[ ٨ / ٣٢٧٣ ]
بَابُ فَضْلِ الْفُقَرَاءِ وَمَا كَانَ مِنْ عَيْشِ النَّبِيِّ ﷺ
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
٥٢٣١ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " «رُبَّ أَشْعَثَ مَدْفُوعٍ بِالْأَبْوَابِ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لَأَبَرَّهُ» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
_________________
(١) بَابُ فَضْلِ الْفُقَرَاءِ وَمَا كَانَ مِنْ عَيْشِ النَّبِيِّ ﷺ الْمُرَادُ بِالْفَضْلِ هُنَا زِيَادَةُ الْأَجْرِ وَالثَّوَابِ لَا فَضِيلَةُ الْمَالِ وَزِيَادَةُ تَحْسِينِ الثِّيَابِ وَقَوْلُهُ: وَمَا كَانَ مِنْ عَيْشِ النَّبِيِّ أَيْ: مَعِيشَتِهِ، وَفِي نُسْخَةٍ: مِنْ عَيْشِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى فَضْلِ الْفُقَرَاءِ عَلَى مَا لَا يَخْفَى، وَنُكْتَةُ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا أَنَّهُ ﵊ كَانَ عَيْشُهُ عَيْشَ الْفُقَرَاءِ، كَأَكْثَرِ الْأَنْبِيَاءِ وَالْأَوْلِيَاءِ، وَكَفَى بِهِ فَضْلًا لِلْفُقَرَاءِ عَلَى الْأَغْنِيَاءِ، وَإِنْ خَفِيَ هَذَا الْأَمْرُ عَلَى بَعْضِ الْأَغْنِيَاءِ مِمَّنِ ادَّعَى أَنَّهُ مِنَ الْعُلَمَاءِ. الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
(٢) (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " رُبَّ أَشْعَثَ ") أَيْ: رُبَّ رَجُلٍ أَشْعَثَ أَيْ: مُتَفَرِّقِ شَعْرِ رَأْسِهِ (" مَدْفُوعٍ ") بِالْجَرِّ (" بِالْأَبْوَابِ ") أَيْ: مَمْنُوعٌ مِنْهَا بِالْيَدِ أَوِ اللِّسَانِ وَالْمَعْنَى أَنَّهُ لَا يُدْخِلُهُ أَحَدٌ فِي بَيْتِهِ لَوْ فُرِضَ وُقُوفُهُ عَلَى بَابِهِ مِنْ غَايَةِ حَقَارَتِهِ فِي نَظَرِ النَّاسِ، وَذَلِكَ لَمَّا أَرَادَ اللَّهُ سَتْرَ حَالِهِ عَنِ الْخَلْقِ لِئَلَّا يَحْصُلَ لَهُ بِالْغَيْرِ شَيْءٌ مِنَ الِاسْتِئْنَاسِ، فَيَحْفَظُهُ مِنَ الْوُقُوفِ عَلَى أَبْوَابِ الظُّلْمَةِ وَأَكْلِ الْحَرَامِ، كَمَا يَحْمِي أَحَدُنَا الْمَرِيضَ عَنِ اسْتِعْمَالِ الطَّعَامِ، فَلَا يَحْضُرُ إِلَّا بَابَ مَوْلَاهُ، وَلَا يَسْأَلُ عَمَّا سِوَاهُ مِنْ كَمَالِ غِنَاهُ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ مِنْهُ أَنَّهُ يَأْتِي أَبْوَابَ أَرْبَابِ الدُّنْيَا فَيَطْرُدُونَهُ عَنْهَا، وَيَدْفَعُونَهُ عَنْ دُخُولِهِ مِنْهَا، فَإِنَّ الْأَوْلِيَاءَ مَحْفُوظُونَ، عَنْ هَذِهِ الْمَذَلَّةِ وَإِنْ كَانَ قَدْ يَقَعُ لِبَعْضِهِمْ مِنِ اخْتِيَارِ أَرْبَابِ الْمَلَامَةِ أَوْ مِمَّنْ صَدَرَ عَنْهُ الذِّلَّةُ، وَلَعَلَّ فِي بَعْضِ النُّسَخِ مَرْفُوعٌ بِالرَّاءِ حَتَّى قَالَ الْقَاضِي الْبَيْضَاوِيُّ ﵀: الْأَشْعَثُ هُوَ الْمُغَبَّرُ الرَّأْسِ الْمُتَفَرِّقُ الشِّعْرِ، وَأَصْلُ التَّرْكِيبِ هُوَ التَّفَوُّقُ وَالِانْتِشَارُ وَالصَّوَابُ مَدْفُوعٌ بِالدَّالِ أَيْ يُدْفَعُ عَنِ الدُّخُولِ عَلَى الْأَعْيَانِ وَالْحُضُورِ فِي الْمَحَافِلِ، فَلَا يُتْرَكُ أَنْ يَلِجَ الْبَابَ فَضْلًا أَنْ يَحْضُرَ مَعَهُمْ وَيَجْلِسَ فِيمَا بَيْنَهُمْ. (" لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ ") أَيْ: عَلَى فِعْلِهِ سُبْحَانَهُ بِأَنْ حَلَفَ أَنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ كَذَا أَوْ لَا يَفْعَلُهُ (" لَأَبَرَّهُ ") أَيْ: لَصَدَّقَهُ وَصَدَّقَ يَمِينَهُ، وَأَبَرَّهُ فِيهَا بِأَنْ يَأْتِيَ بِمَا يُوَافِقُهُ كَمَا وَقَعَ لِأَنَسِ بْنِ النَّضْرِ فِي قَوْلِهِ: وَاللَّهِ لَا تُكْسَرُ ثَنِيَّتُهَا بَعْدَ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ سَلَّمَ: " كِتَابُ اللَّهِ الْقِصَاصُ " فَرَضُوا أَهْلُهَا بِالدِّيَةِ بَعْدَمَا أَبَوْا عَلَيْهَا. وَقَالَ الْقَاضِي أَيْ لَوْ سَأَلَ اللَّهَ شَيْئًا وَأَقْسَمَ عَلَيْهِ أَنْ يَفْعَلَهُ لَمْ يُخَيِّبْ دَعْوَتَهُ، فَشَبَّهَ إِجَابَةَ الْمُنْشِدِ وَالْمُقْسِمِ عَلَى غَيْرِهِ بِوَفَاءِ الْحَالِفِ عَلَى يَمِينِهِ وَبِرِّهِ فِيهَا. وَقَالَ شَارِحٌ: قِيلَ: مَعْنَاهُ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ بِأَنْ يَقُولَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أُقْسِمُ عَلَيْكَ بِحَلَالِكَ أَنْ تَفْعَلَ كَذَا، وَلَا يَسْتَقِيمُ هَذَا الْمَعْنَى فِي هَذَا الْمَوْضِعِ لِأَنَّهُ قَالَ: لَأَبَرَّهُ، أَيْ: صَدَّقَهُ، وَلَا مَدْخَلَ لِلصِّدْقِ وَالْكَذِبِ فِي مِثْلِ هَذَا الْيَمِينِ فَيَدْخُلُهَا الْأَبْرَارُ. قُلْتُ: اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يُقَالَ الْمَعْنَى صَدَّقَ رَجَاءَهُ وَوَافَقَ دُعَاءَهُ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ: وَكَذَا أَحْمَدُ، وَفِي رِوَايَةِ الْحَاكِمِ، وَأَبِي نُعَيْمٍ فِي الْحِلْيَةِ عَنْهُ بِلَفْظِ: " «رُبَّ أَشْعَثَ أَغْبَرَ ذِي طِمْرَيْنِ تَنْبُو عَنْهُ أَعْيُنُ النَّاسِ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لَأَبَرَّهُ» ".
[ ٨ / ٣٢٧٤ ]
٥٢٣٢ - وَعَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ - ﵁ - قَالَ: «رَأَى سَعْدٌ أَنَّ لَهُ فَضْلًا عَلَى مَنْ دُونَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " هَلْ تُنْصَرُونَ وَتُرْزَقُونَ إِلَّا بِضُعَفَائِكُمْ؟ !» ". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
_________________
(١) (وَعَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ) أَيِ ابْنِ أَبِي وَقَّاصٍ الْقُرَشِيِّ، سَمِعَ أَبَاهُ، وَعَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ، وَابْنَ عُمَرَ، رَوَى عَنْهُ سِمَاكُ بْنُ حَرْبٍ وَغَيْرُهُ (قَالَ: رَأَى سَعْدٌ) أَيْ: ظَنَّ أَوْ تَوَهَّمَ (أَنَّ لَهُ فَضْلًا) أَيْ زِيَادَةَ فَضِيلَةٍ أَوْ مَثُوبَةً مِنْ جِهَةِ الشَّجَاعَةِ أَوِ السَّخَاوَةِ أَوْ نَحْوِهُمَا (عَلَى مَنْ دُونَهُ) أَيْ مِنَ الْفُقَرَاءِ وَالضُّعَفَاءِ (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) أَيْ جَوَابًا لَهُ وَإِسْمَاعًا لِغَيْرِهِ (" هَلْ تُنْصَرُونَ ") أَيْ عَلَى أَعْدَائِكُمْ (" وَتُرْزَقُونَ ") أَيِ الْأَمْوَالَ مِنَ الْغَنِيمَةِ وَغَيْرِهَا (إِلَّا بِضُعَفَائِكُمْ؟ ") أَيْ: إِلَّا بِبَرَكَةِ وُجُودِ ضُعَفَائِكُمْ وَوُجُودِ فُقَرَائِكُمْ مِنْهُمْ بِمَنْزِلَةِ الْأَقْطَابِ وَالْأَوْتَادِ لِثَبَاتِ الْعِبَادِ وَالْبِلَادِ، وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ إِنَّمَا جَعَلَ النَّصْرَ عَلَى الْأَعْدَاءِ، وَقَدَّرَ تَوْسِيعَ الرِّزْقِ عَلَى الْأَغْنِيَاءِ بِبَرَكَةِ الْفُقَرَاءِ، فَأَكْرِمُوهُمْ وَلَا تَتَكَبَّرُوا عَلَيْهِمْ، فَإِنَّهُمْ أَهْلُ سُلُوكِ الْمَحَبَّةِ عَلَى أَضْيَقِ الْمَحَجَّةِ، وَمُلُوكُ الْجَنَّةِ فِي أَعْلَى مَرَاتِبِ الْمَعَزَّةِ. قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: قَوْلُهُ إِنَّ لَهُ فَضْلًا أَيْ شَجَاعَةً وَكَرَمًا وَسَخَاوَةً، فَأَجَابَهُ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَنَّ تِلْكَ الشَّجَاعَةَ بِبَرَكَةِ ضُعَفَاءِ الْمُسْلِمِينَ، وَتِلْكَ السَّخَاوَةُ أَيْضًا بِبَرَكَتِهِمْ، وَأَبْرَزَهُ فِي صُورَةِ الِاسْتِفْهَامِ لِيَدُلَّ عَلَى مَزِيدِ التَّعْزِيرِ وَالتَّوْبِيخِ (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ): وَرَوَاهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْحِلْيَةِ عَنْهُ بِلَفْظِ: «هَلْ تُنْصَرُونَ إِلَّا بِضُعَفَائِكُمْ بِدَعْوَتِهِمْ وَإِخْلَاصِهِمْ» .
[ ٨ / ٣٢٧٤ ]
٥٢٣٣ - وَعَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ - ﵄ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «قُمْتُ عَلَى بَابِ الْجَنَّةِ، فَكَانَ عَامَّةُ مَنْ دَخَلَهَا الْمَسَاكِينَ، وَأَصْحَابُ الْجَدِّ مَحْبُوسُونَ، غَيْرَ أَنَّ أَصْحَابَ النَّارِ قَدْ أُمِرَ بِهِمْ إِلَى النَّارِ، وَقُمْتُ عَلَى بَابِ النَّارِ فَإِذَا عَامَّةُ مَنْ دَخَلَهَا النِّسَاءُ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
_________________
(١) (وَعَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " قُمْتُ عَلَى بَابِ الْجَنَّةِ ") أَيْ: لَيْلَةَ الْمِعْرَاجِ، أَوْ فِي الْمَنَامِ، أَوْ حَالَةَ كَشْفِ الْمَقَامِ، أَوْ بِطْرِيقِ دَلَالَةِ الْمَرَامِ، (" فَكَانَ عَامَّةُ مَنْ دَخَلَهَا ") أَيْ: أَكْثَرُهَا وَهِيَ مَرْفُوعَةٌ، وَقِيلَ مَنْصُوبَةٌ فَيُعْكَسُ (" الْمَسَاكِينَ ") أَيِ الْفُقَرَاءَ وَالضُّعَفَاءَ (" وَأَصْحَابُ الْجَدِّ ") وَفِي الْجَامِعِ: وَإِذَا أَصْحَابُ الْجَدِّ بِفَتْحِ الْجِيمِ أَيْ: أَرْبَابُ الْغِنَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ الْأَغْنِيَاءِ وَالْأُمَرَاءِ (" مَحْبُوسُونَ ") أَيْ: مَوْقُوفُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي الصَّحْرَاءِ، وَخُلَاصَتُهُ أَنَّ أَصْحَابَ الْحَظِّ الْفَانِي مِنْ أَرْبَابِ الْأَمْوَالِ وَالْمَنَاصِبِ مَحْبُوسُونَ فِي الْعَرَصَاتِ لِطُولِ حِسَابِهِمْ فِي الْمَتَاعِبِ بِسَبَبِ كَثْرَةِ أَمْوَالِهِمْ، وَتَوْسِيعِ جَاهِهِمْ، وَتَلَذُّذِهِمْ بِهِمَا فِي الدُّنْيَا، وَتَمَتُّعِهِمْ عَلَى وَفْقِ شَهَوَاتِ النَّفْسِ وَالْهَوَى، فَإِنَّ حَلَالَ الدُّنْيَا لَهُ حِسَابٌ وَلِحَرَامِهَا عِقَابٌ وَالْفُقَرَاءُ مِنْ هَذَا بَرَاءٌ، فَلَا يُحَاسَبُونَ وَلَا يُحْبَسُونَ، بَلْ قَبْلَ الْأَغْنِيَاءِ بِأَرْبَعِينَ خَرِيفًا فِي الْجَنَّةِ يَدْخُلُونَ مُكَافَأَةً لَهُمْ فِي الْعُقْبَى لِمَا فَاتَهُمْ مِنَ الدُّنْيَا (" غَيْرَ أَنَّ أَصْحَابَ النَّارِ ") أَيِ: الْكُفَّارَ (قَدْ أُمِرَ بِهِمْ إِلَى النَّارِ) قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀ أَيْ يُسَاقُ الْكُفَّارُ إِلَى النَّارِ وَيُوقَفُ الْمُؤْمِنُونَ فِي الْعَرَصَاتِ لِلْحِسَابِ، وَالْفُقَرَاءُ هُمُ السَّابِقُونَ إِلَى الْجَنَّةِ لِفَقْرِهِمْ أَيْ مِنْ غَيْرِ وُقُوفٍ فِي الْعَرَصَاتِ. وَفِي الْجَامِعِ: إِلَّا أَصْحَابُ النَّارِ فَقَدْ أُمِرَ بِهِمْ إِلَى النَّارِ، وَخُلَاصَتُهُ أَنَّ غَيْرَ بِمَعْنَى لَكِنْ، وَالْمَعْنَى أَنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ جُعِلُوا قِسْمَيْنِ مَحْبُوسِينَ وَمُدْخَلِينَ، وَلَكِنَّ أَصْحَابَ النَّارِ جُعِلُوا قِسْمًا وَاحِدًا أُمِرَ بِإِدْخَالِهِمُ النَّارَ. (" وَقُمْتُ عَلَى بَابِ النَّارِ فَإِذَا عَامَّةُ مَنْ دَخَلَهَا ") أَيْ أَكْثَرُ مَنْ دَخَلَهَا مَعَ الْكُفَّارِ (" النِّسَاءُ ") لِكَثْرَةِ مَيْلِهِمْ إِلَى الدُّنْيَا وَلِمَنْعِهِنَّ الرِّجَالَ عَنْ طَرِيقِ الْعُقْبَى (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) وَرَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ عَنْهُ.
[ ٨ / ٣٢٧٥ ]
٥٢٣٤ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " «اطَّلَعْتُ فِي الْجَنَّةِ، فَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا الْفُقَرَاءَ. وَاطَّلَعْتُ فِي النَّارِ فَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا النِّسَاءَ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
_________________
(١) (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (" اطَّلَعْتُ فِي الْجَنَّةِ ") أَيْ أَشْرَفْتُ عَلَيْهَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ﴾ [الكهف: ١٨] فَفِي بِمَعْنَى " عَلَى " كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه: ٧١] وَحَاصِلُهُ نَظَرْتُ إِلَيْهَا أَوْ أَوْقَعْتُ الِاطِّلَاعَ فِيهَا (" فَرَأَيْتُ ") أَيْ: عَلِمْتُ (" أَكْثَرَ أَهْلِهَا الْفُقَرَاءَ ") وَقَالَ الطِّيبِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: ضُمِّنَ اطَّلَعْتُ بِمَعْنَى تَأَمَّلْتُ، وَرَأَيْتُ بِمَعْنَى عَلِمْتُ، وَلِذَا عَدَّاهُ إِلَى مَفْعُولَيْنِ، وَلَوْ كَانَ الِاطِّلَاعُ بِمَعْنَاهُ الْحَقِيقِيِّ، لَكَفَاهُ مَفْعُولٌ وَاحِدٌ انْتَهَى. وَفِيهِ أَنَّهُ لَمْ يَتَعَدَّ هُنَا إِلَى مَفْعُولَيْنِ كَمَا لَا يَخْفَى (" «وَاطَّلَعْتُ فِي النَّارِ فَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا النِّسَاءَ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) هَذَا الْحَدِيثُ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، وَمِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَيْضًا، وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ عِمْرَانَ وَابْنِ عَبَّاسٍ، كَذَا قَالَ الشَّيْخُ الْجَزَرِيُّ، وَعَلَى هَذَا فَقَوْلُ الْمُؤَلِّفِ فِي آخِرِ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ: مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ لَا يَخْلُو عَنْ تَأَمُّلٍ ذَكَرَهُ مِيرَكُ، وَفِيهِ أَنَّ مَبْنَاهُ عَلَى الْمُسَامَحَةِ حَيْثُ وَقَعَ الِاتِّفَاقُ عَلَى لَفْظِ الْحَدِيثِ وَإِنِ اخْتَلَفَا فِي الْمَرْوِيِّ عَنْهُ مِنَ الصَّحَابَةِ، نَعَمْ كَانَ حَقُّهُ أَنْ يَقُولَ: رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ كَمَا قَالَ فِي الْجَامِعِ بَعْدَ إِيرَادِ الْحَدِيثِ بِعَيْنِهِ. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَالْبُخَارِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَالْبُخَارِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ.
[ ٨ / ٣٢٧٥ ]
٥٢٣٥ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " «إِنَّ فُقَرَاءَ الْمُهَاجِرِينَ يَسْبِقُونَ الْأَغْنِيَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَى الْجَنَّةِ بِأَرْبَعِينَ خَرِيفًا» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
_________________
(١) (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو) بِالْوَاوِ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إِنَّ فُقَرَاءَ الْمُهَاجِرِينَ يَسْبِقُونَ الْأَغْنِيَاءَ ") أَيْ: مِنَ الْمُهَاجِرِينَ فَغَيْرُهُمْ بِالْأَوْلَى وَلِذَا أَطْلَقَ الْأَغْنِيَاءَ، وَعَلَى هَذَا يُقَاسُ فُقَرَاءُ كُلِّ طَائِفَةٍ مِنْ أَهْلِ زَمَانِ وَمَكَانِ أَغْنِيَائِهِمْ (" يَوْمَ الْقِيَامَةِ ") أَيْ: لِمُحَاسَبَةِ الْأَغْنِيَاءِ وَلِخَلَاصِ الْفُقَرَاءِ عَنِ الْعَنَاءِ، فَإِنَّ الْمُفْلِسَ فِي أَمَانِ اللَّهِ دُنْيَا وَأُخْرَى (" إِلَى الْجَنَّةِ ") مُتَعَلِّقٌ بِيَسْبِقُونَ أَيْ: يُسَابِقُونَ وَيُبَادِرُونَ إِلَيْهَا (" بِأَرْبَعِينَ خَرِيفًا ") قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀ نَقْلًا عَنِ النِّهَايَةِ: الْخَرِيفُ الزَّمَانُ الْمَعْرُوفُ بَيْنَ الصَّيْفِ وَالشِّتَاءِ وَيُرِيدُ بِهِ أَرْبَعِينَ سَنَةً، لِأَنَّ الْخَرِيفَ لَا يَكُونُ فِي السَّنَةِ إِلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً انْتَهَى فَالْمَعْنَى بِمِقْدَارِ أَرْبَعِينَ سَنَةً مِنْ أَعْوَامِ الدُّنْيَا أَوِ الْأُخْرَى، مَعَ احْتِمَالِ أَنْ يُرَادَ بِهَا الْكَثْرَةُ وَيَخْتَلِفَ بِاخْتِلَافِ أَحْوَالِ الْفُقَرَاءِ وَالْأَغْنِيَاءِ فِي الْكَمِّيَّةِ وَالْكَيْفِيَّةِ الْمُعْتَبَرَةِ، وَخُلَاصَتُهُ أَنَّ الْفُقَرَاءَ فِي تِلْكَ الْمُدَّةِ لَهُمْ حُسْنُ الْعَيْشِ فِي الْعُقْبَى مُجَازَاةً لِمَا فَاتَهُمْ مِنَ التَّنَعُّمِ فِي الدُّنْيَا كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ﴾ [الحاقة: ٢٤] أَيِ: الْمَاضِيَةِ أَوِ الْخَالِيَةِ عَنِ الْمَأْكَلِ وَالْمَشْرَبِ صِيَامًا أَوْ وَقْتَ الْمَجَاعَةِ، وَقَدْ وَرَدَ عَلَى مَا سَبَقَ أَنَّ أَطْوَلَ النَّاسِ جُوعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَطْوَلُهُمْ شِبَعًا فِي الدُّنْيَا،: يُؤَيِّدُ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ تَفَاوُتِ الْمَرَاتِبِ أَنَّهُ جَاءَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَاجَهْ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ بِلَفْظِ: «إِنَّ فُقَرَاءَ الْمُهَاجِرِينَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ قَبْلَ أَغْنِيَائِهِمْ بِمِقْدَارِ خَمْسِمِائَةِ سَنَةٍ» . (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
[ ٨ / ٣٢٧٦ ]
٥٢٣٦ - وَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ - ﵁ - قَالَ: «مَرَّ رَجُلٌ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - فَقَالَ لِرَجُلٍ عِنْدَهُ جَالِسٍ: " مَا رَأْيُكَ فِي هَذَا؟ " فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ أَشْرَافِ النَّاسِ: هَذَا وَاللَّهِ حَرِيٌّ إِنْ خَطَبَ أَنْ يُنْكَحَ، وَإِنْ شَفَعَ أَنْ يُشَفَّعَ. قَالَ: فَسَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - ثُمَّ مَرَّ رَجُلٌ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " مَا رَأْيُكَ فِي هَذَا؟ " فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! هَذَا رَجُلٌ مِنْ فُقَرَاءِ الْمُسْلِمِينَ، هَذَا حَرِيٌّ إِنْ خَطَبَ أَنْ لَا يُنْكَحَ، وَإِنْ شَفَعَ أَنْ لَا يُشَفَّعَ، وَإِنْ قَالَ أَنْ لَا يُسْمَعَ لِقَوْلِهِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " هَذَا خَيْرٌ مِنْ مِلْءِ الْأَرْضِ مِثْلَ هَذَا» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
_________________
(١) (عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: مَرَّ رَجُلٌ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - فَقَالَ لِرَجُلٍ عِنْدَهُ) الظَّاهِرُ أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْأَغْنِيَاءِ فَيَكُونُ فِي سُؤَالِهِ وَجَوَابِهِ لَهُ تَنْبِيهٌ نَبِيهٌ عَلَى فَضْلِ الْفُقَرَاءِ (جَالِسٍ) بِالْجَرِّ صِفَةٌ وَجَاءَ وَفِي نُسْخَةٍ بِالرَّفْعِ عَلَى أَنَّهُ فَاعِلُ الظَّرْفِ، أَوْ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ، أَوْ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ هُوَ (" مَا رَأْيُكَ فِي هَذَا؟ ") أَيْ: مَا ظَنُّكَ فِي حَقِّ هَذَا الرَّجُلِ الْمَارِّ تَظُنُّهُ خَيْرًا أَمْ شَرًّا؟ ذَكَرَهُ ابْنُ الْمَلَكِ (فَقَالَ) أَيِ الَّذِي عِنْدَهُ (رَجُلٌ) أَيْ هُوَ أَوْ هَذَا يَعْنِي الْمَارَّ (مِنْ أَشْرَافِ النَّاسِ) أَيْ: كُبَرَائِهِمْ وَعُظَمَائِهِمْ (هَذَا) أَيْ: هَذَا الرَّجُلُ بِعَيْنِهِ أَوْ هَذَا الشَّخْصُ بِجَنْبِهِ أَيْ مِثْلُ هَذَا الرَّجُلِ (وَاللَّهِ حَرِيٌّ): عَلَى وَزْنٍ فَعِيلٍ وَهُوَ خَبَرُ هَذَا وَالْقَسَمُ مُعْتَرِضٌ بَيْنَهُمَا أَيْ جَدِيرٌ وَحَقِيقٌ (إِنْ خَطَبَ) أَيْ: طَلَبَ أَنْ يَتَزَوَّجَ امْرَأَةً (أَنْ يُنْكَحَ): بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيْ: بِأَنْ يُزَوِّجَهُ إِيَّاهَا أَهْلُهَا (وَإِنْ شَفَعَ) أَيْ: لِأَحَدٍ عِنْدَ الْحُكَّامِ أَوِ الرُّؤَسَاءِ فِي جَلْبِ الْعَطَاءِ أَوْ دَفْعِ الْبَلَاءِ (أَنْ يُشَفَّعَ): بِصِيغَةِ الْمَفْعُولِ مُشَدَّدًا أَيْ: تُقْبَلَ شَفَاعَتُهُ. (قَالَ) أَيِ الرَّاوِي (فَسَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -) أَيْ عَنِ الْجَوَابِ وَلَمْ يَذْكُرْ مَا تَقْتَضِيهِ الْمُحَاوَرَةُ مِنَ الْخِطَابِ (ثُمَّ مَرَّ رَجُلٌ) أَيْ: آخَرُ (فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ) أَيْ لِلرَّجُلِ الَّذِي عِنْدَهُ (" مَا رَأْيُكَ فِي هَذَا؟ " فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ! هَذَا رَجُلٌ مِنْ فُقَرَاءِ الْمُسْلِمِينَ، هَذَا حَرِيٌّ) تَرَكَ الْقَسَمَ لِاحْتِمَالِ التَّخَلُّفِ وَأَمَّا تَأْكِيدُ الْحُكْمِ لَهُ سَابِقًا فَلِلْمُبَالَغَةِ فِي تَحْقِيقِ الظَّنِّ فِيهِ، وَالْمَعْنَى هَذَا لَائِقٌ (إِنْ خَطَبَ أَنْ لَا يُنْكَحُ وَإِنْ شَفَعَ أَنْ لَا يُشَفَّعَ وَإِنْ قَالَ) أَيْ: لِكَلَامٍ وَلَوْ كَانَ صِدْقًا أَوْ حَقًّا (أَنْ لَا يُسْمَعَ): بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ وَنَائِبُ الْفَاعِلِ قَوْلُهُ (لِقَوْلِهِ) وَالْمَعْنَى أَنَّ أَحَدًا لَا يَسْمَعُ لِكَلَامِهِ، وَلَا يَلْتَفِتُ إِلَيْهِ مِنْ غَايَةِ فَقْرِهِ وَقِلَّةِ نِظَامِ أَمْرِهِ. فَفِي غَرَائِبِ مَا يُحْكَى أَنَّ رَجُلًا غَرِيبًا فَقِيرًا رَافَقَ شَخْصًا مَلَكَ بَعِيرًا وَحَمَّلَهُ حِمْلًا ثَقِيلًا فَقَالَ: مَا حِمْلُكَ هَذَا وَمَا حَمَلَكَ عَلَى هَذَا؟ قَالَ: عَدْلٌ مِنْهُ حَبُّ الطَّعَامِ وَعَدْلٌ آخَرُ مَلِيءٌ مِنَ الْبَطْحَاءِ لِيَعْتَدِلَ النِّظَامُ قَالَ الْفَقِيرُ لَهُ: لَوْ
[ ٨ / ٣٢٧٦ ]
تَرَكْتَ الْبَطْحَاءَ وَقَسَّمْتَ الْحَبَّ فِي الْعَدْلَيْنِ مُتَنَاصِفِينَ لَخَفَّ حِمْلُكَ وَرَكِبْتَ جَمَلَكَ، فَقَالَ: بَارَكَ اللَّهُ فِيكَ لِمَا صَدَرَ مِنْ فِيكَ فَأَطَاعَهُ فِيمَا بَيَّنَهُ، وَرَكِبَ عَلَى وَجْهِ عَيْنِهِ، فَسَأَلَهُ هَلْ أَنْتَ بِهَذَا الْعَقْلِ كُنْتَ فِي بِلَادِكَ سُلْطَانًا؟ فَقَالَ: لَا فَقَالَ: فَوَزِيرًا فَأَمِيرًا فَتَاجَرَا فَرَئِيسًا فَصَاحِبَ إِبِلٍ وَصَاحِبَ خَيْلٍ أَوْ غَنَمٍ أَوْ زِرَاعَةٍ وَنَحْوَ ذَلِكَ؟ فَيَقُولُ: لَا. فَقَالَ: أَكُنْتَ فِي بَلَدِكَ فَقِيرًا عَلَى هَذَا الْحَالِ، وَحَقِيرًا عَلَى هَذَا الْمِنْوَالِ؟ فَقَالَ: نَعَمْ. فَقَالَ: أَنْتَ شُؤْمٌ وَوَجْهُكَ شُؤْمٌ، وَمَنْ يَسْمَعُكَ أَيْضًا شُؤْمٌ، وَنَزَلَ عَنْ بَعِيرِهِ وَأَمَرَ عَلَى تَغْيِيرِهِ مِنْ سُوءِ تَدْبِيرِهِ، وَمِثْلُ هَذَا مُشَاهَدٌ فِي الْعَالِمِ كَثِيرًا. مَثَلًا إِذَا كَانَ الْعَالِمُ فَقِيرًا وَالشَّيْخُ إِذَا كَانَ حَقِيرًا حَيْثُ لَا يَلْتَفِتُ أَحَدٌ إِلَى كَلَامِهِ، وَلَا يَعْظُمُ عَلَى قَدْرِ مَقَامِهِ بِخِلَافِ الْعَالِمِ، وَالشَّيْخُ إِذَا كَانَ مَشْهُورًا وَعُلِمَ جَاهُهُ بَيْنَ الْعَوَامِّ مَنْشُورًا، فَإِنَّهُ يُقْبَلُ قَوْلُهُ، وَيُتَّبَعُ فِعْلُهُ وَلَوْ كَانَ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ نَاقِصًا فِي عِلْمِهِ أَوْ عَمَلِهِ، وَاللَّهُ وَلِيُّ دِينِهِ وَنَاصِرُ نَبِيِّهِ، وَمِنْ هَذَا الْقَبِيلِ قَوْلُ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ فِي حَقِّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا كَانَ تَارِكًا لِلْمَالِ وَالْجَاهِ عَلَى مَا حَكَاهُ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ بِقَوْلِهِ: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١] وَأَرَادُوا بِالْقَرْيَتَيْنِ مَكَّةَ وَالطَّائِفَ كَأَنَّ كُلَّ أَهْلِ قَرْيَةٍ قَالُوا هَذِهِ الْمَقَالَةَ، فَلَفَّ الشَّرَّ اعْتِمَادًا عَلَى مَعْرِفَةِ تِلْكَ الْحَالَةِ، فَقَالَ تَعَالَى رَدًّا عَلَيْهِمْ: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الزخرف: ٣٢] .
(فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " هَذَا ") أَيْ: هَذَا الرَّجُلُ: وَحْدَهُ وَكَذَا أَمْثَالُهُ (" خَيْرٌ مِنْ مِلْءِ الْأَرْضِ مِثْلَ هَذَا ") أَيْ: مِثْلَ الرَّجُلِ الْأَوَّلِ، وَوَجْهُهُ وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ أَنَّ الْفَقِيرَ لِصَفَاءِ قَلْبِهِ أَقْرَبُ إِلَى قَبُولِ أَمْرِ رَبِّهِ، وَالْوُصُولِ إِلَى مَرْتَبَةِ حُبِّهِ بِخِلَافِ الْأَغْنِيَاءِ الْأَغْبِيَاءِ، فَإِنَّ لَهُمُ الطُّغْيَانَ وَالِاسْتِغْنَاءَ وَالتَّكَبُّرَ وَالْخُيَلَاءَ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ [الأعراف: ١٤٦] وَهَذَا أَمْرٌ مُشَاهَدٌ وَمَرْئِيٌّ فِي تَلَامِذَةِ الْعُلَمَاءِ وَمُرِيدِي الصُّلَحَاءِ وَالتَّابِعِينَ أَوَّلًا لِلْأَنْبِيَاءِ، بَلِ السَّابِقِينَ إِلَى الْعِبَادَاتِ مِنَ الصَّلَوَاتِ وَغَيْرِهَا حَتَّى الْحَجِّ الَّذِي لَمْ يَجِبْ إِلَّا عَلَى الْأَغْنِيَاءِ، فَالْفَائِزُونَ بِهِ لَا سِيَّمَا عَلَى وَجْهِ الْإِخْلَاصِ الْمُبَرَّأِ عَنِ الْأَغْرَاضِ الْفَاسِدَةِ وَالْمَكَاسِبِ الْكَاسِدَةِ إِنَّمَا هُمُ الْفُقَرَاءُ، هَذَا وَقَالَ شَارِحٌ: مِثْلَ مَنْصُوبٌ عَلَى التَّمْيِيزِ فِي مِلْءِ الْأَرْضِ، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُ الطِّيبِيِّ ﵀: وَقَعَ مِلْءُ الْأَرْضِ فَضْلًا عَلَيْهِ بِاعْتِبَارِ مُمَيِّزِهِ، وَهُوَ قَوْلُهُ: مِثْلَ هَذَا لِأَنَّ الْبَيَانَ وَالْمُبَيَّنَ شَيْءٌ وَاحِدٌ انْتَهَى.
وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ نَصْبُهُ بِنَزْعِ الْخَافِضِ، وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّهُ وَقَعَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ بِالْجَرِّ أَيْ: مِنْ مِثْلِ هَذَا الرَّجُلِ الْأَوَّلِ، لَكِنَّ النُّسَخَ الْمُصَحَّحَةَ مِنْ نُسْخَةِ السَّيِّدِ وَغَيْرِهَا عَلَى الْأَوَّلِ فَهُوَ الْمُعَوَّلُ، وَلَا يَغُرُّكَ قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ مِثْلِ هَذَا بِكَسْرِ اللَّامِ، وَيَجُوزُ فَتْحُهَا، ثُمَّ الْمُرَادُ مِنَ الرَّجُلِ الْأَوَّلِ الْمُعَبَّرِ عَنْهُ بِأَنَّهُ مِنْ أَشْرَافِ النَّاسِ وَاحِدٌ مِنْ أَغْنِيَاءِ الْمُؤْمِنِينَ، وَإِنَّمَا عَبَّرَ عَنِ الْخَاصِّ بِلَفْظِ الْعَامِّ لِلْمُبَالَغَةِ فِي تَحْصِيلِ الْمَرَامِ، فَإِنَّ الْغِنَى يُغَيِّرُ الْخَوَاصَّ وَالْعَوَامَّ، وَلَا يُتَوَهَّمُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالرَّجُلِ الْأَوَّلِ أَحَدٌ مِنَ الْكُفَّارِ لِعَدَمِ انْتِظَامِ الْكَلَامِ حِينَئِذٍ فِي قَوْلِهِ ﵊ " هَذَا خَيْرٌ " بِمَعْنَى أَفْضَلُ مِنْهُ إِذْ لَا مُفَاضَلَةَ بَيْنَ الْكُفَّارِ وَأَهْلِ الْإِسْلَامِ، لِأَنَّهُ لَا خَيْرَ فِي كُفَّارِ الْأَنَامِ، حَتَّى قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ الْأَعْلَامِ: إِنَّ مَنْ قَالَ النَّصْرَانِيُّ خَيْرٌ مِنَ الْيَهُودِيِّ يُخْشَى عَلَيْهِ الْكُفْرُ إِذَ أَثْبَتَ الْخَيْرَ فِيمَنْ لَا خَيْرَ فِيهِمْ وَإِنَّمَا لَمْ يَجُزْ لِكُفْرِهِ لِأَنَّهُ قَدْ يَقْصِدُ بِالْخَيْرِ أَنَّهُ أَقْرَبُ إِلَى الْحَقِّ، وَلِذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى﴾ [المائدة: ٨٢] كَمَا أَنَّهُ قَدْ يُقْصَدُ بِالْخَيْرِ مُجَرَّدُ زِيَادَةِ الْحُسْنِ وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ [الفرقان: ٢٤] لَكِنَّ إِيرَادَ الْحَدِيثِ فِي هَذَا الْبَابِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَا ذَكَرْنَاهُ هُوَ الصَّوَابُ، وَهُوَ لَا يُنَافِي مَا ذَكَرَهُ الْغَزَالِيُّ: إِنَّ عَذَابَ الْكَافِرِ الْفَقِيرِ الدَّنِيِّ أَخَفُّ مِنَ الْكَافِرِ الْغَنِيِّ، فَإِذَا كَانَ الْفَقِيرُ يَنْفَعُ الْكَافِرَ فِي النَّارِ فَمَا ظَنُّكَ بِنَفْعِهِ لِلْأَبْرَارِ فِي دَارِ الْقَرَارِ؟ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
[ ٨ / ٣٢٧٧ ]
٥٢٣٧ - «وَعَنْ عَائِشَةَ - ﵂ - قَالَتْ: مَا شَبِعَ آلُ مُحَمَّدٍ مِنْ خُبْزِ الشَّعِيرِ يَوْمَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ حَتَّى قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
_________________
(١) (وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: مَا شَبِعَ آلُ مُحَمَّدٍ) أَيْ: أَهْلُ بَيْتِهِ مِنْ حَرَمِهِ وَخَدَمِهِ (مِنْ خُبْزِ الشَّعِيرِ) فَمِنَ الْبُرِّ بِالْأَوْلَى (يَوْمَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ) أَيْ: بَلْ إِنْ حَصَلَ الشِّبَعُ يَوْمًا وَقَعَ الْجُوعُ يَوْمًا بِنَاءً عَلَى مَا اخْتَارَهُ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ عُرِضَ عَلَيْهِ خَزَائِنُ الْأَرْضِ وَأَنْ يُجْعَلَ جِبَالُ مَكَّةَ ذَهَبًا فَاخْتَارَ الْفَقْرَ قَائِلًا: أَجُوعُ يَوْمًا فَأَصْبِرُ وَأَشْبَعُ يَوْمًا فَأَشْكُرُ، لِأَنَّ الْإِيمَانَ نِصْفَانِ نِصْفُهُ شُكْرٌ وَنِصْفُهُ صَبْرٌ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾ [إبراهيم: ٥] أَيْ: لِكُلِّ مُؤْمِنٍ كَامِلٍ بِالْوَصْفَيْنِ عَالَمٍ وَعَامِلٍ، (حَتَّى) أَيِ اسْتَمَرَّ عَدَمُ الشِّبَعِ عَلَى الْوَجْهِ الْمَذْكُورِ حَتَّى (قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) أَيْ وَدِرْعُهُ مَرْهُونَةٌ عِنْدَ يَهُودِيٍّ فِي جُمْلَةِ صَاعٍ مِنَ الشَّعِيرِ وَفِيهِ رَدٌّ عَلَى مَنْ قَالَ: صَارَ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي آخِرِ عُمُرِهِ غَنِيًّا، نَعَمْ وَقَعَ مَالٌ كَثِيرٌ فِي يَدِهِ لَكِنَّهُ مَا أَمْسَكَهُ بَلْ صَرَفَهُ فِي مَرْضَاةِ رَبِّهِ، وَكَانَ دَائِمًا غَنِيَّ الْقَلْبِ بِغِنَى الرَّبِّ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ فِي شَمَائِلِهِ عَنْهَا. وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَبِيتُ اللَّيَالِيَ الْمُتَتَابِعَةَ طَاوِيًا» أَيْ: جَائِعًا هُوَ وَأَهْلُهُ لَا يَجِدُونَ عَشَاءً، وَكَانَ أَكْثَرُ خُبْزِهِمْ خُبْزَ الشَّعِيرِ، وَبِهَذَا الْحَدِيثِ يُتَبَيَّنُ أَنَّ أَحَدًا فِي زَمَانِنَا مِنَ الْفُقَرَاءِ مَا يَعِيشُ عَيْشَهُ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَهُوَ أَفْضَلُ الْأَنْبِيَاءِ فَفِي فِعْلِهِ - ﷺ - تَسْلِيَةٌ عَظِيمَةٌ لِلْفُقَرَاءِ كَمَا أَنَّ فِي قَوْلِهِ تَوْصِيَةً جَسِيمَةً لِلْأَغْنِيَاءِ، فَهُوَ رَحْمَةٌ لِلْعَالَمِينَ وَإِمَامٌ لِلْعَالَمِينَ الْعَامِلِينَ.
[ ٨ / ٣٢٧٨ ]
٥٢٣٨ - وَعَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، «عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّهُ مَرَّ بِقَوْمٍ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ شَاةٌ مَصْلِيَّةٌ، فَدَعَوْهُ، فَأَبَى أَنْ يَأْكُلَ، وَقَالَ: خَرَجَ النَّبِيُّ - ﷺ - مِنَ الدُّنْيَا وَلَمْ يَشْبَعْ مِنْ خُبْزِ الشَّعِيرِ» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
_________________
(١) (وَعَنْ سَعِيدٍ): وَفِي نُسْخَةٍ أَبِي سَعِيدٍ وَهُوَ خَطَأٌ مُخَالِفٌ لِلْأُصُولِ الْمُعْتَمَدَةِ، وَالنُّسَخِ الْمُصَحَّحَةِ عَلَى مَا صَرَّحَ بِهِ بَعْضُهُمْ. وَقَالَ: هُوَ سَعِيدُ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيُّ وَاسْمُ أَبِي سَعِيدٍ كَيْسَانُ، وَكَانَ يَسْكُنُ عِنْدَ مَقْبُرَةٍ فَنُسِبَ إِلَيْهَا انْتَهَى. وَلَمْ يَذْكُرْهَا الْمُؤَلِّفُ فِي أَسْمَائِهِ ثُمَّ قَوْلُهُ: (الْمَقْبُرِيُّ): بِفَتْحِ مِيمٍ وَسُكُونِ قَافٍ وَضَمِّ مُوَحَّدَةٍ وَبِفَتْحٍ وَبِكَسْرٍ نِسْبَةً إِلَى مَوْضِعِ الْقُبُورِ، وَالْمُرَادُ أَبُو سَعِيدٍ وَابْنُهُ سَعِيدٌ كَذَا فِي أَنْسَابِ الْمُغْنِي (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ مَرَّ بِقَوْمٍ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ شَاةٌ مَصْلِيَّةٌ) اسْمُ مَفْعُولٍ مِنْ صَلَى عَلَى وَزْنِ مَرْمِيَّةٍ أَيْ: مَشْوِيَّةٌ (فَدَعَوْهُ) أَيْ أَبَا هُرَيْرَةَ إِلَى أَكْلِهَا (فَأَبَى أَنْ يَأْكُلَ) أَيْ: فَامْتَنَعَ مِنْ أَكْلِهِ (وَقَالَ) أَيْ: مُعْتَذِرًا (خَرَجَ النَّبِيُّ - ﷺ - مِنَ الدُّنْيَا وَلَمْ يَشْبَعْ مِنْ خُبْزِ الشَّعِيرِ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) .
[ ٨ / ٣٢٧٨ ]
٥٢٣٩ - «وَعَنْ أَنَسٍ - ﵁ - أَنَّهُ مَشَى إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ - بِخُبْزِ شَعِيرٍ وَإِهَالَةٍ سَنِخَةٍ، وَلَقَدْ رَهَنَ النَّبِيُّ - ﷺ - دِرْعًا لَهُ بِالْمَدِينَةِ عِنْدَ يَهُودِيٍّ، وَأَخَذَ مِنْهُ شَعِيرًا لِأَهْلِهِ وَلَقَدْ سَمِعْتُهُ يَقُولُ: " مَا أَمْسَى عِنْدَ آلِ مُحَمَّدٍ صَاعُ بُرٍّ وَلَا صَاعُ حَبٍّ، وَإِنَّ عِنْدَهُ لَتِسْعُ نِسْوَةٍ» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
_________________
(١) (وَعَنْ أَنَسٍ أَنَّهُ مَشَى إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِخُبْزِ شَعِيرٍ) أَيْ: مَصْحُوبًا بِهِ (وَإِهَالَةٍ): بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ كُلُّ دُهْنٍ يُؤْتَدَمُ بِهِ (سَنِخَةٍ)، بِفَتْحِ سِينٍ مُهْمَلَةٍ وَكَسْرِ نُونٍ وَفَتَحِ خَاءٍ مُعْجَمَةٍ بَعْدَهَا هَاءٌ أَيْ: مُتَغَيِّرَةُ الرِّيحِ لِطُولِ الْمُكْثِ. فِي النِّهَايَةِ قِيلَ الْإِهَالَةُ مَا أُذِيبَ مِنَ الْأَلْيَةِ وَالشَّحْمِ، وَقِيلَ الدَّسَمُ الْجَامِدُ، وَالسَّنِخَةُ الْمُتَغَيِّرَةُ الرِّيحِ. (وَلَقَدْ رَهَنَ النَّبِيُّ - ﷺ - دِرْعًا لَهُ بِالْمَدِينَةِ عِنْدَ يَهُودِيٍّ وَأَخَذَ مِنْهُ شَعِيرًا) أَيْ: مِقْدَارًا مُعَيَّنًا مِنَ الشَّعِيرِ (لِأَهْلِهِ) أَيْ: لِأَهْلِ بَيْتِهِ، وَلَعَلَّ وَجْهَ الْأَخْذِ مِنْهُ لِتَكُونَ الْحُجَّةُ بَالِغَةً عَلَيْهِ، أَوْ سَتْرًا لِحَالِهِ عَنِ الْمَسَاكِينِ، أَوْ لِئَلَّا يَثْقُلَ عَلَيْهِمْ فَيُعْطُوهُ اسْتِحْيَاءً، أَوْ لَمْ يَأْخُذُوا مِنْهُ وَقْتَ الْعَطَاءِ رِيَاءً وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ مُبَالَغَةٌ فِي تَنَزُّهِهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ طَلَبِ الْأَجْرِ مِنَ الْأُمَّةِ وَلَوْ صُورَةً حَيْثُ قَالَ: ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ [ص: ٨٦] وَنَظِيرُهُ مَا وَقَعَ لِإِمَامِنَا الْأَعْظَمِ ﵀ حَيْثُ لَمْ يَقِفُ فِي ظِلِّ جِدَارِ مَنْ كَانَ يُطَالِبُهُ بِدَيْنٍ مُعَلِّلًا بِحَدِيثِ كُلُّ قَرْضٍ جَرَّ مَنْفَعَةً فَهُوَ رِبًا، وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ الْإِمَامَ حَمْزَةَ أَحَدَ الْأَئِمَّةِ الْقُرَّاءِ السَّبْعَةِ الَّذِي قَالَ الشَّاطِبِيُّ ﵀ فِي حَقِّهِ مِنَ الْمَنْقَبَةِ: وَحَمْزَةُ مَا أَزْكَاهُ مِنْ مُتَوَرِّعٍ إِمَامًا صَبُورًا لِلْقُرْآنِ مُرَتِّلًا كَانَ لَا يَأْخُذُ أَجْرًا عَلَى الْإِقْرَاءِ لِأَنَّهُ تَمَذْهَبَ بِحَدِيثِ التَّغْلِيظِ فِي أَخْذِ الْأُجْرَةِ عَلَيْهِ، أَوْ مِنْ كَمَالِ تَوَرُّعِهِ حَتَّى عَرَضَ تِلْمِيذُهُ عَلَيْهِ مَاءً فِي يَوْمِ حَرٍّ فَأَبَى وَقِيلَ: إِنَّهُ وَقَعَ فِي بِئْرٍ، فَكُلُّ مَنْ جَاءَ لِيَسْتَخْرِجَهُ مِنْهَا سَأَلَهُ هَلْ قَرَأْتَ عَلَيَّ؟
[ ٨ / ٣٢٧٨ ]
فَيَقُولُ: بَلَى فَيَمْتَنِعُ أَنْ يَسْتَعِينَ بِهِ إِلَى الْخُرُوجِ مِنَ الْخَلَا إِلَى الْمَلَا، وَأَهْلُ الْكُوفَةِ كُلُّهُمْ كَانُوا تَلَامِيذَهُ، فَعَجَزُوا حَتَّى رَأَوْا أَعْرَابِيًّا فَأَتَاهُ فَأَخْرَجَهُ مِنْهَا بَعْدَ أَنْ بَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ قَطُّ مَا قَرَأَ عَلَيْهِ وَلَا سَمِعَ مِمَّنْ يَقْرَأُ لَدَيْهِ. (وَلَقَدْ سَمِعْتُهُ): قَالَ الطِّيبِيُّ: ضَمِيرُ الْمَفْعُولِ فِي سَمِعْتُهُ عَائِدٌ إِلَى أَنَسٍ، وَالْفَاعِلُ هُوَ رَاوِي أَنَسٍ انْتَهَى وَتَبِعَهُ ابْنُ الْمَلَكِ وَغَيْرُهُ مِنَ الشُّرَّاحِ، أَيْ قَالَ رَاوِي الْحَدِيثِ عَنْ أَنَسٍ: سَمِعْتُ أَنَسًا. (يَقُولُ: " مَا أَمْسَى ") أَيْ: لِلذَّخِيرَةِ (" عِنْدَ آلِ مُحَمَّدٍ صَاعُ بُرٍّ ") أَيْ: لِلْقُوتِ (" وَلَا صَاعُ حَبٍّ ") تَعْمِيمٌ بَعْدَ تَخْصِيصٍ، وَالْمَعْنَى أَنَّهُ لَمْ يَدَّخِرْ فِي اللَّيْلِ لِلْغَدِ (" وَإِنَّ عِنْدَهُ لَتِسْعُ نِسْوَةٍ ") بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَالْجُمْلَةُ حَالِيَّةٌ، وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ: وَإِنَّ عِنْدَهُ يَوْمَئِذَ لَتِسْعُ نِسْوَةٍ وَهَذِهِ الْجُمْلَةُ مِنْ كَلَامِ الرَّاوِي قَطْعًا لِقَوْلِهِ عِنْدَهُ، وَالتَّأْوِيلُ بِالِالْتِفَاتِ مِمَّا لَا يُلْتَفَتُ إِلَيْهِ، وَلَا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِيمَا قَبْلَهُ حَيْثُ قَالَ بَعْضُهُمُ: الْحَقُّ أَنَّ الضَّمِيرَ الْمَفْعُولَ رَاجِعٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْفَاعِلُ هُوَ أَنَسٌ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الشَّيْخُ ابْنُ حَجَرٍ الْعَسْقَلَانِيُّ ﵀، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ رِوَايَةُ أَحْمَدَ قَالَ: لَقَدْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَخْ. وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ: مَا أَمْسَى عِنْدَ آلِ مُحَمَّدٍ، إِذْ لَوْ كَانَ مِنْ كَلَامِ الرَّاوِي نَاسَبَ أَنْ يَقُولَ عِنْدَ آلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) .
[ ٨ / ٣٢٧٩ ]
٥٢٤٠ - وَعَنْ عُمَرَ - ﵁ - قَالَ: «دَخَلْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - فَإِذَا هُوَ مُضْطَجِعٌ عَلَى رِمَالِ حَصِيرٍ، لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ فِرَاشٌ، قَدْ أَثَّرَ الرِّمَالُ بِجَنْبِهِ، مُتَّكِئًا عَلَى وِسَادَةٍ مِنْ أَدَمٍ، حَشْوُهَا لِيفٌ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! ادْعُ اللَّهَ فَلْيُوَسِّعْ عَلَى أُمَّتِكَ ; فَإِنَّ فَارِسَ وَالرُّومَ قَدْ وُسِّعَ عَلَيْهِمْ وَهُمْ لَا يَعْبُدُونَ اللَّهَ! فَقَالَ: " أَوَ فِي هَذَا أَنْتَ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ؟ أُولَئِكَ قَوْمٌ عُجِّلَتْ لَهُمْ طَيِّبَاتُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا " وَفِي رِوَايَةٍ: " أَمَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ لَهُمُ الدُّنْيَا وَلَنَا الْآخِرَةُ؟» " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
_________________
(١) (وَعَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ: «دَخَلْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِذَا هُوَ مُضْطَجِعٌ عَلَى رِمَالِ حَصِيرٍ») بِالْإِضَافَةِ أَيْ: عَلَى رِمَالٍ مِنْ حَصِيرٍ. قَالَ شَارِحٌ: الرِّمَالُ بِكَسْرِ الرَّاءِ وَضَمِّهَا جَمْعُ رَمِيلٍ بِمَعْنَى مَرْمُولٍ أَيْ مَنْسُوجٍ، وَيُسْتَعْمَلُ فِي الْوَاحِدِ، وَهَذَا مِنْ إِضَافَةِ الْجِنْسِ إِلَى النَّوْعِ كَخَاتَمِ فِضَّةٍ، وَالْمُرَادُ بِالْحَصِيرِ هُنَا الْمَنْسُوجُ مِنْ وَرَقِ النَّخْلِ انْتَهَى. وَقِيلَ: الرِّمَالُ مَا يُنْسَجُ عُودًا عُودًا، وَالظَّاهِرُ أَنَّ ضَمَّ الرَّاءِ أَشْهَرُ وَلِذَا صَاحِبُ الْقَامُوسِ عَلَيْهِ اقْتَصَرَ وَقَالَ: رِمَالُ الْحَصِيرِ كَغُرَابٍ مَرْمُولَةٍ وَفِي النِّهَايَةِ: الرُّمَالُ مَا رُمِلَ أَيْ: نُسِجَ قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وَنَظِيرُهُ الْحُطَامُ وَالزُّكَامُ لِمَا يُحْطَمُ وَيُزْكَمُ وَقَالَ غَيْرُهُ: الرُّمَالُ جَمْعُ رَمْلٍ بِمَعْنَى مَرْمُولٍ كَخَلْقِ اللَّهِ تَعَالَى بِمَعْنَى مَخْلُوقَةٍ، وَالْمُرَادُ أَنَّهُ كَانَ السَّرِيرُ قَدْ نُسِجَ وَجْهُهُ بِالسَّعَفِ وَلَمْ يَكُنْ عَلَى السَّرِيرِ وِطَاءٌ سِوَى الْحَصِيرِ، ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ ﵀، لَكِنَّ كَوْنَ الْمُرَادِ بِرِمَالِ الْحَصِيرِ شَرِيطَ السَّرِيرِ بَعِيدٌ عِنْدَ الْفَقِيرِ، بَلِ الظَّاهِرُ أَنَّهُ مُضْطَجِعٌ عَلَى مَنْسُوجٍ مِنْ حَصِيرٍ (لَيْسَ بَيْنَهُ) أَيْ: بَيْنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (وَبَيْنَهُ) أَيْ: بَيْنَ الْحَصِيرِ (فِرَاشٌ) أَيْ: لَا مِنَ الْقُطْنِ وَلَا مِنَ الْحَرِيرِ (قَدْ أَثَّرَ الرِّمَالُ بِجَنْبِهِ) أَيْ: مِنْ بَدَنِهِ لَا سِيَّمَا عِنْدَ كَشْفِهِ مِنْ ثَوْبِهِ (مِنْهُ) أَيْ: حَالَ كَوْنِهِ مُعْتَمِدًا (عَلَى وِسَادَةٍ) أَيْ: مِخَدَّةٍ (مِنْ أَدَمٍ بِفَتْحَتَيْنِ أَيْ: جِلْدٍ (حَشْوُهَا) أَيْ: مَحْشُوُّ الْوِسَادَةِ (لِيفٌ) فِي الْقَامُوسِ: لِيفُ النَّخْلِ بِالْكَسْرِ مَعْلُومٌ (قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! ادْعُ اللَّهَ فَلْيُوَسِّعْ): بِكَسْرِ السِّينِ الْمُشَدَّدَةِ وَسُكُونِ الْعَيْنِ (عَلَى أُمَّتِكَ) أَيْ: فَإِنَّهُمْ لَا يُطِيقُونَ مُتَابَعَتَكَ فِي تَحَمُّلِ مِحْنَتِكَ فَرُبَّمَا يَتَنَفَّرُونَ عَنِ الْمَيْلِ إِلَى مِلَّتِكَ (فَإِنَّ فَارِسَ وَالرُّومَ قَدْ وُسِّعَ عَلَيْهِمْ وَهُمْ لَا يَعْبُدُونَ اللَّهَ) وَكَانَ ابْنُ الْخَطَّابِ النَّاطِقُ بِالصَّوَابِ الْمُوَافِقُ رَأْيُهُ لِلْكِتَابِ آخِذًا هَذَا الْمَعْنَى مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فَضَّةٍ﴾ [الزخرف: ٣٣] الْآيَةَ وَمَفْهُومُهَا أَنَّهُ مَا وُسِّعَ عَلَيْهِمْ تَوْسِيعًا كُلِّيًّا وَلَا ضُيِّقَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ تَضْيِيقًا كُلِّيًّا، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ مُقْتَضَى ظَاهِرِ الْعَدْلِ مِنْ تَفْسِيرِ الدَّارَيْنِ بَيْنَ الْفَرِيقَيْنِ، كَمَا أَخْبَرَ بِهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَدِيثِ " «الدُّنْيَا سِجْنُ الْمُؤْمِنِ وَجَنَّةُ الْكَافِرِ» " فَالْحِكْمَةُ الْبَالِغَةُ هِيَ الْمَانِعَةُ مِنْ مَيْلِ الْمُؤْمِنِينَ إِلَى طَرِيقِ الْكَافِرِينَ وَهِيَ الْحَالَةُ الْوُسْطَى بِالنِّسْبَةِ إِلَى عُمُومِ الْخَلْقِ، وَإِنْ كَانَتِ الْمَرْتَبَةُ الْعُلْيَا بِالْإِضَافَةِ إِلَى الْخَوَاصِّ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ وَالْأَوْلِيَاءِ كَمَالَ الزُّهْدِ فِي الدُّنْيَا وَالْقَنَاعَةَ بِأَقَلِّ مَا يُتَصَوَّرُ مِنْ مَتَاعِهَا لِيَكُونَ تَمَتُّعُهُمْ تَامًّا فِي الْعُقْبَى.
[ ٨ / ٣٢٧٩ ]
(فَقَالَ) أَيِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (أَوَ فِي هَذَا أَنْتَ) بِفَتْحِ الْوَاوِ بَعْدَ اسْتِفْهَامٍ إِنْكَارِيٍّ وَالْمَعْطُوفُ عَلَيْهِ مُقَدَّرٌ أَيْ: أَتَقُولُ هَذَا الْكَلَامَ وَأَنْتَ إِلَى الْآنَ فِي هَذَا الْمَقَامِ، وَلَمْ يَحْصُلْ لَكَ التَّرَقِّي إِلَى فَهْمِ الْمِرَاءِ؟ وَقِيلَ قُدِّمَ الِاسْتِفْهَامُ لِصَدَارَتِهِ، وَالْوَاوُ لِمُجَرَّدِ الرَّبْطِ بَيْنَ الْكَلَامِ السَّابِقِ وَاللَّاحِقِ (" يَا ابْنَ الْخَطَّابِ ")؟ قِيلَ فِي خِطَابِهِ بِابْنَ الْخَطَّابِ دُونَ عُمَرَ إِيذَانًا بِأَنَّ الِالْتِذَاذَ بِطَيِّبَاتِ الدُّنْيَا مِنْ خِصَالِ ذَوِي الْجَهْلِ وَالْعَمَى، وَكَأَنَّهُ يَقُولُ: يَا ابْنَ ذَلِكَ الْمُقَيَّدِ بِطَيِّبَاتِ الدُّنْيَا الْغَافِلِ عَنْ نَعِيمِ دَارِ الْعُقْبَى (" أُولَئِكَ "): أَيْ فَارِسُ وَالرُّومُ وَسَائِرُ الْكُفَّارِ (" عُجِّلَتْ لَهُمْ طَيِّبَاتُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ") أَيْ: كَمَا أَخْبَرَ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ أَنَّهُ يُنْكِرُ عَلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِخِطَابِهِ حَيْثُ قَالَ: ﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ﴾ [الأحقاف: ٢٠] هَذَا، وَقَدْ قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀، قَوْلُهُ: (فَلْيُوَسِّعْ) الظَّاهِرُ نَصْبُهُ لِيَكُونَ جَوَابَ الْأَمْرِ، أَيِ ادْعُ اللَّهَ فَيُوَسِّعَ، وَاللَّامُ لِلتَّأْكِيدِ، وَالرِّوَايَةُ الْجَزْمُ عَلَى أَنَّهُ أَمْرٌ لِلْغَائِبِ كَأَنَّهُ الْتَمَسَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الدُّعَاءَ لِأُمَّتِهِ بِالتَّوْسِعَةِ، وَطَلَبَ مِنَ اللَّهِ الْإِجَابَةَ، وَكَانَ مِنْ حَقِّ الظَّاهِرِ أَنْ يُقَالَ: ادْعُ اللَّهَ لِيُوَسِّعَ عَلَيْكَ، فَعَدَلَ إِلَى الدُّعَاءِ لِلْأُمَّةِ إِجْلَالًا لِمَحَلِّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَإِبْعَادُ الْمَنْزِلَةِ مَنْ رُسِّخَ لِلنُّبُوَّةِ أَنْ يَطْلُبَ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى هَذَا الدَّنِيءَ الْخَسِيسَ لِنَفَسِهِ النَّفِيسِ، وَمَعَ ذَلِكَ أَنْكَرَ عَلَيْهِ هَذَا الْإِنْكَارَ الْبَلِيغَ، وَقَوْلُهُ: أَوْ فِي هَذَا؟ مَدْخُولُ الْهَمْزَةِ مَحْذُوفٌ أَيْ: فَطَلَبَ هَذَا وَفِي هَذَا أَنْتَ، وَكَيْفَ يَلِيقُ بِمِثْلِكَ أَنْ يَطْلُبَ مِنَ اللَّهِ التَّوْسِعَةَ فِي الدُّنْيَا؟ (وَفِي رِوَايَةٍ: " أَمَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ لَهُمُ الدُّنْيَا ") أَيْ: مُوَسَّعَةً خَاصَّةً (" وَلَنَا الْآخِرَةُ ") أَيْ: مُرْضِعَةٌ خَالِصَةٌ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) . وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ الرِّوَايَةَ الْأَخِيرَةَ.
[ ٨ / ٣٢٨٠ ]
٥٢٤١ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - قَالَ: لَقَدْ رَأَيْتُ سَبْعِينَ مِنْ أَصْحَابِ الصُّفَّةِ، مَا مِنْهُمْ رَجُلٌ عَلَيْهِ رِدَاءٌ، إِمَّا إِزَارٌ وَإِمَّا كِسَاءٌ، قَدْ رُبِطُوا فِي أَعْنَاقِهِمْ، فَمِنْهَا مَا يَبْلُغُ نِصْفَ السَّاقَيْنِ، وَمِنْهَا مَا يَبْلُغُ الْكَعْبَيْنِ فَيَجْمَعُهُ بِيَدِهِ كَرَاهِيَةَ أَنْ تُرَى عَوْرَتُهُ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
_________________
(١) (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: لَقَدْ رَأَيْتُ سَبْعِينَ مِنْ أَصْحَابِ الصُّفَّةِ)، وَفِي نُسْخَةٍ: مِنْ أَهْلِ الصُّفَّةِ، وَهُمْ كَانُوا أَرْبَعَمِائَةٍ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ تَهَيَّأُوا لِتَعْلِيمِ الْقُرْآنِ وَالْخُرُوجِ فِي السَّرَايَا لِقِتَالِ أَهْلِ الطُّغْيَانِ، وَكَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ نَاظِرَهُمْ وَنَقِيبَهُمْ وَمُتَفَقِّدَ حَالِهِمْ وَرَقِيبَهُمْ، وَكَانُوا يَأْوُونَ فِي صُفَّةٍ آخِرَ مَسْجِدِهِ ﷺ، وَقَدْ نَزَلَ فِي حَقِّهِمْ: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ [البقرة: ٢٧٣] أَيْ: أَصْلًا بَلْ كَانُوا مُتَوَكِّلِينَ وَمُتَقَنِّعِينَ بِالْتِقَاطِ النَّوَاةِ وَنَحْوِهَا مِنْ جِهَةِ الزَّادِ لِلْمَعَاشِ وَالْمَعَادِ، وَأَمَّا مِنْ جِهَةِ الْكُسْوَةِ فَكَمَا بَيَّنَهُ أَبُو هُرَيْرَةَ بِقَوْلِهِ: (مَا مِنْهُمْ رَجُلٌ عَلَيْهِ رِدَاءٌ)، فَفِي النِّهَايَةِ: هُوَ الثَّوْبُ أَوِ الْبُرْدُ الَّذِي يَضَعُهُ الْإِنْسَانُ عَلَى عَاتِقِهِ وَبَيْنَ كَتِفَيْهِ فَوْقَ ثِيَابِهِ. قَالَ السَّيِّدُ جَمَالُ الدِّينِ ﵀: قَوْلُهُ: فَوْقَ ثِيَابِهِ خِلَافَ مَا عَلَيْهِ أَئِمَّةُ اللُّغَةِ، وَإِنَّمَا الرِّدَاءُ هُوَ الَّذِي يَسْتُرُ أَعَالِيَ الْبَدَنِ فَقَطْ. قُلْتُ: وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ: (إِمَّا إِزَارٌ وَإِمَّا كِسَاءٌ) أَيْ: إِزَارٌ وَاحِدٌ يَسْتُرُ عَوْرَتَهُ، وَإِمَّا كِسَاءٌ وَاحِدٌ يَشْتَمِلُ بِهِ كَمَا بَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ: (قَدْ رَبَطُوا) أَيْ: طَرَفَهُ (فِي أَعْنَاقِهِمْ)، وَحَاصِلُ الْمَعْنَى أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ ثَوْبٌ يَتَرَدَّى بِهِ، بَلْ كَانَ لَهُ إِمَّا إِزَارٌ فَحَسْبُ وَفِي الْعُدُولِ عَنْ ضَمِيرِ الْمُفْرَدِ إِلَى الْجَمْعِ فِي قَوْلِهِ: قَدْ رَبَطُوا فِي أَعْنَاقِهِمْ حَيْثُ لَمْ يَقُلْ قَدْ رَبَطَهُ فِي عُنُقِهِ إِشْعَارٌ بِأَنَّ حَالَ جَمِيعِهِمْ كَانَ عَلَى هَذَا الْمِنْوَالِ، كَمَا يُفِيدُهُ تَنْكِيرُ رَجُلٍ وَاسْتِغْرَاقُ النَّفْيِ مَعَ زِيَادَةِ الْمُبَالَغَةِ بِزِيَادَةِ مِنْ فِي قَوْلِهِ مِنْهُمْ، ثُمَّ تَأْنِيثُ الضَّمِيرِ فِي قَوْلِهِ: (فَمِنْهَا مَا يَبْلُغُ نِصْفَ السَّاقَيْنِ، وَمِنْهَا مَا يَبْلُغُ الْكَعْبَيْنِ): مَعَ أَنَّهُ رَاجِعٌ إِلَى الْكِسَاءِ وَالْإِزَارِ بِاعْتِبَارِ الْجَمْعِيَّةِ فِي الْأَكْسِيَةِ وَالْأُزُرِ، أَوِ الْأَكْسِيَةِ وَحْدِهَا لِقُرْبِهَا وَلِمُقَايَسَةِ غَيْرِهَا عَلَيْهَا، وَلَهَا نَظَائِرُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٥] .
[ ٨ / ٣٢٨٠ ]
وَمِنْ قَوْلِهِ ﷿: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٤] فَإِنَّ الْمُفْرَدَ يَدُلُّ عَلَى الْجَمْعِ، لَا سِيَّمَا وَالْمُرَادُ بِهِ الْجِنْسُ الَّذِي قَدْ يُعَبَّرُ عَنْهُ بِالتَّأْنِيثِ لِدَلَالَتِهِ عَلَى جَمْعِيَّةِ الْجَمَاعَةِ، كَمَا قَدْ يُفْرَدُ بِاعْتِبَارِ لَفْظِهِ، وَهُوَ الْمَعْنِيُّ بِقَوْلِهِ: (فَيَجْمَعُهُ) أَيْ: يَجْمَعُ الرَّجُلُ ذَلِكَ الثَّوْبَ مِنَ الْكِسَاءِ أَوِ الْإِزَارِ (بِيَدِهِ): لِئَلَّا يَفْتَرِقَ أَحَدُ طَرَفَيْهِ مِنَ الْآخَرِ (كَرَاهِيَةَ أَنْ تُرَى عَوْرَتُهُ) أَيْ فِي نَظَرِ غَيْرِهِ أَوْ حَالَ صِلَاتِهِ.
هَذَا وَقَدْ قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: التَّأْنِيثُ بِاعْتِبَارِ الْجَمْعِيَّةِ فِي الْأَكْسِيَةِ وَالْأُزُرِ وَتَعَدُّدِ الْمُكْتَسِبِينَ، وَالْإِفْرَادُ فِي بِيَدِهِ بِاعْتِبَارِ الرَّجُلِ الْمَذْكُورِ. (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) .
[ ٨ / ٣٢٨١ ]
٥٢٤٢ - وَعَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " «إِذَا نَظَرَ أَحَدُكُمْ إِلَى مَنْ فُضِّلَ عَلَيْهِ فِي الْمَالِ وَالْخَلْقِ فَلْيَنْظُرْ إِلَى مَنْ هُوَ أَسْفَلَ مِنْهُ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ، قَالَ: " «انْظُرُوا إِلَى مَنْ هُوَ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَلَا تَنْظُرُوا إِلَى مَنْ هُوَ فَوْقَكُمْ، فَهُوَ أَجْدَرُ أَنْ لَا تَزْدَرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ» ".
_________________
(١) (وَعَنْهُ) أَيْ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " إِذَا نَظَرَ أَحَدُكُمْ إِلَى مَنْ فُضِّلَ عَلَيْهِ "): بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ مِنَ التَّفْضِيلِ أَيْ: زِيدَ عَلَيْهِ (" فِي الْمَالِ وَالْخَلْقِ ") أَيْ: فِي الصُّورَةِ أَوْ فِي الْخَدَمِ وَالْحَشَمِ، وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ إِذَا رَأَى أَحَدُكُمْ مَنْ هُوَ أَكْثَرُ مِنْهُ حِشْمَةً وَمَالًا وَلِبَاسًا وَجَمَالًا، وَلَمْ يَعْرِفْ أَنَّ لَهُ فِي الْآخِرَةِ وَبَالًا، (" فَلْيَنْظُرْ إِلَى مَنْ هُوَ أَسْفَلَ مِنْهُ ") بِفَتْحِ اللَّامِ وَيُضَمُّ أَيْ: مَنْ هُوَ دُونَهُ فِي الدُّنْيَا، وَأَقَلُّ رُتْبَةً مِنْهُ مَالًا وَمَنَالًا، وَلَهُ فِي الْآخِرَةِ الدَّرَجَةُ الْعُلْيَا مَآلًا، وَفِي الْحَدِيثِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ حَالَ أَكْثَرِ الْخَلْقِ هُوَ الِاعْتِدَالُ وَلَوْ بِحَسَبِ الْإِضَافَةِ وَالِانْتِقَالِ، فَالسَّالِكُ بِالنَّظَرِ إِلَى حَالِ طَرَفَيْهِ مُحَصَّلٌ لَهُ حُسْنُ الْحَالِ، وَإِيمَاءً إِلَى أَنَّ الْمُفَضَّلَ عَلَى الْخَلْقِ كُلِّهَا مِنْ جَمِيعِ الْوُجُوهِ مَثَلًا أَوْ فَرْضًا لَا يَنْظُرُ إِلَى مَنْ تَحْتِهِ لِئَلَّا يَحْصُلَ لَهُ الْعَجَبُ وَالْغُرُورُ وَالِافْتِخَارُ وَالتَّكَبُّرُ وَالْخُيَلَاءُ، بَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَقُومَ بِحَقِّ شُكْرِهِ عَلَى النَّعْمَاءِ، وَأَمَّا مَنْ لَمْ يَكُنْ تَحْتَهُ أَحَدٌ فِي الْفَقْرِ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَشُكَّ رَبُّهُ حَيْثُ لَمْ يَبْتَلِهِ بِالدُّنْيَا لِقِلَّةِ غَنَائِهَا وَكَثْرَةِ عَنَائِهَا وَسُرْعَةِ فَنَائِهَا وَخِسَّةِ شُرَكَائِهَا، وَلِذَا كَانَ الشِّبْلِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى إِذَا رَأَى أَحَدًا مِنْ أَرْبَابِ الدُّنْيَا قَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْعَفُوَّ وَالْعَافِيَةَ فِي الدُّنْيَا وَالْعُقْبَى، وَيُنَاسِبُهُ مَا حُكِيَ أَنَّ شَخْصَا مِنَ الْفُقَرَاءِ قَامَ فِي مَجْلِسِ وَاعِظٍ مِنَ الْأَوْلِيَاءِ، وَشَكَا أَنَّهُ لَمْ يَأْكُلْ كَذَا مُدَّةً فِي الْخَلَا وَالْمَلَا، فَقَالَ الشَّيْخُ: كَذَبْتَ يَا عَدُوَّ اللَّهِ فَإِنَّهُ لَا يُعْطِي الْجُوعَ الشَّدِيدَ إِلَّا لِأَصْفِيَائِهِ وَخَاصَّةِ أَنْبِيَائِهِ وَخُلَاصَةِ أَوْلِيَائِهِ، وَلَوْ كُنْتَ مِنْهُمْ لَمَا أَظْهَرْتَ هَذِهِ الشِّكَايَةَ، وَلَسَتَرْتَ عَنِ الْخَلْقِ هَذِهِ الْغَايَةَ، وَمُجْمَلُ الْحَالِ وَخُلَاصَةُ الْمَقَالِ أَنَّ الْمُؤْمِنَ إِذَا سَلِمَ دِينُهُ مِنَ الْخَلَلِ وَالزَّوَالِ، فَلَا يُبَالِي بِنُقْصَانِ الْجَاهِ وَالْمَالِ وَسَائِرِ الْمَشَقَّاتِ الْكَائِنَةِ فِي الْحَالِ وَالِاسْتِقْبَالِ، كَمَا رُوِيَ أَنَّ صَاحِبًا لِلْغَزَالِيِّ ضُرِبَ وَحُبِسَ فَشَكَا إِلَيْهِ، فَقَالَ: اشْكُرْ فَإِنَّ الْبَلَاءَ قَدْ يَكُونُ أَعْظَمَ مِنْ هَذَا، ثُمَّ طُرِحَ فِي بِئْرٍ مِنَ السِّجْنِ فَشَكَا إِلَيْهِ وَرُدَّ بِمَا سَبَقَ، ثُمَّ أَتَى بِيَهُودِيٌّ يُسْهِلُ كُلَّ سَاعَةٍ، وَوُضِعَ مَعَهُ مُسَلْسَلًا بِسِلْسِلَتِهِ يَحْتَاجُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَى مُرَافَقَتِهِ وَمُصَاحَبَتِهِ مَعَ ضِيقِ الْمَكَانِ وَظُلْمَةِ الزَّمَانِ وَالْعُفُونَةِ فِي كُلِّ آنٍ، فَشَكَا إِلَى الْإِمَامِ مِنْ ضِيقِ الصَّدْرِ، فَأَمَرَهُ بِالشُّكْرِ وَالصَّبْرِ فَأَجَابَ جَزِعًا أَيُّ بَلَاءٍ أَشَدُّ مِنْ هَذَا الْعَذَابِ؟ فَقَالَ الْإِمَامُ فِي الْجَوَابِ: هُوَ أَنْ يُوضَعَ فِي رَقَبَتِكَ طَوْقُ الْكُفْرِ وَالْحِجَابِ، وَيُسْلَكَ بِكَ عَنْ صَوْبِ الصَّوَابِ. ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ [آل عمران: ٨] (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) . وَرَوَاهُ أَحْمَدُ. (وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ)، وَقَدْ خَرَّجَهَا أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ عَنْهُ أَيْضًا مَرْفُوعًا. (قَالَ: " «انْظُرُوا إِلَى مَنْ هُوَ أَسْفَلُ مِنْكُمْ» ") أَيْ: دُونَكُمْ رُتْبَةً (" وَلَا تَنْظُرُوا إِلَى مَنْ هُوَ فَوْقَكُمْ ") أَيْ: مَرْتَبَةً (" فَهُوَ ") أَيِ: النَّظَرُ الْمَذْكُورُ إِثْبَاتًا وَنَفْيًا (" أَجْدَرُ ") أَيْ: أَحَقُّ وَأَوْلَى (" أَنْ لَا تَزْدَرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ ") . أَيْ: بِعَدَمِ الِازْدِرَاءِ وَالِاحْتِقَارِ لِمَا قَسَمَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فِي هَذِهِ الدَّارِ، فَإِنَّهُ يَظْهَرُ لَكُمْ بِذَلِكَ النَّظَرِ أَنَّ لِلَّهِ تَعَالَى عَلَيْكُمْ نِعَمًا كَثِيرَةً بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَنْ دُونَكُمْ، أَوْ نِعَمًا كَثِيرَةً حَيْثُ اخْتَارَ لَكُمُ الْفَقْرَ وَالْبَلَاءَ، وَجَعَلَكُمْ مِنْ أَهْلِ الْوَلَاءِ، وَشَبَّهَكُمْ بِالْأَنْبِيَاءِ وَالْأَوْلِيَاءِ، وَخَلَّصَكُمْ عَنْ ظُلْمَةِ الْأُمَرَاءِ وَظُلْمَةِ الْأَغْنِيَاءِ الْأَغْبِيَاءِ.
[ ٨ / ٣٢٨١ ]
الْفَصْلُ الثَّانِي
٥٢٤٣ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " «يَدْخُلُ الْفُقَرَاءُ الْجَنَّةَ قَبْلَ الْأَغْنِيَاءِ بِخَمْسِمِائَةِ عَامٍ نِصْفِ يَوْمٍ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
_________________
(١) الْفَصْلُ الثَّانِي
(٢) (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: " يَدْخُلُ الْفُقَرَاءُ ") أَيِ: الصَّابِرُونَ وَقِيلَ وَلَوْ كَانُوا شَاكِينَ (" الْجَنَّةَ قَبْلَ الْأَغْنِيَاءِ ") أَيِ: الشَّاكِرِينَ (" بِخَمْسِمِائَةِ عَامٍ ") أَيْ: سَنَةٍ (" نِصْفِ يَوْمٍ "): بِالْجَرِّ عَلَى أَنَّهُ صِفَةٌ فَارِقَةٌ أَوْ بَدَلٌ أَوْ عَطْفُ بَيَانٍ عَنْ خَمْسِمِائَةِ عَامٍ، فَإِنَّ الْيَوْمَ الْأُخْرَوِيَّ مِقْدَارُ طُولِهِ أَلْفُ سَنَةٍ مِنْ سِنِينِ الدُّنْيَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ [الحج: ٤٧] فَنِصْفُهُ خَمْسُمِائَةٍ. وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [المعارج: ٤] فَمَخْصُوصٌ مِنْ عُمُومِ مَا سَبَقَ، أَوْ مَحْمُولٌ عَلَى تَطْوِيلِ ذَلِكَ الْيَوْمِ عَلَى الْكُفَّارِ كَمَا يُطْوَى حَتَّى يَصِيرَ كَسَاعَةٍ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْأَبْرَارِ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ - فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ - عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ﴾ [المدثر: ٨ - ١٠] قَالَ الْأَشْرَفُ، فَإِنْ قُلْتَ: كَيْفَ التَّوْفِيقُ بَيْنَ هَذَا الْحَدِيثِ وَالْحَدِيثِ السَّابِقِ مِنْ قَوْلِهِ بِأَرْبَعِينَ خَرِيفًا؟ قُلْتُ: يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مِنَ الْأَغْنِيَاءِ فِي الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ أَغْنِيَاءَ الْمُهَاجِرِينَ أَيْ: يَسْبِقُ فُقَرَاءُ الْمُهَاجِرِينَ إِلَى الْجَنَّةِ بِأَرْبَعِينَ خَرِيفًا، وَمِنَ الْأَغْنِيَاءِ فِي الْحَدِيثِ الثَّانِي: الْأَغْنِيَاءُ الَّذِينَ لَيْسُوا مِنَ الْمُهَاجِرِينَ، فَلَا تَنَاقُضَ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ انْتَهَى. وَفِيهِ أَنَّ هَذَا إِنَّمَا يَتِمُّ إِذَا أُرِيدَ بِالْفُقَرَاءِ الْخَاصُّ وَبِالْأَغْنِيَاءِ الْعَامُّ، فَلَا يُفْهَمُ حُكْمُ الْفُقَرَاءِ مِنْ غَيْرِ الْمُهَاجِرِينَ، فَالْأَوْلَى حَمْلُ الْحَدِيثِ عَلَى مَعْنًى يُفْهِمُ الْحُكْمَ عُمُومًا وَهُوَ بِأَنْ يُقَالَ: الْمُرَادُ بِكُلٍّ مِنَ الْعَدَدَيْنِ إِنَّمَا هُوَ التَّكْثِيرُ لَا التَّحْدِيدُ، فَتَارَةً عَبَّرَ بِهِ وَأُخْرَى بِغَيْرِهِ تَفَنُّنًا وَمَآلُهُمَا وَاحِدٌ أَوْ أَخْبَرَ أَوَّلًا بِأَرْبَعِينَ كَمَا أُوحِيَ إِلَيْهِ، ثُمَّ أَخْبَرَ ثَانِيًا بِخَمْسِمِائَةِ عَامٍ زِيَادَةً عَلَى فَضْلِهِ عَلَى الْفُقَرَاءِ بِبَرَكَتِهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَوِ التَّقْدِيرُ أَرْبَعِينَ خَرِيفًا إِشَارَةً إِلَى أَقَلِّ الْمَرَاتِبِ وَبِخَمْسِمِائَةِ عَامٍ إِلَى أَكْثَرِهَا، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ مَا فِي الطَّبَرَانِيِّ عَنْ مَسْلَمَةَ بْنِ مَخْلَدٍ وَلَفْظُهُ: سَبَقَ الْمُهَاجِرُونَ النَّاسَ بِأَرْبَعِينَ خَرِيفًا إِلَى الْجَنَّةِ، ثُمَّ يَكُونُ الزُّمْرَةُ الثَّانِيَةُ مِائَةَ خَرِيفٍ انْتَهَى. فَالْمَعْنَى أَنْ يَكُونَ الزُّمْرَةُ الثَّالِثَةُ مِائَتَيْنِ وَهَلُمَّ جَرًّا، وَكَأَنَّهُمْ مُحْصَرُونَ فِي خَمْسِ زُمَرٍ وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. أَوِ الِاخْتِلَافُ بِاخْتِلَافِ مَرَاتِبِ أَشْخَاصِ الْفُقَرَاءِ فِي حَالِ صَبْرِهِمْ وَرِضَاهُمْ وَشُكْرِهِمْ، وَهُوَ الْأَظْهَرُ الْمُطَابِقُ لِمَا فِي جَامِعِ الْأُصُولِ حَيْثُ قَالَ: وَجْهُ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْأَرْبَعِينَ أَرَادَ بِهَا تَقَدُّمَ الْفَقِيرِ الْحَرِيصِ عَلَى الْغَنِيِّ، وَأَرَادَ بِالْخَمْسِمِائَةِ تَقَدُّمَ الْفَقِيرِ الزَّاهِدِ عَلَى الْغَنِيِّ الرَّاغِبِ، فَكَانَ الْفَقِيرُ الْحَرِيصُ عَلَى دَرَجَتَيْنِ مِنْ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً مِنَ الْفَقِيرِ الزَّاهِدِ، وَهَذِهِ نِسْبَةُ الْأَرْبَعِينَ إِلَى الْخَمْسِمِائَةِ، وَلَا تَظُنَّنَّ أَنَّ هَذَا التَّقْدِيرَ وَأَمْثَالَهُ يَجْرِي عَلَى لِسَانِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خِرَافًا وَلَا بِاتِّفَاقٍ، بَلْ لِسِرٍّ أَدْرَكَهُ وَنِسْبَةٍ أَحَاطَ بِهَا عِلْمُهُ، فَإِنَّهُ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) وَقَالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَرَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ. قَالَ الْمُنْذِرِيُّ: وَرِجَالُهُ مُحْتَجٌّ بِهِمْ فِي الصَّحِيحِ، وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ بِزِيَادَةٍ، مِنْ طَرِيقِ مُوسَى بْنِ عُبَيْدَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ.
[ ٨ / ٣٢٨٢ ]
٥٢٤٤ - وَعَنْ أَنَسٍ - ﵁ - أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: " «اللَّهُمَّ أَحْيِنِي مِسْكِينًا وَأَمِتْنِي مِسْكِينًا، وَاحْشُرْنِي فِي زُمْرَةِ الْمَسَاكِينِ ". فَقَالَتْ عَائِشَةُ: لِمَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: " إِنَّهُمْ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ قَبْلَ أَغْنِيَائِهِمْ بِأَرْبَعِينَ خَرِيفًا، يَا عَائِشَةُ! لَا تَرُدِّي الْمِسْكِينَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ، يَا عَائِشَةُ أَحِبِّي الْمَسَاكِينَ وَقَرِّبِيهِمْ، فَإِنَّ اللَّهَ يُقَرِّبُكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي (شُعَبِ الْإِيمَانِ) .
_________________
(١) (وَعَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: " اللَّهُمَّ أَحْيِنِي مِسْكِينًا "): وَلَمْ يَقُلْ فَقِيرًا لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ كَوْنُهُ مُحْتَاجًا حَقِيرًا، فَيُنَافِيهِ دُعَاؤُهُ اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي فِي نَفْسِي صَغِيرًا وَفِي أَعْيُنِ النَّاسِ كَبِيرًا، وَأَمَّا الْمِسْكِينُ فَهُوَ مِنْ مَادَّةِ الْمَسْكَنَةِ وَهُوَ التَّوَاضُعُ عَلَى وَجْهِ الْمُبَالَغَةِ وَلَوْ أَفْضَى إِلَى الْمَذَلَّةِ، أَوْ مِنَ السُّكُونِ وَالسَّكِينَةِ وَهُوَ الْوَقَارُ وَالِاطْمِئْنَانُ وَالْقَرَارُ تَحْتَ أَحْكَامِ الْأَقْدَارِ رِضًا بِقَضَاءِ الْجَبَّارِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: أَيِ اجْعَلْنِي مُتَوَاضِعًا لَا جَبَّارًا مُتَكَبِّرًا، وَفِيهِ تَعْلِيمُ الْأُمَّةِ لِيَعْرِفُوا فَضْلَ الْفُقَرَاءِ، فَيُحِبُّوهُمْ وَيُجَالِسُوهُمْ لِيَنَالَهُمْ بَرَكَتُهُمْ، وَفِيهِ تَسْلِيَةٌ لِلْمَسَاكِينِ، وَتَنْبِيهٌ عَلَى عُلُوِّ دَرَجَاتِهِمْ، وَيَجُوزُ أَنْ
[ ٨ / ٣٢٨٢ ]
يُرَادُ بِهَذَا أَنْ يَجْعَلَ قُوَّتَهُ كَفَافًا وَلَا يَشْغَلَهُ بِالْمَالِ، فَإِنَّ كَثْرَةَ الْمَالِ فِي حَقِّ الْمُقَرَّبِينَ مُؤْنَةٌ مِنَ الْمَآلِ وَخُشُونَةِ الْحَالِ. (" وَأَمِتْنِي "): وَفِي رِوَايَةِ الْحَاكِمِ: وَتَوَفَّنِي (" مِسْكِينًا "): دَلَّ عَلَى أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ عَلَى وَصْفِ الْمَسْكَنَةِ إِلَى آخِرِ الْعُمُرِ، (" وَاحْشُرْنِي فِي زُمْرَةِ الْمَسَاكِينِ ") . أَيْ فَرِيقِهِمْ وَجَمَاعَتِهِمْ، وَفِيهِ مُبَالَغَةٌ لَا تَخْفَى لِأَنَّهُ لَوْ قَالَ: وَاحْشُرْهُمْ فِي زُمْرَتِي لَكَانَ لَهُمْ فَضْلٌ كَثِيرٌ وَعُلُوٌّ كَبِيرٌ، وَنَظِيرُهُ مَا قَالَ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " «فَضْلُ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ كَفَضْلِي عَلَى أَدْنَاكُمْ» " حَيْثُ لَمْ يَقُلْ كَفَضْلِي عَلَى أَعْلَاكُمْ، هَذَا وَقَدْ مَرَّ بَعْضُ سَلَاطِينِ الْإِسْلَامِ عَلَى طَائِفَةٍ مِنَ الْفُقَرَاءِ وَالصُّلَحَاءِ الْكِرَامِ، فَلَمْ يَلْتَفِتُوا إِلَيْهِ وَلَمْ يُقْبِلُوا عَلَيْهِ فَقَالَ: مَنْ أَنْتُمْ؟ فَقَالُوا: نَحْنُ قَوْمٌ مَحَبَّتُنَا تَرْكُ الدُّنْيَا وَعَدَاوَتُنَا تَرْكُ الْعُقْبَى، فَجَاوَزَهُمْ وَتَجَاوَزَهُمْ وَتَجَاوَزَ عَنْهُمْ، وَقَالَ: نَحْنُ لَمْ نَقْدِرْ عَلَى مَحَبَّتِكُمْ وَلَا طَاقَةَ لَنَا عَلَى عَدَاوَتِكُمْ.
(فَقَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: لِمَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟) أَيْ: لِأَيِّ شَيْءٍ دَعَوْتَ هَذَا الدُّعَاءَ وَاخْتَرْتَ الْحَيَاةَ وَالْمَمَاتَ وَالْبَعْثَةَ مَعَ الْمَسَاكِينِ وَالْفُقَرَاءِ دُونَ أَكَابِرِ الْأَغْنِيَاءِ؟ (" قَالَ: " إِنَّهُمْ): اسْتِئْنَافٌ فِي مَعْنَى التَّعْلِيلِ أَيْ: لِأَنَّهُمْ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ بَقِيَّةِ فَضَائِلِهِمْ وَحُسْنِ أَخْلَاقِهِمْ وَشَمَائِلِهِمْ (" يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ قَبْلَ أَغْنِيَائِهِمْ ") أَيْ: زَمَانًا وَمَكَانًا وَمَكَانَةً (" بِأَرْبَعِينَ خَرِيفًا ")، وَالِاكْتِفَاءُ بِهِ لِأَنَّهُ أَقَلُّ مَوْعُودٍ فِي مُدَّةٍ لِمُسَابَقَةٍ كَمُضَاعَفَةِ الْحَسَنَةِ بِالْعَشَرَةِ فِي الطَّاعَةِ (" يَا عَائِشَةُ! لَا تَرُدِّي الْمِسْكِينَ ") أَيْ: لَا تَرُدِّيهِ خَائِبًا بَلْ سَامِحِيهِ جَائِيًا وَآيِبًا وَأَحْسِنِي إِلَيْهِ قَلِيلًا أَوْ كَثِيرًا (" وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ ") أَيْ: بِنِصْفِهَا أَوْ بِبَعْضِهَا أَوْ رُدِّيهِ رَدًّا جَمِيلًا تَسْتَحِقِّي بِهِ جَزَاءً جَزِيلًا، وَلِذَا لَمَّا وَقَفَ مِسْكِينٌ عِنْدَهَا وَأَعْطَتْهُ حَبَّةَ عِنَبٍ بَقِيَتْ فِي يَدِهَا وَعَاتَبَ الْمِسْكِينُ عَلَيْهَا وَلَمْ يَدْرِ مَا أَلْقَى مِنَ الْفَهْمِ إِلَيْهَا قَالَتْ قَالَ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧] . وَالْحَبَّةُ مُشْتَمِلَةٌ عَلَى مِقْدَارِ كَذَا مِنَ الذَّرَّةِ. (يَا عَائِشَةُ! أَحِبِّي الْمَسَاكِينَ) أَيْ: بِقَلْبِكِ (" وَقَرِّبِيهِمْ ")، أَيْ: إِلَى مَجْلِسِكِ حَالَ تَحْدِيثِكِ (" فَإِنَّ اللَّهَ يُقَرِّبُكِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ") . أَيْ: بِتَقْرِيبِهِمْ، تَقَرُّبًا إِلَى اللَّهِ ﷾ (رَوَاهُ) أَيِ الْحَدِيثَ بِكَمَالِهِ (التِّرْمِذِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي: " شُعَبِ الْإِيمَانِ ") أَيْ: عَنْ أَنَسٍ.
[ ٨ / ٣٢٨٣ ]
٥٢٤٥ - وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ إِلَى قَوْلِهِ (فِي زُمْرَةِ الْمَسَاكِينِ) .
_________________
(١) (وَرَوَى): وَفِي نُسْخَةٍ وَرَوَاهُ (ابْنُ مَاجَهْ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ إِلَى قَوْلِهِ: " زُمْرَةِ الْمَسَاكِينَ "): قَالَ مِيرَكُ نَقْلًا عَنِ الْمُنْذِرِيِّ: وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ أَيْ: عَنْ أَبِي سَعِيدٍ وَزَادَ: " «وَإِنَّ أَشْقَى الْأَشْقِيَاءِ مَنِ اجْتَمَعَ عَلَيْهِ فَقْرُ الدُّنْيَا وَعَذَابُ الْآخِرَةِ» ". وَقَالَ: صَحِيحُ الْإِسْنَادِ، وَرَوَاهُ أَبُو الشَّيْخِ وَالْبَيْهَقِيُّ عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ، سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ يَقُولُ: «أَيُّهَا النَّاسُ لَا يَحْمِلَنَّكُمُ الْعُسْرُ عَلَى طَلَبِ الرِّزْقِ مِنْ غَيْرِ حِلِّهِ، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: " اللَّهُمَّ تَوَفَّنِي فَقِيرًا وَلَا تَوَفَّنِي غَنِيًّا وَاحْشُرْنِي فِي زُمْرَةِ الْمَسَاكِينِ، فَإِنَّ أَشْقَى الْأَشْقِيَاءِ مَنِ اجْتَمَعَ عَلَيْهِ فَقْرُ الدُّنْيَا وَعَذَابُ الْآخِرَةِ» " قَالَ أَبُو الشَّيْخِ: زَادَ عَلَيْهِ غَيْرُ أَبِي زُرْعَةٍ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: وَلَا تَحْشُرْنِي فِي زُمْرَةِ الْأَغْنِيَاءِ. قُلْتُ: إِنْ لَمْ يَكُنْ دَلِيلٌ آخَرُ غَيْرُ هَذَا الْحَدِيثِ الشَّرِيفِ لَكَفَى حُجَّةً وَاضِحَةً وَبَيِّنَةً لَائِحَةً عَلَى أَنَّ الْفَقِيرَ الصَّابِرَ خَيْرٌ مِنَ الْغَنِيِّ الشَّاكِرِ. وَأَمَّا حَدِيثُ: الْفَقْرُ فَخْرِي وَبِهِ أَفْتَخِرُ فَبَاطِلٌ لَا أَصْلَ لَهُ عَلَى مَا صَرَّحَ بِهِ الْحُفَّاظُ مِثْلَ الْعَسْقَلَانِيِّ وَغَيْرِهِ. وَأَمَّا حَدِيثُ: كَادَ الْفَقْرُ أَنْ يَكُونَ كُفْرًا فَهُوَ ضَعِيفٌ جِدًّا، وَعَلَى تَقْدِيرِ صِحَّتِهِ، فَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى الْفَقْرِ الْقَلْبِيِّ الْمُؤَدِّي إِلَى الْجَزَعِ وَالْفَزَعِ بِحَيْثُ يُفْضِي إِلَى عَدَمِ الرِّضَا بِالْقَضَاءِ، وَالِاعْتِرَاضِ عَلَى تَقْسِيمِ رَبِّ الْأَرْضِ وَالسَّمَاءِ، وَلِذَا قَالَ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " «لَيْسَ الْغِنَى عَنْ كَثْرَةِ الْعَرَضِ إِنَّمَا الْغِنَى غِنَى النَّفْسِ» " وَقَدْ رُوِيَ: «الْفَقْرُ أَزْيَنُ عَلَى الْمُؤْمِنِ مِنَ الْعِذَارِ الْحَسَنِ عَلَى خَدِّ الْعَرُوسِ»، رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ عَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ. وَرُوِيَ: «الْفَقْرُ شَيْنٌ عِنْدَ النَّاسِ وَزَيْنٌ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» . رَوَاهُ الدَّيْلَمِيُّ فِي مُسْنَدِ الْفِرْدَوْسِ عَنْ أَنَسٍ. وَرُوِيَ: «الْفَقْرُ أَمَانَةٌ فَمَنْ كَتَمَهُ كَانَ عِبَادَةً، وَمَنْ بَاحَ بِهِ فَقَدْ قَلَّدَ إِخْوَانَهُ الْمُسْلِمِينَ» . رَوَاهُ ابْنُ عَسَاكِرَ عَنْ عُمَرَ.
[ ٨ / ٣٢٨٣ ]
٥٢٤٦ - وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ - ﵁ - عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: " «ابْغُونِي فِي ضُعَفَائِكُمْ، فَإِنَّمَا تُرْزَقُونَ - أَوْ تُنْصَرُونَ - بِضُعَفَائِكُمْ» ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
_________________
(١) (وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " ابْغُونِي "): بِهَمْزَةِ قَطْعٍ مَفْتُوحَةٍ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ بِهَمْزَةِ وَصْلٍ مَكْسُورَةٍ أَيِ: اطْلُبُوا رِضَائِي (" فِي ضُعَفَائِكُمْ ") أَيْ: فُقَرَائِكُمْ بِالْإِحْسَانِ إِلَيْهِمْ مِنْ أَغْنِيَائِكُمْ بِالْمُسَاعَدَةِ لَدَيْهِمْ (" فَإِنَّمَا تُرْزَقُونَ ") أَيْ: رِزْقًا حِسِّيًّا أَوْ مَعْنَوِيًّا (" - أَوْ تُنْصَرُونَ - ") أَيْ: عَلَى الْأَعْدَاءِ الظَّاهِرَةِ وَالْبَاطِنَةِ، وَأَوْ لِلتَّنْوِيعِ، وَيُؤَيِّدُهُ رِوَايَةُ الْوَاوِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ أَوْ لِلشَّكِّ مِنَ الرَّاوِي (" بِضُعَفَائِكُمْ ") . أَيْ: بِبَرَكَةِ وَجُودِهِمْ وَإِحْسَانِهِمْ، إِذْ مِنْهُمُ الْأَقْطَابُ وَالْأَوْتَادُ، وَبِهِمْ نِظَامُ الْبِلَادِ وَالْعِبَادِ ". قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: يَعْنِي اطْلُبُوا إِلَى حِفْظِ حُقُوقِهِمْ وَجَبْرِ قُلُوبِهِمْ، فَإِنِّي مَعَهُمْ بِالصُّورَةِ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ وَبِالْقَلْبِ فِي جَمِيعِهَا لَا أَعْلَمُ مِنْ شَرَفِهِمْ وَعَظِيمِ مَنْزِلَتِهِمْ عِنْدَ اللَّهِ، فَمَنْ أَكْرَمَهُمْ فَقَدْ أَكْرَمَنِي، وَمَنْ آذَاهُمْ فَقَدْ آذَانِي انْتَهَى. وَيُؤَيِّدُهُ الْحَدِيثُ الْقُدْسِيُّ: " «مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ بَارَزَنِي بِالْحَرْبِ» ". قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: قَوْلُهُ: ابْغُونِي بِهَمْزَةِ الْقَطْعِ وَالْوَصْلِ يُقَالُ: بَغَى يَبْغِي بِغَاءً إِذَا طَلَبَ، وَهَذَا نَهْيٌ عَنْ مُخَالَطَةِ الْأَغْنِيَاءِ وَتَعْلِيمٌ مِنْهُ انْتَهَى. وَيُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ: " «اتَّقُوا مُجَالَسَةَ الْمَوْتَى " قِيلَ: وَمَنِ الْمَوْتَى؟ قَالَ: " الْأَغْنِيَاءُ» ". وَفِي مُخْتَصَرِ النِّهَايَةِ: ابْغِنِي كَذَا بِهَمْزَةِ الْوَصْلِ أَيِ: اطْلُبْهُ لِي وَبِهَمْزَةِ الْقَطْعِ أَعِنِّي عَلَى الطَّلَبِ، وَفِي الْقَامُوسِ: بَغَيْتُهُ طَلَبْتُهُ، وَأَبْغَاهُ الشَّيْءَ طَلَبَهُ لَهُ كَبَغَاهُ إِيَّاهُ كَرَمَاهُ أَوْ أَعَانَهُ عَلَى طَلَبِهِ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) . وَكَذَا التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ. وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ صَحِيحٌ نَقْلَهُ مِيرَكُ عَنِ التَّصْحِيحِ، وَفِي الْجَامِعِ بِلَفْظِ: " «ابْغُونِي الضُّعَفَاءَ فَإِنَّمَا تُرْزَقُونَ وَتُنْصَرُونَ بِضُعَفَائِكُمْ» ". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالثَّلَاثَةُ وَالْحَاكِمُ وَابْنُ حِبَّانَ عَنْهُ.
[ ٨ / ٣٢٨٤ ]
٥٢٤٧ - وَعَنْ أُمَيَّةَ بْنِ خَالِدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُسَيْدٍ - ﵁ - «عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - أَنَّهُ كَانَ يَسْتَفْتِحُ بِصَعَالِيكِ الْمُهَاجِرِينَ» ". رَوَاهُ فِي (شَرْحِ السُّنَّةِ) .
_________________
(١) (وَعَنْ أُمَيَّةَ): بِالتَّصْغِيرِ (ابْنِ خَالِدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَسِيدٍ): بِفَتْحٍ فَكَسْرٍ لَمْ يَذْكُرْهُ الْمُؤَلِّفُ فِي أَسْمَائِهِ، وَنُقِلَ مِنْ مِيرَكَ عَنِ التَّصْحِيحِ أَنَّهُ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: أُمَيَّةُ بْنُ خَالِدٍ رَوَى عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَذَكَرَ هَذَا الْحَدِيثَ وَقَالَ: وَلَا يَصِحُّ عِنْدِي صُحْبَتُهُ، وَالْحَدِيثُ مُرْسَلٌ. قَالَ: مُرْسَلُ التَّابِعِيِّ حُجَّةٌ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، فَكَيْفَ مُرْسَلُ مَنِ اخْتُلِفَ فِي صِحَّةِ صُحْبَتِهِ؟ (عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ كَانَ يَسْتَفْتِحُ) أَيْ: يَطْلُبُ الْفَتْحَ وَالنُّصْرَةَ عَلَى الْكُفَّارِ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى (بِصَعَالِيكِ الْمُهَاجِرِينَ) أَيْ: بِفُقَرَائِهِمْ وَبِبَرَكَةِ دُعَائِهِمْ. وَفِي النِّهَايَةِ أَيْ: يَسْتَنْصِرُ بِهِمْ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ﴾ [الأنفال: ١٩] وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: بِأَنْ يَقُولَ: اللَّهُمَّ انْصُرْنَا عَلَى الْأَعْدَاءِ بِحَقِّ عِبَادِكَ الْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ، وَفِيهِ تَعْظِيمُ الْفُقَرَاءِ وَالرَّغْبَةُ إِلَى دُعَائِهِمْ وَالتَّبَرُّكِ بِوُجُوهِهِمْ أَقُولُ: وَلَعَلَّ وَجْهَ التَّقْيِيدِ بِالْمُهَاجِرِينَ لِأَنَّهُمْ فُقَرَاءُ غُرَبَاءُ مَظْلُومُونَ مُجْتَهِدُونَ مُجَاهِدُونَ، فَيُرْجَى تَأْثِيرُ دُعَائِهِمْ أَكْثَرَ مِنْ عَوَامِّ الْمُؤْمِنِينَ وَأَغْنِيَائِهِمْ، وَالصَّعَالِيكُ جَمْعُ صُعْلُوكٍ كَعُصْفُورٍ الْفَقِيرُ عَلَى مَا فِي الْقَامُوسِ. (رَوَاهُ) أَيِ: الْبَغَوِيُّ (" فِي شَرْحِ السُّنَّةِ ") . بِإِسْنَادِهِ، وَحَيْثُ أَطْلَقَهُ وَمَا بَيَّنَ إِرْسَالَهُ دَلَّ عَلَى أَنَّهُ قَالَ بِصُحْبَةِ الرَّاوِي وَاتِّصَالِ سَنَدِهِ، مَعَ أَنَّهُ مُعْتَضِدٌ فِي الْمَعْنَى بِمَا سَبَقَ مِنْ حَدِيثِ: «إِنَّمَا تُنْصَرُونَ بِضُعَفَاكِمْ»، ثُمَّ رَأَيْتُ فِي الْجَامِعِ أَنَّهُ رَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَالطَّبَرَانِيُّ عَنْ أُمَيَّةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَلَفْظُهُ: «كَانَ - ﷺ - يَسْتَفْتِحُ وَيَسْتَنْصِرُ بِصَعَالِيكِ الْمُسْلِمِينَ» .
[ ٨ / ٣٢٨٤ ]
٥٢٤٨ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " «لَا تَغْبِطَنَّ فَاجِرًا بِنِعْمَةٍ، فَإِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا هُوَ لَاقٍ بَعْدَ مَوْتِهِ، إِنَّ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ قَاتِلًا لَا يَمُوتُ ". يَعْنِي النَّارَ» . رَوَاهُ فِي (شَرْحِ السُّنَّةِ) .
_________________
(١) (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " لَا تَغْبِطَنَّ ") بِكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ وَتَشْدِيدِ النُّونِ الْمُؤَكَّدَةِ (" فَاجِرًا ") أَيْ: كَافِرًا أَوْ فَاسِقًا (" بِنِعْمَةٍ ") أَيْ: بِنِعْمَةٍ هُوَ فِيهَا مِنْ طُولِ عُمُرٍ أَوْ كَثْرَةِ أَوْلَادٍ أَوْ سَعَةٍ مَالٍ وَجَاهٍ بِأَنْ تَطْلُبَ زَوَالَهَا عَنْهُ أَوْ تُرِيدَ مِثْلَهَا لِنَفْسِكَ، (" فَإِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا هُوَ لَاقٍ ") أَيْ: مُلَاقٍ فِي مُقَابَلَةِ تِلْكَ النِّعْمَةِ مِنَ النِّقْمَةِ وَالْمِحْنَةِ (" بَعْدَ مَوْتِهِ ") أَيْ: فِي الْقَبْرِ أَوِ الْحَشْرِ (" إِنَّ لَهُ ") أَيْ: لِلْفَاجِرِ (" عِنْدَ اللَّهِ قَاتِلًا ") أَيْ: مُهْلِكًا لَهُ أَوْ مُعَذِّبًا عَذَابًا شَدِيدًا مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يُقْتَلَ (" لَا يَمُوتُ ") . أَيْ: لَا يَفْنَى وَلَا يَنْعَدِمُ ذَلِكَ الْقَاتِلُ، بَلْ مَوْجُودٌ دَائِمًا وَلَا يَنْقَطِعُ أَبَدًا (يَعْنِي النَّارَ) . قَالَ الطِّيبِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: هَذَا تَفْسِيرُ عَبْدِ اللَّهِ ابْنِ مَرْيَمَ، رَاوِي أَبِي هُرَيْرَةَ، كَذَا فِي شَرْحِ السُّنَّةِ انْتَهَى. وَقَالَ الْجَزَرِيُّ: قِيلَ قَوْلُهُ قَائِلًا بِهَمْزَةٍ مَكْسُورَةٍ مِنَ الْقَيْلُولَةِ أَيْ: مَقِيلًا بَاقِيًا يَعْنِي تَحْشُو مَعَهُ النَّارُ، وَتُقِيلُ حَيْثُ قَالَ وَتَبِيتُ حَيْثُ بَاتَ، وَقِيلَ: هُوَ بِالتَّاءِ الْمُثَنَّاةِ مِنْ فَوْقِ أَيْ: مَنْ تَقْتُلُهُ أَيِ النَّارُ (رَوَاهُ) أَيِ الْبَغَوِيُّ (" فِي شَرْحِ السُّنَّةِ ") . أَيْ: بِإِسْنَادِهِ، وَفِي الْجَامِعِ: رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي الشُّعَبِ عَنْهُ وَلَفْظُهُ: «لَا تَغْبِطَنَّ فَاجِرًا " بِنِعْمَةٍ إِنَّ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ قَاتِلًا لَا يَمُوتُ» .
[ ٨ / ٣٢٨٥ ]
٥٢٤٩ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو - ﵄ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " «الدُّنْيَا سِجْنُ الْمُؤْمِنِ وَسَنَتُهُ، وَإِذَا فَارَقَ الدُّنْيَا فَارَقَ السِّجْنَ وَالسَّنَةَ» ". رَوَاهُ فِي (شَرْحِ السُّنَّةِ) .
_________________
(١) (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو): بِالْوَاوِ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " «الدُّنْيَا سِجْنُ الْمُؤْمِنِ» ") أَيْ: حَبْسُهُ وَعَذَابُهُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا أَعَدَّ اللَّهُ لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَعِيمِهِ وَثَوَابِهِ (" وَسَنَتُهُ ")، بِفَتْحَتَيْنِ أَيْ: قَحْطُهُ وَشِدَّةُ مَعِيشَتِهِ، وَلِذَا رُوِيَ: «لَا يَخْلُو الْمُؤْمِنُ مِنْ قِلَّةٍ أَوْ عِلَّةٍ أَوْ ذِلَّةٍ»، وَقَدْ يَجْتَمِعُ لِلْمُؤْمِنِ الْكَامِلِ جَمِيعُ ذَلِكَ. قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: السَّنَةُ مِنَ الْأَسْمَاءِ الْغَالِبَةِ لِلْقَحْطِ، وَقَالَ ابْنُ عَطَاءٍ: مَا دُمْتَ فِي هَذِهِ الدَّارِ لَا تَسْتَغْرِبْ وُقُوعَ الْأَكْدَارِ أَيْ: بَلِ اسْتَغْرِبْ خِلَافَ ذَلِكَ إِنْ وَقَعَ شَيْءٌ هُنَالِكَ. (" وَإِذَا فَارَقَ الدُّنْيَا ") أَيِ: الْمُؤْمِنُ (فَارَقَ السِّجْنَ وَالسَّنَةَ) وَلَعَلَّ الْجَمْعَ بَيْنَهُمَا لِدَفْعِ مَا يُتَوَهَّمُ أَنَّ السِّجْنَ قَدْ يَكُونُ فِيهِ السَّعَةَ، كَمَا قَدْ يَقَعُ نَادِرًا فَدَفَعَ هَذَا الْوَهْمَ بِقَوْلِهِ، وَالسَّنَةُ فَيَكُونُ زِيَادَتُهُ مِنْ بَابِ التَّذْيِيلِ وَالتَّكْمِيلِ، وَأَطْلَقَ فِيمَا سَبَقَ مِنَ الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ اعْتِمَادًا عَلَى غَالِبِ الْأَحْوَالِ، مَعَ أَنَّهُ لَا يَخْلُو مِنْ ضِيقِ مَكَانٍ وَبُطْءِ رِزْقٍ وَتَشَتُّتِ الْبَالِ، وَلَوْ قَامَ بِخِدْمَتِهِ الرِّجَالُ. (رَوَاهُ فِي " شَرْحِ السُّنَّةِ "): وَقَدْ أَخْرَجَهُ ابْنُ الْمُبَارَكِ وَالطَّبَرَانِيُّ عَنْهُ. قَالَ مِيرَكُ: رَوَاهُ الْحَاكِمُ فِي صَحِيحِهِ، لَكِنَّ فِي سَنَدِهِ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَيُّوبَ الْمُغَافِرِيَّ انْتَهَى. وَقَدْ سَبَقَ طَرَفُ هَذَا الْحَدِيثِ وَبَعْضُ مَعَانِيهِ فِي أَوَّلِ الْبَابِ وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. قَالَ الْإِمَامُ الْحَافِظُ أَبُو الْقَاسِمِ الْوَرَّاقُ إِنْ قِيلَ: كَيْفَ يَكُونُ مَعْنَى الْحَدِيثِ وَقَدْ نَرَى مُؤْمِنًا فِي عِيشَةِ رَغْدٍ وَكَافِرًا فِي ضَنْكٍ وَقِصَرِ يَدٍ؟ قُلْنَا: الْجَوَابُ مِنْ وَجْهَيْنِ. أَحَدُهُمَا أَنَّ الدُّنْيَا كَالْجَنَّةِ لِلْكَافِرِ فِي جَنْبِ مَا أَعَدَّ اللَّهُ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ فِي الْآخِرَةِ، وَأَنَّهَا كَالسَّجْنِ لِلْمُؤْمِنِ بِالْإِضَافَةِ إِلَى مَا وَعَدَهُ اللَّهُ لَهُ مِنَ الثَّوَابِ فِي الْآخِرَةِ وَنَعِيمِهَا، فَالْكَافِرُ يُحِبُّ الْمُقَامَ فِيهَا وَيَكْرَهُ مُفَارَقَتَهَا، وَالْمُؤْمِنُ يَتَشَوَّفُ الْخُرُوجَ مِنْهَا وَيَطْلُبُ الْخَلَاصَ مِنْ آفَاتِهَا كَالْمَسْجُونِ الَّذِي يُرِيدُ أَنْ يُخْلَى سَبِيلُهُ. الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ هَذَا صِفَةَ الْمُؤْمِنِ الْمُسْتَكْمِلِ الْإِيمَانَ الَّذِي قَدْ غَرَّقَ نَفْسَهُ عَنْ مَلَاذِّ الدُّنْيَا وَشَهَوَاتِهَا فَصَارَتْ عَلَيْهِ بِمَنْزِلَةِ السِّجْنِ فِي الضِّيقِ وَالشِّدَّةِ، وَأَمَّا الْكَافِرُ، فَقَدْ أَهْمَلَ نَفْسَهُ وَأَمْرَحَهَا فِي طَلَبِ اللَّذَّاتِ وَتَنَاوُلِ الشَّهَوَاتِ، فَصَارَتِ الدُّنْيَا كَالْجَنَّةِ لَهُ فِي السَّعَةِ وَالنِّعْمَةِ.
[ ٨ / ٣٢٨٥ ]
٥٢٥٠ - وَعَنْ قَتَادَةَ بْنِ النُّعْمَانِ - ﵁ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: " «إِذَا أَحَبَّ اللَّهُ عَبْدًا حَمَاهُ الدُّنْيَا، كَمَا يَظَلُّ أَحَدُكُمْ يَحْمِي سَقِيمَهُ الْمَاءَ» ". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ.
_________________
(١) (وَعَنْ قَتَادَةَ بْنِ النُّعْمَانِ): بِضَمِّ أَوَّلِهِ قَالَ الْمُؤَلِّفُ: أَنْصَارِيٌّ عَقَبِيٌّ بَدْرِيٌّ شَهِدَ الْمَشَاهِدَ كُلَّهَا، وَرَوَى عَنْهُ أَخُوهُ مِنْ أُمِّهِ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ وَعُمَرُ وَابْنُهُ وَغَيْرُهُمَا، مَاتَ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ وَلَهُ خَمْسٌ وَسِتُّونَ سَنَةً، وَصَلَّى عَلَيْهِ عُمَرُ، وَكَانَ مِنْ فُضَلَاءِ الصَّحَابَةِ. (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " «إِذَا أَحَبَّ اللَّهُ عَبْدًا حَمَاهُ الدُّنْيَا» ") أَيْ: حَفِظَهُ مِنْ مَالِ الدُّنْيَا وَمَنْصِبِهِ وَمَا يَضُرُّ بِدِينِهِ وَنَقَصَهُ فِي الْعُقْبَى. قَالَ الْأَشْرَفُ أَيْ مَنَعَهُ عَنْهَا وَوَقَاهُ مِنْ أَنْ يَتَلَوَّثَ بِزِينَتِهَا كَيْلَا يَمْرَضَ قَلْبُهُ بَدَاءِ مَحَبَّتِهَا، (" كَمَا يَظَلُّ "): بِفَتْحِ الظَّاءِ مِنْ ظَلَّ زَيْدٌ صَائِمًا أَيْ: صَارَ، وَالْمَعْنَى كَمَا يَكُونُ (" أَحَدُكُمْ يَحْمِي سَقِيمَهُ ") أَيْ: مَرِيضَهُ، لَا سِيَّمَا إِذَا كَانَ مَعَهُ مَرَضُ الِاسْتِسْقَاءِ أَوْ ضَعْفُ الْمَعِدَةِ وَنَحْوُهَا مِمَّا يَضُرُّهُ الْمَاءُ فَيَمْنَعُهُ (" الْمَاءَ ") . أَيْ: لِئَلَّا يَزِيدَ مَرَضُهُ بِشُرْبِهِ، وَلَا يُنْظَرُ إِلَى رَأْيِ الْعَلِيلِ مِنْ طَلَبِ الْمَاءِ وَحُبِّهِ، مَعَ أَنَّ الْمَاءَ أَرْخَصُ شَيْءٍ غَالِبًا، فَلَا يُتَصَوَّرُ فِيهِ الْبُخْلُ خُصُوصًا بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمَرِيضِ الَّذِي يَحِنُّ عَلَيْهِ كُلُّ أَحَدٍ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْحِكْمَةَ تَقْتَضِي أَنَّ الْمَحْبُوبَ عِنْدَ أَهْلِهِ وَآلِهِ يَكُونُ مَمْنُوعًا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ يَضُرُّهُ فِي حَالِهِ. (رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ) . وَلَفْظُ الْجَامِعِ: " «إِذَا أَحَبَّ اللَّهُ عَبْدًا حَمَاهُ الدُّنْيَا كَمَا يَحْمِي أَحَدُكُمْ سَقِيمَهُ الْمَاءَ» " رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالْحَاكِمُ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي الشُّعَبِ، وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبَيْهَقِيِّ عَنْ حُذَيْفَةَ بِلَفْظِ: إِنَّ اللَّهَ يَحْمِي عَبْدَهُ الْمُؤْمِنَ كَمَا يَحْمِي الرَّاعِي الشَّفِيقُ غَنَمَهُ عَنْ مَرَاتِعِ الْهَلَكَةِ، وَهَذَا الْمَعْنَى مُقْتَبَسٌ مِنَ التَّنْزِيلِ وَهُوَ قَوْلُهُ: ﴿وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [الأعراف: ١٥١] .
[ ٨ / ٣٢٨٦ ]
٥٢٥١ - وَعَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ - ﵄ - أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: " «اثْنَتَانِ يَكْرَهُهُمَا ابْنُ آدَمَ: يَكْرَهُ الْمَوْتَ، وَالْمَوْتُ خَيْرٌ لِلْمُؤْمِنِ مِنَ الْفِتْنَةِ، وَيَكْرَهُ قِلَّةَ الْمَالِ وَقِلَّةُ الْمَالِ أَقَلُّ لِلْحِسَابِ» ". رَوَاهُ أَحْمَدُ.
_________________
(١) (وَعَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ)، بِفَتْحٍ فَكَسْرٍ قَالَ الْمُؤَلِّفُ: أَنْصَارِيٌّ أَشْهَلِيٌّ، وُلِدَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَحَدَّثَ عَنْهُ أَحَادِيثَ. قَالَ الْبُخَارِيُّ: لَهُ صُحْبَةٌ. وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ: لَا يُعْرَفُ لَهُ صُحْبَةٌ، وَذَكَرَهُ مُسْلِمٌ وَالتَّابِعِينَ فِي الطَّبَقَةِ الثَّانِيَةِ مِنْهُمْ. قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: وَالصَّوَابُ قَوْلُ الْبُخَارِيِّ فَأَثْبَتَ لَهُ صُحْبَةً، وَكَانَ مَحْمُودٌ أَحَدَ الْعُلَمَاءِ، رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ وَعِتْبَانُ بْنُ مَالِكٍ، مَاتَ سَنَةَ سِتٍّ وَتِسْعِينَ. (أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " اثْنَتَانِ ") أَيْ: خَصْلَتَانِ (" يَكْرَهُهُمَا ") أَيْ: بِالطَّبْعِ (" ابْنُ آدَمَ ") أَيْ: وَهُمَا خَيْرٌ لَهُ كَمَا بَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ: (" يَكْرَهُ الْمَوْتَ، وَالْمَوْتُ خَيْرٌ لِلْمُؤْمِنِ مِنَ الْفِتْنَةِ ")، قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: الْفِتْنَةُ الَّتِي الْمَوْتُ خَيْرٌ مِنْهَا هِيَ الْوُقُوعُ فِي الشَّرَكِ أَوْ فِتْنَةٌ يَسْخَطُهَا الْإِنْسَانُ وَيَجْرِي عَلَى لِسَانِهِ مَا لَا يَلِيقُ، وَفِي اعْتِقَادِهِ مَا لَا يَجُوزُ. وَقَالَ الرَّاغِبُ: الْفِتْنَةُ مِنَ الْأَفْعَالِ الَّتِي تَكُونُ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، وَمِنَ الْعَبْدِ كَالْبَلِيَّةِ وَالْمُصِيبَةِ وَالْقَتْلِ وَالْعَذَابِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَفْعَالِ الْكَرِيهَةِ. قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: وَقَدْ تَكُونُ الْفِتْنَةُ فِي الدِّينِ مِثْلَ الِارْتِدَادِ وَإِكْرَاهِ الْغَيْرِ عَلَى الْمَعَاصِي وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " «إِذَا أَرَدْتَ فِتْنَةً فِي قَوْمٍ فَتَوَفَّنِي غَيْرَ مَفْتُونٍ» ". قُلْتُ: وَقَدْ أَخْرَجَ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْحِلْيَةِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الصُّنَابِحِيِّ قَالَ: «الدُّنْيَا تَدْعُو إِلَى فِتْنَةٍ وَالشَّيْطَانُ يَدْعُو إِلَى خَطِيئَةٍ وَلِقَاءُ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ الْإِقَامَةِ مَعَهُمَا» . (" وَيَكْرَهُ قِلَّةَ الْمَالِ، وَقِلَّةُ الْمَالِ أَقَلُّ لِلْحِسَابِ ") . أَيْ: وَأَبْعَدُ مِنَ الْعَذَابِ. (رَوَاهُ أَحْمَدُ): وَكَذَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ فِي سُنَنِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ. وَأَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ عَنْ زُرْعَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ مُرْسَلًا ": أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: " «يُحِبُّ الْإِنْسَانُ الْحَيَاةَ وَالْمَوْتُ خَيْرٌ لِنَفْسِهِ، وَيُحِبُّ الْإِنْسَانُ كَثْرَةَ الْمَالِ وَقِلَّةُ الْمَالِ أَقَلُّ لِحِسَابِهِ» ". هَذَا وَأَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ، وَالطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ، وَابْنُ الْمُبَارَكِ فِي الزُّهْدِ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " «تُحْفَةُ الْمُؤْمِنِ الْمَوْتُ» ". وَأَخْرَجَ الْمَرْوَزِيُّ فِي الْجَنَائِزِ، وَابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي الْمُصَنَّفِ، وَالطَّبَرَانِيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: ذَهَبَ صَفْوُ الدُّنْيَا فَلَمْ يَبْقَ مِنْهَا إِلَّا الْكَدَرُ، فَالْمَوْتُ تُحْفَةٌ لِكُلِّ مُسْلِمٍ. وَأَخْرَجَ
[ ٨ / ٣٢٨٦ ]
الْمَرْوَزِيُّ، وَابْنُ أَبِي الدُّنْيَا، وَالْبَيْهَقِيُّ وَالشَّعْبِيُّ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: حَبَّذَا الْمَكْرُوهَانِ الْفَقْرُ وَالْمَوْتُ. وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ فِي الزُّهْدِ، عَنِ ابْنِ أَبِي الدُّنْيَا عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: لَيْسَ لِلْمُؤْمِنِ رَاحَةٌ دُونَ لِقَاءِ اللَّهِ تَعَالَى. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا، عَنْ جَعْفَرٍ الْأَحْمَرِ قَالَ: مَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ فِي الْمَوْتِ خَيْرٌ فَلَا خَيْرَ لَهُ فِي الْحَيَاةِ. قُلْتُ: وَكَذَا مَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ خَيْرٌ فِي الْحَيَاةِ فَلَا خَيْرَ لَهُ فِي الْمَمَاتِ. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي الْمُصَنَّفِ، وَعَبْدُ الرَّزَّاقِ فِي تَفْسِيرِهِ، وَالْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ، وَالطَّبَرَانِيُّ وَالْمَرْوَزِيُّ فِي الْجَنَائِزِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: مَا مِنْ نَفْسٍ بَرَّةٍ وَلَا فَاجِرَةٍ إِلَّا وَالْمَوْتُ خَيْرٌ لَهَا مِنَ الْحَيَاةِ، فَإِنْ كَانَ بَارًّا فَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ﴾ [آل عمران: ١٩٨] وَإِنْ كَانَ فَاجِرًا فَقَدْ قَالَ ﷿: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ [آل عمران: ١٧٨] .
[ ٨ / ٣٢٨٧ ]
٥٢٥٢ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ - ﵁ - قَالَ: «جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ - فَقَالَ: إِنِّي أُحِبُّكَ. قَالَ: " انْظُرْ مَا تَقُولُ ". فَقَالَ: وَاللَّهِ إِنِّي لَأُحِبُّكَ، ثَلَاثَ مَرَّاتٍ. قَالَ: " إِنْ كُنْتَ صَادِقًا فَأَعِدَّ لِلْفَقْرِ تِجْفَافًا، لَلْفَقْرُ أَسْرَعُ إِلَى مَنْ يُحِبُّنِي مِنَ السَّبِيلِ إِلَى مُنْتَهَاهُ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ.
_________________
(١) (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: إِنِّي أُحِبُّكَ) أَيْ: حُبًّا بَلِيغًا وَإِلَّا فَكَلُّ مُؤْمِنٍ يُحِبُّهُ (قَالَ: " انْظُرْ مَا تَقُولُ ") أَيْ: تَفَكَّرْ فِيمَا تَقُولُ، فَإِنَّكَ تَدَّعِي أَمْرًا عَظِيمًا جَسِيمًا (فَقَالَ: وَاللَّهِ إِنِّي لِأُحِبُّكَ، ثَلَاثَ مَرَّاتٍ): ظَرْفٌ لِقَالَ (قَالَ: " إِنْ كُنْتَ صَادِقًا ") أَيْ: فِي دَعْوَى مَحَبَّتِي وَعَلَى تَحَمُّلِ مِحْنَتِي، وَلَفْظُ الْجَامِعِ: إِنْ كُنْتَ تُحِبُّنِي (" فَأَعِدَّ ") أَيْ: فَهَيِّئْ (" لِلْفَقْرِ) أَيْ: بِالصَّبْرِ عَلَيْهِ، بَلْ بِالشُّكْرِ وَالْمَيْلِ إِلَيْهِ (" تِجْفَافًا ")، بِكَسْرِ الْفَوْقِيَّةِ وَسُكُونِ الْجِيمِ أَيْ: دِرْعًا وَجُنَّةً، فَفِي الْمُغْرِبِ، هُوَ شَيْءٌ يُلْبَسُ عَلَى الْخَيْلِ عِنْدَ الْحَرْبِ، كَأَنَّهُ دِرْعٌ تِفْعَالُ مِنْ جَفَّ لِمَا فِيهِ مِنَ الصَّلَابَةِ وَالْيُبُوسَةِ انْتَهَى. فَتَاؤُهُ زَائِدَةٌ عَلَى مَا صُرِّحَ بِهِ فِي النِّهَايَةِ، وَفِي الْقَامُوسِ: التِّجْفَافُ بِالْكَسْرِ آلَةُ الْحَرْبِ يَلْبَسُهُ الْفَرَسُ وَالْإِنْسَانُ لِيَقِيَهُ فِي الْحَرْبِ، فَمَعْنَى الْحَدِيثِ: إِنْ كُنْتَ صَادِقًا فِي الدَّعْوَى وَمُحِقًّا فِي الْمَعْنَى فَهَيِّئْ آلَةً تَسْمَعُكَ حَالَ الْبَلْوَى، فَإِنَّ الْبَلَاءَ وَالْوَلَاءَ مُتَلَازِمَانِ فِي الْخَلَا وَالْمَلَا، وَمُجْمَلُهُ أَنَّهُ تَهَيَّأَ لِلصَّبْرِ خُصُوصًا عَلَى الْمَقَرِّ لِتَدْفَعَ بِهِ عَنْ دِينِكَ بِقُوَّةِ يَقِينِكَ مَا يُنَافِيهِ مِنَ الْجَزَعِ وَالْفَزَعِ وَقِلَّةِ الْقَنَاعَةِ وَعَدَمِ الرِّضَا بِالْقِسْمَةِ، وَكَنَّى بِالتِّجْفَافِ عَنِ الصَّبْرِ لِأَنَّهُ يَسْتُرُ الْفَقْرَ، كَمَا يَسْتُرُ التِّجْفَافُ الْبَدَنَ عَنِ الضُّرِّ (" لَلْفَقْرُ "): بِلَامٍ مَفْتُوحَةٍ وَهِيَ لَامُ الِابْتِدَاءِ (" أَسْرَعُ إِلَى مَنْ يُحِبُّنِي مِنَ السَّيْلِ ") أَيِ الْمَاءِ الْكَثِيرِ (" إِلَى مُنْتَهَاهُ "): وَالْمَعْنَى أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ وُصُولِ الْفَقْرِ بِسُرْعَةٍ إِلَيْهِ، وَمِنْ نُزُولِ الْبَلَايَا وَالرَّزَايَا بِكَثْرَةٍ عَلَيْهِ، فَإِنَّ أَشَدَّ النَّاسِ بَلَاءً الْأَنْبِيَاءُ، ثُمَّ الْأَمْثَلُ فَالْأَمْثَلُ خُصُوصًا سَيِّدَ الْأَنْبِيَاءِ، فَيَكُونُ بَلَاؤُهُ أَشَدَّ مِنْ بَلَائِهِمْ، وَيَكُونُ لِأَتْبَاعِهِ نَصِيبٌ عَلَى قَدْرِ وَلَائِهِمْ، وَالْمَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ فِيمَا يَكْرَهُ وَيُحِبُّ، وَفِيهِ أَنَّ الْفَقْرَ أَشَدُّ الْبَلَايَا لِاشْتِمَالِهِ عَلَى جَمِيعِ الْمِحَنِ وَالرَّزَايَا، لَكِنَّهُ مَعَ مَرَارَتِهِ فِي الدُّنْيَا يُورِثُ حَلَاوَةً فِي الْعُقْبَى بِمَزِيدِ الْعَطَايَا. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ): وَكَذَا أَحْمَدُ (وَقَالَ) أَيِ التِّرْمِذِيُّ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ) .
[ ٨ / ٣٢٨٧ ]
٥٢٥٣ - وَعَنْ أَنَسٍ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " «لَقَدْ أُخِفْتُ فِي اللَّهِ وَمَا يُخَافُ أَحَدٌ، وَلَقَدْ أُوذِيتُ فِي اللَّهِ وَمَا يُؤْذَى أَحَدٌ، وَلَقَدْ أَتَتْ عَلَيَّ ثَلَاثُونَ مِنْ بَيْنِ لَيْلَةٍ وَيَوْمٍ، وَمَا لِي وَلِبِلَالٍ طَعَامٌ يَأْكُلُهُ ذُو كَبِدٍ، إِلَّا شَيْءٌ يُوَارِيهِ إِبْطُ بِلَالٍ» " رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
قَالَ: وَمَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ: حِينَ خَرَجَ النَّبِيُّ - ﷺ - هَارِبًا مِنْ مَكَّةَ وَمَعَهُ بِلَالٌ، إِنَّمَا كَانَ مَعَ بِلَالٍ مِنَ الطَّعَامِ مَا يَحْمِلُ تَحْتَ إِبْطِهِ.
_________________
(١) (عَنْ أَنَسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " لَقَدْ أُخِفْتُ "): مَجْهُولٌ مَاضٍ مِنَ الْإِخَافَةِ أَيْ: خُوِّفْتُ (" فِي اللَّهِ ") أَيْ: فِي إِظْهَارِ دِينِهِ (" وَمَا يُخَافُ "): بِضَمِّ أَوَّلِهِ أَيْ: مِثْلَ مَا أُخِفْتُ (" أَحَدٌ ") أَيْ: غَيْرِي (" وَلَقَدْ أُوذِيتُ ") أَيْ: بِالْفِعْلِ بَعْدَ التَّخْوِيفِ بِالْقَوْلِ (" فِي اللَّهِ ") أَيْ: فِي سَبِيلِهِ وَطَرِيقِ رِضَاهُ (" وَمَا يُؤْذَى أَحَدٌ ")، أَيْ: خُوِّفْتُ وَحْدِي وَأُوذِيتُ بِانْفِرَادِي، وَفَائِدَةُ التَّقْيِيدِ بِالْجُمْلَةِ الْحَالِيَّةِ فِي الْجُمْلَتَيْنِ أَنَّ أَمْرَهَا صَعْبٌ فِي تَبَيُّنِكَ الْحَالَتَيْنِ، فَإِنَّ الْبَلِيَّةَ إِذَا عَمَّتْ طَابَتْ، وَخُلَاصَةُ الْمَعْنَى أَنَّهُ حِكَايَةُ حَالٍ لَا شِكَايَةُ بَالٍ بَلْ تَحَدُّثٌ بِالنِّعْمَةِ وَتَوْفِيقٍ بِالصَّبْرِ عَلَى الْمِحْنَةِ إِلَى أَنْ تَنْتَهِيَ إِلَى الْمِنْحَةِ عَلَى مَا تَقْتَضِيهِ الْمَحَبَّةُ وَتَسْلِيَةٌ لِلْأَمَةِ لِإِزَالَةِ مَا قَدْ يُصِيبُهُمْ مِنَ الْغُمَّةِ أَيْ: كُنْتُ وَحِيدًا فِي ابْتِدَاءِ إِظْهَارِي لِلدِّينِ فَخَوَّفَنِي فِي ذَلِكَ وَآذَانِي الْكُفَّارُ الْمَلَاعِينُ، وَلَمْ يَكُنْ مَعِي أَحَدٌ حِينَئِذٍ يُوَافِقُنِي فِي تَحَمُّلِ الْأَذَى إِلَّا مُسَاعَدَةُ الْمَوْلَى وَمُعَاوَنَةُ الرَّفِيقِ الْأَعْلَى، ثُمَّ بَيَّنَ أَنَّهُ كَانَ مَعَ ذَلِكَ كُلِّهِ فِي قِلَّةِ الزَّادِ وَعَدَمِ الِاسْتِعْدَادِ بِقَوْلِهِ: (" وَلَقَدْ أَتَتْ ") أَيْ: مَضَتْ (" عَلَيَّ ثَلَاثُونَ مِنْ بَيْنِ لَيْلَةٍ وَيَوْمٍ ")، أَيْ: مِنْ بَيْنِ أَوْقَاتٍ وَهِيَ اللَّيْلَةُ وَالْيَوْمُ.
[ ٨ / ٣٢٨٧ ]
وَقَالَ الطِّيبِيُّ: تَأْكِيدٌ لِلشُّمُولِ أَيْ: ثَلَاثُونَ يَوْمًا وَلَيْلَةً مُتَوَاتِرَاتٍ لَا يَنْقُصُ مِنْهَا شَيْءٌ مِنَ الزَّمَانِ (" وَمَا لِي ") أَيْ: وَالْحَالُ أَنَّهُ لَيْسَ لِي (" وَلِبِلَالٍ طَعَامٌ يَأْكُلُهُ ذُو كَبِدٍ "): بِفَتْحٍ فَكَسْرٍ وَفِي الْقَامُوسِ: بِالْفَتْحِ وَالْكَسْرِ وَكَكَتِفٍ مَعْلُومٌ أَيْ: حَيَوَانٌ. قَالَ الطِّيبِيُّ أَيْ: مَا مَعَنَا طَعَامٌ سَوَاءٌ كَانَ مِمَّا يَأْكُلُ الدَّوَابُّ أَوِ الْإِنْسَانُ (" إِلَّا شَيْءٌ ") أَيْ: قَلِيلٌ (" يُوَارِيهِ ") أَيْ: يَسْتُرُهُ وَيُغَطِّيهِ (" إِبْطُ بِلَالٍ ") . بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ وَتُكْسَرُ فَفِي الصِّحَاحِ: الْإِبْطُ بِسُكُونِ الْبَاءِ مَا تَحْتَ الْجَنَاحِ وَفِي الْقَامُوسِ: الْإِبْطُ مَا تَحْتَ الْمَنْكِبِ وَتُكْسَرُ الْبَاءُ، وَقَدْ يُؤَنَّثُ، وَالْمَعْنَى أَنَّ بِلَالًا كَانَ رَفِيقِي فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، وَمَا كَانَ لَنَا مِنَ الطَّعَامِ إِلَّا شَيْءٌ قَلِيلٌ بِقَدْرِ مَا يَأْخُذُهُ بِلَالٌ تَحْتَ إِبْطِهِ، وَلَمْ يَكُنْ لَنَا ظَرْفٌ نَضَعُ الطَّعَامَ فِيهِ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) . وَفِي الْجَامِعِ بِتَقْدِيمٍ لَقَدْ أُوذِيتُ. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَابْنُ حِبَّانَ عَنْهُ.
(وَقَالَ) أَيِ التِّرْمِذِيُّ وَفِي نُسْخَةٍ قَالَ: (وَمَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ حِينَ خَرَجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَارِبًا مِنْ مَكَّةَ) أَيْ: فَارًّا مِنَ الْخَلْقِ إِلَى اللَّهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ﴾ [الذاريات: ٥٠] رُوِيَ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجَ مِنْ مَكَّةَ هَارِبًا إِلَى عَبْدِ يَالِيلَ بِالطَّائِفِ لِيَحْمِيَهُ مِنْ كُفَّارِ مَكَّةَ حَتَّى يُؤَدِّيَ رِسَالَةَ رَبِّهِ، فَسَلَّطَ عَلَيْهِ صِبْيَانَهُ فَرَمَوْهُ بِالْأَحْجَارِ حَتَّى أَدْمَوْا كَعْبَهُ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَذَا ذَكَرَهُ بَعْضُهُمْ. وَفِي الْمَوَاهِبِ اللَّدُنِّيَّةِ أَنَّ خُرُوجَهُ ﵊ إِلَى الطَّائِفِ كَانَ بَعْدَ مَوْتِ خَدِيجَةَ بِثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ فِي لَيَالٍ بَقِينَ مِنْ شَوَّالٍ سَنَةَ عَشَرَةَ مِنَ النُّبُوَّةِ لِمَا نَالَهُ مِنْ قُرَيْشٍ بَعْدَ مَوْتِ أَبِي طَالِبٍ، وَكَانَ مَعَهُ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ، فَأَقَامَ بِهِ شَهْرًا يَدْعُو أَشْرَافَ ثَقِيفٍ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى فَلَمْ يُجِيبُوهُ وَأَغْرَوْا بِهِ سُفَهَاءَهُمْ وَعَبِيدَهُمْ يَسُبُّونَهُ. قَالَ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ: وَرَجَمُوا عَرَاقِيبَهُ بِالْحِجَارَةِ حَتَّى اخْتَضَبَتْ نَعْلَاهُ بِالدِّمَاءِ. زَادَ غَيْرُهُ: وَكَانَ إِذَا أَذْلَقَتْهُ الْحِجَارَةُ قَعَدَ إِلَى الْأَرْضِ فَيَأْخُذُونَهُ بِعَضُدَيْهِ فَيُقِيمُونَهُ، فَإِذَا مَشَى رَجَمُوهُ وَهُمْ يَضْحَكُونَ، وَزَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ يَقِيهِ بِنَفْسِهِ حَتَّى لَقَدْ شُجَّ فِي رَأْسِهِ شِجَاجًا.
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ «عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: هَلْ أَتَى عَلَيْكَ يَوْمٌ أَشَدُّ مِنْ يَوْمِ أُحُدٍ؟ قَالَ: " لَقَدْ لَقِيتُ مِنْ قَوْمِكِ، وَكَانَ أَشَدَّ مَا لَقِيتُ مِنْهُمْ يَوْمَ الْعَقَبَةِ إِذْ عَرَضْتُ نَفْسِي عَلَى عَبْدِ يَالِيلَ بْنِ عَبْدِ كُلَالٍ فَلَمْ يُجِبْنِي إِلَى مَا أَرَدْتُ، فَانْطَلَقْتُ وَأَنَا مَهْمُومٌ عَلَى وَجْهِي، فَلَمْ أَسْتَفِقْ إِلَّا وَأَنَا بِقَرْنِ الثَّعَالِبِ، فَرَفَعْتُ رَأْسِي فَإِذَا بِسَحَابَةٍ قَدْ أَظَلَّتْنِي، فَنَظَرْتُ فَإِذَا فِيهَا جِبْرَائِيلُ فَنَادَانِي فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ قَدْ سَمِعَ قَوْلَ قَوْمِكَ وَمَا رَدُّوا عَلَيْكَ، وَقَدْ بَعَثَ إِلَيْكَ مَلَكَ الْجِبَالِ لِتَأْمُرَهُ بِمَا شِئْتَ، فَنَادَانِي مَلَكُ الْجِبَالِ فَسَلَّمَ عَلَيَّ ثُمَّ قَالَ يَا مُحَمَّدُ! إِنَّ اللَّهَ قَدْ سَمِعَ قَوْلَ قَوْمِكَ وَإِنِّي مَلَكُ الْجِبَالِ، وَقَدْ بَعَثَنِي رَبُّكَ إِلَيْكَ لِتَأْمُرَنِي بِأَمْرِكَ إِنْ شِئْتَ أَنْ أُطْبِقَ عَلَيْهِمُ الْأَخْشَبَيْنِ» ". وَفِي الْقَامُوسِ: هُمَا جَبَلَا مَكَّةَ أَبُو قُبَيْسٍ وَالْأَحْمَرُ أَوْ جَبَلَا مِنًى. قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " «بَلْ أَرْجُو أَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ مِنْ أَصْلَابِهِمْ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ وَحْدَهُ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا» " وَعَبْدُ يَالِيلَ بِتَحْتَانِيَّةٍ بَعْدَ أَلْفٍ فَلَامٍ مَكْسُورَةٍ فَتَحْتَانِيَّةٍ سَاكِنَةٍ فَلَامٍ ابْنُ عَبْدِ كُلَالٍ بِضَمِّ الْكَافِ وَتَخْفِيفِ اللَّامِ، وَكَانَتْ عَبْدُ يَالِيلَ مِنْ أَكَابِرِ أَهْلِ الطَّائِفِ مِنْ ثَقِيفٍ، وَقَرْنُ الثَّعَالِبِ هُوَ مِيقَاتُ أَهْلِ نَجْدٍ، وَيُقَالُ لَهُ قَرْنُ الْمَنَازِلِ.
وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ فِي كِتَابِ الدُّعَاءِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ قَالَ: «لَمَّا تُوُفِّيَ أَبُو طَالِبٍ خَرَجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَاشِيًا إِلَى الطَّائِفِ إِلَى الْإِسْلَامِ فَلَمْ يُجِيبُوهُ فَأَتَى تَحْتَ ظِلِّ شَجَرَةٍ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ قَالَ: " اللَّهُمَّ إِلَيْكَ أَشْكُو ضَعْفَ قُوَّتِي وَقِلَّةَ حِيلَتِي وَهَوَانِي عَلَى النَّاسِ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ أَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ أَنْتَ رَبُّ الْمُسْتَضْعَفِينَ إِلَى مَنْ تَكِلُنِي إِلَى عَدُوٍّ بِعِيدٍ يَتَجَهَّمُنِي ". أَيْ: يَلْقَانِي بِغِلْظَةٍ وَوَجْهٍ كَرِيهٍ عَلَى مَا فِي النِّهَايَةِ: " أَمْ إِلَى صَدِيقٍ قَرِيبٍ كَلَّفْتَهُ أَمْرِي إِنْ لَمْ تَكُنْ غَضْبَانًا عَلَيَّ فَلَا أُبَالِي غَيْرَ أَنَّ عَافِيَتَكُ أَوْسَعُ لِي، أَعُوذُ بِنُورِ وَجْهِكَ الَّذِي أَشْرَقَتْ لَهُ الظُّلُمَاتُ، وَصَلُحَ عَلَيْهِ أَمْرُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ أَنْ يَنْزِلَ بِي غَضَبُكَ، أَوْ يَحِلَّ بِي سَخَطُكَ، لَكَ الْعُتْبَى حَتَّى تَرْضَى وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِكَ» " ثُمَّ قَوْلُهُ: (وَمَعَهُ بِلَالٌ)، لَا يُنَافِي كَوْنَ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ مَعَهُ أَيْضًا مَعَ احْتِمَالِ تَعَدُّدِ خُرُوجِهِ ﵊، لَكِنْ أَفَادَ بِقَوْلِهِ مَعَهُ بِلَالٌ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ هَذَا الْخُرُوجُ فِي الْهِجْرَةِ مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْمَدِينَةِ، لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ بِلَالٌ حِينَئِذٍ (إِنَّمَا كَانَ مَعَ بِلَالٍ مِنَ الطَّعَامِ مَا يَحْمِلُ تَحْتَ إِبْطِهِ) . وَهُوَ كِنَايَةٌ عَنْ كَمَالِ قِلَّتِهِ وَخِفَّةِ مُؤْنَتِهِ.
[ ٨ / ٣٢٨٨ ]
٥٢٥٤ - وَعَنْ أَبِي طَلْحَةَ - ﵁ - قَالَ: «شَكَوْنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - الْجُوعَ، فَرَفَعْنَا عَنْ بُطُونِنَا عَنْ حَجَرٍ حَجَرٍ، فَرَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - عَنْ بَطْنِهِ عَنْ حَجَرَيْنِ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ.
_________________
(١) (وَعَنْ أَبِي طَلْحَةَ قَالَ: شَكَوْنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ): وَفِي نُسْخَةٍ إِلَى النَّبِيِّ (الْجُوعَ، فَرَفَعْنَا عَنْ بُطُونِنَا) أَيْ: فَكَشَفْنَا ثِيَابَنَا عَنْهَا كَشْفًا صَادِرًا (عَنْ حَجَرٍ حَجَرٍ)، أَيْ: لِكُلٍّ مِنَّا حَجَرٌ وَاحِدٌ وَرُفِعَ عَنْهُ، فَالتَّكْرِيرُ بِاعْتِبَارِ تَعْدَادِ الْمُخْبَرِ عَنْهُمْ بِذَلِكَ (فَرَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ بَطْنِهِ عَنْ حَجَرَيْنِ) . قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: " عَنِ " الْأُولَى مُتَعَلِّقَةٌ بِرَفَعْنَا عَلَى تَضْمِينِ الْكَشْفِ، وَالثَّانِيَةُ صِفَةُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أَيْ: كَشَفْنَا عَنْ بُطُونِنَا كَشْفًا صَادِرًا عَنْ حَجَرٍ، وَيَجُوزُ أَنْ يُحْتَمَلَ التَّنْكِيرُ فِي حَجَرٍ عَلَى النَّوْعِ أَيْ: عَنْ حَجَرٍ مَشْدُودٍ عَلَى بُطُونِنَا، فَيَكُونُ بَدَلًا، وَعَادَةُ مَنِ اشْتَدَّ جُوعُهُ وَخَمُصَ بَطْنُهُ أَنْ يَشُدَّ عَلَى بَطْنِهِ حَجَرًا لِيُقَوِّمَ بِهِ صُلْبَهُ انْتَهَى. وَتَوْضِيحُهُ أَنَّ تَعَلُّقَ حَرْفَيْ جَرٍّ بِمَعْنَى الْعَامِلِ فِي مَرْتَبَةٍ وَاحِدَةٍ غَيْرُ جَائِزٍ، أَمَّا تَعَلُّقُ الثَّانِي بَعْدَ تَقْيِيدِ الْأَوَّلِ فَجَائِزٌ كَمَا تَتَقَرَّرُ فِي مَحَلِّهِ، فَكَوْنُهُ صِفَةَ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ ظَاهِرٌ لَا غُبَارَ عَلَيْهِ، وَأَمَّا تَجْوِيزُ الْبَدَلِ عَلَى أَنَّهُ بَدَلُ اشْتِمَالٍ بِإِعَادَةِ الْجَارِّ مَعَ أَنَّ بَدَلَ الِاشْتِمَالِ لَا يَخْلُو عَنْ ضَمِيرِ الْبَدَلِ، فَمَبْنِيٌّ عَلَى أَنْ يُرَادَ بِالْحَجَرِ النَّوْعُ، وَالتَّقْدِيرُ عَنْ حَجَرٍ مَشْدُودٍ عَلَيْهَا، وَكَلَامُ الطِّيبِيِّ ﵀ يُوهِمُ أَنَّ الْقَوْلَ بِالْبَدَلِ كَلَامُهُ، وَقَدْ نَقَلَ مِيرَكُ عَنْ زَيْنِ الْعَرَبِ أَنَّهُ قَالَ: بَدَلُ اشْتِمَالٍ كَمَا تَقُولُ: زَيْدٌ كَشَفَ عَنْ وَجْهِهِ عَنْ حُسْنٍ خَارِقٍ، وَقِيلَ: فَائِدَةُ شَدِّ الْحَجَرِ عَلَى الْبَطْنِ أَنْ لَا يَدْخُلَ النَّفْخُ فِي الْأَمْعَاءِ الْخَالِيَةِ، وَأَنَّ نَفْسَ شَدِّ الْأَمْعَاءِ إِعَانَةٌ عَلَى شَدِّ الصُّلْبِ، وَقَالَ: إِنَّمَا رُبِطَ الْحَجَرُ عَلَى الْبَطْنِ لِئَلَّا يَسْتَرْخِيَ الْبَطْنُ وَيَنْزِلُ الْمِعَى فَيُشَكُّ التَّحَرُّكُ، فَإِذَا رَبَطَ حَجَرًا عَلَى بَطْنِهِ يَشْتَدُّ بَطْنُهُ وَظَهْرُهُ فَيَسْهُلُ عَلَيْهِ الْحَرَكَةُ، وَإِذَا اشْتَدَّ الْجُوعُ يَرْبِطُ حَجَرَيْنِ، فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَكْثَرَهُمْ جُوعًا أَكْثَرَهُمْ رِيَاضَةً فَرَبَطَ عَلَى بَطْنِهِ حَجَرَيْنِ. قَالَ صَاحِبُ الْمُظْهِرِ: وَهَذَا عَادَةُ أَصْحَابِ الرِّيَاضَةِ. وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ ﵀: هَذَا عَادَةُ الْعَرَبِ أَوْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ. وَقَالَ صَاحِبُ الْأَزْهَارِ: فِي رَبْطِ الْحَجَرِ عَلَى الْبَطْنِ أَقْوَالٌ أَحَدُهَا: أَنَّ ذَلِكَ أَحْجَارٌ بِالْمَدِينَةِ تُسَمَّى الْمُشْبِعَةَ كَانُوا إِذَا جَاعَ أَحَدُهُمْ يَرْبِطُ عَلَى بَطْنِهِ حَجَرًا مِنْ ذَلِكَ، وَكَانَ اللَّهُ تَعَالَى خَلَقَ فِيهِ بُرُودَةً تُسَكِّنُ الْجُوعَ وَالْحَرَارَةَ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: يُقَالُ لِمَنْ يُؤْمَرُ بِالصَّبْرِ ارْبِطْ عَلَى قَلْبِكَ حَجَرًا، فَكَأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ بِالصَّبْرِ وَأَمَرَ أُمَّتَهُ بِالصَّبْرِ قَالًا وَحَالًا، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) . أَيْ: فِي جَامِعِهِ (وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ) . وَهُوَ مَا يَتَفَرَّدُ بِرِوَايَتِهِ عَدْلٌ ضَابِطٌ مِنْ رِجَالِ النَّقْلِ، فَإِنْ كَانَ الْمُنْفَرِدَ بِرِوَايَةِ مَتْنِهِ فَهُوَ غَرِيبٌ مَتْنًا أَوْ بِرِوَايَتِهِ عَنْ غَيْرِ الْمَعْرُوفِ عِنْدَ مَنْ كَانَ يَعْرِفُ الْحَدِيثَ عَنْ صَحَابِيٍّ فَيَرْوِيَهُ عَدْلٌ وَحْدَهُ عَنْ صَحَابِيٍّ آخَرَ فَهُوَ غَرِيبٌ إِسْنَادًا، وَهَذَا هُوَ الَّذِي يَقُولُ فِيهِ التِّرْمِذِيُّ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، وَقَدْ صَرَّحَ فِي الشَّمَائِلِ بِقَوْلِهِ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي طَلْحَةَ وَلَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ انْتَهَى. فَغَرَابَتُهُ نَاشِئَةٌ عَنْ طَرِيقِ أَبِي طَلْحَةَ لَا مِنْ سَائِرِ الطُّرُقِ مَعَ أَنَّهُ قَالَ مِيرَكُ: رُوَاتُهُ ثِقَاتٌ.
[ ٨ / ٣٢٨٩ ]
٥٢٥٥ - «وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - أَنَّهُ أَصَابَهُمْ جُوعٌ فَأَعْطَاهُمْ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - تَمْرَةً تَمْرَةً» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
_________________
(١) (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ أَصَابَهُمْ) أَيِ: الصَّحَابَةُ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الصُّفَّةِ (جُوعٌ) أَيْ: شَدِيدٌ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ فِي سَفَرٍ بِعِيدٍ (فَأَعْطَاهُمْ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - تَمْرَةً تَمْرَةً) . أَيْ: مِقْدَارًا قَلِيلًا مِنَ التَّمْرِ بِحَيْثُ عِنْدَ تَوْزِيعِهِ عَلَيْهِمْ وَتَقْسِيمِهِ إِلَيْهِمْ وَصَلَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ تَمْرَةٌ وَاحِدَةٌ إِذْ كَانُوا أَرْبَعَمِائَةٍ بَلْ أَكْثَرَ، وَرُبَّمَا وَقَعَتِ الْبَرَكَةُ فِي تِلْكَ التَّمْرَةِ حَتَّى كَانَتْ ثَمَرَتُهَا رَفْعَ الْمِحْنَةِ وَحَبَّتُهَا أَنْتَجَتِ الْمَحَبَّةَ الَّتِي فَوْقَ كُلِّ مِنْحَةٍ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) .
[ ٨ / ٣٢٨٩ ]
٥٢٥٦ - وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: " «خَصْلَتَانِ مَنْ كَانَتَا فِيهِ كَتَبَهُ اللَّهُ شَاكِرًا صَابِرًا: مَنْ نَظَرَ فِي دِينِهِ إِلَى مَنْ هُوَ فَوْقَهُ، فَاقْتَدَى بِهِ، وَنَظَرَ فِي دُنْيَاهُ إِلَى مَنْ هُوَ دُونَهُ، فَحَمِدَ اللَّهَ عَلَى مَا فَضَّلَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ ; كَتَبَهُ اللَّهُ شَاكِرًا صَابِرًا. وَمَنْ نَظَرَ فِي دِينِهِ إِلَى مَنْ هُوَ دُونَهُ، وَنَظَرَ فِي دُنْيَاهُ إِلَى مَنْ هُوَ فَوْقَهُ فَأَسِفَ عَلَى مَا فَاتَهُ مِنْهُ، لَمْ يَكْتُبْهُ اللَّهُ شَاكِرًا وَلَا صَابِرًا» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
وَذَكَرَ حَدِيثَ أَبِي سَعِيدٍ: " «أَبْشِرُوا يَا مَعْشَرَ صَعَالِيكِ الْمُهَاجِرِينَ» " فِي بَابٍ بَعْدَ فَضَائِلِ الْقُرْآنِ.
_________________
(١) (وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ) أَيِ: ابْنِ عَمْرٍو عَلَى مَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْجَامِعِ (عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: " «خَصْلَتَانِ مَنْ كَانَتَا فِيهِ كَتَبَهُ اللَّهُ صَابِرًا شَاكِرًا» ") أَيْ: مُؤْمِنًا كَامِلًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾ [إبراهيم: ٥] وَفِي الْحَدِيثِ: الْإِيمَانُ نِصْفَانِ نِصْفُهُ صَبْرٌ وَنِصْفُهُ شُكْرٌ فَالصَّبْرُ عَنِ السَّيِّئَاتِ وَالشُّكْرُ عَلَى الطَّاعَاتِ، وَزَادَ فِي الْجَامِعِ: وَمَنْ لَمْ تَكُونَا فِيهِ لَمْ يَكْتُبْهُ اللَّهُ شَاكِرًا وَلَا صَابِرًا (" مَنْ نَظَرَ فِي دِينِهِ ") أَيْ: خَصْلَةُ مَنْ نَظَرَ فِي أَمْرَ دِينِهِ مِنَ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ (" إِلَى مَنْ هُوَ فَوْقَهُ ") أَيْ: إِلَى مَنْ هُوَ أَكْثَرُ مِنْهُ عِلْمًا وَعِبَادَةً وَقَنَاعَةً وَرِيَاضَةً أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا (" فَاقْتَدَى بِهِ ") أَيْ: فِي الصَّبْرِ عَلَى مِيثَاقِ الطَّاعَاتِ، وَعَنِ ارْتِكَابِ السَّيِّئَاتِ أَوْ تَأَسَّفَ عَلَى مَا فَاتَهُ مِنَ الْكَمَالَاتِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ مَنْ نَظَرَ اسْتِئْنَافًا مُبَيِّنًا لِلصَّابِرِ وَالشَّاكِرِ الْمُتَضَمِّنِ لِلْخَصْلَتَيْنِ الْمُبْهَمَتَيْنِ إِحْدَاهَا هَذِهِ، وَالثَّانِيَةُ مُبَيَّنَةٌ بِقَوْلِهِ: (" وَنَظَرَ فِي دُنْيَاهُ إِلَى مَنْ هُوَ دُونَهُ ") أَيْ: إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَرُ مِنْهُ وَأَقَلُّ مِنْهُ مَالًا وَجَاهًا، (" فَحَمِدَ اللَّهَ عَلَى مَا فَضَّلَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ ") أَيْ: فَشَكَرَهُ عَلَى مَا زَادَهُ عَلَيْهِ مِنْ فَضْلِهِ. وَفِي رِوَايَةِ الْجَامِعِ فَحَمِدَ اللَّهَ عَلَى مَا فَضَّلَهُ بِهِ. (" كَتَبَهُ اللَّهُ شَاكِرًا ") أَيْ: لِلْخَصْلَةِ الثَّانِيَةِ (" صَابِرًا ") . أَيْ: لِلْخَصْلَةِ السَّابِقَةِ فَفِيهِ لَفٌّ وَنَشْرٌ مُشَوَّشٌ اعْتِمَادًا عَلَى فَهْمِ ذَوِي الْعُقُولِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْفَذْلَكَةِ وَإِنْ كَانَ مُرَتَّبًا بِاعْتِبَارِ الْمُقَدِّمَةِ، وَلَمَّا كَانَ الْمَفْهُومُ قَدْ يُعْتَبَرُ وَقَدْ لَا يُعْتَبَرُ، وَمَعَ اعْتِبَارِهِ الْمَنْطُوقُ أَقْوَى أَيْضًا صَرَّحَ بِمَا عَلِمَ ضِمْنًا حَيْثُ قَالَ: (" وَمَنْ نَظَرَ فِي دِينِهِ إِلَى مَنْ هُوَ دُونَهُ ") أَيْ: فِي الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ وَأَنْتَجَهُ الْغُرُورُ وَالْعُجْبُ وَالْخُيَلَاءُ (" وَنَظَرَ فِي دُنْيَاهُ إِلَى مَنْ هُوَ فَوْقَهُ ") أَيْ: مِنْ أَصْحَابِ الْمَالِ وَالْجَاهِ وَأَوْرَثَهُ الْحِرْصَ وَالْأَمَلَ وَالرِّيَاءَ (" فَأَسِفَ "): بِكَسْرِ السِّينِ أَيْ: حَزِنَ (" عَلَى مَا فَاتَهُ مِنْهُ ") أَيْ: مِنَ الْمَالِ وَغَيْرِهِ بِعَدَمِ وُجُودِهِ أَوْ بِحُصُولِ فَقْدِهِ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿لِكَيْ لَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ﴾ [الحديد: ٢٣] وَرُوِيَ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " «مَنْ أَسِفَ عَلَى دُنْيَا فَاتَتْهُ اقْتَرَبَ مِنَ النَّارِ مَسِيرَةَ أَلْفِ سَنَةٍ، وَمَنْ أَسِفَ عَلَى آخِرَةٍ فَاتَتْهُ اقْتَرَبَ مِنَ الْجَنَّةِ مَسِيرَةَ أَلْفَيْ سَنَةٍ» (لَمْ يَكْتُبْهُ اللَّهُ شَاكِرًا وَلَا صَابِرًا)، لِعَدَمِ صُدُورِ وَاحِدٍ مِنْهُ، بَلْ قَامَ بِضِدَّيْهِمَا مِنَ الْكُفْرَانِ وَالْجَزَعِ وَالْفَزَعِ بِاللِّسَانِ وَالْجَنَانِ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) . (وَذَكَرَ حَدِيثَ أَبِي سَعِيدٍ) أَيْ: فِي ضِمْنِ حَدِيثٍ طَوِيلٍ صَدْرُهُ يُنَاسِبُ بَابَ الْقِرَاءَةِ (" «أَبْشِرُوا يَا مَعْشَرَ صَعَالِيكِ الْمُهَاجِرِينَ» ") . أَيْ: بِالْفَوْزِ التَّامِّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ قَبْلَ أَغْنِيَاءِ النَّاسِ بِنِصْفِ يَوْمٍ وَذَلِكَ خَمْسُمِائَةِ سَنَةٍ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (فِي بَابٍ) أَيْ: بِغَيْرِ عُنْوَانٍ (بَعْدَ فَضَائِلِ الْقُرْآنِ) . أَيْ: بَعْدَ كِتَابِ فَضَائِلِ الْقُرْآنِ.
[ ٨ / ٣٢٩٠ ]
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
٥٢٥٧ - وَعَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحُبُلِيِّ - ﵁ - قَالَ: «سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو، وَسَأَلَهُ رَجُلٌ قَالَ: أَلَسْنَا مِنْ فُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ؟ فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ: أَلَكَ امْرَأَةٌ تَأْوِي إِلَيْهَا؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: أَلَكَ مَسْكَنٌ تَسْكُنُهُ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَأَنْتَ مِنَ الْأَغْنِيَاءِ قَالَ: فَإِنَّ لِي خَادِمًا قَالَ: فَأَنْتَ مِنَ الْمُلُوكِ. قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: وَجَاءَ ثَلَاثَةُ نَفَرٍ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو وَأَنَا عِنْدَهُ فَقَالُوا: يَا أَبَا مُحَمَّدٍ! إِنَّا وَاللَّهِ مَا نَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ. لَا نَفَقَةَ وَلَا دَابَّةَ وَلَا مَتَاعَ. فَقَالَ لَهُمْ: مَا شِئْتُمْ إِنْ شِئْتُمْ رَجَعْتُمْ إِلَيْنَا، فَأَعْطَيْنَاكُمْ مَا يَسَّرَ اللَّهُ لَكُمْ، وَإِنْ شِئْتُمْ ذَكَرْنَا أَمْرَكُمْ لِلسُّلْطَانِ، وَإِنْ شِئْتُمْ صَبَرْتُمْ، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يَقُولُ: " إِنَّ فُقَرَاءَ الْمُهَاجِرِينَ يَسْبِقُونَ الْأَغْنِيَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَى الْجَنَّةِ بِأَرْبَعِينَ خَرِيفًا ". قَالُوا: فَإِنَّا نَصْبِرُ لَا نَسْأَلُ شَيْئًا» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
_________________
(١) الْفَصْلُ الثَّالِثُ
(٢) (عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحُبُلِيِّ): بِحَاءٍ مُهْمَلَةٍ وَمُوَحَّدَةٍ وَضَمِّهَا. قَالَ الْمُؤَلِّفُ: اسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ الْمِصْرِيُّ تَابِعِيٌّ (قَالَ: سَمِعْتُ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو) بِالْوَاوِ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: لَا بُدَّ مِنْ مَحْذُوفٍ أَيْ: سَمِعْتُهُ يَقُولُ قَوْلًا يُفَسِّرُهُ مَا بَعْدَهُ. أَقُولُ: وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَدَّرَ مُضَافٌ، وَيُقَالَ: سَمِعْتُ قَوْلَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو (وَسَأَلَهُ) أَيْ: وَقَدْ
[ ٨ / ٣٢٩٠ ]
سَأَلَهُ (رَجُلٌ قَالَ) أَيِ: الرَّجُلُ اسْتِئْنَافٌ مُبَيِّنٌ (أَلَسْنَا) أَيْ: نَحْنُ وَأَمْثَالُنَا (مِنْ فُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ)، أَيْ: مِنْ خَوَاصِّهِمُ الَّذِينَ يَسْبِقُونَ أَغْنِيَاءَهُمْ (فَقَالَ لِي عَبْدُ اللَّهِ: أَلَكَ امْرَأَةٌ تَأْوِي إِلَيْهَا؟) أَيْ: تَضُمُّهَا وَتَسْكُنُ إِلَيْهَا وَتُقْبِلُ عَلَيْهَا (قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: أَلَكَ مَسْكَنٌ): بِفَتْحِ الْكَافِ وَتُكْسَرُ أَيْ: مَكَانٌ (تَسْكُنُهُ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَأَنْتَ مِنَ الْأَغْنِيَاءِ) أَيْ: أَغْنِيَاءِ الْمُهَاجِرِينَ فَإِنَّ فُقَرَاءَهُمْ مَا كَانَ لَهُمُ امْرَأَةٌ وَلَا مَسْكَنٌ، أَوْ إِنْ كَانَ لِأَحَدِهِمْ أَحَدُهُمَا مَا كَانَ لَهُ الْآخَرُ مِنْهُمَا. (قَالَ: فَإِنَّ لِي خَادِمًا) أَيْ: عَبْدًا أَوْ جَارِيَةً أَوْ أَجِيرًا زِيَادَةً عَلَى مَا سَبَقَ (قَالَ: فَأَنْتَ مِنَ الْمُلُوكِ) أَيْ: وَلَا يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ لَكَ الصُّعْلُوكُ فَلَسْتَ مِنْ صَعَالِيكِ الْمُهَاجِرِينَ، وَلَعَلَّهُ اقْتَبَسَ هَذَا الْكَلَامَ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا﴾ [المائدة: ٢٠] عَلَى مَا رَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وَابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا﴾ [المائدة: ٢٠] قَالَ: الزَّوْجَةُ وَالْخَادِمُ، وَزَادَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ، وَكَانَ الرَّجُلُ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذَا كَانَتْ لَهُ الزَّوْجَةُ وَالْخَادِمُ وَالدَّارُ يُسَمَّى مَلِكًا.
(قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ): هَكَذَا فِي جَمِيعِ نُسَخِ الْمِشْكَاةِ الْحَاضِرَةِ، وَصَوَابُهُ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ لِمَا سَبَقَ. قَالَ السَّيِّدُ جَمَالُ الدِّينِ " الْمُحَدِّثُ ": هَكَذَا فِي أَكْثَرِ نُسَخِ الْمِشْكَاةِ الَّتِي رَأَيْنَاهَا وَهُوَ غَلَطٌ ظَاهِرٌ، وَالصَّوَابُ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَهُوَ رَاوِي الْحَدِيثِ كَمَا فِي مُسْلِمٍ (وَجَاءَ ثَلَاثَةُ نَفَرٍ): بِالْإِضَافَةِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿تِسْعَةُ رَهْطٍ﴾ [النمل: ٤٨] وَالْجُمْلَةُ عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ وَسَأَلَهُ رَجُلٌ أَيْ: وَالْحَالُ أَنَّهُ أَتَى ثَلَاثَةَ نَفَرٍ فُقَرَاءَ. (إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو وَأَنَا عِنْدَهُ فَقَالُوا: يَا أَبَا مُحَمَّدٍ! إِنَّا وَاللَّهِ لَا نَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ. لَا نَفَقَةَ): تَعْمِيمٌ مُبَيِّنٌ (وَلَا دَابَّةَ) أَيْ: لِنُجَاهِدَ عَلَيْهَا أَوْ نَحُجَّ بِهَا (وَلَا مَتَاعَ) . أَيْ: زَائِدَ يُبَاعُ وَيُصْرَفُ ثَمَنُهُ فِي النَّفَقَةِ وَالدَّابَّةِ. (فَقَالَ لَهُمْ: مَا شِئْتُمْ): مَا اسْتِفْهَامِيَّةٌ أَيْ: أَيُّ شَيْءٍ شِئْتُمْ؟ وَيُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً مُبْتَدَأً وَالْخَبَرُ مَحْذُوفٌ أَيْ: مَا أَرَدْتُمْ مِنَ الْأُمُورِ الْمَعْرُوضَةِ عَلَيْكُمْ فَعَلْنَاهُ. (إِنْ شِئْتُمْ) أَيْ أَنْ نُعْطِيَكُمْ شَيْئًا مِنْ عِنْدِنَا (رَجَعْتُمْ إِلَيْنَا)، فَإِنَّهُ لَا يَحْضُرُنَا الْآنَ شَيْءٌ (فَأَعْطَيْنَاكُمْ) أَيْ: بَعْدَ هَذَا (مَا يَسَّرَ اللَّهُ لَكُمْ)، أَيْ: مَا سَهَّلَهُ عَلَى أَيْدِينَا (وَإِنْ شِئْتُمْ) أَيْ أَنْ نَرْفَعَ أَمْرَكُمْ إِلَى الْخَلِيفَةِ أَوْ مَنْ يَقُومُ مَقَامَهُ (ذَكَرْنَا أَمْرَكُمْ لِلسُّلْطَانِ) أَيْ: لِلْمُتَسَلِّطِ عَلَى خِزَانَةِ بَيْتِ الْمَالِ فَيُعْطِيَكُمْ مَا يُوَسِّعُ لَكُمُ الْبَالَ، (وَإِنْ شِئْتُمْ صَبَرْتُمْ) أَيْ: عَلَى هَذِهِ الْحَالِ، فَإِنَّهُ مَقَامُ أَرْبَابِ الْكَمَالِ أَصْحَابِ حُسْنِ الْمَآلِ وَطِيبِ الْمَنَالِ (فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يَقُولُ: " «إِنَّ الْفُقَرَاءَ الْمُهَاجِرِينَ يَسْبِقُونَ الْأَغْنِيَاءَ» ") أَيْ: أَغْنِيَاءَهُمْ فَضْلًا عَنْ غَيْرِهِمْ (" يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَى الْجَنَّةِ بِأَرْبَعِينَ خَرِيفًا ") . أَيْ: سَنَةً (قَالُوا: فَإِنَّا نَصْبِرُ لَا نَسْأَلُ شَيْئًا) . أَيْ: حَالَ كَوْنِنَا لَا نَطْلُبُ شَيْئًا مِنْ أَحَدٍ بَعْدَ ذَلِكَ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
[ ٨ / ٣٢٩١ ]
٥٢٥٨ - «وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو - ﵄ - قَالَ: بَيْنَمَا أَنَا قَاعِدٌ فِي الْمَسْجِدِ وَحَلْقَةٌ مِنْ فُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ قُعُودٌ إِذْ دَخَلَ النَّبِيُّ - ﷺ - فَقَعَدَ إِلَيْهِمْ، فَقُمْتُ إِلَيْهِمْ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: " لِيُبْشِرْ فُقَرَاءُ الْمُهَاجِرِينَ بِمَا يَسُرُّ وُجُوهَهُمْ، فَإِنَّهُمْ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ قَبْلَ الْأَغْنِيَاءِ بِأَرْبَعِينَ عَامًا " قَالَ: فَلَقَدْ رَأَيْتُ أَلْوَانَهُمْ أَسْفَرَتْ» . قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو: حَتَّى تَمَنَّيْتُ أَنْ أَكُونَ مَعَهُمْ أَوْ مِنْهُمْ. رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ.
_________________
(١) (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو): بِالْوَاوِ (قَالَ: بَيْنَا): وَفِي نُسْخَةٍ بَيْنَمَا (أَنَا قَاعِدٌ فِي الْمَسْجِدِ) أَيْ: مَسْجِدِ الْمَدِينَةِ (وَحَلْقَةٌ): بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ وَيُفْتَحُ أَيْ: وَجَمَاعَةٌ مُتَحَلِّقَةٌ وَقُلُوبُهُمْ بِهَا مُتَعَلِّقَةٌ (مِنْ فُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ قُعُودٌ) أَيْ: قَاعِدُونَ أَوْ ذَوُو قُعُودٍ، فَفِي الْقَامُوسِ حَلْقَةُ الْبَابِ وَالْقَوْمِ، وَقَدْ يُفْتَحُ لَامُهَا وَيُكْسَرُ أَوْ لَيْسَ فِي الْكَلَامِ حَلْقَةٌ مُحَرَّكَةٌ إِلَّا جَمْعُ حَالِقٍ أَوْ لُغَةٌ ضَعِيفَةٌ، وَالْجُمَعُ حَلَقٌ مُحَرَّكَةٌ أَوْ كَبَدْرٍ. (إِذْ دَخَلَ النَّبِيُّ - ﷺ - فَقَعَدَ إِلَيْهِمْ) أَيْ: فَجَلَسَ مُتَوَجِّهًا إِلَى الْفُقَرَاءِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [الكهف: ٢٨] الْآيَةَ. (فَقُمْتُ إِلَيْهِمْ) أَيْ: مَائِلًا إِلَيْهِمْ مَيْلًا لِلْمُتَابَعَةِ وَنَيْلًا لِلْقُرْبَةِ لَدَيْهِمْ وَلِأَطَّلِعَ عَلَى كَلَامِ مَنْ طَلَعَ عَلَيْهِمْ، (فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " لِيُبْشِرْ "): أَمْرٌ مَجْهُولٌ مِنَ التَّبْشِيرِ، وَيَجُوزُ مِنَ الْبِشَارَةِ أُرِيدَ بِهِ الْخَيْرُ أَوِ الدُّعَاءُ (" فُقَرَاءُ الْمُهَاجِرِينَ بِمَا يَسُرُّ وُجُوهَهُمْ ")، بِالنَّصْبِ أَيْ: بِشَيْءٍ يُفْرِحُ قُلُوبَهُمْ وَيُظْهِرُ أَثَرَ السُّرُورِ عَلَى ظَاهِرِ أَشْرَفِ بَشَرَتِهِمْ وَأَلْطَفِ جِلْدَتِهِمْ، وَفِي نُسْخَةٍ بِرَفْعِ وُجُوهِهِمْ، فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ بِمَا يُسَرُّ بِهِ وُجُوهُهُمْ، (" فَإِنَّهُمْ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ قَبْلَ الْأَغْنِيَاءِ بِأَرْبَعِينَ عَامًا قَالَ) أَيِ: ابْنُ عَمْرٍو (فَلَقَدِ): اللَّامُ جَوَابُ الْقَسَمِ أَيْ: فَوَاللَّهِ لَقَدْ (رَأَيْتُ أَلْوَانَهُمْ أَسْفَرَتْ) . أَيْ: أَضَاءَتْ مِنَ الْإِسْفَارِ وَهُوَ إِشْرَاقُ اللَّوْنِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ﴾ [عبس: ٣٨]، ﴿وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ﴾ [المدثر: ٣٤] وَفِي الْحَدِيثِ: " «أَسْفِرُوا بِالْفَجْرِ فَإِنَّهُ أَعْظَمُ لِلْأَجْرِ» ". (قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو: حَتَّى تَمَنَّيْتُ): مُتَعَلِّقَةٌ بِأَسْفَرَتْ أَيْ: أَشْرَقَتْ إِشْرَاقًا كَامِلًا تَامًّا حَتَّى وَدِدْتُ (أَنْ أَكُونَ مَعَهُمْ) أَيْ: فِي الدُّنْيَا دَائِمًا مَوْصُوفًا بِحَالِهِمْ (أَوْ مِنْهُمْ) أَيْ: فِي الْعُقْبَى مَحْشُورًا فِي زُمْرَتِهِمْ وَحُسْنِ مَآلِهِمْ، فَأَوْ لِلتَّنْوِيعِ أَوْ لِلشَّكِّ، وَالْمَعْنَى أَحْبَبْتُ أَنْ أَكُونَ مِنْ جُمْلَةِ فُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ. (رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ) . وَرَوَاهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْحِلْيَةِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ وَلَفْظُهُ: لِيُبْشِرْ فُقَرَاءُ الْمُهَاجِرِينَ بِالْفَوْزِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ قَبْلَ الْأَغْنِيَاءِ بِمِقْدَارِ خَمْسِمِائَةِ عَامٍ هَؤُلَاءِ فِي الْجَنَّةِ يَنْعَمُونَ وَهَؤُلَاءِ يُحَاسَبُونَ.
[ ٨ / ٣٢٩٢ ]
٥٢٥٩ - وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ - ﵁ - قَالَ: «أَمَرَنِي خَلِيلِي بِسَبْعٍ: أَمَرَنِي بِحُبِّ الْمَسَاكِينِ وَالدُّنُوِّ مِنْهُمْ، وَأَمَرَنِي أَنْ أَنْظُرَ إِلَى مَنْ هُوَ دُونِي وَلَا أَنْظُرَ إِلَى مَنْ هُوَ فَوَقِي، وَأَمَرَنِي أَنْ أَصِلَ الرَّحِمَ وَإِنْ أَدْبَرَتْ، وَأَمَرَنِي أَنْ لَا أَسْأَلَ أَحَدًا شَيْئًا، وَأَمَرَنِي أَنْ أَقُولَ بِالْحَقِّ وَإِنْ كَانَ مُرًّا، وَأَمَرَنِي أَنْ لَا أَخَافَ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ، وَأَمَرَنِي أَنْ أُكْثِرَ مِنْ قَوْلِ: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ فَإِنَّهُنَّ مِنْ كَنْزٍ تَحْتَ الْعَرْشِ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ.
_________________
(١) (وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: أَمَرَنِي خَلِيلِي) أَيْ: حَبِيبِي وَرَسُولِي (بِسَبْعٍ) أَيْ: بِسَبْعِ خِلَالٍ (أَمَرَنِي بِحُبِّ الْمَسَاكِينِ وَالدُّنُوِّ مِنْهُمْ)، أَيْ: وَالْقُرْبِ مِنْ حَالِهِمْ، أَوِ التَّقَرُّبِ مِنْ مَآلِهِمْ (وَأَمَرَنِي أَنْ أَنْظُرَ إِلَى مَنْ هُوَ دُونِي) أَيْ: فِي الْأُمُورِ الدُّنْيَوِيَّةِ (وَلَا أَنْظُرُ إِلَى مَنْ هُوَ فَوْقِي)، أَيْ: فِي الْمَالِ وَالْجَاهِ وَالْمَنَاصِبِ الدَّنِيَّةِ (وَأَمَرَنِي أَنْ أَصِلَ الرَّحِمَ وَإِنْ أَدْبَرَتْ)، أَيْ: وَلَّتْ بِأَنْ غَابَتْ أَوْ بَعُدَتْ، وَالْمُرَادُ أَهْلُهَا، وَيُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ: " «صِلُوا أَرْحَامَكُمْ وَلَوْ بِالسَّلَامِ» ". وَقَالَ الطِّيبِيُّ ﵀ أَيْ: وَإِنْ قُطِعَتْ عَلَى مَا وَرَدَ: «صِلْ مَنْ قَطَعَكَ»، وَأَسْنَدَ الْإِدْبَارَ إِلَى الرَّحِمِ مَجَازًا لِأَنَّهُ لِصَاحِبِهَا (وَأَمَرَنِي أَنْ لَا أَسْأَلَ) أَيْ: لَا أَطْلُبَ (أَحَدًا شَيْئًا)، وَمِنْ دُعَاءِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ: اللَّهُمَّ كَمَا صُنْتَ وَجْهِي عَنْ سُجُودِ غَيْرِكَ فَصُنْ وَجْهِي عَنْ مَسْأَلَةِ غَيْرِكَ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ أَحَدًا عَلَى عُمُومِهِ شَاءَ عَلَى مَا قَالَهُ بَعْضُ أَرْبَابِ الْكَمَالِ إِلَهِي كَفَى عِلْمُكَ بِالْحَالِ عَنِ الْمَقَالِ وَكَرَمُكَ عَنِ السُّؤَالِ وَهُوَ الْمَقَامُ الْجَلِيلُ الْمَأْخُوذُ مِنْ حَالِ الْخَلِيلِ حَيْثُ
[ ٨ / ٣٢٩٢ ]
قَالَ لَهُ جِبْرَائِيلُ: أَلَكَ حَاجَةٌ؟ قَالَ: أَمَّا إِلَيْكَ فَلَا. قَالَ فَسَلْ رَبَّكَ. قَالَ: حَسْبِي مِنْ سُؤَالِي عِلْمُهُ بِحَالِي وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى حِكَايَةً عَنْ قَوْلِ أَصْحَابِ الْجَمِيلِ: ﴿حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران: ١٧٣] وَفِي الْحِكَمِ لِابْنِ عَطَاءِ اللَّهِ: رُبَّمَا اسْتَحْيَى الْعَارِفُ أَنْ يَرْفَعَ حَاجَتَهُ إِلَى مَوْلَاهُ اكْتِفَاءً بِمَشِيئَتِهِ فَكَيْفَ لَا يَسْتَحِي أَنْ يَرْفَعَهَا إِلَى خَلِيقَتِهِ؟ (وَأَمَرَنِي أَنْ أَقُولَ الْحَقَّ) أَيْ: أَتَكَلَّمَ بِهِ (وَإِنْ كَانَ مُرًّا)، أَيْ: عَلَى السَّامِعِ أَوْ صَعْبًا عَلَيَّ (وَأَمَرَنِي أَنْ لَا أَخَافَ) أَيْ: ظَاهِرًا أَوْ بَاطِنًا (فِي اللَّهِ) أَيْ: فِي حَقِّهِ أَوْ فِي سَبِيلِهِ وَلِأَجْلِهِ (لَوْمَةَ لَائِمٍ)، مَلَامَةَ أَحَدٍ مِنْ خَلْقِهِ (وَأَمَرَنِي أَنْ أُكْثِرَ مِنْ قَوْلِ لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ)، أَيْ: لِلِاسْتِعَانَةِ عَلَى الطَّاعَةِ وَإِصَابَةِ الْمُصِيبَةِ، وَالِاسْتِعَانَةِ عَلَى دَفْعِ الْمُصِيبَةِ خُصُوصًا الْعُجْبُ وَالْغُرُورُ وَالْمَخِيلَةُ (فَإِنَّهُنَّ) أَيْ: هَذِهِ الْكَلِمَاتُ (مِنْ كَنْزٍ تَحْتَ الْعَرْشِ) . أَيْ: مِنْ جُمْلَةِ كَنْزٍ مَعْنَوِيٍّ مَوْضُوعٍ تَحْتَ عَرْشِ الرَّحْمَنِ لَا يَصِلُ إِلَيْهِ أَحَدٌ إِلَّا بِحَوَلِ اللَّهِ وَقُوَّتِهِ، أَوْ كَنْزٌ مَنْ كَنُوزِ الْجَنَّةِ لِأَنَّ الْعَرْشَ سَقْفُهَا، وَأَبْعَدَ مَنْ قَالَ فَإِنَّهُنَّ أَيِ: الْخِصَالُ السَّبْعُ مِنْ كَنْزٍ تَحْتَ الْعَرْشِ إِذْ لَا طَائِلَ تَحْتَهُ، بَلْ وَرَدَ مِنْ طُرُقٍ كَثِيرَةٍ وَأَخْرَجَهُ السِّتَّةُ عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ، وَأَحْمَدُ وَالْبَزَّارُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَالطَّبَرَانِيُّ عَنْ مُعَاذٍ، وَالنَّسَائِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَأَبِي ذَرٍّ أَيْضًا مَرْفُوعًا: " «قُلْ لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ ; فَإِنَّهَا كَنْزٌ مِنْ كُنُوزِ الْجَنَّةِ» ". وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي مَعْنَاهُ فَقِيلَ: سَمَّى هَذِهِ الْكَلِمَةَ كَنْزًا ; لِأَنَّهَا كَالْكَنْزِ فِي نَفَاسَتِهِ وَصِيَانَتِهِ مِنْ أَعْيُنِ النَّاسِ، أَوْ أَنَّهَا مِنْ ذَخَائِرِ الْجَنَّةِ أَوْ مِنْ مُحَصِّلَاتِ نَفَائِسِ الْجَنَّةِ.
وَقَالَ النَّوَوِيُّ: الْمَعْنَى أَنَّ قَوْلَهَا يَحْصُلُ ثَوَابًا نَفِيسًا يُدَّخَرُ لِصَاحِبِهِ فِي الْجَنَّةِ انْتَهَى. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّهَا كَنْزٌ مِنْ كُنُوزِ الْجَنَّةِ الْعَاجِلَةِ: فَمَنْ قَامَ بِهَا وَأَدْرَكَ مَعْنَاهَا وَاسْتَمَرَّ عَلَى مَبْنَاهَا، فَإِنَّهُ ظَفِرَ بِكَنْزٍ عَظِيمٍ مُشْتَمِلٍ عَلَى كُنُوزٍ لَا يَعْرِفُ كُنْهَهَا وَمُنْتَهَاهَا، فَقَدْ رَوَى الْبَزَّارُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: «كُنْتُ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُلْتُهَا، فَقَالَ: " تَدْرِي مَا تَفْسِيرُهَا؟ " قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: " لَا حَوْلَ عَنْ مَعْصِيَةِ اللَّهِ إِلَّا بِعِصْمَةِ اللَّهِ، وَلَا قُوَّةَ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ إِلَّا بِعَوْنِ اللَّهِ» ". قَالَ النَّوَوِيُّ ﵀: هِيَ كَلِمَةُ اسْتِسْلَامٍ وَتَفْوِيضٍ وَأَنَّ الْعَبْدَ لَا يَمْلِكُ شَيْئًا وَلَيْسَ لَهُ حِيلَةٌ فِي دَفْعِ شَرٍّ وَلَا قُوَّةٌ فِي جَلْبِ خَيْرٍ إِلَّا بِإِرَادَةِ اللَّهِ تَعَالَى انْتَهَى، فَيَكُونُ صَاحِبُهَا فِي مُلْكٍ جَسِيمٍ وَكَنْزٍ عَظِيمٍ حَالَ كَوْنِهِ حَاضِرًا بِقَلْبِهِ مُشَاهِدًا فِعْلَ رَبِّهِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى جَمِيعِ خَلْقِهِ، فَصَحَّ مَا قَالَ بَعْضُ الْعَارِفِينَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن: ٤٦] جَنَّةٌ فِي الدُّنْيَا وَجَنَّةٌ فِي الْعُقْبَى، وَقَالَ بَعْضُ الصُّوفِيَّةِ فِي مَعْنَى قَوْلِ رَابِعَةَ الْعَدَوِيَّةِ: اسْتِغْفَارُنَا يَحْتَاجُ إِلَى اسْتِغْفَارٍ كَثِيرٍ أَرَادَتْ أَنَّ الِاعْتِذَارَ مِنَ الذَّنْبِ مُشْتَمِلٌ عَلَى ذُنُوبٍ كَثِيرَةٍ تَسْتَحِقُّ أَنْ تَكُونَ كَبِيرَةً مِنْ دَعْوَى الْوُجُودِ الْأَصْلِيِّ، وَدَعْوَى الْفِعْلِ الْحَقِيقِيِّ، وَدَعْوَى الِاقْتِدَارِ الِاسْتِقْلَالِيِّ، وَقَدْ قَالَ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِيمَاءً إِلَى نَفْيِ مَا سِوَى اللَّهِ لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ. (رَوَاهُ أَحْمَدُ) .
[ ٨ / ٣٢٩٣ ]
٥٢٦٠ - وَعَنْ عَائِشَةَ - ﵂ - قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - يُعْجِبُهُ مِنَ الدُّنْيَا ثَلَاثَةٌ: الطَّعَامُ وَالنِّسَاءُ، وَالطِّيبُ، فَأَصَابَ اثْنَيْنِ وَلَمْ يُصِبْ وَاحِدًا، أَصَابَ النِّسَاءَ وَالطِّيبَ، وَلَمْ يُصِبِ الطَّعَامَ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ.
_________________
(١) (وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - يُعْجِبُهُ مِنَ الدُّنْيَا ثَلَاثَةٌ) أَيْ: ثَلَاثَةُ أَشْيَاءَ كَمَا فِي رِوَايَةٍ (الطَّعَامُ) أَيْ: حِفْظًا لِبَدَنِهِ وَتَقْوِيَةً عَلَى دِينِهِ (وَالنِّسَاءُ) أَيْ: صَوْنًا لِنَفْسِهِ النَّفِيسَةِ عَنِ الْخَوَاطِرِ الْخَسِيسَةِ (وَالطِّيبُ)، أَيْ: لِتَقْوِيَةِ الدِّمَاغِ الَّذِي هُوَ مَحَلُّ الْعَقْلِ عِنْدَ بَعْضِ الْحُكَمَاءِ (فَأَصَابَ اثْنَيْنِ) أَيْ: شَيْئَيْنِ بِوَصْفِ الْكَثْرَةِ
[ ٨ / ٣٢٩٣ ]
(وَلَمْ يُصِبْ وَاحِدًا، أَصَابَ النِّسَاءَ) أَيْ: حَتَّى بَلَغَ مَسْعَاهُ (وَالطِّيبَ) أَيْ: مِنَ الْخَارِجِ مَعَ أَنَّ عَرَقَهُ كَانَ مِنْ أَفْضَلِ أَنْوَاعِ الطِّيبِ، (وَلَمْ يُصِبِ الطَّعَامَ)، أَيْ: إِلَّا بِوَصْفِ الْقِلَّةِ. فَإِطْلَاقُ النَّفْيِ لِلْمُبَالَغَةِ لِمَا سَبَقَ مِنْ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَشْبَعْ مِنْ خُبْزِ الشَّعِيرِ يَوْمَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ حَتَّى قُبِضَ، وَأَغْرَبَ الطِّيبِيُّ ﵀ فِي قَوْلِهِ أَيْ: لَمْ يُكْثِرْ مِنْ إِصَابَتِهِ إِكْثَارَهُمَا، حَيْثُ أَنَّهُ يُوهِمُ أَنَّهُ وَقَعَ لَهُ إِكْثَارٌ مِنَ الطَّعَامِ أَقَلُّ مِنْ إِكْثَارِ النِّسَاءِ وَالطِّيبِ. (رَوَاهُ أَحْمَدُ) . قَالَ السُّيُوطِيُّ ﵀ فِي تَخْرِيجِ أَحَادِيثِ الشِّفَاءِ: إِسْنَادُهُ صَحِيحٌ إِلَّا أَنَّ فِيهِ رَجُلًا لَمْ يُسَمَّ.
[ ٨ / ٣٢٩٤ ]
٥٢٦١ - وَعَنْ أَنَسٍ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " «حُبِّبَ إِلَيَّ الطِّيبُ وَالنِّسَاءُ، وَجُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلَاةِ» ". رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالنَّسَائِيُّ. وَزَادَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ بَعْدَ قَوْلِهِ (حُبِّبَ إِلَيَّ): " مِنَ الدُّنْيَا ".
_________________
(١) (وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " حُبِّبَ إِلَيَّ " أَيْ: مِنْ دُنْيَاكُمْ كَمَا فِي رِوَايَةٍ (" الطِّيبُ وَالنِّسَاءُ وَجُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلَاةِ ") . كَذَا فِي نُسَخِ الْمِشْكَاةِ بِلَفْظِ: جُعِلَتْ وَكَأَنَّهُ غَيْرُ مَوْجُودٍ فِي أَصْلِ الطِّيبِيِّ ﵀ كَمَا وَرَدَ فِي رِوَايَةٍ أَوْ غَفَلَ عَنْهُ حَيْثُ قَالَ قَوْلُهُ: " قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلَاةِ " جُمْلَةٌ اسْمِيَّةٌ عُطِفَتْ عَلَى جُمْلَةٍ فِعْلِيَّةٍ لِدَلَالَتِهِ عَلَى الثَّبَاتِ وَالدَّوَامِ فِي الثَّانِيَةِ، وَالتَّجَدُّدِ فِي الْأُولَى. قُلْتُ: وَفِيهِ بَحْثٌ إِذِ الْقَوْلُ بِالتَّجَدُّدِ إِنَّمَا هُوَ فِي الْفِعْلِ الْمُضَارِعِ، وَأَمَّا الْمَاضِي فَهُوَ لِلثَّبَاتِ، حَتَّى إِذَا عُبِّرَ عَنِ الْمُضَارِعِ بِالْمَاضِي يُعَلَّلُ بِأَنَّهُ لِتَحَقُّقِهِ كَأَنَّهُ قَدْ وَقَعَ. وَجِيءَ بِالْفِعْلِ الْمَجْهُولِ دَلَالَةً عَلَى أَنَّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ مِنْ جِبِلَّتِهِ وَطَبْعِهِ، وَأَنَّهُ مَجْبُورٌ عَلَى الْحُبِّ رَحْمَةً لِلْعِبَادِ بِخِلَافِ الصَّلَاةِ، فَإِنَّهَا مَحْبُوبَةٌ لِذَاتِهَا، وَمِنْهُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " أَرِحْنَا يَا بِلَالُ " أَيِ: اشْغَلْنَا عَمَّا سِوَاهَا، فَإِنْ تَعِبَ وَكَدَحَ، وَإِنَّمَا الِاسْتِرْوَاحُ فِي الصَّلَاةِ، فَأَرِحْنَا بِنِدَائِكَ بِهَا. (رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالنَّسَائِيُّ) . وَكَذَا الْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي الشُّعَبِ، كَذَا فِي الْجَامِعِ، وَذَكَرَ ابْنُ الرَّبِيعِ فِي مُخْتَصَرِ الْمَقَاصِدِ لِلسَّخَاوِيِّ أَنَّ الطَّبَرَانِيَّ رَوَاهُ فِي الْكَبِيرِ وَالنَّسَائِيُّ فِي سُنَنِهِ بِهَذَا اللَّفْظِ، وَالْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ بِدُونِ لَفْظِ: " جُعِلَتْ " وَقَالَ: إِنَّهُ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ، وَأَمَّا مَا اشْتُهِرَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ زِيَادَةِ: ثَلَاثٌ، فَقَالَ السَّخَاوِيُّ: لَمْ أَقِفْ عَلَيْهِ إِلَّا فِي مَوْضِعَيْنِ مِنَ الْإِحْيَاءِ، وَفِي تَفْسِيرِ آلِ عِمْرَانَ مِنَ الْكَشَّافِ، وَمَا رَأَيْتُهَا فِي شَيْءٍ مِنْ طُرُقِ هَذَا الْحَدِيثِ بَعْدَ مَزِيدِ التَّفْتِيشِ، وَلِذَلِكَ صَرَّحَ الزَّرْكَشِيُّ فَقَالَ: إِنَّهُ لَمْ يَرِدْ فِيهِ لِفَظُ ثَلَاثٍ. قَالَ: وَزِيَادَتُهُ مُحِيلَةٌ لِلْمَعْنَى فَإِنَّ الصَّلَاةَ لَيْسَتْ مِنَ الدُّنْيَا. (وَزَادَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ بَعْدَ قَوْلِهِ: " حُبِّبَ إِلَيَّ مِنَ الدُّنْيَا ") أَيْ: قَوْلُهُ مِنَ الدُّنْيَا مَنْصُوبًا عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولُ زَادَ، وَقَدْ ذَكَرَ الْحَافِظُ السُّيُوطِيُّ فِي الْفَتَاوَى الْحَدِيثِيَّةِ مَسْأَلَةَ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " «حُبِّبَ إِلَيَّ مِنْ دُنْيَاكُمُ النِّسَاءُ وَالطِّيبُ وَجُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلَاةِ» ". لِمَ بَدَأَ بِالنِّسَاءِ وَأَخَّرَ الصَّلَاةَ؟ الْجَوَابُ: لَمَّا كَانَ الْمَقْصُودُ مِنْ سِيَاقِ الْحَدِيثِ مَا أَصَابَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ مَتَاعِ الدُّنْيَا بَدَأَ بِهِ، كَمَا قَالَ فِي الْحَدِيثِ: " «مَا أَصَابَنَا مِنْ دُنْيَاكُمْ هَذِهِ إِلَّا النِّسَاءُ» " وَلَمَّا كَانَ الَّذِي حُبِّبَ إِلَيْهِ مِنْ مَتَاعِ الدُّنْيَا هُوَ أَفْضَلُهَا وَهُوَ النِّسَاءُ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ: " «الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَخَيْرُ مَتَاعِهَا الْمَرْأَةُ الصَّالِحَةُ» " نَاسَبَ أَنْ يَصِلَ إِلَيْهِ بَيَانُ أَفْضَلِ الْأُمُورِ الدِّينِيَّةِ وَذَلِكَ الصَّلَاةُ، فَإِنَّهَا أَفْضَلُ الْعِبَادَاتِ بَعْدَ الْإِيمَانِ، فَكَانَ الْحَدِيثُ عَلَى أُسْلُوبِ الْبَلَاغَةِ مِنْ جَمْعِهِ بَيْنَ أَفْضَلِ أُمُورِ الدُّنْيَا، وَأَفْضَلِ أُمُورِ الدِّينِ، وَفِي ذَلِكَ ضَمُّ الشَّيْءِ إِلَى نَظِيرِهِ، وَعَبَّرَ فِي أَمْرِ الدِّينِ بِعِبَارَةٍ أَبْلَغَ مِمَّا عَبَّرَ بِهِ فِي أَمْرِ الدُّنْيَا عَلَى مُجَرَّدِ التَّحْبِيبِ. وَقَالَ فِي أَمْرِ الدِّينِ: " «جُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي» " فَإِنَّ قُرَّةَ الْعَيْنِ مِنَ التَّعْظِيمِ فِي الْمَحَبَّةِ مَا لَا يَخْفَى انْتَهَى. وَلَعَلَّ السُّكُوتَ عَنِ الطَّعَامِ لِأَنَّهُ تَابِعٌ لِلنِّسَاءِ وُجُودًا وَعَدَمًا عَلَى مَا فِي الرِّوَايَتَيْنِ، ثُمَّ الصَّلَاةُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ مَحْمُولَةٌ عَلَى الْعِبَادَةِ الْمَعْرُوفَةِ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِالصَّلَاةِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ ﵊ وَشَرَفُهُ لَدَيْهِ.
[ ٨ / ٣٢٩٤ ]
٥٢٦٢ - وَعَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ - ﵁ - «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - لَمَّا بَعَثَ بِهِ إِلَى الْيَمَنِ، قَالَ: " إِيَّاكَ وَالتَّنَعُّمَ ; فَإِنَّ عِبَادَ اللَّهِ لَيْسُوا بِالْمُتَنَعِّمِينَ» ". رَوَاهُ أَحْمَدُ.
_________________
(١) (وَعَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا بَعَثَ بِهِ) أَيْ: أَرْسَلَهُ (إِلَى الْيَمَنِ) أَيْ: قَاضِيًا أَوْ وَالِيًا (قَالَ: " إِيَّاكَ وَالتَّنَعُّمَ "): وَهُوَ الْمُبَالَغَةُ فِي تَحْصِيلِ قَضَاءِ الشَّهْوَةِ عَلَى وَجْهِ التَّكَلُّفِ فِي الْبُغْيَةِ بِتَكْثِيرِ النِّعْمَةِ، وَالْحِرْصِ عَلَى النَّهْمَةِ، (" فَإِنَّ عِبَادَ اللَّهِ ") أَيِ الْمُخْلَصِينَ (" لَيْسُوا بِالْمُتَنَعِّمِينَ ") . بَلِ التَّنَعُّمُ مُخْتَصٌّ بِالْكَافِرِينَ وَالْفَاجِرِينَ وَالْغَافِلِينَ وَالْجَاهِلِينَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [الحجر: ٣] وَقَالَ: ﴿وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾ [محمد: ١٢] وَقَالَ: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ﴾ [الواقعة: ٤٥] . (رَوَاهُ أَحْمَدُ) . وَكَذَا الْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ.
[ ٨ / ٣٢٩٥ ]
٥٢٦٣ - وَعَنْ عَلِيٍّ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " «مَنْ رَضِيَ مِنَ اللَّهِ بِالْيَسِيرِ مِنَ الرِّزْقِ رَضِيَ اللَّهُ مِنْهُ بِالْقَلِيلِ مِنَ الْعَمَلِ» ".
_________________
(١) (وَعَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " مَنْ رَضِيَ مِنَ اللَّهِ بِالْيَسِيرِ مِنَ الرِّزْقِ ") أَيْ: مَنْ قَنَعَ، مِنْهُ بِقَلِيلٍ مِنَ الطَّعَامِ (" رَضِيَ اللَّهُ مِنْهُ ") وَفِي نُسْخَةٍ: عَنْهُ (" بِالْقَلِيلِ "): وَفِي نُسْخَةٍ: بِالْيَسِيرِ (" مِنَ الْعَمَلِ ") . أَيْ: مِنَ الطَّاعَةِ، وَفِي حَدِيثٍ رَوَاهُ ابْنُ عَسَاكِرَ عَنْ عَائِشَةَ: مَنْ رَضِيَ عَنِ اللَّهِ ﵁. فَإِنْ قُلْتَ: هَذَا الْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ رِضَا الْعَبْدِ مُقَدَّمٌ، وَفِي قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [المائدة: ١١٩] إِيمَاءٌ إِلَى أَنَّ رِضَا الْعَبْدِ مُتَأَخِّرٌ. قُلْتُ: التَّحْقِيقُ أَنَّ رِضَا الْعَبْدِ مَحْفُوفٌ بِرِضَاءَيْنِ. مِنَ اللَّهِ رِضًا أَزَلِيٌّ تَعَلَّقَ بِهِ الْعِلْمُ الْأَوَّلِيُّ، وَرِضًا أَبَدِيٌّ تَعَلَّقَ بِعَمَلِ الْعَبْدِ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الْجَزَاءُ الْأُخْرَوِيُّ، وَفِي الْحَقِيقَةِ رِضَا الْعَبْدِ إِنَّمَا هُوَ أَثَرُ رِضَا اللَّهِ عَنْهُ أَوَّلًا. وَأَمَّا رِضَا اللَّهِ آخِرًا فَإِنَّمَا هُوَ غَايَةُ الرِّضَا الذَّاتِيِّ مِنَ النَّعْتِ الصِّفَاتِيِّ، وَهُوَ الْإِحْسَانُ وَالْإِنْعَامُ، وَكَذَلِكَ الْقَوْلُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة: ٥٤] وَقَوْلِهِ: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١] .
[ ٨ / ٣٢٩٥ ]
٥٢٦٤ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " «مَنْ جَاعَ أَوِ احْتَاجَ، فَكَتَمَهُ النَّاسُ كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ ﷿ أَنْ يَرْزُقَهُ رِزْقَ سَنَةٍ مِنْ حَلَالٍ» ". رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي (شُعَبِ الْإِيمَانِ) .
_________________
(١) (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " مَنْ جَاعَ ") أَيْ: فِي نَفْسِهِ بِالْفِعْلِ (" أَوِ احْتَاجَ ")، أَيْ: إِلَى مَا يَدْفَعُ الْجُوعَ أَوْ غَيْرَهُ فَأَوْ لِلتَّنْوِيعِ (" فَكَتَمَهُ النَّاسُ ") . قِيلَ أَيْ: مِنَ النَّاسِ فَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الرِّوَايَةَ بِتَخْفِيفِ التَّاءِ، وَأَنَّهُ مُتَعَدٍّ إِلَى وَاحِدٍ، فَنَصَبَ النَّاسَ عَلَى نَزْعِ الْخَافِضِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ الرِّوَايَةُ بِتَشْدِيدِهَا، وَأَنَّهُ حِينَئِذٍ مُتَعَدٍّ إِلَى اثْنَيْنِ عَلَى مَا فِي الْقَامُوسِ كَتَمَهُ كَتْمًا وَكِتْمَانًا وَكَتَمَهُ إِيَّاهُ. (" كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ ﷿ ") أَيْ: وَعْدًا ثَابِتًا عَلَيْهِ أَوْ أَمْرًا لَازِمًا لَدَيْهِ (" أَنْ يَرْزُقَهُ رِزْقَ سَنَةٍ مِنْ حَلَالٍ ") . وَالْمُرَادُ بِالْجُوعِ جُوعٌ يُتَصَوَّرُ مَعَهُ الصَّبْرُ، وَيَجُوزُ فِيهِ الْكِتْمَانُ، وَإِلَّا فَقَدْ صَرَّحَ الْعُلَمَاءُ بِأَنَّ الشَّخْصَ إِذَا مَاتَ جُوعًا وَلَمْ يَسْأَلْ أَوْ لَمْ يَأْكُلْ وَلَوْ مِنَ الْمَيْتَةِ يَمُوتُ عَاصِيًا. (رَوَاهُ) أَيَ: الْحَدِيثَيْنِ (الْبَيْهَقِيُّ فِي " شُعَبِ الْإِيمَانِ ") .
[ ٨ / ٣٢٩٥ ]
٥٢٦٥ - وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " «إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ عَبْدَهُ الْمُؤْمِنَ الْفَقِيرَ الْمُتَعَفِّفَ أَبَا الْعِيَالِ» ". (رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ) .
_________________
(١) (وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " «إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ عَبْدَهُ الْمُؤْمِنَ الْفَقِيرَ الْمُتَعَفِّفَ أَبَا الْعِيَالِ» ") . الْمَعْنَى أَنَّهُ مَعَ كَوْنِهِ صَاحِبَ الْعِيَالِ وَفَقِيرَ الْحَالِ وَكَسِيرَ الْبَالِ تَعَفَّفَ عَنِ السُّؤَالِ، فَهُوَ الْمُؤْمِنُ عَلَى وَجْهِ الْكَمَالِ، فَلِذَا أَحَبَّهُ ذُو الْجَلَالِ وَالْجَمَالِ. (رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ) .
[ ٨ / ٣٢٩٦ ]
٥٢٦٦ - وَعَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ - ﵁ - قَالَ: اسْتَسْقَى يَوْمًا عُمَرُ، فَجِيءَ بِمَاءٍ قَدْ شِيبَ بِعَسَلٍ، فَقَالَ: إِنَّهُ لِطَيِّبٌ، أَسْمَعُ اللَّهَ ﷿ نَعَى عَلَى قَوْمٍ شَهَوَاتِهِمْ فَقَالَ: ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا﴾ [الأحقاف: ٢٠] فَأَخَافُ أَنْ تَكُونَ حَسَنَاتُنَا عُجِّلَتْ لَنَا، فَلَمْ يَشْرَبْهُ. رَوَاهُ رَزِينٌ.
_________________
(١) (وَعَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ)، قَالَ الْمُؤَلِّفُ: يُكَنَّى أَبَا أُسَامَةَ مَوْلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، مَدَنِيٌّ مِنْ أَكَابِرِ التَّابِعِينَ، سَمِعَ جَمَاعَةً مِنَ الصَّحَابَةِ، وَرَوَى عَنْهُ الثَّوْرِيُّ، وَأَيُّوبُ السِّخْتِيَانِيُّ، وَمَالِكٌ، وَابْنُ عُيَيْنَةَ، مَاتَ سَنَةَ سِتٍّ وَثَلَاثِينَ وَمِائَةٍ. (قَالَ: اسْتَسْقَى) أَيْ: طَلَبَ الْمَاءَ (يَوْمًا عُمَرُ، فَجِيءَ بِمَاءٍ قَدْ شِيبَ): بِكَسْرِ أَوَّلِهِ أَيْ: خُلِطَ (بِعَسَلٍ، قَالَ: إِنَّهُ) أَيْ: مَاءُ الْعَسَلِ (لَطَيِّبٌ)، أَيْ: طَعْمًا وَشَرْعًا وَرَفْعًا وَنَفْعًا (لَكِنَّنِي أَسْمَعُ اللَّهَ ﷿): قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: مُسْتَدْرَكٌ عَنْ مُقَدَّرٍ يَعْنِي أَنَّهُ لَطَيِّبٌ أَشْتَهِيهِ لَكِنِّي أُعْرِضُ عَنْهُ، لِأَنِّي سَمِعْتُ اللَّهَ ﷿ (نَعَى) أَيْ: عَابَ (عَلَى قَوْمٍ شَهَوَاتِهِمْ) أَيِ: اسْتِيفَاءَهَا (فَقَالَ: أَذْهَبْتُمْ: بِهَمْزَةِ إِنْكَارٍ مُقَدَّرَةٍ وَهِيَ فِي قِرَاءَةٍ مَوْجُودَةٌ طَيِّبَاتِكُمْ أَيْ: أَخَذْتُمْ لَذَّاتِكُمْ ﴿فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا﴾ [الأحقاف: ٢٠] أَيْ: فِي مُدَّةِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَوِيَّةِ الدَّنِيَّةِ ﴿وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا﴾ [الأحقاف: ٢٠] أَيْ: مُتَابَعَةً لِلشَّهَوَاتِ النَّفْسِيَّةِ وَمَا تَرَكْتُمْ شَيْئًا مِنْ ذَخِيرَةٍ لِلدَّارِ الْآخِرَةِ، (فَأَخَافُ أَنْ تَكُونَ حَسَنَاتُنَا) أَيْ: مَثُوبَاتُهَا (عُجِّلَتْ بِنَا)، قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: أَيْ ثَوَابُ حَسَنَاتِنَا الَّتِي نَعْمَلُهَا نَسْتَوْفِيهَا فِي الدُّنْيَا قَبْلَ الْآخِرَةِ. قَالَ تَعَالَى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا﴾ [الإسراء: ١٨] قُلْتُ: الْآيَتَانِ وَإِنْ كَانَتَا أُنْزِلَتَا فِي الْكُفَّارِ، لَكِنَّ الْعِبْرَةَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لَا بِخُصُوصِ السَّبَبِ، (فَلَمْ يَشْرَبْهُ) . أَيْ: لَمْ يَشْرَبْ عُمَرُ ذَلِكَ الْمَاءَ تَوَرُّعًا وَمُخَالَفَةً لِلنَّفْسِ وَالْهَوَى. (رَوَاهُ رَزِينٌ) .
[ ٨ / ٣٢٩٦ ]
٥٢٦٧ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ - ﵄ - قَالَ: مَا شَبِعْنَا مِنْ تَمْرٍ حَتَّى فَتَحْنَا خَيْبَرَ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
_________________
(١) (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: مَا شَبِعْنَا) أَيْ: أَهْلُ بَيْتِ عُمَرَ، أَوْ نَحْنُ مَعْشَرَ الصَّحَابَةِ مَعَهُ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَهُوَ الْأَظْهَرُ (حَتَّى فَتَحْنَا خَيْبَرَ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) .
[ ٨ / ٣٢٩٦ ]