الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
٤٢٨٦ - عَنْ أَنَسٍ - ﵁ - قَالَ: «لَقَدْ سَقَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - بِقَدَحِي هَذَا الشَّرَابَ كُلَّهُ: الْعَسَلَ، وَالنَّبِيذَ، وَالْمَاءَ وَاللَّبَنَ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
_________________
(١) بَابُ النَّقِيعِ وَالْأَنْبِذَةِ بِكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ جَمْعُ النَّبِيذِ. فِي النِّهَايَةِ: النَّقِيعُ هُنَا شَرَابٌ يُتَّخَذُ مِنْ زَبِيبٍ أَوْ غَيْرِهِ يُنْقَعُ فِي الْمَاءِ مِنْ غَيْرِ طَبْخٍ، وَالنَّبِيذُ هُوَ مَا يُعْمَلُ مِنَ الْأَشْرِبَةِ مِنَ التَّمْرِ وَالزَّبِيبِ وَالْعَسَلِ وَالْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ وَغَيْرِ ذَلِكَ. يُقَالُ: نَبَذْتُ التَّمْرَ وَالْعِنَبَ إِذَا تَرَكْتُ عَلَيْهِ الْمَاءَ لِيَصِيرَ نَبِيذًا فَصُرِفَ مِنْ مَفْعُولٍ إِلَى فَعِيلٍ اهـ. وَهَذَا النَّبِيذُ لَهُ مَنْفَعَةٌ عَظِيمَةٌ فِي زِيَادَةِ الْقُوَّةِ. قَالَ مِيرَكُ: وَهُوَ حَلَالٌ اتِّفَاقًا مَا دَامَ حُلْوًا، وَلَمْ يَنْتَهِ إِلَى حَدِّ الْإِسْكَارِ ; لِقَوْلِهِ - ﷺ: " «كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ» ". الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
(٢) (عَنْ أَنَسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ: لَقَدْ سَقَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - بِقَدَحِي هَذَا): وَفِي الشَّمَائِلِ بِهَذَا الْقَدَحِ يَعْنِي قَدَحَ خَشَبٍ غَلِيظًا مُضَبَّبًا (الشَّرَابَ): أَيْ جِنْسَ مَا يُشْرَبُ مِنْ أَنْوَاعِ الْأَشْرِبَةِ مَفْعُولُ سَقَيْتُ (كُلَّهُ): تَأْكِيدٌ، أَيْ كُلَّ صِنْفٍ مِنْهُ (الْعَسَلَ): بَدَلُ بَعْضٍ مِنَ الْكُلِّ اهْتِمَامًا بِهَا، وَلِكَوْنِهَا أَشْهَرَ أَنْوَاعِهِ، وَقِيلَ: عَطْفُ بَيَانٍ، وَالْمُرَادُ بِهِ مَاءُ الْعَسَلِ، فَهُوَ لَا يُشْرَبُ، بَلْ يُلْحَسُ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ بِالتَّغْلِيبِ (وَالنَّبِيذَ، وَالْمَاءَ، وَاللَّبَنَ): وَالْوَاوُ فِيهَا لِمُطْلَقِ الْجَمْعِ، فَفِي الشَّمَائِلِ الْمَاءُ وَالنَّبِيذُ وَالْعَسَلُ وَاللَّبَنُ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) . وَجَاءَ فِي رِوَايَةٍ عَنْ أَنَسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ: " لَقَدْ سَقَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - مِنْ هَذَا الْقَدَحِ أَكْثَرَ مِنْ كَذَا وَكَذَا "، وَعَنِ الْبُخَارِيِّ أَنَّهُ رَآهُ بِالْبَصْرَةِ وَشَرِبَ مِنْهُ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ ﵀: فَاشْتُرِيَ هَذَا الْقَدَحُ مِنْ مِيرَاثِ النَّضْرِ بْنِ أَنَسٍ بِثَمَانِمِائَةِ أَلْفٍ.
[ ٧ / ٢٧٥٥ ]
٤٢٨٧ - وَعَنْ عَائِشَةَ - ﵂ - قَالَتْ: «كُنَّا نَنْبِذُ لِرَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - فِي سِقَاءٍ يُوكَأُ أَعْلَاهُ، وَلَهُ عَزْلَاءُ نَنْبِذُهُ غُدْوَةً، فَيَشْرَبُهُ عِشَاءً، وَنَنْبِذُهُ عِشَاءً فَيَشْرَبُهُ غُدْوَةً» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
_________________
(١) (وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - قَالَتْ: كُنَّا نَنْبِذُ): بِكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ لَا غَيْرُ، وَيَجُوزُ ضَمُّ النُّونِ الْأُولَى مَعَ تَخْفِيفِ الْمُوَحَّدَةِ وَتَشْدِيدِهَا. وَفِي الْقَامُوسِ: النَّبْذُ. الطَّرْحُ وَالْفِعْلُ كَضَرَبَ، وَالنَّبِيذُ الْمُلْقَى وَمَا نُبِذَ مِنْ عَصِيرٍ وَنَحْوِهِ، وَقَدْ نَبَذَهُ وَأَنْبَذَهُ وَانْتَبَذَهُ وَنَبَذَهُ أَيْ نَطْرَحُ الزَّبِيبَ وَنَحْوَهُ. (لِرَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - فِي سِقَاءٍ): بِكَسْرِ أَوَّلِهِ مَمْدُودًا (يُوكَأُ أَعْلَاهُ): أَيْ يُشَدُّ رَأْسُهُ بِالْوِكَاءِ وَهُوَ الرِّبَاطُ، وَاعْلَمْ أَنَّ قَوْلَهُ: يُوكَأُ بِالْهَمْزِ فِي الْأُصُولِ الْمُعْتَمَدَةِ،
[ ٧ / ٢٧٥٥ ]
وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ بِالْأَلِفِ الْمَقْصُورَةِ عَلَى صُورَةِ الْيَاءِ، فَفِي الْمِصْبَاحِ: أَوْكَأْتُ السِّقَاءَ بِالْهَمْزِ شَدَدْتُ فَمَهُ بِالْوِكَاءِ، وَفِي الْمُغْرِبِ: أَوْكَأَ السِّقَاءَ شَدَّهُ بِالْوِكَاءِ وَهُوَ الرِّبَاطُ، وَمِنْهُ السِّقَاءُ الْمُوكَأُ، وَلَمْ يَذْكُرْهُ صَاحِبُ الْقَامُوسِ فِي الْمَهْمُوزِ، وَإِنَّمَا ذَكَرَهُ فِي الْمُعْتَلِّ، وَقَالَ: الْوِكَاءُ كَكِسَاءٍ رِبَاطُ الْقِرْبَةِ وَغَيْرِهَا، وَقَدْ وَكَاهَا وَأَوْكَاهَا وَعَلَيْهَا اهـ. فَالصَّحِيحُ أَنَّهُ مُعْتَلٌّ، وَقَوْلُهُ: بِالْهَمْزِ فِي عِبَارَةِ الْمَصَابِيحِ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قَيْدًا لِلسِّقَاءِ فَتُوُهِّمَ أَنَّهُ لِلْفِعْلِ فَكُتِبَ بِالْهَمْزِ، وَكَانَ حَقُّهُ أَنْ يُكْتَبَ أَوَكَيْتُ، وَمِمَّا يُؤَيِّدُ ذَلِكَ قَوْلُهُ: " أَوْكُوا " فِي الْحَدِيثِ الْآتِي بِضَمِّ الْكَافِ فِي الْأُصُولِ الْمُعْتَمَدَةِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَالَ الْقَاضِي: وَقَدْ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - بِتَغْطِيَةِ الْأَوَانِي وَشَدِّ أَفْوَاهِ الْأَسْقِيَةِ حِذْرًا مِنَ الْهَوَامِّ. (وَلَهُ): أَيْ لِلسِّقَاءِ، (عَزْلَاءُ): بِمُهْمَلَةٍ مَفْتُوحَةٍ فَزَايٍ سَاكِنَةٍ مَمْدُودَةٍ أَيْ مَا يَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ، وَالْمُرَادُ بِهِ فَمُ الْمَزَادَةِ الْأَسْفَلَ. قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: أَيْ لَهُ ثُقْبَةٌ فِي أَسْفَلِهِ لِيُشْرَبَ مِنْهُ الْمَاءُ، وَفِي الْقَامُوسِ: الْعَزْلَاءُ مَصَبُّ الْمَاءِ مِنَ الرَّاوِيَةِ وَنَحْوِهَا اهـ. وَالْوَاوُ لِلْحَالِ وَقَوْلُهُ: (نَنْبِذُهُ): اسْتِئْنَافٌ أَيْ نَحْنُ نَطْرَحُ التَّمْرَ وَنَحْوَهُ فِي السِّقَاءِ (غُدْوَةً): بِالضَّمِّ مَا بَيْنَ صَلَاةِ الْغُدْوَةِ وَطُلُوعِ الشَّمْسِ (فَيَشْرَبُهُ): أَيْ هُوَ يَعْنِي النَّبِيَّ - ﷺ - مِنْ ذَلِكَ الْمَنْبُوذِ (عِشَاءً): بِكَسْرِ أَوَّلِهِ، وَهُوَ مَا بَعْدَ الزَّوَالِ إِلَى الْمَغْرِبِ عَلَى مَا فِي النِّهَايَةِ. (وَنَنْبِذُهُ عِشَاءً فَيَشْرَبُهُ غُدْوَةً. رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
[ ٧ / ٢٧٥٦ ]
٤٢٨٨ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ - قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - يُنْبَذُ لَهُ أَوَّلَ اللَّيْلِ، فَيَشْرَبُهُ إِذَا أَصْبَحَ يَوْمَهُ ذَلِكَ، وَاللَّيْلَةَ الَّتِي تَجِيءُ، وَالْغَدَ، وَاللَّيْلَةَ الْأُخْرَى، وَالْغَدَ إِلَى الْعَصْرِ، فَإِنْ بَقِيَ شَيْءٌ سَقَاهُ الْخَادِمَ، أَوْ أَمَرَ بِهِ فَصُبَّ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
_________________
(١) (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - يُنْبَذُ): بِصِيغَةِ الْمَفْعُولِ أَيْ يُطْرَحُ الزَّبِيبُ وَنَحْوُهُ فِي الْمَاءِ (لَهُ أَوَّلَ اللَّيْلِ فَيَشْرَبُهُ، إِذَا أَصْبَحَ يَوْمَهُ): بِالنَّصْبِ ظَرْفٌ لِيَشْرَبَهُ أَيْ جَمِيعَ يَوْمِهِ (ذَلِكَ)، قَالَ الطِّيبِيُّ: هُوَ صِفَةُ قَوْلِهِ " يَوْمَهُ " أَيْ يَوْمَ اللَّيْلِ الَّذِي يُنْبَذُ لَهُ فَيَشْرَبُهُ وَقْتَ دُخُولِهِ فِي وَقْتِ الصَّبَاحِ (وَاللَّيْلَةَ الَّتِي تَجِيءُ وَالْغَدَ): عَطْفٌ عَلَى يَوْمِهِ عَلَى سَبِيلِ الِانْسِحَابِ لَا التَّقْدِيرِ وَكَذَا قَوْلُهُ: (وَاللَّيْلَةَ الْأُخْرَى، وَالْغَدَ إِلَى الْعَصْرِ، فَإِنْ بَقِيَ شَيْءٌ): أَيْ مِنَ النَّبِيذِ (سَقَاهُ الْخَادِمَ): لِكَوْنِهِ دُرْدِيًّا لَا لِكَوْنِهِ مُسْكِرًا (أَوْ أَمَرَ بِهِ): أَيْ بِالْمَنْبُوذِ الْبَاقِي (فَصُبَّ): بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيْ: كُبَّ لِمَخَافَةِ التَّغَيُّرِ، أَوْ إِذَا بَلَغَ حَدَّ الْإِسْكَارِ، فَأَوْ لِلتَّنْوِيعِ لَا لِلشَّكِّ. قَالَ الْمُظْهِرُ: إِنَّمَا لَمْ يَشْرَبْهُ - ﷺ - لِأَنَّهُ كَانَ دُرْدِيًّا وَلَمْ يَبْلُغْ حَدَّ الْإِسْكَارِ، فَإِذَا بَلَغَ صَبَّهُ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ شُرْبِ الْمَنْبُوذِ مَا لَمْ يَكُنْ مُسْكِرًا، وَعَلَى جَوَازِ أَنْ يُطْعِمَ السَّيِّدُ مَمْلُوكَهُ طَعَامًا أَسْفَلَ وَيَطْعَمَ هُوَ طَعَامًا أَعْلَى. قَالَ النَّوَوِيُّ: وَحَدِيثُ عَائِشَةَ يَنْبِذُهُ غُدْوَةً فَيَشْرَبُهُ عِشَاءً لَا يُخَالِفُ هَذَا الْحَدِيثَ لِأَنَّ الشُّرْبَ فِي الْيَوْمِ لَا يَمْنَعُ مِنَ الزِّيَادَةِ وَقِيلَ: لَعَلَّ حَدِيثَ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - كَانَ فِي زَمَنِ الْحَرِّ حَيْثُ يُخْشَى فَسَادُهُ، وَحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - فِي زَمَانٍ يُؤْمَنُ فِيهِ التَّغَيُّرُ قَبْلَ الثَّلَاثِ، وَقِيلَ: حَدِيثُهَا مَحْمُولٌ عَلَى نَبِيذٍ قَلِيلٍ يُفْرَغُ مِنْهُ فِي يَوْمِهِ، وَحَدِيثُهُ عَلَى كَثِيرٍ لَا يُفْرَغُ مِنْهُ فِي يَوْمٍ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
[ ٧ / ٢٧٥٦ ]
٤٢٨٩ - وَعَنْ جَابِرٍ - ﵁ - قَالَ: «كَانَ يُنْبَذُ لِرَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - فِي سِقَائِهِ، فَإِذَا لَمْ يَجِدُوا سِقَاءً يُنْبَذُ لَهُ فِي تَوْرٍ مِنْ حِجَارَةٍ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
_________________
(١) (وَعَنْ جَابِرٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ: كَانَ يُنْبَذُ لِرَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - فِي سِقَاءٍ، فَإِذَا لَمْ يَجِدُوا سِقَاءً): أَيْ فَارِغًا (يُنْبَذُ): أَيْ كَانَ يُنْبَذُ (لَهُ فِي تَوْرٍ): بِفَوْقِيَّةٍ مَفْتُوحَةٍ فَوَاوٍ سَاكِنَةٍ أَيْ ظَرْفٍ (مِنْ حِجَارَةٍ): قَالَ بَعْضُهُمْ: التَّوْرُ إِنَاءٌ صَغِيرٌ يُشْرَبُ فِيهِ وَيُتَوَضَّأُ مِنْهُ. وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: وَهُوَ ظَرْفٌ يُشْبِهُ الْقِدْرَ يُشْرَبُ مِنْهُ. وَفِي النِّهَايَةِ: إِنَاءٌ مِنْ صُفْرٍ أَوْ حِجَارَةٍ كَالْإِجَّانَةِ، وَقَدْ يُتَوَضَّأُ مِنْهُ. وَفِي الْقَامُوسِ: إِنَاءٌ يُشْرَبُ مِنْهُ مُذَكَّرٌ (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
[ ٧ / ٢٧٥٦ ]
٤٢٩٠ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ - ﵄: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - نَهَى عَنِ الدُّبَّاءِ وَالْحَنْتَمِ، وَالْمُزَفَّتِ، وَالنَّقِيرِ، وَأَمَرَ أَنْ يُنْبَذَ فِي أَسْقِيَةِ الْأَدَمِ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
_________________
(١) (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - نَهَى عَنِ الدُّبَّاءِ): مَمْدُودًا وَيُقْصَرُ أَيْ عَنْ ظَرْفٍ يُعْمَلُ مِنْهُ (وَالْحَنْتَمِ): أَيِ الْجَرَّةِ الْخَضْرَاءِ (وَالْمُزَفَّتِ): بِتَشْدِيدِ الْفَاءِ الْمَفْتُوحَةِ الْمَطْلِيُّ بِالزِّفْتِ وَهُوَ الْقِيرُ (وَالنَّقِيرِ): أَيِ الْمَنْقُورِ مِنَ الْخَشَبِ (وَأَمَرَ أَنْ يُنْبَذَ): بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ (فِي أَسْقِيَةِ الْأَدَمِ): بِفَتْحَتَيْنِ أَيِ الْأَدِيمِ وَهُوَ الْجِلْدُ، وَكَانَ ذَلِكَ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ خَوْفًا مِنْ أَنْ يَصِيرَ مُسْكِرًا وَلَا يُعْلَمُ بِهِ، فَلَمَّا طَالَ الزَّمَانُ وَعُلِمَ حُرْمَةُ السُّكْرِ وَاشْتَهَرَتْ أُبِيحَ الِانْتِبَاذُ فِي كُلِّ وِعَاءٍ كَمَا سَيَجِيءُ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي يَلِيهِ، وَقَدْ سَبَقَ زِيَادَةٌ لَهُ فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ، (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
[ ٧ / ٢٧٥٦ ]
٤٢٩١ - وَعَنْ بُرَيْدَةَ - ﵁ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: " «نَهَيْتُكُمْ عَنِ الظُّرُوفِ، فَإِنَّ ظَرْفًا لَا يُحِلُّ شَيْئًا وَلَا يُحَرِّمُهُ، وَكُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ ". وَفِي رِوَايَةٍ: قَالَ: " نَهَيْتُكُمْ عَنِ الْأَشْرِبَةِ إِلَّا فِي ظُرُوفِ الْأَدَمِ، فَاشْرَبُوا فِي كُلِّ وِعَاءٍ غَيْرَ أَنْ لَا تَشْرَبُوا مُسْكِرًا» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
_________________
(١) (وَعَنْ بُرَيْدَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: " نَهَيْتُكُمْ عَنِ الظُّرُوفِ): أَيْ عَنِ الِانْتِبَاذِ فِي ظَرْفٍ مِنْ هَذِهِ الظُّرُوفِ الْمَذْكُورَةِ كَمَا سَبَقَتِ الْإِشَارَةُ إِلَيْهَا. (فَإِنَّ ظَرْفَهَا): وَفِي نُسْخَةٍ بِالْوَاوِ. قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: الْفَاءُ فِيهِ عَطْفٌ عَلَى مَحْذُوفٍ أَيْ نَهَيْتُكُمْ عَنِ الظُّرُوفِ وَظَنَنْتُمْ أَنَّهَا تُحِلُّ وَتُحَرِّمُ، وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ، فَإِنَّ ظَرْفًا (لَا يُحِلُّ): بِضَمِّ أَوَّلِهِ أَيْ لَا يُبِيحُ (شَيْئًا وَلَا يُحَرِّمُهُ، وَكُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ): قَالَ النَّوَوِيُّ: كَانَ الْإِنْبَاذُ فِي الْحَنْتَمِ وَالدُّبَّاءِ وَالْمُزَفَّتِ وَالنَّقِيرِ مَنْهِيًّا عَنْهُ فِي بَدْءِ الْإِسْلَامِ خَوْفًا مِنْ أَنْ يَصِيرَ مُسْكِرًا فِيهَا، وَلَا يُعْلَمُ بِهِ لِكَثَافَتِهَا، فَلَمَّا طَالَ الزَّمَانُ، وَاشْتُهِرَ تَحْرِيمُ الْمُسْكِرَاتِ وَتَقَرَّرَ ذَلِكَ فِي نُفُوسِهِمْ نُسِخَ ذَلِكَ وَأُبِيحَ الْإِنْبَاذُ فِي كُلِّ وِعَاءٍ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَشْرَبُوا مُسْكِرًا (وَفِي رِوَايَةٍ): أَيْ لِمُسْلِمٍ (قَالَ: " نَهَيْتُكُمْ): وَفِي رِوَايَةِ الْجَامِعِ: كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ (عَنِ الْأَشْرِبَةِ إِلَّا فِي ظُرُوفِ الْأَدَمِ): اسْتِثْنَاءٌ مُنْقَطِعٌ ; لِأَنَّ الْمَنْهِيَّ عَنْهُ هِيَ الْأَشْرِبَةُ فِي الظُّرُوفِ الْمَخْصُوصَةِ، وَلَيْسَتْ ظُرُوفَ الْأَدَمِ مِنْ جِنْسِ ذَلِكَ ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ. قَالَ الْخَطَّابِيُّ: وَذَلِكَ أَنَّ الْأَشْرِبَةَ أَوْعِيَةٌ مُنْتِنَةٌ قَدْ يَتَغَيَّرُ فِيهَا الشَّرَابُ وَلَا يُشْعَرُ بِهِ، فَنَهَى عَنِ الِانْتِبَاذِ فِيهَا بِخِلَافِ الْأَسْقِيَةِ لِرِقَّتِهَا، فَإِذَا تَغَيَّرَ الشَّرَابُ لَمْ يَلْبَثْ أَنْ يَنْشَقَّ، فَيَكُونُ أَمَارَةً يُعْلَمُ بِهَا تَغَيُّرُهُ وَالْفَاءُ فِي قَوْلِهِ: (فَاشْرَبُوا): مَعْطُوفٌ عَلَى مَحْذُوفٍ أَيْ نَهَيْتُكُمْ أَوَّلًا عَنْ ذَلِكَ فَالْآنَ نَسَخَتْهُ " فَاشْرَبُوا " (فِي كُلِّ وِعَاءٍ): وَقَوْلُهُ: (غَيْرَ أَنْ لَا تَشْرَبُوا مُسْكِرًا): مَنْصُوبٌ عَلَى أَنَّهُ مُسْتَثْنًى مُنْقَطِعٌ، وَتَقْرِيرُهُ أُبِيحَ لَكُمْ شُرْبُ مَا فِي كُلِّ إِنَاءٍ غَيْرَ شُرْبِ الْمُسْكِرِ، وَلَا زَائِدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ (رَوَاهُ مُسْلِمٌ)، وَكَذَا ابْنُ مَاجَهْ، وَلَفْظُهُ: " «كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنِ الْأَوْعِيَةِ، فَانْبِذُوا وَاجْتَنِبُوا كُلَّ مُسْكِرٍ» " اهـ. وَهُوَ مِنْ بَدِيعِ الْأَحَادِيثِ حَيْثُ جَمَعَ بَيْنَ النَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ.
[ ٧ / ٢٧٥٧ ]
الْفَصْلُ الثَّانِي
٤٢٩٢ - عَنْ أَبِي مَالِكٍ الْأَشْعَرِيِّ - ﵁ - أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يَقُولُ: " «لَيَشْرَبَنَّ نَاسٌ مِنْ أُمَّتِي الْخَمْرَ، يُسَمُّونَهَا بِغَيْرِ اسْمِهَا» ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ.
_________________
(١) الْفَصْلُ الثَّانِي
(٢) (عَنْ أَبِي مَالِكٍ الْأَشْعَرِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -): قَالَ الْمُؤَلِّفُ فِي فَصْلِ الصَّحَابَةِ: هُوَ أَبُو مَالِكٍ كَعْبُ بْنُ عَاصِمٍ كَذَا قَالَهُ الْبُخَارِيُّ فِي التَّارِيخِ وَغَيْرُهُ، وَقَالَ الْبُخَارِيُّ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ غَنْمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو مَالِكٍ أَوْ أَبُو عَامِرٍ بِالشَّكِّ. قَالَ ابْنُ الْمَدِينِيِّ: وَأَبُو مَالِكٍ هُوَ الصَّوَابُ، رَوَى عَنْهُ جَمَاعَةٌ مَاتَ فِي خِلَافَةِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ. (أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يَقُولُ: لَيَشْرَبَنَّ): أَيْ وَاللَّهِ لَيَشْرَبَنَّ (نَاسٌ مِنْ أُمَّتِي الْخَمْرَ)، قَالَ الطِّيبِيُّ: إِخْبَارٌ فِيهِ شَائِبَةُ إِنْكَارٍ (يُسَمُّونَهَا بِغَيْرِ اسْمِهَا) . قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: أَيْ يَتَسَتَّرُونَ فِي شُرْبِهَا بِأَسْمَاءِ الْأَنْبِذَةِ وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: أَيْ يَتَوَصَّلُونَ إِلَى شُرْبِهَا بِأَسْمَاءِ الْأَنْبِذَةِ الْمُبَاحَةِ كَمَاءِ الْعَسَلِ وَمَاءِ الذُّرَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَيَزْعُمُونَ أَنَّهُ غَيْرُ مُحَرَّمٍ ; لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنَ الْعِنَبِ وَالتَّمْرِ، وَهُمْ فِيهِ كَاذِبُونَ ; لِأَنَّ كُلَّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ اهـ. فَالْمَدَارُ عَلَى حُرْمَةِ الْمُسْكِرِ فَلَا يَضُرُّ شُرْبُ الْقَهْوَةِ الْمَأْخُوذَةِ مِنْ قِشْرِ شَجَرٍ مَعْرُوفٍ حَيْثُ لَا سُكْرَ فِيهَا مَعَ الْإِكْثَارِ مِنْهَا، وَإِنْ كَانَتِ الْقَهْوَةُ مِنْ أَسْمَاءِ الْخَمْرِ ; لِأَنَّ الِاعْتِبَارَ بِالْمُسَمَّى كَمَا فِي نَفْسِ الْحَدِيثِ إِشَارَةً إِلَى ذَلِكَ، وَأَمَّا التَّشَبُّهُ بِشُرْبِ الْخَمْرِ فَهُوَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ إِذَا تَحَقَّقَ، وَلَوْ فِي شُرْبِ الْمَاءِ وَاللَّبَنِ وَغَيْرِهِا. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ): وَكَذَا أَحْمَدُ، وَزَادَ ابْنُ مَاجَهْ وَابْنُ حِبَّانَ وَالطَّبَرَانِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي رِوَايَتِهِمْ عَنْهُ: " «وَيُضْرَبُ عَلَى رُءُوسِهِمْ بِالْمَعَازِفِ وَالْقَيْنَاتِ يَخْسِفُ اللَّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ، وَيَجْعَلُ مِنْهُمْ قِرَدَةً وَخَنَازِيرَ» ".
[ ٧ / ٢٧٥٧ ]
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
٤٢٩٣ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى - ﵁ - قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - عَنْ نَبِيذِ الْجَرِّ الْأَخْضَرِ قُلْتُ: أَنَشْرَبُ فِي الْأَبْيَضِ؟ قَالَ: لَا» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
_________________
(١) الْفَصْلُ الثَّالِثُ
(٢) (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ عَنْ نَبِيذِ الْجَرِّ الْأَخْضَرِ»): الْإِضَافَةُ بِمَعْنَى " فِي " وَالْجِرَارُ وَالْجَرُّ جَمْعُ جَرَّةٍ بِالْفَتْحِ هِيَ كُلُّ مَا يُصْنَعُ مِنْ مَدَرٍ عَلَى مَا فِي الْمُغْرِبِ، وَفِي النِّهَايَةِ: وَهِيَ الْإِنَاءُ الْمَعْرُوفُ مِنَ الْفَخَّارِ، وَأَرَادَ بِالنَّهْيِ الْجِرَارَ الْمَدْهُونَةَ ; لِأَنَّهَا أَسْرَعُ فِي الشِّدَّةِ وَالتَّخْمِيرِ قَالَ الْخَطَّابِيُّ: وَإِنَّمَا جَرَى ذِكْرُ الْأَخْضَرِ مِنْ أَجْلِ أَنَّ الْجِرَارَ الَّتِي كَانُوا يَنْتَبِذُونَ فِيهَا كَانَتْ خَضْرَةً، وَالْأَبْيَضُ بِمَثَابَتِهِ يَعْنِي وَلِذَا قَالَ الرَّاوِي: (قُلْتُ: أَنَشْرَبُ فِي الْأَبْيَضِ؟ قَالَ: لَا) . فَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ لَا اعْتِبَارَ بِالْمَفْهُومِ فِي الدَّلِيلِ. (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ)
[ ٧ / ٢٧٥٨ ]