الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
٤٨١٢ - عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ - ﵁ - قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " مَنْ يَضْمَنْ لِي مَا بَيْنَ لَحْيَيْهِ وَمَا بَيْنَ رِجْلَيْهِ، أَضْمَنْ لَهُ الْجَنَّةَ» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
_________________
(١) بَابُ حِفْظِ اللِّسَانِ وَالْغِيبَةِ وَالشَّتْمِ حِفْظُ اللِّسَانِ مِنْ بَابِ إِضَافَةِ الْمَصْدَرِ إِلَى مَفْعُولِهِ، وَالْمُرَادُ مِنْهُ حَفِظُهُ عَمَّا لَا يَعْنِيهِ، فَعَطْفُ الْغِيبَةِ وَالشَّتْمِ عَلَى الْحِفْظِ مِنْ بَابِ التَّخْصِيصِ بَعْدَ التَّعْمِيمِ، وَالْغِيبَةُ بِكَسْرِ الْغَيْنِ أَنْ تَذْكُرَ أَخَاكَ بِمَا يَكْرَهُ فِي الْغَيْبَةِ بِالْفَتْحِ، بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ مَوْجُودًا فِيهِ، وَإِلَّا فَهُوَ بُهْتَانٌ، وَالشَّتْمُ السَّبُّ وَاللَّعْنُ وَهُوَ يَشْمَلُ الْحَاضِرَ وَالْغَائِبَ وَالْحَيَّ وَالْمَيِّتَ. الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
(٢) (عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ) أَيِ: السَّاعِدِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: مَنْ يَضْمَنْ): بِالْجَزْمِ عَلَى أَنَّ مَنْ شُرْطِيَّةٌ (لِي مَا بَيْنَ لَحْيَيْهِ): بِفَتْحِ اللَّامِ مَنْبَتُ الْأَسْنَانِ، أَيْ: مَنْ يَكْفُلُ لِي مُحَافَظَةَ مَا بَيْنَهُمَا مِنَ اللِّسَانِ وَالْفَمِ عَنْ تَقْبِيحِ الْكَلَامِ وَأَكْلِ الْحَرَامِ (وَمَا بَيْنَ رِجْلَيْهِ) أَيْ: مِنَ الْفَرْجِ عَنِ الزِّنَا وَنَحْوِهِ (أَضْمَنْ لَهُ الْجَنَّةَ) أَيْ: دُخُولَهَا أَوْ دَرَجَاتَهَا الْعَالِيَةَ. قَالَ الطِّيبِيُّ: وَعَنْ بَعْضِهِمْ مَنْ يَضْمَنْ لِي لِسَانَهُ أَيْ: شَرَّ لِسَانِهِ وَبَوَادِرَهُ وَحَفِظَهُ عَنِ التَّكَلُّمِ بِمَا لَا يَعْنِيهِ وَيَضُرُّهُ مِمَّا يُوجِبُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ، وَفَرَجَهُ بِأَنْ يَصُونَهُ أَضْمَن لَهُ دُخُولَ الْجَنَّةِ، وَلَحْيَيْهِ بِفَتْحِ اللَّامِ تَثْنِيَةُ لَحْيٍ، هُمَا الْعَظْمَانِ اللَّذَانِ يَنْبُتُ عَلَيْهِمَا الْأَسْنَانُ عُلُوًّا وَسُفْلًا (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ): وَرَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْحَاكِمُ، عَنْ أَبِي مُوسَى بِلَفْظِ: " «مَنْ حَفِظَ مَا بَيْنَ فُقْمَيْهِ وَرِجْلَيْهِ دَخَلَ الْجَنَّةَ»، وَالْفُقْمُ بِالضَّمِّ وَالْفَتْحِ اللَّحْيُ عَلَى مَا فِي النِّهَايَةِ. وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ فِي الْحَاكِمِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا وَلَفْظُهُ: " «مَنْ وَقَاهُ اللَّهُ شَرَّ مَا بَيْنَ لَحْيَيْهِ وَشَرَّ مَا بَيْنَ رِجْلَيْهِ دَخَلَ الْجَنَّةَ» . وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبَيْهَقِيِّ عَنْ أَنَسٍ: «مَنْ وُقِيَ شَرَّ لَقْلَقِهِ وَقَبْقَبِهِ وَذَبْذَبِهِ فَقَدْ وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ» "، وَاللَّقْلَقُ اللِّسَانُ وَالْقَبْقَبُ الْبَطْنُ وَالذَّبْذَبُ الذَّكَرُ، كَذَا فِي مُخْتَصَرِ النِّهَايَةِ لِلسُّيُوطِيِّ.
[ ٧ / ٣٠٢٥ ]
٤٨١٣ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " إِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ رِضْوَانِ اللَّهِ لَا يُلْقِي لَهَا بَالًا، يَرْفَعُ اللَّهُ بِهَا دَرَجَاتٍ، وَإِنَّ الْعَبْدَ لِيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ اللَّهِ لَا يُلْقِي لَهَا بَالًا، يَهْوِي بِهَا فِي جَهَنَّمَ» " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَفِي رِوَايَةٍ لَهُمَا: " «يَهْوِي بِهَا فِي النَّارِ أَبْعَدَ مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ» ".
_________________
(١) (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ رِضْوَانِ اللَّهِ): بِكَسْرِ أَوَّلِهِ وَيُضَمُّ، وَمِنْ بَيَانِيَّةٌ حَالٌ مِنَ الْكَلِمَةِ أَيْ مِنْ كَلَامٍ فِيهِ رِضَاهُ (لَا يُلْقِي): بِضَمِّ الْيَاءِ وَكَسْرِ الْقَافِ أَيْ لَا يُرِي (لَهَا) أَيْ: لِتِلْكَ الْكَلِمَةِ (بَالًا) أَيْ شَأْنًا أَوْ بَأْسًا (يَرْفَعُ اللَّهُ) أَيْ: لَهُ (بِهَا) أَيْ: بِتِلْكَ الْكَلِمَةِ (دَرَجَاتٍ) وَالْمَعْنَى أَنَّ الْعَبْدَ لَا يَعْرِفُ قَدْرَهَا وَيَظُنُّهَا هَيِّنَةً قَلِيلَةَ الِاعْتِبَارِ، وَهِيَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمَةُ الِاقْتِدَارِ، وَالْجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ بَيَانٌ لِلْمُوجَبِ كَأَنَّ قَائِلًا يَقُولُ: مَاذَا يَسْتَحِقُّ بَعْدُ؟ قِيلَ لَهُ: يَرْفَعُ اللَّهُ بِهَا دَرَجَاتٍ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ
[ ٧ / ٣٠٢٥ ]
بِفَتْحِ الْيَاءِ وَالْقَافِ، وَالْمَعْنَى: لَا يَجِدُ لَهَا عَظَمَةً عِنْدَهُ وَلَا يَلْتَفِتُ عَاقِبَتَهَا عَنْ رَبِّهِ، وَالْجُمْلَةُ حَالٌ مِنْ ضَمِيرِ يَتَكَلَّمُ، وَفِي النِّهَايَةِ أَيْ: لَا يَسْتَمِعُ إِلَيْهَا وَلَا يَجْعَلُ قَلْبَهُ نَحْوَهَا اهـ. وَفِيهِ حَثٌّ عَلَى التَّدَبُّرِ وَالتَّفَكُّرِ عِنْدَ التَّكَلُّمِ، وَفِي شَرْحِ الْمَشَارِقِ: أَنَّهُ بِفَتْحِهِمَا وَرَفْعِ الْبَالِ، فَالْبَالُ عَلَى هَذَا بِمَعْنَى الْحَالِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ فِي الْمَصَابِيحِ كَذَلِكَ فَإِنَّهُ قَالَ شَارِحُهُ زَيْنُ الْعَرَبِ: أَيْ لَا يَلْحَقُهُ بَأْسٌ وَتَعَبٌ فِي قَوْلِهَا أَوَّلًا، وَلَا يَحْضُرُ بَالُهُ أَيْ: قَلْبُهُ لِمَا يَقُولُهُ مِنْهَا، أَوْ هُوَ مِنْ قَوْلِهِمْ: لَيْسَ هَذَا مِنْ بَالِي أَوْ مِمَّا أُبَالِيهِ، وَالْمَعْنَى: أَنَّهُ يَتَكَلَّمُ بِكَلِمَةِ الْحَقِّ يَظُنُّهَا قَلِيلَةً وَهَى عِنْدَ اللَّهِ جَلِيلَةٌ، فَيَحْصُلُ لَهُ رِضْوَانُ اللَّهِ، وَقَدْ يَتَكَلَّمُ بِسُوءٍ وَلَا يَعْلَمُ أَنَّهُ كَذَلِكَ وَهُوَ عِنْدُ اللَّهِ ذَنْبٌ عَظِيمٌ، فَيَحْصُلُ لَهُ السَّخَطُ مِنَ اللَّهِ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ: (وَإِنَّ الْعَبْدَ لِيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ اللَّهِ) أَيْ: مِمَّا يُوجِبُ غَضَبَهُ (لَا يُلْقِي لَهَا بَالًا، يَهْوِي): بِكَسْرِ الْوَاوِ أَيْ: يَخُوضُ وَيَقَعُ وَيَسْقُطُ (بِهَا) أَيْ: بِتِلْكَ الْكَلِمَةِ (فِي جَهَنَّمَ) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَكَذَا الْإِمَامُ أَحْمَدُ. (وَفِي رِوَايَةٍ لَهُمَا) أَيِ: الشَّيْخَيْنِ، ذَكَرَهُ السَّيِّدُ جَمَالُ الدِّينِ (يَهْوِي بِهَا فِي النَّارِ أَبْعَدَ مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ) . أَيْ هَوِيًّا أَبْعَدَ مِنَ الْبُعْدِ الَّذِي بَيْنَهُمَا. قَالَ الطِّيبِيُّ: الظَّاهِرُ أَنَّهُ صِفَةُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أَيْ: هَوِيًّا بَلِيغًا بَعِيدَ الْمُبْتَدَأِ وَالْمُنْتَهَى. وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: وَإِنَّ الْعَبْدَ لِيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مَا يَتَبَيَّنُ فِيهَا يَزِلُّ بِهَا فِي النَّارِ أَبْعَدَ مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالشَّيْخَانِ عَنْهُ.
[ ٧ / ٣٠٢٦ ]
٤٨١٤ - وَعَنْ " عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ - ﵁ - قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " سِبَابُ الْمُسْلِمِ فُسُوقٌ، وَقِتَالُهُ كُفْرٌ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
_________________
(١) (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: سِبَابُ الْمُسْلِمِ): بِكَسْرِ أَوَّلِهِ أَيْ: شَتْمُهُ وَهُوَ مِنْ بَابِ إِضَافَةِ الْمَصْدَرِ إِلَى مَفْعُولِهِ (فُسُوقٌ)؛ لِأَنَّ شَتْمَهُ بِغَيْرِ حَقٍّ حَرَامٌ. قَالَ الْأَكْمَلُ: الْفُسُوقُ لُغَةً الْخُرُوجُ زِنَةً وَمَعْنًى، وَشَرْعًا هُوَ الْخُرُوجُ عَنِ الطَّاعَةِ (وَقِتَالُهُ) أَيْ: مُحَارَبَتُهُ لِأَجْلِ الْإِسْلَامِ (كُفْرٌ) . كَذَا قَالَهُ شَارِحٌ، لَكِنْ بُعْدُهُ لَا يَخْفَى؛ لِأَنَّ هَذَا مِنْ مَعْلُومِ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ فَلَا يُحْتَاجُ إِلَى بَيَانِهِ، بَلِ الْمَعْنَى: مُجَادَلَتُهُ وَمُحَارَبَتُهُ بِالْبَاطِلِ كُفْرٌ بِمَعْنَى: كُفْرَانُ النِّعْمَةِ وَالْإِحْسَانِ فِي أُخُوَّةِ الْإِسْلَامِ، وَأَنَّهُ رُبَّمَا يَئُولُ إِلَى الْكُفْرِ، أَوْ أَنَّهُ فِعْلُ الْكَفَرَةِ، أَوْ أَرَادَ بِهِ التَّغْلِيظَ وَالتَّهْدِيدَ وَالتَّشْدِيدَ فِي الْوَعِيدِ، كَمَا فِي قَوْلِهِ ﷺ: " «مَنْ تَرَكَ صَلَاةً مُتَعَمِّدًا فَقَدْ كَفَرَ» " نَعَمْ قِتَالُهُ مَعَ اسْتِحْلَالِ قَتْلِهِ كُفْرٌ صَرِيحٌ، فَفِي النِّهَايَةِ السَّبُّ الشَّتْمُ، يُقَالُ: سَبَّهُ يَسُبُّهُ سَبًّا وَسِبَابًا. قِيلَ هَذَا مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ سَبَّ أَوْ قَاتَلَ مُسْلِمًا مِنْ غَيْرِ تَأْوِيلٍ، وَقِيلَ: إِنَّمَا ذَلِكَ عَلَى جِهَةِ التَّغْلِيظِ، لَا أَنَّهُ يُخْرِجُهُ إِلَى الْفِسْقِ وَالْكُفْرِ، وَفِي شَرْحِ السُّنَّةِ إِذَا اسْتَبَاحَ دَمَهُ مِنْ غَيْرِ تَأْوِيلٍ وَلَمْ يَرَ الْإِسْلَامَ عَاصِمًا لَهُ فَهُوَ رِدَّةٌ وَكُفْرٌ. قَالَ الطِّيبِيُّ: مَعْنَى الْحَدِيثِ رَاجِعٌ إِلَى قَوْلِهِ ﷺ: " «الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ» " وَقَدْ تَقَرَّرَ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْمُسْلِمِ هُنَا الْكَامِلُ فِي الْإِيمَانِ الْمُؤَدِّي حُقُوقَهُ بِحَسَبِ اسْتِطَاعَتِهِ، فَالنِّسْبَةُ إِلَى الْكُفْرِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ إِشَارَةٌ إِلَى نُقْصَانِ إِيمَانِهِ تَغْلِيظًا اهـ. وَهُوَ مِنْهُ وَهَمٌ حَيْثُ ظَنَّ أَنَّ الْإِضَافَةَ مِنْ بَابِ إِضَافَةِ الْمَصْدَرِ إِلَى فَاعِلِهِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ كَمَا قَدَّمْنَاهُ؛ لِأَنَّ سَبَّ الْمُسْلِمِ وَقِتَالَهُ فِسْقٌ وَكُفْرَانٌ سَوَاءٌ يَكُونُ كَامِلَ الْإِسْلَامِ أَمْ لَا. هَذَا وَفِي شَرْحِ السُّنَّةِ: فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى الْمُرْجِئَةِ الَّذِينَ لَا يَرَوْنَ الطَّاعَةَ مِنَ الْإِيمَانِ وَيَقُولُونَ: إِنَّ الْإِيمَانَ لَا يَزِيدُ بِالطَّاعَةِ وَلَا يَنْقُصُ بِالْمَعْصِيَةِ، فَإِنَّهُ - ﷺ - أَشَارَ بِقَوْلِهِ: قِتَالُهُ كُفْرٌ إِلَى أَنَّ تَرْكَ الْقِتَالِ مِنَ الْإِيمَانِ، وَأَنَّ فِعْلَهُ يَنْقُصُ الْإِيمَانَ. قُلْتُ: قَدْ سَبَقَ فِي أَوَّلِ الْكِتَابِ مَا هُوَ فَصْلُ الْخِطَابِ فِي هَذَا الْبَابِ مِنْ أَنَّ الْقَوْلَ الصَّوَابَ، هُوَ أَنَّ الْأَعْمَالَ لَيْسَتْ مِنْ أَصْلِ الْإِيمَانِ، بَلْ مِنْ كَمَالِهِ، وَأَنَّ حَقِيقَةَ الْإِيمَانِ وَهُوَ التَّصْدِيقُ غَيْرُ قَابِلٍ لِلزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ، نَعَمْ قَدْ يَحْصُلُ لَهُ قُوَّةٌ بِحَسَبِ مَعْرِفَةِ الدَّلِيلِ وَضَعْفِ فَقْدِهِ، وَقَدْ يُثْمِرُ ثَمَرَتَهُ مِنْ ظُهُورِ الطَّاعَاتِ، وَقَدْ لَا يُثْمِرُ فَيَقَعُ صَاحِبُهُ فِي السَّيِّئَاتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالْحَالَاتِ وَالْمَقَامَاتِ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) . وَرَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَعَنْ سَعْدٍ، وَالطَّبَرَانِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ وَعَنْ عَمْرِو بْنِ النُّعْمَانِ بْنِ مُقَرِّنٍ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ فِي الْأَفْرَادِ عَنْ جَابِرٍ، وَزَادَ الطَّبَرَانِيُّ فِي رِوَايَةٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: وَحُرْمَةُ مَالِهِ كَحُرْمَةِ دَمِهِ.
[ ٧ / ٣٠٢٦ ]
٤٨١٥ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ - ﵄ - قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " أَيُّمَا رَجُلٍ قَالَ لِأَخِيهِ كَافِرُ، فَقَدْ بَاءَ بِهَا أَحَدُهُمَا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
_________________
(١) (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ - ﵄ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " أَيُّمَا رَجُلٍ قَالَ: كَافِرُ) بِضَمِّ الرَّاءِ عَلَى الْبِنَاءِ، فَإِنَّهُ مُنَادَى حُذِفَ حَرْفُ نِدَائِهِ كَمَا ذَكَرَهُ مِيرَكُ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا جَاءَ فِي رِوَايَةٍ بِالنِّدَاءِ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ بِتَنْوِينِهِ عَلَى أَنَّهُ خَبَرٌ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ أَنْتَ أَوْ هُوَ (فَقَدْ بَاءَ بِهَا) أَيْ: رَجَعَ بِإِثْمِ تِلْكَ الْمَقَالَةِ (أَحَدُهُمَا): وَفِي النِّهَايَةِ الْتَزَمَهَا وَرَجَعَ بِهَا اهـ، وَفِي بَعْضِ نُسَخِ الْمَصَابِيحِ بِهِ أَيْ: بِالْكُفْرِ، وَهُوَ أَوْلَى ذَكَرَهُ ابْنُ الْمَلَكِ وَفِيهِ بَحْثٌ، بَلِ الْأَوْلَى أَنَّ مَعْنَاهُ رَجَعَ بِإِثْمِ ذَلِكَ الْقَوْلِ الْمَفْهُومِ مِنْ قَالَ أَحَدُهُمَا، أَمَّا الْقَائِلُ إِنِ اعْتَقَدَ كُفْرَ الْمُسْلِمِ بِذَنْبٍ صَدَرَ مِنْهُ، أَوِ الْآخَرُ إِنْ صَدَّقَ الْقَائِلَ كَذَا ذَكَرَهُ بَعْضُ الشُّرَّاحِ مِنْ عُلَمَائِنَا. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: لِأَنَّهُ إِذَا قَالَ الْقَائِلُ لِصَاحِبِهِ: يَا كَافِرُ مَثَلًا فَإِنْ صَدَقَ رَجَعَ إِلَيْهِ كَلِمَةُ الْكُفْرِ الصَّادِرُ مِنْهُ مُقْتَضَاهَا، وَإِنْ كَذَبَ وَاعْتَقَدَ بُطْلَانَ دِينِ الْإِسْلَامِ رَجَعَتْ إِلَيْهِ هَذِهِ الْكَلِمَةُ. وَقَالَ النَّوَوِيُّ: هَذَا الْحَدِيثُ مِمَّا عَدَّهُ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ مِنَ الْمُشْكَلَاتِ مِنْ حَيْثُ أَنَّ ظَاهِرَهُ غَيْرُ مُرَادٍ، وَذَلِكَ أَنَّ مَذْهَبَ أَهْلِ الْحَقِّ أَنَّهُ لَا يُكَفَّرُ الْمُسْلِمُ بِالْمَعَاصِي كَالْقَتْلِ وَالزِّنَا، وَقَوْلِهِ لِأَخِيهِ: كَافِرُ مِنْ غَيْرِ اعْتِقَادِ بُطْلَانِ دِينِ الْإِسْلَامِ، وَإِذَا تَقَرَّرَ مَا ذَكَرْنَاهُ فَقِيلَ فِي تَأْوِيلِ الْحَدِيثِ أَوْجُهٌ أَحَدُهَا: أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى الْمُسْتَحِلِّ لِذَلِكَ، فَعَلَى هَذَا مَعْنَى بَاءِ بِهَا أَيْ: بِكَلِمَةِ الْكُفْرِ أَيْ: رَجَعَ عَلَيْهِ الْكُفْرُ، وَثَانِيهَا: أَنَّ مَعْنَاهُ رَجَعَتْ عَلَيْهِ نَقِيضَتُهُ وَمَعْصِيَةُ تَكْفِيرِهِ. وَثَالِثُهَا: أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى الْخَوَارِجِ الْمُكَفِّرِينَ لِلْمُؤْمِنِينَ وَهَذَا ضَعِيفٌ؛ لِأَنَّ الْمَذْهَبَ الصَّحِيحَ الْمُخْتَارَ الَّذِي قَالَهُ الْأَكْثَرُونَ أَنَّ الْخَوَارِجَ كَسَائِرِ أَهْلِ الْبِدَعِ لَا تُكَفَّرُ. قُلْتُ: وَهَذَا فِي غَيْرِ حَقِّ الرَّافِضَةِ الْخَارِجَةِ فِي زَمَانِنَا، فَإِنَّهُمْ يَعْتَقِدُونَ كُفْرَ أَكْثَرِ الصَّحَابَةِ، فَضْلًا عَنْ سَائِرِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ، فَهُمْ كَفَرَةٌ بِالْإِجْمَاعِ بِلَا نِزَاعٍ. قَالَ: وَخَامِسُهَا: فَقَدْ رَجَعَ إِلَيْهِ تَكْفِيرُهُ وَلَيْسَ الرَّاجِعُ حَقِيقَةَ الْكُفْرِ، بَلْ كُفْرَ مَنْ هُوَ مِثْلُهُ، قَالَ: لِأَنَّ كُفْرَ مَنْ لَا يُكَفِّرُهُ إِلَّا كَافِرٌ يَعْتَقِدُ بُطْلَانَ دِينِ الْإِسْلَامِ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: وَفِي أَكْثَرِ الْوُجُوهِ أَحَدُهُمَا مَحْمُولٌ عَلَى الْقَائِلِ: (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: «إِذَا قَالَ الرَّجُلُ لِأَخِيهِ: يَا كَافِرُ فَقَدْ بَاءَ بِهَا أَحَدُهُمَا» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَرَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْبُخَارِيُّ عَنِ ابْنِ عَمْرٍو.
[ ٧ / ٣٠٢٧ ]
٤٨١٦ - وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ - ﵁ - قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " لَا يَرْمِي رَجُلٌ رَجُلًا بِالْفُسُوقِ، وَلَا يَرْمِيهِ بِالْكُفْرِ إِلَّا ارْتَدَّتْ عَلَيْهِ إِنْ لَمْ يَكُنْ صَاحِبُهُ كَذَلِكَ» " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
_________________
(١) (وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لَا يَرْمِي رَجُلٌ رَجُلًا بِالْفُسُوقِ، وَلَا يَرْمِيهِ) أَيْ: رَجُلٌ رَجُلًا (بِالْكُفْرِ إِلَّا ارْتَدَّتْ) أَيْ: رَجَعَتْ تِلْكَ الْكَلِمَةُ مِنْ نِسْبَةِ الْفِسْقِ أَوِ الْكُفْرِ (عَلَيْهِ) أَيْ: عَلَى الْقَائِلِ أَوْ عَلَى أَحَدِهِمَا وَالظَّاهِرُ الْأَوَّلُ لِقَوْلِهِ: (إِنْ لَمْ يَكُنْ صَاحِبُهُ) أَيِ: الْمَقُولُ لَهُ (كَذَلِكَ) أَيْ: مِثْلَ مَا قِيلَ لَهُ مِنَ الْفُسُوقِ أَوِ الْكُفْرِ (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) .
[ ٧ / ٣٠٢٧ ]
٤٨١٧ - وَعَنْهُ، قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " مَنْ دَعَا رَجُلًا بِالْكُفْرِ، أَوْ قَالَ: عَدُوَّ اللَّهِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، إِلَّا حَارَ عَلَيْهِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
_________________
(١) (وَعَنْهُ) أَيْ: عَنْ أَبِي ذَرٍّ - ﵁ - (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: مَنْ دَعَا رَجُلًا بِالْكُفْرِ) أَيْ: بِأَنْ قَالَ لَهُ يَا كَافِرُ (أَوْ قَالَ: عَدُوَّ اللَّهِ): بِالنَّصْبِ أَيْ: يَا عَدُوَّ اللَّهِ، وَفِي نُسْخَةٍ عَدُوُّ اللَّهِ أَيْ: هُوَ أَوْ أَنْتَ عَدُوُّ اللَّهِ (وَلَيْسَ كَذَلِكَ) أَيْ: وَالْحَالُ أَنَّهُ لَيْسَ مِثْلَ مَا مِنْ كَوْنِهِ كَافِرًا أَوْ عَدُوًّا لِلَّهِ، بَلْ هُوَ مُسْلِمٌ مُحِبٌّ لِلَّهِ (إِلَّا حَارَ عَلَيْهِ): بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَالرَّاءِ أَيْ: رَجَعَ عَلَيْهِ مَا نُسِبَ إِلَيْهِ كَذَا فِي النِّهَايَةِ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ مَحْذُوفٌ دَالٌّ عَلَى جَوَابِ الشَّرْطِ، أَيْ: مَنْ دَعَا رَجُلًا بِالْكُفْرِ بَاطِلًا، فَلَا يَلْحَقُهُ مِنْ قَوْلِهِ ذَلِكَ شَيْءٌ إِلَّا الرُّجُوعَ عَلَيْهِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَنِ اسْتِفْهَامِيَّةً، وَفِيهِ مَعْنَى الْإِنْكَارِ أَيْ: مَا يَفْعَلُ أَحَدٌ هَذِهِ الْفِعْلَةَ فِي حَالَةٍ مِنَ الْأَحْوَالِ إِلَّا فِي هَذِهِ الْحَالَةِ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
[ ٧ / ٣٠٢٧ ]
٤٨١٨ - ٤٨١٩ - وَعَنْ أَنَسٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ - ﵄ - «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: " الْمُسْتَبَّانِ مَا قَالَا، فَعَلَى الْبَادِئِ مَا لَمْ يَعْتَدِ الْمَظْلُومُ» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
_________________
(١) ٤٨١٩ - (وَعَنْ أَنَسٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ - ﵄ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: " الْمُسْتَبَّانِ): بِتَشْدِيدِ الْمُوَحَّدَةِ تَثْنِيَةُ اسْمِ الْفَاعِلِ مِنْ بَابِ التَّفَاعُلِ أَيِ: الْمُتَشَاتِمَانِ، وَهُمَا اللَّذَانِ سَبَّ كُلٌّ مِنْهُمَا الْآخَرَ، لَكِنَّ الْآخَرَ أَرَادَ رَدَّ
[ ٧ / ٣٠٢٧ ]
الْآخَرَ، أَوْ قَالَ شَيْئًا مِنْ مَعَايِبِهِ الْمَوْجُودَةِ فِيهِ، وَهُوَ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ جُمْلَةُ (مَا قَالَا) أَيْ إِثْمُ قَوْلِهِمَا (فَعَلَى الْبَادِئِ) أَيْ: عَلَى الْمُبْتَدِئِ فَقَطْ وَالْفَاءُ إِمَّا لِكَوْنِ مَا شَرْطِيَّةً، أَوْ لِأَنَّهَا مَوْصُولَةٌ مُتَضَمِّنَةٌ لِلشَّرْطِ ثُمَّ " الْبَادِئِ " بِالْهَمْزِ، وَإِنَّمَا كَانَ الْإِثْمُ كُلُّهُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ سَبَبًا لِتِلْكَ الْمُخَاصَمَةِ، وَقِيلَ: إِثْمُ مَا قَالَا لِلْبَادِئِ أَكْثَرُ مِمَّا يَحْصُلُ لِلْمَظْلُومِ. (مَا لَمْ يَعْتَدِ الْمَظْلُومُ) . فَإِنْ جَاوَزَ الْحَدَّ بِأَنْ أَكْثَرَ الْمَظْلُومُ شَتْمَ الْبَادِئِ وَإِيذَاءَهُ صَارَ إِثْمُ الْمَظْلُومِ أَكْثَرَ مِنْ إِثْمِ الْبَادِئِ، وَقِيلَ: إِذَا تَجَاوَزَ فَلَا يَكُونُ الْإِثْمُ عَلَى الْبَادِئِ فَقَطْ، بَلْ يَكُونُ الْآخَرُ آثِمًا أَيْضًا بِاعْتِدَائِهِ، وَحَاصِلُ الْخِلَافِ يَرْجِعُ إِلَى خِلَافِ الِاعْتِدَاءِ.
قَالَ الطِّيبِيُّ: يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ " مَا " شَرْطِيَّةً، وَقَوْلُهُ: " فَعَلَى الْبَادِئِ " جَزَاؤُهُ، أَوْ مَوْصُولَةً " فَعَلَى الْبَادِئِ " خَبَرُهُ، وَالْجُمْلَةُ مُسَبَّبَةٌ، وَمَعْنَاهُ إِثْمُ مَا قَالَاهُ عَلَى الْبَادِئِ إِذَا لَمْ يَعْتَدِ الْمَظْلُومُ، فَإِذَا تَعَدَّى يَكُونُ عَلَيْهِمَا، نَعَمْ إِلَّا إِذَا تَجَاوَزَ غَايَةَ الْحَدِّ فَيَكُونُ إِثْمُ الْقَوْلَيْنِ عَلَيْهِ اهـ، وَفِيهِ بَحْثٌ ظَاهِرٌ، وَفِي شَرْحِ السُّنَّةِ: «مِنْ أَرْبَى الرِّبَا؟ مَنْ يَسُبُّ سَبَّتَيْنِ بِسَبَّةٍ» (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) . وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ بِلَفْظِ: " «الْمُسْتَبَّانِ مَا قَالَا، فَعَلَى الْبَادِئِ مِنْهُمَا حَتَّى يَعْتَدِيَ الْمَظْلُومُ» " رَوَاهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ أَنَسٍ، وَفِي رِوَايَةٍ لِأَحْمَدَ وَالْبُخَارِيِّ فِي الْأَدَبِ، عَنْ عِيَاضِ بْنِ حِمَارٍ: " «الْمُسْتَبَّانِ شَيْطَانَانِ يَتَهَاتَرَانِ وَيَتَكَاذَبَانِ») وَالتَّهَاتُرُ التَّعَالُجُ فِي الْقَوْلِ.
[ ٧ / ٣٠٢٨ ]
٤٨٢٠ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: " لَا يَنْبَغِي لِصِدِّيقٍ أَنْ يَكُونَ لَعَّانًا» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
_________________
(١) (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: لَا يَنْبَغِي) أَيْ: لَا يَجُوزُ (لِصِدِّيقٍ): بِكَسْرٍ فَتَشْدِيدٍ أَيْ: مُبَالِغٍ فِي الصِّدْقِ وَالْمُرَادُ بِهِ الْمُؤْمِنُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ﴾ [الحديد: ١٩]، وَلِرِوَايَةِ: لَا يَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنِ (أَنْ يَكُونَ لَعَّانًا) أَيْ: كَثِيرَ اللَّعْنِ وَهُوَ الطَّرْدُ، وَالْمُرَادُ بِهِ هُنَا الدُّعَاءُ بِالْبُعْدِ عَنْ رَحْمَةِ اللَّهِ تَعَالِي، وَإِنَّمَا أَتَى بِصِيغَةِ الْمُبَالَغَةِ؛ لِأَنَّ الِاحْتِرَازَ عَنْ قَلِيلِهِ نَادِرُ الْوُقُوعِ فِي الْمُؤْمِنِينَ. قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: وَفِي صِيغَةِ الْمُبَالَغَةِ إِيذَانٌ بِأَنَّ هَذَا الذَّمَّ لَا يَكُونُ لِمَنْ يَصْدُرُ مِنْهُ اللَّعْنُ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ قَوْلُهُ: وَلَا يَنْبَغِي لِصِدِّيقٍ حُكْمٌ مُرَتَّبٌ عَلَى الْوَصْفِ الْمُنَاسِبِ، وَذَلِكَ أَنَّ هَذِهِ الصِّفَةَ تَالِيَةُ صِفَةِ النُّبُوَّةِ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ﴾ [النساء: ٦٩]، إِنَّمَا بُعِثُوا رَحْمَةً لِلْخَلْقِ وَمُقَرِّبِينَ لِلْبَعِيدِ وَالطَّرِيدِ إِلَى اللَّهِ وَرَحْمَتِهِ، وَاللَّاعِنُ طَارِدٌ لَهُمْ وَطَالِبٌ لِبُعْدِهِمْ مِنْهَا، فَاللَّعْنَةُ مُنَافِيَةٌ لَهُ اهـ. وَفِيهِ أَنَّ مَفْهُومَ الْمُخَالِفِ الْمُخْتَلِفُ جَوَازُهُ الْمُعْتَبَرُ عِنْدَهُ يُخَالِفُهُ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
[ ٧ / ٣٠٢٨ ]
٤٨٢١ - وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ - ﵁ - قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يَقُولُ: " «إِنَّ اللَّعَّانِينَ لَا يَكُونُونَ شُهَدَاءَ وَلَا شُفَعَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
_________________
(١) (وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ - ﵁ - قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يَقُولُ: «إِنَّ اللَّعَّانِينَ لَا يَكُونُونَ شُهَدَاءَ»): أَيْ عَلَى النَّاسِ وَهُمُ الْأُمَمُ السَّالِفَةُ بِأَنَّ رُسُلَهُمْ بَلَّغُوا الرِّسَالَةَ إِلَيْهِمْ، فَيُحْرَمُونَ عَنْ هَذِهِ الْمَرْتَبَةِ الشَّرِيفَةِ الْمُخْتَصَّةِ بِهَذِهِ الْأُمَّةِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة: ١٤٣]، قَالَ الطِّيبِيُّ: الْمُرَادُ بِالْوَسَطِ الْعَدْلُ وَاللَّعْنَةُ سَالِبَةٌ لِلْعَدَالَةِ، وَقَالَ شَارِحٌ: لَا يَكُونُونَ شُهَدَاءَ لِصَيْرُورَتِهِمْ فَاسِقِينَ بِاللَّعْنِ عَلَى النَّاسِ. (وَلَا شُفَعَاءَ) أَيْ: وَلَا تَكُونُ لَهُمْ مَرْتَبَةُ الشَّفَاعَةِ؛ لِأَنَّهُمْ بِاللَّعْنَةِ أَسْقَطُوا مَرْتَبَتَهُمْ تِلْكَ مِنْ مَرَاتِبِ الْأَنْبِيَاءِ وَالشُّهَدَاءِ (يَوْمَ الْقِيَامَةِ): ظَرْفٌ لَهُمَا (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
[ ٧ / ٣٠٢٨ ]
٤٨٢٢ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " إِذَا قَالَ الرَّجُلُ: هَلَكَ النَّاسُ فَهُوَ أَهْلَكُهُمْ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
_________________
(١) (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إِذَا قَالَ الرَّجُلُ: هَلَكَ النَّاسُ) أَيِ: اسْتَوْجَبُوا النَّارَ بِسُوءِ أَعْمَالِهِمْ (فَهُوَ أَهْلَكُهُمْ): بِضَمِّ الْكَافِ وَيَفْتَحُ، فَفِي النِّهَايَةِ: يُرْوَى بِفَتْحِ الْكَافِ.
[ ٧ / ٣٠٢٨ ]
وَضَمِّهَا، فَمَنْ فَتَحَهَا كَانَ فِعْلًا مَاضِيًا، وَمَعْنَاهُ: أَنَّ الْغَالِينَ الَّذِينَ يُؤْيِسُونَ النَّاسَ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ يَقُولُونَ: هَلَكَ النَّاسُ. فَإِذَا قَالَ الرَّجُلُ ذَلِكَ، فَهُوَ الَّذِي أَوْجَبَهُ لَهُمْ لَا اللَّهُ تَعَالَى يَعْنِي، وَلَا عِبْرَةَ بِإِيجَابِهِ لَهُمْ فَإِنَّ فَضْلَ اللَّهِ وَاسِعٌ وَرَحْمَتَهُ تَعُمُّهُمْ، ثُمَّ قَالَ أَوْ هُوَ الَّذِي لَمَّا قَالَ لَهُمْ ذَلِكَ وَآيَسَهُمْ حَمَلَهُمْ عَلَى تَرْكِ الطَّاعَةِ وَالِانْهِمَاكِ فِي الْمَعَاصِي، فَهُوَ الَّذِي أَوْقَعَهُمْ فِي الْهَلَاكِ، وَأَمَّا الضَّمُّ مَعْنَاهُ: أَنَّهُ إِذَا قَالَ لَهُمْ فَهُوَ أَهْلَكُهُمْ أَيْ: أَكْثَرُهُمْ هَلَاكًا، وَهُوَ الرَّجُلُ يُولَعُ بِعَيْبِ النَّاسِ، وَيَذْهَبُ بِنَفْسِهِ عَجَبًا، وَيَرَى لَهُ فَضْلًا عَلَيْهِمْ، وَزَادَ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ: إِنَّهُ رَوَى مَعْنَى هَذَا عَنْ مَالِكٍ؛ حَيْثُ قَالَ: إِذَا قَالَ ذَلِكَ عَجَبًا بِنَفْسِهِ وَتَصَاغُرًا لِلنَّاسِ فَهُوَ الْمَكْرُوهُ الَّذِي نَهَى عَنْهُ، وَأَمَّا إِذَا قَالَ ذَلِكَ تَحَزُّنًا أَوْ تَحْذِيرًا لِمَا يَرَى فِي النَّاسِ مِنْ أَمْرِ دِينِهِمْ فَلَا أَرَى بِهِ بَأْسًا اهـ. وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِهِ أَهْلُ الْبِدَعِ الَّذِينَ يُؤْيِسُونَ النَّاسَ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ، وَيُوجِبُونَ الْخُلُودَ بِذُنُوبِهِمْ إِذَا قَالُوا ذَلِكَ فِي أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ، فَهُمْ أَهْلَكُهُمْ أَيْ: هُمْ بِهَذَا الِاعْتِقَادِ الْفَاسِدِ أَنْجَسُ مِنَ الْمُؤْمِنَ الْفَاسِقِ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
[ ٧ / ٣٠٢٩ ]
٤٨٢٣ - وَعَنْهُ، قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: - " تَجِدُونَ شَرَّ النَّاسِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ذَا الْوَجْهَيْنِ، الَّذِي يَأْتِي هَؤُلَاءِ بِوَجْهٍ، وَهَؤُلَاءِ بِوَجْهٍ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
_________________
(١) (وَعَنْهُ) أَيْ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - (قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: تَجِدُونَ شَرَّ النَّاسِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ذَا الْوَجْهَيْنِ») أَيْ: بِقَصْدِ الْفَسَادِ (الَّذِي يَأْتِي هَؤُلَاءِ) أَيْ: طَائِفَةً (بِوَجْهٍ، وَهَؤُلَاءِ بِوَجْهٍ) أَيْ: بِوَجْهٍ آخَرَ كَالْمُنَافِقِينَ وَالنَّمَّامِينَ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٤٣]، ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ [النساء: ١٤٥]، (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) . هَذَا مُخْتَصَرٌ مِنْ حَدِيثٍ رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالشَّيْخَانِ عَنْهُ وَلَفْظُهُ: " «تَجِدُونَ النَّاسَ مَعَادِنَ خِيَارُهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ خِيَارُهُمْ فِي الْإِسْلَامِ إِذَا فَقِهُوا، وَتَجِدُونَ خَيْرَ النَّاسِ فِي هَذَا الشَّأْنِ أَشَدَّهُمْ لَهُ كَرَاهِيَةً قَبْلَ أَنْ يَقَعَ فِيهِ، وَتَجِدُونَ شَرَّ النَّاسِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ اللَّهِ ذَا الْوَجْهَيْنِ» " الْحَدِيثَ.
[ ٧ / ٣٠٢٩ ]
٤٨٢٤ - وَعَنْ حُذَيْفَةَ - ﵁ - قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يَقُولُ: " «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ قَتَّاتٌ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ: " نَمَّامٌ ".
_________________
(١) (وَعَنْ حُذَيْفَةَ - ﵁ - قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يَقُولُ: لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ) أَيْ: مَعَ الْفَائِزِينَ (قَتَّاتٌ) . بِفَتْحِ الْقَافِ وَتَشْدِيدِ التَّاءِ أَيْ: نَمَّامٌ، وَالنَّمِيمَةُ نَقْلُ الْكَلَامِ عَلَى وَجْهِ الْفَسَادِ فَلَا يُحْتَاجُ إِلَى مَا قَالَهُ ابْنُ الْمَلَكِ مِنْ أَنَّ هَذَا إِذَا لَمْ يَكُنْ لِلْإِصْلَاحِ فَلَوْ كَانَ لَهُ جَازَ؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يَكُونُ مُصْلِحًا، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ١١٤]، وَفِي النِّهَايَةِ: الْقَتَّاتُ هُوَ النَّمَّامُ، يُقَالُ: قَتَّ الْحَدِيثَ إِذَا زَوَّرَهُ وَهَيَّأَهُ وَسَوَّاهُ، وَقِيلَ: النَّمَّامُ هُوَ الَّذِي يَكُونُ مَعَ الْقَوْمِ يَتَحَدَّثُ فِيهِمْ وَعَلَيْهِمْ، وَالْقَتَّاتُ هُوَ الَّذِي يَتَسَمَّعُ عَلَى الْقَوْمِ وَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ، ثُمَّ يَنِمُّ. قَالَ الشِّيخُ أَبُو حَامِدٍ: قِيلَ: النَّمِيمَةُ مَبْنِيَّةٌ عَلَى الْكَذِبِ وَالْحَسَدِ وَالنِّفَاقِ، وَهِيَ أَثَافِي الذُّلِّ، فَيَنْبَغِي أَنْ يُبْغَضَ النَّمَّامُ، وَلَا يُوْثَقُ بِهِ وَبِصَدَاقَتِهِ، حُكِيَ أَنَّ حَكِيمًا زَارَهُ أَحَدٌ وَأَخْبَرَهُ عَنْ غَيْرِهِ بِخَبَرٍ فَقَالَ: أَبْطَلْتَ زِيَارَتِي ثُمَّ أَتَيْتَنِي بِثَلَاثِ جِنَايَاتٍ: بَغَّضْتَ إِلَيَّ أَخِي، وَشَغَلْتَ قَلْبِي الْفَارِغَ، وَاتَّهَمْتَ نَفْسَكَ الْأَمِينَةَ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ): الْأُولَى، وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ كَمَا فِي نُسْخَةٍ (نَمَّامٌ) .
[ ٧ / ٣٠٢٩ ]
٤٨٢٥ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " «عَلَيْكُمْ بِالصِّدْقِ فَإِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إِلَى الْبِرِّ، وَإِنَّ الْبِرَّ يَهْدِي إِلَى الْجَنَّةِ، وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَصْدُقُ وَيَتَحَرَّى الصِّدْقَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ صِدِّيقًا، وَإِيَّاكُمْ وَالْكَذِبَ، فَإِنَّ الْكَذِبَ يَهْدِي إِلَى الْفُجُورِ، وَإِنَّ الْفُجُورَ يَهْدِي إِلَى النَّارِ، وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَكْذِبُ وَيَتَحَرَّى الْكَذِبَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ كَذَّابًا» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ قَالَ: " «إِنَّ الصِّدْقَ بِرٌّ، وَإِنَّ الْبِرَّ يَهْدِي إِلَى الْجَنَّةِ. وَإِنَّ الْكَذِبَ فُجُورٌ، وَإِنَّ الْفُجُورَ يَهْدِي إِلَى النَّارِ» ".
_________________
(١) («وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: عَلَيْكُمْ بِالصِّدْقِ») أَيِ: الْزَمُوا الصِّدْقَ، وَهُوَ الْإِخْبَارُ عَلَى وَفْقِ مَا فِي الْوَاقِعِ (فَإِنَّ الصِّدْقَ) أَيْ: عَلَى وَجْهِ مُلَازَمَتِهِ وَمُدَاوَمَتِهِ (يَهْدِي) أَيْ: صَاحِبَهُ (إِلَى الْبِرِّ) بِكَسْرِ الْبَاءِ وَهُوَ جَامِعُ الْخَيْرَاتِ مِنِ اكْتِسَابِ الْحَسَنَاتِ وَاجْتِنَابِ السَّيِّئَاتِ، وَيُطْلَقُ عَلَى الْعَمَلِ الْخَالِصِ الدَّائِمِ الْمُسْتَمِرِّ مَعَهُ إِلَى الْمَوْتِ (وَإِنَّ الْبَرَّ يَهْدِي) أَيْ: يُوصِلُ صَاحِبَهُ (إِلَى الْجَنَّةِ) أَيْ: مَرَاتِبِهَا الْعَالِيَةِ وَدَرَجَاتِهَا.
[ ٧ / ٣٠٢٩ ]
الْغَالِيَةِ (وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ) أَيِ: الشَّخْصُ (يَصْدُقُ) أَيْ: فِي قَوْلِهِ وَفِعْلِهِ (وَيَتَحَرَّى الصِّدْقَ) أَيْ: يُبَالِغُ وَيَجْتَهِدُ فِيهِ (حَتَّى يُكْتَبَ) أَيْ: يُثْبَتَ (عِنْدَ اللَّهِ صِدِّيقًا) بِكَسْرِ الصَّادِ وَتَشْدِيدِ الدَّالِ أَيْ: مُبَالِغًا فِي الصِّدْقِ، فَفِي الْقَامُوسِ: الصِّدِّيقُ مَا يَتَكَرَّرُ مِنْهُ الصِّدْقُ حَتَّى يَسْتَحِقَّ اسْمَ الْمُبَالَغَةِ فِي الصِّدْقِ، وَفِي الْحَدِيثِ إِشْعَارٌ بِحُسْنِ خَاتِمَتِهِ، وَإِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الصِّدِّيقَ يَكُونُ مَأْمُونَ الْعَاقِبَةِ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِالْكِتَابَةِ الْحُكْمُ عَلَيْهِ بِذَلِكَ وَإِظْهَارُهُ لِلْمَلَأِ الْأَعْلَى، وَإِلْقَاءُ ذَلِكَ فِي الْأَرْضِ («وَإِيَّاكُمْ وَالْكَذِبَ») بِفَتْحٍ فَكَسْرٍ وَفِي نُسْخَةٍ بِكَسْرٍ فَسُكُونٍ وَالْأَوَّلُ هُوَ الْأَفْصَحُ («فَإِنَّ الْكَذِبَ يَهْدِي إِلَى الْفُجُورِ»): بِضَمِّ الْفَاءِ أَيِ: الْمَيْلِ عَنِ الصِّدْقِ وَالْحَقِّ وَالِانْبِعَاثِ فِي الْمَعَاصِي، وَهُوَ أَظْهَرُ لِلْمُقَابَلَةِ بِالْبَرِّ. وَفِي الْقَامُوسِ: فَجَرَ: فَسَقَ، وَكَذَبَ وَكَذَّبَ وَعَصَى وَخَالَفَ. («وَإِنَّ الْفُجُورَ يَهْدِي إِلَى النَّارِ، وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَكْذِبُ وَيَتَحَرَّى الْكَذِبَ حَتَّى يُكْتَبَ، عِنْدَ اللَّهِ كَذَّابًا») . قَالَ النَّوَوِيُّ: وَمَعْنَى " يُكْتَبَ " هُنَا يُحْكَمُ لَهُ لِذَلِكَ وَيَسْتَحِقُّ الْوَصْفَ بِمَنْزِلَةِ الصِّدِّيقِينَ وَثَوَابِهِمْ أَوْ صِفَةَ الْكَذَّابِ وَعِقَابِهِمْ، وَالْمُرَادُ إِظْهَارُ ذَلِكَ لِلْمَخْلُوقِينَ، وَإِمَّا بِأَنْ يُكْتَبَ اسْمُهُ بِخَطِّ الْمُصَنِّفِينَ حَتَّى يُوضَعَ لَهُ الْقَبُولُ، أَوِ الْبَغْضَاءُ بِقُدْرَةِ اللَّهِ ﷾ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْبُخَارِيُّ فِي الْأَدَبِ، وَمُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ، وَالتِّرْمِذِيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ.
(وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ قَالَ: «إِنَّ الصِّدْقَ بِرٌّ، وَإِنَّ الْبِرَّ يَهْدِي إِلَى الْجَنَّةِ، وَإِنَّ الْكَذِبَ فُجُورٌ، وَإِنَّ الْفُجُورَ يَهْدِي إِلَى النَّارِ»): وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: " «إِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إِلَى الْبِرِّ وَإِنَّ الْبِرَّ يَهْدِي إِلَى الْجَنَّةِ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَصْدُقُ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ صِدِّيقًا، إِنَّ الْكَذِبَ يَهْدِي إِلَى الْفُجُورِ وَإِنَّ الْفُجُورَ يَهْدِي إِلَى النَّارِ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَكْذِبُ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ كَذَّابًا» " رَوَاهُ الشَّيْخَانِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ.
[ ٧ / ٣٠٣٠ ]
٤٨٢٦ - وَعَنْ أُمِّ كُلْثُومٍ - ﵂ - قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " «لَيْسَ الْكَذَّابُ الَّذِي يُصْلِحُ بَيْنَ النَّاسِ وَيَقُولُ خَيْرًا وَيَنْمِي خَيْرًا» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
_________________
(١) (وَعَنْ أُمِّ كُلْثُومٍ): بِضَمِّ الْكَافِ وَقَدْ صَرَّحَ بِهِ الْمُغْنِي وَفِي نُسْخَةٍ بِفَتْحِهَا، فَفِي الْقَامُوسِ: أُمُّ كُلْثُومٌ - كَزُنْبُورٍ - بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - اهـ. وَالْمُرَادُ بِهَا هَنَا بِنْتُ عُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعَيْطٍ، أَسْلَمَتْ بِمَكَّةَ وَهَاجَرَتْ مَاشِيَةً وَبَايَعَتْ، وَلَمْ يَكُنْ لَهَا بِمَكَّةَ زَوْجٌ، فَلَمَّا قَدِمَتِ الْمَدِينَةَ تَزَوَّجَهَا زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ، فَقُتِلَ عَنْهَا فِي غَزْوَةِ مُؤْتَةَ، فَتَزَوَّجَهَا الزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ ثُمَّ طَلَّقَهَا، فَتَزَوَّجَهَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ، فَوَلَدَتْ لَهُ إِبْرَاهِيمَ وَحُمَيْدًا، وَمَاتَ عَنْهَا، فَتَزَوَّجَهَا عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ، فَمَكَثَتْ عِنْدَهُ شَهْرًا وَمَاتَتْ، وَهِيَ أُخْتُ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ لِأُمِّهِ، رَوَى عَنْهَا ابْنُهَا حُمَيْدٌ. (قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لَيْسَ الْكَذَّابُ): بِالرَّفْعِ عَلَى أَنَّهُ اسْمُ لَيْسَ، وَفِي نُسْخَةٍ بِالنَّصْبِ عَلَى أَنَّهُ خَبَرُهَا مُقَدَّمٌ عَلَى اسْمِهَا، وَهُوَ أَظْهَرُ دِرَايَةٍ؛ لِأَنَّهُ الْمَحْكُومُ بِهِ وَالْمَحْكُومُ عَلَيْهِ، قَوْلُهُ: (الَّذِي يُصْلِحُ بَيْنَ النَّاسِ): ثُمَّ الظَّاهِرُ أَنَّ الْفَعَّالَ هُنَا لِلنِّسْبَةِ كَلَبَّانٍ وَتَمَّارٍ، أَيْ: ذِي كَذِبٍ كَمَا قِيلَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ﴾ [فصلت: ٤٦]، أَيْ: بِذِي ظُلْمٍ إِذْ لَا يَلْزَمُ مِنْ نَفْيِ الْمُبَالَغَةِ انْتِفَاءُ أَصْلِ الْفِعْلِ، وَالْمَعْنَى: مَنْ كَذِبَ لِيُصْلِحَ بَيْنَ النَّاسِ لَا يَكُونُ كَاذِبًا مَذْمُومًا (وَيَقُولُ خَيْرًا) أَيْ: قَوْلًا مُتَضَمِّنًا لِلْخَيْرِ دُونَ الشَّرِّ، بِأَنْ يَقُولَ لِلْإِصْلَاحِ مَثَلًا بَيْنَ زَيْدٍ وَعَمْرٍو: يَا عَمْرُو يُسَلِّمُ عَلَيْكَ زَيْدٌ وَيَمْدَحُكَ وَيَقُولُ: أَنَا أُحِبُّهُ وَكَذَلِكَ يَجِيءُ إِلَى زَيْدٍ وَيُبَلِّغُهُ مِنْ عَمْرٍو مِثْلَ مَا سَبَقَ. (وَيَنْمِي خَيْرًا) أَيْ يُبَلِّغُهُ وَيَرْفَعُهُ إِلَيْهِ، هَذَا وَأَغْرَبَ الطِّيبِيُّ قَوْلَهُ: اللَّامُ فِي الْكَذَّابِ إِشَارَةٌ إِلَى الْكَذَّابِ الْمَعْهُودِ الَّذِي فِي الْحَدِيثِ السَّابِقِ وَنَحْوِهِ يَعْنِي الْكَذَّابَ الْمَذْمُومَ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى الْمَمْقُوتَ عِنْدَ الْمُسْلِمِينَ لَيْسَ مَنْ يُصْلِحُ ذَاتَ الْبَيْنِ، فَإِنَّهُ مَحْمُودٌ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى وَعِنْدَهُمْ، فَعَلَى هَذَا يَجِبُ أَنْ يَكُونَ الْكَذَّابُ مَرْفُوعًا عَلَى أَنَّهُ اسْمُ لَيْسَ، وَقَوْلُهُ: " الَّذِي يُصْلِحُ " خَبَرُهُ خِلَافًا لِمَنْ زَعَمَ أَنَّ الْكَذَّابَ خَبَرُ لَيْسَ وَالَّذِي اسْمُهُ اهـ.
[ ٧ / ٣٠٣٠ ]
وَوَجْهُ غَرَابَتِهِ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ سَبْقِ الْحَدِيثِ السَّابِقِ فِي الْكِتَابِ صُدُورُهُ مِنْ صَدْرٍ صَدَّرَ الْأَنْبِيَاءُ أَوَّلًا فِي هَذَا الْبَابِ، أَوْ وُقُوعُهُ عِنْدَ هَذَا الْخِطَابِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ، ثُمَّ فِي النِّهَايَةِ يُقَالُ: نَمَيْتُ الْحَدِيثَ وَأَنْمَيْتُهُ إِذَا بَلَّغْتَهُ عَلَى وَجْهِ الْإِصْلَاحِ وَطَلَبِ الْخَيْرِ، فَإِذَا بَلَّغْتَهُ عَلَى وَجْهِ الْإِفْسَادِ وَالنَّمِيمَةِ. قُلْتَ: نَمَّيْتُهُ بِالتَّشْدِيدِ هَكَذَا. قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ وَابْنُ قُتَيْبَةَ وَغَيْرُهُمَا مِنَ الْعُلَمَاءِ، قُلْتُ فَقَوْلُهُ: خَيْرًا أَيْ: حَدِيثَ خَيْرٍ لِلتَّأْكِيدِ وَعَلَى إِرَادَةِ التَّجْرِيدِ، وَقَالَ الْحَرْبِيُّ: نَمَّى مُشَدَّدَةٌ وَأَكْثَرُ الْمُحَدِّثِينَ يَقُولُهَا مُخَفَّفَةً، وَهَذَا لَا يَجُوزُ، وَرَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - لَمْ يَكُنْ يَلْحَنُ، وَمَنْ خَفَّفَ لَزِمَهُ أَنْ يَقُولَ خَيْرٌ بِالرَّفْعِ. قَالَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ: وَهَذَا لَيْسَ بِشَيْءٍ فَإِنَّهُ يَنْتَصِبُ بِنَمَى كَمَا انْتَصَبَ بِقَالَ، وَكِلَاهُمَا عَلَى زَعْمِهِ لَازِمَانِ، وَإِنَّمَا نَمَى مُتَعَدٍّ يُقَالُ: نَمَيْتُ الْحَدِيثَ أَيْ: رَفَعْتُهُ وَأَبْلَغْتُهُ اهـ. وَفِي الْقَامُوسِ: نَمَا يَنْمُو زَادَ كَنَمَى يَنْمِي نَمْيًا. وَأَنْمَى وَنَمَّى الْحَدِيثُ: ارْتَفَعَ. وَنَمَيْتُهُ وَنَمَّيْتُهُ: رَفَعْتُهُ وَعَزَوْتُهُ، وَأَنْمَاهُ أَذَاعَهُ عَلَى وَجْهِ النَّمِيمَةِ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ): وَلَفَظُ الْجَامِعِ: " «لَيْسَ الْكَذَّابُ بِالَّذِي يُصْلِحُ بَيْنَ النَّاسِ فَيَنْمِي خَيْرًا وَيَقُولُ خَيْرًا» " رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالشَّيْخَانِ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ، عَنْ أُمِّ كُلْثُومٍ بِنْتِ عُقْبَةَ، وَالطَّبَرَانِيُّ عَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ.
[ ٧ / ٣٠٣١ ]
٤٨٢٧ - وَعَنِ الْمِقْدَادِ بْنِ الْأَسْوَدِ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " «إِذَا رَأَيْتُمُ الْمَدَّاحِينَ فَاحْثُوا فِي وُجُوهِهِمُ التُّرَابَ» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
_________________
(١) (وَعَنِ الْمِقْدَادِ بْنِ الْأَسْوَدِ - ﵁ -): قَالَ الْمُؤَلِّفُ: هُوَ الْمِقْدَادُ بْنُ عَمْرٍو الْكِنْدِيُّ، وَذَلِكَ أَنَّ أَبَاهُ خَالَفَ كِنْدَةَ فَنُسِبَ إِلَيْهَا، وَإِنَّمَا سُمِّيَ ابْنَ الْأَسْوَدِ لِأَنَّهُ كَانَ حَلِيفَهُ، أَوْ لِأَنَّهُ كَانَ فِي حِجْرِهِ، وَقِيلَ: بَلْ كَانَ عَبْدًا فَتَبَنَّاهُ. وَكَانَ سَادِسًا فِي الْإِسْلَامِ، رَوَى عَنْهُ عَلِيٌّ وَطَارِقُ بْنُ شِهَابٍ وَغَيْرُهُمَا، مَاتَ بِالْجُرْفِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَمْيَالٍ مِنَ الْمَدِينَةِ، فَحُمِلَ عَلَى رِقَابِ النَّاسِ وَدُفِنَ بِالْبَقِيعِ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَثَلَاثِينَ وَهُوَ ابْنُ سَبْعِينَ سَنَةً. (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إِذَا رَأَيْتُمُ الْمَدَّاحِينَ) أَيِ: الْمُبَالِغِينَ فِي الْمَدْحِ مُتَوَجِّهَيْنِ إِلَيْكُمْ طَمَعًا سَوَاءٌ يَكُونُ نَثْرًا أَوْ نَظْمًا (فَاحْثُوا): بِهَمْزَةِ وَصْلٍ وَضَمِّ مُثَلَّثَةٍ أَيِ: ارْمُوا (فِي وُجُوهِهِمْ): وَفِي نُسْخَةٍ فِي أَفْوَاهِهِمْ (التُّرَابَ): قِيلَ: يُؤْخَذُ التُّرَابُ وَيُرْمَى بِهِ فِي وَجْهِ الْمَدَّاحِ عَمَلًا بِظَاهِرِ الْحَدِيثِ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ الْأَمْرُ بِدَفْعِ الْمَالِ إِلَيْهِمْ، إِذِ الْمَالُ حَقِيرٌ كَالتُّرَابِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْعَرْضِ فِي كُلِّ بَابٍ أَيْ: أَعْطُوهُمْ إِيَّاهُ وَاقْطَعُوا بِهِ أَلْسِنَتَهُمْ لِئَلَّا يُهْجُوكُمْ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ أَعْطُوهُمْ عَطَاءً قَلِيلًا فَشَبَّهَهُ لِقِلَّتِهِ بِالتُّرَابِ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ مِنْهُ أَنْ يَخَيِّبَ الْمَادِحَ وَلَا يُعْطِيَهُ شَيْئًا لِمَدْحِهِ، وَالْمُرَادُ زَجْرُ الْمَادِحِ وَالْحَثُّ عَلَى مَنْعِهِ مِنَ الْمَدْحِ؛ لِأَنَّهُ يَجْعَلُ الشَّخْصَ مَغْرُورًا وَمُتَكَبِّرًا. قَالَ الْخَطَّابِيُّ: الْمَدَّاحُونَ هُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مَدْحَ النَّاسِ عَادَةً، وَجَعَلُوهُ بِضَاعَةً يَسْتَأْكِلُونَ بِهِ الْمَمْدُوحَ، فَأَمَّا مَنْ مَدَحَ الرَّجُلَ عَلَى الْفِعْلِ الْحَسَنِ وَالْأَمْرِ الْمَحْمُودِ، يَكُونُ مِنْهُ تَرْغِيبًا لَهُ فِي أَمْثَالِهِ، وَتَحْرِيضًا لِلنَّاسِ عَلَى الِاقْتِدَاءِ فِي أَشْبَاهِهِ فَلَيْسَ بِمَدَّاحٍ، وَفِي شَرْحِ السُّنَّةِ: قَدِ اسْتَعْمَلَ الْمِقْدَادُ الْحَدِيثَ عَلَى ظَاهِرِهِ فِي تَنَاوُلِ عَيْنِ التُّرَابِ وَحَثْيِهِ فِي وَجْهِ الْمَادِحِ، وَقَدْ يُتَأَوَّلُ عَلَى أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ الْخَيْبَةَ وَالْحِرْمَانَ أَيْ: مَنْ تَعَرَّضَ لَكُمْ بِالثَّنَاءِ وَالْمَدْحِ فَلَا تُعْطُوهُ وَاحْرِمُوهُ، كَنَّى بِالتُّرَابِ عَنِ الْحِرْمَانِ كَقَوْلِهِمْ: مَا فِي يَدِهِ غَيْرُ التُّرَابِ، وَكَقَوْلِهِ ﷺ: " «إِذَا جَاءَكَ يَطْلُبُ ثَمَنَ الْكَلْبِ فَامْلَأْ كَفَّهُ تُرَابًا» "، وَفِي الْجُمْلَةِ الْمَدْحُ وَالثَّنَاءُ عَلَى الرَّجُلِ مَكْرُوهٌ؛ لِأَنَّهُ قَلَّمَا يَسْلَمُ الْمَادِحُ عَنْ كَذِبٍ يَقُولُهُ فِي مَدْحِهِ، وَقَلَّمَا يَسْلَمُ الْمَمْدُوحُ مِنْ عُجْبٍ يَدْخُلُهُ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) . وَرَوَاهُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ، وَالْبُخَارِيُّ فِي الْأَدَبِ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ عَنِ الْمِقْدَادِ، وَالطَّبَرَانِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَالْحَاكِمُ فِي الْكُنَى عَنْ أَنَسٍ، وَلَفْظُ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: " «احْثُوا التُّرَابَ فِي وُجُوهِ الْمَدَّاحِينَ» " رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَابْنُ عَدِيٍّ فِي الْكَامِلِ، وَأَبُو نُعَيْمٍ فِي الْحِلْيَةِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ. وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ مَاجَهْ عَنِ الْمِقْدَادِ " «احْثُوَا فِي أَفْوَاهِ الْمَدَّاحِينَ التُّرَابَ» "، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَكَذَا ابْنُ عَسَاكِرَ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ.
[ ٧ / ٣٠٣١ ]
٤٨٢٨ - وَعَنْ أَبِي بَكْرَةَ - ﵁ - قَالَ: «أَثْنَى رَجُلٌ عَلَى رَجُلٍ عِنْدَ النَّبِيِّ - ﷺ - فَقَالَ: " وَيْلَكَ قَطَعْتَ عُنُقَ أَخِيكَ " ثَلَاثًا " مَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَادِحًا لَا مَحَالَةَ فَلْيَقُلْ: أَحْسَبُ فُلَانًا، وَاللَّهُ حَسْبُهُ، إِنْ كَانَ يُرَى أَنَّهُ كَذَلِكَ، وَلَا يُزَكِّي عَلَى اللَّهِ أَحَدًا» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
_________________
(١) (وَعَنْ أَبِي بَكْرَةَ) أَيِ: الثَّقَفِيِّ (قَالَ: أَثْنَى رَجُلٌ عَلَى رَجُلٍ عِنْدَ النَّبِيِّ - ﷺ -) أَيْ: بَالَغَ فِي مَدْحِهِ (فَقَالَ: وَيْلَكَ): الْوَيْلُ بِمَعْنَى الْهَلَاكِ أَيْ: هَلَكْتَ هَلَاكًا وَأَهْلَكْتَ إِهْلَاكًا، وَفِي نُسْخَةٍ. وَيْحَكَ وَهُوَ لِلشَّفَقَةِ وَالْمَرْحَمَةِ بِخِلَافِ الْأَوَّلِ، فَإِنَّهُ لِلزَّجْرِ فِي الْمَوْعِظَةِ (قَطَعْتَ عُنُقَ أَخِيكَ): بِضَمِّ عَيْنٍ وَنُونٍ فِي جَمِيعِ النُّسَخِ الْمُصَحَّحَةِ وَالْأُصُولِ الْمُعْتَمَدَةِ، وَفِي الْقَامُوسِ: الْعُنْقُ بِالضَّمِّ وَبِضَمَّتَيْنِ، وَكَأَمِيرٍ وَصُرَدٍ: الْجِيدُ وَيُؤَنَّثُ، وَإِنَّمَا كُرِهَ ذَلِكَ.
[ ٧ / ٣٠٣١ ]
لِئَلَّا يَغْتَرَّ الْمَقُولُ لَهُ فَيَسْتَشْعِرَ الْكِبْرَ وَالْعُجْبَ، وَذَلِكَ جِنَايَةٌ عَلَيْهِ فَيَصِيرَ كَأَنَّهُ قَطَعَ عُنُقَهُ فَأَهْلَكَهُ. قَالَ النَّوَوِيُّ: هَذِهِ اسْتِعَارَةٌ مِنْ قَطْعِ الْعُنُقِ الَّذِي هُوَ الْقَتْلُ لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي الْهَلَاكِ، لَكِنْ هَذَا الْهَلَاكُ فِي الدِّينِ، وَقَدْ يَكُونُ مِنْ جِهَةِ الدُّنْيَا (ثَلَاثًا) أَيْ: قَالَهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ (مَنْ كَانَ مِنْكُمْ): اسْتِئْنَافٌ لِبَيَانِ الْمَدْحِ الْمَمْدُوحِ (مَادِحًا) أَيْ: لِأَحَدٍ (لَا مَحَالَةَ): بِفَتْحِ الْمِيمِ أَيْ: أَلْبَتَّةَ، وَفِي نُسْخَةٍ بِضَمِّهَا فَفِي الْقَامُوسِ: لَا مَحَالَةَ مِنْهُ بِالْفَتْحِ أَيْ: لَا بُدَّ وَالْمُحَالُ بِالضَّمِّ مِنَ الْكَلَامِ مَا عُدِلَ عَنْ وَجْهِهِ، وَفِي الصِّحَاحِ: لَا مَحَالَةَ بِالضَّمِّ بِمَعْنَى لَا بُدَّ أَيْ: لَا فِرَاقَ وَبِالْفَتْحِ بِمَعْنَى لَا احْتِيَالَ (فَلْيَقُلْ: أَحْسَبُ فُلَانًا) بِكَسْرِ السِّينِ وَفَتْحِهَا أَيْ: أَظُنُّهُ كَذَا وَكَذَا، يَعْنِي رَجُلًا صَالِحًا مَثَلًا (وَاللَّهُ حَسِيبُهُ) أَيْ: مُحَاسِبُهُ وَمُجَازِيهِ عَلَى أَعْمَالِهِ وَهُوَ عَالِمٌ بِهِ وَمُطَّلِعٌ عَلَى أَحْوَالِهِ، وَالْجُمْلَةُ حَالٌ مِنَ الْمَفْعُولِ وَبَقِيَّةُ الْمَقُولِ (إِنْ كَانَ): شَرْطٌ لِلْإِبَاحَةِ فِي الْقَوْلِ الْمَسْطُورِ أَيْ: فَلْيَقُلْ مَا ذُكِرَ إِنْ كَانَ الْقَائِلُ الْمَادِحُ (يُرَى): بِضَمِّ الْيَاءِ أَيْ: يُظَنُّ وَفِي نُسْخَةٍ بِفَتْحِهَا أَيْ: يَعْلَمُ (أَنَّهُ) أَيِ: الْمَمْدُوحَ (كَذَلِكَ) أَيْ: مِثْلَ مَا مَدَحَهُ (وَلَا يُزَكِّي) أَيْ: وَالْحَالُ أَنَّ الْمَادِحَ لَا يُزَكِّي (عَلَى اللَّهِ) أَيْ: عَلَى حُكْمٍ مِنْ قَضَائِهِ وَقَدَرِهِ (أَحَدًا): وَالْمَعْنَى: لَا يَقْطَعُ بِتَقْوَى أَحَدٍ وَلَا بِتَزْكِيَتِهِ عِنْدَ اللَّهِ، فَإِنَّ ذَلِكَ غَيْبٌ، وَقِيلَ عَدَّاهُ بِعَلَى لِتَضَمُّنِهِ مَعْنَى الْغَلَبَةِ؛ لِأَنَّ مَنْ جَزَمَ عَلَى تَزْكِيَةِ أَحَدٍ عِنْدَ اللَّهِ فَكَأَنَّهُ غَلَبَ عَلَيْهِ فِي مَعْرِفَتِهِ، هَذَا مَا ظَهَرَ لِي فِي حَلِّ هَذَا الْمَحَلِّ. وَقَالَ الْأَشْرَفُ: وَاللَّهُ حَسِيبُهُ جُمْلَةٌ اعْتِرَاضِيَّةٌ، وَقَوْلُهُ: إِنْ كَانَ يُرَى مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ أَحْسَبُ فُلَانًا، وَقَوْلُهُ وَلَا يُزَكِّي عَلَى اللَّهِ أَحَدًا مُنِعَ عَنِ الْجَزْمِ وَهُوَ عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ فَلْيَقُلِ اهـ. وَفِيهِ أَنَّ " لَا يُزَكِّي " جَاءَ بِإِثْبَاتِ الْيَاءِ، فَيَحْتَاجُ عَلَى هَذَا بِأَنْ يُقَالَ إِخْبَارٌ فِي مَعْنَى النَّهْيِ، أَيْ: وَلَا يَكُنْ مِنْكُمُ التَّزْكِيَةُ عَلَى اللَّهِ، وَقَدْ أَبْعَدَ بَعْضُهُمْ حَيْثُ قَالَ: وَلَا يُزَكِّي عُطِفَ عَلَى يُرَى وَهُوَ الصَّوَابُ، وَأَنْتَ لَا يَخْفَى عَلَيْكَ أَنَّهُ هُوَ الْخَطَأُ مِنْهُ فِي هَذَا الْبَابِ، ثُمَّ لَا يَخْلُو كَلَامُ الطِّيبِيِّ مِنَ الْإِغْرَابِ أَيْضًا فِي الْإِعْرَابِ؛ حَيْثُ قَالَ: " إِنْ كَانَ يُرَى " الْجُمْلَةُ الشَّرْطِيَّةُ وَقَعَتْ حَالًا مِنْ فَاعِلٍ فَلْيَقُلْ: وَ" عَلَى " فِي " عَلَى اللَّهِ " فِيهِ مَعْنَى الْوُجُوبِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
[ ٧ / ٣٠٣٢ ]
٤٨٢٩ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: " «أَتُدْرُونَ مَا الْغِيبَةُ؟ " قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: " ذِكْرُكَ أَخَاكَ بِمَا يَكْرَهُ ". قِيلَ: أَفَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ فِي أَخِي مَا أَقُولُ؟ قَالَ: " إِنْ كَانَ فِيهِ مَا تَقُولُ فَقَدِ اغْتَبْتَهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ مَا تَقُولُ فَقَدْ بَهَتَّهُ» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَفِي رِوَايَةٍ: " «إِذَا قُلْتَ لِأَخِيكَ مَا فِيهِ فَقَدِ اغْتَبْتَهُ، وَإِذَا قُلْتَ مَا لَيْسَ فِيهِ فَقَدْ بَهَتَّهُ» ".
_________________
(١) (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: أَتُدْرُونَ مَا الْغِيبَةُ؟) بِكَسْرِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ قِيلَ: أَيْ: أَتَعْلَمُونَ مَا جَوَابُ هَذَا السُّؤَالِ؟ (قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ) الْأَظْهَرُ أَنْ يُقَالَ: أَتُدْرُونَ مَا الْغِيبَةُ الَّتِي ذَكَرَهَا اللَّهُ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ [الحجرات: ١٢]، قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، يَعْنِي: وَلَوْ عَلِمْنَا بَعْضَ الْعِلْمِ، لَكِنْ يُسْتَفَادُ مِنْكَ حَقِيقَةُ الْعِلْمِ بِكُلِّ شَيْءٍ فَضْلًا عَنِ الْغِيبَةِ وَنَحْوِهَا (قَالَ: ذِكْرُكَ) أَيْ: أَيُّهَا الْمُخَاطَبُ خِطَابًا عَامًّا (أَخَاكَ) أَيِ: الْمُسْلِمَ (بِمَا يَكْرَهُهُ) أَيْ: بِمَا لَوْ سَمِعَهُ لَكَرِهَهُ. قَالَ النَّوَوِيُّ: اعْلَمْ أَنَّ الْغِيبَةَ مِنْ أَقْبَحِ الْقَبَائِحِ، وَأَكْثَرِهَا انْتِشَارًا بَيْنَ النَّاسِ حَتَّى لَا يَسْلَمَ مِنْهَا إِلَّا الْقَلِيلُ مِنَ النَّاسِ، وَذِكْرُكَ فِيهِ بِمَا يَكْرَهُهُ عَامٌّ، سَوَاءٌ كَانَ فِي بَدَنِهِ أَوْ دِينِهِ أَوْ دُنْيَاهُ أَوْ نَفْسِهِ أَوْ خُلُقِهِ أَوْ مَالِهِ أَوْ وَلَدِهِ أَوْ وَالِدِهِ أَوْ زَوْجِهِ أَوْ خَادِمِهِ أَوْ ثَوْبِهِ أَوْ مَشْيِهِ وَحَرَكَتِهِ وَبَشَاشَتِهِ وَعَبُوسَتِهِ وَطَلَاقَتِهِ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِهِ، سَوَاءٌ ذَكَرْتَهُ بِلَفْظِكَ أَوْ كِتَابِكَ، أَوْ رَمَزْتَ أَوْ أَشَرْتَ إِلَيْهِ بِعَيْنِكَ أَوْ يَدِكَ أَوْ رَأْسِكَ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَضَابِطُهُ أَنَّ كُلَّ مَا أَفْهَمْتَ بِهِ غَيْرَكَ نُقْصَانَ مُسْلِمٍ فَهُوَ غِيبَةٌ مُحَرَّمَةٌ، وَمِنْ ذَلِكَ الْمُحَاكَاةُ بِأَنْ يَمْشِيَ مُتَعَارِجًا أَوْ مُطَأْطِئًا، أَوْ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْهَيْئَاتِ مُرِيدًا حِكَايَةَ هَيْئَةِ مَنْ يَنْقُصُهُ بِذَلِكَ. (قِيلَ) أَيْ: قَالَ بَعْضُ الصَّحَابَةِ (أَفَرَأَيْتَ) أَيْ: فَأَخْبِرْنِي (إِنْ كَانَ فِي أَخِي) أَيْ: مَوْجُودًا (مَا أَقُولُ؟) أَيْ مِنَ الْمَنْقَصَةِ، وَالْمَعْنَى: أَنْ يَكُونَ حِينَئِذٍ ذِكْرُهُ بِهَا أَيْضًا غِيبَةً كَمَا هُوَ الْمُتَبَادَرُ مِنْ عُمُومِ ذِكْرِهِ بِمَا يَكْرَهُ. (قَالَ: إِنْ كَانَ فِيهِ مَا تَقُولُ) أَيْ: مِنَ الْعَيْبِ (فَقَدِ اغْتَبْتَهُ) أَيْ: لَا مَعْنَى لِلْغِيبَةِ إِلَّا هَذَا، وَهُوَ أَنْ تَكُونَ الْمَنْقَصَةُ فِيهِ (وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ مَا تَقُولُ فَقَدْ بَهَتَّهُ): بِفَتْحِ الْهَاءِ الْمُخَفِّفَةِ وَتَشْدِيدِ التَّاءِ عَلَى الْخِطَابِ أَيْ: قُلْتَ عَلَيْهِ الْبُهْتَانَ وَهُوَ كَذِبٌ عَظِيمٌ يُبْهَتُ فِيهِ مَنْ يُقَالُ فِي حَقِّهِ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) . وَكَذَا الثَّلَاثَةُ ذَكَرَهُ السَّيِّدُ جَمَالُ الدِّينِ، وَالْمُرَادُ بِهِمُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَلَفْظُهُمَا: «قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ! مَا الْغِيبَةُ؟ قَالَ: " ذِكْرُكَ أَخَاكَ بِمَا يَكْرَهُ» " وَذَكَرَاهُ بِتَمَامِهِ عَلَى مَا حَرَّرَهُ مِيرَكُ.
[ ٧ / ٣٠٣٢ ]
(وَفِي رِوَايَةٍ): الْمُتَبَادَرُ مِنْهُ أَنَّهَا رِوَايَةٌ لِمُسْلِمٍ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ رِوَايَةٌ لِلْبَغَوِيِّ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ عَلَى مَا بَيَّنَهُ السَّيِّدُ («إِذَا قُلْتَ لِأَخِيكَ مَا فِيهِ فَقَدِ اغْتَبْتَهُ، وَإِذَا قُلْتَ مَا لَيْسَ فِيهِ فَقَدْ بَهَتَّهُ») . قَالَ مِيرَكُ: هَذِهِ الرِّوَايَةُ لَيْسَتْ فِي وَاحِدٍ مِنَ الصَّحِيحَيْنِ، وَإِنَّمَا رَوَاهَا صَاحِبُ الْمَصَابِيحِ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ اهـ. وَفِيهِ تَلْوِيحٌ إِلَى الِاعْتِرَاضِ عَلَى صَاحِبِ الْمَصَابِيحِ؛ حَيْثُ ذَكَرَ هَذِهِ الرِّوَايَةَ فِي الصِّحَاحِ، وَمَرَّ مِرَارًا الِاعْتِذَارُ عَنْهُ بِأَنَّ ذَلِكَ الِالْتِزَامَ إِنَّمَا هُوَ فِي الْأُصُولِ لَا فِي مُعْتَضِدَاتِ الْفُصُولِ.
[ ٧ / ٣٠٣٣ ]
٤٨٣٠ - «وَعَنْ عَائِشَةَ - ﵂ - أَنَّ رَجُلًا اسْتَأْذَنَ عَلَى النَّبِيِّ - ﷺ - فَقَالَ: ائْذَنُوا لَهُ، فَبِئْسَ أَخُو الْعَشِيرَةِ " فَلَمَّا جَلَسَ تَطَلَّقَ النَّبِيُّ - ﷺ - فِي وَجْهِهِ وَانْبَسَطَ إِلَيْهِ، فَلَمَّا انْطَلَقَ الرَّجُلُ قَالَتْ عَائِشَةُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! قُلْتَ لَهُ: كَذَا وَكَذَا، ثُمَّ تَطَلَّقْتَ فِي وَجْهِهِ، وَانْبَسَطْتَ إِلَيْهِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " مَتَى عَاهَدْتِنِي فَحَّاشًا؟ إِنَّ شَرَّ النَّاسِ عِنْدَ اللَّهِ مَنْزِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَنْ تَرَكَهُ النَّاسُ اتِّقَاءَ شَرِّهِ "، وَفِي رِوَايَةٍ: " اتِّقَاءَ فُحْشِهِ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
_________________
(١) (وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - أَنَّ رَجُلًا): قِيلَ: هُوَ عُيَيْنَةُ الْفَزَارِيُّ، وَقِيلَ: مَخْرَمَةُ بْنُ نَوْفَلٍ، وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بِتَعْدَادِ الْوَاقِعَةِ (اسْتَأْذَنَ عَلَى النَّبِيِّ - ﷺ -) أَيْ: فِي الدُّخُولِ عَلَيْهِ (فَقَالَ: " ائْذَنُوا): بِهَمْزٍ سَاكِنَةٍ وَصْلًا وَيَجُورُ إِبْدَالُهَا يَاءً لَكِنْ إِذَا ابْتُدِئَ بِهِ يُقْرَأُ بِهَمْزَةٍ مَكْسُورَةٍ وَيَاءٍ سَاكِنَةٍ وَالدَّالُ مَفْتُوحَةٌ مُطْلَقًا أَيْ: أَعْطُوا الْإِذْنَ (لَهُ) أَوْ أَعْلِمُوهُ بِالْإِذْنِ (فَبِئْسَ أَخُو الْعَشِيرَةِ) أَيْ: بِئْسَ هُوَ مِنْ قَوْمِهِ، وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ: بِئْسَ أَخُو الْعَشِيرَةِ، وَبِئْسَ ابْنُ الْعَشِيرَةِ مِنْ غَيْرِ شَكٍّ. وَفِي الشَّمَائِلِ: بِئْسَ ابْنُ الْعَشِيرَةِ أَوْ أَخُو الْعَشِيرَةِ عَلَى الشَّكِّ، فَقِيلَ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الشَّكُّ مِنْ سُفْيَانَ، فَإِنَّ جَمِيعَ أَصْحَابِ الْمُنْكَدِرِ رَوَوْهُ عَنْهُ بِدُونِ الشَّكِّ. قَالَ الطِّيبِيُّ: الْعَشِيرَةُ الْقَبِيلَةُ أَيْ: بِئْسَ هَذَا الرَّجُلُ مِنْ هَذِهِ الْعَشِيرَةِ، كَمَا يُقَالُ: يَا أَخَا الْعَرَبِ لِرَجُلٍ مِنْهُمْ. قَالَ النَّوَوِيُّ: اسْمُ هَذَا الرَّجُلِ عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ، وَلَمْ يَكُنْ أَسْلَمَ حِينَئِذٍ، وَإِنْ كَانَ قَدْ أَظْهَرَ الْإِسْلَامَ، فَأَرَادَ النَّبِيُّ - ﷺ - أَنْ يُبَيِّنَ حَالَهُ لِيَعْرِفَهُ النَّاسُ وَلَا يَغْتَرَّ بِهِ مَنْ لَمْ يَعْرِفْ بِحَالِهِ، وَكَانَ مَنُّهُ فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ - ﷺ - وَبَعْدَهُ مَا دَلَّ عَلَى ضَعْفِ إِيمَانِهِ، وَوَصْفُ النَّبِيِّ - ﷺ - بِأَنَّهُ بِئْسَ أَخُو الْعَشِيرَةِ مِنْ أَعْلَامِ النُّبُوَّةِ؛ لِأَنَّهُ ظَهَرَ كَمَا وَصَفَ. (فَلَمَّا جَلَسَ) أَيْ: بَعْدَ دُخُولِهِ (تَطَلَّقَ النَّبِيُّ - ﷺ - فِي وَجْهِهِ) أَيْ: أَظْهَرَ لَهُ طَلَاقَةَ الْوَجْهِ وَبَشَاشَةَ الْبَشَرَةِ (وَانْبَسَطَ إِلَيْهِ) أَيْ: تَبَسَّمَ لَهُ وَأَلَانَ الْقَوْلَ لَهُ كَمَا فِي رِوَايَةٍ. وَقَالَ شَارِحٌ أَيْ: جَعَلَهُ قَرِيبًا مِنْ نَفْسِهِ. قَالَ النَّوَوِيُّ: وَإِنَّمَا أَلَانَ لَهُ الْقَوْلَ تَأَلُّفًا لَهُ وَلِأَمْثَالِهِ عَلَى الْإِسْلَامِ، وَفِيهِ مُدَارَاةُ مَنْ يُتَّقَى فُحْشُهُ وَجَوَازُ غِيبَةِ الْفَاسِقِ. وَفِي شَرْحِ السُّنَّةِ: فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ ذِكْرَ الْفَاسِقِ بِمَا فِيهِ لِيُعْرَفَ أَمْرُهُ فَيُتَّقَى لَا يَكُونُ مِنَ الْغِيبَةِ، وَلَعَلَّ الرَّجُلَ كَانَ مُجَاهِرًا بِسُوءِ أَفْعَالِهِ وَلَا غِيبَةَ لِمُجَاهِرٍ. قَالَ النَّوَوِيُّ: وَمِنَ الَّذِينَ يَجُوزُ لَهُمُ الْغِيبَةُ الْمُجَاهِرُ بِفِسْقِهِ أَوْ بِدْعَتِهِ، فَيَجُوزُ ذِكْرُهُ بِمَا يَجْهَرُ بِهِ وَلَا يَجُوزُ بِغَيْرِهِ (فَلَمَّا انْطَلَقَ الرَّجُلُ) أَيْ: ذَهَبَ (قَالَتْ عَائِشَةُ): لَعَلَّ هَذَا نُقِلَ بِالْمَعْنَى، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ رِوَايَةُ الشَّمَائِلِ عَنْ عُرْوَةَ «عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: اسْتَأْذَنَ رَجُلٌ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - وَأَنَا عِنْدَهُ فَقَالَ: " بِئْسَ ابْنُ الْعَشِيرَةِ أَوْ أَخُو الْعَشِيرَةِ» " ثُمَّ أَذِنَ لَهُ فَأَلَانَ لَهُ الْقَوْلَ، فَلَمَّا خَرَجَ قُلْتُ: (يَا رَسُولَ اللَّهِ! قُلْتَ لَهُ: كَذَا وَكَذَا) وَفِي الشَّمَائِلِ قُلْتَ لَهُ مَا قُلْتَ (ثُمَّ تَطَلَّقْتَ فِي وَجْهِهِ وَانْبَسَطْتَ إِلَيْهِ) . أَيْ أَلَنْتَ لَهُ الْقَوْلَ عَلَى مَا فِي الشَّمَائِلِ (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: مَتَى عَاهَدْتِنِي) أَيْ: وَجَدْتِنِي وَرَأَيْتِنِي (فَحَّاشًا؟) أَيْ: ذَا فُحْشٍ يَعْنِي: قَائِلًا لِلْفُحْشِ، وَأَصْلُ الْفُحْشِ زِيَادَةُ الشَّيْءِ عَلَى مِقْدَارِهِ، وَهَذَا إِنْكَارٌ عَلَى قَوْلِهَا: إِنَّكَ خَالَفْتَ بَيْنَ الْغَيْبِ وَالْحُضُورِ، فَلِمَ لَمْ تُذَمِّمْهُ فِي الْحُضُورِ كَمَا ذَمَّمْتَهُ فِي الْغَيْبِ؟ (إِنَّ شَرَّ النَّاسِ عِنْدَ اللَّهِ مَنْزِلَةً يَوْمِ الْقِيَامَةِ): اسْتِئْنَافٌ كَالتَّعْلِيلِ لِقَوْلِهِ: مَتَى عَاهَدْتِنِي فَحَّاشًا (مَنْ تَرَكَهُ النَّاسُ): وَفِي رِوَايَةٍ: وَدَعَهُ النَّاسُ كَقِرَاءَةِ: " مَا وَدَعَكَ " فِي الشَّوَاذِّ بِالتَّخْفِيفِ، وَفِيهِ رَدٌّ لِقَوْلِ الصَّرْفِيِّينَ: أَمَاتُوا مَاضِي يَدَعُ إِلَّا أَنْ يُرِيدُوا بِإِمَاتَتِهِ نُدْرَتَهُ، فَهُوَ شَاذٌّ اسْتِعْمَالًا صَحِيحٌ قِيَاسًا، وَالْمَعْنَى: مَنْ تَرَكَ النَّاسُ التَّعَرُّضَ لَهُ (اتِّقَاءَ شَرِّهِ) . كَيْلَا يُؤْذِيَهُمْ بِلِسَانِهِ، وَفِيهِ رُخْصَةُ الْمُدَارَاةِ لِدَفْعِ الضَّرَرِ.
[ ٧ / ٣٠٣٣ ]
(وَفِي رِوَايَةٍ) أَيْ: لِلشَّيْخَيْنِ وَغَيْرِهِمَا (اتِّقَاءَ فُحْشِهِ) . وَهُوَ مُجَاوَزَةُ الْحَدِّ قَوْلًا وَفِعْلًا، وَقِيلَ: الْمَعْنَى إِنَّمَا أَلَنْتُ لَهُ الْقَوْلَ؛ لِأَنِّي لَوْ قُلْتُ لَهُ فِي حُضُورِهِ مَا قُلْتُهُ فِي غَيْبَتِهِ لَتَرَكَنِي اتِّقَاءَ فُحْشِي، فَأَكُونُ أَشَرَّ النَّاسِ. قِيلَ: ذَلِكَ الرَّجُلُ كَمَا وَصَفَهُ النَّبِيُّ - ﷺ - فَإِنَّهُ ارْتَدَّ بَعْدَ مَوْتِهِ مَعَ الْمُرْتَدِّينَ، وَجِيءَ بِهِ أَسِيرًا إِلَى أَبِي بَكْرٍ - ﵁ -. وَفِي فَتْحِ الْبَارِي: إِنَّ عُيَيْنَةَ ارْتَدَّ فِي زَمَنِ الصِّدِّيقِ وَحَارَبَ ثُمَّ رَجَعَ وَأَسْلَمَ، وَكَانَ يُقَالُ لَهُ الْأَحْمَقُ الْمُطَاعُ، كَذَا فَسَّرَهُ بِهِ الْقَاضِي عِيَاضٌ وَالْقُرْطُبِيُّ وَالنَّوَوِيُّ، وَأَخْرَجَ عَبْدُ الْغَنِيِّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي عَامِرٍ الْخُزَاعِيِّ «عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: جَاءَ مَخْرَمَةُ بْنُ نَوْفَلٍ يَسْتَأْذِنُ، فَلَمَّا سَمِعَ النَّبِيُّ - ﷺ - صَوْتَهُ قَالَ: " بِئْسَ أَخُو الْعَشِيرَةِ» . الْحَدِيثُ ذَكَرَهُ الْقَسْطَلَانِيُّ فِي الْمَوَاهِبِ، وَقَدْ جَمَعَ هَذَا الْحَدِيثُ كَمَا قَالَهُ الْخَطَّابِيُّ عِلْمًا وَأَدَبًا، وَلَيْسَ قَوْلُهُ ﵇ فِي أُمَّتِهِ بِالْأُمُورِ الَّتِي يَسِمُهُمْ بِهَا، وَيُضِيفُهَا إِلَيْهِمْ مِنَ الْمَكْرُوهِ غِيبَةً، وَإِنَّمَا يَكُونُ ذَلِكَ مِنْ بَعْضِهِمْ فِي بَعْضٍ، بَلِ الْوَاجِبُ عَلَيْهِ - ﷺ - أَنْ يُبَيِّنَ ذَلِكَ وَيُفْصِحَ بِهِ وَيُعَرِّفَ النَّاسَ أُمُورَهُمْ، فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ بَابِ النَّصِيحَةِ وَالشَّفَقَةِ عَلَى الْأُمَّةِ، وَلَكِنَّهُ لِمَا جُبِلَ عَلَيْهِ مِنَ الْكَرَمِ وَأُعْطِيهِ مِنْ حُسْنِ الْخُلُقِ أَظْهَرَ لَهُ الْبَشَاشَةَ، وَلَمْ يُجِبْهُ بِالْمَكْرُوهِ وَلِيَقْتَدِيَ بِهِ أُمَّتُهُ فِي اتِّقَاءِ شَرِّ مَنْ هَذَا سَبِيلُهُ، وَفِي مُدَارَاتِهِ لِيَسْلَمُوا مِنْ شَرِّهِ وَغَائِلَتِهِ. وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: فِيهِ جَوَازُ غِيبَةِ الْمُعْلِنِ بِالْفِسْقِ أَوِ الْفُحْشِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، مَعَ جَوَازِ مُدَارَاتِهِمُ اتِّقَاءَ شَرِّهِمْ مَا لَمْ يُؤَدِّ ذَلِكَ إِلَى الْمُدَاهَنَةِ، ثُمَّ قَالَ تِبْعًا لِلْقَاضِي حُسَيْنٍ: وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْمُدَارَاةِ وَالْمُدَاهَنَةِ أَنَّ الْمُدَارَاةَ بَذْلُ الدُّنْيَا لِصَلَاحِ الدُّنْيَا أَوِ الدِّينِ أَوْ هُمَا مَعًا، وَهِيَ مُبَاحَةٌ، وَرُبَّمَا اسْتُحْسِنَتْ، وَالْمُدَاهَنَةُ بَذْلُ الدِّينِ لِصَلَاحِ الدُّنْيَا اهـ. وَهَذِهِ فَائِدَةٌ جَلِيلَةٌ يَنْبَغِي حِفْظُهَا وَالْمُحَافَظَةُ عَلَيْهَا، فَإِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ عَنْهَا غَافِلُونَ وَبِالْفَرْقِ بَيْنَهُمَا جَاهِلُونَ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) . وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: " «إِنْ شَرَّ النَّاسِ مَنْزِلَةً عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَنْ تُرِكَ اتِّقَاءَ فُحْشِهِ» ". رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَفِي رِوَايَةِ الطَّبَرَانِيِّ فِي الْأَوْسَطِ، عَنْ أَنَسٍ بِلَفْظِ. " «مَنْ يَخَافُ النَّاسُ شَرَّهُ» "
[ ٧ / ٣٠٣٤ ]
٤٨٣١ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " «كُلُّ أُمَّتِي مُعَافًى إِلَّا الْمُجَاهِرُونَ، وَإِنَّ مِنَ الْمَجَانَةِ أَنْ يَعْمَلَ الرَّجُلُ عَمَلًا بِاللَّيْلِ ثُمَّ يُصْبِحَ وَقَدْ سَتَرَهُ اللَّهُ فَيَقُولَ يَا فُلَانُ عَمِلْتُ الْبَارِحَةَ كَذَا وَكَذَا، وَقَدْ بَاتَ يَسْتُرُهُ رَبُّهُ وَيُصْبِحُ يَكْشِفُ سِتْرَ اللَّهِ عَنْهُ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَذَكَرَ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ: " مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ " فِي بَابِ الضِّيَافَةِ.
_________________
(١) (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " كُلُّ أُمَّتِي مُعَافًى): هَكَذَا فِي جَمِيعِ نُسَخِ الْمِشْكَاةِ وَهُوَ اسْمُ مَفْعُولٍ مِنْ عَافَاهُ اللَّهُ أَيْ: أَعْطَاهُ اللَّهُ الْعَافِيَةَ وَالسَّلَامَةَ مِنَ الْمَكْرُوهِ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ: مُعَافَاةٌ بِالْهَاءِ فِي آخِرِهِ، هَكَذَا هُوَ فِي مُعْظَمِ النُّسَخِ وَالْأُصُولِ الْمُعْتَمِدَةِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: وَفِي نُسَخِ الْمَصَابِيحِ مُعَافًى بِلَا هَاءٍ، وَعَلَى هَذَا يَنْبَغِي أَنْ يُكْتَبَ أَلِفُهُ بِالْيَاءِ فَيَكُونَ مُطَابِقًا لِلَفْظِ " كُلُّ "، كَمَا وَرَدَ: " «كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ» ". (إِلَّا الْمُجَاهِرُونَ) بِالرَّفْعِ فِي جَمِيعِ نُسَخِ الْمِشْكَاةِ. قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: كُتِبَ مَرْفُوعًا فِي نُسَخِ الْمَصَابِيحِ وَحَقُّهُ النَّصْبُ عَلَى الِاسْتِثْنَاءِ. قَالَ الْأَشْرَفُ: هُوَ مُسْتَثْنًى مِنْ قَوْلِهِ: مُعَافًى، وَهُوَ فِي مَعْنَى النَّفْيِ، أَيْ: كُلُّ أُمَّتِي لَا ذَنْبَ عَلَيْهِمْ إِلَّا الْمُجَاهِرُونَ، وَأَوْرَدَ الْحَافِظُ أَبُو مُوسَى فِي مَجْمُوعِهِ الْمُغِيثِ إِلَّا الْمُجَاهِرِينَ بِالنَّصْبِ عَلَى الْأَصْلِ، وَهَكَذَا أَوْرَدَهُ فِي النِّهَايَةِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: وَالْأَظْهَرُ أَنْ يُقَالَ: كُلُّ أُمَّتِي يُتْرَكُونَ عَنِ الْغِيبَةِ إِلَّا الْمُجَاهِرُونَ، كَمَا وَرَدَ: مَنْ أَلْقَى جِلْبَابَ الْحَيَاءِ فَلَا غِيبَةَ لَهُ وَالْعَفْوُ: التَّرْكُ، وَفِيهِ مَعْنَى النَّفْيِ، وَنَحْوُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ﴾ [التوبة: ٣٢]، وَالْمُجَاهِرُونَ هُمُ الَّذِينَ جَاهَرُوا بِمَعَاصِيهِمْ وَأَظْهَرُوهَا، وَكَشَفُوا مَا سَتَرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْهَا فَيَتَحَدَّثُونَ، يُقَالُ: جَهَرَ وَجَاهَرَ وَأَجْهَرَ. أَقُولُ: قَوْلُ الْأَشْرَفِ: كُلُّ أُمَّتِي لَا ذَنْبَ عَلَيْهِمْ لَا يَصِحُّ عَلَى إِطْلَاقِهِ، بَلِ الْمَعْنَى: كُلُّ أُمَّتِي لَا يُؤَاخَذُونَ أَوْ لَا يُعَاقَبُونَ عِقَابًا شَدِيدًا إِلَّا الْمُجَاهِرُونَ، وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ مِنَ التَّقْيِيدِ بِالْغِيبَةِ، فَلَا دَلَالَةَ لِلْحَدِيثِ عَلَيْهِ، وَلَا عِبْرَةَ بِعُنْوَانِ الْبَابِ كَمَا لَا يَخْفَى عَلَى أُولِي الْأَلْبَابِ، بَلْ فِي نَفْسِ الْحَدِيثِ مَا يُؤَيِّدُ مَا ذَكَرْنَاهُ، وَهُوَ قَوْلُهُ - ﷺ - عَلَى طَرِيقِ الِاسْتِئْنَافِ الْبَيَانِيِّ: (وَإِنَّ مِنَ الْمَجَانَةِ): بِفَتْحِ الْمِيمِ وَخِفَّةِ الْجِيمِ مَصْدَرُ مَجَنَ يَمْجُنُ مِنْ بَابِ نَصَرَ، وَهِيَ أَنْ لَا يُبَالِيَ الْإِنْسَانُ بِمَا صَنَعَ وَلَا بِمَا قِيلَ لَهُ مِنْ غِيبَةٍ وَمَذَمَّةٍ وَنِسْبَةٍ إِلَى فَاحِشَةٍ (أَنْ يَعْمَلَ الرَّجُلُ بِاللَّيْلِ) أَيْ: مَثَلًا (عَمَلًا) أَيْ:
[ ٧ / ٣٠٣٤ ]
مِنْ أَعْمَالِ الْمَعْصِيَةِ (ثُمَّ يُصْبِحَ): بِالنَّصْبِ وَفِي نُسْخَةٍ بِالرَّفْعِ أَيْ: ثُمَّ هُوَ يَدْخُلُ فِي الصَّبَاحِ (وَقَدْ سَتَرَهُ اللَّهُ) أَيْ: عَمَلَهُ عَنِ النَّاسِ أَوْ سَتَرَهُ وَلَمْ يُعَاقِبْهُ فِي لَيْلِهِ حَتَّى عَاشَ إِلَى النَّهَارِ (فَيَقُولَ) بِالنَّصْبِ وَيُرْفَعُ أَيْ فَيُنَادِي صَاحِبًا لَهُ (يَا فُلَانُ عَمِلْتُ الْبَارِحَةَ) أَيْ: فِي اللَّيْلَةِ الْمَاضِيَةِ (كَذَا وَكَذَا) أَيْ: مِنَ الْأَعْمَالِ السَّيِّئَةِ (وَقَدْ بَاتَ) أَيْ: وَالْحَالُ أَنَّ الرَّجُلَ الْعَاصِيَ دَامَ فِي لَيْلِهِ (يَسْتُرُهُ رَبُّهُ) أَيْ: عَنْ غَيْرِهِ، وَلَمْ يَكْشِفْ حَالَهُ بِالْعُقُوبَةِ (وَيُصْبِحُ) أَيِ: الرَّجُلُ مَعَ ذَلِكَ (يَكْشِفُ): خَبَرُ يُصْبِحُ أَيْ: يَرْفَعُ وَيُزِيلُ (سِتْرَ اللَّهِ عَنْهُ) . هُوَ بِكَسْرِ السِّينِ بِمَعْنَى السُّتْرَةِ وَالْحِجَابِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِفَتْحِهَا وَهُوَ مَصْدَرٌ، وَالْمَقْصُودُ غَايَةُ الِاسْتِغْرَابِ؛ وَلِذَا وَقَعَ فِي الْكَلَامِ نَوْعٌ مِنَ الْإِطْنَابِ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) . وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ بِلَفْظِ: " كُلُّ أُمَّتِي مُعَافًى إِلَّا الْمُجَاهِرُونَ وَإِنَّ مِنَ الْجِهَارِ، أَنْ يَعْمَلَ الرَّجُلُ " الْحَدِيثَ، لَكِنْ بِدُونِ يَا فُلَانُ رَوَاهُ الشَّيْخَانِ عَنْهُ. وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ عَنْ أَبِي قَتَادَةَ وَلَفْظُهُ: " «كُلُّ أُمَّتِي مُعَافًى إِلَّا الْمُجَاهِرُ الَّذِي يَعْمَلُ الْعَمَلَ بِاللَّيْلِ فَيَسْتُرُهُ رَبُّهُ ثُمَّ يُصْبِحُ فَيَقُولُ: يَا فُلَانُ! إِنِّي عَمِلْتُ الْبَارِحَةَ كَذَا وَكَذَا فَيَكْشِفُ سِتْرَ اللَّهِ ﷿» " قَالَ الْمُؤَلِّفُ ".
(وَذُكِرَ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ: مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ) أَيْ: وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ (فِي بَابِ الضِّيَافَةِ) . أَيْ: فِي حَدِيثٍ طَوِيلٍ ذُكِرَ فِيهِ وَسَبَبُهُ أَنَّ صَدْرَهُ مُنَاسِبٌ لِذَلِكَ الْبَابِ، فَيَكُونُ إِسْقَاطُهُ هُنَا لِلتَّكْرِيرِ فَكَلَامُهُ لِلِاعْتِذَارِ، لَكِنَّهُ مُتَضَمِّنٌ لِنَوْعٍ مِنَ الِاعْتِرَاضِ.
[ ٧ / ٣٠٣٥ ]
الْفَصْلُ الثَّانِي
٤٨٣٢ - عَنْ أَنَسٍ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " «مَنْ تَرَكَ الْكَذِبَ وَهُوَ بَاطِلٌ بُنِيَ لَهُ فِي رَبَضِ الْجَنَّةِ، وَمَنْ تَرَكَ وَهُوَ مُحِقٌّ بُنِيَ لَهُ فِي وَسَطِ الْجَنَّةِ، وَمَنْ حَسَّنَ خُلُقَهُ بُنِيَ لَهُ فِي أَعْلَاهَا» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ. وَكَذَا فِي " شَرْحِ السُّنَّةِ ". وَفِي " الْمَصَابِيحِ ". قَالَ: غَرِيبٌ.
_________________
(١) الْفَصْلُ الثَّانِي
(٢) (عَنْ أَنَسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: مَنْ تَرَكَ الْكَذِبَ) أَيْ: وَقْتَ مِرَائِهِ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ الْقَرِينَةُ الْآتِيَةُ وَيَحْتَمِلُ الْإِطْلَاقَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (وَهُوَ بَاطِلٌ) جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ الشَّرْطِ وَالْجَزَاءِ لِلتَّنْفِيرِ عَنِ الْكَذِبِ، فَإِنَّ الْأَصْلَ فِيهِ أَنَّهُ بَاطِلٌ أَوْ جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ مِنَ الْمَفْعُولِ أَيْ: وَالْحَالُ أَنَّهُ بَاطِلٌ لَا مَصْلَحَةَ فِيهِ مِنْ مُرَخِّصَاتِ الْكَذِبِ كَمَا فِي الْحَرْبِ، أَوْ إِصْلَاحِ ذَاتِ الْبَيْنِ وَالْمَعَارِيضِ، أَوْ حَالٌ مِنَ الْفَاعِلِ أَيْ: وَهُوَ ذُو بَاطِلٍ بِمَعْنَى صَاحِبِ بُطْلَانٍ. (بُنِيَ لَهُ): بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ وَلَهُ نَائِبُهُ أَيْ: بَنَى اللَّهُ لَهُ قَصْرًا (فِي رَبَضِ الْجَنَّةِ) بِفَتْحِ الرَّاءِ وَالْمُوَحَّدَةِ أَيْ: نَوَاحِيهَا وَجَوَانِبِهَا مِنْ دَاخِلِهَا لَا مِنْ خَارِجِهَا، وَأَمَّا قَوْلُ شَارِحٍ: هُوَ مَا حَوْلَهَا خَارِجًا عَنْهَا تَشْبِيهًا بِالْأَبْنِيَةِ الَّتِي حَوْلَ الْمُدُنِ وَتَحْتَ الْقِلَاعِ، فَهُوَ صَرِيحُ اللُّغَةِ، لَكِنَّهُ غَيْرُ صَحِيحِ الْمَعْنَى، فَإِنَّهُ خِلَافُ الْمَنْقُولِ، وَيُؤَدِّي إِلَى الْمَنْزِلَةِ بَيْنَ الْمَنْزِلَتَيْنِ حِسًّا كَمَا قَالَهُ الْمُعْتَزِلَةُ مَعْنًى، فَالصَّوَابُ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ أَدْنَاهَا كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: (وَمَنْ تَرَكَ الْمِرَاءَ): بِكَسْرِ الْمِيمِ أَيِ: الْجِدَالَ (وَهُوَ مُحِقٌّ) أَيْ: صَادِقٌ وَمُتَكَلِّمٌ بِالْحَقِّ (بُنِيَ لَهُ فِي وَسَطِ الْجَنَّةِ) بِفَتْحِ السِّينِ وَيُسَكَّنُ أَيْ: فِي أَوْسَطِهَا لِتَرْكِهِ كَسْرَ قَلْبِ مَنْ يُجَادِلُهُ وَدَفْعِهِ رِفْعَةَ نَفْسِهِ، وَإِظْهَارَ نَفَاسَةِ فَضْلِهِ، وَهَذَا يُشْعِرُ بِأَنَّ مَعْنَى صَدْرِ الْحَدِيثِ أَنَّ مَنْ تَرَكَ الْمِرَاءَ وَهُوَ مُبْطِلٌ، فَوُضِعَ الْكَذِبُ مَوْضِعَ الْمِرَاءِ؛ لِأَنَّهُ الْغَالِبُ فِيهِ، أَوِ الْمَعْنَى أَنَّ مَنْ تَرَكَ الْكَذِبَ وَلَوْ لَمْ يَتْرُكِ الْمِرَاءَ بُنِيَ لَهُ فِي رَبَضِ الْجَنَّةِ؛ لِأَنَّهُ حَفِظَ نَفْسَهُ عَنِ الْكَذِبِ، لَكِنْ مَا صَانَهَا عَنْ مُطْلَقِ الْمِرَاءِ، فَلِهَذَا يَكُونُ أَحَطَّ مَرْتَبَةٍ مِنْهُ. (وَمِنْ حَسَّنَ): بِتَشْدِيدِ السِّينِ أَيْ: أَحْسَنَ بِالرِّيَاضَةِ (خُلُقَهُ): بِضَمَّتَيْنِ وَيُسَكَّنُ اللَّامُ أَيْ: جَمِيعَ أَخْلَاقِهِ الَّتِي مِنْ جُمْلَتِهَا الْمِرَاءُ وَتَرْكُ الْكَذِبِ (بُنِيَ لَهُ فِي أَعْلَاهَا) أَيْ: حِسًّا وَمَعْنًى، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْخُلُقَ مُكْتَسَبٌ وَإِنْ كَانَ أَصْلُهُ غَرِيزِيًّا، وَمِنْهُ خَبَرٌ صَحِيحٌ: «اللَّهُمَّ حَسِّنْ خُلُقِي كَمَا حَسَّنْتَ خَلْقِي»، وَكَذَا خَبْرُ مُسْلِمٍ: «اللَّهُمَّ اهْدِنِي لِأَحْسَنِ الْأَخْلَاقِ لَا يَهْدِي لِأَحْسَنِهَا إِلَّا أَنْتَ» . قَالَ الْإِمَامُ حُجَّةُ الْإِسْلَامِ: حَدُّ
[ ٧ / ٣٠٣٥ ]
الْمِرَاءِ الِاعْتِرَاضُ عَلَى كَلَامِ الْغَيْرِ بِإِظْهَارِ خَلَلٍ فِيهِ، إِمَّا لَفْظًا أَوْ مَعْنًى، أَوْ فِي قَصْدِ الْمُتَكَلِّمِ وَتَرْكِ الْمِرَاءِ بِتَرْكِ الْإِنْكَارِ وَالِاعْتِرَاضِ، فَكُلُّ كَلَامٍ سَمِعْتَهُ فَإِنْ كَانَ حَقًّا فَصَدِّقْ بِهِ، وَإِنْ كَانَ بَاطِلًا وَلَمْ يَكُنْ مُتَعَلِّقًا بِأُمُورِ الدِّينِ فَاسْكُتْ عَنْهُ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ) . وَتَمَامُهُ: لَا يُعْرَفُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ سَلَمَةَ بْنِ وَرْدَانَ. قَالَ مِيرَكُ: نَقْلًا عَنِ التَّصْحِيحِ: وَسَلَمَةُ تُكِلَّمَ فِيهِ، لَكِنْ حَسَّنَ حَدِيثَهُ التِّرْمِذِيُّ وَلِلْحَدِيثِ شَوَاهِدُ اهـ. فَالْحَدِيثُ حَسَنٌ لِذَاتِهِ أَوْ لِغَيْرِهِ (وَكَذَا فِي شَرْحِ السُّنَّةِ) أَيْ: حَسَنٌ (وَفِي الْمَصَابِيحِ قَالَ: غَرِيبٌ) أَيْ: إِسْنَادًا لِمَا سَبَقَ، وَهُوَ لَا يُنَافِي كَوْنَهُ حَسَنًا كَمَا قَرَّرْنَاهُ.
[ ٧ / ٣٠٣٦ ]
٤٨٣٣ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " «أَتُدْرُونَ مَا أَكْثَرُ مَا يُدْخِلُ النَّاسَ الْجَنَّةَ؟ تَقْوَى اللَّهِ، وَحُسْنُ الْخُلُقِ. أَتُدْرُونَ مَا أَكْثَرُ مَا يُدْخِلُ النَّاسَ النَّارَ؟ الْأَجْوَفَانِ: الْفَمُ وَالْفَرْجُ» " رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ.
_________________
(١) (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " أَتُدْرُونَ مَا أَكْثَرُ مَا يُدْخِلُ النَّاسَ الْجَنَّةَ؟) أَيْ: مَا أَكْثَرُ أَسْبَابِ إِدْخَالِهِمُ الْجَنَّةَ مَعَ الْفَائِزِينَ (تَقْوَى اللَّهِ): وَأَقَلُّهَا التَّقْوَى عَنِ الشِّرْكِ، وَأَعْلَاهَا عَنْ خُطُورِ مَا سِوَى اللَّهِ (وَحُسْنُ الْخُلُقِ) . أَيْ: مَعَ الْخَلْقِ، وَأَدْنَاهُ تَرْكُ أَذَاهُمْ، وَأَعْلَاهُ الْإِحْسَانُ إِلَى مَنْ أَسَاءَ إِلَيْهِ مِنْهُمْ، وَفِيهِ مُبَادَرَةٌ إِلَى الْجَوَابِ حَيْثُ يَعْلَمُ جَهْلَ أَهْلِ الْخِطَابِ، وَفَائِدَةُ إِيرَادِ السُّؤَالِ أَوَّلًا إِبْهَامٌ وَتَفْصِيلٌ وَهُمَا يُوجِبَانِ إِيقَاعَ الْكَلَامِ وَتَأْثِيرَهُ فِي النُّفُوسِ أَكْثَرَ. («أَتُدْرُونَ مَا أَكْثَرُ مَا يُدْخِلُ النَّاسَ النَّارَ؟ الْأَجْوَفَانِ») أَيِ: الْمُجَوَّفَانِ أَوِ الْمُعْتَلَّانِ الْوَسَطِ عِلَّةً مَعْنَوِيَّةً (الْفَمُ وَالْفَرْجُ)؛ لِأَنَّ الْمَرْءَ غَالِبًا بِسَبَبِهِمَا يَقَعُ فِي مُخَالَفَةِ الْخَالِقِ وَتَرْكِ الْمُخَالَفَةِ مَعَ الْمَخْلُوقِ، وَبِهِ يَظْهَرُ الِارْتِبَاطُ بَيْنَ الْقَرِينَتَيْنِ مِنَ الْكَلَامِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِحَقِيقَةِ الْمَرَامِ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ قَوْلُهُ: تَقْوَى اللَّهِ إِشَارَةٌ إِلَى حُسْنِ الْمُعَامَلَةِ مَعَ الْخَالِقِ بِأَنْ يَأْتِيَ جَمِيعَ مَا أَمَرَهُ بِهِ، وَيَنْتَهِيَ عَمَّا نَهَى عَنْهُ، وَحُسْنُ الْخُلُقِ إِشَارَةٌ إِلَى حُسْنِ الْمُعَامَلَةِ مَعَ الْخَلْقِ، وَهَاتَانِ الْخَصْلَتَانِ مُوجِبَتَانِ لِدُخُولِ الْجَنَّةِ، وَنَقِيضُهُمَا النَّارُ، فَأَوْقَعَ الْفَمَ وَالْفَرْجَ مُقَابِلًا لَهُمَا، أَمَّا الْفَمُ فَمُشْتَمِلٌ عَلَى اللِّسَانِ وَحِفْظِ مَلَاكِ أَمْرِ الدِّينِ كُلِّهِ، وَأَكْلُ الْحَلَالِ رَأْسُ التَّقْوَى كُلِّهِ، وَأَمَّا الْفَرْجُ فَصَوْنُهُ مِنْ أَعْظَمِ مَرَاتِبِ الدِّينِ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ﴾ [المؤمنون: ٥]؛ لِأَنَّ هَذِهِ الشَّهْوَةَ أَغْلَبُ الشَّهَوَاتِ عَلَى الْإِنْسَانِ، وَأَعْصَاهُ عَلَى الْعَقْلِ عِنْدَ الْهَيَجَانِ، وَمَنْ تَرَكَ الزِّنَا خَوْفًا مِنَ اللَّهِ تَعَالَى مَعَ الْقُدْرَةِ وَارْتِفَاعِ الْمَوَانِعِ، وَتَيَسُّرِ الْأَسْبَابِ لَا سِيَّمَا عِنْدَ صِدْقِ الشَّهْوَةِ وَصَلَ إِلَى دَرَجَةِ الصِّدِّيقِينَ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى - فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ [النازعات: ٤٠ - ٤١] وَقِصَّةُ الرَّشِيدِ فِي تَعْلِيقِ طَلَاقِ زُبَيْدَةَ مَعَ الْإِمَامِ أَبِي يُوسُفَ مَشْهُورَةٌ، وَمَعْنَى الْأَكْثَرِيَّةِ فِي الْقَرِينَتَيْنِ أَنَّ أَكْثَرَ أَسْبَابِ السَّعَادَةِ الْأَبَدِيَّةِ الْجَمْعُ بَيْنَ هَاتَيْنِ الْخَلَّتَيْنِ، وَأَنَّ أَكْثَرَ أَسْبَابِ الشَّقَاوَةِ السَّرْمَدِيَّةِ الْجَمْعُ بَيْنَ هَاتَيْنِ الْخَصْلَتَيْنِ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ) .
[ ٧ / ٣٠٣٦ ]
٤٨٣٤ - وَعَنْ بِلَالِ بْنِ الْحَارِثِ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنَ الْخَيْرِ مَا يَعْلَمُ مَبْلَغَهَا يَكْتُبُ اللَّهُ لَهُ بِهَا رِضْوَانَهُ إِلَى يَوْمِ يَلْقَاهُ. وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنَ الشَّرِّ مَا يَعْلَمُ مَبْلَغَهَا يَكْتُبُ اللَّهُ بِهَا عَلَيْهِ سَخَطَهُ إِلَى يَوْمِ يَلْقَاهُ» ". رَوَاهُ " فِي شَرْحِ السُّنَّةِ ". وَرَوَى مَالِكٌ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ نَحْوَهُ.
_________________
(١) (وَعَنْ بِلَالِ بْنِ الْحَارِثِ): قَالَ الْمُؤَلِّفُ فِي فَصْلِ الصَّحَابَةِ: هُوَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمُزَنِيُّ سَكَنَ بِالِاسْتِعْرَاءِ وَرَاءَ الْمَدِينَةِ، رَوَى عَنْهُ ابْنُهُ الْحَارِثُ وَعَلْقَمَةُ بْنُ الْوَقَّاصِ، مَاتَ سَنَةَ سِتِّينَ وَلَهُ ثَمَانُونَ سَنَةً. (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إِنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنَ الْخَيْرِ): مِنْ بَيَانِيَّةٌ (مَا يَعْلَمُ) أَيِ: الرَّجُلُ (مَبْلَغَهَا) أَيْ: قَدْرَ تِلْكَ
[ ٧ / ٣٠٣٦ ]
الْكَلِمَةِ وَمَرْتَبَتَهَا عِنْدَ اللَّهِ وَالْجُمْلَةُ حَالٌ أَيْ: وَالْحَالُ أَنَّهُ يَظُنُّ أَنَّهَا يَسِيرَةٌ قَلِيلَةٌ، وَهَى عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمَةٌ جَلِيلَةٌ (يَكْتُبُ اللَّهُ) أَيْ: يُثْبِتُ وَيُدِيمُ (لَهُ بِهَا رِضْوَانَهُ): بِكَسْرِ الرَّاءِ وَيُضَمُّ أَيْ: رِضَاهُ، وَهُوَ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ بَابِ إِضَافَةِ الْمَصْدَرِ إِلَى فَاعِلِهِ أَوْ مَفْعُولِهِ، وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ لِمُقَابَلَةِ الْقَرِينَةِ الْآتِيَةِ (إِلَى يَوْمِ يَلْقَاهُ) . بِكَسْرِ الْمِيمِ فِي أَكْثَرِ النُّسَخِ، وَبِفَتْحِهَا فِي بَعْضِهَا وَبِالتَّنْوِينِ فِي بَعْضِهَا، وَالضَّمِيرُ الْبَارِزُ فِي يَلْقَاهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ إِلَى الْيَوْمِ، وَالْمُسْتَتِرُ إِلَى الرَّجُلِ، وَيُمْكِنُ عَكْسُهُ تَجَوُّزًا، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ أَحَدُ الضَّمِيرَيْنِ إِلَى اللَّهِ، وَالْآخَرُ إِلَى الرَّجُلِ فَتَأَمَّلْ. («وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنَ الشَّرِّ مَا يَعْلَمُ مَبْلَغَهَا يَكْتُبُ اللَّهُ بِهَا عَلَيْهِ سَخَطَهُ») أَيْ: غَضَبَهُ (إِلَى يَوْمِ يَلْقَاهُ) . قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: هِيَ الْكَلِمَةُ عِنْدَ السُّلْطَانِ، فَالْأُولَى لِيَرُدَّهُ بِهَا عَنْ ظُلْمٍ، وَالثَّانِيَةُ لِيَجُرَّهُ بِهَا إِلَى ظُلْمٍ، وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: لَا أَعْلَمُ خِلَافًا فِي تَفْسِيرِهَا بِذَلِكَ نَقَلَهُ السُّيُوطِيُّ.
قَالَ الطِّيبِيُّ فَإِنْ قُلْتَ: مَا مَعْنَى قَوْلِهِ: يَكْتُبُ اللَّهُ لَهُ بِهَا رِضْوَانَهُ، وَمَا فَائِدَةُ التَّوْقِيتِ إِلَى يَوْمِ يَلْقَاهُ؟ قُلْتُ: مَعْنَى كَتْبِهِ رِضْوَانَ اللَّهِ تَوْفِيقُهُ لِمَا يُرْضِي اللَّهَ تَعَالَى مِنَ الطَّاعَاتِ وَالْمُسَارَعَةِ إِلَى الْخَيْرَاتِ، فَيَعِيشُ فِي الدُّنْيَا حَمِيدًا، وَفِي الْبَرْزَخِ يُصَانُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَيُفْسَحُ لَهُ قَبْرُهُ، وَيُقَالُ لَهُ: نَمْ كَنَوْمَةِ الْعَرُوسِ الَّذِي لَا يُوقِظُهُ إِلَّا أَحَبُّ أَهْلِهِ إِلَيْهِ، وَيُحْشَرُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ سَعِيدًا، وَيُظِلُّهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي ظِلِّهِ، ثُمَّ يَلْقَى بَعْدَ ذَلِكَ مِنَ الْكَرَامَةِ وَالنَّعِيمِ الْمُقِيمِ فِي الْجَنَّةِ، ثُمَّ يَفُوزُ بِلِقَاءِ اللَّهِ مَا كُلُّ ذَلِكَ دُونَهُ، وَفِي عَكْسِهِ قَوْلُهُ: يَكْتُبُ اللَّهُ بِهَا عَلَيْهِ سَخَطَهُ، وَنَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى لِإِبْلِيسَ: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ﴾ [ص: ٧٨]، (رَوَاهُ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ) أَيْ: هَذَا اللَّفْظَ (وَرَوَى مَالِكٌ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، نَحْوَهُ) أَيْ: بِمَعْنَاهُ وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: رَوَاهُ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ، عَنْ بِلَالِ بْنِ الْحَارِثِ مَرْفُوعًا وَلَفْظُهُ: " «إِنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ رِضْوَانِ اللَّهِ تَعَالَى مَا يَظُنُّ أَنْ تَبْلُغَ مَا بَلَغَتْ، فَيَكْتُبُ اللَّهُ لَهُ بِهَا رِضْوَانَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ اللَّهِ مَا يَظُنُّ أَنْ تَبْلُغَ مَا بَلَغَتْ، فَيَكْتُبُ اللَّهُ عَلَيْهِ بِهَا سَخَطَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ» " وَفِي الْإِحْيَاءِ: وَكَانَ عَلْقَمَةُ يَقُولُ: وَكَمْ مِنْ كَلَامٍ مَنَعْنِيهِ حَدِيثُ بِلَالِ بْنِ الْحَارِثِ.
[ ٧ / ٣٠٣٧ ]
٤٨٣٥ - وَعَنْ بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " «وَيْلٌ لِمَنْ يُحَدِّثُ فَيَكْذِبُ لِيُضْحِكَ بِهِ الْقَوْمَ، وَيْلٌ لَهُ، وَيْلٌ لَهُ» ". رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالدَّارِمِيُّ.
_________________
(١) (وَعَنْ بَهْزِ): بِفَتْحِ مُوَحَّدَةٍ وَسُكُونِ هَاءٍ فَزَايٍ (بْنِ حَكِيمٍ) تَابِعِيٌّ قَالَ الْمُصَنِّفُ: قَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيهِ، رَوَى عَنْهُ جَمَاعَةٌ، وَلَمْ يُخْرِجِ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ فِي صَحِيحَيْهِمَا شَيْئًا مِنْهُ. وَقَالَ ابْنُ عَدِيٍّ: وَلَمْ أَرَ حَدِيثَهُ مُنْكَرًا (عَنْ أَبِيهِ) أَيْ: حَكِيمِ بْنِ مُعَاوِيَةَ الْقُشَيْرِيِّ الْبَصْرِيِّ قَالَ الْبُخَارِيُّ: فِي صُحْبَتِهِ نَظَرٌ، رَوَى عَنْهُ ابْنُ أَخِيهِ مُعَاوِيَةُ بْنُ حَكِيمٍ وَقَتَادَةُ. (عَنْ جَدِّهِ) أَيْ: مُعَاوِيَةَ بْنِ حَيْدَةَ بِفَتْحِ حَاءٍ مُهْمَلَةٍ فَسُكُونِ تَحْتِيَّةٍ وَدَالٍ مُهْمَلَةٍ لَمْ يَذْكُرْهُ الْمُؤَلِّفُ. (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: وَيْلٌ) أَيْ: هَلَاكٌ عَظِيمٌ أَوْ وَادٍ عَمِيقٌ فِي جَهَنَّمَ (لِمَنْ يُحَدِّثُ) أَيْ: لِمَنْ يُخْبِرُ النَّاسَ (فَيَكْذِبُ) أَيْ: لَا يَصْدُقُ فِي تَحْدِيثِهِ وَإِخْبَارِهِ (لِيُضْحِكَ): بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَكَسْرِ حَائِهِ (بِهِ) أَيْ: بِسَبَبِ تَحْدِيثِهِ أَوِ الْكَذِبِ (الْقَوْمَ) بِالنَّصْبِ عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولٌ ثَانٍ. هَكَذَا فِي النُّسَخِ وَيَجُوزُ فَتْحُ الْيَاءِ وَالْحَاءِ وَرَفْعُ الْقَوْمِ، ثُمَّ الْمَفْهُومُ مِنْهُ أَنَّهُ إِذَا حَدَّثَ بِحَدِيثِ صِدْقٍ لِيُضْحِكَ الْقَوْمَ فَلَا بَأْسَ بِهِ، كَمَا صَدَرَ مِثْلُ ذَلِكَ مِنْ عُمَرَ ﵁ مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - حِينَ غَضِبَ عَلَى بَعْضِ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ. قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَحِينَئِذٍ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مِنْ قَبِيلِ مُزَاحِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - فَلَا يَكُونُ إِلَّا حَقًّا وَلَا يُؤْذِي قَلْبًا وَلَا يُفَرِّطُ فِيهِ، فَإِنْ كُنْتَ أَيُّهَا السَّامِعُ تَقْتَصِرُ عَلَيْهِ أَحْيَانًا وَعَلَى النُّدُورِ، فَلَا حَرَجَ عَلَيْكَ، وَلَكِنْ مِنَ الْغَلَطِ الْعَظِيمِ أَنْ يَتَّخِذَ الْإِنْسَانُ الْمُزَاحَ حِرْفَةً، وَيُوَاظِبَ عَلَيْهِ، وَيُفَرِّطَ فِيهِ، ثُمَّ يَتَمَسَّكَ لِفِعْلِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - فَهُوَ كَمَنْ يَدُورُ مَعَ الزُّنُوجِ أَبَدًا لِيَنْظُرَ إِلَى رَقْصِهِمْ، وَيَتَمَسَّكَ بِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ -
[ ٧ / ٣٠٣٧ ]
أَذِنَ لِعَائِشَةَ - ﵂ - فِي النَّظَرِ إِلَيْهِمْ وَهُمْ يَلْعَبُونَ (وَيْلٌ لَهُ، وَيْلٌ لَهُ) إِنَّمَا أَعَادَهُ مَرَّتَيْنِ لِلتَّأْكِيدِ أَوْ أَوَّلُهَا لِلْبَرْزَخِ، وَثَانِيهَا لِلْمَوْقِفِ، وَثَالِثُهَا لِلنَّارِ. (رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ) . أَيْ وَقَالَ: حَسَنٌ اهـ. وَقَدْ تَكَلَّمَ بَعْضُهُمْ فِي بَهْزٍ وَوَثَّقَهُ جَمَاعَةٌ ذَكَرَهُ مِيرَكُ. (وَأَبُو دَاوُدَ، وَالدَّارِمِيُّ) . وَكَذَا النَّسَائِيُّ وَالْحَاكِمُ.
[ ٧ / ٣٠٣٨ ]
٤٨٣٦ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " «إِنَّ الْعَبْدَ لَيَقُولُ الْكَلِمَةَ لَا يَقُولُهَا إِلَّا لِيُضْحِكَ بِهِ النَّاسَ، يَهْوِي بِهَا أَبْعَدَ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، وَإِنَّهُ لَيَزِلُّ عَنْ لِسَانِهِ أَشَدَّ مِمَّا يَزِلُّ عَنْ قَدَمِهِ» ". رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي " شُعَبِ الْإِيمَانِ ".
_________________
(١) (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " إِنَّ الْعَبْدَ) أَيِ: الشَّخْصَ (لَيَقُولُ الْكَلِمَةَ) أَيِ: الْكَاذِبَةَ (لَا يَقُولُهَا إِلَّا لِيُضْحِكَ بِهِ النَّاسَ) أَيْ: بِتَلَفُّظِهَا أَوِ الْمُرَادُ بِهَا الْكَلَامُ عَلَى أَنَّهَا كَلِمَةٌ لُغَوِيَّةٌ وَالْمُسْتَثْنَى مِنْ أَعَمَّ عَامُّ الْغَرَضِ (يَهْوِي): بِفَتْحِ الْيَاءِ وَكَسْرِ الْوَاوِ أَيْ: يَسْقُطُ فِي جَهَنَّمَ (بِهَا) أَيْ: بِسَبَبِهَا (أَبْعَدَ) أَيْ: هَوْيًا وَسُقُوطًا أَبْعَدَ (مِمَّا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ) وَفِي نُسْخَةٍ: أَبْعَدَ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ يَبْعُدُ بِهِمَا عَنِ الْخَيْرِ وَالرَّحْمَةِ بُعْدًا أَبْعَدَ مَا بَيْنَهُمَا (وَإِنَّهُ) أَيِ: الْعَبْدُ، وَالْمُرَادُ بِهِ الْجِنْسُ، فَلَا يُرَدُّ أَنَّ الْمَعْرِفَةَ إِذَا أُعِيدَتْ تَكُونُ عَيْنَ الْأَوَّلِ فَتَأَمَّلْ. (لَيَزِلُّ): بِفَتْحِ اللَّامِ وَالْيَاءِ وَكَسْرِ الزَّايِ وَتَشْدِيدِ اللَّامِ أَيْ: لَيَعْثُرُ وَيَزْلِقُ وَيَخْطَأُ (عَنْ لِسَانِهِ) أَيْ: عَنْ جِهَتِهِ وَمِنْ قِبَلِهِ وَبِسَبَبِهِ (أَشَدَّ) أَيْ: زَلَلًا أَقْوَى وَأَكْثَرَ (مِمَّا يَزِلُّ عَنْ قَدَمِهِ) وَالْمَعْنَى: أَنَّ صُدُورَ الْكَذِبِ وَنَحْوِهِ عَنْ لِسَانِهِ أَضَرُّ عَلَيْهِ مِنْ ضَرَرِ سُقُوطِهِ عَنْ رِجْلِهِ عَلَى وَجْهِهِ، فَإِنَّ الضَّرَرَ الْبَدَنِيَّ أَهْوَنُ مِنَ الضَّرَرِ الدِّينِيِّ. قَالَ الطِّيبِيُّ، قَوْلُهُ: وَإِنَّهُ لَيَزِلُّ عَنْ لِسَانِهِ تَمْثِيلٌ بَعْدَ تَمْثِيلٍ مَثَّلَ أَوَّلًا مَضَرَّتَهُ مِنْهَا فِي جَاهِهِ، وَسُقُوطَهُ مِنْ مَنْزِلَتِهِ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى بِمَنْ سَقَطَ مِنْ أَعْلَى مَكَانٍ إِلَى أَدْنَاهُ، ثُمَّ مَثَّلَ ثَانِيًا مَضَرَّتَهُ بِهَا فِي نَفْسِهِ، وَمَا يَلْحَقُهُ مِنَ الْمَشَقَّةِ وَالتَّعَبِ بِمَنْ يَتَرَدَّدُ فِي وَحْلٍ عَظِيمٍ فَيَدْحَضُ قَدَمَاهُ فِي تِلْكَ الْمَزَالِقِ قَلَّمَا يَتَخَلَّصُ مِنْهَا. (رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ) . قَالَ مِيرَكُ نَاقِلًا عَنِ التَّصْحِيحِ: وَرَوَاهُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ مِنْ طَرِيقِ مَكْحُولٍ مِنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَرَوَاهُ صَاحِبُ الْمَصَابِيحِ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ بِهَذَا اللَّفْظِ مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قُلْتُ: وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ بِلَفْظِ: " «إِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مَا تَبَيَّنَ فِيهَا يَزِلُّ بِهَا فِي النَّارِ أَبْعَدَ مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ» ". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالشَّيْخَانِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. وَفِي رِوَايَةٍ لِلتِّرْمِذِيِّ وَابْنِ مَاجَهْ وَالْحَاكِمِ عَنْهُ بِلَفْظِ: " «إِنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ لَا يَرَى بِهَا بَأْسًا يَهْوِي بِهَا سَبْعِينَ خَرِيفًا فِي النَّارِ» ". وَفِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ وَلَفْظُهُ: " «إِنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ لَا يُرِيدُ بِهَا بَأْسًا لِيُضْحِكَ بِهَا الْقَوْمَ وَإِنَّهُ لَيَقَعُ بِهَا أَبْعَدَ مِنَ السَّمَاءِ» ".
[ ٧ / ٣٠٣٨ ]
٤٨٣٧ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو - ﵄ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " «مَنْ صَمَتَ نَجَا» ". رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالدَّارِمِيُّ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي " شُعَبِ الْإِيمَانِ ".
_________________
(١) (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: مَنْ صَمَتَ) أَيْ: سَكَتَ عَنِ الشَّرِّ (نَجَا) أَيْ: فَازَ وَظَفَرَ بِكُلِّ خَيْرٍ، أَوْ نَجَا مِنْ آفَاتِ الدَّارَيْنِ. قَالَ الرَّاغِبُ: الصَّمْتُ أَبْلَغُ مِنَ السُّكُوتِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يُسْتَعْمَلُ فِيمَا لَا قُوَّةَ لَهُ لِلنُّطْقِ وَفِيمَا لَهُ قُوَّةُ النُّطْقِ؛ وَلِهَذَا قِيلَ لِمَا لَا نُطْقَ لَهُ الصَّامِتُ وَالْمُصْمَتُ، وَالسُّكُوتُ يُقَالُ لِمَا لَهُ نُطْقٌ فَيَتْرُكُ اسْتِعْمَالَهُ. وَقَالَ الْغَزَالِيُّ: اعْلَمْ أَنَّ مَا ذَكَرَهُ - ﷺ - مِنْ فَصْلِ الْخِطَابِ وَجَوَامِعِ الْكَلِمِ وَجَوَاهِرِ الْحِكَمِ، وَلَا يَعْرِفُ أَحَدٌ مَا تَحْتَ كَلِمَاتِهِ مِنْ بِحَارِ الْمَعَانِي إِلَّا خَوَاصُّ الْعُلَمَاءِ، وَذَلِكَ أَنَّ خَطَرَ اللِّسَانِ عَظِيمٌ وَآفَاتُهُ كَثِيرَةٌ مِنَ الْخَطَأِ وَالْكَذِبِ وَالنَّمِيمَةِ وَالْغِيبَةِ وَالرِّيَاءِ وَالسُّمْعَةِ وَالنِّفَاقِ وَالْفُحْشِ وَالْمِرَاءِ وَتَزْكِيَةِ النَّفْسِ وَالْخَوْضِ فِي الْبَاطِلِ وَغَيْرِهَا. وَمَعَ ذَلِكَ النَّفْسُ مَائِلَةٌ إِلَيْهَا؛ لِأَنَّهَا سَبَّاقَةٌ إِلَى اللِّسَانِ لَا تَثْقُلُ عَلَيْهِ وَلَهَا حَلَاوَةٌ فِي النَّفْسِ وَعَلَيْهَا بَوَاعِثُ مِنَ
[ ٧ / ٣٠٣٨ ]
الطَّبْعِ وَالشَّيْطَانِ، فَالْخَائِضُ فِيهَا قَلَّمَا يَقْدِرُ عَلَى أَنْ يَزُمَّ اللِّسَانَ فَيُطْلِقَهُ بِمَا يَجِبُ، وَيَكُفَّهُ عَمَّا لَا يَجِبُ، فَفِي الْخَوْضِ خَطَرٌ، وَفِي الصَّمْتِ سَلَامَةٌ مَعَ مَا فِيهِ مِنْ جَمْعِ الْهَمِّ وَدَوَامِ الْوَقَارِ وَالْفَرَاغَةِ لِلْفِكْرِ وَالْعِبَادَةِ وَالذِّكْرِ وَالسَّلَامَةِ مِنْ تَبِعَاتِ الْقَوْلِ فِي الدُّنْيَا، وَمِنْ حِسَابِهِ فِي الْعُقْبَى، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: ١٨] وَيَدُلُّكَ عَلَى لُزُومِ الصَّمْتِ أَمْرٌ، وَهُوَ أَنَّ الْكَلَامَ أَرْبَعَةُ أَقْسَامِ قِسْمٌ هُوَ ضَرَرٌ مَحْضٌ، وَقِسْمٌ هُوَ نَفْعٌ مَحْضٌ، وَقِسْمٌ فِيهِ ضَرَرٌ وَمَنْفَعَةٌ، وَقِسْمٌ لَا ضَرَرَ فِيهِ وَلَا مَنْفَعَةَ، أَمَّا الَّذِي هُوَ ضَرَرٌ مَحْضٌ، فَلَا بُدَّ مِنَ السُّكُوتِ عَنْهُ، وَكَذَلِكَ مَا فِيهِ ضَرَرٌ وَمَنْفَعَةٌ لَا تَفِي بِالضَّرَرِ، وَأَمَّا مَا لَا مَنْفَعَةَ فِيهِ وَلَا ضَرَرَ فَهُوَ فُضُولٌ، وَالِاشْتِغَالُ بِهِ تَضْيِيعُ زَمَانٍ، وَهُوَ عَيْنُ الْخُسْرَانِ ظَاهِرًا، فَلَا يَبْقَى إِلَّا الْقِسْمُ الرَّابِعُ، وَفِيهِ خَطَرٌ إِذَا قَدْ يَمْتَزِجُ بِهِ مَا فِيهِ إِثْمٌ مِنْ دَقَائِقِ الرِّيَاءِ وَالتَّصَنُّعِ وَالْغِيبَةِ وَتَزْكِيَةِ النَّفْسِ وَفُضُولِ الْكَلَامِ امْتِزَاجًا يَخْفَى مَدْرَكُهُ، فَيَكُونُ الْإِنْسَانُ بِهِ مُخَاطِرًا اهـ. وَحَاصِلُهُ أَنَّ آفَاتَ اللِّسَانِ غَيْرُ مَحْصُورَةٍ، وَفِي الصَّمْتِ خَلَاصٌ مِنْهَا، وَقَدْ قِيلَ: اللِّسَانُ جُرْمُهُ صَغِيرٌ وَجُرْمُهُ كَبِيرٌ وَكَثِيرٌ. (رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالدَّارِمِيُّ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ) .
[ ٧ / ٣٠٣٩ ]
٤٨٣٨ - وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ - ﵁ - قَالَ: «لَقِيتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - فَقُلْتُ: مَا النَّجَاةُ؟ فَقَالَ: " أَمْلِكْ عَلَيْكَ لِسَانَكَ، وَلْيَسَعْكَ بَيْتُكَ، وَابْكِ عَلَى خَطِيئَتِكَ» " رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ.
_________________
(١) (وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ) أَيِ: الْجُهَنِيِّ (قَالَ: لَقِيتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - فَقُلْتُ: مَا النَّجَاةُ؟) أَيْ: مَا نَجَاةُ هَذَا الْأَمْرِ حَتَّى نَتَعَلَّقَ بِهِ، أَوْ مَا الْخَلَاصُ عَنِ الْآفَاتِ حَتَّى أَحْتَرِسَ بِهِ؟ (فَقَالَ: أَمْلِكْ عَلَيْكَ لِسَانَكَ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِ اللَّامِ أَيِ: احْفَظْ لِسَانَكَ عَمَّا لَيْسَ فِيهِ خَيْرٌ كَمَا قَالَهُ شَارِحٌ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّ مَعْنَاهُ أَمْسِكْ لِسَانَكَ حَافِظًا عَلَيْكَ أُمُورَكَ، مُرَاعِيًا لِأَحْوَالِكَ، فَفِيهِ نَوْعٌ مِنَ التَّضْمِينِ، وَفِي النِّهَايَةِ أَيْ: لَا تُجْرِهِ إِلَّا بِمَا يَكُونُ لَكَ لَا عَلَيْكَ اهـ. وَهُوَ حَاصِلُ الْمَعْنَى كَمَا لَا يَخْفَى. وَعَنْ بَعْضِهِمْ أَيِ: اجْعَلْ لِسَانَكَ مَمْلُوكًا لَكَ فِيمَا عَلَيْكَ وَبَالُهُ وَتَبِعَتُهُ، فَأَمْسِكْهُ عَمَّا يَضُرُّكَ وَأَطْلِقْهُ فِيمَا يَنْفَعُكَ اهـ. وَهُوَ نَاظِرٌ إِلَى أَنَّ الصِّيغَةَ مِنَ الثُّلَاثِي الْمُجَرَّدِ، فَفِي الْقَامُوسِ مَلَكَهُ يَمْلِكُهُ مِلْكًا مُثَلَّثَةً: احْتَوَاهُ قَادِرًا عَلَى الِاسْتِبْدَادِيَّةِ، وَأَمْلَكَهُ الشَّيْءَ إِيَّاهُ تَمْلِيكًا بِمَعْنَى، لَكِنَّ النُّسَخَ الْمُصَحَّحَةَ وَالْأُصُولَ الْمُعْتَمَدَةَ بِصِيغَةِ الْمَزِيدِ مَضْبُوطَةٌ، نَعَمْ كَتَبَ مِيرَكْشَاهْ عَلَى هَامِشِ كِتَابِهِ: الظَّاهِرُ امْلِكْ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ مِنَ الثُّلَاثِيِّ الْمُجَرَّدِ مُتَعَدٍّ، لَكِنْ فِي الْأَصْلِ صُحِّحَ مِنَ الثُّلَاثِي الْمَزِيدِ فِيهِ، وَلَيْسَ بِظَاهِرٍ، تَأَمَّلْ. قُلْتُ: لَعَلَّ الزِّيَادَةَ لِزِيَادَةِ الْمُبَالَغَةِ فِي التَّعْدِيَةِ فَتَدَبَّرْ، هَذَا وَقَدْ قَالَ الطِّيبِيُّ: هَذَا الْجَوَابُ مِنْ أُسْلُوبِ الْحَكِيمِ، سُئِلَ عَنْ حَقِيقَةِ النَّجَاةِ؟ فَأَجَابَ عَنْ سَبَبِهِ؛ لِأَنَّهُ أَهَمُّ بِحَالِهِ، وَأَوْلَى. وَكَانَ الظَّاهِرُ أَنْ يَقُولَ: حِفْظُ اللِّسَانِ، فَأَخْرَجَهُ عَلَى سَبِيلِ الْأَمْرِ الَّذِي يَقْتَضِي الْوُجُوبَ مَزِيدًا لِلتَّقْرِيرِ وَالِاهْتِمَامِ اهـ. وَمَا فِيهِ مِنَ التَّكَلُّفِ لَا يَخْفَى، بَلْ مِنَ التَّعَسُّفِ فِي حَقِّ الصَّحَابِيِّ، فَإِنَّهُ جَعَلَ الْعُدُولَ عَنْ مَعْرِفَتِهِ حَقِيقَةَ النَّجَاةِ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ أَوْلَى، فَالصَّوَابُ أَنَّ تَقْدِيرَ السُّؤَالِ مَا سَبَبُ النَّجَاةِ بِقَرِينَةِ الْجَوَابِ، وَقَدْ أَشَرْنَا فِيمَا تَقَدَّمَ إِلَى تَقْرِيرِ تَقْدِيرٍ آخَرَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (وَلْيَسَعْكَ): بِكَسْرِ اللَّامِ وَيُسَكَّنُ (بَيْتُكَ) بِأَنْ تَسْكُنَ فِيهِ وَلَا تَخْرُجَ مِنْهُ إِلَّا لِضَرُورَةٍ، وَلَا تَضْجَرْ مِنَ الْجُلُوسِ فِيهِ، بَلْ تَجْعَلْهُ مِنْ بَابِ الْغَنِيمَةِ فَإِنَّهُ سَبَبُ الْخَلَاصِ مِنَ الشَّرِّ وَالْفِتْنَةِ؛ وَلِذَا قِيلَ: هَذَا زَمَانُ السُّكُوتِ وَمُلَازَمَةُ الْبُيُوتِ وَالْقَنَاعَةُ بِالْقُوتِ إِلَى أَنْ يَمُوتَ. قَالَ الطِّيبِيُّ: الْأَمْرُ فِي الظَّاهِرِ وَارِدٌ عَلَى الْبَيْتِ، وَفِي الْحَقِيقَةِ عَلَى الْمُخَاطَبِ أَيْ: تَعَرَّضَ لِمَا هُوَ سَبَبٌ لِلُزُومِ الْبَيْتِ مِنَ الِاشْتِغَالِ بِاللَّهِ، وَالْمُؤَانَسَةِ بِطَاعَتِهِ، وَالْخَلْوَةِ عَنِ الْأَغْيَارِ (وَابْكِ عَلَى خَطِيئَتِكَ) . أَيِ: ابْكِ إِنْ تَقْدِرْ، وَإِلَّا فَتَبَاكَ نَادِمًا عَلَى مَعْصِيَتِكَ فِيمَا سَبَقَ مِنْ أَيَّامِ حَيَاتِكَ. قَالَ الطِّيبِيُّ: ضَمَّنَ بَكَى مَعْنَى النَّدَامَةِ، وَعَدَّاهُ بِعَلَى أَيِ: انْدَمْ عَلَى خَطِيئَتِكَ بَاكِيًا. (رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ) رَوَى ابْنُ نَافِعٍ وَالطَّبَرَانِيُّ عَنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ صَدْرَ الْحَدِيثِ فَقَطْ، وَهُوَ: أَمْلِكْ عَلَيْكَ لِسَانَكَ.
[ ٧ / ٣٠٣٩ ]
٤٨٣٩ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ - ﵁ - رَفَعَهُ قَالَ: " «إِذَا أَصْبَحَ ابْنُ آدَمَ، فَإِنَّ الْأَعْضَاءَ كُلَّهَا تُكَفِّرُ اللِّسَانَ، فَتَقُولُ: اتَّقِ اللَّهَ فِينَا، فَإِنَّمَا نَحْنُ بِكَ، فَإِنِ اسْتَقَمْتَ اسْتَقَمْنَا، وَإِنِ اعْوَجَجْتَ اعْوَجَجْنَا» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
_________________
(١) (وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ) أَيِ: الْخُدْرِيِّ (رَفَعَهُ)، أَيْ: أَسْنَدَ الْحَدِيثَ إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ - وَإِنَّمَا أَبْهَمَهُ الرَّاوِي ; لِأَنَّهُ شَكَّ فِي كَيْفِيَّةِ رَفْعِهِ، أَنَّهُ هَلْ هُوَ بِصِيغَةِ السَّمْعِ أَوِ الْقَوْلِ وَنَحْوِهِمَا؟ (قَالَ: إِذَا أَصْبَحَ ابْنُ آدَمَ) أَيْ: دَخَلَ فِي الصَّبَاحِ وَهُوَ مِفْتَاحُ بَابِ النَّجَاحِ ; لِأَنَّ آفَاتِ اللِّسَانِ إِنَّمَا هِيَ بِمُعَاشَرَةِ الْإِخْوَانِ، وَهِيَ فِي النَّهَارِ أَكْثَرُ بِاعْتِبَارِ أَغْلَبِ الْأَزْمَانِ (فَإِنَّ الْأَعْضَاءَ) أَيِ: الَّتِي يَتَأَتَّى مِنْهَا الْعِصْيَانُ أَوْ مُطْلَقُهَا، فَإِنَّ لَهَا تَعَلُّقًا مَا فِي الْحَرَكَاتِ وَالسَّكَنَاتِ لِلْإِنْسَانِ، وَيُؤَيِّدُهُ تَأْكِيدُهَا بِقَوْلِهِ: (كُلَّهَا تُكَفِّرُ): بِتَشْدِيدِ الْفَاءِ الْمَكْسُورَةِ أَيْ: تَتَذَلَّلُ وَتَتَوَاضَعُ (اللِّسَانَ): مِنْ قَوْلِهِمْ: كَفَرَ الْيَهُودِيُّ: إِذَا خَضَعَ مُطَأْطِئًا رَأْسَهُ وَانْحَنَى لِتَعْظِيمِ صَاحِبِهِ، كَذَا قَالَهُ شَارِحٌ. وَفِي النِّهَايَةِ: التَّكْفِيرُ هُوَ أَنْ يَنْحَنِيَ الْإِنْسَانُ وَيُطَأْطِئَ رَأْسَهُ قَرِيبًا مِنَ الرُّكُوعِ كَمَا يَفْعَلُ مَنْ يُرِيدُ تَعْظِيمَ صَاحِبِهِ (فَتَقُولُ) أَيِ: الْأَعْضَاءُ لَهُ (اتَّقِ اللَّهَ فِينَا)، أَيْ: فِي حِفْظِ حُقُوقِنَا (فَإِنَّمَا نَحْنُ بِكَ)، أَيْ: نَتَعَلَّقُ وَنَسْتَقِيمُ وَنَعْوَجُّ بِكَ (فَإِنِ اسْتَقَمْتَ اسْتَقَمْنَا، وَإِنِ اعْوَجَجْتَ اعْوَجَجْنَا): قَالَ الطِّيبِيُّ، فَإِنْ قُلْتَ: كَيْفَ التَّوْفِيقُ بَيْنَ هَذَا الْحَدِيثِ وَبَيْنَ قَوْلِهِ - ﷺ: " «إِنَّ فِي الْجَسَدِ لَمُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ» ". قُلْتُ: اللِّسَانُ تُرْجُمَانُ الْقَلْبِ وَخَلِيفَتُهُ فِي ظَاهِرِ الْبَدَنِ، فَإِذَا أُسْنِدَ إِلَيْهِ الْأَمْرُ يَكُونُ عَلَى سَبِيلِ الْمَجَازِ فِي الْحُكْمِ كَمَا فِي قَوْلِكَ: شَفَى الطَّبِيبُ الْمَرِيضَ. قَالَ الْمَيْدَانِيُّ قَوْلُهُ: الْمَرْءُ بِأَصْغَرَيْهِ، يَعْنِي بِهِمَا الْقَلْبَ وَاللِّسَانَ أَيْ: يَقُومُ وَيُكْمِلُ مَعَانِيَهُ بِهِمَا، وَأَنْشَدَ لِزُهَيْرٍ: وَكَائِنٌ تَرَى مِنْ صَامِتٍ لَكَ مُعْجَبٍ زِيَادَتَهُ أَوْ نَقْصَهُ فِي التَّكَلُّمِ لِسَانُ الْفَتَى نِصْفٌ وَنِصْفٌ فُؤَادُهُ فَلَمْ يَبْقَ إِلَّا صُورَةُ اللَّحْمِ وَالدَّمِ اهـ. وَلَا يَخْفَى ظُهُورُ تَوَقُّفِ صَلَاحِ الْأَعْضَاءِ وَفَسَادِهَا عَلَى الْقَلْبِ بِحَسْبِ صَلَاحِهِ وَفَسَادِهِ، فَإِنَّهُ مَعْدِنُ الْأَخْلَاقِ الْكَرِيمَةِ، كَمَا أَنَّهُ مَنْبَعُ الْأَحْوَالِ الذَّمِيمَةِ، وَنَظِيرُهُ الْمَلِكُ الْمُطَاعُ وَالرَّئِيسُ الْمُتَّبَعُ، فَإِنَّهُ إِذَا صَلَحَ الْمَتْبُوعُ صَلَحَ التَّبَعُ، وَقَدْ قَالَ بَعْضُ أَكَابِرِ الصُّوفِيَّةِ: إِنَّ الْبَطْنَ عُضْوٌ إِنْ جَاعَ هُوَ شَبِعَ سَائِرُ الْأَعْضَاءِ، يَعْنِي: سَكَنَ، فَلَا يُطَالِبُكَ بِشَيْءٍ، وَإِنْ شَبِعَ هُوَ جَاعَ سَائِرُ الْأَعْضَاءِ، وَبَيَانُهُ عَلَى مَا فِي مِنْهَاجِ الْعَابِدِينَ: أَنَّ مِنْ كَثْرَةِ الْأَكْلِ فِتْنَةَ الْأَعْضَاءِ وَانْبِعَاثَهَا لِلْفُضُولِ وَالْفَسَادِ، فَالرَّجُلُ إِذَا كَانَ شَبْعَانَ بَطِرًا اشْتَهَتْ عَيْنُهُ النَّظَرَ إِلَى مَا لَا يَعْنِيهِ مِنْ حَرَامٍ أَوْ فُضُولٍ، وَالْأُذُنُ الِاسْتِمَاعَ إِلَيْهِ، وَاللِّسَانُ التَّكَلُّمَ بِهِ، وَالْفَرْجُ الشَّهْوَةَ، وَالرِّجْلُ الْمَشْيَ إِلَيْهِ، وَإِذَا كَانَ جَائِعًا فَتَكُونُ الْأَعْضَاءُ كُلُّهَا سَاكِنَةً هَادِئَةً لَا تَطْمَحُ إِلَى شَيْءٍ مِنْ هَذَا، وَلَا تَنْشَطُ لَهُ، وَجُمْلَةُ الْأَمْرِ أَنَّ أَفْعَالَ الرَّجُلِ وَأَقْوَالَهُ عَلَى حَسَبِ طَعَامِهِ وَشَرَابِهِ إِنْ دَخَلَ الْحَرَامُ خَرَجَ الْحَرَامُ، وَإِنْ دَخَلَ الْفُضُولُ خَرَجَ الْفُضُولُ كَانَ الطَّعَامُ بَذْرَ الْأَفْعَالِ وَالْأَفْعَالُ نَبْتًا يَبْدُو مِنْهُ، فَهَذَا الْمَعْنَى ظَاهِرٌ جِدًّا فِي أَمْرِ الْقَلْبِ وَالْبَطْنِ، وَأَمَّا تَعَلُّقُ الْأَعْضَاءِ جَمِيعِهَا بِاللِّسَانِ، فَلَمْ يَظْهَرْ لِي مُدَّةً مِنَ الزَّمَانِ حَتَّى أَلْهَمَنِي اللَّهُ تَعَالَى بِبَرَكَةِ الصَّلَاةِ عَلَى نَبِيِّهِ - ﷺ - وَهُوَ أَنَّ اللِّسَانَ مِنْ أَعْضَاءِ الْإِنْسَانِ آلَةُ الْبَيَانِ لِلْكُفْرِ وَالْإِيمَانِ، فَمَعَ اسْتِقَامَتِهِ تَنْفَعُهُ اسْتِقَامَةُ سَائِرِ الْأَعْضَاءِ، وَمَعَ اعْوِجَاجِهِ تَبْطُلُ أَحْوَالُهَا، سَوَاءٌ تَكُونُ مُسْتَقِيمَةً أَوْ مُعْوَجَّةً فِي أَفْعَالِهَا، وَاللَّهُ الْمُلْهِمُ بِالصَّوَابِ، وَإِلَيْهِ الْمَرْجِعُ وَالْمَآبُ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ)، وَكَذَا ابْنُ خُزَيْمَةَ وَالْبَيْهَقِيُّ.
[ ٧ / ٣٠٤٠ ]
٤٨٤٠ - وَعَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ - ﵄ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: " «مِنْ حُسْنِ إِسْلَامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيهِ» ". رَوَاهُ مَالِكٌ، وَأَحْمَدُ.
_________________
(١) (وَعَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ)، أَيِ: ابْنُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ - ﵃ - وَهُوَ الْإِمَامُ زَيْنُ الْعَابِدِينَ، وَقَدْ سَبَقَ بَعْضُ مَنَاقِبِهِ مِنْ جُمْلَةِ مَحَاسِنِ مَرَاتِبِهِ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: مِنْ حُسْنِ إِسْلَامِ الْمَرْءِ) أَيْ: مِنْ جُمْلَةِ مَحَاسِنِ إِسْلَامِ الشَّخْصِ وَكَمَالِ إِيمَانِهِ (تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيهِ)، أَيْ: مَا لَا يُهِمُّهُ وَلَا يَلِيقُ بِهِ قَوْلًا وَفِعْلًا وَنَظَرًا
[ ٧ / ٣٠٤٠ ]
وَفِكْرًا، فَحُسْنُ الْإِسْلَامِ عِبَارَةٌ عَنْ كَمَالِهِ، وَهُوَ أَنْ تَسْتَقِيمَ نَفْسُهُ فِي الْإِذْعَانِ لِأَوَامِرِ اللَّهِ تَعَالَى وَنَوَاهِيهِ، وَالِاسْتِسْلَامِ لِأَحْكَامِهِ عَلَى وَفْقِ قَضَائِهِ وَقَدَرِهِ فِيهِ، وَهُوَ عَلَامَةُ شَرْحِ الصَّدْرِ بِنُورِ الرَّبِّ، وَنُزُولِ السِّكِّينَةِ عَلَى الْقَلْبِ، وَحَقِيقَةُ مَا لَا يَعْنِيهِ مَا لَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ فِي ضَرُورَةِ دِينِهِ وَدُنْيَاهُ، وَلَا يَنْفَعُهُ فِي مَرْضَاةِ مَوْلَاهُ بِأَنْ يَكُونَ عَيْشُهُ بِدُونِهِ مُمْكِنًا، وَهُوَ فِي اسْتِقَامَةِ حَالِهِ بِغَيْرِهِ مُتَمَكِّنًا، وَذَلِكَ يَشْمَلُ الْأَفْعَالَ الزَّائِدَةَ وَالْأَقْوَالَ الْفَاضِلَةَ، فَيَنْبَغِي لِلْمَرْءِ أَنْ يَشْتَغِلَ بِالْأُمُورِ الَّتِي يَكُونُ بِهَا صَلَاحُهُ فِي نَفْسِهِ فِي أَمْرِ زَادِهِ بِإِصْلَاحِ طَرَفَيْ مَعَاشِهِ وَمَعَادِهِ، وَبِالسَّعْيِ فِي الْكَمَالَاتِ الْعِلْمِيَّةِ وَالْفَضَائِلِ الْعَمَلِيَّةِ الَّتِي هِيَ وَسِيلَةٌ إِلَى نَيْلِ السَّعَادَاتِ الْأَبَدِيَّةِ، وَالْفَوْزِ بِالنِّعَمِ السَّرْمَدِيَّةِ، وَلَعَلَّ الْحَدِيثَ مُقْتَبَسٌ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ [المؤمنون: ٣]
قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَحَدُّ مَا لَا يَعْنِيكَ أَنْ تَتَكَلَّمَ بِكُلِّ مَا لَوْ سَكَتَّ عَنْهُ لَمْ تَأْثَمْ وَلَمْ تَتَضَرَّرْ فِي حَالٍ وَلَا مَآلٍ، وَمِثَالُهُ: أَنْ تَجْلِسَ مَعَ قَوْمٍ فَتَحْكِيَ مَعَهُمْ أَسْفَارَكَ وَمَا رَأَيْتَ فِيهَا مِنْ جِبَالٍ وَأَنْهَارٍ، وَمَا وَقَعَ لَكَ مِنَ الْوَقَائِعِ، وَمَا اسْتَحْسَنْتَهُ مِنَ الْأَطْعِمَةِ وَالثِّيَابِ، وَمَا تَعَجَّبْتَ مِنْهُ مِنْ مَشَايِخِ الْبِلَادِ وَوَقَائِعِهِمْ، فَهَذِهِ أُمُورٌ لَوْ سَكَتَّ عَنْهَا لَمْ تَأْثَمْ وَلَمْ تَتَضَرَّرْ، وَإِذَا بَالَغْتَ فِي الِاجْتِهَادِ حَتَّى لَمْ يَمْتَزِجْ بِحِكَايَتِكَ زِيَادَةٌ وَلَا نُقْصَانُ، وَلَا تَزْكِيَةُ نَفْسٍ مِنْ حَيْثُ التَّفَاخُرِ بِمُشَاهَدَةِ الْأَحْوَالِ الْعَظِيمَةِ، وَلَا اغْتِيَابٌ لِشَخْصٍ، وَلَا مَذَمَّةٌ لِشَيْءٍ مِمَّا خَلَقَهُ اللَّهُ تَعَالَى، فَأَنْتَ مَعَ ذَلِكَ كُلِّهِ مُضَيِّعُ زَمَانِكَ، وَمُحَاسَبٌ عَلَى عَمَلِ لِسَانِكَ إِذْ تَسْتَبْدِلُ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ ; لِأَنَّكَ لَوْ صَرَفْتَ زَمَانَ الْكَلَامِ فِي الذِّكْرِ وَالْفِكْرِ رُبَّمَا يَنْفَتِحُ لَكَ مِنْ نَفَحَاتِ رَحْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى مَا يَعْظُمُ جَدْوَاهُ، وَلَوْ سَبَّحْتَ اللَّهَ بُنِيَ لَكَ بِهِمَا قَصْرٌ فِي الْجَنَّةِ، وَمَنْ قَدَرَ عَلَى أَنْ يَأْخُذَ كَنْزًا مِنَ الْكُنُوزِ فَأَخَذَ بَدَلَهُ بَدْرَةً لَا يَنْتَفِعُ بِهَا كَانَ خَاسِرًا خُسْرَانًا مُبِينًا، وَهَذَا عَلَى فَرْضِ السَّلَامَةِ مِنَ الْوُقُوعِ فِي كَلَامِ الْمَعْصِيَةِ، وَأَنَّى تَسْلَمُ مِنَ الْآفَاتِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا؟ وَذُكِرَ أَنَّ بَعْضَ الْعَارِفِينَ مَرَّ عَلَى غُرْفَةٍ بُنِيَتْ فَقَالَ: مُذْ كَمْ بُنِيَتْ هَذِهِ؟ ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى نَفْسِهِ وَقَالَ: يَا نَفْسِيَ الْمَغْرُورَةُ تَسْأَلِينَ عَمَّا لَا يَعْنِيكِ وَعَاقَبَهَا بِصَوْمِ سَنَةٍ. اهـ.
وَقَدْ وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ: «لَيْسَ يَتَحَسَّرُ أَهْلُ الْجَنَّةِ إِلَّا عَلَى سَاعَةٍ مَرَّتْ بِهِمْ وَلَمْ يَذْكُرُوا اللَّهَ فِيهَا»، عَلَى مَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ عَنْ مُعَاذٍ مَرْفُوعًا. «فَطُوبَى لِمَنْ حَاسَبَ نَفْسَهُ قَبْلَ أَنْ يُحَاسَبَ» . قَالَ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ - وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [الحشر: ١٨ - ١٩] قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: كَتَبَ إِلَيْنَا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ مَنْ أَكْثَرَ ذِكْرَ الْمَوْتِ رَضِيَ مِنَ الدُّنْيَا بِالْيَسِيرِ، وَمَنْ عَدَّ كَلَامَهُ مِنْ عَمَلِهِ قَلَّ كَلَامُهُ فِيمَا لَا يَعْنِيهِ، وَقِيلَ: مَا تَكَلَّمَ الرَّبِيعُ بْنُ خَيْثَمٍ بِكَلَامِ الدُّنْيَا عِشْرِينَ سَنَةً، وَكَانَ إِذَا أَصْبَحَ وَضَعَ قِرْطَاسًا نَقِيًّا وَقَلَمًا، فَكُلُّ مَا تَكَلَّمَ بِهِ كَتَبَهُ ثُمَّ يُحَاسِبُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْمَسَاءِ، هَذَا وَعَنْ بَعْضِهِمْ " مِنْ " فِي قَوْلِهِ: مِنْ حُسْنِ إِسْلَامِ الْمَرْءِ تَبْعِيضِيَّةٌ، وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ بَيَانِيَّةً. اهـ.
وَبَيَانُهُ: أَنَّ تَرْكَهُ مَا لَا يَعْنِيهِ هُوَ حُسْنُ إِسْلَامِ الْمَرْءِ وَكَمَالُهُ فِيهِ، وَتَقَدَّمَ الْخَبَرُ لِكَوْنِ التَّرْكِيبِ مِنْ بَابِ: عَلَى التَّمْرَةِ مِثْلُهَا زُبْدًا. قَالَ الطِّيبِيُّ: وَعَلَى أَنْ تَكُونَ تَبْعِيضِيَّةً إِشَارَةٌ إِلَى قَوْلِهِ - ﷺ: " «الْإِحْسَانُ أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ» ". الْحَدِيثَ، بَعْدَ الْإِيمَانِ وَالْإِسْلَامِ، وَأَنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ التَّحْلِيَةَ مَسْبُوقَةٌ بِالتَّخْلِيَةِ، فَالتَّرْكُ بَعْضٌ مِنَ الْإِحْسَانِ، فَيَكُونُ إِشَارَةً إِلَى الِانْسِلَاخِ عَمَّا يَشْغَلُهُ عَنِ اللَّهِ، فَإِذَا أَخَذَ السَّالِكُ فِي السُّلُوكِ تَجَرَّدَ بِحَسْبِ أَحْوَالِهِ وَمَقَامَاتِهِ شَيْئًا فَشَيْئًا، مِمَّا لَا يَعْنِيهِ إِلَى أَنْ يَتَجَرَّدَ عَنْ جَمِيعِ أَوْصَافِهِ، وَيَتَوَجَّهُ بِكُلِّيَّتِهِ إِلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ، وَإِلَيْهِ يُلْمِحُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ [البقرة: ١١٢]، وَقَوْلُ إِبْرَاهِيمَ ﵇ إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ: ﴿أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة: ١٣١] قَالَ النَّوَوِيُّ: هَذَا أَحَدُ الْأَحَادِيثِ الَّتِي عَلَيْهَا مَدَارُ الْإِسْلَامِ. قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَهِيَ أَرْبَعَةٌ، الْأَوَّلُ حَدِيثُ نُعْمَانَ بْنِ بَشِيرٍ: " «الْحَلَالُ بَيِّنٌ وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ وَبَيْنَهُمَا مُشْتَبِهَاتٌ لَا يَعْلَمُهُنَّ» "، الثَّانِي: " «مِنْ حُسْنِ إِسْلَامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيهِ» ".
[ ٧ / ٣٠٤١ ]
الثَّالِثُ: " «لَا يَكُونُ الْمُؤْمِنُ مُؤْمِنًا حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ» ". الرَّابِعُ: " «الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» " وَقِيلَ بَدَلَ الثَّالِثِ: " «ازْهَدْ فِي الدُّنْيَا يُحِبَّكَ اللَّهُ، وَازْهَدْ فِيمَا فِي أَيْدِي النَّاسِ يُحِبَّكَ النَّاسُ» ". وَأَنْشَدَ الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ - ﵁ - فِي مَعْنَاهُ:
عُمْدَةُ الْخَيْرِ عِنْدَنَا كَلِمَاتٌ أَرْبَعُ قَالَهُنَّ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ
اتَّقِ الشُّبُهَاتِ وَازْهَدْ وَدَعْ مَا لَيْسَ يَعْنِيكَ وَاعْمَلْنَ بِنِيَّةِ
قُلْتُ: مَدَارُ الْأَرْبَعَةِ السُّنِّيَّةِ عَلَى تَصْحِيحِ النِّيَّةِ، فَإِنَّهُ إِذَا عَمِلَ بِالنِّيَّةِ الْمُرْتَبِطَةِ بِحُسْنِ الطَّوِيَّةِ يُورِثُ لَهُ اتِّقَاءَ الشُّبُهَاتِ أَكْلًا، وَتَرْكَ مَا لَا يَعْنِيهِ قَوْلًا وَفِعْلًا، وَيَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا الزُّهْدُ فِي الدُّنْيَا وَالزُّهْدُ فِيمَا فِي أَيْدِي النَّاسِ بِالْأَوْلَى، فَيُحِبُّ الْمُؤْمِنِينَ وَيُحِبُّونَهُ لِلَّهِ تَعَالَى، «فَنِيَّةُ الْمُؤْمِنِ خَيْرٌ مِنْ عَمَلِهِ»، كَمَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ، وَقَدْ جَعَلْتُ فِي شَرْحِهِ رِسَالَةً تُعَيِّنُ مَبَانِيَهُ وَتُبَيِّنُ مَعَانِيَهُ. (رَوَاهُ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ) أَيْ: عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ.
[ ٧ / ٣٠٤٢ ]
٤٨٤١ - وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي " شُعَبِ الْإِيمَانِ " عَنْهُمَا.
_________________
(١) (وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَالتِّرْمِذِيُّ) أَيْ: فِي جَامِعِهِ (وَالْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ عَنْهُمَا) . أَيْ: عَنْ عَلِيٍّ وَأَبِي هُرَيْرَةَ مَعًا، إِمَّا فِي حَدِيثٍ وَاحِدٍ أَوْ فِي حَدِيثَيْنِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالطَّبَرَانِيُّ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَالْحَاكِمُ فِي الْكُنَى عَنْ أَبِي بَكْرٍ، وَالشِّيرَازِيُّ عَنْ أَبِي ذَرٍّ، وَالْحَاكِمُ فِي تَارِيخِهِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَالطَّبَرَانِيُّ فِي الصَّغِيرِ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ. وَابْنُ عَسَاكِرَ عَنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ. قَالَ الْمُؤَلِّفُ: هُوَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، يُكْنَى أَبَا الْحَسَنِ الْمَعْرُوفُ بِزَيْنِ الْعَابِدِينَ، مِنْ أَكَابِرِ سَادَاتِ أَهْلِ الْبَيْتِ، وَمِنْ أَجِلَّةِ التَّابِعِينَ وَأَعْيَانِهِمْ. اهـ. فَكَانَ حَقُّهُ أَنْ يَقُولَ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ أَوْ أَوَّلِهِ: مُرْسَلًا، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ (عَنْ أَبِيهِ) سَاقِطًا أَوْ وَقَعَ تَغْيِيرٌ بِتَقْدِيمٍ وَتَأْخِيرٍ مِنْ أَحَدٍ مِنَ الرُّوَاةِ أَوِ الْمُصَنِّفِينَ، وَأَصْلُهُ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ عَلَى مَا نَقَلْنَاهُ عَنِ الْجَامِعِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، ثُمَّ رَأَيْتُ كَلَامَ مَيْرَكَ حَيْثُ قَالَ: حَدِيثُ " «مِنْ حُسْنِ إِسْلَامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيهِ» ". رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالتِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَقَالَ: غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ. قَالَ: وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، عَنْ مَالِكٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ: " «إِنَّ مِنْ حُسْنِ إِسْلَامِ الْمَرْءِ» " إِلَخْ. قَالَ. وَهَكَذَا رَوَى غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِ الزُّهْرِيِّ عَنْهُ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ نَحْوَ حَدِيثِ مَالِكٍ. قَالَ: وَهَذَا عِنْدَنَا أَصَحُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. اهـ. كَلَامُ التِّرْمِذِيِّ، وَطَرِيقُهُ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ جَيِّدَةٌ. وَقَالَ النَّوَوِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ قَالَ الشَّيْخُ الْجَزَرِيُّ، وَقَالَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْحُفَّاظِ: الصَّوَابُ أَنَّهُ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - مُرْسَلٌ، كَذَا قَالَهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَعِينٍ وَالْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُمْ، وَكَذَا رَوَاهُ مَالِكٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ، ذَكَرَهُ الْمُنْذِرِيُّ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
[ ٧ / ٣٠٤٢ ]
٤٨٤٢ - وَعَنْ أَنَسٍ - ﵁ - قَالَ: «تُوُفِّيَ رَجُلٌ مِنَ الصَّحَابَةِ. فَقَالَ رَجُلٌ: أَبْشِرْ بِالْجَنَّةِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: " أَوَلَا تَدْرِي، فَلَعَلَّهُ تَكَلَّمَ فِيمَا لَا يَعْنِيهِ، أَوْ بَخِلَ بِمَا لَا يُنْقِصُهُ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
_________________
(١) (وَعَنْ أَنَسٍ - ﵁ - قَالَ: تُوُفِّيَ رَجُلٌ مِنَ الصَّحَابَةِ، فَقَالَ رَجُلٌ: أَبْشِرْ بِالْجَنَّةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: أَوَلَا تَدْرِي) . بِفَتْحِ الْوَاوِ أَنَّهَا عَاطِفَةٌ عَلَى مَحْذُوفٍ أَيْ: تُبَشِّرُ وَلَا تَدْرِي، أَوْ أَتَقُولُ هَذَا وَلَا تَدْرِي مَا تَقُولُ، أَوْ عَلَى أَنَّهَا لِلْحَالِ أَيْ: وَالْحَالُ أَنَّكَ لَا تَدْرِي، وَفِي نُسْخَةٍ بِسُكُونِهَا وَهِيَ رِوَايَةٌ فَـ (أَوْ) عَاطِفَةٌ عَلَى مُقَدَّرٍ أَيْضًا أَيْ: أَتَدْرِي أَنَّهُ مِنْ أَهْلِهَا أَوْ لَا تَدْرِي، وَالْمَعْنَى: بِأَيِّ شَيْءٍ عَلِمْتَ ذَلِكَ، أَوْ كَيْفَ دَرَيْتَ مَا لَمْ يَدْرِ غَيْرُكَ؟ (فَلَعَلَّهُ تَكَلَّمَ فِيمَا لَا يَعْنِيهِ)، أَيْ: فِيمَا يَضُرُّهُ وَلَا يَنْفَعُهُ (أَوْ بَخِلَ بِمَا لَا يُنْقِصُهُ) . أَيْ: مِمَّا لَا يُغْنِيهِ فِيمَا يَجِبُ عَلَيْهِ بَذْلُهُ مِنَ الْعِبَادَاتِ الْمَالِيَّةِ أَوِ الْمَسَائِلِ الْعِلْمِيَّةِ، أَوْ إِعْطَاءِ الْمَاعُونِ بِالْعَارِيَةِ، وَالضَّمِيرُ الْمَنْصُوبُ لِلرَّجُلِ.
[ ٧ / ٣٠٤٢ ]
وَالْمَرْفُوعُ لِمَا قَالَ الْغَزَالِيُّ، وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ: «أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - فَقَدَ كَعْبًا فَسَأَلَ عَنْهُ، فَقَالُوا: مَرِيضٌ، فَخَرَجَ يَمْشِي حَتَّى أَتَاهُ، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ قَالَ: " أَبْشِرْ يَا كَعْبُ " فَقَالَتْ أُمُّهُ: هَنِيئًا لَكَ الْجَنَّةُ يَا كَعْبُ. فَقَالَ: " مَنْ هَذِهِ الْمُتَأَلِّيَةُ عَلَى اللَّهِ؟ " قَالَ: هِيَ أُمِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: " وَمَا يُدْرِيكِ يَا أُمَّ كَعْبٍ، لَعَلَّ كَعْبًا قَالَ مَا لَا يَعْنِيهِ، أَوْ مَنَعَ مَا لَا يُغْنِيهِ» ". وَمَعْنَاهُ أَنَّهُ إِنَّمَا تَتَهَنَّأُ الْجَنَّةُ لِمَنْ لَا يُحَاسَبُ وَلَا يُعَاقَبُ، وَمَنْ تَكَلَّمَ فِيمَا لَا يَعْنِيهِ حُوسِبَ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ مُبَاحًا فَلَا تَتَهَنَّأُ لَهُ الْجَنَّةُ مَعَ الْمُنَاقَشَةِ فِي الْحِسَابِ، فَإِنَّهُ نَوْعٌ مِنَ الْعَذَابِ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) . وَرِجَالُهُ رِجَالُ الصَّحِيحَيْنِ إِلَّا سُلَيْمَانَ بْنَ عَبْدِ الْجَبَّارِ الْبَغْدَادِيَّ شَيْخَ التِّرْمِذِيِّ، وَقَدْ ذَكَرَهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي الثِّقَاتِ، كَذَا فِي التَّصْحِيحِ. وَقَالَ الْمُنْذِرِيُّ: رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: غَرِيبٌ. اهـ. وَرُوَاتُهُ ثِقَاتٌ.
وَرَوَى ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا، وَأَبُو يَعْلَى «عَنْ أَنَسٍ أَيْضًا قَالَ: اسْتُشْهِدَ مِنَّا رَجُلٌ يَوْمَ أُحُدٍ، فَوُجِدَ عَلَى بَطْنِهِ صَخْرَةٌ مَرْبُوطَةٌ مِنَ الْجُوعِ، فَمَسَحَتْ أُمُّهُ التُّرَابَ عَنْ وَجْهِهِ وَقَالَتْ: هَنِيئًا لَكَ يَا بُنَيَّ الْجَنَّةُ. فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ: " مَا يُدْرِيكِ لَعَلَّهُ كَانَ يَتَكَلَّمُ فِيمَا لَا يَعْنِيهِ وَيَمْنَعُ مَا لَا يَضُرُّهُ» ". وَرَوَى أَبُو يَعْلَى أَيْضًا، وَالْبَيْهَقِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: «قُتِلَ رَجُلٌ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - شَهِيدًا، فَبَكَتْ عَلَيْهِ أُمُّهُ وَقَالَتْ: وَاشَهِيدَاهُ. فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ: " مَا يُدْرِيكِ أَنَّهُ شَهِيدٌ لَعَلَّهُ كَانَ يَتَكَلَّمُ فِيمَا لَا يَعْنِيهِ أَوْ يَبْخَلُ بِمَا لَا يُنْقِصُهُ» ". وَفَّقَنَا اللَّهُ لِمَا يَعْنِينَا وَعَنْ سِوَى مَرْضَاتِهِ يُغْنِينَا.
[ ٧ / ٣٠٤٣ ]
٤٨٤٣ - «وَعَنْ سُفْيَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الثَّقَفِيِّ - ﵁ - قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا أَخْوَفُ مَا تَخَافُ عَلَيَّ؟ قَالَ: فَأَخَذَ بِلِسَانِ نَفْسِهِ وَقَالَ: " هَذَا» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ.
_________________
(١) (وَعَنْ سُفْيَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ) أَيْ: ابْنُ رَبِيعَةَ (الثَّقَفِيِّ) قَالَ الْمُؤَلِّفُ: يُكْنَى أَبَا عَمْرٍو، يُعَدُّ فِي أَهْلِ الطَّائِفِ لَهُ صُحْبَةٌ، وَكَانَ عَامِلًا لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ عَلَى الطَّائِفِ، وَقَالَ الْجَزَرِيُّ: وَقَعَ فِي بَعْضِ نُسَخِ الْمَصَابِيحِ سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الثَّقَفِيُّ، وَالصَّوَابُ سُفْيَانُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ. (قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا أَخْوَفُ مَا تَخَافُ عَلَيَّ؟): " مَا " الْأُولَى اسْتِفْهَامِيَّةٌ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ أَخْوَفُ، وَهُوَ اسْمُ تَفْضِيلٍ بُنِيَ لِلْمَفْعُولِ نَحْوَ: أَشْهَدُ وَأَلْوَمُ وَأَشْعَلُ، وَ" مَا " الثَّانِيَةُ مُضَافٌ إِلَيْهِ لِـ (أَخْوَفُ) وَهِيَ مَوْصُولَةٌ، وَالْعَائِدُ مَحْذُوفٌ أَيْ: أَيُّ شَيْءٍ أَخْوَفُ أَشْيَاءَ تَخَافُ مِنْهَا عَلَيَّ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ. " مَا " فِي (مَا تَخَافُ) يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً أَوْ مَوْصُوفَةً، وَأَنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً عَلَى طَرِيقَةِ جَدَّ جَدُّهُ وَجَنَّ جُنُونُهُ وَخَشِيتُ خَشْيَتَهُ. (قَالَ) أَيْ: سُفْيَانُ (فَأَخَذَ) أَيِ: النَّبِيُّ - ﷺ - (بِلِسَانِ نَفْسِهِ): الْبَاءُ زَائِدَةٌ لِمَزِيدِ التَّعْدِيَةِ (وَقَالَ: هَذَا): هُوَ مُبْتَدَأٌ أَوْ خَبَرٌ، وَالْمَعْنَى هَذَا أَكْثَرُ خَوْفِي عَلَيْكَ مِنْهُ. قَالَ فِي الْإِحْيَاءِ: وَإِنَّمَا أَسْنَدَ - ﷺ - شِدَّةَ خَوْفِهِ عَلَى أُمَّتِهِ فِي سَائِرِ الْأَخْبَارِ إِلَى اللِّسَانِ ; لِأَنَّهُ أَعْظَمُ الْأَعْضَاءِ عَمَلًا، إِذْ مَا مِنْ طَاعَةٍ وَمَعْصِيَةٍ إِلَّا وَلَهُ فِيهَا مَجَالٌ، فَمَنْ أَطْلَقَ عَذَبَةَ اللِّسَانِ وَأَهْمَلَهُ مُرَخَّى الْعِنَانَ سَلَكَ بِهِ الشَّيْطَانُ فِي كُلِّ مَيْدَانٍ، وَسَاقَهُ إِلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ إِلَى أَنْ يَضْطَرَّهُ إِلَى الْبَوَارِ، وَلَا يَكُبُّ النَّاسَ عَلَى مَنَاخِرِهِمْ فِي النَّارِ إِلَّا حَصَائِدُ أَلْسِنَتِهِمْ، وَلَا يُنَجِّي مِنْ شَرِّهِ إِلَّا أَنْ يُقَيَّدَ بِلِجَامِ الشَّرْعِ، وَعِلْمُ مَا يُحْمَدُ إِطْلَاقُ اللِّسَانِ فِيهِ أَوْ يُذَمُّ غَامِضٌ عَزِيزٌ، وَالْعَمَلُ بِمُقْتَضَاهُ عَلَى مَنْ عَرَفَهُ ثَقِيلٌ عَسِيرٌ، لَكِنْ عَلَى مَا يَسَّرَهُ اللَّهُ يَسِيرٌ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ) . قَالَ مِيرَكُ: وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ، وَالْحَاكِمُ وَقَالَ: صَحِيحُ الْإِسْنَادِ.
[ ٧ / ٣٠٤٣ ]
٤٨٤٤ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ - ﵄ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: " «إِذَا كَذَبَ الْعَبْدُ تَبَاعَدَ عَنْهُ الْمَلَكُ مِيلًا مِنْ نَتْنِ مَا جَاءَ بِهِ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
_________________
(١) (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: إِذَا كَذَبَ الْعَبْدُ تَبَاعَدَ عَنْهُ الْمَلَكُ) أَيِ: الْحَفَظَةُ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ لَفْظُ عَنْهُ مُؤَخَّرٌ (مِيلًا): وَهُوَ ثُلُثُ الْفَرْسَخِ أَوْ قِطْعَةٌ مِنَ الْأَرْضِ أَوْ مَدُّ الْبَصَرِ، ذَكَرَهُ ابْنُ الْمَلَكِ (مِنْ نَتْنِ مَا جَاءَ بِهِ) . أَيْ: عُفُونَتُهُ وَهُوَ بِفَتْحِ النُّونِ وَسُكُونِ التَّاءِ. فِي الْقَامُوسِ: هُوَ ضِدُّ الْفَرَحِ، وَالْمَعْنَى مِنْ نَتْنِ شَيْءٍ جَاءَ ذَلِكَ الشَّيْءُ بِالنَّتْنِ أَيْ: مِنْ نَتْنِ الْكَذِبِ، أَوْ جَاءَ الْعَبْدُ بِهِ وَالْبَاءُ لِلتَّعْدِيَةِ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) . وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ بِلَفْظِ: " إِذَا كَذَبَ الْعَبْدُ كَذِبَةً ". إِلَخْ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو نُعَيْمٍ فِي الْحِلْيَةِ.
[ ٧ / ٣٠٤٣ ]
٤٨٤٥ - وَعَنْ سُفْيَانَ بْنِ أَسَدٍ الْحَضْرَمِيِّ - ﵁ - قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يَقُولُ: " «كَبُرَتْ خِيَانَةً أَنْ تُحَدِّثَ أَخَاكَ حَدِيثًا هُوَ لَكَ بِهِ مُصَدِّقٌ وَأَنْتَ لَهُ كَاذِبٌ» ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
_________________
(١) (وَعَنْ سُفْيَانَ بْنِ أَسَدٍ): بِفَتْحَتَيْنِ وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ، بَلْ هِيَ الْأَصَحُّ أَسِيدٌ بِفَتْحٍ فَكَسْرٍ فَتَحْتِيَّةٍ سَاكِنَةٍ (الْحَضْرَمِيِّ): زَادَ الْمُؤَلِّفُ فِي أَسْمَائِهِ: الشَّامِيُّ، رَوَى عَنْهُ جُبَيْرُ بْنُ نَفِيرٍ حَدِيثَهُ فِي الْحِمْصِيِّينَ ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ فِي الصَّحَابَةِ وَقَالَ: أَسِيدٌ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِ السِّينِ، وَهُوَ الْأَكْثَرُ، وَالثَّانِيَةُ بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَالثَّالِثَةِ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَالسِّينِ وَحَذْفِ الْيَاءِ. (قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يَقُولُ: كَبُرَتْ): بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ أَيْ: عَظُمَتْ (خِيَانَةً): تَمْيِيزٌ (أَنْ تُحْدِّثَ أَخَاكَ): فَاعِلُ كَبُرَتْ. قَالَ شَارِحٌ: أَنَّثَهُ بِاعْتِبَارِ التَّمْيِيزِ إِذْ هُوَ فَاعِلٌ مَعْنًى، وَقِيلَ بِتَأْوِيلِ الْخَصْلَةِ أَوِ الْفَعْلَةِ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: أُنِّثَ الْفِعْلُ لَهُ بِاعْتِبَارِ الْمَعْنَى ; لِأَنَّهُ يَعْنِي أَنَّ التَّحْدِيثَ نَفْسُ الْخِيَانَةِ، وَفِيهِ مَعْنَى التَّعَجُّبِ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [غافر: ٣٥]، الْكَشَّافُ: هَذَا مِنْ أَفْصَحِ الْكَلَامِ وَأَبْلَغِهِ فِي مَعْنَاهُ، فَإِنَّهُ قَصَدَ فِي (كَبُرَ) التَّعَجُّبَ مِنْ غَيْرِ لَفْظِهِ، وَمَعْنَى التَّعَجُّبِ تَعَظُّمُ الْأَمْرِ فِي قُلُوبِ السَّامِعِينَ ; لِأَنَّ التَّعَجُّبَ لَا يَكُونُ إِلَّا مِنْ شَيْءٍ خَارِجٍ عَنْ نَظَائِرِهِ وَأَشْكَالِهِ. اهـ. كَلَامُهُ. وَالْمَعْنَى: جِنَايَةٌ عَظِيمَةٌ مِنْكَ إِذَا حَدَّثْتَ أَخَاكَ الْمُسْلِمَ. (حَدِيثًا هُوَ لَكَ بِهِ مُصَدِّقٌ وَأَنْتَ بِهِ) أَيْ: لَهُ كَمَا فِي رِوَايَةٍ (كَاذِبٌ) . أَيْ: بِحَدِيثٍ كَذِبٍ، وَهُوَ يَعْتَمِدُ عَلَيْكَ وَيَثِقُ بِقَوْلِكَ، وَظَنَّ بِكَ أَنَّكَ مُسْلِمٌ لَا تَكْذِبُ فَيُصَدِّقُكَ، وَالْحَالُ أَنَّكَ كَاذِبٌ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) . وَكَذَا الْبُخَارِيُّ فِي الْأَدَبِ عَنْهُ، وَرَوَاهُ أَحْمَدُ وَالطَّبَرَانِيُّ عَنِ النَّوَّاسِ.
[ ٧ / ٣٠٤٤ ]
٤٨٤٦ - وَعَنْ عَمَّارٍ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: " «مَنْ كَانَ ذَا وَجْهَيْنِ فِي الدُّنْيَا، كَانَ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لِسَانَانِ مِنْ نَارٍ» ". رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ.
_________________
(١) (وَعَنْ عَمَّارٍ) أَيِ: ابْنِ يَاسِرٍ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: مَنْ كَانَ ذَا وَجْهَيْنِ فِي الدُّنْيَا)، قِيلَ: الْمُرَادُ بِهِ مَنْ يُرِي نَفْسَهُ عِنْدَ شَخْصٍ أَنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ مُحِبِّيهِ وَنَاصِحِيهِ، وَهُوَ يُحَدِّثُ فِي غَيْبَتِهِ بِمَسَاوِئِهِ. وَقِيلَ: الْمَعْنَى مَنْ كَانَ مَعَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ عَدُوَّيْنِ كَأَنَّهُ صَدِيقُهُ، وَيَظُنُّ أَنَّهُ نَاصِرٌ لَهُ وَيَذُمُّ هَذَا عِنْدَ ذَلِكَ وَذَلِكَ عِنْدَ هَذَا. (كَانَ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لِسَانَانِ مِنْ نَارٍ. رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ) وَكَذَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، لَكِنْ بِلَفْظِ: " «مَنْ كَانَ لَهُ وَجْهَانِ» " إِلَخْ. وَقَالَ مِيرَكُ نَقْلًا عَنِ الْمُنْذِرِيِّ: حَدِيثُ عَمَّارٍ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ. وَقَالَ الْعِرَاقِيُّ: حَدِيثُ عَمَّارٍ: " «وَمَنْ كَانَ لَهُ وَجْهَانِ» " الْبُخَارِيُّ فِي كِتَابِ الْأَدَبِ الْمُفْرِدِ، وَأَبُو دَاوُدَ بِسَنَدٍ حَسَنٍ.
[ ٧ / ٣٠٤٤ ]
٤٨٤٧ - وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: " «لَيْسَ الْمُؤْمِنُ بِالطَّعَّانِ، وَلَا بِاللَّعَّانِ، وَلَا الْفَاحِشِ، وَلَا الْبَذِيءِ» " رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي " شُعَبِ الْإِيمَانِ ". وَفِي أُخْرَى لَهُ: " «وَلَا الْفَاحِشِ الْبَذِيءِ» "، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ.
_________________
(١) (وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: لَيْسَ الْمُؤْمِنُ) أَيِ: الْكَامِلُ (بِالطَّعَّانِ) أَيْ: عَيَّابًا لِلنَّاسِ (وَلَا بِاللَّعَّانِ)، وَلَعَلَّ اخْتِيَارَ صِيغَةِ الْمُبَالَغَةِ فِيهِمَا ; لِأَنَّ الْكَامِلَ قَلَّ أَنْ يَخْلُوَ عَنِ الْمَنْقَصَةِ لَا بِالْكُلِّيَّةِ (وَلَا الْفَاحِشِ)، أَيْ: فَاعِلُ الْفُحْشِ أَوْ قَائِلُهُ. وَفِي النِّهَايَةِ أَيْ: مَنْ لَهُ الْفُحْشُ فِي كَلَامِهِ وَفِعَالِهِ قِيلَ أَيِ: الشَّاتِمُ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الشَّتْمُ الْقَبِيحُ الَّذِي يَقْبُحُ ذِكْرُهُ. (وَلَا الْبَذِيءِ) . بِفَتْحِ مُوَحَّدَةٍ وَكَسْرِ ذَالٍ مُعْجَمَةٍ وَتَشْدِيدِ تَحْتِيَّةٍ، وَفِي نُسْخَةٍ بِسُكُونِهَا وَهَمْزَةٍ بَعْدَهَا، وَهُوَ الَّذِي لَا حَيَاءَ لَهُ كَمَا قَالَهُ بَعْضُ الشُّرَّاحِ. وَفِي النِّهَايَةِ: الْبَذَاءُ بِالْمَدِّ الْفُحْشُ فِي الْقَوْلِ وَهُوَ بَذِيءُ اللِّسَانِ، وَقَدْ يُقَالُ بِالْهَمْزِ وَلَيْسَ بِكَثِيرٍ. اهـ. فَعَلَى هَذَا يُخَصُّ الْفَاحِشُ بِالْفِعْلِ لِئَلَّا يَلْزَمَ التِّكْرَارُ، أَوْ يُحْمَلُ عَلَى الْعُمُومِ، وَالثَّانِي يَكُونُ تَخْصِيصًا بَعْدَ تَعْمِيمٍ بِزِيَادَةِ الِاهْتِمَامِ بِهِ لِأَنَّهُ مُتَعَدٍّ، وَقَدْ يُقَالُ: عَطْفُ تَفْسِيرٍ وَ(لَا) زَائِدَةٌ، وَيُؤَيِّدُهُ الرِّوَايَةُ الْآتِيَةُ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ)، أَيْ: فِي جَامِعِهِ (وَالْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ، وَفِي أُخْرَى لَهُ) أَيْ: وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى لِلْبَيْهَقِيِّ: (وَلَا الْفَاحِشِ الْبَذِيءِ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ) . قَالَ مِيرَكُ: وَرِجَالُهُ رِجَالُ الصَّحِيحَيْنِ، سِوَى مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى شَيْخِ التِّرْمِذِيِّ، وَثَّقَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَالدَّارَقُطْنِيُّ، وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْبُخَارِيُّ فِي تَارِيخِهِ، وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ، وَالْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ.
[ ٧ / ٣٠٤٤ ]
٤٨٤٨ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ - ﵄ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: " «لَا يَكُونُ الْمُؤْمِنُ لَعَّانًا ". وَفِي رِوَايَةٍ: " لَا يَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنِ أَنْ يَكُونَ لَعَّانًا» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
_________________
(١) (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: لَا يَكُونُ الْمُؤْمِنُ) أَيِ: الْكَامِلُ (لَعَّانًا)، أَيْ: كَثِيرَ اللَّعْنِ وَإِنْ كَانَ قَدْ يَتَبَادَرُ مِنْهُ أَحْيَانًا (وَفِي رِوَايَةٍ: لَا يَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنِ) أَيْ: مُطْلَقًا (أَنْ يَكُونَ لَعَّانًا. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) .
[ ٧ / ٣٠٤٥ ]
٤٨٤٩ - وَعَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: «(لَا تَلَاعَنُوا بِلَعْنَةِ اللَّهِ، وَلَا بِغَضَبِ اللَّهِ، وَلَا بِجَهَنَّمَ ". وَفِي رِوَايَةٍ " وَلَا بِالنَّارِ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ.
_________________
(١) (وَعَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: لَا تَلَاعَنُوا): بِحَذْفِ إِحْدَى التَّاءَيْنِ (بِلَعْنَةِ اللَّهِ)، أَيْ: لَا يَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا، فَلَا يَقُلْ أَحَدٌ لِمُسْلِمٍ مُعَيَّنٍ عَلَيْكَ لَعْنَةُ اللَّهِ مَثَلًا (وَلَا بِغَضَبِ اللَّهِ)، بِأَنْ يَقُولَ غَضَبُ اللَّهِ عَلَيْكَ (وَلَا بِجَهَنَّمَ): بِأَنْ يَقُولَ: لَكَ جَهَنَّمُ أَوْ مَأْوَاكَ. (وَفِي رِوَايَةٍ: وَلَا بِالنَّارِ) . بِأَنْ يَقُولَ أَدْخَلَكَ اللَّهُ النَّارَ أَوِ النَّارُ مَثْوَاكَ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ أَيْ: لَا تَدْعُوَا النَّاسَ بِمَا يُبْعِدُهُمُ اللَّهُ مِنْ رَحْمَتِهِ إِمَّا صَرِيحًا كَمَا تَقُولُونَ: لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ أَوْ كِنَايَةٌ كَمَا تَقُولُونَ عَلَيْهِ غَضَبُ اللَّهِ أَوْ أَدْخَلَهُ اللَّهُ النَّارَ، فَقَوْلُهُ: لَا تَلَاعَنُوا مِنْ بَابِ الْمَجَازِ ; لِأَنَّهُ فِي بَعْضِ أَفْرَادِهِ حَقِيقَةٌ، وَفِي بَعْضِهِ مَجَازٌ، وَهَذَا مُخْتَصٌّ بِمُعَيَّنٍ ; لِأَنَّهُ يَجُوزُ اللَّعْنُ بِالْوَصْفِ الْأَعَمِّ كَقَوْلِهِ: ﴿فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٨٩]، وَبِالْأَخَصِّ قَوْلِهِ: " «لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْيَهُودِ» " أَوْ عَلَى كَافِرٍ مُعَيَّنٍ مَاتَ عَلَى الْكُفْرِ كَفِرْعَوْنَ وَأَبِي جَهْلٍ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ) . وَكَذَا الْحَاكِمُ وَلَفْظُهُمْ: وَلَا بِالنَّارِ عَلَى مَا فِي الْجَامِعِ.
[ ٧ / ٣٠٤٥ ]
٤٨٥٠ - وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ - ﵁ - قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يَقُولُ: " «إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا لَعَنَ شَيْئًا صَعِدَتِ اللَّعْنَةُ إِلَى السَّمَاءِ، فَتُغْلَقُ أَبْوَابُ السَّمَاءِ دُونَهَا، ثُمَّ تَهْبِطُ إِلَى الْأَرْضِ فَتُغْلَقُ أَبْوَابُهَا دُونَهَا، ثُمَّ تَأْخُذُ يَمِينًا وَشِمَالًا، فَإِذَا لَمْ تَجِدْ مَسَاغًا رَجَعَتْ إِلَى الَّذِي لُعِنَ، فَإِنْ كَانَ لِذَلِكَ أَهْلًا، وَإِلَّا رَجَعَتْ إِلَى قَائِلِهَا» " رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
_________________
(١) (وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ - ﵁ - قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يَقُولُ: إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا لَعَنَ شَيْئًا صَعِدَتْ): بِكَسْرِ الْعَيْنِ أَيْ: طَلَعَتْ (اللَّعْنَةُ): وَكَأَنَّهَا تَتَجَسَّدُ (إِلَى السَّمَاءِ) أَيْ: جِهَةَ الْعُلُوِّ (فَتُغْلَقُ أَبْوَابُ السَّمَاءِ): بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ مِنَ الْإِغْلَاقِ ; لِأَنَّ (غَلَقَ الْبَابِ) لُغَةٌ رَدِيئَةٌ فِي (أَغْلَقَهُ) عَلَى مَا فِي الْقَامُوسِ، نَعَمْ يَجُوزُ تَشْدِيدُ لَامِهِ، مِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ﴾ [يوسف: ٢٣]، (دُونَهَا)، أَيْ: قُدَّامَ اللَّعْنَةِ (ثُمَّ تَهْبِطُ): بِكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ أَيْ: تَنْزِلُ (إِلَى الْأَرْضِ) أَيْ: جِهَةَ السُّفْلِ (فَتُغْلِقُ أَبْوَابَهَا) أَيْ: أَبْوَابَ طَبَقَاتِهَا (دُونَهَا)، أَيْ عِنْدِ ظُهُورِ اللَّعْنَةِ (ثُمَّ تَأْخُذُ يَمِينًا وَشِمَالًا)، أَيْ: تَمِيلُ إِلَى جِهَتَيِ الْيَمِينِ وَالْيَسَارِ مِمَّا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ فَيُمْنَعَانِ دُونَهَا. قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: صُعُودُ اللَّعْنَةِ وَهُبُوطُهَا وَأَخْذُهَا يَمِينًا وَشِمَالًا تَصْوِيرُ أَنَّ فِعْلَهُ هَهُنَا كَالْمُتَمَرِّدِ الَّذِي لَا يَجِدُ سَبِيلًا (فَإِذَا لَمْ تَجِدْ مَسَاغًا): بِفَتْحِ الْمِيمِ أَيْ: مَدْخَلًا وَطَرِيقًا مِنْ سَاغَ الشَّرَابُ فِي الْحَلْقِ: دَخَلَ فِيهِ بِسُهُولَةٍ (رَجَعَتْ إِلَى الَّذِي لُعِنَ)، بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ (فَإِذَا كَانَ) أَيْ: لِمَا ذُكِرَ مِنَ اللَّعْنَةِ (أَهْلًا)، جَزَاءُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ لَحِقَتْهُ وَنَفَذَتْ فِيهِ (وَإِلَّا) أَيْ: وَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلًا لَهَا بِأَنْ كَانَ مَظْلُومًا (رَجَعَتْ إِلَى قَائِلِهَا) . فَإِنَّهُ الْمُسْتَحِقُّ لَهَا وَأَهْلُهَا. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) . أَيْ: وَسَكَتَ عَلَيْهِ وَأَقَرَّهُ الْمُنْذِرِيُّ، وَرِجَالُهُ مُوَثَّقُونَ نَقَلَهُ مِيرَكُ عَنِ التَّصْحِيحِ.
[ ٧ / ٣٠٤٥ ]
٤٨٥١ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ - «أَنَّ رَجُلًا نَازَعَتْهُ الرِّيحُ رِدَاءَهُ فَلَعَنَهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: " لَا تَلْعَنْهَا فَإِنَّهَا مَأْمُورَةٌ، وَإِنَّهُ مَنْ لَعَنَ شَيْئًا لَيْسَ لَهُ بِأَهْلٍ رَجَعَتِ اللَّعْنَةُ عَلَيْهِ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ.
_________________
(١) (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ - أَنَّ رَجُلًا نَازَعَتْهُ الرِّيحُ) أَيْ: جَاذَبَتْهُ (رِدَاءَهُ فَلَعَنَهَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: لَا تَلْعَنْهَا فَإِنَّهَا مَأْمُورَةٌ)، أَيْ: بِأَمْرٍ مَا، أَوِ الْمُنَازَعَةُ مِنْ خَاصِّيَّتِهَا وَلَوَازِمِ وُجُودِهَا عَادَةً، أَوْ فَإِنَّهَا مَأْمُورَةٌ حَتَّى هَذِهِ الْمُنَازَعَةُ أَيْضًا ابْتِلَاءٌ لِعِبَادِهِ وَهُوَ الْأَظْهَرُ. (وَإِنَّهُ) أَيِ: الشَّأْنُ (مَنْ لَعَنَ شَيْئًا لَيْسَ) أَيْ: ذَلِكَ الشَّيْءُ (لَهُ) أَيِ: اللَّعْنِ (بِأَهْلٍ) أَيْ: بِمُسْتَحِقٍّ (رَجَعَتِ اللَّعْنَةُ عَلَيْهِ) أَيْ: عَلَى اللَّاعِنِ ; لِأَنَّ اللَّعْنَةَ وَكَذَا الرَّحْمَةَ تَعْرِفُ طَرِيقَ صَاحِبِهَا. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ) . وَكَذَا ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ، ذَكَرَهُ مِيرَكُ.
[ ٧ / ٣٠٤٦ ]
٤٨٥٢ - وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: " «لَا يُبَلِّغُنِي أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِي عَنْ أَحَدٍ شَيْئًا، فَإِنِّي أُحِبُّ أَنْ أَخْرُجَ إِلَيْكُمْ وَأَنَا سَلِيمُ الصَّدْرِ» ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
_________________
(١) (وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ - ﵄ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: " لَا يُبَلِّغُنِي): بِتَشْدِيدِ اللَّامِ وَيُخَفَّفُ وَهُوَ نَفْيٌ بِمَعْنَى النَّهْيِ وَفِي نُسْخَةٍ بِالْجَزْمِ أَيْ: لَا يُوصِلُنِي (أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِي): بَيَانٌ لِأَحَدٍ (عَنْ أَحَدٍ) أَيْ: عَنْ قِبَلِ أَحَدٍ مِنْهُمْ أَوْ مِنْ غَيْرِهِمْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (شَيْئًا)، أَيْ: مِمَّا أَكْرَهُهُ وَأَغْضَبُ عَلَيْهِ وَهُوَ عَامٌّ فِي الْأَفْعَالِ وَالْأَقْوَالِ بِأَنْ شَتَمَ أَحَدًا وَآذَاهُ، وَقَالَ فِيهِ خَصْلَةَ سُوءٍ. (فَإِنِّي أُحِبُّ أَنْ أَخْرُجَ إِلَيْكُمْ) أَيْ: مِنَ الْبَيْتِ وَأُلَاقِيكُمْ (وَأَنَا سَلِيمُ الصَّدْرِ) أَيْ: مِنْ مَسَاوِيكُمْ جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ. قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: وَالْمَعْنَى أَنَّهُ - ﷺ - يَتَمَنَّى أَنْ يَخْرُجَ مِنَ الدُّنْيَا وَقَلْبُهُ رَاضٍ عَنْ أَصْحَابِهِ مِنْ غَيْرِ سُخْطٍ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ، وَهَذَا تَعْلِيمٌ لِلْأُمَّةِ أَوْ مِنْ مُقْتَضَيَاتِ الْبَشَرِيَّةِ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) .
[ ٧ / ٣٠٤٦ ]
٤٨٥٣ - «وَعَنْ عَائِشَةَ - ﵂ - قَالَتْ: قُلْتُ لِلنَّبِيِّ - ﷺ: حَسْبُكَ مِنْ صَفِيَّةَ كَذَا وَكَذَا - تَعْنِي قَصِيرَةً - فَقَالَ: " لَقَدْ قُلْتِ كَلِمَةً لَوْ مُزِجَ بِهَا الْبَحْرُ لَمَزَجَتْهُ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ.
_________________
(١) (وَعَنْ عَائِشَةَ - ﵂ - قَالَتْ: قُلْتُ لِلنَّبِيِّ - ﷺ: حَسْبُكَ مِنْ صَفِيَّةَ) أَيْ: مِنْ عُيُوبِهَا الْبَدَنِيَّةِ (كَذَا وَكَذَا): كِنَايَةٌ عَنْ ذِكْرِ بَعْضِهَا، وَهُوَ كَذَا فِي جَمِيعِ نُسَخِ الْمِشْكَاةِ، وَقِيلَ: هَذَا تَحْرِيفٌ فِي كِتَابِ الْمَصَابِيحِ، وَالصَّوَابُ حَسْبُكَ مِنْ صَفِيَّةَ أَنَّهَا كَذَا كَذَا. (تَعْنِي) أَيْ: تُرِيدُ عَائِشَةُ بِقَوْلِهَا كَذَا وَكَذَا (قَصِيرَةً) أَيْ: كَوْنُهَا قَصِيرَةً قَالَ شَارِحٌ لَهَا: كَذَا إِشَارَةٌ إِلَى شِبْرِهَا. قُلْتُ: الظَّاهِرُ مِنْ تَكْرَارِ كَذَا تَعَدُّدُ نَعْتِهَا، فَلَعَلَّهَا قَالَتْ بِلِسَانِهَا قَصِيرَةً، وَأَشَارَتْ بِشِبْرِهَا أَنَّهَا فِي غَايَةٍ مِنَ الْقِصَرِ، فَأَرَادَتِ التَّأْكِيدَ بِالْجَمْعِ بَيْنَ الْقَوْلِ وَالْفِعْلِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (فَقَالَ: لَقَدْ قُلْتِ كَلِمَةً) أَيْ: طَوِيلَةً عَرِيضَةً وَمُرَّةً نَتْنَةً عِنْدَ أَرْبَابِ الْحَوَاسِّ الْكَامِلَةِ (لَوْ مُزِجَ): بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيْ: لَوْ خُلِطَ (بِهَا) أَيْ: عَلَى فَرْضِ تَجْسِيدِهَا وَتَقْدِيرِ كَوْنِهَا مَائِعًا (الْبَحْرُ) أَيْ: مَاؤُهُ (لَمَزَجَتْهُ) . أَيْ: غَلَبَتْهُ وَغَيَّرَتْهُ قَالَ الْقَاضِي: الْمَزْجُ الْخَلْطُ وَالتَّغْيِيرُ بِضَمِّ غَيْرِهِ إِلَيْهِ، وَالْمَعْنَى: أَنَّ هَذِهِ الْغَيْبَةَ لَوْ كَانَتْ مِمَّا يُمْزَجُ بِالْبَحْرِ لِغَيَّرَتْهُ عَنْ حَالِهِ مَعَ كَثْرَتِهِ وَغَزَارَتِهِ، فَكَيْفَ بِأَعْمَالٍ قَذِرَةٍ خُلِطَتْ بِهَا؟ وَقَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: قَدْ حُرِّفَتْ أَلْفَاظُ هَذَا الْحَدِيثِ فِي الْمَصَابِيحِ، وَالصَّوَابُ لَوْ مُزِجَتْ بِالْبَحْرِ لَمَزَجَتْهُ. قَالَ الطِّيبِيُّ: قَدْ وَرَدَ هَذَا الْحَدِيثُ كَمَا فِي الْمَصَابِيحِ وَالْمَتْنِ فِي نُسْخَةٍ مُصَحَّحَةٍ مِنْ سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ، وَلَعَلَّ التَّخْطِئَةَ مِنْ أَجْلِ الدِّرَايَةِ لَا الرِّوَايَةِ، إِذْ لَا يُقَالُ مُزِجَ بِهَا الْبَحْرُ، بَلْ مُزِجَتْ بِالْبَحْرِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ الْمَزْجَ وَالْخَلْطَ يَسْتَدْعِيَانِ الِامْتِزَاجَ وَالِاخْتِلَاطَ، وَكُلُّ الْمُمْتَزِجَيْنِ يَمْتَزِجُ بِالْآخَرِ، يَعْنِي: مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنِ الْكَثْرَةِ وَالْقِلَّةِ وَالْمَائِعِيَّةِ وَالْجَامِدِيَّةِ، كَأَنَّ الْأَصْلَ هُوَ الْفَصْلُ عَنْ أَرْبَابِ الْفَضْلِ ثَمَّ. قَالَ تَعَالَى: ﴿فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ﴾ [يونس: ٢٤]، الْكَشَّافُ: وَكَانَ حَقُّ اللَّفْظِ فَاخْتَلَطَ بِنَبَاتِ الْأَرْضِ، وَوَجْهُ صِحَّتِهِ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَوْصُوفٌ بِصِفَةِ صَاحِبِهِ،
[ ٧ / ٣٠٤٦ ]
عَلَى أَنَّ هَذَا التَّرْكِيبَ أَبْلَغُ ; لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ مِنْ بَابِ عَرَضْتُ النَّاقَةَ عَلَى الْحَوْضِ، أَقُولُ: فِيهِ أَبْحَاثٌ، أَمَّا أَوَّلًا، فَيَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ الدِّرَايَةُ تَابِعَةً لِلرِّوَايَةِ، فَتَخْطِئَةُ الْمُحَدِّثِينَ لَيْسَ مِنْ شَأْنِ أَرْبَابِ الْعِنَايَةِ، فَلَا بُدَّ مِنْ تَنْبِيهٍ نَبِيهٍ وَتَوْجِيهٍ وَجِيهٍ بَعْدَ ثُبُوتِ هَذَا اللَّفْظِ مِمَّنْ أُوتِيَ جَوَامِعَ الْكَلِمِ وَبَدَائِعَ الْحِكَمِ، وَأَمَّا ثَانِيًا فَقَوْلُهُ: يُقَالُ مُزِجَتْ بِالْبَحْرِ لَا مُزِجَ بِهَا ; سَبَبُهُ أَنَّهُ يَنْسَبُ الْقَلِيلَ إِلَى الْكَثِيرِ لَا عَكْسُهُ عُرْفًا وَعَادَةً، وَإِنْ جَازَ لُغَةً فَإِنَّهُ يُقَالُ: اخْتَلَطَ اللَّبَنُ بِالْمَاءِ وَعَكْسُهُ تَفَاضُلًا وَتَسَاوِيًا، فَنَقُولُ: فِي الْحَدِيثِ الشَّرِيفِ إِشَارَةٌ لَطِيفَةٌ إِلَى أَنَّ هَذِهِ الْكَلِمَةَ مِنْكِ وَلَوْ كَانَتْ صَغِيرَةً وَقَلِيلَةً عِنْدَكَ، فَهِيَ عِنْدَ اللَّهِ كَبِيرَةٌ وَكَثِيرَةٌ ; بِحَيْثُ لَوْ مُزِجَ بِهَا الْبَحْرُ بِأَجْنَاسِهَا وَأَصْنَافِهَا وَأَنْوَاعِهَا وَوُسْعِهَا مِنْ طُولِهَا وَعَرْضِهَا وَعُمْقِهَا لَغَلَبَتْهُ، وَهَذَا مِنَ الْبَلَاغَةِ غَايَةُ مَبْلَغِهَا، وَفِي الْبَلِيغِ مِنَ الزَّجْرِ نِهَايَةُ حَدِّهَا وَمُنْتَهَاهَا، وَأَمَا ثَالِثًا: فَقَوْلُ الْكَشَّافِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ﴾ [يونس: ٢٤]، حَقُّ اللَّفْظِ فَاخْتَلَطَ نَبَاتُ الْأَرْضِ، خَطَأٌ فَاحِشٌ ; لِأَنَّهُ لَيْسَ الْمَعْنَى عَلَى أَنَّهُ اخْتَلَطَ بِالْمَاءِ نَبَاتُ الْأَرْضِ، إِذْ لَيْسَ تَحْتَهُ طَائِلٌ، بَلِ الصَّوَابُ أَنَّ الْبَاءَ لِلسَّبَبِيَّةِ، وَأَنَّ الْمُخْتَلِطَ هُوَ بَعْضُ نَبَاتِ الْأَرْضِ بِبَعْضِهِ، وَتَوْضِيحُهُ أَنَّ الْمَطَرَ سَابَقٌ وُجُودَهُ عَلَى تَحَقُّقِ النَّبَاتِ عَلَى مَا أَشَارَتْ إِلَيْهِ فَاءُ التَّعْقِيبَةِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ﴾ [يونس: ٢٤] الْآيَةُ، فَكَيْفَ يُتَصَوَّرُ اخْتِلَاطُهُمَا؟، وَأَمَّا رَابِعًا فَقَوْلُهُ: إِنَّهُ مِنْ بَابِ عَرَضْتُ النَّاقَةَ عَلَى الْحَوْضِ، مَمْنُوعٌ وَمَدْفُوعٌ بِأَنَّ الْعَرْضَ إِنَّمَا يَكُونُ عَلَى أَرْبَابِ التَّمْيِيزِ، فَبِهَذِهِ الْقَرِينَةِ يُعْرَفُ أَنَّ الْكَلَامَ مَقْلُوبٌ بِخِلَافِ مَا نَحْنُ فِيهِ، فَإِنَّ بِكُلٍّ مِنَ الطَّرَفَيْنِ قَابِلِيَّةَ الْخَلْطِ عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ.
فَإِنْ قُلْتَ: لَعَلَّ صَاحِبَ الْكَشَّافِ أَرَادَ اخْتِلَاطَ أَثَرِ مَاءِ الْمَطَرِ بِمَا يُنْبِتُ بِهِ الْأَرْضَ مِنَ الْحَبَّةِ مَثَلًا، قُلْتُ: الظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا مَطْمَحُ نَظَرِهِ وَمَطْلَعُ فِكْرِهِ، لَكِنَّهُ يَرُدُّهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ﴾ [الكهف: ٤٥]، إِذْ تَعْقِيبِيَّةُ الْإِصْبَاحِ الْمَذْكُورِ إِنَّمَا هُوَ عِنْدَ حُصُولِ اخْتِلَاطِ النَّبَاتِ بَعْضِهَا بِبَعْضٍ لَا حِينَ اخْتِلَاطِ الْمَاءِ بِالْحَبِّ وَالنَّوَى، كَمَا لَا يَخْفَى، وَمِمَّا يَدُلُّ صَرِيحًا عَلَى كَوْنِ الْبَاءِ لِلسَّبَبِيَّةِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٩٩]، ثُمَّ رَأَيْتُ الْكَشَّافَ اخْتَارَ مَا اخْتَرْنَاهُ وَحَرَّرَ مَا حَرَّرْنَاهُ ; حَيْثُ قَالَ: فَالْتَفَّتْ بِسَبَبِهِ وَتَكَاثَفَ حَتَّى خَالَطَ بَعْضُهُ بَعْضًا، ثُمَّ قَالَ: وَقِيلَ: تَجَمَّعَ فِي النَّبَاتِ الْمَاءُ فَاخْتَلَطَ بِهِ حَتَّى رُوِيَ وَرَفَّ رَفِيفًا، وَكَانَ حَقُّ اللَّفْظِ عَلَى هَذَا التَّفْسِيرِ فَاخْتَلَطَ بِنَبَاتِ الْأَرْضِ، وَوَجْهُ صِحَّتِهِ أَنَّ كُلًّا مِنَ الْمُخْتَلِطَيْنِ مَوْصُوفٌ بِصِفَةِ صَاحِبِهِ. اهـ كَلَامُهُ. فَالِاعْتِرَاضُ يُحَوَّلُ إِلَى مَا قِيلَ، وَيَتَوَجَّهُ عَلَيْهِ أَيْضًا مِنْ جِهَةِ تَحْرِيرِهِ وَتَوْجِيهِهِ وَتَقْرِيرِهِ، وَيُبَيِّنُ أَنَّ نَقْلَ الطِّيبِيِّ مَحْمُولٌ عَلَى تَقْصِيرِهِ، ثُمَّ لَا يَخْفَى مَا فِيهِ مِنَ الدَّسِيسَةِ الِاعْتِزَالِيَّةِ فِي قَوْلِهِ: وَحَقُّ اللَّفْظِ مَعَ سُوءِ الْأَدَبِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْآيَةِ الْقُرْآنِيَّةِ، وَاللَّهُ وَلِيُّ دِينِهِ وَنَاصِرُ نَبِيِّهِ. (رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ) .
[ ٧ / ٣٠٤٧ ]
٤٨٥٤ - وَعَنْ أَنَسٍ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: " «مَا كَانَ الْفُحْشُ فِي شَيْءٍ إِلَّا شَانَهُ، وَمَا كَانَ الْحَيَاءُ فِي شَيْءٍ إِلَّا زَانَهُ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
_________________
(١) (وَعَنْ أَنَسٍ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: مَا كَانَ الْفُحْشُ) أَيِ: الْقَبِيحُ مِنَ الْكَلَامِ (فِي شَيْءٍ) أَيْ: فِي أَمْرٍ مِنَ الْأُمُورِ (إِلَّا شَانَهُ)، أَيْ: عَيَّبَهُ الْفُحْشُ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْفُحْشِ الْعُنْفُ لِمَا فِي رِوَايَةِ عَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ وَالضِّيَاءِ عَنْ أَنَسٍ أَيْضًا: مَا كَانَ الرِّفْقُ فِي شَيْءٍ إِلَّا زَانَهُ وَلَا نُزِعَ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا شَانَهُ. («وَمَا كَانَ الْحَيَاءُ فِي شَيْءٍ إِلَّا زَانَهُ») . أَيْ زَيَّنَهُ. قَالَ الطِّيبِيُّ: قَوْلُهُ: فِي شَيْءٍ فِيهِ مُبَالَغَةٌ أَيْ: لَوْ قُدِّرَ أَنْ يَكُونَ الْفُحْشُ أَوِ الْحَيَاءُ فِي جَمَادٍ لَزَانَهُ أَوْ شَانَهُ، فَكَيْفَ بِالْإِنْسَانِ. اهـ. وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِشَيْءٍ شَيْئًا يُتَصَوَّرُ فِيهِ الْفُحْشُ وَالْحَيَاءُ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: مَا كَانَ فِي أَحَدٍ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) . قَالَ مِيرَكُ: وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ، وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالْبُخَارِيُّ فِي الْأَدَبِ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ لَكِنْ بِزِيَادَةِ: " قَطُّ " بَعْدَ كُلٍّ مِنْ قَوْلِهِ: (فِي شَيْءٍ) .
[ ٧ / ٣٠٤٧ ]
٤٨٥٥ - وَعَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ، عَنْ مُعَاذٍ - ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: «مَنْ عَيَّرَ أَخَاهُ بِذَنْبٍ لَمْ يَمُتْ حَتَّى يَعْمَلَهُ» ". يَعْنِي: مِنْ ذَنْبٍ قَدْ تَابَ مِنْهُ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ وَلَيْسَ إِسْنَادُهُ بِمُتَّصِلٍ ; لِأَنَّ خَالِدًا لَمْ يُدْرِكْ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ.
_________________
(١) (وَعَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ): بِفَتْحِ مِيمٍ وَسُكُونِ عَيْنٍ فَدَالٍ مُهْمَلَتَيْنِ، يُكْنَى أَبَا عَبْدِ اللَّهِ الشَّامِيَّ الْكُلَاعِيَّ مِنْ أَهْلِ حِمْصٍ. قَالَ: لَقِيتُ سَبْعِينَ رَجُلًا مِنَ الصَّحَابَةِ، وَكَانَ مِنْ ثِقَاتِ الشَّامِيِّينَ، مَاتَ بِالطَّرَطُوسِ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَمِائَةٍ، كَذَا ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ. (عَنْ مُعَاذٍ)، بِضَمِّ الْمِيمِ وَهُوَ ابْنُ جَبَلٍ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: مَنْ عَيَّرَ): بِتَشْدِيدِ التَّحْتِيَّةِ أَيْ: وَبَّخَ وَلَامَ (أَخَاهُ) أَيِ: الْمُسْلِمَ (بِذَنْبٍ) أَيْ: صَدَرَ مِنْهُ سَابِقًا أَوْ عَلَى طَرِيقِ الشَّمَاتَةِ (لَمْ يَمُتْ حَتَّى يَعْمَلَهُ) أَيْ: مِثْلَ ذَنْبِهِ (يَعْنِي) أَيْ: يُرِيدُ النَّبِيُّ - ﷺ - التَّعْيِيرَ (مِنْ ذَنْبٍ قَدْ تَابَ مِنْهُ) . قَالَ مِيرَكُ: هَذَا التَّفْسِيرُ مَنْقُولٌ عَنِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ، وَلَيْسَ إِسْنَادُهُ بِمُتَّصِلٍ ; لِأَنَّ خَالِدًا لَمْ يُدْرِكْ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ) . قُلْتُ: وَكَانَ مُعَاذًا لَيْسَ مِنَ السَّبْعِينَ الَّذِينَ أَدْرَكَهُمْ، وَلَعَلَّ سَبَبَهُ أَنَّهُ مَاتَ سَنَةَ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ، وَإِلَّا فَالْمُعَاصَرَةُ تَكْفِي فِي صِحَّةِ الِاتِّصَالِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَاعْتِبَارُ اللُّقِيِّ إِنَّمَا هُوَ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ وَمَنْ تَبِعَهُ، وَفِي الْإِحْيَاءِ «قَالَ أَعْرَابِيٌّ لِرَسُولِ اللَّهِ - ﷺ: أَوْصِنِي، فَقَالَ: " عَلَيْكَ بِتَقْوَى اللَّهِ وَإِنِ امْرُؤٌ عَيَّرَكَ بِشَيْءٍ يَعْلَمُهُ فِيكَ فَلَا تُعَيِّرْهُ بِشَيْءٍ تَعْلَمُهُ فِيهِ يَكُنْ وَبَالُهُ عَلَيْهِ وَأَجْرُهُ لَكَ» ". قَالَ الْعِرَاقِيُّ: رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالطَّبَرَانِيُّ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي جُرَيٍّ الْهَجِيمِيِّ، قِيلَ: اسْمُهُ جَابِرُ بْنُ سَلِيمٍ، قِيلَ: سَلِيمُ بْنُ جَابِرٍ.
[ ٧ / ٣٠٤٨ ]
٤٨٥٦ - وَعَنْ وَاثِلَةَ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: " «لَا تُظْهِرِ الشَّمَاتَةَ لِأَخِيكَ فَيَرْحَمَهُ اللَّهُ وَيَبْتَلِيَكَ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ.
_________________
(١) (وَعَنْ وَثِلَةَ): بِكَسْرِ الْمُثَلَّثَةِ وَهُوَ ابْنُ الْأَسْقَعِ اللَّيْثِيُّ، أَسْلَمَ وَالنَّبِيُّ - ﷺ - مُتَوَجِّهٌ إِلَى تَبُوكَ، وَيُقَالُ: إِنَّهُ خَدَمَ النَّبِيَّ - ﷺ - ثَلَاثَ سِنِينَ، وَكَانَ مِنْ أَهْلِ الصُّفَّةِ، وَمَاتَ بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَهُوَ ابْنُ مِائَةِ سَنَةٍ. (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: لَا تُظْهِرِ الشَّمَاتَةَ) أَيِ: الْفَرَحَ بِبَلِيَّةِ عَدُوِّكَ (لِأَخِيكِ) أَيْ: لِأَجْلِ أَخِيكَ الْمُسْلِمِ الَّذِي وَقَعَ فِي بَلِيَّةٍ دِينِيَّةٍ أَوْ دُنْيَوِيَّةٍ أَوْ مَالِيَّةٍ (فَيَرْحَمَهُ اللَّهُ): بِالنَّصْبِ عَلَى جَوَابِ النَّهْيِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِالرَّفْعِ، وَهُوَ الْمُلَائِمُ لِمُرَاعَاةِ السَّجْعِ فِي عَطْفِ قَوْلِهِ: وَيَبْتَلِيكَ، وَالْمَعْنَى يَرْحَمُهُ رَغْمًا لِأَنْفِكَ (وَيَبْتَلِيَكَ) . حَيْثُ زَكَّيْتَ نَفْسَكَ وَرَفَعْتَ مَنْزِلَتَكَ عَلَيْهِ، وَنَحْوَهُ قَوْلُهُ - ﷺ - فِي قَوْلِ مَنْ «قَالَ لِصَاحِبِهِ، وَاللَّهِ لَا يَغْفِرُ اللَّهُ لَكَ أَبَدًا: " فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى لِلْمُذْنِبِ: ادْخُلِ الْجَنَّةَ بِرَحْمَتِي، وَقَالَ لِلْآخَرِ: تَسْتَطِيعُ أَنْ تَحْظُرَ عَنْ عَبْدِي رَحْمَتِي» " الْحَدِيثَ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ): وَفِي الْإِحْيَاءِ بِلَفْظِ: " فَيُعَافِيَهُ اللَّهُ وَيَبْتَلِيَكَ " قَالَ الْعِرَاقِيُّ: أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ وَاثِلَةَ بْنِ الْأَسْقَعِ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي الدُّنْيَا: " فَيَرْحَمُهُ اللَّهُ ".
[ ٧ / ٣٠٤٨ ]
٤٨٥٧ - وَعَنْ عَائِشَةَ - ﵂ - قَالَتْ: قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ: " «مَا أُحِبُّ أَنِّي حَكَيْتُ أَحَدًا وَأَنَّ لِي كَذَا وَكَذَا» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ.
_________________
(١) (وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - قَالَتْ: قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ: " مَا أُحِبُّ) أَيْ: مَا أَوَدُّ (أَنِّي حَكَيْتُ أَحَدًا) أَيْ: فِعْلَ أَحَدٍ، وَالْمَعْنَى: مَا أُحِبُّ أَنْ أَتَحَدَّثَ بِعَيْبِ أَحَدٍ قَوْلِيًّا أَوْ فِعْلِيًّا (وَأَنَّ لِي كَذَا وَكَذَا) أَيْ: وَلَوْ أُعْطِيتُ كَذَا وَكَذَا مِنَ الْأَشْيَاءِ بِسَبَبِ ذَلِكَ الْحَدِيثِ، كَذَا قَالَهُ شَارِحٌ، أَوْ حَكَيْتُ بِمَعْنَى حَاكَيْتُ فَفِي النِّهَايَةِ أَيْ: فَعَلْتُ مِثْلَ فِعْلِهِ، يُقَالُ: حَكَاهُ وَحَاكَاهُ، وَأَكْثَرُ مَا يُسْتَعْمَلُ فِي الْقَبِيحِ الْمُحَاكَاةُ. قُلْتُ: فَيُحْمَلُ حَكَيْتُ عَلَى الْحَسَنِ فَيُفِيدُ الْمُبَالَغَةَ. قَالَ الطِّيبِيُّ: وَأَنَّ لِي كَذَا وَكَذَا جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ وَارِدَةٌ عَلَى التَّتْمِيمِ وَالْمُبَالَغَةِ أَيْ: مَا أُحِبُّ أَنْ أُحَاكِيَ أَحَدًا وَلَوْ أُعْطِيتُ كَذَا وَكَذَا مِنَ الدُّنْيَا. اهـ، وَفِيهِ أَنَّ الْأُصُولَ الْمُعْتَمِدَةَ عَلَى فَتْحِ إِنَّ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلَى مَا سَبَقَ مِنْ قَوْلِهِ: إِنِّي وَالْمَعْنَى: إِنِّي مَا أُحِبُّ الْجَمْعَ بَيْنَ الْمُحَاكَاةِ وَحُصُولِ كَذَا وَكَذَا مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا بِسَبَبِ الْمُحَاكَاةِ فَإِنَّهَا أَمْرٌ مَذْمُومٌ. قَالَ النَّوَوِيُّ: وَمِنَ الْغَيْبَةِ الْمُحَرَّمَةِ الْمُحَاكَاةُ بِأَنْ يَمْشِيَ مُتَعَارِجًا أَوْ مُطَأْطِئًا رَأْسَهُ، أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ مِنَ الْهَيْئَاتِ كَمَا مَرَّ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ): وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ عَنْهَا بِلَفْظِ: " «مَا أُحِبُّ أَنِّي حَكَيْتُ إِنْسَانًا» " إِلَخْ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ.
[ ٧ / ٣٠٤٨ ]
٤٨٥٨ - وَعَنْ جُنْدُبٍ - ﵁ - قَالَ: «جَاءَ أَعْرَابِيٌّ، فَأَنَاخَ رَاحِلَتَهُ، ثُمَّ عَقَلَهَا، ثُمَّ دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَصَلَّى خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - فَلَمَّا سَلَّمَ أَتَى رَاحِلَتَهُ فَأَطْلَقَهَا، ثُمَّ رَكِبَ، ثُمَّ نَادَى: اللَّهُمَّ ارْحَمْنِي وَمُحَمَّدًا وَلَا تُشْرِكْ فِي رَحْمَتِنَا أَحَدًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: " أَتَقُولُونَ هُوَ أَضَلُّ أَمْ بَعِيرُهُ؟ أَلَمْ تَسْمَعُوا إِلَى مَا قَالَ؟ " قَالُوا: بَلَى» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَذَكَرَ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ " وَكَفَى الْمَرْءَ كَذِبًا " فِي " بَابِ الِاعْتِصَامِ " فِي الْفَصْلِ الْأَوَّلِ.
_________________
(١) (وَعَنْ جُنْدُبٍ): مَرُّ ذِكْرُهُ - ﵁ - (قَالَ: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ)، أَيْ: وَاحِدٌ مِنَ الْأَعْرَابِ، وَهُمْ سُكَّانُ الْبَادِيَةِ مِنَ الْعَرَبِ (فَأَنَاخَ رَاحِلَتَهُ ثُمَّ عَقَلَهَا)، أَيْ: قَيَّدَهَا (ثُمَّ دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَصَلَّى خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - فَلَمَّا سَلَّمَ) أَيْ: مِنَ الصَّلَاةِ أَوْ عَلَيْهِ، ﵇ (أَتَى رَاحِلَتَهُ فَأَطْلَقَهَا، ثُمَّ رَكِبَ، ثُمَّ نَادَى) أَيْ: رَفَعَ صَوْتَهُ بِقَوْلِهِ (اللَّهُمَّ ارْحَمْنِي وَمُحَمَّدًا وَلَا تُشْرِكْ فِي رَحْمَتِنَا أَحَدًا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: أَتَقُولُونَ): فِي النِّهَايَةِ أَيْ: أَتَظُنُّونَ (هُوَ أَضَلُّ أَمْ بَعِيرُهُ) أَيْ: أَجْهَلُ (أَلَمْ تَسْمَعُوا إِلَى مَا قَالَ؟) فِيهِ تَنْبِيهٌ عَلَى أَنَّهُ يَسْتَحِقُّ أَنْ يُقَالَ فِي حَقِّهِ مَا قَالَ (قَالُوا: بَلَى) . وَقَالَ الطِّيبِيُّ أَيَدُورُ هَذَا التَّرْدِيدُ فِي ظَنِّكُمْ وَلَا يَقُولُ مَا قَالَ إِلَّا جَاهِلٌ بِاللَّهِ وَسِعَةِ رَحْمَتِهِ ; حَيْثُ يُحَجِّرُ الْوَاسِعَ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) . وَرِجَالُهُ رِجَالُ الصَّحِيحَيْنِ إِلَّا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ الْجُشَمِيَّ الرَّاوِيَ عَنْ جُنْدُبٍ، لَمْ يَرْوِ لَهُ غَيْرُ أَبِي دَاوُدَ وَلَمْ يَتَكَلَّمْ فِيهِ أَحَدٌ، كَذَا نَقَلَهُ مِيرَكُ عَنِ التَّصْحِيحِ، وَفِي الْحِصْنِ لِلْجَزَرِيِّ: وَمِنْ جُمْلَةِ آدَابِ الدُّعَاءِ أَنْ لَا يَتَحَجَّرَ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ. قَالَ مِيرَكُ: كُلُّهُمْ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ أَعْرَابِيًّا دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَصَلَّى فِيهِ، ثُمَّ دَعَا فَقَالَ: " «اللَّهُمَّ ارْحَمْنِي وَمُحَمَّدًا وَلَا تَرْحَمْ مَعَنَا أَحَدًا، فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ: " لَقَدْ حَجَّرْتَ وَاسِعًا» ". قَالَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ أَيْ: ضَيَّقْتَ مَا وَسَّعَهُ اللَّهُ، فَخَصَصْتَ بِهِ نَفْسَكَ دُونَ غَيْرِكَ. (وَذَكَرَ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ " كَفَى بِالْمَرْءِ كَذِبًا): تَمَامُهُ: " أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ ". (فِي بَابِ الِاعْتِصَامِ فِي الْفَصْلِ الْأَوَّلِ): كَانَ الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ: فِي الْفَصْلِ الْأَوَّلِ مِنْ بَابِ الِاعْتِصَامِ، ثُمَّ فِي تَحْوِيلِهِ مِنْ هَذَا الْبَابِ الْمُنَاسِبِ لَهُ أَيْضًا بَلِ الْأَنْسَبُ، فَإِنَّهُ يُفِيدُ الْمَعْنَى الْأَعَمَّ مِنْ كَوْنِ الْكَذِبِ فِي حَدِيثِهِ - ﷺ - أَوْ فِي حَدِيثِ غَيْرِهِ بِكُلِّ مَا سُمِعَ مِنْ غَيْرِ تَثَبُّتٍ خِلَافَ الصَّوَابِ، كَمَا لَا يَخْفَى عَلَى أُولِي الْأَلْبَابِ، فَالِاعْتِذَارُ الْمُتَضَمِّنُ لِلِاعْتِرَاضِ مَرْدُودٌ عَلَيْهِ.
[ ٧ / ٣٠٤٩ ]
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
٤٨٥٩ - عَنْ أَنَسٍ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: " «إِذَا مُدِحَ الْفَاسِقُ غَضِبَ الرَّبُّ تَعَالَى، وَاهْتَزَّ لَهُ الْعَرْشُ» " رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ ".
_________________
(١) الْفَصْلُ الثَّالِثُ
(٢) (عَنْ أَنَسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: إِذَا مُدِحَ الْفَاسِقُ): بِأَنْ قَالَ لَهُ يَا سَيِّدُ مَثَلًا (غَضِبَ الرَّبُّ تَعَالَى) أَيْ: عَلَى الْمَادِحِ (وَاهْتَزَّ لَهُ) أَيْ: لِأَجْلِ مَدْحِهِ، وَفِي رِوَايَةٍ لِذَلِكَ (الْعَرْشُ) أَيْ: وَكَادَ أَنْ يَتَحَرَّكَ وَيَنْدَكَّ مِنْ هَيْبَةِ أَثَرِ عَظَمَةِ سُخْطِهِ سُبْحَانَهُ، وَنَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا - أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا﴾ [مريم: ٩٠ - ٩١]، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: اهْتِزَازُ الْعَرْشِ عِبَارَةٌ عَنْ وُقُوعِ أَمْرٍ عَظِيمٍ وَدَاهِيَةٍ دَهْيَاءَ ; لِأَنَّ فِيهِ رِضًا بِمَا فِيهِ سُخْطُ اللَّهِ وَغَضَبُهُ، بَلْ يَقْرُبُ أَنْ يَكُونَ كُفْرًا ; لِأَنَّهُ يَكَادُ أَنْ يُفْضِيَ إِلَى اسْتِحْلَالِ مَا حَرَّمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، وَهَذَا هُوَ الدَّاءُ الْعُضَالُ لِأَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ وَالشُّعَرَاءِ وَالْقُرَّاءِ الْمُرَائِينَ فِي زَمَانِنَا هَذَا، وَإِذَا كَانَ هَذَا حُكْمَ مَنْ مَدَحَ الْفَاسِقَ، فَكَيْفَ بِمَنْ مَدَحَ الظَّالِمَ وَرَكَنَ إِلَيْهِ رُكُونًا، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾ [هود: ١١٣]، الْكَشَّافُ: النَّهْيُ مُتَنَاوِلٌ لِلِانْحِطَاطِ فِي هَوَاهُمْ، وَالِانْقِطَاعِ إِلَيْهِمْ وَمُصَاحَبَتِهِمْ وَمُجَالَسَتِهِمْ وَزِيَارَتِهِمْ وَمُدَاهَنَتِهِمْ، وَالرِّضَا بِأَعْمَالِهِمْ، وَالتَّشَبُّهِ بِهِمْ، وَالتَّزَيِّي بِزِيِّهِمْ، وَمَدِّ الْعَيْنِ إِلَى زُمْرَتِهِمْ، وَذِكْرِهِمْ بِمَا فِيهِ تَعْظِيمٌ لَهُمْ.
[ ٧ / ٣٠٤٩ ]
وَلَمَّا خَالَطَ الزُّهْرِيُّ السَّلَاطِينَ كَتَبَ إِلَيْهِ أَخٌ لَهُ فِي الدِّينِ: عَافَانَا اللَّهُ وَإِيَّاكَ أَبَا بَكْرٍ مِنَ الْفِتَنِ، فَقَدْ أَصْبَحْتَ بِحَالٍ يَنْبَغِي لِمَنْ عَرَفَكَ أَنْ يَدْعُوَ لَكَ وَيَرْحَمَكَ، أَصْبَحْتَ شَيْخًا كَبِيرًا، وَقَدْ أَثْقَلَتْكَ نِعَمُ اللَّهِ بِمَا فَهَّمَكَ مِنْ كِتَابِهِ وَعَلَّمَكَ مِنْ سُنَّةِ نَبِيِّهِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ أَخَذَ اللَّهُ الْمِيثَاقَ عَلَى الْعُلَمَاءِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾ [آل عمران: ١٨٧]، وَاعْلَمْ أَنَّ أَيَسْرَ مَا ارْتَكَبْتَ وَأَخَفَّ مَا احْتَمَلْتَ أَنَّكَ آنَسْتَ وَحْشَةَ الظَّالِمِ، وَسَهَّلْتَ سَبِيلَ الْغَيِّ بِدُنُوِّكَ مِمَّنْ لَمْ يَوَدَّ حَقًّا، وَلَمْ يَتْرُكْ بَاطِلًا حِينَ أَدْنَاكَ، اتَّخَذُوكَ قُطْبًا يَدُورُ عَلَيْكَ رَحَى بَاطِلِهِمْ، وَجِسْرًا يَعْبُرُونَ عَلَيْكَ إِلَى بَلَائِهِمْ وَسُلَّمًا يَصْعَدُونَ فِيكَ إِلَى ضَلَالِهِمْ، يُدْخِلُونَ الشَّكَّ بِكَ عَلَى الْعُلَمَاءِ، وَيَقْتَادُونَ بِكَ قُلُوبَ الْجُهَلَاءِ، فَمَا أَيْسَرَ مَا عَمَّرُوا لَكَ فِي جَنْبِ مَا أَخْرَبُوا عَلَيْكَ. وَمَا أَكْثَرَ مَا أَخَذُوا مِنْكَ فِيمَا أَفْسَدُوا عَلَيْكَ مِنْ دِينِكَ، فَمَا يُؤَمِّنُكَ أَنْ تَكُونَ مِمَّنْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِمْ: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ [مريم: ٥٩]، فَإِنَّكَ تُعَامِلُ مَنْ لَا يَجْهَلُ، وَيَحْفَظُ عَلَيْكَ مَنْ لَا يَغْفُلُ، فَدَاوِ دِينَكَ فَقَدْ دَخَلَهُ السَّقَمُ، وَهَيِّئْ زَادَكَ فَقَدْ حَضَرَ السَّفَرُ الْبَعِيدُ، وَمَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَالسَّلَامُ. (رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ): وَكَذَا رَوَاهُ أَبُو يَعْلَى الْمُوصِلِيُّ، وَابْنُ أَبِي الدُّنْيَا فِي الصَّمْتِ، وَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ ذَكَرَهُ مِيرَكُ، وَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ عُدَيٍّ عَنْ بُرَيْدَةَ.
[ ٧ / ٣٠٥٠ ]
٤٨٦٠ - وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: " «يُطْبَعُ الْمُؤْمِنُ عَلَى الْخِلَالِ كُلِّهَا إِلَّا الْخِيَانَةَ وَالْكَذِبَ» ". رَوَاهُ أَحْمَدُ.
_________________
(١) (وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ) أَيِ: الْبَاهِلِيِّ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: " يُطْبَعُ الْمُؤْمِنُ): بِصِيغَةِ الْمَفْعُولِ أَيْ: يُخْلَقُ وَيُجْبَلُ (عَلَى الْخِلَالِ) أَيِ: الْخِصَالُ زِنَةً وَمَعْنًى (كُلِّهَا) أَيْ: جَمِيعِ الْأَخْلَاقِ الذَّمِيمَةِ ; لِأَنَّ الْكَلَامَ فِيهَا أَوِ الْأَعَمُّ مِنْهَا (إِلَّا الْخِيَانَةَ وَالْكَذِبَ): بِنَصْبِهِمَا أَيْ: غَيْرَهُمَا، فَإِنَّ الْمُؤْمِنَ يُخْلَقُ وَيُجْبَلُ عَلَى الصَّدَقَةِ وَالْأَمَانَةِ، كَمَا هُوَ مُقْتَضَى التَّصْدِيقِ وَالْإِيمَانِ، وَلِذَا قَالَ تَعَالَى بِصِيغَةِ الْحَصْرِ: ﴿إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ [النحل: ١٠٥]، أَيِ: الْكَامِلُونَ فِي الْكَذِبِ أَوِ الْمَجْبُولُونَ عَلَيْهِ. وَقَالَ - ﷺ: " «لَا إِيمَانَ لِمَنْ لَا أَمَانَةَ لَهُ» ". عَلَى مَا رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْبَيْهَقِيُّ عَنْ أَنَسٍ، فَمَا يَصْدُرُ عَنِ الْمُؤْمِنِ مِنَ الْكَذِبِ وَالْخِيَانَةِ، فَهُوَ مِنَ الْأُمُورِ الْعَارِضَةِ لِطَبِيعَتِهِ لَا مِنْ أَصْلِ خِلْقَتِهِ وَجِبِلَّتِهِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُرَادَ بِهِ الْمُبَالَغَةُ فِي نَفْيِ الْمُؤْمِنِ عَنْهُمَا. قَالَ فِي النِّهَايَةِ قَوْلُهُ: يُطْبَعُ عَلَيْهَا أَيْ: يُخْلَقُ، وَالطَّبَاعُ مَا رُكِّبَ فِي الْإِنْسَانِ مِنْ جَمِيعِ الْأَخْلَاقِ الَّتِي لَا يَكَادُ يُزَايِلُهَا مِنَ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ. قَالَ الطِّيبِيُّ: وَإِنَّمَا كَانَتِ الْخِيَانَةُ وَالْكَذِبُ مُنَافِيَيْنِ بِحَالِهِ، فَإِنَّ الْإِيمَانَ أَفْعَالٌ مِنَ الْأَمْنِ، وَحَقِيقَتُهُ أَمْنُهُ التَّكْذِيبَ وَالْمُخَالَفَةَ ; وَلِأَنَّهُ حَامِلُ أَمَانَةِ اللَّهِ تَعَالَى، فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ أَمِينًا لَا خَائِنًا (رَوَاهُ أَحْمَدُ) أَيْ: عَنْ أَبِي أُمَامَةَ.
[ ٧ / ٣٠٥٠ ]
٤٨٦١ - وَالْبَيْهَقِيُّ - ﵁ - فِي " شُعَبِ الْإِيمَانِ "، عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ.
_________________
(١) (وَالْبَيْهَقِيُّ): وَالْأَظْهَرُ مَا فِي نُسْخَةٍ: وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ (فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ)، وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: " «يُطْبَعُ الْمُؤْمِنُ عَلَى كُلِّ خُلُقٍ لَيْسَ الْخِيَانَةَ وَالْكَذِبَ» ". رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ.
[ ٧ / ٣٠٥٠ ]
٤٨٦٢ - وَعَنْ صَفْوَانَ بْنِ سَلِيمٍ، أَنَّهُ «قِيلَ لِرَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - أَيَكُونُ الْمُؤْمِنُ جَبَانًا؟ قَالَ: " نَعَمْ ". فَقِيلَ لَهُ: أَيَكُونُ الْمُؤْمِنُ بَخِيلًا؟ قَالَ: " نَعَمْ ". فَقِيلَ: أَيَكُونُ الْمُؤْمِنُ كَذَّابًا؟ قَالَ: " لَا» . رَوَاهُ مَالِكٌ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي " شُعَبِ الْإِيمَانِ " مُرْسَلًا.
_________________
(١) (وَعَنْ صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْمٍ)، بِالتَّصْغِيرِ تَابِعِيٌّ كَبِيرٌ، رَوَى عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ وَنَفَرٍ مِنَ التَّابِعِينَ، وَكَانَ مِنْ خِيَارِ عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ، يُقَالُ: إِنَّهُ لَمْ يَضَعْ جَنْبَهُ عَلَى الْأَرْضِ أَرْبَعِينَ سَنَةً، وَيَقُولُونَ: إِنَّ جَبْهَتَهُ ثُقِبَتْ مِنْ كَثْرَةِ السُّجُودِ، وَكَانَ لَا يَقْبَلُ جَوَائِزَ السَّلَاطِينِ، وَمَنَاقِبُهُ كَثِيرَةٌ، رَوَى عَنْهُ ابْنُ عُيَيْنَةَ، كَذَا
[ ٧ / ٣٠٥٠ ]
ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ. (أَنَّهُ قِيلَ لِرَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - أَيَكُونُ الْمُؤْمِنُ جَبَانًا؟)، أَيْ: بِالطَّبْعِ أَوْ مُطْلَقًا، وَهُوَ بِفَتْحِ الْجِيمِ وَتَخْفِيفِ الْمُوَحَّدَةِ ضِدُّ الشُّجَاعِ (قَالَ: نَعَمْ) أَيْ: يَكُونُ وَلَا يُنَافِي الْإِيمَانَ (فَقِيلَ لَهُ) أَيْ: لِرَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - (أَيَكُونُ الْمُؤْمِنُ بَخِيلًا؟) أَيْ: بِالطَّبْعِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ قَتُورًا﴾ [الإسراء: ١٠٠] أَوْ بِإِخْرَاجِ مَا يَجِبُ عَلَيْهِ مِنَ الْمَالِ لِمَيْلِهِ عَلَى وَجْهِ الْكَمَالِ. (قَالَ: نَعَمْ) أَيْ: يَكُونُ وَلَا يُنَافِيهِ مُطْلَقُ الْإِيمَانِ أَوْ كَمَالُهُ (فَقِيلَ) أَيْ: لَهُ (أَيَكُونُ الْمُؤْمِنُ كَذَّابًا؟) أَيْ: كَثِيرَ الْكَذِبِ مُبَالِغًا فِيهِ، أَوْ ذَا كَذِبٍ بِحَسَبِ الطَّبْعِ وَالْخُلُقِ (قَالَ: " لَا ". رَوَاهُ مَالِكٌ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ مُرْسَلًا): قُيِّدَ لَهُمَا.
[ ٧ / ٣٠٥١ ]
٤٨٦٣ - وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ - ﵁ - قَالَ: " «إِنَّ الشَّيْطَانَ لَيَتَمَثَّلُ فِي صُورَةِ الرَّجُلِ، فَيَأْتِي الْقَوْمَ فَيُحَدِّثُهُمْ بِالْحَدِيثِ مِنَ الْكَذِبِ فَيَتَفَرَّقُونَ ; فَيَقُولُ الرَّجُلُ مِنْهُمْ: سَمِعْتُ رَجُلًا أَعْرِفُ وَجْهَهُ وَلَا أَدْرِي مَا اسْمُهُ يُحَدِّثُ» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
_________________
(١) (وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ - ﵁ - قَالَ: إِنَّ الشَّيْطَانَ لَيَتَمَثَّلُ فِي صُورَةِ الرَّجُلِ)، أَيْ: أَحْيَانًا (فَيَلْقَى الْقَوْمَ) أَيْ: جَمَاعَةً (فَيُحَدِّثُهُمْ بِالْحَدِيثِ مِنَ الْكَذِبِ فَيَتَفَرَّقُونَ، فَيَقُولُ الرَّجُلُ مِنْهُمْ: سَمِعْتُ رَجُلًا أَعْرِفُ وَجْهَهُ) أَيْ: رَسْمَهُ (وَلَا أَدْرِي مَا اسْمُهُ) أَيْ: وَصْفَهُ (يُحَدِّثُ) أَيْ: كَذَا وَكَذَا، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ مِنْ حَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - فَإِنَّهُ مِنْ أَقْبَحِ أَنْوَاعِ الْكَذِبِ حَتَّى عُدَّ كُفْرًا، فَلِهَذَا يَعْتَنِي بِهِ رَئِيسُهُمْ وَيَتَصَوَّرُهُ بِصُورَةٍ حِسِّيَّةٍ تَقْوِيَةً لِلْوَسْوَسَةِ الدَّاخِلِيَّةِ الْمَعْنَوِيَّةِ، فَكَانَ الْأَنْسَبُ إِيرَادَهُ فِي بَابِ الِاعْتِصَامِ، وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يُرَادَ بِهِ مُطْلَقُ خَبَرِ الْكَذِبِ، أَوْ مَا يَتَفَرَّعُ عَلَيْهِ الْفَسَادُ مِنْ نَحْوِ الْبُهْتَانِ وَالْقَذْفِ وَأَمْثَالِهِمَا، وَالْمُرَادُ بِالشَّيْطَانِ وَاحِدٌ مِنَ الْجِنْسِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: وَفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلَى التَّحَرِّي فِيمَا يُسْمَعُ مِنَ الْكَلَامِ، وَأَنْ يُتَعَرَّفَ مِنَ الْقَائِلِ أَهْوَ صَادِقٌ يَجُوزُ النَّقْلُ عَنْهُ أَوْ كَاذِبٌ يَجِبُ الِاجْتِنَابُ عَنْ نَقْلِ كَلَامِهِ؟ عَلَى مَا وَرَدَ: كَفَى بِالْمَرْءِ كَذِبًا أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
[ ٧ / ٣٠٥١ ]
٤٨٦٤ - وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حِطَّانَ قَالَ: «أَتَيْتُ أَبَا ذَرٍّ - ﵁ - فَوَجَدْتُهُ فِي الْمَسْجِدِ مُحْتَبِيًا بِكِسَاءٍ أَسْوَدَ وَحْدَهُ. فَقُلْتُ: يَا أَبَا ذَرٍّ مَا هَذِهِ الْوَحْدَةُ؟ فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يَقُولُ: " الْوَحْدَةُ خَيْرٌ مِنْ جَلِيسِ السُّوءِ، وَالْجَلِيسُ الصَّالِحُ خَيْرٌ مِنَ الْوَحْدَةِ وَإِمْلَاءُ الْخَيْرُ خَيْرٌ مِنَ السُّكُوتِ، وَالسُّكُوتُ خَيْرٌ مِنْ إِمْلَاءِ الشَّرِّ» ".
_________________
(١) (وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حِطَّانِ): بِكَسْرِ الْحَاءِ وَتَشْدِيدِ الطَّاءِ الْمُهْمَلَتَيْنِ وَبِالنُّونِ، أَوْسِيٌّ خَزْرَجِيٌّ، سَمِعَ عَائِشَةَ وَابْنَ عَبَّاسٍ وَأَبَا ذَرٍّ، وَرَوَى عَنْهُ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ، وَيَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ وَغَيْرُهُمَا. (قَالَ: أَتَيْتُ أَبَا ذَرٍّ فَوَجَدْتُهُ فِي الْمَسْجِدِ مُحْتَبِيًا بِكِسَاءٍ أَسْوَدَ وَحْدَهُ) أَيْ: مُنْفَرِدًا لَيْسَ أَحَدٌ عِنْدَهُ (فَقُلْتُ: يَا أَبَا ذَرٍّ مَا هَذِهِ الْوَحْدَةُ؟) أَيِ: الَّتِي تُورِثُ الْوَحْشَةَ، وَالْمَعْنَى: مَا سَبَبُهَا وَبَاعِثُهَا. (فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يَقُولُ: الْوَحْدَةُ خَيْرٌ مِنْ جَلِيسِ السُّوءِ): بِفَتْحِ السِّينِ وَتُضَمُّ أَيِ: السَّيِّئُ الطَّالِحُ (وَالْجَلِيسُ الصَّالِحُ خَيْرٌ مِنَ الْوَحْدَةِ) يَعْنِي: وَالْجَلِيسُ الصَّالِحُ قَلِيلٌ فِي هَذَا الزَّمَانِ (وَإِمْلَاءُ الْخَيْرِ خَيْرٌ مِنَ السُّكُوتِ، وَالسُّكُوتُ خَيْرٌ مِنْ إِمْلَاءِ الشَّرِّ): يَعْنِي: وَمِمَّا يُعِينُ عَلَى السُّكُونِ الْعُزْلَةُ وَالْوَحْدَةُ. فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ وَالْحَاكِمُ.
[ ٧ / ٣٠٥١ ]
٤٨٦٥ - وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ - ﵄ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: " «مَقَامُ الرَّجُلِ بِالصَّمْتِ أَفْضَلُ مِنْ عِبَادَةِ سِتِّينَ سَنَةً» ".
_________________
(١) (وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ - ﵁ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: " مَقَامُ الرَّجُلِ): بِفَتْحِ الْمِيمِ وَبِضَمٍّ أَيْ: ثَبَاتُهُ (بِالصَّمْتِ)، أَيْ: بِمُدَاوَمَةِ سُكُوتِهِ عَنِ الشَّرِّ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ أَيْ: مَنْزِلَتُهُ عِنْدَ اللَّهِ (أَفْضَلُ مِنْ عِبَادَةِ سِتِّينَ سَنَةً) أَيْ: مَعَ كَثْرَةِ الْكَلَامِ وَعَدَمِ التَّثَبُّتِ فِي الْمَقَامِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: لِأَنَّ فِي الْعِبَادَةِ آفَاتٍ يَسْلَمُ عَنْهَا بِالصَّمْتِ كَمَا وَرَدَ: مَنْ صَمَتَ نَجَا. وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ وَالْحَاكِمُ عَنْ عِمْرَانَ، لَكِنَّ لَفْظَهُ مَقَامُ الرَّجُلِ فِي الصَّفِّ فِي سَبِيلِ اللَّهِ. اهـ. وَلَعَلَّ الصَّمْتَ وَقَعَ فِيهِ تَصْحِيفٌ فَرَاجِعْ فِي الْأُصُولِ.
[ ٧ / ٣٠٥٢ ]
٤٨٦٦ - «وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ - ﵁: دَخَلْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - فَذَكَرَ الْحَدِيثَ بِطُولِهِ إِلَى أَنْ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَوْصِنِي. قَالَ: " أُوصِيكَ بِتَقْوَى اللَّهِ، فَإِنَّهُ أَزْيَنُ لِأَمْرِكَ كُلِّهِ " قُلْتُ: زِدْنِي. قَالَ: " عَلَيْكَ بِتِلَاوَةِ الْقُرْآنِ وَذِكْرِ اللَّهِ ﷿، فَإِنَّهُ ذِكْرٌ لَكَ فِي السَّمَاءِ، وَنُورٌ لَكَ فِي الْأَرْضِ ". قُلْتُ: زِدْنِي. قَالَ: " عَلَيْكَ بِطُولِ الصَّمْتِ، فَإِنَّهُ مَطْرَدَةٌ لِلشَّيْطَانِ وَعَوْنٌ لَكَ عَلَى أَمْرِ دِينِكَ " قُلْتُ: زِدْنِي. قَالَ إِيَّاكَ وَكَثْرَةَ الضَّحِكِ، فَإِنَّهُ يُمِيتُ الْقَلْبَ وَيَذْهَبُ بِنُورِ الْوَجْهِ " قُلْتُ: زِدْنِي. قَالَ: " قُلِ الْحَقَّ وَإِنْ كَانَ مُرًّا ". قُلْتُ: زِدْنِي. قَالَ: " لَا تَخَفْ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ ". قُلْتُ: زِدْنِي. قَالَ: " لِيَحْجُزْكَ عَنِ النَّاسِ مَا تَعْلَمُ مِنْ نَفْسِكَ» .
_________________
(١) (وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ - ﵁ - قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - فَذَكَرَ) أَيْ: أَبُو ذَرٍّ أَوْ رَاوِيَةٌ (الْحَدِيثَ بِطُولِهِ): قَالَ الطِّيبِيُّ: وَلَعَلَّهُ أَرَادَ مِثْلَ مَا ذُكِرَ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ التَّالِي لِهَذَا الْحَدِيثِ، وَفِيهِ أَنَّهُ لَا دَلَالَةَ عَلَى هَذَا، مَعَ أَنَّهُ لَوْ كَانَ هُوَ الْمُرَادَ لَجَمَعَ بَيْنَهُمَا فِي حَدِيثٍ وَاحِدٍ، ثُمَّ رَأَيْتُ الْحَدِيثَ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ وَفِيهِ طُولٌ، لَكِنَّ فِي أَثْنَائِهِ وَأَوَاخِرِهِ عَلَى مَا سَنُورِدُهُ. (إِلَى أَنْ قَالَ) أَيْ: أَبُو ذَرٍّ (قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَوْصِنِي قَالَ: أُوصِيكَ بِتَقْوَى اللَّهِ): وَهُوَ وَصِيَّةُ اللَّهِ لِلْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ [النساء: ١٣١]، (فَإِنَّهُ) أَيْ: الِاتِّقَاءُ أَوْ مَا ذُكِرَ مِنَ التَّقْوَى (أَزْيَنُ) أَيْ: غَايَةٌ مِنَ الزَّيْنِ وَنِهَايَةٌ مِنَ الْحُسْنِ (لِأَمْرِكَ) أَيْ: لِأُمُورِ دِينِكَ الِاعْتِقَادِيِّ وَالْقَوْلِيِّ وَالْعَمَلِيِّ، بَلْ وَلِأُمُورِ دُنْيَاكَ الَّتِي هِيَ مَعَاشُكَ الْمُقْتَضِيَةُ لِحُسْنِ مَعَادِكَ (كُلِّهِ) ; لِأَنَّ التَّقْوَى بِجَمِيعِ مَرَاتِبِهَا مِنْ تَرْكِ الشِّرْكِ الْجَلِيِّ وَالْخَفِيِّ، وَاجْتِنَابِ الْكَبَائِرِ وَالصَّغَائِرِ، وَالِاحْتِرَازِ عَنِ الشُّبُهَاتِ وَالتَّوَرُّعِ فِي الْمُبَاحَاتِ، وَالتَّنَزُّهِ عَنِ الشَّهَوَاتِ، وَالتَّخَلِّي عَنْ خُطُورِ مَا سِوَى اللَّهِ بِالْبَالِ مِنْ شِيَمِ أَرْبَابِ الْكَمَالِ فِي الْأَحْوَالِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: نَسَبَ الزِّينَةَ إِلَى التَّقْوَى، كَمَا نَسَبَ إِلَيْهِ تَعَالَى اللِّبَاسَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ [الأعراف: ٢٦]، بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٣١]، فَكَمَا أَنَّ السَّمَاءَ مُزَيَّنَةٌ بِزِينَةِ الْكَوَاكِبِ، كَذَلِكَ قُلُوبُ الْعَارِفِينَ مُزَيَّنَةٌ بِالْمَعَارِفِ وَالتَّقْوَى. قَالَ تَعَالَى: ﴿فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج: ٣٢] . اهـ. وَفِيهِ أَنَّهُ غَيْرُ مَذْكُورٍ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ﴾ [الأعراف: ٣١]، بَلْ قَبْلَهُ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلَنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ وَرِيشًا﴾ [الأعراف: ٢٦] . (قُلْتُ: زِدْنِي) أَيْ: فِي الْوَصِيَّةِ بِالْعَمَلِ الصَّالِحِ (قَالَ: عَلَيْكَ بِتِلَاوَةِ الْقُرْآنِ) أَيْ: فَإِنَّهَا مَجْلَبَةٌ لِلتَّقْوَى وَمُوَرِّثَةٌ لِلدَّرَجَاتِ الْعُلَا (وَذِكْرِ اللَّهِ ﷿)، تَعْمِيمٌ وَتَتْمِيمٌ (فَإِنَّهُ) أَيْ: مَا ذُكِرَ لَكَ مِنَ التِّلَاوَةِ وَالذِّكْرِ (ذِكْرٌ لَكَ فِي السَّمَاءِ، وَنُورٌ لَكَ فِي الْأَرْضِ)، وَهُوَ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ بِاعْتِبَارِ كُلِّ وَاحِدٍ، وَأَنْ يَكُونَ بِطَرِيقِ اللَّفِّ وَالنَّشْرِ الْمُرَتَّبِ، فَإِنَّ مَا بَيْنَهُمَا مِنَ الْفَرْقِ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ عَلَى مَا أَشَارَ إِلَيْهِ - ﷺ - بِقَوْلِهِ: " «فَضْلُ كَلَامِ اللَّهِ عَلَى سَائِرِ الْكَلَامِ كَفَضْلِ اللَّهِ عَلَى خَلْقِهِ» ". وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ ضَمِيرًا، فَإِنَّهُ رَاجِعٌ إِلَى أَقْرَبِ مَذْكُورٍ، وَهُوَ الذِّكْرُ فَتُعْرِفُ مَرْتَبَةُ التِّلَاوَةِ بِالْأَوْلَى، عَلَى أَنَّ التِّلَاوَةَ مُنَاجَاةٌ مَعَ الرَّبِّ ﷾. (قُلْتُ: زِدْنِي) أَيْ: فِي الْوَصِيَّةِ بِمَا يُعِينُ عَلَى مَا ذَكَرْتَ (قَالَ): وَفِي نُسْخَةٍ فَقَالَ (عَلَيْكَ بِطُولِ الصَّمْتِ) أَيْ: بِدَوَامِهِ فَإِنَّهُ مَطْرَدَةٌ لِلشَّيْطَانِ) أَيْ: لِرَئِيسِهِمْ أَوْ لِجِنْسِهِمْ وَيُؤَيِّدُهُ مَا فِي نُسْخَةٍ: لِلشَّيَاطِينِ (وَعَوْنٌ) أَيْ: مُعِينٌ (لَكَ عَلَى أَمْرِ دِينِكَ) أَيِ: اسْتِقَامَتِهِ
[ ٧ / ٣٠٥٢ ]
قُلْتُ: زِدْنِي. قَالَ: " إِيَّاكَ وَكَثْرَةَ الضَّحِكِ، فَإِنَّهُ (أَيْ: إِكْثَارُهُ وَقِيلَ مَا ذُكِرَ مِنْ كَثْرَةِ الضَّحِكِ أَوِ الضَّحِكُ الْكَثِيرُ (يُمِيتُ الْقَلْبَ): وَفِي نُسْخَةٍ: الْقُلُوبَ، أَيْ: يُورِثُ قَسَاوَةَ الْقَلْبِ وَهِيَ مُفْضِيَةٌ إِلَى الْغَفْلَةِ، وَلَيْسَ مَوْتُ الْقَلْبِ إِلَّا الْغَفْلَةَ عَنِ الذِّكْرِ (وَيَذْهَبُ بِنُورِ الْوَجْهِ) أَيْ: بَهَائِهِ وَحُسْنِهِ فِي قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ [الفتح: ٢٩] . (قُلْتُ: زِدْنِي قَالَ: قُلِ الْحَقَّ وَإِنْ كَانَ) أَيْ: وَإِنْ كَانَ قَوْلُ الْحَقِّ عَلَى النَّفْسِ أَوْ عِنْدَ أَهْلِ الْبَاطِلِ الْمُتَلَهِّينَ بِالْحَلَوِيَّاتِ النَّفْسَانِيَّةِ (مُرًّا) أَيْ: صَعْبَ الْمَذَاقِ وَشَدِيدَ الْمَشَاقِّ وَأَنْشَدَ:
لَنْ تَبْلُغَ الْمَجْدَ حَتَّى تَلْعَقَ الصَّبْرَا
قَالَ الطِّيبِيُّ: شَبَّهَ الْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيَ عَنِ الْمُنْكَرِ فِي مَنْ يَأْبَاهُمَا بِالصَّبْرِ، فَإِنَّهُ مُرُّ الْمَذَاقِ لَكِنَّ عَاقِبَتَهُ مَحْمُودَةٌ. (قُلْتُ: زِدْنِي قَالَ: لَا تَخَفْ فِي اللَّهِ): أَيْ فِي حَقِّهِ وَطَرِيقِ عِبَادَتِهِ (لَوْمَةَ لَائِمٍ) أَيْ: مَلَامَةَ أَحَدٍ، وَفِيهِ قَطْعُ تَعَلُّقِهِ عَنِ الْخَلْقِ بِالْكُلِّيَّةِ فِيمَا يَأْتِي وَيَذَرُ، وَثَبَاتُهُ عَلَى الْحَقِّ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ إِلَى مَذَمَّةِ النَّاسِ وَمَدْحِهِمْ. قَالَ تَعَالَى: ﴿وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا﴾ [المزمل: ٨]، وَقَالَ الطِّيبِيُّ أَيْ: كُنْ صُلْبًا فِي دِينِكَ إِذَا شَرَعْتَ فِي إِنْكَارِ مُنْكَرٍ أَوْ أَمْرٍ بِمَعْرُوفٍ، امْضِ فِيهِ كَالْمَسَامِيرِ الْمُحْمَاةِ لَا يَرُعْكَ قَوْلُ قَائِلٍ وَلَا اعْتِرَاضُ مُعْتَرِضٍ. اهـ. وَلَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا الْمَعْنَى فُهِمَ مِنْ قَوْلِهِ: قُلِ الْحَقَّ وَلَوْ كَانَ مُرًّا، وَالْحَمْلُ عَلَى التَّأْسِيسِ أَوْلَى مِنَ التَّأْكِيدِ. (قُلْتُ: زِدْنِي. قَالَ: لِيَحْجُزْكَ): بِكَسْرِ اللَّامِ وَفَتْحِ الْيَاءِ وَسُكُونِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَضَمِّ الْجِيمِ وَسُكُونِ الزَّايِ، أَيْ: لِيَمْنَعْكَ (عَنِ النَّاسِ) أَيْ: عُيُوبُهُمْ (مَا تَعْلَمُ مِنْ نَفْسِكَ) أَيْ: مِنْ عُيُوبِهَا، كَمَا وَرَدَ عَنْ أَنَسٍ أَخْرَجَهُ الدَّيْلَمِيُّ: «طُوبَى لِمَنْ شَغَلَهُ عَيْبُهُ عَنْ عُيُوبِ النَّاسِ» . قَالَ مِيرَكُ: حَدِيثُ الْمَتْنِ رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالطَّبَرَانِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ وَاللَّفْظُ لَهُ، وَقَالَ: صَحِيحُ الْإِسْنَادِ.
وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: رَوَى عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ فِي تَفْسِيرِهِ، وَالطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ، «عَنْ أَبِي ذَرٍّ مَرْفُوعًا: " أُوصِيكَ بِتَقْوَى اللَّهِ تَعَالَى، فَإِنَّهُ رَأْسُ الْأَمْرِ كُلِّهِ، عَلَيْكَ بِتِلَاوَةِ الْقُرْآنِ وَذِكْرِ اللَّهِ، فَإِنَّهُ ذِكْرٌ لَكَ فِي السَّمَاءِ وَنُورٌ لَكَ فِي الْأَرْضِ، عَلَيْكَ بِطُولِ الصَّمْتِ إِلَّا مِنْ خَيْرٍ، فَإِنَّهُ مَطْرَدَةٌ لِلشَّيْطَانِ عَنْكَ وَعَوْنٌ لَكَ عَلَى أَمْرِ دِينِكَ، إِيَّاكَ وَكَثْرَةَ الضَّحِكِ، فَإِنَّهُ يُمِيتُ الْقَلْبَ وَيَذْهَبُ بِنُورِ الْوَجْهِ، عَلَيْكَ بِالْجِهَادِ، فَإِنَّهُ رَهْبَانِيَّةُ أُمَّتِي، أَحِبَّ الْمَسَاكِينَ وَجَالِسْهُمْ، انْظُرْ إِلَى مَنْ تَحْتَكَ وَلَا تَنْظُرْ إِلَى مَنْ فَوْقَكَ، فَإِنَّهُ أَجْدَرُ أَنْ لَا تَزْدَرِيَ نِعْمَةَ اللَّهِ عِنْدَكَ، صِلْ قَرَابَتَكَ وَإِنْ قَطَعُوكَ، قُلِ الْحَقَّ وَإِنْ كَانَ مُرًّا، لَا تَخَفْ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ، لِيَحْجُزْكَ عَنِ النَّاسِ مَا تَعْلَمُ مِنْ نَفْسِكَ، وَلَا تَجِدْ عَلَيْهِمْ فِيمَا تَأْتِي، وَكَفَى بِالْمَرْءِ عَيْبًا أَنْ يَكُونَ فِيهِ ثَلَاثُ خِصَالٍ: أَنْ يَعْرِفَ مِنَ النَّاسِ مَا يَجْهَلُ مِنْ نَفْسِهِ، وَيَسْتَحْيِي لَهُمْ مِمَّا هُوَ فِيهِ، وَيُؤْذِي جَلِيسَهُ. يَا أَبَا ذَرٍّ لَا عَقْلَ كَالتَّدْبِيرِ وَلَا وَرَعَ كَالْكَفِّ وَلَا حَسَبَ كَحُسْنِ الْخُلُقِ» ".
[ ٧ / ٣٠٥٣ ]
٤٨٦٧ - وَعَنْ أَنَسٍ - ﵁ - عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: " «يَا أَبَا ذَرٍّ أَلَا أَدُلُّكَ عَلَى خَصْلَتَيْنِ هُمَا أَخَفُّ عَلَى الظَّهْرِ وَأَثْقَلُ فِي الْمِيزَانِ؟ " قَالَ: قُلْتُ: بَلَى. قَالَ: " طُولُ الصَّمْتِ، وَحُسْنُ الْخُلُقِ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا عَمِلَ الْخَلَائِقُ بِمِثْلِهِمَا» ".
_________________
(١) (وَعَنْ أَنَسٍ - ﵁ - عَنْ رَسُولِ اللَّهِ): وَفِي نُسْخَةٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - (قَالَ: " يَا أَبَا ذَرٍّ أَلَا أَدُلُّكَ عَلَى خَصْلَتَيْنِ هُمَا أَخَفُّ عَلَى الظَّهْرِ) أَيْ: ظَهْرِ الْمُكَلَّفِ وَبَدَنِهِ أَوْ عَلَى ظَهْرِ اللِّسَانِ (وَأَثْقَلُ فِي الْمِيزَانِ؟) قَالَ الطِّيبِيُّ: تَشْبِيهٌ لِلْمَعْقُولِ بِالْمَحْسُوسِ فِي تَأْتِّيهِ بِالسُّهُولَةِ كَمَا فِي قَوْلِهِ - ﷺ: " كَلِمَتَانِ خَفِيفَتَانِ عَلَى اللِّسَانِ ثَقِيلَتَانِ فِي الْمِيزَانِ ". (قَالَ: قُلْتُ: بَلَى. قَالَ: طُولُ الصَّمْتِ) أَيِ: الْمُتَضَمِّنُ لِلتَّفَكُّرِ،
[ ٧ / ٣٠٥٣ ]
(وَحُسْنُ الْخُلُقِ) أَيِ: الْمُشْتَمِلُ عَلَى الصَّبْرِ وَالشُّكْرِ، وَهُوَ أَعَمُّ مِنَ الْمُعَامَلَةِ مَعَ الْحَقِّ أَوِ الْخَلْقِ (وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا عَمِلَ الْخَلَائِقُ بِمِثْلِهِمَا): الْبَاءُ زَائِدَةٌ، أَيْ: مَا عَمِلَ الْخَلَائِقُ عَمَلَيْنِ مِثْلَ عَمَلِهِمَا، أَوْ عَمِلَ بِمَعْنَى أَتَى أَيْ: مَا أَتَوْا بِمِثْلِهِمَا مِنَ الْأَعْمَالِ. قَالَ مِيرَكُ نَقْلًا عَنِ الْمُنْذِرِيُّ: أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا وَالْبَزَّارُ وَالطَّبَرَانِيُّ وَأَبُو يَعْلَى، وَرُوَاتُهُ ثِقَاتٌ. وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ، وَرَوَاهُ أَبُو الشَّيْخِ ابْنُ حِبَّانَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: " «أَلَا أُنْبِئُكَ بِأَمْرَيْنِ خَفِيفٌ أَمْرُهُمَا عَظِيمٌ أَجْرُهُمَا لَمْ تَلْقَ اللَّهَ ﷿ بِمِثْلِهِمَا: طُولُ الصَّمْتِ وَحُسْنُ الْخُلُقِ» ". وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا أَيْضًا عَنْ صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْمٍ مُرْسَلًا قَالَ: قَالَ رَسُولُ - ﷺ: " «أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِأَيْسَرِ الْعِبَادَةِ وَأَهْوَنِهَا عَلَى الْبَدَنِ؟ الصَّمْتُ وَحُسْنُ الْخُلُقِ» ".
[ ٧ / ٣٠٥٤ ]
٤٨٦٨ - وَعَنْ عَائِشَةَ - ﵂ - قَالَتْ: «مَرَّ النَّبِيُّ - ﷺ - بِأَبِي بَكْرٍ وَهُوَ يَلْعَنُ بَعْضَ رَقِيقِهِ، فَالْتَفَتَ إِلَيْهِ فَقَالَ: " لَعَّانِينَ وَصِدِّيقِينَ؟ كَلَّا وَرَبِّ الْكَعْبَةِ " فَأَعْتَقَ أَبُو بَكْرٍ يَوْمَئِذٍ بَعْضَ رَقِيقِهِ، ثُمَّ جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ - فَقَالَ: لَا أَعُودُ» . رَوَى الْبَيْهَقِيُّ الْأَحَادِيثَ الْخَمْسَةَ فِي " شُعَبِ الْإِيمَانِ ".
_________________
(١) (وَعَنْ عَائِشَةَ - ﵂ - قَالَتْ: مَرَّ النَّبِيُّ - ﷺ - بِأَبِي بَكْرٍ وَهُوَ يَلْعَنُ بَعْضَ رَقِيقِهِ، فَالْتَفَتَ) أَيِ: النَّبِيُّ - ﷺ - كَمَا فِي نُسْخَةٍ (إِلَيْهِ) أَيْ: إِلَى أَبِي بَكْرٍ، أَوْ فَالْتَفَتَ أَبُو بَكْرٍ إِلَيْهِ - ﷺ - (فَقَالَ) أَيِ: النَّبِيُّ ﵇: (لَعَّانِينَ وَصِدِّيقِينَ) بِتَقْدِيرِ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهَامِ فِي صَدْرِ الْكَلَامِ، أَيْ: هَلْ رَأَيْتَ لَعَّانِينَ وَصِدِّيقِينَ؟ أَيْ جَامِعِينَ بَيْنَ هَاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ، وَالْعَطْفُ لِتَغَايُرِ الصِّفَةِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الْجَمْعُ لِإِرَادَةِ تَعْظِيمِ الصِّدِّيقِ (كَلَّا وَرَبِّ الْكَعْبَةِ) . قَالَ الطِّيبِيُّ أَيْ: هَلْ رَأَيْتَ صِدِّيقًا يَكُونُ لَعَّانًا؟ كَلَّا وَاللَّهِ لَا تَتَرَاءَى نَارَاهُمَا. فَالْوَاوُ لِلْجَمْعِ، أَيْ: لَا يَجْتَمِعَانِ أَبَدًا، وَفِي الْكَلَامِ مَعْنَى التَّعَجُّبِ. (فَأَعْتَقَ أَبُو بَكْرٍ يَوْمَئِذٍ بَعْضَ رَقِيقِهِ) أَيْ: كَفَّارَةً لِمَا صَدَرَ عَنْهُ مِنْ غَيْرِ شُعُورِهِ (ثُمَّ جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ، ﷺ) أَيْ: لِلِاعْتِذَارِ (فَقَالَ لَا أَعُودُ) أَيْ: فِي لَعْنِ أَحَدٍ، الْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا فِي الصَّمْتِ، وَشَيْخُهُ بَشَّارُ بْنُ مُوسَى الْخِفَافِ، وَضَعَّفَهُ الْجُمْهُورُ، وَكَانَ أَحْمَدُ حَسَنَ الرَّأْيِ فِيهِ، ذَكَرَهُ الْعِرَاقِيُّ. (رَوَى الْبَيْهَقِيُّ الْأَحَادِيثَ الْخَمْسَةَ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ) .
[ ٧ / ٣٠٥٤ ]
٤٨٦٩ - وَعَنْ أَسْلَمَ قَالَ: إِنَّ عُمَرَ دَخَلَ يَوْمًا عَلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، وَهُوَ يَجْبِذُ لِسَانَهُ فَقَالَ عُمَرُ: مَهْ غَفَرَ اللَّهُ لَكَ، فَقَالَ لَهُ أَبُو بَكْرٍ: إِنَّ هَذَا أَوْرَدَنِي الْمَوَارِدَ. رَوَاهُ مَالِكٌ.
_________________
(١) (وَعَنْ أَسْلَمَ): هُوَ مَوْلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، كُنْيَتُهُ أَبُو خَالِدٍ، كَانَ حَبَشِيًّا، اشْتَرَاهُ عُمَرُ بِمَكَّةَ سَنَةَ إِحْدَى عَشْرَةَ، سَمِعَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، وَرَوَى عَنْهُ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ وَغَيْرُهُ، مَاتَ فِي وِلَايَةِ مَرْوَانَ، وَلَهُ مِائَةٌ وَأَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةٍ. (قَالَ: إِنَّ عُمَرَ دَخَلَ يَوْمًا عَلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، وَهُوَ يَجْبِذُ): بِكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ أَيْ: يَجْذِبُ (لِسَانَهُ)، وَيَمُدُّهُ وَيَجُرُّهُ، فَفِي الْمُغْرِبِ: الْجَبْذُ بِمَعْنَى الْجَذْبِ وَكِلَاهُمَا مِنْ بَابِ ضَرَبَ. قَالَ الطِّيبِيُّ: وَفِي النِّهَايَةِ: الْجَبْذُ لُغَةٌ فِي الْجَذْبِ، وَقِيلَ هُوَ مَقْلُوبٌ مِنْهُ. اهـ. وَفِي الْقَامُوسِ: الْجَبْذُ: الْجَذْبُ وَلَيْسَ مَقْلُوبَهُ، بَلْ لُغَةٌ صَحِيحَةٌ وَوَهِمَ الْجَوْهَرِيُّ وَغَيْرُهُ. (فَقَالَ عُمَرُ: مَهْ): بِفَتْحِ مِيمٍ وَسُكُونِ هَاءٍ اسْمُ فِعْلٍ بِمَعْنَى اكْفُفْ وَامْتَنِعْ عَنْ ذَلِكَ. (غَفَرَ اللَّهُ لَكَ): دُعَاءٌ أَوْ إِخْبَارٌ عَمَّا سُمِعَ فِي حَقِّهِ (فَقَالَ لَهُ أَبُو بَكْرٍ: إِنَّ هَذَا) أَيِ: اللِّسَانَ، وَالْإِشَارَةُ لِلتَّعْظِيمِ أَوِ التَّحْقِيرِ (أَوْرَدَنِي الْمَوَارِدَ) أَيْ: أَدْخَلَنِي الْمَهَالِكَ (رَوَاهُ مَالِكٌ): وَكَذَا ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا وَالْبَيْهَقِيُّ، وَفِي لَفْظِ الْبَيْهَقِيِّ قَالَ: إِنَّ هَذَا أَوْرَدَنِي شَرَّ الْمَوَارِدِ، إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ " «لَيْسَ شَيْءٌ مِنَ الْجَسَدِ إِلَّا يَشْكُو إِلَى اللَّهِ ذَرْبَ اللِّسَانِ عَلَى حِدَّتِهِ» ". كَذَا نَقَلَهُ مِيرَكُ عَنِ الْمُنْذِرِيِّ. وَقَالَ الْعِرَاقِيُّ: حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ اطَّلَعَ عَلَى أَبِي بَكْرٍ وَهُوَ يَمُدُّ لِسَانَهُ، فَقَالَ: مَا تَصْنَعُ يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ؟ إِنَّ هَذَا أَوْرَدَنِي الْمَوَارِدَ، إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: " «لَيْسَ شَيْءٌ مِنَ الْجَسَدِ إِلَّا يَشْكُو إِلَى اللَّهِ اللِّسَانَ عَلَيْهِ حِدَّتِهِ» ". رَوَاهُ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا فِي الصَّمْتِ، وَأَبُو يَعْلَى فِي مُسْنَدِهِ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ فِي الْعِلَلِ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي الشُّعَبِ مِنْ رِوَايَةِ أَسْلَمَ مَوْلَى عُمَرَ، وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: إِنَّ الْمَرْفُوعَ وَهْمٌ عَلَى الدَّرَاوَرْدِيِّ. قَالَ: وَرُوِيَ هَذَا الْحَدِيثُ عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ عَنْ أَبِي بَكْرٍ، وَلَا عِلَّةَ لَهُ. قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَفِي الْآثَارِ، رُوِيَ عَنِ الصِّدِّيقِ أَنَّهُ كَانَ يَضَعُ حَصَاةً فِي فِيهِ يَمْنَعُ بِهَا نَفْسَهُ مِنَ الْكَلَامِ، وَكَانَ يُشِيرُ إِلَى لِسَانِهِ وَيَقُولُ: هَذَا الَّذِي أَوْرَدَنِي الْمَوَارِدَ.
[ ٧ / ٣٠٥٤ ]
٤٨٧٠ - وَعَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ - ﵁ - أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: " «اضْمَنُوا لِي سِتًّا مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَضْمَنُ لَكُمُ الْجَنَّةَ: اصْدُقُوا إِذَا حَدَّثْتُمْ، وَأَوْفُوا إِذَا وَعَدْتُمْ، وَأَدُّوا إِذَا ائْتُمِنْتُمْ، وَاحْفَظُوا فُرُوجَكُمْ، وَغُضُّوا أَبْصَارَكُمْ، وَكُفُّوا أَيْدِيَكُمْ» ".
_________________
(١) (وَعَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ ﵁، أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: اضْمَنُوا لِي)، بِفَتْحِ الْمِيمِ أَيْ: تَكَفَّلُوا لِأَجْلِي (سِتًّا) أَيْ: مِنَ الْخِصَالِ (مِنْ أَنْفُسِكُمْ) أَيْ: مِنْ خِصَالِهَا أَوْ مِنْ أَجْلِ مَنْفَعَتِهَا (أَضْمَنْ لَكُمُ الْجَنَّةَ) أَيْ: دُخُولَهَا مَعَ الْفَائِزِينَ، أَوْ وُصُولَهَا إِلَى أَعْلَى دَرَجَاتِ الْمُقَرَّبِينَ (اصْدُقُوا)، بِضَمِّ الدَّالِ أَيْ: تَكَلَّمُوا بِالصِّدْقِ (إِذَا حَدَّثْتُمْ)، أَيْ: أَخْبَرْتُمْ (وَأَوْفُوا إِذَا وَعَدْتُمْ)، أَيْ: وَعَهِدْتُمْ (وَأَدُّوا) أَيْ: أَدُّوا الْأَمَانَةَ وَأَعْطُوا الشَّهَادَةَ (إِذَا ائْتُمِنْتُمْ)، بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ (وَاحْفَظُوا فُرُوجَكُمْ)، أَيْ: عَنِ الزِّنَا وَنَحْوِهِ (وَغُضُّوا أَبْصَارَكُمْ)، بِضَمِّ الْغَيْنِ أَيْ: غَمِّضُوهَا عَنِ النَّظَرِ إِلَى مَا لَا يَجُوزُ (وَكُفُّوا أَيْدِيَكُمْ): بِضَمِّ الْكَافِ وَتَشْدِيدِ الْفَاءِ أَمْسِكُوا أَنْفُسَكُمْ عَنِ الظُّلْمِ. قَالَ مِيرَكُ: حَدِيثُ عُبَادَةَ رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ أَبِي الدُّنْيَا وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ وَالْحَاكِمُ وَالْبَيْهَقِيُّ، كُلُّهُمْ مِنْ رِوَايَةِ الْمُطَّلِبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَنْطَبٍ عَنْهُ، وَقَالَ الْحَاكِمُ: صَحِيحُ الْإِسْنَادِ. اهـ. وَقَالَ الْمُنْذِرِيُّ: الْمُطَّلِبُ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ عُبَادَةَ، وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: " اضْمَنُوا لِي سِتَّ خِصَالٍ أَضْمَنْ لَكُمُ الْجَنَّةَ: لَا تَظَالَمُوا عِنْدَ قِسْمَةِ مَوَارِيثِكُمْ، وَانْصِفُوا النَّاسَ مِنْ أَنْفُسِكُمْ، وَلَا تَجْبُنُوا عِنْدَ قِتَالِ عَدُوِّكُمْ، وَلَا تَغُلُّوا غَنَائِمَكُمْ، وَامْنَعُوا ظَالِمَكُمْ مِنْ مَظْلُومِكُمْ ". رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ مَرْفُوعًا. اهـ.
[ ٧ / ٣٠٥٥ ]
٤٨٧١ -، ٤٨٧٢ - وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ غَنْمٍ، وَأَسْمَاءَ بِنْتِ يَزِيدَ - ﵃ - أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: " «خِيَارُ عِبَادِ اللَّهِ الَّذِينَ إِذَا رُؤُوا ذُكِرَ اللَّهُ، وَشِرَارُ عِبَادِ اللَّهِ الْمَشَّاؤُونَ بِالنَّمِيمَةِ، وَالْمُفَرِّقُونَ بَيْنَ الْأَحِبَّةِ، الْبَاغُونَ الْبُرَآءَ الْعَنَتَ» ". رَوَاهُمَا أَحْمَدُ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي " شُعَبِ الْإِيمَانِ ".
_________________
(١) ، ٤٨٧٢ - (وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ غَنْمٍ): بِفَتْحِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ النُّونِ عَلَى مَا ضَبَطَهُ الْمُغْنِي وَنَصَّ عَلَيْهِ الْمُؤَلِّفُ وَقَالَ: هُوَ أَشْعَرِيٌّ شَامِيٌّ، أَدْرَكَ الْجَاهِلِيَّةَ وَالْإِسْلَامَ، وَأَسْلَمَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - وَلَمْ يَرَهُ، وَلَازَمَ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ مُنْذُ بَعَثَهُ النَّبِيُّ - ﷺ - إِلَى الْيَمَنِ إِلَى أَنْ مَاتَ مُعَاذٌ، وَكَانَ أَفْقَهَ أَهْلِ الشَّامِ، رَوَى عَنْ قُدَمَاءِ الصَّحَابَةِ مِثْلِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ. اهـ. فَكَانَ حَقُّهُ أَنْ يَقُولَ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ مُرْسَلًا تَنْبِيهًا عَلَى ذَلِكَ. (وَأَسْمَاءَ بِنْتِ يَزِيدَ) أَيِ: ابْنِ السَّكَنِ، وَلَمْ يَذْكُرْهَا الْمُؤَلِّفُ فِي الْأَسْمَاءِ («أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: " خِيَارُ عِبَادِ اللَّهِ الَّذِينَ إِذَا رُؤُوا ذُكِرَ اللَّهُ») بِصِيغَةِ الْمَفْعُولِ فِيهِمَا أَيْ: يُتَذَكَّرُ بِرُؤْيَتِهِمْ ذِكْرُ اللَّهِ، وَفِيهِ إِيمَاءٌ إِلَى حَدِيثِ: «الْمُؤْمِنُ مِرْآةُ الْمُؤْمِنِ» عَلَى أَحَدِ مَعَانِيهِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ، أَحَدَهُمَا أَنَّهُمْ فِي الِاخْتِصَاصِ بِاللَّهِ ; بِحَيْثُ إِذَا رُؤُوا خَطَرَ بِبَالِ مَنْ رَآهُمْ مَوْلَاهُمْ لِمَا فِيهِمْ مِنْ سِيمَا الْعِبَادَةِ، وَثَانِيَهُمَا: أَنَّ مَنْ رَآهُمْ يَذْكُرُ اللَّهَ تَعَالَى، كَمَا رَوَى ابْنُ الْأَثِيرِ فِي النِّهَايَةِ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: " «النَّظَرُ إِلَى وَجْهِ عَلِيٍّ عِبَادَةٌ» ". قُلْتُ: وَقَدْ رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ وَالْحَاكِمُ عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ، وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، بِلَفْظِ: " «النَّظَرُ إِلَى عَلِيٍّ عِبَادَةٌ» ". وَنَظِيرُهُ مَا رَوَى أَبُو الشَّيْخِ عَنْ عَائِشَةَ مَرْفُوعًا: " «النَّظَرُ إِلَى الْكَعْبَةِ عِبَادَةٌ» "، ثُمَّ قِيلَ: مَعْنَاهُ أَنَّ عَلِيًّا كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ كَانَ إِذَا بَرَزَ قَالَ النَّاسُ: " لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مَا أَكْرَمَ هَذَا الْفَتَى، مَا أَشْجَعَ هَذَا الْفَتَى، مَا أَعْلَمَ هَذَا الْفَتَى، مَا أَحْلَمَ هَذَا الْفَتَى، فَكَانَتْ رُؤْيَتُهُ تَحْمِلُهُمْ عَلَى كَلِمَةِ التَّوْحِيدِ. (وَشِرَارُ عِبَادِ اللَّهِ الْمَشَّاؤُونَ): بِصِيغَةِ الْمُبَالَغَةِ لِلنِّسْبَةِ أَيِ: الَّذِينَ يَمْشُونَ (بِالنَّمِيمَةِ) أَيْ: عَلَى وَجْهِ الْفَسَادِ كَمَا بَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ: (وَالْمُفَرِّقُونَ بَيْنَ الْأَحِبَّةِ، الْبَاغُونَ) أَيِ: الطَّالِبُونَ الْبَرَاءَ): بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَالرَّاءِ بِمَعْنَى الْبَرِيءِ، مَصْدَرٌ وُصِفَ بِهِ لِلْمُبَالَغَةِ، فَفِي الْقَامُوسِ أَنْتَ بَرِيءٌ، وَالْجَمْعُ بَرِيئُونَ وَكَفُقَهَاءَ وَكِرَامٍ وَأَشْرَافٍ وَأَنْصِبَاءَ وَرِجَالٍ، وَأَنَا بَرَاءٌ مِنْهُ - لَا يُثَنَّى وَلَا يُجْمَعُ وَلَا يُؤَنَّثُ - بَرِيءٌ. قَالَ الطِّيبِيُّ وَهُوَ قَوْلُهُ: (الْعَنَتَ) مَنْصُوبَانِ مَفْعُولَانِ لِلْبَاغِينَ، يُقَالُ: بَغَيْتُ فُلَانًا خَيْرًا، وَبَغَيْتُكَ الشَّيْءَ: طَلَبْتُهُ لَكَ، وَبَغَيْتُ لِلشَّيْءِ طَلَبْتُهُ. اهـ.
[ ٧ / ٣٠٥٥ ]
وَحَاصِلُهُ أَنَّ الْعَنَتَ مَفْعُولٌ ثَانٍ لِلْبَاغُونَ، وَفِي رِوَايَةٍ (لِلْبُرَآءِ الْعَنَتَ) وَهُوَ بِفَتْحِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَالنُّونِ، الْمَشَقَّةُ وَالْفَسَادُ وَالْهَلَاكُ وَالْإِثْمُ وَالْخَطَأُ وَالْغَلَطُ وَالزِّنَا، كُلُّ ذَلِكَ قَدْ جَاءَ وَأُطْلِقَ الْعَنَتُ عَلَيْهِ، وَالْحَدِيثُ يَحْتَمِلُ كُلَّهَا، فَإِنَّ الْمَوْجُودَ فِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ فِي (الْبُرَاءِ) وَهُوَ جَمْعُ بَرِيءٍ كَمَا سَبَقَ، وَفِي نُسْخَةٍ بِضَمِّ مُوَحَّدَةٍ وَفَتْحِ رَاءٍ وَهَمْزَةٍ مَمْدُودَةٍ. قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ: هُوَ عَلَى وَزْنِ فُضَلَاءَ جَمْعُ بَرِيءٍ. اهـ. وَالْحَدِيثُ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ بِلَفْظِ: " «خِيَارُكُمُ الَّذِينَ إِذَا رُؤُوا ذُكِرَ اللَّهُ بِهِمْ وَشِرَارُكُمُ الْمَشَّاؤُونَ بِالنَّمِيمَةِ، الْمُفَرِّقُونَ بَيْنَ الْأَحِبَّةِ، الْبَاغُونَ الْبَرَاءَ الْعَنَتَ» ". رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، لَكِنْ. قَالَ الْمُؤَلِّفُ: (رَوَاهُمَا) أَيِ: الْحَدِيثَيْنِ السَّابِقَيْنِ، وَسَبَقَ الْكَلَامُ عَلَى السَّابِقِ مِنْهُمَا. (أَحْمَدُ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ): وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: رَوَاهُ أَحْمَدُ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ غَنْمٍ، وَالطَّبَرَانِيُّ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ بِلَفْظِ: " «خِيَارُ أُمَّتِي الَّذِينَ إِذَا رُؤُوا ذُكِرَ اللَّهُ، وَشَرَارُ أُمَّتِي الْمَشَّاؤُونَ بِالنَّمِيمَةِ الْمُفَرِّقُونَ بَيْنَ الْأَحِبَّةِ الْبَاغُونَ الْبَرَاءَ الْعَنَتَ» ".
[ ٧ / ٣٠٥٦ ]
٤٨٧٣ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ - «أَنَّ رَجُلَيْنِ صَلَّيَا صَلَاةَ الظُّهْرِ أَوِ الْعَصْرِ، وَكَانَا صَائِمَيْنِ، فَلَمَّا قَضَى النَّبِيُّ - ﷺ - الصَّلَاةَ قَالَ: " أَعِيدَا وُضُوءَكُمَا وَصَلَاتَكُمَا، وَامْضِيَا فِي صَوْمِكُمَا، وَاقْضِيَاهُ يَوْمًا آخَرَ ". قَالَا: لِمَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: " اغْتَبْتُمْ فُلَانًا» .
_________________
(١) (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ - أَنَّ رَجُلَيْنِ صَلَّيَا صَلَاةَ الظُّهْرِ أَوِ الْعَصْرِ) أَيْ: مَعَهُ - ﷺ - (وَكَانَا صَائِمَيْنِ)، عَطْفٌ أَوْ حَالٌ (فَلَمَّا قَضَى النَّبِيُّ - ﷺ - الصَّلَاةَ) أَيْ: فَرَغَ عَنْ أَدَائِهَا (قَالَ) أَيِ: النَّبِيُّ - ﷺ - لِلرَّجُلَيْنِ (أَعِيدُوا): بِصِيغَةِ الْجَمْعِ عَلَى أَنَّ الِاثْنَيْنِ أَقَلُّهُ بِقَرِينَةِ مَا بَعْدَهُ، وَفِي نُسْخَةٍ أَعِيدَا (وُضُوءَكُمَا وَصَلَاتَكُمَا، وَامْضِيَا): بِهَمْزِ وَصْلٍ وَكَسْرِ ضَادٍ أَيِ: انْفُذَا (فِي صَوْمِكُمَا): يَعْنِي لَا تَقْطَعَاهُ بِالْإِفْطَارِ مِنْ مَضَى فِي أَمْرِهِ: إِذَا نَفَذَ فِيهِ، وَلَمْ يَتَوَقَّفْ (وَاقْضِيَاهُ) أَيْ: صَوْمَكُمَا (يَوْمًا آخَرَ) . قَالَ الطِّيبِيُّ: وَهَذَا فِي الصَّوْمِ ظَاهِرٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا﴾ [الحجرات: ١٢]، وَأَمَّا فِي الصَّلَاةِ ; فَلِأَنَّهُ شَرِبَ دَمَ أَخِيهِ وَلَحْمَهُ فَحَمَلَ النَّجَاسَةَ. اهـ. وَحَاصِلُهُ أَنَّ الْإِتْيَانَ بِالْمَعْصِيَةِ قَبْلَ الطَّاعَةِ يُنْقِصُ كَمَالَهَا، كَمَا أَنَّ الْحَسَنَةَ بَعْدَ السَّيِّئَةِ تُوجِبُ زَوَالَهَا، فَإِنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤]، وَرَدَ فِيمَنْ قَبَّلَ امْرَأَةً أَجْنَبِيَّةً، وَلَعَلَّهُ - ﷺ - هُنَا أَظْهَرَ الزَّجْرَ الشَّدِيدَ وَالتَّغْلِيظَ وَالْوَعِيدَ لِمَا يَتَعَلَّقُ بِالْغِيبَةِ مِنْ حَقِّ الْعِبَادِ، وَرُبَّمَا تَذْهَبُ الْعِبَادَةُ بِالْكُلِّيَّةِ ; حَيْثُ يُعْطَى لِصَاحِبِ الْغَيْبَةِ النَّافِلَةُ الطَّوِيَّةُ فَيَبْقَى الْمُذْنِبُ بِلَا صَوْمٍ وَصَلَاةٍ، فَلِهَذَا أَمَرَهُمَا بِإِعَادَتِهِمَا وَقَضَائِهِ، وَهَذَا مِنْ قَبِيلِ فَتْوَى الْخَاصَّةِ لَا مِنْ قَبِيلِ أَحْكَامِ الْعَامَّةِ، وَفِي مُسْنَدِ الْفِرْدَوْسِ لِلدَّيْلَمِيِّ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا " «الْغِيبَةُ تُنْقِضُ الْوُضُوءَ وَالصَّلَاةَ» " (قَالَا): وَفِي نُسْخَةٍ فَقَالَا: (لِمَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟) أَيْ: لِأَيِّ سَبَبٍ (قَالَ: اغْتَبْتُمْ فُلَانًا) أَيْ: قَبْلَ الصَّلَاةِ وَبَعْدَ الطَّهَارَةِ وَمُبَاشَرَةِ الصَّوْمِ.
[ ٧ / ٣٠٥٦ ]
٤٨٧٤ - ٤٨٧٥ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ، وَجَابِرٍ - ﵄ - قَالَا: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: " الْغِيبَةُ أَشَدُّ مِنَ الزِّنَا ". قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَكَيْفَ الْغِيبَةُ أَشَدُّ مِنَ الزِّنَا؟ قَالَ: " إِنَّ الرَّجُلَ لَيَزْنِي فَيَتُوبُ، فَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِ " - وَفِي رِوَايَةٍ: " فَيَتُوبُ فَيَغْفِرُ اللَّهُ لَهُ، وَإِنَّ صَاحِبَ الْغِيبَةِ لَا يُغْفَرُ لَهُ حَتَّى يَغْفِرَهَا لَهُ صَاحِبُهُ» ".
_________________
(١) ٤٨٧٥ - (وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ وَجَابِرٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - قَالَا: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: الْغِيبَةُ أَشَدُّ مِنَ الزِّنَا) أَيْ: أَصْعَبُ مِنْهُ لِتَعَلُّقِهَا بِحَقِّ الْعِبَادِ الْبَتَّةَ بِخِلَافِهِ (قَالُوا) أَيْ: بَعْضُ الصَّحَابَةِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ هُمَا الْمُرَادَ بِهِمْ (وَكَيْفَ الْغَيْبَةُ أَشَدُّ مِنَ الزِّنَا؟) أَيْ: وَالْحَالُ أَنَّ الزِّنَا ذَنَبٌ كَبِيرٌ، وَقَدْ وَقَعَ عَلَيْهِ وَعِيدٌ كَثِيرٌ، وَتَعَلَّقَ بِهِ الْحَدُّ وَالرَّجْمُ وَنَحْوُ ذَلِكَ. قَالَ الطِّيبِيُّ: أَشَدُّ مِنَ الزِّنَا مُبْتَدَأٌ عَلَى سَبِيلِ حِكَايَةِ قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - وَكَيْفَ خَبَرُهُ، أَيْ: كَيْفَ قَوْلُكَ هَذَا؟ (قَالَ: إِنَّ الرَّجُلَ لَيَزْنِي فَيَتُوبُ) أَيْ: بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ (فَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِ) أَيْ: فَيَقْبَلُ تَوْبَتَهُ وَيُوَفِّقُهُ عَلَى ثَبَاتِهِ (وَفِي رِوَايَةٍ: فَيَتُوبُ فَيَغْفِرُ اللَّهُ لَهُ، وَإِنَّ صَاحِبَ الْغِيبَةِ): عَطْفٌ عَلَى مَا سَبَقَ (لَا يُغْفَرُ لَهُ) أَيْ: وَلَوْ تَابَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَبِّهِ (حَتَّى يَغْفِرَهَا لَهُ صَاحِبُهُ) أَيْ: لِصَاحِبِ الْغَيْبَةِ.
[ ٧ / ٣٠٥٦ ]
٤٨٧٦ - وَفِي رِوَايَةِ أَنَسٍ - ﵁ - قَالَ: " «صَاحِبُ الزِّنَا يَتُوبُ، وَصَاحِبُ الْغِيبَةِ لَيْسَ لَهُ تَوْبَةٌ» ". رَوَى الْبَيْهَقِيُّ الْأَحَادِيثَ الثَّلَاثَةَ فِي " شُعَبِ الْإِيمَانِ ".
_________________
(١) (وَفِي رِوَايَةِ أَنَسٍ قَالَ: " صَاحِبُ الزِّنَا يَتُوبُ) أَيْ: يُتَصَوَّرُ مِنْهُ التَّوْبَةُ أَوْ يَتُوبُ غَالِبًا ; لِأَنَّهُ ذَنْبٌ عَظِيمٌ عِنْدَهُ (وَصَاحِبُ الْغِيبَةِ لَيْسَ لَهُ تَوْبَةٌ)، أَيْ: غَالِبًا، لِأَنَّهُ يَحْسَبُهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ، لَكِنَّ الْبَلِيَّةَ إِذَا عَمَّتْ طَابَتْ، أَوْ لَيْسَ لَهُ تَوْبَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ لِتَوَقُّفِ صِحَّتِهَا عَلَى رِضَا صَاحِبِهَا. (رَوَى الْبَيْهَقِيُّ الْأَحَادِيثَ الثَّلَاثَةَ) أَيْ: حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَأَبِي سَعِيدٍ، وَأَنَسٍ (فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ) . قَالَ مِيرَكُ: نَقْلًا عَنِ الْمُنْذِرِيِّ: إِنَّ حَدِيثَ أَبِي سَعِيدٍ وَجَابِرٍ رَوَاهُ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا فِي كِتَابِ الْغِيبَةِ، وَالطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ، وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ حَدِيثَ أَنَسٍ، عَنْ رَجُلٍ لَمْ يُسَمَّ عَنْهُ، وَرَوَاهُ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ غَيْرَ مَرْفُوعٍ وَهُوَ الْأَشْبَهُ.
[ ٧ / ٣٠٥٧ ]
٤٨٧٧ - وَعَنْ أَنَسٍ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: " «إِنَّ مِنْ كَفَّارَةِ الْغِيبَةِ أَنْ تَسْتَغْفِرَ لِمَنِ اغْتَبْتَهُ، تَقُولُ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَنَا وَلَهُ» ". رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي " الدَّعَوَاتِ الْكَبِيرِ ". وَقَالَ: فِي هَذَا الْإِسْنَادِ ضَعْفٌ.
_________________
(١) (وَعَنْ أَنَسٍ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: " إِنَّ مِنْ كَفَّارَةِ الْغِيبَةِ) أَيْ: بَعْدَ تَحَقُّقِ التَّوْبَةِ (أَنْ تَسْتَغْفِرَ) أَيْ: أَنْتَ أَيُّهَا الْمُخَاطَبُ خِطَابًا عَامًّا (لِمَنِ اغْتَبْتَهُ، تَقُولُ): بَدَلٌ أَوْ بَيَانٌ أَوْ حَالٌ (اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَنَا) أَيْ: إِذَا كَانُوا جَمَاعَةً، أَوْ لَنَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ عُمُومًا (وَلَهُ) أَيْ: لِمَنِ اغْتَبْتَهُ خُصُوصًا، وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا إِذَا لَمْ تَصِلِ الْغَيْبَةُ إِلَيْهِ، وَأَمَّا إِذَا وَصَلَتْ إِلَيْهِ فَلَا بُدَّ مِنَ الِاسْتِحْلَالِ بِأَنْ يُخْبِرَ صَاحِبَهَا بِمَا قَالَ فِيهِ وَيَتَحَلَّلَهَا مِنْهُ، فَإِنْ تَعَذَّرَ ذَلِكَ فَلْيَعْزِمْ عَلَى أَنَّهُ مَتَى وَجَدَهُ تَحَلَّلَ مِنْهُ، فَإِذَا حَلَّلَهُ سَقَطَ عَنْهُ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ لَهُ مِنَ الْحَقِّ، فَإِنْ عَجَزَ عَنْ ذَلِكَ كُلِّهِ بِأَنْ كَانَ صَاحِبُ الْغِيبَةِ مَيِّتًا أَوْ غَائِبًا، فَلْيَسْتَغْفِرِ اللَّهَ تَعَالَى، وَالْمَرْجُوُّ مِنْ فَضْلِهِ وَكَرَمِهِ أَنْ يُرْضِيَ خَصْمَهُ مِنْ إِحْسَانِهِ، فَإِنَّهُ جَوَّادٌ كَرِيمٌ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ. وَفِي رَوْضَةِ الْعُلَمَاءِ: سَأَلْتُ مُحَمَّدًا فَقُلْتُ لَهُ: إِذَا تَابَ صَاحِبُ الْغِيبَةِ قَبْلَ وُصُولِهَا إِلَى الْمُغْتَابِ عَنْهُ هَلْ تَنْفَعُهُ تَوْبَتُهُ؟ قَالَ: نَعَمْ تَنْفَعُهُ تَوْبَتُهُ، فَإِنَّهُ تَابَ قَبْلَ أَنْ يَصِيرَ الذَّنْبُ ذَنْبًا، يَعْنِي ذَنْبًا يَتَعَلَّقُ بِهِ حَقُّ الْعَبْدِ. قَالَ: لِأَنَّهَا تَصِيرُ ذَنْبًا إِذَا بَلَغَتْ إِلَيْهِ. قُلْتُ: فَإِنْ بَلَغَتْ إِلَيْهِ بَعْدَ تَوْبَتِهِ؟ قَالَ: لَا تَبْطُلُ تَوْبَتُهُ، بَلْ يَغْفِرُ اللَّهُ لَهُمَا جَمِيعًا الْمُغْتَابِ بِالتَّوْبَةِ وَالْمُغْتَابِ عَنْهُ بِمَا لَحِقَهُ مِنَ الْمَشَقَّةِ. قُلْتُ: أَوْ بِمَا حَصَلَ لَهُ مِنَ الْمَغْفِرَةِ؟ قَالَ: لِأَنَّهُ كَرِيمٌ وَلَا يَحْمِلُ كَرَمُهُ رَدَّ تَوْبَتِهِ بَعْدَ قَبُولِهَا، بَلْ يَعْفُو عَنْهُمَا جَمِيعًا. قُلْتُ: فِيهِ أَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قَبْلَ تَوْبَتِهِ مَوْقُوفًا عَلَى عَدَمِ تَحَقُّقِ وُصُولِهَا إِلَيْهِ وَحُصُولِ مَشَقَّتِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَالَ الْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ: قَدْ تَكَلَّمَ النَّاسُ فِي تَوْبَةِ الْمُغْتَابِينَ: هَلْ تَجُوزُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَسْتَحِلَّ مِنْ صَاحِبِهِ؟ قَالَ بَعْضُهُمْ: تَجُوزُ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا تَجُوزُ، وَهُوَ عِنْدَنَا عَلَى وَجْهَيْنِ، أَحَدِهِمَا: إِنْ كَانَ ذَلِكَ الْقَوْلُ قَدْ بَلَغَ إِلَى الَّذِي اغْتَابَهُ، فَتَوْبَتُهُ أَنْ يَسْتَحِلَّ مِنْهُ، وَإِنْ لَمْ يَبْلُغْ فَيَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَيُضْمِرُ أَنْ لَا يَعُودَ لِمِثْلِهِ. اهـ. وَهَلْ يَكْفِيهِ أَنْ يَقُولَ: اغْتَبْتُكَ فَاجْعَلْنِي فِي حِلٍّ أَمْ لَا بُدَّ أَنْ يُبَيِّنَ مَا اغْتَابَ؟ قَالَ بَعْضُ عُلَمَائِنَا فِي الْغِيبَةِ: لَا يُعْلِمُهُ بِهَا، بَلْ يَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لَهُ إِنْ عَلِمَ أَنَّ كَلَامَهُ يُثِيرُ فِتْنَةً، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ مَا هُوَ الْمُقَرَّرُ فِي الْأُصُولِ أَنَّ الْإِبْرَاءَ عَنِ الْحُقُوقِ الْمَجْهُولَةِ جَائِزٌ عِنْدَنَا، ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِصَاحِبِ الْغِيبَةِ أَنْ يُبَرِّئَهُ مِنْهَا لِيُخَلِّصَ أَخَاهُ مِنَ الْمَعْصِيَةِ، وَيَفُوزَ هُوَ بِعَظِيمِ ثَوَابِ اللَّهِ فِي الْعَفْوِ، وَفِي الْقِنْيَةِ: تَصَافُحُ الْخَصْمَيْنِ لِأَجْلِ الْعُذْرِ اسْتِحْلَالٌ. وَقَالَ النَّوَوِيُّ: رَأَيْتُ فِي فَتَاوَى الطَّحَاوِيِّ أَنَّهُ يَكْفِي النَّدَمُ وَالِاسْتِغْفَارُ فِي الْغِيبَةِ وَإِنْ بَلَغَتْ، فَالطَّرِيقُ أَنْ يَأْتِيَ الْمُغْتَابَ وَيَسْتَحِلَّ مِنْهُ، فَإِنْ تَعَذَّرَ لِمَوْتِهِ أَوْ لِغَيْبَتِهِ الْبَعِيدَةِ اسْتَغْفَرَ اللَّهَ تَعَالَى، وَلَا اعْتِبَارَ بِتَحْلِيلِ الْوَرَثَةِ، وَإِذَا اغْتَابَ أَحَدًا فَهَلْ يَكْفِي أَنْ يَقُولَ: قَدِ اغْتَبْتُكَ فَاجْعَلْنِي فِي حِلٍّ، أَمْ لَا بُدَّ أَنْ يُبَيِّنَ مَا اغْتَابَهُ بِهِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ ; أَحَدُهُمَا: يُشْتَرَطُ، فَإِنْ أَبْرَأَهُ مِنْ غَيْرِ بَيَانِهِ لَمْ يَصِحَّ، كَمَا لَوْ أَبْرَأَهُ عَنْ مَالٍ مَجْهُولٍ، وَثَانِيهِمَا: لَا يُشْتَرَطُ ; لِأَنَّ هَذَا مِمَّا يُتَسَامَحُ فِيهِ بِخِلَافِ الْمَالِ، وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ ; لِأَنَّ الْإِنْسَانَ قَدْ يَسْمَحُ بِالْعَفْوِ عَنْ غِيبَةٍ دُونَ غِيبَةٍ، وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ: سَبِيلُ الْمُعْتَذِرِ أَنْ يُبَالِغَ فِي الثَّنَاءِ عَلَيْهِ وَالْمَوَدَّةِ إِلَيْهِ، وَيُلَازِمَ ذَلِكَ حَتَّى يَطِيبَ قَلْبُهُ، فَإِنْ لَمْ يَطِبْ قَلْبُهُ كَانَ اعْتِذَارُهُ وَتَرَدُّدُهُ حَسَنَةً مَحْسُوبَةً لَهُ، فَتُقَابَلُ بِهَا سَيِّئَةُ الْغِيبَةِ فِي الْقِيَامَةِ. (رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي الدَّعَوَاتِ الْكَبِيرِ) اسْمُ كِتَابٍ لَهُ (وَقَالَ: فِي هَذَا الْإِسْنَادِ ضَعْفٌ) . قُلْتُ: وَمَا يَضُرُّ، فَإِنَّ فَضَائِلَ الْأَعْمَالِ يَكْفِيهَا الْحَدِيثُ الضَّعِيفُ لِلْعَمَلِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ثُمَّ رَأَيْتُ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ مَا يُعَضِّدُهُ، وَهُوَ مَا رَوَاهُ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا فِي الصَّمْتِ، عَنْ أَنَسٍ أَيْضًا وَلَفْظُهُ: " «كَفَّارَةُ مَنِ اغْتَبْتَ أَنْ تَسْتَغْفِرَ لَهُ» ".
[ ٧ / ٣٠٥٧ ]