرِهِ، أَيْ: كُلُّهُمْ لِمَا رَأَوْهُ مِنَ الْآيَةِ الْمُلْجِئَةِ وَالْعَلَّامَةِ الْعِيَانِيَّةِ، وَكَانَ الْمَطْلُوبُ مِنْهُمُ الْإِيمَانَ فِي الْحَالَةِ الْغَيْبِيَّةِ، كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ سُبْحَانَهُ: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ [البقرة: ٣] ; وَلِذَا قَالَ: (فَذَلِكَ) أَيِ: الْوَقْتُ (حِينَ ﴿لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا﴾ [الأنعام: ١٥٨]، وَكَذَا مَا يَتَرَتَّبُ عَلَى إِيمَانِهِمْ مِنْ عَمَلِ خَيْرِهَا أَيِ الْحَادِثَيْنِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، كَمَا بَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ [الأنعام: ١٥٨]، (فَأَوْ) لِلتَّنْوِيعِ ; إِذَا قَدْ يُوجَدُ إِيمَانٌ مُجَرَّدٌ عَنِ الْعَمَلِ، وَقَدْ يَقْتَرِنُ الْعَمَلُ بِالْإِيمَانِ، لَكِنْ لَمَّا كَانَ وُقُوعُهُمَا فِي حَالِ الْبَأْسِ، وَوَقْتِ الْيَأْسِ لَا يَكُونَانِ نَافِعَيْنِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا﴾ [غافر: ٨٥]، وَقِيلَ: التَّقْدِيرُ: لَا يَنْفَعُ إِيمَانُهَا وَلَا كَسْبُهَا إِنْ لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ، أَوْ لَمْ تَكُنْ كَسَبَتْ، فَالْكَلَامُ مِنَ اللَّفِّ التَّقْدِيرِيِّ وَالنَّشْرِ الظَّاهِرِيِّ، هَذَا وَقِيلَ: جُمْلَةُ (لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ) صِفَةُ نَفْسٍ، وَالْأَوْلَى أَنْ تُحْمَلَ عَلَى الْاسْتِنَافِ ; لِئَلَّا يَقَعَ الْفَصْلُ بَيْنَ الصِّفَةِ
[ ٨ / ٣٤٠٦ ]
وَالْمَوْصُوفِ، وَقَوْلُهُ: (مِنْ قَبْلُ) أَيْ: قَبْلَ إِتْيَانِ بَعْضِ آيَاتِ الرَّبِّ، عَلَى مَا فِي الْقُرْآنِ مُبْهَمًا وَمُجْمَلًا، وَمِنْ قَبْلِ طُلُوعِ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا، عَلَى مَا فِي الْحَدِيثِ مُفَسِّرًا وَمُبِينًا، ثُمَّ قِيلَ: (أَوْ كَسَبَتْ) عَطْفٌ عَلَى آمَنَتْ، وَالْمُرَادُ بِالْخَيْرِ التَّوْبَةُ أَوِ الْإِخْلَاصُ، فَتَنْوِينُهُ لِلتَّعْظِيمِ أَيْ: لَا يَنْفَعُ تِلْكَ النَّفْسَ إِيمَانُهَا وَقَبُولُ تَوْبَتِهَا ; فَيُفِيدُ أَنْ (أَوْ) لِلتَّنْوِيعِ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: لَا يَنْفَعُهَا تَوْبَةٌ عَنِ الشِّرْكِ، وَلَا تَوْبَةٌ عَنِ الْمَعَاصِي، وَبِهَذَا يَنْدَفِعُ اسْتِدْلَالُ الْمُعْتَزِلَةِ بِالْآيَةِ عَلَى أَنَّ الْعَمَلَ الْمُعَبَّرَ عَنْهُ بِالْخَيْرِ جَزَاءً لِلْإِيمَانِ، مَعَ أَنَّ الظَّاهِرَ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ [الأنعام: ١٥٨] يَدْفَعُ ذَلِكَ، ثُمَّ قِيلَ: عَدَمُ قَبُولِ الْإِيمَانِ وَالتَّوْبَةِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ مَخْصُوصٌ بِمَنْ شَاهَدَ طُلُوعَهَا، حَتَّى إِنَّ مَنْ وُلِدَ بَعْدَهُ أَوْ لَمْ يُشَاهِدْهُ يَقْبَلُ كِلَاهُمَا مِنْهُ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ غَيْرُ مَخْصُوصٍ ; لِلْخَبَرِ الصَّحِيحِ: «إِنَّ التَّوْبَةَ لَا تَزَالُ مَقْبُولَةً حَتَّى يُغْلَقَ بَابُهَا، فَإِذَا طَلَعَتِ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا أُغْلِقَ» .
(" وَلَتَقُومَنَّ السَّاعَةُ ") أَيِ: النَّفْخَةُ الْأُولَى، وَهِيَ مُقَدِّمَةُ السَّاعَةِ فَأُطْلِقَتْ عَلَيْهَا (" وَقَدْ نَشَرَ الرَّجُلَانِ ") الْجُمْلَةُ حَالِيَّةٌ أَيْ: وَالْحَالُ أَنَّهُمَا فَتَحَا وَفَرَقَا (" ثَوْبَهُمَا بَيْنَهُمَا ")، الْإِضَافَةُ لِأَحَدِهِمَا عَلَى أَنَّهُ صَاحِبُهُ، وَلِلْآخَرِ عَلَى أَنَّهُ طَالِبُهُ (" فَلَا يَتَبَايَعَانِهِ ") أَيْ: لَا يُكْمِلَانِ الْبَيْعَ وَالشِّرَاءَ، (وَلَا يَطْوِيَانِهِ) أَيْ: وَلَا يَجْمَعَانِ الثَّوْبَ فَيَفْتَرِقَانِ، بَلْ تَقَعُ السَّاعَةُ عَلَيْهِمَا وَهُمَا مَشْغُولَانِ بِالْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿مَا يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ - فَلَا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلَا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ﴾ [يس: ٤٩ - ٥٠]، وَحَاصِلُهُ أَنَّ قِيَامَ السَّاعَةِ يَكُونُ بَغْتَةً لِقَوْمٍ وَهُمْ فِي انْشِغَالِهِمْ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً﴾ [الأعراف: ١٨٧]، (وَلَتَقُومَنَّ السَّاعَةُ وَقَدِ انْصَرَفَ الرَّجُلُ بِلَبَنِ لِقْحَتِهِ): بِكَسْرِ اللَّامِ وَسُكُونِ الْقَافِ أَيْ: نَاقَةٌ ذَاتُ لَبَنٍ (" فَلَا يَطْعَمُهُ ") أَيْ: فَلَا يُمْكِنُ الرَّجُلُ أَنْ يَشْرَبَ اللَّبَنَ الَّذِي حَلَبَهُ وَهُوَ فِي يَدِهِ، (" وَلَتَقُومَنَّ السَّاعَةُ وَهُوَ يُلِيطُ "): بِفَتْحِ أَوَّلِهِ أَيْ: يُطَيِّنُ وَيَصْلُحُ (" حَوْضَهُ ") أَيْ: لِيَسْقِيَ إِبِلَهُ أَوْ غَنَمَهُ مِنْهُ (" فَلَا يَسْقِي ") أَيْ: إِبِلُهُ، وَهُوَ بِفَتْحِ الْيَاءِ وَيَجُوزُ ضَمُّهَا (" فِيهِ ") أَيْ فِي ذَلِكَ الْحَوْضِ أَوْ مِنْ مَائِهِ، وَالْمَعْنَى: أَنَّ السَّاعَةَ تَأْخُذُ النَّاسَ بَغْتَةً، تَأْتِيهِمْ وَهُمْ فِي أَشْغَالِهِمْ فَلَا تُمْهِلُهُمْ أَنْ يُتِمُّوهَا، (" وَلَتَقُومَنَّ السَّاعَةُ وَقَدْ رَفَعَ أُكْلَتَهُ "): بِضَمِّ الْهَمْزَةِ أَيْ: لُقْمَتُهُ (" إِلَى فِيهِ فَلَا يَطْعَمُهَا) أَيْ: فَلَا يَبْلَعُهَا وَلَا يَأْكُلُهَا، وَهَذَا أَبْلَغُ مِمَّا قَبْلَهُ مِنَ الصُّوَرِ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
[ ٨ / ٣٤٠٧ ]
٥٤١١ - وَعَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تُقَاتِلُوا قَوْمًا نِعَالُهُمُ الشَّعْرُ، وَحَتَّى تُقَاتِلُوا التُّرْكَ صِغَارَ الْأَعْيُنِ، حُمْرَ الْوُجُوهِ، ذُلْفَ الْأُنُوفِ كَأَنَّ وُجُوهَهُمُ الْمَجَّانُّ الْمُطْرَقَةُ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
_________________
(١) (وَعَنْهُ) أَيْ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: " لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تُقَاتِلُوا قَوْمًا نِعَالُهُمُ الشَّعْرُ): بِفَتْحَتَيْنِ وَسُكُونِ الْعَيْنِ، أَيْ: مِنْ جُلُودٍ مُشْعِرَةٍ غَيْرِ مَدْبُوغَةٍ، (" وَحَتَّى تُقَاتِلُوا التُّرْكَ ")، قَالَ السُّدِّيُّ: مِنَ التُّرْكِ شِرْذِمَةِ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ، وَعَنْ قَتَادَةَ أَنَّهُمْ كَانُوا اثْنَتَيْنِ وَعِشْرِينَ قَبِيلَةً، بَنَى ذُو الْقَرْنَيْنِ السَّدَّ عَلَى إِحْدَى وَعِشْرِينَ، وَبَقِيَتْ وَاحِدَةٌ، وَهِيَ التُّرْكُ ; سُمُّوا بِذَلِكَ لِأَنَّهُمْ تُرِكُوا خَارِجِينَ، (" صِغَارَ الْأَعْيُنِ "): بِالنَّصْبِ وَهُوَ مِنْ أَمَارَاتِ الْحِرْصِ عَلَى أَمْتِعَةِ الدُّنْيَا صَغِيرِهَا وَحَقِيرِهَا، وَالْبُخْلِ عَلَى نَقِيرِهَا وَقِطْمِيرِهَا، (حُمْرَ الْوُجُوهِ) أَيْ: مِنْ شِدَّةِ حَرَارَةِ بَاطِنِهِمْ، وَغَلَيَانِ الْغَضَبِ فِي أَجْوَافِهِمْ، (ذُلْفَ الْأُنُوفِ) بِضَمِّ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ: صَغِيرُهَا، فَيَكُونُ كِنَايَةً عَنْ عَدَمِ شُمُومِهِمُ الْحَقَّ، أَوْ عَرِيضِهَا فَيَدْخُلُ فِيهَا الْحَقُّ وَالْبَاطِلُ مِنْ غَيْرِ تَمْيِيزٍ لَهُمْ بَيْنَهُمَا، وَالْأَظْهَرُ أَنَّ مَعْنَاهُ فُطُسُ الْأُنُوفِ، كَمَا فِي الرِّوَايَةِ الْآتِيَةِ جَمْعُ أَفْطَسٍ مِنَ الْفَطَسِ بِالتَّحْرِيكِ، وَهُوَ تَطَامُنُ قَصَبَةِ الْأَنْفِ وَانْخِفَاضُهَا وَانْتِشَارُهَا، فَيَرْجِعُ إِلَى مَعْنَى عَرِيضِهَا. وَقَالَ الْقَاضِي: ذُلُفُ جَمْعُ أَذْلَفٍ، وَهُوَ الَّذِي يَكُونُ أَنْفُهُ صَغِيرًا، وَيَكُونُ فِي طَرَفِهِ غِلَظٌ. (" كَأَنَّ "): بِتَشْدِيدِ النُّونِ (" وُجُوهَهُمُ الْمَجَانُّ "): بِفَتْحِ الْمِيمِ وَتَشْدِيدِ النُّونِ جَمْعُ الْمِجَنِّ بِكَسْرِ الْمِيمِ، وَهُوَ التُّرْسُ، (" الْمُطْرَقَةُ ") بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ
[ ٨ / ٣٤٠٧ ]
الرَّاءِ الْمُخَفَّفَةِ الْمُجَلَّدَةُ طَبْقًا فَوْقَ طَبَقٍ، وَقِيلَ: هِيَ الَّتِي أَلْبَسَتْ طِرَاقًا أَيْ جِلْدًا يَغْشَاهَا، وَقِيلَ: هِيَ اسْمُ مَفْعُولٍ مِنَ الْإِطْرَاقِ، وَهُوَ جَعْلُ الطِّرَاقِ بِكَسْرِ الطَّاءِ أَيِ: الْجِلْدُ عَلَى وَجْهِ التُّرْسِ، اهـ. شَبَّهَ وُجُوهَهُمْ بِالتُّرْسِ لِتَبَسُّطِهَا وَتَدْوِيرِهَا، وَبِالْمُطْرَقَةِ لِغِلَظِهَا وَكَثْرَةِ لَحْمِهَا، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُمْ لِكِبَرِ وُجُوهِهِمْ وَإِدَارَتِهَا وَكَثْرَةِ لَحْمِهَا وَيُبُوسَتِهَا أَبَوُا الْوُجُوهَ الطَّامِعَةَ فِي الْمَالِ وَالْأَهْلِ، لَيْسَ فِيهَا لِينَةُ الْإِنْسَانِيَّةِ، وَلَا مُلَاءَمَةُ الْإِحْسَانِيَّةِ، بَلْ كَأَنَّهُمْ نَوْعٌ آخَرُ مِنْ جِنْسِ النَّاسِ يَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ: إِنَّهُمْ نِسْنَاسٌ، وَيَكْفِي فِي ذَمِّهِمْ أَنَّهُمْ فَضْلَةُ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ وَمِنْ إِخْوَانِهِمْ، وَأُنْمُوذَجٌ وَعَيِّنَةٌ مِنْ أَعْيَانِهِمْ، فَلَا شَكَّ أَنَّهُمْ يَكُونُونَ فِي غَايَةٍ مِنَ الْفَسَادِ، وَنِهَايَةٍ مِنَ الضَّرَرِ لِلْعِبَادِ وَالْبِلَادِ، وَلَا أَرَانَا اللَّهُ وُجُوهَهُمْ إِلَى يَوْمِ الْمِيعَادِ.
قَالَ الْقَاضِي - ﵀: وَقَدْ وَرَدَ ذَلِكَ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي بَعْدَهُ صِفَةً لِخُوزٍ وَكِرْمَانَ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مِنْ بَعْضِ الرُّوَاةِ، فَلَعَلَّ الْمُرَادَ بِهِمَا صِفَتَانِ مِنَ التُّرْكِ كَأَنَّ أَحَدَ أُصُولِ أَحَدِهِمَا مِنْ خُوزٍ، وَأَحَدَ أُصُولِ الْآخَرِ مِنْ كِرْمَانَ، فَسَمَّاهُمُ الرَّسُولُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِاسْمِهِ، وَإِنْ لَمْ يَشْتَهِرْ عِنْدَنَا، كَمَا نَسَبَهُمْ إِلَى قَنْطُورَاءَ، وَهِيَ أَمَةٌ كَانَتْ لِإِبْرَاهِيمَ - ﵊ - وَلَعَلَّ الْمُرَادَ بِالْمَوْعُودِ فِي الْحَدِيثِ مَا وَقَعَ فِي هَذَا الْعَصْرِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَالتُّرْكِ، اهـ. وَالْأَقْرَبُ أَنَّهُ إِشَارَةٌ إِلَى قَضِيَّةِ جِنْكِينَ، وَمَا وَقَعَ لَهُ مِنَ الْفَسَادِ وَخُصُوصًا فِي بَغْدَادَ، وَاللَّهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ. (مُتَّفَقٌ عَلَيِهِ) .
[ ٨ / ٣٤٠٨ ]
٥٤١٢ - وَعَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: " «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تُقَاتِلُوا خُوزًا وَكِرْمَانَ مِنَ الْأَعَاجِمِ، حُمْرَ الْوُجُوهِ، فُطْسَ الْأُنُوفِ، صِغَارَ الْأَعْيُنِ، وُجُوهُهُمُ الْمَجَانُّ الْمُطْرَقَةُ، نِعَالُهُمُ الشَّعْرُ» ". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
٥٤١٣ - وَفِي رِوَايَةِ لَهُ عَنْ عَمْرِو بْنِ تَغْلِبَ " عِرَاضَ الْوُجُوهِ ".
_________________
(١) (وَعَنْهُ) أَيْ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: " لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تُقَاتِلُوا خُوزًا "): بِضَمِّ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الْوَاوِ بِالزَّاى، فِي الْقَامُوسِ: الْخُوزُ بِالضَّمِّ جِيلٌ مِنَ النَّاسِ، وَاسْمٌ لِجَمِيعِ بِلَادِ خُوزِسْتَانَ، (" وَكِرْمَانَ "): بِكَسْرِ الْكَافِ وَتُفَتَحُ كَذَا ضُبِطَ فِي النُّسَخِ الْمُصَحَّحَةِ، لَكِنْ فِي الْقَامُوسِ: كَرْمَانَ - وَقَدْ يُكْسَرُ أَوْ لَحْنٌ - إِقْلِيمٍ بَيْنَ فَارِسَ وَسِجِسْتَانَ. وَقَالَ التُّورِبِشْتِيُّ - ﵀: الْخُوزُ جِيلٌ مِنَ النَّاسِ، وَإِنَّمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ مُنَوَّنًا بِسُكُونِ وَسَطِهِ هَكَذَا، وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ الْأَثِيرِ بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ الْمَضْمُومَةِ وَبِالزَّايِ مَعَ الْإِضَافَةِ، يُقَالُ: خُوزٌ كِرْمَانَ مِنْ غَيْرِ وَاوِ الْعَطْفِ، قَالَ: وَرُوِيَ خُوزُ وَكِرْمَانُ. قَالَ: وَالْخُوزُ جِيلٌ مَعْرُوفٌ، وَكِرْمَانُ صُقْعٌ مَعْرُوفٌ فِي الْعَجَمِ، وَيُرْوَى بِالرَّاءِ الْمُهْمَلَةِ وَهُوَ مِنْ أَرْضِ فَارِسَ، وَصَوَّبَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ - ﵀ - وَقِيلَ: إِنَّهُ إِذَا أُضِيفَ بِهِ فَبِالرَّاءِ، وَإِذَا عُطِفَ فَبِالزَّايِ، نَقَلَهُ الْجَزَرِيُّ. (وَمِنَ الْأَعَاجِمِ "): بَيَانٌ لَهُمَا. قَالَ شَارِحٌ: الْمُرَادُ صِنْفَانِ مِنَ التُّرْكِ سَمَّاهُمَا بِاسْمِ أَبَوَيْهِمَا، وَلَا نَحْمِلُهُ عَلَى أَهْلِ خُوزِسْتَانَ وَكِرْمَانَ ; لِأَنَّهُمْ لَمْ يُوجَدُوا عَلَى النَّعْتِ الْمَذْكُورِ فِي الْحَدِيثِ، بَلْ وُجِدَ عَلَيْهِ التُّرْكُ، (" حُمْرَ الْوُجُوهِ، فُطْسَ الْأُنُوفِ، صِغَارَ الْأَعْيُنِ، وُجُوهُهُمُ الْمَجَانُّ الْمُطْرَقَةُ، نِعَالُهُمُ الشَّعْرُ ". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) .
(٢) (وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ) أَيْ: لِلْبُخَارِيِّ (عَنْ عَمْرِو بْنِ تَغْلِبَ): بِالتَّاءِ فَوْقَهَا نُقْطَتَانِ، وَبِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَهُوَ غَيْرُ مُنْصَرِفٍ، قَالَ الْمُؤَلِّفُ فِي فَصْلِ الصَّحَابَةِ: هُوَ الْعَبْدِيُّ ابْنُ عَبْدِ الْقَيْسِ، رَوَى عَنْهُ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَغَيْرُهُ. (" عِرَاضَ الْوُجُوهِ ") بِالنَّصْبِ عَلَى الْحِكَايَةِ، وَبِالرَّفْعِ عَلَى الْإِعْرَابِ ; لِكَوْنِهِ مُبْتَدَأً لِخَبَرٍ مُقَدَّمٍ.
[ ٨ / ٣٤٠٨ ]
٥٤١٤ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: " «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يُقَاتِلَ الْمُسْلِمُونَ الْيَهُودَ، فَيَقْتُلُهُمُ الْمُسْلِمُونَ، حَتَّى يَخْتَبِئَ الْيَهُودُ مِنْ وَرَاءِ الْحَجَرِ وَالشَّجَرِ، فَيَقُولُ الْحَجَرُ وَالشَّجَرُ: يَا مُسْلِمُ! يَا عَبْدَ اللَّهِ! هَذَا يَهُودِيٌّ خَلْفِي، فَتَعَالَ فَاقْتُلْهُ، إِلَّا الْغَرْقَدَ فَإِنَّهُ مَنْ شَجِرِ الْيَهُودِ» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
_________________
(١) (وَعَنْهُ) أَيْ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ; نَظَرًا إِلَى أَنَّ مَرْجِعَ الضَّمِيرِ إِلَى الْمَضْمُونِ السَّابِقِ، وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ: وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِالْإِظْهَارِ ; لِئَلَّا يَتَوَهَّمَ عَوْدُ الْإِضْمَارِ إِلَى الصَّحَابِيِّ اللَّاحِقِ، فَإِنَّهُ لِقُرْبِهِ رُبَّمَا يَظُنُّ أَنَّهُ الْأَحَقُّ بِمَرْجِعِ اللَّاحِقِ. (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يُقَاتِلَ الْمُسْلِمُونَ الْيَهُودَ، فَيَقْتُلُهُمْ ") أَيْ: غَالِبُهُمْ، أَوْ فَيَغْلِبُهُمْ (" الْمُسْلِمُونَ حَتَّى يَخْتَبِئَ ")، أَيْ: يَخْتَفِي (" الْيَهُودِيُّ مِنْ وَرَاءِ الْحَجَرِ
[ ٨ / ٣٤٠٨ ]
وَالشَّجَرِ فَيَقُولُ الْحَجَرُ وَالشَّجَرُ ") أَيْ كِلَاهُمَا، أَوْ أَحَدُهُمَا (" يَا مُسْلِمُ! يَا عَبْدَ اللَّهِ "): جَمْعًا بَيْنَ الْوَصْفَيْنِ لِزِيَادَةِ التَّعْظِيمِ (" هَذَا ") أَيْ: تَنَبَّهْ ذَا (يَهُودِيٌّ خَلْفِي، فَتَعَالَ فَاقْتُلْهُ، إِلَّا الْغَرْقَدَ): اسْتِثْنَاءٌ مِنَ الشَّجَرِ، وَهُوَ نَوْعُ شَجَرٍ ذُو شَوْكٍ يُقَالُ لَهُ: الْعَوْسَجُ، كَذَا ذَكَرَهُ شَارِحٌ، وَفِي النِّهَايَةِ: هُوَ ضَرْبٌ مِنْ شَجَرِ الْعِضَاهِ وَشَجَرِ الشَّوْكِ، وَمِنْهُ قِيلَ لِبَقِيعِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ بَقِيعُ الْغَرْقَدِ ; لِأَنَّهُ كَانَ فِيهِ غَرْقَدٌ وَقُطِعَ، (" فَإِنَّهُ مَنْ شَجَرِ الْيَهُودِ ") أُضِيفَ إِلَيْهِمْ بِأَدْيَنِ مُلَابَسَةٍ. قِيلَ: هَذَا يَكُونُ بَعْدَ خُرُوجِ الدَّجَّالِ حِينَ يُقَاتِلُ الْمُسْلِمُونَ مَنْ تَبِعَهُ مِنَ الْيَهُودِ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
[ ٨ / ٣٤٠٩ ]
٥٤١٥ - وَعَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: " «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَخْرُجَ رَجُلٌ مِنْ قَحْطَانَ يَسُوقُ النَّاسَ بِعَصَاهُ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
_________________
(١) (وَعَنْهُ) أَيْ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَخْرُجَ رَجُلٌ مِنْ قَحْطَانَ ") بِفَتْحِ الْقَافِ وَسُكُونِ الْحَاءِ، وَهُوَ أَبُو الْيَمَنِ، وَقِيلَ: قَبِيلَةٌ مِنْهُمْ، (" يَسُوقُ النَّاسَ ") أَيْ: لِأَجْلِ حُكْمِهِ (" بِعَصَاهُ "): هَذَا عِبَارَةٌ عَنْ تَسْخِيرِ النَّاسِ وَاسْتِرْعَائِهِمْ، كَسَوْقِ الرَّاعِي غَنَمَهُ بِعَصَاهُ، قِيلَ: لَعَلَّ الرَّجُلَ الْقَحْطَانِيَّ هُوَ الَّذِي يُقَالُ لَهُ جَهْجَاهُ عَلَى مَا سَيَأْتِي. (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) .
[ ٨ / ٣٤٠٩ ]
٥٤١٦ - وَعَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: " «لَا تَذْهَبُ الْأَيَّامُ وَاللَّيَالِي حَتَّى يَمْلِكَ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ: الْجَهْجَاهُ "، وَفِي رِوَايَةٍ: " حَتَّى يَمْلِكَ رَجُلٌ مِنَ الْمَوَالِي يُقَالُ لَهُ الْجَهْجَاهُ» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
_________________
(١) (وَعَنْهُ) أَيْ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " لَا تَذْهَبُ الْأَيَّامُ وَاللَّيَالِي ") أَيْ: لَا يَنْقَطِعُ الزَّمَانُ وَلَا تَأْتِي الْقِيَامَةُ (" حَتَّى يَمْلِكَ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ: الْجَهْجَاهُ ")، قَالَ النَّوَوِيُّ - ﵀: بِفَتْحِ الْجِيمِ وَسُكُونِ الْهَاءِ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ الْجَهْجَهَا بِهَاءَيْنِ، وَفِي بَعْضِهَا الْجَهْجَا بِحَذْفِ الْهَاءِ الَّتِي بَعْدَ الْأَلْفِ، وَالْأَوَّلُ هُوَ الْمَشْهُورُ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَفِي رِوَايَةٍ: " حَتَّى يَمْلِكَ رَجُلٌ مِنَ الْمَوَالِي ") بِفَتْحِ الْمِيمِ جَمْعُ الْمَوْلَى، أَيِ: الْمَمَالِيكُ، وَالْمَعْنَى: حَتَّى يَصِيرَ حَاكِمًا عَلَى النَّاسِ (" يُقَالُ لَهُ: الْجَهْجَاهُ ")، قَالَ الْجَزَرِيُّ: لَمْ أَجِدْ هَذِهِ الرِّوَايَةَ فِي وَاحِدٍ مِنَ الصَّحِيحَيْنِ، نَقَلَهُ مِيرَكُ، فَيَكُونُ مِنْ غَيْرِ الصَّحِيحَيْنِ لِلِاسْتِشْهَادِ وَالِاعْتِضَادِ، فَلَا يُرَدُّ عَلَى الْمُؤَلِّفِ إِيرَادُهَا فِي الْفَصْلِ الْأَوَّلِ ; لِأَنَّ اخْتِصَاصَهُ بِحَدِيثِ الشَّيْخَيْنِ إِنَّمَا هُوَ فِي الْأُصُولِ.
[ ٨ / ٣٤٠٩ ]
٥٤١٧ - وَعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ - ﵄ - قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يَقُولُ: " «لَتَفْتَحَنَّ عِصَابَةٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ كَنْزَ آلِ كِسْرَى الَّذِي فِي الْأَبْيَضِ» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
_________________
(١) (وَعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: لَتَفْتَحَنَّ ") بِفَتْحِ الْحَاءِ، وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ: لَتَفْتَتِحَنَّ. قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ - ﵀: وَجَدْنَاهُ فِي أَكْثَرِ نُسَخِ الْمَصَابِيحِ بِتَاءَيْنِ بَعْدَ الْفَاءِ، وَنَحْنُ نَرْوِيهِ عَنْ كِتَابِ مُسْلِمٍ بِتَاءٍ وَاحِدَةٍ، وَهُوَ أَمْثَلُ مَعْنًى ; لِأَنَّ الِافْتِتَاحَ أَكْثَرُ مِمَّا يُسْتَعْمَلُ بِمَعْنَى الِاسْتِفْتَاحِ، فَلَا يَقَعُ مَوْقِعَ الْفَتْحِ فِي تَحْقِيقِ الْأَمْرِ وَوُقُوعِهِ، وَالْحَدِيثُ إِنَّمَا وَرَدَ فِي مَعْنَى الْإِخْبَارِ عَنِ الْكَوَائِنِ، وَالْمَعْنَى: لَتَأْخُذَنَّ (عِصَابَةٌ) بِكَسْرِ الْعَيْنِ أَيْ: جَمَاعَةٌ (" مِنَ الْمُسْلِمِينَ كَنْزَ آلِ كِسْرَى ") بِكَسْرِ الْكَافِ وَتُفْتَحُ، وَالْآلُ مُقْحَمٌ، أَوِ الْمُرَادُ بِهِ أَهْلُهُ وَأَتْبَاعُهُ (" الَّذِي فِي الْأَبْيَضِ ")، قَالَ الْقَاضِي - ﵀: الْأَبْيَضُ قَصْرٌ حَصِينٌ كَانَ بِالْمَدَائِنِ، وَكَانَتِ الْفُرْسُ تُسَمِّيهِ سَفِيدْ كَرْشَكْ، وَالْآنَ بُنِيَ مَكَانَهُ مَسْجِدُ الْمَدَائِنِ، وَقَدْ أُخْرِجَ كَنْزُهُ فِي أَيَّامِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَقِيلَ: الْحِصْنُ الَّذِي بِهَمْدَانَ بِنَاهُ دَارِينْ دَارَا يُقَالُ لَهُ شِهْرِسْتَانَ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
[ ٨ / ٣٤٠٩ ]
٥٤١٨ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: " «هَلَكَ كِسْرَى فَلَا يَكُونُ كِسْرَى بَعْدَهُ، وَقَيْصَرُ لِيَهْلِكَنَّ ثُمَّ لَا يَكُونُ قَيْصَرُ بَعْدَهُ، وَلَتُقْسَمَنَّ كُنُوزُهُمَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ "، وَسَمَّى " الْحَرْبُ خُدْعَةٌ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
_________________
(١) (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " هَلَكَ كِسْرَى "): جُمْلَةٌ خَبَرِيَّةٌ أَيْ: سَيَهْلِكُ مُلْكُهُ، وَإِنَّمَا عَبَّرَ عَنْهُ بِالْمُضِيِّ لِتَحَقُّقِ وُقُوعِهِ وَقُرْبِهِ، أَوْ دُعَاءٌ وَتَفَاؤُلٌ، (" فَلَا يَكُونُ كِسْرَى ") وَفِي نُسْخَةٍ بِالتَّنْوِينِ، حَيْثُ أُرِيدَ بِهِ التَّنْكِيرُ (" بَعْدَهُ ") أَيْ: بَعْدَ كِسْرَى الْمَوْجُودِ فِي زَمَنِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالْمَعْنَى: لَا يَمْلِكُ كِسْرَى كَافِرٌ، بَلْ يَمْلِكُهُ الْمُسْلِمُونَ بَعْدَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، (" وَقَيْصَرُ "): وَهُوَ مَلِكُ الرُّومِ مُبْتَدَأٌ، وَخَبَرُهُ: لَيَهْلِكَنَّ، وَالتَّغَايُرُ بَيْنَهُمَا لِلتَّفَنُّنِ، أَوْ عَطْفٍ عَلَى كِسْرَى، وَأَتَى بِقَوْلِهِ: (" لَيَهْلِكَنَّ ") لِلتَّأْكِيدِ مَعَ زِيَادَةِ الْمُبَالَغَةِ الْمُسْتَفَادَةِ مِنْ لَامِ الْقَسَمِ وَنُونِ التَّأْكِيدِ، (" ثُمَّ لَا يَكُونُ قَيْصَرُ ") بِالْوَجْهَيْنِ أَيْ: قَيْصَرُ آخَرُ (" بَعْدَهُ ") أَيْ: بَعْدَ الْأَوَّلِ. قَالَ الطِّيبِيُّ - ﵀: هَلَاكُ كِسْرَى وَقَيْصَرَ كَانَا مُتَوَقَّعَيْنِ، فَأَخْبَرَ عَنْ هَلَاكِ كِسْرَى بِالْمَاضِي دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّهُ كَالْوَاقِعِ بِنَاءً عَلَى إِخْبَارِ الصَّادِقِ، وَأَتَى فِي الْإِخْبَارِ عَنْ قَيْصَرَ بِلَامِ الْقَسَمِ فِي الْمُضَارِعِ، وَبُنِيَ الْكَلَامُ عَلَى الْمُبْتَدَأِ وَالْخَبَرِ إِشْعَارًا لِاهْتِمَامِهِ بِالِاعْتِنَاءِ بِشَأْنِهِ، وَأَنَّهُ أَطْلَبُ مِنْهُ ; وَذَلِكَ أَنَّ الرُّومَ كَانُوا سُكَّانَ الشَّامِ، وَكَانَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي فَتْحِهِ أَشَدَّ رَغْبَةً ; وَمِنْ ثَمَّ غَزَا - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَبُوكَ وَهُوَ مِنَ الشَّامِ. أَقُولُ: لَمَّا كَانَ هَلَاكُ كِسْرَى قَبْلَ قَيْصَرَ بِحَسْبِ وَقَائِعِ الْحَالِ، فَنَاسَبَ أَنْ يُعَبِّرَ عَنِ الْأَوَّلِ بِالْمَاضِي، وَعَنِ الثَّانِي بِالِاسْتِقْبَالِ، (وَلَتُقْسَمَنَّ): بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ مُخَفَّفًا (كُنُوزُهُمَا) أَيْ: كَنْزُ كُلٍّ مِنْهُمَا (" فِي سَبِيلِ اللَّهِ " وَسَمَّى): عَطْفٌ عَلَى قَالَ رَسُولُ اللَّهِ، أَيْ: قَالَ الرَّاوِي: وَسَمَّى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (" «الْحَرْبُ خُدْعَةٌ» ") بِفَتْحِ الْخَاءِ وَضَمِّهَا مَعَ سُكُونِ الدَّالِ وَبِضَمِّ الْخَاءِ، مَعَ فَتْحِ الدَّالِ عَلَى مَا سَبَقَ مَبْنَاهُ وَتَحَقَّقَ مَعْنَاهُ، وَمُجْمَلُهُ مَا فِي الْقَامُوسِ: الْحَرْبُ خُدْعَةٌ مُثَلَّثَةٌ وَكَهَمْزَةٍ، وَرُوِيَ بِهِنَّ جَمِيعًا، أَيْ: يَنْقَضِي بِخُدْعَةٍ، هَذَا وَالرَّاوِي جَمَعَ بَيْنَ حَدِيثَيْنِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُمَا وَقَعَا فِي وَقْتَيْنِ، فَلَا يَحْتَاجُ إِلَى طَلَبِ الْمُنَاسَبَةِ بَيْنَ إِيرَادِهِمَا مَعًا، عَلَى أَنَّ فِي ذِكْرِهِ إِشَارَةً إِلَى أَنَّ هَلَاكَهُمَا، وَأَخْذَ كُنُوزِهِمَا إِنَّمَا يَكُونُ بِالْحَرْبِ، وَرُبَّمَا يَكُونُ مُحْتَاجًا إِلَى خُدْعَةٍ، فَنَبَّهَ أَصْحَابَهُ إِلَى جَوَازِهِمَا، حَتَّى لَا يَتَوَهَّمُوا أَنَّ الْخُدْعَةَ مِنْ بَابِ الْغَدْرِ وَالْخِيَانَةِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. قَالَ الطِّيبِيُّ - ﵀: فَإِنْ قُلْتَ: مَا وَجْهُ الْمُنَاسَبَةِ بَيْنَ قَوْلِهِ: وَسَمَّى الْحَرْبَ خُدْعَةً، وَبَيْنَ الْكَلَامِ السَّابِقِ؟ قُلْتُ: هُوَ وَارِدٌ عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِطْرَادِ ; لِأَنَّ أَصْلَ الْكَلَامِ كَانَ فِي ذِكْرِ الْفَتْحِ، وَكَانَ حَدِيثًا مُشْتَمِلًا عَلَى الْحَرْبِ، فَأَوْرَدَهُ فِي الذِّكَرِ، كَمَا أَوْرَدَ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا﴾ [فاطر: ١٢] بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ﴾ [فاطر: ١٢] إِذِ الْمُرَادُ مِنْهُمَا الْمُؤْمِنُ وَالْكَافِرُ. قُلْتُ: فَقَوْلُهُ: مِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ إِشَارَةٌ إِلَى تَكْمِيلِ التَّشْبِيهِ وَتَتْمِيمٌ وَتَذْيِيلٌ، وَهُوَ إِفَادَةُ أَنَّهُ يُنْتَفَعُ بِهِمَا، وَنِظَامُ الْعَالَمِ بِوُجُودِهِمَا، بَلْ هُمَا الدَّالَّانِ عَلَى مَظْهَرِ الْجَمَالِ وَالْجَلَالِ، وَهُمَا صِفَتَا الْكَمَالِ، وَعَلَيْهِمَا مَدَارُ الْكَوْنَيْنِ، وَمَآلُ الْفَرِيقَيْنِ، كَمَا دَلَّ عَلَيْهِمَا مِثَالُ الْبَحْرَيْنِ ; حَيْثُ قَالَ: ﴿هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ﴾ [الفرقان: ٥٣]، فَكُلٌّ فِي بَابِهِ فِي غَايَةٍ مِنَ الْكَمَالِ ﴿يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [النحل: ٩٣] وَ﴿يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [المائدة: ٤٠] . (مُتَّفَقٌ عَلِيهِ) .
[ ٨ / ٣٤١٠ ]
٥٤١٩ - وَعَنْ نَافِعِ بْنِ عُتْبَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: " «تَغْزُونَ جَزِيرَةَ الْعَرَبِ فَيَفْتَحُهَا اللَّهُ، ثُمَّ فَارِسَ فَيَفْتَحُهَا اللَّهُ، ثُمَّ تَغْزُونَ الرُّومَ فَيَفْتَحُهَا اللَّهُ، ثُمَّ تَغْزُونَ الدَّجَّالَ فَيَفْتَحُهُ اللَّهُ» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
_________________
(١) (وَعَنْ نَافِعِ بْنِ عُتْبَةَ) أَيِ: ابْنُ أَبِي وَقَّاصِ الزُّهْرِيُّ الْقُرَشِيُّ يُعْرَفُ بِالْمِرْقِ، قَالَ: بِكَسْرِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الرَّاءِ وَبِالْقَافِ، وَهُوَ ابْنُ أَخِي سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصِ، صَحَابِيٌّ، مِنْ مُسْلِمَةِ الْفَتْحِ، مِنَ الْمُؤَلَّفَةِ، رَوَى عَنْهُ ابْنُ عُمَرَ، وَجَابِرُ بْنُ سَمُرَةَ، نَقَلَهُ مِيرَكُ عَنِ التَّصْحِيحِ. (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: " تَغْزُونَ ") أَيْ: بَعْدِي (" جَزِيرَةَ الْعَرَبِ ") وَقَدْ سَبَقَ تَفْسِيرُهَا وَتَحْرِيرُهَا وَتَقْرِيرُهَا، وَمُجْمَلُهُ عَلَى مَا حُكِيَ عَنْ مَالِكٍ: مَكَّةُ وَالْمَدِينَةُ، وَالْيَمَامَةُ وَالْيَمَنُ، فَالْمَعْنَى: بَقِيَّةُ الْجَزِيرَةِ أَوْ جَمِيعُهَا، بِحَيْثُ لَا يُتْرَكُ كَافِرٌ فِيهَا (" فَيَفْتَحُهَا اللَّهُ ") أَيْ:
[ ٨ / ٣٤١٠ ]
عَلَيْكُمْ، (" ثُمَّ فَارِسَ ") أَيْ: ثُمَّ تَغْزُونَهَا (" فَيَفْتَحُهَا اللَّهُ، ثُمَّ تَغْزُونَ الرُّومَ فَيَفْتَحُهَا اللَّهُ، ثُمَّ تَغْزُونَ الدَّجَّالَ ") الْخِطَابُ فِيهِ لِلصَّحَابَةِ، وَالْمُرَادُ الْأُمَّةُ (" فَيَفْتَحُهُ اللَّهُ ") أَيْ: يَجْعَلُهُ مَقْهُورًا مَغْلُوبًا، وَيَقَعُ هَلَاكُهُ عَلَى أَيْدِي بَنِي إِسْرَائِيلَ لِمُعَاوَنَةِ الْأُمَّةِ، وَأُنْزِلَ لِمُسَاعَدَةِ الْمِلَّةِ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) أَيْ: فِي الْفِتَنِ مِنْ حَدِيثِ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ عَنْ نَافِعِ بْنِ عُتْبَةَ، وَلَفْظُهُ: حَفِظْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - أَرْبَعَ كَلِمَاتٍ عَدَّهُنَّ إِلَى يَدِي قَالَ: " تَغْزُونَ جَزِيرَةَ الْعَرَبِ فَيَفْتَحُهَا اللَّهُ " إِلَخْ، وَالْعَجَبُ أَنَّ الْحَاكِمَ أَخْرَجَهُ فِي مُسْتَدْرِكِهِ عَلَى الصَّحِيحِ وَقَالَ: عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ، وَأَقَرَّهُ الذَّهَبِيُّ، نَقَلَهُ مِيرَكُ عَنِ التَّصْحِيحِ، وَفِيهِ أَنَّ الظَّاهِرَ هُوَ أَنَّ الْحَاكِمَ رَوَاهُ بِإِسْنَادٍ آخَرَ رِجَالُهُ رِجَالُ مُسْلِمٍ، فَيَكُونُ مُسْتَدْرَكًا وَلَا يَكُونُ مُسْتَدْرِكًا.
[ ٨ / ٣٤١١ ]
٥٤٢٠ - «وَعَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ - ﵁ - قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِىَّ - ﷺ - فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ وَهْوَ فِي قُبَّةٍ مِنْ أَدَمٍ فَقَالَ " اعْدُدْ سِتًّا بَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ مَوْتِي ثُمَّ فَتْحُ بَيْتِ الْمَقْدِسِ ثُمَّ مُوتَانٌ يَأْخُذُ فِيكُمْ كَقُعَاصِ الْغَنَمِ ثُمَّ اسْتِفَاضَةُ الْمَالِ حَتَّى يُعْطَى الرَّجُلُ مِائَةَ دِينَارٍ فَيَظَلُّ سَاخِطًا ثُمَّ فِتْنَةٌ لَا يَبْقَى بَيْتٌ مِنَ الْعَرَبِ إِلَّا دَخَلَتْهُ ثُمَّ هُدْنَةٌ تَكُونُ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ بَنِي الْأَصْفَرِ فَيَغْدِرُونَ فَيَأْتُونَكُمْ تَحْتَ ثَمَانِينَ غَايَةً تَحْتَ كُلِّ غَايَةٍ اثْنَا عَشَرَ أَلْفًا» ". ". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
_________________
(١) (وَعَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ) أَيِ: الْأَشْجَعِيِّ، صَحَابِيٌّ مَشْهُورٌ (قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ وَهُوَ فِي قُبَّةٍ) أَيْ: خَيْمَةٌ (مِنْ أَدَمٍ) بِفَتْحَتَيْنِ أَيْ: مِنْ جِلْدٍ (فَقَالَ: " اعْدُدْ ") أَيِ: احْسِبْ وَعُدَّ (" سِتًّا ") أَيْ: مِنَ الْعَلَامَاتِ الْوَاقِعَةِ (" بَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ ") أَيْ: قُدَّامَهَا، (" مَوْتِي ") أَيْ: فَوْتِي بِانْتِقَالِي مِنْ دَارِ الدُّنْيَا إِلَى الْأُخْرَى ; لِأَنَّهُ أَوَّلُ زَوَالِ الْكَمَالِ بِحِجَابِ الْجَمَالِ، (" ثُمَّ فَتْحُ بَيْتِ الْمَقْدِسِ ") بِفَتْحِ مِيمٍ وَسُكُونِ قَافٍ وَكَسْرٍ دَالٍّ، وَفِي نُسْخَةٍ بِضَمٍّ فَفَتْحٌ فَتَشْدِيدٌ، (" ثُمَّ مُوتَانٌ ") بِضَمِّ الْمِيمِ أَيْ: وَبَاءٌ (" يَأْخُذُ فِيكُمْ ") أَيْ: يَتَصَرَّفُ فِي أَبْدَانِكُمْ، (" كَقُعَاصِ الْغَنَمِ "): بِضَمِّ الْقَافِ دَاءٌ يَأْخُذُ الْغَنَمَ، فَلَا يَلْبَثُهَا أَنْ تَمُوتَ. قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ - ﵀: أَرَادَ بِالْمُوَتَانِ الْوَبَاءَ، وَهُوَ فِي الْأَصْلِ مَوْتٌ يَقَعُ فِي الْمَاشِيَةِ، وَالْمِيمُ مِنْهُ مَضْمُومَةٌ، وَاسْتِعْمَالُهُ فِي الْإِنْسَانِ تَنْبِيهٌ عَلَى وُقُوعِهِ فِيهِمْ وُقُوعَهُ فِي الْمَاشِيَةِ، فَإِنَّهَا تُسْلَبُ سَلْبًا سَرِيعًا، وَكَانَ ذَلِكَ فِي طَاعُونِ عَمَوَاسَ زَمَنَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَهُوَ أَوَّلُ طَاعُونٍ وَقَعَ فِي الْإِسْلَامِ، مَاتَ مِنْهُ سَبْعُونَ أَلْفًا فِي ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، وَعَمَوَاسُ قَرْيَةٌ مِنْ قُرَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَقَدْ كَانَ بِهَا مُعَسْكَرُ الْمُسْلِمِينَ. (" ثُمَّ اسْتِفَاضَةُ الْمَالِ ") أَيْ: كَثْرَتُهُ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ، وَأَصْلُهُ التَّفَرُّقُ وَالِانْتِشَارُ، يُقَالُ: اسْتَفَاضَ الْحَدِيثُ إِذَا انْتَشَرَ، وَفِي النِّهَايَةِ: هُوَ مِنْ فَاضَ الْمَالُ وَالدَّمْعُ وَغَيْرُهُمَا إِذَا كَثُرَ، (" حَتَّى يُعْطَى الرَّجُلُ مِائَةَ دِينَارٍ فَيَظَلُّ ") بِالرَّفْعِ وَجُوِّزَ النَّصْبُ أَيْ: فَيَصِيرُ (" سَاخِطًا ") أَيْ: غَضْبَانُ ; لِعَدِّهِ الْمِائَةَ قَلِيلًا، وَهَذِهِ الْكَثْرَةُ ظَهَرَتْ فِي خِلَافَةِ عُثْمَانَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - عِنْدَ الْفُتُوحِ، وَأَمَّا الْيَوْمُ فَبَعْضُ أَهْلِ زَمَانِنَا يَعُدُّونَ الْأَلْفَ قَلِيلًا وَيُحَقِّرُونَهُ، (" ثُمَّ فِتْنَةٌ ") أَيْ: بَلِيَّةٌ عَظِيمَةٌ، قِيلَ: هِيَ مَقْتَلُ عُثْمَانَ وَمَا بَعْدَهُ مِنَ الْفِتَنِ الْمُتَرَتِّبَةِ عَلَيْهَا، (" لَا يَبْقَى بَيْتٌ مِنَ الْعَرَبِ إِلَّا دَخَلَتْهُ ") قِيلَ: الْمُرَادُ مِنْ بُيُوتِ أُمَّتِهِ، وَإِنَّمَا خَصَّ الْعَرَبَ لِشَرَفِهَا وَقُرْبِهَا مِنْهُ، فَفِيهِ نَوْعُ تَغْلِيبٍ، أَوْ إِيمَاءٌ إِلَى مَا قِيلَ: إِنَّ مَنْ أَسْلَمَ فَهُوَ عَرَبِيٌّ، (" ثُمَّ هُدْنَةٌ ") أَيْ: مُصَالَحَةٌ (" تَكُونُ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ بَنِي الْأَصْفَرِ ") أَيِ: الْأَرْوَامُ ; سُمَّوْا بِذَلِكَ لِأَنَّ أَبَاهُمُ الْأَوَّلَ وَهُوَ الرُّومُ بْنُ عِيصُو بْنِ يَعْقُوبَ بْنِ إِسْحَاقَ، كَانَ أَصْفَرَ فِي بَيَاضٍ، وَقِيلَ: سُمَّوْا بِاسْمِ رَجُلٍ أَسْوَدَ مَلَكَ الرُّومَ، فَنَكَحَ مِنْ نِسَائِهَا فَوُلِدَ لَهُ أَوْلَادٌ فِي غَايَةِ الْحُسْنِ ; فَنُسِبَ الرُّومُ إِلَيْهِ، (" فَيَغْدِرُونَ ") أَيْ: يَنْقُضُونَ عَهْدَ الْهُدْنَةِ (" فَيَأْتُونَكُمْ تَحْتَ ثَمَانِينَ غَايَةً ") أَيْ: رَايَةً وَهِيَ الْعَلَمُ. قَالَ الطِّيبِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: وَمَنْ رَوَاهُ بِالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ أَرَادَ بِهَا الْأَجَمَةَ، فَشَبَّهَ كَثْرَةَ رِمَاحِ الْعَسْكَرِ بِهَا. (" تَحْتَ كُلِّ غَايَةٍ اثْنَا عَشَرَ أَلْفًا ") أَيْ: أَلْفُ فَارِسٍ. قَالَ الْأَكْمَلُ: جُمْلَتُهُ سَبْعُمِائَةِ أَلْفٍ وَسِتُّونَ أَلْفًا. (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ)، وَكَذَا ابْنُ مَاجَهْ، وَالْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ وَقَالَ: صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ، وَأَقَرَّهُ الذَّهَبِيُّ، وَهَذَا أَيْضًا مِنَ الْوَهْمِ ; فَإِنَّ الْحَدِيثَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ فِي كِتَابِ الْجِهَادِ فِي بَابِ: مَا يَجُوزُ مِنَ الْغَدْرِ، نَقَلَهُ مِيرَكُ عَنِ التَّصْحِيحِ، وَقَدَّمْتُ مَا يَدْفَعُ عَنْهُ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّحِيحِ.
[ ٨ / ٣٤١١ ]
٥٤٢١ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - " «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَنْزِلَ الرُّومُ بِالْأَعْمَاقِ أَوْ بِدَابِقَ فَيَخْرُجُ إِلَيْهِمْ جَيْشٌ مِنَ الْمَدِينَةِ مِنْ خِيَارِ أَهْلِ الْأَرْضِ يَوْمَئِذٍ فَإِذَا تَصَافُّوا قَالَتِ الرُّومُ خَلُّوا بَيْنَنَا وَبَيْنَ الَّذِينَ سَبَوْا مِنَّا نُقَاتِلْهُمْ. فَيَقُولُ الْمُسْلِمُونَ: لَا وَاللَّهِ لَا نُخَلِّي بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ إِخْوَانِنَا. فَيُقَاتِلُونَهُمْ فَيَنْهَزِمُ ثُلُثٌ لَا يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ أَبَدًا وَيُقْتَلُ ثُلُثُهُمْ أَفْضَلُ الشُّهَدَاءِ عِنْدَ اللَّهِ وَيَفْتَتِحُ الثُّلُثُ لَا يُفْتَنُونَ أَبَدًا فَيَفْتَتِحُونَ قُسْطُنْطِينِيَّةَ ". فَبَيْنَمَا هُمْ يَقْتَسِمُونَ الْغَنَائِمَ قَدْ عَلَّقُوا سُيُوفَهُمْ بِالزَّيْتُونِ إِذْ صَاحَ فِيهِمُ الشَّيْطَانُ إِنَّ الْمَسِيحَ قَدْ خَلَفَكُمْ فِي أَهْلِيكُمْ. فَيَخْرُجُونَ وَذَلِكَ بَاطِلٌ، فَإِذَا جَاءُوا الشَّامَ خَرَجَ فَبَيْنَمَا هُمْ يُعِدُّونَ لِلْقِتَالِ يُسَوُّونَ الصُّفُوفَ إِذْ أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَيَنْزِلُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ فَأَمَّهُمْ فَإِذَا رَآهُ عَدُوُّ اللَّهِ ذَابَ كَمَا يَذُوبُ الْمِلْحُ فِي الْمَاءِ فَلَوْ تَرَكَهُ لَانْذَابَ حَتَّى يَهْلِكَ وَلَكِنْ يَقْتُلُهُ اللَّهُ بِيَدِهِ فَيُرِيهِمْ دَمَهُ فِي حَرْبَتِهِ» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
_________________
(١) (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: " لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَنْزِلَ الرُّومُ بِالْأَعْمَاقِ ") بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ. قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ - ﵀: الْعُمْقُ مَا بَعُدَ مِنْ أَطْرَافِ الْمَفَاوِزِ، وَلَيْسَ الْأَعْمَاقُ هَاهُنَا بِجَمْعٍ، وَإِنَّمَا هُوَ اسْمُ مَوْضِعٍ بِعَيْنِهِ مِنْ أَطْرَافِ الْمَدِينَةِ (أَوْ بِدَابِقَ): بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَقَدْ تُكْسَرُ وَلَا يُصْرَفُ وَقَدْ يُصْرَفُ. قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ - ﵀: هُوَ بِفَتْحِ الْبَاءِ دَارُ نَخْلَةٍ مَوْضِعُ سُوقٍ بِالْمَدِينَةِ. وَفِي الْمَفَاتِيحِ هُمَا مَوْضِعَانِ أَوْ شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي. وَقَالَ الْجَزَرِيُّ: دَابِقٌ بِكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ وَهُوَ الصَّوَابُ، وَإِنْ كَانَ عِيَاضٌ فِي الْمَشَارِقِ ذَكَرَ فِيهِ الْفَتْحَ، وَلَمْ يَذْكُرْ غَيْرَهُ، وَهُوَ مَوْضِعٌ مَعْرُوفٌ مِنْ عَمَلِ حَلَبَ، وَمَرْجُ دَابِقٍ مَشْهُورٌ. قَالَ صَاحِبُ الصِّحَاحِ: الْأَغْلَبُ التَّذْكِيرُ وَالصَّرْفُ ; لِأَنَّهُ فِي الْأَصْلِ اسْمٌ، قَالَ وَقَدْ يُؤَنَّثُ وَلَا يُصْرَفُ اهـ. وَالَّذِي يُؤَنِّثُهُ وَلَا يَصْرِفُهُ يُرِيدُ بِهِ الْبُقْعَةَ. قُلْتُ: وَفِي الْقَامُوسِ دَابِقٌ كَصَاحِبٍ مَوْضِعٌ بِحَلَبَ، لَكِنَّ الْمَضْبُوطَ فِي النُّسَخِ بِغَيْرِ صَرْفٍ، (" فَيَخْرُجَ ") بِالنَّصْبِ وَيُرْفَعُ (" إِلَيْهِمْ جَيْشٌ مِنَ الْمَدِينَةِ ")، قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ، قِيلَ: الْمُرَادُ بِهَا حَلَبَ، وَالْأَعْمَاقُ وَدَابِقُ مَوْضِعَانِ بِقُرْبِهِ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِهَا دِمَشْقُ، وَقَالَ فِي الْأَزْهَارِ: وَأَمَّا مَا قِيلَ مِنْ أَنَّ الْمُرَادَ بِهَا مَدِينَةَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَضَعِيفٌ، لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْجَيْشِ الْخَارِجِ إِلَى الرُّومِ جَيْشُ الْمَهْدِيِّ بِدَلِيلِ آخِرِ الْحَدِيثِ ; وَلِأَنَّ الْمَدِينَةَ الْمُنَوَّرَةَ تَكُونُ خَرَابًا فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ. (مِنْ خِيَارِ أَهْلِ الْأَرْضِ): بَيَانٌ لِلْجَيْشِ (يَوْمَئِذٍ) احْتِرَازٌ مِنْ زَمَنِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، (" فَإِذَا تَصَافُّوا ") بِتَشْدِيدِ الْفَاءِ الْمَضْمُومَةِ (قَالَتِ الرُّومُ: خَلُّوا بَيْنَنَا وَبَيْنَ الَّذِينَ سَبَوْا مِنَّا): عَلَى بِنَاءِ الْفَاعِلِ (" نَقْتُلْهُمْ "): يُرِيدُونَ بِذَلِكَ مُخَاتَلَةَ الْمُؤْمِنِينَ وَمُخَادَعَةَ بَعْضِهِمْ عَنْ بَعْضٍ وَيَبْغُونَ بِهِ تَفْرِيقَ كَلِمَتِهِمْ، وَالْمُرَادُونَ بِذَلِكَ هُمُ الَّذِينَ غَزَوْا بِلَادَهُمْ، فَسَبُوا ذُرِّيَّتَهُمْ، كَذَا ذَكَرَهُ التُّورِبِشْتِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَهُوَ الْمُوَافِقُ لِلنُّسَخِ وَالْأُصُولِ. قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: وَرُوِيَ سُبُوا بِبِنَاءِ الْمَجْهُولِ. قَالَ الْقَاضِي: بِبِنَاءِ الْمَعْلُومِ هُوَ الصَّوَابُ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ - ﵀: كِلَاهُمَا صَوَابٌ ; لِأَنَّ عَسَاكِرَ الْإِسْلَامِ فِي بِلَادِ الشَّامِ وَمِصْرَ كَانُوا مَسْبِيِّينَ، ثُمَّ هُمُ الْيَوْمَ بِحَمْدِ اللَّهِ يَسْبُونَ الْكُفَّارَ. قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: الْأَظْهَرُ هَذَا الْقَوْلُ مِنْهُمْ يَكُونُ بَعْدَ الْمَلْحَمَةِ الْكُبْرَى الَّتِي تَدُورُ رَحَاهَا بَيْنَ الْفِئَتَيْنِ، بَعْدَ الْمُصَالَحَةِ وَالْمُفَاجَرَةِ لِقِتَالٍ عَدُوٍّ يَتَوَجَّهُ إِلَى الْمُسْلِمِينَ، وَبَعْدَ غَزْوِ الرُّومِ لَهُمْ، وَذَلِكَ قَبْلَ فَتْحِ قُسْطَنْطِينِيَّةَ، فَيَطَأُ الرُّومُ أَرْضَ الْعَرَبِ حَتَّى يَنْزِلَ بِالْأَعْمَاقِ أَوْ بِدَابِقَ، فَيَسْأَلُ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يُخَلُّوا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَنْ سَبَى ذُرِّيَّتَهُمْ، فَيَرُدُّونَ الْجَوَابَ عَلَى مَا ذُكِرَ فِي الْحَدِيثِ. (" فَيَقُولُ الْمُسْلِمُونَ: لَا وَاللَّهِ لَا نُخَلِّي بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ إِخْوَانِنَا، فَيُقَاتِلُونَهُمْ ") أَيِ: الْمُسْلِمُونَ الْكَفَرَةَ (" فَيَنْهَزِمُ ثُلُثٌ ") أَيْ: مِنَ الْمُسْلِمِينَ (" لَا يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ أَبَدًا ") كِنَايَةٌ عَنْ مَوْتِهِمْ عَلَى الْكُفْرِ، وَتَعْذِيبِهِمْ عَلَى التَّأْبِيدِ، (" وَيُقْتَلُ ثُلُثُهُمْ أَفْضَلُ الشُّهَدَاءِ " عِنْدَ اللَّهِ) بِالرَّفْعِ عَلَى تَقْدِيرِ مُبْتَدَأٍ هُوَ هُمْ، وَفِي نُسْخَةٍ بِالنَّصْبِ عَلَى أَنَّهُ حَالٌ، (" وَيَفْتَتِحُ الثُّلُثُ ") أَيِ: الْبَاقِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (" لَا يَفْتِنُونَ ") أَيْ: لَا يُبْتَلُونَ بِبَلِيَّةٍ، أَوْ لَا يَمْتَحِنُونَ بِمُقَاتَلَةٍ، أَوْ لَا يُعَذَّبُونَ (" أَبَدًا ") فَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى حُسْنِ خَاتِمَتِهِمْ، (" فَيَفْتَتِحُونَ "): الْفَاءُ تَعْقِيبِيَّةٌ أَوْ تَفْرِيعِيَّةٌ. قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: وَفِي نُسْخَةٍ: فَيَفْتَحُونَ بِتَاءٍ وَاحِدَةٍ، وَهُوَ الْأَصْوَبُ ; لِأَنَّ الِافْتِتَاحَ أَكْثَرُ مَا يُسْتَعْمَلُ فِي مَعْنَى الِاسْتِفْتَاحِ، فَلَا يَقَعُ مَوْقِعَ الْفَتْحِ. قُلْتُ: سَبَقَ مِثْلَ هَذَا فِي كَلَامِ التُّورِبِشْتِيِّ، لَكِنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ فِيهِ إِيمَاءً إِلَى أَنَّ الْفَتْحَ كَانَ بِمُعَالَجَةٍ تَامَّةٍ. وَفِي الْقَامُوسِ: فَتْحٌ كَمَنْعٍ ضِدَّ أَغْلَقَ كَفَتْحٍ وَافْتَتَحَ وَالْفَتْحُ النَّصْرُ، وَافْتِتَاحُ دَارِ الْحَرْبِ، وَالِاسْتِفْتَاحُ الِاسْتِنْصَارُ وَالِافْتِتَاحُ، وَالْمَعْنَى: فَيَأْخُذُونَ مِنْ أَيْدِي الْكُفَّارِ (" قُسْطَنْطِينِيَّةَ "): وَهِيَ بِضَمِّ الْقَافِ وَسُكُونِ السِّينِ وَضَمِّ الطَّاءِ الْأُولَى وَكَسْرِ الثَّانِيَةِ، وَبَعْدَهَا يَاءٌ سَاكِنَةٌ، ثُمَّ نُونٌ. قَالَ النَّوَوِيُّ - ﵀: هَكَذَا ضَبَطْنَاهُ هَاهُنَا وَهُوَ الْمَشْهُورُ، وَنَقَلَ الْقَاضِي - ﵀ - فِي الْمَشَارِقِ عَنِ الْمُتْقِنِينَ زِيَادَةَ يَاءٍ مُشَدَّدَةٍ بَعْدَ النُّونِ. قُلْتُ: وَنُسَخُ الْمِشْكَاةِ مُتَّفَقَةٌ عَلَى مَا قَالَهُ عِيَاضٌ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ زِيَادَةُ يَاءٍ مُخَفَّفَةٍ بَدَلُ يَاءٍ مُشَدَّدَةٍ، فَقَدْ قَالَ الْجَزَرِيُّ: ثُمَّ نُونٌ ثُمَّ يَاءٌ مُخَفَّفَةٌ، وَحَكَى بَعْضُهُمْ تَشْدِيدَهَا، وَقَالَ آخَرُونَ بِحَذْفِهَا، وَنَقَلَهُ
[ ٨ / ٣٤١٢ ]
عِيَاضٌ عَنِ الْأَكْثَرِينَ، ثُمَّ هِيَ مَدِينَةٌ مَشْهُورَةٌ أَعْظَمُ مَدَائِنِ الرُّومِ. قَالَ التِّرْمِذِيُّ: وَالْقُسْطَنْطِينِيَّةُ قَدْ فُتِحَتْ فِي زَمَنِ بَعْضِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَتُفْتَحُ عِنْدَ خُرُوجِ الدَّجَّالِ. قَالَ الْحِجَازِيُّ فِي حَاشِيَةِ الشِّفَاءَ: قُسْطَنْطِينَةُ وَقُسْطَنْطِينِيَّةُ وَيُرْوَى بِلَامِ التَّعْرِيفِ دَارُ مَلِكِ الرُّومِ، وَفِيهَا سِتُّ لُغَاتٍ: فَتْحُ الطَّاءَ الْأُولَى، وَضَمُّهَا مَعَ تَخْفِيفِ الْيَاءِ الْأَخِيرَةِ وَتَشْدِيدِهَا، وَمَعَ حَذْفِهَا وَفَتْحِ النُّونِ، وَهَذِهِ بِضَمِّ الطَّاءِ أَكْثَرُ اسْتِعْمَالًا وَالْقَافُ مَضْمُومٌ بِكُلِّ حَالٍ. (" فَبَيْنَمَا هُمْ ") أَيِ: الْمُسْلِمُونَ (" يَقْتَسِمُونَ الْغَنَائِمَ قَدْ عَلَّقُوا سُيُوفَهُمْ بِالزَّيْتُونِ "): أَرَادَ الشَّجَرَ الْمَعْرُوفَ، وَالْجُمْلَةُ حَالٌ دَالٌّ عَلَى كَمَالِ الْأَمْنِ (" إِذْ صَاحَ فِيهِمُ الشَّيْطَانُ ") أَيْ: نَادَى بِصَوْتٍ رَفِيعٍ (" إِنَّ الْمَسِيحَ "): بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ لِمَا فِي النِّدَاءِ مِنْ مَعْنَى أَقُولُ، وَيَجُوزُ فَتْحُهَا أَيْ: أَعْلَمَهُمْ، وَالْمُرَادُ بِالْمَسِيحِ هَاهُنَا الدَّجَّالُ (" قَدْ خَلَفَكُمْ "): بِتَخْفِيفِ اللَّامِ، أَيْ: قَامَ مَقَامَكُمْ (" فِي أَهْلِيكُمْ ") أَيْ: فِي ذَرَارِيِّكُمْ كَمَا فِي رِوَايَةٍ (" فَيَخْرُجُونَ ") أَيْ: جَيْشُ الْمَدِينَةِ مِنْ قُسْطَنْطِينِيَّةَ، (" وَذَلِكَ ") أَيِ: الْقَوْلُ مِنَ الشَّيْطَانِ (" بَاطِلٌ ") أَيْ: كَذِبٌ وَزُورٌ، (فَإِذَا جَاءُوا) أَيِ: الْمُسْلِمُونَ (الشَّامَ) الظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْقُدْسُ مِنْهُ لِمَا فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ تَصْرِيحٌ بِذَلِكَ (خَرَجَ، فَبَيْنَمَا هُمْ يُعِدُّونَ): بِضَمٍّ فَكَسْرٍ أَيْ: يَسْتَعِدُّونَ وَيَتَهَيَّأُونَ (" لِلْقِتَالِ ")، فَقَوْلُهُ: (" يُسَوُّونَ الصُّفُوفَ ") بَدَلٌ مِنْهُ، (" إِذْ أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ ")، وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ: (إِذَا) بِالْأَلْفِ، أَيْ: وَقْتَ إِقَامَةِ الْمُؤَذِّنِ لِلصَّلَاةِ (فَيَنْزِلُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ) أَيْ: مِنَ السَّمَاءِ عَلَى مَنَارَةِ مَسْجِدِ دِمَشْقَ فَيَأْتِي الْقُدْسَ، (فَأَمَّهُمْ): عَدَلَ إِلَى الْمَاضِي تَحْقِيقًا لِلْوُقُوعِ، وَإِشْعَارًا بِجَوَازِ عَطْفِ الْمَاضِي عَلَى الْمُضَارِعِ وَعَكْسِهِ، أَيْ: أَمَّ عِيسَى الْمُسْلِمِينَ فِي الصَّلَاةِ وَمِنْ جُمْلَتِهِمُ الْمَهْدِيُّ، وَفِي رِوَايَةٍ قَدَّمَ الْمَهْدِيَّ مُعَلِّلًا بِأَنَّ الصَّلَاةَ إِنَّمَا أُقِيمَتْ لَكَ وَإِشْعَارًا بِالْمُتَابَعَةِ، وَأَنَّهُ غَيْرُ مَتْبُوعٍ اسْتِقْلَالًا، بَلْ هُوَ مُقَرِّرٌ وَمُؤَيِّدٌ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ يَؤُمُّ بِهِمْ عَلَى الدَّوَامِ، فَقَوْلُهُ: فَأَمَّهُمْ فِيهِ تَغْلِيبٌ أَوْ تَرَكَّبَ مَجَازًا أَيْ: أَمَرَ إِمَامَهُمْ بِالْإِمَامَةِ، وَيَكُونُ الدَّجَّالُ حِينَئِذٍ مُحَاصِرًا لِلْمُسْلِمِينَ، (" فَإِذَا رَآهُ ") أَيْ: رَأَى عِيسَى (" عَدُوُّ اللَّهِ "): بِالرَّفْعِ أَيِ: الدَّجَّالُ (" ذَابَ ") أَيْ: شَرَعَ فِي الذَّوَبَانِ (" كَمَا يَذُوبُ الْمِلْحُ فِي الْمَاءِ فَلَوْ تَرَكَهُ ") أَيْ: لَوْ تَرَكَ عِيسَى - ﵊ - الدَّجَّالَ وَلَمْ يَقْتُلْهُ (لَانْذَابَ حَتَّى يَهْلَكَ) أَيْ: بِنَفْسِهِ بِالْكُلِّيَّةِ، (وَلَكِنْ يَقْتُلُهُ اللَّهُ بِيَدِهِ) أَيْ: بِيَدِ عِيسَى ﵊ (فَيُرِيهِمْ) أَيْ: عِيسَى - ﵊ - أَوِ اللَّهُ تَعَالَى الْمُسْلِمِينَ، أَوِ الْكَافِرِينَ، أَوْ جَمِيعَهُمْ (دَمَهُ) أَيْ: دَمُ الدَّجَّالِ (" فِي حَرْبَتِهِ ") أَيْ: فِي حَرْبَةِ عِيسَى - ﵊ - وَهِيَ رُمْحٌ صَغِيرٌ، وَقَدْ رَوَى التِّرْمِذِيُّ عَنْ مُجَمِّعِ بْنِ جَارِيَةَ مَرْفُوعًا: («يَقْتُلُ ابْنُ مَرْيَمَ الدَّجَّالَ بِبَابِ لُدٍّ»)، وَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ مِنْ أَبْوَابِ مَسْجِدِ الْقُدْسِ، وَفِي النِّهَايَةِ: هُوَ مَوْضِعٌ بِالشَّامِ، وَقِيلَ بِفِلَسْطِينَ، ذَكَرَهُ السُّيُوطِيُّ - ﵀ - فِي شَرْحِهِ لِلتِّرْمِذِيِّ، وَلَعَلَّ الدَّجَّالَ يَهْرُبُ مِنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ بَعْدَمَا كَانَ مُحَاصَرًا، فَيَلْحَقُهُ عِيسَى - ﵊ - فِي أَحَدِ الْأَمَاكِنِ فَيَقْتُلُهُ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
(رَوَاهُ مُسْلِمٌ) أَيْ: بِهَذَا السِّيَاقِ، وَرَوَى الْبُخَارِيُّ خُرُوجَ الدَّجَّالِ، وَنُزُولَ عِيسَى - ﵊ - كَذَا ذَكَرَهُ مِيرَكُ عَنِ التَّصْحِيحِ.
[ ٨ / ٣٤١٣ ]
٥٤٢٢ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ - ﵁ - قَالَ: «إِنَّ السَّاعَةَ لَا تَقُومُ حَتَّى لَا يُقَسَّمُ مِيرَاثٌ وَلَا يُفْرَحَ بِغَنِيمَةٍ، ثُمَّ قَالَ: عَدُوٌّ يَجْمَعُونَ لِأَهْلِ الشَّامِ وَيَجْمَعُ لَهُمْ أَهْلُ الْإِسْلَامِ، يَعْنِي الرُّومَ، فَيَشْرُطُ الْمُسْلِمُونَ شُرْطَةً لِلْمَوْتِ لَا تَرْجِعُ إِلَّا غَالِبَةً، فَيَقْتَتِلُونَ، حَتَّى يَحْجِزَ بَيْنَهُمُ اللَّيْلُ، فَيَفِيءُ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ، كُلٌّ غَيْرُ غَالِبٍ، وَتَفْنَى الشُرْطَةُ، ثُمَّ يَتَشَرَّطُ الْمُسْلِمُونَ شُرْطَةً لِلْمَوْتِ لَا تَرْجِعُ إِلَّا غَالِبَةً، فَيَقْتَتِلُونَ، حَتَّى يَحْجِزَ بَيْنَهُمُ اللَّيْلُ، فَيَفِيءُ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ، كُلٌّ غَيْرُ غَالِبٍ، وَتَفْنَى الشُّرْطَةُ، ثُمَّ يَتَشَرَّطُ الْمُسْلِمُونَ شُرْطَةً لِلْمَوْتِ لَا تَرْجِعُ إِلَّا غَالِبَةً، فَيَقْتُلُونَ حَتَّى يُمْسُوا فَيَفِيءُ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ، كُلٌّ غَيْرُ غَالِبٍ وَتَفْنَى الشُّرْطَةُ فَإِذَا كَانَ يَوْمُ الرَّابِعِ نَهَدَ إِلَيْهِمْ أَهْلُ الْإِسْلَامِ، فَيَجْعَلُ اللَّهُ الدَّبْرَةَ عَلَيْهِمْ، فَيَقْتَتِلُونَ مَقْتَلَةً لَمْ يُرَ مِثْلُهَا، حَتَّى إِنَّ الطَّائِرَ لَيَمُرُّ بِجَنْبَاتِهِمْ فَلَا يُخَلِّفُهُمْ حَتَّى يَخِرَّ مَيِّتًا، فَيَتَعَادَّ بَنُو الْأَبِ كَانُوا مِائَةً فَلَا يَجِدُونَهُ بَقِيَ مِنْهُمْ إِلَّا الرَّجُلُ الْوَاحِدُ، فَبِأَيِّ غَنِيمَةٍ يُفْرَحُ أَوْ أَيُّ مِيرَاثٍ يُقَسَّمُ؟ فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ إِذْ سَمِعُوا بِبَأْسٍ هُوَ أَكْبَرُ مِنْ ذَلِكَ، فَجَاءَهُمُ الصَّرِيخُ: أَنَّ الدَّجَّالَ قَدْ خَلَفَهُمْ فِي ذَرَارِيِّهِمْ، فَيَرْفُضُونَ مَا فِي أَيْدِيهِمْ، وَيُقْبِلُونَ فَيَبْعَثُونَ عَشْرَ فَوَارِسَ طَلِيعَةً، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: " إِنِّي لَأَعْرِفُ أَسْمَاءَهُمْ وَأَسْمَاءَ آبَائِهِمْ، وَأَلْوَانَ خُيُولِهِمْ، هُمْ خَيْرُ فَوَارِسَ، أَوْ مِنْ خَيْرِ فَوَارِسَ، عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ يَوْمَئِذٍ» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
_________________
(١) (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: إِنَّ السَّاعَةَ لَا تَقُومُ حَتَّى لَا يُقَسَّمَ مِيرَاثٌ) أَيْ: مِنْ كَثْرَةِ الْمَقْتُولِينَ، وَقِيلَ مِنْ كَثْرَةِ الْمَالِ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ، كَذَا فِي الْأَزْهَارِ، وَقِيلَ: حَتَّى يُوجَدَ وَقْتٌ لَا يُقَسَّمُ فِيهِ مِيرَاثٌ ; لِعَدَمِ مَنْ يَعْلَمُ الْفَرَائِضَ، وَأَقُولُ: لَعَلَّ الْمَعْنَى أَنَّهُ يَرْفَعُ الشَّرْعَ، فَلَا يُقَسَّمُ مِيرَاثٌ أَصْلًا، أَوْ لَا يُقَسَّمُ عَلَى وَفْقِ الشَّرْعِ كَمَا هُوَ مُشَاهَدٌ فِي زَمَانِنَا، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ أَنَّهُ مِنْ قِلَّةِ الْمَالِ وَكَثْرَةِ الْفُقَرَاءِ لَا يُقَسَّمُ مِيرَاثٌ بَيْنَ الْوَرَثَةِ ; إِمَّا لِعَدَمِ وُجُودِ شَيْءٍ، أَوْ لِكَثْرَةِ الدُّيُونِ الْمُسْتَغْرِقَةِ، أَوْ لِأَنَّ أَصْحَابَ الْأَمْوَالِ تَكُونُ ظَلَمَةً، فَيَرْجِعُ مَالُهُمْ إِلَى بَيْتِ الْمَالِ، فَلَا يَبْقَى لِأَوْلَادِهِمْ نَصِيبٌ فِي الْمَالِ، وَلَا لَهُمْ خَلَاقٌ فِي الْمَالِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِالْحَالِ، وَيُرِيدُهُ قَوْلُهُ: (وَلَا يُفْرَحُ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيْ: وَلَا يَفْرَحُ أَحَدٌ (بِغَنِيمَةٍ): إِمَّا لِعَدَمِ الْعَطَاءِ أَوْ ظُلْمِ الظَّلَمَةِ، وَإِمَّا لِلْغِشِّ وَالْخِيَانَةِ، فَلَا يَتَهَنَّأُ بِهَا أَهْلُ الدِّيَانَةِ، وَمِنَ الْقَوَاعِدِ الْمُقَرَّرَةِ أَنَّ الْعِبْرَةَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لَا بِخُصُوصِ السَّبَبِ، فَلَا يَضُرُّهُ مَا ذَكَرَهُ الرَّاوِي. (ثُمَّ قَالَ) أَيِ: ابْنُ مَسْعُودٍ (عَدُوٌّ) أَيْ: مِنَ الرُّومِ أَوْ عَدُوٌّ كَثِيرٌ، وَهُوَ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ (يَجْمَعُونَ) أَيِ: الْجَيْشَ وَالسِّلَاحَ (لِأَهْلِ الشَّامِ) أَيْ: لِمُقَاتَلَةِ أَهْلِ الشَّامِ (وَيَجْمَعُ لَهُمْ) أَيْ: لِقِتَالِ أَهْلِ الشَّامِ (أَهْلُ الْإِسْلَامِ، يَعْنِي) أَيْ: قَالَ الرَّاوِي: يُرِيدُ ابْنُ مَسْعُودٍ بِالْعَدُوِّ (الرُّومَ، فَيَتَشَرَّطُ الْمُسْلِمُونَ): مِنْ بَابِ التَّفَعُّلِ اسْتَعْمَلَ تَشَرَّطَ مَكَانَ اشْتَرَطَ، يُقَالُ: اشْتَرَطَ فُلَانٌ بِنَفْسِهِ لِأَمْرِ كَذَا، أَيْ: قَدَّمَهَا وَأَعْلَمَهَا وَأَعَدَّهَا، وَأَشْرَطَ نَفْسَهُ لِلشَّيْءِ أَعْلَمُهُ، وَيُرْوَى: فَيَشْتَرِطُ الْمُسْلِمُونَ، أَيْ: يُهَيِّئُونَ وَيُعِدُّونَ (شُرْطَةً): بِضَمِّ الشِّينِ وَسُكُونِ الرَّاءِ، طَائِفَةٌ مِنَ الْجَيْشِ تَتَقَدَّمُ لِلْقِتَالِ، وَتَشْهَدُ الْوَاقِعَةَ ; سُمُّوا بِذَلِكَ لِأَنَّهُمْ كَالْعَلَامَةِ لِلْجَيْشِ، وَقَوْلُهُ: (لِلْمَوْتِ) أَيْ: لِلْحَرْبِ، وَفِيهِ نَوْعٌ تَجَرِّي، فَفِي الْقَامُوسِ: الشُّرْطَةُ وَاحِدُ الشُّرَطِ كَصُرَدَ، وَهُمْ كَتِيبَةٌ تَشْهَدُ الْحَرْبَ وَتَتَهَيَّأُ لِلْمَوْتِ، وَطَائِفَةٌ مِنْ أَعْوَانِ الْوُلَاةِ اهـ. وَالْمُرَادُ هُنَا الْمَعْنَى الْأَوَّلَ، وَقِيلَ: سُمُّوا بِهَا لِأَنَّهُمْ يَشْتَرِطُونَ أَنْ يَتَقَدَّمُوا وَيَعُدُّوا أَنْفُسَهُمْ لِلْهَلَكَةِ، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ: (لَا تَرْجِعُ) أَيْ: تِلْكَ الشُّرْطَةُ (إِلَّا غَالِبَةً): فَالْجُمْلَةُ صِفَةُ (شُرْطَةً) كَاشِفَةٌ مُبَيِّنَةٌ مُوَضِّحَةٌ، وَالْمَعْنَى أَنَّ الْمُسْلِمِينَ يَبْعَثُونَ مُقَدِّمَتَهُمْ عَلَى أَنْ لَا يَنْهَزِمُوا، بَلْ يَتَوَقَّفُوا وَيَتَثَبَّتُوا إِلَى أَنْ يُقْتَلُوا أَوْ يَغْلِبُوا، (فَيَقْتَتِلُونَ) أَيِ: الْمُسْلِمُونَ وَالْكُفَّارُ (حَتَّى يَحْجِزَ): بِضَمِّ جِيمٍ وَتُكْسَرُ أَيْ: يَمْنَعُ (بَيْنَهُمُ اللَّيْلُ) أَيْ: دُخُولُهُ وَظَلَامُهُ فَيَتْرُكُونَ الْقِتَالَ (فَيَفِيءُ): مُضَارِعٌ مِنَ الْفَيْءِ بِمَعْنَى الزَّوَالِ أَيْ: يَرْجِعُ (هَؤُلَاءِ) أَيِ: الْمُسْلِمُونَ (وَهَؤُلَاءِ) أَيِ: الْكَافِرُونَ (كُلٌّ) أَيْ: مِنَ الْفَرِيقَيْنِ (غَيْرُ غَالِبٍ) أَيْ: وَغَيْرُ مَغْلُوبٍ (وَتَفْنَى) أَيْ: تَهْلَكُ وَتُقْتَلُ (الشُّرْطَةُ) أَيْ: جِنْسُهَا مِنَ الْجَانِبَيْنِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ يَرْجِعُ مُعْظَمُ الْجَيْشِ، وَصَاحِبُ الرَّايَاتِ مِنَ الطَّرَفَيْنِ، وَلَمْ يَكُنْ لِأَحَدِهَا غَلَبَةٌ عَلَى الْآخَرِ، وَتَفْنَى شُرْطَةُ الطَّرَفَيْنِ، وَإِلَّا لَكَانَتِ الْغَلَبَةُ لِمَنْ تَفْنَى شُرَطُهُمْ، وَقَدْ قَالَ: كُلٌّ غَيْرُ غَالِبٍ، هَذَا وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ الْمُصَحَّحَةِ (شَرْطَةً) بِفَتْحِ الشِّينِ، فَقَالَ السَّيِّدُ جَمَالُ الدِّينِ: اعْلَمْ أَنَّ لَفْظَ الشُّرْطَةِ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ: إِنْ كَانَ الشِّينُ فِيهَا مَفْتُوحَةً، فَمَعْنَاهُ يَشْتَرِطُونَ مَعَهُمْ شُرْطَةً وَاحِدَةً، وَمَعْنَى فَيْئِهِمَا زَوَالَهَا بِسَبَبِ دُخُولِ اللَّيْلِ، وَإِنْ كَانَتْ مَضْمُومَةً، فَالْمُرَادُ مِنْهَا طَائِفَةٌ هِيَ خِيَارُ الْجَيْشِ فَفِيهِ إِشْكَالٌ ; مِنْ حَيْثُ أَنَّ الشُّرْطَةَ إِذَا فَاءَتْ غَيْرَ غَالِبَةٍ لَمْ تَفْنَ، إِذْ لَوْ فَنِيَتْ غَيْرَ غَالِبَةٍ، فَكَيْفَ قَالَ: فَيَفِيءُ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ كُلٌّ غَيْرُ غَالِبٍ وَتَفْنَى الشُّرْطَةُ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: كَانَ مَعَ الشُّرْطَةِ جَمْعًا آخَرَ مِنَ الْجَيْشِ، وَهُمُ الرَّاجِعُونَ غَيْرُ غَالِبِينَ لَا الشُّرْطَةُ، أَوْ كَانَ سَائِرُ الْمُسْلِمِينَ فِي كُلِّ يَوْمٍ مَعَ الشُّرْطَةِ ذَلِكَ الْيَوْمَ فَالرَّاجِعُ سَائِرُهُمْ دُونَهَا اهـ. وَالْمُعْتَمَدُ مَا قَدَّمْنَاهُ، ثُمَّ يُؤَيِّدُ مَا قَدَّمْنَاهُ مَا ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ - ﵀ - حَيْثُ قَالَ فِي الْفَائِقِ: يُقَالُ: شَرَطَ نَفْسَهُ لِكَذَا إِذَا أَعْلَمَهَا لَهُ وَأَعَدَّهَا، فَحَذَفَ الْمَفْعُولَ، وَالشُّرَطُ نُخْبَةُ الْجَيْشِ وَصَاحِبُ رَايَتِهِمْ لَا النَّفَرُ الَّذِينَ تَقَدَّمُوا وَهُمُ الشُّرْطَةُ، وَقَوْلُهُ: فَيَتَشَرَّطُ فَإِنَّهُ فِي الْحَدِيثِ كَذَلِكَ اسْتَعْمَلَ تَشَرَّطَ مَكَانَ اشْتَرَطَ فُلَانٌ بِنَفْسِهِ لِأَمْرِ كَذَا أَيْ: قَدَّمَهَا
[ ٨ / ٣٤١٤ ]
وَأَعَدَّهَا وَأَعْلَمَهَا، وَلَوْ وُجِدَتِ الرِّوَايَةُ بِفَتْحِ الشِّينِ مِنَ الشَّرْطِ لَكَانَ مَعْنَاهَا أَوْضَحَ وَأَقْوَمَ مَعَ قَوْلِهِ: وَتَفْنَى الشُّرْطَةُ، أَيْ: يَشْتَرِطُونَ فِيمَا بَيْنَهُمْ شَرْطًا أَنْ لَا يَرْجِعُوا إِلَّا غَالِبَةً يَعْنِي يَوْمَهُمْ ذَلِكَ، فَإِذَا حَجَزَ بَيْنَهُمُ اللَّيْلُ ارْتَفَعَ الشَّرْطُ الَّذِي شَرَطُوهُ، وَإِنَّمَا أَدْخَلَ فِيهِ التَّاءَ لِتَدُلَّ عَلَى التَّوْحِيدِ، أَيْ: يَشْتَرِطُونَ شُرْطَةً وَاحِدَةً لَا مَثْنَوِيَّةَ فِيهَا، وَلَا نَعْرِفُ ذَلِكَ مِنْ طَرِيقِ الرِّوَايَةِ، فَقَالَ الطِّيبِيُّ - ﵀: إِذَا وُجِدَتِ الرِّوَايَةُ الصَّرِيحَةُ الصَّحِيحَةُ وَجَبَ الذَّهَابُ إِلَيْهَا، وَالِانْحِرَافُ عَنِ التَّحْرِيفِ مِنْ ضَمِّ الشِّينِ إِلَى فَتْحِهَا، وَالْتِزَامِ التَّكَلُّفِ فِي تَأْوِيلِ التَّاءِ، وَالْعُدُولِ عَنِ الْحَقِيقَةِ فِي نَفْيِ الشُّرْطَةِ إِلَى ذَلِكَ الْمَجَازِ الْبَعِيدِ، وَأَيُّ مَانِعٍ مِنْ أَنْ يُفْرَضَ أَنَّ الْفِئَةَ الْعَظِيمَةَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ أَفْرَزُوا مِنْ بَيْنِهِمْ طَائِفَةً تَتَقَدَّمُ الْجَيْشَ لِلْمُقَاتَلَةِ، وَاشْتَرَطُوا عَلَيْهَا أَنْ لَا تَرْجِعَ إِلَّا غَالِبَةً ; فَلِذَلِكَ بَذَلُوا جُهْدَهُمْ، وَصَدَقُوا فِيمَا عَاهَدُوا وَقَاتَلُوا حَتَّى قُتِلُوا عَنْ آخِرِهِمْ، وَهُوَ الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ: وَتَفْنَى الشُّرْطَةُ. قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: قَدْ شَرَطَ عَلَيْهِ كَذَا، وَاشْتَرَطَ عَلَيْهِ وَشَرَطَ، وَقَوْلُهُ: فَيَفِيءُ هَؤُلَاءِ، الْمُرَادُ مِنْهُ الْفِئَتَانِ الْعَظِيمَتَانِ لَا الشُّرْطَةُ.
(ثُمَّ يَتَشَرَّطُ الْمُسْلِمُونَ شُرْطَةً) أَيْ: أُخْرَى (لِلْمَوْتِ لَا تَرْجِعُ إِلَّا غَالِبَةً فَيَقْتَتِلُونَ، حَتَّى يَحْجِزَ بَيْنَهُمُ اللَّيْلُ، فَيَفِيءُ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ، كُلٌّ غَيْرُ غَالِبٍ، وَتَفْنَى الشُّرْطَةُ ثُمَّ يَتَشَرَّطُ الْمُسْلِمُونَ شُرْطَةً) أَيْ: ثَالِثَةٌ (لِلْمَوْتِ لَا تَرْجِعُ إِلَّا غَالِبَةً، فَيَقْتَتِلُونَ حَتَّى يُمْسُوا) أَيْ: يَدْخُلُوا فِي الْمَسَاءِ بِأَنْ يَدْخُلَ اللَّيْلُ، فَفِي الْعِبَارَةِ تَفَنُّنٌ، (فَيَفِيءُ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ، كُلٌّ غَيْرُ غَالِبٍ وَتَفْنَى الشُّرْطَةُ فَإِذَا كَانَ يَوْمُ الرَّابِعِ نَهَدَ إِلَيْهِمْ) أَيْ: نَهَضَ وَقَامَ وَقَصَدَ إِلَى قِتَالِهِمْ (بَقِيَّةُ أَهْلِ الْإِسْلَامِ فَيَجْعَلُ اللَّهُ الدَّبْرَةَ): بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَالْمُوَحَّدَةِ اسْمٌ مِنَ الْإِدْبَارِ، وَرُوِيَ الدَّابِرُ وَهُوَ بِمَعْنَى الْأَوَّلِ، أَيِ: الْهَزِيمَةُ (عَلَيْهِمْ) أَيْ: عَلَى الْكُفَّارِ، وَقَالَ شَارِحٌ: أَيْ: عَلَى الرُّومِ، (فَيَقْتَتِلُونَ): مِنْ بَابِ الِافْتِعَالِ، هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ الْمَوْجُودُ فِي أَكْثَرِ النُّسَخِ الْمُعْتَمَدَةِ، وَفِي نُسْخَةٍ: فَيُقْتَلُونَ بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ مِنَ الثُّلَاثِيِّ، وَهَذَا مَبْنِيٌّ لِمَا تُوُهِّمَ مِنْ أَنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: فَيَجْعَلُ اللَّهُ، وَالْحَالُ أَنَّ الْأَمْرَ خِلَافُ ذَلِكَ، بَلْ هُوَ مُتَعَلِّقٌ بِمَجْمُوعِ مَا تَقَدَّمَ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ، وَقَوْلُهُ: (مَقْتَلَةً) مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ مِنْ غَيْرِ بَابِهِ أَوْ بِحَذْفِ زَوَائِدِهِ، وَنَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا﴾ [نوح: ١٧]، وَالْمَعْنَى مُقَاتَلَةٌ عَظِيمَةٌ، (لَمْ يُرَ) أَيْ: لَمْ يُبْصَرْ أَوْ لَمْ يُعْرَفْ (مِثْلُهَا، حَتَّى إِنَّ الطَّائِرَ) بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَتُفَتَحُ (لَيَمُرُّ) أَيْ: لَيُرِيدُ الْمُرُورَ (بِجَنْبَاتِهِمْ): بِجِيمٍ فَنُونٍ مَفْتُوحَتَيْنِ فَمُوَحَّدَةٍ، أَيْ: بِنَوَاحِيهِمْ (فَلَا)، وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ فَمَا (يُخَلِّفُهُمْ): بِكَسْرِ اللَّامِ الْمُشَدَّدَةِ مِنْ خَلَّفْتُ فُلَانًا وَرَائِي إِذَا جَعَلْتَهُ مُتَأَخِّرًا عَنْكَ، وَالْمَعْنَى: فَلَا يُجَاوِزُهُمْ (حَتَّى يَخِرَّ): بِكَسْرِ مُعْجَمَةٍ وَتَشْدِيدِ رَاءٍ أَيْ: حَتَّى يَسْقُطَ الطَّائِرُ (مَيِّتًا): بِتَشْدِيدِ التَّحْتِيَّةِ وَيُخَفَّفُ. قَالَ الْمُظْهِرُ: يَعْنِي يَطِيرُ الطَّائِرُ عَلَى أُولَئِكَ الْمَوْتَى، فَمَا وَصَلَ إِلَى آخِرِهِمْ حَتَّى يَخِرَّ وَيَسْقُطَ مَيِّتًا مِنْ نَتْنِهِمْ، أَوْ مِنْ طُولِ مَسَافَةِ مَسْقَطِ الْمَوْتَى. وَقَالَ الطِّيبِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: وَالْمَعْنَى الثَّانِي يَنْظُرُ إِلَى قَوْلِ الْبُحْتُرِيَّ فِي وَصْفِ بِرْكَةٍ:
لَا يَبْلُغُ السَّمَكُ الْمَحْصُورُ غَايَتَهَا
لِبُعْدِ مَا بَيْنَ قَاصِيهَا وَدَانِيهَا
(فَيَتَعَادَّ): بِصِيغَةِ الْمَعْلُومِ، وَقِيلَ بِالْمَجْهُولِ مِنْ بَابِ التَّفَاعُلِ، وَالْمَعْنَى: يَعُدُّ (بَنُو الْأَبِ) أَيْ: جَمَاعَةٌ حَضَرُوا تِلْكَ الْحَرْبَ كُلُّهُمْ أَقَارِبُ (كَانُوا مِائَةً فَلَا يَجِدُونَهُ): الضَّمِيرُ الْمَنْصُوبُ لِمِائَةٍ بِتَأْوِيلِ الْمَعْدُودِ أَوِ الْعَدَدِ، أَيْ: فَلَا يَجِدُونَ عَدَدَهُمْ، أَوْ لِبَنِي الْأَبِ ; لِأَنَّهُ لَيْسَ بِجَمْعٍ حَقِيقَةً لَفْظًا، بَلْ مَعْنًى، كَذَا قِيلَ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ بَنِي الْأَبِ بِمَعْنَى الْقَوْمِ، وَالْقَوْمُ مُفْرَدًا لِلَّفْظِ جَمْعَ الْمَعْنَى، فَرُوعِيَ كُلٌّ مِنْهُمَا حَيْثُ قَالَ: فَلَا يَجِدُونَهُ (بَقِيَ مِنْهُمْ إِلَّا الرَّجُلُ الْوَاحِدُ):
[ ٨ / ٣٤١٥ ]
وَخُلَاصَةُ الْمَعْنَى: أَنَّهُمْ يَشْرَعُونَ فِي عَدِّ أَنْفُسِهِمْ، فَيَشْرَعُ كُلُّ جَمَاعَةٍ فِي عَدِّ أَقَارِبِهِمْ، فَلَا يَجِدُونَ مِنْ مِائَةٍ إِلَّا وَاحِدًا، وَزِيدَتُهُ أَنَّهُ لَمْ يَبْقَ مِنْ مِائَةٍ إِلَّا وَاحِدًا، (فَبِأَيِّ غَنِيمَةٍ يُفْرَحُ): الْفَاءُ تَفْرِيعِيَّةٌ أَوْ فَصِيحَةٌ. قَالَ الطِّيبِيُّ - ﵀: هُوَ جَزَاءُ شَرْطٍ مَحْذُوفٍ أُبْهِمَ أَوَّلًا فِي قَوْلِهِ - ﷺ: «إِنَّ السَّاعَةَ لَا تَقُومُ حَتَّى لَا يُقَسَّمَ مِيرَاثٌ وَلَا يُفْرَحَ بِغَنِيمَةٍ» ; حَيْثُ أَطْلَقُهُ ثُمَّ بَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ: عَدُوٌّ إِلَخْ، بِأَنَّ ذَلِكَ مُقَيَّدٌ بِهَذِهِ الصِّفَةِ، فَحِينَئِذٍ يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ: فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَبِأَيِّ غَنِيمَةٍ يُفْرَحُ (أَوْ أَيُّ مِيرَاثٍ): الظَّاهِرُ أَنَّهُ بِالرَّفْعِ أَيْ فَأَيُّ مِيرَاثٍ (يُقَسَّمُ؟): وَأَوْ لِلتَّنْوِيعِ، وَفِي النُّسَخِ بِالْجَرِّ، فَالْمَعْنَى: فَبِأَيِّ مِيرَاثٍ تَقَعُ الْقِسْمَةُ؟ وَتَأْخِيرُ الْمِيرَاثِ مَعَ تَقَدُّمِهِ سَابِقًا نَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ﴾ [آل عمران: ١٠٦] الْآيَةَ. (فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ إِذْ سَمِعُوا) أَيِ: الْمُسْلِمُونَ (بِبَأْسٍ): بِمُوَحَّدَةٍ وَهَمْزَةٍ سَاكِنَةٍ وَيُبَدَّلُ، أَيْ: بِحَرْبٍ شَدِيدٍ، (هُوَ أَكْبَرُ) أَيْ: أَعْظَمُ (مِنْ ذَلِكَ) أَيْ: مِمَّا سَبَقَ، وَالْمُرَادُ بِالْبَأْسِ أَهْلُهُ بِارْتِكَابِ أَحَدِ الْمَجَازَيْنِ الْمَشْهُورَيْنِ (فَجَاءَهُمْ) أَيِ: الْمُسْلِمِينَ (الصَّرِيخُ): فَعِيلٌ مِنَ الصُّرَاخِ، وَهُوَ الصَّوْتُ، أَيْ: صَوْتُ الْمُسْتَصْرِخِ وَهُوَ الْمُسْتَغِيثُ (أَنَّ الدَّجَّالَ): بِفَتْحِ أَنَّ وَيُكْسَرُ (قَدْ خَلَفَهُمْ): بِتَخْفِيفِ اللَّامِ أَيْ: قَعَدَ مَكَانَهُمْ (فِي ذَرَارِيِّهِمْ): بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ أَيْ: أَوْلَادِهِمْ، وَفِي رِوَايَةٍ: فِي أَهْلِيهِمْ (فَيَرْفُضُونَ): بِضَمِّ الْفَاءِ أَيْ: فَيَتْرُكُونَ وَيُلْقُونَ (مَا فِي أَيْدِيهِمْ) أَيْ: مِنَ الْغَنِيمَةِ وَسَائِرِ الْأَمْوَالِ فَزَعًا عَلَى الْأَهْلِ وَالْعِيَالِ (وَيُقْبِلُونَ): مِنَ الْإِقْبَالِ أَيْ: وَيَتَوَجَّهُونَ إِلَى الدَّجَّالِ (فَيَبْعَثُونَ) أَيْ: يُرْسِلُونَ (عَشْرَ فَوَارِسَ): جَمْعُ فَارِسٍ أَيْ: رَاكِبُ فَرَسٍ (طَلِيعَةً): وَهُوَ مَنْ يُبْعَثُ لِيَطَّلِعَ عَلَى حَالِ الْعَدُوِّ، كَالْجَاسُوسِ، فَعِيلَةٌ بِمَعْنَى فَاعِلَةٍ يَسْتَوِي فِيهِ الْوَاحِدُ وَالْجَمْعُ، وَإِنَّمَا قَالَ: عَشْرٌ نَظَرًا إِلَى أَنَّ الْفَوَارِسَ طَلَائِعُ.
(قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: " إِنِّي لَأَعْرِفُ أَسْمَاءَهُمْ ") أَيِ: الْعِشْرَةُ (" وَأَسْمَاءَ آبَائِهِمْ، وَأَلْوَانَ خُيُولِهِمْ "): فِيهِ مَعَ كَوْنِهِ مِنَ الْمُعْجِزَاتِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ عِلْمَهُ تَعَالَى مُحِيطٌ لِلْكُلِّيَّاتِ وَالْجُزْئِيَّاتِ مِنَ الْكَائِنَاتِ وَغَيْرِهَا (" هُمْ خَيْرُ فَوَارِسَ، أَوْ مِنْ خَيْرِ فَوَارِسَ): ظَاهِرُهُ أَنَّهُ شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي (" عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ ": احْتِرَازٌ مِنَ الْمَلَائِكَةِ (" يَوْمَئِذٍ ") أَيْ: حِينَئِذٍ، وَهُوَ احْتِرَازٌ مِنَ الْعَشَرَةِ الْمُبَشَّرَةِ وَأَمْثَالِهِمْ (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
[ ٨ / ٣٤١٦ ]
٥٤٢٣ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: " «هَلْ سَمِعْتُمْ بِمَدِينَةٍ، جَانِبٌ مِنْهَا فِي الْبَرِّ، وَجَانِبٌ مِنْهَا فِي الْبَحْرِ؟ " قَالُوا: " نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ! قَالَ: " لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَغْزُوَهَا سَبْعُونَ أَلْفًا مِنْ بَنِي إِسْحَاقَ، فَإِذَا جَاءُوهَا نَزَلُوا، فَلَمْ يُقَاتِلُوا بِسِلَاحٍ، وَلَمْ يَرْمُوا بِسَهْمٍ، قَالُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ، فَيَسْقُطُ أَحَدُ جَانِبَيْهَا "، قَالَ ثَوْرُ بْنُ زَيْدٍ الرَّاوِي: لَا أَعْلَمُهُ إِلَّا قَالَ: الَّذِي فِي الْبَحْرِ، ثُمَّ يَقُولُونَ الثَّانِيَةَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ، فَيَسْقُطُ جَانِبُهَا الْآخَرُ، ثُمَّ يَقُولُونَ الثَّالِثَةَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ، فَيُفَرَّجُ لَهُمْ فَيَدْخُلُونَهَا فَيَغْنَمُونَ، فَبَيْنَمَا هُمْ يَقْتَسِمُونَ الْمَغَانِمَ إِذْ جَاءَهُمُ الصَّرِيخُ، فَقَالَ: إِنَّ الدَّجَّالَ قَدْ خَرَجَ، فَيَتْرُكُونَ كُلَّ شَيْءٍ وَيَرْجِعُونَ» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
_________________
(١) (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: " هَلْ سَمِعْتُمْ بِمَدِينَةٍ، جَانِبٌ مِنْهَا فِي الْبَرِّ وَجَانِبٌ مِنْهَا فِي الْبَحْرِ؟ " قَالُوا: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ)، قَالَ شَارِحٌ: هَذِهِ الْمَدِينَةُ فِي الرُّومِ، وَقِيلَ الظَّاهِرُ أَنَّهَا قُسْطَنْطِينِيَّةُ، فَفِي الْقَامُوسِ: هِيَ دَارُ مَلِكِ الرُّومِ، وَفَتْحُهَا مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ وَتُسَمَّى بِالرُّومِيَّةِ بُورِنْطِيَا، وَارْتِفَاعُ سُورِهَا أَحَدٌ وَعِشْرُونَ ذِرَاعًا، وَكَنِيسَتُهَا مُسْتَطِيلَةٌ، وَبِجَانِبِهَا عَمُودٌ عَالٍ فِي دَوْرِ أَرْبَعَةِ أَبْوَاعَ تَقْرِيبًا، وَفِي رَأْسِهِ فَرَسٌ مِنْ نُحَاسٍ وَعَلَيْهِ فَارِسٌ، وَفِي إِحْدَى يَدَيْهِ كُرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ، وَقَدْ فَتَحَ أَصَابِعَ يَدِهِ الْأُخْرَى مُشِيرًا بِهَا، وَهُوَ صُورَةُ قُسْطَنْطِينَ بَانِيهَا اهـ. وَيُحْتَمَلُ أَنَّهَا مَدِينَةٌ غَيْرُهَا، بَلْ هُوَ الظَّاهِرُ ; لِأَنَّ قُسْطَنْطِينِيَّةَ تُفْتَحُ بِالْقِتَالِ الْكَثِيرِ، وَهَذِهِ الْمَدِينَةُ تُفْتَحُ بِمُجَرَّدِ التَّهْلِيلِ وَالتَّكْبِيرِ، (قَالَ: " لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَغْزُوَهَا سَبْعُونَ أَلْفًا مِنْ بَنِي إِسْحَاقَ "): قَالَ الْمُظْهِرُ: مِنْ أَكْرَادِ الشَّامِ، هُمْ مِنْ بَنِي إِسْحَاقَ النَّبِيِّ - ﵊ - وَهُمْ مُسْلِمُونَ اهـ. وَهُوَ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَعَهُمْ غَيْرُهُمْ مِنْ بَنِي
[ ٨ / ٣٤١٦ ]
إِسْمَاعِيلَ، وَهُمُ الْعَرَبُ أَوْ غَيْرُهُمْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَاقْتَصَرَ عَلَى ذِكْرِهِمْ تَغْلِيبًا لَهُمْ عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْأَمْرُ مُخْتَصًّا بِهِمْ، (" فَإِذَا جَاءُوهَا ") أَيِ: الْمَدِينَةَ (" نَزَلُوا ") أَيْ: حَوَالَيْهَا مُحَاصِرِينَ أَهْلَهَا (" فَلَمْ يُقَاتِلُوا بِسِلَاحٍ، وَلَمْ يَرْمُوا بِسَهْمٍ "): تَخْصِيصٌ بَعْدَ تَعْمِيمٍ لِتَأْكِيدِ إِفَادَةِ عُمُومِ النَّفْيِ، (" قَالُوا "): اسْتِئْنَافٌ أَوْ حَالٌ (" لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ، فَيَسْقُطُ ") بِصِيغَةِ الْمُضَارِعِ (أَحَدُ جَانِبَيْهَا أَيْ: أَحَدُ طَرَفَيْ سُورِ الْمَدِينَةِ (قَالَ ثَوْرُ بْنُ يَزِيدَ الرَّاوِي)، قَالَ الْمُؤَلِّفُ فِي فَصْلِ التَّابِعِينَ: هُوَ كَلَاعِيٌّ شَامِيٌّ حِمْصِيٌّ، سَمِعَ خَالِدَ بْنَ مَعْدَانَ، رَوَى عَنْهُ الثَّوْرِيُّ وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، لَهُ ذِكْرٌ فِي بَابِ الْمَلَاحِمَ.
(لَا أَعْلَمْهُ) أَيْ: لَا أَظُنُّ أَبَا هُرَيْرَةَ (إِلَّا قَالَ: " الَّذِي فِي الْبَحْرِ "): أَحَدُ جَانِبَيْهَا الَّذِي فِي الْبَحْرِ، وَالْمَعْنَى: لَكِنِّي لَا أَجْزِمُهُ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ هَذَا مِنْهُ رَدًّا عَلَى مَنْ نَازَعَهُ مِمَّنْ سَمِعَ الْحَدِيثَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِغَيْرِ هَذَا الْقَيْدِ، وَبِهَذَا يَنْدَفِعُ مَا قَالَ الطِّيبِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى.
هَذَا إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ مَا وَقَعَ فِي نُسَخِ الْمَصَابِيحِ مِنْ قَوْلِهِ: الَّذِي فِي الْبَحْرِ مُدْرَجٌ مِنْ قَوْلِ الرَّاوِي.
(" ثُمَّ يَقُولُونَ ") أَيِ: الْمُسْلِمُونَ (" الثَّانِيَةَ ") أَيِ: الْكَرَّةَ الثَّانِيَةَ (" لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ، فَسَقَطَ "): بِصِيغَةِ الْمَاضِي تَفَنُّنًا وَتَحَقُّقًا (" جَانِبُهَا الْآخَرُ ") أَيِ: الَّذِي فِي الْبَرِّ (" ثُمَّ يَقُولُونَ الثَّالِثَةَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ، فَيُفَرَّجُ "): بِتَشْدِيدِ الرَّاءِ الْمَفْتُوحَةِ أَيْ: فَيُفْتَحُ (" لَهُمْ ")، وَالظَّرْفُ نَائِبُ الْفَاعِلِ، (" فَيَدْخُلُونَهَا فَيَغْنَمُونَ ") أَيْ: مَا فِيهَا (" فَبَيْنَمَا هُمْ يَقْتَسِمُونَ الْمَغَانِمَ ") أَيْ: يُرِيدُونَ الِاقْتِسَامَ وَيَشْرَعُونَ فِيهِ (" إِذْ جَاءَهُمُ الصَّرِيخُ، فَقَالَ: إِنَّ الدَّجَّالَ قَدْ خَرَجَ، فَيَتْرُكُونَ كُلَّ شَيْءٍ ") أَيْ: مِنَ الْمَغَانِمِ وَغَيْرِهَا مِنَ الْأَنْفَالِ (وَيَرْجِعُونَ) أَيْ: سَرِيعًا لِمُقَابَلَةِ الدَّجَّالِ، وَمُسَاعَدَةِ الْأَهْلِ وَالْعِيَالِ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
[ ٨ / ٣٤١٧ ]
الْفَصْلُ الثَّانِي
٥٤٢٤ - عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: " «عُمْرَانُ بَيْتِ الْمَقْدِسِ خَرَابُ يَثْرِبَ، وَخَرَابُ يَثْرِبَ خُرُوجُ الْمَلْحَمَةِ، وَخُرُوجُ الْمَلْحَمَةِ فَتْحُ قُسْطَنْطِينِيَّةَ، وَفَتْحُ قُسْطَنْطِينِيَّةَ خُرُوجُ الدَّجَّالِ» ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
_________________
(١) الْفَصْلُ الثَّانِي
(٢) (عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: " عُمْرَانُ بَيْتِ الْمَقْدِسِ "): بِالتَّخْفِيفِ وَتُشَدَّدُ، وَعُمْرَانُهُ بِضَمِّ الْعَيْنِ وَسُكُونِ الْمِيمِ أَيْ: عِمَارَتُهُ بِكَثْرَةِ الرِّجَالِ وَالْعَقَارِ وَالْمَالِ (" خَرَابُ يَثْرِبَ ") أَيْ: وَقْتَ خَرَابِ الْمَدِينَةِ ; قِيلَ: لِأَنَّ عُمْرَانَهُ بِاسْتِيلَاءِ الْكُفَّارِ، وَفِي الْأَزْهَارِ، قَالَ بَعْضُ الشَّارِحِينَ: الْمُرَادُ بِعُمْرَانَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ عُمْرَانُهُ بَعْدَ خَرَابِهِ، فَإِنَّهُ يُخَرَّبُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ، ثُمَّ يُعَمِّرُهُ الْكُفَّارُ، وَالْأَصَحُّ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْعُمْرَانِ الْكَمَالُ فِي الْعِمَارَةِ، أَيْ: عُمْرَانُ بَيْتِ الْمَقْدِسِ كَامِلًا مُجَاوِزًا عَنِ الْحَدِّ وَقْتَ خَرَابِ يَثْرِبَ، فَإِنَّ بَيْتَ الْمَقْدِسِ لَا يُخَرَّبُ. قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: وَأَمَّا الْآنَ فَقَدْ عَمَّرَهُ السُّلْطَانُ الْمَلِكُ النَّاصِرُ، وَاسْتَخْرَجَ فِيهِ الْعُيُونَ، وَأَجْرَى فِيهِ الْمِيَاهَ جَزَاهُ اللَّهُ خَيْرًا. قُلْتُ: وَزَادَ بَنُو عُثْمَانَ - حَفِظَهُمُ اللَّهُ مِنْ آفَاتِ الدَّوَرَانِ - فِي عِمَارَتِهِ وَأَرْزَاقِهِ وَتَكِيَّاتِهِ، لَكِنَّهُ مَعَ هَذَا لَمْ يَبْلُغْ عِمَارَةَ الْمَدِينَةِ الْمُعَطَّرَةِ، (" وَخَرَابُ يَثْرِبَ خُرُوجُ الْمَلْحَمَةِ ") أَيْ: ظُهُورُ الْحَرْبِ الْعَظِيمِ. قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: قِيلَ: بَيْنَ أَهْلِ الشَّامِ وَالرُّومِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يَكُونُ بَيْنَ تَاتَارَ وَالشَّامِ. قُلْتُ: الْأَظْهَرُ هُوَ الْأَوَّلُ ; لِمَا فِي الْحَدِيثِ السَّابِقِ ; وَلِمَا سَيَأْتِي فِي الْحَدِيثِ اللَّاحِقِ ; وَلِقَوْلِهِ: (" وَخُرُوجُ الْمَلْحَمَةِ فَتْحُ قُسْطَنْطِينِيَّةَ، وَفَتْحُ قُسْطَنْطِينِيَّةَ "): وَفِي نُسْخَةٍ بِالتَّعْرِيفِ (" خُرُوجُ الدَّجَّالِ ") .
[ ٨ / ٣٤١٧ ]
قَالَ الْأَشْرَفُ: لَمَّا كَانَ بَيْتُ الْمَقْدِسِ بِاسْتِيلَاءِ الْكُفَّارِ عَلَيْهِ، وَكَثْرَةِ عِمَارَتِهِمْ فِيهِ أَمَارَةٌ مُسْتَعْقِبَةٌ بِخَرَابِ يَثْرِبَ، وَهُوَ أَمَارَةٌ مُسْتَعْقِبَةٌ بِخُرُوجِ الْمَلْحَمَةِ، وَهُوَ أَمَارَةٌ مُسْتَعْقِبَةٌ بِفَتْحِ قُسْطَنْطِينِيَّةَ، وَهُوَ أَمَارَةٌ مُسْتَعْقِبَةٌ بِخُرُوجِ الدَّجَّالِ، جَعَلَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كُلَّ وَاحِدٍ عَيْنَ مَا بَعْدَهُ وَعَبَّرَ بِهِ عَنْهُ اهـ. وَخُلَاصَتُهُ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الْأُمُورِ أَمَارَةٌ لِوُقُوعٍ مَا بَعْدَهُ، وَإِنْ وَقَعَ هُنَاكَ مُهْلَةٌ.
قَالَ الطِّيبِيُّ - ﵀: فَإِنْ قُلْتَ: قَالَ هَنَا فَتْحُ الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ خُرُوجُ الدَّجَّالِ، وَفِي الْحَدِيثِ السَّابِقِ: إِذْ صَاحَ فِيهِمُ الشَّيْطَانُ: إِنَّ الْمَسِيحَ قَدْ خَلَفَكُمْ فِي أَهْلِيكُمْ فَيَخْرُجُونَ، وَذَلِكَ بَاطِلٌ، فَكَيْفَ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا؟ قُلْتُ: إِنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَعَلَ الْفَتْحَ عَلَامَةً لِخُرُوجِ الدَّجَّالِ، لَا أَنَّهَا مُسْتَعْقِبَةٌ لَهُ مِنْ غَيْرِ تَرَاخٍ، وَصُرَاخُ الشَّيْطَانِ كَانَ لِلْإِيذَانِ بِأَنَّهُ وَاقِعٌ لِيَشْتَغِلُوا عَنِ الْقَسْمِ، وَكَانَ بَاطِلًا يَدُلُّ عَلَيْهِ الْحَدِيثُ الْآتِي: الْمَلْحَمَةُ الْعُظْمَى وَفَتْحُ الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ، وَخُرُوجُ الدَّجَّالِ فِي سَبْعَةِ أَشْهُرٍ، وَالتَّعْرِيفُ فِي الصَّارِخِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ لِلْعَهْدِ وَالْمَعْهُودُ الشَّيْطَانُ.
أَقُولُ: وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ الْقَضِيَّةَ مُتَعَدِّدَةٌ، وَأَنَّ الْمُسْلِمِينَ كَانُوا مُتَفَرِّقِينَ، وَأَنَّ الْمَدِينَةَ غَيْرُ الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ، إِذْ قِصَّةُ الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ كَانَتْ بِالْمُقَاتَلَةِ، وَفَتْحُ الْمَدِينَةِ إِنَّمَا هُوَ بِالتَّهْلِيلِ وَالتَّكْبِيرِ مِنْ غَيْرِ الْمُحَارِبَةِ، فَحِينَئِذٍ يُحْمَلُ صَرِيخُ الشَّيْطَانِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى غُزَاةِ قُسْطَنْطِينِيَّةَ، وَصَرِيخُ الْمُسْلِمِينَ إِلَى أَصْحَابِ فَتْحِ الْمَدِينَةِ، وَإِنَّ كُلًّا مِنَ الْفَرِيقَيْنِ تَرَكُوا الْغَنَائِمَ وَتَوَجَّهُوا إِلَى قِتَالِ الدَّجَّالِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِالْحَالِ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) أَيْ: وَسَكَتَ عَلَيْهِ، كَمَا ذَكَرَهُ مِيرَكُ، وَرَوَاهُ أَحْمَدُ عَنْ مُعَاذٍ أَيْضًا.
[ ٨ / ٣٤١٨ ]
٥٤٢٥ - وَعَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: " «الْمَلْحَمَةُ الْعُظْمَى وَفَتْحُ الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ وَخُرُوجُ الدَّجَّالِ فِي سَبْعَةِ أَشْهُرٍ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ.
_________________
(١) (وَعَنْهُ) أَيْ: عَنْ مُعَاذٍ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: " الْمَلْحَمَةُ الْعُظْمَى ")، وَفِي الْجَامِعِ: الْمَلْحَمَةُ الْكُبْرَى، قِيلَ: هِيَ الَّتِي يَتَعَادَّ فِيهَا بَنُو الْأَبِ، وَلَا يَجِدُونَ مِنْ مِائَةٍ إِلَّا وَاحِدًا كَمَا مَرَّ، لَكِنَّ الْأَظْهَرَ أَنَّ الْمُرَادَ بِهَا فَتْحُ الْمَدِينَةِ ; حَيْثُ فُتِحَتْ بِعَظَمَةِ أَسْمَاءِ اللَّهِ الْحُسْنَى ; وَلِذَا صَحَّ عَطْفُ قَوْلِهِ: (" وَفَتْحُ الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ ") وَهِيَ بِلَامِ التَّعْرِيفِ هُنَا، إِذِ الْأَصْلُ فِي الْعَطْفِ التَّغَايُرُ مَعَ انْضِمَامِهِ إِلَى التَّبَادُرِ، (" وَخُرُوجُ الدَّجَّالِ فِي سَبْعَةِ أَشْهُرٍ ") أَيْ: بِاعْتِبَارِ تَوَجُّهِ الْمُسْلِمِينَ إِلَى الْبَلْدَتَيْنِ، وَظُهُورِ الدَّجَّالِ، وَأَمَّا بِاعْتِبَارِ فَتَحِهِمَا فَهُوَ مُتَعَاقِبٌ لَهُمَا مِنْ غَيْرِ تَرَاخٍ بَيْنَهُمَا. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ)، وَكَذَا ابْنُ مَاجَهْ. ذِكْرُهُ السَّيِّدُ جَمَالُ الدِّينِ ﵀، وَفِي الْجَامِعِ: رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَالْحَاكِمُ.
[ ٨ / ٣٤١٨ ]
٥٤٢٦ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُسْرٍ - ﵁ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: " «بَيْنَ الْمَلْحَمَةِ وَفَتْحِ الْمَدِينَةِ سِتُّ سِنِينَ، وَيَخْرُجُ الدَّجَّالُ فِي السَّابِعَةِ» ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَقَالَ: هَذَا أَصَحُّ.
_________________
(١) (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُسْرٍ): بِضَمِّ مُوَحَّدَةٍ وَسُكُونِ مُهْمَلَةٍ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: " بَيْنَ الْمَلْحَمَةِ وَفَتْحِ الْمَدِينَةِ "): أَرَادَ بِأَحَدِهِمَا الْمَدِينَةَ السَّابِقَةَ، وَبِالْأُخْرَى الْقُسْطَنْطِينِيَّةَ، وَهَذَا نَصٌّ فِي الْمُغَايَرَةِ بَيْنَهُمَا، وَقَوْلُهُ: (" سِتُّ سِنِينَ ") مُشْكِلٌ مُخَالِفٌ لِمَا تَقَدَّمَ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ اللَّامُ فِي الْمَلْحَمَةِ غَيْرُ الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ مِنْ سَائِرِ الْمَلَاحِمِ، فَاللَّامُ لِلْعَهْدِ بِالنَّظَرِ إِلَى مَلْحَمَةٍ سَابِقِةٍ ; وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَنَّهَا مَا وُصِفَتْ بِالْعُظْمَى وَنَحْوَهُ. (" وَيَخْرُجُ الدَّجَّالُ فِي السَّابِعَةِ ") أَيْ: فِي السَّنَةِ السَّابِعَةِ فِي آخِرِ السَّادِسَةِ الَّتِي فِيهَا فَتْحُ الْمَدِينَةِ، وَأَوَّلِ السَّابِعَةِ الَّتِي رَجَعَ الْمُسْلِمُونَ عَنْهَا إِلَى الدَّجَّالِ، وَأَمَّا مَا قِيلَ مِنْ أَنَّهُ لَا يَبْعُدُ مِنْ أَنْ يُشْتَبَهَ سَبْعُ سِنِينَ سَبْعَةَ أَشْهُرٍ، فَفِي غَايَةٍ مِنَ الْبُعْدِ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ)، وَكَذَا ابْنُ مَاجَهْ، (وَقَالَ: هَذَا أَصَحُّ) أَيْ: مِنَ الْحَدِيثِ السَّابِقِ، فَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ التَّعَارُضَ ثَابِتٌ وَالْجَمْعُ مُمْتَنِعٌ، وَالْأَصَحُّ هُوَ الْمَرْجِعُ، وَحَاصِلُهُ أَنَّ بَيْنَ الْمَلْحَمَةِ الْعُظْمَى، وَبَيْنَ خُرُوجِ الدَّجَّالِ سَبْعُ سِنِينَ أَصَحُّ مِنْ سَبْعَةِ أَشْهُرٍ.
[ ٨ / ٣٤١٨ ]
٥٤٢٧ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ - ﵄ - قَالَ: «يُوشِكُ الْمُسْلِمُونَ أَنْ يُحَاصَرُوا إِلَى الْمَدِينَةِ، حَتَّى يَكُونَ أَبْعَدَ مَسَالِحِهِمْ سَلَاحٌ وَسَلَاحٌ: قَرِيبٌ مِنْ خَيْبَرَ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
_________________
(١) (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: يُوشِكُ الْمُسْلِمُونَ أَنْ يُحَاصَرُوا) عَلَى بِنَاءِ الْمَجْهُولِ أَيْ يُحْبَسُوا وَيُضْطَرُّوا وَيَلْتَجِئُوا (إِلَى الْمَدِينَةِ) أَيْ: مَدِينَةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِمُحَاصَرَةِ الْعَدُوِّ إِيَّاهُمْ، أَوْ يَفِرُّ الْمُسْلِمُونَ مِنَ الْكُفَّارِ، وَيَجْتَمِعُونَ بَيْنَ الْمَدِينَةِ وَسَلَاحٍ، وَهُوَ مَوْضِعٌ قَرِيبٌ مِنْ خَيْبَرَ، أَوْ بَعْضُهُمْ دَخَلُوا فِي حِصْنِ الْمَدِينَةِ، وَبَعْضُهُمْ ثَبَتُوا حَوَالَيْهَا احْتِرَاسًا عَلَيْهَا، وَهَذَا الْمَعْنَى أَظْهَرُ بِقَوْلِهِ: (حَتَّى يَكُونَ أَبْعَدَ مَسَالِحِهِمْ) بِفَتْحِ الْمِيمِ (سَلَاحٌ) بِفَتْحِ السِّينِ، وَقَدْ ضُبِطَ بِرَفْعِهِ مَضْمُومًا عَلَى أَنَّهُ اسْمٌ مُؤَخَّرٌ، وَالْخَبَرُ قَوْلُهُ: أَبْعَدُ، وَفِي نُسْخَةٍ بِرَفْعِهِ مُنُوَّنًا، وَفِي أُخْرَى بِكَسْرِ الْحَاءِ، فَفِي الْقَامُوسِ: سَلَاحٌ كَسَحَابٍ وَقَطَامَ مَوْضِعٌ أَسْفَلَ خَيْبَرَ، وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: سَلَاحٌ هُوَ مُنَوَّنٌ فِي نُسْخَةٍ، وَبُنِيَ عَلَى الْكَسْرِ فِي أُخْرَى، وَقِيلَ: مَبْنِيٌّ عَلَى الْكَسْرِ فِي الْحِجَازِ غَيْرُ مُنْصَرِفٍ فِي بَنِي تَمِيمٍ، ثُمَّ فِي النِّهَايَةِ الْمَسَالِحُ: جَمْعُ الْمُسَلَّحِ، وَالْمُسَلَّحَةُ الْقَوْمُ الَّذِينَ يَحْفَظُونَ الثُّغُورَ مِنَ الْعَدُوِّ، وَسُمُّوا مُسَلَّحَةً لِأَنَّهُمْ يَكُونُونَ ذَوِي سِلَاحٍ، أَوْ لِأَنَّهُمْ يَسْكُنُونَ الْمَسْلَحَةَ، وَهِيَ كَالثَّغْرِ، وَالْمَرْقَبُ يَكُونُ فِيهِ أَقْوَامٌ يَرْقُبُونَ الْعَدُوَّ ; لِئَلَّا يَطْرُقَهُمْ عَلَى غَفْلَةٍ، فَإِذَا رَأَوْا أَعْلَمُوا أَصْحَابَهُمْ ; لِيَتَأَهَّبُوا لَهُ. (وَسَلَاحٌ: قَرِيبٌ) أَيْ: مَوْضِعٌ قَرِيبٌ (مِنْ خَيْبَرَ): وَهَذَا تَفْسِيرٌ مِنَ الرَّاوِي، وَالْمَعْنَى: أَبْعَدُ ثُغُورِهِمْ هَذَا الْمَوْضِعُ الْقَرِيبُ مِنْ خَيْبَرَ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى كَمَالِ التَّضْيِيقِ عَلَيْهِمْ وَإِحَاطَةِ الْكُفَّارِ حَوَالَيْهِمْ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) .
[ ٨ / ٣٤١٩ ]
٥٤٢٨ - وَعَنْ ذِي مِخْبَرٍ - ﵁ - قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ - يَقُولُ: " «سَتُصَالِحُونَ الرُّومَ صُلْحًا آمِنًا فَتَغْزُونَ أَنْتُمْ وَهُمْ عَدُوًّا مِنْ وَرَائِكُمْ فَتُنْصَرُونَ وَتَغْنَمُونَ وَتَسْلَمُونَ ثُمَّ تَرْجِعُونَ حَتَّى تَنْزِلُوا بِمَرْجٍ ذِي تُلُولٍ، فَيَرْفَعُ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ النَّصْرَانِيَّةِ الصَّلِيبَ فَيَقُولُ: غَلَبَ الصَّلِيبُ، فَيَغْضَبُ رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَيَدُقُّهُ فَعِنْدَ ذَلِكَ تَغْدِرُ الرُّومُ وَتَجْمَعُ لِلْمَلْحَمَةِ ". "، وَزَادَ بَعْضُهُمْ: (" فَيَثُورُ الْمُسْلِمُونَ إِلَى أَسْلِحَتِهِمْ، فَيَقْتَتِلُونَ فَيُكْرِمُ اللَّهُ تِلْكَ الْفِئَةَ بِالشَّهَادَةِ» ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
_________________
(١) (وَعَنْ ذِي مِخْبَرٍ): بِكَسْرِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ: ابْنُ أَخِي النَّجَاشِيِّ، خَادِمُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَوَى عَنْهُ خَيْبَرُ بْنُ نُفَيْرٍ وَغَيْرُهُ، يُعَدُّ فِي الشَّامِيِّينَ ذَكَرَهُ الْمُؤَلَّفُ، (قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يَقُولُ: " سَتُصَالِحُونَ الرُّومَ ") الْخِطَابُ لِلْمُسْلِمِينَ (" صُلْحًا "): مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ مِنْ غَيْرِ بَابِهِ أَوْ بِحَذْفِ الزَّوَائِدِ (" آمِنًا "): بِالْمَدِّ صِفَةُ صُلْحًا أَيْ: صُلْحًا ذَا أَمْنٍ، أَوْ عَلَى أَنَّ الْإِسْنَادَ مَجَازِيٌّ، (" فَتَغْزُونَ أَنْتُمْ ") أَيْ: فَتُقَاتِلُونَ أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ (" وَهُمْ ") أَيِ: الرُّومُ الْمُصَالِحُونَ مَعَكُمْ (" عَدُوًّا مِنْ وَرَائِكُمْ ") أَيْ: مِنْ خَلْفِكُمْ (" فَتُنْصَرُونَ ") بِصِيغَةِ الْمَفْعُولِ أَيْ: فَيَنْصُرُكُمُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ (" وَتَغْنَمُونَ ") أَيِ: الْأَمْوَالُ (" وَتَسْلَمُونَ ") أَيْ: مِنَ الْقَتْلِ وَالْجَرْحِ فِي الْقِتَالِ (" ثُمَّ تَرْجِعُونَ ") أَيْ: عَنْ عَدُوِّكُمْ (" حَتَّى تَنْزِلُوا ") أَيْ: أَنْتُمْ وَأَهْلُ الرُّومِ (" بِمَرْجٍ "): بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ أَيْ رَوْضَةٌ، وَفِي النِّهَايَةِ أَرْضٌ وَاسِعَةٌ ذَاتُ نَبَاتٍ كَثِيرٍ (" ذِي تُلُولٍ "): بِضَمِّ التَّاءِ جَمْعُ تَلٍّ بِفَتْحِهَا، وَهُوَ مَوْضِعٌ مُرْتَفِعٌ (" فَيَرْفَعُ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ النَّصْرَانِيَّةِ "): وَهُمُ الْأَرْوَامُ حِينَئِذٍ (" الصَّلِيبَ "): وَهُوَ خَشَبَةٌ مُرَبَّعَةٌ، يَدَّعُونَ أَنَّ عِيسَى - ﵊ - صُلِبَ عَلَى خَشَبَةٍ كَانَتْ عَلَى تِلْكَ الصُّورَةِ، (" فَيَقُولُ ") أَيِ: الرَّجُلُ مِنْهُمْ (" غَلَبَ الصَّلِيبُ ") أَيْ: غَلَبْنَا بِبَرَكَةِ الصَّلِيبِ، (" فَيَغْضَبُ رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ") ; حَيْثُ نَسَبَ الْغَلَبَةَ لِغَيْرِ الْحَبِيبِ (" فَيَدُقُّهُ ") أَيْ: فَيَكْسِرُ الْمُسْلِمُ الصَّلِيبَ، (" فَعِنْدَ ذَلِكَ تَغْدِرُ الرُّومُ "): بِكَسْرِ الدَّالِ أَيْ: تَنْقُضُ الْعَهْدَ (" وَتَجْمَعُ ") أَيْ: رِجَالَهُمْ وَيَجْتَمِعُونَ (" لِلْمَلْحَمَةِ ") أَيْ: لِلْقِتَالِ أَوْ لِلْمَقْتَلَةِ (" وَزَادَ بَعْضُهُمْ ") أَيِ: الرُّوَاةُ (" فَيَثُورُ ") أَيْ: يَعْدُو وَيَقُومُ (" الْمُسْلِمُونَ إِلَى أَسْلِحَتِهِمْ ") أَيْ: مُسْرِعِينَ وَنَاهِضِينَ إِلَيْهَا (" فَيَقْتَتِلُونَ ") أَيْ: مَعَهُمْ (" فَيُكْرِمُ اللَّهُ تِلْكَ الْعِصَابَةَ ") أَيِ: الْجَمَاعَةُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (" بِالشَّهَادَةِ ")، وَجَعَلَهُمُ اللَّهُ شُهَدَاءَ ﴿أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ - فَرِحِينَ﴾ [آل عمران: ١٦٩ - ١٧٠] الْآيَةَ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ)، وَكَذَا ابْنُ مَاجَهْ، وَسَكَتَ عَلَيْهِ أَبُو دَاوُدَ، وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرِكِهِ وَقَالَ: صَحِيحٌ، ذَكَرَهُ مِيرَكُ.
[ ٨ / ٣٤١٩ ]
٥٤٢٩ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو - ﵄ - عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: " «اتْرُكُوا الْحَبَشَةَ مَا تَرَكُوكُمْ فَإِنَّهُ لَا يَسْتَخْرِجُ كَنْزَ الْكَعْبَةِ إِلَّا ذُو السُّوَيْقَتَيْنِ مِنَ الْحَبَشَةِ» ". ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
_________________
(١) (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو): بِالْوَاوِ (عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ: " اتْرُكُوا الْحَبَشَةَ ")، فِي الْقَامُوسِ: الْحَبَشُ وَالْحَبَشَةُ مُحَرَّكَتَيْنِ جِنْسٌ مِنَ السُّودَانِ (" مَا تَرَكُوكُمْ ") أَيْ: مَا دَامَ أَنَّهُمْ تَرَكُوكُمْ (" فَإِنَّهُ لَا يَسْتَخْرِجُ كَنْزَ الْكَعْبَةِ ") أَيْ: كَنْزًا مَدْفُونًا تَحْتَ الْكَعْبَةِ، وَقِيلَ: مَخْلُوقًا، فِيهَا، وَقِيلَ: الْمُرَادُ مَا يَجْمَعُهُ أَهْلُ السَّدَانَةِ مِنْ هَدَايَا الْكَعْبَةِ، كَذَا فِي الْأَزْهَارِ، (" إِلَّا ذُو السُّوَيْقَتَيْنِ ") أَيْ: صَاحِبُ دَقِيقِ السَّاقَيْنِ (" مِنَ الْحَبَشَةِ ") أَيْ: هُوَ مِنْهُمْ، وَيَكُونُ أَمِيرَهُمْ، أَوِ الْمُرَادُ بِهِ جِنْسُ الْحَبَشِ ; لِكَوْنِ هَذَا الْوَصْفِ غَالِبًا فِيهِمْ. قَالَ النَّوَوِيُّ: هُمَا تَصْغِيرُ سَاقَيِ الْإِنْسَانِ لِدِقَّتِهَا، وَهِيَ صِفَةُ سُوقِ السُّودَانِ غَالِبًا، وَلَا يُعَارِضُ هَذَا قَوْلَهُ تَعَالَى: حَرَمًا آمِنًا ; وَلِأَنَّ مَعْنَاهُ آمِنًا إِلَى قُرْبِ الْقِيَامَةِ وَخَرَابِ الدُّنْيَا، وَقِيلَ: يُخَصُّ مِنْهُ قِصَّةُ ذِي السُّوَيْقَتَيْنِ. وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ - ﵀: الْقَوْلُ الْأَوَّلُ أَظْهَرُ، أَقُولُ: الْأَظْهَرُ أَنَّهُ تَعَالَى جَعَلَهُ حَرَمًا آمِنًا بِاعْتِبَارِ غَالِبِ الْأَحْوَالِ، كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ قَضِيَّةُ ابْنِ الزُّبَيْرِ، وَقِصَّةُ الْقَرَامِطَةِ وَنَحْوَهَا، الْمُرَادُ يَجْعَلُهُ حَرَمًا آمِنًا أَنَّهُ حُكْمٌ أَنَّهُمْ يُؤَمِّنُونَ النَّاسَ، وَلَا يَتَعَرَّضُونَ لِأَحَدٍ فِيهِ، كَمَا أَجَابَ بِهَذَا بَعْضُ أَهْلِ التَّوْفِيقِ، لَمَّا قَالَ رَئِيسُ أَهْلِ الزَّنْدَقَةِ مِنَ الْقَرَامِطَةِ بَعْدَمَا فَعَلُوا مِنَ الْفَسَادِ مِنْ قِبَلِ الْعِبَادِ وَخَرَابِ الْبِلَادِ، فَأَيْنَ كَلَامُ اللَّهِ: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ [آل عمران: ٩٧]، فَقَالَ: إِنَّمَا مَعْنَاهُ فَأَمِّنُوا مَنْ دَخَلَهُ، وَلَا تَتَعَرَّضُوا فِي مَدْخَلِهِ بِنَهْبِهِ أَوْ قَتْلِهِ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ)، وَكَذَا الْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ.
[ ٨ / ٣٤٢٠ ]
٥٤٣٠ - وَعَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: " «دَعُوا الْحَبَشَةَ مَا وَدَعُوكُمْ، وَاتْرُكُوا التُّرْكَ مَا تَرَكُوكُمْ» ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنِّسَائِيُّ.
_________________
(١) (وَعَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - ﷺ: " دَعُوا الْحَبَشَةَ ") أَيِ: اتْرُكُوهُمْ (" مَا وَدَعُوكُمْ "): بِتَخْفِيفِ الدَّالِ أَيْ: مَا تَرَكُوكُمْ. قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: قَلَّمَا يَسْتَعْمِلُونَ الْمَاضِي مِنْهُ، إِلَّا مَا رُوِيَ فِي بَعْضِ الْأَشْعَارِ كَقَوْلِ الْقَائِلِ: غَالَهُ فِي الْحُبِّ حَتَّى وَدَعَهُ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْحَدِيثُ مَا وَادَعُوكُمْ أَيْ: مَا سَالَمُوكُمْ، فَسَقَطَ الْأَلْفُ مِنْ قَلَمِ بَعْضِ الرُّوَاةِ. قَالَ الطِّيبِيُّ - ﵀: لَا افْتِقَارَ إِلَى هَذَا الطَّعْنِ مَعَ وُرُودِهِ فِي التَّنْزِيلِ الْكَشَّافِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ﴾ [الضحى: ٣] وَقُرِئَ بِالتَّخْفِيفِ يَعْنِي مَا تَرَكَكَ، قَالَ: وَثَمَّ وَدَعْنَا إِلَى عُمَرَ وَعَامِرٍ، وَلِأَنَّ لَفْظَ الِازْدِوَاجِ وَرَدَ الْعَجُزُ عَلَى الصَّدْرِ يَجُوزُ لِذَلِكَ، وَقَدْ جَاءَ فِي كَلَامِهِمْ: إِنِّي لَآتِيهِ بِالْغَدَايَا وَالْعَشَايَا، وَقَوْلُهُ: " «ارْجِعْنَ مَأْزُورَاتٍ غَيْرَ مَأْجُورَاتٍ» ". قَالَ الْمُظْهِرُ: كَلَامُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَتْبُوعٌ لَا تَابِعٌ، بَلْ فُصَحَاءُ الْعَرَبِ عَنْ آخِرِهِمْ بِالْإِضَافَةِ إِلَيْهِ بِأَقَلَّ، وَأَيْضًا فَلُغَاتُ الْعَرَبِ مُخْتَلِفَةٌ مِنْهُمْ مَنِ انْقَرَضَتْ لُغَتُهُ فَأَتَى - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِهَا. قَالَ شَمَرُ: زَعَمَتِ النَّحْوِيَّةُ أَنَّ الْعَرَبَ أَمَاتُوا مَصْدَرَهُ وَمَاضِيهِ، وَالنَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَفْصَحُ. أَقُولُ: فَأَحْيَاهُمَا بِاسْتِعْمَالِ الْمَاضِي فِي هَذَا الْحَدِيثِ، وَبِالْمَصْدَرِ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ وَغَيْرُهُمَا، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا: " «لَيَنْتَهِيَنَّ أَقْوَامٌ عَنْ وَدَعِهِمُ الْجُمُعَاتِ، أَوْ لَيَخْتِمَنَّ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ، ثُمَّ لَيَكُونُنَّ مِنَ الْغَافِلِينَ» "، هَذَا وَهُوَ مِنْ بَابِ الشَّاذِّ الْمُوَافِقِ لِلْقِيَاسِ الْمُخَالِفِ لِلِاسْتِعْمَالِ كَالْمَسْجِدِ وَنَظَائِرِهِ. (" وَاتْرُكُوا التُّرْكَ مَا تَرَكُوكُمْ ")، قَالَ الْخَطَّابِيُّ: عُلِمَ أَنَّ الْجَمْعَ بَيْنَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً﴾ [التوبة: ٣٦] وَبَيْنَ هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ الْآيَةَ مُطْلَقَةٌ، وَالْحَدِيثُ مُقَيَّدٌ، فَيُحْمَلُ الْمُطْلَقُ عَلَى الْمُقَيِّدِ، وَيُجْعَلُ الْحَدِيثُ مُخَصِّصًا لِعُمُومِ الْآيَةِ، كَمَا خُصَّ ذَلِكَ فِي حَقِّ الْمَجُوسِ، فَإِنَّهُمْ كَفَرَةٌ، وَمَعَ ذَلِكَ أُخِذَ مِنْهُمُ الْجِزْيَةُ ; لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " «سُنُّوا بِهِمْ سُّنَّةَ أَهْلِ الْكِتَابِ» ".
[ ٨ / ٣٤٢٠ ]
قَالَ الطِّيبِيُّ - ﵀: وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ الْآيَةُ نَاسِخَةً لِلْحَدِيثِ ; لِضَعْفِ الْإِسْلَامِ، وَأَمَّا تَخْصِيصُ الْحَبَشَةِ وَالتُّرْكِ بِالتَّرْكِ وَالْوَدْعِ ; فَلِأَنَّ بِلَادَ الْحَبَشَةِ وَغَيْرِهِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَبَيْنَهُمْ مَهَامِهُ وَقِفَارٌ، فَلَمْ يُكَلِّفِ الْمُسْلِمِينَ دُخُولَ دِيَارِهِمْ ; لِكَثْرَةِ التَّعَبِ وَعَظَمَةِ الْمَشَقَّةِ، وَأَمَّا التُّرْكُ فَبَأْسُهُمْ شَدِيدٌ وَبِلَادُهُمْ بَارِدَةٌ، وَالْعَرَبُ وَهُمْ جُنْدُ الْإِسْلَامِ كَانُوا مِنَ الْبِلَادِ الْحَارَّةِ، فَلَمْ يُكَلِّفْهُمْ دُخُولَ الْبِلَادِ، فَلِهَذَيْنِ السِّرَّيْنِ خَصَّصَهُمْ، وَأَمَّا إِذَا دَخَلُوا بِلَادَ الْمُسْلِمِينَ قَهْرًا - وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ - فَلَا يَجُوزُ لِأَحَدِ تَرْكُ الْقِتَالِ ; لِأَنَّ الْجِهَادَ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ فَرْضُ عَيْنٍ، وَفِي الْحَالَةِ الْأُولَى فَرْضُ كِفَايَةٍ. قُلْتُ: وَقَدْ أَشَارَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَى هَذَا الْمَعْنَى ; حَيْثُ قَالَ: " مَا تَرَكُوكُمْ "، وَحَاصِلُ الْكَلَامِ أَنَّ الْأَمْرَ فِي الْحَدِيثِ لِلرُّخْصَةِ وَالْإِبَاحَةِ لَا لِلْوُجُوبِ ابْتِدَاءً أَيْضًا، فَإِنَّ الْمُسْلِمِينَ قَدْ حَارَبُوا التُّرْكَ وَالْحَبَشَةَ بَادِينَ، وَإِلَى الْآنَ لَا يَخْلُو زَمَانٌ عَنْ ذَلِكَ، وَقَدْ أَعَزَّ اللَّهُ الْإِسْلَامَ وَأَهْلَهُ فِيمَا هُنَالِكَ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنِّسَائِيُّ)، وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَرْفُوعًا، وَلَفْظُهُ: " «اتْرُكُوا التُّرْكَ مَا تَرَكُوكُمْ ; فَإِنَّ أَوَّلَ مَنْ يَسْلُبُ أُمَّتِي مُلْكَهُمْ وَمَا خَوَّلَهُمُ اللَّهُ بَنُو قَنْطُورَاءَ» "، فَفِي النِّهَايَةِ هِيَ جَارِيَةُ إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ، وَلَدَتْ لَهُ أَوْلَادًا مِنْهُمُ التُّرْكُ وَالصِّينُ اهـ. وَسَيَأْتِي زِيَادَةُ تَحْقِيقٍ لِهَذَا فِي حَدِيثِ أَبِي بَكْرَةَ.
[ ٨ / ٣٤٢١ ]
٥٤٣١ - وَعَنْ بُرَيْدَةَ - ﵁ - عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - فِي حَدِيثٍ: " «يُقَاتِلُكُمْ قَوْمٌ صِغَارُ الْأَعْيُنِ ". يَعْنِي التُّرْكَ قَالَ " تَسُوقُونَهُمْ ثَلَاثَ مِرَارٍ حَتَّى تُلْحِقُوهُمْ بِجَزِيرَةِ الْعَرَبِ، فَأَمَّا فِي السِّيَاقَةِ الْأُولَى فَيَنْجُو مَنْ هَرَبَ مِنْهُمْ، وَأَمَّا فِي الثَّانِيَةِ فَيَنْجُو بَعْضٌ وَيَهْلِكُ بَعْضٌ، وَأَمَّا فِي الثَّالِثَةِ فَيُصْطَلَمُونَ» ". أَوْ كَمَا قَالَ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
_________________
(١) (وَعَنْ بُرَيْدَةَ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - فِي حَدِيثٍ: " يُقَاتِلُكُمْ ")، ظَاهِرُهُ أَنْ يَكُونَ بِالْإِضَافَةِ، لَكِنَّهُ فِي جَمِيعِ النُّسَخِ بِالتَّنْوِينِ وَفَكِّ الْإِضَافَةِ، فَالْوَجْهُ أَنَّ قَوْلَهُ: يُقَاتِلُكُمْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أَيْ: هُوَ يُقَاتِلُكُمُ إِلَخْ. وَالْجُمْلَةُ صِفَةُ حَدِيثٍ، وَالْمَعْنَى فِي حَدِيثٍ: هُوَ أَنَّ ذَلِكَ الْحَدِيثَ يُقَاتِلُكُمْ (" قَوْمٌ صِغَارُ الْأَعْيُنِ " يَعْنِي التُّرْكَ): تَفْسِيرٌ مِنَ الرَّاوِي، وَهُوَ الصَّحَابِيُّ أَوِ التَّابِعِيُّ، (قَالَ) أَيِ: النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْ قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ مَرْفُوعًا: (" تَسُوقُونَهُمْ ") مِنَ السَّوْقِ أَيْ: يَصِيرُونَ مَغْلُوبِينَ مَقْهُورِينَ مُنْهَزِمِينَ ; بِحَيْثُ أَنَّكُمْ تَسُوقُونَهُمْ (" ثَلَاثَ مِرَارٍ ") أَيْ: مِنَ السَّوْقِ (" حَتَّى تُلْحِقُوهُمْ ") أَيْ: تُوصِلُوهُمْ آخِرًا (بِجَزِيرَةِ الْعَرَبِ ")، قِيلَ: هِيَ اسْمٌ لِبِلَادِ الْعَرَبِ ; سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِإِحَاطَةِ الْبِحَارِ وَالْأَنْهَارِ، بَحْرِ الْحَبَشَةِ، وَبَحْرِ فَارِسَ، وَدِجْلَةَ وَالْفُرَاتِ. وَقَالَ مَالِكٌ: هِيَ الْحِجَازُ وَالْيَمَامَةُ وَالْيَمَنُ، وَمَا لَمْ يَبْلُغْهُ مُلْكُ فَارِسَ وَالرُّومِ، ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ ﵀، وَتَبِعَهُ ابْنُ الْمَلَكِ. (" فَأَمَّا فِي السِّيَاقَةِ الْأُولَى فَيَنْجُو ") أَيْ: يَخْلُصُ (" مَنْ هَرَبَ مِنْهُمْ ") أَيْ: مِنَ التُّرْكِ، (" وَأَمَّا فِي الثَّانِيَةِ فَيَنْجُو بَعْضٌ وَيَهْلِكُ بَعْضٌ "): إِمَّا بِنَفْسِهِ، أَوْ بِأَخْذِهِ وَإِهْلَاكِهِ، وَهُوَ الظَّاهِرُ (" وَأَمَّا فِي الثَّالِثَةِ فَيُصْطَلَمُونَ "): بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ، أَيْ: يُحْصَدُونَ بِالسَّيْفِ وَيُسْتَأْصَلُونَ، مِنَ الصَّلْمِ وَهُوَ الْقَطْعُ الْمُسْتَأْصِلُ، (أَوْ كَمَا قَالَ) أَيْ: قَالَ غَيْرَ هَذَا اللَّفْظِ مِمَّا يَكُونُ بِمَعْنَاهُ، وَهَذَا مِنْ غَايَةِ وَرَعِ الرَّاوِي، حَيْثُ لَمْ يَرْضَ أَنْ يَكُونَ النَّقْلُ بِالْمَعْنَى. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) .
[ ٨ / ٣٤٢١ ]
٥٤٣٢ - وَعَنْ أَبِي بَكْرَةَ - ﵁ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: «يَنْزِلُ أُنَاسٌ مِنْ أُمَّتِي بِغَائِطٍ، يُسَمُّونَهُ الْبَصْرَةَ، عِنْدَ نَهْرٍ يُقَالُ لَهُ: دِجْلَةُ، يَكُونُ عَلَيْهِ جِسْرٌ، يَكْثُرُ أَهْلُهَا، وَيَكُونُ مِنْ أَمْصَارِ الْمُسْلِمِينَ، وَإِذَا كَانَ فِي آخِرِ الزَّمَانِ جَاءَ بَنُو قَنْطُورَاءَ عِرَاضُ الْوُجُوهِ، صِغَارُ الْأَعْيُنِ، حَتَّى يَنْزِلُوا عَلَى شَطِّ النَّهْرِ، فَيَتَفَرَّقُ أَهْلُهَا ثَلَاثَ فِرَقٍ، فِرْقَةٌ يَأْخُذُونَ فِي أَذْنَابِ الْبَقَرِ وَالْبَرِّيَّةِ وَهَلَكُوا، وَفِرْقَةٌ يَأْخُذُونَ لِأَنْفُسِهِمْ وَهَلَكُوا، وَفِرْقَةٌ يَجْعَلُونَ ذَرَارِيَّهُمْ خَلْفَ ظُهُورِهِمْ وَيُقَاتِلُونَهُمْ وَهُمُ الشُّهَدَاءُ» ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
_________________
(١) (وَعَنْ أَبِي بَكْرَةَ): بِالتَّاءِ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ " يَنْزِلُ أُنَاسٌ "): بِضَمِّ الْهَمْزَةِ لُغَةٌ فِي نَاسٍ (" مِنْ أُمَّتِي بِغَائِطٍ ") أَيْ: بِغَائِرٍ مِنَ الْأَرْضِ، ذَكَرَهُ شَارِحٌ، وَفِي الْفَائِقِ: أَيْ بَوَادٍ مُطَمْئِنٍ (" يُسَمُّونَهُ الْبَصْرَةَ "): بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِكَسْرِهَا، وَفِي الْقَامُوسِ: الْبَصْرَةُ بَلْدَةٌ مَعْرُوفَةٌ وَيُحَرَّكُ وَبِكَسْرِ الصَّادِ، أَوْ هُوَ مُعَرَّبُ بِسْ رَاهْ أَيْ: كَثِيرُ الطُّرُقِ، (" عِنْدَ نَهَرٍ "): بِفَتْحِ الْهَاءِ وَيُسَكَّنُ (" يُقَالُ لَهُ: دِجْلَةُ "): بِكَسْرِ الدَّالِ وَيُفْتَحُ نَهْرُ بَغْدَادَ، (" يَكُونُ عَلَيْهِ جِسْرٌ ") أَيْ: قَنْطَرَةٌ وَمَعْبَرٌ (" يَكْثُرُ أَهْلُهَا ") أَيْ: أَهْلُ الْبَصْرَةِ، وَفِي حَاشِيَةِ الشِّفَاءِ لِلْحَلَبِيِّ: الْبَصْرَةُ مُثَلَّثُ الْبَاءِ وَالْفَتْحُ أَفْصَحُ، بَنَاهَا عُتْبَةُ بْنُ غَزَوَانَ فِي خِلَافَةَ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَلَمْ يُعْبَدِ الصَّنَمُ قَطُّ فِي ظَهْرِهَا، وَالنِّسْبَةُ إِلَيْهَا بِالْكَسْرِ وَالْفَتْحِ.
[ ٨ / ٣٤٢١ ]
قَالَ الْمُغْنِي: وَالْكَسْرُ فِي النِّسْبَةِ أَفْصَحُ مِنَ الْفَتْحِ. قُلْتُ: وَلَعَلَّهُ لِمُجَاوِرَةِ كَسْرِ الرَّاءِ، هَذَا وَقَدْ قَالَ الْأَشْرَفُ: أَرَادَ - ﷺ - بِهَذِهِ الْمَدِينَةِ مَدِينَةَ السَّلَامِ بَغْدَادُ، فَإِنَّ دِجْلَةَ هِيَ الشَّطُّ، وَجِسْرُهَا فِي وَسَطِهَا لَا فِي وَسَطِ الْبَصْرَةِ، وَإِنَّمَا عَرَّفَهَا النَّبِيُّ - ﷺ - بِبَصْرَةَ ; لِأَنَّ فِي بَغْدَادَ مَوْضِعًا خَارِجِيًّا مِنْهُ قَرِيبًا مِنْ بَابِهِ يُدْعَى بَابُ الْبَصْرَةِ، فَسَمَّى النَّبِيُّ - ﷺ - بَغْدَادَ بِاسْمِ بَعْضِهَا، أَوْ عَلَى حَذْفِ الْمُضَافِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢]، وَبَغْدَادُ مَا كَانَتْ مَبْنِيَّةً فِي عَهْدِ النَّبِيِّ - ﷺ - عَلَى هَذِهِ الْهَيْئَةِ وَلَا كَانَ مِصْرًا مِنَ الْأَمْصَارِ فِي عَهْدِهِ - ﷺ ; وَلِذَا قَالَ - ﷺ: (" وَيَكُونُ مِنْ أَمْصَارِ الْمُسْلِمِينَ ") بِلَفْظِ الِاسْتِقْبَالِ، بَلْ كَانَ فِي عَهْدِهِ - ﷺ - قُرًى مُتَفَرِّقَةٌ بَعْدَمَا خُرِّبَتْ مَدَائِنُ كِسْرَى مَنْسُوبَةٌ إِلَى الْبَصْرَةِ مَحْسُوبَةٌ مِنْ أَعْمَالِهَا، هَذَا وَإِنَّ أَحَدًا لَمْ يَسْمَعْ فِي زَمَانِنَا بِدُخُولِ التُّرْكِ بَصْرَةَ قَطُّ عَلَى سَبِيلِ الْقِتَالِ وَالْحَرْبِ، وَمَعْنَى الْحَدِيثِ أَنَّ بَعْضًا مِنْ أُمَّتِي يَنْزِلُونَ عِنْدَ دِجْلَةَ، وَيَتَوَطَّنُونَ ثَمَّةَ، وَيَصِيرُ ذَلِكَ الْمَوْضِعُ مِصْرًا مِنْ أَمْصَارِ الْمُسْلِمِينَ وَهُوَ بَغْدَادُ، (" وَإِذَا كَانَ "): اسْمُهُ مُضْمَرٌ (" فِي آخِرِ الزَّمَانِ جَاءَ بَنُو قَنْطُورَاءَ "): بِفَتْحِ الْقَافِ وَسُكُونِ النُّونِ مَقْصُورًا، وَقَدْ يُمَدُّ أَيْ: يَجِيئُونَ لِيُقَاتِلُوا أَهْلَ بَغْدَادَ، وَقَالَ بِلَفْظٍ: جَاءَ دُونَ يَجِيءُ ; إِيذَانًا بِوُقُوعِهِ، فَكَأَنَّهُ قَدْ وَقَعَ، وَبَنُو قَنْطُورَاءَ اسْمُ أَبِي التُّرْكِ، وَقِيلَ اسْمُ جَارِيَةٍ كَانَتْ لِلْخَلِيلِ - ﵊ - وَلَدَتْ لَهُ أَوْلَادًا جَاءَ مِنْ نَسْلِهِمُ التُّرْكُ، وَفِيهِ نَظَرٌ ; فَإِنَّ التُّرْكَ مِنْ أَوْلَادِ يَافِثَ بْنِ نُوحٍ، وَهُوَ قَبْلَ الْخَلِيلِ بِكَثِيرٍ، كَذَا ذَكَرَهُ بَعْضُهُمْ، وَيُمْكِنُ دَفْعُهُ بِأَنَّ الْجَارِيَةَ كَانَتْ مِنْ أَوْلَادِ يَافِثَ، أَوِ الْمُرَادُ بِالْجَارِيَةِ بِنْتٌ مَنْسُوبَةٌ لِلْخَلِيلِ ; لِكَوْنِهَا مِنْ بَنَاتِ أَوْلَادِهِ، وَقَدْ تَزَوَّجَهَا وَاحِدٌ مِنْ أَوْلَادِ يَافِثَ فَأَتَتْ بِأَبِي هَذَا الْجِيلِ، فَيَرْتَفِعُ الْإِشْكَالُ بِهَذَا الْقَالِ وَالْقِيلِ، وَيَصِحُّ انْتِسَابُهُمْ إِلَى يَافِثَ وَالْخَلِيلِ. (" عِرَاضُ الْوُجُوهِ "): بَدَلٌ أَوْ عَطْفُ بَيَانٍ، وَكَذَا قَوْلُهُ: (" صِغَارُ الْأَعْيُنِ، حَتَّى يَنْزِلُوا عَلَى شَطِّ النَّهْرِ، فَيَتَفَرَّقُ أَهْلُهَا ثَلَاثَ فِرَقٍ "): بِكَسْرٍ فَفَتْحٍ جَمْعُ فِرْقَةٍ، (" فِرْقَةٌ "): بِالرَّفْعِ، وَيَجُوزُ نَصْبُهَا (" يَأْخُذُونَ فِي أَذْنَابِ الْبَقَرِ "): مِنْ أَخَذَ فِي الشَّيْءِ شَرَعَ فِيهِ، وَقَوْلُهُ: (" فِي الْبَرِّيَّةِ ") تَتْمِيمٌ وَتَذْيِيلٌ ; لِأَنَّ أَخْذَ أَذْنَابِ الْبَقَرِ لَا يَكُونُ غَالِبًا إِلَّا فِي الْبَرِّيَّةِ الْخَارِجَةِ عَنِ الْمَدِينَةِ الَّتِي يُعَبَّرُ عَنْهَا بِالْبَحْرِيَّةِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ [الروم: ٤١]، أَوِ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: فِي الْبَرِّيَّةِ اخْتِيَارُ الْعُزْلَةِ، وَإِيثَارُ الصَّحْرَاءِ وَالْخَلَاءِ عَلَى الْبَلَدِ، وَاجْتِمَاعُ الْمَلَأِ، فَعَلَى الْأَوَّلِ صِفَةٌ أَوْ حَالٌ، وَعَلَى الثَّانِي بَدَلُ كُلٍّ أَوْ بَعْضٍ، وَيُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ (فِي) تَعْلِيلِيَّةً وَقَوْلُهُ: (" وَهَلَكُوا ") فَذْلَكَةً وَنَتِيجَةً لِأَفْعَالِهِمْ، وَالْمَعْنَى: أَنَّ فِرْقَةً يُعْرِضُونَ عَنِ الْمُقَاتَلَةِ ; هَرَبًا مِنْهَا ; وَطَلَبًا لِخَلَاصِ أَنْفُسِهِمْ وَمَوَاشِيهِمْ، وَيُحْمَلُونَ عَلَى الْبَقَرِ فَيَهِيمُونَ فِي الْبَوَادِي، وَيَهْلِكُونَ فِيهَا، أَوْ يُعْرِضُونَ عَنِ الْمُقَاتَلَةِ، وَيَشْتَغِلُونَ بِالزِّرَاعَةِ، وَيَتْبَعُونَ الْبَقَرَ لِلْحِرَاثَةِ إِلَى الْبِلَادِ الشَّاسِعَةِ فَيَهْلِكُونَ. قَالَ الطِّيبِيُّ - ﵀: قَوْلُهُ: يَأْخُذُونَ فِي أَذْنَابِ الْبَقَرِ عَلَى مَعْنَى يُوقِعُونَ الْأَخْذَ فِي الْأَذْنَابِ، كَقَوْلِهِ: يُجْرَحُ فِي عَرَاقِيبِهِا نَصْلِي
وَكَأَنَّهُمْ يُبَالِغُونَ فِي الِاشْتِغَالِ وَلَا يَعْبَأُونَ بِأَمْرٍ آخَرَ، أَوْ يُوغِلُونَ فِي السَّيْرِ خَلْفَهَا إِلَى الْبِلَادِ الشَّاسِعَةِ فَيَهْلِكُونَ فِيهَا. (" وَفِرْقَةٌ يَأْخُذُونَ ") أَيْ: يَطْلُبُونَ أَوْ يَقْبَلُونَ الْأَمَانَ مِنْ بَنِي قَنْطُورَاءَ (" لِأَنْفُسِهِمْ وَهَلَكُوا ") أَيْ: بِأَيْدِيهِمْ، وَلَعَلَّ الْمُرَادَ بِهَذِهِ الْفِرْقَةِ الْمُسْتَعْصِمُ بِاللَّهِ وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، طَلَبُوا الْأَمَانَ لِأَنْفُسِهِمْ وَلِأَهْلِ بَغْدَادَ، وَهَلَكُوا بِأَيْدِيهِمْ عَنْ آخِرِهِمْ. وَقَالَ شَارِحٌ: أَرَادَ النَّبِيُّ - ﷺ - بِالْبَصْرَةِ بَغْدَادَ ; لِأَنَّ بَغْدَادَ كَانَتْ قَرْيَةً فِي عَهْدِ النَّبِيِّ - ﷺ - مِنْ قُرَى الْبَصْرَةِ، إِطْلَاقًا لِاسْمِ الْجُزْءِ عَلَى الْكُلِّ، فَالْوَاقِعَةُ وَقَعَتْ كَمَا ذَكَرَهُ النَّبِيُّ - ﷺ - وَإِنْ أَرَادَ الْبَصْرَةَ الْمَعْهُودَةَ، فَلَعَلَّهُ يَقَعُ بَعْدَ ذَلِكَ ; إِذْ لَمْ يُسْمَعْ أَنَّ الْكُفَّارَ نَزَلُوا بِهَا قَطُّ لِلْقِتَالِ. (" وَفِرْقَةٌ يَجْعَلُونَ ذَرَارِيَّهُمْ ") أَيْ: أَوْلَادَهُمُ الصِغَارَ وَنِسَاءَهُمْ (" خَلْفَ ظُهُورِهِمْ وَيُقَاتِلُونَهُمْ وَهُمُ الشُّهَدَاءُ ") أَيِ: الْكَامِلُونَ، وَالْمَعْنَى: أَنَّ فِرْقَةً ثَالِثَةً هُمُ الْغَازِيَةُ الْمُجَاهِدَةُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَاتَلُوا التُّرْكَ قَبْلَ ظُهُورِهِمْ عَلَى أَهْلِ الْإِسْلَامِ، فَاسْتُشْهِدَ مُعْظَمُهُمْ، وَنَجَتْ مِنْهُمْ شِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ، كَذَا ذَكَرَهُ الْأَشْرَفُ، وَقَالَ غَيْرُهُ: وَهَذَا مِنْ مُعْجِزَاتِهِ - ﷺ - فَإِنَّهُ وَقَعَ كَمَا أَخْبَرَ، وَكَانَتْ هَذِهِ الْوَاقِعَةُ فِي صَفَرَ سَنَةَ سِتٍّ وَخَمْسِينَ وَسِتِّمِائَةٍ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) .
[ ٨ / ٣٤٢٢ ]
٥٤٣٣ - وَعَنْ أَنَسٍ - ﵁ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: " «يَا أَنَسُ! إِنَّ النَّاسَ يُمَصِّرُونَ أَمْصَارًا، وَإِنَّ مِصْرًا مِنْهَا يُقَالُ لَهُ: الْبَصْرَةُ؛ فَإِنْ أَنْتَ مَرَرْتَ بِهَا أَوْ دَخَلْتَهَا، فَإِيَّاكَ وَسِبَاخَهَا وَكَلَأَهَا وَسُوقَهَا وَبَابَ أُمَرَائِهَا، وَعَلَيْكَ بِضَوَاحِيهَا، فَإِنَّهُ يَكُونُ بِهَا خَسْفٌ وَقَذْفٌ وَرَجْفٌ وَقَوْمٌ يَبِيتُونَ يُصْبِحُونَ قِرَدَةً وَخَنَازِيرَ» ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ عَنْ طَرِيقٍ لَمْ يَجْزِمْ بِهَا الرَّاوِي بَلْ قَالَ: لَا أَعْلَمُهُ إِلَّا ذَكَرَهُ عَنْ مُوسَى بْنِ أَنَسٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ.
_________________
(١) (وَعَنْ أَنَسِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: " يَا أَنَسُ إِنَّ النَّاسَ يُمَصِّرُونَ ") بِتَشْدِيدِ الصَّادِ (" أَمْصَارًا "): بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ جَمْعُ مِصْرٍ، أَيْ: يَتَّخِذُونَ بِلَادًا، وَالتَّمَصُّرُ اتِّخَاذُ الْمِصْرِ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ - ﵀ - فَالتَّقْدِيرُ يَتَّخِذُونَ أَمْصَارًا فَفِيهِ تَجْرِيدٌ، وَقَالَ شَارِحٌ: أَيْ: يَضَعُونَ أَسَاسَ مِصْرٍ وَبِنَاءَهُ (" وَإِنَّ مِصْرًا مِنْهَا ") أَيْ: مِنَ الْأَمْصَارِ (وَيُقَالُ لَهُ: الْبَصْرَةُ، فَإِنْ أَنْتَ مَرَرْتَ بِهَا أَوْ دَخَلْتَهَا ") (أَوْ): لِلتَّنْوِيعِ لَا لِلشَّكِّ، (" إِيَّاكَ وَسِبَاخَهَا ") أَيْ: فَاحْذَرْ سِبَاخَهَا وَهُوَ بِكَسْرِ السِّينِ جَمْعُ سَبْخَةٍ بِفَتْحٍ فَكَسْرٍ، أَيْ: أَرْضٌ ذَاتُ مِلْحٍ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ - ﵀: هِيَ الْأَرْضُ الَّتِي تَعْلُوهَا الْمِلُوحَةُ وَلَا تَكَادُ تُنْبِتُ إِلَّا بَعْضَ الشَّجَرِ، (" وَكَلَّاءَهَا "): بِفَتْحِ الْكَافِ وَتَشْدِيدِ اللَّامِ مَمْدُودًا مَوْضِعٌ بِالْبَصْرَةِ، وَقَالَ شَارِحٌ: هُوَ شَطُّ النَّهْرِ، وَهُوَ مَوْضِعُ حَبْسِ السَّفِينَةِ، وَقِيلَ: هُوَ مَوْضِعُ الرَّعْيِ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا فِي بَعْضِ النُّسَخِ بِالتَّخْفِيفِ وَالْقَصْرِ، وَقَدِ اقْتَصَرَ عَلَيْهِ نُسْخَةُ السَّيِّدِ جَمَالِ الدِّينِ - ﵀ - هَذَا وَقَوْمٌ يَجْعَلُونَ كَلَاءَ الْبَصْرَةِ اسْمًا مِنْ كُلٍّ عَلَى فَعَلَاءِ وَلَا يَصْرِفُونَهُ، وَالْمَعْنَى أَنَّهُ مَوْضِعٌ تَكِلُّ فِيهِ الرِّيحُ عَنْ عَمَلِهَا فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ، فَكَانَ الْحَذَرُ عَنْهَا لِعُفُونَةِ هَوَاهُ، (" وَنَخِيلَهَا "): إِمَّا لِشُبْهَةٍ فِيهَا، أَوْ لِخَوْفِ غُرَّةٍ بِهَا (" وَسُوقَهَا "): إِمَّا لِحُصُولِ الْغَفْلَةِ فِيهَا، أَوْ لِكَثْرَةِ اللَّغْوِ بِهَا، أَوْ فَسَادِ الْعُقُودِ وَنَحْوَهَا، (" وَبَابَ أُمَرَائِهَا ") أَيْ: لِكَثْرَةِ الظُّلْمِ الْوَاقِعِ بِهَا، (" وَعَلَيْكَ بِضَوَاحِيهَا "): جَمْعُ الضَّاحِيَةِ وَهِيَ النَّاحِيَةُ الْبَارِزَةُ لِلشَّمْسِ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِهَا جِبَالُهَا، وَهَذَا أَمْرٌ بِالْعُزْلَةِ، فَالْمَعْنَى: الْزَمْ نَوَاحِيَهَا، (" فَإِنَّهُ يَكُونُ بِهَا ")، قِيلَ: الضَّمِيرُ لِلسِّبَاخِ، وَالصَّوَابُ لِلْمَوَاضِعِ الْمَذْكُورَةِ (خَسْفٌ) أَيْ: ذَهَابٌ فِي الْأَرْضِ وَغَيْبُوبَةٌ فِيهَا، (" وَقَذْفٌ ") أَيْ: رِيحٌ شَدِيدَةٌ بَارِدَةٌ، أَوْ قَذْفُ الْأَرْضِ الْمَوْتَى بَعْدَ دَفْنِهَا، أَوْ رَمْيُ أَهْلِهَا بِالْحِجَارَةِ بِأَنْ تُمْطِرَ عَلَيْهِمْ، (" وَرَجْفٌ ") أَيْ: زَلْزَلَةٌ شَدِيدَةٌ (" وَقَوْمٌ يَبِيتُونَ ") أَيْ: أَهْلُ ذَلِكَ الْمِصْرِ قَوْمٌ يَبِيتُونَ بِحَذْفِ الْمُبْتَدَأِ، أَوْ فِيهَا قَوْمٌ بِحَذْفِ الْخَبَرِ، كَذَا قَالَهُ الشَّارِحُ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ (قَوْمٌ) عَطْفٌ عَلَى خَسْفٍ، أَيْ: يَكُونُ بِهَا قَوْمٌ يُمْسُونَ طَيِّبِينَ (" وَيُصْبِحُونَ قِرَدَةً ") أَيْ: شَبَابُهُمْ (" وَخَنَازِيرَ ") أَيْ: شُيُوخُهُمْ. قَالَ الطِّيبِيُّ - ﵀: الْمُرَادُ بِهِ الْمَسْخُ، وَعَبَّرَ عَنْهُ بِمَا هُوَ أَشْنَعُ اهـ. وَقِيلَ: فِي هَذَا إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ بِهَا قَدَرِيَّةً ; لِأَنَّ الْخَسْفَ وَالْمَسْخَ إِنَّمَا يَكُونُ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ لِلْمُكَذِّبِينَ بِالْقَدَرِ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ)، هُنَا بَيَاضٌ فِي الْأَصْلِ، وَقَالَ الْجَزَرِيُّ: رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيقٍ لَمْ يَجْزِمْ بِهَا الرَّاوِي، بَلْ قَالَ: لَا أَعْلَمُهُ إِلَّا عَنْ عِيسَى بْنِ أَنَسٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ.
[ ٨ / ٣٤٢٣ ]
٥٤٣٤ - وَعَنْ صَالِحِ بْنِ دِرْهَمٍ - ﵄ - يَقُولُ: انْطَلَقْنَا حَاجِّينَ فَإِذَا رَجُلٌ فَقَالَ لَنَا: إِلَى جَنْبِكُمْ قَرْيَةٌ يُقَالُ لَهَا: الْأُبُلَّةُ؟ قُلْنَا: نَعَمْ، قَالَ: مَنْ يَضْمَنُ لِي مِنْكُمْ أَنْ يُصَلِّيَ لِي فِي مَسْجِدِ الْعَشَّارِ رَكْعَتَيْنِ أَوْ أَرْبَعًا، وَيَقُولُ: هَذِهِ لِأَبِي هُرَيْرَةَ؟ سَمِعْتُ خَلِيلِي أَبَا الْقَاسِمِ - ﷺ - يَقُولُ: " «إِنَّ اللَّهَ ﷿ يَبْعَثُ مِنْ مَسْجِدِ الْعَشَّارِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ شُهَدَاءَ لَا يَقُومُ مَعَ شُهَدَاءِ بَدْرٍ غَيْرُهُمْ» ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَقَالَ: هَذَا الْمَسْجِدُ مِمَّا يَلِي النَّهْرَ. وَسَنَذْكُرُ حَدِيثَ أَبِي الدَّرْدَاءِ " إِنَّ فُسْطَاطَ الْمُسْلِمِينَ "، فِي بَابِ: ذِكْرِ الْيَمَنِ وَالشَّامِ "، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
_________________
(١) (وَعَنْ صَالِحِ بْنِ دِرْهَمٍ): بِكَسْرِ الدَّالِ وَفَتْحِ الْهَاءِ، وَفِي الْقَامُوسِ: دِرْهَمٌ كَمِنْبَرٍ وَزِبْرَجٍ مَعْلُومٌ. قَالَ الْمُؤَلِّفُ: بَاهِلِيٌّ رَوَى عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَسَمُرَةَ، وَعَنْهُ شُعْبَةُ وَالْقَطَّانُ ثِقَةٌ. (يَقُولُ: انْطَلَقْنَا حَاجِّينَ) أَيْ: ذَهَبْنَا مُرِيدِينَ الْحَجَّ (فَإِذَا رَجُلٌ): الْمُرَادُ بِهِ أَبُو هُرَيْرَةَ، وَهُوَ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ، وَقَوْلُهُ: (فَقَالَ): عَطْفٌ عَلَيْهِ
[ ٨ / ٣٤٢٣ ]
أَيْ: فَإِذَا رَجُلٌ وَاقِفٌ فَقَالَ (لَنَا: إِلَى جَنْبِكُمْ قَرْيَةٌ): بِحَذْفِ الِاسْتِفْهَامِ (يُقَالُ لَهَا: الْأُبُلَّةُ): بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَالْبَاءِ وَتَشْدِيدِ اللَّامِ، الْبَلَدُ الْمَعْرُوفُ قُرْبَ الْبَصْرَةِ مِنْ جَانِبِهَا الْبَحْرِيِّ، كَذَا فِي النِّهَايَةِ، وَهِيَ أَحَدُ الْمُنْتَزَهَاتِ الْأَرْبَعِ، وَهِيَ أَقْدَمُ مِنَ الْبَصْرَةِ. قَالَ الْأَصْمَعِيُّ: هِيَ اسْمٌ نَبَطِيٌّ، ذَكَرَهُ مِيرَكُ عَنِ التَّصْحِيحِ، وَقَالَ شَارِحٌ: هِيَ مِنْ جَنَّاتِ الدُّنْيَا، وَهِيَ أَرْبَعٌ: أُبُلَّةُ الْبَصْرَةِ، وَغُوطَةُ دِمَشْقَ، وَسَفْدُ سَمَرْ قَنْدَ، وَشِعْبُ بَوَانَ، ثُمَّ قِيلَ: بَوَانُ هُوَ كِرْمَانُ، وَقِيلَ نُوبِنْدِجَانُ فِي الْفَارِسِ. (قُلْنَا: نَعَمْ. قَالَ: مَنْ يَضْمَنُ): اسْتِفْهَامٌ لِلِالْتِبَاسِ وَالسُّؤَالِ، وَالْمَعْنَى: مَنْ يَتَقَبَّلُ وَيَتَكَفَّلُ (لِي) أَيْ: لَأَجْلِي (مِنْكُمْ أَنْ يُصَلِّيَ لِي) أَيْ: بِنِيَّتِي (فِي مَسْجِدِ الْعَشَّارِ): بِفَتْحِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ، مَسْجِدٌ مَشْهُورٌ يُتَبَرَّكُ بِالصَّلَاةِ فِيهِ، ذَكَرَهُ مِيرَكُ، (رَكْعَتَيْنِ أَوْ أَرْبَعًا) أَيْ: أَرْبَعُ رَكَعَاتٍ وَ(أَوْ) لِلتَّنْوِيعِ، أَوْ بِمَعْنَى " بَلْ "، (وَيَقُولُ) أَيْ: عِنْدَ النِّيَّةِ أَوْ بَعْدَ فَرَاغِ الصَّلَاةِ (هَذِهِ) أَيِ: الصَّلَاةُ أَوْ ثَوَابُهَا (لِأَبِي هُرَيْرَةَ؟): قِيلَ، فَإِنْ قِيلَ: الصَّلَاةُ عِبَادَةٌ بَدَنِيَّةٌ وَلَا تَقَبَلُ النِّيَابَةَ، فَمَا مَعْنَى قَوْلِ أَبِي هُرَيْرَةَ؟ قُلْنَا: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ هَذَا مَذْهَبُ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَاسَ الصَّلَاةَ عَلَى الْحَجِّ، وَإِنْ كَانَ فِي الْحَجِّ شَائِبَةٌ مَالِيَّةٌ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ: ثَوَابٌ هَذِهِ الصَّلَاةِ لِأَبِي هُرَيْرَةَ، فَإِنَّ ذَلِكَ جَوَّزَهُ بَعْضُهُمْ، كَذَا ذَكَرَ الطِّيبِيُّ - ﵀ - وَقَالَ عُلَمَاؤُنَا: الْأَصْلُ فِي الْحَجِّ عَنِ الْغَيْرِ أَنَّ الْإِنْسَانَ لَهُ أَنْ يَجْعَلَ ثَوَابَ عَمَلِهِ لِغَيْرِهِ مِنَ الْأَمْوَاتِ وَالْأَحْيَاءِ، حَجًّا أَوْ صَلَاةً، أَوْ صَوْمًا أَوْ صَدَقَةً، أَوْ غَيْرَهَا كَتِلَاوَةِ الْقُرْآنِ وَالْأَذْكَارِ، فَإِذَا فَعَلَ شَيْئًا مِنْ هَذَا، وَجَعَلَ ثَوَابَهُ لِغَيْرِهِ جَازَ، وَيَصِلُ إِلَيْهِ عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ.
(سَمِعْتُ خَلِيلِي)، قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ - ﵀: قَدْ سَبَقَ مِنْهُ هَذَا الْقَوْلُ فِي عِدَّةِ أَحَادِيثَ، وَكَأَنَّهُ قَوْلٌ لَمْ يَصْدُرْ عَنْ رُؤْيَةٍ، بَلْ كَانَ الْبَاعِثُ عَلَيْهِ مَا عَرَفَ مِنْ قَلْبِهِ مِنْ صِدْقِ الْمَحَبَّةِ، وَلَوْ تَدَبَّرَ الْقَوْلَ لَمْ يَلْتَبِسْ عَلَيْهِ كَوْنُ ذَلِكَ زَائِغًا عَنْ نَهْجِ الْأَدَبِ، وَقَدْ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " «لَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا مِنَ النَّاسِ خَلِيلًا لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ خَلِيلًا» "، وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " «إِنِّي أَبْرَأُ إِلَى كُلِّ خَلِيلٍ مِنْ خُلَّتِهِ» " ; فَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَدَّعِيَ خُلَّتَهُ مَعَ بَرَاءَتِهِ عَنْ خُلَّةِ كُلِّ خَلِيلٍ. قَالَ الطِّيبِيُّ - ﵀: لَوْ تَأَمَّلَ حَقَّ التَّأَمُّلِ مَا ذَهَبَ إِلَى مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ ; لِأَنَّ الْمُحِبَّ مِنْ فَرْطِ الْمَحَبَّةِ وَصِدْقِ الْوِدَادِ بِرَفْعِ الِاحْتِشَامِ مِنَ الْبَيْنِ، لَا سِيَّمَا إِذَا امْتَدَّ زَمَانُ الْمُفَارَقَةِ عَلَى أَنَّهُ نَسَبَ الْخُلَّةَ إِلَى جَانِبِهِ لَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ; لِأَنَّهُ - ﵁ - مُذْ أَسْلَمَ مَا فَارَقَ حَضْرَةَ الرِّسَالَةِ مَعَ شَدَّةِ احْتِيَاجِهِ وَفَاقَتِهِ، وَالنَّاسُ مُشْتَغِلُونَ بِتِجَارَتِهِمْ وَزُرُوعِهِمْ. أَقُولُ: قَوْلُهُ: لِأَنَّ صِدْقَ الْوِدَادِ يَرْفَعُ الِاحْتِشَامَ مِنَ الْبَيْنِ إِلَخْ، كَلَامٌ مَدْخُولٌ وَتَعْلِيلٌ مَعْلُولٌ، إِذْ مِثْلُ هَذَا لَا يُقَالُ إِلَّا فِي الْمُتَسَاوِيَيْنِ مِنَ الْمُتَصَاحِبَيْنِ، وَلَا يُقَاسُ الْمُلُوكُ بِالْحَدَّادِينَ، فَأَيْنَ مَنْصِبُ صَاحِبِ النُّبُوَّةِ وَالرِّسَالَةِ عَنْ مَرْتَبَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي الْحَضْرَةِ أَوِ الْغَيْبَةِ، حَتَّى يُعَبِّرَ عَنْهُ - ﷺ - بِأَنَّهُ خَلِيلُهُ، بِأَيِّ مَعْنًى يَكُونُ سَوَاءً مِنْ إِضَافَةِ الْوَصْفِ إِلَى فَاعِلِهِ أَوْ مَفْعُولِهِ، وَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ مِثْلَ هَذَا لَوْ صَدَرَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ - ﵁ - لَأُنْكِرَ عَلَيْهِ ; لِأَنَّهُ بِظَاهِرِهِ مُصَادِمٌ لِقَوْلِهِ - ﷺ: " لَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا " الْحَدِيثَ. هَذَا وَقَدْ قِيلَ فِي سَبَبِ تَسْمِيَةِ إِبْرَاهِيمَ بِالْخَلِيلِ، أَنَّهُ بَعَثَ إِلَى خَلِيلٍ لَهُ بِمِصْرَ فِي أَزْمَةٍ أَصَابَتِ النَّاسَ، يَمْتَارُ مِنْهُ، فَقَالَ خَلِيلُهُ: لَوْ كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَطْلُبُ الْمِيرَةَ لِنَفْسِهِ لَفَعَلْتُ، وَلَكِنَّهُ يُرِيدُهَا لِلْأَضْيَافِ، فَاجْتَازَ غِلْمَانُهُ بِبَطْحَاءَ لَيِّنَةٍ فَمَلَأُوا مِنْهَا الْغَرَائِرَ حَيَاءً مِنَ النَّاسِ، فَلَمَّا أَخْبَرُوا إِبْرَاهِيمَ - ﵊ - سَاءَهُ الْخَبَرُ، فَحَمَلَتْهُ عَيْنَاهُ وَعَمَدَتِ امْرَأَتُهُ إِلَى غِرَارَةٍ مِنْهَا، فَأَخْرَجَتْ أَحْسَنَ حُوَّارَى وَاخْتَبَزَتْ، وَاسْتَنْبَهَ فَاشْتَمَّ رَائِحَةَ الْخُبْزِ، فَقَالَ: مَنْ أَيْنَ لَكُمْ هَذَا؟ فَقَالَتِ امْرَأَتُهُ: مِنْ خَلِيلِكَ الْمِصْرِيِّ، فَقَالَ: بَلْ مِنْ عِنْدِ خَلِيلِيَ اللَّهِ ; فَسَمَّاهُ اللَّهُ خَلِيلًا. هَكَذَا ذَكَرَهُ فِي الْكَشَّافِ.
قَالَ النَّوَوِيُّ - ﵀: أَصْلُ الْخُلَّةِ الِاخْتِصَاصُ وَالِاسْتِقْصَاءُ، وَقِيلَ: أَصْلُهَا الِانْقِطَاعُ إِلَى مَنْ خَالَلْتَ، مَأْخُوذٌ مِنَ الْخَلَّةِ، وَهِيَ الْحَاجَةُ، فَسُمِّيَ إِبْرَاهِيمُ - ﵊ - بِذَلِكَ ; لِأَنَّهُ قَصَرَ حَاجَتَهُ إِلَى اللَّهِ ﷾ ﷻ وَلَا إِلَهَ غَيْرُهُ، وَقِيلَ: الْخُلَّةُ صَفَاءُ الْمَوَدَّةِ الَّتِي تُوجِبُ تَخَلُّلَ الْأَسْرَارِ، وَقِيلَ: مَعْنَاهَا الْمَحَبَّةُ وَالْأَلْطَافُ، هَذَا كَلَامُ
[ ٨ / ٣٤٢٤ ]
الْقَاضِي - ﵀ - وَقَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ: الْخَلِيلُ مَعْنَاهُ الْمُحِبُّ الْكَامِلُ الْمَحَبَّةِ، وَالْمَحْبُوبُ الْمُوفِي بِحَقِيقَةِ الْمَحَبَّةِ، الَّتِي لَيْسَ فِي حُبِّهِ نَقْصٌ وَلَا خَلَلٌ. قَالَ الْوَاحِدِيُّ: هَذَا الْقَوْلُ هُوَ الِاخْتِيَارُ ; لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلِيلُ إِبْرَاهِيمَ، وَإِبْرَاهِيمَ خَلِيلُ اللَّهِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: اللَّهُ تَعَالَى خَلِيلُ إِبْرَاهِيمَ مِنَ الْخَلَّةِ الَّتِي هِيَ الْحَاجَةُ اهـ.
وَبِهِ تَبَيَّنَ أَنَّ الْخُلَّةَ بِالْمَعَانِي الَّتِي ذَكَرُوهَا لَا تَصْدُقُ عَلَى أَبِي هُرَيْرَةَ، فَكَيْفَ يَسُوغُ لَهُ أَنْ يَخُصَّ نَفْسَهُ مِنْ بَيْنِ الْأَصْحَابِ، وَيَقُولُ: سَمِعْتُ خَلِيلِي. (أَبَا الْقَاسِمِ ﷺ): بَدَلٌ أَوْ عَطْفُ بَيَانٍ (يَقُولُ): فَاعِلٌ سَمِعْتُ (" إِنَّ اللَّهَ ﷿ يَبْعَثُ ") أَيْ: يَحْشُرُ (" مِنْ مَسْجِدِ الْعَشَّارِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ شُهَدَاءَ لَا يَقُومُ ") أَيِ: الْقُبُورِ أَوْ فِي الْمَرْتَبَةِ (" مَعَ شُهَدَاءِ بَدْرٍ غَيْرُهُمْ ")، وَلَمْ يُعْرَفْ أَنَّهُ مِنْ شُهَدَاءِ هَذِهِ الْأُمَّةِ، أَوْ مِنَ الْأُمَمِ السَّابِقَةِ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَقَالَ) أَيْ: أَبُو دَاوُدَ (هَذَا الْمَسْجِدُ مِمَّا يَلِي النَّهْرَ) أَيْ: نَهْرَ الْفُرَاتِ.
قَالَ الْمُؤَلِّفُ: (وَسَنَذْكُرُ حَدِيثَ أَبِي الدَّرْدَاءِ " إِنَّ فُسْطَاطَ الْمُسْلِمِينَ ") تَمَامُهُ: " يَوْمَ الْمَلْحَمَةِ بِالْغُوطَةِ إِلَى جَانِبِ الْمَدِينَةِ يُقَالُ لَهَا دِمَشْقُ هِيَ خَيْرُ مَدَائِنِ الشَّامِ ". (فِي بَابِ: ذِكْرِ الْيَمَنِ وَالشَّامِ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى): جَلَّ شَأْنُهُ.
[ ٨ / ٣٤٢٥ ]
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
٥٤٣٥ - عَنْ شَقِيقٍ، عَنْ حُذَيْفَةَ - ﵄ - قَالَ: كُنَّا عِنْدَ عُمَرَ فَقَالَ: أَيُّكُمْ يَحْفَظُ حَدِيثَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - فِي الْفِتْنَةِ؟ فَقُلْتُ: أَنَا أَحْفَظُ كَمَا قَالَ، قَالَ: هَاتِ، إِنَّكَ لِجَرِيءٌ، وَكَيْفَ قَالَ؟ قُلْتُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يَقُولُ: " «فِتْنَةُ الرَّجُلِ فِي أَهْلِهِ وَمَالِهِ وَنَفْسِهِ وَوَلَدِهِ وَجَارِهِ ; يُكَفِّرُهَا الصِّيَامُ وَالصَّلَاةُ وَالصَّدَقَةُ وَالْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ» "، قَالَ عُمَرُ لَيْسَ هَذَا أُرِيدُ، إِنَّمَا أُرِيدُ الَّتِي تَمُوجُ كَمَوْجِ الْبَحْرِ. قَالَ: قُلْتُ: مَا لَكَ وَلَهَا يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؟ إِنَّ بَيْنَكَ وَبَيْنَهَا بَابًا مُغْلَقًا. قَالَ: فَيُكْسَرُ الْبَابُ أَوْ يُفْتَحُ؟ قَالَ: قُلْتُ: لَا ; بَلْ يُكْسَرُ. قَالَ: ذَاكَ أَحْرَى أَنْ لَا يُغْلَقَ أَبَدًا. قَالَ: فَقُلْنَا لِحُذَيْفَةَ: هَلْ كَانَ عُمَرُ يَعْلَمُ مِنَ الْبَابِ؟ قَالَ: نَعَمْ كَمَا يَعْلَمُ أَنَّ دُونَ غَدٍ لَيْلَةٌ، إِنِّي حَدَّثْتُهُ حَدِيثًا لَيْسَ بِالْأَغَالِيطِ، قَالَ: فَهِبْنَا أَنْ نَسْأَلَ حُذَيْفَةَ مَنِ الْبَابُ؟ فَقُلْنَا لِمَسْرُوقٍ: سَلْهُ. فَسَأَلَهُ فَقَالَ: عُمَرُ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
_________________
(١) الْفَصْلُ الثَّالِثُ
(٢) (عَنْ شَقِيقٍ): وَهُوَ ابْنُ أَبِي سَلَمَةَ، أَدْرَكَ زَمَنَ النَّبِيِّ - ﷺ - وَلَمْ يَرَهُ وَلَمْ يَسْمَعْ مِنْهُ، وَرَوَى عَنْ خَلْقٍ مِنَ الصَّحَابَةِ، مِنْهُمْ: عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، وَابْنُ مَسْعُودٍ، وَكَانَ خِصِّيصًا بِهِ مِنْ أَكَابِرِ الصَّحَابَةِ، وَهُوَ كَثِيرُ الْحَدِيثِ، ثِقَةٌ حُجَّةٌ، مَاتَ زَمَنَ الْحَجَّاجِ (عَنْ حُذَيْفَةَ) أَيِ: ابْنُ الْيَمَانِ. قَالَ الْمُؤَلِّفُ: هُوَ صَاحِبُ سِرِّ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - وَقَدْ رَوَى عَنْهُ عُمَرُ وَأَبُو الدَّرْدَاءِ وَغَيْرُهُمْ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، مَاتَ بِالْمَدَائِنِ بَعْدَ قَتْلِ عُثْمَانَ بِأَرْبَعِينَ لَيْلَةً، وَقَبْرُهُ بِهَا (قَالَ: كُنَّا عِنْدَ عُمَرَ فَقَالَ: أَيُّكُمْ يَحْفَظُ حَدِيثَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - فِي الْفِتْنَةِ؟ فَقُلْتُ: أَنَا أَحْفَظُ كَمَا قَالَ): صِفَةُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أَيْ: أَنَا أَحْفَظُ مَقُولَهُ - ﷺ - حِفْظًا مُمَاثِلًا لِمَا قَالَ، ذَكَرَ الطِّيِبِيُّ - ﵀ - فَأَحْفَظُ: مُتَكَلِّمٌ لَا تَفْضِيلَ كَمَا يُتَوَهَّمُ، (قَالَ: هَاتِ): بِكَسْرِ التَّاءِ، أَيْ: أَعْطِنِي، عَلَى مَا فِي الْقَامُوسِ، (إِنَّكَ لِجَرِيءٌ): فَعِيلٌ مِنَ الْجَرَاءَةِ وَهِيَ الْإِقْدَامُ عَلَى الشَّيْءِ، وَمَعْنَاهُ: إِنَّكَ غَيْرُ هَائِبٍ، قَدْ تَجَاسَرْتَ عَلَى مَا لَا أَعْرِفُهُ، وَلَا يَعْرِفُهُ أَصْحَابُكَ، وَاعَيْتُ أَنَّكَ عَرَفْتَ صَرِيحَ الْقَوْلِ ; وَمِنْ ثَمَّ قَالَ: هَاتِ (وَكَيْفَ: قَالَ) أَيِ: النَّبِيُّ - ﷺ. قَالَ الطِّيبِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: هُوَ عَطْفٌ عَلَى هَاتِ، أَيْ: هَاتِ مَا قَالَ، وَبَيِّنْ كَيْفِيَّتَهُ اهـ. وَقَدْ يُقَالُ: إِنَّ الظَّاهِرَ بِالنَّظَرِ إِلَى حَالِ حُذَيْفَةَ، وَمَا كَانَ مَعْلُومًا عِنْدَهُمْ مِنْ أَنَّهُ صَاحِبُ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - فِيمَا يَقَعُ مِنَ الْفِتَنِ أَنْ
[ ٨ / ٣٤٢٥ ]
يَكُونَ الْمَعْنَى إِنَّكَ لِجَرَاءَتِكَ وَكَثْرَةِ مُسَاءَلَتِكَ أَخَذْتَ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - مَا لَمْ نَأْخُذْ مِنْهُ، فَهَاتِ وَبَيِّنْ. (قُلْتُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يَقُولُ: " «فِتْنَةُ الرَّجُلِ فِي أَهْلِهِ» ") أَيْ: عِيَالُهُ، مِنِ امْرَأَتِهِ وَجَارِيَتِهِ أَوْ أَقَارِبِهِ، (" وَمَالِهِ وَنَفْسِهِ وَوَلَدِهِ وَجَارِهِ ") أَيْ: وَأَمْثَالُ ذَلِكَ، وَالْمَعْنَى أَنَّ الرَّجُلَ يُبْتَلَى وَيُمْتَحَنُ فِي هَذِهِ الْأَشْيَاءِ، وَيُسْأَلُ عَنْ حُقُوقِهَا، وَقَدْ يَحْصُلُ لَهُ ذُنُوبٌ مِنْ تَقْصِيرِهِ فِيهَا، فَيَنْبَغِي أَنْ يُكَفِّرَهَا بِالْحَسَنَاتِ ; لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤] وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ: (" يُكَفِّرُهَا الصَّلَاةُ وَالصِّيَامُ وَالصَّدَقَةُ وَالْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ "، فَقَالَ عُمَرُ: لَيْسَ هَذَا أُرِيدُ)، قَالَ الطِّيبِيُّ - ﵀: وَذَلِكَ أَنَّ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - لَمَّا سَأَلَ: أَيُّكُمْ يَحْفَظُ حَدِيثَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - فِي الْفِتْنَةِ؟ وَاحْتَمَلَ أَنْ يُرَادَ بِالْفِتْنَةِ الِاخْتِبَارُ وَالِابْتِلَاءُ، كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: ١٥٥]، وَأَنْ يُرَادَ بِهَا وَقْعَةُ الْقِتَالِ، وَكَانَ سُؤَالُهُ عَنِ الثَّانِي قَالَ: لَيْسَ هَذَا أُرِيدُ (إِنَّمَا أُرِيدُ الَّتِي تَمُوجُ كَمَوْجِ الْبَحْرِ) أَيْ: تَضْطَرِبُ اضْطِرَابَ الْبَحْرِ عِنْدَ هَيَجَانِهِ، وَكَنَّى بِذَلِكَ عَنْ شِدَّةِ الْمُخَاصَمَةِ، وَكَثْرَةِ الْمُنَازَعَةِ، وَمَا يَنْشَأُ عَنْ ذَلِكَ مِنَ الْمُشَاتَمَةِ وَالْمُقَاتَلَةِ، وَإِنَّمَا أَنَّثَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - الْمُشَارَ إِلَيْهِ بَعْدَ مَا ذَكَرَهُ بِاعْتِبَارِ الْمَذْكُورِ دَلَالَةً عَلَى فَظَاعَةِ الْمُشَارِ إِلَيْهِ، وَإِنَّهَا الدَّاهِيَةُ الدَّهْيَاءُ.
(قَالَ: قُلْتُ: مَا لَكَ وَلَهَا): اسْتِفْهَامُ إِنْكَارٍ أَيْ: أَيُّ شَيْءٍ لَكَ مِنَ الْحَاجَةِ إِلَى تِلْكَ الْفِتْنَةِ وَإِلَى سُؤَالِهَا، وَمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا مِنَ الْمِحْنَةِ، وَأَيُّ شَيْءٍ لَهَا مِنَ الْوُصُولِ إِلَيْكَ وَالْحُصُولِ لَدَيْكَ ; فَإِنَّهُ لَيْسَ لَكَ وَلَهَا اقْتِرَانٌ وَاجْتِمَاعٌ فِي زَمَانٍ، (يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؟): يُحْتَمَلُ تَعَلُّقُهُ بِمَا قَبْلَهُ وَمَا بَعْدَهُ، (إِنَّ بَيْنَكَ وَبَيْنَهَا بَابًا مُغْلَقًا): اسْتِئْنَافُ تَعْلِيلٍ، (قَالَ: فَيُكْسَرُ الْبَابُ) أَيْ: مِنْ شِدَّتِهِ وَصُعُوبَتِهِ، وَالِاسْتِفْهَامُ مُقَدَّرٌ ; وَلِذَا قَابَلَهُ بِقَوْلِهِ: (أَوْ يُفْتَحُ) أَيْ: مِنْ خِفَّتِهِ وَسُهُولَتِهِ (قَالَ: قُلْتُ: لَا) أَيْ: لَا يُفْتَحُ ; فَانْصَبَّ النَّفْيُ عَلَى الْفِعْلِ الْقَرِيبِ، لَكِنْ لَمَّا كَانَ مُوَهَّمًا أَنْ يَتَعَلَّقَ بِالْفِعْلَيْنِ جَمِيعًا اسْتَدْرَكَهُ وَقَالَ: (بَلْ يُكْسَرُ) وَفَائِدَتُهُ التَّأْكِيدُ وَالتَّأْيِيدُ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ - ﵀: فَإِنْ قُلْتَ: كَانَ يَكْفِي فِي الْجَوَابِ أَنْ يَقُولَ: يُكْسَرُ، فَلِمَ أَتَى بِلَا وَبَلْ؟ قُلْتُ: لِلتَّنْبِيهِ عَلَى أَنَّ هَذَا لَيْسَ مِنْ مَقَامِ التَّرْدِيدِ فِي الْكَسْرِ لِظُهُورِهِ، فَلَا يُسْأَلُ بِأَمِ الْمُعَادَلَةِ كَمَا سَبَقَ مِرَارًا اهـ.
وَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ مِنَ الِاعْتِرَاضِ الْبَارِدِ عَلَى مَنْ هُوَ مِنْ زُبْدَةِ الْفُصَحَاءِ وَعُمْدَةِ الْبُلَغَاءِ، وَكَذَا مِنْ دَعْوَى الظُّهُورِ الَّذِي لَا يَتَوَهَّمُهُ أَحَدٌ مِنَ الْأَغْبِيَاءِ، مَعَ أَنَّ (أَمْ) لَيْسَ مَوْجُودًا فِي الْعِبَارَةِ، بَلِ التَّرْدِيدُ إِنَّمَا وَقَعَ بِلَفْظٍ أَوْ فَرْقٍ بَيْنَهُمَا عِنْدَ أَرْبَابِ الْإِشَارَةِ، بَلِ الظَّاهِرُ إِنَّمَا هُوَ الِاعْتِرَاضُ عَلَى حُذَيْفَةَ فِي جَوَابِهِ لِمَا تَقَرَّرَ فِي مَحَلِّهِ مِنْ أَنَّ جَوَابَ (أَمْ) الْمُتَّصِلَةِ بِالتَّعْيِينِ دُونَ نَعَمْ أَوْ لَا ; لِأَنَّهُمَا لَا يُفِيدَانِ التَّعْيِينَ بِخِلَافِ (أَوْ) مَعَ الْهَمْزَةِ كَمَا إِذَا قُلْنَا: جَاءَكَ زَيْدٌ أَوْ عَمْرٌو، فَإِنَّهُ يُصْبِحُ جَوَابُهُ بِلَا وَنَعَمْ ; لِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِالسُّؤَالِ أَحَدُهُمَا لَا عَلَى التَّعْيِينِ جَاءَكَ أَوْ لَا، وَلَا شَكَّ هَذَا الْمَعْنَى غَيْرُ مُرَادٍ هُنَا فِي جَوَابِهِ، بَلِ الْمُرَادُ التَّعْيِينُ، وَهُوَ الْمَقْصُودُ فِي الْحُكْمِ بِالْكَسْرِ، غَايَتُهُ أَنَّهُ نَفَى مُقَابِلَهُ وَهُوَ الْفَتْحُ أَوَّلًا، ثُمَّ أَثْبَتَ الْكَسْرَ لِزِيَادَةِ إِفَادَةِ الْحَصْرِ كَمَا حَقَّقَ فِي كَلِمَةِ التَّوْحِيدِ، فَإِنَّهُ لَوْ قِيلَ: اللَّهُ مَوْجُودٌ أَوْ ثَابِتٌ أَوْ مُحَقَّقٌ، لَمْ يُفِدْ نَفْيَ مَا سِوَاهُ، فَلِذَا عَدَلَ عَنْهُ إِلَى قَوْلِهِ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ.
(قَالَ) أَيْ: عُمَرُ - ﵁ - (ذَاكَ): كَذَا بِلَا لَامٍ فِي النُّسَخِ الْمُصَحَّحَةِ، أَيْ: ذَاكَ الْبَابُ الَّذِي مِنْ وَصْفِهِ أَنْ يُكْسَرَ وَلَا يُفْتَحَ (أَحْرَى) أَيْ: حَرِيٌّ وَحَقِيقٌ (أَنْ لَا يُغْلَقَ أَبَدًا) ; لِأَنَّ الْفَتْحَ قَدْ يُرْجَى إِغْلَاقُهُ بِخِلَافِ
[ ٨ / ٣٤٢٦ ]
الْكَسْرِ، فَإِنَّهُ يَبْعُدُ مِنَ الرَّجَاءِ، ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ، وَمِمَّا يُقَوِّي هَذَا الْمَعْنَى مَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ ثَوْبَانَ: " «إِذَا وُضِعَ السَّيْفُ فِي أُمَّتِي لَمْ يُرْفَعْ عَنْهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ» ". (قَالَ) أَيِ: الرَّاوِي وَهُوَ شَقِيقٌ (فَقُلْنَا لِحُذَيْفَةَ: هَلْ كَانَ عُمَرُ يَعْلَمُ مَنِ الْبَابُ؟)، كَانَ الظَّاهِرُ أَنْ يُقَالَ: مَا الْبَابُ؟ فَكَأَنَّهُمْ تَفَرَّسُوا أَنَّ الْمُرَادَ بِالْبَابِ الشَّخْصُ لَا الْبَابُ الْحَقِيقِيُّ، كَذَا حَقَّقَهُ الطِّيبِيُّ - ﵀ - وَفِي الْكَسْرِ شَهَادَةٌ عَلَى شَهَادَةِ عُمَرَ - ﵁ - فَكَأَنَّ ابْنَ الْخَطَّابِ كَانَ بَابَ الصَّوَابِ، وَمِفْتَاحًا لِعِزِّ الْإِسْلَامِ، وَمَأْمَنًا مِنَ الْفِتَنِ بَيْنَ الْأَنَامِ، فَرَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، وَأَدْخَلَهُ دَارَ السَّلَامِ.
(قَالَ) أَيْ: حُذَيْفَةُ (نَعَمْ) أَيْ: كَانَ يَعْلَمُ مَنِ الْبَابُ، (كَمَا يَعْلَمُ) أَيْ: كَعِلْمِهِ (أَنَّ دُونَ غَدٍ) أَيْ: قُدَّامَهُ (لَيْلَةٌ)، وَالْمَعْنَى: أَنَّ الْغَدَ لَا يُتَصَوَّرُ إِلَّا مُتَأَخِّرًا عَنْ حُصُولِ اللَّيْلَةِ، وَكَأَنَّهُ جَعَلَ زَمَنَ الْأَمْنِ فِي قُوَّةِ الْيَوْمِ الْحَاضِرِ، وَوَقْتَ الْفِتَنِ بِمَنْزِلَةِ الْغَدِ الْحَاضِرِ، وَالْحَاجِزَ بَيْنَهُمَا فِي مَرْتَبَةِ لَيْلٍ سَاتِرٍ، وَمَا أَحْسَنَ تَعْبِيرَ حُذَيْفَةَ - ﵁ - عَنْ ظُهُورِ يَوْمِ الْفِتْنَةِ بِالْغَدِ الْوَاقِعِ بَعْدَ تَحَقُّقِ الظُّلْمَةِ الْمُعَبِّرِ عَنْهَا بِاللَّيْلَةِ ; لِخَفَاءِ أَمْرِ الْفِتْنَةِ وَشِدَّةِ بَلَائِهَا، فَإِنَّ اللَّيْلَ أَدْهَى لِلْوَيْلِ، وَحَاصِلُهُ أَنَّ عِلْمَهُ بِأَنَّهُ هُوَ الْبَابُ أَمْرٌ ظَاهِرٌ لَا يَشُكُّ فِيهِ أَحَدٌ مِنْ أُولِي الْأَلْبَابِ، (إِنِّي حَدَّثْتُهُ): اسْتِئْنَافٌ فِي مَعْنَى التَّعْلِيلِ أَيْ: ذَكَرْتُ لَهُ حَدِيثًا) أَيْ: ظَاهَرًا (لَيْسَ بِالْأَغَالِيطِ): وَهِيَ جَمْعُ الْأُغْلُوطَةِ وَهِيَ الْمَسْأَلَةُ الَّتِي يُغْلَطُ بِهَا.
قَالَ الطِّيبِيُّ - ﵀: أَرَادَ أَنَّ مَا ذَكَرْتُ لَهُ لَمْ يَكُنْ مُبْهَمًا مُحْتَمَلًا كَالْأَغَالِيطِ، بَلْ صَرَّحْتُهُ تَصْرِيحًا، وَفِيهِ أَنَّهُ قَدْ آثَرَ حُذَيْفَةُ الْحِرْصَ عَلَى حِفْظِ السِّرِّ، وَلَمْ يُصَرِّحْ لِعُمَرَ بِمَا سَأَلَ عَنْهُ، وَإِنَّمَا كَنَّى عَنْهُ كِنَايَةً، أَيْ: لَا يَخْرُجُ مِنَ الْفِتَنِ شَيْءٌ فِي حَيَاتِكَ، وَكَأَنَّهُ مَثَّلَ الْفِتَنَ بِدَارٍ مُقَابِلٍ لِدَارِ الْأَمْنِ، وَحَيَاتُهُ بَابٌ مُغْلَقٌ، وَمَوْتُهُ بِفَتْحِ ذَلِكَ الْبَابِ، ثُمَّ أَنَّهُ كَنَّى بِالْكَسْرِ عَنِ الْقَتْلِ، وَبِالْفَتْحِ عَنِ الْمَوْتِ، وَحَاصِلُهُ: أَنَّهُ لَمْ يَكُنِ الْكَلَامُ مِنْ بَابِ الصَّرِيحِ، بَلْ مِنْ قَبِيلِ الرَّمْزِ وَالتَّلْوِيحِ، لَكِنَّ عُمَرَ مِمَّنْ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ الْإِشَارَةُ فَضْلًا عَنِ الْعِبَارَةِ، بَلْ هُوَ أَيْضًا مِنْ أَصْحَابِ الْأَسْرَارِ وَأَرْبَابِ الْأَنْوَارِ، وَإِنَّمَا أَرَادَ بِالسُّؤَالِ تَحْقِيقَ الْحَالِ، وَأَنَّهُ هَلْ بَقِيَ أَحَدٌ مِنَ الصَّحَابَةِ مِمَّنْ يَكُونُ هَذَا الْعِلْمُ مِنْهُ عَلَى الْبَابِ ; وَلِذَا جَزَمَ حُذَيْفَةُ بِقَوْلِهِ: نَعَمْ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. ثُمَّ قَوْلُ الطِّيبِيِّ - ﵀: وَلَعَلَّهُ لِهَذَا السِّرِّ قَالَ لَهُ عُمَرُ: إِنَّكَ لِجَرِيءٌ، وَفِيهِ نَظَرٌ ظَاهِرٌ ; لِأَنَّ إِظْهَارَ الْحَقِّ الْمَسْمُوعِ مِنْ سَيِّدِ الْخَلْقِ لَا يُسْتَبْعَدُ حَتَّى يُسَمَّى جَرَاءَةً عَلَى الرَّدِّ، فَالصَّوَابُ مَا تَقَدَّمَ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
(قَالَ) أَيْ: شَقِيقٌ (فَهِبْنَا): بِكَسْرِ الطَّاءِ مِنَ الْهَيْبَةِ أَيْ: فَخَشِينَا (أَنْ نَسْأَلَ حُذَيْفَةَ مَنِ الْبَابُ؟) أَيْ: فِي ذَلِكَ الْمَجْلِسِ (فَقُلْنَا لِمَسْرُوقٍ): وَهُوَ تَابِعِيٌّ جَلِيلٌ (سَلْهُ) أَيْ: سَلْ حُذَيْفَةَ (فَسَأَلَهُ فَقَالَ) أَيْ: حُذَيْفَةُ (عُمَرُ) أَيْ: هُوَ الْبَابُ بِمَعْنَى السَّدِّ لِلْفِتْنَةِ عَنِ الْأَصْحَابِ وَالْأَحْبَابِ، أَوْ لِأَنَّهُ بَابُ النُّطْقِ بِالصَّوَابِ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ)، وَفِي الْجَامِعِ: " «فِتْنَةُ الرَّجُلِ فِي أَهْلِهِ وَمَالِهِ وَوَلَدِهِ وَنَفْسِهِ وَجَارِهِ، يُكَفِّرُهَا الصِّيَامُ وَالصَّدَقَةُ وَالْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ» ". رَوَاهُ الشَّيْخَانِ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ عَنْ حُذَيْفَةَ.
[ ٨ / ٣٤٢٧ ]
٥٤٣٦ - وَعَنْ أَنَسٍ - ﵁ - قَالَ: فَتْحُ الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ مَعَ قِيَامِ السَّاعَةِ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ.
_________________
(١) (وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: فَتْحُ الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ مَعَ قِيَامِ السَّاعَةِ) أَيْ: مَعَ قُرْبِ قِيَامِهَا، وَقَدْ سَبَقَ تَحْقِيقُ الْمَبَانِي وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ مِنَ الْمَعَانِي. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ) أَيْ: إِسْنَادًا أَوْ مَتْنًا، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
[ ٨ / ٣٤٢٧ ]