الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
٤٢٩٤ - عَنْ جَابِرٍ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: «إِذَا كَانَ جِنْحُ اللَّيْلِ أَوْ أَمْسَيْتُمْ فَكُفُّوا صِبْيَانَكُمْ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْتَشِرُ حِينَئِذٍ، فَإِذَا ذَهَبَ سَاعَةً مِنَ اللَّيْلِ فَخَلَّوهُمْ وَأَغْلِقُوا الْأَبْوَابَ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَفْتَحُ بَابًا مُغْلَقًا، وَأَوْكُوا قِرَبَكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ، وَخَمِّرُوا آنِيَتَكُمْ، وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ، وَلَوْ أَنْ تَعْرِضُوا عَلَيْهِ شَيْئًا، وَأَطْفِئُوا مَصَابِيحَكُمْ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
_________________
(١) بَابُ تَغْطِيَةِ الْأَوَانِي وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ زِيَادَةُ " وَغَيْرُهَا "، فَالضَّمِيرُ رَاجِعٌ إِلَى التَّغْطِيَةِ، اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يَخُصَّ الْأَوَانِيَ بِأَوْعِيَةِ الْمَاءِ عَلَى مَا ذَكَرَهُ بَعْضُ الشُّرَّاحِ مِنْ أَنَّ الْأَوَانِيَ جَمْعُ كَثْرَةٍ لِلْإِنَاءِ وَهُوَ وِعَاءُ الْمَاءِ وَالْآنِيَةُ جَمْعُ قِلَّةٍ، وَفِي الْقَامُوسِ: الْإِنَاءُ مَعْرُوفٌ، وَالْمُرَادُ سَتْرُ الظُّرُوفِ كُلِّهَا، وَعَدَمُ تَكَشُّفِهَا لَا سِيَّمَا فِي اللَّيْلِ ; فَإِنَّهُ وَقْتُ انْتِشَارِ الْهَوَامِّ. الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
(٢) (عَنْ جَابِرٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: إِذَا كَانَ جِنْحُ اللَّيْلِ): بِكَسْرِ الْجِيمِ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَقِيلَ: بِضَمِّهَا وَجَنَحَ اللَّيْلُ بِفَتْحِ النُّونِ أَقْبَلَ حَتَّى تَغِيبَ الشَّمْسُ، كَذَا فِي سِلَاحِ الْمُؤْمِنِ، وَفِي الْقَامُوسِ: الْجِنْحُ بِالْكَسْرِ مِنَ اللَّيْلِ الطَّائِفَةُ وَيُضَمُّ، وَقَالَ بَعْضُ شُرَّاحِ الْمَصَابِيحِ، وَتَبِعَهُ الطِّيبِيُّ: جَنْحُ اللَّيْلِ بِالْفَتْحِ وَالْكَسْرِ طَائِفَةٌ مِنْهُ، وَأَرَادَ بِهِ هُنَا الطَّائِفَةَ الْأُولَى، وَقِيلَ: ظُلْمَتُهُ وَظَلَامُهُ، وَقِيلَ: أَوَّلُهُ وَهُوَ الْمُرَادُ هُنَا، بِقَوْلِهِ: (أَوْ أَمْسَيْتُمْ): شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي (فَكُفُّوا صِبْيَانَكُمْ): بِضَمِّ الْكَافِ وَتَشْدِيدِ الْفَاءِ أَيِ امْنَعُوهُمْ عَنِ التَّرَدُّدِ وَالْخُرُوجِ مِنَ الْبُيُوتِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ (فَإِنَّ الشَّيْطَانَ): أَيِ الْجِنَّ (يَنْتَشِرُ): وَالْمُرَادُ بِهِ الْجِنْسُ، وَفِي رِوَايَةِ الْحِصْنِ: " فَإِنَّ الشَّيَاطِينَ تَنْتَشِرُ " أَيْ تَفْتَرِقُ وَتَنْبَثُّ وَتَخْتَطِفُ (حِينَئِذٍ، فَإِذَا ذَهَبَ سَاعَةٌ): قَالَ مِيرَكُ: وَقَعَ عِنْدَ أَكْثَرِ رُوَاةِ الْبُخَارِيِّ " ذَهَبَتْ "، وَعِنْدَ الْكُشْمِيهَنِيِّ " ذَهَبَ "، وَكَأَنَّهُ ذَكَرَهُ بِاعْتِبَارِ الْوَقْتِ، أَوْ لِأَنَّ تَأْنِيثَ السَّاعَةِ غَيْرُ حَقِيقِيٍّ. (مِنَ اللَّيْلِ): وَفِي رِوَايَةٍ: " مِنَ الْعِشَاءِ " (فَخَلُّوهُمْ): أَيِ اتْرُكُوا صِبْيَانَكُمْ (وَأَغْلِقُوا الْأَبْوَابَ): بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ مِنَ الْإِغْلَاقِ. فَفِي الْقَامُوسِ: غَلَقَ الْبَابَ يَغْلِقُهُ لُثْغَةٌ أَوْ لُغَةٌ رَدِيئَةٌ فِي أَغْلَقَهُ. (وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ): أَيْ حِينَ الْإِغْلَاقِ (فَإِنَّ الشَّيْطَانَ): أَيْ جِنْسَهُ (لَا يَفْتَحُ بَابًا مُغْلَقًا): أَيْ بَابًا أُغْلِقَ مَعَ ذِكْرِ اللَّهِ عَلَيْهِ، يُوَضِّحُهُ الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ مِنَ الْفَصْلِ الثَّانِي فِي قَوْلِهِ: " «فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَفْتَحُ بَابًا إِذَا أُجِيفَ وَذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ» "، كَذَا ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ، وَالْمَعْنَى أَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى فَتْحِهِ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَأْذُونٍ فِيهِ، بِخِلَافِ مَا إِذَا كَانَ مَفْتُوحًا أَوْ مُغْلَقًا، لَكِنْ لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ. قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: عَنْ بَعْضِ الْفُضَلَاءِ أَنَّ الْمُرَادَ بِالشَّيْطَانِ شَيْطَانُ الْإِنْسِ ; لِأَنَّ غَلْقَ الْأَبْوَابِ لَا يَمْنَعُ شَيَاطِينَ الْجِنِّ، وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْغَلْقِ الْغَلْقُ الْمَذْكُورُ فِيهِ اسْمُ اللَّهِ تَعَالَى، فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ دُخُولُهُمْ مِنْ جَمِيعِ الْجِهَاتِ مَمْنُوعًا بِبَرَكَةِ التَّسْمِيَةِ، وَإِنَّمَا خَصَّ الْبَابَ بِالذِّكْرِ لِسُهُولَةِ الدُّخُولِ مِنْهُ، فَإِذَا مُنِعَ مِنْهُ كَانَ الْمَنْعُ مِنَ الْأَصْعَبِ بِالْأَوْلَى، ثُمَّ رَأَيْتُ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ بِرِوَايَةِ أَحْمَدَ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ مَرْفُوعًا: " «أَجِيفُوا أَبْوَابَكُمْ وَأَكْفُوا آنِيَتَكُمْ وَأَوْكُوا أَسْقِيَتَكُمْ وَأَطْفِئُوا سُرُجَكُمْ ; فَإِنَّهُمْ لَمْ يُؤْذَنْ لَهُمْ بِالتَّسَوُّرِ عَلَيْكُمْ» " (وَأَوْكُوا): بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَضَمِّ الْكَافِ أَيْ شُدُّوا وَارْبُطُوا
[ ٧ / ٢٧٥٨ ]
(قِرَبَكُمْ): جَمْعُ قِرْبَةٍ أَيْ رُءُوسَهَا وَأَفْوَاهَهَا بِالْوِكَاءِ، وَهُوَ الْحَبْلُ؟ لِئَلَّا يَدْخُلَهُ حَيَوَانٌ أَوْ يَسْقُطَ فِيهِ شَيْءٌ، وَأَمَّا مَا ضَبَطَهُ ابْنُ حَجَرٍ مِنْ كَسْرِ الْكَافِ بَعْدَهَا هَمْزَةٌ فَمُخَالِفٌ لِلْأُصُولِ الْمُعْتَمَدَةِ، بَلْ وَلِكُتُبِ اللُّغَةِ أَيْضًا فَهُوَ مُنَافٍ لِلرِّوَايَةِ وَالدِّرَايَةِ (وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ): أَيْ وَفْقَ الْإِيكَاءِ وَرَبْطِ السِّقَاءِ بِالْوِكَاءِ (وَخَمِّرُوا): بِفَتْحِ مُعْجَمَةٍ وَتَشْدِيدِ مِيمٍ أَيْ غَطُّوا (آنِيَتَكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ، وَلَوْ أَنْ تَرُضُّوا): بِضَمِّ الرَّاءِ أَفْصَحُ مِنْ كَسْرِهَا (عَلَيْهِ): أَيْ عَلَى الْإِنَاءِ الْمَفْهُومِ مِنَ الْآنِيَةِ (شَيْئًا): وَالْمَعْنَى: وَلَوْ أَنْ تَضَعُوا عَلَى رَأْسِ الْإِنَاءِ شَيْئًا بِالْعَرْضِ مِنْ خَشَبٍ وَنَحْوِهِ، وَ" أَنْ " مَعَ مَدْخُولِهَا فِي تَأْوِيلِ الْمَصْدَرِ مَنْصُوبُ الْمَحَلِّ، وَالتَّقْدِيرُ وَلَوْ كَانَ تَخْمِيرُكُمْ عَرْضًا، وَلَعَلَّ السِّرَّ فِي الِاكْتِفَاءِ بِوَضْعِ الْعُودِ عَرْضًا أَنَّ تَعَاطِيَ التَّغْطِيَةِ، إِذِ الْغَرَضُ أَنْ تَقْتَرِنَ التَّغْطِيَةُ بِالتَّسْمِيَةِ فَيَكُونُ الْمَرَضُ عَلَامَةً عَلَى التَّسْمِيَةِ فَيَمْتَنِعُ الشَّيْطَانُ مِنَ الدُّنُوِّ مِنْهُ.
قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: وَالْمَذْكُورُ بَعْدَ " لَوْ " فَاعِلُ فِعْلٍ مُقَدَّرٍ، أَيْ وَلَوْ ثَبَتَ أَنْ تَعْرُضُوا عَلَيْهِ شَيْئًا وَجَوَابُ " لَوْ " مَحْذُوفٌ، أَيْ وَلَوْ خَمَّرْتُمُوهَا عَرْضًا بِشَيْءٍ نَحْوَ الْعُودِ وَغَيْرِهِ، وَذَكَرْتُمُ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ لَكَانَ كَافِيًا، وَالْمَقْصُودُ هُوَ ذِكْرُ اسْمِ اللَّهِ تَعَالَى مَعَ كُلِّ فِعْلٍ صِيَانَةً عَنِ الشَّيْطَانِ وَالْوَبَاءِ وَالْحَشَرَاتِ أَوِ الْهَوَامِّ عَلَى مَا وَرَدَ بِاسْمِ اللَّهِ الَّذِي لَا يَضُرُّ مَعَ اسْمِهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ (وَأَطْفِئُوا): بِهَمْزَةِ قَطْعٍ وَكَسْرِ فَاءٍ فَهَمْزَةٍ مَضْمُومَةٍ (مَصَابِيحَكُمْ): جَمْعُ مِصْبَاحٍ وَهُوَ السِّرَاجُ وَفِي مَعْنَاهُ الشَّمْعُ الْمَسْرُوجُ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) . وَرَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْأَرْبَعَةُ، وَأَغْرَبَ الْجَزَرِيُّ فِي الْحِصْنِ، وَأَتَى بِصِيغَةِ الْجَمْعِ إِلَى قَوْلِهِ: (فَخَلُّوهُمْ)، ثُمَّ أَفْرَدَ الْخِطَابَ بِقَوْلِهِ: (وَأَغْلِقْ بَابَكَ. . إِلَخْ)، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
_________________
(١) وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ، قَالَ: " «خَمِّرُوا الْآنِيَةَ، وَأَوْكُوا الْأَسْقِيَةَ، وَأَجِيفُوا الْأَبْوَابَ، وَاكْفِتُوا صِبْيَانَكُمْ عِنْدَ الْمَسَاءِ، فَإِنَّ لِلْجِنِّ انْتِشَارًا وَخَطْفَةً، وَأَطْفِئُوا الْمَصَابِيحَ عِنْدَ الرُّقَادِ ; فَإِنَّ الْفُوَيْسِقَةَ رُبَّمَا اجْتَرَّتِ الْفَتِيلَةَ فَأَحْرَقَتْ أَهْلَ الْبَيْتِ» ".
(٢) (وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ قَالَ: " خَمِّرُوا الْآنِيَةَ، وَأَوْكُوا الْأَسْقِيَةَ، وَأَجِيفُوا): بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِ الْجِيمِ وَضَمِّ الْفَاءِ أَيْ رُدُّوا (الْأَبْوَابَ، وَاكْفِتُوا): بِهَمْزِ وَصْلٍ وَكَسْرِ فَاءٍ وَضَمِّ فَوْقِيَّةٍ أَيْ ضُمُّوا (صِبْيَانَكُمْ): إِلَى أَنْفُسِكُمْ وَامْنَعُوهُمْ مِنَ الِانْتِشَارِ (عِنْدَ الْمَسَاءِ): أَيْ مِنْ أَوَّلِهِ (فَإِنَّ لِلْجِنِّ انْتِشَارًا): أَيْ كَثِيرًا حِينَئِذٍ (وَخَطْفَةً): بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ أَيْ سَلْبًا سَرِيعًا أَيْضًا («وَأَطْفِئُوا الْمَصَابِيحَ عِنْدَ الرُّقَادِ»): بِضَمِّ أَوَّلِهِ أَيْ عِنْدَ النَّوْمِ أَيْ إِرَادَتِهِ (فَإِنَّ الْفُوَيْسِقَةَ): تَصْغِيرُ فَاسِقَةٍ، وَالْمُرَادُ بِهَا الْفَأْرَةُ لِخُرُوجِهَا مِنْ جُحْرِهَا عَلَى النَّاسِ وَإِفْسَادِهَا (رُبَّمَا): بِتَشْدِيدِ الْمُوَحَّدَةِ وَتَخْفِيفٍ أَيْ كَثِيرًا أَوْ قَلِيلًا (اجْتَرَّتِ الْفَتِيلَةَ): بِتَشْدِيدِ الرَّاءِ أَيْ طَلَبَتْ جَرَّهَا (فَأَحْرَقَتْ): أَيِ الْفَتِيلَةُ أَوِ الْفَأْرَةُ فَالنِّسْبَةُ مَجَازِيَّةٌ (أَهْلَ الْبَيْتِ): إِمَّا بِإِعْيَائِهِمْ، فَإِنَّهُمْ نَائِمُونَ غَافِلُونَ عَنْهَا، أَوْ بِسَبَبِ إِحْرَاقِ بَعْضِ أَثْيَابِهِمْ، وَيُؤَيِّدُهُ الرِّوَايَةُ الْآتِيَةُ " تُضْرِمُ عَلَى أَهْلِ الْبَيْتِ بَيْتَهُمْ ".
[ ٧ / ٢٧٥٩ ]
٤٢٩٦ - وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ، قَالَ: " «غَطُّوا الْإِنَاءَ، وَأَوْكُوا السِّقَاءَ، وَأَغْلِقُوا الْأَبْوَابَ، وَأَطْفِئُوا السِّرَاجَ ; فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَحُلُّ سِقَاءً، وَلَا يَفْتَحُ بَابًا، وَلَا يَكْشِفُ إِنَاءً، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ أَحَدُكُمْ إِلَّا أَنْ يَعْرُضَ عَلَى إِنَائِهِ عُودًا، وَيَذْكُرَ اللَّهَ فَلْيَفْعَلْ ; فَإِنَّ الْفُوَيْسِقَةَ تُضْرِمُ عَلَى أَهْلِ الْبَيْتِ» ".
_________________
(١) (وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ): وَكَذَا ابْنُ مَاجَهْ (قَالَ): أَيِ النَّبِيُّ - ﷺ - («غَطَّوُا الْإِنَاءَ، وَأَوْكُوا السِّقَاءَ، وَأَغْلِقُوا الْأَبْوَابَ»): وَلَعَلَّ إِيرَادَهُ بِصِيغَةِ الْجَمْعِ خُصُوصًا لِزِيَادَةِ الِاهْتِمَامِ بِهِ (وَأَطْفِئُوا السِّرَاجَ ; فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَحُلُّ): بِضَمِّ الْحَاءِ (سِقَاءً وَلَا يَفْتَحُ بَابًا، وَلَا يَكْشِفُ إِنَاءً): أَيْ بِشَرْطِ التَّسْمِيَةِ عِنْدَ الْأَفْعَالِ جَمِيعِهَا (فَإِنْ لَمْ يَجِدْ أَحَدُكُمْ): أَيْ مَا يُغَطِّي بِهِ الْإِنَاءَ (إِلَّا أَنْ يَعْرُضَ): أَيْ يَضَعَ بِالْعَرْضِ (عَلَى إِنَائِهِ عُودًا وَيَذْكُرَ اسْمَ اللَّهِ): أَيْ عَلَيْهِ عِنْدَ وَضْعِهِ (فَلْيَفْعَلْ): أَيْ نَدْبًا (فَإِنَّ الْفُوَيْسِقَةَ): تَعْلِيلُ قَوْلِهِ: وَأَطْفِئُوا السِّرَاجَ، وَاعْتَرَضَ بَيْنَهُمَا بِالْعِلَلِ لِلْأَفْعَالِ السَّابِقَةِ، وَلَوْ ثَبَتَ الرِّوَايَةُ هُنَا بِالْوَاوِ لَكَانَتِ الْعِلَلُ مُرَتَّبَةً عَلَى طَرِيقِ اللَّفِّ وَالنَّشْرِ، ثُمَّ رَأَيْتُ فِي الْقَامُوسِ، أَنَّ الْفَاءَ تَجِيءُ بِمَعْنَى الْوَاوِ، الْمَعْنَى أَنَّ الْفَأْرَةَ، (تُضْرِمُ): بِضَمِّ التَّاءِ وَكَسْرِ الرَّاءِ الْمُخَفَّفَةِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِتَشْدِيدِهَا أَيْ تُوقِدُ النَّارَ وَتَحْرِقُ (عَلَى أَهْلِ الْبَيْتِ بَيْتَهُمْ): قَالَ النَّوَوِيُّ: هَذَا عَامٌّ يَدْخُلُ فِيهِ السِّرَاجُ وَغَيْرُهُ، وَأَمَّا الْقَنَادِيلُ الْمُعَلَّقَةُ، فَإِنْ خِيفَ بِسَبَبِهَا حَرِيقٌ دَخَلَتْ فِي ذَلِكَ "، وَإِلَّا فَلَا بَأْسَ لِانْتِفَاءِ الْعِلَّةِ.
[ ٧ / ٢٧٥٩ ]
وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: جَمِيعُ أَوَامِرِ هَذَا الْبَابِ مِنْ بَابِ الْإِرْشَادِ إِلَى الْمَصْلَحَةِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ لِلنَّدْبِ لَا سِيَّمَا فِيمَنْ يَنْوِي امْتِثَالَ الْأَمْرِ، وَالْإِغْلَاقُ مُقَيَّدٌ بِاللَّيْلِ، وَالْأَصْلُ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ يَرْجِعُ إِلَى الشَّيْطَانِ؟ فَإِنَّهُ هُوَ الَّذِي يَسُوقُ الْفَأْرَةَ إِلَى الْإِحْرَاقِ.
[ ٧ / ٢٧٦٠ ]
٤٢٩٧ - وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ، قَالَ: " «لَا تُرْسِلُوا فَوَاشِيكُمْ وَصِبْيَانَكُمْ إِذَا غَابَتِ الشَّمْسُ. حَتَّى تَذْهَبَ فَحْمَةُ الْعِشَاءِ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَبْعَثُ إِذَا غَابَتِ الشَّمْسُ حَتَّى تَذْهَبَ فَحْمَةُ الْعِشَاءِ» "
_________________
(١) (وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ): أَيْ لِمُسْلِمٍ (قَالَ): أَيْ جَابِرٌ مَرْفُوعًا (لَا تُرْسِلُوا فَوَاشِيَكُمْ): بِفَتْحِ الْفَاءِ أَيْ مَوَاشِيَكُمْ مِنْ إِبِلٍ وَبَقَرٍ وَغَنَمٍ. قَالَ الطِّيبِيُّ: الْفَوَاشِي كُلُّ شَيْءٍ مُنْتَشِرٍ مِنَ الْأَمْوَالِ أَيْ لَا تُسَيِّبُوا سَوَائِمَكُمْ (وَصِبْيَانَكُمْ إِذَا غَابَتِ الشَّمْسُ حَتَّى تَذْهَبَ فَحْمَةُ الْعِشَاءِ): أَيْ أَوَّلَ ظُلْمَتِهِ وَسَوَادِهِ وَهُوَ أَشَدُّ اللَّيْلِ سَوَادًا (فَإِنَّ الشَّيْطَانَ): أَيْ جِنْسَهُ (يُبْعَثُ): بِصِيَغةِ الْمَفْعُولِ أَيْ يُرْسَلُ، وَفِي نُسْخَةٍ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ، فَالْمُرَادُ بِالشَّيْطَانِ رَئِيسُهُمْ أَيْ يَبْعَثُ جُنُودَهُ (إِذَا غَابَتِ الشَّمْسُ حَتَّى تَذْهَبَ فَحْمَةُ الْعِشَاءِ) .
[ ٧ / ٢٧٦٠ ]
٤٢٩٨ - وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ، قَالَ: " «غَطُّوا الْإِنَاءَ، وَأَوْكُوا السِّقَاءَ ; فَإِنَّ فِي السَّنَةِ لَيْلَةً يَنْزِلُ فِيهَا وَبَاءٌ لَا يَمُرُّ بِإِنَاءٍ لَيْسَ عَلَيْهِ غِطَاءٌ أَوْ سِقَاءٌ لَيْسَ عَلَيْهِ وِكَاءٌ إِلَّا نَزَلَ فِيهِ مِنْ ذَلِكَ الْوَبَاءِ» ".
_________________
(١) (وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ): أَيْ لِمُسْلِمٍ وَكَذَا لِأَحْمَدَ (قَالَ): أَيْ مُسْلِمٌ بِإِسْنَادِهِ الْمُتَّصِلِ إِلَيْهِ - ﷺ - (غَطُّوا الْإِنَاءَ، وَأَوْكُوا السِّقَاءَ ; فَإِنَّ فِي السَّنَةِ لَيْلَةً يَنْزِلُ فِيهَا وَبَاءٌ): بِفَتْحِ الْوَاوِ وَالْمَدِّ وَيُقْصَرُ الطَّاعُونُ وَالْمَرَضُ الْعَامُّ (لَا يَمُرُّ): أَيِ الْوَبَاءُ فَكَأَنَّهُ مُجَسَّدٌ (بِإِنَاءٍ لَيْسَ عَلَيْهِ غِطَاءٌ): وَفِي رِوَايَةٍ: " لَمْ يُغَطَّ " (أَوْ سِقَاءٍ): بِالْجَرِّ أَوْ لِلتَّنْوِيعِ يَعْنِي أَوْ سِقَاءٍ (لَيْسَ عَلَيْهِ وِكَاءٌ): أَيْ رِبَاطٌ، وَفِي رِوَايَةٍ: " لَمْ يُوكَ " (إِلَّا نَزَلَ): وَفِي رِوَايَةٍ: " وَقَعَ " (فِيهِ): أَيْ فِي ذَلِكَ الْإِنَاءِ وَالسِّقَاءِ (مِنْ ذَلِكَ الْوَبَاءِ): فَاعِلُ نَزَلَ أَيْ بَعْضُ ذَلِكَ الْوَبَاءِ أَوْ ذَلِكَ الْوَبَاءُ وَ" مِنْ " زَائِدَةٌ. قَالَ النَّوَوِيُّ: فِيهِ جُمَلٌ مِنْ أَنْوَاعِ الْخَيْرِ وَالْآدَابِ الْجَامِعَةِ. جِمَاعُهَا تَسْمِيَةُ اللَّهِ تَعَالَى فِي كُلِّ حَرَكَةٍ وَسُكُونٍ، لِتَحْصِيلِ السَّلَامَةِ مِنَ الْآفَاتِ الدُّنْيَوِيَّةِ وَالْأُخْرَوِيَّةِ.
[ ٧ / ٢٧٦٠ ]
٤٢٩٩ - وَعَنْهُ، قَالَ: «جَاءَ أَبُو حُمَيْدٍ - رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ - مِنَ النَّقِيعِ بِإِنَاءٍ مِنْ لَبَنٍ إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ - فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ: " أَلَّا خَمَّرْتَهُ وَلَوْ أَنْ تَعْرُضَ عَلَيْهِ عُودًا» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
_________________
(١) (وَعَنْهُ): أَيْ عَنْ جَابِرٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - (قَالَ: جَاءَ أَبُو حُمَيْدٍ): بِالتَّصْغِيرِ (رَجُلٌ): أَيْ هُوَ رَجُلٌ (مِنَ الْأَنْصَارِ): قَالَ الْمُؤَلِّفُ: هُوَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَعْدٍ الْخَزْرَجِيُّ السَّاعِدِيُّ، غَلَبَتْ عَلَيْهِ كُنْيَتُهُ، رَوَى عَنْ جَمَاعَةٍ، مَاتَ فِي آخِرِ وِلَايَةِ مُعَاوِيَةَ، (مِنَ النَّقِيعِ): بِالنُّونِ وَفِي نُسْخَةٍ بِالْمُوَحَّدَةِ. قَالَ النَّوَوِيُّ: رُوِيَ بِالنُّونِ وَالْبَاءِ، وَالصَّحِيحُ الْأَشْهَرُ الَّذِي قَالَهُ الْخَطَّابِيُّ وَالْأَكْثَرُونَ بِالنُّونِ، وَهُوَ مَوْضِعٌ بِوَادِي الْعَقِيقِ، وَهُوَ الَّذِي حَمَاهُ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - أَيْ لِإِبِلِ الصَّدَقَةِ وَغَيْرِهَا. قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ وَغَيْرُهُ: وَمَنْ قَالَ بِالْبَاءِ وَهُوَ مَقْبَرَةُ الْمَدِينَةِ فَقَدْ صَحَّفَ، وَالْمَعْنَى جَاءَ مِنْهُ (بِإِنَاءٍ مِنْ لَبَنٍ إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ -): أَيْ مَكْشُوفًا (فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ: " أَلَّا): بِتَشْدِيدِ اللَّامِ أَيْ هَلَّا (خَمَّرْتَهُ): أَيْ لِمَ لَا سَتَرْتَهُ وَغَطَّيْتَهُ؟ (وَلَوْ أَنْ تَعْرُضَ عَلَيْهِ عُودًا): قَالَ الطِّيبِيُّ: أَلَّا حَرْفُ التَّحْضِيضِ دَخَلَ عَلَى الْمَاضِي لِلَّوْمِ عَلَى التَّرْكِ، وَاللَّوْمُ إِنَّمَا يَكُونُ عَلَى مَطْلُوبِ تَرْكٍ، وَكَانَ الرَّجُلُ جَاءَ بِالْإِنَاءِ مَكْشُوفًا غَيْرَ مُخَمَّرٍ ; فَوَبَّخَهُ، يُقَالُ: عَرَضْتُ الْعُودَ عَلَى الْإِنَاءِ أَعْرِضُهُ بِكَسْرِ الرَّاءِ، فِي قَوْلِ عَامَّةِ النَّاسِ إِلَّا الْأَصْمَعِيَّ، فَإِنَّهُ قَالَ: أَعْرُضُهُ مَضْمُومَةُ الرَّاءِ فِي هَذَا خَاصَّةً، وَالْمَعْنَى هَلَّا تُغَطِّيهِ بِغِطَاءٍ، فَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَلَا أَقَلَّ مِنْ أَنْ تَعْرُضَ عَلَيْهِ شَيْئًا، (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
[ ٧ / ٢٧٦٠ ]
٤٣٠٠ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ - ﵄ - عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: " «لَا تَتْرُكُوا النَّارَ فِي بُيُوتِكُمْ حِينَ تَنَامُونَ» " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
_________________
(١) (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ:، لَا تَتْرُكُوا النَّارَ): أَيِ الَّتِي يُخَافُ مِنْ إِحْرَاقِهَا (فِي بُيُوتِكُمْ): بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ وَكَسْرِهَا (حِينَ تَنَامُونَ، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ): وَرَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ.
[ ٧ / ٢٧٦٠ ]
٤٣٠١ - وَعَنْ أَبِي مُوسَى، قَالَ: «احْتَرَقَ بَيْتٌ بِالْمَدِينَةِ عَلَى أَهْلِهِ مِنَ اللَّيْلِ، فَحُدِّثَ بِشَأْنِهِ النَّبِيُّ - ﷺ - قَالَ: " إِنَّ هَذِهِ النَّارُ إِنَّمَا هِيَ عَدُوٌّ لَكُمْ، فَإِذَا نِمْتُمْ فَأَطْفِئُوهَا عَنْكُمْ» " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
_________________
(١) (وَعَنْ أَبِي مُوسَى): - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - (قَالَ: احْتَرَقَ بَيْتٌ بِالْمَدِينَةِ عَلَى أَهْلِهِ مِنَ اللَّيْلِ): إِمَّا حَالٌ أَيْ سَاقِطًا عَلَيْهِمْ أَوْ مُتَعَلِّقٌ بِاحْتِرَاقٍ أَيْ ضَرَرُهُ عَلَيْهِمْ (فَحُدِّثَ): بِصِيغَةِ الْمَفْعُولِ أَيْ: فَحُكِيَ وَأُخْبِرَ (بِشَأْنِهِ): أَيْ بِإِحْرَاقِ بَيْتِهِمْ (النَّبِيُّ - ﷺ - قَالَ): كَانَ مُقْتَضَى الظَّاهِرِ أَنْ يَقُولَ " فَقَالَ "، وَلَعَلَّهُ اسْتِئْنَافٌ جَوَابًا لِسُؤَالٍ مُقَدَّرٍ هُوَ مَا وَقَعَ مِنَ الْمَقَالِ بَعْدَ الْعِلْمِ بِتِلْكَ الْحَالِ قَالَ: (إِنَّ هَذِهِ النَّارَ): قَالَ الطِّيبِيُّ: الْمُشَارُ إِلَيْهِ بِهَذِهِ النَّارِ نَارٌ مَخْصُوصَةٌ، وَهِيَ الَّتِي يُخَافُ عَلَيْهَا مِنَ الِانْتِشَارِ اهـ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ النَّهْيَ عَنِ النَّارِ الْمَخْصُوصَةِ، وَأَمَّا فِي التَّعْلِيلِ بِقَوْلِهِ: (إِنَّمَا هِيَ عَدُوٌّ لَكُمْ): فَالْمُرَادُ بِهَا جِنْسُهَا، وَمَعْنَى كَوْنِهَا عَدُوًّا لَنَا أَنَّهَا تُنَافِي أَبْدَانَنَا وَأَمْوَالَنَا، وَإِنْ كَانَتْ لَنَا فِيهَا مَنْفَعَةٌ، لَكِنْ لَا تَحْصُلُ إِلَّا بِوَاسِطَةٍ، فَأَطْلَقَ أَنَّهَا عَدُوٌّ لَنَا، وَأَتَى بِعِبَارَةِ الْقَصْرِ بِطَرِيقِ الِادِّعَاءِ مُبَالَغَةً فِي التَّحْذِيرِ عَنْ إِبْقَائِهَا، مَعَ أَنَّ كَثِيرًا مِنَ الْمَنَافِعِ مَرْبُوطٌ بِهَا فِي أَوْقَاتِهَا الْمَخْصُوصَةِ بِأَمْرِ الْمَعِيشَةِ (فَإِذَا نِمْتُمْ): بِكَسْرِ النُّونِ مِنْ نَامَ يَنَامُ أَيْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَنَامُوا (فَأَطْفِئُوهَا): وَقَوْلُهُ: (عَنْكُمْ): مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ أَيْ مُجَاوِزِينَ إِضْرَارَهَا عَنْكُمْ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ): وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ عَنْهُ، وَرَوَى الْحَاكِمُ وَالطَّبَرَانِيُّ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ سَرْجِسَ مَرْفُوعًا " «إِذَا نِمْتُمْ فَأَطْفِئُوا الْمِصْبَاحَ، فَإِنَّ الْفَأْرَةَ تَأْخُذُ الْفَتِيلَةَ فَتَحْرِقُ أَهْلَ الْبَيْتِ، وَأَغْلِقُوا الْأَبْوَابَ، وَأَوْكُوا الْأَسْقِيَةَ، وَخَمِّرُوا الشَّرَابَ» ".
[ ٧ / ٢٧٦١ ]
الْفَصْلُ الثَّانِي
٤٣٠٢ - عَنْ جَابِرٍ - ﵁ - قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - يَقُولُ: " «إِذَا سَمِعْتُمْ نُبَاحَ الْكِلَابِ وَنَهِيقَ الْحَمِيرِ مِنَ اللَّيْلِ فَتَعَوَّذُوا بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ ; فَإِنَّهُنَّ يَرَيْنَ مَا لَا تَرَوْنَ. وَأَقِلُّوا الْخُرُوجَ إِذَا هَدَأَتِ الْأَرْجُلُ ; فَإِنَّ اللَّهَ ﷿ يَبُثُّ مِنْ خَلْقِهِ فِي لَيْلَتِهِ مَا يَشَاءُ. وَأَجِيفُوا الْأَبْوَابَ، وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ؟ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَفْتَحُ بَابًا إِذَا أُجِيفَ، وَذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ. وَغَطُّوا الْجِرَارَ، وَأَكْفِئُوا الْآنِيَةَ، وَأَوْكُوا الْقِرَبَ» ". رَوَاهُ فِي " شَرْحِ السُّنَّةِ ".
_________________
(١) الْفَصْلُ الثَّانِي.
(٢) (عَنْ جَابِرٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ): وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ: رَسُولَ اللَّهِ (- ﷺ - يَقُولُ: إِذَا سَمِعْتُمْ نُبَاحَ الْكِلَابِ): بِضَمِّ النُّونِ وَبِالْمُوَحَّدَةِ أَيْ صِيَاحَهَا، وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ " الْكَلْبِ " بِصِيغَةِ الْإِفْرَادِ وَالْمُرَادُ جِنْسُهُ (وَنَهِيقَ الْحَمِيرِ مِنَ اللَّيْلِ): أَيْ فِي بَعْضِ أَجْزَاءِ اللَّيْلِ، وَهُوَ قَيْدٌ لَهُمَا أَوْ لِلْأَخِيرِ، وَلَعَلَّ الْقَيْدَ بِهِ لِأَنَّهُ أَقْبَحُ فِيهِ، وَهُوَ غَيْرُ مَوْجُودٍ فِي الْأُصُولِ، فَفِي الْحِصْنِ الْحَصِينِ: " «وَإِذَا سَمِعَ نَهِيقَ الْحَمِيرِ فَلْيَتَعَوَّذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ» ". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَمُسْلِمٌ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَالْحَاكِمُ قَالَ: " وَكَذَلِكَ إِذَا سَمِعَ نُبَاحَ الْكِلَابِ ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَالْحَاكِمُ كُلُّهُمْ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، وَقَالَ الْحَاكِمُ: صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ. (فَتَعَوَّذُوا بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ، فَإِنَّهُنَّ): أَيِ الْجِنْسَيْنِ عَلَى حَدِّ: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا﴾ [الحج: ١٩]، أَوْ كُلًّا مِنَ الْكِلَابِ وَالْحَمِيرِ (يَرَيْنَ): أَيْ يُبْصِرْنَ مِنَ الشَّيَاطِينِ (مَا لَا تَرَوْنَ): أَيْ مَا لَا تُبْصِرُونَ، وَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - بِرِوَايَةِ الشَّيْخَيْنِ، وَأَبِي دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيَّ، وَالنَّسَائِيِّ: " «وَإِذَا سَمِعَ صِيَاحَ الدِّيَكَةِ، فَلْيَسْأَلِ اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ ; فَإِنَّهَا رَأَتْ مَلَكًا» ". قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: سَبَبُهُ رَجَاءُ تَأْمِينِ الْمَلَائِكَةِ عَلَى الدُّعَاءِ وَاسْتِغْفَارِهِمْ وَشَهَادَتِهِمْ بِالتَّضَرُّعِ وَالْإِقْبَالِ عَلَى اللَّهِ وَالْإِخْلَاصِ، وَفِيهِ اسْتِحْبَابُ الدُّعَاءِ عِنْدَ حُضُورِ الصَّالِحِينَ وَالتَّبَرُّكُ بِهِمْ اهـ. وَكَذَا يُسْتَحَبُّ الدُّعَاءُ عِنْدَ رُؤْيَةِ الظَّالِمِينَ وَالْفَاسِقِينَ، بَلِ الْمُبْتَلِينَ بِالدُّنْيَا، كَمَا كَانَ الشِّبْلِيُّ - قَدَّسَ اللَّهُ سِرَّهُ - إِذَا رَأَى أَحَدًا مِنْ أَبْنَاءِ الدُّنْيَا يَقُولُ: " اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْعَفْوَ وَالْعَافِيَةَ، الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي عَافَانِي مِمَّا ابْتَلَاكَ بِهِ "، وَالْحَاصِلُ أَنَّ رُؤْيَةَ الصَّالِحِينَ وَالْفَاسِقِينَ بِمَنْزِلَةِ سَمَاعِ آيَاتِ الْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَطْلُبَ فِي الْأَوَّلِ، وَيَسْتَعِيذَ فِي الثَّانِي.
[ ٧ / ٢٧٦١ ]
وَقَدْ جَاءَ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - بِرِوَايَةِ أَحْمَدَ وَالشَّيْخَيْنِ وَأَبِي دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيِّ مَرْفُوعًا بِلَفْظِ: " «إِذَا سَمِعْتُمْ أَصْوَاتَ الدِّيَكَةِ فَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ؟ فَإِنَّهَا رَأَتْ مَلَكًا، وَإِذَا سَمِعْتُمْ نَهِيقَ الْحَمِيرِ فَتَعَوَّذُوا بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ؟ فَإِنَّهَا رَأَتْ شَيْطَانًا» " (وَأَقِلُّوا الْخُرُوجَ): أَيْ مِنْ بُيُوتِكُمْ (إِذَا هَدَأَتِ): بِفَتْحِ الْهَاءِ، وَالدَّالِ الْمُهْمَلَةِ وَالْهَمْزَةِ أَيْ سَكَنَتْ (الْأَرْجُلُ): جَمْعُ رِجْلٍ أَيْ إِذَا قَلَّ تَرَدُّدُ النَّاسِ فِي الطُّرُقِ بِاللَّيْلِ وَسَكَنَ النَّاسُ عَنِ الْمَشْيِ مِنَ الْهَدْأَةِ وَالْهَدْءُ السُّكُونُ عَنِ الْحَرَكَةِ (فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ): أَيْ شَأْنُهُ (وَجَلَّ): أَيْ بُرْهَانُهُ (يَبُثُّ): بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ وَتَشْدِيدِ الْمُثَلَّثَةِ أَيْ يَنْشُرُ وَيُفَرِّقُ (مِنْ خَلْقِهِ): أَيْ مَخْلُوقَاتِهِ مِنَ الْجِنِّ وَالشَّيَاطِينِ وَالْحَيَوَانَاتِ الْمُضِرَّةِ وَغَيْرِهَا كَالْفَسَقَةِ وَالْحَرَامِيَّةِ (فِي لَيْلَتِهِ): وَفِي رِوَايَةٍ: " فِي لَيْلَةٍ " (مَا يَشَاءُ): مَفْعُولُ يَبُثُّ وَمِنْ خَلْقِهِ بَيَانُ " مَا " مُقَدَّمٌ عَلَيْهَا (وَأَجِيفُوا الْأَبْوَابَ): أَيْ رُدُّوهَا وَأَغْلِقُوهَا (وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ): أَيْ عَلَى إِغْلَاقِهَا، وَفِي حَالِ رَدِّهَا، وَفِي رِوَايَةٍ: عَلَيْهَا أَيْ عَلَى الْأَبْوَابِ (فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَفْتَحُ بَابًا إِذَا أُجِيفَ): وَفِي رِوَايَةٍ: بَابًا أُجِيفَ أَيْ رُدَّ (وَذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ): أَيْ حِينَ رَدِّهِ (وَغَطُّوا الْجِرَارَ): بِكَسْرِ الْجِيمِ جَمْعُ الْجَرَّةِ أَيِ الظُّرُوفَ وَالْأَوَانِيَ إِذَا كَانَ فِيهَا الْمَشْيُ (وَأَكْفِئُوا الْآنِيَةَ): بِقَطْعِ الْهَمْزَةِ، وَقِيلَ بِوَصْلِهَا فَفِي شَرْحِ السُّنَّةِ قَالَ الْكِسَائِيُّ: يُقَالُ: كَفَأْتُ الْإِنَاءَ إِذَا كَبَبْتَهُ وَأَكْفَأْتَهُ وَكَفَأْتُهُ أَيْضًا إِذَا أَمَلْتَهُ لِيُفْرَغَ مَا فِيهَا، وَفِي الْغَرِيبَيْنِ: الْمُرَادُ بِإِكْفَاءِ الْآنِيَةِ هَاهُنَا قَلْبُهَا كَيْلَا يَدِبَّ عَلَيْهَا شَيْءٌ يُنَجِّسُهَا (وَأَوْكُوا الْقِرَبَ): أَيْ شُدُّوا أَفْوَاهَهَا خُصُوصًا بِاللَّيْلِ، فَإِنَّهُ أَدْهَى لِلْوَيْلِ، وَفِي رِوَايَةٍ تَقْدِيمُ جُمْلَةِ أَوْكُوا عَلَى أَكْفِئُوا (رَوَاهُ): أَيِ الْبَغَوِيُّ (فِي شَرْحِ السُّنَّةِ): وَغَالِبُ هَذِهِ الْمَعَانِي مَوْجُودَةٌ فِي الصِّحَاحِ وَالْحِسَانِ، ثُمَّ رَأَيْتُ الْحَدِيثَ بِعَيْنِهِ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ مَعَ اخْتِلَافَاتٍ قَلِيلَةٍ أَشَرْتُ إِلَيْهَا فِي الْأَثْنَاءِ، وَقَدْ رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْبُخَارِيُّ فِي تَارِيخِهِ، وَأَبُو دَاوُدَ وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ، وَالْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ عَنْ جَابِرٍ، وَلَعَلَّ الْمُصَنِّفَ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَى أَحَدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ الْمُخْرِجِينَ، وَلِهَذَا نَسَبَ الْحَدِيثَ إِلَى صَاحِبِ الْمَصَابِيحِ فِي كِتَابِهِ: (شَرْحِ السُّنَّةِ): مَعَ أَنَّهُ لَيْسَ مِنَ الْأُصُولِ الْمَشْهُورَةِ.
[ ٧ / ٢٧٦٢ ]
٤٣٠٣ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ - قَالَ: «جَاءَتْ فَأْرَةٌ تَجُرُّ الْفَتِيلَةَ، فَأَلْقَتْهَا بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - عَلَى الْخَمْرَةِ الَّتِي كَانَ قَاعِدًا عَلَيْهَا، فَأَحْرَقَتْ مِنْهَا مِثْلَ مَوْضِعِ الدِّرْهَمِ. فَقَالَ: " إِذَا نِمْتُمْ فَأَطْفِئُوا سُرُجَكُمْ ; فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَدُلُّ مِثْلَ هَذِهِ عَلَى هَذَا ; فَيَحْرِقُكُمْ» ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
وَهَذَا الْبَابُ خَالٍ: عَنِ الْفَصْلِ الثَّالِثِ
_________________
(١) (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - قَالَ: جَاءَتْ فَأْرَةٌ): بِالْهَمْزِ وَيُبَدَّلُ بَلْ هُوَ أَشْهَرُ فِي الِاسْتِعْمَالِ وَأَكْثَرُ (تَجُرُّ الْفَتِيلَةَ): الْجُمْلَةُ حَالٌ أَوِ اسْتِئْنَافٌ (فَأَلْقَتْهَا): عَطْفٌ عَلَى جَاءَتْ أَيْ فَرَمَتِ الْفَأْرَةُ الْفَتِيلَةَ الْمَجْرُورَةَ (بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - عَلَى الْخُمْرَةِ): بِضَمِّ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الْمِيمِ وَالرَّاءِ، وَهِيَ السَّجَّادَةُ وَهِيَ الْحُصْرُ الَّذِي يَسْجُدُ عَلَيْهِ سُمِّيَ بِهَا ; لِأَنَّهَا تُخَمِّرُ الْأَرْضَ أَيْ تَسْتُرُهَا وَتَقِي الْوَجْهَ مِنَ التُّرَابِ. وَفِي الْفَائِقِ: هِيَ السَّجَّادَةُ الصَّغِيرَةُ مِنَ الْحَصِيرِ ; لِأَنَّهَا مُرَمَّلَةٌ مُخَمَّرٌ خُيُوطُهَا بِسَعَفِهَا (الَّتِي كَانَ قَاعِدًا عَلَيْهَا، فَأَحْرَقَتْ): أَيِ الْفَتِيلَةُ، وَالْمَعْنَى نَارُهَا (مِنْهَا مِثْلَ مَوْضِعِ الدِّرْهَمِ. فَقَالَ: إِذَا نِمْتُمْ): قَيَّدَهُ بِالنَّوْمِ لِحُصُولِ الْغَفْلَةِ بِهِ غَالِبًا، وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ أَنَّهُ مَتَى وُجِدَتِ الْغَفْلَةُ حَصَلَ النَّهْيُ (فَأَطْفِئُوا سُرُجَكُمْ ; فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَدُلُّ مِثْلَ هَذِهِ): أَيِ الْفَأْرَةَ (عَلَى هَذَا): أَيِ الْفِعْلِ وَهُوَ جَرُّ الْفَتِيلَةِ (فَيُحْرِقُكُمْ): أَيِ الشَّيْطَانُ بِسَبَبِهَا، وَحَاصِلُهُ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾ [فاطر: ٦] (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) .
[ ٧ / ٢٧٦٢ ]