[ ٧ / ٣٠٥٧ ]
(١١) بَابُ الْوَعْدِ
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
٤٨٧٨ - عَنْ جَابِرٍ - ﵁ - قَالَ: لَمَّا مَاتَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - وَجَاءَ أَبَا بَكْرٍ مَالٌ مِنْ قِبَلِ الْعَلَاءِ بْنِ الْحَضْرَمِيِّ. فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: مَنْ كَانَ لَهُ عَلَى النَّبِيِّ - ﷺ - دَيْنٌ، أَوْ كَانَتْ لَهُ قِبَلَهُ عِدَةٌ فَلْيَأْتِنَا. قَالَ جَابِرٌ: فَقُلْتُ: وَعَدَنِي رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - أَنْ يُعْطِيَنِي هَكَذَا، وَهَكَذَا، وَهَكَذَا. فَبَسَطَ يَدَيْهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ. قَالَ جَابِرٌ: فَحَثَا لِي حَثْيَةً، فَعَدَدْتُهَا فَإِذَا هِيَ خَمْسُمِائَةٍ، وَقَالَ: خُذْ مِثْلَيْهَا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
_________________
(١) بَابُ الْوَعْدِ الْوَعْدُ: يُسْتَعْمَلُ فِي الْخَيْرِ وَالشَّرِّ، يُقَالُ: وَعَدْتُهُ خَيْرًا وَوَعَدْتُهُ شَرًّا، فَإِذَا أَسْقَطُوا الْخَيْرَ وَالشَّرَّ قَالُوا فِي الْخَيْرِ: الْوَعْدُ وَالْعِدَةُ، وَفِي الشَّرِّ: الْإِيعَادُ وَالْوَعِيدُ، وَمِنْهُ قَوْلُ الْقَائِلِ: وَإِنِّي وَإِنْ أَوْعَدْتُهُ أَوْ وَعَدْتُهُ لِمُخْلِفٌ مِيعَادِي وَمُنْجِزٌ مَوْعِدِي. الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
(٢) (عَنْ جَابِرٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ: لَمَّا مَاتَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - وَجَاءَ أَبَا بَكْرٍ مَالٌ مِنْ قِبَلِ الْعَلَاءِ بْنِ الْحَضْرَمِيِّ) . بِكَسْرِ الْقَافِ وَفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ أَيْ: مِنْ جِهَتِهِ، وَهُوَ بِفَتْحِ الْعَيْنِ، وَاسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ، مِنْ حَضْرَمَوْتَ، وَكَانَ عَامِلَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - عَلَى الْبَحْرَيْنِ، وَأَقَرَّهُ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ - ﵄ - عَلَيْهَا إِلَى أَنْ مَاتَ الْعَلَاءُ سَنَةَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ، رَوَى عَنْهُ السَّائِبُ بْنُ يَزِيدِ وَغَيْرُهُ. (فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: مَنْ كَانَ لَهُ عَلَى النَّبِيِّ - ﷺ - دَيْنٌ، أَوْ كَانَتْ لَهُ قِبَلَهُ)، بِكَسْرٍ فَفَتْحٍ، أَيْ: عِنْدَهُ (عِدَةٌ): بِكَسْرٍ فَتَخْفِيفِ دَالٍ أَيْ: وَعْدٌ (فَلْيَأْتِنَا) . قَالَ الْأَشْرَفُ، وَغَيْرُهُ مِنْ عُلَمَائِنَا: فِيهِ اسْتِحْبَابُ قَضَاءِ دَيْنِ الْمَيِّتِ وَإِنْجَازِ وَعْدِهِ لِمَنْ يَخْلُفُهُ بَعْدَهُ، وَأَنَّهُ يَسْتَوِي فِيهِ الْوَارِثُ وَالْأَجْنَبِيُّ. اهـ. وَفِيهِ إِشْعَارٌ بِأَنَّ الْوَعْدَ مُلْحَقٌ بِالدَّيْنِ، كَمَا وَرَدَ عَنْهُ - ﷺ - " «الْعِدَةُ دَيْنٌ» " عَلَى مَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ، عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ. (قَالَ جَابِرٌ: فَقُلْتُ: وَعَدَنِي رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - أَنْ يُعْطِيَنِي هَكَذَا، وَهَكَذَا) أَيْ: ثَلَاثًا، وَفِي نُسْخَةٍ مَرَّتَيْنِ، وَالْأَوَّلُ هُوَ الظَّاهِرُ لِقَوْلِهِ: (فَبَسَطَ يَدَيْهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ): بَيَانًا لِهَكَذَا. (قَالَ جَابِرٌ: فَحَثَا لِي حَثْيَةً) أَيْ: فَمَلَأَ أَبُو بَكْرٍ كَفَّيْهِ مِنَ الدَّرَاهِمِ وَصَبَّهَا فِي ذَيْلِي (فَعَدَدْتُهَا) أَيْ: مَا فِيهَا (فَإِذَا هِيَ خَمْسُمِائَةٍ، وَقَالَ: خُذْ مِثْلَيْهَا) أَيْ: مِثْلَ مَا فِي الْحَثْيَةِ مِنَ الْعَدَدِ لِئَلَّا يَزِيدَ وَلَا يَنْقُصَ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
[ ٧ / ٣٠٥٨ ]
الْفَصْلُ الثَّانِي
٤٨٧٩ - «عَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - أَبْيَضَ قَدْ شَابَ، وَكَانَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ يُشْبِهُهُ، وَأَمَرَ لَنَا بِثَلَاثَةَ عَشَرَ قَلُوصًا، فَذَهَبْنَا نَقْبِضُهَا، فَأَتَانَا مَوْتُهُ، فَلَمْ يُعْطُونَا شَيْئًا، فَلَمَّا قَامَ أَبُو بَكْرٍ قَالَ: مَنْ كَانَتْ لَهُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - عِدَةٌ فَلْيَجِئْ، فَقُمْتُ إِلَيْهِ فَأَخْبَرْتُهُ، فَأَمَرَ لَنَا بِهَا» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
_________________
(١) الْفَصْلُ الثَّانِي
(٢) (عَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ): بِضَمِّ جِيمٍ فَحَاءٍ مُهْمَلَةٍ مَفْتُوحَةٍ فَيَاءٍ سَاكِنَةٍ بَعْدَهَا قَالَ الْمُؤَلِّفُ: ذُكِرَ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - تُوُفِّيَ وَلَمْ يَبْلُغِ الْحُلُمَ، لَكِنَّهُ سَمِعَ وَرَوَى عَنْهُ، مَاتَ بِالْكُوفَةِ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَسَبْعِينَ، رَوَى عَنْهُ ابْنُهُ عَوْفٌ وَجَمَاعَةٌ مِنَ التَّابِعِينَ (قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - أَبْيَضَ) أَيْ: أَبْيَضَ اللَّوْنِ مَائِلًا إِلَى الْحُمْرَةِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ - ﷺ: " يَا حُمَيْرَاءُ " (قَدْ شَابَ) أَيْ: بَعْضُ لِحْيَتِهِ أَوْ ظَهَرَ فِيهِ شَيْبٌ. (وَكَانَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ يُشْبِهُهُ) وَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ يُشْبِهُهُ فِي النِّصْفِ الْأَعْلَى، وَالْحُسَيْنُ فِي النِّصْفِ الْآخَرِ. (وَأَمَرَ لَنَا) أَيْ: لِأَجْلِنَا، أَوْ لِإِعْطَائِنَا، وَهُوَ كَذَا فِي جَامِعِ الْأُصُولِ، وَفِي سَائِرِ نُسَخِ الْمَصَابِيحِ أَمَرَ لَهُ، وَالْأَوَّلُ أَنْسَبُ لِاتِّفَاقِ الضَّمَائِرِ التَّالِيَةِ. (بِثَلَاثَةَ عَشَرَ قَلُوصًا): بِفَتْحٍ فَضَمٍّ، أَيْ نَاقَةٌ شَابَّةٌ (فَذَهَبْنَا نَقْبِضُهَا) أَيْ: فَشَرَعْنَا فِي الذَّهَابِ إِلَى الْمَأْمُورِ لِنَقْبِضَ الْعَطَاءَ الْمَذْكُورَ (فَأَتَانَا مَوْتُهُ) أَيْ: خَبَرُ مَوْتِهِ (- ﷺ -): بِالْقَدَرِ الْمَقْدُورِ (فَلَمْ يُعْطُونَا شَيْئًا)، فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْهِبَةَ وَالْعَطِيَّةَ وَالصَّدَقَةَ لَا تُمْلَكُ إِلَّا بِالْقَبْضِ (فَلَمَّا قَامَ أَبُو بَكْرٍ) أَيْ: خَطِيبًا، أَوْ قَامَ بِأَمْرِ الْخِلَافَةِ (قَالَ: مَنْ كَانَتْ لَهُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -
[ ٧ / ٣٠٥٨ ]
عِدَةٌ فَلْيَجِئْ) أَيْ: فَلْيَأْتِ إِلَيْنَا، فَإِنَّ وَفَاءَهُ عَلَيْنَا، وَلَعَلَّ الِاكْتِفَاءَ بِهَا وَعَدَمَ ذِكْرِ الدَّيْنِ هُنَا ; لِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْهَا بِالْأَوْلَى، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ اقْتِصَارًا مِنَ الرَّاوِي لَا سِيَّمَا وَكَلَامُهُ فِي الْعِدَةِ (فَقُمْتُ إِلَيْهِ) أَيْ: مُتَوَجِّهًا (فَأَخْبَرْتُهُ) أَيْ: بِمَا سَبَقَ (فَأَمَرَ لَنَا بِهَا) أَيْ: بِالْقَلُوصِ الْمَوْعُودَةِ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) . قَالَ فِي جَامِعِ الْأُصُولِ: اتَّفَقَ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ عَلَى الْفَصْلِ الْأَوَّلِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي جُحَيْفَةَ، وَاتَّفَقَ الْبُخَارِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ عَلَى الْفَصْلِ الثَّانِي، وَانْفَرَدَ التِّرْمِذِيُّ بِذِكْرِ أَبِي بَكْرٍ وَإِعْطَائِهِ إِيَّاهُمْ، كَذَا قَالَهُ الشَّيْخُ الْجَزَرِيُّ فِي تَصْحِيحِ الْمَصَابِيحِ. قَالَ مِيرَكُ: وَلِذَا قَالَ الْمُؤَلِّفُ فِي آخِرِ مَجْمُوعِ الْحَدِيثِ: رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
[ ٧ / ٣٠٥٩ ]
٤٨٨٠ - «وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي الْحَمْسَاءِ قَالَ: بَايَعْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - قَبْلَ أَنْ يُبْعَثَ، وَبَقِيَتْ لَهُ بَقِيَّةٌ، فَوَعَدْتُهُ أَنْ آتِيَهُ بِهَا فِي مَكَانِهِ، فَنَسِيتُ، فَذَكَرْتُ بَعْدَ ثَلَاثٍ، فَإِذَا هُوَ فِي مَكَانِهِ، فَقَالَ: " لَقَدْ شَقَقْتَ عَلَيَّ، أَنَا هَهُنَا مُنْذُ ثَلَاثٍ أَنْتَظِرُكَ» ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
_________________
(١) (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَمْسَاءِ): بِفَتْحِ الْحَاءِ الْمُهْمِلَةِ وَإِسْكَانِ الْمِيمِ وَبِالسِّينِ الْمُهْمَلَةِ، ذَكَرَهُ الشَّيْخُ الْجَزَرِيُّ فِي التَّصْحِيحِ، وَهُوَ كَذَلِكَ فِي الْقَامُوسِ، وَزَادَ الْمُغْنِي: وَهُوَ بِالْمَدِّ. (قَالَ: بَايَعْتُ النَّبِيَّ - ﷺ -) أَيْ: بِعْتُ مِنْهُ بِمَعْنَى اشْتَرَيْتُ، فَهُوَ مِنَ الْبَيْعِ لَا مِنَ الْمُبَايَعَةِ. قَالَهُ الطِّيبِيُّ: وَفِيهِ أَنَّهُ غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ بِحَسَبِ الْقَاعِدَةِ الصَّرْفِيَّةِ، فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى بَيْعِ الْمُقَايَضَةِ وَالْمُعَاوَضَةِ، فَتَكُونُ الصِّيغَةُ مِنَ الْمُفَاعَلَةِ عَلَى بَابِهِ. (قَبْلَ أَنْ يُبْعَثَ) أَيْ: لِلرِّسَالَةِ (وَبَقِيَتْ لَهُ) أَيْ: لِلنَّبِيِّ - ﷺ - (بَقِيَّةٌ) أَيْ: شَيْءٌ مِنْ ثَمَنِ ذَلِكَ الْمَبِيعِ (فَوَعَدْتُهُ أَنْ آتِيَهُ بِهَا) أَيْ: أَجِيئُهُ بِتِلْكَ الْبَقِيَّةِ (فِي مَكَانِهِ) أَيِ: الْمُعَيَّنِ أَوِ النِّسْبِيِّ (فَنَسِيتُ) أَيْ: ذَلِكَ الْوَعْدَ (فَذَكَرْتُ بَعْدَ ثَلَاثٍ) أَيْ: ثَلَاثَ لَيَالٍ (فَجِئْتُ ذَلِكَ الْمَكَانَ فَإِذَا هُوَ) أَيِ: النَّبِيُّ - ﷺ - يَنْتَظِرُنِي (فِي مَكَانِهِ) أَيْ: فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ، أَوْ فِي مَكَانِهِ الْمَوْعُودِ وَفَاءً بِمَا وَعَدَ مِنْ لُزُومِ الْمَكَانِ حَتَّى أَجِيئَهُ بِمَا بَقِيَ مِنَ الثَّمَنِ، وَفِيهِ إِرْشَادٌ إِلَى نَدْبِ تَصْدِيقِ الْوَعْدِ وَالْوَفَاءِ بِالْعَهْدِ. (فَقَالَ: لَقَدْ شَقَقْتَ): بِقَافَيْنِ، أَيْ: حَمَلْتَ الْمَشَقَّةَ (عَلَيَّ) وَأَوْصَلْتَهَا إِلَيَّ (أَنَا هَهُنَا مُنْذُ ثَلَاثٍ أَنْتَظِرُكَ): وَكَانَ انْتِظَارُهُ - ﷺ - لِصِدْقِ وَعْدِهِ لَا لِقَبْضِ ثَمَنِهِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: وَاعْلَمْ أَنَّ الْوَعْدَ أَمْرٌ مَأْمُورٌ الْوَفَاءُ بِهِ فِي جَمِيعِ الْأَدْيَانِ، حَافَظَ عَلَيْهِ الرُّسُلُ الْمُتَقَدِّمُونَ. قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾ [النجم: ٣٧]، وَمَدَحَ ابْنَهُ إِسْمَاعِيلَ، يَعْنِي: جَدَّ نَبِيِّنَا ﵈ بِقَوْلِهِ ﷿: ﴿إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ﴾ [مريم: ٥٤]، يُقَالُ: إِنَّهُ وَعَدَ إِنْسَانًا فِي مَوْضِعٍ، فَلَمْ يَرْجِعْ إِلَيْهِ، فَأَقَامَ عَلَيْهِ حَتَّى حَالَ الْحَوْلُ. قُلْتُ: وَذَلِكَ بِحَوْلِهِ وَقُوَّتِهِ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) .
[ ٧ / ٣٠٥٩ ]
٤٨٨١ - وَعَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ - ﵁ - عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: " «إِذَا وَعَدَ الرَّجُلُ أَخَاهُ وَمِنْ نِيَّتِهِ أَنْ يَفِيَ لَهُ، فَلَمْ يَفِ وَلِمَ يَجِئْ لِلْمِيعَادِ، فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ» " رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ.
_________________
(١) (وَعَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ): يُكْنَى أَبَا عَمْرٍو الْأَنْصَارِيَّ الْخَزْرَجِيَّ، سَكَنَ الْكُوفَةَ، وَمَاتَ بِهَا سَنَةَ ثَمَانٍ وَسَبْعِينَ، وَهُوَ ابْنُ خَمْسٍ وَثَمَانِينَ، رَوَى عَنْهُ عَطَاءُ بْنُ يَسَارٍ وَغَيْرُهُ. («عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: إِذَا وَعَدَ الرَّجُلُ أَخَاهُ وَمِنْ نِيَّتِهِ أَنْ يَفِيَ»): بِفَتْحٍ فَكَسْرٍ وَأَصْلُهُ أَنْ يُوَفِّيَ (لَهُ) أَيْ: لِلرَّجُلِ (فَلَمْ يَفِ) أَيْ: بِعُذْرٍ (وَلَمْ يَجِئْ لِلْمِيعَادِ) أَيْ: لِمَانِعٍ (فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ) . قَالَ الْأَشْرَفُ: هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ النِّيَّةَ الصَّالِحَةَ يُثَابُ الرَّجُلُ عَلَيْهَا وَإِنْ لَمْ يَقْتَرِنْ مَعَهَا الْمَنَوِيُّ وَتَخَلَّفَ عَنْهَا. اهـ. وَمَفْهُومُهُ أَنَّ مَنْ وَعَدَ وَلَيْسَ مِنْ نِيَّتِهِ أَنْ يَفِيَ، فَعَلَيْهِ الْإِثْمُ سَوَاءٌ وَفَّى بِهِ أَوْ لَمَ يَفِ، فَإِنَّهُ مِنْ أَخْلَاقِ الْمُنَافِقِينَ، وَلَا تَعَرُّضَ فِيهِ لِمَنْ وَعَدَ وَنِيَّتُهُ أَنْ يَفِيَ وَلَمْ يَفِ بِغَيْرِ عُذْرٍ، فَلَا دَلِيلَ لِمَا قِيلَ مِنْ أَنَّهُ دَلَّ عَلَى أَنَّ الْوَفَاءَ بِالْوَعْدِ لَيْسَ بِوَاجِبٍ، إِذْ هُوَ أَمْرٌ مَسْكُوتٌ عَنْهُ عَلَى مَا حَرَّرْتُهُ، وَسَيَجِيءُ بَسْطُ الْكَلَامِ عَلَى هَذَا الْمُرَامِ فِي آخِرِ بَابِ الْمِزَاحِ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ) .
[ ٧ / ٣٠٥٩ ]
٤٨٨٢ - «وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرٍ - ﵁ - قَالَ: دَعَتْنِي أُمِّي يَوْمًا وَرَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - قَاعِدٌ فِي بَيْتِنَا، فَقَالَتْ: هَا تَعَالَ أُعْطِيكَ، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: " مَا أَرَدْتِ أَنْ تُعْطِيهِ؟ " قَالَتْ: أَرَدْتُ أَنْ أُعْطِيَهُ تَمْرًا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: " أَمَا إِنَّكِ لَوْ لَمْ تُعْطِيهِ شَيْئًا كُتِبَتْ عَلَيْكِ كَذِبَةٌ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي " شُعَبِ الْإِيمَانِ ".
_________________
(١) (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرٍ): قَالَ الْمُؤَلِّفُ: قُرَشِيٌّ، خَالُ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، وُلِدَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - فَأُتِيَ بِهِ فَتَفَلَ عَلَيْهِ وَعَوَّذَهُ، وَرَأَى النَّبِيَّ - ﷺ - وَلَهُ ثَلَاثَ عَشْرَةَ سَنَةً، وَقِيلَ: إِنَّهُ لَمْ يَرْوِ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - شَيْئًا وَلَا حَفِظَ عَنْهُ، وَمَاتَ سَنَةَ تِسْعٍ وَخَمْسِينَ، وَلَّاهُ عُثْمَانُ الْبَصْرَةَ وَخُرَاسَانَ، وَأَقَامَ عَلَيْهَا إِلَى أَنْ قُتِلَ عُثْمَانُ، فَلَمَّا أَفْضَى الْأَمْرُ إِلَى مُعَاوِيَةَ رَدَّ إِلَيْهِ ذَلِكَ، وَكَانَ سَخِيًّا كَرِيمًا كَثِيرَ الْمَنَاقِبِ، وَهُوَ افْتَتَحَ خُرَاسَانَ، وَقُتِلَ كِسْرَى فِي وِلَايَتِهِ، وَلَمْ يَخْتَلِفُوا أَنَّهُ افْتَتَحَ أَطْرَافَ فَارِسَ، وَعَامَّةَ خُرَاسَانَ وَأَصْفَهَانَ وَكِرْمَانَ وَحُلْوَانَ، وَهُوَ الَّذِي شَقَّ نَهْرَ الْبَصْرَةِ. (قَالَ: دَعَتْنِي أُمِّي يَوْمًا) أَيْ: نَادَتْنِي وَطَلَبَتْنِي وَأَنَا صَغِيرٌ («وَرَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - قَاعِدٌ فِي بَيْتِنَا»): الْجُمْلَةُ حَالِيَّةٌ (فَقَالَتْ: هَا): لِلتَّنْبِيهِ أَوِ اسْمُ فِعْلٍ بِمَعْنَى خُذْ، فَقَوْلُهَا: (تَعَالَ): بِفَتْحِ اللَّامِ بِلَا أَلِفٍ تَأْكِيدٌ (أُعْطِيكَ) أَيْ: أَنَا، فَهُوَ مَرْفُوعٌ عَلَى أَنَّهُ خَبْرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، وَفِي نُسْخَةٍ (أُعْطِكَ) بِغَيْرِ يَاءٍ، عَلَى أَنَّهُ مَجْزُومٌ. قَالَ الطِّيبِيُّ: هُوَ بِالْجَزْمِ فِي بَعْضِ نُسَخِ الْمَصَابِيحِ جَوَابًا لِلْأَمْرِ، وَفِي بَعْضِهَا بِإِثْبَاتِ الْيَاءِ، وَهُوَ الرِّوَايَةُ فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ، وَشُعَبِ الْإِيمَانِ عَلَى أَنَّهُ اسْتِئْنَافٌ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا يَرِثُنِي﴾ [مريم: ٥] بِالرَّفْعِ. اهـ. وَفِي الْآيَةِ الْوَجْهَانِ مُتَوَاتِرَانِ، عَلَى أَنَّهُ يُمْكِنُ أَنَّ الْيَاءَ حَصَلَ مِنَ الْإِشْبَاعِ، فَلَا يُنَافِي الْجَزْمَ عَلَى أَنَّ إِثْبَاتَ الْيَاءِ فِي الْمَجْزُومِ لُغَةٌ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ﴾ [يوسف: ٩٠]، وَنَحْوُهُ كَثِيرٌ. («فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: مَا أَرَدْتِ») أَيْ: أَيُّ شَيْءٍ نَوَيْتِ (أَنْ تُعْطِيهِ؟): بِسُكُونِ التَّحْتِيَّةِ ; لِأَنَّ الصِّيغَةَ لِلْمُخَاطَبَةِ وَعَلَامَةُ نَصْبِهَا حَذَفُ النُّونِ، وَوَقَعَ فِي أَصْلِ السَّيِّدِ وَبَعْضِ النُّسَخِ هَيَا بِفَتْحِ الْيَاءِ، وَهُوَ مِنْ زَلَّةِ الْقَلَمِ أَوْ زَلِقَةِ الْقَدَمِ. («قَالَتْ: أَرَدْتُ أَنْ أُعْطِيَهُ») أَيْ: وَاحِدًا أَوْ شَيْئًا مِنَ التَّمْرِ، فَإِنَّهُ اسْمُ جِنْسٍ. قَالَ الطِّيبِيُّ: قَوْلُهُ: فَقَالَ لَهَا: " «مَا أَرَدْتِ أَنْ تُعْطِيهِ؟ " قَالَتْ: أَرَدْتُ أَنْ أُعْطِيَهُ تَمْرًا» . لَيْسَ فِي الْمَصَابِيحِ، فَكَأَنَّهُ سَقَطَ مِنَ النُّسَّاخِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: أَمَا): بِالتَّخْفِيفِ لِلتَّنْبِيهِ («إِنَّكِ لَوْ لَمْ تُعْطِيهِ»): بِالْيَاءِ، فَإِنَّهَا ضَمِيرُ الْكَلِمَةِ لَا لَامُهَا، أَيْ: لَوْ لَمْ تَنْوِي بِإِعْطَائِهِ («شَيْئًا كُتِبَتْ عَلَيْكِ كَذْبَةٌ»): بِفَتْحِ الْكَافِ وَسُكُونِ الذَّالِ أَيْ: مَرَّةً مِنَ الْكَذِبِ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ بِكَسْرٍ فَسُكُونٍ، أَيْ: نَوْعٌ مِنَ الْكَذِبِ، وَأَمَّا مَا فِي بَعْضِ النُّسَخِ الْمُصَحَّحَةِ عَلَى زَعْمِ صَاحِبِهِ مِنْ ضَبْطِهِ بِفَتْحِ الْكَافِ وَكَسْرِ الذَّالِ فَغَيْرُ صَحِيحٍ، لِمَا سَبَقَ تَحْقِيقُهُ مِنْ نَقْلِ اللُّغَةِ وَكَلَامِ الْأَئِمَّةِ، فَكَأَنَّهُ غَيْرُ كَلَامِ ابْنِ الْمَلَكِ ; حَيْثُ قَالَ بِفَتْحِ الْكَافِ ثُمَّ السُّكُونُ، وَبِفَتْحِهَا مَعَ كَسْرِ الذَّالِ وَالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ. اهـ. وَهُوَ غَيْرُ صَحِيحٍ ; لِأَنَّ الْفَتْحَ مَعَ كَسْرِ الذَّالِ لَمْ يُوجَدْ مَعَ التَّاءِ لُغَةً، وَقَدْ نَصَّ النَّوَوِيُّ أَنَّ الذَّالَ سَاكِنَةٌ فِيهِمَا، فَكَلَامُ ابْنِ الْمَلَكِ مُخَالِفٌ لِلرِّوَايَةِ وَالدِّرَايَةِ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ) .
[ ٧ / ٣٠٦٠ ]
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
٤٨٨٣ - عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ - ﵁ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: " «مَنْ وَعَدَ رَجُلًا فَلَمْ يَأْتِ أَحَدُهُمَا إِلَى وَقْتِ الصَّلَاةِ، وَذَهَبَ الَّذِي جَاءَ لِيُصَلِّيَ، فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ» ". رَوَاهُ رَزِينٌ.
_________________
(١) الْفَصْلُ الثَّالِثُ
(٢) (عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ - ﵁ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: " «مَنْ وَعَدَ رَجُلًا») أَيْ: مَثَلًا، وَالْمَعْنَى: أَنَّ الرَّجُلَ وَعَدَهُ أَيْضًا فِي مَكَانٍ وَزَمَانٍ مُعَيَّنَيْنِ («فَلَمْ يَأْتِ أَحَدُهُمَا إِلَى وَقْتِ الصَّلَاةِ») أَيْ: قِيَامِهَا، وَقَدْ أَتَى الْآخَرُ («وَذَهَبَ الَّذِي جَاءَ لِيُصَلِّيَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ») أَيْ: عَلَى الْجَائِي لِوَعْدِهِ، وَالذَّاهِبِ لِصَلَاتِهِ فِي غَيْبَتِهِ لِحُضُورِ الصَّلَاةِ ; لِأَنَّهُ مِنْ ضَرُورَاتِ الدِّينِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ كَذَلِكَ إِذَا ذَهَبَ لِضَرُورَاتِ أَمْرِ الْبَدَنِ مِنْ أَكْلٍ وَشُرْبٍ وَقَضَاءِ حَاجَةٍ وَنَحْوِهَا (رَوَاهُ رَزِينٌ) .
[ ٧ / ٣٠٦٠ ]