الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
٥٦٦٥ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: " «نَارُكُمْ جُزْءٌ مِنْ سَبْعِينَ جُزْءًا مِنْ نَارِ جَهَنَّمَ " قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنْ كَانَتْ لَكَافِيَةً! قَالَ: " فُضِّلَتْ عَلَيْهِنَّ بِتِسْعَةٍ وَسِتِّينَ جُزْءًا، كُلُّهُنَّ مِثْلُ حَرِّهَا ".»
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ. وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ: " «نَارُكُمُ الَّتِي يُوقِدُ ابْنُ آدَمَ» ". وَفِيهَا: " عَلَيْهَا "، " وَكُلُّهَا " بَدَلُ: " عَلَيْهِنَّ "، وَ" كُلُّهُنَّ ".
_________________
(١) بَابُ صِفَةِ النَّارِ وَأَهْلِهَا الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
(٢) (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: " نَارُكُمْ) وَفِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ: نَارُكُمْ هَذِهِ (جُزْءٌ مِنْ سَبْعِينَ جُزْءًا مِنْ نَارِ جَهَنَّمَ) . زَادَ التِّرْمِذِيُّ: لِكُلِّ جُزْءٍ مِنْهَا حَرُّهَا (قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنْ كَانَتْ لَكَافِيَةً!) " إِنْ " هِيَ الْمُخَفَّفَةُ مِنَ الْمُثَقَّلَةِ، وَاللَّامُ هِيَ الْفَارِقَةُ، أَيْ إِنَّ هَذِهِ النَّارَ الَّتِي نَرَاهَا فِي الدُّنْيَا كَانَتْ كَافِيَةً فِي الْعُقْبَى لِاحْتِرَاقِ الْكُفَّارِ وَعُقُوبَةِ الْفُجَّارِ، فَهَلَّا اكْتُفِيَ بِهَا، وَلِأَيِّ شَيْءٍ زِيدَتْ فِي حَرِّهَا؟ (قَالَ: " فُضِّلَتْ) أَيْ نَارُ جَهَنَّمَ (عَلَيْهِنَّ)؟ أَيْ عَلَى أَنْيَارِ الدُّنْيَا (بِتِسْعَةٍ وَسِتِّينَ جُزْءًا، كُلُّهُنَّ) أَيْ حَرَارَةُ كُلِّ جُزْءٍ مِنْ تِسْعَةٍ وَسِتِّينَ جُزْءًا مِنْ نَارِ جَهَنَّمَ (مِثْلُ حَرِّهَا) أَيْ مِثْلُ حَرَارَةِ نَارِكُمْ فِي الدُّنْيَا، وَحَاصِلُ الْجَوَابِ مَنْعُ الْكِفَايَةِ، أَيْ لَا بُدَّ مِنَ التَّفَضُّلِ
[ ٩ / ٣٦١٢ ]
لِحِكْمَةِ كَوْنِ عَذَابِ اللَّهِ أَشَدَّ مِنْ عَذَابِ النَّاسِ؛ وَلِذَلِكَ أُوثِرَ ذِكْرُ النَّارِ عَلَى سَائِرِ أَصْنَافِ الْعَذَابِ فِي كَثِيرٍ مِنْ كُتُبِ السُّنَّةِ، مِنْهَا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ﴾ [البقرة: ١٧٥]، وَقَوْلُهُ: ﴿فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [البقرة: ٢٤]، وَإِنَّمَا أَظْهَرَ اللَّهُ هَذَا الْجُزْءَ مِنَ النَّارِ فِي الدُّنْيَا أُنْمُوذَجًا لِمَا فِي تِلْكَ الدَّارِ. قَالَ الْإِمَامُ الْغَزَالِيُّ عَلَيْهِ رَحْمَةُ الْبَارِي فِي " الْإِحْيَاءِ ": اعْلَمْ أَنَّكَ أَخْطَأْتَ فِي الْقِيَاسِ، فَإِنَّ نَارَ الدُّنْيَا لَا تُنَاسِبُ نَارَ جَهَنَّمَ، وَلَكِنْ لَمَّا كَانَ أَشَدُّ عَذَابٍ فِي الدُّنْيَا عَذَابَ هَذِهِ النَّارِ، عُرِفَ عَذَابُ جَهَنَّمَ بِهَا، وَهَيْهَاتَ لَوْ وَجَدَ أَهْلُ الْجَحِيمِ مِثْلَ هَذِهِ النَّارِ لَخَاضُوهَا هَرَبًا مِمَّا هُمْ فِيهِ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) . وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ) أَيْ وَوَافَقَهُ مُسْلِمٌ فِي الْمَعْنَى. (وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ: " نَارُكُمُ الَّتِي يُوقِدُ ابْنُ آدَمَ) مِنَ الْإِيقَادِ، وَيَجُوزُ التَّشْدِيدُ مِنَ التَّوْقِيدِ (وَفِيهَا) أَيْ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ (" عَلَيْهَا " وَ" كُلُّهَا " بَدَلُ: " عَلَيْهِنَّ " وَ" كُلَّهُنَّ ") . بِالنَّصْبِ، أَيْ عِوَضَهُمَا لَفًّا وَنَشْرًا مُرَتَّبًا.
[ ٩ / ٣٦١٣ ]
٥٦٦٦ - وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: " «يُؤْتَى بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لَهَا سَبْعُونَ أَلْفَ زِمَامٍ، مَعَ كُلِّ زِمَامٍ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ يَجُرُّونَهَا» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
_________________
(١) (وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " يُؤْتَى بِجَهَنَّمَ) الْبَاءُ لِلتَّعْدِيَةِ أَيْ يُؤْتَى بِهَا مِنَ الْمَكَانِ الَّتِي خَلَقَهَا اللَّهُ تَعَالَى فِيهِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى فِيهِ: ﴿وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ﴾ [الفجر: ٢٣] (يَوْمَئِذٍ)؟ أَيْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَقْتَ النَّدَامَةِ وَالْحَسْرَةِ وَالْمَلَامَةِ (لَهَا سَبْعُونَ أَلْفَ زِمَامٍ)، بِكَسْرِ الزَّايِ وَهُوَ مَا يُشَدُّ بِهِ (مَعَ كُلِّ زِمَامٍ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ يَجُرُّونَهَا) . بِتَشْدِيدِ الرَّاءِ، أَيْ يَسْحَبُونَهَا، أَيْ إِلَى أَنْ تُدَارَ بِأَرْضٍ لَا تَبْقَى لِلْجَنَّةِ طَرِيقٌ إِلَّا الصِّرَاطُ عَلَى ظَهْرِهَا، وَفَائِدَةُ هَذِهِ الْأَزِمَّةِ الَّتِي يُجَرُّ بِهَا بَعْدَ الْإِشَارَةِ إِلَى عَظَمَتِهَا - مَنْعُهَا مِنَ الْخُرُوجِ عَلَى الْمَحْشَرِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ مِنْهُمْ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
[ ٩ / ٣٦١٣ ]
٥٦٦٧ - وَعَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ - ﵄ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: " «إِنَّ أَهْوَنَ أَهْلِ النَّارِ عَذَابًا مَنْ لَهُ نَعْلَانِ وَشِرَاكَانِ مِنْ نَارٍ، يَغْلِي مِنْهُمَا دِمَاغُهُ كَمَا يَغْلِي الْمِرْجَلُ، مَا يُرَى أَنَّ أَحَدًا أَشَدُّ مِنْهُ عَذَابًا، وَإِنَّهُ لَأَهْوَنُهُمْ عَذَابًا» " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
_________________
(١) (وَعَنِ النُّعْمَانِ) بِضَمِّ النُّونِ (ابْنِ بَشِيرٍ) صَحَابِيٌّ أَيْضًا - ﵄ - (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إِنَّ أَهْوَنَ أَهْلِ النَّارِ) أَيْ أَيْسَرُهُمْ (عَذَابًا مَنْ لَهُ نَعْلَانِ) أَيْ مِنْ تَحْتِ قَدَمِهِ (وَشِرَاكَانِ) أَيْ مِنْ فَوْقِهَا (مِنْ نَارٍ)، أَيْ كَائِنَةٌ مِنْهَا (يَغْلِي) أَيْ يَفُورُ (مِنْهُمَا) أَيْ مِنَ النَّوْعَيْنِ وَهُمَا النَّعْلَانِ وَالشِّرَاكَانِ (دِمَاغُهُ كَمَا يَغْلِي فِي الْمِرْجَلِ) بِكَسْرِ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْجِيمِ، أَيْ: قِدْرُ النُّحَاسِ، كَذَا قَالَهُ شَارِحٌ، وَقَالَ الْعَسْقَلَانِيُّ، وَيُقَالُ أَيْضًا: لِكُلِّ إِنَاءٍ يَغْلِي فِيهِ الْمَاءُ مِنْ أَيِّ صِنْفٍ كَانَ، وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ كَانَ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿يَغْلِي فِي الْبُطُونِ كَغَلْيِ الْحَمِيمِ﴾ [الدخان: ٤٥] وَهَذَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَنْ لَمْ يُغْمَسْ فِي الْجَحِيمِ، وَلِذَا قَالَ: (مَا يُرَى) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ، أَيْ مَا يَظُنُّ مَنْ لَهُ نَعْلَانِ وَشِرَاكَانِ مِنْ نَارٍ (أَنَّ أَحَدًا) أَيْ مِنْ أَهْلِ النَّارِ (أَشَدُّ مِنْهُ عَذَابًا)، أَيْ لِانْفِرَادِهِ وَعَدَمِ اطِّلَاعِهِ عَلَى حَالِ غَيْرِهِ (وَإِنَّهُ) بِالْكَسْرِ أَيْ، وَالْحَالُ أَنَّهُ (لَأَهْوَنُهُمْ عَذَابًا) فَفِيهِ تَصْرِيحٌ بِتَفَاوُتِ عَذَابِ أَهْلِ النَّارِ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) . وَفِي الْجَامِعِ: " «أَهْوَنُ أَهْلِ النَّارِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ رَجُلٌ يُوضَعُ فِي قَدَمَيْهِ جَمْرَتَانِ يَغْلِي مِنْهُمَا دِمَاغُهُ» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ. أَقُولُ: وَلَعَلَّ هَذَا الْحَدِيثَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى أَدْنَى الْعُصَاةِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، وَمَا فِي الْمَتْنِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى أَدْنَاهُمْ مِنَ الْكُفَّارِ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ الْحَدِيثُ الَّذِي يَلِيهِ.
[ ٩ / ٣٦١٣ ]
٥٦٦٨ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: " «أَهْوَنُ أَهْلِ النَّارِ عَذَابًا أَبُو طَالِبٍ، وَهُوَ مُنْتَعِلٌ بِنَعْلَيْنِ يَغْلِي مِنْهُمَا دِمَاغُهُ» ". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
_________________
(١) (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " أَهْوَنُ أَهْلِ النَّارِ عَذَابًا) أَيْ مِنَ الْكُفَّارِ (أَبُو طَالِبٍ)، لِقَوْلِهِ تَعَالَى فِي حَقِّهِ بِاتِّفَاقِ الْمُفَسِّرِينَ: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ [القصص: ٥٦] (وَهُوَ مُنْتَعِلٌ) مِنْ بَابِ التَّفْعِيلِ، وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ: مِنْ بَابِ الِانْفِعَالِ أَيْ مُتَلَبِّسٌ (بِنَعْلَيْنِ) أَيْ مِنْ نَارٍ (يَغْلِي فِيهِمَا) وَفِي نُسْخَةٍ: مِنْهُمَا أَيْ مِنْ نَعْلِهِمَا أَوْ مِنْ جِهَةِ نَعْلِهِ، وَأُرِيدَ بِهَا الْجِنْسُ (دِمَاغُهُ) . وَإِنَّمَا خُفِّفَ عَذَابُهُ لِكَوْنِهِ حَامِيًا لَهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ تَشْدِيدِ عَدَاوَةِ الْكُفَّارِ، فَلَمَّا خُفِّفَ خُفِّفَ جَزَاءً وِفَاقًا. (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) . وَأَسْنَدَهُ السُّيُوطِيُّ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ إِلَى أَحْمَدَ وَمُسْلِمٍ عَنْهُ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
[ ٩ / ٣٦١٤ ]
٥٦٦٩ - وَعَنْ أَنَسٍ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: " «يُؤْتَى بِأَنْعَمِ أَهْلِ الدُّنْيَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيُصْبَغُ فِي النَّارِ صَبْغَةً، ثُمَّ يُقَالُ لَهُ: يَا ابْنَ آدَمَ، هَلْ رَأَيْتَ خَيْرًا قَطُّ، هَلْ مَرَّ بِكَ نَعِيمٌ قَطُّ؟ فَيَقُولُ: لَا وَاللَّهِ يَا رَبِّ. وَيُؤْتَى بِأَشَدِّ النَّاسِ بُؤْسًا فِي الدُّنْيَا مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَيُصْبَغُ صَبْغَةً فِي الْجَنَّةِ، فَيُقَالُ لَهُ: يَا ابْنَ آدَمَ، هَلْ رَأَيْتَ بُؤْسًا قَطُّ؟ وَهَلْ مَرَّ بِكَ شِدَّةٌ قَطُّ؟ فَيَقُولُ: لَا وَاللَّهِ يَا رَبِّ، مَا مَرَّ بِي بُؤْسٌ قَطُّ، وَلَا رَأَيْتُ شِدَّةً قَطُّ» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
_________________
(١) (وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " يُؤْتَى بِأَنْعَمِ أَهْلِ الدُّنْيَا) الْبَاءُ لِلتَّعْدِيَةِ أَيْ؟ يَحْضُرُ أَشَدُّهُمْ تَنَعُّمًا وَأَكْثَرُهُمْ ظُلْمًا لِقَوْلِهِ: (مِنْ أَهْلِ النَّارِ) " مِنْ " بَيَانِيَّةٌ فِي مَحَلِّ حَالٍ (يَوْمَ الْقِيَامَةِ)، ظَرْفُ " يُؤْتَى " (فَيُصْبَغُ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ " يُغْمَسُ (فِي النَّارِ صَبْغَةً) بِفَتْحِ الصَّادِ أَيْ غَمْسَةً، إِطْلَاقًا لِلْمَلْزُومِ عَلَى اللَّازِمِ، فَإِنَّ الصَّبْغَ إِنَّمَا يَكُونُ بِالْغَمْسِ غَالِبًا، وَفِي " النِّهَايَةِ ": أَيْ يُغْمَسُ فِي النَّارِ غَمْسَةً، كَمَا يُغْمَسُ الثَّوْبُ فِي الصَّبْغِ (ثُمَّ يُقَالُ) أَيْ لَهُ (يَا ابْنَ آدَمَ، هَلْ رَأَيْتَ خَيْرًا) أَيْ نِعْمَةً (قَطُّ؟ هَلْ مَرَّ بِكَ نَعِيمٌ قَطُّ)؟ أَيْ فِي زَمَانٍ مِنَ الْأَزْمِنَةِ. وَفِي الْكَلَامِ مُبَالَغَةٌ لَا تَخْفَى حَيْثُ أَوْقَعَ الِاسْتِفْهَامَ عَلَى مُجَرَّدِ الرُّؤْيَةِ وَالْمُرُورِ دُونَ الذَّوْقِ وَالتَّمَتُّعِ وَالسُّرُورِ، (فَيَقُولُ: لَا) أَيْ مَا رَأَيْتُ (وَاللَّهِ يَا رَبِّ) نَفْيٌ مُؤَكَّدٌ بِالْقَسَمِ وَالنِّدَاءِ فِي الْجَوَابِ، لَمَّا أَنْسَتْهُ شِدَّةُ الْعَذَابِ مَا مَضَى عَلَيْهِ مِنْ نَعِيمِ الدُّنْيَا، أَوْ مَا بَعْدَهُ مِنَ النَّعِيمِ نَظَرًا إِلَى مَآلِهِ وَسُوءِ حَالِهِ، فَأَيُّ نَعِيمٍ آخِرُهُ الْجَحِيمُ، وَأَيُّ شِدَّةٍ مَآلُهَا الْجَنَّةُ كَمَا قَالَ: (وَيُؤْتَى بِأَشَدِّ النَّاسِ بُؤْسًا) بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ أَيْ شِدَّةً وَمَشَقَّةً وَمِحْنَةً لِمَا كَانَ فِيهِ مِنْ فَاقَةٍ وَحَاجَةٍ وَبَلِيَّةٍ (فِي الدُّنْيَا) أَيْ أَوَّلًا (مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ) مَآلًا (فَيُصْبَغُ صَبْغَةً فِي الْجَنَّةِ)، أَيْ فِي أَنْهَارِهَا أَوِ الْكَوْثَرِ مِنْهَا، («فَيُقَالُ لَهُ: يَا ابْنَ آدَمَ، هَلْ رَأَيْتَ بُؤْسًا قَطُّ؟ وَهَلْ مَرَّ بِكَ شِدَّةٌ قَطُّ؟ فَيَقُولُ: لَا وَاللَّهِ يَا رَبِّ، مَا مَرَّ بِي بُؤْسٌ قَطُّ، وَلَا رَأَيْتُ شِدَّةً قَطُّ»)، وَكَأَنَّهُ أَطْنَبَ إِلَى الْجَوَابِ تَلَذُّذًا بِالْخِطَابِ وَقَلْبِ الْكَلَامِ لِلْفَرَحِ التَّامِّ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
[ ٩ / ٣٦١٤ ]
٥٦٧٠ - وَعَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: " «يَقُولُ اللَّهُ لِأَهْوَنِ أَهْلِ النَّارِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ: لَوْ أَنَّ لَكَ مَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَيْءٍ أَكَنْتَ تَفْتَدِي بِهِ؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ، فَيَقُولُ أَرَدْتُ مِنْكَ أَهْوَنَ مِنْ هَذَا وَأَنْتَ فِي صُلْبِ آدَمَ أَنْ لَا تُشْرِكَ بِي شَيْئًا، فَأَبَيْتَ إِلَّا أَنْ تُشْرِكَ بِي» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
_________________
(١) (وَعَنْهُ) أَيْ عَنْ أَنَسٍ - ﵁ - (عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: يَقُولُ اللَّهُ لِأَهْوَنِ أَهْلِ النَّارِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ: لَوْ أَنَّ لَكَ) أَيْ لَوْ فُرِضَ الْآنَ أَنْ تَمْلِكَ (مَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَيْءٍ) " مِنْ " زَائِدَةٌ لِلِاسْتِغْرَاقِ، أَيْ جَمِيعُ مَا فِيهَا - وَطُلِبَ مِنْكَ أَنْ تَفْتَدِيَ بِهِ وَتُخَلِّصَ نَفْسَكَ مِنَ النَّارِ (أَكُنْتَ تَفْتَدِي بِهِ؟) وَهُوَ مِنَ الِافْتِدَاءِ بِمَعْنَى إِعْطَاءِ الدَّرْدَاءِ لِلْإِنْجَاءِ (فَيَقُولُ: نَعَمْ. فَيَقُولُ) أَيِ اللَّهُ سُبْحَانَهُ (أَرَدْتُ مِنْكَ أَهْوَنَ مِنْ هَذَا)، أَيْ طَلَبْتُهُ، فَوُضِعَ السَّبَبُ مَوْضِعَ الْمُسَبَّبِ؛ وَلِأَنَّ مُرَادَ اللَّهِ تَعَالَى لَا يَتَخَلَّفُ كَمَا اتَّفَقَ عَلَيْهِ السَّلَفُ وَالْخَلَفُ بِقَوْلِهِمْ: مَا شَاءَ اللَّهُ كَانَ وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ، وَحَاصِلُهُ أَنِّي أَمَرْتُكَ بِأَسْهَلَ مِنْ هَذَا،
[ ٩ / ٣٦١٤ ]
(وَأَنْتَ فِي صُلْبِ آدَمَ) أَيْ تَعَلَّقَ بِكَ الْأَمْرُ وَالْحَالُ أَنَّكَ فِي صُلْبِ آدَمَ، وَفِيهِ إِيمَاءٌ إِلَى قَضِيَّةِ الْمِيثَاقِ الْمُشْتَمِلِ عَلَى قَوْلِهِ: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ [الأعراف: ١٧٢] " أَوِ الْمُرَادُ مِنْهُ التَّوْحِيدُ وَالْعِبَادَةُ عَلَى وَجْهِ التَّفْرِيدِ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ: ﴿أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا﴾ [الحج: ٢٦] وَهُوَ بَدَلٌ أَوْ بَيَانٌ لِقَوْلِهِ: أَهْوَنَ (فَأَبَيْتَ) أَيْ كُلَّ شَيْءٍ (إِلَّا أَنْ تُشْرِكَ بِي) أَيْ فَلَا جَرَمَ، لَا أَقْبَلُ مِنْكَ، وَلَوِ افْتَدَيْتَ بِجَمِيعِ مَا فِي الْأَرْضِ كَمَا قَالَ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ﴾ [المائدة: ٣٦] قَالَ الطِّيبِيُّ - ﵀ - قَوْلُهُ: لَوْ أَنَّ لَكَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا أَيْ لَوْ ثَبَتَ؛ لَأَنَّ " لَوْ " يَقْتَضِي الْفِعْلَ الْمَاضِيَ، وَإِذَا وَقَعَتْ " أَنَّ " الْمَفْتُوحَةَ بَعْدَ " لَوْ " كَانَ حَذْفُ الْفِعْلِ وَاجِبًا؛ لَأَنَّ مَا فِي " أَنَّ " مِنْ مَعْنَى التَّحْقِيقِ وَالثَّبَاتِ مُنَزَّلٌ مَنْزِلَةَ ذَلِكَ الْفِعْلِ الْمَحْذُوفِ. وَقَوْلُهُ: أَرَدْتُ مِنْكَ، ظَاهِرُ هَذَا الْحَدِيثِ مُوَافِقٌ لِمَذْهَبِ الْمُعْتَزِلَةِ، فَإِنَّ الْمَعْنَى: أَرَدْتُ فِيكَ التَّوْحِيدَ، فَخَالَفْتَ مُرَادِي وَأَتَيْتَ بِالشِّرْكِ. وَقَالَ الْمُظْهِرُ: الْإِرَادَةُ هُنَا بِمَعْنَى الْأَمْرِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْأَمْرِ وَالْإِرَادَةِ أَنَّ مَا يَجْرِي فِي الْعَالَمِ لَا مَحَالَةَ كَائِنٌ بِإِرَادَتِهِ وَمَشِيئَتِهِ، وَأَمَّا الْأَمْرُ فَقَدْ يَكُونُ مُخَالِفًا لِإِرَادَتِهِ وَمَشِيئَتِهِ. قُلْتُ: وَتَوْضِيحُهُ أَنَّ الْأَمْرَ بِالْإِعْلَانِ تَوَجَّهَ إِلَى عَامَّةِ الْمُكَلَّفِينَ، وَتَعَلَّقَتْ مَشِيئَةُ الْإِيمَانِ بِبَعْضِهِمْ وَإِرَادَةُ الْكُفْرِ بِبَعْضِهِمْ؛ وَلِذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى﴾ [الأنعام: ٣٥] وَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ [البقرة: ٢٥٣]، وَقَالَ: ﴿لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [الرعد: ٣١]، وَقَالَ: ﴿فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ﴾ [الأعراف: ٣٠] .
قَالَ الطِّيبِيُّ - ﵀ -: الْأَظْهَرُ أَنْ تُحْمَلَ الْإِرَادَةُ هُنَا عَلَى أَخْذِ الْمِيثَاقِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ [الأعراف: ١٧٢] الْآيَةَ، بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ: وَأَنْتَ فِي صُلْبِ آدَمَ، فَقَوْلُهُ: أَبَيْتَ إِلَّا أَنَّكَ تُشْرِكُ إِشَارَةٌ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ﴾ [الأعراف: ١٧٣] وَيُحْمَلُ الْآبَاءُ هُنَا عَلَى نَقْضِ الْعَهْدِ. وَقَوْلُهُ: (أَلَّا تُشْرِكْ) اسْتِثْنَاءٌ مُفَرَّغٌ، وَإِنَّمَا حُذِفَ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ، مَعَ أَنَّهُ كَلَامٌ مُوجَبٌ لِأَنَّ فِي الْآبَاءِ مَعْنَى الِامْتِنَاعِ، فَيَكُونُ نَفْيًا أَيْ مَا اخْتَرْتَ إِلَّا الشِّرْكَ، انْتَهَى. وَهُوَ كَلَامٌ حَسَنٌ إِلَّا أَنَّ إِطْلَاقَ الْإِرَادَةِ وَإِرَادَةَ أَخْذِ الْمِيثَاقِ يَحْتَاجُ إِلَى بَيَانٍ يُدْفَعُ بِهِ مَا تَقَدَّمَ مِنَ الْإِيرَادِ، وَاللَّهُ ﷾ أَعْلَمُ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
[ ٩ / ٣٦١٥ ]
٥٦٧١ - وَعَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ - ﵁ - أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: " «مِنْهُمْ مَنْ تَأْخُذُهُ النَّارُ إِلَى كَعْبَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ تَأْخُذُهُ النَّارُ إِلَى رُكْبَتَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ تَأْخُذُهُ النَّارُ إِلَى حُجْزَتِهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ تَأْخُذُهُ النَّارُ إِلَى تَرْقُوَتِهِ» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
_________________
(١) (وَعَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ) مَرَّ ذِكْرُهُ مِرَارًا (أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: " مِنْهُمْ) أَيْ مِنْ أَهْلِ النَّارِ (مَنْ تَأْخُذُهُ النَّارُ إِلَى كَعْبَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ تَأْخُذُهُ النَّارُ إِلَى رُكْبَتَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ تَأْخُذُهُ النَّارُ إِلَى حُجْزَتِهِ)، بِضَمِّ حَاءٍ وَسُكُونِ جِيمٍ فَزَايٍ أَيْ مَعْقِدِ إِزَارِهِ وَوَسَطِهِ. (وَمِنْهُمْ مَنْ تَأْخُذُهُ النَّارُ إِلَى تَرْقُوَتِهِ) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَضَمِّ قَافِهِ أَيْ إِلَى حَلْقِهِ، فَفِي الصِّحَاحِ لَا يُضُمُّ أَوَّلُهُ. وَفِي " النِّهَايَةِ ": هِيَ الْعَظْمُ الَّذِي بَيْنَ ثَغْرَةِ النَّحْرِ وَالْعَاتِقِ، وَهُمَا تَرْقُوَتَانِ مِنَ الْجَانِبَيْنِ وَوَزْنُهَا " فَعْلُوَةٌ " بِالْفَتْحِ. وَفِي الْحَدِيثِ: بَيَانُ تَفَاوُتِ الْعُقُوبَاتِ فِي الضَّعْفِ وَالشِّدَّةِ، لَا أَنَّ بَعْضًا مِنَ الشَّخْصِ يُعَذَّبُ دُونَ بَعْضٍ، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ السَّابِقِ: وَهُوَ مُتَنَعِّلٌ بِنَعْلَيْنِ يَغْلِي مِنْهُمَا دِمَاغُهُ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) قَالَ الطِّيبِيُّ - ﵀ -: وَأَوَّلُ الْحَدِيثِ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ بِرِوَايَةِ أَبِي سَعِيدٍ: إِذَا خَلُصَ الْمُؤْمِنُونَ مِنَ النَّارِ إِلَى قَوْلِهِ: فَيَأْتُونَهُمْ فَيَعْرِفُونَهُمْ بِصُوَرِهِمْ لَا تَأْكُلُ النَّارُ صُوَرَهُمْ.
[ ٩ / ٣٦١٥ ]
٥٦٧٢ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -؟ " «مَا بَيْنَ مَنْكِبَيِ الْكَافِرِ فِي النَّارِ مَسِيرَةَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ لِلرَّاكِبِ الْمُسْرِعِ» ". وَفِي رِوَايَةٍ: " «ضِرْسُ الْكَافِرِ مِثْلُ أُحُدٍ، وَغِلَظُ جِلْدِهِ مَسِيرَةُ ثَلَاثٍ» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَذِكْرُ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: " «اشْتَكَتِ النَّارُ إِلَى رَبِّهَا» فِي بَابِ (تَعْجِيلِ الصَّلَاةِ) .
_________________
(١) (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " «مَا بَيْنَ مَنْكِبَيِ الْكَافِرِ فِي النَّارِ مَسِيرَةَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ لِلرَّاكِبِ الْمُسْرِعِ») . قَالَ الْقَاضِي - ﵀ -: يُزَادُ فِي مِقْدَارِ أَعْضَاءِ الْكَافِرِ زِيَادَةً فِي تَعْذِيبِهِ بِسَبَبِ زِيَادَةِ الْمُمَاسَّةِ لِلنَّارِ. قَالَ الْقُرْطُبِيُّ - ﵀ -: هَذَا يَكُونُ لِلْكُفَّارِ، فَإِنَّهُ قَدْ جَاءَتْ أَحَادِيثُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُتَكَبِّرِينَ يُحْشَرُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْثَالَ الذَّرِّ فِي صُوَرِ الرِّجَالِ، فَيُسَاقُونَ إِلَى سِجْنِ جَهَنَّمَ. قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ - ﵀ - فِي شَرْحِ الْمَشَارِقِ: وَنَظَرَ فِيهِ الشَّيْخُ الشَّارِحُ - يَعْنِي الْأَكْمَلَ - بِأَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ يَدُلُّ عَلَى عِظَمِ أَجْسَامِهِمْ فِي النَّارِ، وَالَّذِي ذَكَرَهُ فِي الْمَحْشَرِ. أَقُولُ: الظَّاهِرُ أَنْ يُرَادَ بِالْمَنْكِبَيْنِ عُصَاةُ الْمُؤْمِنِينَ، وَكَلَامُ الْقُرْطُبِيِّ مَحْمُولٌ عَلَيْهِ لَيْلًا، ثُمَّ الْحَدِيثُ الْآتِي: " «ضِرْسُ الْكَافِرِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِثْلُ أُحُدٍ» " عَلَى أَنَّ الْأَظْهَرَ فِي الْجَمْعِ أَنْ يَكُونُوا أَمْثَالَ الذَّرِّ فِي مَوْقِفٍ يُدَاسُونَ فِيهِ، ثُمَّ تَعْظُمُ أَجْسَامُهُمْ وَيَدْخُلُونَ النَّارَ وَيَكُونُوا فِيهَا كَذَلِكَ، وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ - ﵀ -: قَوْلُهُ فِي النَّارِ غَيْرُ مَذْكُورٍ فِي مُسْلِمٍ، كَذَا قَالَهُ النَّوَوِيُّ - ﵀ - فَالْأَوْجَهُ فِي مَنْعِ قَوْلِ الْقُرْطُبِيِّ أَنْ يُقَالَ: مَا ذَكَرَهُ يَدُلُّ عَلَى انْعِدَامِ عَظَمَتِهِمْ فِي الْمَحْشَرِ؛ لِأَنَّ تَشْبِيهَ الْمُتَكَبِّرِينَ بِالذَّرِّ إِنَّمَا هُوَ فِي الْحَقَارَةِ لَا فِي الصُّورَةِ، وَإِلَّا فَلَا يَسْتَقِيمُ قَوْلُهُ: فِي صُورَةِ الرِّجَالِ، انْتَهَى. وَفِيهِ مَبَاحِثُ لَا تَخْفَى. (وَفِي رِوَايَةٍ: " «ضِرْسُ الْكَافِرِ مِثْلُ أُحُدٍ، وَغِلَظُ جِلْدِهِ») بِكَسْرِ الْغَيْنِ وَفَتْحِ اللَّامِ أَيْ عِظَمُهُ (مَسِيرَةُ ثَلَاثٍ) أَيْ لَيَالٍ. قَالَ الطِّيبِيُّ - ﵀ -: هَكَذَا هُوَ فِي جَامِعِ الْأُصُولِ وَشَرْحُ السُّنَّةِ، أَنَّثَهُ بِاعْتِبَارِ اللَّيَالِي. قَالَ النَّوَوِيُّ - ﵀ -: هَذَا كُلُّهُ لِكَوْنِهِ أَبْلَغَ فِي إِيلَامِهِ، وَهُوَ مَقْدُورٌ لِلَّهِ تَعَالَى، يَجِبُ الْإِيمَانُ لِأَخْبَارِ الصَّادِقِ بِهِ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) . وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ أَسْنَدَ الرِّوَايَةَ الْأُولَى إِلَى الشَّيْخَيْنِ، وَالثَّانِيَةَ إِلَى مُسْلِمٍ أَوِ التِّرْمِذِيِّ، أَوِ اللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. وَرَوَى الْبَزَّارُ عَنْ ثَوْبَانَ مَرْفُوعًا: " «ضِرْسُ الْكَافِرِ مِثْلُ أُحُدٍ، وَجِلْدُهُ أَرْبَعُونَ ذِرَاعًا بِذِرَاعِ الْجَبَّارِ» ". وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ مَرْفُوعًا: إِنَّ «الْكَافِرَ لَيَعْظُمُ حَتَّى إِنَّ ضِرْسَهُ لَأَعْظَمُ مِنْ أُحُدٍ، وَفَضِيلَةُ جَسَدِهِ عَلَى ضِرْسِهِ كَفَضِيلَةِ جَسَدِ أَحَدِكُمْ عَلَى ضِرْسِهِ» ". (وَذِكْرُ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -: " «اشْتَكَتِ النَّارُ إِلَى رَبِّهَا» فِي بَابِ تَعْجِيلِ الصَّلَاةِ. يَعْنِي فَهُوَ إِمَّا مُكَرَّرًا سَقَّطَهُ مِنْ هَاهُنَا وَنَبَّهَ عَلَيْهِ، وَإِمَّا اعْتِرَاضٌ فِعْلِيٌ تَنْبِيهًا عَلَى أَنَّ مَحَلَّهُ اللَّائِقَ هُوَ ذَلِكَ الْبَابُ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
[ ٩ / ٣٦١٦ ]
الْفَصْلُ الثَّانِي
٥٦٧٣ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: " «أُوقِدَ عَلَى النَّارِ أَلْفَ سَنَةٍ حَتَّى احْمَرَّتْ، ثُمَّ أُوقِدَ عَلَيْهَا أَلْفَ سَنَةٍ حَتَّى ابْيَضَّتْ، ثُمَّ أُوقِدَ عَلَيْهَا أَلْفَ سَنَةٍ حَتَّى اسْوَدَّتْ، فَهِيَ سَوْدَاءُ مُظْلِمَةٌ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
_________________
(١) الْفَصْلُ الثَّانِي
(٢) (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ (عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: " أُوقِدَ) بِصِيغَةِ الْمَفْعُولِ، وَقَوْلُهُ (عَلَى النَّارِ) نَائِبُ فَاعِلٍ. قَالَ الطِّيبِيُّ - ﵀ -: هَذَا قَرِيبٌ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ﴾ [التوبة: ٣٥] أَيْ يُوقَدُ الْوَقُودُ فَوْقَ النَّارِ أَيِ النَّارُ ذَاتُ طَبَقَاتٍ تُوقَدُ طَبَقَةٌ فَوْقَ أُخْرَى، وَمُسْتَعْلِيَةٌ عَلَيْهَا (أَلْفَ سَنَةٍ حَتَّى احْمَرَّتْ)، بِتَشْدِيدِ الرَّاءِ لِلْمُبَالَغَةِ فِي الِاحْمِرَارِ (ثُمَّ أُوقِدَ عَلَيْهَا أَلْفَ سَنَةٍ حَتَّى ابْيَضَّتْ، ثُمَّ أُوقِدَ عَلَيْهَا أَلْفَ سَنَةٍ حَتَّى اسْوَدَّتْ، فَهِيَ سَوْدَاءُ مُظْلِمَةٌ) . زَادَ فِي الْجَامِعِ: كَمَا فِي اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ. وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ النَّارَ مَخْلُوقَةٌ كَمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ أَهْلُ السُّنَّةِ خِلَافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ وَجَمَاعَةٍ مِنْ أَهْلِ الْبِدَعِ، وَيُؤَيِّدُنَا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٤] بِصِيغَةِ الْمَاضِي. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) وَكَذَا ابْنُ مَاجَهْ.
[ ٩ / ٣٦١٦ ]
٥٦٧٤ - وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: " «ضِرْسُ الْكَافِرِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِثْلُ أُحُدٍ، وَفَخِذُهُ مِثْلُ الْبَيْضَاءِ، وَمَقْعَدُهُ مِنَ النَّارِ مَسِيرَةَ ثَلَاثٍ مِثْلُ الرَّبَذَةِ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
_________________
(١) (وَعَنْهُ) أَيْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " ضِرْسُ الْكَافِرِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِثْلُ أُحُدٍ، وَفَخِذُهُ) بِفَتْحٍ فَكَسْرٍ، فَفِي الْقَامُوسِ: الْفَخِذُ كَكَتِفٍ، مَا بَيْنَ السَّاقِ وَالْوَرِكِ، مُؤَنَّثٌ كَالْفَخِذِ وَبِكَسْرٍ أَيْ فَخِذُ الْكَافِرِ (مِثْلُ الْبَيْضَاءِ) فِي " النِّهَايَةِ ": هُوَ اسْمُ جَبَلٍ، وَقَالَ شَارِحٌ: وَهُوَ مَوْضِعٌ فِي بِلَادِ الْعَرَبِ، وَقِيلَ: هُوَ جَبَلٌ (وَمَقْعَدُهُ) أَيْ مَوْضِعُ قُعُودِهِ (مِنَ النَّارِ) أَيْ فِيهَا كَمَا فِي رِوَايَةٍ (مَسِيرَةَ ثَلَاثٍ مِثْلُ الرَّبَذَةِ) بِفَتْحِ الرَّاءِ وَالْمُوَحَّدَةِ وَالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ، قَرْيَةٌ مَعْرُوفَةٌ قُرْبَ الْمَدِينَةِ كَذَا فِي النِّهَايَةِ وَقِيلَ: بِقُرْبِ مَكَّةَ، وَقِيلَ: قَرْيَةٌ مِنْ قُرَى الْمَدِينَةِ عَلَى ثَلَاثِ لَيَالٍ، وَقَالَ شَارِحٌ: قَرِيبٌ مِنْ ذَاتِ عِرْقٍ، يُرِيدُ مَا بَيْنَ الرَّبَذَةِ وَالْمَدِينَةِ، انْتَهَى. فَقَوْلُهُ: مِثْلُ الرَّبَذَةِ أَيْ مِثْلُ بُعْدِ الرَّبَذَةِ مِنَ الْمَدِينَةِ، أَوْ مِثْلُ مَسَافَتِهَا إِلَيْهَا، فَإِنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ هَذَا الْحَدِيثَ وَهُوَ فِي الْمَدِينَةِ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا رُوِيَ مِنْ أَنَّ مَقْعَدَهُ فِي النَّارِ مَا بَيْنِي وَبَيْنَ الرَّبَذَةِ. وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ - ﵀ -: قَرْيَةٌ مِنْ قُرَى الْمَدِينَةِ بِهَا قَبْرُ أَبِي ذَرٍّ الْغِفَارِيِّ، وَقِيلَ: جَبَلٌ بِالشَّامِ، (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) . وَرَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْحَاكِمُ عَنْهُ بِلَفْظِ: " «ضِرْسُ الْكَافِرِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِثْلُ أُحُدٍ، وَعَرْضُ جِلْدِهِ سَبْعُونَ ذِرَاعًا، وَعَضُدُهُ مِثْلُ الْبَيْضَاءِ، وَفَخِذُهُ مِثْلُ وَرْقَانَ، وَمَقْعَدُهُ فِي النَّارِ مَا بَيْنِي وَبَيْنَ الرَّبَذَةِ» ".
[ ٩ / ٣٦١٧ ]
٥٦٧٥ - وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: " «إِنَّ غِلَظَ جِلْدِ الْكَافِرِ اثْنَانِ وَأَرْبَعُونَ ذِرَاعًا، وَإِنَّ ضِرْسَهُ مِثْلُ أُحُدٍ، وَإِنَّ مَجْلِسَهُ مِنْ جَهَنَّمَ مَا بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
_________________
(١) (وَعَنْهُ) أَيْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إِنَّ غِلَظَ جِلْدِ الْكَافِرِ اثْنَتَانِ وَأَرْبَعُونَ ذِرَاعًا) لَفْظُ الْجَامِعِ: اثْنَتَانِ وَأَرْبَعُونَ ذِرَاعًا بِذِرَاعِ الْجَبَّارِ، وَفِي الْقَامُوسِ: الذِّرَاعُ بِالْكَسْرِ مِنْ طَرَفِ الْمِرْفَقِ إِلَى طَرَفِ الْأُصْبُعِ الْوُسْطَى وَالسَّاعِدِ، وَقَدْ يُذْكَرُ فِيهِمَا، وَذَرَعَ الثَّوْبَ: قَاسَهُ بِهَا، (وَإِنَّ ضِرْسَهُ مِثْلُ أُحُدٍ، وَإِنَّ مَجْلِسَهُ) أَيْ مَوْضِعَ جُلُوسِهِ (مِنْ جَهَنَّمَ مَا بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) . وَكَذَا الْحَاكِمُ.
[ ٩ / ٣٦١٧ ]
٥٦٧٦ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: " «إِنَّ الْكَافِرَ لَيُسْحَبُ لِسَانُهُ الْفَرْسَخَ وَالْفَرْسَخَيْنِ يَتَوَطَّأُهُ النَّاسُ» ". رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ.
_________________
(١) (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إِنَّ الْكَافِرَ لَيُسْحَبُ) بِفَتْحِ الْحَاءِ أَيْ يُجَرُّ (لِسَانُهُ) وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عَلَى بِنَاءِ الْمَفْعُولِ، بَلْ هُوَ الْأَظَهَرُ فِي الْمَعْنَى الْمُرَادِ، وَكَذَا ضُبِطَ فِي الْجَامِعِ وَلَفْظُهُ: لَيُسْحَبُ لِسَانُهُ وَرَاءَهُ (الْفَرْسَخَ وَالْفَرْسَخَيْنِ يَتَوَطَّأُهُ النَّاسُ) أَيْ يَطَئُونَهُ بِأَقْدَامِهِمْ وَيَمْشُونَ عَلَيْهِ. (رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ) .
[ ٩ / ٣٦١٧ ]
٥٦٧٧ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ - ﵁ - عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: " «الصَّعُودُ جَبَلٌ مِنْ نَارٍ يُتَصَعَّدُ فِيهِ سَبْعِينَ خَرِيفًا، وَيُهْوَى بِهِ كَذَلِكَ فِيهِ أَبَدًا» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
_________________
(١) (وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: " الصَّعُودُ) بِفَتْحِ الصَّادِ، وَاللَّامُ لِلْعَهْدِ، إِشَارَةٌ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾ [المدثر: ١٧] أَيْ سَأُغْشِيهِ عَقَبَةً صَعْبَةَ الْمَسْلَكِ (جَبَلٌ) فَفِي الْقَامُوسِ: الصَّعُودُ بِالْفَتْحِ ضِدَّ الْهُبُوطِ، وَجَبَلٌ فِي جَهَنَّمَ، وَالْعَقَبَةُ الشَّاقَّةُ، وَالْمَعْنَى أَنَّهُ جَبَلٌ عَظِيمٌ (مِنْ نَارٍ يُتَصَعَّدُ فِيهِ) بِصِيَغِةِ الْمَجْهُولِ أَيْ يُكَلَّفُ الْكَافِرُ ارْتِقَاءَهُ، وَفِي نُسْخَةٍ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ، أَيْ يَطْلُعُ فِي ذَلِكَ الْجَبَلِ (سَبْعِينَ خَرِيفًا)، أَيْ مُدَّةَ سَبْعِينَ عَامًا (وَيُهْوَى بِهِ) بِصِيَغِهِ الْمَفْعُولِ أَيْ يُكَلَّفُ ذَلِكَ الْكَافِرُ بِسُقُوطِهِ فِيهِ، وَفِي نُسْخَةٍ - بِفَتْحِ الْيَاءِ وَكَسْرِ الْوَاوِ - أَيْ يَنْزِلُ بِذَلِكَ الْكَافِرِ، مِنْ هَوَى كَـ " رَمَى ": سَقَطَ، فَالْبَاءُ لِلتَّعْدِيَةِ. (كَذَلِكَ) أَيْ سَبْعِينَ خَرِيفًا (فِيهِ) أَيْ فِي ذَلِكَ الْجَبَلِ (أَبَدًا) . قَيْدٌ لِلْفِعْلَيْنِ، أَيْ يَكُونُ دَائِمًا فِي الصُّعُودِ وَالْهُبُوطِ، وَمِنْهُ يَتَبَيَّنُ مَعْنًى لَطِيفٌ فِيمَا اشْتُهِرَ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَنَّ السَّفَرَ قِطْعَةٌ مِنْ سَقَرَ» مَعَ مَا فِيهِ مِنَ الْإِيمَانِ إِلَى اللَّطَافَةِ النَّقْطِيَّةِ وَالْمُحَاسَبَةِ الْأَبْجَدِيَّةِ، وَبِهَذَا
[ ٩ / ٣٦١٧ ]
يَنْدَفِعُ مَا نُقِلَ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَقُلِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هَكَذَا لَعَكَسْتُ وَقُلْتُ إِنَّ سَقَرَ قِطْعَةٌ مِنَ السَّفَرِ، لَكِنْ لَا يَخْفَى أَحْسَنِيَّةُ مَا فِي كَلَامِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ عَدَمِ الْمُبَالَغَةِ الزَّائِدَةِ، وَلِمَا فِيهِ مِنَ الْمُطَابَقَةِ لِلْوَاقِعَةِ الْجَادَّةِ، مَعَ الْإِشَارَةِ إِلَى تَفْسِيرِ الْآيَةِ وَمَا تَضَمَّنَهُ مِمَّا ذَكَرْنَاهُ مِنْ إِفَادَةٍ لِلَّطَافَةِ وَالظَّرَافَةِ، هَذَا وَقَدْ ذَكَرَ صَاحِبُ خُلَاصَةِ الطِّيبِيِّ - ﵀ - ظَنًّا أَنَّ ضَمِيرَ بِهِ رَاجِعٌ إِلَى الْجَبَلِ، وَأَنَّ الْبَاءَ بِمَعْنَى " فِي " أَنَّ تَكْرِيرَهُ عَلَى طَرِيقِةِ قَوْلِكَ: فِيكَ زَيْدٌ رَاغِبٌ فِيكَ، يَعْنِي أَنَّ الْإِعَادَةَ لِلتَّأْكِيدِ وَالْمُبَالَغَةِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ مَا قَرَّرْنَاهُ أَحْسَنُ فِي مَقَامِ الْإِفَادَةِ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) . وَلَفْظُ الْجَامِعِ: ثُمَّ يَهْوِي فِيهِ كَذَلِكَ أَبَدًا. رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ حِبَّانَ، وَالْحَاكِمُ، عَنْهُ.
[ ٩ / ٣٦١٨ ]
٥٦٧٨ - وَعَنْهُ، «عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ فِي قَوْلِهِ: ﴿كَالْمُهْلِ﴾ [الكهف: ٢٩] أَيْ كَعَكَرِ الزَّيْتِ، فَإِذَا قُرِّبَ إِلَى وَجْهِهِ سَقَطَتْ فَرْوَةُ وَجْهِهِ فِيهِ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
_________________
(١) (وَعَنْهُ) أَيْ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ (عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ فِي قَوْلِهِ: ﴿كَالْمُهْلِ﴾ [الكهف: ٢٩] أَيْ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ﴾ [الكهف: ٢٩] (أَيْ كَعَكَرِ الزَّيْتِ)، بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَالْكَافِ أَيْ دُرْدِيِّهِ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ - ﵀ - أَيِ الدَّرَنِ مِنْهُ وَالدَّنَسِ، وَأَغْرَبَ شَارِحٌ وَفَسَّرَ الْمُهْلَ بِالصَّدِيدِ مَعَ ظُهُورِ النَّصِّ السَّدِيدِ (فَإِذَا قُرِّبَ) بِضَمٍّ فَتَشْدِيدِ رَاءٍ أَيِ الْمُهْلُ (إِلَى وَجْهِهِ) أَيْ وَجْهِ الْعَاصِي (سَقَطَتْ فَرْوَةُ وَجْهِهِ) أَيْ جِلْدَتُهُ وَبَشْرَتُهُ (فِيهِ) . أَيْ فِي الْمُهْلِ، وَفِي النِّهَايَةِ: فَرْوَةُ وَجْهِهِ أَيْ جِلْدُهُ، وَالْأَصْلُ فِيهِ فَرْوَةُ الرَّأْسِ وَهِيَ جِلْدَتُهُ بِمَا عَلَيْهَا مِنَ الشَّعْرِ، فَاسْتَعَارَهَا مِنَ الرَّأْسِ لِلْوَجْهِ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) .
[ ٩ / ٣٦١٨ ]
٥٦٧٩ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: " «إِنَّ الْحَمِيمَ لَيُصَبُّ عَلَى رُءُوسِهِمْ فَيَنْفُذُ الْحَمِيمُ حَتَّى يَخْلُصَ إِلَى جَوْفِهِ، فَيَسْلُتُ مَا فِي جَوْفِهِ حَتَّى يَمْرُقَ مِنْ قَدَمَيْهِ، وَهُوَ الصَّهْرُ، ثُمَّ يُعَادُ كَمَا كَانَ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
_________________
(١) (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: " إِنَّ الْحَمِيمَ) أَيْ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ﴾ [الحج: ١٩] الْمُفَسَّرُ بِالْمَاءِ الْبَالِغِ نِهَايَةَ الْحَرِّ (لَيُصَبُّ عَلَى رُءُوسِهِمْ) أَيْ يُكَبُّ فَوْقَهَا (فَيَنْفُذُ الْحَمِيمُ) بِضَمِّ الْفَاءِ مِنَ النُّفُوذِ وَهُوَ التَّأْثِيرُ وَالدُّخُولُ فِي الشَّيْءِ أَيْ يَدْخُلُ أَثَرُ حَرَارَتِهِ مِنْ رَأْسِهِ إِلَى بَاطِنِهِ (حَتَّى يَخْلُصَ) بِضَمِّ اللَّامِ أَيْ يَصِلَ (إِلَى جَوْفِهِ)، أَيْ إِلَى جَوْفِ رَأْسِهِ أَوْ إِلَى بَطْنِهِ، وَهُوَ الظَّاهِرُ الْمُتَبَادِرُ، بَلْ هُوَ الصَّوَابُ؛ لِقَوْلِهِ: (فَيَسْلُتُ) بِضَمِّ اللَّامِ، مِنْ سَلَتَ الْقَصْعَةَ إِذَا مَسَحَهَا مِنَ الطَّعَامِ فَيَذْهَبُ، وَأَصْلُ السَّلْتِ الْقَطْعُ، فَالْمَعْنَى فَيَسْمَحُ وَيُقَطِّعُ الْحَمِيمُ (مَا فِي جَوْفِهِ) أَيْ مِنَ الْأَمْعَاءِ، وَقَالَ الْقَاضِي - ﵀ - أَيْ يَذْهَبُ وَيَمُرُّ (حَتَّى يَمْرُقَ) بِضَمِّ الرَّاءِ أَيْ يَخْرُجَ (مِنْ قَدَمَيْهِ وَهُوَ الصَّهْرُ) بِفَتْحِ الصَّادِ بِمَعْنَى الْإِذَابَةِ، وَالْمَعْنَى مَا ذَكَرَ مِنَ النُّفُوذِ وَغَيْرِهِ، وَهُوَ مَعْنَى الصَّهْرِ الْمَذْكُورِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ﴾ [الحج: ٢٠] وَمَعَ هَذَا لَهُمُ الْوَعِيدُ الشَّدِيدُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ﴾ [الحج: ٢١] (ثُمَّ يُعَادُ) أَيْ مَا فِي جَوْفِهِ (كَمَا كَانَ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾ [النساء: ٥٦] أَيْ شِدَّةَ الْعِقَابِ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ)
[ ٩ / ٣٦١٨ ]
٥٦٨٠ - وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ - ﵁ - «عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - فِي قَوْلِهِ: ﴿يُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ يَتَجَرَّعُهُ﴾ [إبراهيم: ١٦]
قَالَ: " يُقَرَّبُ إِلَى فِيهِ فَيَكْرَهُهُ، فَإِذَا أُدْنِي مِنْهُ شَوَى وَجْهَهُ، وَوَقَعَتْ فَرْوَةُ رَأْسِهِ، فَإِذَا شَرِبَهُ قَطَّعَ أَمْعَاءَهُ، حَتَّى يَخْرُجَ مِنْ دُبُرِهِ، يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ﴾ [محمد: ١٥]، وَيَقُولُ: ﴿وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ﴾ [الكهف: ٢٩] ".» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
_________________
(١) (وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قَوْلِهِ) أَيْ تَعَالَى، كَمَا فِي نُسْخَةٍ (يُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ) قِيلَ: صَدِيدُ الْجُرْحِ مَاؤُهُ الرَّقِيقُ الْمُخْتَلِطُ بِالدَّمِ السَّائِلِ مِنْهُ (يَتَجَرَّعُهُ) أَيْ يَشْرَبُهُ لَا بِمَرَّةٍ بَلْ جُرْعَةً بَعْدَ جُرْعَةٍ لِمَرَارَتِهِ وَحَرَارَتِهِ ; وَلِذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ﴾ [إبراهيم: ١٧]
[ ٩ / ٣٦١٨ ]
(قَالَ) أَيِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: (يُقَرَّبُ) بِفَتْحِ الرَّاءِ الْمُشَدَّدَةِ أَيْ يُؤْتَى بِالصَّدِيدِ قَرِيبًا (إِلَى فِيهِ) أَيْ إِلَى فَمِ الْعَاصِي (فَيَكْرَهُهُ)، أَيْ لِعُفُونَتِهِ وَسُخُونَتِهِ (فَإِذَا " أُدْنِيَ) بِصِيَغِةِ الْمَجْهُولِ أَيْ زِيدَ فِي قُرْبِهِ (مِنْهُ) أَيْ مِنَ الْمَعَاصِي أَوْ مِنْ فَمِهِ (شَوَى) أَيْ أَحْرَقَ (وَجْهَهُ، وَوَقَعَتْ) أَيْ سَقَطَتْ (فَرْوَةُ رَأْسِهِ)، أَيْ جِلْدَتُهُ (فَإِذَا شَرِبَ) أَيْ مَاءَ الصَّدِيدِ الْحَارَّ الشَّدِيدَ (قَطَّعَ أَمْعَاءَهُ)، بِتَشْدِيدِ الطَّاءِ لِلْمُبَالَغَةِ وَالتَّكْثِيرِ (حَتَّى تَخْرُجَ) أَيْ أَمْعَاؤُهُ، وَفِي نُسْخَةٍ بِالْيَاءِ أَيِ الصَّدِيدُ (مِنْ دُبُرِهِ)، بِضَمَّتَيْنِ وَهُوَ ضِدُّ الْقُبُلِ (يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ﴾ [محمد: ١٥] وَيَقُولُ) أَيِ اللَّهُ تَعَالَى فِي مَوْضِعٍ آخَرَ ﴿وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا﴾ [الكهف: ٢٩] أَيْ يَطْلُبُوا الْغِيَاثَ بِالْمَاءِ عَلَى عَادَتِهِمُ الِاسْتِغَاثَةَ فِي طَلَبِ الْغَيْثِ وَهُوَ الْمَطَرُ ﴿يُغَاثُوا﴾ [الكهف: ٢٩] أَيْ يُجَابُوا وَيُؤْتَوْا ﴿بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ﴾ [الكهف: ٢٩] أَيْ كَالصَّدِيدِ أَوْ كَعَكَرِ الزَّيْتِ عَلَى مَا صَحَّ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ﴿يَشْوِي الْوُجُوهَ﴾ [الكهف: ٢٩] أَيِ ابْتِدَاءً ثُمَّ يَسْرِي إِلَى الْبُطُونِ وَسَائِرِ الْأَعْضَاءِ انْتِهَاءً ﴿بِئْسَ الشَّرَابُ﴾ [الكهف: ٢٩] أَيِ الْمُهْلُ أَوِ الْمَاءُ، فَإِنَّهُ مَكْرُوهٌ وَمُكْرَهٌ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) .
[ ٩ / ٣٦١٩ ]
٥٦٨١ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ - ﵁ - عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: " «لِسُرَادِقِ النَّارِ أَرْبَعَةُ جُدُرٍ، كُثُفُ كُلِّ جِدَارٍ أَرْبَعِينَ سَنَةً» ". " رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
_________________
(١) (وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ) رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ (عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: " لِسُرَادِقِ النَّارِ) بِكَسْرِ اللَّامِ وَضَمِّ السِّينِ وَجَرِّ الْقَافِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِالْفَتْحِ وَالرَّفْعِ، قَالَ الطِّيبِيُّ - ﵀ -: رُوِيَ بِفَتْحِ اللَّامِ عَلَى أَنَّهُ مُبْتَدَأٌ، وَكَسْرِهَا عَلَى أَنَّهُ خَبَرٌ، وَهَذَا أَظْهَرُ. وَفِي النِّهَايَةِ: السُّرَادِقُ كُلُّ مَا أَحَاطَ بِشَيْءٍ مِنْ حَائِطٍ أَوْ مَضْرِبٍ أَوْ خِبَاءٍ. أَقُولُ: وَهُوَ إِشَارَةٌ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا﴾ [الكهف: ٢٩] وَفِي الْقَامُوسِ: السُّرَادِقُ الَّذِي يُمَدُّ فَوْقَ الْبَيْتِ وَجَمْعُهُ سُرَادِقَاتٌ. وَقَالَ شَارِحٌ: هُوَ الَّذِي يُمَدُّ فَوْقَ صَحْنِ الدَّارِ. أَقُولُ إِنَّ الْمُرَادَ بِهِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ هُوَ الْمَعْنَى الْأَعَمُّ الشَّامِلُ لِلْمُحِيطِ بِجَمِيعِ جِهَاتِهِمْ، وَلَعَلَّ سُرَادِقَهَا مِنْ نَارٍ غَلِيظَةٍ مُرَكَّبَةٍ مِنْ دُخَانٍ وَغَيْرِهِ؛ وَلِذَا قَالَ: لِسُرَادِقِهَا (أَرْبَعَةُ جُدُرٍ) بِضَمَّتَيْنِ، جَمْعُ جِدَارٍ، وَهُوَ لَا يُنَافِي أَنْ يُمَدَّ مِنْ فَوْقِهِمْ، فَإِنَّهُ صَحَّ فِي الْأَخْبَارِ أَنَّهُ يُطْبَقُ عَلَيْهِمْ، بَلْ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ، حَتَّى يَظُنَّ كُلٌّ أَنَّهُ لَا يُعَذَّبُ فِي النَّارِ غَيْرُهُ، وَهُوَ أَصْعَبُ، فَإِنَّ الْبَلِيَّةَ إِذَا عَمَّتْ طَابَتْ، لَاسِيَّمَا إِذَا رَأَى أَنَّ عَذَابَهُ أَخَفُّ مِنْ بَعْضٍ (كُثُفُ كُلِّ جِدَارٍ) بِضَمِّ الْكَافِ وَالْمُثَلَّثَةِ مَرْفُوعًا فِي أَصْلِ السَّيِّدِ وَكَثِيرٍ مِنَ النُّسَخِ، وَفِي بَعْضِهَا بِالْكَسْرِ وَالْفَتْحِ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الشُّرَّاحِ، وَهُوَ الْأَظْهَرُ، فَقَالَ صَاحِبُ الْمَفَاتِيحِ وَالْخَلْخَالِيُّ: بِكَسْرِ الْكَافِ وَفَتْحِ الْمُثَلَّثَةِ أَيِ الْغِلَظُ فَالْمَعْنَى كَثَافَةُ كُلِّ جِدَارٍ وَغِلَظُهُ: (مَسِيرَةَ أَرْبَعِينَ سَنَةً) وَقَالَ شَارِحٌ: بِالْفَتْحِ وَالْكَسْرِ: الْغِلَظُ. وَفِي النِّهَايَةِ: الْكُثُفُ جَمْعُ كَثِيفٍ، وَهُوَ الثَّخِينُ الْغَلِيظُ، لَكِنْ لَا يَخْفَى أَنَّ مَعْنَى الْجَمْعِ غَيْرُ مُلَائِمٍ لِإِضَافَتِهِ إِلَى كُلِّ جِدَارٍ، نَعَمْ فِي نُسْخَةٍ ضُبِطَ بِضَمَّتَيْنِ مَجْرُورًا عَلَى أَنَّهُ عَلَى صِفَةِ جِدَارٍ، وَ" كُلُّ جِدَارٍ " بِالرَّفْعِ عَلَى الِابْتِدَاءِ وَهُوَ ظَاهِرٌ لَفْظًا وَمَعْنًى، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) .
[ ٩ / ٣٦١٩ ]
٥٦٨٢ - وَعَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: " «لَوْ أَنَّ دَلْوًا مِنْ غَسَّاقٍ يَهَرَاقُ فِي الدُّنْيَا لَأَنْتَنَ أَهْلُ الدُّنْيَا» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
_________________
(١) (وَعَنْهُ) أَيْ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " لَوْ أَنَّ دَلْوًا مِنْ غَسَّاقٍ) بِالتَّخْفِيفِ وَالتَّشْدِيدِ، مَا يَسِيلُ مِنْ صَدِيدِ أَهْلِ النَّارِ وَغِسَالَتِهِمْ، وَقِيلَ مَا يَسِيلُ مِنْ دُمُوعِهِمْ، وَقِيلَ: هُوَ الزَّمْهَرِيرُ، كَذَا فِي النِّهَايَةِ. وَقِيلَ: هُوَ الصَّدِيدُ الْبَارِدُ الْمُنْتِنُ لَا يَقْدِرُ عَلَى شُرْبِهِ مِنْ بُرُودَتِهِ، كَمَا لَا يَقْدِرُ عَلَى شُرْبِ الْحَمِيمِ لِحَرَارَتِهِ. قُلْتُ: وَهُوَ الْمُلَائِمُ لِلْجَمْعِ بَيْنَهُمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ﴾ [ص: ٥٧] أَوْ كَذَا فِي قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا - إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا﴾ [النبأ: ٢٤ - ٢٥] عَلَى النَّشْرِ الْمُشَوَّشِ اعْتِمَادًا عَلَى فَهْمِ السَّامِعِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ لَوْ أَنَّ شَيْئًا قَلِيلًا مِنْهُ (يَهَرَاقُ) بِفَتْحِ الْهَاءِ وَيُسَكَّنُ أَيْ يُصَبُّ (فِي الدُّنْيَا) أَيْ فِي أَرْضِهَا (لَأَنْتَنَ أَهْلُ الدُّنْيَا) أَيْ لَصَارُوا ذِي نَتَنٍ مِنْهُ، فَأَهْلُ مَرْفُوعٌ عَلَى الْفَاعِلِيَّةِ، وَعَلَيْهِ الْأُصُولُ الْمُعْتَمَدَةُ، وَكَأَنَّهُ وُجِدَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ بِالنَّصْبِ عَلَى تَوَهُّمِ أَنَّ أَنْتَنَ مُتَعَدٍّ بِزِيَادَةِ الْهَمْزَةِ، فَقَالَ شَارِحٌ: أَنْتَنَ الشَّيْءُ أَيْ تَغَيَّرَ وَصَارَ ذَا نَتَنٍ، فَنَصْبُ أَهْلٍ لَيْسَ بِصَوَابٍ، إِنَّمَا الصَّوَابُ رَفْعُهُ، كَذَا قَالَهُ الْإِمَامُ التُّورِبِشْتِيُّ - ﵀ -: وَفِي الْقَامُوسِ: النَّتْنُ ضِدَّ الْفَوْحِ نَتُنَ كَكَرُمَ وَضَرَبَ نَتَانَةً وَأَنْتَنَ فَهُوَ مُنْتِنٌ بِكَسْرَتَيْنِ وَبِضَمَّتَيْنِ وَكَقِنْدِيلٍ. أَقُولُ: وَلَعَلَّ وَجْهَ الْكَسْرَتَيْنِ أَنَّهُ كَسَرَ الْمِيمَ تَبَعًا كَمَا فِي قَوْلِهِ: الْحَمْدُ لِلَّهِ، قُرِئَ فِي الشَّوَاذِّ بِكَسْرِ الدَّالِ وَضَمِّهَا تِبَاعًا لِمَا بَعْدَهَا، وَعَدَّ الْكَلِمَتَيْنِ كَلِمَةً لِامْتِزَاجِهِمَا وَعَدَمِ انْفِكَاكِهِمَا غَالِبًا. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) . وَكَذَا ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ وَالْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ.
[ ٩ / ٣٦٢٠ ]
٥٦٨٣ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢] قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: " «لَوْ أَنَّ قَطْرَةً مِنَ الزَّقُّومِ قُطِرَتْ فِي دَارِ الدُّنْيَا لَأَفْسَدَتْ عَلَى أَهْلِ الْأَرْضِ مَعَايِشَهُمْ، فَكَيْفَ بِمَنْ يَكُونُ طَعَامَهُ» "؟ ! . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
_________________
(١) (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ: اتَّقُوا اللَّهَ: أَوَّلُهَا: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ﴾ [آل عمران: ١٠٢] (حَقَّ تُقَاتِهِ) أَيْ حَقَّ تَقْوَاهُ مِنَ الْقِيَامِ بِالْوَاجِبَاتِ وَاجْتِنَابِ السَّيِّئَاتِ، وَقَدْ فَسَّرَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ بِقَوْلِهِ: هُوَ أَنْ يُطَاعَ فَلَا يُعْصَى، وَيُشْكَرُ فَلَا يُكْفَرُ، وَيُذْكَرُ فَلَا يُنْسَى، وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وَصَحَّحَهُ الْمُحَدِّثُونَ، فَهُوَ إِمَّا تَفْسِيرٌ لِكَمَالِ التَّقْوَى فَلَا إِشْكَالَ، أَوْ لِأَصْلِهَا فَيَكُونُ مَنْسُوخًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦] كَمَا ذَكَرَهُ بَعْضُهُمْ، وَقَالَ بَعْضُ الْعَارِفِينَ: هُوَ أَنْ يُنَزِّهَ الطَّاعَةَ عَنِ الِالْتِفَاتِ إِلَيْهَا، وَعَنْ تَوَقُّعِ الْمَجَازَاتِ عَلَيْهَا. ﴿وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢] أَيْ مُوَحِّدُونَ مُنْقَادُونَ تَائِبُونَ جَامِعُونَ بَيْنَ الْخَوْفِ وَالرَّجَاءِ، غَالِبُونَ حُسْنَ الظَّنِّ بِالْمَوْلَى جَلَّ وَعَلَا فِي الْآخِرَةِ وَالْأُولَى، وَهُوَ فِي الْحَقِيقَةِ أَمْرٌ بِدَوَامِ الْإِسْلَامِ، فَإِنَّ النَّهْيَ فِي هَذَا الْمَقَامِ تَوَجَّهَ إِلَى الْقَيْدِ فِي الْكَلَامِ. (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " لَوْ أَنَّ قَطْرَةً مِنَ الزَّقُّومِ) أَيْ مِنْ مَاءِ شَجَرٍ يَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ. قَالَ الشَّارِحُ: الزَّقُّومُ شَجَرَةٌ خَبِيثَةٌ مُرَّةٌ كَرِيهَةُ الطَّعْمِ وَالرَّائِحَةِ، يُكْرَهُ أَهْلُ النَّارِ عَلَى تَنَاوُلِهِ، فَلَوْ أَنَّ قَطْرَةً مِنْهُ (قَطَرَتْ) بِالْفَتَحَاتِ أَيْ نَقِطَتْ وَنَزَلَتْ (فِي دَارِ الدُّنْيَا لَأَفْسَدَتْ) أَيْ لِمَرَارَتِهَا وَعُفُونَتِهَا وَحَرَارَتِهَا (عَلَى أَهْلِ الْأَرْضِ مَعَايِشَهُمْ) بِالْيَاءِ، وَقَدْ يُهْمَزُ، جَمْعُ مَعِيشَةٍ (فَكَيْفَ بِمَنْ يَكُونُ) أَيِ الزَّقُّومُ (طَعَامَهُ)؟ فَفِي الصِّحَاحِ: أَنَّ الزَّقُّومَ اسْمُ طَعَامٍ لَهُمْ فِيهِ تَمْرٌ وَزُبْدٌ، وَالزَّقُّومُ أَكْلُهُ، فَالْمَعْنَى أَنَّ هَذَا الزَّقُّومَ فِي الْعُقْبَى بَدَلُ زَقُّومِهِمْ فِي الدُّنْيَا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ طَعَامُ الْأَثِيمِ﴾ [الدخان: ٤٣] . قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ
[ ٩ / ٣٦٢٠ ]
تَعَالَى عَنْهُ: لَمَّا نَزَلَ ﴿إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ طَعَامُ الْأَثِيمِ﴾ [الدخان: ٤٣] قَالَ أَبُو جَهْلٍ: التَّمْرُ بِالزُّبْدِ نَتَزَقَّمُهُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٦٤] الْآيَاتِ.
قَالَ الطِّيبِيُّ - ﵀ - قَوْلُهُ: (حَقَّ تُقَاتِهِ) أَيْ وَاجِبَ تَقْوَاهُ وَمَا يَحِقُّ مِنْهَا، وَهُوَ الْقِيَامُ بِالْوَاجِبَاتِ وَاجْتِنَابُ الْمَحَارِمِ، أَيْ بَالِغُوا فِي التَّقْوَى، حَتَّى لَا تَتْرُكُوا مِنَ الْمُسْتَطَاعِ مِنْهَا شَيْئًا، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦] وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢] تَأْكِيدٌ لِهَذَا الْمَعْنَى أَيْ لَا تَكُونُنَّ عَلَى حَالٍ سِوَى حَالِ الْإِسْلَامِ إِذَا أَدْرَكَكُمُ الْمَوْتُ، فَمَنْ وَاظَبَ عَلَى هَذِهِ الْحَالَةِ وَدَاوَمَ عَلَيْهَا مَاتَ مُسْلِمًا وَسَلِمَ فِي الدُّنْيَا مِنَ الْآفَاتِ وَفِي الْآخِرَةِ مِنَ الْعُقُوبَاتِ، وَمَنْ تَقَاعَدَ عَنْهَا وَتَقَاعَسَ وَقَعَ فِي الْعَذَابِ فِي الْآخِرَةِ، وَمِنْ ثَمَّ أَتْبَعَهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِقَوْلِهِ: " «لَوْ أَنَّ قَطْرَةً مِنَ الزَّقُّومِ» " الْحَدِيثَ. وَهُوَ فَعُولٌ مِنَ الزَّقْمِ: اللَّقْمُ الشَّدِيدُ وَالشُّرْبُ الْمُفْرِطُ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ) . وَكَذَا رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَالْحَاكِمُ، وَابْنُ حِبَّانَ.
[ ٩ / ٣٦٢١ ]
٥٦٨٤ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ - ﵁ - «عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: ﴿وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٤] قَالَ: " تَشْوِيهِ النَّارُ فَتَقَلَّصُ شَفَتُهُ الْعُلْيَا حَتَّى تَبْلُغَ وَسْطَ رَأْسِهِ، وَتَسْتَرْخِي شَفَتُهُ السُّفْلَى حَتَّى تَضْرِبَ سُرَّتَهُ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
_________________
(١) (وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ) أَيْ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَهُمْ فِيهَا﴾ [المؤمنون: ١٠٤] أَيِ الْكُفَّارُ فِي النَّارِ كَالِحُونَ أَيْ عَابِسُونَ حِينَ تَحْتَرِقُ وُجُوهُهُمْ مِنَ النَّارِ، كَذَا ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ - ﵀ -. وَقَالَ شَارِحٌ: أَيْ بَادِيَةٌ أَسْنَانُهُمْ، وَهُوَ الْمُنَاسِبُ لِتَفْسِيرِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَمَا بَيَّنَهُ الرَّاوِي بِقَوْلِهِ: (قَالَ) وَأَعَادَهُ لِلتَّأْكِيدِ (تَشْوِيهِ) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ أَيْ تَحْرِقُ الْكَافِرَ (النَّارُ) أَيْ نَارُ أَهْلِ الْبَوَارِ (فَتَقَلَّصُ) عَلَى صِيغَةِ الْمُضَارِعِ بِحَذْفِ إِحْدَى التَّاءَيْنِ، أَيْ تَنْقَبِضُ (شَفَتُهُ الْعُلْيَا) بِفَتْحِ الشِّينِ وَتُكْسَرُ (حَتَّى تَبْلُغَ) أَيْ تَصِلَ شَفَتُهُ (وَسْطَ رَأْسِهِ)، بِسُكُونِ السِّينِ وَتُفْتَحُ (وَتَسْتَرْخِي) بِالتَّذَكِيرِ وَالتَّأْنِيثِ أَيْ تَسْتَرْسِلُ (شَفَتُهُ السُّفْلَى) تَأْنِيثُ الْأَسْفَلِ، كَالْعُلْيَا تَأْنِيثُ الْأَعْلَى (حَتَّى تَضْرِبَ) أَيْ تَقْرُبُ شَفَتُهُ (سُرَّتُهُ) . (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) .
[ ٩ / ٣٦٢١ ]
٥٦٨٥ - وَعَنْ أَنَسٍ - ﵁ - عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: " «يَا أَيُّهَا النَّاسُ ابْكُوا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِيعُوا فَتَبَاكَوْا، فَإِنَّ أَهْلَ النَّارِ يَبْكُونَ فِي النَّارِ حَتَّى تَسِيلَ دُمُوعُهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ كَأَنَّهَا جَدَاوِلُ، حَتَّى تَنْقَطِعَ الدُّمُوعُ فَتَسِيلَ الدِّمَاءُ، فَتَقَرَّحَ الْعُيُونُ، فَلَوْ أَنَّ سُفُنًا أُزْجِيَتْ فِيهَا لَجَرَتْ» ". رَوَاهُ (فِي شَرْحِ السُّنَّةِ) .
_________________
(١) (وَعَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ ابْكُوا) بِكَسْرِ هَمْزَةِ الْوَصْلِ وَضَمِّ الْكَافِ أَمْرٌ مَنْ بَكَى يَبْكِي أَيِ ابْكُوا خَوْفًا عَلَى ذُنُوبِكُمْ، أَوْ شَوْقًا إِلَى رَبِّكُمْ، كَمَا) أَخْبَرَ اللَّهُ ﷾ عَنْ حَالَةِ أَنْبِيَائِهِ وَأَصْفِيَائِهِ: ﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾ [مريم: ٥٨] وَقَدْ سَجَدَ بَعْضُ السَّلَفِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ فَقَالَ: هَذِهِ السَّجْدَةُ فَأَيْنَ الْبُكَاءُ؟ (فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِيعُوا) أَيْ لَمْ تَقْدِرُوا عَلَى الْبُكَاءِ الْحَقِيقِيِّ، فَإِنَّهُ لَيْسَ بِالْأَمْرِ الِاخْتِيَارِيِّ (فَتَبَاكَوْا) بِفَتْحِ الْكَافِ، أَمْرٌ مِنْ بَابِ التَّفَاعُلِ، وَالْمَعْنَى تَحْمِلُوا أَنْفُسَكُمْ بِالتَّكَلُّفِ عَلَى الْبُكَاءِ، وَفِيهِ إِيمَاءٌ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا﴾ [التوبة: ٨٢] (فَإِنَّ أَهْلَ النَّارِ) أَيْ مِنَ الْكُفَّارِ - وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَعُمَّ الْفُجَّارَ - (يَبْكُونَ فِي النَّارِ حَتَّى تَسِيلَ دُمُوعُهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ)، أَيْ عَلَيْهَا وَالتَّعْبِيرُ بَقِيَ أَبْلَغَ، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ: (كَأَنَّهَا) أَيْ دُمُوعُهُمْ (جَدَاوِلُ) جَمْعُ جَدْوَلٍ، وَهُوَ النَّهْرُ الصَّغِيرُ (حَتَّى تَنْقَطِعَ الدُّمُوعُ، فَتَسِيلَ الدِّمَاءُ) بِنَصْبِ الْفِعْلِ وَيُرْفَعُ
[ ٩ / ٣٦٢١ ]
وَكَذَا الْوَجْهَانِ فِي قَوْلِهِ: (فَتَقَرَّحَ) بِتَشْدِيدِ الرَّاءِ الْمَفْتُوحَةِ عَلَى أَنَّهُ مُضَارِعٌ مِنْ بَابِ التَّفَعُّلِ، حُذِفَ إِحْدَى التَّاءَيْنِ مِنْهُ أَيْ فَتَخْرُجَ (مِنْهُ) أَيْ مِنْ سَيَلَانِ الدِّمَاءِ (الْعُيُونُ)، بِضَمِّ الْعَيْنِ وَتُكْسَرُ، جَمْعُ الْعَيْنِ، وَفِي نُسْخَةٍ: تَقْرَحُ بِسُكُونِ الْقَافِ وَفَتَحَ الرَّاءَ، فَالْعُيُونُ مَنْصُوبٌ لِأَنَّ قَرَحَ - كَمَنَعَ -: جَرَحَ عَلَى مَا فِي الْقَامُوسِ، فَالْمَعْنَى فَتُخْرِجُ دُمُوعُهُمْ أَوْ دِمَاؤُهُمْ عُيُونَهُمْ فَتَزِيدُ فِي سَيَلَانِهَا (فَلَوْ أَنَّ سُفُنًا) بِضَمِّ السِّينِ وَالْفَاءِ جَمْعُ سَفِينَةٍ (أُزْجِيَتْ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ مِنَ الْإِزْجَاءِ بِالزَّايِ وَالْجِيمِ أَيْ أُرْسِلَتْ (فِيهَا) أَيْ فِي الدُّمُوعِ أَوِ الدِّمَاءِ (لَجَرَتْ) أَيِ السُّفُنُ بِهَا (رَوَاهُ) أَيِ الْبَغَوِيُّ (فِي شَرْحِ السُّنَّةِ) أَيْ بِإِسْنَادِهِ.
[ ٩ / ٣٦٢٢ ]
٥٦٨٦ - وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: " «يُلْقَى عَلَى أَهْلِ النَّارِ الْجُوعُ، فَيَعْدِلُ مَا هُمْ فِيهِ مِنَ الْعَذَابِ، فَيَسْتَغِيثُونَ، فَيُغَاثُونَ بِطَعَامٍ: (مِنْ ضَرِيعٍ، لَا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ، فَيَسْتَغِيثُونَ بِالطَّعَامِ، فَيُغَاثُونَ بِطَعَامٍ ذِي غُصَّةٍ، فَيَذْكُرُونَ أَنَّهُمْ كَانُوا يُجِيزُونَ الْغُصَصَ فِي الدُّنْيَا بِالشَّرَابِ، فَيَسْتَغِيثُونَ بِالشَّرَابِ فَيُرْفَعُ إِلَيْهِمُ الْحَمِيمُ بِكَلَالِيبِ الْحَدِيدِ، فَإِذَا دَنَتْ مِنْ وُجُوهِهِمْ شَوَتْ وُجُوهَهُمْ، فَإِذَا دَخَلَتْ بُطُونَهُمْ قَطَّعَتْ مَا فِي بُطُونِهِمْ، يَقُولُونَ: ادْعُوا خَزَنَةَ جَهَنَّمَ، فَيَقُولُونَ: ﴿أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى قَالُوا فَادْعُوا وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ﴾ [غافر: ٥٠]
قَالَ: فَيَقُولُونَ: ادْعُوا مَالِكًا، فَيَقُولُونَ: ﴿يَامَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ [الزخرف: ٧٧] قَالَ: " فَيُجِيبُهُمْ ﴿إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾ [الزخرف: ٧٧] قَالَ الْأَعْمَشُ: نُبِّئْتُ أَنَّ بَيْنَ دُعَائِهِمْ وَإِجَابَةِ مَالِكٍ إِيَّاهُمْ أَلْفَ عَامٍ قَالَ: فَيَقُولُونَ: ادْعُوا رَبَّكُمْ، فَلَا أَحَدَ خَيْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ، فَيَقُولُونَ: ﴿رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ - رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٦ - ١٠٧] " قَالَ: " فَيُجِيبُهُمْ: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: ١٠٨] قَالَ: " فَعِنْدَ ذَلِكَ يَئِسُوا مِنْ كُلِّ خَيْرٍ، وَعِنْدَ ذَلِكَ يَأْخُذُونَ فِي الزَّفِيرِ وَالْحَسْرَةِ وَالْوَيْلِ» ". قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: وَالنَّاسُ لَا يَرْفَعُونَ هَذَا الْحَدِيثَ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
_________________
(١) (وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " يُلْقَى) أَيْ يُسْقَطُ (عَلَى أَهْلِ النَّارِ الْجُوعُ)، أَيِ الشَّدِيدُ (فَيَعْدِلُ) بِفَتْحِ الْيَاءِ وَكَسْرِ الدَّالِ أَيْ فَيُسَاوِي الْجُوعُ (مَا هُمْ فِيهِ مِنَ الْعَذَابِ)، الْمَعْنَى أَنَّ أَلَمَ جُوعِهِمْ مِثْلُ أَلَمِ سَائِرِ عَذَابِهِمْ (فَيَسْتَغِيثُونَ)، أَيْ بِالطَّعَامِ (فَيُغَاثُونَ بِطَعَامٍ: ﴿مِنْ ضَرِيعٍ﴾ [الغاشية: ٦] وَهُوَ نَبْتٌ بِالْحِجَازِ لَهُ شَوْكٌ لَا تَقْرَبُهُ دَابَّةٌ لِخُبْثِهِ، وَلَوْ أَكَلَتْ مَاتَتْ. وَالْمُرَادُ هُنَا شَوْكٌ مِنْ نَارٍ أَمَرُّ مِنَ الصَّبْرِ، وَأَنْتَنُ مِنَ الْجِيفَةِ، وَأَحَرُّ مِنَ النَّارِ ﴿لَا يُسْمِنُ﴾ [الغاشية: ٧] أَيْ لَا يُشْبِعُ الْجَائِعَ وَلَا يَنْفَعُهُ وَلَوْ أَكَلَ مِنْهُ كَثِيرًا ﴿وَلَا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ﴾ [الغاشية: ٧]، أَيْ وَلَا يَدْفَعُ وَلَوْ بِالتَّسْكِينِ شَيْئًا مِنْ أَلَمِ الْجُوعِ، وَفِيهِ إِيمَاءٌ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ﴾ [الغاشية: ٦] إِلَى آخِرِهِ. (فَيَسْتَغِيثُوا بِالطَّعَامِ)، أَيْ ثَانِيًا لِعَدَمِ نَفْعِ مَا أُغِيثُوا أَوَّلًا (فَيُغَاثُوا بِطَعَامٍ ذِي غُصَّةٍ)، أَيْ مِمَّا يَنْشُبُ فِي الْحَلْقِ وَلَا يَسُوغُ فِيهِ مِنْ عَظْمٍ وَغَيْرِهِ، لَا يَرْتَقِي وَلَا يَنْزِلُ، وَفِيهِ إِشْعَارٌ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ لَدَيْنَا أَنْكَالًا وَجَحِيمًا وَطَعَامًا ذَا غُصَّةٍ وَعَذَابًا أَلِيمًا﴾ [المزمل: ١٢] وَالْمَعْنَى أَنَّهُمْ يُؤْتَوْنَ بِطَعَامٍ ذِي غُصَّةٍ، فَيَتَنَاوَلُونَهُ فَيَغَصُّونَ بِهِ، (فَيَذْكُرُونَ أَنَّهُمْ كَانُوا يُجِيزُونَ) مِنَ الْإِجَازَةِ بِالزَّايِ أَيْ يُسِيغُونَ (الْغُصَصَ) جَمْعُ الْغُصَّةِ بِالضَّمِّ، وَهِيَ مَا اعْتَرَضَ فِي الْحَلْقِ فَأَشْرَقَ، عَلَى مَا فِي الْقَامُوسِ. وَالْمَعْنَى أَنَّهُمْ كَانُوا يُعَالِجُونَهَا (فِي الدُّنْيَا بِالشَّرَابِ، فَيَسْتَغِيثُونَ) أَيْ عَلَى مُقْتَضَى طِبَاعِهِمْ (بِالشَّرَابِ) أَيْ لِدَفْعِ مَا حَصَلَ لَهُمْ مِنَ الْعَذَابِ (فَيُرْفَعُ إِلَيْهِمُ الْحَمِيمُ) بِالرَّفْعِ أَيْ يُرْفَعُ أَطْرَافُ إِنَاءٍ فِيهِ الْحَمِيمُ، وَهُوَ الْمَاءُ الْحَارُّ الشَّدِيدُ (بِكَلَالِيبِ الْحَدِيدِ) أَيْ عَلَى أَيْدِي الْمَلَائِكَةِ أَوْ بِيَدِ الْقُدْرَةِ مِنْ غَيْرِ الْوَاسِطَةِ (فَإِذَا دَنَتْ) أَيْ قَرُبَتْ أَوَانِي الْحَمِيمِ (مِنْ وُجُوهِهِمْ شَوَتْ وُجُوهَهُمْ)، أَيْ أَحْرَقَتْهَا (فَإِذَا دَخَلَتْ) أَيْ أَنْوَاعٌ مَا فِيهَا مِنَ الصَّدِيدِ وَالْغَسَّاقِ وَغَيْرِهِمَا (بُطُونَهُمْ قَطَّعَتْ مَا فِي بُطُونِهِمْ) أَيْ مِنَ الْأَمْعَاءِ قِطْعَةً قِطْعَةً (فَيَقُولُونَ: ادْعُوا خَزَنَةَ جَهَنَّمَ) نُصِبَ عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولُ ادْعُوا، وَفِي الْكَلَامِ حَذْفٌ أَيْ: يَقُولُ الْكُفَّارُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: ادْعُوا خَزَنَةَ جَهَنَّمَ فَيَدْعُونَهُمْ وَيَقُولُونَ لَهُمْ: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ﴾ [غافر: ٤٩] (فَيَقُولُونَ) أَيِ الْخَزَنَةُ ﴿أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى قَالُوا﴾ [غافر: ٥٠] أَيِ الْخَزَنَةُ تَهَكُّمًا بِهِمْ ﴿فَادْعُوا﴾ [غافر: ٥٠] أَيْ أَنْتُمْ مَا شِئْتُمْ فَإِنَّا لَا نَشْفَعُ لِلْكَافِرِ ﴿وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ﴾ [غافر: ٥٠] أَيْ فِي ضَيَاعٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يَنْفَعُهُمْ حِينَئِذٍ دُعَاءٌ لَا مِنْهُمْ وَلَا مِنْ غَيْرِهِمْ، وَهَذَا (يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يُسْتَجَابُ لَهُمْ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيَا كَمَا فَهِمَهُ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ، وَقَدِ اسْتُجِيبَ دُعَاءُ الشَّيْطَانِ فِي الْإِمْهَالِ وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِالْحَالِ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ - ﵀ -: الظَّاهِرُ أَنَّ خَزَنَةَ جَهَنَّمَ لَيْسَ بِمَفْعُولِ ادْعُوا، بَلْ هُوَ مُنَادَى لِيُطَابِقَ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ﴾ [غافر: ٤٩] . وَقَوْلُهُ: ﴿أَوَلَمَ تَكُ تَأْتِيكُمْ﴾ [غافر: ٥٠] إِلْزَامٌ.
[ ٩ / ٣٦٢٢ ]
لِلْحُجَّةِ وَتَوْبِيخٍ، وَأَنَّهُمْ خَلَّفُوا وَرَاءَهُمْ أَوْقَاتَ الدُّعَاءِ وَالتَّضَرُّعِ، وَعَطَّلُوا الْأَسْبَابَ الَّتِي يَسْتَجِيبُ لَهَا الدَّعَوَاتِ. قَالُوا: فَادْعُوا أَنْتُمْ فَإِنَّا لَا نَجْتَرِئُ عَلَى اللَّهِ ذَلِكَ، وَلَيْسَ قَوْلُهُمْ: فَادْعُوا لِرَجَاءِ الْمَنْفَعَةِ، وَلَكِنْ لِلدَّلَالَةِ عَلَى الْخَيْبَةِ، فَإِنَّ الْمَلَكَ الْمُقَرَّبَ إِذَا لَمْ يُسْمَعْ دُعَاؤُهُ، فَكَيْفَ يُسْمَعُ دُعَاءُ الْكَافِرِينَ.
(قَالَ) أَيِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (فَيَقُولُونَ) أَيِ الْكُفَّارُ (ادْعُوا مَالِكًا)، وَالْمَعْنَى أَنَّهُمْ لَمَّا أَيِسُوا مِنْ دُعَاءِ خَزَنَةِ جَهَنَّمَ لِأَجْلِهِمْ وَشَفَاعَتِهِمْ لَهُمْ أَيْقَنُوا أَنْ لَا خَلَاصَ لَهُمْ وَلَا مَنَاصَ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ، (فَيَقُولُونَ: ﴿يَامَالِكُ لِيَقْضِ﴾ [الزخرف: ٧٧] أَيْ سَلْ رَبَّكَ دَاعِيًا لِيَحْكُمْ بِالْمَوْتِ ﴿عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ [الزخرف: ٧٧]: لِنَسْتَرِيحَ، أَوْ مِنْ قَضَى عَلَيْهِ إِذَا أَمَاتَهُ، فَالْمَعْنَى لِيُمِيتُنَا رَبُّكَ فَنَسْتَرِيحَ. (قَالَ) أَيِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (فَيُجِيبُهُمْ) أَيْ مَالِكٌ جَوَابًا مِنْ عِنْدِ نَفْسِهِ أَوْ مِنْ عِنْدِ رَبِّهِ تَعَالَى بِقَوْلِهِ: ﴿إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾ [الزخرف: ٧٧] أَيْ مُكْثًا مُخَلَّدًا. (قَالَ الْأَعْمَشُ) وَهُوَ أَحَدُ الرُّوَاةِ مِنْ أَجِلَّاءِ التَّابِعِينَ (نُبِّئْتُ) بِتَشْدِيدِ الْمُوَحَّدَةِ الْمَكْسُورَةِ أَيْ أُخْبِرْتُ مِنْ بَعْضِ الصَّحَابَةِ مَوْقُوفًا أَوْ مَرْفُوعًا (أَنَّ بَيْنَ دُعَائِهِمْ وَإِجَابَةِ مَالِكٍ إِيَّاهُمْ) أَيْ هَذَا الْجَوَابُ (أَلْفَ عَامٍ قَالَ: فَيَقُولُونَ) أَيْ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ (ادْعُوا رَبَّكُمْ، فَلَا أَحَدَ) أَيْ فَلَيْسَ أَحَدٌ (خَيْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ) أَيْ فِي الْمَرْحَمَةِ وَالْقُدْرَةِ عَلَى الْمَغْفِرَةِ (فَيَقُولُونَ: ﴿رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا﴾ [المؤمنون: ١٠٦] بِكَسْرٍ فَسُكُونٍ، وَفِي قِرَاءَةٍ بِفَتْحَتَيْنِ وَأَلِفٍ بَعْدَهُمَا، وَهُمَا لُغَتَانِ بِمَعْنَى ضِدِّ السَّعَادَةِ، وَالْمَعْنَى سَبَقَتْ عَلَيْنَا هَلَكَتُنَا الْمُقَدَّرَةُ بِسُوءِ خَاتِمَتِنَا ﴿وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ﴾ [المؤمنون: ١٠٦] أَيْ عَنْ طَرِيقِ التَّوْحِيدِ ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٧] وَهَذَا كَذِبٌ مِنْهُمْ، فَإِنَّهُ تَعَالَى قَالَ: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [الأنعام: ٢٨] قَالَ: " لِيُجِيبَهُمْ) أَيِ اللَّهُ بِوَاسِطَةٍ أَوْ بِغَيْرِهَا إِجَابَةَ إِعْرَاضٍ ﴿اخْسَئُوا فِيهَا﴾ [المؤمنون: ١٠٨] أَيْ ذِلُّوا وَانْزَجِرُوا كَمَا يَنْزَجِرُ الْكِلَابُ إِذَا زُجِرَتْ، وَالْمَعْنَى: ابْعِدُوا أَذِلَّاءَ فِي النَّارِ ﴿وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: ١٠٨] أَيْ لَا تُكَلِّمُونِي فِي رَفْعِ الْعَذَابِ، فَإِنَّهُ لَا يُرْفَعُ وَلَا يُخَفَّفُ عَنْكُمْ قَالَ: " فَعِنْدَ ذَلِكَ يَئِسُوا " أَيْ قَنَطُوا (مِنْ كُلِّ خَيْرٍ)، أَيْ مِمَّا يُنْجِيهِمْ مِنَ الْعَذَابِ أَوْ يُخَفِّفُهُ عَنْهُمْ (أَوْ عِنْدَ ذَلِكَ) . أَيْ أَيْضًا (يَأْخُذُونَ فِي الزَّفِيرِ) أَيْ فِي احْتِرَاقِ النَّفَسِ لِلشِّدَّةِ وَقِيلَ: الزَّفِيرُ أَوَّلُ صَوْتِ الْحِمَارِ، كَمَا أَنَّ الشَّهِيقَ آخِرُ صَوْتِهِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ﴾ [هود: ١٠٦] (وَالْحَسْرَةِ) أَيْ وَفِي النَّدَامَةِ (وَالْوَيْلِ) أَيْ وَفِي شِدَّةِ الْهَلَاكِ وَالْعُقُوبَةِ، وَقِيلَ: هُوَ وَادٍ فِي جَهَنَّمَ.
قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) أَحَدُ الْمُحَدِّثِينَ مِنْ أَصْحَابِ التَّخْرِيجِ (وَالنَّاسُ لَا يَرْفَعُونَ هَذَا الْحَدِيثَ) . أَيْ بَلْ يَجْعَلُونَهُ مَوْقُوفًا عَلَى أَبِي الدَّرْدَاءِ، لَكِنَّهُ فِي حُكْمِ الْمَرْفُوعِ، فَإِنَّ أَمْثَالَ ذَلِكَ لَيْسَ مِمَّا يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ مِنْ قِبَلِ الرَّأْيِ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) أَيْ مَرْفُوعًا كَمَا يُفْهَمُ مِنْ صَدْرِ الْحَدِيثِ.
[ ٩ / ٣٦٢٣ ]
٥٦٨٧ - وَعَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ - ﵄ - قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يَقُولُ: " «أَنْذَرْتُكُمُ النَّارَ، أَنْذَرْتُكُمُ النَّارَ» " فَمَا زَالَ يَقُولُهَا حَتَّى لَوْ كَانَ فِي مَقَامِي هَذَا سَمِعَهُ أَهْلُ السُّوقِ، وَحَتَّى سَقَطَتْ خَمِيصَةٌ كَانَتْ عَلَيْهِ عِنْدَ رِجْلَيْهِ. رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ.
_________________
(١) (وَعَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: " أَنْذَرْتُكُمُ " النَّارَ) أَيْ أَخْبَرْتُكُمْ بِوُجُودِهَا، وَأَخْبَرْتُكُمْ بِشِدَّتِهَا، وَخَوَّفْتُكُمْ بِأَنْوَاعِ عُقُوبَتِهَا (أَنْذَرْتُكُمُ النَّارَ) أَيْ أَعْلَمْتُكُمْ بِمَا يُتَّقَى بِهِ عَنْهَا حَتَّى قَلْتُ لَكُمْ: " «اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ» " ثُمَّ يُمْكِنُ أَنْ يُرَادَ كَمَا الْإِنْذَارُ فِي زَمَانِ الْحَالِ، وَعَبَّرَ بِالْمَاضِي لِتَحَقُّقِهِ فِي السَّابِقِ اللَّاحِقِ لِلِاسْتِقْبَالِ، أَوِ الْأَوَّلُ إِخْبَارٌ وَالثَّانِي إِنْشَاءٌ، أَوْ جَمَعَ بَيْنَهُمَا لِلتَّأْكِيدِ فِي أَحَدِ الْمَعَانِي، وَفِي نُسْخَةٍ: كَرَّرَ ثَلَاثًا. (فَمَا زَالَ يَقُولُهَا) أَيْ يُكَرِّرُ الْكَلِمَةَ الْمَذْكُورَةَ وَيَرْفَعُ بِهَا صَوْتَهُ (حَتَّى لَوْ كَانَ) أَيِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (فِي مَقَامِي هَذَا) أَيِ الْمَقَامِ الَّذِي كَانَ الرَّاوِي فِيهِ عِنْدَ رِوَايَتِهِ هَذَا الْحَدِيثَ (سَمِعَهُ) أَيْ سَمِعَ صَوْتَهُ (أَهْلُ السُّوقِ) لِأَنَّهُ بَالَغَ فِي رَفْعِ الصَّوْتِ عَمَلًا بِقَوْلِ نُوحٍ ﵊: ﴿ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا - ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا﴾ [نوح: ٨ - ٩] (وَحَتَّى سَقَطَتْ خَمِيصَةٌ) وَهِيَ نَوْعُ ثَوْبٍ (كَانَتْ عَلَيْهِ) أَيْ فَوْقَ كَتِفِهِ بِمَنْزِلَةِ رِدَائِهِ (عِنْدَ رِجْلَيْهِ) أَيْ مِنْ جَذْبَتِهِ الْإِلَهِيَّةِ وَعَدَمِ شُعُورِهِ مِنَ الْهَيْبَةِ الْحِسِّيَّةِ. (رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ) .
[ ٩ / ٣٦٢٤ ]
٥٦٨٨ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ - ﵄ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: " «لَوْ أَنَّ رَصَاصَةً مِثْلَ هَذِهِ - وَأَشَارَ إِلَى مِثْلِ الْجُمْجُمَةِ -
أُرْسِلَتْ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ وَهِيَ مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ سَنَةٍ، لَبَلَغَتِ الْأَرْضَ قَبْلَ اللَّيْلِ، وَلَوْ أَنَّهَا أُرْسِلَتْ مِنْ رَأْسِ السِّلْسِلَةِ، لَسَارَتْ أَرْبَعِينَ خَرِيفًا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ قَبْلَ أَنْ تَبْلُغَ أَصْلَهَا أَوْ قَعْرَهَا» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
_________________
(١) (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ) بِحَذْفِ الْيَاءِ فِي أَكْثَرِ النُّسَخِ الْمُصَحَّحَةِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِالْيَاءِ. قَالَ النَّوَوِيُّ - ﵀ - فِي مُقَدِّمَةِ شَرْحِ مُسْلِمٍ: أَمَّا ابْنُ الْعَاصِ فَأَكْثَرُ مَا يَجِيءُ فِي كُتُبِ الْحَدِيثِ وَالْفِقْهِ وَنَحْوِهِمَا بِحَذْفِ الْيَاءِ، وَهِيَ لُغَةٌ، وَالْفَصِيحُ الصَّحِيحُ " الْعَاصِي " بِإِثْبَاتِ الْيَاءِ، وَكَذَلِكَ شَدَّادُ بْنُ الْهَادِي، وَابْنُ أَبِي الْمَوَالِي، بِالصَّحِيحِ الْفَصِيحِ فِي كُلِّ ذَلِكَ، وَمَا أَشْبَهَهُ إِثْبَاتُ الْيَاءِ، وَلَا اعْتِدَادَ بِوُجُودِهِ فِي كُتُبِ الْحَدِيثِ إِذْ أَكْثَرُهَا بِحَذْفِهَا. أَقُولُ: تَعْبِيرُهُ بِالصَّحِيحِ الْفَصِيحِ غَيْرُ صَحِيحٍ، إِذْ جَاءَ إِثْبَاتُ الْيَاءِ وَحَذْفُهَا فِي الْكَلَامِ الْأَفْصَحِ كِتَابَةً وَقِرَاءَةً، نَعَمْ حَذْفُهَا رَسْمًا أَكْثَرُ مِنْ إِثْبَاتِهَا قِرَاءَةً، وَإِثْبَاتُهَا قِرَاءَةً أَشْهَرُ مِنْ حَذْفِهَا فِي نَحْوِ قَوْلِهِ تَعَالَى: الْمُهْتَدِ وَالْمُتَعَالِ وَبَاقٍ وَوَاقٍ، ثُمَّ عَدَمُ الِاعْتِدَادِ بِكُتُبِ الْحَدِيثِ الْمُطَابِقِ لِرَسْمِ الْمُصْحَفِ الشَّرِيفِ الْمَنْسُوبِ إِلَى كِتَابَةِ الصَّحَابَةِ رِضْوَانُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ مُسْتَبْعَدًا جِدًّا خُصُوصًا مِنَ الْإِمَامِ النَّوَوِيِّ - ﵀ - الَّذِي هُوَ مِنْ أَتْبَاعِ الْمُحَدِّثِينَ وَمِنَ الْفُقَهَاءِ الْمُتَوَرِّعِينَ، هَذَا وَالصَّحِيحُ فِي الْعَاصِ أَنَّهُ مُعْتَلُّ الْعَيْنِ لَا مُعْتَلُّ اللَّامِ عَلَى مَا حَقَّقَهُ صَاحِبُ الْقَامُوسِ قَوْلَهُ: الْأَعْيَاصُ مِنْ قُرَيْشٍ أَوْلَادُ أُمَيَّةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ الْأَكْبَرِ، وَهُمُ الْعَاصُ، وَأَبُو الْعَاصِ، وَالْعِيصُ، وَأَبُو الْعِيصِ، فَالْعَاصُ عَلَى هَذَا يَخْرُجُ عَمَّا نَحْنُ فِيهِ بِالْكُلِّيَّةِ، وَلَا يَجُوزُ إِثْبَاتُ الْيَاءِ فِيهِ بِالْمَرَّةِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " لَوْ أَنَّ رَصَاصَةً) بِفَتْحِ الرَّاءِ وَالصَّادَيْنِ الْمُهْمَلَتَيْنِ أَيْ قِطْعَةٌ مِنَ الرَّصَاصِ، فَفِي الْقَامُوسِ: الرَّصَاصُ كَسَحَابٍ مَعْرُوفٌ، وَفِي نُسْخَةِ السَّيِّدِ: رَصَاصَةٌ بِرَاءٍ وَاحِدَةٍ وَمُعْجَمَتَيْنِ، وَهِيَ الْحَصَا الصِّغَارُ عَلَى مَا فِي النِّهَايَةِ. وَفِي نُسَخِ الْمَصَابِيحِ: رَضْرَاضَةً بِرَاءَيْنِ وَمُعْجَمَتَيْنِ، وَهِيَ الْحِجَارَةُ الْمَدْقُوقَةُ عَلَى مَا قَالَهُ شَارِحٌ، وَهُوَ سَهْوٌ مِنَ الْكُتَّابِ، أَوْ مِنْ صَاحِبِ الْكِتَابِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ - ﵀ -: فِي سَائِرِ نُسَخِ الْمَصَابِيحِ رَضْرَاضَةٌ مَكَانَ رَصَاصَةٍ، وَهُوَ غَلَطٌ لَمْ يُوجَدْ فِي جَامِعِ التِّرْمِذِيِّ، وَلَعَلَّ الْغَلَطَ وَقَعَ مِنْ غَيْرِهِ. (مِثْلَ هَذِهِ) إِشَارَةٌ إِلَى مَحْسُوسَةٍ مُعَيَّنَةٍ هُنَاكَ، كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ الرَّاوِي بِقَوْلِهِ: (وَأَشَارَ إِلَى مِثْلِ الْجُمْجُمَةِ) بِضَمِّ الْجِيمَيْنِ فِي النُّسَخِ الْمُصَحَّحَةِ لِلْمِشْكَاةِ، وَهِيَ قَدَحٌ صَغِيرٌ، وَقَالَ الْمُظْهِرُ: بِالْخَاءَيْنِ الْمُعْجَمَتَيْنِ وَهِيَ حَبَّةٌ صَغِيرَةٌ صَفْرَاءُ وَقِيلَ: هِيَ بِالْجِيمَيْنِ وَهِيَ عَظِيمُ الرَّأْسِ الْمُشْتَمِلِ عَلَى الدِّمَاغِ، وَقِيلَ: الْأَوَّلُ أَصَحُّ، انْتَهَى. وَالْجُمْلَةُ حَالِيَّةٌ.
[ ٩ / ٣٦٢٤ ]
لِبَيَانِ الْحَجْمِ وَالتَّدْوِيرِ الْمُعَيَّنِ عَلَى سُرْعَةِ الْحَرَكَةِ. قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ - ﵀ -: بَيَّنَ مَدَى قَعْرِ جَهَنَّمَ بِأَبْلَغِ مَا يُمْكِنُ مِنَ الْبَيَانِ، فَإِنَّ الرَّصَاصَ مِنَ الْجَوَاهِرِ الرَّزِينَةِ، وَالْجَوْهَرُ كُلَّمَا كَانَ أَتَمَّ رَزَانَةً كَانَ أَسْرَعَ هُبُوطًا إِلَى مُسْتَقَرِّهِ، لَا سِيَّمَا إِذَا انْضَمَّ إِلَى رَزَانَتِهِ كِبَرُ جِرْمِهِ ثُمَّ قَدَّرَهُ عَلَى الشَّكْلِ الدَّوْرِيِّ، فَإِنَّهُ أَقْوَى انْحِدَارًا وَأَبْلَغَ مُرُورًا فِي الْجَوَاهِرِ. فَالْمُخْتَارُ عِنْدَهُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْجُمْجُمَةِ الرَّأْسُ عَلَى أَنَّ اللَّامَ لِلْعَهْدِ أَوْ بَدَلٌ عَنِ الْمُضَافِ إِلَيْهِ، وَهُوَ الْمَعْنَى الظَّاهِرُ الْمُتَبَادِرُ مِنَ الْجُمْجُمَةِ، ثُمَّ قَوْلُهُ: (أُرْسِلَتْ) صِفَةٌ لِاسْمٍ " أَنَّ "، وَمَا بَيْنَهُمَا مُعْتَرِضَةٌ، أَيْ أُدْلِيَتْ (مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَهِيَ) أَيْ مَسَافَةُ مَا بَيْنَهُمَا (مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ سَنَةٍ، لَبَلَغَتِ الْأَرْضَ قَبْلَ اللَّيْلِ، وَلَوْ أَنَّهَا أُرْسِلَتْ مِنْ رَأْسِ السِّلْسِلَةِ) أَيِ الْمَذْكُورَةِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ﴾ [الحاقة: ٣٢] فَالْمُرَادُ مِنَ السَّبْعِينَ الْكَثْرَةُ، أَوِ الْمُرَادُ بِذِرَاعِهَا ذِرَاعُ الْجَبَّارِ. وَقَالَ شَارِحٌ أَيْ رَأْسُ سِلْسِلَةِ الصِّرَاطِ وَهُوَ فِي غَايَةٍ مِنَ الْبُعْدِ. (لَسَارَتْ) أَيْ لَنَزَلَتْ وَصَارَتْ مُدَّةَ مَا سَارَتْ (أَرْبَعِينَ خَرِيفًا) أَيْ سَنَةً (اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ) أَيْ مِنْهُمَا جَمِيعًا لَا يَخْتَصُّ سَيْرُهَا بِأَحَدِهِمَا (قَبْلَ أَنْ تَبْلُغَ أَصْلَهَا) أَيْ أَصْلُ السِّلْسِلَةِ (أَوْ قَعْرَهَا) شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي، وَالْمُرَادُ بِقَعْرِهَا نِهَايَتُهَا، وَهِيَ مَعْنَى أَصْلِهَا حَقِيقَةً أَوْ مَجَازًا، فَالتَّرْدِيدُ إِنَّمَا هُوَ فِي اللَّفْظِ الْمَسْمُوعِ، وَأَبْعَدَ الطِّيبِيُّ - ﵀ - حَيْثُ قَالَ: يُرَادُ بِهِ قَعْرُ جَهَنَّمَ؛ لِأَنَّ السِّلْسِلَةَ لَا قَعْرَ لَهَا. قُلْتُ: وَجَهَنَّمُ فِي هَذَا الْمَقَامِ لَا ذِكْرَ لَهَا مَعَ لُزُومِ تَفْكِيكِ الضَّمِيرِ فِيهَا، وَإِنْ كَانَ قَعْرُهَا عَمِيقًا عَلَى مَا رَوَاهُ هُنَا. وَعَنْ أَنَسٍ مَرْفُوعًا: " «لَوْ أَنَّ حَجَرًا مِثْلَ سَبْعِ خِلْفَاتٍ أُلْقِيَ مِنْ شَفِيرِ جَهَنَّمَ هَوَى فِيهَا سَبْعِينَ خَرِيفًا لَا يَبْلُغُ قَعْرَهَا» ". وَالْمُرَادُ بِالْخِلْفَاتِ النُّوقُ الْحَوَامِلُ، فَاخْتِيَارُ كِبَرِ جِرْمِ الْمُرْسَلِ هُنَا مُنَاسِبٌ لِمَا قَدَّمَهُ التُّورِبِشْتِيُّ ﵀. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) .
[ ٩ / ٣٦٢٥ ]
٥٦٨٩ - وَعَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ - ﵁ - أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: " «إِنَّ فِي جَهَنَّمَ لَوَادِيًا يُقَالُ لَهُ: هَبْهَبُ، يَسْكُنُهُ كُلُّ جَبَّارٍ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
_________________
(١) (وَعَنْ أَبِي بُرْدَةٍ) بِضَمِّ مُوَحَّدَةٍ (عَنْ أَبِيهِ) قَالَ الْمُؤَلِّفُ: هُوَ أَبُو بُرْدَةَ بْنُ عَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَيْسٍ، أَحَدُ التَّابِعِينَ الْمَشْهُورِينَ الْمُكْثِرِينَ، سَمِعَ أَبَاهُ وَعَلِيًّا وَغَيْرَهُمَا، وَكَانَ عَلَى قَضَاءِ الْكُوفَةِ بَعْدَ شُرَيْحٍ، فَعَزَلَهُ الْحَجَّاجُ. (أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: " إِنَّ فِي جَهَنَّمَ لَوَادِيًا) فِي الْقَامُوسِ: هُوَ مَفْرَجٌ بَيْنَ جِبَالٍ أَوْ تِلَالٍ أَوْ آكَامٍ (يُقَالُ لَهُ: هَبْهَبُ) بِضَمِّ الْبَاءِ الثَّانِيَةِ مِنْ غَيْرِ تَنْوِينٍ، وَفِي نُسْخَةِ الْجَزَرِيِّ وَكَثِيرٍ مِنَ النُّسَخِ. وَلَعَلَّ عَدَمَ انْصِرَافِهِ بِاعْتِبَارِ الْبُقْعَةِ مَعَ الْعَلَمِيَّةِ، وَفِي نُسْخَةِ السَّيِّدِ بِسُكُونِ الْبَاءَيْنِ وَلَا يَظْهَرُ لَهُ وَجْهٌ، اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يُقَالَ: إِنَّهُ تَكْرَارُ " هَبْ " أَمْرٌ مِنَ الْهِبَةِ، فَكَانَ الْوَادِي أَوْ مَنْ حَضَرَهُ يَقُولُ بِلِسَانِ الْحَالِ أَوِ الْمَقَالِ: هَبْ هَبْ مُخَاطَبًا خِطَابَ الْعَامِّ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِالْمَرَامِ. وَفِي النِّهَايَةِ: الْهَبْهَبُ السَّرِيعُ، وَهَبْهَبَ السَّرَابُ إِذَا بَرَقَ، قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ - ﵀ -: سُمِّيَ بِذَلِكَ إِمَّا لِسُرْعَةِ وُقُوعِهِ فِي الْمُجْرِمِينَ، أَوْ لِشِدَّةِ أَجِيجِ النَّارِ فِيهِ، أَوْ لِلَمَعَانِهِ عِنْدَ الِاضْطِرَامِ وَالِالْتِهَابِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. (يَسْكُنُهُ) فِيهِ حَذْفٌ وَإِيصَالٌ أَيْ يَسْكُنُ فِيهِ (كُلُّ جَبَّارٍ) أَيُّ مُتَكَبِّرٍ عَنِيدٍ عِنْدَ الْحَقِّ بَعِيدٌ وَعَلَى الْخَلْقِ شَدِيدٌ. (رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ) . وَرَوَى ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَمْرٍو: الْفَلَقُ سِجْنٌ فِي جَهَنَّمَ يُحْبَسُ فِيهِ الْجَبَّارُونَ وَالْمُتَكَبِّرُونَ، وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَتَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْهُ. وَرَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: الْفَلَقُ جُبٌّ فِي جَهَنَّمَ مُغَطًّى.
[ ٩ / ٣٦٢٥ ]
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
٥٦٩٠ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: " «يَعْظُمُ أَهْلُ النَّارِ فِي النَّارِ حَتَّى إِنَّ بَيْنَ شَحْمَةِ أُذُنِ أَحَدِهِمْ إِلَى عَاتِقِهِ مَسِيرَةَ سَبْعِمِائَةِ عَامٍ، وَإِنَّ غِلَظَ جِلْدِهِ سَبْعُونَ ذِرَاعًا، وَإِنَّ ضِرْسَهُ مِثْلُ أُحُدٍ» ".
_________________
(١) الْفَصْلُ الثَّالِثُ
(٢) (عَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: " يَعْظُمُ أَهْلُ النَّارِ فِي النَّارِ) أَيْ تَكْبُرُ جُثَثُهُمْ (حَتَّى إِنَّ) بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَيُفْتَحُ (بَيْنَ شَحْمَةِ أُذُنِ أَحَدِهِمْ إِلَى عَاتِقِهِ مَسِيرَةَ سَبْعِمِائَةِ عَامٍ) أَيْ لِيَزِيدَ عَذَابُهُ كَمِّيَّةً وَكَيْفِيَّةً (وَإِنَّ غِلَظَ جِلْدِهِ سَبْعُونَ ذِرَاعًا) عُطِفَ عَلَى مَدْخُولِ " حَتَّى " أَوْ عَلَى الْجُمْلَةِ السَّابِقَةِ، وَكَذَا قَوْلُهُ: (وَإِنَّ ضِرْسَهُ مِثْلُ أُحُدٍ) .
[ ٩ / ٣٦٢٦ ]
٥٦٩١ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ جَزْءٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: " إِنَّ فِي النَّارِ حَيَّاتٍ كَأَمْثَالِ الْبُخْتِ، تَلْسَعُ إِحْدَاهُنَّ اللَّسْعَةَ فَيَجِدُ حَمْوَتَهَا أَرْبَعِينَ خَرِيفًا، وَإِنَّ فِي النَّارِ عَقَارِبَ كَأَمْثَالِ الْبِغَالِ الْمُؤْكَفَةِ، تَلْسَعُ إِحْدَاهُنَّ اللَّسْعَةَ فَيَجِدُ حَمْوَتَهَا أَرْبَعِينَ خَرِيفًا ". رَوَاهُ أَحْمَدُ.
_________________
(١) (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ جَزْءٍ) بِفَتْحِ الْجِيمِ وَسُكُونِ الزَّايِ فَهَمْزٍ. قَالَ الْمُؤَلِّفُ - ﵀ -: هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَزْءٍ أَبُو الْحَارِثِ السَّهْمِيُّ، سَكَنَ مِصْرَ، وَشَهِدَ بَدْرًا، مَاتَ سَنَةَ خَمْسٍ وَثَمَانِينَ بِمِصْرَ، انْتَهَى. وَفِيهِ إِشْكَالٌ لَا يَخْفَى. (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إِنَّ فِي النَّارِ حَيَّاتٍ كَأَمْثَالِ الْبُخْتِ) بِضَمِّ مُوَحَّدَةٍ فَسُكُونِ مُعْجَمَةٍ وَمُفْرَدُهُ بُخْتَى. فِي الْقَامُوسِ: بِالضَّمِّ الْإِبِلُ الْخُرَاسَانِيَّةُ (تَلْسَعُ إِحْدَاهُنَّ اللَّسْعَةَ) أَيِ اللَّدْغَةَ (فَيَجِدُ) أَيْ مَلْسُوعُهَا (حَمْوَتَهَا) بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ، أَيْ أَثَرَ سُمِّهَا وَسَوْرَةُ أَلَمِهَا (أَرْبَعِينَ خَرِيفًا، وَإِنَّ فِي النَّارِ عَقَارِبَ كَأَمْثَالِ الْبِغَالِ الْمُؤْكَفَةِ) بِالْهَمْزِ أَوِ الْوَاوِ وَالْكَافُ مَفْتُوحَةٌ، مِنْ أَكَفْتُ الْحِمَارَ وَأُوكِفُهُ شَدَدْتُ عَلَيْهَا الْأَكَافَ (تَلْسَعُ إِحْدَاهُنَّ اللَّسْعَةَ فَيَجِدُ حَمْوَتَهَا أَرْبَعِينَ خَرِيفًا. رَوَاهُمَا) أَيِ الْحَدِيثَيْنِ (أَحْمَدُ) .
[ ٩ / ٣٦٢٦ ]
٥٦٩٢ - وَعَنِ الْحَسَنِ - ﵁ - قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: " «الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ ثَوْرَانِ مُكَوَّرَانِ فِي النَّارِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» ". فَقَالَ الْحَسَنُ: وَمَا ذَنْبُهُمَا؟ فَقَالَ: أُحَدِّثُكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ! فَسَكَتَ الْحَسَنُ. رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي (كِتَابِ الْبَعْثِ وَالنُّشُورِ) .
_________________
(١) (وَعَنِ الْحَسَنِ) أَيِ الْبَصْرِيِّ (قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: " الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ ثَوْرَانِ) بِفَتْحِ الْمُثَلَّثَةِ أَيْ كَثَوْرَيْنِ، فَهُوَ تَشْبِيهٌ بَلِيغٌ كَقَوْلِهِمْ: زِيدٌ أَسَدٌ (مُكَوَّرَانِ) بِتَشْدِيدِ الْوَاوِ الْمَفْتُوحَةِ أَيْ مُلْقَيَانِ، مِنْ طَعَنَهُ فَكَوَّرَهُ أَيْ أَلْقَاهُ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ - ﵀ - وَالْمَعْنَى أَنَّهُ يُلْقَى وَيُطْرَحُ كُلٌّ مِنْهُمَا عَنْ فَلَكِهِمَا (فِي النَّارِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ)؛ لِزِيَادَةِ عَذَابِ أَهْلِهَا بِحَرِّهِمَا، لِمَا وَرَدَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَلَى مَا رَوَاهُ الدَّيْلَمِيُّ فِي مُسْنَدِ الْفِرْدَوْسِ مَرْفُوعًا: " «الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وُجُوهُهُمَا إِلَى الْعَرْشِ وَأَقْفَاؤُهُمَا إِلَى الدُّنْيَا» ". فَفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلَى أَنَّ وُجُوهَهُمَا لَوْ كَانَتْ فِي الدُّنْيَا، لَمَا أَطَاقَ حَرَّهُمَا أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الدُّنْيَا. وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ أَيْ يَلُفَّانِ وَيُجْمَعَانِ وَيُلْقَيَانِ فِيهَا، وَكَأَنَّهُ أَخَذَهُ مِنْ تَكْوِيرِ الْعِمَامَةِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ﴾ [الزمر: ٥] قَالَ فِي النِّهَايَةِ: وَمِنْهُ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -: فَجَاءَ بِالشَّمْسِ وَالْقَمَرِ ثَوْرَيْنِ مُكَوَّرَيْنِ فِي النَّارِ، وَالرِّوَايَةُ ثَوْرَانِ بِالثَّاءِ الْمُثَلَّثَةِ كَأَنَّهُمَا يُمْسَخَانِ. وَقَدْ رُوِيَ بِالنُّونِ وَهُوَ تَصْحِيفٌ، انْتَهَى. وَمِنَ الْغَرِيبِ أَنَّهُ وَقَعَ فِي نُسْخَتَيِ الشَّيْخِ الْجَزَرِيِّ وَالسَّيِّدِ، بِالنُّونِ أَصْلًا وَبِالْمُثَلَّثَةِ فِي الْهَامِشِ نُسْخَةً، وَمِمَّا يُؤَيِّدُ الرِّوَايَةَ بِالثَّاءِ مَا ذَكَرَهُ السُّيُوطِيُّ - ﵀ - فِي الْبُدُورِ، عَنْ أَنَسٍ، وَعَنْ كَعْبِ الْأَحْبَارِ أَيْضًا: ثَوْرَانِ عَقِيرَانِ. (فَقَالَ الْحَسَنُ: وَمَا ذَنْبُهُمَا؟ فَقَالَ) أَيْ أَبُو هُرَيْرَةَ (أُحَدِّثُكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ!) قَالَ الطِّيبِيُّ - ﵀ -:
[ ٩ / ٣٦٢٦ ]
أَيْ تُقَابِلُ النَّصَّ الْجَلِيَّ بِالْقِيَاسِ، وَيَجْعَلُ مُوجِبَ دُخُولِ النَّارِ الْعَمَلَ، فَإِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ وَيَحْكُمُ مَا يُرِيدُ. أَقُولُ: الظَّاهِرُ مِنْ سُؤَالِهِ بَيَانُ الْحِكْمَةِ فِي إِدْخَالِهِمَا النَّارَ مَعَ انْقِيَادِهِمَا وَطَاعَتِهِمَا لِلْمَلِكِ الْجَبَّارِ، وَالنَّارُ إِنَّمَا هِيَ دَارُ الْبَوَارِ لِلْكُفَّارِ وَالْفُجَّارِ، فَمَعْنَى قَوْلِ أَبِي هُرَيْرَةَ: أُحَدِّثُكُمْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - مَا سَمِعْتُهُ، وَلَيْسَ لِي مَزِيدُ عِلْمٍ عَلَى ذَلِكَ. (فَسَكَتَ الْحَسَنُ) فَثَبَتَ أَنَّ سُؤَالَهُ حَسَنٌ، وَكَذَا جَوَابُهُ مُسْتَحْسَنٌ، مَعَ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ إِدْخَالِهِمَا فِي النَّارِ تَعْذِيبُهُمَا كَخَزَنَةِ جَهَنَّمَ، فَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: إِنَّمَا جُعِلَا فِي النَّارِ لِأَنَّهُمَا قَدْ عُبِدَا مِنْ دُونِ اللَّهِ تَبْكِيتًا لِلْكَافِرِينَ.
قَالَ الْقُرْطُبِيُّ - ﵀ -: قَدْ وَرَدَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ تَكْذِيبُ كَعْبِ الْأَحْبَارِ فِي قَوْلِهِ هَذَا، حَيْثُ قَالَ لَهُ: هَذِهِ يَهُودِيَّةٌ يُرِيدُ إِدْخَالَهَا فِي الْإِسْلَامِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَكْرَمُ مِنْ أَنْ يُعَذِّبَهُمَا وَهُمَا دَائِبَانِ فِي طَاعَتِهِ، ثُمَّ حَدَّثَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُمَا يَعُودَانِ إِلَى مَا خُلِقَا مِنْهُ، وَهُوَ نُورُ الْعَرْشِ، فَيَخْتَلِطَانِ، وَحَاصِلُهُ أَنَّهُمَا يَصِيرَانِ نُورَيْنِ وَالنُّورُ لَا يُعَذَّبُ بِالنَّارِ؛ وَلِذَا تَقُولُ النَّارُ لِلْمُؤْمِنِ: جُزْ يَا مُؤْمِنُ فَإِنَّ نُورَكَ أَطْفَأَ لَهِيبِي، فَيَرْجِعُ الْكَلَامُ إِلَى أَنَّ فَائِدَةَ إِدْخَالِهِمَا تَعْيِيرُ عَبَدَتِهِمَا، فَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَ قَوْلِ كَعْبٍ وَبَيْنَ قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ عِنْدَ التَّأَمُّلِ الشَّافِي، وَاللَّهُ تَعَالَى الْكَافِي، مَعَ أَنَّ الْحَدِيثَ الْمَرْوِيَّ غَيْرُ ثَابِتٍ. قَالَ السُّيُوطِيُّ - ﵀ - فِي الْبُدُورِ: هَذَا الْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ أَبُو الشَّيْخِ فِي الْعَظَمَةِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي عِصْمَةَ نُوحِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ عَنْ مُقَاتِلٍ، وَابْنِ حِبَّانَ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَأَبُو عِصْمَةَ كَذَّابٌ وَضَّاعٌ. (رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي كِتَابِ الْبَعْثِ وَالنُّشُورِ) وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: " «الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ مُكَوَّرَانِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. وَرَوَى ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أَنَسٍ مَرْفُوعًا " «الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ ثَوْرَانِ عَقِيرَانِ فِي النَّارِ، إِنْ شَاءَ أَخْرَجَهُمَا وَإِنْ شَاءَ تَرَكَهُمَا» " قِيلَ: قَوْلُهُ: عَقِيرَانِ، أَيْ زَمِنَانِ، يَعْنِي لَا يَجْرِيَانِ.
[ ٩ / ٣٦٢٧ ]
٥٦٩٣ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - «لَا يَدْخُلُ النَّارَ إِلَّا شَقِيٌّ ". قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَنِ الشَّقِيُّ؟ قَالَ: " مَنْ لَمْ يَعْمَلْ لِلَّهِ بِطَاعَةٍ، وَلَمْ يَتْرُكْ لَهُ بِمَعْصِيَةٍ» ". رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ.
_________________
(١) (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " لَا يَدْخُلُ النَّارَ إِلَّا شَقِيٌّ ". قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَنِ الشَّقِيُّ؟ قَالَ: " مَنْ لَمْ يَعْمَلْ لِلَّهِ) أَيْ لِأَجْلِ رِضَاهُ أَوْ لِأَمْرِهِ (بِطَاعَةٍ) أَيْ بِوَاجِبَةٍ (وَلَمْ يَتْرُكْ لَهُ) أَيْ لِلَّهِ (بِمَعْصِيَةٍ) وَهُوَ شَامِلٌ لِلْكَافِرِ وَالْفَاجِرِ، فَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى - الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾ [الليل: ١٥ - ١٦] مَحْمُولٌ عَلَى الصَّلْيِ عَلَى وَجْهِ الْخُلُودِ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ - ﵀ -: الْبَاءُ زَائِدَةٌ فِيهِمَا، وَبِنَاءُ الْمَرَّةِ فِيهِمَا مَعَ التَّنْكِيرِ لِلتَّقْلِيلِ، وَزِيَادَةُ الْبَاءِ لِلتَّأْكِيدِ يَدُلُّ عَلَى تَرْجِيحِ جَانِبِ الرَّحْمَةِ، وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ مَنْ عَمِلَ لَهُ طَاعَةً مَا، أَوْ تَرَكَ لِأَجْلِهِ وَلِخَوْفِهِ مَعْصِيَةً مَا نَحْوَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى - فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ [النازعات: ٤٠ - ٤١] (رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ) .
[ ٩ / ٣٦٢٧ ]