الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
٥٦١٢ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: " قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: أَعْدَدْتُ لِعِبَادِيَ الصَّالِحِينَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ. وَاقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ [السجدة: ١٧]» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
_________________
(١) بَابُ صِفَةِ الْجَنَّةِ وَأَهْلِهَا الْجَنَّةُ: الْبُسْتَانُ مِنَ الشَّجَرِ الْمُتَكَاثِفِ الْمُطِلِّ بِالْتِفَافِ أَغْصَانِهِ، وَالتَّرْكِيبُ دَائِرٌ عَلَى مَعْنَى السَّتْرِ فِي الْجَنَّةِ وَالْجُنَّةِ وَالْجِنَّةِ وَالْجُنُونِ وَنَحْوِهَا، فَكَأَنَّ الْجَنَّةَ لِتَكَاثُفِهَا وَتَظَلُّلِهَا سُمِّيَتْ بِالْجَنَّةِ الَّتِي هِيَ الْمَرَّةُ مِنْ مَصْدَرِ جَنَّهُ إِذَا سَتَرَهُ، كَأَنَّهَا سُتْرَةٌ وَاحِدَةٌ لِفَرْطِ الْتِفَافِهَا. وَسُمِّيَتْ دَارُ الثَّوَابِ جَنَّةً لِمَا فِيهَا مِنَ الْجِنَانِ، أَوْ لِكَوْنِهَا مَسْتُورَةً عَنْ أَعْيُنِ النَّاسِ؛ لِيَكُونَ الْإِيمَانُ بِالْغَيْبِ لَا بِالْعِيَانِ، أَوْ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَخْفَى مِنْ قُرَّةِ الْأَعْيُنِ لِأَهْلِهَا الْأَعْيَانِ، وَاللَّهُ ﷾ أَعْلَمُ. الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
(٢) (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: أَعْدَدْتُ) أَيْ: هَيَّأْتُ (لِعِبَادِيَ الصَّالِحِينَ): بِفَتْحِ يَاءِ الْمُتَكَلِّمِ وَيُسَكَّنُ (مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ)، قَالَ الطِّيبِيُّ - ﵀ -: (مَا) هُنَا إِمَّا مَوْصُولَةٌ أَوْ مَوْصُوفَةٌ، وَعَيْنٌ وَقَعَتْ فِي سِيَاقِ النَّفْيِ فَأَفَادَ الِاسْتِغْرَاقَ، وَالْمَعْنَى مَا رَأَتِ الْعُيُونُ كُلُّهُنَّ وَلَا عَيْنٌ وَاحِدَةٌ مِنْهُنَّ، وَالْأُسْلُوبُ مِنْ بَابِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾ [غافر: ١٨]، فَيُحْتَمَلُ نَفْيُ الرُّؤْيَةِ وَالْعَيْنِ مَعًا، أَوْ نَفْيُ الرُّؤْيَةِ فَحَسْبُ، أَيْ: لَا رُؤْيَةٌ وَلَا عَيْنٌ، أَوْ لَا رُؤْيَةٌ، وَعَلَى الْأَوَّلِ الْغَرَضُ مِنْهُ الْعَيْنُ، وَبِهَا ضُمَّتْ إِلَيْهِ الرُّؤْيَةُ لِيُؤْذِنَ بِأَنَّ انْتِفَاءَ الْمَوْصُوفِ أَمْرٌ مُحَقَّقٌ لَا نِزَاعَ فِيهِ، وَبَلَغَ فِي تَحَقُّقِهِ إِلَى أَنْ صَارَ كَالشَّاهِدِ عَلَى نَفْيِ الصِّفَةِ وَعَكْسِهِ (وَلَا أُذُنٌ): بِضَمَّتَيْنِ وَيُسَكَّنُ الذَّالُ (سَمِعَتْ، وَلَا خَطَرَ) أَيْ: وَقَعَ (عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ) . قَالَ الطِّيبِيُّ - ﵀ -: هُوَ مِنْ بَابِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ﴾ [غافر: ٥٢] أَيْ: لَا قَلْبٌ وَلَا خُطُورٌ، أَوْ لَا خُطُورًا، فَعَلَى الْأَوَّلِ لَهُمْ قَلْبٌ مُخْطِرٌ، فَجَعَلَ انْتِفَاءَ الصِّفَةِ دَلِيلًا عَلَى انْتِفَاءِ الذَّاتِ أَيْ: إِذَا لَمْ يَحْصُلْ ثَمَرَةُ الْقَلْبِ وَهُوَ الْإِخْطَارُ فَلَا قَلْبَ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ﴾ [ق: ٣٧] ". فَإِنْ قُلْتَ: لِمَ خَصَّ الْبَشَرَ هُنَا دُونَ الْقَرِينَتَيْنِ السَّابِقَتَيْنِ؟ قُلْتُ: لِأَنَّهُمْ هُمُ الَّذِينَ يَنْتَفِعُونَ بِمَا أَعَدَّ لَهُمْ وَيَهْتَمُّونَ بِشَأْنِهِ وَيَخْطُرُونَ بِبَالِهِمْ، بِخِلَافِ الْمَلَائِكَةِ، وَالْحَدِيثُ كَالتَّفْصِيلِ لِلْآيَةِ، فَإِنَّهَا نَفَتِ الْعِلْمَ، وَالْحَدِيثُ نَفَى طَرِيقَ حُصُولِهِ. (وَاقْرَءُوا): ظَاهِرُهُ أَنَّهُ مَرْفُوعٌ، وَيُؤَيِّدُهُ الْعَاطِفُ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ مَوْقُوفٌ؛ لِقَوْلِهِ: إِنْ شِئْتُمْ أَيْ: أَرَدْتُمُ الِاسْتِشْهَادَ وَالِاعْتِضَادَ ﴿فَلَا تَعْلَمُ﴾ [السجدة: ١٧]: فِي مَحَلِّ النَّصْبِ عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولُ اقْرَءُوا أَوِ التَّقْدِيرُ آيَةً فَلَا تَعْلَمُ: نَفْسٌ أَيْ: مُقْتَضَى مِنَ الْمَلَائِكَةِ وَغَيْرِهِمْ ﴿مَا أُخْفِيَ لَهُمْ﴾ [السجدة: ١٧]: قَرَأَ الْجُمْهُورُ " أُخْفِيَ " بِتَحْرِيكِ الْيَاءِ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ، وَقَرَأَ حَمْزَةُ بِسُكُونِهَا عَلَى أَنَّهُ مُضَارِعٌ مُسْنَدٌ لِلْمُتَكَلِّمِ، وَيُؤَيِّدُهُ قِرَاءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ " نُخْفِي " بِنُونِ الْعَظَمَةِ، وَقُرِئَ " أَخْفَى " بِفَتْحِ أَوَّلِهِ، وَالْفَاعِلُ هُوَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ [السجدة: ١٧]، الْكَشَّافُ: لَا تَعْلَمُ النُّفُوسُ كُلُّهُنَّ وَلَا نَفْسٌ وَاحِدَةٌ مِنْهُمْ لَا مَلَكٌ مُقَرَّبٌ وَلَا نَبِيٌّ مُرْسَلٌ أَيَّ نَوْعٍ عَظِيمٍ مِنَ الثَّوَابِ ادَّخَرَ اللَّهُ لِأُولَئِكَ وَأَخْفَاهُ مِنْ جَمِيعِ خَلَائِقِهِ، لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا هُوَ مِمَّا تَقَرُّ بِهِ عُيُونُهُمْ، وَلَا مَزِيدَ عَلَى هَذِهِ النِّعْمَةِ وَلَا مَطَمَحَ وَرَاءَهُمَا. وَفِي " شَرْحِ السُّنَّةِ ": يُقَالُ: أَقَرَّ اللَّهُ عَيْنَكَ، وَمَعْنَاهُ بَرَّدَ اللَّهُ دَمْعَتَهَا؛ لِأَنَّ دَمْعَةَ الْفَرَحِ بَارِدَةٌ، حَكَاهُ الْأَصْمَعِيُّ. وَقَالَ غَيْرُهُ: مَعْنَاهُ بَلَّغَكَ اللَّهُ أَمْنِيَّتَكَ حَتَّى تَرْضَى بِهِ نَفْسُكَ وَتَقَرَّ عَيْنُكَ وَلَا تَسْتَشْرِفَ إِلَى غَيْرِهِ. قَالَ الطِّيبِيُّ - ﵀ -: فَعَلَى هَذَا الْأَوَّلُ مِنَ الْقُرَّةِ بِمَعْنَى الْبَرْدِ، وَالثَّانِي مِنَ الْقَرَارِ، وَفِي قَوْلِهِ: أَعْدَدْتُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْجَنَّةَ مَخْلُوقَةٌ، وَيُعَضِّدُهُ سُكْنَى آدَمَ وَحَوَّاءَ الْجَنَّةَ، وَلِمَحَبَّتِهَا فِي الْقُرْآنِ عَلَى نَهْجِ الْأَسْمَاءِ الْغَالِبَةِ اللَّاحِقَةِ بِالْأَعْلَامِ، كَالنَّجْمِ وَالثُّرَيَّا وَالْكِتَابِ وَنَحْوِهَا، وَذَلِكَ أَنَّ الْجَنَّةَ كَانَتْ تُطْلَقُ عَلَى كُلِّ بُسْتَانٍ مُتَكَاثِفٍ أَغْصَانُ أَشْجَارِهَا، ثُمَّ غَلَبَتْ
[ ٩ / ٣٥٧٥ ]
عَلَى دَارِ الثَّوَابِ، وَإِنَّمَا قُلْنَا: اللَّاحِقَةُ؛ لِلْإِعْلَامِ لِكَوْنِهَا غَيْرَ لَازِمَةٍ لِلَّامِ، وَتَحْقِيقُ الْقَوْلِ أَنَّهَا مَنْقُولُ شَرْعِيَّةٍ عَلَى سَبِيلِ التَّغْلِيبِ، وَإِنَّمَا تُغَلَّبَ إِذَا كَانَتْ مَوْجُودَةً مَعْهُودَةً، وَكَذَلِكَ اسْمُ النَّارِ مَنْقُولَةٌ لِدَارِ الْعِقَابِ عَلَى سَبِيلِ الْغَلَبَةِ، وَإِنِ اشْتَمَلَتْ عَلَى الزَّمْهَرِيرِ وَالْمُهْلِ وَالضَّرِيعِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَلَوْلَا ذَلِكَ لَمَا كَانَ يُغْنِي عَنْ طَلَبِ الْقُصُورِ وَالْحُورِ وَالْوِلْدَانِ بِالْجَنَّةِ، وَلَا عَنْ طَلَبِ الْوِقَايَةِ مِنَ الزَّمْهَرِيرِ وَالْمُهْلِ وَالضَّرِيعِ عَنْ مُطْلَقِ النَّارِ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ)، وَكَذَا رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مِنْ غَيْرِ قَوْلِهِ: اقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ. . . إِلَى آخِرِهِ، عَلَى مَا فِي الْجَامِعِ فَهُوَ يُؤَيِّدُ كَوْنَهُ مَوْقُوفًا. وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ مَرْفُوعًا وَلَفْظُهُ: («إِنَّ فِي الْجَنَّةِ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ أَحَدٍ») . وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ، وَالْبَزَّارُ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ وَلَفْظُهُ: («فِي الْجَنَّةِ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ») . وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا، قَالَ: («لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ تَعَالَى جَنَّةَ عَدْنٍ خَلَقَ فِيهَا مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ») . ثُمَّ قَالَ لَهَا: تَكَلَّمِي، فَقَالَتْ: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون: ١]، هَذَا وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ الْعَسْقَلَانِيُّ - ﵀ -: سَبَبُ هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ مُوسَى - ﵊ - سَأَلَ رَبَّهُ: مَنْ أَعْظَمُ أَهْلِ الْجَنَّةِ مَنْزِلَةً؟ فَقَالَ: غَرَزْتُ كَرَامَتَهُمْ بِيَدِي وَخَتَمْتُ عَلَيْهَا، فَلَا عَيْنٌ رَأَتْ. . . وَإِلَى آخِرِهِ. أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ، انْتَهَى. وَلَا يَخْفَى أَنَّ الضَّمِيرَ فِي " ﴿مَا أُخْفِيَ لَهُمْ﴾ [السجدة: ١٧] " لِقَوْمٍ خَاصٍّ. ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [السجدة: ١٦] وَالْمُرَادُ الْمُتَهَجِّدُونَ وَالْأَوَّابُونَ، وَلَمَّا أَخْفَوْا أَعْمَالَهُمْ عَنْ أَعْيُنِ الْعِبَادِ جُوزُوا بِإِخْفَاءِ اللَّهِ تَعَالَى لَهُمْ مَا أَرَادَ لَهُمْ مِنَ الْإِعْدَادِ جَزَاءً وِفَاقًا عَلَى حَسَبِ مَا وُفِّقُوا مِنَ الْإِمْدَادِ وَالْإِسْعَادِ.
[ ٩ / ٣٥٧٦ ]
٥٦١٣ - وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: " «مَوْضِعُ سَوْطٍ فِي الْجَنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
_________________
(١) (وَعَنْهُ) أَيْ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (مَوْضِعُ سَوْطٍ فِي الْجَنَّةِ): أُرِيدَ بِهِ قَدْرٌ قَلِيلٌ مِنْهَا أَوْ مِقْدَارُ مَوْضِعِهِ فِيهَا (خَيْرٌ) أَيْ: كَمِّيَّةً وَكَيْفِيَّةً (مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا): لِأَنَّ الْجَنَّةَ مَعَ نَعِيمِهَا بَاقِيَةٌ وَالدُّنْيَا مَعَ مَا فِيهَا فَانِيَةٌ. قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: سِوَى كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى وَصِفَاتِهِ وَجَمِيعِ أَنْبِيَائِهِ انْتَهَى. وَغَرَابَةُ اسْتِثْنَائِهِ مِمَّا لَا يَخْفَى، ثُمَّ قَالَ: وَمَا هُوَ بَاقٍ لَا يُوَازِنُهُ مَا هُوَ فِي مَعْرِضِ الْفَنَاءِ، قُلْتُ: فَلَفْظُ خَيْرٍ لِمُجَرَّدِ الزِّيَادَةِ. وَقَالَ التُّورِبِشْتِيُّ - ﵀ -: إِنَّمَا خَصَّ السَّوْطَ بِالذِّكْرِ لِأَنَّ مِنْ شَأْنِ الرَّاكِبِ إِذَا أَرَادَ النُّزُولَ فِي مَنْزِلٍ أَنْ يُلْقِيَ سَوْطَهُ قَبْلَ أَنْ يَنْزِلَ مُعَلِّمًا بِذَلِكَ الْمَكَانَ الَّذِي يُرِيدُهُ؛ لِئَلَّا يَسْبِقَهُ أَحَدٌ إِلَيْهِ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) . وَفِي الْجَامِعِ: رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، وَالتِّرْمِذِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، فَقَوْلُ الْمُؤَلِّفِ: مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مَحَلُّ تَوَقُّفٍ مِنْ وَجْهَيْنِ. وَفِي الْجَامِعِ: («لَقَيْدُ سَوْطِ أَحَدِكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ خَيْرٌ مِمَّا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ») رَوَاهُ أَحْمَدُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ.
[ ٩ / ٣٥٧٦ ]
٥٦١٤ - وَعَنْ أَنَسٍ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: " «غَدْوَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ رَوْحَةٌ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا، وَلَوْ أَنَّ امْرَأَةً مِنْ نِسَاءِ أَهْلِ الْجَنَّةِ اطَّلَعَتْ إِلَى الْأَرْضِ لَأَضَاءَتْ مَا بَيْنَهُمَا وَلَمَلَأَتْ مَا بَيْنَهُمَا رِيحًا، وَلَنَصِيفُهَا عَلَى رَأْسِهَا خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا» ". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
_________________
(١) (وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (غَدْوَةٌ) أَيْ: مَرَّةٌ مِنْ ذَهَابٍ أَوَّلَ النَّهَارِ (فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ رَوْحَةٌ) أَيْ: مَرَّةٌ مِنْ رَوَاحِ آخِرِ النَّهَارِ أَوْ أَوَّلِ اللَّيْلِ، وَ" أَوْ " لَيْسَ لِلشَّكِّ، بَلْ لِلتَّنْوِيعِ، أَيْ: كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا فِي سَبِيلِ مَرْضَاتِهِ مِنْ غَزْوٍ أَوْ حَجٍّ أَوْ هِجْرَةٍ أَوْ طَلَبِ عِلْمٍ (خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا)، أَيْ جَزَاءً وَثَوَابًا وَمَآلًا وَمَآبًا (وَلَوْ أَنَّ امْرَأَةً مِنْ نِسَاءِ أَهْلِ الْجَنَّةِ اطَّلَعَتْ)، بِتَشْدِيدِ الطَّاءِ أَيْ: أَشْرَفَتْ وَطَالَعَتْ (إِلَى الْأَرْضِ لَأَضَاءَتْ مَا بَيْنَهُمَا) أَيْ مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ، أَوْ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، أَوْ مَا بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالْأَرْضِ، وَهُوَ الْأَظْهَرُ؛ لِتَحْقِيقِ ذِكْرِهَا فِي الْعِبَارَةِ صَرِيحًا، (وَلَمَلَأَتْ مَا بَيْنَهُمَا رِيحًا) أَيْ: طِيبًا (وَلَنَصِيفُهَا): كَلَامٌ مُسْتَأْنَفٌ أَيْ: وَلَخِمَارُهَا (عَلَى رَأْسِهَا): قَيَّدَ بِهِ تَحْقِيرًا لَهُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى خِمَارِ الْبَدَنِ جَمِيعِهِ (خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمِمَّا فِيهَا)، أَيْ: فَكَيْفَ الْجَنَّةُ نَفْسُهَا وَمَا بِهَا مِنْ نَعِيمِهَا. (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) . وَفِي الْجَامِعِ: («غَدْوَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ رَوْحَةٌ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا») رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالشَّيْخَانِ وَابْنُ مَاجَهْ عَنْ أَنَسٍ، وَالْبُخَارِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، وَمُسْلِمٌ وَابْنُ مَاجَهْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَالتِّرْمِذِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَرَوَاهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ عَنْ أَبِي أَيُّوبَ مَرْفُوعًا وَلَفْظُهُ: («غَدْوَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ رَوْحَةٌ خَيْرٌ مِمَّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ وَغَرَبَتْ») . وَرَوَى
[ ٩ / ٣٥٧٦ ]
الطَّبَرَانِيُّ وَالضِّيَاءُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَامِرٍ: «لَوْ أَنَّ امْرَأَةً مِنْ نِسَاءِ أَهْلِ الْجَنَّةِ أَشْرَفَتْ إِلَى الْأَرْضِ لَمَلَأَتِ الْأَرْضَ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ وَلَأَذْهَبَتْ ضَوْءَ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ» . وَرَوَى أَحْمَدُ وَالشَّيْخَانِ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ عَنْ أَنَسٍ بِلَفْظِ: («لَغَدْوَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ رَوْحَةٌ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا، وَلَقَابَ قَوْسِ أَحَدِكُمْ أَوْ مَوْضِعُ قِدِّهِ فِي الْجَنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا، وَلَوِ اطَّلَعَتِ امْرَأَةٌ مِنْ نِسَاءِ أَهْلِ الْجَنَّةِ إِلَى الْأَرْضِ لَمَلَأَتْ مَا بَيْنَهُمَا رِيحًا، وَلَأَضَاءَتْ مَا بَيْنَهُمَا، وَلَنَصِيفُهَا عَلَى رَأْسِهَا خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا») وَالْقِدُّ: بِكَسْرِ الْقَافِ وَتَشْدِيدِ الدَّالِ وَتَرُ الْقَوْسِ، وَقِيلَ: السَّوْطُ.
[ ٩ / ٣٥٧٧ ]
٥٦١٥ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: " «إِنَّ فِي الْجَنَّةِ شَجَرَةً يَسِيرُ الرَّاكِبُ فِي ظِلِّهَا مِائَةَ عَامٍ لَا يَقْطَعُهَا، وَلَقَابَ قَوْسِ أَحَدِكُمْ فِي الْجَنَّةِ خَيْرٌ مِمَّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ أَوْ تَغْرُبُ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
_________________
(١) (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (إِنَّ فِي الْجَنَّةِ شَجَرَةً) قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ - ﵀ - يُقَالُ: إِنَّهَا طُوبَى. قَالَ الْعَسْقَلَانِيُّ: وَشَاهِدُ ذَلِكَ عِنْدَ أَحْمَدَ وَالطَّبَرَانِيِّ وَابْنِ حِبَّانَ (يَسِيرُ الرَّاكِبُ فِي ظِلِّهَا) أَيْ: فِي نَاحِيَتِهَا، وَإِلَّا فَالظِّلُّ فِي عُرْفِ أَهْلِ الدُّنْيَا مَا يَقِي مِنْ حَرِّ الشَّمْسِ وَأَذَاهَا، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرًا﴾ [الإنسان: ١٣] وَقَدْ يُقَالُ: الْمُرَادُ بِالظِّلِّ هُنَا مَا يُقَابِلُ شُعَاعَ الشَّمْسِ، وَمِنْهُ مَا بَيْنَ ظُهُورِ الصُّبْحِ إِلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ؛ وَلِذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ [الواقعة: ٣٠] وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ لِلشَّجَرَةِ مِنَ النُّورِ الْبَاهِرِ مَا يَكُونُ لِمَا تَحْتَهُ كَالْحِجَابِ السَّاتِرِ. (مِائَةَ عَامٍ لَا يَقْطَعُهَا) أَيْ لَا يَنْتَهِي الرَّاكِبُ إِلَى انْقِطَاعِ ظِلِّهَا (وَلَقَابَ قَوْسِ أَحَدِكُمْ) فِي " الْفَائِقِ ": الْقَابُ وَالْقِيبُ كَالْقَادِ وَالْقِيدِ، بِمَعْنَى الْقَدْرِ، وَأَنَّهُ عَلَامَةٌ يُعْرَفُ بِهَا الْمَسَافَةُ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ مِنْ قَوْلِهِمْ: قَوَّبُوا فِي هَذِهِ الْأَرْضِ، إِذَا أَثَّرُوا فِيهَا بِمَوْطِئِهِمْ وَمَحَلِّهِمْ. وَقَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: الرَّاجِلُ يُبَادِرُ إِلَى تَعْيِينِ الْمَكَانِ بِوَضْعِ قَوْسِهِ، كَمَا أَنَّ الرَّاكِبَ يُبَادِرُ إِلَيْهِ بِرَمْيِ سَوْطِهِ انْتَهَى. وَالْأَظْهَرُ فِي الْمَعْنَى بِقَدْرِ مَوْضِعِ قَوْسِ أَحَدِكُمْ فِي الْجَنَّةِ أَوْ لِمِقْدَارِهِ وَقِيمَتِهِ لَوْ فُرِضَ أَنَّهُ قُوِّمَ فِيهَا (خَيْرٌ مِمَّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ) أَيْ: شَمْسُ الدُّنْيَا (أَوْ تَغْرُبُ) وَفِي نُسْخَةٍ: أَوْ غَرَبَتْ، وَ" أَوْ " إِمَّا لِلشَّكِّ، وَإِمَّا لِلتَّخَيُّرِ، وَإِمَّا بِمَعْنَى الْوَاوِ، فَإِنَّ الْمُرَادَ بِهَا مَا بَيْنَ الْخَافِقَيْنِ، وَهُوَ الْمُعَبَّرُ بِهِ عَنِ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) . وَفِي الْجَامِعِ: («إِنَّ فِي الْجَنَّةِ لَشَجَرَةً يَسِيرُ الرَّاكِبُ الْجَوَادَ الْمُضَمَّرَ السَّرِيعَ فِي ظِلِّهَا مِائَةَ عَامٍ لَا يَقْطَعُهَا») . رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْبُخَارِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ عَنْ أَنَسٍ، وَالشَّيْخَانِ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، وَأَحْمَدُ وَالشَّيْخَانِ وَالتِّرْمِذِيُّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ. وَالشَّيْخَانِ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ.
[ ٩ / ٣٥٧٧ ]
٥٦١٦ - وَعَنْ أَبِي مُوسَى - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: " «إِنَّ لِلْمُؤْمِنِ فِي الْجَنَّةِ لَخَيْمَةً مِنْ لُؤْلُؤَةٍ وَاحِدَةٍ مُجَوَّفَةٍ، عَرْضُهَا - وَفِي رِوَايَةٍ طُولُهَا - سِتُّونَ مِيلًا، فِي كُلِّ زَاوِيَةٍ مِنْهَا أَهْلٌ مَا يَرَوْنَ الْآخَرِينَ، يَطُوفُ عَلَيْهِمُ الْمُؤْمِنُ، وَجَنَّتَانِ مِنْ فِضَّةٍ آنِيَتُهُمَا وَمَا فِيهِمَا، وَجَنَّتَانِ مِنْ ذَهَبٍ، آنِيَتُهُمَا وَمَا فِيهِمَا، وَمَا بَيْنَ الْقَوْمِ وَبَيْنَ أَنْ يَنْظُرُوا إِلَى رَبِّهِمْ إِلَّا رِدَاءُ الْكِبْرِيَاءِ فِي جَنَّةِ عَدْنٍ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
_________________
(١) (وَعَنْ أَبِي مُوسَى) أَيِ الْأَشْعَرِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (إِنَّ لِلْمُؤْمِنِ فِي الْجَنَّةِ لَخَيْمَةً) أَيْ: عَظِيمَةً (مِنْ لُؤْلُؤَةٍ): هَمْزَتَيْنِ وَتُبْدَلَانِ، وَقَدْ تُبْدَلُ الْأُولَى دُونَ الثَّانِيَةِ أَيْ: دُرَّةٍ (وَاحِدَةٍ مُجَوَّفَةٍ عَرْضُهَا) فَالطُّولُ أَوْلَى (وَفِي رِوَايَةٍ طُولُهَا) أَيْ: وَعَلَى قِيَاسِهِ عَرْضُهَا وَيَتَحَصَّلُ بِالرِّوَايَتَيْنِ أَنَّ طُولَهَا وَعَرْضَهَا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا (سِتُّونَ مِيلًا، وَفِي كُلِّ زَاوِيَةٍ) أَيْ مِنَ الزَّاوِيَا الْأَرْبَعَةِ (مِنْهَا) أَيْ: مِنْ تِلْكَ الْخَيْمَةِ (أَهْلٌ) أَيْ لِلْمُؤْمِنِ مِنْ زَوْجٍ وَغَيْرِهِ (مَا يَرَوْنَ) أَيْ: ذَلِكَ الْأَهْلُ، وَجُمِعَ بِاعْتِبَارِ مَعْنَاهُ (الْآخَرِينَ)، أَيِ الْجَمْعَ الْآخَرِينَ مِنَ الْأَهْلِ الْكَائِنِينَ فِي زَاوِيَةٍ أُخْرَى (يَطُوفُ عَلَيْهِمْ) أَيْ يَدُورُ عَلَى جَمِيعِهِمْ (الْمُؤْمِنُونَ) بِصِيغَةِ الْجَمْعِ فِي أَصْلِ السَّيِّدِ وَكَثِيرٍ مِنْ نُسَخِ الْمِشْكَاةِ، وَفِي بَعْضِهَا بِصِيغَةِ الْإِفْرَادِ. قَالَ الطِّيبِيُّ - ﵀ -: كَذَا فِي الْبُخَارِيِّ وَشَرْحِ السُّنَّةِ وَنُسَخِ الْمَصَابِيحِ، وَفِي مُسْلِمٍ وَالْحُمَيْدِيِّ وَجَامِعِ الْأُصُولِ (الْمُؤْمِنُ)، فَعَلَى هَذَا جَمْعٌ لِإِرَادَةِ الْجِنْسِ. انْتَهَى. وَقَالَ شَارِحٌ، وَتَبِعَهُ ابْنُ الْمَلَكِ: أَنَّ الْمَعْنَى يُجَامِعُ الْمُؤْمِنُ الْأَهْلَ، وَأَنَّ الطَّوَافَ هُنَا كِنَايَةٌ عَنِ الْمُجَامَعَةِ (وَجَنَّتَانِ) مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ أَيْ: وَلِلْمُؤْمِنِ جَنَّتَانِ، وَأَغْرَبَ مَنْ قَالَ: إِنَّهُ عَطْفٌ عَلَى أَهْلٍ؛ لِكَوْنِهِ بَعِيدًا عَنِ الْمَعْنَى، وَإِنْ كَانَ قَرِيبًا فِي اللَّفْظِ، ثُمَّ قَالَ شَارِحٌ أَيْ: دَرَجَتَانِ أَوْ قَصْرَانِ (مِنْ فِضَّةٍ آنِيَتُهُمَا وَمَا فِيهِمَا)، أَيْ مِنَ الْقُصُورِ وَالْأَثَاثِ كَالسُّرُرِ.
[ ٩ / ٣٥٧٧ ]
وَكَقُضْبَانِ الْأَشْجَارِ وَأَمْثَالِ ذَلِكَ، قِيلَ: قَوْلُهُ: مِنْ فِضَّةٍ خَبَرُ " آنِيَتُهُمَا "، وَالْجُمْلَةُ صِفَةُ جَنَّتَانِ، أَوْ مِنْ فِضَّةٍ صِفَةُ قَوْلِهِ: جَنَّتَانِ، وَخَبَرُ " آنِيَتُهُمَا " مَحْذُوفٌ أَيْ آنِيَتُهُمَا وَمَا فِيهِمَا كَذَلِكَ، أَوْ آنِيَتُهُمَا فَاعِلُ الظَّرْفِ أَيْ تُفَضَّضُ آنِيَتُهُمَا، وَكَذَا مِنْ جِهَةِ الْمَبْنَى وَالْمَعْنَى قَوْلُهُ: («وَجَنَّتَانِ مِنْ ذَهَبٍ، آنِيَتُهُمَا وَمَا فِيهِمَا») ثُمَّ ظَاهَرُهُ أَنَّ الْجَنَّتَيْنِ مِنْ فِضَّةٍ لَا غَيْرَ، وَبِالْعَكْسِ فَالْجَمْعُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ حَدِيثِ: وَصِفَةُ بِنَاءِ الْجَنَّةِ مِنْ أَنَّ لَبِنَةً مِنْ ذَهَبٍ وَلَبِنَةً مِنْ فِضَّةٍ - أَنَّ الْأَوَّلَ صِفَةُ مَا فِي الْجَنَّةِ مِنْ آنِيَةٍ وَغَيْرِهَا، وَالثَّانِي صِفَةُ حَوَائِطِ الْجَنَّةِ، أَوِ الْمُرَادُ بِهِ التَّبْعِيضُ لَا التَّلْمِيعُ، أَوْ يُقَالُ: الْجَنَّتَانِ مِنْ ذَهَبٍ لِلْكُمَّلِ مِنْ أَهْلِ مَقَامِ الْخَوْفِ الْمُوجِبِ لِلْقِيَامِ بِالطَّاعَةِ عَلَى الْوَجْهِ الْأَكْمَلِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن: ٤٦] وَالْجَنَّتَانِ مِنْ فِضَّةٍ لِمَنْ يَكُونُ فِي مَرْتَبَةِ النُّقْصَانِ مِنْ مَقَامِ أَرْبَابِ الْكَمَالِ، كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ تَعَالَى بِقَوْلِهِ: ﴿وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن: ٦٢] وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْأَوَّلِينَ هُمُ السَّابِقُونَ، وَبِالْآخَرِينَ هُمُ اللَّاحِقُونَ، وَأَمَّا الْجَنَّةُ الْمُلَمَّعَةُ فَأَصْحَابُهَا الْمُخَلِّطُونَ وَاللَّهُ ﷾ أَعْلَمُ. هَذَا وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ - ﵀ -: دَلَّ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ عَلَى أَنَّ الْجِنَانَ أَرْبَعٌ، وَذَلِكَ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ فِي سُورَةِ الرَّحْمَنِ: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن: ٤٦] وَوَصَفَهُمَا، ثُمَّ قَالَ: ﴿وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن: ٦٢] وَوَصَفَهُمَا. وَرَوَيْنَا عَنْ أَبِي مُوسَى أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «جَنَّتَانِ آنِيَتُهُمَا وَمَا فِيهِمَا مِنْ ذَهَبٍ، وَجَنَّتَانِ آنِيَتُهُمَا وَمَا فِيهِمَا مِنْ فِضَّةٍ» . قُلْتُ: وَيُؤَيِّدُ مَا قَدَّمْنَاهُ مَا فِي رِوَايَةِ: جَنَّتَانِ مِنْ ذَهَبٍ لِلسَّابِقِينَ، وَجَنَّتَانِ مِنْ فِضَّةٍ لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ، وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالْجَنَّتَيْنِ نَوْعَيْنِ مِنَ الْجَنَّةِ، أَحَدُهُمَا مِنْ ذَهَبٍ وَالْآخَرُ مِنْ فِضَّةٍ، وَقَدْ يَكُونُ لِأَرْبَابِ الْكَمَالِ جَنَّتَانِ مِنْ ذَهَبٍ وَجَنَّتَانِ مِنْ فِضَّةٍ عَلَى يَمِينِ قُصُورِهِمْ وَشِمَالِهَا، طَلَبًا لِلزِّينَةِ لَا لِفُقْدَانِ الذَّهَبِ أَوْ كَثْرَةِ الْقِيمَةِ، عَلَى أَنَّهُ قَدْ يُرَادُ بِالتَّثْنِيَةِ التَّكْثِيرُ، وَيُقَوِّيهِ أَنَّ أَبْوَابَ الْجَنَّةِ وَطَبَقَاتِهَا ثَمَانِيَةٌ، فَقَدْ قَالَ فِي الْمُنَاجَاةِ: هِيَ ثَمَانٍ: جَنَّةُ عَدْنٍ، وَجَنَّةُ الْفِرْدَوْسِ، وَجَنَّةُ الْخُلْدِ، وَجَنَّةُ النَّعِيمِ، وَجَنَّةُ الْمَأْوَى، وَدَارُ السَّلَامِ، وَدَارُ الْقَرَارِ، وَدَارُ الْمُقَامَةِ. (وَمَا بَيْنَ الْقَوْمِ) أَيْ: وَلَيْسَ مَانِعٌ مِنَ الْمَوَانِعِ بَيْنَ أَهْلِ الْجَنَّةِ (وَبَيْنَ أَنْ يَنْظُرُوا إِلَى رَبِّهِمْ إِلَّا رِدَاءُ الْكِبْرِيَاءِ) أَيْ: صِفَةُ الْعَظَمَةِ (عَلَى وَجْهِهِ) أَيْ ثَابِتًا عَلَى ذَاتِهِ، فَهُوَ حَالٌ مِنَ الرِّدَاءِ (فِي جَنَّةِ عَدْنٍ) أَيْ كَائِنٌ فِي جَنَّةِ إِقَامَةٍ وَخُلُودٍ، وَهُوَ بَدَلٌ مِنْ قَوْلِهِ فِي الْجَنَّةِ كَذَا، قِيلَ: وَهُوَ يُوهِمُ الِاخْتِصَاصَ مَعَ أَنَّ وَصْفَ الْإِقَامَةِ وَالْخُلُودِ لَا يَنْفَكُّ عَنْ جِنْسِ الْجَنَّةِ، فَلَا عِبْرَةَ بِالْمَفْهُومِ الْمَوْهُومِ. قَالَ الطِّيبِيُّ - ﵀ - قَوْلُهُ: عَلَى وَجْهِهِ حَالٌ مِنْ رِدَاءِ الْكِبْرِيَاءِ، وَالْعَامِلُ مَعْنَى لَيْسَ، وَقَوْلُهُ: فِي الْجَنَّةِ مُتَعَلِّقٌ بِمَعْنَى الِاسْتِقْرَارِ فِي الظَّرْفِ، فَيُفِيدُ بِالْمَفْهُومِ انْتِفَاءَ هَذَا الْحَصْرِ فِي غَيْرِ الْجَنَّةِ. قُلْتُ: هَذَا مُسَلَّمٌ، لَكِنَّ لَفْظَ الْحَدِيثِ فِي جَنَّةِ عَدْنٍ، وَقَالَ الشَّيْخُ التُّورِبِشْتِيُّ - ﵀ - تَعَالَى: أَيْ مَا بَيْنَ الْعَبْدِ الْمُؤْمِنِ إِذَا تَبَوَّأَ مَقْعَدَهُ مِنَ الْجَنَّةِ مَعَ ارْتِفَاعِ حُجُبِ الْكُدُورَةِ الْجِسْمِيَّةِ وَاضْمِحْلَالِ الْمَوَانِعِ الْحِسِّيَّةِ هُنَاكَ وَبَيْنَ نَظَرِهِ إِلَى رَبِّهِ - إِلَّا مَا يَصُدُّهُ مِنْ هَيْبَةِ الْجَلَالِ وَسُبُحَاتِ الْجَمَالِ، وَلَا يَرْتَفِعُ ذَلِكَ مِنْهُ إِلَّا بِرَأْفَةٍ وَرَحْمَةٍ مِنْهُ، تَفَضُّلًا عَلَى عِبَادِهِ، وَأُنْشِدَ فِي الْمَعْنَى:
أَشْتَاقُهُ فَإِذَا بَدَا أَطْرَقْتُ مِنْ إِجْلَالِهِ لَا خِيفَةً بَلْ هَيْبَةً وَصِيَانَةً لِجَمَالِهِ
وَأَصُدُّ عَنْهُ تَجَلُّدًا وَأَرُومُ طَيْفَ خَيَالِهِ
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) . وَفِي الْجَامِعِ: («إِنَّ لِلْمُؤْمِنِ فِي الْجَنَّةِ لَخَيْمَةً مِنْ لُؤْلُؤَةٍ وَاحِدَةٍ مُجَوَّفَةٍ، طُولُهَا سِتُّونَ مِيلًا، لِلْمُؤْمِنِ فِيهَا أَهْلُونَ، يَطُوفُ عَلَيْهِمُ الْمُؤْمِنُ فَلَا يَرَى بَعْضُهُمْ بَعْضًا») رَوَاهُ مُسْلِمٌ - ﵀ - عَنْ أَبِي مُوسَى، وَرَوَاهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ عَنْ أَبِي مُوسَى - ﵏ - بِلَفْظِ: «فِي الْجَنَّةِ خَيْمَةٌ مِنْ لُؤْلُؤَةٍ مُجَوَّفَةٍ عَرْضُهَا سِتُّونَ مِيلًا، فِي كُلِّ زَاوِيَةٍ مِنْهَا أَهْلٌ مَا يَرَوْنَ الْآخَرِينَ، يَطُوفُ عَلَيْهِمُ الْمُؤْمِنُ») . وَرَوَى أَحْمَدُ وَالطَّبَرَانِيُّ عَنْ أَبِي مُوسَى مَرْفُوعًا: («جِنَانُ الْفِرْدَوْسِ أَرْبَعٌ: جَنَّتَانِ مِنْ ذَهَبٍ حِلْيَتُهُمَا وَآنِيَتُهُمَا وَمَا فِيهِمَا، وَجَنَّتَانِ مِنْ فِضَّةٍ حِلْيَتُهُمَا وَآنِيَتُهُمَا وَمَا فِيهِمَا، وَمَا بَيْنَ الْقَوْمِ وَبَيْنَ أَنْ يَنْظُرُوا إِلَى رَبِّهِمْ إِلَّا رِدَاءُ الْكِبْرِيَاءِ عَلَى وَجْهِهِ فِي جَنَّةِ عَدْنٍ، وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَشْخَبُ مِنْ جَنَّةِ عَدْنٍ، ثُمَّ تَصْدُرُ بَعْدَ ذَلِكَ أَنْهَارًا») .
[ ٩ / ٣٥٧٨ ]
٥٦١٧ - وَعَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: " «فِي الْجَنَّةِ مِائَةُ دَرَجَةٍ، مَا بَيْنَ كُلِّ دَرَجَتَيْنِ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، وَالْفِرْدَوْسُ أَعْلَاهَا دَرَجَةً، مِنْهَا تُفَجَّرُ أَنْهَارُ الْجَنَّةِ الْأَرْبَعَةُ، وَمِنْ فَوْقِهَا يَكُونُ الْعَرْشُ، فَإِذَا سَأَلْتُمُ اللَّهَ فَاسْأَلُوهُ الْفِرْدَوْسَ» " رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. وَلَمْ أَجِدْهُ فِي (الصَّحِيحَيْنِ) وَلَا فِي (كِتَابِ الْحُمَيْدِيِّ) .
_________________
(١) (وَعَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: فِي الْجَنَّةِ مِائَةُ دَرَجَةٍ»)، يُمْكِنُ أَنْ يُرَادَ بِهِ الْكَثْرَةُ، لِمَا وَرَدَ مِنْ رِوَايَةِ الْبَيْهَقِيِّ عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - مَرْفُوعًا: («عَدَدُ دَرَجِ الْجَنَّةِ عَدَدُ آيِ الْقُرْآنِ، فَمَنْ دَخَلَ الْجَنَّةَ مِنْ أَهْلِ الْقُرْآنِ فَلَيْسَ فَوْقَهُ دَرَجَةٌ») وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: فِي الْجَنَّةِ مِائَةُ دَرَجَةٍ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِهَا، فَيَكُونُ بَيَانُ أَقَلِّ مَا يَكُونُ فِيهَا مِنْ أَنْوَاعِ السِّعَةِ وَأَصْنَافِ النِّعْمَةِ («مَا بَيْنَ كُلِّ دَرَجَتَيْنِ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ»)، وَيُمْكِنُ تَقْيِيدُ وَصْفِ الْمِائَةِ بِمَا ذُكِرَ، وَغَيْرُهَا يَكُونُ عَلَى خِلَافِهَا مِنْ كَوْنِهِ أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ. وَرَوَى الدَّيْلَمِيُّ فِي مُسْنَدِ الْفِرْدَوْسِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: («إِنَّ فِي الْجَنَّةِ دَرَجٌ لَا يَنَالُهَا إِلَّا أَصْحَابُ الْهُمُومِ») . (وَالْفِرْدَوْسُ) أَيِ: الْجَنَّةُ الْمُسَمَّاةُ بِالْفِرْدَوْسِ الْمَذْكُورِ فِي الْقُرْآنِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون: ١] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ - الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ﴾ [المؤمنون: ١٠ - ١١] (أَعْلَاهَا) أَيْ: عَلَى سَائِرِ الْجِنَانِ (دَرَجَةً)، أَوْ أَعْلَى هَذِهِ الْمِائَةِ بِاعْتِبَارِ كُلِّ فَرْدٍ أَوْ بِاعْتِبَارِ الْمَجْمُوعِ، وَفِي النِّهَايَةِ: الْفِرْدَوْسُ - اللُّغَةُ - الْبُسْتَانُ الَّذِي فِيهِ الْكُرُومُ وَالْأَشْجَارُ، وَمِنْهُ جَنَّةُ الْفِرْدَوْسِ، قُلْتُ: لَا بُدَّ لَهُ مِنْ وَصْفٍ زَائِدٍ يَخْتَصُّ بِهِ وَيَمْتَازُ بِهِ عَنْ غَيْرِهِ كَمَا يُشِيرُ إِلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (مِنْهَا) وَفِي رِوَايَةِ الْجَامِعِ " وَمِنْهَا " أَيْ مِنْ جَنَّةِ الْفِرْدَوْسِ (تُفَجَّرُ أَنْهَارُ الْجَنَّةِ): بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيْ تُشَقَّقُ وَتَجْرِي أَنْهَارُ الْجَنَّةِ (الْأَرْبَعَةُ) - بِالرَّفْعِ - صِفَةٌ لِلْأَنْهَارِ، وَهِيَ أَنْهَارُ الْمَاءِ وَاللَّبَنِ وَالْخَمْرِ وَالْعَسَلِ الْمَذْكُورِ فِي الْقُرْآنِ: ﴿فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى﴾ [محمد: ١٥] (وَمِنْ فَوْقِهَا يَكُونُ عَرْشُ الرَّحْمَنِ) فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْفِرْدَوْسَ فَوْقَ جَمِيعِ الْجِنَانِ، وَلِذَا قَالَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَعْلِيمًا لِلْأُمَّةِ وَتَعْظِيمًا لِلْهِمَّةِ: («فَإِذَا سَأَلْتُمُ اللَّهَ فَاسْأَلُوهُ الْفِرْدَوْسَ») أَيْ فَإِنَّهُ سُرُّ الْجَنَّةِ عَلَى مَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ عَنِ الْعُرَّبَاضِ - بِضَمِّ الْعَيْنِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ - أَيْ: وَسَطُهَا وَخَيْرُهَا. وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ عَنْ سَمُرَةَ مَرْفُوعًا: («الْفِرْدَوْسُ رَبْوَةُ الْجَنَّةِ وَأَعْلَاهَا وَأَوْسَطُهَا، وَمِنْهَا تُفَجَّرُ الْأَنْهَارُ الْأَرْبَعَةُ») . وَرَوَى ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ مَرْفُوعًا: («أَنَّ أَهْلَ الْفِرْدَوْسِ يَسْمَعُونَ أَطِيطَ الْعَرْشِ») . (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) . وَفِي الْجَامِعِ: رَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ. قَالَ الْمُؤَلِّفُ: (وَلَمْ أَجِدْهُ) أَيْ هَذَا الْحَدِيثَ (فِي الصَّحِيحَيْنِ) أَيْ فِي مَتْنَيْهِمَا (وَلَا فِي كِتَابِ الْحُمَيْدِيِّ) أَيِ الْجَامِعِ بَيْنَهُمَا، وَلَعَلَّهُ سَكَتَ عَنْ جَامِعِ الْأُصُولِ لِمَانِعٍ عَنْ تَتَبُّعِهِ، وَحَاصِلُ كَلَامِهِ الِاعْتِرَاضُ عَلَى صَاحِبِ الْمَصَابِيحِ؛ حَيْثُ أَوْرَدَ الْحَدِيثَ فِي الصِّحَاحِ، وَالْحَالُ أَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ إِلَّا فِي الْحِسَانِ، قَالَ مِيرَكُ: كَذَا قَالَهُ الْمُصَنِّفُ، وَوَافَقَهُ الشَّيْخُ الْجَزَرِيُّ - ﵀ - فِي تَصْحِيحِ الْمَصَابِيحِ، وَأَقُولُ: قَدْ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي كِتَابِ الْجِهَادِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مِثْلَ عُبَادَةَ، وَالتَّفَاوُتُ بَيْنَهُمَا - أَيْ بَيْنَ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَحَدِيثِ عُبَادَةَ - يَسِيرٌ، فَكَانَ عَلَى صَاحِبِ الْمِشْكَاةِ وَالشَّيْخِ أَيْضًا أَنْ يَقُولَا: وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، مَعَ تَفَاوُتٍ يَسِيرٍ، انْتَهَى. وَقَالَ الْحَافِظُ: ابْنُ حَجَرٍ - ﵀ - فِي تَخْرِيجِ أَحَادِيثِ الْمِشْكَاةِ: وَعَجِيبٌ مِنْ إِدْخَالِ الْبَغَوِيِّ لَهُ فِي أَحَادِيثِ الصَّحِيحَيْنِ، تَمَّ كَلَامُهُ. قِيلَ: وَنَسَبَهُ صَاحِبُ الْمَشَارِقِ أَيْضًا إِلَى الْبُخَارِيِّ، وَقَدْ قِيلَ: إِنَّهُ مَوْجُودٌ فِي الْبُخَارِيِّ فِي مَوْضِعَيْنِ: الْأَوَّلُ فِي كِتَابِ الْجِهَادِ، وَالثَّانِي فِي بَابِ: وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ، وَكَذَا فِي مُسْلِمٍ فِي بَابِ: فَضْلُ الْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَمَنْ حَفِظَ حُجَّةٌ عَلَى مَنْ لَمْ يَحْفَظْ.
[ ٩ / ٣٥٧٩ ]
٥٦١٨ - وَعَنْ أَنَسٍ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: " «إِنَّ فِي الْجَنَّةِ لَسُوقًا يَأْتُونَهَا كُلَّ جُمُعَةٍ، فَتَهُبُّ رِيحُ الشَّمَالِ فَتَحْثُو فِي وُجُوهِهِمْ وَثِيَابِهِمْ، يَزْدَادُونَ حُسْنًا وَجَمَالًا، فَيَرْجِعُونَ إِلَى أَهْلِهِمْ وَقَدِ ازْدَادُوا حُسُنًا وَجَمَالًا، فَيَقُولُ لَهُمْ أَهْلُوهُمْ: وَاللَّهِ لَقَدِ ازْدَدْتُمْ بَعْدَنَا حُسْنًا وَجَمَالًا. فَيَقُولُونَ: أَنْتُمْ وَاللَّهِ لَقَدِ ازْدَدْتُمْ بَعْدَنَا حُسْنًا وَجَمَالًا» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
_________________
(١) (وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: («إِنَّ فِي الْجَنَّةِ لَسُوقًا») أَيْ: مَجْمَعًا فِيهِ الصُّوَرُ الْمُشْتَهَاةُ (يَأْتُونَهَا) أَيْ: يَحْضُرُ أَهْلُ الْجَنَّةِ تِلْكَ السُّوقَ (كُلَّ جُمُعَةٍ)، بِضَمَّتَيْنِ وَيُسَكَّنُ الثَّانِي. قَالَ النَّوَوِيُّ - ﵀ -: السُّوقُ مَجْمَعٌ لِأَهْلِ الْجَنَّةِ يَجْتَمِعُونَ فِيهَا فِي كُلِّ مِقْدَارِ جُمُعَةٍ أَيْ أُسْبُوعٍ، وَلَيْسَ هُنَاكَ أُسْبُوعٌ حَقِيقَةً؛ لِفَقْدِ الشَّمْسِ وَاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ. قُلْتُ: وَإِنَّمَا يُعْرَفُ وَقْتُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ بِإِرْخَاءِ أَسْتَارِ الْأَنْوَارِ وَرَفْعِهَا عَلَى مَا وَرَدَ فِي بَعْضِ الْأَخْبَارِ، فَبِهَذَا يُعْرَفُ يَوْمُ الْجُمُعَةِ وَأَيَّامُ الْأَعْيَادِ، وَمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِمَا مِنَ الزِّيَارَةِ وَالرُّؤْيَةِ وَسَائِرِ الْأَمْدَادِ وَالْإِسْعَادِ، فَفِي الْجَامِعِ: إِنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ لَيَحْتَاجُونِ إِلَى الْعُلَمَاءِ فِي الْجَنَّةِ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ يَرَوْنَ اللَّهَ تَعَالَى فِي كُلِّ جُمُعَةٍ فَيَقُولُ لَهُمْ: تَمَنَّوْا عَلَيَّ مَا شِئْتُمْ، فَيَلْتَفِتُونَ إِلَى الْعُلَمَاءِ فَيَقُولُونَ: مَاذَا نَتَمَنَّى؟ فَيَقُولُونَ: تَمَنَّوْا عَلَيْهِ كَذَا وَكَذَا، فَهُمْ يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِمْ فِي الْجَنَّةِ كَمَا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِمْ فِي الدُّنْيَا. رَوَاهُ ابْنُ عَسَاكِرَ عَنْ جَابِرٍ، هَذَا وَتَسْمِيَةُ يَوْمِ الْجُمُعَةِ بِيَوْمِ الْمَزِيدِ فِي الْجَنَّةِ يَدُلُّ عَلَى تَمْيِيزِهِ عَنْ سَائِرِ الْأَيَّامِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِالْمَرَامِ. (فَتَهُبُّ): بِضَمِّ الْهَاءِ وَتَشْدِيدِ الْمُوَحَّدَةِ، أَيْ فَتَأْتِي (رِيحُ الشَّمَالِ) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ مِنْ غَيْرِ هَمْزٍ، وَخُصَّتْ بِالذِّكْرِ لِأَنَّهَا مِنْ رِيحِ الْمَطَرِ عِنْدَ الْعَرَبِ (فَتَحْثُو) أَيْ تَنْثُرُ تِلْكَ الرِّيحُ، وَالْمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ أَيِ الْمِسْكَ وَأَنْوَاعَ الطِّيبِ (فِي وُجُوهِهِمْ) أَيْ أَبْدَانِهِمْ، وَخُصَّتِ الْوُجُوهُ لِشَرَفِهَا، أَوِ الْمُرَادُ بِهَا ذَوَاتُهَا (وَثِيَابِهِمْ، فَيَزْدَادُونَ) أَيْ فِي ثِيَابِهِمْ (حُسْنًا وَجَمَالًا) جَمَعَ بَيْنَهُمَا لِلتَّأْكِيدِ، أَوِ الْمُرَادُ بِأَحَدِهِمَا الزِّينَةُ، وَبِالْآخَرِ حُسْنُ الصُّورَةِ، (فَيَرْجِعُونَ) أَيْ: مِنَ السُّوقِ (إِلَى أَهْلِيهِمْ وَقَدِ ازْدَادُوا حُسْنًا وَجَمَالًا)، قِيلَ: يَكُونُ زِيَادَةُ حُسْنِهِمْ بِقَدْرِ حَسَنَاتِهِمْ، (فَيَقُولُ لَهُمْ أَهْلُوهُمْ: وَاللَّهِ لَقَدِ ازْدَدْتُمْ) أَيْ: أَنْتُمْ أَيْضًا، وَفِيهِ تَغْلِيبٌ؛ لِكَوْنِ الْأَهْلِ أَعَمَّ مِنَ النِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ، أَوْ أُرِيدَ بِهِ التَّعْظِيمُ وَالتَّكْرِيمُ، أَوْ رُوعِيَ الْمُشَاكَلَةُ وَالْمُقَابَلَةُ (بَعْدَنَا) أَيْ: بَعْدَ مُفَارَقَتِكُمْ عَنَّا («حُسْنًا وَجَمَالًا، فَيَقُولُونَ: أَنْتُمْ وَاللَّهِ لَقَدِ ازْدَدْتُمْ بَعْدَنَا حُسْنًا وَجَمَالًا») وَهُوَ إِمَّا لِإِصَابَتِهِمْ مِنْ تِلْكَ الرِّيَاحِ، أَوْ بِسَبَبِ انْعِكَاسِ جَمَالِهِمْ، أَوْ لِأَجْلِ تَأْثِيرِ حَالِهِمْ وَتَرَقِّي مَآلِهِمْ (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
[ ٩ / ٣٥٨٠ ]
٥٦١٩ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: " «إِنَّ أَوَّلَ زُمْرَةٍ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ عَلَى صُورَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ كَأَشَدِّ كَوْكَبٍ دُرِّيٍّ فِي السَّمَاءِ إِضَاءَةً، قُلُوبُهُمْ عَلَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ، لَا اخْتِلَافَ بَيْنَهُمْ وَلَا تَبَاغُضَ، لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ زَوْجَتَانِ مِنَ الْحُورِ الْعِينِ، يُرَى مُخُّ سُوقِهِنَّ مِنْ وَرَاءِ الْعَظْمِ وَاللَّحْمِ مِنَ الْحُسْنِ، يُسَبِّحُونَ اللَّهَ بُكْرَةً وَعَشِيًّا، لَا يَسْقَمُونُ، وَلَا يَبُولُونَ، وَلَا يَتَغَوَّطُونَ وَلَا يَتْفُلُونَ، وَلَا يَتَمَخَّطُونَ، آنِيَتُهُمُ الذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ، وَأَمْشَاطُهُمُ الذَّهَبُ، وَوَقُودُ مَجَامِرِهِمُ الْأَلُوَّةُ، وَرَشْحُهُمُ الْمِسْكُ، عَلَى خُلُقِ رَجُلٍ وَاحِدٍ، عَلَى صُورَةِ أَبِيهِمْ آدَمَ سِتُّونَ ذِرَاعًا فِي السَّمَاءِ» "، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
_________________
(١) (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (إِنَّ أَوَّلَ زُمْرَةٍ) بِضَمِّ الزَّايِ أَيْ أَوَّلَ جَمَاعَةٍ، وَهُمُ الْأَنْبِيَاءُ وَالْأَوْلِيَاءُ. كَذَا قَالَهُ شَارِحٌ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِمُ الْأَنْبِيَاءُ خَاصَّةً («يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ عَلَى صُورَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ»)، وَلَعَلَّ دُخُولَهَا عَلَى صُورَةِ الشَّمْسِ مُخْتَصٌّ بِنَبِيِّنَا صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى وَسَلَّمَ (ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ) أَيْ: يَقْرُبُونَ تِلْكَ الزُّمْرَةَ فِي قُرْبِ الْمَرْتَبَةِ مِنَ الْأَوْلِيَاءِ وَالْعُلَمَاءِ وَالشُّهَدَاءِ وَالصُّلَحَاءِ. (كَأَشَدِّ) أَيْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ كَأَشَدِّ (كَوْكَبٍ دُرِّيٍّ فِي السَّمَاءِ): وَهُوَ بِضَمِّ الدَّالِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ وَالْيَاءِ أَيْ: شَدِيدُ الْإِنَارَةِ، مَنْسُوبٌ إِلَى الدُّرِّ، وَتَقَدَّمَتْ لُغَاتٌ أُخَرُ مَعَ بَيَانِ مَبَانِيهَا وَمَعَانِيهَا ثُمَّ قَوْلُهُ: (إِضَاءَةً)، تَمْيِيزٌ يُبَيِّنُ وَجْهَ الشَّبَهِ. قَالَ الطِّيبِيُّ - ﵀ -: أَفْرَدَ الْمُضَافَ إِلَيْهِ لِيُفِيدَ الِاسْتِغْرَاقَ فِي هَذَا النَّوْعِ مِنَ الْكَوْكَبِ، يَعْنِي: إِذَا تَقَصَّيْتَ كَوْكَبًا كَوْكَبًا رَأَيْتَهُمْ كَأَشَدِّ إِضَاءَةٍ. (قُلُوبُهُمْ) أَيْ: قُلُوبُ أَهْلِ الْجَنَّةِ حِينَئِذٍ، أَوْ قُلُوبُ الزُّمْرَةِ الْأَخِيرَةِ، فَالْأَوْلَى بِالْأُولَى (عَلَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ)، أَيْ فِي الْإِنْفَاقِ وَالْمَحَبَّةِ، فَقَوْلُهُ: (لَا اخْتِلَافَ بَيْنَهُمْ وَلَا تَبَاغُضَ) تَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ: قُلُوبُهُمْ إِلَخْ. وَهَذَا الْمَعْنَى مُقْتَبَسٌ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾ [الحجر: ٤٧] (لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ زَوْجَتَانِ) أَيْ: عَظِيمَتَانِ (مِنَ الْحُورِ): بِضَمِّ الْحَاءِ أَيِ النِّسَاءِ الْبَيْضِ الْأَبْدَانِ، مِنَ الْحَوَرِ وَهُوَ الْبَيَاضُ الْخَالِصُ، وَمِنْهُ الْحَوَارِيُّ وَالْحَوَارِيُّونَ. (الْعِينِ)، بِكَسْرِ الْعَيْنِ أَيْ: حِسَانُ الْأَعْيَانِ (يُرَى): بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيْ يُبْصَرُ (مُخُّ سُوقِهِنَّ): جَمْعُ السَّاقِ، أَيْ مُخُّ عِظَامِهِنَّ (مِنْ وَرَاءِ الْعَظْمِ وَاللَّحْمِ) الْوَاوُ لِمُطْلَقِ الْجَمْعِ أَوِ التَّرْتِيبِ لِلتَّرَقِّي (مِنَ الْحُسْنِ) أَيْ مِنْ أَجْلِ لَطَافَةِ خِلْقَتِهِنَّ.
[ ٩ / ٣٥٨٠ ]
قَالَ الطِّيبِيُّ - ﵀ -: هُوَ تَتْمِيمٌ صَوْنًا مِنْ تَوَهُّمِ مَا يُتَصَوَّرُ فِي تِلْكَ الرُّؤْيَةِ مِمَّا يَنْفِرُ عَنْهُ الطَّبْعُ، وَالْحُسْنُ هُوَ الصَّفَاءُ وَرِقَّةُ الْبَشْرَةِ وَنُعُومَةُ الْأَعْضَاءِ، هَذَا وَلَعَلَّ الزَّوْجَتَيْنِ الْمَذْكُورَتَيْنِ لِعُمُومِ أَفْرَادِ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَأَمَّا أَهْلُ الْخُصُوصِ فَيُزَادُ لَهُمْ عَلَى حَسَبِ مَقَامَاتِهِمْ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ - ﵀ -: الظَّاهِرُ أَنَّ التَّثْنِيَةَ لِلتَّكْرِيرِ لَا لِلتَّحْدِيدِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: فَارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ لِأَنَّهُ قَدْ جَاءَ أَنَّ لِلْوَاحِدِ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ الْعَدَدَ الْكَثِيرَ مِنَ الْحُورِ الْعِينِ. (يُسَبِّحُونَ اللَّهَ) أَيْ: أَهْلُ الْجَنَّةِ يُنَزِّهُونَهُ تَعَالَى عَنْ صِفَاتِ النُّقْصَانِ، وَيُثْبِتُونَ لَهُ نُعُوتَ الْكَمَالِ، فَإِنَّ النَّفْيَ وَالْإِثْبَاتَ مُتَلَازِمَانِ، كَمَا حُقِّقَ فِي كَلِمَةِ التَّوْحِيدِ مِنْ أَنَّ الْجَمْعَ بَيْنَهُمَا لِلتَّوْكِيدِ، وَإِلَى ذَلِكَ أَشَارَ فِي قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: ﴿دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ﴾ [يونس: ١٠] (بُكْرَةً وَعَشِيًّا)، أَيْ دَائِمًا عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ بِهِمَا لَيْلًا وَنَهَارًا بِإِطْلَاقِ الْجُزْءِ وَإِرَادَةِ الْكُلِّ، مَجَازٌ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ - ﵀ -: يُرَادُ بِهَا الدَّيْمُومَةُ، كَمَا تَقُولُ الْعَرَبُ: أَنَا عِنْدَ فُلَانٍ صَبَاحًا وَمَسَاءً، لَا تَقْصِدُ الْوَقْتَيْنِ الْمَعْلُومَيْنِ، بَلِ الدَّيْمُومَةَ (لَا يَسْقَمُونَ): بِفَتْحِ الْقَافِ وَيُضَمُّ، فَفِي الْقَامُوسِ: سَقِمَ كَفَرِحَ وَكَرُمَ، وَالْمَعْنَى لَا يَمْرَضُونَ وَلَا يَضْعُفُونَ وَلَا يَشِيبُونَ (وَلَا يَبُولُونَ)، أَيْ مِنْ قُبُلٍ (وَلَا يَتَغَوَّطُونَ) أَيْ مِنْ دُبُرٍ (وَلَا يَتْفُلُونَ) بِضَمِّ الْفَاءِ وَتُكْسَرُ أَيْ لَا يَبْزُقُونَ (وَلَا يَتَمَخَّطُونَ)، أَيْ لَيْسَ فِي فَمِهِمْ وَأَنْفِهِمْ مِنَ الْمِيَاهِ الزَّائِدَةِ وَالْمَوَادِّ الْفَاسِدَةِ لِيَحْتَاجُوا إِلَى إِخْرَاجِهَا، وَلِأَنَّ الْجَنَّةَ مَسَاكِنُ طَيِّبَةٌ لِلطَّيِّبِينَ، فَلَا يُلَائِمُهَا الْأَدْنَاسُ وَالْأَنْجَاسُ (آنِيَتُهُمْ): جَمْعُ إِنَاءٍ أَيْ: ظُرُوفُهُمْ (الذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ)، أَيْ مُلَمَّعَةٌ عَلَى إِرَادَةِ الزِّينَةِ، أَوْ ظُرُوفُ بَعْضِهِمُ الذَّهَبُ، وَظُرُوفُ بَعْضِهِمُ الْفِضَّةُ، فَالْوَاوُ بِمَعْنَى (أَوْ) لِلتَّنْوِيعِ (وَأَمْشَاطُهُمْ): جَمْعُ مُشْطٍ (الذَّهَبُ، وَوَقُودُ مَجَامِرِهِمْ): بِفَتْحِ الْوَاوِ أَيْ: مَا يُوقَدُ بِهِ مَبَاخِرُهُمْ (الْأَلُوَّةُ): بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَيُضَمُّ، وَبِضَمِّ اللَّامِ وَتَشْدِيدِ الْوَاوِ.
قَالَ النَّوَوِيُّ - ﵀ -: هُوَ الْعُودُ الْهِنْدِيُّ، وَقَالَ شَارِحٌ: الْمَجْمَرُ - بِالْفَتْحِ - مَا يُوضَعُ فِيهِ الْجَمْرِ وَيَحْتَرِقُ فِيهِ الْعُودُ، وَبِالْكَسْرِ الْآلَةُ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: فِيهِ أَنَّهُ لَا نَارَ فِي الْجَنَّةِ. وَأُجِيبَ: بِأَنَّهُ يَفُوحُ بِغَيْرِ نَارٍ. أَقُولُ: وَقَدْ يَكُونُ بِالنُّورِ، وَهُوَ فِي غَايَةٍ مِنَ الظُّهُورِ، وَفِي النِّهَايَةِ: الْمَجَامِرُ جَمْعُ مِجْمَرٍ بِالْكَسْرِ، وَهِيَ الَّتِي تُوضَعُ فِيهِ النَّارُ لِلْبَخُورِ، وَبِالضَّمِّ هُوَ الَّذِي يُتَبَخَّرُ بِهِ وَأُعِدَّ لَهُ الْجَمْرُ. قَالَ الطِّيبِيُّ - ﵀ -: وَالْمُرَادُ فِي الْحَدِيثِ هُوَ الْأَوَّلُ، وَفَائِدَةُ الْإِضَافَةِ أَنَّ الْأَلُوَّةَ هُوَ الْوَقُودُ نَفْسُهُ، بِخِلَافِ الْمُتَعَارَفِ، فَإِنَّ وَقُودَهُمْ غَيْرُ الْأَلُوَّةِ. انْتَهَى.
وَهَذَا كُلُّهُ مِنَ اللَّذَّاتِ الْمُتَوَالِيَةِ، وَالشَّهَوَاتِ الْمُتَعَالِيَةِ، وَإِلَّا فَلَا تَلَبُّدَ لِشُعُورِهِمْ، وَلَا وَسَخَ، وَلَا عُفُونَةَ لِأَبْدَانِهِمْ وَثِيَابِهِمْ، بَلْ رِيحُهُمْ أَطْيَبُ مِنَ الْمِسْكِ، فَلَا حَاجَةَ لَهُمْ إِلَى التَّمْشِيطِ وَالتَّبَخُّرِ إِلَّا لِزِيَادَةِ الزِّينَةِ، وَالتَّلَذُّذِ بِأَنْوَاعِ النِّعْمَةِ الْحِسِّيَّةِ كَمَا قَالَ: (وَرَشْحُهُمْ) أَيْ عَرَقُهُمْ رَائِحَةُ (الْمِسْكُ)، وَالْمَعْنَى رَائِحَةُ عَرَقِهِمْ رَائِحَةُ الْمِسْكِ، فَهُوَ تَشْبِيهٌ بَلِيغٌ («عَلَى خُلُقِ رَجُلٍ وَاحِدٍ») بِضَمِّ الْخَاءِ وَاللَّامِ وَتُسَكَّنُ، وَالْمَعْنَى أَنَّهُمْ عَلَى قَلْبٍ وَاحِدٍ كَمَا سَبَقَ، وَبِفَتْحِ الْأَوَّلِ، وَالْمَعْنَى أَنَّهُمْ أَتْرَابٌ فِي سَنٍّ وَاحِدٍ، وَهُوَ ثَلَاثُونَ أَوْ ثَلَاثٌ وَثَلَاثُونَ سَنَةً عَلَى مَا سَيَأْتِي فِي الْحَدِيثِ، وَهُوَ الْمُلَائِمُ الْمُنَاسِبُ لِقَوْلِهِ: («عَلَى صُورَةِ أَبِيهِمْ آدَمَ»)، أَيْ فِي الْقَامَةِ، وَبَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ: (سِتُّونَ ذِرَاعًا فِي السَّمَاءِ) أَيْ طُولًا، فَكَنَّى عَنْهُ بِهِ، قَالَهُ الطِّيبِيُّ - ﵀ - وَقِيلَ: الْعَرْضُ سَبْعَةٌ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
قَالَ النَّوَوِيُّ - ﵀ -: رُوِيَ بِضَمِّ الْخَاءِ وَاللَّامِ، وَبِفَتْحِ الْخَاءِ وَإِسْكَانِ اللَّامِ، وَكِلَاهُمَا صَحِيحٌ، وَرَجَّحَ الضَّمَّ بِقَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ: لَا اخْتِلَافَ بَيْنَهُمْ وَلَا تَبَاغَضَ، قُلُوبُهُمْ عَلَى قَلْبٍ وَاحِدٍ، وَقَدْ يُرَجَّحُ الْفَتْحُ بِقَوْلِهِ: لَا يَتَمَخَّطُونَ وَلَا يَتْفُلُونَ. قَالَ الطِّيبِيُّ - ﵀ -: فَعَلَى هَذَا لَا يَكُونُ قَوْلُهُ: عَلَى صُورَةِ أَبِيهِمْ آدَمَ بَدَلًا مِنْ قَوْلِهِ: عَلَى خُلُقِ رَجُلٍ وَاحِدٍ، بَلْ يَكُونُ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، فَإِذَا قِيلَ: الْمَوْصُوفُونَ بِالصِّفَاتِ الْمَذْكُورَةِ كُلِّهَا عَلَى خُلُقِ رَجُلٍ وَاحِدٍ - حَسُنَ الْإِبْدَالُ، انْتَهَى. وَإِنَّمَا الِاخْتِلَافُ فِي الْمُرَادِ بِلَفْظِ الْحَدِيثِ، وَإِلَّا فَلَا خِلَافَ أَنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ كُلَّهُمْ كَامِلُونَ فِي الْخُلُقِ وَالْخَلْقِ جَمِيعًا بَلِ الْخُلُقُ - بِالضَّمِّ - هُوَ الْخَلِيقُ بِالِاعْتِبَارِ، فَإِنَّهُ مُوجَبٌ بِحُسْنِ الْخَلْقِ - بِالْفَتْحِ - وَلِذَا قِيلَ: الظَّاهِرُ عُنْوَانُ الْبَاطِنِ، وَقَدْ وَرَدَ أَنَّهُ سُبْحَانَهُ مَا خَلَقَ نَبِيًّا إِلَّا حَسَنَ الصُّورَةِ وَحَسَنَ الصَّوْتِ، وَلَكِنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤] بَيَانُ أَنْ يَكُونَ لَهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - شَأْنٌ عَظِيمٌ فِي خَلْقِ تَصْوِيرِهِ الْجَسِيمِ، فَإِنَّ الْمُؤْمِنَ مِرْآةُ الْمُؤْمِنِ، فَبِمِقْدَارِ صَفَاءِ الْمِرْآةِ وَصِقَالَتِهَا وَتَخْلِيَتِهَا وَتَجْلِيَتِهَا تَنْعَكِسُ وَتَتَجَلَّى فِيهَا صُورَةُ الْمَحْبُوبِ الْمَطْلُوبِ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) وَفِي الْجَامِعِ: («أَوَّلُ زُمْرَةٍ تَدْخُلُ الْجَنَّةَ عَلَى صُورَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ، وَالثَّانِيَةُ عَلَى لَوْنِ أَحْسَنِ كَوْكَبٍ دُرِّيٍّ فِي السَّمَاءِ، لِكُلِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ زَوْجَتَانِ، عَلَى كُلِّ زَوْجَةٍ سَبْعُونَ حُلَّةً، يَبْدُو مُخُّ سَاقِهَا مِنْ وَرَائِهَا») . رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ.
[ ٩ / ٣٥٨١ ]
٥٦٢٠ - وَعَنْ جَابِرٍ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: " «إِنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ يَأْكُلُونَ فِيهَا وَيَشْرَبُونَ، وَلَا يَتْفُلُونَ، وَلَا يَبُولُونَ، وَلَا يَتَغَوَّطُونَ، وَلَا يَتَمَخَّطُونَ " قَالُوا: فَمَا بَالُ الطَّعَامِ؟ قَالَ: " جُشَاءٌ وَرَشْحٌ كَرَشْحِ الْمِسْكِ، يُلْهَمُونَ التَّسْبِيحَ وَالتَّحْمِيدَ كَمَا تُلْهَمُونَ النَّفَسَ» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
_________________
(١) (وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: («إِنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ يَأْكُلُونَ فِيهَا وَيَشْرَبُونَ») أَيْ فِيهَا (وَلَا يَتْفُلُونَ) أَيْ لَا يَبْصُقُونَ («وَلَا يَبُولُونَ، وَلَا يَتَغَوَّطُونَ، وَلَا يَتَمَخَّطُونَ») مِنْ بَابِ الِافْتِعَالِ، وَفِيمَا سَبَقَ مِنْ بَابِ التَّفْعِيلِ (قَالُوا) أَيْ بَعْضُ الصَّحَابَةِ (فَمَا بَالُ الطَّعَامِ)؟ أَيْ مَا شَأْنُ فَضْلَتِهِ قَالَ: (جُشَاءٌ): بِضَمِّ الْجِيمِ وَهُوَ تَنَفُّسُ الْمَعِدَةِ مِنَ الِامْتِلَاءِ وَقَالَ شَارِحٌ: أَيْ صَوْتٌ مَعَ رِيحٍ يَخْرُجُ مِنَ الْفَمِ عِنْدَ الشِّبَعِ، أَقُولُ: التَّقْدِيرُ هُوَ جُشَاءٌ (وَرَشْحٌ) أَيْ عَرَقٌ (كَرَشْحِ الْمِسْكِ)، أَيْ يَصِيرُ فَضْلُ الطَّعَامِ جُشَاءً أَيْ نَظِيرَهُ، وَإِلَّا فَجُشَاءُ الْجَنَّةِ لَا يَكُونُ مَكْرُوهًا بِخِلَافِ جُشَاءِ الدُّنْيَا؛ وَلِهَذَا قَالَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (أَقْصِرْ عَنَّا جُشَاءَكَ) وَيَصِيرُ رَشْحًا، وَهُوَ إِمَّا بِاعْتِبَارِ اخْتِلَافِ الْأَشْخَاصِ، أَوِ الْأَوْقَاتِ، أَوْ بَعْضُ الطَّعَامِ يَكُونُ جُشَاءً وَبَعْضُهُ يَكُونُ رَشْحًا، وَالْأَظْهَرُ أَنَّ الْأَكْلَ يَنْقَلِبُ جُشَاءً، وَالشُّرْبَ يَعُودُ رَشْحًا، وَالطَّعَامُ قَدْ يُطْلَقُ عَلَيْهِمَا نَظَرًا إِلَى مَعْنَى الطُّعْمِ، فَفِي الْقَامُوسِ: طَعْمُ الشَّيْءِ: حَلَاوَتُهُ وَمَرَارَتُهُ، وَمَا بَيْنَهُمَا يَكُونُ فِي الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ، أَقُولُ: وَبِهِ يَتِمُّ التَّنْزِيهُ فِي قَوْلِهِ: " ﴿وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ﴾ [الأنعام: ١٤] "، هَذَا وَفِي رِوَايَةِ الْجَامِعِ: «وَلَكِنَّ طَعَامَهُ ذَلِكَ جُشَاءٌ وَرَشْحٌ كَرَشْحِ الْمِسْكِ»، وَأَمَّا قَوْلُ الطِّيبِيِّ - ﵀ - أَيْ: يَنْدَفِعُ الطَّعَامُ بِالْجُشَاءِ وَالرَّشْحِ، فَهُوَ حَاصِلُ الْمَعْنَى لِأَجْلِ الْمَبْنَى، كَمَا لَا يَخْفَى، ثُمَّ بَيَّنَ بَعْضَ أَحْوَالٍ أُخَرَ لِأَهْلِ الْجَنَّةِ عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِئْنَافِ وَالْبَيَانِ حَيْثُ قَالَ: (يُلْهَمُونَ) أَيْ: أَهْلُ الْجَنَّةِ (التَّسْبِيحَ وَالتَّحْمِيدَ) أَيْ: وَنَحْوَهُمَا مِنَ الْأَذْكَارِ (كَمَا تُلْهَمُونَ) أَيْ: أَنْتُمْ فِي هَذِهِ الدَّارِ (النَّفَسَ) بِفَتْحَتَيْنِ أَيِ التَّنَفُّسَ، وَالْمَعْنَى لَا يَتْعَبُونَ مِنَ التَّسْبِيحِ وَالتَّهْلِيلِ كَمَا لَا تَتْعَبُونَ أَنْتُمْ. وَفِي الْجَامِعِ بِصِيغَةِ الْغَيْبَةِ أَيْ: «كَمَا يُلْهَمُونَ مِنَ النَّفَسِ، وَلَا يَشْغَلُهُمْ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ، كَمَا لَا يَمْنَعُهُمْ مِنَ النَّفَسِ، كَالْمَلَائِكَةِ»، أَوْ يُرِيدُ أَنَّهَا تَصِيرُ صِفَةً لَازِمَةً لَا يَنْفَكُّونَ عَنْهَا كَالنَّفَسِ اللَّازِمِ لِلْحَيَوَانِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ لَا يَخْرُجُ مِنْهُمْ نَفَسٌ إِلَّا مَقْرُونًا بِذِكْرِهِ وَشُكْرِهِ سُبْحَانَهُ؛ وَلِذَا قَالَ الْعَارِفُونَ: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن: ٤٦] جَنَّةٌ عَاجِلَةٌ فِي الدُّنْيَا وَجَنَّةٌ آجِلَةٌ فِي الْعُقْبَى، فَالْأُولَى وَسِيلَةٌ لِلْأُخْرَى، وَالْأُخْرَى نَتِيجَةٌ لِلْأُولَى، وَقَدْ أُشِيرَ إِلَى هَذَا الْمَعْنَى فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ﴾ [الانفطار: ١٣] فَإِنَّهُ لَا نَعِيمَ أَعْلَى مِنْ دَوَامِ ذِكْرِ الْكَرِيمِ: ﴿وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ﴾ [الانفطار: ١٤] فَإِنَّ الْحِجَابَ أَشَدُّ أَنْوَاعِ الْعَذَابِ. قَالَ الطِّيبِيُّ - ﵀ -: الْإِلْهَامُ إِلْقَاءُ الشَّيْءِ فِي الرَّوْعِ، وَيَخْتَصُّ ذَلِكَ بِمَا كَانَ مِنْ جِهَةِ اللَّهِ وَجِهَةِ الْمَلَأِ الْأَعْلَى، فَقَوْلُهُ: تُلْهَمُونَ وَارِدٌ عَلَى سَبِيلِ الْمُشَاكَلَةِ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِهِ التَّنَفُّسُ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) . وَكَذَا أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ.
[ ٩ / ٣٥٨٢ ]
٥٦٢١ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: " «مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ يَنْعَمُ وَلَا يَبْأَسُ، وَلَا تَبْلَى ثِيَابُهُ، وَلَا يَفْنَى شَبَابُهُ» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
_________________
(١) (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: («مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ يَنْعَمُ») بِفَتْحِ الْعَيْنِ - أَنْ يَتَنَعَّمَ (وَلَا يَبْأَسُ): بِسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ فَالْهَمْزَةِ الْمَفْتُوحَةِ، أَيْ لَا يَفْقُرُ وَلَا يَهْتَمُّ. قَالَ الطِّيبِيُّ - ﵀ -: هُوَ تَأْكِيدٌ لِقَوْلِهِ: يَنْعَمُ، وَالْأَصْلُ أَنْ لَا يُجَاءَ بِالْوَاوِ، وَلَكِنْ أَرَادَ بِهِ التَّقْرِيرَ عَلَى الطَّرْدِ وَالْعَكْسِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم: ٦] قُلْتُ: وَفِي رِوَايَةِ الْجَامِعِ: لَا يَبْأَسُ بِلَا عَطْفٍ (وَلَا يَبْلَى): بِفَتْحِ اللَّامِ مَعَ التَّذْكِيرِ وَالتَّأْنِيثِ أَيْ: لَا يَخْلَقُ ثِيَابُهُ (وَلَا يَفْنَى) أَيْ لَا يَذْهَبُ (شَبَابُهُ) . قَالَ الْقَاضِي - ﵀ -: مَعْنَاهُ أَنَّ الْجَنَّةَ دَارُ الثَّبَاتِ وَالْقَرَارِ، وَأَنَّ التَّغَيُّرَ لَا يَتَطَرَّقُ إِلَيْهَا، فَلَا يَشُوبُ نَعِيمَهَا بُؤْسٌ، وَلَا يَعْتَرِيهِ فَسَادٌ وَلَا تَغْيِيرٌ، فَإِنَّهَا لَيْسَتْ دَارَ الْأَضْدَادِ وَمَحَلَّ الْكَوْنِ وَالْفَسَادِ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
[ ٩ / ٣٥٨٢ ]
٥٦٢٢ - ٥٦٢٣ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ - ﵄ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: " «يُنَادِي مُنَادٍ: إِنَّ لَكُمْ أَنْ تَصِحُّوا فَلَا تَسْقَمُوا أَبَدًا، وَإِنَّ لَكُمْ أَنْ تَحْيَوْا فَلَا تَمُوتُوا أَبَدًا، وَإِنَّ لَكُمْ أَنْ تَشِبُّوا فَلَا تَهْرَمُوا أَبَدًا، وَإِنَّ لَكُمْ أَنْ تَنْعَمُوا فَلَا تَبْأَسُوا أَبَدًا» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
_________________
(١) ٥٦٢٣ - (وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (يُنَادِي مُنَادٍ) أَيْ: فِي الْجَنَّةِ، وَقِيلَ: إِذَا رَأَوْهَا مِنْ بَعِيدٍ (إِنَّ لَكُمْ): بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ أَيْ قَائِلًا: إِنَّ لَكُمْ (أَنْ تَصِحُّوا): بِكَسْرِ الصَّادِ وَتَشْدِيدِ الْحَاءِ، أَيْ تَكُونُوا صَحِيحِي الْبَدَنِ دَائِمًا (فَلَا تَسْقَمُوا) أَيْ: فَلَا تَمْرَضُوا (أَبَدًا، وَإِنَّ لَكُمْ أَنْ تَحْيَوْا): بِفَتْحِ الْيَاءِ أَيْ تَكُونُوا أَحْيَاءً («فَلَا تَمُوتُوا أَبَدًا، وَإِنَّ لَكُمْ أَنْ تَشِبُّوا»): بِكَسْرِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَتَشْدِيدِ الْمُوَحَّدَةِ أَيْ تَدُومُوا شَبَابًا (فَلَا تَهْرَمُوا): بِفَتْحِ الرَّاءِ أَيْ لَا تَشِيبُوا (أَبَدًا، وَإِنَّ لَكُمْ أَنْ تَنْعَمُوا فَلَا تَبْأَسُوا أَبَدًا) قَالَ الطِّيبِيُّ - ﵀ -: هَذَا النِّدَاءُ، وَالْبِشَارَةُ أَلَذُّ وَأَشْهَى مَا فِيهِ مِنَ السُّرُورِ، وَفِي عَكْسِهِ أَنْشَدَ الْمُتَنَبِّي: أَشَدُّ الْغَمِّ عِنْدِي فِي سُرُورٍ تَيَقَّنَ عَنْهُ صَاحِبُهُ ارْتِحَالًا (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
[ ٩ / ٣٥٨٣ ]
٥٦٢٤ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ - ﵁ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: " «إِنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ يَتَرَاءَوْنَ أَهْلَ الْغُرَفِ مِنْ فَوْقِهِمْ كَمَا تَتَرَاءَوْنَ الْكَوْكَبَ الدُّرِّيَّ الْغَابِرَ فِي الْأُفُقِ، مِنَ الْمَشْرِقِ إِلَى الْمَغْرِبِ لِتَفَاضُلِ مَا بَيْنَهُمْ " قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، تِلْكَ مَنَازِلُ الْأَنْبِيَاءِ لَا يَبْلُغُهَا غَيْرُهُمْ، قَالَ: " بَلَى وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ رِجَالٌ آمَنُوا بِاللَّهِ وَصَدَّقُوا الْمُرْسَلِينَ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
_________________
(١) (وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: (إِنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ يَتَرَاءَوْنَ) أَيْ: يَنْظُرُونَ أَوْ يَرَى بَعْضُهُمْ بَعْضًا (أَهْلَ الْغُرَفِ): بِضَمٍّ فَفَتْحٍ، جَمْعُ غُرْفَةٍ وَهِيَ بَيْتٌ يُبْنَى فَوْقَ الدَّارِ، وَالْمُرَادُ هُنَا الْقُصُورُ الْعَالِيَةُ فِي الْجَنَّةِ (مِنْ فَوْقِهِمْ) وَفِي هَذَا تَصْرِيحٌ بِأَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٢٢] يُرَادُ بِهَا الْعُلُوُّ الْحِسِّيُّ أَيْضًا (كَمَا تَتَرَاءَوْنَ) أَيْ أَنْتُمْ فِي الدُّنْيَا (الْكَوْكَبَ الدُّرِّيَّ) أَيْ: لِصَفَاءِ لَوْنِهِ وَنُورِهِ وَعُلُوِّ ظُهُورِهِ (الْغَابِرَ): بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ ثُمَّ بِالْمُوَحَّدَةِ مِنَ الْغُبُورِ، أَيِ الْبَاقِيَ (فِي الْأُفُقِ) - بِضَمَّتَيْنِ - جَمْعُ الْآفَاقِ أَيْ فِي أَطْرَافِ السَّمَاءِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِالْهَمْزَةِ بَدَلَهَا، مِنَ الْغَوْرِ، أَيِ الذَّاهِبَ فِي الْأُفُقِ الْبَعِيدَ الْغَوْرِ فِيهِ، (مِنَ الْمَشْرِقِ) أَيْ مِنْ جَانِبِهِ (أَوِ الْمَغْرِبِ) أَيْ مِنْ طَرَفِهِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ (أَوْ) لِلتَّخْيِيرِ فِي التَّشْبِيهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ﴾ [البقرة: ١٩] وَنَحْوِ: ﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ﴾ [النور: ٤٠] وَلَيْسَتْ لِلشَّكِّ، قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ - ﵀ -: قَدِ اخْتُلِفَ فِي الْغَابِرِ، فَمِنْهُمْ مَنْ رَوَاهُ بِالْهَمْزَةِ بَعْدَ الْأَلِفِ مِنَ الْغَوْرِ، يُرِيدُونَ أَنْحِطَاطَهُ فِي الْجَانِبِ الْغَرْبِيِّ، وَمِنْهُمْ مَنْ رَوَاهُ بِالْبَاءِ مِنَ الْغُبُورِ، وَالْمُرَادُ مِنْهُ الْبَاقِي فِي الْأُفُقِ بَعْدَ انْتِشَارِ ضَوْءِ الْفَجْرِ، فَإِنَّمَا يَسْتَبِينُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ الْكَوْكَبُ الْمُضِيءُ، وَلَا شَكَّ أَنَّ الرِّوَايَةَ الْأُولَى نَشَأَتْ مِنَ التَّصْحِيفِ، انْتَهَى. وَلَمْ يُذْكَرْ وَجْهُ التَّصْحِيفِ فِيهِ. وَقَالَ شَارِحٌ: وَرُوِيَ الْغَابِرُ مِنَ الْغَوْرِ وَهُوَ الِانْحِطَاطُ، وَهُوَ تَصْحِيفٌ؛ لِأَنَّهُ لَا يُنَاسِبُ قَوْلَهُ: مِنَ الْمَشْرِقِ، إِذْ غَوْرُ الْكَوْكَبِ فِي الْجَانِبِ الشَّرْقِيِّ مِمَّا لَا يُتَصَوَّرُ، ثُمَّ قَالَ قَوْلَهُ: مِنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ، كَذَا فِي الْمَصَابِيحِ أَيْ بِالْوَاوِ، وَالصَّوَابُ مِنَ الْمَشْرِقِ إِلَى الْمَغْرِبِ كَمَا فِي كِتَابِ مُسْلِمٍ. قَالَ الْمُؤَلِّفُ: وَكَذَا (بِأَوْ) فِي شَرْحِ السُّنَّةِ وَجَامِعِ الْأُصُولِ وَرِيَاضِ الصَّالِحِينَ قِيلَ: وَإِنَّمَا ذَكَرَ الْمَشْرِقَ وَالْمَغْرِبَ مَعًا دُونَ السَّمَاءِ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ الْبُعْدُ وَالْإِنَارَةُ مَعًا. وَقَالَ النَّوَوِيُّ: مَعْنَى الْغَابِرِ الذَّاهِبُ الْمَاضِي أَيِ الَّذِي تَدَلَّى لِلْغُرُوبِ وَبَعُدَ عَنِ الْعُيُونِ. وَرُوِيَ فِي غَيْرِ صَحِيحِ مُسْلِمٍ الْغَارِبُ بِتَقَدُّمِ الرَّاءِ، وَرُوِيَ الْعَازِبُ بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَالزَّايِ، وَمَعْنَاهُ الْبَعِيدُ فِي الْأُفُقِ، فَكُلُّهَا رَاجِعَةٌ إِلَى مَعْنًى وَاحِدٍ. قَالَ الطِّيبِيُّ - ﵀ - فَإِنْ قُلْتَ: مَا فَائِدَةُ تَقْيِيدِ الْكَوْكَبِ بِالدُّرِّيِّ ثُمَّ بِالْغَابِرِ فِي الْأُفُقِ؟ قُلْتُ: لِلْإِيذَانِ بِأَنَّهُ مِنْ بَابِ التَّمْثِيلِ الَّذِي وَجْهُهُ مُنْتَزَعٌ مِنْ عِدَّةِ أُمُورٍ مُتَوَهَّمَةٍ فِي الْمُشَبَّهِ، شَبَّهَ رُؤْيَةَ الرَّائِي فِي الْجَنَّةِ صَاحِبَ الْغُرْفَةِ بِرُؤْيَةِ الرَّائِي الْكَوْكَبَ الْمُسْتَضِيءَ الْبَاقِيَ مِنْ بَابِ الشَّرْقِ أَوِ الْغَرْبِ فِي الِاسْتِضَاءَةِ مَعَ الْبُعْدِ، فَلَوْ قِيلَ: " الْغَائِرُ " لَمْ يَصِحَّ؛ لِأَنَّ الْإِشْرَاقَ يَفُوتُ عِنْدَ الْغُرُوبِ، اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يُقَدَّرَ: الْمُسْتَشْرِفَ عَلَى الْغُرُوبِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٤] أَيْ شَارَفْنَ بُلُوغَ أَجَلِهِنَّ، لَكِنْ لَا يَصِحُّ هَذَا الْمَعْنَى فِي الْجَانِبِ الشَّرْقِيِّ، نَعَمْ يَجُوزُ عَلَى التَّقْدِيرِ كَقَوْلِهِمْ: مُتَقَلِّدٌ سَيْفًا وَرُمْحًا، وَعَلَفْتُهُ تِبْنًا وَمَاءً بَارِدًا. أَيْ: طَالِعًا فِي الْأُفُقِ مِنَ الْمَشْرِقِ وَغَائِرًا فِي الْمَغْرِبِ (لِتَفَاضُلِ مَا بَيْنَهُمْ): عِلَّةٌ لِلتَّرَائِي، وَالْمَعْنَى إِنَّمَا ذَلِكَ لِتَزَايُدِ مَرَاتِبِ مَا بَيْنَ سَائِرِ أَهْلِ الْجَنَّةِ الْعَالِيَةِ وَمَا بَيْنَ أَرْبَابِ أَهْلِ الْجَنَّةِ الْعَالِيَةِ. قِيلَ: الْجَنَّةُ طَبَقَاتٌ: أَعْلَاهَا لِلسَّابِقِينَ، وَأَوْسَطُهَا لِلْمُقْتَصِدِينَ، وَأَسَافِلُهَا لِلْمُخَلِّطِينَ.
[ ٩ / ٣٥٨٣ ]
(«قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ تِلْكَ مَنَازِلُ الْأَنْبِيَاءِ لَا يَبْلُغُهَا غَيْرُهُمْ، قَالَ: (بَلَى») أَيْ: يَبْلُغُهَا غَيْرُهُمْ مِنَ الْأَوْلِيَاءِ، وَيُشَارِكُهَا مَعَهُمْ بَعْضُ الْأَصْفِيَاءِ (وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ رِجَالٌ) أَيْ: وَهُمْ رِجَالٌ، أَوْ يَبْلُغُهَا رِجَالٌ، أَيْ كَامِلُونَ فِي الرُّجُولِيَّةِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [النور: ٣٧] الْآيَةَ. آمَنُوا بِاللَّهِ أَيْ: حَقَّ الْإِيمَانِ، وَغَايَةَ الْإِيقَانِ، وَنِهَايَةَ الْإِحْسَانِ، (وَصَدَّقُوا الْمُرْسَلِينَ) . فِي إِجَابَةِ مَا أَمَرُوا بِهِ وَنَهَوْا عَنْهُ، وَقَامُوا بِوَصْفِ الصَّابِرِينَ وَالشَّاكِرِينَ، وَتَرَفَّعُوا إِلَى مَقَامِ الرَّاضِينَ. قَالَ تَعَالَى: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾ [الفرقان: ٦٣] إِلَى أَنْ قَالَ: ﴿أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا﴾ [الفرقان: ٧٥] وَالْآيَةَ. وَفِي جَمْعِ الْمُرْسَلِينَ إِشْعَارٌ بِأَنَّ هَذِهِ الْمَرْتَبَةَ الْعَلِيَّةَ عَامَّةٌ لِلسَّابِقِينَ عَلَى حَسَبِ تَفَاوُتِهِمْ فِي الرُّتَبِ السَّنِيَّةِ، وَلَيْسَتْ خَاصَّةً لِهَذِهِ الْأُمَّةِ، مَعَ أَنَّ تَصْدِيقَ الْمُرْسَلِينَ عَلَى وَجْهِ التَّحْقِيقِ إِنَّمَا هُوَ لِهَذِهِ الْجَمَاعَةِ، نَعَمْ قَدْ يُرَادُ بِهِ مُقَابَلَةُ الْجَمْعِ لِلْجَمْعِ، فَالْمُرَادُ رَسُولُهُ خَاصَّةً بِالْأَصَالَةِ، وَسَائِرُ الرُّسُلِ بِالتَّبَعِيَّةِ، فَإِنَّهُ يَلْزَمُ مِنَ التَّصْدِيقِ بِالْوَاحِدِ التَّصْدِيقُ بِالْكُلِّ، وَكَذَا فِي جَانِبِ التَّكْذِيبِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء: ١٠٥] (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) . وَكَذَا رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَابْنُ حِبَّانَ، وَالدَّارِمِيُّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ. وَكَذَا التِّرْمِذِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. وَرَوَاهُ أَحْمَدُ وَالشَّيْخَانِ وَابْنُ حِبَّانَ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، وَلَفْظُهُ: («إِنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ يَتَرَاءَوْنَ أَهْلَ الْغُرَفِ فِي الْجَنَّةِ كَمَا تَرَاءَوْنَ الْكَوْكَبَ فِي السَّمَاءِ») . وَرَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَابْنُ حِبَّانَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، وَالطَّبَرَانِيُّ عَنْ جَابِرِ بْنِ عُرْوَةَ، وَابْنُ عَسَاكِرَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - بِلَفْظِ: («إِنَّ أَهْلَ الدَّرَجَاتِ الْعُلَى لَيَرَاهُمْ مَنْ هُوَ أَسْفَلُ مِنْهُمْ كَمَا تَرَوْنَ الْكَوْكَبَ الطَّالِعَ فِي أُفُقِ السَّمَاءِ، وَإِنَّ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ مِنْهُمْ وَأَنْعَمَا») . وَفِي بَعْضِ طُرُقِ الْحَدِيثِ قِيلَ: وَمَا مَعْنَى أَنْعَمَا؟ قَالَ: أَهْلٌ لِذَلِكَ هُمَا. وَرَوَى ابْنُ عَسَاكِرَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ مَرْفُوعًا: («إِنَّ أَهْلَ عِلِّيِّينَ لَيُشْرِفُ أَحَدُهُمْ عَلَى الْجَنَّةِ فَيُضِيءُ وَجْهُهُ لِأَهْلِ الْجَنَّةِ كَمَا يُضِيءُ الْقَمَرُ لَيْلَةَ الْبَدْرِ لِأَهْلِ الدُّنْيَا، وَإِنَّ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ مِنْهُمْ وَأَنْعَمَا») . وَرَوَى ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا فِي كِتَابِ الْأُخْوَانِ، وَالْبَيْهَقِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: («إِنَّ فِي الْجَنَّةِ لَعُمُدًا مِنْ يَاقُوتٍ عَلَيْهَا غُرَفٌ مِنْ زَبَرْجَدٍ، وَلَهَا أَبْوَابٌ مُفَتَّحَةٌ، تُضِيءُ كَمَا يُضِيءُ الْكَوْكَبُ الدُّرِّيُّ، يَسْكُنُهَا الْمُتَحَابُّونَ فِي اللَّهِ، وَالْمُتَجَالِسُونَ فِي اللَّهِ، وَالْمُتَلَاقُونَ فِي اللَّهِ») . وَرَوَى أَحْمَدُ وَابْنُ حِبَّانَ وَالْبَيْهَقِيُّ عَنْ مَالِكٍ الْأَشْعَرِيِّ، وَالتِّرْمِذِيُّ عَنْ عَلِيٍّ - ﵁ - مَرْفُوعًا: («إِنَّ فِي الْجَنَّةِ غُرَفًا يُرَى ظَاهِرُهَا مِنْ بَاطِنِهَا وَبَاطِنُهَا مِنْ ظَاهِرِهَا، أَعَدَّهَا اللَّهُ تَعَالَى لِمَنْ أَطْعَمَ الطَّعَامَ، وَأَلَانَ الْكَلَامَ، وَتَابَعَ الصِّيَامَ، وَصَلَّى بِاللَّيْلِ وَالنَّاسُ نِيَامٌ») .
[ ٩ / ٣٥٨٤ ]
٥٦٢٥ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: " «يَدْخُلُ الْجَنَّةَ أَقْوَامٌ أَفْئِدَتُهُمْ مِثْلُ أَفْئِدَةِ الطَّيْرِ» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
_________________
(١) (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (يَدْخُلُ الْجَنَّةَ أَقْوَامٌ أَفْئِدَتُهُمْ) أَيْ: قُلُوبُهُمْ (مِثْلُ أَفْئِدَةِ الطَّيْرِ) أَيْ: فِي الرِّقَّةِ وَاللِّينَةِ وَالرَّحْمَةِ وَالصَّفَاءِ، وَالْخُلُوِّ عَنِ الْحَسَدِ وَالْحِقْدِ وَالْغِلِّ وَالْبَغْضَاءِ، وَمُجْمَلُهُ: لِكَوْنِهَا خَالِيَةً مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ، سَلِيمَةً مِنْ كُلِّ عَيْبٍ. قَالَ النَّوَوِيُّ - ﵀ - قِيلَ: مِثْلُهَا فِي رِقَّتِهَا، كَمَا وَرَدَ: «أَهْلُ الْيَمَنِ أَرَقُّ أَفْئِدَةً وَأَلْيَنُ قُلُوبًا»، وَقِيلَ: فِي الْخَوْفِ وَالْهَيْبَةِ، وَالطَّيْرُ أَكْثَرُ الْحَيَوَانِ خَوْفًا وَفَزَعًا. قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨] . وَقِيلَ فِي التَّوَكُّلِ كَمَا «لَوْ أَنَّكُمْ تَتَوَكَّلُونَ عَلَى اللَّهِ حَقَّ تَوَكُّلِهِ لَرَزَقَكُمْ كَمَا يَرْزُقُ الطَّيْرَ تَغْدُو خِمَاصًا وَتَرُوحُ بِطَانًا»، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [العنكبوت: ٦٠] . (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) وَكَذَا أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ.
[ ٩ / ٣٥٨٤ ]
٥٦٢٦ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: " «إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ لِأَهْلِ الْجَنَّةِ: يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ يَقُولُونَ: لَبَّيْكَ رَبَّنَا وَسَعْدَيْكَ، وَالْخَيْرُ كُلُّهُ فِي يَدَيْكَ. فَيَقُولُ: هَلْ رَضِيتُمْ؟ فَيَقُولُونَ: وَمَا لَنَا لَا نَرْضَى يَا رَبِّ وَقَدْ أَعْطَيْتَنَا مَا لَمْ تُعْطِ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ؟ فَيَقُولُ: أَلَا أُعْطِيكُمْ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ؟ فَيَقُولُونَ: يَا رَبِّ وَأَيُّ شَيْءٍ أَفْضَلُ مِنْ ذَلِكَ؟ فَيَقُولُ: أُحِلُّ عَلَيْكُمْ رِضْوَانِي فَلَا أَسْخَطُ عَلَيْكُمْ بَعْدَهُ أَبَدًا» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
_________________
(١) (وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: («إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ لِأَهْلِ الْجَنَّةِ: يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ يَقُولُونَ: لَبَّيْكَ رَبَّنَا») أَيْ: يَا رَبَّنَا (وَسَعْدَيْكَ وَالْخَيْرُ) أَيْ: جِنْسُهُ أَوْ جَمِيعُ أَفْرَادِهِ (فِي يَدَيْكَ): مُنْحَصِرٌ فِي قَبْضَةِ قُدْرَتِكَ وَإِرَادَتِكَ (فَيَقُولُ: هَلْ رَضِيتُمْ)؟ أَيْ عَنْ رَبِّكُمْ (فَيَقُولُونَ: وَمَا لَنَا نَرْضَى) الِاسْتِفْهَامُ لِلتَّقْرِيرِ، وَالْمَعْنَى أَيُّ شَيْءٍ مَانِعٌ لَنَا مِنْ أَنْ لَا نَرْضَى عَنْكَ (يَا رَبِّ): يَا رَبِّي، وَالْقِيَاسُ يَا رَبَّنَا، فَكَأَنَّهُ أُفْرِدَ بِاعْتِبَارِ كُلِّ قَائِلٍ (وَقَدْ أَعْطَيْتَنَا مَا لَمْ تُعْطِ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ): الْجُمْلَةُ حَالِيَّةٌ (فَيَقُولُ: أَلَا أُعْطِيكُمْ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ)؟ أَيْ مِنْ عَطَائِكُمْ هَذَا (فَيَقُولُونَ: يَا رَبِّ وَأَيُّ شَيْءٍ أَفْضَلُ مِنْ ذَلِكَ)؟ أَيْ مِنْ عَطَائِكَ هَذَا (يَقُولُ: أُحِلُّ) بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِ الْحَاءِ أَيْ أُنْزِلُ (عَلَيْكُمْ رِضْوَانِي) بِكَسْرِ الرَّاءِ وَيُضَمُّ، أَيْ دَوَامَ رِضْوَانِي، فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ كَثْرَةِ الْعَطَاءِ دَوَامُ الرِّضَا، وَلِذَا قَالَ: (فَلَا أَسْخَطُ) بِفَتْحِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ، أَيْ لَا أَغْضَبُ (عَلَيْكُمْ بَعْدَهُ أَبَدًا) . ثُمَّ اللِّقَاءُ يَتَرَتَّبُ عَلَى الرِّضَا مِنَ الرَّبِّ الْمُتَفَرِّعِ عَلَى الرِّضَا مِنَ الْعَبْدِ لِلْقَضَاءِ - تَرْتِيبَ الْبَقَاءِ بَعْدَ تَحَقُّقِ الْفَنَاءِ. قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: فِي الْحَدِيثِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ رِضْوَانَ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى الْعَبْدِ فَوْقَ إِدْخَالِهِ إِيَّاهُ الْجَنَّةَ. قَالَ الطِّيبِيُّ - ﵀ -: الْحَدِيثُ مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [التوبة: ٧٢] الْكَشَّافُ: إِنَّمَا أَكْبَرُ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ لِأَنَّ رِضَاهُ سَبَبُ كُلِّ فَوْزٍ وَسَعَادَةٍ؛ لِأَنَّهُمْ يَنَالُونَ بِرِضَاهُ عَنْهُمْ تَعْظِيمَهُ وَكَرَامَتَهُ، وَالْكَرَامَةُ أَكْبَرُ أَضْعَافِ الثَّوَابِ؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ إِذَا عَلِمَ أَنَّ مَوْلَاهُ رَاضٍ عَنْهُ فَهُوَ أَكْبَرُ فِي نَفْسِهِ مِمَّا وَرَاءَهُ مِنَ النِّعَمِ، وَإِنَّمَا يَتَهَيَّأُ لَهُ بِرِضَاهُ، كَمَا يَنْتَقِصُ عَلَيْهِ بِسُخْطٍ وَلَمْ يَجِدْ لَهَا لَذَّةً وَإِنْ عَظُمَتْ. قَالَ الطِّيبِيُّ - ﵀ -: وَأَكْبَرُ أَصْنَافِ الْكَرَامَةِ رُؤْيَةُ اللَّهِ تَعَالَى. قُلْتُ: وَلَعَلَّ الرِّضْوَانَ أَكْبَرُ لِاشْتِمَالِهِ عَلَى تَحْصِيلِ اللِّقَاءِ وَسَائِرِ أَنْوَاعِ النَّعْمَاءِ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) . وَكَذَا رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ.
[ ٩ / ٣٥٨٥ ]
٥٦٢٧ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: " «إِنَّ أَدْنَى مَقْعَدِ أَحَدِكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ أَنْ يَقُولَ لَهُ: تَمَنَّ، فَيَتَمَنَّى وَيَتَمَنَّى. فَيَقُولُ لَهُ: هَلْ تَمَنَّيْتَ؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ، فَيَقُولُ لَهُ: فَإِنَّ لَكَ مَا تَمَنَّيْتَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
_________________
(١) (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: (إِنَّ أَدْنَى مَقْعَدِ أَحَدِكُمْ) أَيْ: أَقَلَّ مَرْتَبَةِ مُلْكِهِ وَمَسِيرَةِ جِنَانِهِ وَمَسَافَةِ قُصُورِهِ (مِنَ الْجَنَّةِ) أَيْ: فِيهَا (أَنْ يَقُولَ) أَيِ اللَّهُ أَوِ الْمَلَكُ (لَهُ: تَمَنَّ، فَيَتَمَنَّى، وَيَتَمَنَّى) وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالتَّكْرِيرِ هُوَ التَّكْثِيرُ. قَالَ الطِّيبِيُّ - ﵀ - قَوْلُهُ: " أَنْ يَقُولَ لَهُ " خَبَرُ " إِنَّ "، وَالْمَعْنَى أَنَّ أَدْنَى مَنْزِلَةِ أَحَدِكُمْ فِي الْجَنَّةِ أَنْ يَنَالَ أَمَانِيَهُ كُلَّهَا بِحَيْثُ لَا تَبْقَى لَهُ أُمْنِيَةٌ، وَنَحْوُهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ: لَمْ يُبْقِ جُودُكَ لِي شَيْئًا أُؤَمِّلُهُ تَرَكْتَنِي أَصْحَبُ الدُّنْيَا بِلَا أَمَلِ (فَيَقُولُ) أَيِ: الرَّبُّ (لَهُ: هَلْ تَمَنَّيْتَ؟) أَيْ: جَمِيعَ أَمَانِيكَ (فَيَقُولُ: نَعَمْ، فَيَقُولُ لَهُ: فَإِنَّ لَكَ مَا تَمَنَّيْتَ) أَيْ: وَعْدًا وَعَدْلًا (وَمِثْلُهُ مَعَهُ) . أَيْ زِيَادَةً وَفَضْلًا، وَفِيهِ إِيمَاءٌ إِلَى أَنَّ مَنْ يَكُونُ مُنْتَهَى مَا تَمَنَّاهُ رِضَا مَوْلَاهُ وَمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنْ لِقَاهُ، فَلَا يُتَصَوَّرُ لَهُ مَزِيدٌ أَنْ يُعْطَاهُ (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
[ ٩ / ٣٥٨٥ ]
٥٦٢٨ - وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: «سَيْحَانُ وَجَيْحَانُ وَالْفُرَاتُ وَالنِّيلُ كُلٌّ مِنْ أَنْهَارِ الْجَنَّةِ» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
_________________
(١) (وَعَنْهُ) أَيْ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (سَيْحَانُ وَجَيْحَانُ): بِفَتْحِ أَوَّلِهِمَا نَهْرَانِ بِالشَّامِ، أَوَّلُهُمَا مِنَ السَّيْحِ بِالسِّينِ وَالْحَاءِ الْمُهْمَلَتَيْنِ، وَهُوَ جَرْيُ الْمَاءِ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ، وَالنُّونُ فِيهِ زَائِدُةٌ، وَثَانِيهِمَا مِنْ حَجَنَ الصَّبِيُّ - بِالْجِيمِ فَالْحَاءِ - إِذَا سَاءَ غَدَاؤُهُ، وَالنُّونُ فِيهِ أَصْلِيَّةٌ (وَالْفُرَاتُ): نَهْرٌ بِالْكُوفَةِ (وَالنِّيلُ)، نَهْرُ مِصْرَ، وَأَمَّا سَيْحُونُ فَنَهْرٌ بِالْهِنْدِ، وَجَيْحُونُ نَهْرُ بَلْخٍ، وَيَنْتَهِي إِلَى خُوَارَزْمَ كَذَا قَالَهُ شَارِحٌ، وَقِيلَ: سَيْحَانُ نَهْرٌ بِالشَّامِ، وَقِيلَ بِالْهِنْدِ، وَجَيْحَانُ نَهْرُ بَلْخٍ. وَقَالَ النَّوَوِيُّ - ﵀ -: سَيْحَانُ وَجَيْحَانُ غَيْرُ سَيْحْوُنَ وَجَيْحُونَ، وَالْمَذْكُورَانِ فِي الْحَدِيثِ فِي بِلَادِ الْأَرْمَنِ، فَسَيْحَانُ نَهْرُ الْمِصِّيصَةِ، وَجَيْحَانُ نَهْرُ أَذَنَةَ، وَهُمَا نَهْرَانِ عَظِيمَانِ جِدًّا، هَذَا هُوَ الصَّوَابُ. وَأَمَّا قَوْلُ الْجَوْهَرِيِّ: جَيْحَانُ نَهْرٌ بِالشَّامِ فَغَلَطٌ، وَقَالَ صَاحِبُ نِهَايَةِ الْغَرِيبِ: فَسَيْحَانُ وَجَيْحَانُ نَهْرَانِ بِالْعَوَاصِمِ عِنْدَ الْمِصِّيصَةِ وَطَرَسُوسَ، وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ جَيْحُونَ بِالْوَاوِ نَهْرُ خُرَاسَانَ، وَقِيلَ سَيْحُونُ نَهْرٌ بِالْهِنْدِ. (كُلٌّ) أَيْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهَا (مِنْ أَنْهَارِ الْجَنَّةِ) إِنَّمَا جَعَلَ الْأَنْهَارَ الْأَرْبَعَةَ مِنْ أَنْهَارِ الْجَنَّةِ لِمَا فِيهَا مِنَ الْعُذُوبَةِ وَالْهَضْمِ، وَلِتَضَمُّنِهَا الْبَرَكَةَ الْإِلَهِيَّةَ وَتَشَرُّفِهَا بِوُرُودِ الْأَنْبِيَاءِ إِلَيْهَا وَشُرْبِهِمْ مِنْهَا، ذَلِكَ وَمِثْلُ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي عَجْوَةِ الْمَدِينَةِ: (إِنَّهَا مِنْ ثِمَارِ الْجَنَّةِ) . وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ عَنِ الْأَنْهَارِ الَّتِي هِيَ أُصُولُ أَنْهَارِ الْجَنَّةِ بِتِلْكَ الْأَسَامِي لِيُعْلَمَ أَنَّهَا فِي الْجَنَّةِ بِمَثَابَةِ الْأَنْهَارِ الْأَرْبَعَةِ فِي الدُّنْيَا، أَوْ لِأَنَّهَا مُسَمَّيَاتٌ بِتِلْكَ الْأَسْمَاءِ، فَوَقَعَ الِاشْتِرَاكُ فِيهَا، كَذَا ذَكَرَ شَارِحٌ مِنْ عُلَمَائِنَا. وَقَالَ الْقَاضِي - ﵀ -: جَعَلَ الْأَنْهَارَ الْأَرْبَعَةَ لِعُذُوبَةِ مَائِهَا وَكَثْرَةِ مَنَافِعِهَا، كَأَنَّهَا مِنْ أَنْهَارِ الْجَنَّةِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِهَا الْأَنْهَارُ الْأَرْبَعَةُ الَّتِي هِيَ أُصُولُ أَنْهَارِ الْجَنَّةِ، وَسَمَّاهَا بِأَسَامِي الْأَنْهَارِ الْأَرْبَعَةِ الَّتِي هِيَ أَعْظَمُ أَنْهَارِ الدُّنْيَا وَأَشْهَرُهَا، وَأَعْذَبُهَا، وَأَفْيَدُهَا عِنْدَ الْعَرَبِ - عَلَى سَبِيلِ التَّشْبِيهِ وَالتَّمْثِيلِ، لِيُعْلَمَ أَنَّهَا فِي الْجَنَّةِ بِمَثَابَتِهَا، وَأَنَّ مَا فِي الدُّنْيَا مِنْ أَنْوَاعِ الْمَنَافِعِ وَالنَّعَائِمِ أُنْمُوذَجَاتٌ لِمَا يَكُونُ فِي الْآخِرَةِ، وَكَذَا مَا فِيهَا مِنَ الْمَضَارِّ الْمُرْدِيَةِ وَالْمُسْتَكْرَهَاتِ الْمُؤْذِيَةِ. وَفِي شَرْحِ مُسْلِمٍ لِلنَّوَوِيِّ قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ - ﵀ -: كَوْنُ هَذِهِ الْأَنْهَارِ مِنَ الْجَنَّةِ أَنَّ الْإِيمَانَ لَهُمْ بِبِلَادِهَا، وَأَنَّ الْأَجْسَامَ الْمُتَغَذِّيَةَ بِمَائِهَا صَائِرَةٌ إِلَى الْجَنَّةِ، وَالْأَصَحُّ أَنَّهَا عَلَى ظَاهِرِهَا، وَأَنَّ لَهَا مَادَّةً مِنَ الْجَنَّةِ مَخْلُوقَةً؛ لِأَنَّهَا مَوْجُودَةٌ الْيَوْمَ عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ، وَقَدْ ذَكَرَ مُسْلِمٌ فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ فِي حَدِيثِ الْإِسْرَاءِ: أَنَّ الْفُرَاتَ وَالنِّيلَ يَجْرِيَانِ مِنَ الْجَنَّةِ. وَفِي الْبُخَارِيِّ مِنْ أَصْلِ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى، وَفِي مَعَالِمِ التَّنْزِيلِ رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَنْزَلَ هَذِهِ الْأَنْهَارَ مِنْ عَيْنٍ وَاحِدَةٍ مِنْ عُيُونِ الْجَنَّةِ، مِنْ أَسْفَلِ دَرَجَةٍ مِنْ دَرَجَاتِهَا عَلَى جَنَاحَيْ جِبْرِيلَ، اسْتَوْدَعَهَا الْجِبَالَ، وَأَجْرَاهَا فِي الْأَرْضِ، وَجَعَلَ فِيهَا مَنَافِعَ لِلنَّاسِ، وَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ﴾ [المؤمنون: ١٨] فَإِذَا كَانَ عِنْدَ خُرُوجِ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ أَرْسَلَ اللَّهُ جِبْرِيلَ يَرْفَعُ مِنَ الْأَرْضِ الْقُرْآنَ، وَالْعِلْمَ، وَالْحَجَرَ الْأَسْوَدَ، وَمَقَامَ إِبْرَاهِيمَ، وَتَابُوتَ مُوسَى، وَهَذِهِ الْأَنْهَارَ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ﴾ [المؤمنون: ١٨] (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
[ ٩ / ٣٥٨٦ ]
٥٦٢٩ - وَعَنْ عُتْبَةَ بْنِ غَزْوَانَ قَالَ: «ذُكِرَ لَنَا أَنَّ الْحَجَرَ يُلْقَى مِنْ شَفَةِ جَهَنَّمَ فَيَهْوِي فِيهَا سَبْعِينَ خَرِيفًا لَا يُدْرِكُ لَهَا قَعْرًا، وَاللَّهِ لَتُمْلَأَنَّ، وَلَقَدْ ذُكِرَ لَنَا أَنَّ مَا بَيْنَ مِصْرَعَيْنِ مِنْ مَصَارِيعِ الْجَنَّةِ مَسِيرَةُ أَرْبَعِينَ سَنَةً، وَلَيَأْتِيَنَّ عَلَيْهَا يَوْمٌ وَهُوَ كَظِيظٌ مِنَ الزِّحَامِ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
_________________
(١) (وَعَنْ عُتْبَةَ): بِضَمِّ عَيْنٍ مُهْمَلَةٍ فَمُثَنَّاةٍ فَوْقِيَّةٍ سَاكِنَةٍ فَمُوَحَّدَةٍ عَلَى مَا فِي أَسْمَاءِ الرِّجَالِ لِلْمُؤَلِّفِ (ابْنِ غَزْوَانَ): بِفَتْحِ مُعْجَمَةٍ وَسُكُونِ زَايٍ قِيلَ: هُوَ سَابِعُ سَبْعَةٍ فِي الْإِسْلَامِ (قَالَ: ذُكِرَ لَنَا): هُوَ فِي حُكْمِ الْمَرْفُوعِ؛ لِأَنَّ الْغَالِبَ فِي الصَّحَابِيِّ الْكَبِيرِ أَنْ لَا يَأْخُذَ مِنْ غَيْرِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَمَرَاسِيلُ الصَّحَابِيِّ حُجَّةٌ بِالِاتَّفَاقِ، الْمَعْنَى بَلَغَنَا فِي (أَنَّ الْحَجَرَ يُلْقَى) أَيْ: يُرْمَى (مِنْ شَفَةِ جَهَنَّمَ): بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَبِكَسْرٍ وَاحِدَةُ الشِّفَاهِ، أَيْ مِنْ طَرَفِهَا (فَيَهْوِي) أَيْ: فَيَسْقُطُ الْحَجَرُ وَيَنْزِلُ (فِيهَا) أَيْ فِي جَهَنَّمَ (سَبْعِينَ خَرِيفًا) أَيْ: سَنَةً (لَا يُدْرِكُ) أَيِ: الْحَجَرُ (لَهَا) أَيْ: جَهَنَّمَ (قَعْرًا)، وَهُوَ أَبْلَغُ مِنْ أَنْ يُقَالَ: لَا يَصِلُ إِلَى قَعْرِهَا، وَالْمَعْنَى أَنَّهَا مَعَ طُولِهَا وَعَرْضِهَا وَعُمْقِهَا، (وَاللَّهِ لَتُمْلَأَنَّ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيْ جَهَنَّمُ مِنَ الْكُفَّارِ، ثُمَّ قَالَ عُتْبَةُ بَعْدَ وَصْفِ جَهَنَّمَ انْتِقَالًا إِلَى نَعْتِ الْجَنَّةِ: («وَلَقَدْ ذُكِرَ لَنَا مَا بَيْنَ مِصْرَاعَيْنِ مِنْ مَصَارِيعِ الْجَنَّةِ») أَيْ: مَا بَيْنَ طَرَفَيْ بَابٍ مِنْ أَبْوَابِهَا (مَسِيرَةُ أَرْبَعِينَ سَنَةً، وَلَيَأْتِيَنَّ عَلَيْهَا يَوْمٌ وَهُوَ) لَعَلَّ كُلًّا مِنْ ضَمِيرَيْ " عَلَيْهَا "، وَ" هُوَ " يَرْجِعُ إِلَى (مَا) فَالْأَوَّلُ بِاعْتِبَارِ الْمَعْنَى؛ لِأَنَّ (مَا) عِبَارَةٌ عَنْ أَمَاكِنَ، وَالثَّانِي بِاعْتِبَارِ لَفْظِهِ، فَالْمَعْنَى: وَالْحَالُ أَنَّ مَا بَيْنَهُمَا (كَظِيظٌ) بِالْمُعْجَمَتَيْنِ أَيْ مَمْلُوءٌ، " فَعِيلٌ " بِمَعْنَى " مَفْعُولٍ "، وَقِيلَ: أَيْ مُمْتَلِئٌ (مِنَ الزِّحَامِ) . بِكَسْرِ الزَّايِ أَيِ الْكَثْرَةِ (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
[ ٩ / ٣٥٨٦ ]
الْفَصْلُ الثَّانِي
٥٦٣٠ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - قَالَ: قُلْتُ: «يَا رَسُولَ اللَّهِ، مِمَّ خُلِقَ الْخَلْقُ؟ قَالَ: " مِنَ الْمَاءِ ". قُلْنَا: الْجَنَّةُ مَا بِنَاؤُهَا؟ قَالَ: " لَبِنَةٌ مِنْ ذَهَبٍ وَلَبِنَةٌ مِنْ فِضَّةٍ، وَمِلَاطُهَا الْمِسْكُ الْأَذْفَرُ، وَحَصْبَاؤُهَا اللُّؤْلُؤُ وَالْيَاقُوتُ، وَتُرْبَتُهَا الزَّعْفَرَانُ، مَنْ يَدْخُلُهَا يَنْعَمُ وَلَا يَبْأَسُ، وَيَخْلُدُ وَلَا يَمُوتُ، وَلَا يَبْلَى ثِيَابُهُمْ، وَلَا يَفْنَى شَبَابُهُمْ» ". رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالدَّارِمِيُّ.
_________________
(١) الْفَصْلُ الثَّانِي
(٢) (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قُلْتُ: «يَا رَسُولَ اللَّهِ، مِمَّ خُلِقَ الْخَلْقُ؟ قَالَ: (مِنَ الْمَاءِ») . قِيلَ: أَيْ مِنَ النُّطْفَةِ، وَالظَّاهِرُ أَنْ يَكُونَ اقْتِبَاسًا مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ [الأنبياء: ٣٠] أَيْ وَخَلَقْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ حَيَوَانٍ؛ لِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ﴾ [النور: ٤٥] وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمَاءَ أَعْظَمُ مَوَادِّهِ، أَوْ لِفَرْطِ احْتِيَاجِهِ إِلَيْهِ وَانْتِفَاعِهِ بِعَيْنِهِ، وَقُرِئَ " حَيًّا " عَلَى أَنَّهُ صِفَةُ كُلٍّ، أَوْ مَفْعُولٌ ثَانٍ، وَالظَّرْفُ لَغْوٌ، وَالشَّيْءُ مَخْصُوصٌ بِالْحَيَوَانِ (قُلْنَا): وَفِي نُسْخَةٍ ضَعِيفَةٍ: قُلْتُ («الْجَنَّةُ مَا بِنَاؤُهَا») أَيْ: هَلْ مِنْ حَجَرٍ أَوْ مَدَرٍ أَوْ خَشَبٍ أَوْ شَعَرٍ. («قَالَ: لَبِنَةٌ مِنْ ذَهَبٍ وَلَبِنَةٌ مِنْ فِضَّةٍ»)، أَيْ بِنَاؤُهَا مُلَمَّعٌ وَمُرَصَّعٌ مِنْهُمَا، أَوْ ذَكَرَ النَّوْعَيْنِ بِاعْتِبَارِ الْجَنَّتَيْنِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. (وَمِلَاطُهَا) بِكَسْرِ الْمِيمِ، أَيْ مَا بَيْنَ اللَّبِنَتَيْنِ مَوْضِعُ النُّورَةِ (الْمِسْكُ الْأَذْفَرُ)، أَيِ الشَّدِيدُ الرِّيحِ، فِي " النِّهَايَةِ ": الْمِلَاطُ الطِّينُ الذَّكِيُّ يُجْعَلُ بَيْنَ سَاقِ الْبَنَّاءِ يُمَلَّطُ بِهِ الْحَائِطُ أَيْ: يُخْلَطُ (وَحَصْبَاؤُهَا) أَيْ: حَصْبَاؤُهَا الصِّغَارُ الَّتِي فِي الْأَنْهَارِ (اللُّؤْلُؤُ وَالْيَاقُوتُ)، أَيْ مِثْلُهُمَا فِي اللَّوْنِ وَالصَّفَاءِ، (وَتُرْبَتُهَا) أَيْ: مَكَانُ تُرَابِهَا (الزَّعْفَرَانُ)، أَيِ النَّاعِمُ الْأَصْفَرُ الطَّيِّبُ الرِّيحِ، فَجَمَعَ بَيْنَ أَلْوَانِ الزِّينَةِ وَهِيَ الْبَيَاضُ وَالْحُمْرَةُ وَالصُّفْرَةُ، وَيَتَكَمَّلُ بِالْأَشْجَارِ الْمُلَوَّنَةِ بِالْخُضْرَةِ، وَلَمَّا كَانَ السُّودُ مِمَّا يَغُمُّ الْفُؤَادَ خُصَّ بِأَهْلِ الْعِنَادِ مِنَ الْعِبَادِ («مَنْ يَدْخُلُهَا يَنْعَمُ وَلَا يَبْأَسُ»): بِفَتْحِ وَسَطِهِمَا. قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ - ﵀ -: قَدْ وَجَدْنَاهُ فِي الْمَصَابِيحِ وَفِي بَعْضِ كُتُبِ الْحَدِيثِ: يَبْؤُسُ، بِالْهَمْزَةِ الْمَضْمُومَةِ لِدَلَالَةِ الْوَاوِ عَلَى الضَّمِّ، وَبَأَسَ الْأَمْرُ يَبْؤُسُ إِذَا اشْتَدَّ، وَبَأَسَ يَبْأَسُ إِذَا افْتَقَرَ، وَالْغَلَطُ إِنَّمَا وَقَعَ فِي رَسْمِ الْخَطِّ، وَالصَّوَابُ لَا يَبْأَسُ انْتَهَى. وَفِي الْقَامُوسِ: الْبَأْسُ الْعَذَابُ وَالشِّدَّةُ فِي الْحَرْبِ، وَمِنْهُ الْبَأْسُ، وَبَؤُسَ كَكَرُمَ وَبَئِسَ كَسَمِعَ: اشْتَدَّتْ حَاجَتُهُ، وَمِنْهُ الْبَأْسَاءُ. (وَيَخْلُدُ) أَيْ: يَدُومُ فِيهَا فَلَا يَتَحَوَّلُ عَنْهَا (وَلَا يَمُوتُ)، أَيْ لَا يَفْنَى بَلْ دَائِمًا يَبْقَى (وَلَا تَبْلَى): بِفَتْحِ أَوَّلِهِ أَيْ لَا تَخْلَقُ وَلَا تَتَقَطَّعُ (ثِيَابُهُمْ)، وَكَذَا أَثَاثُهُمْ (وَلَا يَفْنَى شَبَابُهُمْ) أَيْ: لَا يَهْرَمُونَ وَلَا يَخْرُفُونَ، وَلَا يُغَيِّرُهُمْ مُضِيُّ الزَّمَانِ، فَإِنَّهُمْ خُلِقُوا لِنَعِيمِ الْأَبَدِ فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ. (رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالدَّارِمِيُّ) .
[ ٩ / ٣٥٨٧ ]
٥٦٣١ - وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: " «مَا فِي الْجَنَّةِ شَجَرَةٌ إِلَّا وَسَاقُهَا مِنْ ذَهَبٍ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
_________________
(١) (وَعَنْهُ) أَيْ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: («مَا فِي الْجَنَّةِ شَجَرَةٌ إِلَّا وَسَاقُهَا مِنْ ذَهَبٍ»)، وَأَمَّا أَغْصَانُهَا مُخْتَلِفَةٌ، فَتَارَةً مِنْ ذَهَبٍ، وَأُخْرَى مِنْ فِضَّةٍ أَوْ يَاقُوتَةٍ أَوْ زُمُرُّدَةٍ أَوْ لُؤْلُؤَةٍ أَوْ مُرَصَّعَةٌ مُلَمَّعَةٌ، مُزَيَّنَةٌ بِأَنْوَاعِ الْأَزْهَارِ وَأَصْنَافِ الْأَنْوَارِ، وَمِنْ فَوْقِهَا أَجْنَاسُ الْأَثْمَارِ وَمِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) ﵀.
[ ٩ / ٣٥٨٧ ]
٥٦٣٢ - وَعَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: " «إِنَّ فِي الْجَنَّةِ مِائَةَ دَرَجَةٍ، مَا بَيْنَ كُلِّ دَرَجَتَيْنِ مِائَةُ عَامٍ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ.
_________________
(١) (وَعَنْهُ) أَيْ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: («إِنَّ فِي الْجَنَّةِ مِائَةَ دَرَجَةٍ»)، قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: الْمُرَادُ بِالْمِائَةِ هَاهُنَا الْكَثْرَةُ، وَبِالدَّرَجَةِ الْمَرْقَاةُ، أَقُولُ: الْأَظْهَرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالدَّرَجَاتِ الْمَرَاتِبُ الْعَالِيَةُ. قَالَ تَعَالَى: ﴿هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٦٣] أَيْ ذَوُو دَرَجَاتٍ بِحَسَبِ أَعْمَالِهِمْ مِنَ الطَّاعَاتِ، كَمَا أَنَّ أَهْلَ النَّارِ أَصْحَابُ دَرَكَاتٍ مُتَسَافِلَةٍ بِقَدْرِ مَرَاتِبِهِمْ فِي شِدَّةِ الْكُفْرِ، كَمَا يُشِيرُ إِلَيْهِ قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ [النساء: ١٤٥] وَيُؤَيِّدُهُ الْحَدِيثُ الَّذِي يَلِيهِ. وَظَاهِرُ قَوْلِهِ: («مَا بَيْنَ كُلِّ دَرَجَتَيْنِ مِائَةُ عَامٍ») أَيْ مِقْدَارُ مَسَافَةِ مِائَةِ سَنَةٍ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ) .
[ ٩ / ٣٥٨٨ ]
٥٦٣٣ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: " «إِنَّ فِي الْجَنَّةِ مِائَةَ دَرَجَةٍ، لَوْ أَنَّ الْعَالَمِينَ اجْتَمَعُوا فِي إِحْدَاهُنَّ لَوَسِعَتْهُمْ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ.
_________________
(١) (وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: («إِنَّ فِي الْجَنَّةِ مِائَةَ دَرَجَةٍ، لَوْ أَنَّ الْعَالَمِينَ») أَيْ خَلْقَ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ (اجْتَمَعُوا فِي إِحْدَاهُنَّ لَوَسِعَتْهُمْ) أَيْ لَكَفَتْهُمْ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ) وَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ وَصَحَّحَهُ.
[ ٩ / ٣٥٨٨ ]
٥٦٣٤ - وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - «فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ﴾ [الواقعة: ٣٤] قَالَ: " ارْتِفَاعُهَا لَكَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ مَسِيرَةَ خَمْسِمِائَةِ سَنَةٍ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ.
_________________
(١) (وَعَنْهُ) أَيْ: عَنْ أَبِي سَعِيدٍ (عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ﴾ [الواقعة: ٣٤] قَالَ: (ارْتِفَاعُهَا) أَيِ اعْتِلَاءُ فُرُشِ الْجَنَّةِ، أَوِ ارْتِفَاعُ الدَّرَجَةِ الَّتِي فُرِشَتِ الْفُرُشُ الْمَرْفُوعَةُ فِيهَا (لَكَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ): خَبَرٌ لِارْتِفَاعِهَا، كَقَوْلِهِ: (مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ سَنَةٍ) أَوِ الثَّانِي بَدَلٌ أَوْ بَيَانٌ، ثُمَّ دُخُولُ اللَّامِ فِي خَبَرِ الْمُبْتَدَأِ كَمَا فِي قَوْلِ الشَّاعِرِ: أَمُّ الْحُلَيْسِ لَعَجُوزٌ شَهْرَبَهْ تَرْضَى مِنَ اللَّحْمِ بِعَظْمِ الرَّقَبَهْ وَالشَّهْرَبَةُ: الْعَجُوزُ الْكَبِيرَةُ، وَمِثْلُهُ الشَّهِيرَةُ عَلَى مَا فِي الصِّحَاحِ، وَالْكَافُ فِي (لَكَمَا) اسْمٌ. قَالَ الزَّجَّاجُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ﴾ [طه: ٦٣] قَالَتِ النُّحَاةُ الْقُدَمَاءُ: إِنَّ الضَّمِيرَ فِيهِ مُضْمَرٌ أَيْ: إِنَّهُ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ. قَالُوا: وَأَصْلُ هَذِهِ اللَّامِ أَنْ تَقَعَ فِي الْمُبْتَدَأِ، وَوُقُوعُهَا فِي الْخَبَرِ جَائِزٌ، هَذَا وَفِي الْكَشَّافِ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ﴾ [الواقعة: ٣٤] أَيْ نُضِدَتْ حَتَّى ارْتَفَعَتْ، أَوْ مَرْفُوعَةٌ عَلَى الْأَسِرَّةِ، وَقِيلَ: هِيَ النِّسَاءُ؛ لِأَنَّ الْمَرْأَةَ يُكَنَّى عَنْهَا بِالْفِرَاشِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً﴾ [الواقعة: ٣٥] وَعَلَى التَّفْسِيرِ الْأَوَّلِ أُضْمِرَ لَهُنَّ؛ لِأَنَّ ذِكْرَ الْفُرُشِ وَهِيَ الْمَضَاجِعُ دَلَّ عَلَيْهِنَّ، انْتَهَى. فَهُنَّ مَرْفُوعَةٌ عَلَى الْفُرُشِ أَوِ السُّرُرِ أَوْ بِالْجَمَالِ عَلَى نِسَاءِ أَهْلِ الدُّنْيَا عَلَى مَا قِيلَ، فَإِنَّ كُلَّ فَاضِلٍ رَفِيعٌ، لَكِنْ ثَبَتَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّ الْمُؤْمِنَاتِ أَحْسَنُ مِنَ الْحُورِ؛ لِصَلَاتِهِنَّ وَصِيَامِهِنَّ. قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ - ﵀ -: قَوْلُ مَنْ قَالَ: الْمُرَادُ مِنْهُ ارْتِفَاعُ الْفُرُشِ الْمَرْفُوعَةِ فِي الدَّرَجَاتِ، وَمَا بَيْنَ كُلِّ دَرَجَتَيْنِ مِنَ الدَّرَجَاتِ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، هَذَا الْقَوْلُ أَوْثَقُ وَأَعْرَفُ الْوُجُوهِ الْمَذْكُورَةِ، وَذَلِكَ لِمَا فِي الْحَدِيثِ: «إِنَّ لِلْجَنَّةِ مِائَةَ دَرَجَةٍ، مَا بَيْنَ كُلِّ دَرَجَتَيْنِ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ» . انْتَهَى. وَعَارَضَهُ الطِّيبِيُّ - ﵀ - بِمَا لَا طَائِلَ تَحْتَهُ، فَأَعْرَضْتُ عَنْ ذِكْرِهِ وَتَرَكْتُ بَحْثَهُ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) أَيْ: مَوْقُوفٌ (وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ) .
[ ٩ / ٣٥٨٨ ]
٥٦٣٥ - وَعَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: " «إِنَّ أَوَّلَ زُمْرَةٍ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ضَوْءُ وُجُوهِهِمْ عَلَى مِثْلِ ضَوْءِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ، وَالزُّمْرَةُ الثَّانِيَةُ عَلَى أَحْسَنِ كَوْكَبٍ دُرِّيٍّ فِي السَّمَاءِ، لِكُلِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ زَوْجَتَانِ، عَلَى كُلِّ زَوْجَةٍ سَبْعُونَ حُلَّةً، يُرَى مُخُّ سَاقِهَا مِنْ وَرَائِهَا» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
_________________
(١) (وَعَنْهُ) أَيْ: عَنْ أَبِي سَعِيدٍ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (إِنَّ أَوَّلَ زُمْرَةٍ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) وَهُمُ الْأَنْبِيَاءُ عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ (ضَوْءُ وُجُوهِهِمْ) أَيْ: نُورُهَا (عَلَى مِثْلِ ضَوْءِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ)، وَهُوَ وَقْتُ كَمَالِ إِنَارَتِهِ («وَالزُّمْرَةُ الثَّانِيَةُ عَلَى مِثْلِ أَحْسَنِ كَوْكَبٍ دُرِّيٍّ فِي السَّمَاءِ»)، وَهُمُ الْأَوْلِيَاءُ وَالصُّلَحَاءُ عَلَى اخْتِلَافِ مَرَاتِبِهِمْ فِي الضِّيَاءِ («لِكُلِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ زَوْجَتَانِ، عَلَى كُلِّ زَوْجَةٍ سَبْعُونَ حُلَّةً»)، بِضَمِّ حَاءٍ وَتَشْدِيدِ لَامٍ، وَلَا تُطْلَقُ غَالِبًا إِلَّا عَلَى ثَوْبَيْنِ (يُرَى) أَيْ: يُبْصَرُ (مُخُّ سَاقِهَا) أَيْ: مُخُّ عِظَامِ سَاقِ كُلِّ زَوْجَةٍ (مِنْ وَرَائِهَا) . أَيْ مِنْ فَوْقِ حُلَلِهَا السَّبْعِينَ، لِكَمَالِ لَطَافَةِ أَعْضَائِهَا وَثِيَابِهَا، وَالتَّوْفِيقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ خَبَرِ: «أَدْنَى أَهْلِ الْجَنَّةِ مَنْ لَهُ اثْنَتَانِ وَسَبْعُونَ زَوْجَةً وَثَمَانُونَ أَلْفَ خَادِمٍ» - بِأَنْ يُقَالَ: يَكُونُ لِكُلٍّ مِنْهُمْ زَوْجَتَانِ مَوْصُوفَتَانِ بِأَنْ يُرَى مُخُّ سَاقِهَا مِنْ وَرَائِهَا، وَهَذَا لَا يُنَافِي أَنْ يَحْصُلَ لِكُلِّ مِنْهُمْ كَثِيرٌ مِنَ الْحُورِ الْعِينِ الْغَيْرِ الْبَالِغَةِ إِلَى هَذِهِ الْغَايَةِ، كَذَا قِيلَ، وَالْأَظْهَرُ أَنْ لِكُلٍّ زَوْجَتَانِ مِنْ نِسَاءِ الدُّنْيَا، وَإِنَّ أَدْنَى أَهْلِ الْجَنَّةِ مَنْ لَهُ اثْنَتَانِ وَسَبْعُونَ زَوْجَةً فِي الْجُمْلَةِ، يَعْنِي: اثْنَتَيْنِ مِنْ نِسَاءِ الدُّنْيَا وَسَبْعِينَ مِنَ الْحُورِ الْعِينِ، وَاللَّهُ ﷾ أَعْلَمُ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) . وَكَذَا أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ.
[ ٩ / ٣٥٨٩ ]
٥٦٣٦ - وَعَنْ أَنَسٍ - ﵁ - عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: " «يُعْطَى الْمُؤْمِنُ فِي الْجَنَّةِ قُوَّةَ كَذَا وَكَذَا مِنَ الْجِمَاعِ " قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَوَيُطِيقُ ذَلِكَ؟ قَالَ: " يُعْطَى قُوَّةَ مِائَةٍ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
_________________
(١) (وَعَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: («يُعْطَى الْمُؤْمِنُ فِي الْجَنَّةِ قُوَّةَ كَذَا وَكَذَا مِنَ الْجِمَاعِ») وَهُوَ كِنَايَةٌ عَنْ جِمَاعِ عِدَّةٍ مِنَ النِّسَاءِ كَالْعَشَرَةِ مَثَلًا (قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَوَيُطِيقُ ذَلِكَ)؟ بِفَتْحِ الْوَاوِ أَيْ: أَيُعْطَى تِلْكَ الْقُوَّةَ وَيَسْتَطِيعُ ذَلِكَ الْمِقْدَارَ، وَالْإِشَارَةُ إِلَى مَضْمُونِ قَوْلِهِ: كَذَا وَكَذَا مِنَ الْجِمَاعِ. (قَالَ: (يُعْطَى قُوَّةَ مِائَةٍ) أَيْ مِائَةِ رَجُلٍ، كَذَا قِيلَ، أَوْ مِائَةِ مَرَّةٍ مِنَ الْجِمَاعِ، وَالْمَعْنَى: فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَهُوَ يُطِيقُ ذَلِكَ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) وَفِي الْجَامِعِ: «يُعْطَى الْمُؤْمِنُ فِي الْجَنَّةِ قُوَّةَ مِائَةٍ فِي النِّسَاءِ») رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ عَنْ أَنَسٍ. وَفِي الْجَامِعِ: («إِنَّ الرَّجُلَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ لَيُعْطَى قُوَّةَ مِائَةِ رَجُلٍ فِي الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَالشَّهْوَةِ وَالْجِمَاعِ، حَاجَةُ أَحَدِهِمْ عَرَقٌ يَفِيضُ مِنْ جِلْدِهِ، فَإِذَا بَطْنُهُ قَدْ ضَمُرَ») . رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -.
[ ٩ / ٣٥٨٩ ]
٥٦٣٧ - وَعَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ - ﵁ - عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: " «لَوْ أَنَّ مَا يُقِلُّ ظُفُرٌ مِمَّا فِي الْجَنَّةِ بَدَا لَتَزَخْرَفَتْ لَهُ مَا بَيْنَ خَوَافِقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ اطَّلَعَ فَبَدَا أَسَاوِرُهُ لَطَمَسَ ضَوْؤُهُ ضَوْءَ الشَّمْسِ كَمَا تَطْمِسُ الشَّمْسُ ضَوْءَ النُّجُومِ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ.
_________________
(١) (وَعَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ) ﵁ («عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: (لَوْ أَنَّ مَا يُقِلُّ»): بِضَمِّ الْيَاءِ وَكَسْرِ الْقَافِ وَتَشْدِيدِ اللَّامِ أَيْ: يَحْمِلُهُ (ظُفُرٌ): بِضَمَّتَيْنِ وَيُسَكَّنُ الثَّانِي، قَالَ الطِّيبِيُّ - ﵀ -: (مَا) مَوْصُولَةٌ، وَالْعَائِدُ مَحْذُوفٌ أَيْ: مَا يُقِلُّهُ. وَقَالَ الْقَاضِي - ﵀ -: أَيْ قَدْرُ مَا مُسْتَقِلٌّ بِحَمْلِهِ ظُفُرٌ وَيُحْمَلُ عَلَيْهَا (مِمَّا فِي الْجَنَّةِ) أَيْ: مِنْ نَعِيمِهَا (بَدَا) أَيْ: ظَهَرَ فِي الدُّنْيَا لِلنَّاظِرِينَ (لَتَزَخْرَفَتْ) أَيْ: تَزَيَّنَتْ (لَهُ) أَيْ لِذَلِكَ الْمِقْدَارِ وَسَبَبِهِ مِنَ الِاعْتِبَارِ وَظُهُورِ الْأَنْوَارِ (مَا بَيْنَ خَوَافِقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ)، أَيْ أَطْرَافِهَا. وَقِيلَ مُنْتَهَاهَا. وَقِيلَ الْخَافِقَانِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ، كَذَا ذَكَرَهُ شَارِحٌ. وَقَالَ الْقَاضِي - ﵀ -: الْخَوَافِقُ جَمْعُ خَافِقَةٍ، وَهِيَ الْجَانِبُ، وَهِيَ فِي الْأَصْلِ الْجَانِبُ الَّتِي تَخْرُجُ مِنْهَا الرِّيَاحُ مِنَ الْخَفَقَانِ، وَيُقَالُ الْخَافِقَانِ لِلْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ. قَالَ الطِّيبِيُّ - ﵀ -: وَتَأْنِيثُ الْفِعْلِ لِأَنَّ " مَا بَيْنَ " بِمَعْنَى الْأَمَاكِنِ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ﴾ [البقرة: ١٧] فِي وَجْهٍ. (وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ اطَّلَعَ) بِتَشْدِيدِ
[ ٩ / ٣٥٨٩ ]
الطَّاءِ أَيْ: أَشْرَفَ عَلَى أَهْلِ الدُّنْيَا (فَبَدَا) أَيْ: ظَهَرَ (أَسَاوِرُهُ): جَمْعُ إِسْوَرَةٍ جَمْعُ سِوَارٍ، وَالْمُرَادُ بَعْضُ أَسَاوِرِهِ، فَفِي تَيْسِيرِ الْوُصُولِ: فَبَدَا سِوَارُهُ (لَطَمَسَ ضَوْؤُهُ) أَيْ: مَحَا نُورُهُ (ضَوْءَ الشَّمْسِ كَمَا تَطْمِسُ الشَّمْسُ): وَفِي نُسْخَةٍ كَمَا يَطْمِسُ ضَوْءُ الشَّمْسِ (ضَوْءَ النُّجُومِ) رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ) وَقَدْ سَبَقَ هَذَا الْمَعْنَى فِي أَحَادِيثَ، بَعْضُهَا فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ، وَبَعْضُهَا فِي الصَّحِيحَيْنِ فِي الْجَامِعِ: («إِنَّ الرَّجُلَ مِنْ أَهْلِ عِلِّيِّينَ لَيُشْرِفُ عَلَى أَهْلِ الْجَنَّةِ فَتُضِيءُ الْجَنَّةُ لِوَجْهِهِ كَأَنَّهُ كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ») رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ - ﵏.
[ ٩ / ٣٥٩٠ ]
٥٦٣٨ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: " «أَهْلُ الْجَنَّةِ جُرْدٌ مُرْدٌ كَحْلَى، لَا يَفْنَى شَبَابُهُمْ، وَلَا تَبْلَى ثِيَابُهُمْ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالدَّارِمِيُّ.
_________________
(١) (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (أَهْلُ الْجَنَّةِ جُرْدٌ): بِضَمِّ جِيمٍ وَسُكُونِ رَاءٍ جَمْعُ أَجْرَدَ، وَهُوَ الَّذِي لَا شَعَرَ عَلَى جَسَدِهِ وَضِدُّهُ الْأَشْعَرُ (مُرْدٌ): جَمْعُ أَمَرَدَ وَهُوَ غُلَامٌ لَا شَعَرَ عَلَى ذَقْنِهِ، وَقَدْ يُرَادُ بِهِ الْحُسْنُ بِنَاءً عَلَى الْغَالِبِ (كَحْلَى) بِفَتْحِ الْكَافِ فَعْلَى بِمَعْنَى فَعِيلٍ، أَيْ: مَكْحُولٌ، وَهُوَ عَيْنٌ فِي أَجْفَانِهَا سَوَادٌ خِلْقَةً، كَذَا قَالَهُ شَارِحٌ. وَفِي النِّهَايَةِ: الْكَحَلُ - بِفَتْحَتَيْنِ - سَوَادٌ فِي أَجْفَانِ الْعَيْنِ خِلْقَةً، وَالرَّجُلُ كَحْلٌ وَكَحِيلٌ وَكَحْلَى، جَمِيعُ كَحِيلٍ. (لَا يَفْنَى شَبَابُهُمْ، وَلَا تَبْلَى ثِيَابُهُمْ) . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالدَّارِمِيُّ) .
[ ٩ / ٣٥٩٠ ]
٥٦٣٩ - وَعَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ - ﵁ - أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: " «يَدْخُلُ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ جُرْدًا مُرْدًا مُكَحَّلِينَ أَبْنَاءَ ثَلَاثِينَ - أَوْ ثَلَاثٍ وَثَلَاثِينَ سَنَةً» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
_________________
(١) (وَعَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: " «يَدْخُلُ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ جُرْدًا مُرْدًا مُكَحَّلِينَ» أَيْ: خِلْقَةً وَكَمُكَحَّلِينَ (أَبْنَاءَ ثَلَاثِينَ) أَيْ: أَتْرَابًا (أَوْ ثَلَاثٍ) أَيْ: أَوْ أَبْنَاءَ ثَلَاثٍ (وَثَلَاثِينَ سَنَةً): وَ" أَوْ " لِشَكِّ الرَّاوِي (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) . قِيلَ: وَحَسَّنَهُ.
[ ٩ / ٣٥٩٠ ]
٥٦٤٠ - وَعَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ - ﵄ - قَالَتْ: «سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - وَذُكِرَ لَهُ سِدْرَةُ الْمُنْتَهَى قَالَ: يَسِيرُ الرَّاكِبُ فِي ظِلِّ الْفَنَنِ مِنْهَا مِائَةَ سَنَةٍ، أَوْ يَسْتَظِلُّ بِظِلِّهَا مِائَةُ رَاكِبٍ - شَكَّ الرَّاوِي - فِيهَا فَرَاشُ الذَّهَبِ، كَأَنَّ " ثَمَرَهَا الْقِلَالُ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ.
_________________
(١) (وَعَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ - ﵄ - قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَذُكِرَ لَهُ) أَيْ: وَالْحَالُ أَنَّهُ ذُكِرَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (سِدْرَةُ الْمُنْتَهَى) قِيلَ: هِيَ شَجَرَةُ نَبْقٍ فِي السَّمَاءِ السَّابِعَةِ عَنْ يَمِينِ الْعَرْشِ ثَمَرُهَا كَقِلَالِ هَجَرَ، وَالْمُنْتَهَى بِمَعْنَى مَوْضِعِ الِانْتِهَاءِ أَوِ الِانْتِهَاءِ، كَأَنَّهَا فِي مُنْتَهَى الْجَنَّةِ وَآخِرِهَا، وَقِيلَ: لَمْ يُجَاوِزْهَا حَدٌّ، وَإِلَيْهَا يَنْتَهِي عِلْمُ الْمَلَائِكَةِ وَغَيْرِهِمْ، وَلَا يَعْلَمُ أَحَدٌ مَا وَرَاءَهَا (قَالَ) أَيِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (يَسِيرُ الرَّاكِبُ) أَيِ الْمُجِدُّ (فِي ظِلِّ الْفَنَنِ) مُحَرَّكَةٌ، أَيِ الْغُصْنُ وَجَمْعُهُ الْأَفْنَانُ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ذَوَاتَا أَفْنَانٍ﴾ [الرحمن: ٤٨] وَيُقَالُ ذَلِكَ لِلنَّوْعِ، وَجَمْعُهُ فُنُونٌ، كَذَا حَقَّقَهُ الرَّاغِبُ (مِنْهَا) أَيْ مِنَ السِّدْرَةِ (مِائَةَ سَنَةٍ، أَوْ يَسْتَظِلُّ بِظِلِّهَا مِائَةُ رَاكِبٍ) وَالْأَوَّلُ أَبْلَغُ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُرَادَ بِهَا الْمُبَالَغَةُ فِي طُولِهَا وَعَرْضِهَا، فَـ " أَوْ " لِلتَّخْيِيرِ أَوْ لِلتَّنْوِيعِ بِاخْتِلَافِ بَعْضِ الْأَمَاكِنِ، أَوْ بِالنِّسْبَةِ إِلَى نَظَرِ بَعْضِ الْأَشْخَاصِ، لَكِنَّ قَوْلَهُ: (شَكَّ الرَّاوِي) يَأْبَى عَنْ ذَلِكَ، إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يُعْرَفْ مِنْ كَلَامِ مَنْ، وَالشَّكُّ وَقَعَ مِمَّنْ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ (فِيهَا) أَيْ: فِي سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى، وَالْمَعْنَى فِيهَا بَيْنَ أَغْصَانِهَا أَوْ عَلَيْهَا بِمَعْنَى فَوْقَهَا مِمَّا يَغْشَاهَا (فَرَاشُ الذَّهَبِ)، بِفَتْحِ الْفَاءِ جَمْعُ فَرَاشَةٍ، وَهِيَ الَّتِي تَطِيرُ وَتَتَهَافَتُ فِي السِّرَاجِ، قِيلَ: هَذَا تَفْسِيرُ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى﴾ [النجم: ١٦] وَمِنْهُ أَخَذَ ابْنُ مَسْعُودٍ حَيْثُ فَسَّرَ مَا يَغْشَى بِقَوْلِهِ: يَغْشَاهَا فَرَاشٌ مِنْ ذَهَبٍ. قَالَ الْإِمَامُ أَبُو الْفَتْحَ الْعِجْلِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ: وَلَعَلَّهُ أَرَادَ الْمَلَائِكَةَ تَتَلَأْلَأُ أَجْنِحَتُهَا تَلَأْلُؤَ أَجْنِحَةِ الْفَرَاشِ كَأَنَّهَا مُذَهَّبَةٌ. (كَأَنَّ ثَمَرَهَا الْقِلَالُ) بِكَسْرِ الْقَافِ جَمْعُ الْقُلَّةِ أَيْ قِلَالُ هَجَرَ فِي الْكِبَرِ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ) .
[ ٩ / ٣٥٩٠ ]
٥٦٤١ - وَعَنْ أَنَسٍ - ﵁ - قَالَ: «سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - مَا الْكَوْثَرُ؟ قَالَ: " ذَاكَ نَهْرٌ أَعْطَانِيهِ اللَّهُ - يَعْنِي فِي الْجَنَّةِ - أَشَدُّ بَيَاضًا مِنَ اللَّبَنِ، وَأَحْلَى مِنَ الْعَسَلِ، فِيهِ طَيْرٌ أَعْنَاقُهَا كَأَعْنَاقِ الْجُزُرِ " قَالَ عُمَرُ: إِنَّ هَذِهِ لَنَاعِمَةٌ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: " أَكَلَتُهَا أَنْعَمُ مِنْهَا» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
_________________
(١) (وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: «سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا الْكَوْثَرُ؟ قَالَ: (ذَاكَ نَهَرٌ») بِفَتْحِ الْهَاءِ وَتُسَكَّنُ، أَيْ جَدْوَلُ مَاءٍ، وَفِي طَرَفَيْهِ حَوْضَانِ أَحَدُهُمَا فِي الْجَنَّةِ وَالْآخَرُ فِي الْمَوْقِفِ (أَعْطَانِيهِ اللَّهُ) وَإِنَّمَا قَالَ الْقَائِلُ (يَعْنِي فِي الْجَنَّةِ)؛ لِكَوْنِ أَكْثَرِهِ فِي الْجَنَّةِ، أَوْ مَآلَ تَمَامِهِ إِلَيْهَا («أَشَدُّ بَيَاضًا مِنَ اللَّبَنِ، وَأَحْلَى مِنَ الْعَسَلِ») وَفِيهِ إِيمَاءٌ إِلَى أَنَّ مَاءَهُ جَامِعٌ بَيْنَ سَوْغِ اللَّبَنِ وَلَذَّةِ الْعَسَلِ، وَإِشَارَةٌ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ﴾ [الزخرف: ٧١] (فِيهِ) أَيْ: فِي ذَلِكَ النَّهْرِ أَوْ فِي أَطْرَافِهِ (طَيْرٌ) أَيْ: جِنْسٌ مِنَ الطُّيُورِ طَوِيلِ الْعُنُقِ وَكَبِيرِهِ (أَعْنَاقُهَا كَأَعْنَاقِ الْجُزُرِ): بِضَمِّ الْجِيمِ وَالزَّايِ جَمْعُ جَزُورٍ، وَالْمَعْنَى أَنَّهُ أُعِدَّ لِلنَّحْرِ لِيَأْكُلَ مِنْهُ أَصْحَابُ شُرْبِ ذَلِكَ النَّهْرِ، فَإِنَّهُ يَتِمُّ عَيْشُ الدَّهْرِ. (قَالَ عُمَرُ - ﵁ -: إِنَّ هَذِهِ) أَيِ الطَّيْرُ فَإِنَّهُ يُذَكَّرُ وَيُؤَنَّثُ (لَنَاعِمَةٌ) أَيْ: لِمُتَنَعِّمَةٌ أَوْ لَنِعْمَةٌ طَيِّبَةٌ (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (أَكَلَتُهَا) بِفَتَحَاتٍ، جَمْعُ آكِلٍ، اسْمُ فَاعِلٍ كَطَلَبَةٍ جَمْعُ طَالِبٍ، وَهَذَا هُوَ الَّذِي فِي أَصْلِ الْجَزَرِيِّ وَسَائِرِ النُّسَخِ الْمُصَحَّحَةِ، وَالْمَعْنَى مَنْ يَأْكُلُهَا (أَنْعَمُ مِنْهَا) . وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ وَهِيَ أَصْلُ السَّيِّدِ: آكِلَتُهَا، بِالْمَدِّ وَبِكَسْرِ الْكَافِ عَلَى أَنَّ صِيغَةَ الْوَاحِدِ قَدْ تُسْتَعْمَلُ لِلْجَمَاعَةِ، وَفِي نُسْخَةٍ آكِلُهَا بِصِيغَةِ الْفَاعِلِ الْمُذَكَّرِ، وَفِي أُخْرَى آكِلُوهَا بِصِيغَةِ جَمْعِ الْمُذَكَّرِ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) . وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ عَنْهُ مَرْفُوعًا: («الْكَوْثَرُ نَهْرٌ أَعْطَانِيهِ اللَّهُ فِي الْجَنَّةِ، تُرَابُهُ مِسْكٌ أَبْيَضُ مِنَ اللَّبَنِ، وَأَحْلَى مِنَ الْعَسَلِ، تَرِدُهُ طَيْرٌ أَعْنَاقُهَا مِثْلُ أَعْنَاقِ الْجُزُرِ، أَكَلَتُهَا أَنْعَمُ مِنْهَا») .
[ ٩ / ٣٥٩١ ]
٥٦٤٢ - وَعَنْ بُرَيْدَةَ - ﵁ - «أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلْ فِي الْجَنَّةِ مِنْ خَيْلٍ؟ قَالَ: " إِنِ اللَّهُ أَدْخَلَكَ الْجَنَّةَ فَلَا تَشَاءُ أَنْ تُحْمَلَ فِيهَا عَلَى فَرَسٍ مِنْ يَاقُوتَةٍ حَمْرَاءَ يَطِيرُ بِكَ فِي الْجَنَّةِ حَيْثُ شِئْتَ إِلَّا فَعَلْتَ " وَسَأَلَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلْ فِي الْجَنَّةِ مِنْ إِبِلٍ؟ فَإِنِّي أُحِبُّ الْإِبِلَ. قَالَ: فَلَمْ يَقُلْ لَهُ مَا قَالَ لِصَاحِبِهِ، فَقَالَ: " إِنْ يُدْخِلْكَ اللَّهُ الْجَنَّةَ يَكُنْ لَكَ فِيهَا مَا اشْتَهَتْ نَفْسُكَ وَلَذَّتْ عَيْنُكَ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
_________________
(١) (وَعَنْ بُرَيْدَةَ): بِالتَّصْغِيرِ («أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلْ فِي الْجَنَّةِ مِنْ خَيْلٍ؟» قَالَ: (إِنِ اللَّهُ) بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ النُّونِ عَلَى أَنَّ إِنْ شَرْطِيَّةٌ، ثُمَّ كُسِرَ لِلِالْتِقَاءِ. قَالَ الطِّيبِيُّ - ﵀ -: مَرْفُوعٌ بِفِعْلٍ يُفَسِّرُهُ مَا بَعْدَهُ، وَهُوَ (أَدْخَلَكَ الْجَنَّةَ): وَلَا يَجُوزُ رَفْعُهُ عَلَى الِابْتِدَاءِ؛ لِوُقُوعِهِ بَعْدَ حَرْفِ الشَّرْطِ، وَقَوْلُهُ: (فَلَا تَشَاءُ أَنْ تُحْمَلَ فِيهَا) جَوَابٌ لِلشَّرْطِ أَيْ: فَلَا تَشَاءُ الْحَمْلَ فِي الْجَنَّةِ («عَلَى فَرَسٍ مِنْ يَاقُوتَةٍ حَمْرَاءَ يَطِيرُ») بِالتَّذْكِيرِ وَيُؤَنَّثُ، فَفِي الْقَامُوسِ: الْفَرَسُ لِلذَّكَرِ وَالْأُنْثَى، أَيْ: يُسْرِعُ (بِكَ فِي الْجَنَّةِ حَيْثُ شِئْتَ إِلَّا فَعَلْتَ) . بِصِيغَةِ الْمُخَاطَبِ الْمُذَكَّرِ الْمَعْلُومِ، وَالْمَعْنَى إِنْ تَشَاءُ تَفْعَلُهُ، وَفِي نُسْخَةٍ عَلَى بِنَاءِ الْمَجْهُولِ أَيْ: حُمِلْتَ عَلَيْهَا وَرَكِبْتَ، وَفِي أُخْرَى بِتَاءِ التَّأْنِيثِ السَّاكِنَةِ، فَالضَّمِيرُ لِلْفَرَسِ، أَيْ حَمَلْتُكَ. قَالَ الْقَاضِي - ﵀ -: تَقْدِيرُ الْكَلَامِ: إِنْ أَدْخَلَكَ الْجَنَّةَ فَلَا تَشَاءُ أَنْ تُحْمَلَ عَلَى فَرَسٍ كَذَلِكَ إِلَّا حُمِلْتَ عَلَيْهِ، وَالْمَعْنَى أَنَّهُ مَا مِنْ شَيْءٍ تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ إِلَّا وَتَجِدُهُ فِي الْجَنَّةِ كَيْفَ شَاءَتْ، حَتَّى لَوِ اشْتَهَتْ أَنْ تَرْكَبَ فَرَسًا عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ لَوَجَدْتَهُ وَتَمَكَّنْتَ مِنْهُ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ: إِنْ أَدْخَلَكَ اللَّهُ الْجَنَّةَ فَلَا تَشَاءُ أَنْ يَكُونَ لَكَ مَرْكَبٌ مِنْ يَاقُوتَةٍ حَمْرَاءَ يَطِيرُ بِكَ حَيْثُ شِئْتَ، وَلَا تَرْضَى بِهِ فَتَطْلُبُ فَرَسًا مِنْ جِنْسِ مَا تَجِدُهُ فِي الدُّنْيَا حَقِيقَةً وَصِفَةً، وَالْمَعْنَى فَيَكُونُ لَكَ مِنَ الْمَرَاكِبِ مَا يُغْنِيكَ عَنِ الْفَرَسِ الْمَعْهُودِ، وَيَدُلُّ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى مَا جَاءَ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى، وَهُوَ إِنْ أُدْخِلْتَ الْجَنَّةَ أُتِيتَ بِفَرَسٍ مِنْ يَاقُوتَةٍ لَهُ جَنَاحَانِ فَحُمِلْتَ عَلَيْهِ، وَلَعَلَّهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا أَرَادَ أَنْ يُبَيِّنَ الْفَرْقَ بَيْنَ مَرَاكِبِ الْجَنَّةِ وَمَرَاكِبِ الدُّنْيَا وَمَا بَيْنَهُمَا مِنَ التَّفَاوُتِ عَلَى التَّصْوِيرِ وَالتَّمْثِيلِ - مَثَّلَ فَرَسَ الْجَنَّةِ فِي جَوْهَرِهِ بِمَا هُوَ عِنْدَنَا أَثْبَتُ الْجَوَاهِرِ وَأَدْوَمُهَا وُجُودًا، وَأَنْصَعُهَا لَوْنًا، وَأَصْفَاهَا جَوْهَرًا. وَفِي شِدَّةِ حَرَكَتِهِ وَسُرْعَةِ انْتِقَالِهِ بِالطَّيْرِ، وَأَكَّدَ ذَلِكَ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى بِقَوْلِهِ: جَنَاحَانِ، وَعَلَى هَذَا قِيَاسُ مَا وَرَدَ فِي صِفَةِ أَبْنِيَةِ الْجَنَّةِ وَرِيَاضِهَا وَأَنْهَارِهَا إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ، وَالْعِلْمُ بِحَقَائِقِهَا عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى.
[ ٩ / ٣٥٩١ ]
قَالَ الطِّيبِيُّ - ﵀ -: الْوَجْهُ الْأَوَّلُ ذَهَبَ إِلَيْهِ الشَّيْخُ التُّورِبِشْتِيُّ، وَتَقْدِيرُ قَوْلِهِ: " إِلَّا حُمِلْتَ " يَقْتَضِي أَنْ يُرْوَى قَوْلُهُ: إِلَّا فَعَلْتَ، عَلَى بِنَاءِ الْمَفْعُولِ، فَإِنَّهُ اسْتِثْنَاءٌ مُفَرَّغٌ أَيْ: لَا تَكُونُ بِمَطْلُوبِكَ إِلَّا مُسْعَفًا، وَإِذَا تُرِكَ عَلَى بِنَاءِ الْفَاعِلِ كَانَ التَّقْدِيرُ، فَلَا تَكُونُ بِمَطْلُوبِكَ إِلَّا فَائِزًا، وَالْوَجْهُ الثَّانِي مِنَ الْوَجْهَيْنِ السَّابِقَيْنِ قَرِيبٌ مِنْ أُسْلُوبِ الْحَكِيمِ، فَإِنَّ الرَّجُلَ سَأَلَ عَنِ الْفَرَسِ الْمُتَعَارَفِ فِي الدُّنْيَا، فَأَجَابَهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِمَا فِي الْجَنَّةِ، أَيِ: اتْرُكْ مَا طَلَبْتَهُ؛ فَإِنَّكَ مُسْتَغْنٍ عَنْهُ بِهَذَا الْمَرْكَبِ الْمُوصَفِ. («وَسَأَلَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلْ فِي الْجَنَّةِ مِنْ إِبِلٍ؟ فَإِنِّي أُحِبُّ الْإِبِلَ. قَالَ») أَيْ: بُرَيْدَةُ (فَلَمْ يَقُلْ لَهُ مَا قَالَ لِصَاحِبِهِ) أَيْ مِثْلَ مَقُولِهِ لِصَاحِبِهِ كَمَا سَبَقَ، بَلْ أَجَابَهُ مُخْتَصَرًا (فَقَالَ: («إِنْ يُدْخِلْكَ اللَّهُ الْجَنَّةَ يَكُنْ لَكَ فِيهَا مَا اشْتَهَتْ نَفْسُكَ وَلَذَّتْ عَيْنُكَ») أَيْ: وَجَدَتْ عَيْنُكَ لَذِيذًا، مِنْ لَذِذْتُ بِالْكَسْرِ لِذَاذًا أَيْ: وَجَدْتُهُ لَذِيذًا، قَالَهُ شَارِحٌ. وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ﴾ [الزخرف: ٧١] (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) .
[ ٩ / ٣٥٩٢ ]
٥٦٤٣ - وَعَنْ أَبِي أَيُّوبَ - ﵁ - قَالَ «أَتَى النَّبِيَّ - ﷺ - أَعْرَابِيٌّ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي أُحِبُّ الْخَيْلَ، أَفِي الْجَنَّةِ خَيْلٌ؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: " إِنْ أُدْخِلْتَ الْجَنَّةَ أُتِيتَ بِفَرَسٍ مِنْ يَاقُوتَةٍ لَهُ جَنَاحَانِ، فَحُمِلْتَ عَلَيْهِ، ثُمَّ طَارَ بِكَ حَيْثُ شِئْتَ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ هَذَا حَدِيثٌ لَيْسَ إِسْنَادُهُ بِالْقَوِيِّ، وَأَبُو سَوْرَةَ الرَّاوِي يُضَعَّفُ فِي الْحَدِيثِ، وَسَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ إِسْمَاعِيلَ يَقُولُ: أَبُو سَوْرَةَ هَذَا مُنْكَرُ الْحَدِيثِ، يَرْوِي مَنَاكِيرَ.
_________________
(١) (وَعَنْ أَبِي أَيُّوبَ قَالَ: أَتَى النَّبِيُّ - ﷺ - أَيْ جَاءَ (أَعْرَابِيٌّ) أَيْ: بَدَوِيٌّ («فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَنِّي أُحِبُّ الْخَيْلَ») أَيْ فِي الدُّنْيَا («أَفِي الْجَنَّةِ خَيْلٌ»)؟ يَعْنِي أَوَلَيْسَ فِيهَا، أَوَلَا تُشْتَهَى، لِلِاسْتِغْنَاءِ عَنْهَا. (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: إِنْ أُدْخِلْتَ الْجَنَّةَ أُتِيتَ) أَيْ جِئْتَ (بِفَرَسٍ مِنْ يَاقُوتَةٍ) قِيلَ: أَرَادَ الْجِنْسَ الْمَعْهُودَ مَخْلُوقًا مِنْ أَنْفَسِ الْجَوَاهِرِ، وَقِيلَ: إِنَّ هُنَاكَ مَرْكَبًا مِنْ جِنْسٍ آخَرَ يُغْنِيكَ مِنَ الْمَعْهُودِ كَمَا مَرَّ، وَالْأَخِيرُ هُوَ الْأَظْهَرُ؛ لِمَا سَيَأْتِي وَلِقَوْلِهِ: (لَهُ جَنَاحَانِ فَحُمِلْتَ عَلَيْهِ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ، أَيْ رَكِبْتَ (ثُمَّ طَارَ بِكَ حَيْثُ شِئْتَ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ لَيْسَ إِسْنَادُهُ بِالْقَوِيِّ، وَأَبُو سَوْرَةَ): بِفَتْحِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ (الرَّاوِي) أَيْ رَاوِي هَذَا الْحَدِيثِ (يُضَعَّفُ) أَيْ: يُنْسَبُ إِلَى الضَّعْفِ بِأَحَدِ أَسْبَابِهِ (فِي الْحَدِيثِ)، أَيْ فِي عَمَلِهِ، أَوْ فِي إِسْنَادِهِ (وَسَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ إِسْمَاعِيلَ) أَيِ الْبُخَارِيُّ (يَقُولُ: أَبُو سَوْرَةَ هَذَا مُنْكَرُ الْحَدِيثِ، يَرْوِي مَنَاكِيرَ) وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ عَنْ أَبِي أَيُّوبَ مَرْفُوعًا: («إِنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ يَتَزَاوَرُونَ عَلَى النَّجَائِبِ، بِيضٌ كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ، وَلَيْسَ فِي الْجَنَّةِ شَيْءٌ مِنَ الْبَهَائِمِ إِلَّا الْإِبِلُ وَالطَّيْرُ») .
[ ٩ / ٣٥٩٢ ]
٥٦٤٤ - وَعَنْ بُرَيْدَةَ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: " «أَهْلُ الْجَنَّةِ عِشْرُونَ وَمِائَةُ صَفٍّ، ثَمَانُونَ مِنْهَا مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ، وَأَرْبَعُونَ مِنْ سَائِرِ الْأُمَمِ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَالدَّارِمِيُّ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي (كِتَابِ الْبَعْثِ وَالنُّشُورِ)
_________________
(١) (وَعَنْ بُرَيْدَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: («أَهْلُ الْجَنَّةِ عِشْرُونَ وَمِائَةُ صَفٍّ») أَيْ قَدْرُهَا أَوْ صُوِّرُوا صُفُوفًا (ثَمَانُونَ) أَيْ: صَفًّا (مِنْهَا) أَيْ مِنْ جُمْلَةِ الْعَدَدِ كَائِنُونَ (مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ، وَأَرْبَعُونَ) أَيْ: صَفًّا (مِنْ سَائِرِ الْأُمَمِ) . وَالْمَقْصُودُ بَيَانُ تَكْثِيرِ هَذِهِ الْأُمَّةِ وَأَنَّهُمْ ثُلُثَانِ فِي الْقِسْمَةِ، قَالَ الطِّيبِيُّ - ﵀ - فَإِنْ قُلْتَ: كَيْفَ التَّوْفِيقُ بَيْنَ هَذَا وَمَا وَرَدَ مِنْ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: («وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ أَرْجُو أَنْ تَكُونُوا رُبُعَ أَهْلِ الْجَنَّةِ») فَكَبَّرْنَا. فَقَالَ - ﷺ: («أَرْجُو أَنْ تَكُونُوا ثُلُثَ أَهْلِ الْجَنَّةِ») . فَكَبَّرْنَا، فَقَالَ - ﷺ: («أَرْجُو أَنْ تَكُونُوا نِصْفَ أَهْلِ الْجَنَّةِ»)، قُلْتُ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الثَّمَانُونَ صَفًّا مُسَاوِيًا فِي الْعَدَدِ لِلْأَرْبَعِينَ صَفًّا، وَأَنْ يَكُونُوا كَمَا زَادَ عَلَى الرُّبُعِ وَالثُّلُثِ يَزِيدُ عَلَى النِّصْفِ كَرَامَةً لَهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. قُلْتُ: وَهَذَا هُوَ الْأَظْهَرُ، عَلَى أَنَّ النِّصْفَ قَدْ يُطْلَقُ وَلَمْ يُرَدْ بِهِ التَّسَاوِيَ فِي الْعَدَدِ وَالصَّفِّ؛ وَلِذَا يُوصَفُ بِالْأَقَلِّ وَالْأَكْثَرِ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَالدَّارِمِيُّ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي كِتَابِ الْبَعْثِ وَالنُّشُورِ) . وَكَذَا رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَابْنُ حِبَّانَ، وَالْحَاكِمُ عَنْهُ. وَالطَّبَرَانِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، عَنْ أَبِي مُوسَى.
[ ٩ / ٣٥٩٢ ]
٥٦٤٥ - وَعَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: " «بَابُ أُمَّتِي الَّذِينَ يَدْخُلُونَ مِنْهُ الْجَنَّةَ عَرْضُهُ مَسِيرَةُ الرَّاكِبِ الْمُجَوِّدِ ثَلَاثًا، ثُمَّ إِنَّهُمْ لَيُضْغَطُونَ عَلَيْهِ، حَتَّى تَكَادُ مَنَاكِبُهُمْ تَزُولُ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ ضَعِيفٌ، وَسَأَلْتُ مُحَمَّدَ بْنَ إِسْمَاعِيلَ عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ فَلَمْ يَعْرِفْهُ، وَقَالَ: يَخْلُدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ يَرْوِي الْمَنَاكِيرَ.
_________________
(١) (وَعَنْ سَالِمٍ)، تَابِعِيٌّ جَلِيلٌ (عَنْ أَبِي) أَيْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ (رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (بَابُ أُمَّتِي الَّذِينَ) كَذَا فِي الْأُصُولِ الْمُعْتَمَدَةِ وَالنُّسَخِ الْمُصَحَّحَةِ بِصِيغَةِ الْجَمْعِ، فَيَكُونُ صِفَةً لِلْأُمَّةِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِصِيغَةِ الْإِفْرَادِ عَلَى أَنَّهُ صِفَةُ الْبَابِ، وَهُوَ الظَّاهِرُ؛ إِذِ الْمَعْنَى: بَابُ أُمَّتِي الَّذِي («يَدْخُلُونَ مِنْهُ الْجَنَّةَ عَرْضُهُ مَسِيرَةُ الرَّاكِبِ الْمُجَوِّدِ»): اسْمُ فَاعِلٍ مِنَ التَّجْوِيدِ وَهُوَ التَّحْسِينُ. قَالَ شَارِحٌ أَيِ الرَّاكِبُ الَّذِي يُجَوِّدُ رَكْضَ الْفَرَسِ، مِنْ جَوَّدْتُهُ أَيْ جَعَلْتُهُ جَيِّدًا، وَفِي أَسَاسِ الْبَلَاغَةِ يُجَوِّدُ فِي صَنْعَتِهِ يَفُوقُ فِيهَا، وَأَجَادَ الشَّيْءَ وَجَوَّدَهُ: أَحْسَنَ فِيمَا فَعَلَ، وَجَوَّدَ فِي عَدْوِهِ، عَدَا عَدْوًا جَوَادًا، وَفَرَسٌ جَوَادٌ مِنْ خَيْلٍ جِيَادٍ. قَالَ الطِّيبِيُّ - ﵀ -: وَالْمُجَوِّدُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ صِفَةَ الرَّاكِبِ، وَالْمَعْنَى: الرَّاكِبُ الَّذِي يُجَوِّدُ رَكْضَ الْفَرَسِ، وَأَنْ يَكُونَ مُضَافًا إِلَيْهِ، وَالْإِضَافَةُ لَفْظِيَّةٌ أَيِ الْفَرَسُ الَّذِي يُجَوِّدُ فِي عَدْوِهِ (ثَلَاثًا)، ظَرْفُ مَسِيرَةٍ، وَالْمَعْنَى؛ ثَلَاثَ لَيَالٍ، أَوْ سِنِينَ وَهُوَ الْأَظْهَرُ؛ لِأَنَّهُ يُفِيدُ الْمُبَالِغَةَ أَكْثَرَ، ثُمَّ الْمُرَادُ بِهِ الْكَثْرَةُ؛ لِئَلَّا يُخَالِفَ مَا سَبَقَ مِنْ أَنَّ مَا بَيْنَ مِصْرَاعَيْنِ مِنْ مَصَارِيعِ الْجَنَّةِ مَسِيرَةُ أَرْبَعِينَ سَنَةً، عَلَى أَنَّهُ يُمْكِنُ أُوحِيَ إِلَيْهِ أَوَّلًا بِالْقَلِيلِ ثُمَّ أُعْلِمَ بِالْكَثِيرِ، أَوْ يُحْمَلُ عَلَى اخْتِلَافِ الْأَبْوَابِ بِاخْتِلَافِ أَصْحَابِهَا، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. (ثُمَّ إِنَّهُمْ) أَيْ: أَهْلُ الْجَنَّةِ مِنْ أُمَّتِي عِنْدَ دُخُولِهِمْ مِنْ أَبْوَابِهَا، فَالْمُرَادُ بِالْبَابِ جِنْسُهُ (لَيُضْغَطُونَ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيْ: لَيُعْصَرُونَ وَيُضَيَّقُونَ (عَلَيْهِ)، أَيْ عَلَى الْبَابِ (حَتَّى تَكَادَ) أَيْ: تَقْرُبُ (مَنَاكِبُهُمْ تَزُولُ) . أَيْ تَنْقَطِعُ مِنْ شِدَّةِ الزِّحَامِ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ ضَعِيفٌ) . وَفِي الْمَصَابِيحِ: ضَعِيفٌ مُنْكَرٌ. قَالَ شَارِحٌ لَهُ أَيْ هَذَا الْحَدِيثُ مُنْكَرٌ لِمُخَالَفَتِهِ لِلْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ الَّتِي وَرَدَتْ فِي هَذَا الْمَعْنَى مِمَّا مَرَّ. (وَسَأَلْتُ مُحَمَّدَ بْنَ إِسْمَاعِيلَ) أَيِ: الْبُخَارِيُّ - ﵀ - (عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ فَلَمْ يَعْرِفْهُ)، أَيْ أَصْلِ الْحَدِيثِ، وَالْعَالِمُ بِالْحَدِيثِ الْمُحِيطُ بِطُرُقِ الْأَحَادِيثِ إِذَا قَالَ: لَمْ أَعْرِفْهُ - دَلَّ عَلَى ضَعْفِهِ (وَقَالَ) أَيِ: الْبُخَارِيُّ (يَخْلُدُ) بِضَمِّ اللَّامِ (بْنُ أَبِي بَكْرٍ) وَهُوَ أَحَدُ رُوَاةِ هَذَا الْحَدِيثِ (يَرْوِي الْمَنَاكِيرَ) يَعْنِي: فَيَكُونُ حَدِيثًا ضَعِيفًا وَلَيْسَ فِيهِ أَنَّ حَدِيثَهُ هَذَا مُنْكَرٌ. قَالَ السَّيِّدُ جَمَالُ الدِّينِ قَوْلُهُ: يَخْلُدُ سَهْوٌ مِنْ صَاحِبِ الْمِشْكَاةِ، وَصَوَابُهُ خَالِدٌ؛ إِذْ فِي التِّرْمِذِيِّ خَالِدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ - ﵀ - وَكَذَا فِي كُتُبِ أَسْمَاءِ الرِّجَالِ.
[ ٩ / ٣٥٩٣ ]
٥٦٤٦ - وَعَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: " «إِنَّ فِي الْجَنَّةِ لَسُوقًا مَا فِيهَا شِرًى وَلَا بَيْعٌ إِلَّا الصُّوَرَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، فَإِذَا اشْتَهَى الرَّجُلُ صُورَةً دَخَلَ فِيهَا» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ.
_________________
(١) (وَعَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: («إِنَّ فِي الْجَنَّةِ لَسُوقًا») أَيْ: مُجْتَمَعًا، وَالسُّوقُ مُؤَنَّثٌ سَمَاعِيٌّ؛ وَلِذَا قَالَ: (مَا فِيهَا) أَيْ لَيْسَ فِي تِلْكَ السُّوقِ (شِرًى) بِالْكَسْرِ وَالْقَصْرِ أَيِ اشْتِرَاءٌ (وَلَا بَيْعٌ): وَالْمَعْنَى لَيْسَ فِيهَا تِجَارَةٌ (إِلَّا الصُّوَرَ): بِالنَّصْبِ وَفِي نُسْخَةٍ بِالرَّفْعِ، أَيِ التَّمَاثِيلَ الْمُخْتَلِفَةَ (مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، فَإِذَا اشْتَهَى الرَّجُلُ صُورَةً دَخَلَ فِيهَا) . وَكَذَا إِذَا اشْتَهَتِ النِّسَاءُ صُورَةً دَخَلْنَ فِيهَا. قَالَ الطِّيبِيُّ - ﵀ -: قَدْ سَبَقَ فِي الْفَصْلِ الْأَوَّلِ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ أَنَّ الْمُرَادَ بِالسُّوقِ الْمَجْمَعُ وَهَذَا يُؤَيِّدُهُ، يَعْنِي حَيْثُ قَالَ: مَا فِيهَا شِرًى وَلَا بَيْعٌ. قَالَ: فَالِاسْتِثْنَاءُ مُنْقَطِعٌ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُتَّصِلًا بِأَنْ يُجْعَلَ تَبْدِيلُ الْهَيْئَاتِ مِنْ جِنْسِ الْبَيْعِ وَالشِّرَى، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ - إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء: ٨٨ - ٨٩] يَعْنِي عَلَى وَجْهٍ، وَإِلَّا فَالْمُعْتَمَدُ أَنَّ اسْتِثْنَاءَهُ مُنْقَطِعٌ، ثُمَّ قِيلَ: يَحْتَمِلُ الْحَدِيثُ مَعْنَيَيْنِ أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ عَرْضَ الصُّوَرِ الْمُسْتَحْسَنَةِ عَلَيْهِ، فَإِذَا اشْتَهَى وَتَمَنَّى تِلْكَ الصُّورَةَ الْمَعْرُوضَةَ عَلَيْهِ صَوَّرَهُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ بِشَكْلِ تِلْكَ الصُّورَةِ بِقُدْرَتِهِ. وَثَانِيهِمَا: أَنَّ الْمُرَادَ مِنَ الصُّورَةِ الزِّينَةُ الَّتِي يَتَزَيَّنُ الشَّخْصُ بِهَا فِي تِلْكَ السُّوقِ، وَيَتَلَبَّسُ بِهَا، وَيَخْتَارُ لِنَفْسِهِ مِنَ الْحُلِيِّ وَالْحُلَلِ وَالتَّاجِ. يُقَالُ: لِفُلَانٍ صُورَةٌ حَسَنَةٌ، أَيْ هَيْئَةٌ مَلِيحَةٌ، يَعْنِي فَإِذَا رَغِبَ فِي شَيْءٍ مِنْهَا أُعْطِيَهُ، وَيَكُونُ الْمُرَادُ مِنَ الدُّخُولِ فِيهَا التَّزَيُّنَ بِهَا، وَعَلَى كِلَا الْمَعْنَيَيْنِ التَّغَيُّرُ فِي الصِّفَةِ لَا فِي الذَّاتِ.
[ ٩ / ٣٥٩٣ ]
قَالَ الطِّيبِيُّ - ﵀ -: وَيُمْكِنُ أَنْ يُجْمَعَ بَيْنَهُمَا لِيُوَافِقَ حَدِيثَ أَنَسٍ، «فَتَهُبُّ رِيحُ الشَّمَالِ فَتَحْثُو فِي وُجُوهِهِمْ وَثِيَابِهِمْ، فَيَزْدَادُونَ حُسْنًا وَجَمَالًا» . . . الْحَدِيثَ. قُلْتُ: وَهُوَ مُقْتَبَسٌ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ﴾ [الزخرف: ٧١] وَلَعَلَّ التَّقْيِيدَ بِالْمَكَانِ وَهُوَ السُّوقُ وَالزَّمَانُ وَهُوَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ وَبِخُصُوصِ الصُّوَرِ - لِكَوْنِهِ يَوْمَ الْمَزِيدِ وَيَوْمَ اللِّقَاءِ وَيَوْمَ الْجَمْعِ، وَمُشَاهَدَةِ أَهْلِ الْبَقَاءِ، وَزِيَادَةِ أَهْلِ الصَّفَاءِ، وَاللَّهُ ﷾ أَعْلَمُ. وَسَيَأْتِي فِي الْحَدِيثِ الَّذِي يَلِيهِ مَزِيدُ بَيَانٍ لِذَلِكَ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ)، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ.
[ ٩ / ٣٥٩٤ ]
٥٦٤٧ - وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ - ﵁ - أَنَّهُ لَقِيَ أَبَا هُرَيْرَةَ، فَقَالَ لَهُ أَبُو هُرَيْرَةَ: أَسْأَلُ اللَّهَ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ فِي سُوقِ الْجَنَّةِ. فَقَالَ سَعِيدٌ: أَفِيهَا سُوقٌ؟ قَالَ: نَعَمْ، أَخْبَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: " «إِنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ إِذَا دَخَلُوهَا نَزَلُوا فِيهَا بِفَضْلِ أَعْمَالِهِمْ، ثُمَّ يُؤْذَنُ لَهُمْ فِي مِقْدَارِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ مِنْ أَيَّامِ الدُّنْيَا، فَيَزُورُونَ رَبَّهُمْ، وَيَبْرُزُ لَهُمْ عَرْشُهُ، وَيَتَبَدَّى لَهُمْ فِي رَوْضَةٍ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ، تُوضَعُ لَهُمْ مَنَابِرُ مِنْ نُورٍ، وَمَنَابِرُ مِنْ لُؤْلُؤٍ، وَمَنَابِرُ مِنْ يَاقُوتٍ، وَمَنَابِرُ مِنْ زَبَرْجَدٍ، وَمَنَابِرُ مِنْ ذَهَبٍ، وَمَنَابِرُ مِنْ فِضَّةٍ، وَيَجْلِسُ أَدْنَاهُمْ - وَمَا فِيهِمْ دَنِيءٌ - عَلَى كُثْبَانِ الْمِسْكِ وَالْكَافُورِ، مَا يَرَوْنَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَرَاسِيِّ بِأَفْضَلَ مِنْهُمْ مَجْلِسًا ".
قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَهَلْ نَرَى رَبَّنَا؟ قَالَ: نَعَمْ، هَلْ تَتَمَارَوْنَ فِي رُؤْيَةِ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ؟ قُلْنَا: لَا، قَالَ: " كَذَلِكَ لَا تَتَمَارَوْنَ فِي رُؤْيَةِ رَبِّكُمْ، وَلَا يَبْقَى فِي ذَلِكَ الْمَجْلِسِ رَجُلٌ إِلَّا حَاضَرَهُ اللَّهُ مُحَاضَرَةً حَتَّى يَقُولَ لِلرَّجُلِ مِنْهُمْ: يَا فُلَانَ بْنَ فُلَانٍ، أَتَذْكُرُ يَوْمَ قَلْتَ كَذَا وَكَذَا؟ يُذَكِّرُهُ بَعْضَ غَدَرَاتِهِ فِي الدُّنْيَا. فَيَقُولُ: يَا رَبِّ أَفَلَمْ تَغْفِرْ لِي؟ فَيَقُولُ: بَلَى، فَبِسِعَةِ مَغْفِرَتِي بَلَغْتَ مَنْزِلَتَكَ هَذِهِ. فَبَيْنَا هُمْ عَلَى ذَلِكَ غَشِيتْهُمْ سَحَابَةٌ مِنْ فَوْقِهِمْ، فَأَمْطَرَتْ عَلَيْهِمْ طِيبًا لَمْ يَجِدُوا مِثْلَ رِيحِهِ شَيْئًا قَطُّ، وَيَقُولُ رَبُّنَا: قُومُوا إِلَى مَا أَعْدَدْتُ لَكُمْ مِنَ الْكَرَامَةِ فَخُذُوا مَا اشْتَهَيْتُمْ، فَنَأْتِي سُوقًا قَدْ حَفَّتْ بِهِ الْمَلَائِكَةُ، فِيهَا مَا لَمْ تَنْظُرِ الْعُيُونُ إِلَى مِثْلِهِ، وَلَمْ تَسْمَعِ الْآذَانُ، وَلَمْ يَخْطُرْ عَلَى الْقُلُوبِ، فَيُحْمَلُ لَنَا مَا اشْتَهَيْنَا، لَيْسَ يُبَاعُ فِيهَا وَلَا يُشْتَرَى، وَفِي ذَلِكَ السُّوقِ يَلْقَى أَهْلُ الْجَنَّةِ بَعْضُهُمْ بَعْضًا ". قَالَ: " فَيُقْبِلُ الرَّجُلُ ذُو الْمَنْزِلَةِ الْمُرْتَفِعَةِ، فَيَلْقَى مَنْ هُوَ دُونَهُ - وَمَا فِيهِمْ دَنِيءٌ - فَيَرُوعُهُ مَا يَرَى عَلَيْهِ مِنَ اللِّبَاسِ، فَمَا يَنْقَضِي آخِرُ حَدِيثِهِ حَتَّى يَتَخَيَّلَ عَلَيْهِ مَا هُوَ أَحْسَنُ فِيهِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يَحْزَنَ فِيهَا، ثُمَّ نَنْصَرِفُ إِلَى مَنَازِلِنَا، فَيَتَلَقَّانَا أَزْوَاجُنَا، فَيَقُلْنَ: مَرْحَبًا وَأَهْلًا، لَقَدْ جِئْتَ وَإِنَّ بِكَ مِنَ الْجَمَالِ أَفْضَلَ مِمَّا فَارَقْتَنَا عَلَيْهِ، فَيَقُولُ: إِنَّا جَالَسْنَا الْيَوْمَ رَبَّنَا الْجَبَّارَ، وَيَحِقُّنَا أَنْ نَنْقَلِبَ بِمِثْلِ مَا انْقَلَبْنَا» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ.
_________________
(١) (وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ)، تَابِعِيٌّ جَلِيلٌ (أَنَّهُ لَقِيَ أَبَا هُرَيْرَةَ) أَيْ فِي السُّوقِ عَلَى مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ السِّيَاقُ («فَقَالَ لَهُ أَبُو هُرَيْرَةَ: أَسْأَلُ اللَّهَ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ فِي سُوقِ الْجَنَّةِ») أَيْ كَمَا بَيْنَنَا فِي سُوقِ الْمَدِينَةِ (فَقَالَ سَعِيدٌ: أَفِيهَا) أَيْ: أَفِي الْجَنَّةِ (سُوقٌ؟) يَعْنِي وَهِيَ مَوْضُوعَةٌ لِلْحَاجَةِ إِلَى التِّجَارَةِ (قَالَ: نَعَمْ، أَخْبَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: (إِنَّ): بِالْفَتْحِ فِي أَصْلِ السَّيِّدِ وَغَيْرِهِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِالْكَسْرِ عَلَى الْحِكَايَةِ أَيِ الْخَبَرُ هُوَ قَوْلُهُ إِنَّ، أَوِ التَّقْدِيرُ قَائِلًا إِنَّ (أَهْلَ الْجَنَّةِ إِذَا دَخَلُوهَا) أَيِ الْجَنَّةَ (نَزَلُوا فِيهَا) أَيْ فِي مَنَازِلِهَا وَدَرَجَاتِهَا (بِفَضْلِ أَعْمَالِهِمْ) أَيْ: بِقَدْرِ زِيَادَةِ طَاعَاتِهِمْ كَمِّيَّةً وَكَيْفِيَّةً («ثُمَّ يُؤْذَنُ لَهُمْ فِي مِقْدَارِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ») أَيْ: قَدْرُ إِتْيَانِهِ، وَالْمُرَادُ فِي مِقْدَارِ الْأُسْبُوعِ (مِنْ أَيَّامِ الدُّنْيَا، فَيَزُورُونَ رَبَّهُمْ)، أَيْ فِيهِ (وَيَبْرُزُ): مِنَ الْإِبْرَازِ أَيْ: وَيُظْهِرُ رَبُّهُمْ إِلَيْهِمْ عَرْشَهُ)، أَيْ نِهَايَةَ لُطْفِهِ وَغَايَةَ رَحْمَتِهِ، كَمَا أُشِيرَ إِلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] وَإِلَّا فَقَدَ سَبَقَ أَنَّ الْعَرْشَ سَقْفُ الْجَنَّةِ، وَلِيُلَائِمَ عَلَى وَجْهِ التَّنْزِيهِ مِنَ الْجِهَةِ. قَوْلُهُ: (وَيَتَبَدَّى) بِتَشْدِيدِ الدَّالِ أَيْ: يَظْهَرُ وَيَتَجَلَّى رَبُّهُمْ (لَهُمْ فِي رَوْضَةٍ) أَيْ عَظِيمَةٍ (مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ، فَتُوضَعُ لَهُمْ مَنَابِرُ) أَيْ: كَرَاسِيُّ مُرْتَفِعَةٌ («مِنْ نُورٍ، وَمَنَابِرُ مِنْ لُؤْلُؤٍ، وَمَنَابِرُ مِنْ يَاقُوتٍ، وَمَنَابِرُ مِنْ زَبَرْجَدٍ»): بِفَتْحِ زَايٍ وَمُوَحَّدَةٍ فَرَاءٍ سَاكِنَةٍ فَجِيمٍ مَفْتُوحَةٍ: جَوْهَرٌ مَعْرُوفٌ («وَمَنَابِرُ مِنْ ذَهَبٍ، وَمَنَابِرُ مِنْ فِضَّةٍ»)، أَيْ بِحَسَبِ مَقَادِيرِ أَعْمَالِهِمْ وَمَرَاتِبِ أَحْوَالِهِمْ، (وَيَجْلِسُ أَدْنَاهُمْ) أَيْ: دُونَهُمْ مَنْزِلَةً (وَمَا فِيهِمْ دَنِيءٌ) أَيْ: وَالْحَالُ أَنَّهُ لَيْسَ فِي أَهْلِ الْجَنَّةِ دُونٌ وَخَسِيسٌ. قَالَ الطِّيبِيُّ - ﵀ -: هُوَ تَتْمِيمٌ صَوْنًا لِمَا يُتَوَهَّمُ مِنْ قَوْلِهِ: أَدْنَاهُمُ الدَّنَاءَةُ، وَالْمُرَادُ بِهِ الْأَدْنَى فِي الْمَرْتَبَةِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ يَجْلِسُ أَقَلُّ أَهْلِ الْجَنَّةِ اعْتِبَارًا (عَلَى كُثْبَانِ الْمِسْكِ) بِضَمِّ الْكَافِ وَسُكُونِ الْمُثَلَّثَةِ، جَمْعُ كَثِيبٍ أَيْ: تَلٌّ مِنَ الرَّمْلِ الْمُسْتَطِيلِ مِنْ كَثَبْتُ الشَّيْءَ إِذَا جَمَعْتُهُ (وَالْكَافُورِ)، بِالْجَرِّ عَطْفٌ عَلَى الْمِسْكِ، فَفِي الْقَامُوسِ: هُوَ نَبْتٌ طَيِّبٌ نَوْرُهُ كَنَوْرِ الْأُقْحُوَانِ أَوِ الطَّلْعِ أَوْ وِعَائِهِ، طِيبٌ مَعْرُوفٌ يَكُونُ مِنْ شَجَرٍ بِجِبَالِ بَحْرِ الْهِنْدِ وَالصِّينِ، يُظِلُّ خَلْقًا كَثِيرًا، وَتَأْلَفُهُ النَّمُورَةُ، وَخَشَبُهُ أَبْيَضُ هَشٌّ، وَيُوجَدُ فِي أَجْوَافِهِ الْكَافُورُ، وَهُوَ أَنْوَاعٌ، وَلَوْنُهَا أَحْمَرُ، وَإِنَّمَا بُيِّضَ بِالتَّصْعِيدِ مَعَ الْكَرْمِ وَعَيْنٍ فِي الْجَنَّةِ (مَا يَرَوْنَ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ مِنَ الْإِرَاءَةِ، وَالضَّمِيرُ إِلَى الْجَالِسِينَ عَلَى الْكُثْبَانِ أَيْ: لَا يَظُنُّونَ وَلَا يَتَوَهَّمُونَ (أَنَّ أَصْحَابَ الْكَرَاسِيِّ) أَيْ: أَرْبَابَ الْمَنَابِرِ (بِأَفْضَلَ مِنْهُمْ مَجْلِسًا) حَتَّى يَحْزَنُوا بِذَلِكَ، لِقَوْلِهِمْ عَلَى مَا فِي التَّنْزِيلِ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾ [فاطر: ٣٤] بَلْ إِنَّهُمْ وَاقِفُونَ فِي مَقَامِ الرِّضَا، وَمُتَلَذِّذُونَ بِحَالِ التَّسْلِيمِ بِمَا جَرَى الْقَضَاءُ.
[ ٩ / ٣٥٩٤ ]
(«قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَهَلْ نَرَى رَبَّنَا»)؟ أَيْ: يَتَجَلَّى الذَّاتُ؟ (قَالَ: نَعَمْ، هَلْ تَتَمَارَوْنَ): بِفَتْحِ الرَّاءِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِحَذْفِ إِحْدَى التَّائَيْنِ أَيْ: هَلْ تَشُكُّونَ (فِي رُؤْيَةِ الشَّمْسِ) أَيْ: فِي رُؤْيَتِكُمُ الشَّمْسَ (وَالْقَمَرِ) أَيْ: وَفِي رُؤْيَةِ الْقَمَرِ (لَيْلَةَ الْبَدْرِ)؟ وَاحْتُرِزَ عَنِ الْهِلَالِ وَعَنِ الْقَمَرِ فِي غَيْرِ لَيَالِي الْبُدُورِ، فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ حِينَئِذٍ فِي نِهَايَةِ النُّورِ (قُلْنَا: لَا) أَيْ: لَا نَشُكُّ فِي رُؤْيَةِ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ (قَالَ: («كَذَلِكَ لَا تَتَمَارَوْنَ فِي رُؤْيَةِ رَبِّكُمْ»): وَالتَّشْبِيهُ إِنَّمَا هُوَ فِي كَمَالِ الظُّهُورِ لَا فِي غَيْرِهِ مِنْ خَطِرَاتٍ تَخْتَلِجُ فِي الصُّدُورِ («وَلَا يَبْقَى فِي ذَلِكَ الْمَجْلِسِ رَجُلٌ إِلَّا حَاضَرَهُ اللَّهُ مُحَاضَرَةً»): بِالضَّادِ الْمُعْجَمَةِ مِنَ الْحُضُورِ وَقَدْ صُحِّفَ بِالْمُهْمَلَةِ. قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ - ﵀ -: الْكَلِمَتَانِ بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَالضَّادِ الْمُعْجَمَةِ، وَالْمُرَادُ مِنْ ذَلِكَ كَشْفُ الْحِجَابِ وَالْمُقَاوَلَةُ مَعَ الْعَبْدِ مِنْ غَيْرِ حِجَابٍ وَلَا تُرْجُمَانٍ، وَيُبَيِّنُهُ الْحَدِيثُ: («مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا وَيُكَلِّمُهُ رَبُّهُ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ تُرْجُمَانٌ») الْحَدِيثَ. وَالْمَعْنَى خَاطَبَهُ اللَّهُ مُخَاطَبَةً وَحَاوَرَهُ مُحَاوَرَةً. (حَتَّى يَقُولَ لِلرَّجُلِ مِنْهُمْ: يَا فُلَانَ): بِالْفَتْحِ وَفِي نُسْخَةٍ بِالضَّمِّ (ابْنَ فُلَانٍ) بِنَصْبِ ابْنٍ وَصَرْفِ فُلَانٍ، وَهُمَا كِنَايَتَانِ عَنِ اسْمِهِ وَاسْمِ أَبِيهِ، وَرَوَى أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ مَرْفُوعًا: («إِنَّكُمْ تُدْعَوْنَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِأَسْمَائِكُمْ وَأَسْمَاءِ آبَائِكُمْ، فَأَحْسِنُوا أَسْمَاءَكُمْ») . («أَتَذْكُرُ يَوْمَ قَلْتَ كَذَا وَكَذَا؟») أَيْ: مِمَّا لَا يَجُوزُ فِي الشَّرْعِ، فَكَأَنَّهُ تَوَقَّفَ الرَّجُلُ فِيهِ وَيَتَأَمَّلُ فِيمَا ارْتَكَبَهُ مِنْ مَعَاصِيهِ (فَيُذَكِّرُهُ) بِتَشْدِيدِ الْكَافِ أَيْ: فَيُعْلِمُهُ اللَّهُ (بِبَعْضِ غَدَرَاتِهِ) بِفَتْحِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَالدَّالِ الْمُهْمَلَةِ، جَمْعُ غَدْرَةٍ - بِالسُّكُونِ - بِمَعْنَى الْغَدْرِ، وَهُوَ تَرْكُ الْوَفَاءِ، وَالْمُرَادُ مَعَاصِيهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَفِ بِتَرْكِهَا الَّذِي عَهِدَ اللَّهُ إِلَيْهِ فِي الدُّنْيَا. (فَيَقُولُ: يَا رَبِّ! أَفَلَمْ تَغْفِرْ لِي)؟ أَيْ: أَدْخَلْتَنِي الْجَنَّةَ فَلَمْ تَغْفِرْ لِي مَا صَدَرَ لِي مِنَ الْمَعْصِيَةِ. (فَيَقُولُ: بَلَى)، أَيْ: غَفَرْتُ لَكَ (فَبِسَعَةِ مَغْفِرَتِي) بِفَتْحِ السِّينِ وَيُكْسَرُ (بَلَغْتَ) أَيْ: وَصَلْتَ (مَنْزِلَتَكَ هَذِهِ) قَالَ الطِّيبِيُّ - ﵀ -: عُطِفَ عَلَى مُقَدَّرٍ أَيْ: غَفَرْتُ لَكَ فَبَلَغْتَ بِسَعَةِ رَحْمَتِي هَذِهِ الْمَنْزِلَةَ الرَّفِيعَةَ، وَالتَّقْدِيمُ دَلَّ عَلَى التَّخْصِيصِ، أَيْ: بُلُوغُكَ تِلْكَ الْمَنْزِلَةَ كَائِنٌ بِسَعَةِ رَحْمَتِي لَا بِعَمَلِكَ. (فَبَيْنَا) وَفِي نُسْخَةٍ " فَبَيْنَمَا " (هُمْ) أَيْ: أَهْلُ الْجَنَّةِ (عَلَى ذَلِكَ) أَيْ: عَلَى مَا ذُكِرَ مِنَ الْمُحَاضَرَةِ وَالْمُحَاوَرَةِ (غَشِيَتْهُمْ) أَيْ: غَطَّتْهُمْ (سَحَابَةٌ مِنْ فَوْقِهِمْ، فَأَمْطَرَتْ عَلَيْهِمْ طِيبًا) أَيْ: عَظِيمًا («وَلَمْ يَجِدُوا مِثْلَ رِيحِهِ شَيْئًا قَطُّ، وَيَقُولُ رَبُّنَا: قُومُوا إِلَى مَا أَعْدَدْتُ لَكُمْ مِنَ الْكَرَامَةِ، فَخُذُوا مَا اشْتَهَيْتُمْ، فَنَأْتِي سُوقًا قَدْ حَفَّتْ»): بِتَشْدِيدِ الْفَاءِ أَيْ: أَحَاطَتْ (بِهِ الْمَلَائِكَةُ، فِي) كَذَا فِي بَعْضِ الْأُصُولِ الْمُعْتَمَدَةِ مَوْجُودَةٌ، وَالْمَعْنَى عَلَيْهِ أَيْ: فِي تِلْكَ السُّوقِ (مَا لَمْ تَنْظُرِ الْعُيُونُ) بِضَمِّ الْعَيْنِ وَيُكْسَرُ جَمْعُ الْعَيْنِ (إِلَى مِثْلِهِ): وَهُوَ فِي نُسَخِ أَكْثَرِ الشُّرَّاحِ مَفْقُودٌ، فَقَالَ الْمُظْهِرُ: " مَا " مَوْصُولَةٌ وَالْمَوْصُولُ مَعَ صِلَتِهِ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَنْصُوبًا بَدَلًا مِنَ الضَّمِيرِ الْمَنْصُوبِ الْمُقَدَّرِ الْعَائِدِ إِلَى مَا فِي قَوْلِهِ: مَا أَعْدَدْتُ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ فِي مَحَلِّ الرَّفْعِ عَلَى أَنَّهَا خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أَيِ: الْمُعَدُّ لَكُمْ، وَقَالَ شَارِحٌ: أَوْ هُوَ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ أَيْ: فِيهَا أَقُولُ، وَهُوَ أَحَقُّ وَأَوْفَقُ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ - ﵀ -: الْوَجْهُ أَنْ يَكُونَ " مَا " مَوْصُوفَةً بَدَلًا مِنْ سُوقًا. (وَلَمْ تَسْمَعِ الْآذَانُ) بِمَدِّ الْهَمْزَةِ وَجَمْعِ الْآذَانِ أَيْ: وَمَا لَمْ تَسْمَعْهُ بِمِثْلِهِ (وَلَمْ يَخْطُرْ): بِضَمِّ الطَّاءِ أَيْ: وَمَا لَمْ يَمُرَّ مِثْلُهُ (عَلَى الْقُلُوبِ) وَهَذَا هُوَ مَعْنَى الْحَدِيثِ الْقُدْسِيِّ الْمَشْهُورِ («أَعْدَدْتُ لِعِبَادِيَ الصَّالِحِينَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ») عَلَى مَا رَوَاهُ أَبُو هُرَيْرَةَ أَيْضًا كَمَا سَبَقَ.
[ ٩ / ٣٥٩٥ ]
(فَيُحْمَلُ لَنَا) أَيْ: إِلَى قُصُورِنَا (مَا اشْتَهَيْنَا) أَيْ: فِي تِلْكَ السُّوقِ مِنْ أَنْوَاعِ الْمَرْزُوقِ (لَيْسَ يُبَاعُ فِيهَا وَلَا يُشْتَرَى) الْجُمْلَةُ حَالٌ مِنْ " مَا " فِي " مَا اشْتَهَيْنَا "، وَهُوَ الْمَحْمُولُ، وَالضَّمِيرُ فِي يُبَاعُ عَائِدٌ إِلَيْهِ (وَفِي ذَلِكَ السُّوقِ): هُوَ يُذَكَّرُ وَيُؤَنَّثُ فَأَنَّثَهُ تَارَةً وَذَكَّرَهُ أُخْرَى، وَالتَّأْنِيثُ أَكْثَرُ وَأَشْهَرُ وَأَكْثَرُ أَيْ: وَفِي تِلْكَ السُّوقِ (يَلْقَى) أَيْ: يَرَى (أَهْلُ الْجَنَّةِ بَعْضُهُمْ بَعْضًا قَالَ) أَيِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْ أَبُو هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا حَقِيقَةً أَوْ مَوْقُوفًا فِي حُكْمِ الْمَرْفُوعِ (فَيُقْبِلُ) مِنَ الْإِقْبَالِ أَيْ: فَيَجِيءُ وَيَتَوَجَّهُ («الرَّجُلُ ذُو الْمَنْزِلَةِ الْمُرْتَفِعَةِ، فَيَلْقَى مَنْ هُوَ دُونَهُ») أَيْ: فِي الرُّتْبَةِ وَالْمَنْزِلَةِ (- وَمَا فِيهِمْ مِنْ دَنِيءٍ -) زِيدَ " مِنْ " لِلْمُبَالَغَةِ فِي نَفْيِ الِاسْتِغْرَاقِ، وَهُوَ فِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ بِدُونٍ " مِنْ " كَمَا فِي صَدْرِ الْحَدِيثِ (فَيَرُوعُهُ) بِضَمِّ الرَّاءِ أَيْ: يُعْجِبُ الرَّجُلَ (مَا يَرَى) أَيْ يُبْصِرُهُ (عَلَيْهِ) أَيْ: عَلَى مَنْ دُونَهُ (مِنَ النَّاسِ): بَيَانُ " مَا "، كَذَا ذَكَرَهُ شَارِحٌ، وَالظَّاهِرُ عَكْسُ مَرْجِعِ الضَّمِيرَيْنِ.
قَالَ الطِّيبِيُّ - ﵀ -: الضَّمِيرُ الْمَجْرُورُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى " مَنْ "، فَيَكُونُ الرَّوْعُ مَجَازًا عَنِ الْكَرَاهَةِ مِمَّا هُوَ عَلَيْهِ مِنَ اللِّبَاسِ، وَأَنْ يَرْجِعَ إِلَى الرَّجُلِ ذِي الْمَنْزِلَةِ، فَالرَّوْعُ بِمَعْنَى الْإِعْجَابِ أَيْ: يُعْجِبُهُ حُسْنُهُ فَيَدْخُلُ فِي رَوْعِهِ مَا يَتَمَنَّى مِثْلَ ذَلِكَ لِنَفْسِهِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: (فَمَا يَنْقَضِي آخِرُ حَدِيثِهِ) أَيْ: مَا أُلْقِيَ فِي رُوعِهِ مِنَ الْحَدِيثِ، وَضَمِيرُ الْمَفْعُولِ فِيهِ عَائِدٌ إِلَى " مِنْ ". قَالَ شَارِحٌ أَيْ: حَدِيثُ مَنْ هُوَ دُونَهُ مَعَ الرَّجُلِ الرَّفِيعِ الْمَنْزِلَةِ. قُلْتُ: وَيَجُوزُ قَلْبُ الْكَلَامِ أَيْضًا (حَتَّى يَتَخَيَّلَ عَلَيْهِ) بِصِيغَةِ الْفَاعِلِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ أَيْ: حَتَّى يُتَصَوَّرَ لَهُ أَنَّ عَلَيْهِ (مَا هُوَ أَحْسَنُ مِنْهُ) وَالْمَعْنَى: يَظْهَرُ عَلَيْهِ أَنَّ لِبَاسَهُ أَحْسَنُ مِنْ لِبَاسِ صَاحِبِهِ (وَذَلِكَ) أَيْ سَبَبُ مَا ذُكِرَ مِنَ التَّخَيُّلِ (لِأَنَّهُ) أَيِ الشَّأْنُ (لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يَحْزَنَ) بِفَتْحِ الزَّايِ أَيْ: يَغْتَمَّ (فِيهَا) أَيْ: فِي الْجَنَّةِ، فَحَزِنَ هُنَا لَازِمٌ مِنْ حَزِنَ بِالْكَسْرِ لَا مِنْ بَابِ نَصَرَ، فَإِنَّهُ مُتَعَدٍّ غَيْرُ مُلَائِمٍ لِلْمَقَامِ (ثُمَّ نَنْصَرِفُ) أَيْ: نَرْجِعُ وَنَعُودُ (إِلَى مَنَازِلِنَا، فَيَتَلَقَّانَا) مِنَ التَّلَقِّي أَيْ: يَسْتَقْبِلُنَا وَفِي نُسْخَةٍ فَيَلْقَانَا مِنَ اللُّقِيِّ أَيْ: فَيَرَانَا (أَزْوَاجُنَا) أَيْ: مِنْ نِسَاءِ الدُّنْيَا وَمِنَ الْحُورِ الْعِينِ («فَيَقُلْنَ: مَرْحَبًا وَأَهْلًا، لَقَدْ جِئْتَ وَإِنَّ بِكَ مِنَ الْجَمَالِ أَفْضَلَ مِمَّا فَارَقْتَنَا عَلَيْهِ، فَيَقُولُ: إِنَّا جَالَسْنَا الْيَوْمَ رَبَّنَا الْجَبَّارَ، وَيَحِقُّنَا») بِكَسْرِ الْحَاءِ وَتَشْدِيدِ الْقَافِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِضَمِّ الْحَاءِ، فَفِي الْمِصْبَاحِ: حَقَّ الشَّيْءُ كَضَرَبَ وَنَصَرَ - إِذَا ثَبَتَ، وَفِي الْقَامُوسِ: حَقَّ الشَّيْءُ: وَجَبَ وَوَقَعَ بِلَا شَكٍّ، وَحَقَّهُ أَوْجَبَهُ، لَازَمٌ وَمُتَعَدٍّ، فَالْمَعْنَى: يُوجِبُنَا وَيَلْزَمُنَا. وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مِنْ بَابِ الْحَذْفِ وَالْإِيصَالِ أَيْ: يَحِقُّ لَنَا وَيَلِيقُ بِنَا (أَنْ نَنْقَلِبَ بِمِثْلِ مَا انْقَلَبْنَا) أَيْ: مِنَ الِانْقِلَابِ، وَهُوَ الِانْصِرَافُ عَلَى وَجْهِ الْكَمَالِ لِأَثَرِ مُجَالَسَةِ ذِي الْجَلَالِ وَالْجَمَالِ، وَمُشَاهَدَتِهِ الْمُنَزَّهَةِ عَنِ الْحُلُولِ وَالِاتِّحَادِ وَالِاتِّصَالِ وَالِانْفِصَالِ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ) .
[ ٩ / ٣٥٩٦ ]
٥٦٤٨ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: " «أَدْنَى أَهْلِ الْجَنَّةِ الَّذِي لَهُ ثَمَانُونَ أَلْفَ خَادِمٍ وَاثْنَتَانِ وَسَبْعُونَ زَوْجَةً، وَتُنْصَبُ لَهُ قُبَّةٌ مِنْ لُؤْلُؤٍ وَزَبَرْجَدٍ وَيَاقُوتٍ كَمَا بَيْنَ الْجَابِيَةِ إِلَى صَنْعَاءَ» ".
وَبِهَذَا الْإِسْنَادِ، قَالَ: " «وَمَنْ مَاتَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ مِنْ صَغِيرٍ أَوْ كَبِيرٍ يُرَدُّونَ بَنِي ثَلَاثِينَ فِي الْجَنَّةِ، لَا يَزِيدُونَ عَلَيْهَا أَبَدًا، وَكَذَلِكَ أَهْلُ النَّارِ» ".
وَبِهَذَا الْإِسْنَادِ، قَالَ: " «إِنَّ عَلَيْهِمُ التِّيجَانَ، أَدْنَى لُؤْلُؤَةٍ لَتُضِيءُ مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ» ".
وَبِهَذَا الْإِسْنَادِ، قَالَ: " «الْمُؤْمِنُ إِذَا اشْتَهَى الْوَلَدَ فِي الْجَنَّةِ كَانَ حَمْلُهُ وَوَضْعُهُ وَسِنُّهُ فِي سَاعَةٍ كَمَا يُشْتَهَى» " وَقَالَ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ: «إِذَا اشْتَهَى الْمُؤْمِنُ فِي الْجَنَّةِ الْوَلَدَ كَانَ فِي سَاعَةٍ، وَلَكِنْ لَا يُشْتَهَى» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ الرَّابِعَةَ، وَالدَّارِمِيُّ الْأَخِيرَةَ.
_________________
(١) (وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " أَدْنَى أَهْلِ الْجَنَّةِ) أَيْ: أَقَلُّهُمْ خَدَمًا وَنِسَاءً («الَّذِي لَهُ ثَمَانُونَ أَلْفَ خَادِمٍ وَاثْنَتَانِ») أَيْ: مِنْ نِسَاءِ الدُّنْيَا (وَسَبْعُونَ زَوْجَةً) أَيْ
[ ٩ / ٣٥٩٦ ]
مِنَ الْحُورِ الْعِينِ، وَفِي نُسْخَةٍ اثْنَانِ بِالتَّذْكِيرِ، وَلَعَلَّ وَجْهَهُ أَنَّهُ ذُكِّرَ بِاعْتِبَارِ مَعْنَى الزَّوْجَةِ مِنْ لَفْظِ الْحُورِ أَوِ الزَّوْجِ (وَتُنْصَبُ): بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيْ: وَيُضْرَبُ وَيُرْفَعُ لَهُ (قُبَّةٌ مِنْ لُؤْلُؤٍ وَزَبَرْجَدٍ وَيَاقُوتٍ) قَالَ الْقَاضِي - ﵀ -: يُرِيدُ أَنَّ الْقُبَّةَ مَعْمُولَةٌ مِنْهَا أَوْ مُكَلَّلَةٌ بِهَا (كَمَا بَيْنَ الْجَابِيَةِ) وَهِيَ مَدِينَةٌ بِالشَّامِ (إِلَى صَنْعَاءَ) وَهِيَ بَلْدَةٌ بِالْيَمَنِ. قَالَ شَارِحٌ: هِيَ قَصَبَةٌ بِالْيَمَنِ، وَقِيلَ: هِيَ أَوَّلُ بَلْدَةٍ بُنِيَتْ بَعْدَ الطُّوفَانِ، وَالْمَعْنَى أَنَّ فُسْحَةَ الْقُبَّةِ وَسِعَتَهَا طُولًا وَعَرْضًا وَبُعْدَ مَا بَيْنَ طَرَفَيْهِ - كَمَا بَيْنَ الْمَوْضِعَيْنِ. قَالَ السُّيُوطِيُّ - ﵀ - فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ حِبَّانَ، وَالضِّيَاءُ، عَنْهُ.
(وَبِهَذَا الْإِسْنَادِ) أَيْ: بِإِسْنَادِ الْوَاصِلِ إِلَى أَبِي سَعِيدٍ أَيْضًا قَالَ أَيِ: النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْ أَبُو سَعِيدٍ مَرْفُوعًا. وَفِي الْمَصَابِيحِ، وَبِهِ قَالَ أَيْ: بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ. («قَالَ: أَوْ مَنْ مَاتَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ مِنْ صَغِيرٍ أَوْ كَبِيرٍ يُرَدُّونَ») أَيْ: يَعُودُونَ، وَفِيهِ تَغْلِيبٌ؛ لِأَنَّهُ لَا رَدَّ فِي الصَّغِيرِ، أَوِ الْمَعْنَى يَصِيرُونَ (بَنِي ثَلَاثِينَ فِي الْجَنَّةِ) مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: يُرَدُّونَ (لَا يَزِيدُونَ عَلَيْهَا أَبَدًا) أَيْ: زِيَادَةً مُؤَثِّرَةً فِي تَغَيُّرِ أَبْدَانِهِمْ وَأَعْضَائِهِمْ وَشُعُورِهِمْ وَأَشْعَارِهِمْ، وَإِلَّا فَزَمَانُهُمْ فِي الْجَنَّةِ يَتَزَايَدُ أَبَدَ الْآبِدِينَ (وَكَذَلِكَ أَهْلُ النَّارِ) أَيْ: فِي الْعُمُرِ وَعَدَمِ الزِّيَادَةِ، وَلَعَلَّ اخْتِيَارَ هَذَا الْمِقْدَارِ مِنْ أَزْمِنَةِ الْأَعْمَالِ لِلْأَبْرَارِ وَالْكُفَّارِ؛ لِيَكُونَ التَّنْعِيمُ وَالْعَذَابُ عَلَى وَجْهِ الْكَمَالِ فِي كُلٍّ مِنْ دَارِ الْبَوَارِ وَدَارِ الْقَرَارِ. قَالَ الطِّيبِيُّ - ﵀ - فَإِنْ قُلْتَ: مَا التَّوْفِيقُ بَيْنَ هَذَا الْحَدِيثِ وَبَيْنَ مَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي بَابِ الْبُكَاءِ: " صِغَارُهُمْ دَعَامِيصُ الْجَنَّةِ " أَيْ: دَاخِلُونَ عَلَى مَنَازِلِهِمْ لَا يُمْنَعُونَ مِنْ مَوْضِعٍ كَمَا فِي الدُّنْيَا؟ قُلْتُ: فِي الْجَنَّةِ ظَرْفٌ لَيُرَدُّونَ، وَهُوَ لَا يُشْعِرُ أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا دَعَامِيصَ قَبْلَ الرَّدِّ.
(وَبِهَذَا الْإِسْنَادِ، قَالَ: " إِنَّ عَلَيْهِمْ) أَيْ: عَلَى رُءُوسِ أَهْلِ الْجَنَّةِ (التِّيجَانُ) بِكَسْرِ الْمُثَنَّاةِ الْفَوْقِيَّةِ جَمْعُ تَاجٍ (أَدْنَى لُؤْلُؤَةٍ لَتُضِيءُ) بِالتَّأْنِيثِ فِي النُّسَخِ، وَلَعَلَّ وَجْهَهُ أَنَّ الْمُضَافَ اكْتَسَبَ التَّأْنِيثَ مِنَ الْمُضَافِ إِلَيْهِ، وَالْمَعْنَى لَتُنَوِّرُ (مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ) فَأَضَاءَ مُتَعَدٍّ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ لَازِمًا، وَالتَّقْدِيرُ: لَيُضِيءُ بِهِ مَا بَيْنَهُمَا مِنَ الْأَمَاكِنِ لَوْ ظَهَرَتْ عَلَى أَهْلِ الدُّنْيَا.
(وَبِهَذَا الْإِسْنَادِ قَالَ: " «الْمُؤْمِنُ إِذَا اشْتَهَى الْوَلَدَ فِي الْجَنَّةِ») أَيْ: فَرْضًا وَتَقْدِيرًا (كَانَ حَمْلُهُ) أَيْ: حَمْلُ الْوَلَدِ (وَوَضْعُهُ وَسِنُّهُ) أَيْ: كَمَالُ سِنِّهِ وَهُوَ الثَّلَاثُونَ سَنَةً (فِي سَاعَةٍ)؛ لِأَنَّ الِانْتِظَارَ أَشَدُّ مِنَ الْمَوْتِ، وَلَا مَوْتَ فِي الْجَنَّةِ وَلَا حَزَنَ (كَمَا يُشْتَهَى): مِنْ أَنْ يَكُونَ ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى وَنَحْوَ ذَلِكَ. (وَقَالَ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) - ﵀ - أَيِ ابْنُ حَبِيبٍ الْبَصْرِيُّ: رَوَى عَنْ مَعْمَرِ بْنِ سُلَيْمَانَ، وَرَوَى عَنْهُ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ النَّسَائِيُّ وَغَيْرُهُ، مَاتَ سَنَةَ سَبْعٍ وَخَمْسِينَ وَمِائَتَيْنِ. (فِي هَذَا الْحَدِيثِ) أَيْ: ذُكِرَ فِي بَيَانِ هَذَا الْحَدِيثِ (إِذَا اشْتَهَى) أَوْ فِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّهُ إِذَا اشْتَهَى (الْمُؤْمِنُ فِي الْجَنَّةِ الْوَلَدَ كَانَ فِي سَاعَةٍ) أَيْ حَصَلَ الْوَلَدُ فِي سَاعَةٍ (لَكِنْ لَا يُشْتَهَى) فَقَوْلُهُ: " وَلَكِنْ " هُوَ الْمَقُولُ حَقِيقَةً (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ) .
(وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ الرَّابِعَةَ) أَيِ الْفِقْرَةَ الرَّابِعَةَ مِنْ فِقْرَاتِ الْحَدِيثِ (وَالدَّارِمِيُّ الْأَخِيرَةَ) وَهِيَ مَا أَوْرَدَهُ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَفِي تَيْسِيرِ الْوُصُولِ إِلَى جَامِعِ الْأُصُولِ عَنْ أَبِي رَزِينٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَا يَكُونُ لِأَهْلِ الْجَنَّةِ وَلَدٌ ". أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَزَادَ فِي رِوَايَةٍ عَنِ الْخُدْرِيِّ: «إِنِ اشْتَهَى الْوَلَدَ كَانَ حَمْلُهُ وَوَضْعُهُ وَسِنُّهُ فِي سَاعَةٍ وَاحِدَةٍ» " قَالَ بَعْضُهُمْ: لَكِنْ لَا يُشْتَهَى.
[ ٩ / ٣٥٩٧ ]
٥٦٤٩ - وَعَنْ عَلِيٍّ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: " «إِنَّ فِي الْجَنَّةِ لَمُجْتَمَعًا لِلْحُورِ الْعِينِ، يَرْفَعْنَ بِأَصْوَاتٍ لَمْ تَسْمَعِ الْخَلَائِقُ مِثْلَهَا، يَقُلْنَ: نَحْنُ الْخَالِدَاتُ فَلَا نَبِيدُ، وَنَحْنُ النَّاعِمَاتُ فَلَا نَبْأَسُ، وَنَحْنُ الرَّاضِيَاتُ فَلَا نَسْخَطُ، طُوبَى لِمَنْ كَانَ لَنَا وَكُنَّا لَهُ» ". (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) .
_________________
(١) (وَعَنْ عَلِيٍّ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " «إِنَّ فِي الْجَنَّةِ لَمُجْتَمَعًا») بِفَتْحِ الْمِيمِ الثَّانِيَةِ أَيْ: مَوْضِعًا لِلِاجْتِمَاعِ أَوِ اجْتِمَاعًا (لِلْحُورِ الْعِينِ) قَالَ الرَّاغِبُ: الْحُورُ جَمْعُ أَحْوَرَ وَحَوْرَاءَ، وَالْحَوَرُ قِيلَ: ظُهُورُ قَلِيلٍ مِنَ الْبَيَاضِ فِي الْعَيْنِ مِنْ بَيْنِ السَّوَادِ، وَذَلِكَ نِهَايَةُ الْحُسْنِ مِنَ الْعَيْنِ، وَيُقَالُ لِلْبَقْرِ الْوَحْشِيِّ أَعْيَنُ وَعَيْنَاءُ؛ لِحُسْنِ عَيْنِهَا، وَجَمْعِهَا عِينٌ، وَبِهَا شُبِّهَ النِّسَاءُ. قَالَ تَعَالَى: ﴿وَحُورٌ عِينٌ - كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ﴾ [الواقعة: ٢٢ - ٢٣] وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ عَائِشَةَ، عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " «الْحُورُ الْعِينِ خُلِقْنَ مِنْ تَسْبِيحِ الْمَلَائِكَةِ» ". وَرَوَى ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وَالْخَطِيبُ عَنْ أَنَسٍ مَرْفُوعًا " «الْحُورُ الْعِينُ خُلِقْنَ مِنَ الزَّعْفَرَانِ» ". قُلْتُ: وَلَا تَنَافِيَ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ؛ لِأَنَّ " مِنْ " تَعْلِيلِيَّةٌ فِي الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ، فَتَأَمَّلْ. (يَرْفَعْنَ بِأَصْوَاتٍ) الْبَاءُ الزَّائِدَةُ تَأْكِيدٌ لِلتَّعْدِيَةِ، أَوْ أَرَادَ بِالْأَصْوَاتِ النَّغَمَاتِ، وَالْمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ أَيْ: يَرْفَعْنَ أَصْوَاتَهُنَّ بِأَنْغَامٍ («لَمْ تَسْمَعِ الْخَلَائِقُ مِثْلَهَا، يَقُلْنَ: نَحْنُ الْخَالِدَاتُ») أَيِ الدَّائِمَاتُ فِي الْغِنَى وَالْمَغْنَى (فَلَا نَبِيدُ) مِنْ بَادَ هَلَكَ وَفَنِيَ، أَيْ: فَلَا نَفْنَى (وَنَحْنُ النَّاعِمَاتُ) أَيِ الْمُتَنَعِّمَاتُ (فَلَا نَبْأَسُ) أَيْ: فَلَا نَصِيرُ فَقِيرَاتٍ وَمُحْتَاجَاتٍ إِلَى غَيْرِ الْمَوْلَى، (وَنَحْنُ الرَّاضِيَاتُ) أَيْ: عَنْ رَبِّنَا أَوْ عَنْ أَصْحَابِنَا (فَلَا نَسْخَطُ): فِي حَالٍ مِنَ الْحَالَاتِ (طُوبَى) أَيِ الْحَالَةُ الطَّيِّبَةُ (لِمَنْ كَانَ لَنَا وَكُنَّا لَهُ) أَيْ: فِي الْجَنَّاتِ الْعَالِيَاتِ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) .
[ ٩ / ٣٥٩٨ ]
٥٦٥٠ - وَعَنْ حَكِيمِ بْنِ مُعَاوِيَةَ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: " «إِنَّ فِي الْجَنَّةِ بَحْرُ الْمَاءِ، وَبَحْرُ الْعَسَلِ، وَبَحْرُ اللَّبَنِ، وَبَحْرُ الْخَمْرِ، ثُمَّ تَشَقَّقُ الْأَنْهَارُ بَعْدُ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
_________________
(١) (وَعَنْ حَكِيمِ بْنِ مُعَاوِيَةَ) أَيِ النُّمَيْرِيِّ، قَالَ الْبُخَارِيُّ: فِي صُحْبَتِهِ نَظَرٌ، وَرَوَى عَنِ ابْنِ أَخِيهِ مُعَاوِيَةَ بْنِ حَكِيمٍ، وَقَتَادَةَ - ﵃ - كَذَا ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ. (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: («إِنَّ فِي الْجَنَّةِ بَحْرُ الْمَاءِ، وَبَحْرُ الْعَسَلِ، وَبَحْرُ اللَّبَنِ، وَبَحْرُ الْخَمْرِ، ثُمَّ تَشَقَّقُ الْأَنْهَارُ بَعْدُ») قَالَ الطِّيبِيُّ - ﵀ -: يُرِيدُ بِالْبَحْرِ مِثْلَ دِجْلَةَ وَالْفُرَاتِ وَنَحْوَهُمَا، وَبِالنَّهْرِ مِثْلَ نَهْرِ مَعْقِلٍ حَيْثُ تَشَقَّقَ مِنْ أَحَدِهِمَا، ثُمَّ مِنْهُ تَشَقَّقُ جَدَاوِلُ، انْتَهَى. وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْبِحَارِ الْمَذْكُورَةِ هِيَ أُصُولُ الْأَنْهَارِ الْمَسْطُورَةِ فِي الْقُرْآنِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى﴾ [محمد: ١٥] وَقَوْلُهُ: ثُمَّ تَشَقَّقُ بِحَذْفِ إِحْدَى التَّاءَيْنِ أَيْ: تَفْتَرِقُ الْأَنْهَارُ إِلَى الْجَدَاوِلِ بَعْدَ تَحَقُّقِ الْأَنْهَارِ إِلَى بَسَاتِينِ الْأَبْرَارِ وَتَحْتَ قُصُورِ الْأَخْيَارِ، عَلَى أَنَّهُ قَدْ يُقَالُ: الْمُرَادُ بِالْبِحَارِ هِيَ الْأَنْهَارُ، وَإِنَّمَا سُمِّيَتْ أَنْهَارًا لِجَرَيَانِهَا بِخِلَافِ بِحَارِ الدُّنْيَا، فَإِنَّ الْغَالِبَ مِنْهَا أَنَّهَا فِي مَحَلِّ الْقَرَارِ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) أَيْ: عَنْ حَكِيمِ بْنِ مُعَاوِيَةَ.
[ ٩ / ٣٥٩٨ ]
٥٦٥١ - وَرَوَاهُ الدَّارِمِيُّ عَنْ مُعَاوِيَةَ.
_________________
(١) (وَرَوَاهُ الدَّارِمِيُّ عَنْ مُعَاوِيَةَ) الظَّاهِرُ أَنَّهُ مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ؛ لِأَنَّ مُعَاوِيَةَ أَبَا حَكِيمٍ لَمْ يُعْرَفْ كَوْنُهُ مِنَ الصَّحَابَةِ، ثُمَّ رَأَيْتُ السُّيُوطِيَّ - ﵀ - قَالَ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ حَيْدَةَ، لَكِنَّهُ لَمْ يَذْكُرْهُ الْمُؤَلِّفُ فِي أَسْمَائِهِ.
[ ٩ / ٣٥٩٨ ]
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
٥٦٥٢ - عَنْ أَبِي سَعِيدٍ - ﵁ - عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: " «إِنَّ الرَّجُلَ فِي الْجَنَّةِ لَيَتَّكِئُ فِي الْجَنَّةِ سَبْعِينَ مَسْنَدًا قَبْلَ أَنْ يَتَحَوَّلَ، ثُمَّ تَأْتِيهِ امْرَأَةٌ فَتَضْرِبُ عَلَى مَنْكِبِهِ، فَيَنْظُرُ وَجْهَهُ فِي خَدِّهَا أَصْفَى مِنَ الْمِرْآةِ، وَإِنَّ أَدْنَى لُؤْلُؤَةٍ عَلَيْهَا تُضِيءُ مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ، تُسَلِّمُ عَلَيْهِ، فَيَرُدُّ السَّلَامَ وَيَسْأَلُهَا: مَنْ أَنْتِ؟ تَقُولُ: أَنَا مِنَ الْمَزِيدِ، وَإِنَّهُ لَيَكُونُ عَلَيْهَا سَبْعُونَ ثَوْبًا، فَيَنْفُذُهَا بَصَرُهُ حَتَّى يَرَى مُخَّ سَاقِهَا مِنْ وَرَاءِ ذَلِكَ، وَإِنَّ عَلَيْهَا مِنَ التِّيجَانِ أَنَّ أَدْنَى لُؤْلُؤَةٍ مِنْهَا لَتُضِيءُ مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ» ". رَوَاهُ أَحْمَدُ.
_________________
(١) الْفَصْلُ الثَّالِثُ
(٢) (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: " إِنَّ الرَّجُلَ فِي الْجَنَّةِ) أَيْ: فِي دَارِ الْجَزَاءِ (لَيَتَّكِئُ) أَيْ: لَيَعْتَمِدُ وَيَسْتَنِدُ (فِي الْجَنَّةِ) أَيْ: فِي جَنَّتِهِ الْخَاصَّةِ بِهِ (سَبْعِينَ مَسْنَدًا) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَيُضَمُّ، وَالنُّونُ مَفْتُوحَةٌ لَا غَيْرَ، وَهُوَ مُمَيِّزٌ لِسَبْعِينَ، وَهُوَ مَنْصُوبٌ بِنَزْعِ الْخَافِضِ، أَيْ: عَلَى سَبْعِينَ مَسْنَدًا أَوْ مُتَّكَئًا وَاحِدًا بَعْدَ وَاحِدٍ، كُلٌّ بِلَوْنٍ وَصِنْفٍ مِنْ أَنْوَاعِ الزِّينَةِ (قَبْلَ أَنْ يَتَحَوَّلَ) أَيْ: مِنْ شِقٍّ إِلَى آخَرَ، وَهُوَ ظَرْفٌ لِيَتَّكِئُ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ، وَأَغْرَبَ الطِّيبِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى حَيْثُ قَالَ: قَوْلُهُ: " سَبْعِينَ مَسْنَدًا " هَذَا يُرِيدُ قَوْلَ مَنْ فَسَّرَ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ﴾ [الواقعة: ٣٤] بِأَنَّهَا مَنْضُودَةٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ، وَقَوْلُهُ: " قَبْلَ أَنْ يَتَحَوَّلَ " ظَرْفٌ لِقَوْلِهِ: " يَأْتِيهِ "، وَلَا يَخْفَى غَرَابَةُ الْأَوَّلِ فِي الْمَعْنَى، وَغَرَابَةُ الثَّانِي فِي الْمَبْنَى، (ثُمَّ تَأْتِيهِ امْرَأَةٌ فَتَضْرِبُ عَلَى مَنْكِبِهِ)، وَفِي نُسْخَةٍ مَنْكِبَيْهِ أَيْ: ضَرْبُ الْغَنْجِ وَالدَّلَالِ، وَتَنْبِيهٌ عَلَى مُطَالَعَةِ الْجَمَالِ (فَيَنْظُرُ) أَيْ: فَيُطَالِعُ الرَّجُلُ فَيَرَى (وَجْهَهُ) أَيْ: عَكْسَهُ (فِي خَدِّهَا) أَيْ: مِنْ كَمَالِ صَفَائِهَا وَضِيَائِهَا حَالَ كَوْنِ خَدِّهَا (أَصْفَى مِنَ الْمِرْآةِ) أَيْ: أَنْوَرُ مِنْ جِنْسِ الْمِرْآةِ الْمَعْهُودَةِ فِي الدُّنْيَا، (وَإِنَّ أَدْنَى لُؤْلُؤَةٍ عَلَى) أَيْ عَلَى تِلْكَ الْمَرْأَةِ (تُضِيءُ مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ) أَيْ: لَوْ كَانَ فِي الدُّنْيَا (فَتُسَلِّمُ) أَيِ الْمَرْأَةُ (عَلَيْهِ، فَيَرُدُّ السَّلَامَ) أَيْ: عَلَيْهَا («وَيَسْأَلُهَا: مَنْ أَنْتِ؟ فَتَقُولُ: أَنَا مِنَ الْمَزِيدِ»): يُرَادُ بِهِ مَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ [ق: ٣٥] وَمِنَ الْمَزِيدِ أَفْضَلُهَا مَا قَالَهُ سُبْحَانَهُ: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦] أَيِ: الْجَنَّةُ وَرُؤْيَةُ اللَّهِ تَعَالَى، وَإِنَّمَا سُمِّيَتْ زِيَادَةً لِأَنَّ الْحُسْنَى هِيَ الْجَنَّةُ، وَهِيَ مَا وَعَدَ اللَّهُ تَعَالَى بِفَضْلِهِ جَزَاءً لِأَعْمَالِ الْمُكَلَّفِينَ، وَالزِّيَادَةُ فَضْلٌ عَلَى فَضْلٍ. (وَإِنَّهُ) أَيِ الشَّأْنُ (لَيَكُونُ عَلَيْهَا) أَيْ عَلَى الْمَرْأَةِ (سَبْعُونَ ثَوْبًا)، أَيْ: بِأَلْوَانٍ مُخْتَلِفَةٍ وَأَصْنَافٍ مُؤْتَلِفَةٍ (فَيَنْفُذُهَا): بِضَمِّ الْفَاءِ أَيْ: يُدْرِكُ لَطَافَةَ بَدَنِ الْمَرْأَةِ (بَصَرُهُ) أَيْ: نَظَرُ الرَّجُلِ (حَتَّى يَرَى مُخَّ سَاقِهَا مِنْ وَرَاءِ ذَلِكَ)، أَيْ: مَا ذُكِرَ مِنْ أَنْوَاعِ الثِّيَابِ، وَلَمْ يَمْنَعْ بَصَرَ شَيْءٍ مِنَ الْحِجَابِ، (وَإِنَّ عَلَيْهَا مِنَ التِّيجَانِ) أَيِ الْمُرَصَّعَةِ مَا يُقَالُ فِي حَقِّهَا («أَنَّ أَدْنَى لُؤْلُؤَةٍ فِيهَا تُضِيءُ مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ») وَقِيلَ: " إِنَّ " بِالْكَسْرِ مَزِيدَةٌ، وَاللَّامُ دَاخِلٌ فِي خَبَرِ إِنَّ الْأُولَى نَحْوَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ﴾ [التوبة: ٦٣] انْتَهَى. وَالظَّاهِرُ أَنَّهَا إِذَا كَانَتْ مَزِيدَةً تَكُونُ اللَّامُ دَاخِلَةً فِي خَبَرِ الْمُبْتَدَأِ، وَالْجُمْلَةُ خَبَرَ " إِنَّ " الْأُولَى، ثُمَّ لَا شَكَّ أَنَّ الثَّانِيَةَ فِي الْآيَةِ غَيْرُ مَزِيدَةٍ، بَلْ لِزِيَادَةِ تَأْكِيدٍ وَمُبَالَغَةٍ فِي النِّسْبَةِ. (رَوَاهُ أَحْمَدُ) .
[ ٩ / ٣٥٩٩ ]
٥٦٥٣ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَتَحَدَّثُ - وَعِنْدَهُ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ -: «إِنَّ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ اسْتَأْذَنَ رَبَّهُ فِي الزَّرْعِ. فَقَالَ لَهُ: أَلَسْتَ فِيمَا شِئْتَ؟ قَالَ: بَلَى، وَلَكِنْ أُحِبُّ أَنْ أَزْرَعَ، فَبَذَرَ، فَبَادَرَ الطَّرْفَ نَبَاتُهُ وَاسْتِوَاؤُهُ وَاسْتِحْصَادُهُ، فَكَانَ أَمْثَالَ الْجِبَالِ. فَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: دُونَكَ يَا ابْنَ آدَمَ، فَإِنَّهُ لَا يُشْبِعُكَ شَيْءٌ ". فَقَالَ الْأَعْرَابِيُّ: وَاللَّهِ لَا تَجِدُهُ إِلَّا قُرَشِيًّا أَوْ أَنْصَارِيًّا، فَإِنَّهُمْ أَصْحَابُ زَرْعٍ! وَأَمَّا نَحْنُ فَلَسْنَا بِأَصْحَابِ زَرْعٍ، فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
_________________
(١) (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَتَحَدَّثُ وَعِنْدَهُ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ: إِنَّ رَجُلًا) بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ عَلَى الْحِكَايَةِ، فَهِيَ مِنْ جُمْلَةِ مَا يَتَحَدَّثُ بِهِ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ بِفَتْحِهَا عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولُ يَتَحَدَّثُ، وَالْجُمْلَةُ بَيْنَهُمَا حَالِيَّةٌ مُعْتَرِضَةٌ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ - ﵀ -: هُوَ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ مَفْعُولُ يَتَحَدَّثُ عَلَى حِكَايَةِ مَا يَلْفِظُ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَحَاصِلُهُ أَنَّ رَجُلًا (مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ اسْتَأْذَنَ رَبَّهُ فِي الزَّرْعِ) أَيْ: بِنَاءً عَلَى مَا تَعَوَّدَهُ بِهِ فِي الدُّنْيَا، أَوْ لِتَنَزُّهِهِ بِهِ فِي الْعُقْبَى (فَقَالَ) أَيْ رَبُّهُ، وَفِي نُسْخَةٍ فَيُقَالُ لَهُ: («أَلَسْتَ فِيمَا شِئْتَ؟») أَيْ مِنَ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَسَائِرِ أَنْوَاعِ التَّنَعُّمِ (قَالَ: بَلَى، وَلَكِنْ أُحِبُّ أَنْ أَزْرَعَ، فَبَذَرَ) الْفَاءُ فَصِيحَةٌ أَيْ: فَأُذِنَ لَهُ فِيهِ فَبَذَرَ أَيْ رَمَى الْبَذْرَ فِي أَرْضِ الْجَنَّةِ (فَبَادَرَ الطَّرْفَ) - بِسُكُونِ الرَّاءِ - تَحْرِيكُ الْجُفُونِ فِي النَّظَرِ أَيْ فَسَابَقَهُ (نَبَاتُهُ) وَالْمَعْنَى: فَحَصَلَ نَبَاتُهُ فِي الْحَالِ، وَكَذَا قَوْلُهُ (وَاسْتِوَاؤُهُ وَاسْتِحْصَادُهُ) أَيْ مِنْ غَيْرِ مُؤْنَةٍ لِلْحَصَادِ مِنْ جَانِبِ الْعِبَادِ، فَكَانَ أَمْثَالَ الْجِبَالِ (فَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى) أَيْ حِينَئِذٍ (دُونَكَ يَا ابْنَ آدَمَ) أَيْ خُذْ مَا تَمَنَّيْتَهُ قَالَهُ، فِي سَبِيلِ التَّوْبِيخِ تَهْجِينًا لِمَا الْتَمَسَهُ، وَمِنْ ثَمَّ رُتِّبَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: (فَإِنَّهُ لَا يُشْبِعُكَ شَيْءٌ) أَيْ كَثِيرٌ حَتَّى فِي الْجَنَّةِ، وَقَدْ يُوجَدُ فِي تَعَارُفِ النَّاسِ مِثْلُ هَذَا التَّوْبِيخِ مِنَ الْقَوَاعِدِ الْمُقَرَّرَةِ أَنَّ كُلَّ إِنَاءٍ يَرْشَحُ بِمَا فِيهِ، وَأَنَّ النَّاسَ يَمُوتُونَ كَمَا يَعِيشُونَ، وَيُحْشُرُونَ كَمَا يَمُوتُونَ، أَظْهَرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هَذَا الْمَعْنَى فِي لِبَاسِ هَذَا الْمَبْنَى. («فَقَالَ الْأَعْرَابِيُّ: وَاللَّهِ لَا نَجِدُهُ») أَيْ هَذَا الرَّجُلُ (إِلَّا قُرَشِيًّا) أَيْ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ (أَوْ أَنْصَارِيًّا) أَيْ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، فَـ " أَوْ " لِلتَّنْوِيعِ (فَإِنَّهُمْ) أَيْ مَجْمُوعُ الْقَبِيلَتَيْنِ (أَصْحَابُ زَرْعٍ) أَيْ فِي الْجُمْلَةِ، وَإِنْ كَانَ الْأَنْصَارُ أَكْثَرَ زَرْعًا (فَأَمَّا) بِالْفَاءِ، وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ: وَأَمَّا (نَحْنُ) أَيْ مَعَاشِرَ أَهْلِ الْبَادِيَةِ (فَلَسْنَا بِأَصْحَابِ الزَّرْعِ) أَيْ فَلَا نَشْتَهِي مِثْلَ ذَلِكَ (فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) أَيْ مِنْ فَطَانَةِ الْبَدَوِيِّ، أَوْ مِنْ مَسْأَلَةِ الْخَبْتِيِّ وَجَوَابِهِ الْبَدِيعِيِّ (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) .
[ ٩ / ٣٦٠٠ ]
٥٦٥٤ - وَعَنْ جَابِرٍ - ﵁ - قَالَ: «سَأَلَ رَجُلٌ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ -: أَيَنَامُ أَهْلُ الْجَنَّةِ؟ قَالَ: " النَّوْمُ أَخُو الْمَوْتِ، وَلَا يَمُوتُ أَهْلُ الْجَنَّةِ» ". رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي (شُعَبِ الْإِيمَانِ) .
_________________
(١) (وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: «سَأَلَ رَجُلٌ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَيَنَامُ أَهْلُ الْجَنَّةِ؟ قَالَ: النَّوْمُ أَخُو الْمَوْتِ، وَلَا يَمُوتُ أَهْلُ الْجَنَّةِ») أَيْ فَلَا يَنَامُونَ، وَهَذَا جَوَابٌ بِالدَّلِيلِ الْبُرْهَانِيِّ، وَهُوَ أَوْقَعُ فِي النَّفْسِ، وَأَظْهَرُ فِي اطْمِئْنَانِ الْإِيمَانِ مِنَ الْجَوَابِ الْإِجْمَالِيِّ بِأَنْ قَالَ: لَا. (رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ) .
[ ٩ / ٣٦٠٠ ]