[ ٨ / ٣٣٥٩ ]
[٧] بَابُ تَغَيُّرِ النَّاسِ
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
٥٣٦٠ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ - ﵄ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: " «إِنَّمَا النَّاسُ كَالْإِبِلِ الْمِائَةِ، لَا تَكَادُ تَجِدُ فِيهَا رَاحِلَةً» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
_________________
(١) بَابُ تَغَيُّرِ النَّاسِ أَيْ: بِتَغَيُّرِ الزَّمَانِ عَلَى مَا هُوَ الْمُتَبَادِرُ الْمُوَافِقُ لِمَضْمُونِ أَكْثَرِ أَحَادِيثِ الْبَابِ، أَوِ الْمُرَادُ بِالتَّغَيُّرِ اخْتِلَافُ حَالَاتِهِمْ وَمَرَاتِبِهِمْ فِي مُنَازَلَاتِهِمُ الشَّامِلَةِ لِتَغَيُّرِ أَزْمِنَتِهِمْ، وَعَلَيْهِ ظَاهِرُ الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ مِنَ الْفَصْلِ الْأَوَّلِ، فَتَأَمَّلْ. الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
(٢) (عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: " إِنَّمَا النَّاسُ ") أَيْ: فِي اخْتِلَافِ حَالَاتِهِمْ وَتَغَيُّرِ صِفَاتِهِمْ (" كَالْإِبِلِ الْمِائَةِ ") قَالَ الطِّيبِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - ﷻ: اللَّامُ فِيهِمَا لِلْجِنْسِ، قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: الرِّوَايَةُ فِيهِ عَلَى الثَّبْتِ كَإِبِلٍ مِائَةٍ بِغَيْرِ أَلِفٍ وَلَامٍ فِيهِمَا (" لَا تَكَادُ ") أَيْ: لَا تَقْرُبُ أَيُّهَا الْمُخَاطَبُ خِطَابًا عَامًّا (" تَجِدُ فِيهَا ") أَيْ: فِي مِائَةٍ مِنَ الْإِبِلِ (" رَاحِلَةً ") أَيْ: نَاقَةً شَابَّةً، قَوِيَّةً، مُرْتَاضَةً، تَصْلُحُ لِلرُّكُوبِ، فَكَذَلِكَ لَا تَجِدُ فِي مِائَةٍ مِنَ النَّاسِ مَنْ يَصْلُحُ لِلصُّحْبَةِ، وَحَمْلِ الْمَوَدَّةِ وَرُكُوبِ الْمَحَبَّةِ، فَيُعَاوِنُ صَاحِبَهُ وَيَلِينُ لَهُ جَانِبُهُ، وَهَذَا زُبْدَةُ كَلَامِ الشَّارِحِ الْأَوَّلِ، وَمَنْ تَابَعَهُ مِنْ شُرَّاحِ الْمَصَابِيحِ. وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: مَعْنَاهُ أَنَّ النَّاسَ فِي أَحْكَامِ الدِّينِ سَوَاءٌ لَا فَضْلَ فِيهَا لِشَرِيفٍ عَلَى مَشْرُوفٍ، وَلَا لِرَفِيعٍ مِنْهُمْ عَلَى وَضِيعٍ، كَإِبِلِ الْمِائَةِ لَا يَكُونُ فِيهَا رَاحِلَةٌ، قَالَ الطِّيبِيُّ - ﵀ -: عَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ لَا تَجِدُ فِيهَا رَاحِلَةً صِفَةُ الْإِبِلِ، وَالتَّشْبِيهُ مُرَكَّبٌ تَمْثِيلِيٌّ، وَعَلَى الثَّانِي هُوَ وَجْهُ الشَّبَهِ، وَبَيَانٌ لِمُنَاسَبَةِ النَّاسِ لِلْإِبِلِ، قُلْتُ: وَلَا يَخْفَى ظُهُورُ الْمَعْنَى الْأَوَّلِ، فَتَدَبَّرْ وَتَأَمَّلْ، وَخُلَاصَتُهُ: أَنَّ الْمَرْضِيَّ الْمُنْتَخَبَ مِنَ النَّاسِ الصَّالِحَ لِلصُّحْبَةِ سَهْلُ الِانْقِيَادِ عَسِرٌ وَجُودُهُ، كَالنَّجِيبَةِ الصَّالِحَةِ لِلرُّكُوبِ الَّتِي لَا تُوجَدُ فِي الْإِبِلِ الْكَثِيرَةِ الْقَوِيَّةِ عَلَى الْأَحْمَالِ وَالْأَسْفَارِ، فَذَكَرَ الْمِائَةَ لِلتَّكْثِيرِ لَا لِلتَّحْدِيدِ، فَإِنَّ وُجُودَ الْعَالِمِ الْعَامِلِ الْمُخْلِصِ مِنْ قَبِيلِ الْكِيمْيَاءِ، أَوْ مِنْ بَابِ تَسْمِيَةِ الْعَنْقَاءِ، وَلِذَا قَالَ بَعْضُ الْعُرَفَاءِ: أَتَمَنَّى عَلَى الزَّمَانِ مُحَالًا أَنْ تَرَى مُلْتَقَايَ طَلْعَةَ حُرٍّ وَقَالَ الْآخَرُ: وَإِذَا صَفَا لَكَ مِنْ زَمَانِكَ وَاحِدٌ فَهُوَ الْمُرَادُ وَأَيْنَ ذَاكَ الْوَاحِدُ وَكَانَ يَقُولُ بَعْضُ أَرْبَابِ الْحَالِ: هَذَا زَمَانُ قَحْطِ الرِّجَالِ، وَرُوِيَ أَنَّ سَهْلًا التُّسْتَرِيَّ خَرَجَ مِنْ مَسْجِدٍ وَرَأَى خَلْقًا كَثِيرًا فِي دَاخِلِهِ وَخَارِجِهِ، فَقَالَ: أَهْلُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ كَثِيرٌ، وَالْمُخْلِصُونَ مِنْهُمْ قَلِيلٌ، وَقَدْ نَبَّهَ سُبْحَانَهُ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى فِي آيَاتٍ مِنْهَا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ: ١٣]، وَمِنْهَا: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ﴾ [ص: ٢٤]، وَمِنْهَا قَوْلُهُ تَعَالَى فِي وَصْفِ السَّابِقِينَ الْمُقَرَّبِينَ: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ - وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ﴾ [الواقعة: ١٣ - ١٤] (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ)، وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَهَذَا لَفْظُ الْبُخَارِيِّ، نَقَلَهُ مِيرَكُ عَنِ التَّصْحِيحِ، وَفِي الْجَامِعِ بِلَفْظِ: إِنَّمَا النَّاسُ كَإِبِلٍ مِائَةٍ بِالتَّنْكِيرِ. رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالشَّيْخَانِ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ.
[ ٨ / ٣٣٦٠ ]
٥٣٦١ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ - ﵁ - قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: " لَتَتَّبِعُنَّ سُنَنَ مَنْ قَبْلَكُمْ، شِبْرًا بِشِبْرٍ، وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ، حَتَّى لَوْ دَخَلُوا جُحْرَ ضَبٍّ تَبِعْتُمُوهُمْ "، قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ! الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى؟ قَالَ: " فَمَنْ؟» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
_________________
(١) (وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: (لَتَتَّبِعُنَّ ") بِتَشْدِيدِ التَّاءِ الثَّانِيَةِ وَضَمِّ الْعَيْنِ، أَيْ: لَتُوَافِقُنَّ بِالتَّبَعِيَّةِ (" سُنَنَ مَنْ قَبْلَكُمْ ") بِضَمِّ السِّينِ جَمْعُ سُنَّةٍ، وَهِيَ لُغَةً الطَّرِيقَةُ، حَسَنَةً كَانَتْ أَوْ سَيِّئَةً، وَالْمُرَادُ هُنَا طَرِيقَةُ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ وَالْبِدَعِ الَّتِي ابْتَدَعُوهَا مِنْ تِلْقَاءِ أَنْفُسِهِمْ بَعْدَ أَنْبِيَائِهِمْ، مِنْ تَغَيُّرِ دِينِهِمْ وَتَحْرِيفِ كِتَابِهِمْ، كَمَا أَتَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ حَذْوَ النَّعْلِ بِالنَّعْلِ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ بِفَتْحِ السِّينِ، فَفِي الْمُقَدِّمَةِ أَيْ: طَرِيقَهُمْ (" شِبْرًا بِشِبْرٍ "): حَالٌ
[ ٨ / ٣٣٦٠ ]
مِثْلَ يَدًا بِيَدٍ، وَكَذَا قَوْلُهُ: (" ذِرَاعًا بِذِرَاعٍ ") أَيْ: سَتَفْعَلُونَ مِثْلَ فِعْلِهِمْ سَوَاءً بِسَوَاءٍ، (" حَتَّى لَوْ دَخَلُوا ") أَيْ: مَنْ قَبْلَكُمْ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ (" جُحْرَ ضَبٍّ ") وَهُوَ مِنْ أَضَيْقِ أَنْوَاعِ الْجُحْرِ وَأَخْبَثِهَا (" تَبِعْتُمُوهُمْ ") وَلَعَلَّ الْحِكْمَةَ فِي ذَلِكَ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا بُعِثَ لِإِتْمَامِ مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ فِيُ آخِرِ الْأُمَمِ فَيَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ أَهْلُ الْكَمَالِ مِنهُمْ مَوْصُوفِينَ بِجَمِيعِ الْخِصَالِ الْحَمِيدَةِ فِي الْأَدْيَانِ الْمُتَقَدِّمَةِ، وَمِنْ لَوَازِمِ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ أَهْلُ النُّقْصَانِ مِنْهُمْ فِي كَمَالِ الْمَرْتَبَةِ الْقُصْوَى مَنْعُوتِينَ بِجَمِيعِ الْخِلَالِ الذَّمِيمَةِ الْكَائِنَةِ فِي الْأُمَمِ السَّابِقَةِ، وَنَظِيرُهُ أَنَّ بَعْضَ الْمَشَايِخِ ذَكَرَ أَنَّهُ ارْتَاضَ بِجَمِيعِ مَا سَمِعَ رِيَاضَاتِ أَرْبَابِ الْوِلَايَاتِ، فَأُعْطِيَ لَهُ جَمِيعَ أَصْنَافِ الْكَرَامَاتِ وَخَوَارِقِ الْعَادَاتِ، وَيُنَاسِبُهُ مَا ذَكَرَهُ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ مِنْ أَنَّ التَّوَقُّفَ لَا يُوجَدُ فِي حَقِّ الْإِنْسَانِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي الزِّيَادَةِ فَهُوَ فِي النُّقْصَانِ، وَأَيْضًا نَوْعُ بَنِي آدَمَ مَعْجُونٌ مُرَكَّبٌ مِنَ الطَّبْعِ الْمَلَكِيِّ الرُّوحَانِيِّ الْعُلْوَانِيِّ، وَمِنَ الْطَبْعِ الْحَيَوَانِيِّ النَّفْسَانِيِّ السُّفْلَانِيِّ، فَإِنْ كَانَ يَمِيلُ إِلَى الْعُلُوِّ فَيَصِيرُ إِلَى الرُّتْبَةِ الْأُولَى مِنَ الْمَلَأِ الْأَعْلَى، وَإِنْ كَانَ يَمِيلُ إِلَى أَسْفَلَ فَيَسِيرُ فِي طَرِيقَتِهِ مِنْ مَرَاتِبِ الْبَهَائِمِ أَدْنَى، كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ سُبْحَانَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ﴾ [الأعراف: ١٧٩] وَهُنَا يَنْفَتِحُ بَابُ الْقَضَاءِ، وَلَا خَلَاصَ إِلَى الْقَضَاءِ إِلَّا بِقَوْلِهِ: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ﴾ [الأنبياء: ٢٣]، فَتَأَمَّلْ، (قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ! الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى) بِالنَّصْبِ أَيْ: أَتَعْنِي بِمَنْ نَتْبَعُهُمْ، أَوْ بِمَنْ قَبْلَنَا سُنَّةَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى؟ (قَالَ) أَيِ: النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، (" فَمَنْ ")؟ أَيْ إِنْ لَمْ أُرِدْهُمْ فَمَنْ (" سِوَاهُمْ ")؟ وَالْمَعْنَى: أَنَّهُمُ الْغَالِبُونَ الْمَشْهُورُونَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَغَيْرُهُمْ مُنْدَرِسُونَ، فَإِذَا أُطْلِقَ مَنْ قَبْلَكُمْ، فَهُمُ الْمُرَادُ، وَكَانَ غَيْرُهُمْ غَيْرَ مَوْجُودِينَ فِي الِاعْتِبَارِ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ، وَقَالَ شَارِحٌ: (فَمَنْ) اسْتِفْهَامٌ أَيْ: فَمَنْ يَكُونُ غَيْرُهُمْ يَعْنِي الْمَتْبُوعِينَ لَكُمْ هُمْ لَا غَيْرُهُمْ، وَقَالَ ابْنُ الْمَلِكِ: رُوِيَ (الْيَهُودِ) بِالْجَرِّ أَيْ: هَلْ نَتَّبِعُ سُنَنَ الْيَهُودِ، وَبِالرَّفْعِ عَلَى أَنَّهُ خَبَرُ الْمُبْتَدَأِ عَلَى تَقْدِيرِ حَرْفِ الِاسْتِفْهَامِ يَعْنِي: قَبْلَنَا هُمُ الْيَهُودُ، انْتَهَى. وَقِيلَ: التَّقْدِيرُ أَيِ: الْمَتْبُوعُونَ هُمُ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى أَمْ غَيْرُهُمْ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) . وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَلَفْظُهُ: " «لَتَرْكَبُنَّ سُنَنَ مَنْ قَبْلَكُمْ شِبْرًا بِشِبْرٍ، وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ، حَتَّى لَوْ أَنَّ أَحَدَهُمْ دَخَلَ جُحْرَ ضَبٍّ لَدَخَلْتُمْ، وَحَتَّى لَوْ أَنَّ أَحَدَهُمْ جَامَعَ امْرَأَتَهُ بِالطَّرِيقِ لَفَعَلْتُمُوهُ» ".
[ ٨ / ٣٣٦١ ]
٥٣٦٢ - وَعَنْ مِرْدَاسٍ الْأَسْلَمِيِّ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: " «يَذْهَبُ الصَّالِحُونَ، الْأَوَّلُ فَالْأَوَّلُ، وَتَبْقَى حُفَالَةٌ كَحُفَالَةِ الشَّعِيرِ أَوِ التَّمْرِ، لَا يُبَالِيهِمُ اللَّهُ بَالَةً» " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
_________________
(١) (وَعَنْ مِرْدَاسٍ) بِكَسْرِ الْمِيمِ (الْأَسْلَمِيِّ): كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الشَّجَرَةِ، يُعَدُّ فِي الْكُوفِيِّينَ، رَوَى عَنْهُ قَيْسُ بْنُ أَبِي حَازِمٍ حَدِيثًا وَاحِدًا لَيْسَ لَهُ غَيْرُهُ، (قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ) وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ: رَسُولُ اللَّهِ (- صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " يَذْهَبُ ") أَيْ: يَمُوتُ (" الصَّالِحُونَ الْأَوَّلُ فَالْأَوَّلُ ") بِالرَّفْعِ بَدَلٌ مِنَ " الصَّالِحُونَ "، وَبِالنَّصْبِ حَالٌ أَيْ وَاحِدًا بَعْدَ وَاحِدٍ، أَوْ قَرْنًا بَعْدَ قَرْنٍ، (" وَتَبْقَى حُفَالَةٌ ") بِضَمِّ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ، وَفِي نُسْخَةٍ حُثَالَةٌ بِالثَّاءِ الْمُثَلَّثَةِ بَدَلَ الْفَاءِ، وَمَعْنَاهُمَا: الرَّدِيءُ مِنَ الشَّيْءِ، وَالتَّنْكِيرُ فِي حُفَالَةٍ لِلتَّحْقِيرِ (" كَحُفَالَةِ الشَّعِيرِ ") أَيْ: نُخَالَتِهِ (" أَوِ التَّمْرِ ") أَيْ: دَقْلِهِ، قَالَ الطِّيبِيُّ - ﵀ -: الْفَاءُ لِلتَّعْقِيبِ، وَلَا بُدَّ مِنَ التَّقْدِيرِ، أَيِ: الْأَوَّلُ مِنْهُمْ، فَالْأَوَّلُ مِنَ الْبَاقِينَ مِنْهُمْ، وَهَكَذَا يَنْتَهِي إِلَى الْحُفَالَةِ مِثْلَ الْأَفْضَلِ فَالْأَفْضَلِ، قَالَ الْقَاضِي: الْحُفَالَةُ رَذَالَةُ الشَّيْءِ وَكَذَا الْحُثَالَةُ، وَالْفَاءُ وَالثَّاءُ يَتَعَاقَبَانِ كَثِيرًا، (" لَا يُبَالِيهِمُ اللَّهُ ") أَيْ: لَا يَرْفَعُ لَهُمْ قَدْرًا، وَلَا يُقِيمُ لَهُمْ وَزْنًا (" بَالَةً ") أَيْ: مُبَالَاةً، فَيَكُونُ مَحْذُوفَ الْمِيمِ وَالْأَلِفِ لِكَوْنِهِمَا مِنَ الزَّوَائِدِ، كَمَا قِيلَ فِي لَبَّيْكَ فَإِنَّهُ مَأْخُوذٌ مَنْ أَلَبَّ بِالْمَكَانِ: أَقَامَ بِهِ، وَأَصَابَ بَالَةً بَالِيَةً، مِثْلَ عَافَاهُ اللَّهُ عَافِيَةً، فَحَذَفُوا الْيَاءَ مِنْهَا تَخْفِيفًا، يُقَالُ: مَا بَالَيْتُهُ وَمَا بَالَيْتُ بِهِ وَمِنْهُ، أَيْ: لَمْ أَكْثَرِتْ بِهِ، وَقِيلَ: بَالَةٌ بِمَعْنَى حَالَةٍ، أَيْ: لَا يُبَالِي اللَّهُ حَالَةً مِنْ أَحْوَالِهِ، وَمِنْهُ الْبَالُ بِمَعْنَى الْحَالِ. (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ)، وَكَذَا الْإِمَامُ أَحْمَدُ.
[ ٨ / ٣٣٦١ ]
الْفَصْلُ الثَّانِي
٥٣٦٣ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ - ﵄ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: " «إِذَا مَشَتْ أُمَّتِي الْمُطَيْطِيَاءَ وَخَدَمَتْهُمْ أَبْنَاءُ الْمُلُوكِ أَبْنَاءُ فَارِسَ وَالرُّومِ، سَلَّطَ اللَّهُ شِرَارَهَا عَلَى خِيَارِهَا» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ.
_________________
(١) الْفَصْلُ الثَّانِي
(٢) (عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: " إِذَا مَشَتْ أُمَّتِي الْمُطَيْطِيَاءَ ") بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ الْأَوْلَى وَكَسْرِ الثَّانِيَةِ مَمْدُودَةً وَتُقْصَرُ، بِمَعْنَى: التَّمَطِّي، وَهُوَ الْمَشْيُ فِيهِ التَّبَخْتُرُ وَمَدُّ الْيَدَيْنِ، وَيُرْوَى بِغَيْرِ الْيَاءِ الْأَخِيرَةِ، وَهُوَ لَفْظُ الْجَامِعِ، وَنَصْبُهُ عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ أَيْ: مَشْيَ تَبَخْتُرٍ، وَقِيلَ إِنَّهُ حَالٌ، أَيْ: إِذَا صَارُوا فِي نُفُوسِهِمْ مُتَكَبِّرِينَ وَعَلَى غَيْرِهِمْ مُتَجَبِّرِينَ، (وَخَدَمَتْهُمْ) وَفِي الْجَامِعِ: خَدَمَهَا، وَهُوَ الْأَنْسَبُ بِالسَّابِقِ وَاللَّاحِقِ، وَالْمَعْنَى قَامَ بِخِدْمَتِهِمْ وَانْقَادَ فِي حَضْرَتِهِمْ (" أَبْنَاءُ الْمُلُوكِ أَبْنَاءُ فَارِسَ وَالرُّومِ ") بَدَلٌ مِمَّا قَبْلَهُ وَبَيَانٌ لَهُ، (" سَلَّطَ اللَّهُ شِرَارَهَا ") وَلَفْظُ الْجَامِعِ: سَلَّطَ شِرَارَهَا، أَيْ: ظَلَمَةَ الْأُمَّةِ (" عَلَى خِيَارِهَا ") أَيْ: مَظْلُومِهِمْ. قَالَ الشُّرَّاحُ: وَهَذَا الْحَدِيثُ مِنْ دَلَائِلِ نُبُوَّتِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ; لِأَنَّهُ أَخْبَرَ عَنِ الْمَغِيبِ، وَوَافَقَ الْوَاقِعُ خَبَرَهُ، فَإِنَّهُمْ لَمَّا فَتَحُوا بِلَادَ فَارِسَ وَالرُّومِ، وَأَخَذُوا أَمْوَالَهُمْ وَتَجَمُّلَاتِهِمْ وَسَبَوْا أَوْلَادَهُمْ فَاسْتَخْدَمُوهُمْ، سَلَّطَ اللَّهُ قَتَلَةَ عُثْمَانَ - ﵁ - عَلَيْهِ حَتَّى قَتَلُوهُ، ثُمَّ سَلَّطَ بَنِي أُمَيَّةَ عَلَى بَنِي هَاشِمٍ، فَفَعَلُوا مَا فَعَلُوا هَكَذَا. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ)، وَكَذَا ابْنُ حِبَّانَ، ذَكَرَهُ مِيرَكُ (وَقَالَ) أَيِ: التِّرْمِذِيُّ (هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ) .
[ ٨ / ٣٣٦٢ ]
٥٣٦٤ - وَعَنْ حُذَيْفَةَ - ﵁ -: أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: " «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَقْتُلُوا إِمَامَكُمْ، وَتَجْتَلِدُوا بِأَسْيَافِكُمْ، وَيَرِثُ دُنْيَاكُمْ شِرَارُكُمْ» " - رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
_________________
(١) (وَعَنْ حُذَيْفَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: " «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَقْتُلُوا إِمَامَكُمْ» ") أَيِ: الْخَلِيفَةَ أَوِ السُّلْطَانَ (" وَتَجْتَلِدُوا ") أَيْ: تَتَضَارَبُوا (" بِأَسْيَافِكُمْ وَيَرِثُ دُنْيَاكُمْ شِرَارُكُمْ ") بِأَنْ يَصِيرَ الْمُلْكُ وَالْمَالُ وَالْمَنَاصِبُ فِي أَيْدِي الظَّلَمَةِ، وَغَيْرِ أَرْبَابِ الِاسْتِحْقَاقِ (" رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ ") .
[ ٨ / ٣٣٦٢ ]
٥٣٦٥ - وَعَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: " «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَكُونَ أَسْعَدَ النَّاسِ بِالدُّنْيَا لُكَعُ بْنُ لُكَعَ» ".
رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، والْبَيْهَقِيُّ فِي (دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ) .
_________________
(١) (وَعَنْهُ) أَيْ: عَنْ حُذَيْفَةَ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَكُونَ أَسْعَدَ النَّاسِ ") بِنَصْبِ أَسْعَدَ وَيُرْفَعُ، أَيْ: أَكْثَرَهُمْ مَالًا، وَأَطْيَبَهُمْ عَيْشًا، وَأَرْفَعَهُمْ مَنْصِبًا، وَأَنْفَذَهُمْ حُكْمًا (" بِالدُّنْيَا ") أَيْ: بِأُمُورِهَا أَوْ فِيهَا (" لُكَعُ بْنُ لَكْعَ ") بِضَمِّ اللَّامِ وَفَتْحِ الْكَافِ غَيْرُ مَصْرُوفٍ، أَيْ: لَئِيمُ بْنُ لَئِيمٍ، أَيْ: رَدِيءُ النِّسَبِ دَنِيءُ الْحَسَبِ، وَقِيلَ: أَرَادَ بِهِ مَنْ لَا يُعْرَفُ لَهُ أَصْلٌ وَلَا يُحْمَدُ لَهُ خُلُقٌ، وَحُذِفَ أَلِفُ ابْنٍ لِإِجْرَاءِ اللَّفْظَيْنِ مَجْرَى عَلَمَيْنِ لِشَخْصَيْنِ خَسِيسَيْنِ لَئِيمَيْنِ، قَالَ ابْنُ الْمَلِكِ - ﵀ - فِي بَعْضِ النُّسَخِ بِنَصْبِ أَسْعَدَ عَلَى أَنَّهُ خَبَرُ يَكُونُ، وَفِي بَعْضِهَا بِرَفْعِهِ عَلَى أَنَّ الضَّمِيرَ قَدْ يَكُونُ لِلشَّأْنِ، وَالْجُمْلَةُ بَعْدَهُ تَفْسِيرٌ لِلضَّمِيرِ الْمَذْكُورِ، انْتَهَى. وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَسْعَدُ اسْمًا، وَلُكَعُ يُنْصَبُ عَلَى الْخَبَرِيَّةِ لِفَسَادِ الْمَعْنَى كَمَا لَا يَخْفَى، فَلَا يَغُرُّكَ مَا فِي بَعْضِ النَّسْخِ مِنْ نَصْبِ لُكَعَ، فَإِنَّهُ مُخَالِفٌ لِلرِّوَايَةِ وَالدِّرَايَةِ، وَقَدِ اقْتَصَرَ شَارِحٌ عَلَى نَصْبِ أَسْعَدَ، وَقَالَ: لُكَعُ بِالرَّفْعِ اسْمُ يَكُونُ، وَهُوَ الْأَحْمَقُ، وَقِيلَ: الْعَبْدُ وَهُوَ مَعْدُولٌ عَنِ اللُّكَعِ، يُقَالُ: لَكِعَ الْوَسَخُ عَلَيْهِ لَكَعًا فَهُوَ لُكَعٌ إِذَا الْتَصَقَ بِهِ، وَلِلرَّجُلِ اللَّئِيمِ كَمَا عَدَلَتْ لُكَاعُ الْمَرْأَةُ اللَّئِيمَةُ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَ لِلْأَحْمَقِ وَالْعَبْدِ لِمَا فِيهِ مِنَ الذِّلَّةِ، وَلِلْجَحْشِ لِمَا فِيهِ مِنَ الْخِفَّةِ، وَلِلصَّبِيِّ لِمَا فِيهِ مِنَ الضَّعْفِ، وَيُقَالُ لِلذَّلِيلِ الَّذِي تَكُونُ نَفْسُهُ كَالْعَبِيدِ، وَأُرِيدَ بِهِ هَاهُنَا الَّذِي لَا يُعْرَفُ لَهُ أَصْلٌ، وَلَا يُحْمَدُ لَهُ خُلُقٌ، انْتَهَى. وَبِهَذَا ظَهَرَ مَعْنَى قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَقِّ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا -: " أَثِمَ لُكَعُ "، وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ يُطْلَقُ عَلَى الصَّغِيرِ قَدْرًا وَجُثَّةً، بِحَسَبِ مَا يَقْتَضِيهِ الْمَقَامُ مِنَ الْمَعْنَى الْمُنَاسِبِ لِلْمَرَامِ، وَلِذَا قِيلَ: يُقَالُ لِلصَّبِيِّ
[ ٨ / ٣٣٦٢ ]
الصَّغِيرِ لُكَعٌ مَصْرُوفًا، ذَهَابًا إِلَى صِغَرِ جُثَّتِهِ، وَيُطْلَقُ عَلَى الْعَبْدِ وَاللَّئِيمِ وَالْأَحْمَقِ لِصِغَرِ قَدْرِهِمْ، فَإِذَا عَرَفْتَ هَذَا فَيَصْلُحُ أَنْ يُرَادَ بِلُكَعَ كُلٌّ مِنْ هَذِهِ الْمَعَانِي مِنْ: الصَّغِيرِ، وَالْحَقِيرِ، وَالْعَبْدِ، وَالْأَحْمَقِ، وَاللَّئِيمِ، ثُمَّ قَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ لَيْسَ بِمَعْدُولٍ، وَإِنَّمَا هُوَ مِثْلُ صَرِدٍ وَنَغِرٍ، فَحَقُّهُ أَنْ يُنَوَّنَ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَعْدُول، وَفِي الْقَامُوسِ: اللُّكَعُ كَصَرِدِ اللَّئِيمِ وَالْعَبْدِ الْأَحْمَقِ، وَمَنْ لَا يَتَّجِهُ لِمَنْطِقٍ وَلَا لِغَيْرِهِ، وَالْمُهْرِ، وَالصَّغِيرِ، وَالْوَسِخِ، وَيَقُولُ فِي النِّدَاءِ: يَا لُكَعُ، وَلَا يُصْرَفُ فِي الْمَعْرِفَةِ لِأَنَّهُ مَعْدُولٌ عَنِ اللُّكَعِ، انْتَهَى، وَهَذَا يُؤَيِّدُ أَنْ يَكُونَ لُكَعُ هُنَا مَصْرُوفًا، وَقَالَ الطِّيبِيُّ - ﵀ -: وَهُوَ غَيْرُ مُنْصَرِفٍ لِلْعَدْلِ وَالصِّفَةِ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) أَيْ: فِي سُنَنِهِ (والْبَيْهَقِيُّ فِي " دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ)، وَكَذَا أَحْمَدُ، وَالضِّيَاءُ.
وَرَوَى أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَابْنُ حِبَّانَ عَنْ أَنَسٍ مَرْفُوعًا: " «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَتَبَاهَى النَّاسُ فِي الْمَسَاجِدِ» "، وَرَوَى أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْحِلْيَةِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَكُونَ الزُّهْدُ رِوَايَةً وَالدِّرْعُ تَصَنُّعًا، وَرَوَى أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ إِلَّا عَلَى شِرَارِ النَّاسِ»، وَرَوَى أَبُو يَعْلَى الْمُوصِلِيُّ، وَالْحَاكِمُ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ: «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى لَا يُحَجَّ الْبَيْتُ»، وَرَوَى السِّجْزِيُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَخْرُجَ سَبْعُونَ كَذَّابًا، وَرَوَى أَحْمَدُ، وَمُسْلِمٌ، وَالتِّرْمِذِيُّ عَنْ أَنَسٍ: «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى لَا يُقَالَ فِي الْأَرْضِ اللَّهُ اللَّهُ» . وَسَيَأْتِي فِي أَوَّلِ بَابِ الْمَلَاحِمِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ الْمُشْتَمِلِ عَلَى ثَلَاثَ عَشْرَةَ عَلَامَةً لِقِيَامِ السَّاعَةِ، مُسْتَوْفًى الْكَلَامُ عَلَيْهَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
[ ٨ / ٣٣٦٣ ]
٥٣٦٦ - وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبِ الْقُرَظِيِّ - ﵁ - قَالَ: حَدَّثَنِي «مَنْ سَمِعَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ - ﵁ - قَالَ: إِنَّا لَجُلُوسٌ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - فِي الْمَسْجِدِ، فَاطَّلَعَ عَلَيْنَا مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ، مَا عَلَيْهِ إِلَّا بُرْدَةٌ لَهُ مَرْقُوعَةٌ بِفَرْوٍ، فَلَمَّا رَآهُ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - بَكَى لِلَّذِي كَانَ فِيهِ مِنَ النِّعْمَةِ وَالَّذِي هُوَ فِيهِ الْيَوْمَ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: " كَيْفَ بِكُمْ إِذَا غَدَا أَحَدُكُمْ فِي حُلَّةٍ، وَرَاحَ فِي حُلَّةٍ؟ وَوُضِعَتْ بَيْنَ يَدَيْهِ صَحْفَةٌ وَرُفِعَتْ أُخْرَى، وَسَتَرْتُمْ بُيُوتَكُمْ كَمَا تُسْتَرُ الْكَعْبَةُ؟ "، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! نَحْنُ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مِنَّا الْيَوْمَ، نَتَفَرَّغُ لِلْعِبَادَةِ، وَنُكْفَى الْمُؤْنَةَ. قَالَ: " لَا أَنْتُمُ الْيَوْمَ خَيْرٌ مِنْكُمْ يَوْمَئِذٍ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
_________________
(١) (وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ) بِضَمِّ قَافٍ وَفَتْحِ رَاءٍ فَظَاءٍ مُعْجَمَةٍ نِسْبَةً إِلَى بَنِي قُرَيْظَةَ، طَائِفَةٍ مِنْ يَهُودِ الْمَدِينَةِ شَرَّفَهَا اللَّهُ، ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِي التَّابِعِينَ وَقَالَ: سَمِعَ نَفَرًا مِنَ الصَّحَابَةِ، وَمِنْهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْكَدِرِ وَغَيْرُهُ، وَكَانَ أَبُوهُ مِمَّنْ لَمْ يَثْبُتْ يَوْمَ قُرَيْظَةَ فَتُرِكَ. (قَالَ: حَدَّثَنِي مَنْ سَمِعَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -) لَمْ يُسَمَّ هَذَا السَّامِعُ، لَكِنْ تَابِعِيٌّ تُغْفَرُ جَهَالَتُهُ، مَعَ احْتِمَالِ كَوْنِهِ صَحَابِيًّا آخَرَ، فَتَدَبَّرْ، (قَالَ) أَيْ: عَلِيٌّ - ﵁ - (إِنَّا لَجُلُوسٌ) أَيْ: جَالِسُونَ (مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْمَسْجِدِ) أَيْ: مَسْجِدِ الْمَدِينَةِ أَوْ مَسْجِدِ قِبَاءٍ (فَاطَّلَعَ) بِتَشْدِيدِ الطَّاءِ، أَيْ: فَظَهَرَ (عَلَيْنَا مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْعَيْنِ، وَعُمَيْرٌ مُصَغَّرٌ (مَا عَلَيْهِ) أَيْ: لَيْسَ عَلَى بَدَنِهِ (إِلَّا بُرْدَةٌ لَهُ) أَيْ: كِسَاءٌ مَخْلُوطُ السَّوَادِ وَالْبَيَاضِ (مَرْقُوعَةٌ بِفَرْوٍ)، أَيْ: مُرَقَّعَةٌ بِجِلْدٍ، قَالَ مِيرَكُ: هُوَ قُرَشِيٌّ هَاجَرَ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَتَرَكَ النِّعْمَةَ وَالْأَمْوَالَ بِمَكَّةَ، وَهُوَ مِنْ كِبَارِ أَصْحَابِ الصُّفَّةِ السَّاكِنِينَ فِي مَسْجِدِ قِبَاءٍ، وَقَالَ الْمُؤَلِّفُ: عَبْدَرِيٌّ كَانَ مِنْ أَجِلَّةِ الصَّحَابَةِ وَفُضَلَائِهِمْ، هَاجَرَ إِلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ فِي أَوَّلِ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهَا، ثُمَّ شَهِدَ بَدْرًا، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعَثَ مُصْعَبًا بَعْدَ الْعَقَبَةِ الثَّانِيَةِ إِلَى الْمَدِينَةِ يُقْرِئُهُمُ الْقُرْآنَ، وَيُفَقِّهُهُمْ فِي الدِّينِ، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ جَمَعَ الْجُمُعَةَ بِالْمَدِينَةِ قَبْلَ الْهِجْرَةِ، وَكَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مِنْ أَنْعَمِ النَّاسِ عَيْشًا وَأَلْيَنِهِمْ لِبَاسًا، فَلَمَّا أَسْلَمَ زَهَدَ فِي الدُّنْيَا، وَقِيلَ: إِنَّهُ بَعَثَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعْدَ أَنْ بَايَعَ الْعَقَبَةَ الْأُولَى، فَكَانَ يَأْتِي الْأَنْصَارَ فِي دُورِهِمْ وَيَدْعُوهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ، فَيُسْلِمُ الرَّجُلُ وَالرَّجُلَانِ، حَتَّى فَشَا الْإِسْلَامُ فِيهِمْ، فَكَتَبَ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَسْتَأْذِنُهُ أَنْ يَجْمَعَ بِهِمْ، فَأَذِنَ لَهُ، ثُمَّ قَدِمَ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَعَ السَبْعِينَ الَّذِينَ قَدِمُوا عَلَيْهِ فِي الْعَقَبَةِ الثَّانِيَةِ، وَفِيهِ نَزَلَ: ﴿رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٢٣]، وَكَانَ إِسْلَامُهُ بَعْدَ دُخُولِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دَارَ الْأَرْقَمِ. (فَلَمَّا رَآهُ) أَيْ: أَبْصَرَ مُصْعَبًا بِتِلْكَ الْحَالِ الصَّعْبَاءِ (رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - بَكَى لِلَّذِي) أَيْ: لِلْأَمْرِ الَّذِي (كَانَ فِيهِ) أَيْ: قَبْلَ ذَلِكَ الْيَوْمِ (مِنَ النِّعْمَةِ
[ ٨ / ٣٣٦٣ ]
وَالَّذِي هُوَ فِيهِ) أَيْ: وَلِلْأَمْرِ الَّذِي هُوَ فِيهِ مِنَ الْمِحْنَةِ وَالْمَشَقَّةِ (الْيَوْمَ) أَيْ: فِي الْوَقْتِ الْحَاضِرِ، وَالظَّاهِرُ الْمُتَبَادِرُ أَنَّ بُكَاءَهُ ﵊ إِنَّمَا كَانَ رَحْمَةً لَهُ وَشَفَقَةً عَلَيْهِ لِمَا رَآهُ مِنْ فَقْرِهِ وَفَاقَتِهِ، لَا سِيَّمَا وَقَدْ كَانَ عَزِيزًا فِي قَوْمِهِ، وَمُنْغَمِسًا فِي نِعْمَتِهِ، لَكِنْ يُنَافِيهِ بَعْضَ الْمُنَافَاةِ مَا وَقَعَ لَهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَعَ عُمَرَ، حَيْثُ بَكَى عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - لَمَّا رَأَى النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُضْطَجِعًا عَلَى حَصِيرِ سَرِيرٍ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ شَيْءٌ، وَقَدْ أَثَّرَ الْحَصِيرُ عَلَى بَدَنِهِ الشَّرِيفِ، وَتَذَكَّرَ عُمَرُ تَنَعُّمَ كِسْرَى وَقَيْصَرَ فَقَالَ لَهُ: " أَنْتَ فِي هَذَا الْمَقَامِ يَا عُمَرُ؟ أَمَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ لَهُمُ الدُّنْيَا وَلَنَا الْآخِرَةُ؟ فَالْأَوْلَى أَنْ يُحْمَلَ الْبُكَاءُ عَلَى الْفَرَحِ فِي أَنَّهُ وَجَدَ فِي أُمَّتِهِ مَنِ اخْتَارَ الزُّهْدَ فِي الدُّنْيَا وَالْإِقْبَالَ عَلَى الْعُقْبَى، أَوْ عَلَى الْحُزْنِ فِي فَقْدِ مَا عِنْدَهُ مِنْ بَعْضِ الْمُسَاعَدَةِ لِبَعْضِ الْكِسْوَةِ، أَوْ لِمُعَاوَنَةٍ فِي بَعْضِ الْمَعِيشَةِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ، وَيُؤَيِّدُ تَأْوِيلَنَا نَقْلُ الرَّاوِي.
(ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: " كَيْفَ ") أَيِ: الْحَالُ (" بِكُمْ إِذَا غَدَا ") أَيْ: ذَهَبَ أَوَّلَ النَّهَارِ (" أَحَدُكُمْ فِي حُلَّةٍ ") بِضَمٍّ فَتَشْدِيدٍ، أَيْ: فِي ثَوْبٍ، أَوْ فِي إِزَارٍ وَرِدَاءٍ (" وَرَاحَ ") أَيْ: ذَهَبَ آخِرَ النَّهَارِ (فِي حُلَّةٍ ")؟ أَيْ أُخْرَى مِنَ الْأُولَى.
قَالَ ابْنُ الْمَلِكِ: أَيْ: كَيْفَ يَكُونُ حَالُكُمْ إِذَا كَثُرَتْ أَمْوَالُكُمْ بِحَيْثُ يَلْبَسُ كُلٌّ مِنْكُمْ أَوَّلَ النَّهَارِ حُلَّةً وَآخِرَهُ أُخْرَى مِنْ غَايَةِ التَّنَعُّمِ؟ (" وَوُضِعَتْ بَيْنَ يَدَيْهِ صَحْفَةٌ ") أَيْ: قَصْعَةٌ مِنْ مَطْعُومٍ (" وَرُفِعَتْ أُخْرَى ") أَيْ: مِنْ نَوْعٍ آخَرَ، كَمَا هُوَ شَأْنُ الْمُتْرَفِينَ مِنْ طَائِفَةِ الْأَرْوَامِ، وَهُوَ كِنَايَةٌ عَنْ كَثْرَةِ أَصْنَافِ الْأَطْعِمَةِ الْمَوْضُوعَةِ عَلَى الْأَطْبَاقِ بَيْنَ يَدَيِ الْمُتَنَعِّمِينَ مِنْ طَبَقَةِ الْأَعْجَامِ (" وَسَتَرْتُمْ بُيُوتَكُمْ ") بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ وَكَسْرِهَا أَيْ: جُدْرَانَهَا، وَالْمَعْنَى: زَيَّنْتُمُوهَا بِالثِّيَابِ النَّفِيسَةِ مِنْ فَرْطِ التَّنْعِيمِ، (" كَمَا تُسْتَرُ الْكَعْبَةُ ") وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ سَتْرَهَا مِنْ خُصُوصِيَّاتِهَا لِامْتِيَازِهَا.
(فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! نَحْنُ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مِنَّا الْيَوْمَ ") وَبَيَّنُوا سَبَبَ الْخَيْرِيَّةِ بِقَوْلِهِمْ مُسْتَأْنَفًا فِيهِ مَعْنَى التَّعْلِيلِ (نَتَفَرَّغُ) أَيْ: عَنِ الْعَلَائِقِ وَالْعَوَائِقِ (لِلْعِبَادَةِ)، أَيْ بِأَنْفُسِنَا (وَنُكْفَى) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ الْمُتَكَلِّمِ (الْمُؤْنَةَ) أَيْ: بِخَدَمِنَا، وَالْوَاوُ لِمُطْلَقِ الْجَمْعِ، فَالْمَعْنَى: نَدْفَعُ عَنَّا تَحْصِيلَ الْقُوتِ لِحُصُولِهِ بِأَسْبَابٍ مُهَيَّأَةٍ لَنَا، فَنَتَفَرَّغُ لِلْعِبَادَةِ مِنْ تَحْصِيلِ الْعُلُومِ الشَّرْعِيَّةِ، وَالْعَمَلِ بِالْخَيْرَاتِ الْمَدَنِيَّةِ، وَالْمَبَرَّاتِ الْمَالِيَّةِ (قَالَ) وَفَى نُسْخَةٍ فَقَالَ: (" لَا ") أَيْ: لَيْسَ الْأَمْرُ كَمَا ظَنَنْتُمْ (" أَنْتُمُ الْيَوْمَ خَيْرٌ مِنْكُمْ يَوْمَئِذٍ ") ; لِأَنَّ الْفَقِيرَ الَّذِي لَهُ كَفَافُ خَيْرٍ مِنَ الْغَنِيِّ لِأَنَّ الْغَنِيَّ يَشْتَغِلُ بِدُنْيَاهُ وَلَا يَتَفَرَّغُ لِلْعِبَادَةِ مِثْلَ مَنْ لَهُ كَفَافٌ لِكَثْرَةِ اشْتِغَالِهِ بِتَحْصِيلِ الْمَالِ، فَالْحَدِيثُ صَرِيحٌ فِي تَفْضِيلِ الْفَقِيرِ الصَّابِرِ عَلَى الْغَنِيِّ الشَّاكِرِ، فَإِنَّ الْغَنِيَّ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الصَّحَابَةِ وَهُمْ أَقْوِيَاءُ إِذَا كَانَ كَذَلِكَ، فَمَا بَالُ غَيْرِهِمْ مِنَ الضُّعَفَاءِ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا رَوَاهُ الدَّيْلَمِيُّ فِي الْفِرْدَوْسِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا: «مَا زُوِيَتِ الدُّنْيَا عَنْ أَحَدٍ إِلَّا كَانَتْ خَيْرَةً لَهُ»، أَقُولُ: قَوْلُهُ: عَنْ أَحَدٍ عَلَى عُمُومِهِ، فَإِنَّ الْكَافِرَ الْفَقِيرَ عَذَابُهُ أَخَفُّ مِنَ الْكَافِرِ الْغَنِيِّ فِي النَّارِ، فَإِذَا نَفَعَ الْفَقْرُ الْكَافِرَ فِي تِلْكَ الدَّارِ، فَكَيْفَ لَا يَنْفَعُ الْمُؤْمِنَ الصَّابِرَ فِي دَارِ الْقَرَارِ؟ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) .
[ ٨ / ٣٣٦٤ ]
٥٣٦٧ - وَعَنْ أَنَسٍ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: " «يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانُ، الصَّابِرُ فِيهِمْ عَلَى دِينِهِ كَالْقَابِضِ عَلَى الْجَمْرِ» " رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ إِسْنَادًا.
_________________
(١) (وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ الصَّابِرُ فِيهِمْ ") أَيْ: فِي أَهْلِ ذَلِكَ الزَّمَانِ (" عَلَى دِينِهِ ") أَيْ: عَلَى حِفْظِ أَمْرِ دِينِهِ بِتَرْكِ دُنْيَاهُ (" كَالْقَابِضِ ") أَيْ: كَصَبْرِ الْقَابِضِ فِي الشِّدَّةِ وَنِهَايَةِ الْمِحْنَةِ (" عَلَى الْجَمْرِ "): جَمْعُ الْجَمْرَةِ هِيَ شُعْلَةٌ مِنْ نَارٍ. قَالَ الطِّيبِيُّ - ﵀ -: الْجُمْلَةُ صِفَةُ " زَمَانٌ "، وَالرَّاجِعُ مَحْذُوفٌ أَيِ: الصَّابِرُ فِيهِ، وَفِيهِ أَنَّ الرَّابِطَ مَذْكُورٌ فِيهِ بِقَوْلِهِ (فِيهِمْ) كَمَا أَشَرْنَا إِلَيْهِ سَابِقًا، قَالَ: وَالْمَعْنَى كَمَا لَا يَقْدِرُ الْقَابِضُ عَلَى الْجَمْرِ أَنْ يَصْبِرَ بِإِحْرَاقِ يَدِهِ، كَذَلِكَ
[ ٨ / ٣٣٦٤ ]
الْمُتَدَيِّنُ يَوْمَئِذٍ لَا يَقْدِرُ عَلَى ثَبَاتِهِ عَلَى دِينِهِ لِغَلَبَةِ الْعُصَاةِ وَالْمَعَاصِي، وَانْتِشَارِ الْفِسْقِ وَضَعْفِ الْإِيمَانِ، انْتَهَى. وَالظَّاهِرُ أَنَّ مَعْنَى الْحَدِيثِ: كَمَا لَا يُمْكِنُ الْقَبْضُ عَلَى الْجَمْرَةِ إِلَّا بِصَبْرٍ شَدِيدٍ، وَتَحَمُّلِ غَلَبَةِ الْمَشَقَّةِ، كَذَلِكَ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ لَا يُتَصَوَّرُ حِفْظُ دِينِهِ وَنُورُ إِيمَانِهِ إِلَّا لِصَبْرٍ عَظِيمٍ وَتَعَبٍ جَسِيمٍ، وَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ الْمُشَبَّهَ بِهِ يَكُونُ أَقْوَى، فَالْمُرَادُ بِهِ الْمُبَالَغَةُ، فَلَا يُنَافِيهِ أَنَّ مَا أَحَدٌ يَصْبِرُ عَلَى قَبْضِ الْجَمْرِ ; وَلِذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ﴾ [البقرة: ١٧٥] مَعَ أَنَّهُ قَدْ يُقْبَضُ عَلَى الْجَمْرِ أَيْضًا عِنْدَ الْإِكْرَاهِ عَلَى أَمْرٍ أَعْظَمَ مِنْهُ مِنْ قَتْلِ نَفْسٍ، أَوْ إِحْرَاقٍ، أَوْ إِغْرَاقٍ وَنَحْوِهَا ; وَلِذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا﴾ [التوبة: ٨١] وَقَدْ أَشَارَ الشَّاطِبِيُّ - ﵀ - فِي زَمَانِهِ إِلَى هَذَا الْمَعْنَى بِقَوْلِهِ:
وَهَذَا زَمَانُ الصَّبْرِ مَنْ لَكَ بِالَّتِي كَقَبْضٍ عَلَى جَمْرٍ فَتَنْجُو مِنَ الْبَلَا
قَالَ الْجَعْبَرِيُّ: أَيْ: هَذَا الزَّمَانُ زَمَانُ الصَّبْرِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ أُنْكِرَ الْمَعْرُوفُ وَعُرِفَ الْمُنْكَرُ وَفَسَدَتِ النِّيَّاتُ، وَظَهَرَتِ الْخِيَانَاتُ، وَأُوذِيَ الْمُحِقُّ، وَأُكْرِمَ الْمُبْطِلُ، فَمَنْ يَسْمَعُ لَك بِالْحَالَةِ الَّتِي لُزُومُهَا فِي الشِّدَّةِ كَالْقَابِضِ عَلَى جَمْرِ النَّارِ، فَقَدْ رَوَى أَبُو ثَعْلَبَةَ الخُشَنِيُّ عَنْهُ - ﵊ - أَنَّهُ قَالَ: " «ائْتَمِرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَتَنَاهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ، حَتَّى إِذَا رَأَيْتَ شُحًّا مُطَاعًا وَهَوًى مُتَّبَعًا وَدُنْيَا مُؤْثَرَةً وَإِعْجَابَ كُلٍّ بِرَأْيهِ، فَعَلَيْكَ خَاصَّةُ نَفْسِكَ وَدَعِ الْعَوَامَّ، فَإِنَّ وَرَاءَكُمْ أَيَّامًا الصَّبْرُ فِيهِنَّ مِثْلُ الْقَبْضِ عَلَى الْجَمْرِ، لِلْعَامِلِ فِيهِنَّ أَجْرُ خَمْسِينَ رَجُلًا يَعْمَلُونَ مِثْلَ عَمَلِكُمْ» "، انْتَهَى. (" رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ إِسْنَادًا) . قَالَ مِيرَكُ نَقْلًا عَنِ التَّصْحِيحِ: هَذَا الْحَدِيثُ وَقَعَ لَهُ ثُلَاثِيًّا، وَفِي سَنَدِهِ عُمَرُ بْنُ شَاكِرٍ شَيْخُ التِّرْمِذِيِّ وَحْدَهُ، وَقَدْ ذَكَرَهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي الثِّقَاتِ، انْتَهَى، وَرَوَى ابْنُ عَسَاكِرَ عَنْ أَنَسٍ أَيْضًا: يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ يَكُونُ الْمُؤْمِنُ فِيهِ أَذَلَّ مِنْ شَاتِهِ.
[ ٨ / ٣٣٦٥ ]
٥٣٦٨ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: " «إِذَا كَانَ أُمَرَاؤُكُمْ خِيَارَكُمْ، وَأَغْنِيَاؤُكُمْ سُمَحَاءَكُمْ، وَأُمُورُكُمْ شُورَى بَيْنِكُمْ، فَظَهْرُ الْأَرْضِ خَيْرٌ لَكُمْ مِنْ بَطْنِهَا، وَإِذَا كَانَ أُمَرَاؤُكُمْ شِرَارَكُمْ، وَأَغْنِيَاؤُكُمْ بُخَلَاءَكُمْ، وَأُمُورُكُمْ إِلَى نِسَائِكُمْ، فَبَطْنُ الْأَرْضِ خَيْرٌ لَكُمْ مِنْ ظَهْرِهَا» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَدِيثٌ غَرِيبٌ.
_________________
(١) (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " إِذَا كَانَ ") وَلَفْظُ الْجَامِعِ: إِذَا كَانَتْ (أُمَرَاؤُكُمْ خِيَارَكُمْ) أَيْ: أَتْقِيَاءَكُمْ (وَأَغْنِيَاؤُكُمْ سُمَحَاءَكُمْ) أَيْ: أَسْخِيَاءَكُمْ، وَاحِدَةُ سَمْحٍ، فَكَأَنَّهُ جَمْعُ سَمِيحٍ بِمَعْنَى سَمْحٍ (" وَأُمُورُكُمْ شُورَى بَيْنَكُمْ ") مَصْدَرٌ بِمَعْنَى التَّشَاوُرِ أَيْ: ذَوَاتُ شُورَى عَلَى تَقْدِيرِ مُضَافٍ، أَوْ عَلَى أَنَّ الْمَصْدَرَ بِمَعْنَى الْمَفْعُولِ أَيْ مُتَشَاوَرٍ فِيهَا، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى: ٣٨] وَقَدْ قَالَ سُبْحَانَهُ ﷿ لِنَبِيِّهِ - ﷺ: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ [آل عمران: ١٥٩]، وَالْمَعْنَى: مَا دُمْتُمْ مُتَشَاوِرِينَ فِي أُمُورِكُمْ، (فَظَهْرُ الْأَرْضِ خَيْرٌ لَكُمْ مِنْ بَطْنِهَا) أَيْ: لِأَجْلِ أَنَّهُمْ عَامِلُونَ بِمَا فِي الْكِتَابِ وَالسَّنَةِ، وَطُوبَى لِمَنْ طَالَ عُمُرُهُ وَحَسُنَ عَمَلُهُ (وَإِذَا كَانَ أُمَرَاؤُكُمْ شِرَارَكُمْ) أَيْ: بِالْفِسْقِ وَالظُّلْمِ (وَأَغْنِيَاؤُكُمْ بُخَلَاءَكُمْ) أَيْ: بِقِلَّةِ الرَّحْمَةِ وَالشَّفَقَةِ (وَأُمُورُكُمْ إِلَى نِسَائِكُمْ) أَيْ: مُفَوَّضٌ إِلَى رَأْيِهِنَّ، وَالْحَالُ أَنَّهُنَّ مِنْ نَاقِصَاتِ الْعَقْلِ وَالدِّينِ، وَقَدْ وَرَدَ: شَاوِرُوهُنَّ وَخَالِفُوهُنَّ، وَفِي مَعْنَاهُنَّ كُلُّ مَنْ يَكُونُ فِي مَرْتَبَةِ حَالِهِنَّ مِنَ الرِّجَالِ مِمَّنْ يَغْلِبُ عَلَيْهِ حُبُّ الْجَاهِ وَالْمَالِ، وَلَمْ يَعْلَمْ مَا يَتَعَلَّقُ بِضَرَرِ الدِّينِ وَوَبَالِ الْمَالِ، (فَبَطْنُ الْأَرْضِ خَيْرٌ لَكُمْ مِنْ ظَهْرِهَا) أَيْ: فَإِنَّ مَنْ لَمْ يَغْلِبْ خَيْرُهُ شَرَّهُ فَالْمَوْتُ خَيْرٌ لَهُ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ) .
[ ٨ / ٣٣٦٥ ]
٥٣٦٩ - وَعَنْ ثَوْبَانَ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «يُوشِكُ الْأُمَمُ أَنْ تَدَاعَى عَلَيْكُمْ كَمَا تَدَاعَى الْأَكَلَةُ إِلَى قَصْعَتِهَا "، فَقَالَ قَائِلٌ: وَمِنْ قِلَّةٍ نَحْنُ يَوْمَئِذٍ؟ قَالَ: " بَلْ أَنْتُمْ يَوْمَئِذٍ كَثِيرٌ، وَلَكِنَّكُمْ غُثَاءٌ كَغُثَاءِ السَّيْلِ، وَلَيَنْزِعَنَّ اللَّهُ مِنْ صُدُورِ عَدُوِّكُمُ الْمَهَابَةَ مِنْكُمْ، وَلَيَقْذِفَنَّ فِي قُلُوبِكُمُ الْوَهْنَ "، قَالَ قَائِلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! وَمَا الْوَهْنُ؟ قَالَ: " حُبُّ الدُّنْيَا وَكَرَاهِيَةُ الْمَوْتِ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، والْبَيْهَقِيُّ فِي (دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ) .
_________________
(١) (وَعَنْ ثَوْبَانَ): وَهُوَ مَوْلَى لِلنَّبِيِّ - ﷺ - (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " يُوشِكُ الْأُمَمُ) أَيْ: يَقْرُبُ فِرَقُ الْكُفْرِ وَالضَّلَالَةِ (" أَنْ تَدَاعَى "): حَذَفَ إِحْدَى التَّاءَيْنِ، أَيْ: تَتَدَاعَى (عَلَيْكُمْ):
[ ٨ / ٣٣٦٥ ]
بِأَنْ يَدْعُوَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا لِمُقَاتَلَتِكُمْ وَكَسْرِ شَوْكَتِكُمْ وَسَلْبِ مَا مَلَكْتُمُوهُ مِنَ الدِّيَارِ وَالْأَمْوَالِ (كَمَا تَدَاعَى) أَيْ: تَتَدَاعَى (الْأَكَلَةُ) بِالْمَدِّ، وَهِيَ الرِّوَايَةُ عَلَى نَعْتِ الْفِئَةِ وَالْجَمَاعَةِ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ، كَذَا رَوَى لَنَا عَنْ كِتَابِ أَبِي دَاوُدَ، وَهَذَا الْحَدِيثُ مِنْ أَفْرَادِهِ، ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ - ﵀ -. وَلَوْ رُوِيَ الْأَكَلَةُ بِفَتْحَتَيْنِ عَلَى أَنَّهُ جَمْعُ آكِلٍ اسْمِ فَاعِلٍ لَكَانَ لَهُ وَجْهٌ وَجِيهٌ، وَالْمَعْنَى: كَمَا يَدْعُو أَكَلَةُ الطَّعَامِ بَعْضُهُمْ بَعْضًا (إِلَى قَصْعَتِهَا) أَيِ: الَّتِي يَتَنَاوَلُونَ مِنْهَا بِلَا مَانِعٍ وَلَا مُنَازِعٍ، فَيَأْكُلُونَهَا عَفْوًا صَفْوًا، كَذَلِكَ يَأْخُذُونَ مَا فِي أَيْدِيكُمْ بِلَا تَعَبٍ يَنَالُهُمْ، أَوْ ضَرَرٍ يَلْحَقُهُمْ، أَوْ بَأْسٍ يَمْنَعُهُمْ.
(فَقَالَ قَائِلٌ: وَمِنْ قِلَّةٍ): خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، وَقَوْلُهُ: (نَحْنُ يَوْمَئِذٍ): مُبْتَدَأٌ وَخَبَرٌ صِفَةٌ لَهَا، أَيْ: أَذَلِكَ التَّدَاعِي لِأَجْلِ قِلَّةٍ نَحْنُ عَلَيْهَا يَوْمَئِذٍ (قَالَ: " بَلْ أَنْتُمْ يَوْمَئِذٍ كَثْرَةٌ ") أَيْ: عَدَدًا وَقَلِيلٌ مَدَدًا، وَهَذَا مَعْنَى الِاسْتِدْرَاكِ بِقَوْلِهِ: (" وَلَكِنَّكُمْ غُثَاءٌ ") بِالضَّمِّ مَمْدُودًا.
قَالَ الطِّيبِيُّ - ﵀ -: (" كَغُثَاءِ السَّيْلِ "): قَالَ الطِّيبِيُّ بِالتَّشْدِيدِ أَيْضًا مَا يَحْمِلُهُ السَّيْلُ مِنْ زَبَدٍ وَوَسَخٍ، شَبَّهَهُمْ بِهِ لِقِلَّةِ شَجَاعَتِهِمْ، وَدَنَاءَةِ قَدْرِهِمْ، وَخِفَّةِ أَحْلَامِهِمْ، وَخُلَاصَتُهُ: وَلَكِنَّكُمْ تَكُونُونَ مُتَفَرِّقِينَ، ضَعِيفِي الْحَالِ، خَفِيفِي الْبَالِ، مُشَتَّتِي الْآمَالِ، ثُمَّ ذَكَرَ سَبَبَهُ بِعَطْفِ الْبَيَانِ فَقَالَ: (وَلَيَنْزِعَنَّ) أَيْ: لَيُخْرِجَنَّ (اللَّهُ مِنْ صُدُورِ عَدُوِّكُمُ الْمَهَابَةَ) أَيِ: الْخَوْفَ وَالرُّعْبَ (مِنْكُمْ) أَيْ: مِنْ جِهَتِكُمْ (" وَلَيَقْذِفَنَّ ") بِضَمِّ الْيَاءِ أَيْ: وَلَيَرْمِيَنَّ أَيِ: اللَّهُ (" فِي قُلُوبِكُمُ الْوَهْنَ ") أَيِ: الضَّعْفَ، وَكَأَنَّهُ أَرَادَ بِالْوَهْنِ مَا يُوجِبُهُ ; وَلِذَلِكَ فَسَّرَهُ بِحُبِّ الدُّنْيَا وَكَرَاهَةِ الْمَوْتِ حَيْثُ قَالَ: (قَالَ قَائِلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - وَمَا الْوَهْنُ)؟ أَيْ مَا سَبَبُهُ وَمَا مُوجِبُهُ؟ قَالَ الطِّيبِيُّ - ﵀ -: سُؤَالٌ عَنْ نَوْعِ الْوَهْنِ، أَوْ كَأَنَّهُ أَرَادَ مِنْ أَيِّ وَجْهٍ يَكُونُ ذَلِكَ الْوَهْنُ (قَالَ: " حُبُّ الدُّنْيَا وَكَرَاهَةُ الْمَوْتِ ") وَهُمَا مُتَلَازِمَانِ فَكَأَنَّهُمَا شَيْءٌ وَاحِدٌ، يَدْعُوهُمْ إِلَى إِعْطَاءِ الدَّنِيَّةِ فِي الدِّينِ مِنَ الْعَدُوِّ الْمُبِينِ، وَنَسْأَلُ اللَّهَ الْعَافِيَةَ فَقَدِ ابْتُلِينَا بِذَلِكَ، فَكَأَنَّمَا نَحْنُ الْمَيِّتُونَ بِمَا ذُكِرَ هُنَالِكَ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ)، أَيْ فِي سُنَنِهِ (وَالْبَيْهَقِيُّ فِي " دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ ") .
[ ٨ / ٣٣٦٦ ]
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
٥٣٧٠ - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ - قَالَ: " مَا ظَهَرَ الْغُلُولُ فِي قَوْمٍ إِلَّا أَلْقَى اللَّهُ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ، وَلَا فَشَا الزِّنَا فِي قَوْمٍ إِلَّا كَثُرَ فِيهِمُ الْمَوْتُ، وَلَا نَقَصَ قَوْمُ الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِلَّا قَطَعَ عَنْهُمُ الرِّزْقَ، وَلَا حَكَمَ قَوْمٌ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا فَشَا فِيهِمُ الدَّمُ، وَلَا خَتَرَ قَوْمٌ بِالْعَهْدِ إِلَّا سُلِّطَ عَلَيْهِمُ الْعَدُوُّ ". رَوَاهُ مَالِكٌ.
_________________
(١) الْفَصْلُ الثَّالِثُ
(٢) (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) أَيْ: مَوْقُوفًا (قَالَ: " مَا ظَهَرَ الْغُلُولُ ") بِالضَّمِّ أَيْ: خِيَانَةُ الْمَغْنَمِ (" فِي قَوْمٍ إِلَّا أَلْقَى اللَّهُ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ ") بِسُكُونِ الْعَيْنِ وَضَمِّهَا أَيْ: خَوْفَ الْعَدُوِّ (" وَلَا فَشَا الزِّنَا ") أَيِ: انْتَشَرَ (" فِي قَوْمٍ إِلَّا كَثُرَ فِيهِمُ الْمَوْتُ ") أَيْ: بِالْوَبَاءِ أَوِ الطَّاعُونِ أَوْ مَوْتِ الْقَلْبِ أَوْ مَوْتِ الْعُلَمَاءِ (" وَلَا نَقَصَ قَوْمٌ الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ ") أَيْ: وَمَا فِي مَعْنَاهُمَا كَالذِّرَاعِ وَالْعَدَدِ مِنْ طَرِيقِ الْغِشِّ وَالْخَدِيعَةِ (" إِلَّا قَطَعَ عَنْهُمُ الرِّزْقَ ") أَيِ: الْحَلَالَ أَوْ بَرَكَةَ الرِّزْقِ الَّذِي فِي أَيْدِيهِمْ (" وَلَا حَكَمَ قَوْمٌ ") أَيْ: مِنَ الْحُكَّامِ (" بِغَيْرِ حَقٍّ ") أَيْ: بِغَيْرِ اسْتِحْقَاقٍ أَوْ بِغَيْرِ عِلْمٍ فِي أَحْكَامِهِمُ الْفَاسِدَةِ، بَلْ آرَائِهِمُ الْكَاسِدَةِ (" إِلَّا فَشَا فِيهِمُ الدَّمُ ") أَيِ: الْقَتْلُ، وَالْمُرَادُ مَا يَنْجَرُّ إِلَيْهِ (" وَلَا خَتَرَ ") بِفَتْحِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَالْفَوْقِيَّةِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ﴾ [لقمان: ٣٢] أَيْ: غَدَرَ (" قَوْمٌ بِالْعَهْدِ ") أَيْ: يَنْقُضُهُ خَدِيعَةً رَجَاءَ الْغَلَبَةِ (" إِلَّا سُلِّطَ ") بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيْ: بِتَسْلِيطِ اللَّهِ (" عَلَيْهِمُ الْعَدُوُّ ". رَوَاهُ مَالِكٌ) أَيْ: فِي بَابِ مَا جَاءَ فِي الْغُلُولِ مِنَ الْمُوَطَّأِ.
[ ٨ / ٣٣٦٦ ]