[ ٩ / ٣٧٤٢ ]
[٥] بَابُ عَلَامَاتِ النُّبُوَّةِ
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
٥٨٥٢ - عَنْ أَنَسٍ ﵁، «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - أَتَاهُ جِبْرِيلُ وَهُوَ يَلْعَبُ مَعَ الْغِلْمَانِ، فَأَخَذَهُ، فَصَرَعَهُ، فَشَقَّ عَنْ قَلْبِهِ، فَاسْتَخْرَجَ مِنْهُ عَلَقَةً فَيُقَالُ: هَذَا حَظُّ الشَّيْطَانِ مِنْكَ، ثُمَّ غَسَلَهُ فِي طَسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ بِمَاءِ زَمْزَمَ، ثُمَّ لَأَمَهُ وَأَعَادَهُ فِي مَكَانِهِ وَجَاءَ الْغِلْمَانُ يَسْعَوْنَ إِلَى أُمِّهِ، يَعْنِي ظِئْرَهُ فَقَالُوا: إِنْ مُحَمَّدًا قَدْ قُتِلَ، فَاسْتَقْبَلُوهُ وَهُوَ مُنْتَقَعُ اللَّوْنِ قَالَ أَنَسٌ: فَكُنْتُ أَرَى أَثَرَ الْمِخْيَطِ فِي صَدْرِهِ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
[٥]-
بَابُ عَلَامَاتِ النُّبُوَّةِ
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
٥٨٥٢ - («عَنْ أَنَسٍ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - أَتَاهُ جِبْرِيلُ وَهُوَ يَلْعَبُ مَعَ الْغِلْمَانِ») . بِكَسْرِ الْغَيْنِ أَيِ: الصِّبْيَانِ (فَأَخَذَهُ، فَصَرَعَهُ) أَيْ: فَطَرَحَهُ وَأَلْقَاهُ عَلَى قَفَاهُ (فَشَقَّ عَنْ قَلْبِهِ)، أَيْ: عَنْ جَانِبِ قَلْبِهِ وَشَقَّهُ (فَاسْتَخْرَجَ): وَفِي جَامِعِ الْأُصُولِ: وَاسْتَخْرَجَهُ فَاسْتَخْرَجَ (مِنْهُ عَلَقَةً): بِفَتْحَتَيْنِ أَيْ: دَمًا غَلِيظًا، وَهُوَ أُمُّ الْمَفَاسِدِ وَالْمَعَاصِي فِي الْقَلْبِ (فَقَالَ: هَذَا حَظُّ الشَّيْطَانِ مِنْكَ)، أَيْ: نَصِيبُهُ لَوْ دَامَ مَعَكَ (ثُمَّ غَسَلَهُ) أَيْ: قَلْبَهُ أَوْ جَوْفَهُ أَوْ مَحَلَّ شَقِّهِ (فِي طَسْتٍ): بِفَتْحِ الطَّاءِ وَيُكْسَرُ وَبِسِينٍ مُهْمَلَةٍ وِتَاؤُهُ بَدَلٌ مِنَ السِّينِ الْأَخِيرَةِ قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ، فِي شَرْحِ الْمَشَارِقِ: الطَّسْتُ بِفَتْحِ الطَّاءِ وَفِيهَا لُغَاتٌ: طَسٌّ وَطِسٌّ وَطَسْتٌ وَطِسْتٌ وَطَسَّةٌ وَطِسَّةٌ بِالْفَتْحِ وَالْكَسْرِ فِي جَمِيعِهَا وَقَوْلُهُ: (مِنْ ذَهَبٍ): لَعَلَّهُ اخْتِيرَ لِمَا فِيهِ مِنْ مَعْنَى الذَّهَابِ، وَلَا يُنَافِيهِ حُرْمَةُ اسْتِعْمَالِهِ فِي الشَّرِيعَةِ الْمُطَهَّرَةِ، (مَا لِكَوْنِ الْمَلَائِكَةِ غَيْرَ مُكَلَّفِينَ بِأَفْعَالِنَا، أَوْ لِوُقُوعِهِ قَبْلَ تَقْرِيرِ الْأَحْكَامِ (بِمَاءِ زَمْزَمَ)، اسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّهُ أَفْضَلُ مِيَاهِ الْعَالَمِ حَتَّى مَاءِ الْكَوْثَرِ، لَكِنَّ الْمَاءَ الَّذِي نَبَعَ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِ - ﷺ - فَلَا شَكَّ أَنَّهُ أَفْضَلُ الْمِيَاهِ عَلَى الْإِطْلَاقِ، لِكَوْنِهِ مِنْ أَثَرِ يَدِهِ الشَّرِيفَةِ، وَمَاءُ زَمْزَمَ مِنْ أَثَرِ قَدَمِ إِسْمَاعِيلَ الْمُنِيفَةِ، وَبَوْنٌ بَيِّنٌ بَيْنَهُمَا، وَلِأَنَّ الْإِعْجَازَ الْكَائِنَ فِي يَدِهِ ﷺ أَبْلَغُ، نَعَمْ قَدْ يُقَالُ: مَاءُ فَمِهِ الْمُبَارَكِ أَكْمَلُ مِنَ الْكُلِّ، وَلَوْ مُزِجَ بِمَاءِ غَيْرِهِ، وَلَعَلَّ ابْنَ الْعَارِفِ بْنِ الْفَارِضِ أَشَارَ إِلَيْهِ بِقَوْلِهِ:
عَلَيْكَ بِهَا صِرْفًا وَإِنْ شِئْتَ مَزْجَهَا فَعَدْلُكَ عَنْ ظُلْمِ الْحَبِيبِ هُوَ الظُّلْمُ (ثُمَّ لَأَمَهُ): بِلَامٍ فَهَمْزٍ أَيْ: أَصْلَحَ مَوْضِعَ شَقِّهِ (وَأَعَادَهُ) أَيِ: الْقَلْبَ الْمُخْرَجَ عَلَى مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ رِوَايَةُ الْجَامِعِ السَّابِقَةُ (فِي مَكَانِهِ): وَالْوَاوُ لِمُطْلَقِ الْجَمْعِ، فَلَا يُنَافِيهِ أَنَّ الِالْتِئَامَ بَعْدَ الْإِعَادَةِ. قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: يَقُولُ لَأَمْتُ الْجُرْحَ وَالصَّدْعَ إِذَا شَدَدْتَهُ فَالْتَأَمَ، يُرِيدُ أَنَّهُ سَوَّاهُ وَأَصْلَحَهُ، (وَجَاءَ الْغِلْمَانُ) أَيِ: الَّذِينَ كَانُوا يَلْعَبُونَ مَعَهُ فِي الصَّحْرَاءِ (يَسْعَوْنَ) أَيْ: يُسْرِعُونَ (إِلَى أُمِّهِ) أَيِ: الرَّضَاعِيَّةِ (يَعْنِي أَيْ: يُرِيدُ أَنَسٌ بِأُمِّهِ (ظِئْرَهُ) أَيْ: مُرْضِعَتَهُ حَلِيمَةَ (فَقَالُوا: إِنَّ مُحَمَّدًا قَدْ قُتِلَ)، لِأَنَّ تَصَوُّرَ حَيَاتِهِ بَعْدَ شَقِّ الْبَطْنِ وَمُعَالَجَاتِهِ مِنْ خَوَارِقِ الْعَادَةِ وَعَلَامَةِ النُّبُوَّةِ، (فَاسْتَقْبَلُوهُ) أَيْ: تَوَجَّهَ جَمْعٌ مِنْ قَوْمِهَا إِلَيْهِ فَرَأَوْهُ (وَهُوَ مُنْتَقَعُ اللَّوْنِ) . بِفَتْحِ الْقَافِ أَيْ: مُتَغَيِّرُهُ فَفِي الْقَامُوسِ انْتُقِعَ لَوْنُهُ مَجْهُولًا إِذَا تَغَيَّرَ وَقَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: يُقَالُ انْتُقِعَ لَوْنُهُ إِذَا تَغَيَّرَ مِنْ حُزْنٍ أَوْ فَزَعٍ، وَكَذَلِكَ امْتُقِعَ بِالْمِيمِ، وَهَذَا الْحَدِيثُ وَأَمْثَالُهُ مِمَّا يَجِبُ فِيهِ التَّسْلِيمُ، وَلَا يُتَعَرَّضُ لَهُ بِتَأْوِيلٍ مِنْ طَرِيقِ الْمَجَازِ، إِذْ لَا ضَرُورَةَ فِي ذَلِكَ، إِذْ هُوَ خَبَرٌ صَادِقٌ مَصْدُوقٌ عَنْ قُدْرَةِ الْقَادِرِ اهـ. وَزُبْدَةُ مَا قِيلَ فِيهِ صَارَ بِهَذَا مُقَدَّسَ الْقَلْبِ مُنَوَّرَهُ، لِيَسْتَعِدَّ لِقَبُولِ الْوَحْيِ، وَلَا يَتَطَرَّقَ إِلَيْهِ هَوَاجِسُ النَّفْسِ، وَيَقْطَعَ طَمَعَ الشَّيْطَانَ عَنْ إِغْفَالِهِ، كَمَا يُشِيرُ إِلَيْهِ قَوْلُهُ: هَذَا حَظُّ الشَّيْطَانِ مِنْكَ.
(قَالَ أَنَسٌ: فَكُنْتُ أَرَى أَثَرَ الْمِخْيَطِ): بِكَسْرِ الْمِيمِ أَيِ: الْإِبْرَةِ (فِي صَدْرِهِ) . وَلَعَلَّ مُرَادَهُ كَذَا أَنَّ أَمْرَ الشَّقِّ كَانَ حِسِّيًّا لَا مَعْنَوِيًّا، وَاخْتُلِفَ هَلْ كَانَ شَقُّ الصَّدْرِ وَغَسْلُهُ مُخْتَصًّا بِهِ، أَوْ وَقَعَ لِغَيْرِهِ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ أَيْضًا، وَقَدْ وَقَعَ الشَّقُّ لَهُ ﷺ مِرَارًا، فَعِنْدَ حَلِيمَةَ، وَهُوَ ابْنُ عَشْرٍ، ثُمَّ عِنْدَ مُنَاجَاةِ جِبْرِيلَ ﵇ لَهُ بِغَارِ حِرَاءٍ، ثُمَّ فِي الْمِعْرَاجِ لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) . وَكَذَا النَّسَائِيُّ.
[ ٩ / ٣٧٤٣ ]
٥٨٥٣ - وَعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: («إِنِّي لَأَعْرِفُ حَجَرًا بِمَكَّةَ كَانَ يُسَلِّمُ عَلَيَّ قَبْلَ أَنْ أُبْعَثَ، إِنِّي لَأَعْرِفُهُ الْآنَ») . رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
_________________
(١) («وَعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: (إِنِّي لَأَعْرِفُ حَجَرًا بِمَكَّةَ كَانَ يُسَلِّمُ عَلَيَّ») أَيْ: وَيَقُولُ السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا نَبِيَّ اللَّهِ كَمَا وَرَدَ فِي رِوَايَةٍ (قَبْلَ أَنْ أُبْعَثَ)، قِيلَ: إِنَّهُ الْحَجَرُ الْأَسْوَدُ كَذَا فِي بَعْضِ حَوَاشِي الشِّفَاءِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الْحَجَرُ الْمُتَكَلِّمُ الْمَعْرُوفُ بِزُقَاقِ الْحَجَرِ بَيْنَ الْمَسْجِدِ وَبَيْنَ بَيْتِ خَدِيجَةَ ﵂، (إِنِّي لَأَعْرِفُهُ الْآنَ) . تَقْرِيرٌ لِقَوْلِهِ: إِنِّي لَأَعْرِفُ وَاسْتِحْضَارٌ لَهُ كَأَنَّهُ يَسْمَعُ كَلَامَهُ الْآنَ، هَذَا خُلَاصَةُ كَلَامِ الطِّيبِيِّ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: إِنِّي لَأَعْرِفُهُ الْآنَ بِالْوَصْفِ الْمَذْكُورِ، فَإِنَّهُ يَنْبَغِي وَجُودُهُ بِالْأَوْلَى مِنَ الْحَالَةِ الْأُولَى، فَقَدْ وَرَدَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّهَا قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: («لَمَّا اسْتَقْبَلَنِي جِبْرِيلُ بِالرِّسَالَةِ جَعَلْتُ لَا أَمُرُّ بِحَجَرٍ وَلَا شَجَرٍ إِلَّا قَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ») . وَفِيهِ إِيمَاءٌ إِلَى أَنَّهُ مَبْعُوثٌ إِلَى كَافَّةِ الْخَلْقِ، كَمَا بَيَّنْتُهُ فِي شَرْحِ كَلَامِ شَيْخِنَا جَمَالِ الدِّينِ مُحَمَّدٍ الْبَكْرِيِّ عِنْدَ قَوْلِهِ: خَلِيفَتُكَ عَلَى كَافَّةِ خَلِيقَتِكَ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) . وَكَذَا الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ، وَالتِّرْمِذِيُّ فِي جَامِعِهِ.
[ ٩ / ٣٧٤٤ ]
٥٨٥٤ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁، قَالَ: «إِنَّ أَهْلَ مَكَّةَ سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - أَنْ يُرِيَهُمْ آيَةً، فَأَرَاهُمُ الْقَمَرَ شِقَّتَيْنِ حَتَّى رَأَوْا حِرَاءً بَيْنَهُمَا» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
_________________
(١) (وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: إِنَّ أَهْلَ مَكَّةَ) أَيْ: كُفَّارَهُمْ (سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - أَنْ يُرِيَهُمْ) أَيْ: يُظْهِرَ لَهُمْ (آيَةً) أَيْ: عَلَامَةً دَالَّةً عَلَى نُبُوَّتِهِ وَرِسَالَتِهِ (فَأَرَاهُمُ الْقَمَرَ شِقَّتَيْنِ): بِكَسْرٍ فَتَشْدِيدٍ أَيْ: قِطْعَتَيْنِ مَفْصُولَتَيْنِ (حَتَّى رَأَوْا حِرَاءً بَيْنَهُمَا): بِأَنْ كَانَتْ شِقَّةٌ فَوْقَ الْجَبَلِ وَشِقَّةٌ دُونَهُ كَمَا سَيَأْتِي (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
[ ٩ / ٣٧٤٤ ]
٥٨٥٥ - وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁، قَالَ: «انْشَقَّ الْقَمَرُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - فِرْقَتَيْنِ: فِرْقَةً فَوْقَ الْجَبَلِ، وَفِرْقَةً دُونَهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: (اشْهَدُوا)» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
_________________
(١) (وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: انْشَقَّ الْقَمَرُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ) أَيْ: فِي زَمَانِهِ - ﷺ - (فِرْقَتَيْنِ) أَيْ: قِطْعَتَيْنِ مُتَفَارِقَتَيْنِ (فِرْقَةً فَوْقَ الْجَبَلِ) أَيْ: جَبَلِ حِرَاءٍ (وَفِرْقَةً دُونَهُ)، وَالْمُرَادُ أَنَّهُمَا تَبَايَنَتَا، فَإِحْدَاهُمَا إِلَى جِهَةِ الْعُلُوِّ، وَالْأُخْرَى إِلَى السُّفْلِ (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: (اشْهَدُوا) . أَيْ: عَلَى نُبُوَّتِي أَوْ مُعْجِزَتِي مِنَ الشَّهَادَةِ، وَقِيلَ مَعْنَاهُ احْضُرُوا وَانْظُرُوا مِنَ الشُّهُودِ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ): قَالَ الزَّجَّاجُ: زَعَمَ قَوْمٌ عَدَلُوا عَنِ الْقَصْدِ وَمَا عَلَيْهِ أَهْلُ الْعِلْمِ أَنَّ تَأْوِيلَهُ أَنَّ الْقَمَرَ يَنْشَقُّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَالْأَمْرُ بَيِّنٌ فِي اللَّفْظِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾ [القمر: ٢] فَكَيْفَ يَكُونُ هَذَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ وَقَوْلُهُ: سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ أَيْ: مُطَّرِدٌ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ رَأَوْا قَبْلَهُ آيَاتٍ أُخَرَ مُتَرَادِفَةً وَمُعْجِزَاتٍ سَابِقَةً، وَقَالَ الْإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ الرَّازِيُّ: إِنَّمَا ذَهَبَ الْمُنْكِرُ إِلَى مَا ذَهَبَ، لِأَنَّ الِانْشِقَاقَ أَمْرٌ هَائِلٌ، وَلَوْ وَقَعَ لَعَمَّ وَجْهَ الْأَرْضِ، وَبَلَغَ مَبْلَغَ التَّوَاتُرِ. وَالْجَوَابُ: أَنَّ الْمُوَافِقَ قَدْ نَقَلَهُ وَبَلَغَ مَبْلَغَ التَّوَاتُرِ. وَأَمَّا الْمُخَالِفُ فَرُبَّمَا ذَهَلَ أَوْ حَسِبَ نَحْوَ الْخُسُوفِ، وَالْقُرْآنُ أَوْلَى دَلِيلٍ وَأَقْوَى شَاهِدٍ، وَإِمْكَانُهُ لَا شَكَّ فِيهِ أَيْ عَقْلًا، وَقَدْ أَخْبَرَ عَنْهُ الصَّادِقُ فَيَجِبُ اعْتِقَادُ وُقُوعِهِ، وَأَمَّا امْتِنَاعُ الْخَرْقِ وَالِالْتِئَامِ، فَحَدِيثُ اللِّئَامِ، وَفِي شَرْحِ مُسْلِمٍ لِلنَّوَوِيِّ قَالُوا: إِنَّمَا هَذَا الِانْشِقَاقُ حَصَلَ فِي اللَّيْلِ، وَمُعْظَمُ النَّاسِ نِيَامٌ غَافِلُونَ، وَالْأَبْوَابُ مُغْلَقَةٌ وَهُمْ مُتَغَطُّونَ بِثِيَابِهِمْ، وَقَلَّ مَنْ يَتَفَكَّرُ فِي السَّمَاءِ، وَيَنْظُرُ إِلَيْهَا. وَفِي شَرْحِ السُّنَّةِ: هَذَا شَيْءٌ طَلَبَهُ قَوْمٌ خَاصٌّ عَلَى مَا حَكَاهُ أَنَسٌ، فَأَرَاهُمْ ذَلِكَ لَيْلًا، وَأَكْثَرُ النَّاسِ نِيَامٌ وَمُسْتَكِنُّونَ بِالْأَبْنِيَةِ فِي الْبَرَارِي وَالصَّحْرَاءِ وَقَدْ يَتَّفِقُ أَنْ يَكُونُوا مَشَاغِيلَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، وَقَدْ يَكْسِفُ الْقَمَرُ فَلَا يَشْعُرُ بِهِ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ. أَيْ: مَعَ أَنَّهُ قَدْ يَمْتَدُّ، وَإِنَّمَا كَانَ قَدْرَ اللَّحْظَةِ الَّتِي هِيَ مُدْرَكُ الْبَصَرِ وَلَوْ دَامَتْ هَذِهِ الْآيَةُ، حَتَّى يَشْتَرِكَ فِيهَا الْعَامَّةُ وَالْخَاصَّةُ، ثُمَّ لَمْ يُؤْمِنُوا لَاسْتَوْجَبُوا الْهَلَاكَ، فَإِنَّ مِنْ سُنَّةِ اللَّهِ تَعَالَى فِي الْأُمَمِ قَبْلَنَا أَنَّ نَبِيَّهُمْ كَانَ إِذَا أَتَى بِآيَةٍ عَامَّةٍ يُدْرِكُهَا الْحِسُّ، فَلَمْ يُؤْمِنُوا أُهْلِكُوا، كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي الْمَائِدَةِ: ﴿قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ [المائدة: ١١٥] فَلَمْ يُظْهِرِ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ الْعَامَّةَ لِهَذِهِ الْحِكْمَةِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ، قُلْتُ: وَفِي نَفْسِ الْقَضِيَّةِ إِشَارَةٌ إِلَى ذَلِكَ حَيْثُ شِقٌّ مِنْهُ فَوْقَ الْجَبَلِ، وَأُخْرَى دُونَهُ، وَلَا شَكَّ أَنَّهُ يُحْجَبُ بَعْضُ النَّاسِ مِمَّنْ يَسْكُنُ مِنْ وَرَاءِ الْجَبَلِ، فَكَيْفَ بِسَائِرِ أَهْلِ الْحِجَازِ وَبَقِيَّةِ النَّاسِ مَعَ اخْتِلَافِ الْمَطَالِعِ، عَلَى أَنَّ إِرَاءَةَ الْمُعْجِزَةِ لِقَوْمٍ عَلَى مَا اقْتَرَحُوا، كَنَاقَةِ صَالِحٍ لَا يَسْتَلْزِمُ ظُهُورَهَا لِغَيْرِهِمْ.
[ ٩ / ٣٧٤٤ ]
٥٨٥٦ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: «قَالَ أَبُو جَهْلٍ: هَلْ يُعَفِّرُ مُحَمَّدٌ وَجْهَهُ بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ؟ فَقِيلَ: نَعَمْ فَقَالَ: وَاللَّاتِ وَالْعُزَّى لَئِنْ رَأَيْتُهُ يَفْعَلُ ذَلِكَ لَأَطَأَنَّ عَلَى رَقَبَتِهِ، فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - وَهُوَ يُصَلِّي - زَعَمَ لِيَطَأَ عَلَى رَقَبَتِهِ - فَمَا فَجِئَهُمْ مِنْهُ إِلَّا وَهُوَ يَنْكُصُ عَلَى عَقِبَيْهِ، وَيَتَّقِي بِيَدَيْهِ، فَقِيلَ لَهُ مَا لَكَ؟ فَقَالَ: إِنَّ بَيْنِي وَبَيْنَهُ لَخَنْدَقًا مِنْ نَارٍ وَهَوْلًا وَأَجْنِحَةً. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: (لَوْ دَنَا مِنِّي لَاخْتَطَفَتْهُ الْمَلَائِكَةُ عُضْوًا عُضْوًا)» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
_________________
(١) (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ أَبُو جَهْلٍ: هَلْ يُعَفِّرُ مُحَمَّدٌ وَجْهَهُ): بِتَشْدِيدِ الْفَاءِ الْمَكْسُورَةِ مِنَ التَّعْفِيرِ وَهُوَ التَّفْرِيغُ (فِي التُّرَابِ) أَيْ: هَلْ يُصَلِّي وَيَسْجُدُ عَلَى التُّرَابِ (بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ)؟ فِيمَا بَيْنَكُمْ عَلَى أَنَّ الْأَظْهُرَ مُقْحَمَةٌ لِلْإِشَارَةِ إِلَى وُقُوعِهِ عَلَى وَجْهِ الظُّهُورِ، أَوِ الِاسْتِنَادِ إِلَى ظَهْرِ أَحَدٍ وَحِمَايَتِهِ وَرِعَايَتِهِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: يُرِيدُ بِهِ سُجُودَهُ عَلَى التُّرَابِ، وَإِنَّمَا أُوثِرَ التَّعْفِيرَ عَلَى السُّجُودِ تَعَنُّتًا وَعِنَادًا وَإِذْلَالًا وَتَحْقِيرًا. (فَقِيلَ: نَعَمْ، فَقَالَ: وَاللَّاتِ وَالْعُزَّى لَئِنْ رَأَيْتُهُ يَفْعَلُ ذَلِكَ لَأَطَأَنَّ) أَيْ: لَأَدُوسَنَّ (عَلَى رَقَبَتِهِ، فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ) أَيْ: فَجَاءَهُ أَبُو جَهْلٍ (وَهُوَ يُصَلِّي): حَالٌ مِنَ الْمَفْعُولِ، وَالْحَالُ مِنَ الْفَاعِلِ قَوْلُهُ: (وَزَعَمَ): بِفَتْحِ الْعَيْنِ أَوْ قَصَدَ أَبُو جَهْلٍ (لِيَطَأَ) أَيْ: لِيَضَعَ (رِجْلَهُ عَلَى رَقَبَتِهِ): قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: وَفِي نُسْخَةٍ بِفَتْحِ اللَّامِ عَلَى أَنَّهُ لَامُ تَأْكِيدٍ. قُلْتُ: فَالْفِعْلُ مَرْفُوعٌ حِينَئِذٍ، وَفِي نُسْخَةٍ زَعِمَ بِكَسْرِ الْعَيْنِ، فَفِي الْقَامُوسِ: زَعِمَ كَفَرِحَ طَمِعَ قَالَ الطِّيبِيُّ: زَعِمَ وَقَعَ حَالًا مِنَ الْفَاعِلِ بَعْدَ الْحَالِ مِنَ الْمَفْعُولِ، وَزَعِمَ بِمَعْنَى طَمِعَ وَأَرَادَ. قَالَ فِي أَسَاسِ الْبَلَاغَةِ: وَمِنَ الْمَجَازِ زَعِمَ فُلَانٌ فِي غَيْرِ مَزْعَمٍ طَمِعَ فِي غَيْرِ مَطْمَعٍ، لِأَنَّ الطَّامِعَ زَاعِمٌ مَا لَمْ يَسْتَيْقِنْ، (فَمَا فَجِئَهُمْ): بِكَسْرِ الْجِيمِ وَيُفْتَحُ، فَفِي الْقَامُوسِ: فَجِئَهُ كَسَمِعَ وَمَنَعَ هَجَمَ عَلَيْهِ، وَأَتَاهُ بَغْتَةً أَيْ: فَمَا أَتَى قَوْمَهُ فُجَاءَةً (مِنْهُ) أَيْ: مِنَ النَّبِيِّ - ﷺ - أَوْ مِنْ إِتْيَانِهِ إِلَيْهِ (إِلَّا وَهُوَ) أَيْ: وَالْحَالُ أَنَّهُ أَيْ: أَبُو جَهْلٍ (يَنْكِصُ): بِكَسْرِ الْكَافِ وَيُضَمُّ أَيْ: يَرْجِعُ (عَلَى عَقِبَيْهِ)، أَيْ: قَهْقَرَى (وَيَتَّقِي بِيَدَيْهِ) أَيْ: يَحْذَرُ بِهِمَا وَيَدْفَعُ شَيْئًا بِسَبَبِهِمَا. قَالَ الطِّيبِيُّ: الْمُسْتَثْنَى فَاعِلُ فَجِئَ أَيْ: فَمَا فَجِئَ أَصْحَابَ أَبِي جَهْلٍ مِنْ أَمْرِ أَبِي جَهْلٍ إِلَّا نُكُوصُ عَقِبَيْهِ، وَقَدْ سَدَّ الْحَالُ هُنَا مَسَدَّ الْفَاعِلِ، وَفِيهِ إِرْخَاءُ عِنَانِ الْكَلَامِ لَا لِلَّفْظِ. قِيلَ: كَمَا سَدَّتْ مَسَدَّ الْخَبَرِ فِي: ضَرْبِي زَيْدًا قَائِمًا، فَفِي الْكَلَامِ مَيْلٌ إِلَى الْمَعْنَى دُونَ اللَّفْظِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ فِي فَجِئَ رَاجِعًا إِلَى أَبِي جَهْلٍ، وَفِي مِنْهُ إِلَى الْأَمْرِ أَيْ: فَمَا فَجِئَ أَبُو جَهْلٍ أَصْحَابَهُ كَائِنًا مِنَ الْأَمْرِ عَلَى حَالٍ مِنَ الْأَحْوَالِ إِلَّا هَذِهِ الْحَالَ، هَذَا وَفِي الْقَامُوسِ: نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ نُكُوصًا رَجَعَ عَمَّا كَانَ عَلَيْهِ مِنْ خَيْرٍ خَاصٌّ بِالرُّجُوعِ عَنِ الْخَيْرِ، وَوَهِمَ الْجَوْهَرِيُّ فِي إِطْلَاقِهِ أَوْ فِي الشَّرِّ نَادِرٌ. قُلْتُ: الْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى اسْتِعْمَالِهِ فِي الشَّرِّ، وَكَذَا آيَةُ ﴿فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾ [الأنفال: ٤٨] ثُمَّ صَنِيعُ الْقَامُوسِ يُشْعِرُ أَنَّهُ بِضَمِّ الْكَافِ فِي الْمُضَارِعِ، لَكِنِ اتَّفَقَ الْقُرَّاءُ عَلَى كَسْرِهِ، حَتَّى لَمْ يُوجَدْ فِي الشَّوَاذِّ أَيْضًا. نَعَمْ قَالَ الزَّجَّاجُ: يَجُوزُ ضَمُّ الْكَافِ ذَكَرَهُ الْكِرْمَانِيُّ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنْكِصُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٦] . (فَقِيلَ لَهُ) أَيْ: لِأَبِي جَهْلٍ (مَا لَكَ)؟ أَيْ: مَا حَصَلَ لَكَ مِنَ الْمَنْعِ، وَمَا وَقَعَ لَكَ مِنَ الدَّفْعِ، (فَقَالَ: إِنَّ بَيْنِي وَبَيْنَهُ لَخَنْدَقًا مِنْ نَارٍ وَهَوْلًا)، بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ أَيْ: خَوْفًا وَأَمْرًا شَدِيدًا (وَأَجْنِحَةً) . جَمْعُ جَنَاحِ الطَّائِرِ الْمَلَائِكَةُ الَّذِينَ يَحْفَظُونَهُ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا ذَكَرَهُ الرَّاوِي (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: (لَوْ دَنَا مِنِّي) أَيْ: قَرُبَ عِنْدِي (لَاخْتَطَفَتْهُ الْمَلَائِكَةُ) أَيِ: اسْتَلَبَتْهُ بِسُرْعَةٍ (عُضْوًا عُضْوًا) . وَالْمَعْنَى لَأَخَذَ كُلُّ مَلَكٍ عُضْوًا مِنْ أَعْضَائِهِ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
[ ٩ / ٣٧٤٥ ]
٥٨٥٧ - وَعَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ ﵁، قَالَ: «بَيْنَا أَنَا عِنْدَ النَّبِيِّ - ﷺ - إِذْ أَتَاهُ رَجُلٌ فَشَكَا إِلَيْهِ الْفَاقَةَ، ثُمَّ أَتَاهُ الْآخَرُ فَشَكَا إِلَيْهِ قَطْعَ السَّبِيلِ. فَقَالَ: (يَا عَدِيُّ! رَأَيْتَ الْحِيرَةَ؟ فَإِنْ طَالَتْ بِكَ حَيَاةٌ فَلَتَرَيَنَّ الظَّعِينَةَ تَرْتَحِلُ مِنَ الْحِيرَةِ حَتَّى تَطُوفَ بِالْكَعْبَةِ لَا تَخَافُ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ، وَلَئِنْ طَالَتْ لَكَ حَيَاةٌ لَتُفْتَحَنَّ كُنُوزُ كِسْرَى، وَلَئِنْ طَالَتْ بِكَ حَيَاةٌ لَتَرَيَنَّ الرَّجُلَ يَخْرُجُ مِلْءَ كَفِّهِ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ يَطْلُبُ مَنْ يَقْبَلُهُ فَلَا يَجِدُ أَحَدًا يَقْبَلُهُ فِيهِ، وَلَيَلْقَيَنَّ اللَّهَ أَحَدُكُمْ يَوْمَ يَلْقَاهُ وَلَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ تَرْجُمَانٌ يُتَرْجِمُ لَهُ، فَلَيَقُولَنَّ: أَلَمْ أَبْعَثْ إِلَيْكَ رَسُولًا فَيُبَلِّغُكَ؟ فَيَقُولُ: بَلَى. يَقُولُ أَلَمْ أُعْطِكَ مَالًا وَأُفْضِلْ عَلَيْكَ؟ فَيَقُولُ: بَلَى؛ فَيَنْظُرُ عَنْ يَمِينِهِ فَلَا يَرَى إِلَّا جَهَنَّمَ، وَيَنْظُرُ عَنْ يَسَارِهِ فَلَا يَرَى إِلَّا جَهَنَّمَ، اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ، فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَبِكَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ) قَالَ عَدِيٌّ: فَرَأَيْتُ الظَّعِينَةَ تَرْتَحِلُ مِنَ الْحِيرَةِ حَتَّى تَطُوفَ بِالْكَعْبَةِ لَا تَخَافُ إِلَّا اللَّهَ، وَكُنْتُ فِيمَنِ افْتَتَحَ كُنُوزَ كِسْرَى بْنِ هُرْمُزَ وَلَئِنْ طَالَتْ بِكُمْ حَيَاةٌ لَتَرَوُنَّ مَا قَالَ النَّبِيُّ أَبُو الْقَاسِمِ - ﷺ - (يَخْرُجُ مِلْءَ كَفِّهِ)» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
_________________
(١) (وَعَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ قَالَ: بَيْنَا أَنَا عِنْدَ النَّبِيِّ - ﷺ) أَيْ: حَاضِرًا وَقَاعِدًا (إِذْ أَتَاهُ رَجُلٌ فَشَكَا): بِالْأَلِفِ وَفِي نُسْخَةٍ بِالْيَاءِ عَلَى أَنَّهُ لُغَةٌ فِي الْوَاوِ كَمَا فِي الْقَامُوسِ (إِلَيْهِ الْفَاقَةَ)، أَيِ: الْفَقْرَ وَشِدَّةَ الْحَاجَّةِ (ثُمَّ أَتَاهُ الْآخَرُ): وَفِي نُسْخَةٍ آخَرُ وَهُوَ الْأَظْهَرُ (فَشَكَا إِلَيْهِ قَطْعَ السَّبِيلِ) . أَيْ: بِسَبَبِ قُطَّاعِ الطَّرِيقِ، أَوْ لِقِلَّةِ الزَّادِ وَعَدَمِ عَلَفِ الدَّوَابِّ، وَطَمَعِ أَهْلِ الْبَادِيَةِ وَتَعَرُّضِهِمْ لِلْقَافِلَةِ (فَقَالَ: (يَا عَدِيُّ هَلْ رَأَيْتَ الْحِيرَةَ)؟ بِكَسْرِ الْحَاءِ، وَهُوَ الْبَلَدُ.
[ ٩ / ٣٧٤٥ ]
الْقَدِيمُ بِظَهْرِ الْكُوفَةِ وَمَحَلَّةٌ مَعْرُوفَةٌ بِنَيْسَابُورَ عَلَى مَا فِي النِّهَايَةِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِهَا الْأَوَّلُ لِأَنَّهُ الْمَعْرُوفُ عِنْدَ الْعَرَبِ، وَلِذَا اقْتَصَرَ عَلَيْهِ شَارِحٌ، وَإِنْ كَانَ الثَّانِي أَغْرَبَ أَوْ أَعْذَبَ. قِيلَ: وَأَجَابَ عَدِيٌّ مَا رَأَيْتُهَا، لَكِنْ أُنْبِئْتُ عَنْهَا، أَقُولُ: وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ رَأَيْتُ بِمَعْنَى عَلِمْتُ، وَأَنْ لَا يَتَوَقَّفَ الْكَلَامُ عَلَى جَوَابِهِ حَيْثُ قَالَ: " (فَإِنْ طَالَتْ بِكَ حَيَاةٌ فَلَتَرَيَنَّ): بِفَتَحَاتٍ مُتَوَالِيَاتٍ أَيْ: فَلَتُبْصِرَنَّ (الظَّعِينَةَ) أَيِ: الْمَرْأَةَ الْمُسَافِرَةَ، وَقِيلَ لَهَا ذَلِكَ لِأَنَّهَا تَظْعَنُ مَعَ الزَّوْجِ حَيْثُمَا ظَعَنَ، أَوْ أَنَّهَا تُحْمَلُ عَلَى الرَّاحِلَةِ إِذَا ظَعَنَتْ، وَقِيلَ: الظَّعِينَةُ الْمَرْأَةُ فِي الْهَوْدَجِ، ثُمَّ قِيلَ لِلْهَوْدَجِ بِلَا امْرَأَةٍ وَلِلْمَرْأَةِ بِلَا هَوْدَجٍ، كَذَا فِي النِّهَايَةِ. وَقَالَ شَارِحٌ: الظَّعِينَةُ الْمَرْأَةُ مَا دَامَتْ فِي الْهَوْدَجِ، فَإِذَا لَمْ تَكُنْ فِيهِ فَلَيْسَتْ بِظَعِينَةٍ، وَالْمُرَادُ هُنَا الْمَرْأَةُ سَوَاءٌ كَانَتْ فِي الْهَوْدَجِ أَوْ لَا. أَقُولُ: كَوْنُهَا فِي الْهَوْدَجِ أَبْلَغُ فِي الْمَعْنَى الْمُرَادِ عَلَى مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: (تَرْتَحِلُ مِنَ الْحِيرَةِ) أَيْ: وَحْدَهَا (حَتَّى تَطُوفَ بِالْكَعْبَةِ لَا تَخَافُ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ): رُوِيَ أَنَّهُ قَالَ عَدِيٌّ قُلْتُ فِي نَفْسِي: فَأَيْنَ رُعَاةُ طَيِّئٍ؟ (وَلَئِنْ طَالَتْ بِكَ حَيَاةٌ لَتُفْتَحَنَّ): بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ مِنَ الْفَتْحِ، وَفِي نُسْخَةٍ مِنْ بَابِ الِافْتِعَالِ يُقَالُ: افْتَتَحْتَ وَاسْتَفْتَحْتَ طَلَبْتَ الْفَتْحَ، وَالْمَعْنَى لَتُؤْخَذَنَّ (كُنُوزُ كِسْرَى) أَيْ: عَلَى وَجْهِ الْغَنِيمَةِ. قَالَ عَدِيٌّ: كِسْرَى بْنُ هُرْمُزَ قَالَ - ﷺ: كِسْرَى بْنُ هُرْمُزَ، وَفِي الْقَامُوسِ: كِسْرَى وَيُفْتَحُ مَلِكٌ مُعَرَّبُ خِسْرُو، أَيْ: وَاسِعُ الْمُلْكِ. (وَلَئِنْ طَالَتْ بِكَ حَيَاةٌ لَتَرَيَنَّ الرَّجُلَ يَخْرُجُ مِلْءَ كَفِّهِ) أَيْ: مَثَلًا (مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ) أَيْ: مِنْ نَوْعَيِ النَّقْدَيْنِ، يَعْنِي تَارَةً مِنْ هَذَا وَمَرَّةً مِنْ هَذَا، وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ (أَوْ) بِمَعْنَى الْوَاوِ أَوْ لِلشَّكِّ (يَطْلُبُ مَنْ يَقْبَلُهُ) أَيْ: وَاحِدًا مِنْهُمَا أَوْ مَا ذَكَرَ (فَلَا يَجِدُ أَحَدًا يَقْبَلُهُ مِنْهُ)، أَيْ: لِعَدَمِ الْفُقَرَاءِ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ، أَوْ لِاسْتِغْنَاءِ قُلُوبِهِمْ وَالِاكْتِفَاءِ بِمَا عِنْدَهُمْ وَالْقَنَاعَةِ بِمَا فِي أَيْدِيهِمْ، فَقِيلَ: إِنَّمَا يَكُونُ ذَلِكَ بَعْدَ نُزُولِ عِيسَى ﵇، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ إِشَارَةً إِلَى مَا وَقَعَ فِي زَمَنِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ مِمَّا يُصَدِّقُ الْحَدِيثَ، وَبِذَلِكَ جَزَمَ الْبَيْهَقِيُّ. قِيلَ: وَلَا شَكَّ فِي رُجْحَانِ هَذَا الِاحْتِمَالِ لِقَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ: (وَلَئِنْ طَالَتْ بِكَ حَيَاةٌ) قُلْتُ: لَا شَكَّ فِي رُجْحَانِ الْأَوَّلِ لِقَوْلِ عَدِيٍّ الْآتِي: وَلَئِنْ طَالَتْ بِكُمْ حَيَاةٌ لَتَرَوْنَ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ قَضِيَّةَ الشَّرْطِيَّةِ لَا تَسْتَلْزِمُ الْوُقُوعَ. (وَلَيَلْقَيَنَّ): عَطْفٌ عَلَى صَدْرِ الْحَدِيثِ وَقَوْلُهُ: (اللَّهَ): مَفْعُولٌ مُقَدَّمٌ قُدِّمَ لِلِاهْتِمَامِ وَتَعْظِيمِ الْمَقَامِ وَفَاعِلُهُ (أَحَدُهُمْ): وَظَرْفُهُ قَوْلُهُ (يَوْمَ يَلْقَاهُ): وَهُوَ يَحْتَمِلُ إِعْرَابَيْنِ كَمَا لَا يَخْفَى فِي الضَّمِيرَيْنِ، وَكَذَا الْحَالُ فِي قَوْلِهِ: (وَلَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ تَرْجُمَانٌ) . بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَضَمِّ الْجِيمِ وَيُضَمَّانِ وَيُفْتَحَانِ كَمَا فِي نُسْخَتَيْنِ أَيْ: مُتَرْجِمٌ يُتَرْجِمُ لَهُ، يَعْنِي بَلْ يَكُونُ التَّلَقِّي وَالْكَلَامُ بِلَا وَاسِطَةٍ. قَالَ صَاحِبُ الْمَشَارِقِ هُوَ بِفَتْحِ التَّاءِ وَضَمِّ الْجِيمِ وَضَبَطَهُ الْأَصِيلِيُّ بِضَمِّهِمَا اهـ.
وَفِي النِّهَايَةِ: التَّرْجُمَانُ بِالضَّمِّ وَالْفَتْحِ الَّذِي يُتَرْجِمُ الْكَلَامَ أَيْ: يَنْقُلُهُ مِنْ لُغَةٍ إِلَى أُخْرَى، وَالتَّاءُ وَالنُّونُ زَائِدَتَانِ. وَفِي الْقَامُوسِ: التَّرْجُمَانُ كَعُنْفُوَانٍ وَزَعْفَرَانٍ وَرَيْهُقَانٍ الْمُفَسِّرُ لِلِّسَانِ، وَقَدْ تَرْجَمَهُ وَعَنْهُ، وَالْفِعْلُ يَدُلُّ عَلَى أَصْلِهِ التَّاءُ، وَفِي الْمَفَاتِيحِ هُوَ عَلَى وَزْنِ زَعْفَرَانٍ، وَيَجُوزُ بِفَتْحِ التَّاءِ وَضَمِّ الْجِيمِ وَبِضَمِّهِمَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (فَلَيَقُولَنَّ) أَيِ: اللَّهُ سُبْحَانَهُ (أَلَمْ أَبْعَثْ إِلَيْكَ رَسُولًا فَيُبَلِّغُكَ)؟ بِالنَّصْبِ مُشَدَّدًا وَيُخَفَّفُ (فَيَقُولُ: بَلَى، فَيَقُولُ: أَلَمْ أُعْطِكَ مَالًا وَأُفْضِلْ)؟ بِالْجَزْمِ مِنَ الْإِفْضَالِ أَيْ: أَلَمْ أُحْسِنْ إِلَيْكَ، وَأَلَمْ أُنْعِمْ عَلَيْكَ؟ وَالِاسْتِفْهَامُ لِلتَّقْرِيرِ يَعْنِي أَعْطَيْتُكَ الْمَالَ وَأَنْعَمْتُ عَلَيْكَ بِالْكَمَالِ، وَمَكَّنْتُكَ مِنْ إِنْفَاقِهِ وَالِاسْتِمْتَاعِ مِنْهُ، وَالصَّرْفِ عَلَى أَهْلِ اسْتِحْقَاقِهِ؟ (فَيَقُولُ: بَلَى، فَيَنْظُرُ عَنْ يَمِينِهِ فَلَا يَرَى إِلَّا جَهَنَّمَ)، لِتَرْكِهِ الطَّاعَاتِ (وَيَنْظُرُ عَنْ يَسَارِهِ فَلَا يَرَى إِلَّا جَهَنَّمَ)، لِارْتِكَابِهِ السَّيِّئَاتِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُمَا كِنَايَتَانِ عَنِ الْإِحَاطَةِ، وَأَنَّ الْخَلَاصَ مِنْهَا لَيْسَ إِلَّا بِالْمُرُورِ عَلَيْهَا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا - ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ [مريم: ٧١ - ٧٢] أَيْ: بِالْإِيمَانِ وَالْإِحْسَانِ، وَلِذَا قَالَ: («اتَّقُوا النَّارَ بِشِقِّ تَمْرَةٍ»)، أَيْ: بِنِصْفِهَا أَوْ بِبَعْضِهَا (فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَبِكَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ) أَيْ: مِنَ الْبَاقِيَاتِ الصَّالِحَاتِ، وَهِيَ أَنْوَاعُ الْأَذْكَارِ وَالدَّعَوَاتِ أَوْ بِكَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ لِلسَّائِلِ بِقَرِينَةِ مَا قَبْلَهُ، وَهُوَ الْوَعْدُ عَلَى قَصْدِ الْوَفَاءِ، أَوِ الدُّعَاءُ مَعَ حُسْنِ الرَّجَاءِ، وَهَذَا الَّذِي سَمَّاهُ اللَّهُ تَعَالَى قَوْلًا مَعْرُوفًا وَقَوْلًا مَيْسُورًا.
[ ٩ / ٣٧٤٦ ]
قَالَ الطِّيبِيُّ، فَإِنْ قُلْتَ: مَا وَجْهُ نَظْمِ هَذَا الْحَدِيثِ؟ قُلْتُ: لَمَّا اشْتَكَى الرَّجُلُ الْفَاقَةَ وَالْخَوْفُ وَهُوَ الْعُسْرُ الْمَعْنَى فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ [الشرح: ٦] وَهُوَ مَا كَانَتِ الصَّحَابَةُ عَلَيْهِ قَبْلَ فَتْحِ الْبِلَادِ. أَجَابَ عَنِ السَّائِلِ فِي ضِمْنِ بِشَارَةٍ لِعَدِيٍّ وَغَيْرِهِ مِنَ الصَّحَابَةِ بِالْيُسْرِ وَالْأَمْنِ، ثُمَّ بَيَّنَ أَنَّ هَذَا الْيُسْرَ وَالْغِنَى الدُّنْيَوِيَّ عُسْرٌ فِي الْآخِرَةِ وَنَدَامَةٌ، إِلَّا مَنْ وَفَّقَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِأَنْ سَلَّطَهُ عَلَى إِنْفَاقِهِ فَيَصْرِفُهُ فِي مَصَارِفِ الْخَيْرِ، وَنَظِيرُهُ حَدِيثُ عَلِيٍّ ﵁: كَيْفَ بِكُمْ إِذَا غَدَا أَحَدُكُمْ فِي حُلَّةٍ وَرَاحَ فِي حُلَّةٍ، وَوُضِعَتْ بَيْنَ يَدَيْهِ صْحَفَةٌ إِلَى قَوْلِهِ: أَنْتُمُ الْيَوْمَ خَيْرٌ مِنْكُمْ يَوْمَئِذٍ. وَقَدْ سَبَقَ فِي بَابِ تَغَيُّرِ النَّاسِ.
(قَالَ عَدِيٌّ: فَرَأَيْتُ الظَّعِينَةَ تَرْتَحِلُ مِنَ الْحِيرَةِ حَتَّى تَطُوفَ بِالْكَعْبَةِ لَا تَخَافُ إِلَّا اللَّهَ)، أَيْ: كَمَا أَخْبَرَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - (وَكُنْتُ فِيمَنِ افْتَتَحَ كُنُوزَ كِسْرَى بْنِ هُرْمُزَ)، بِضَمِّ الْهَاءِ وَالْمِيمِ زَادَ فِي الْمَصَابِيحِ الَّذِي فِي الْأَبْيَضِ. قَالَ شَارِحٌ لَهُ: أَرَادَ الْقَصْرَ الْأَبْيَضَ الَّذِي كَانَ بِالْمَدَائِنِ يُقَالُ لَهُ بِالْفَارِسِيَّةِ يَغْدُكُوشَكُ (وَلَئِنْ طَالَتْ بِكُمْ حَيَاةٌ لَتَرَوُنَّ مَا قَالَ) أَيْ: مُؤَدَّى مَا قَالَ (النَّبِيُّ): وَهُوَ الرَّجُلُ الَّذِي يَخْرُجُ مِلْءَ كَفِّهِ إِلَخْ فَقَوْلُهُ: (أَبُو الْقَاسِمِ): بَدَلٌ أَوْ عَطْفُ بَيَانٍ لِلنَّبِيِّ، وَقَوْلُهُ: (يَخْرُجُ مِلْءَ كَفِّهِ) . بَدَلٌ أَوْ بَيَانٌ لِقَوْلِهِ مَا قَالَ، وَالْمَعْنَى يَخْرُجُ الرَّجُلُ كَمَا فِي نُسْخَةٍ، فَهُوَ نَقْلٌ بِالْمَعْنَى مُخْتَصَرًا أَوِ الرَّجُلُ يَخْرُجُ عَلَى مَا سَبَقَ فِي الْأَصْلِ فَهُوَ نَقْلٌ بِاللَّفْظِ مُقْتَصِرًا. (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) .
[ ٩ / ٣٧٤٧ ]
٥٨٥٨ - وَعَنْ خَبَّابِ بْنِ الْأَرَتِّ ﵁، قَالَ: «شَكَوْنَا إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ - وَهُوَ مُتَوَسِّدٌ بُرْدَةً فِي ظِلِّ الْكَعْبَةِ وَقَدْ لَقِيَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ شِدَّةً، فَقُلْنَا: أَلَا تَدْعُو اللَّهَ، فَقَعَدَ وَهُوَ مُحْمَرٌّ وَجْهُهُ وَقَالَ " كَانَ الرَّجُلُ فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ يُحْفَرُ لَهُ فِي الْأَرْضِ، فَيُجْعَلُ فِيهِ، فَيُجَاءُ بِمِنْشَارٍ، فَيُوضَعُ فَوْقَ رَأْسِهِ فَيُشَقُّ بِاثْنَيْنِ، فَمَا يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ، وَيُمْشَطُ بِأَمْشَاطِ الْحَدِيدِ مَا دُونَ لَحْمِهِ مِنْ عَظْمٍ وَعَصَبٍ وَمَا يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ، وَاللَّهِ لَيَتِمَّنَّ هَذَا الْأَمْرُ حَتَّى يَسِيرَ الرَّاكِبُ مِنْ صَنْعَاءَ إِلَى حَضْرَمَوْتَ لَا يَخَافُ إِلَّا اللَّهَ أَوِ الذِّئْبَ عَلَى غَنَمِهِ، وَلَكِنَّكُمْ لَتَسْتَعْجِلُونِ)» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
_________________
(١) (وَعَنْ خَبَّابِ): بِفَتْحِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَتَشْدِيدِ الْمُوَحَّدَةِ الْأُولَى (بْنِ الْأَرَتِّ): بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَالرَّاءِ وَتَشْدِيدِ الْفَوْقِيَّةِ. قَالَ الْمُؤَلِّفُ: يُكَنَّى أَبَا عَبْدِ اللَّهِ التَّمِيمِيَّ، وَإِنَّمَا لَحِقَهُ سَبْيٌ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَاشْتَرَتْهُ امْرَأَةٌ مِنْ خُزَاعَةَ وَأَعْتَقَتْهُ، أَسْلَمَ قَبْلَ دُخُولِ النَّبِيِّ - ﷺ - دَارَ الْأَرْقَمِ، وَهُوَ مِمَّنْ عُذِّبَ فِي اللَّهِ عَلَى إِسْلَامِهِ فَصَبَرَ، نَزَلَ الْكُوفَةَ، وَمَاتَ بِهَا، رَوَى عَنْهُ جَمَاعَةٌ. (قَالَ: شَكَوْنَا) أَيِ: الْكَفَّارَ (إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ - وَهُوَ مُتَوَسِّدٌ بُرْدَةً فِي ظِلِّ الْكَعْبَةِ) أَيْ: كِسَاءً مُخَطَّطًا، وَالْمَعْنَى جَاعِلٌ الْبُرْدَةَ وِسَادَةً لَهُ مِنْ تَوَسَّدَ الشَّيْءَ جَعَلَهُ تَحْتَ رَأْسِهِ (وَقَدْ): وَفِي نُسْخَةٍ وَلَقَدْ (لَقِينَا) أَيْ: رَأَيْنَا وَحَصَلَ لَنَا (مِنَ الْمُشْرِكِينَ) أَيْ: مِنْ كُفَّارِ مَكَّةَ (شِدَّةً)، أَيْ: مِحْنَةً شَدِيدَةً (فَقُلْنَا: أَلَا تَدْعُو اللَّهَ)، أَيْ: لَنَا عَلَى الْمُشْرِكِينَ فَإِنَّهُمْ يُؤْذُونَنَا (فَقَعَدَ وَهُوَ مُحْمَرٌّ وَجْهُهُ): مِنِ احْمَرَّ بِتَشْدِيدِ الرَّاءِ إِذَا اشْتَدَّ حَرَارَتُهُ (وَقَالَ: (كَانَ الرَّجُلُ): اللَّامُ لِلْعَهْدِ الذِّهْنِيِّ الَّذِي هُوَ فِي الْمَعْنَى نَكِرَةٌ (فِيمَنْ قَبْلَكُمْ يُحْفَرُ لَهُ): بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيْ يُجْعَلُ لَهُ حُفْرَةٌ (فِي الْأَرْضِ)، قَيْدٌ وَاقِعِيٌّ اتِّفَاقًا (فَيُجْعَلُ فِيهِ، فَيُجَاءُ بِمِنْشَارٍ)، بِالنُّونِ وَيُرْوَى بِالْهَمْزَةِ وَإِبْدَالِهَا يَاءً، وَهُوَ آلَةٌ يُشَقُّ بِهَا الْخَشَبَةُ (فَيُوضَعُ فَوْقَ رَأْسِهِ لِيُشَقَّ بِاثْنَيْنِ) أَيْ: فَيَنْقَطِعُ نِصْفَيْنِ (فَمَا يَصُدُّهُ ذَلِكَ) أَيْ: فَلَا يَمْنَعُهُ ذَلِكَ الْعَذَابُ الشَّدِيدُ (عَنْ دِينِهِ، وَيُمْشَطُ): بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ مُخَفَّفًا وَالْمَعْنَى يُشَوَّكُ (بِأَمْشَاطِ الْحَدِيدِ): بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ جَمْعُ الْمُشْطِ وَهُوَ مَا يُتَمَشَّطُ بِهِ الشَّعْرُ (مَا دُونَ لَحْمِهِ) أَيْ: مَا تَحْتَ لَحْمِ ذَلِكَ الرَّجُلِ أَوْ غَيْرِهِ، وَهُوَ الظَّاهِرُ (مِنْ عَظْمٍ وَعَصَبٍ) بِفَتْحَتَيْنِ قَالَ الطِّيبِيُّ مِنْ بَيَانٍ لَهُ وَفِيهِ مُبَالَغَةٌ بِأَنَّ الْأَمْشَاطَ لِحَدِّهَا وَقُوَّتِهَا كَانَتْ تَنْفُذُ مِنَ اللَّحْمِ إِلَى الْعَظْمِ، وَمَا يَلْتَصِقُ بِهِ مِنَ الْعَصَبِ. (وَمَا يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ): جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ (وَاللَّهِ لَيَتِمَّنَّ): بِفَتْحِ الْيَاءِ وَكَسْرِ التَّاءِ وَتَشْدِيدِ الْمِيمِ أَيْ: لَيَكْمُلَنَّ (هَذَا الْأَمْرُ) أَيْ: أَمْرُ الدِّينِ وَفِي نُسْخَةٍ بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ، وَفِي أُخْرَى بِضَمِّ حَرْفِ الْمُضَارَعَةِ وَكَسْرِ التَّاءِ عَلَى أَنَّ الْفَاعِلَ هُوَ اللَّهُ، وَقَوْلُهُ: هَذَا الْأَمْرَ مَنْصُوبٌ عَلَى الْمَفْعُولِيَّةِ، وَفِيهِ
[ ٩ / ٣٧٤٧ ]
إِيمَاءٌ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ - هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ [التوبة: ٣٢ - ٣٣] (حَتَّى يَسِيرَ الرَّاكِبُ) أَيْ: رَجُلٌ أَوِ امْرَأَةٌ وَحْدَهُ (مِنْ صَنْعَاءَ): بَلَدٍ بِالْيَمَنِ (إِلَى حَضْرَمَوْتَ): مَوْضِعٍ بِأَقْصَى الْيَمَنِ وَهُوَ بِفَتْحِ الْمِيمِ غَيْرَ مُنْصَرِفٍ لِلتَّرْكِيبِ وَالْعَلَمِيَّةِ، وَقِيلَ اسْمُ قَبِيلَةٍ، وَقِيلَ مَوْضِعٌ حَضَرَ فِيهِ صَالِحٌ ﵇ فَمَاتَ فِيهِ، وَحَضَرَ جِرْجِيسُ فَمَاتَ فِيهِ ذَكَرَهُ شَارِحٌ، وَتَبِعَهُ ابْنُ الْمَلَكِ وَفِي الْقَامُوسِ: حَضْرَمَوْتُ وَبِضَمِّ الْمِيمِ بَلَدٌ وَقَبِيلَةٌ، وَيُقَالُ هَذَا حَضْرَمَوْتُ، وَيُضَافُ فَيُقَالُ: حَضْرُمَوْتٍ بِضَمِّ الرَّاءِ وَإِنْ شِئْتَ لَا تُنَوِّنِ الثَّانِيَ (لَا يَخَافُ إِلَّا اللَّهَ أَوِ الذِّئْبَ عَلَى غَنَمِهِ): وَفِي نُسْخَةٍ بِالْوَاوِ، وَهُوَ مُحْتَمِلٌ أَنْ يَكُونَ بِمَعْنَى أَوْ يَكُونَ (أَوْ) بِمَعْنَى الْوَاوِ لِلْجَمْعِ أَوْ لِلشَّكِّ، وَعَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ، فَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ مِنَ الْمُبَالَغَةِ فِي حُصُولِ الْأَمْنِ، وَزَوَالِ الْخَوْفِ، فَانْدَفَعَ مَا قِيلَ مِنْ أَنَّ سِيَاقَ الْحَدِيثِ إِنَّمَا هُوَ لِلْأَمْنِ مِنْ عُدْوَانِ بَعْضِ النَّاسِ عَلَى بَعْضٍ، كَمَا هُوَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ لَا الْأَمْنُ مِنْ عُدْوَانِ الذِّئْبِ، فَإِنَّ ذَلِكَ إِنَّمَا يَكُونُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ عِنْدَ نُزُولِ عِيسَى ﵇. (وَلَكِنَّكُمْ تَسْتَعْجِلُونَ) . أَيْ: سَيَزُولُ عَذَابُ الْمُشْرِكِينَ فَاصْبِرُوا عَلَى أَمْرِ الدِّينِ كَمَا صَبَرَ مَنْ سَبَقَكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى أَشَدِّ مِنْ عَذَابِكُمْ لِقُوَّةِ الْيَقِينِ. (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ): وَكَذَا أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ.
[ ٩ / ٣٧٤٨ ]
٥٨٥٩ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁، قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - يَدْخُلُ عَلَى أُمِّ حَرَامٍ بِنْتِ مِلْحَانَ، وَكَانَتْ تَحْتَ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، فَدَخَلَ عَلَيْهَا يَوْمًا فَأَطْعَمَتْهُ؛ ثُمَّ جَلَسَتْ تَفْلِي رَأْسَهُ، فَنَامَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - ثُمَّ اسْتَيْقَظَ وَهُوَ يَضْحَكُ، قَالَتْ: فَقُلْتُ: مَا يُضْحِكُكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: (نَاسٌ مِنْ أُمَّتِي عُرِضُوا عَلَيَّ غُزَاةً فِي سَبِيلِ اللَّهِ، يَرْكَبُونَ ثَبَجَ هَذَا الْبَحْرِ مُلُوكًا عَلَى الْأَسِرَّةِ، أَوْ مِثْلَ الْمُلُوكِ عَلَى الْأَسِرَّةِ)، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ، فَدَعَا لَهَا ثُمَّ وَضَعَ رَأْسَهُ فَنَامَ، ثُمَّ اسْتَيْقَظَ وَهُوَ يَضْحَكُ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا يُضْحِكُكَ؟ قَالَ: (نَاسٌ مِنْ أُمَّتِي عُرِضُوا عَلَيَّ غُزَاةً فِي سَبِيلِ اللَّهِ) . كَمَا قَالَ فِي الْأُولَى. (قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ) ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ. قَالَ: (أَنْتِ مِنَ الْأَوَّلِينَ) . فَرَكِبَتْ أُمُّ حَرَامٍ الْبَحْرَ فِي زَمَنِ مُعَاوِيَةَ، فَصُرِعَتْ عَنْ دَابَّتِهَا حِينَ خَرَجَتْ مِنَ الْبَحْرِ فَهَلَكَتْ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
_________________
(١) (وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - يَدْخُلُ عَلَى أُمِّ حَرَامٍ بِنْتِ مِلْحَانَ)، بِكَسْرِ الْمِيمِ وَهُوَ ابْنُ خَالِدٍ، وَهِيَ خَالَةُ أَنَسٍ نَسَبًا، وَهِيَ وَأُمُّهُ أُمُّ سُلَيْمٍ مِنْ خَالَاتِ النَّبِيِّ - ﷺ - رَضَاعًا أَوْ نَسَبًا. قَالَ النَّوَوِيُّ: اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّهَا كَانَتْ مَحْرَمًا لَهُ - ﷺ - وَاخْتَلَفُوا فِي كَيْفِيَّةِ ذَلِكَ، فَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ، وَغَيْرُهُ: كَانَتْ إِحْدَى خَالَاتِهِ مِنَ الرَّضَاعَةِ. وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ كَانَتْ خَالَةً لِأَبِيهِ أَوْ لِجَدِّهِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَكَانَتْ أُمُّهُ مِنْ بَنِي النَّجَّارِ، وَقَدْ سَبَقَ ذِكْرُ وَجْهِ الدُّخُولِ عَلَيْهَا فِي حَدِيثِ أُخْتِهَا أُمِّ سُلَيْمٍ مَعَ زِيَادَةِ تَحْقِيقٍ فَتَذَكَّرْ. (وَكَانَتْ تَحْتَ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ)، أَيْ: زَوْجَتُهُ. قَالَ الْمُؤَلِّفُ: أَسْلَمَتْ وَبَايَعَتْ وَمَاتَتْ غَازِيَةً مَعَ زَوْجِهَا بِأَرْضِ الرُّومِ، وَقَبْرُهَا بِقُبْرُصَ، رَوَى عَنْهَا ابْنُ أُخْتِهَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، وَزَوْجُهَا عُبَادَةُ. قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: لَا أَقِفُ لَهَا عَلَى اسْمٍ صَحِيحٍ غَيْرَ كُنْيَتِهَا، وَكَانَ مَوْتُهَا فِي خِلَافَةِ عُثْمَانَ، (فَدَخَلَ) أَيِ: النَّبِيُّ - ﷺ - (عَلَيْهَا يَوْمًا فَأَطْعَمَتْهُ ثُمَّ جَلَسَتْ تَفْلِي) . بِكَسْرِ اللَّامِ مُخَفَّفَةً أَيْ: تُفَتِّشُ (رَأْسَهُ) أَيْ: شَعْرَ رَأْسِهِ (فَنَامَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - ثُمَّ اسْتَيْقَظَ) أَيِ: انْتَبَهَ بَعْدَ نَوْمٍ كَثِيرٍ (وَهُوَ يَضْحَكُ قَالَتْ: فَقُلْتُ: مَا يُضْحِكُكَ): بِضَمِّ الْيَاءِ وَكَسْرِ الْحَاءِ أَيْ: أَيُّ شَيْءٍ يَبْعَثُكَ عَلَى الضَّحِكِ (يَا رَسُولَ اللَّهِ)؟ فَإِنَّ مِثْلَكَ لَا يَضْحَكُ بِلَا سَبَبٍ مِنْ أَمْرٍ عَجَبٍ. (قَالَ (نَاسٌ) أَيْ: جَمْعٌ (مِنْ أُمَّتِي عُرِضُوا عَلَيَّ غُزَاةً) أَيْ: حَالَ كَوْنِهِمْ مُجَاهِدِينَ (فِي سَبِيلِ اللَّهِ) أَيْ: مَعَ الْكُفَّارِ (يَرْكَبُونَ ثَبَجَ هَذَا الْبَحْرِ): بِفَتْحِ مُثَلَّثَةٍ وَمُوَحَّدَةٍ فَجِيمٍ أَيْ وَسَطَهُ وَمُعْظَمَهُ (مُلُوكًا عَلَى الْأَسِرَّةِ، أَوْ مِثْلَ الْمُلُوكِ عَلَى الْأَسِرَّةِ): الظَّاهِرُ أَنَّ أَوْ شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي، وَهُوَ إِمَّا حَالٌ أَوْ صِفَةُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أَيْ: يَرْكَبُونَ مُلُوكًا عَلَى الْأَسِرَّةِ، أَوْ رُكُوبًا مِثْلَ رُكُوبِ الْمُلُوكِ عَلَى الْأَسِرَّةِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: شَبَّهَ ثَبَجَ الْبَحْرِ بِظَهْرِ الْأَرْضِ، وَالسَّفِينَةَ بِالسَّرِيرِ، وَجَعَلَ الْجُلُوسَ عَلَيْهَا مُشَابِهًا لِجُلُوسِ الْمُلُوكِ عَلَى أَسِرَّتِهِمْ إِيذَانًا بِأَنَّهُمْ بَذَّالُونَ لِأَنْفُسِهِمْ، وَيَرْتَكِبُونَ هَذَا الْأَمْرَ الْعَظِيمَ، مِنْ وُفُورِ نَشَاطِهِمْ وَتَمَكُّنِهِمْ مِنْ مُنَاهُمْ كَالْمُلُوكِ عَلَى أَسِرَّتِهِمْ، وَفِي شَرْحِ مُسْلِمٍ قِيلَ: هُوَ صِفَةٌ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِذَا دَخَلُوا الْجَنَّةَ، وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ صِفَةٌ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا أَيْ: يَرْكَبُونَ مَرَاكِبَ الْمُلُوكِ لِسَعَةِ حَالِهِمْ، وَاسْتِقَامَةِ أَمْرِهِمْ وَكَثْرَةِ عَدَدِهِمْ. اهـ. وَفِيهِ إِشْعَارٌ بِأَنَّ الْحَالَ مُقَدَّرَةٌ عَلَى
[ ٩ / ٣٧٤٨ ]
الْمَعْنَيَيْنِ بِخِلَافِ مَا قَرَّرَهُ الطِّيبِيُّ فَإِنَّهَا حِينَئِذٍ مُحَقَّقَةٌ. (فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ، فَدَعَا لَهَا): فِيهِ الْتِفَاتٌ أَوْ تَجْرِيدٌ أَوْ نَقْلٌ بِالْمَعْنَى، أَوْ مِنْ كَلَامِ أَنَسٍ (ثُمَّ وَضَعَ رَأْسَهُ فَنَامَ، ثُمَّ اسْتَيْقَظَ وَهُوَ يَضْحَكُ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا يُضْحِكُكَ)؟ أَيِ: الْآنَ (قَالَ: (نَاسٌ مِنْ أُمَّتِي عُرِضُوا عَلَيَّ غُزَاةً فِي سَبِيلِ اللَّهِ) . كَمَا قَالَ) أَيِ: النَّبِيُّ - ﷺ - (فِي الْأُولَى) . أَيْ: فِي الْمَقَالَةِ الْأُولَى، وَهُوَ مِنْ كَلَامِ الرَّاوِي اخْتِصَارًا (فَقُلْتُ) أَيْ: ثَانِيًا (يَا رَسُولَ اللَّهِ! ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ. قَالَ: (أَنْتِ مِنَ الْأَوَّلِينَ) . فِيهِ إِيمَاءٌ إِلَى أَنَّ مَرْتَبَةَ الْأَوَّلِينَ فَوْقَ مَرْتَبَةِ الْآخِرِينَ (فَرَكِبَتْ أُمُّ حَرَامٍ الْبَحْرَ فِي زَمَنِ مُعَاوِيَةَ)، أَيْ: فِي أَيَّامِ وِلَايَةِ مُعَاوِيَةَ، فَلَا يُنَافِي مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ مَوْتَهَا فِي خِلَافَةِ عُثْمَانَ (فَصُرِعَتْ عَنْ دَابَّتِهَا): بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيْ: فَسَقَطَتْ عَنْ ظَهْرِ مَرْكَبِهَا (حِينَ خَرَجَتْ مِنَ الْبَحْرِ فَهَلَكَتْ) . أَيْ: مَاتَتْ، وَنَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿حَتَّى إِذَا هَلَكَ﴾ [غافر: ٣٤] أَيْ: مَاتَ يُوسُفُ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) . وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ.
[ ٩ / ٣٧٤٩ ]
٥٨٦٠ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: إِنَّ ضِمَادًا قَدِمَ مَكَّةَ وَكَانَ مِنْ أَزْدِ شَنُوءَةَ، وَكَانَ يَرْقِي مِنْ هَذَا الرِّيحِ، فَسَمِعَ سُفَهَاءَ أَهْلِ مَكَّةَ يَقُولُونَ: إِنَّ مُحَمَّدًا مَجْنُونٌ. فَقَالَ: لَوْ أَنِّي رَأَيْتُ هَذَا الرَّجُلَ لَعَلَّ اللَّهَ يَشْفِيهِ عَلَى يَدَيَّ. قَالَ: فَلَقِيَهُ. فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ! إِنِّي أَرْقِي مِنْ هَذَا الرِّيحِ، فَهَلْ لَكَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: (إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ، نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، أَمَّا بَعْدُ) فَقَالَ: أَعِدْ عَلَيَّ كَلِمَاتِكَ هَؤُلَاءِ فَأَعَادَهُنَّ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - ثَلَاثَ مَرَّاتٍ فَقَالَ: لَقَدْ سَمِعْتُ قَوْلَ الْكَهَنَةِ وَقَوْلَ السَّحَرَةِ وَقَوْلَ الشُّعَرَاءِ، فَمَا سَمِعْتُ مِثْلَ كَلِمَاتِكَ هَؤُلَاءِ، وَلَقَدْ بَلَغْنَ قَامُوسَ الْبَحْرِ، هَاتِ يَدَكَ أُبَايِعْكَ عَلَى الْإِسْلَامِ، قَالَ: فَبَايَعَهُ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَفِي بَعْضِ نُسَخِ (الْمَصَابِيحِ): بَلَغْنَا نَاعُوسَ الْبَحْرِ وَهُوَ تَصْحِيفٌ، وَذَكَرَ حَدِيثَا أَبِي هُرَيْرَةَ وَجَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ (يَهْلِكُ كِسْرَى) وَالْآخَرَ (لَتَفْتَحَنَّ عِصَابَةٌ) فِي بَابِ (الْمَلَاحِمِ) .
وَهَذَا الْبَابُ خَالٍ عَنِ الْفَصْلِ الثَّانِي
_________________
(١) (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: إِنَّ ضِمَادًا): بِكَسْرِ الضَّادِ وَيُضَمُّ وَتَخْفِيفِ الْمِيمِ وَدَالٍ فِي آخِرِهِ، وَيُرْوَى ضِمَامٌ بِمِيمٍ فِي آخِرِهِ (قَدِمَ مَكَّةَ)، بِكَسْرِ الدَّالِ أَيْ: نَزَلَ بِهَا مِنْ سَفَرٍ (وَكَانَ مِنْ أَزْدِ شَنُوءَةَ): بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَضَمِّ نُونٍ فَوَاوٍ سَاكِنَةٍ فَهَمْزَةٍ فَهَاءٍ، قَبِيلَةٌ كَبِيرَةٌ مِنَ الْيَمَنِ، وَالْأَزْدُ قَبِيلَةٌ مِنْهَا. قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: هُوَ بِضَمِّ الضَّادِ الْمُعْجَمَةِ وَكَسْرِهَا اسْمُ رَجُلٍ كَانَ صَدِيقًا لِلنَّبِيِّ - ﷺ - قَبْلَ أَنْ يُبْعَثَ. وَقَالَ الْمُؤَلِّفُ: هُوَ ضِمَادُ بْنُ ثَعْلَبَةَ الْأَزْدِيُّ، كَانَ يَتَطَيَّبُ وَيَطْلُبُ الْعِلْمَ أَسْلَمَ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ (وَكَانَ يَرْقِي): بِكَسْرِ الْقَافِ أَيْ: يُعَالِجُ الدَّاءَ بِشَيْءٍ يُقْرَأُ ثُمَّ يَنْفُثُ (مِنْ هَذَا الرِّيحِ)، قَالَ الطِّيبِيُّ: الْإِشَارَةُ بِهَذَا إِلَى جِنْسِ الْعِلَّةِ لَهُ، وَذَكَرَهُ بِاعْتِبَارِ الْجُنُونِ. قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: الْإِشَارَةُ بِهَذَا إِلَى جِنْسِ الْعِلَّةِ الَّتِي كَانُوا يَرَوْنَهَا الرِّيحَ، وَكَأَنَّهُمْ كَانُوا يَرَوْنَ أَنَّ الْخَبَلَ الَّذِي يُصِيبُ الْإِنْسَانَ، وَالْأَدْوَاءَ الَّتِي كَانُوا يَرَوْنَهَا مِنْ مَسَّةِ الْجِنِّ نَفْحَةً مِنْ نَفَحَاتِ الْجِنِّ فَيُسَمُّونَهَا الرِّيحَ اهـ. وَقَالَ أَبُو مُوسَى: الرِّيحُ هُنَا بِمَعْنَى الْجِنِّ سَمَّوْا بِهَا لِأَنَّهُمْ لَا يَرَوْنَ كَالرِّيحِ (فَسَمِعَ) أَيْ: ضِمَادٌ (سُفَهَاءَ أَهْلِ مَكَّةَ) أَيْ: جُهَّالَهُمْ مِنَ الْكُفَّارِ (يَقُولُونَ: إِنَّ مُحَمَّدًا مَجْنُونٌ. فَقَالَ لَوْ أَنِّي رَأَيْتُ) أَيْ: أَبْصَرْتُ (هَذَا الرَّجُلَ) أَيْ: بِالْوَصْفِ الْمَذْكُورِ لَدَاوَيْتُهُ، فَجَوَابُ (لَوْ) مُقَدَّرٌ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّ لَوْ هَذِهِ لِلتَّمَنِّي كَمَا يُشِيرُ إِلَيْهِ قَوْلُهُ: (لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَشْفِيَهُ عَلَى يَدَيَّ) . أَيْ: بِسَبَبِي (قَالَ) أَيِ: ابْنُ عَبَّاسٍ (فَلَقِيَهُ) أَيْ: مُحَمَّدًا (فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ! إِنِّي أَرْقِي مِنْ هَذَا الرِّيحِ، فَهَلْ لَكَ)؟ أَيْ: رَغْبَةٌ فِي أَنْ أَرْقِيَكَ وَأُخَلِّصَكَ مِنَ الْجُنُونِ (فَقَالَ - ﷺ - (إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ)، أَيْ: ثَابِتٌ لَهُ مُخْتَصٌّ بِهِ، سَوَاءٌ حُمِدَ أَوْ لَمْ يُحْمَدْ (نَحْمَدُهُ) أَيْ: لِوُجُوبِهِ عَلَيْنَا وَلِعَوْدِ نَفْعِهِ إِلَيْنَا (وَنَسْتَعِينُهُ) أَيْ: فِي جَمِيعِ أُمُورِنَا (مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ) أَيْ: إِلَى طَرِيقِ تَوْحِيدِهِ وَشُهُودِ تَفْرِيدِهِ بِمُقْتَضَى فَضْلِهِ (فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ) أَيْ: وَمَنْ يُضْلِلْهُ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ بِمُوجَبِ عَدْلِهِ (فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ) أَيْ: مُنْفَرِدًا وَهُوَ تَأْكِيدٌ لِمَا قَبْلَهُ كَقَوْلِهِ: (لَا شَرِيكَ لَهُ)، أَوِ الْمُرَادُ بِالْأَوَّلِ تَوْحِيدُ الذَّاتِ، وَبِالثَّانِي تَفْرِيدُ الصِّفَاتِ (وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ) أَيِ: الْمُخْتَصُّ الْمُكَرَّمُ (وَرَسُولُهُ) أَيِ: الْمَخْصُوصُ الْمُعَظَّمُ - ﷺ.
[ ٩ / ٣٧٤٩ ]
وَشَرَّفَ وَكَرَّمَ (أَمَّا بَعْدُ) أَيْ: وَأَرَادَ أَنْ يَخْطُبَ لَهُ خُطْبَةً عَظِيمَةً وَمَوْعِظَةً جَسِيمَةً تَعْجَزُ عَنْهُ الْبُلَغَاءُ، وَيَتَحَيَّرُ فِيهِ الْفُصَحَاءُ، لِيَعْلَمَ الْعُقَلَاءُ أَنَّهُمْ بِجَنْبِهِ مِنَ الْمَجَانِينِ وَالسُّفَهَاءِ، (قَالَ: أَعِدْ عَلَيَّ كَلِمَاتِكَ هَؤُلَاءِ)، الْمُتَقَدِّمَةَ الدَّالَّةَ عَلَى جَزَالَةِ الْخَاتِمَةِ (فَأَعَادَهُنَّ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - ثَلَاثَ مَرَّاتٍ) . يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ التَّثْلِيثُ بِالْأُولَى كَمَا كَانَ لَهُ الْعَادَةُ أَوْ بِغَيْرِهَا، كَمَا يُفِيدُ حَقِيقَةُ الْإِعَادَةِ مَعَ زِيَادَةِ الْمُبَالَغَةِ فِي مَقَامِ الْإِفَادَةِ وَتَمَامِ الِاسْتِفَادَةِ (قَالَ) أَيْ: ضِمَادٌ (لَقَدْ سَمِعْتُ قَوْلَ الْكَهَنَةِ) . بِفَتْحَتَيْنِ جَمْعُ كَاهِنٍ وَهُوَ الْمُخْبِرُ عَنِ الْغَيْبِ بِعِبَارَاتٍ مُسَجَّعَةٍ وَإِشَارَاتٍ مُبْدِعَةٍ (وَقَوْلَ السَّحَرَةِ) جَمْعُ سَاحِرٍ وَهُوَ الْمُخَيَّلُ فِي الْعَيْنِ وَالذِّهْنِ مِنْ جِهَةِ قَوْلِهِ أَوْ مِنْ أَجْلِ فِعْلِهِ (وَقَوْلَ الشُّعَرَاءِ)، جَمْعُ شَاعِرٍ وَهُوَ الْمُحَلَّى بِاللِّسَانِ فِي كُلِّ شَأْنٍ حَتَّى شَانَ مَا زَانَ وَزَانَ مَا شَانَ، يُرِيدُ أَنَّهُمْ يَنْسُبُونَكَ تَارَةً إِلَى الْكَهَانَةِ وَمَرَّةً إِلَى السِّحْرِ، وَأُخْرَى إِلَى الشِّعْرِ، وَقَدْ سَمِعْتُ مَقَالَةَ أَصْحَابِهَا (فَمَا سَمِعْتُ) أَيْ: مِنْهُمْ (مِثْلَ كَلِمَاتِكَ هَؤُلَاءِ) . يَعْنِي فَلَوْ كُنْتَ مِنْهُمْ لَأَشْبَهَ كَلَامُكَ كَلَامَهُمْ، فَإِذَا كَانَ كَلَامُهُ أَبْلَغَ مِنْ كَلَامِ هَؤُلَاءِ، فَلَا يَعُدُّهُ مَجْنُونًا إِلَّا السُّفَهَاءُ، ثُمَّ إِنَّهُمْ كَانُوا يَرَوْنَ الْكُهَّانَ وَالسَّحَرَةَ وَالشُّعَرَاءَ أَهْلَ الْبَلَاغَةِ وَالْمُتَصَرِّفِينَ فِي الْقَوْلِ عَلَى أَيِّ أُسْلُوبٍ شَاءُوا، فَأَشَارَ بِقَوْلِهِ هَذَا إِلَى الْإِعْجَازِ أَيْ: جَاوَزَ كَلَامُكَ حَدَّ الْبَلَاغَةِ، وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ - ﷺ - قَابَلَ كَلَامَ ضِمَادٍ بِمَا تَقَدَّمَ لِيُظْهِرَ لَهُ كَمَالَ عَقْلِهِ، وَيَتَبَيَّنَ جَهْلُ أَعْدَائِهِ.
وَقَالَ الطِّيبِيُّ: طَابَقَ هَذَا الْقَوْلُ مِنْهُ - ﷺ - قَوْلَ ضِمَادٍ مِنْ أَنَّهُ لَمَّا سَمِعَ مِنْ سُفَهَاءِ أَهْلِ مَكَّةَ أَنَّ مُحَمَّدًا مَجْنُونٌ اعْتَقَدَ أَنَّهُ كَذَلِكَ، فَقَالَ: هَلْ لَكَ رَغْبَةٌ فِي الْخَلَاصِ؛ كَأَنَّهُ - ﷺ - مَا الْتَفَتَ إِلَى قَوْلِهِ ذَلِكَ، وَأَرْشَدَهُ إِلَى الْحَقِّ الْبَحْتِ وَالصِّدْقِ الْمَحْضِ، أَيْ: إِنِّي لَسْتُ بِمَجْنُونٍ أَتَكَلَّمُ كَلَامَ الْمَجَانِينِ، بَلْ كَلَامِي نَحْوُ هَذَا وَأَمْثَالِهِ، فَتَفَكَّرْ فِيهِ هَلْ يَنْطِقُ الْمَجْنُونُ بِمِثْلِ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ وَنَحْوِهِ. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ - وَمَا هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ﴾ [القلم: ٥١ - ٥٢] أَيْ: إِنَّهُمْ جَنَّنُوهُ لِأَجْلِ الْقُرْآنِ، وَمَا هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَمَوْعِظَةٌ لِلْعَالِمِينَ، وَكَيْفَ يُجَنَّنُ مَنْ جَاءَ بِمِثْلِهِ. قُلْتُ بَلِ الْمَجْنُونُ مَنْ غَفَلَ عَنْ ذِكْرِ الْحَقِّ وَاشْتَغَلَ بِكَلَامِ الْخَلْقِ، وَلِذَا قَالَ - ﷺ - (اذْكُرُوا اللَّهَ حَتَّى يَقُولُوا مَجْنُونٌ) ثُمَّ قَالَ الطِّيبِيُّ: وَالْعَرَبُ رُبَّمَا اسْتَعْمَلُوا هَؤُلَاءِ فِي غَيْرِ الْعُقَلَاءِ، وَقَدْ شَهِدَ بِهِ التَّنْزِيلُ قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: ٣٦] قَالَ الشَّاعِرُ:
ذُمَّ الْمَنَازِلَ بَعْدَ مَنْزِلَةِ اللِّوَى وَالْعَيْشَ بَعْدَ أُولَئِكَ الْأَيَّامِ
(وَلَقَدْ بَلَغْنَ) أَيْ: هَؤُلَاءِ الْكَلِمَاتُ الْجَامِعَاتُ الْمُحِيطَاتُ بِحُرُوفٍ كَاللَّآلِئِ الْمَنْظُومَاتِ الَّتِي يَعْجِزُ الْغَوَّاصُ عَنْ إِخْرَاجِهَا وَإِبْرَازِهَا لِمَا فِيهَا مِنَ الدِّلَالَاتِ الْبَيِّنَةِ عَلَى إِعْجَازِهَا مِنْ كَمَالِ إِيجَازِهَا (قَامُوسَ الْبَحْرِ)، أَيْ: مُعْظَمَ بَحْرِ الْكَلَامِ وَوَسَطَ لُجَّةِ الْمَرَامِ، وَالْمَعْنَى بَلَغَتْ غَايَةَ الْفَصَاحَةِ وَنِهَايَةَ الْبَلَاغَةِ. قَالَ صَاحِبُ الْقَامُوسِ: الْقَمْسُ الْغَوْصُ وَالْغَمْسُ وَالْقَوْمَسُ مُعْظَمُ مَاءِ الْبَحْرِ كَالْقَامُوسِ وَالْقَامُوسُ الْبَحْرُ أَوْ أَبْعَدُ مَوْضِعٍ فِيهِ غَوْرًا (هَاتِ): بِكَسْرِ التَّاءِ أَيْ: إِلَخْ (يَدَكَ أُبَايِعْكَ): بِالْجَزْمِ جَوَابُ الْأَمْرِ (عَلَى الْإِسْلَامِ. قَالَ) أَيِ: ابْنُ عَبَّاسٍ (فَبَايَعَهُ) . أَيِ: النَّبِيُّ ﵊. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
(وَفِي بَعْضِ نُسَخِ الْمَصَابِيحِ: بَلَغْنَا) أَيْ: بِصِيغَةِ الْمُتَكَلِّمِ مَعَ الْغَيْرِ (نَاعُوسَ الْبَحْرِ) . بِالنُّونِ وَالْعَيْنِ وَهُوَ تَصْحِيفٌ وَتَحْرِيفٌ، حَيْثُ لَمْ يُذْكَرِ النَّاعُوسُ فِي الْقَامُوسِ. قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: وَفِي كِتَابِ الْمَصَابِيحِ بَلَغْنَا وَهُوَ خَطَأٌ لَا سَبِيلَ إِلَى تَقْوِيمِهِ مِنْ طَرِيقِ الْمَعْنَى وَالرِّوَايَةُ لَمْ تَرِدْ لَهُ، وَنَاعُوسُ الْبَحْرِ أَيْضًا خَطَأٌ، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي كِتَابِهِ وَغَيْرُهُ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ، وَقَدْ وَهِمُوا فِيهِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ سَمِعَ بَعْضَ الرُّوَّادِ أَخْطَأَ فِيهِ، فَرُوِيَ مَلْحُونًا وَهَذَا مِنَ الْأَلْفَاظِ الَّتِي تُسْمَعُ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ، وَالصَّوَابُ فِيهِ قَامُوسُ الْبَحْرِ، وَهُوَ وَسَطُهُ وَمُعْظَمُهُ مِنَ الْقَمْسِ وَهُوَ الْغَوْصُ وَالْقَمَّاسُ الْغَوَّاصُ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ، قَوْلُهُ: بَلَغْنَا خَطَأٌ إِنْ أَرَادَ بِهِ مِنْ حَيْثُ الرِّوَايَةُ، فَلَا نُنْكِرُهُ لِأَنَّا مَا وَجَدْنَاهَا فِي الْأُصُولِ، وَإِنْ أَرَادَ بِحَسَبِ الْمَبْنَى فَمَعْنَاهَا صَحِيحَةٌ أَيْ: قَدْ وَصَلْنَا إِلَى لُجَّةِ الْبَحْرِ وَمَحَلِّ اللَّآلِئِ وَالدُّرِّ، فَيَجِبُ أَنْ نَقِفَ عَلَيْهِ وَنَغُوصَ فِيهِ اسْتِخْرَاجًا لِفَوَائِدِهِ وَالْتِقَاطًا لِفَرَائِدِهِ قُلْتُ: الشَّيْخُ نَفَى الْمَعْنَى اللُّغَوِيَّ الْحَقِيقِيَّ إِذْ لَيْسَ الْكَلَامُ فِي الْمَعْنَى الْمَجَازِيِّ الَّذِي هُوَ بِإِشَارَاتِ الصُّوفِيَّةِ أَشْبَهَ فَتَدَبَّرْ وَتَنَبَّهْ. قَالَ: وَأَمَّا قَوْلُهُ (نَاعُوسَ الْبَحْرِ) أَيْضًا خَطَأٌ، فَلَيْسَ بِصَوَابٍ، أَمَّا رِوَايَةُ فَقَدْ قَالَ الشَّيْخُ مُحْيِي الدِّينِ
[ ٩ / ٣٧٥٠ ]
فِي شَرْحِ صَحِيحِ مُسْلِمٍ: (نَاعُوسَ الْبَحْرِ) ضَبَطَاهُ بِوَجْهَيْنِ أَشْهَرُهُمَا بِالنُّونِ وَالسِّينِ، وَهَذَا هُوَ الْمَوْجُودُ فِي نُسَخِ بِلَادِنَا، وَالثَّانِي قَامُوسُ الْبَحْرِ بِالْقَافِ وَالْمِيمِ، وَهَذَا الثَّالِثُ هُوَ الْمَشْهُورُ فِي رِوَايَاتِ الْحَدِيثِ فِي غَيْرِ صَحِيحِ مُسْلِمٍ. قُلْتُ هَذَا مَا يُنَافِي قَوْلَ الشَّيْخِ، فَإِنَّهُ لَمْ يُنْكِرْ وُجُوهَ النَّقْلِ وَالرِّوَايَةِ، بَلْ يَطْعَنُ فِيهِ مِنْ حَيْثُ اللُّغَةُ وَالدِّرَايَةُ. قَالَ: وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: رَوَى بَعْضُهُمْ (نَاعُوسَ) بِالنُّونِ وَالْعَيْنِ. وَقَالَ شَيْخُنَا أَبُو الْحُسَيْنِ: نَاعُوسُ الْبَحْرِ بِمَعْنَى قَامُوسِهِ. قُلْتُ: وَهَذَا يُفِيدُ أَنَّ الْقَامُوسَ هُوَ الْأَشْهَرُ وَالْأَكْثَرُ، وَإِنَّمَا جَاءَ النَّاعُوسُ فِي رِوَايَةٍ، وَهُوَ لِكَوْنِهِ لَا يَسْتَقِيمُ فِي الْمَعْنَى حُمِلَ عَلَى أَنَّهُ بِمَعْنَى الْقَامُوسِ، وَإِنْ لَمْ يُسْمَعْ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ. قَالَ: وَفِي النِّهَايَةِ قَالَ أَبُو مُوسَى: (نَاعُوسَ الْبَحْرِ) كَذَا وَقَعَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ، وَفِي سَائِرِ الرِّوَايَاتِ (قَامُوسَ الْبَحْرِ)، وَهُوَ وَسَطُهُ وَلُجَّتُهُ، وَلَعَلَّهُ لَمْ يُجَوِّدْ كَيْفِيَّتَهُ، فَصَحَّفَهُ بَعْضُهُمْ، وَلَيْسَتْ هَذِهِ اللَّفْظَةُ أَصْلًا فِي مُسْنَدِ إِسْحَاقَ بْنِ رَاهَوَيْهِ الَّذِي رَوَى عَنْهُ مُسْلِمٌ هَذَا الْحَدِيثَ، غَيْرَ أَنَّهُ قَرَنَهُ بِأَبِي مُوسَى وَرِوَايَتِهِ، فَلَعَلَّهَا فِيهَا قَالَ: وَإِنَّمَا أَوْرَدَ نَحْوَ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ إِذَا طَلَبَهُ وَلَمْ يَجِدْهُ فِي شَيْءٍ مِنَ الْكُتُبِ فَتَحَيَّرَ، فَإِذَا نَظَرَ فِي كِتَابِنَا عَرَفَ أَصْلَهُ وَمَعْنَاهُ قُلْتُ: وَهَذَا كُلُّهُ يُؤَيِّدُ الشَّيْخَ فِيمَا قَرَّرَهُ، وَيُؤَكِّدُ مَا حَرَّرَهُ مِنْ جِهَةِ عَدَمِ صِحَّةِ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ مِنَ الرِّوَايَةِ.
قَالَ الطِّيبِيُّ: وَأَمَّا دِرَايَةٌ فَقَالَ الْقَاضِي نَاصِرُ الدِّينِ: نَاعُوسُ الْبَحْرِ مُعْظَمُهُ، وَتَحْتُهُ الَّذِي يُغَاصُ فِيهَا لِإِخْرَاجٍ اللَّآلِئِ، مِنْ نَعَسَ إِذَا نَامَ لِأَنَّ الْمَاءَ مِنْ كَثْرَتِهِ لَا تَظْهَرُ حَرَكَتُهُ، فَكَأَنَّهُ نَائِمٌ. قُلْتُ: ثَبَتَ الْعَرْشُ ثُمَّ انْقَشَّ الْفَرْشُ، فَإِنَّ تَحْقِيقَ الرِّوَايَةِ مُقَدَّمٌ عَلَى تَدْقِيقِ الدِّرَايَةِ، مَعَ أَنَّ هَذَا لَيْسَ مَعْنَاهُ اللُّغَوِيَّ، بَلْ تَكَلُّفٌ وَتَعَسُّفٌ فِي تَصْحِيحِهِ بِالْمَعْنَى الْمَجَازِيِّ، فَأَنَّى يُقَاوِمُ قَوْلَ الشَّيْخِ، وَهَذَا مِنَ الْأَلْفَاظِ الَّتِي لَمْ تُسْمَعْ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ، وَأَغْرَبَ الطِّيبِيُّ حَيْثُ قَالَ: وَمِنَ الْجَائِزِ أَنْ يَكُونَ النَّاعُوسُ حَقِيقَةً فِي الْقَامُوسِ، وَكَانَتْ لُغَةً عَرَبِيَّةً خَفِيَ مَكَانُهَا فَلَمْ تُنْقَلْ نَقْلًا فَاشِيًا اهـ. وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ إِنْ فَتَحْنَا بَابَ الْإِمْكَانِ انْسَدَّ طَرِيقُ التَّحْقِيقِ فِي مَكَانٍ، وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ.
(وَذَكَرَ حَدِيثَا أَبِي هُرَيْرَةَ وَجَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ): بِإِضَافَةِ الْحَدِيثَيْنِ إِلَى الرِّوَايَتَيْنِ لَفًّا وَنَشْرًا مُرَتَّبًا، وَالتَّقْدِيرُ أَحَدُهُمَا (يَهْلِكُ كِسْرَى) أَيْ: إِلَخْ. (وَالْآخَرُ (لَتَفْتَحَنَّ عِصَابَةٌ) أَيِ: الْحَدِيثُ (فِي بَابِ الْمَلَاحِمِ) . مُتَعَلِّقٌ بِذَكَرَ، وَوَجْهُهُ مِرَارًا قُرِّرَ، وَكَذَا حُرِّرَ تَوْجِيهُ قَوْلِهِ: (وَهَذَا الْبَابُ خَالٍ عَنِ الْفَصْلِ الثَّانِي) .
[ ٩ / ٣٧٥١ ]
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
٥٨٦١ - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ مِنْ فِيهِ إِلَى فِيَّ، قَالَ: انْطَلَقْتُ فِي الْمُدَّةِ الَّتِي كَانَتْ بَيْنِي وَبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: بَيْنَا أَنَا بِالشَّامِ إِذْ جِيءَ بِكِتَابٍ مِنَ النَّبِيِّ - ﷺ - إِلَى هِرَقْلَ. قَالَ: وَكَانَ دِحْيَةُ الْكَلْبِيُّ جَاءَ بِهِ فَدَفَعَهُ إِلَى عَظِيمِ بُصْرَى، فَدَفَعَهُ عَظِيمُ بُصْرَى إِلَى هِرَقْلَ. فَقَالَ هِرَقْلُ: هَلْ هُنَا أَحَدٌ مِنْ قَوْمِ هَذَا الرَّجُلِ الَّذِي يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ؟ قَالُوا: نَعَمْ، فَدُعِيتُ فِي نَفَرٍ مِنْ قُرَيْشٍ، فَدَخَلْنَا عَلَى هِرَقْلَ، فَأَجْلَسَنَا بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقَالَ: أَيُّكُمْ أَقْرَبُ نَسَبًا مِنْ هَذَا الرَّجُلِ الَّذِي يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ؟ قَالَ أَبُو سُفْيَانَ: فَقُلْتُ: أَنَا، فَأَجْلَسُونِي بَيْنَ يَدَيْهِ، وَأَجْلَسُوا أَصْحَابِي خَلْفِي، ثُمَّ دَعَا بِتَرْجُمَانِهِ فَقَالَ: قُلْ لَهُمْ: إِنِّي سَائِلٌ هَذَا عَنْ هَذَا الرَّجُلِ الَّذِي يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ، فَإِنْ كَذَبَنِي فَكَذِّبُوهُ، قَالَ أَبُو سُفْيَانُ: وَايْمُ اللَّهِ لَوْلَا مَخَافَةُ أَنْ يُؤْثَرَ عَلَيَّ الْكَذِبُ لَكَذَبْتُهُ، ثُمَّ قَالَ لِتَرْجُمَانِهِ: سَلْهُ كَيْفَ حَسَبُهُ فِيكُمْ؟ قَالَ: قُلْتُ: هُوَ فِينَا ذُو حَسَبٍ. قَالَ: فَهَلْ كَانَ مِنْ آبَائِهِ مِنْ مَلِكٍ؟ قُلْتُ: لَا. قَالَ: فَهَلْ كُنْتُمْ تَتَّهِمُونَهُ بِالْكَذِبِ فِي أَنْ يَقُولَ مَا قَالَ: قُلْتُ: لَا. قَالَ: وَمَنْ يَتْبَعُهُ، أَشْرَافُ النَّاسِ أَمْ ضُعَفَاؤُهُمْ؟ قَالَ: قُلْتُ: بَلْ ضُعَفَاؤُهُمْ. قَالَ: أَيَزِيدُونَ أَمْ يَنْقُصُونَ؟ قُلْتُ: لَا بَلْ يَزِيدُونَ. قَالَ: هَلْ يَرْتَدُّ أَحَدٌ مِنْهُمْ عَنْ دِينِهِ بَعْدَ أَنْ يَدْخُلَ فِيهِ سَخْطَةً لَهُ؟ قَالَ: قُلْتُ: لَا. قَالَ: فَهَلْ قَاتَلْتُمُوهُ؟ قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ فَكَيْفَ كَانَ قِتَالُكُمْ إِيَّاهُ؟ قَالَ: قُلْتُ: يَكُونُ الْحَرْبُ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ سِجَالًا، يُصِيبُ مِنَّا وَنُصِيبُ مِنْهُ. قَالَ: فَهَلْ يَغْدِرُ؟ قُلْتُ: لَا، وَنَحْنُ مِنْهُ فِي هَذِهِ الْمُدَّةِ، لَا نَدْرِي مَا هُوَ صَانِعٌ فِينَا؟ قَالَ: وَاللَّهِ مَا أَمْكَنَنِي مِنْ كَلِمَةٍ أُدْخِلُ فِيهَا شَيْئًا غَيْرَ هَذِهِ قَالَ: فَهَلْ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ أَحَدٌ قَبْلَهُ؟ قُلْتُ: لَا. ثُمَّ قَالَ لِتَرْجُمَانِهِ: قُلْ لَهُ: إِنِّي سَأَلْتُكَ عَنْ حَسَبِهِ فِيكُمْ، فَزَعَمْتَ أَنَّهُ فِيكُمْ ذُو حَسَبٍ، وَكَذَلِكَ الرُّسُلُ تُبْعَثُ فِي أَحْسَابِ قَوْمِهَا. وَسَأَلْتُكَ هَلْ كَانَ فِي آبَائِهِ مَلِكٌ؟ فَزَعَمْتَ أَنْ لَا، فَقُلْتُ: لَوْ كَانَ مِنْ آبَائِهِ مَلِكٌ قُلْتُ: رَجُلٌ يَطْلُبُ مُلْكَ آبَائِهِ. وَسَأَلْتُكَ عَنْ أَتْبَاعِهِ أَضُعَفَاؤُهُمْ أَمْ أَشْرَافُهُمْ؟ فَقُلْتَ: بَلْ ضُعَفَاؤُهُمْ، وَهُمْ أَتْبَاعُ الرُّسُلِ. وَسَأَلْتُكَ هَلْ كُنْتُمْ تَتَّهِمُونَهُ بِالْكَذِبِ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ مَا قَالَ؟ فَزَعَمْتَ أَنْ لَا، فَعَرَفْتُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِيَدَعَ الْكَذِبَ عَلَى النَّاسِ ثُمَّ يَذْهَبُ فَيَكْذِبُ عَلَى اللَّهِ. وَسَأَلْتُكَ: هَلْ يَرْتَدُّ أَحَدٌ مِنْهُمْ عَنْ دِينِهِ بَعْدَ أَنْ يَدْخُلَ فِيهِ سَخْطَةً لَهُ؟ فَزَعَمْتَ أَنْ لَا، وَكَذَلِكَ الْإِيمَانُ إِذَا خَالَطَ بَشَاشَتُهُ الْقُلُوبَ. وَسَأَلْتُكَ هَلْ يَزِيدُونَ أَمْ يَنْقُصُونَ؟ فَزَعَمْتَ أَنَّهُمْ يَزِيدُونَ، وَكَذَلِكَ الْإِيمَانُ حَتَّى يَتِمَّ وَسَأَلْتُكَ هَلْ قَاتَلْتُمُوهُ؟ فَزَعَمْتَ أَنَّكُمْ قَاتَلْتُمُوهُ، فَتَكُونُ الْحَرْبُ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ سِجَالًا يَنَالُ مِنْكُمْ وَتَنَالُونَ مِنْهُ، وَكَذَلِكَ الرُّسُلُ تُبْتَلَى، ثُمَّ تَكُونُ لَهَا الْعَاقِبَةُ. وَسَأَلْتُكَ هَلْ يَغْدِرُ، فَزَعَمْتَ أَنَّهُ لَا يَغْدِرُ، وَكَذَلِكَ الرُّسُلُ لَا تَغْدِرُ، وَسَأَلْتُكَ هَلْ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ أَحَدٌ قَبْلَهُ؟ فَزَعَمْتَ أَنْ لَا، فَقُلْتُ: لَوْ كَانَ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ أَحَدٌ قَبْلَهُ، قُلْتُ: رَجُلٌ ائْتَمَّ بِقَوْلٍ قِيلَ قَبْلَهُ. قَالَ: ثُمَّ قَالَ: بِمَا يَأْمُرُكُمْ؟ قُلْنَا: يَأْمُرُنَا بِالصَّلَاةِ، وَالزَّكَاةِ، وَالصِّلَةِ، وَالْعَفَافِ، قَالَ: إِنْ يَكُ مَا تَقُولُ حَقًّا فَإِنَّهُ نَبِيٌّ، وَقَدْ كُنْتُ أَعْلَمَ أَنَّهُ خَارِجٌ، وَلَمْ أَكُنْ أَظُنُّهُ مِنْكُمْ، وَلَوْ أَنِّي أَعْلَمُ أَنِّي أَخْلُصُ إِلَيْهِ لَأَحْبَبْتُ لِقَاءَهُ، وَلَوْ كُنْتُ عِنْدَهُ لَغَسَلْتُ عَنْ قَدَمَيْهِ، وَلَيَبْلُغَنَّ مُلْكُهُ مَا تَحْتَ قَدَمَيَّ. ثُمَّ دَعَا بِكِتَابِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - فَقَرَأَهُ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَقَدْ سَبَقَ تَمَامُ الْحَدِيثِ فِي (بَابِ الْكِتَابِ إِلَى الْكُفَّارِ) .
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
٥٨٦١ - (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ): بِضَمِّ السِّينِ وَجُوِّزَ تَثْلِيثُهُ، وَاسْمُهُ صَخْرٌ بِمُهْمَلَةٍ فَمُعْجَمَةٍ، وُلِدَ قَبْلَ الْفِيلِ بِعَشْرِ سِنِينَ، وَأَسْلَمَ لَيْلَةَ الْفَتْحِ، وَشَهِدَ الطَّائِفَ وَحُنَيْنًا، وَفُقِئَتْ عَيْنُهُ فِي الْأَوْلَى وَالْأُخْرَى يَوْمَ الْيَرْمُوكِ، تُوُفِّيَ بِالْمَدِينَةِ، وَصَلَّى عَلَيْهِ عُثْمَانُ ﵄ (مِنْ فِيهِ إِلَى فِيَّ)، مِنْ لِلِابْتِدَاءِ أَيِ: الْحَدِيثُ الَّذِي أَرْوِيهِ انْتَقَلَ مِنْ فَمِهِ إِلَى فَمِي، وَلَمْ يَكُنْ بَيْنَنَا وَاسِطَةٌ، كَذَا ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّ مَعْنَاهُ لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ حَاضِرًا غَيْرِي مَعَهُ، كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ حَدَّثَنِي، وَكَذَا قَوْلُهُ فِيَّ فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ أَحَدٌ غَيْرُهُ لَجَازَ أَنْ يَرْوِيَهُ، فَلَا يَكُونُ التَّحْدِيثُ مُنْحَصِرًا مِنْ فَمِهِ إِلَى فَمِهِ فَقَطْ. (قَالَ) أَيْ: أَبُو سُفْيَانَ (انْطَلَقْتُ) أَيْ: سَافَرْتُ (فِي الْمُدَّةِ) أَيْ: فِي مُدَّةِ الصُّلْحِ (الَّتِي كَانَتْ بَيْنِي وَبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ): يَعْنِي صُلْحَ الْحُدَيْبِيَةِ ذَكَرَهُ النَّوَوِيُّ، وَكَانَ سَنَةَ سِتٍّ وَمُدَّتُهَا عَشْرُ سِنِينَ، لَكِنَّهُمْ نَقَضُوا الْعَهْدَ بِقَتْلِ بَعْضِ خُزَاعَةَ مِنْ حُلَفَائِهِ - ﷺ - سَنَةَ ثَمَانٍ وَفَتْحِ مَكَّةَ. (قَالَ) أَيْ: أَبُو سُفْيَانَ (فَبَيْنَا أَنَا بِالشَّامِ) أَيْ: مِنْ أَهْلِ الْمَقَامِ (إِذْ جِيءَ بِكِتَابٍ مِنَ النَّبِيِّ - ﷺ - إِلَى هِرَقْلَ) . بِكَسْرِ الْهَاءِ وَفَتْحِ الرَّاءِ وَسُكُونِ الْقَافِ وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ عَلَى مَا فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ، وَفِي نُسْخَةٍ بِكَسْرِ الْهَاءِ وَالْقَافِ وَسُكُونِ الرَّاءِ، وَهُوَ غَيْرُ مُنْصَرِفٍ لِلْعُجْمَةِ.
[ ٩ / ٣٧٥١ ]
وَالْعَلَمِيَّةِ، وَهُوَ مَلِكُ الرُّومِ وَلَقَبُهُ قَيْصَرُ، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ ضَرَبَ الدَّنَانِيرَ، وَأَوَّلُ مَنْ أَحْدَثَ الْبَيْعَةَ عَلَى مَا فِي الْقَامُوسِ. قَالَ) أَيْ: أَبُو سُفْيَانَ (وَكَانَ دِحْيَةُ الْكَلْبِيُّ): بِكَسْرِ الدَّالِ وَيُفْتَحُ (جَاءَ بِهِ) أَيْ: بِالْكِتَابِ (فَدَفَعَهُ إِلَى عَظِيمِ بُصْرَى)، أَيْ: أَمِيرِهَا، وَهِيَ بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ مَقْصُورَةٌ قَرْيَةٌ بَيْنَ الْمَدِينَةِ وَدِمَشْقِ الشَّامِ (فَدَفَعَهُ عَظِيمُ بُصْرَى إِلَى هِرَقْلَ، فَقَالَ هِرَقْلُ: هَلْ هَاهُنَا) أَيْ: فِي أَرْضِ الشَّامِ (أَحَدٌ مِنْ قَوْمِ هَذَا الرَّجُلِ الَّذِي يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ)؟ يَعْنِي لِكَيْ نَسْأَلَ عَنْ وَصْفِهِ لِيَتَبَيَّنَ لَنَا صِدْقُهُ مِنْ كَذِبِهِ (قَالُوا) أَيْ: بَعْضُ خَدَمِهِ وَحَشَمِهِ (نَعَمْ، فَدُعِيتُ فِي نَفَرٍ) أَيْ: مَعَ نَفَرٍ مِنْ قُرَيْشٍ، وَكَانُوا ثَلَاثِينَ رَجُلًا، وَقِيلَ: الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ مِنْهُمْ، وَفِيهِ أَنَّهُ سَبَقَ إِسْلَامُهُ، لِأَنَّهُ أَسْلَمَ عَامَ الْخَنْدَقِ، فَيَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ حَاضَرًا، وَسَكَتَ مَعَ كَوْنِهِ مُسْلِمًا. قُلْتُ: وَقَدْ يُقَالُ إِنَّهُ لَمْ يُذْكَرْ فِيهِ مَا يُنَافِي سُكُوتَهُ (فَدَخَلْنَا عَلَى هِرَقْلَ، فَأَجْلَسَنَا): بِصِيغَةِ الْمَفْعُولِ، وَفِي نُسْخَةٍ عَلَى بِنَاءِ الْفَاعِلِ أَيْ: أَمَرَ هِرَقْلُ بِجُلُوسِنَا (بَيْنَ يَدَيْهِ)، أَيْ: قُدَّامَهُ لِيَسْمَعَ كَلَامَنَا وَنَسْمَعُ كَلَامَهُ (فَقَالَ: أَيُّكُمْ أَقْرَبُ نَسَبًا مِنْ هَذَا الرَّجُلِ الَّذِي يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ)؟ قَالَ الْعُلَمَاءُ: وَإِنَّمَا سَأَلَ قَرِيبَ النَّسَبِ لِأَنَّهُ أَعْلَمُ بِحَالِهِ، وَأَبْعَدُ مِنْ أَنْ يَكْذِبَ فِي حَقِّهِ (قَالَ أَبُو سُفْيَانَ: فَقُلْتُ: أَنَا) . أَيْ: أَقْرَبُ نَسَبًا مِنْهُ (فَأَجْلَسُونِي بَيْنَ يَدَيْهِ)، أَيْ: وَحْدِي (وَأَجْلَسُوا أَصْحَابِي خَلْفِي)، وَإِنَّمَا أَجْلَسَهُمْ خَلْفَهُ لِيَكُونَ أَعْوَنَ عَلَيْهِمْ فِي تَكْذِيبِهِ إِنْ كَذِبَ، وَلَا يَسْتَحْيُوا مِنْهُ، أَوْ لِيُمْكِنَ لَهُمْ أَنْ يُشِيرُوا إِلَيْهِ وَيَدُلُّوا عَلَيْهِ. بِمَا هُنَالِكَ إِمَّا بِإِيمَاءِ يَدٍ أَوْ بِتَحْرِيكِ رَأْسٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَلَا يَبْعُدُ أَنَّهُ قَصَدَ فِي تَقْرِيبِهِ لِكَوْنِهِ أَقْرَبَ فِي النَّسَبِ عَلَى مَا يَقْتَضِيهِ الْأَدَبُ، (ثُمَّ دَعَا بِتَرْجُمَانِهِ): بِفَتْحِ التَّاءِ وَضَمِّ الْجِيمِ وَبِضَمِّهِمَا وَالْفَتْحُ أَفْصَحُ، وَسَبَقَ أَنَّهُ يَجُوزُ فَتْحُهُمَا وَهُوَ الْمُعَبِّرُ عَنْ لُغَةٍ بِلُغَةٍ أُخْرَى ثُمَّ الْبَاءُ زَائِدَةٌ أَوِ التَّقْدِيرُ دَعَا أَحَدًا بِإِحْضَارِ تَرْجُمَانِهِ فَحَضَرَ (فَقَالَ: قُلْ لَهُمْ) أَيْ: لِأَصْحَابِ أَبِي سُفْيَانَ (إِنِّي سَائِلٌ هَذَا): وَفِي نُسْخَةٍ بِالْإِضَافَةِ، وَالْمَعْنَى أَنِّي أُرِيدُ أَنْ أَسْأَلَ أَبَا سُفْيَانَ (عَنْ هَذَا الرَّجُلِ الَّذِي يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ)، أَيْ: عَنْ وَصْفِهِ (فَإِنْ كَذَبَنِي): بِتَخْفِيفِ! الذَّالِ أَيْ: فَإِنْ تَكَلَّمَ بِالْكَذِبِ لِي (فَكَذِّبُوهُ) . بِالتَّشْدِيدِ أَيْ: فَانْسُبُوهُ إِلَى الْكَذِبِ، وَلَا تَسْكُتُوا عَلَى الْبَاطِلِ وَأَعْلِمُونِي بِالْحَقِّ.
(قَالَ أَبُو سُفْيَانَ: وَايْمُ اللَّهِ): بِهَمْزَةِ وَصْلٍ وَيُقْطَعُ وَبِضَمِّ مِيمٍ وَتَحْقِيقُهُ تَقَدَّمَ وَهُوَ قَسَمٌ (لَوْلَا مَخَافَةُ أَنْ يُؤْثَرَ): بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيْ: يُرْوَى (عَلَيَّ الْكَذِبُ): بِفَتْحٍ فَكَسْرٍ، وَفِي نُسْخَةٍ بِكَسْرٍ فَسُكُونٍ، وَالْمَعْنَى لَوْلَا خَوْفُ أَنْ يَنْقُلُوا عَنِّي الْكَذِبَ إِلَى قَوْمِي وَيَتَحَدَّثُوا بِهِ (لَكَذَبْتُهُ)، أَيْ: لَكَذَبْتُ عَلَيْهِ لِبُغْضِي إِيَّاهُ. قَالَ الطِّيبِيُّ: وَإِنَّمَا عَدَّاهُ بِعَلَى لِتَضَمُّنِ مَعْنَى الْمَضَرَّةِ أَيْ: كَذِبٌ يَكُونُ عَلَيَّ لَا لِي، وَفِي هَذَا بَيَانُ أَنَّ الْكَذِبَ قَبِيحٌ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، كَمَا هُوَ قَبِيحٌ فِي الْإِسْلَامِ. أَقُولُ: الظَّاهِرُ أَنَّ مَعْنَاهُ لَوْلَا مَخَافَةُ أَنْ يُكَذِّبَنِي هَؤُلَاءِ الَّذِينَ مَعِي لَكَذَبْتُهُ فِي تَكْذِيبِهِ فِي بَعْضِ كَلَامِي لِتَحْصِيلِ مَرَامِي (ثُمَّ قَالَ لِتَرْجُمَانِهِ: سَلْهُ كَيْفَ حَسَبُهُ فِيكُمْ)؟ الْحَسَبُ مَا يَعُدُّهُ الْإِنْسَانُ مِنْ مَفَاخِرِ آبَائِهِ ذَكَرَهُ الْجَوْهَرِيُّ، فَهُوَ أَعَمُّ مِنَ النَّسَبِ، وَلِذَا عَدَلَ عَنْهُ إِلَيْهِ، قِيلَ: وَفِي الْبُخَارِيِّ كَيْفَ فِيكُمْ؟ وَفِي جَامِعِ الْأُصُولِ كَيْفَ حَسَبُهُ؟ (قَالَ: قُلْتُ: هُوَ فِينَا ذُو حَسَبٍ) أَيْ: عَظِيمٌ، فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ هُوَ: مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ هَاشِمِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ، وَأَنَا أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبِ بْنِ أُمَيَّةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ، وَلَيْسَ فِي النَّفَرِ يَوْمَئِذٍ أَحَدٌ مِنْ بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ غَيْرِي (قَالَ: فَهَلْ كَانَ مِنْ آبَائِهِ) أَيْ: بَعْضِ أَجْدَادِهِ وَأَسْلَافِهِ وَفِي نُسْخَةٍ: فِي آبَائِهِ أَيْ: فِي جُمْلَتِهِمْ (مِنْ مَلِكٍ)؟ أَيْ: مِنْ سُلْطَانٍ. وَفِي نُسْخَةٍ (مَنْ) مَوْصُولَةٌ، وَمَلَكَ بِصِيغَةِ الْمَاضِي أَيْ: مَنْ كَانَ مَلِكًا. قَالَ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ: هُوَ هَكَذَا بِحِرَفِ
[ ٩ / ٣٧٥٢ ]
الْجَرِّ، وَ(مَلِكٍ) صِفَةٌ مُشَبَّهَةٌ، وَهُوَ رِوَايَةُ: كَرِيمَةَ وَالْأَصِيلِيِّ وَأَبِي الْوَقْتِ وَابْنِ عَسَاكِرَ فِي نُسْخَةٍ، وَأَبُو ذَرٍّ عَنِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: مَنْ مَلَكَ عَلَى أَنَّ (مَنْ) مَوْصُولَةٌ. وَمَلَكَ: فِعْلٌ مَاضٍ، وَلِأَبِي ذَرٍّ كَمَا فِي الْفَتْحِ مِنْ آبَائِهِ مَلَكَ بِإِسْقَاطِ مِنْ وَالْأَوَّلُ أَشْهَرُ. (قَالَ: لَا قَالَ: فَهَلْ كُنْتُمْ تَتَّهِمُونَهُ): بِتَشْدِيدِ التَّاءِ الثَّانِيَةِ أَيْ: تَنْسُبُونَهُ إِلَى التُّهْمَةِ (بِالْكَذِبِ) أَيْ: بِإِيقَاعِهِ (فِي أَنْ يَقُولَ مَا قَالَ)؟ أَيْ: مِنْ دَعْوَى النُّبُوَّةِ (قُلْتُ: لَا. قَالَ: وَمَنْ): بِالْوَاوِ (يَتْبَعُهُ)؟ بِسُكُونِ التَّاءِ وَفَتْحِ الْبَاءِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِتَشْدِيدِ الْفَوْقِيَّةِ وَكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ (أَشْرَافُ النَّاسِ) أَيْ: أَشْرَافُهُمْ (أَمْ ضُعَفَاؤُهُمْ)؟ قَالَ الطِّيبِيُّ، وَفِي الْحُمَيْدِيِّ وَجَامِعِ الْأُصُولِ: فَهَلْ يَتْبَعُهُ، وَأَمْ هَا هُنَا مُتَّصِلَةٌ. وَفِي وُقُوعِهَا قَرِينَةٌ لِحَلِّ إِشْكَالٍ لِأَنَّ هَلْ تَسْتَدْعِي السُّؤَالَ عَنْ حُصُولِ الْجُمْلَةِ، وَأَمِ الْمُتَّصِلَةُ تَسْتَدْعِي حُصُولَهَا لِأَنَّ السُّؤَالَ بِهَا عَنْ تَعْيِينِ الْمُنْتَسِبِينَ مُسْنَدًا وَمُسْنَدًا إِلَيْهِ، وَالظَّاهِرُ مَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ وَشَرْحِهِ، وَالْمِشْكَاةِ، فَمَنْ تَبِعَهُ فَتَكُونُ هَمْزَةُ الِاسْتِفْهَامِ مُقَدَّرَةً فِي قَوْلِهِ: (أَشْرَافُ النَّاسِ) فَسَأَلَ أَوَّلًا مُجْمِلًا ثُمَّ سَأَلَ ثَانِيًا مُفَصِّلًا. (قَالَ: قُلْتُ: بَلْ ضُعَفَاؤُهُمْ) . الْمُرَادُ بِالْأَشْرَافِ أَهْلُ النَّخْوَةِ وَالتَّكَبُّرِ لَا كُلُّ شَرِيفٍ وَإِلَّا لَوَرَدَ مِثْلُ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرُ ﵄ مِمَّنْ أَسْلَمَ قَبْلَ سُؤَالِ هِرَقْلَ، كَذَا ذَكَرَهُ بَعْضُهُمْ، وَتَعَقَّبَهُ الْعَيْنِيُّ بِأَنَّ الْعُمَرَيْنِ وَحَمْزَةَ كَانُوا مِنْ أَهْلِ النَّخْوَةِ، فَقَوْلُ أَبِي سُفْيَانَ جَرَى عَلَى الْغَالِبِ. (قَالَ: أَيَزِيدُونَ) أَيْ: بِزِيَادَةِ أَمْثَالِهِمْ (أَمْ يَنْقُصُونَ)؟ أَيْ: يَرْجِعُونَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَدْبَارِهِمْ أَوْ بِمَوْتِ بَعْضِهِمْ مِنْ غَيْرِ جَبْرِهِمْ لِكَسْرِهِمْ (قُلْتُ: لَا) . أَيْ: لَا يَنْقُصُونَ أَبَدًا (بَلْ يَزِيدُونَ) أَيْ: دَائِمًا (قَالَ: " هَلْ يَرْتَدُّ)؟ أَيْ: يَرْجِعُ (أَحَدٌ مِنْهُمْ عَنْ دِينِهِ أَنْ يَدْخُلَ فِيهِ) أَيْ: بِطِيبِ نَفْسِهِ (سَخْطَةً): بِفَتْحِ السِّينِ وَيُضَمُّ وَسُكُونِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ كَرَاهَةً وَتَعْيِينًا (لَهُ)؟ أَيْ: لِدِينِهِ وَهِيَ مَفْعُولٌ لَهُ، وَخَرَجَ بِهِ مَنِ ارْتَدَّ مُكْرَهًا أَوْ لِحَظٍّ نَفْسَانِيٍّ. (قَالَ: قُلْتُ: لَا. قَالَ: فَهَلْ قَاتَلْتُمُوهُ؟ قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: كَيْفَ كَانَ قِتَالُكُمْ إِيَّاهُ؟ قَالَ: قُلْتُ: تَكُونُ): بِالتَّأْنِيثِ وَيُذَكَّرُ (الْحَرْبُ) أَيِ: الْمُحَارَبَةُ (بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ سِجَالًا)، بِكَسْرِ أَوَّلِهِ أَيْ: مُسَاجَلَةً وَمُدَاوَلَةً (يُصِيبُ مِنَّا وَنُصِيبُ مِنْهُ) . أَيْ: هُوَ يَنَالُ مِنَّا مَرَّةً لِغَلَبَتِهِ، وَنَحْنُ نَنَالُ مِنْهُ أُخْرَى لِغَلَبَتِنَا، فَهُوَ تَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ: سِجَالًا، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران: ١٤٠] وَقَالَ الشَّاعِرُ:
فَيَوْمًا عَلَيْنَا وَيَوْمًا لَنَا وَيَوْمًا نُسَرُّ وَيَوْمًا نُسَاءُ
قَالَ الطِّيبِيُّ: وَأَصْلُهُ مِنَ السَّجْلِ الَّذِي هُوَ الدَّلْوُ، لِأَنَّ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْوَارِدِينَ دَلْوًا مِثْلَ مَا لِلْآخَرِ، أَوْ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ يَوْمٌ فِي الِاسْتِقَاءِ وَمَعْنَاهُ أَنَّ الْحَرْبَ دُوَلٌ تَارَةً لَهُ وَتَارَةً عَلَيْهِ. وَقَالَ غَيْرُهُ: السِّجَالُ جَمْعُ سَجْلٍ وَهُوَ الدَّلْوُ الْكَبِيرُ، وَالْحَرْبُ اسْمُ جِنْسٍ، فَصَحَّ الْإِخْبَارُ عَنْهُ بِالْجَمْعِ، وَفِيهِ تَشْبِيهٌ بَلِيغٌ أَيِ: الْحَرْبُ نُوَبٌ نَوْبَةٌ لَنَا وَنَوْبَةٌ لَهُ، فَقَدْ وَقَعَتِ الْمُقَاتَلَةُ بَيْنَهُ - ﷺ - وَبَيْنَهُمْ قَبْلَ هَذِهِ الْقِصَّةِ فِي ثَلَاثِ مُوَاطِنَ بَدْرٍ وَأُحُدٍ وَالْخَنْدَقِ، فَأَصَابَ الْمُسْلِمُونَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ فِي بَدْرٍ، وَعُكِسَ فِي أُحُدٍ وَأُصِيبَ مِنَ الطَّائِفَتَيْنِ نَاسٌ قَلِيلٌ فِي الْخَنْدَقِ، فَصَدَقَ أَبُو سُفْيَانَ فِي كَلَامِهِ سِجَالًا عَلَى أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْهُ التَّسَاوِي.
(قَالَ: فَهَلْ يَغْدِرُ)؟ بِكَسْرِ الدَّالِ مِنَ الْغَدْرِ، وَهُوَ نَقْضُ الْعَهْدِ وَخِلَافُ الْوَعْدِ. (قُلْتُ: لَا)، أَيْ: مَا وَقَعَ مِنْهُ غَدْرٌ فِيمَا مَضَى (وَنَحْنُ مِنْهُ) أَيْ: عَلَى خَطَرٍ (فِي هَذِهِ الْمُدَّةِ)، أَيْ: مُدَّةِ الْهُدْنَةِ وَالصُّلْحِ الَّذِي جَرَى يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ (لَا نَدْرِي مَا هُوَ) أَيِ: النَّبِيُّ أَوِ اللَّهُ تَعَالَى (صَانِعٌ فِيهَا)؟ أَيْ: أَيَغْدِرُ فِي مُدَّةِ هَذَا الصُّلْحِ أَمْ لَا. (قَالَ) أَيْ: أَبُو سُفْيَانَ (وَاللَّهِ مَا أَمْكَنَنِي مِنْ كَلِمَةٍ) أَيْ: مَا قَدَرْتُ عَلَى كَلِمَةٍ، وَالْمُرَادُ بِهَا جُمْلَةٌ مُفِيدَةٌ (أُدْخِلُ فِيهَا) أَيْ: فِي أَثْنَاءِ كَلِمَاتِي
[ ٩ / ٣٧٥٣ ]
(شَيْئًا) أَيْ: مِمَّا يَطْعَنُ فِيهِ فِي الْجُمْلَةِ (غَيْرَ هَذِهِ) . أَيْ: غَيْرَ هَذِهِ الْجُمْلَةِ الَّتِي فِيهَا يَجُوزُ احْتِمَالُ الْغَدْرَةِ فِي مُدَّةِ الْهُدْنَةِ (قَالَ: فَهَلْ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ) أَيْ: مِنْ أَمْرِ النُّبُوَّةِ وَدَعْوَى الرِّسَالَةِ (أَحَدٌ قَبْلَهُ)؟ أَيْ: مِمَّنْ سَبَقَهُ مِنْ غَيْرِ الْأَنْبِيَاءِ الْمَعْرُوفِينَ كَإِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمُوسَى وَعِيسَى ﵈. (قُلْتَ: لَا، ثُمَّ قَالَ) أَيْ: بَعْدَ مَا فَرَغَ مِنَ الْأَسْئِلَةِ الدَّالَّةِ عَلَى النُّبُوَّةِ وَالرِّسَالَةِ، وَأَرَادَ أَنْ يَشْرَعَ فِي تَبْيِينِ تَوْجِيهَاتِهَا مِنْ جِهَةِ الْمَنْقُولِ وَالْمَعْقُولِ وَالْمَعْرُوفِ وَالْعَادَةِ قَالَ: (لِتَرْجُمَانِهِ: قُلْ لَهُ: إِنِّي سَأَلْتُكَ عَنْ حَسَبِهِ فِيكُمْ، فَزَعَمْتَ) أَيْ: فَأَجَبْتَ (أَنَّهُ فِيكُمْ ذُو حَسَبٍ، وَكَذَلِكَ الرُّسُلُ تُبْعَثُ فِي أَحْسَابِ قَوْمِهَا) . أَيْ: تُوقَعُ بَعْثَتُهُمْ فِي أَحْسَابِ أَقْوَامِهُمْ، فَتَعْدِيَتُهُ بِفِي لِتَضْمِينِ مَعْنَى الْإِيقَاعِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ فِي بِمَعْنَى (مِنْ) عَلَى مَا جَوَّزَهُ صَاحِبُ الْقَامُوسِ وَالْمُغْنِي، وَهُوَ ظَاهِرٌ جِدًّا يَعْنِي عَمَّا تَكَلَّفَ بِهِ الطِّيبِيُّ لِقَوْلِهِ: هُوَ مِنْ بَابِ التَّجْرِيدِ أَيْ: يُبْعَثُ وَذُو حَسَبٍ، وَهُوَ هُوَ كَقَوْلِكَ فِي الْبَيْضَةِ عِشْرُونَ رَطْلًا، وَهِيَ فِي نَفْسِهَا هَذَا الْمِقْدَارُ، قِيلَ: وَالْحِكْمَةُ فِي ذَلِكَ أَنَّهُ أَبْعَدُ مِنِ انْتِحَالِهِ الْبَاطِلَ، وَأَقْرَبُ إِلَى انْقِيَادِ النَّاسِ لَهُ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا الْقَوْلَ إِنَّمَا يُسْتَفَادُ مِنَ النَّقْلِ وَيُسَاعِدُهُ الْعَقْلُ.
(وَسَأَلْتُكَ هَلْ كَانَ فِي آبَائِهِ مَلِكٌ)؟ أَيْ: فِي جُمْلَتِهِمْ أَحَدٌ مِنَ الْمُلُوكِ، وَلَوْ رُوِيَ بِضَمِّ الْمِيمِ لَكَانَ لَهُ وَجْهٌ (فَزَعَمْتَ أَنْ لَا، فَقُلْتُ) أَيْ: فِي نَفْسِي بِمُقْتَضَى رَأْيِي (لَوْ كَانَ مِنْ آبَائِهِ مَلِكٌ) أَيْ: لَوْ كَانَ ظَهَرَ مِنْهُمْ سُلْطَانٌ (قُلْتُ: رَجُلٌ يَطْلُبُ مُلْكَ آبَائِهِ) أَيْ: سُلْطَتَهُمْ وَهَذَا دَلِيلٌ عَقْلِيٌّ لَا يُخَالِفُهُ نَقْلٌ (وَسَأَلْتُكَ عَنْ أَتْبَاعِهِ أَضُعَفَاؤُهُمْ) أَيْ: أَفُقَرَاءُ النَّاسِ وَأَهْلُ خُمُولِهِمْ (أَمْ أَشْرَافُهُمْ)؟ أَيْ: أَغْنِيَاؤُهُمْ وَأَهْلُ خُيُولِهِمْ (فَقُلْتَ: بَلْ ضُعَفَاؤُهُمْ، وَهُمْ أَتْبَاعُ الرُّسُلِ) . أَيِ: ابْتِدَاءٌ كَمَا هُوَ الْمُشَاهَدُ فِي أَتْبَاعِ الْعُلَمَاءِ وَالْأَوْلِيَاءِ. قَالَ النَّوَوِيُّ: وَأَمَّا قَوْلُهُ: إِنَّ الضُّعَفَاءَ هُمْ أَتْبَاعُ الرُّسُلِ، فَلِكَوْنِ الْأَشْرَافِ يَأْنَفُونَ مِنْ تَقَدُّمِ مِثْلِهِمْ عَلَيْهِمْ، وَالضُّعَفَاءُ لَا يَأْنَفُونَ، فَيُسْرِعُونَ إِلَى الِانْقِيَادِ وَاتِّبَاعِ الْحَقِّ. (وَسَأَلْتُكَ هَلْ كُنْتُمْ تَتَّهِمُونَهُ بِالْكَذِبِ فِي أَنْ يَقُولَ مَا قَالَ؟ فَزَعَمْتَ أَنْ لَا، فَعَرَفْتُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِيَدَعَ): اللَّامُ لَامُ الْجَحُودِ أَيْ: لِيَتْرُكَ (الْكَذِبَ عَلَى النَّاسِ، ثُمَّ يَذْهَبُ فَيَكْذِبُ عَلَى اللَّهِ) . أَيْ: فَإِنَّ مِنَ الْمَعْلُومِ عِنْدَ كُلِّ أَحَدٍ أَنَّ الْكَذِبَ عَلَى اللَّهِ أَقْبَحُ وَأَشَدُّ، وَلِذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ [الأنعام: ٢١] (وَسَأَلْتُكَ هَلْ يَرْتَدُّ أَحَدٌ عَنْ دِينِهِ بَعْدَ أَنْ يَدْخُلَ فِيهِ سَخْطَةً لَهُ؟ فَزَعَمْتَ أَنْ لَا، وَكَذَلِكَ): بِالْوَاوِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يُقَالُ: فَكَذَلِكَ أَيْ: لَا يَخْرُجُ وَلَا يَرْجِعُ (الْإِيمَانُ إِذَا خَالَطَ بَشَاشَتُهُ): بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ أَيْ: أُنْسُهُ وَفَرَحُهُ (الْقُلُوبَ) أَيْ: فَإِنَّ مَنْ دَخَلَ عَلَى بَصِيرَةٍ فِي أَمْرٍ مُحَقَّقٍ لَا يَرْجِعُ عَنْهُ بِخِلَافِ مَنْ دَخَلَ فِي الْأَبَاطِيلِ ذَكَرَهُ النَّوَوِيُّ، وَقَدْ عَبَّرَ - ﷺ - عَنِ الْبَشَاشَةِ تَارَةً بِالطَّعْمِ، وَأُخْرَى بِالْحَلَاوَةِ، فَإِنَّ مَنْ ذَاقَ لَذَّةَ شَيْءٍ أَحَبَّهُ لَا مَحَالَةَ، وَمَنْ لَمْ يَذُقْ لَمْ يَعْرِفْ، وَمِنْ مَشْرَبِ الْعَارِفِينَ لَمْ يَغْرِفْ، وَلِذَا قَالَ بَعْضُ الْمَشَايِخِ إِنَّمَا رَجَعَ مَنْ رَجَعَ مِنَ الطَّرِيقِ يَعْنِي فَمَنْ وَصَلَ مَعَ الْفَرِيقِ إِلَى الرَّفِيقِ، فَهُوَ كَالرَّفِيقِ فِي الْأَمْنِ الدَّاخِلِ فِي الْبَيْتِ الْعَتِيقِ، وَقَدْ قَالَ شَيْخُ مَشَايِخِنَا أَبُو الْحَسَنِ الْبَكْرِيُّ قَدَّسَ اللَّهُ سِرَّهُ السِّرِّيَّ: الْإِيمَانُ إِذَا دَخَلَ الْقَلْبَ أُمِنَ السَّلْبُ، قُلْتُ: وَلَعَلَّ الْإِشَارَةَ إِلَى هَذَا الْمَعْنَى، وَالدَّلَالَةَ عَلَى هَذَا الْمَبْنَى فِي قَوْلِهِ ﷾: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ﴾ [البقرة: ٢٥٦] أَيْ: بِمَا سِوَى اللَّهِ، ﴿وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٥٦] أَيْ: حَقَّ الْإِيمَانِ، ﴿فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا﴾ [البقرة: ٢٥٦] أَيْ: لَا انْقِطَاعَ وَلَا انْفِصَالَ وَلَا اتِّحَادَ وَلَا اتِّصَالَ (وَسَأَلْتُكَ هَلْ يَزِيدُونَ أَمْ يَنْقُصُونَ)؟ وَلَعَلَّهُ تَرَكَ الْوَاسِطَةَ
[ ٩ / ٣٧٥٤ ]
وَهِيَ الْمُسَاوَاةُ لِلْإِشَارَةِ إِلَى أَنَّ مَنْ لَمْ يَكُنْ فِي الزِّيَادَةِ فَهُوَ فِي النُّقْصَانِ، لِأَنَّ التَّوَقُّفَ مَنْفِيٌّ فِي طَوْرِ الْإِنْسَانِ (فَزَعَمْتَ أَنَّهُمْ يَزِيدُونَ، وَكَذَلِكَ الْإِيمَانُ) أَيْ: يَزِيدُ بِنَفْسِهِ وَأَهْلِهِ (حَتَّى يَتِمَّ) . أَيْ: يَكْمُلُ بِالْأُمُورِ الْمُعْتَبَرَةِ فِيهِ مِنْ صَلَاةٍ وَزَكَاةٍ وَصِيَامٍ وَغَيْرِهَا، وَلِذَا نَزَلَ فِي آخِرِ عُمُرِهِ - ﷺ: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ [المائدة: ٣] إِنْجَازًا لِمَا وَعَدَهُ سُبْحَانَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ﴾ [التوبة: ٣٢] وَنَحْنُ بِحَمْدِ اللَّهِ إِلَى الْآنَ بَعْدَ مُضِيِّ الْأَلْفِ مِنَ الزَّمَانِ فِي زِيَادَةِ الْإِيمَانِ تَحْتَ أَشِعَّةِ أَنْوَارِهِ، وَفِي بَرَكَةِ لَمَعَانِ أَسْرَارِهِ الْمُسْتَفَادَةِ مِنْ أَخْبَارِهِ، وَالْمُسْتَفَاضَةِ مِنْ آثَارِهِ. (وَسَأَلْتُكَ هَلْ قَاتَلْتُمُوهُ؟ فَزَعَمْتَ أَنَّكُمْ قَاتَلْتُمُوهُ، فَيَكُونُ الْحَرْبُ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ سِجَالًا يَنَالُ مِنْكُمْ وَتَنَالُونَ مِنْهُ)، أَيْ: يُصِيبُ مِنْكُمْ وَتُصِيبُونَ مِنْهُ (وَكَذَلِكَ الرُّسُلُ تُبْتَلَى)، وَفِيهِ إِيمَاءٌ إِلَى أَنَّ الدَّارَ ابْتِلَاءٌ، وَلِذَا قَالَ بَعْضُ الْعَارِفِينَ: مَا دُمْتَ فِي هَذِهِ الدَّارِ لَا تَسْتَغْرِبْ وُقُوعَ الْأَكْدَارِ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾ [البقرة: ٤٩] وَفُسِّرَ الْبَلَاءُ بِالْمِحْنَةِ وَالْمِنْحَةِ؟ فَهُوَ مِنَ الْأَضْدَادِ الْحَاصِلِ لِلْعِبَادِ، وَالْغَالِبُ أَنَّ الْبَلَاءَ لِأَهْلِ الْوَلَاءِ، كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ - ﷺ - بِقَوْلِهِ: («أَشَدُّ النَّاسِ بَلَاءً الْأَنْبِيَاءُ ثُمَّ الْأَوْلِيَاءِ») . (ثُمَّ يَكُونُ لَهَا) أَيْ: لِلرُّسُلِ وَأَتْبَاعِهَا (الْعَاقِبَةُ) . أَيِ: الْمَحْمُودَةُ. قَالَ تَعَالَى: ﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى﴾ [طه: ١٣٢]، ﴿وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [الأعلى: ١٧] قَالَ النَّوَوِيُّ: يَعْنِي نَبْتَلِيهِمْ فِي ذَلِكَ لِيَعْظُمَ أَجْرُهُمْ بِكَثْرَةِ صَبْرِهِمْ وَبَذْلِ وُسْعِهِمْ فِي طَاعَةِ اللَّهِ.
(وَسَأَلْتُكَ هَلْ يَغْدِرُ؟ فَزَعَمْتَ أَنَّهُ) أَيِ: النَّبِيَّ أَوِ الشَّأْنَ (لَا يَغْدِرُ)، يَعْنِي: وَالْأَصْلُ بَقَاءُ الشَّيْءِ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ، كَمَا هُوَ مُقَرَّرٌ فِي مَسْأَلَةِ الِاسْتِصْحَابِ، وَلِذَا أَعْرَضَ عَنِ الْجُمْلَةِ الْمَدْخُولَةِ الْمَعْلُولَةِ. (وَكَذَلِكَ الرُّسُلُ لَا تَغْدِرُ. وَسَأَلْتُكَ: هَلْ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ أَحَدٌ قَبْلَهُ؟ فَزَعَمْتَ أَنْ لَا، فَقُلْتُ: لَوْ كَانَ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ أَحَدٌ قَبْلَهُ، قُلْتُ: رَجُلٌ ائْتَمَّ) أَيْ: هُوَ رَجُلٌ اقْتَدَى (بِقَوْلٍ قِيلَ قَبْلَهُ. قَالَ) أَيْ: أَبُو سُفْيَانَ (ثُمَّ قَالَ: بِمَا يَأْمُرُكُمْ)؟ بِصِيغَةِ الْجَمْعِ تَغْلِيبًا أَوِ الْتِفَاتًا، وَلِذَا عَدَلَ عَنْ قَوْلِهِ: قُلْتُ إِلَى قَوْلِهِ: (قُلْنَا: يَأْمُرُنَا بِالصَّلَاةِ، وَالزَّكَاةِ)، أَيْ: بِالْعِبَادَةِ الْمَالِيَّةِ وَالْبَدَنِيَّةِ (وَالصِّلَةِ)، أَيْ: صِلَةِ الرَّحِمِ وَكُلِّ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ (وَالْعَفَافِ)، بِفَتْحِ الْعَيْنِ أَيِ: الْكَفِّ عَنِ الْمَحَارِمِ، وَكُلِّ مَا يُخَالِفُ الْمَكَارِمَ (قَالَ: إِنْ يَكْ مَا تَقُولُ حَقًّا فَإِنَّهُ نَبِيٌّ)، فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ. قَالَ الْعُلَمَاءُ: قَوْلُ هِرَقْلَ: (إِنْ يَكُ مَا تَقُولُ حَقًّا فَإِنَّهُ نَبِيٌّ) أَخَذَهُ مِنَ الْكُتُبِ الْقَدِيمَةِ، فَفِي التَّوْرَاةِ هَذَا وَنَحْوُهُ مِنْ عَلَامَاتِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - فَعَرَفَهُ بِالْعَلَامَاتِ، وَأَمَّا الدَّلِيلُ الْقَاطِعُ عَلَى النُّبُوَّةِ؟ فَهُوَ الْمُعْجِزَةُ الظَّاهِرَةُ الْخَارِقَةُ لِلْعَادَةِ، وَهَكَذَا قَالَهُ الْمَازِرِيُّ. وَقَالَ الشَّيْخُ أَكْمَلُ الدِّينِ: وَمَعَ هَذَا لَمْ يُؤْمِنْ وَلَمْ يَنْتَفِعْ بِتِلْكَ الْمَعْرِفَةِ، فَإِنَّهُ هُوَ الَّذِي جَيَّشَ الْجُيُوشَ عَلَى أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - وَقَاتَلَهُمْ، وَلَمْ يُمَصِّرْ فِي تَجْهِيزِ الْجَيْشِ عَلَيْهِمْ مِنَ الرُّومِ وَغَيْرِهِ كَرَّةً بَعْدَ كَرَّةٍ، فَيَهْزِمُهُمُ اللَّهُ وَيُهْلِكُهُمْ، وَلَمْ يَرْجِعْ إِلَيْهِ مِنْهُمْ إِلَّا أَقَلُّهُمْ، وَاسْتَمَرَّ عَلَى ذَلِكَ إِلَى أَنْ مَاتَ، وَقَدْ فُتِحَ أَكْثَرُ بِلَادِ الشَّامِ، ثُمَّ وَلِيَ بَعْدَهُ وَلَدُهُ وَبِهَلَاكِهِ هَلَكَتِ الْمَمْلَكَةُ الرُّومِيَّةُ.
قُلْتُ: يَعْنِي الرُّومِيَّةُ الْجَاهِلِيَّةُ، ثُمَّ انْقَلَبَتْ لَهُمُ الْمَمْلَكَةُ الْإِسْلَامِيَّةُ بِالْغَلَبَةِ وَالشَّوْكَةِ الْإِيمَانِيَّةِ، حَتَّى أَقَامَهُمُ اللَّهُ لِمُقَاتَلَةِ الطَّائِفَةِ النَّصْرَانِيَّةِ، وَلِمُقَابَلَةِ الرَّافِضَةِ الْكُفْرَانِيَّةِ، وَقَامُوا بِخِدْمَةِ الْحَرَمَيْنِ الشَّرِيفَيْنِ مِنْ عِمَارَتِهِمَا وَخَيْرَاتِهِمَا وَمَبَرَّاتِهِمَا فِي الْبَلَدَيْنِ الْمُنِيفَيْنِ، وَإِرْسَالِ أُمَرَاءِ الْحَجِّ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ، لَا مِنَ الطَّرِيقِ الْوَاصِلِ إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ، مَعَ مَا فِيهِمْ مِنْ تَعْظِيمِ الشَّرِيعَةِ، وَتَكْرِيمِ الْعُلَمَاءِ، وَاحْتِرَامِ الْمَشَايِخِ وَالْأَوْلِيَاءِ فَجَزَاهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ الْجَزَاءِ، وَنَصَرَهُمْ عَلَى جَمِيعِ الْأَعْدَاءِ إِلَى يَوْمِ النِّدَاءِ، هَذَا وَمَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ، فَمَا أَعْقَلَهُ لَوْ مَعْقُولُهُ أَكْلَمَهُ، لَكِنْ مَا سَاعَدَهُ لِعَدَمِ السَّعَادَةِ الْأَزَلِيَّةِ وَوُجُودِ الشَّقَاوَةِ الْأَبَدِيَّةِ، وَالسَّبَبُ فِي ذَلِكَ طَمَعُ الرِّيَاسَةِ وَظُهُورُ الْكَمَالِ، وَالْمَيْلُ إِلَى وُصُولِ الْمَالِ وَحُصُولِ الْمَنَالِ وَالْغَفْلَةِ عَنِ الْمَآلِ، وَمَا يُؤَدِّي إِلَى النَّكَالِ، وَلِذَا قَالَ:
[ ٩ / ٣٧٥٥ ]
(وَقَدْ كُنْتُ أَعْلَمُ) أَيْ: عَلِمًا يَقِينًا (أَنَّهُ) أَيِ: النَّبِيَّ ﵇ (خَارِجٌ. أَيْ: ظَاهِرٌ فِي آخِرِ الزَّمَانِ (وَلَمْ أَكُنْ أَظُنُّهُ مِنْكُمْ)، أَيْ: مِنْ نَسْلِ إِسْمَاعِيلَ، وَهُوَ أَبُو الْعَرَبِ، بَلْ كُنْتُ أَظُنُّهُ أَنَّهُ مِنْ مَعْشَرِ بَنِي إِسْحَاقَ، فَإِنَّ أَكْثَرَ الْأَنْبِيَاءِ بَعْدَ إِبْرَاهِيمَ ﵇ مِنْهُمْ، وَهَذِهِ حُجَّةٌ دَاحِضَةٌ وَبَلِيَّةٌ غَامِضَةٌ، فَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا، وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا وَالْحَقُّ أَحَقَّ أَنْ يُتَّبَعَ. (وَلَوْ أَنِّي أَعْلَمُ أَنِّي أَخْلُصُ): بِضَمِّ اللَّامِ أَيْ: أَصِلُ (إِلَيْهِ) أَيْ: إِلَى خِدْمَتِهِ وَدَوْلَتِهِ وَحَضْرَةِ رُؤْيَتِهِ (لَأَحْبَبْتُ لِقَاءَهُ) أَيْ: دَوْلَةَ مُلَاقَاتِهِ وَسَعَادَةَ مُتَابَعَتِهِ، (وَلَوْ كُنْتُ عِنْدَهُ) أَيْ: وَلَوْ صِرْتُ فِي مَقَامِهِ، وَوَصَلْتُ إِلَى مَوْضِعِ قِيَامِهِ (لَغَسَلْتُ) أَيْ: وَجْهِي (عَنْ قَدَمَيْهِ) أَيْ: غَسْلًا صَادِرًا عَنْ مَاءِ أَقْدَامِهِ، لِمَا أَرَى لَهُ مِنَ الثَّبَاتِ عَلَى الْحَقِّ وَإِقْدَامِهِ، أَوِ التَّقْدِيرُ غَسَلْتُ الْغُبَارَ وَالْوَسَخَ عَنْ قَدَمَيْهِ فَضْلًا عَنْ تَقْبِيلِ يَدَيْهِ، (وَلَيَبْلُغَنَّ مُلْكُهُ مَا تَحْتَ قَدَمَيَّ) . بِالتَّشْدِيدِ لِلتَّثْنِيَةِ الْمُنْبِئَةِ عَنِ الْمُبَالَغَةِ وَالتَّأْكِيدِ. قَالَ النَّوَوِيُّ: وَلَا عُذْرَ لَهُ فِي هَذَا لِأَنَّهُ قَدْ عَرَفَ صِدْقَ النَّبِيِّ - ﷺ - وَإِنَّمَا شَحَّ بِالْمُلْكِ وَرَغِبَ فِي الرِّيَاسَةِ، فَآثَرَهَا عَلَى الْإِسْلَامِ، وَقَدْ جَاءَ ذَلِكَ مُصَرَّحًا بِهِ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ، وَلَوْ أَرَادَ اللَّهُ هِدَايَتَهُ لَوَفَّقَهُ، كَمَا وَفَّقَ النَّجَاشِيَّ، وَمَا زَالَتْ عَنْهُ الرِّيَاسَةُ. وَقَالَ شَيْخُ مَشَايِخِنَا الْحَافِظُ جَلَالُ الدِّينِ السُّيُوطِيُّ: اخْتُلِفَ فِي زَمَانِهِ، وَالْأَرْجَحُ بَقَاؤُهُ عَلَى الْكُفْرِ، فَفِي مُسْنَدِ أَحْمَدَ، أَنَّهُ كَتَبَ مِنْ تَبُوكَ إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ - أَنِّي مُسْلِمٌ، فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ: كَذَبَ، بَلْ هُوَ عَلَى نَصْرَانِيَّتِهِ. قُلْتُ: لَيْسَ فِيهِ نَصٌّ عَلَى مَوْتِهِ بِالْكُفْرِ، وَإِنَّمَا رُجِّحَ بِنَاءً عَلَى الْأَصْلِ.
(ثُمَّ دَعَا بِكِتَابِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - فَقَرَأَهُ) . أَيْ: فَعَظَّمَهُ، وَبَالَغَ فِي مُحَافَظَتِهِ فَصَارَ سَبَبًا لِبَقَاءِ الْمُلْكِ فِي ذُرِّيَّتِهِ، بِخِلَافِ كِسْرَى حَيْثُ شَقَّهُ وَمَزَّقَهُ، فَمَزَّقَ اللَّهُ مُلْكَهُ، وَفَرَّقَ وَلَدَهُ، وَأَخْرَجَ اللَّهُ عَنْهُمْ مُلْكَهُ. قَالَ سَيْفُ الدِّينِ: (أَرْسَلَنِي مَلِكُ الْعَرَبِ إِلَى مَلِكِ الْفِرِنْجِ فِي شَفَاعَةٍ، فَقَبِلَهَا وَعَرَضَ عَلَيَّ الْإِقَامَةَ فَأَبَيْتُ، فَقَالَ: لَأُتْحِفَنَّكَ بِتُحْفَةٍ سَنِيَّةٍ، فَأَخْرَجَ مِنْ صُنْدُوقِهِ مِقْلَمَةً مِنْ ذَهَبٍ، فَأَخْرَجَ مِنْهَا كِتَابًا قَدْ زَالَ أَكْثَرُ حُرُوفِهِ، فَقَالَ: هَذَا كِتَابُ نَبِيِّكُمْ لِجَدِّي قَيْصَرَ مَا زِلْنَا نَتَوَارَثُهُ إِلَى الْآنَ، وَقَدْ أَوْصَانَا بِأَنَّهُ مَا دَامَ عِنْدَنَا لَا يَزُولُ الْمُلْكُ مِنَّا، فَنَحْنُ نَحْفَظُهُ لِيَدُومَ الْمُلْكُ لَنَا) ذَكَرَهُ أَكْمَلُ الدِّينِ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
(وَقَدْ سَبَقَ تَمَامُ الْحَدِيثِ): وَهُوَ أَنَّهُ كَتَبَ إِلَيْهِ (فِي بَابِ الْكِتَابَةِ إِلَى الْكُفَّارِ) .
[ ٩ / ٣٧٥٦ ]