الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
٥٥١٦ - عَنْ أَنَسٍ - ﵁ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: " «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى لَا يُقَالَ فِي الْأَرْضِ: اللَّهُ اللَّهُ» "، وَفِي رِوَايَةٍ: قَالَ: " «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ عَلَى أَحَدٍ يَقُولُ: اللَّهُ اللَّهُ» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
_________________
(١) - بَابُ لَا تَقُومُ السَّاعَةُ إِلَّا عَلَى شِرَارِ النَّاسِ رُوِيَ بِتَنْوِينِ بَابٍ، وَبِالْإِضَافَةِ إِلَى الْجُمْلَةِ، وَاقْتَصَرَ عَلَى الْأَوَّلِ أَصْلُ السَّيِّدِ، وَالطِّيبِيُّ عَلَى الثَّانِي ; حَيْثُ قَالَ: هَذِهِ الْجُمْلَةُ مَحْكِيَّةٌ مُضَافٌ إِلَيْهَا تَرْجَمَةُ الْبَابِ، وَهُوَ مِنْ بَابِ تَسْمِيَةِ الشَّيْءِ بِالْجُمَلِ عَلَى سَبِيلِ الْحِكَايَةِ، كَمَا سَمَّوْا: بِتَأَبَّطَ شَرًّا، وَبَرَقَ نَحْرُهُ، وَشَابَ قَرْنَاهَا، وَكَمَا لَوْ سُمِّيَ بِـ (زَيْدُ مُنْطَلَقٌ أَوْ بَيْتُ شِعْرٍ) . الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
(٢) عَنْ أَنَسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: " «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى لَا يُقَالَ فِي الْأَرْضِ: اللَّهُ اللَّهُ» ": بِالرَّفْعِ فِيهِمَا وَكُرِّرَ لِلتَّأْكِيدِ، وَقِيلَ: تَكْرِيرُهُ عِبَارَةٌ عَنْ تَكْثِيرِ ذِكْرِهِ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ: اللَّهُ حَسْبِي، أَوْ هُوَ الْمَعْبُودُ، فَالْأَوَّلُ مُبْتَدَأٌ، وَالثَّانِي خَبَرٌ، وَفِي نُسْخَةٍ بِنَصْبِهِمَا. قَالَ شَارِحٌ: قَوْلُهُ: (اللَّهُ اللَّهُ) بِالرَّفْعِ مُبْتَدَأٌ أَوْ خَبَرٌ أَيِ: اللَّهُ هُوَ الْمُسْتَحِقُّ لِلْعِبَادَةِ لَا غَيْرُهُ، وَإِنْ رُوِيَا بِالنَّصْبِ، فَعَلَى التَّحْذِيرِ أَيِ: اتَّقُوا اللَّهَ وَاعْبُدُوهُ، فَعَلَى هَذَا مَعْنَاهُ: لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى لَا يَبْقَى فِي الْأَرْضِ مُسْلِمٌ يُحَذِّرُ النَّاسَ مِنَ اللَّهِ، وَقِيلَ: أَيْ لَا يَذْكُرُ اللَّهَ فَلَا يَبْقَى حِكْمَةٌ فِي بَقَاءِ النَّاسِ، وَمِنْ هَذَا يُعْرَفُ أَنَّ بَقَاءَ الْعَالَمِ بِبَرَكَةِ الْعُلَمَاءِ الْعَامِلِينَ، وَالْعُبَّادِ الصَّالِحِينَ، وَعُمُومِ الْمُؤْمِنِينَ، وَهُوَ الْمُرَادُ بِمَا قَالَهُ الطِّيبِيُّ ﵀، مَعْنَى (حَتَّى لَا يُقَالَ) حَتَّى لَا يُذْكَرَ اسْمُ اللَّهِ وَلَا يُعْبَدَ، وَإِلَيْهِ يُنْظَرُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا﴾ [آل عمران: ١٩١]، يَعْنِي: مَا خَلَقْتَهُ خَلْقًا بَاطِلًا بِغَيْرِ حِكْمَةٍ، بَلْ خَلَقْتَهُ لِأَذْكُرَ وَأَعْبُدَ، فَإِذَا لَمْ يُذْكَرْ وَلَمْ يُعْبَدْ ; فَبِالْحَرِيِّ أَنْ يُخَرِّبَ وَتَقُومَ السَّاعَةُ. وَقَالَ الْمُظْهِرُ: هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ بَرَكَةَ الْعُلَمَاءِ وَالصُّلَحَاءِ تَصِلُ إِلَى مَنْ فِي الْعَالَمِ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَغَيْرِهِمَا مِنَ الْحَيَوَانَاتِ وَالْجَمَادَاتِ وَالنَّبَاتَاتِ، وَفِي رِوَايَةٍ: («لَا تَقُومُ السَّاعَةُ عَلَى أَحَدٍ يَقُولُ اللَّهُ اللَّهُ»): بِالْوَجْهَيْنِ فِيهِمَا (رَوَاهُ مُسْلِمٌ)، وَكَذَا أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ.
[ ٨ / ٣٥٠٠ ]
٥٥١٧ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: " «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ إِلَّا عَلَى شِرَارِ الْخَلْقِ» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
_________________
(١) (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ إِلَّا عَلَى شِرَارِ الْخَلْقِ» "): بِكَسْرِ الشِّينِ جَمْعُ الشَّرِّ. قَالَ الطِّيبِيُّ - ﵀: فَإِنْ قِيلَ: مَا وَجْهُ التَّوْفِيقِ بَيْنَ هَذَا الْحَدِيثِ وَالْحَدِيثِ السَّابِقِ: («لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي يُقَاتِلُونَ عَلَى الْحَقِّ ظَاهِرِينَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ»)؟ قُلْنَا: السَّابِقُ مُسْتَغْرِقٌ لِلْأَزْمِنَةِ عَامٌّ فِيهَا، وَالثَّانِي مُخَصِّصٌ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ)، وَرَوَى أَبُو يَعْلَى فِي مُسْنَدِهِ، وَالْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ مَرْفُوعًا: («لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى لَا يُحَجَّ الْبَيْتُ») . وَرَوَى السِّجْزِيُّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَفْعَهُ: («لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يُرْفَعَ الرُّكْنُ وَالْقُرْآنُ») .
[ ٨ / ٣٥٠١ ]
٥٥١٨ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: " «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَضْطَرِبَ أَلَيَاتُ نِسَاءِ دَوْسٍ حَوْلَ ذِي الْخَلَصَةِ ". وَذُو الْخَلَصَةِ: طَاغِيَةُ دَوْسٍ الَّتِي كَانُوا يَعْبُدُونَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
_________________
(١) (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَضْطَرِبَ ") أَيْ: تَتَحَرَّكَ (" أَلَيَاتُ نِسَاءِ دَوْسٍ "): بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ قَبِيلَةٌ مِنَ الْيَمَنِ، وَالْأَلَيَاتُ بِفَتْحَتَيْنِ جَمْعُ أَلْيَةٍ بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ، وَهِيَ فِي الْأَصْلِ اللُّحْمَةُ الَّتِي تَكُونُ فِي أَصْلِ الْعُضْوِ، وَقِيلَ هِيَ اللُّحْمَةُ الْمُشْرِفَةُ عَلَى الظَّهْرِ وَالْفَخِذِ، وَهِيَ لَحْمُ الْمَقْعَدِ، وَالْمَعْنَى حَتَّى يَرْتَدُّوا فَتَطُوفَ نِسَاؤُهُمْ (حَوْلَ ذِي الْخَلَصَةِ): بِفَتْحِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَاللَّامِ (وَذُو الْخَلَصَةِ طَاغِيَةُ دَوْسٍ) أَيْ: صَنَمُهُمْ، وَقَالَ شَارِحٌ: أَيْ أَصْنَامُهُمُ (الَّتِي كَانُوا) أَيْ: دَوْسٌ (يَعْبُدُونَ) أَيْ: يَعْبُدُونَهَا (فِي الْجَاهِلِيَّةِ) أَيْ: قَبْلَ الْمِلَّةِ الْحَنِيفِيَّةِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا تَفْسِيرٌ مِنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَوْ غَيْرِهِ مِنَ الرُّوَاةِ. وَفِي النِّهَايَةِ: هُوَ بَيْتٌ كَانَ فِيهِ صَنَمٌ لِدَوْسٍ، وَخَثْعَمٍ، وَبَجِيلَةَ وَغَيْرِهِمْ، وَقِيلَ: ذُو الْخَلَصَةِ الْكَعْبَةُ الْيَمَانِيَةُ الَّتِي كَانَتْ بِالْيَمَنِ، فَأَنْفَذَ إِلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَرِيرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ فَخَرَّبَهَا، وَقِيلَ: ذُو الْخَلَصَةِ اسْمُ الصَّنَمِ نَفْسُهُ، وَفِيهِ نَظَرٌ ; لِأَنَّ ذُو لَا يُضَافُ إِلَّا إِلَى اسْمِ الْجِنْسِ، وَالْمَعْنَى أَنَّهُمْ يَرْتَدُّونَ إِلَى جَاهِلِيَّتِهِمْ فِي عِبَادَةِ الْأَوْثَانِ، فَتَسْعَى نِسَاءُ بَنِي دَوْسٍ طَائِفَاتٍ حَوْلَ ذِي الْخَلَصَةِ، فَتَرْتَجُّ أَعْجَازُهُنَّ مُضْطَرِبَةً أَلَيَاتُهُنَّ، كَمَا كَانَتْ عَادَتُهُنَّ فِي الْجَاهِلِيَّةِ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
[ ٨ / ٣٥٠١ ]
٥٥١٩ - وَعَنْ عَائِشَةَ - ﵂ - قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يَقُولُ: " «لَا يَذْهَبُ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ حَتَّى يُعْبَدَ اللَّاتُ وَالْعُزَّى ". فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنْ كُنْتُ لَأَظُنُّ حِينَ أَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: ٣٣] أَنَّ ذَلِكَ تَامًّا قَالَ: إِنَّهُ سَيَكُونُ مِنْ ذَلِكَ مَا شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ يَبْعَثُ اللَّهُ رِيحًا طَيِّبَةً، فَتُوُفِّيَ كُلُّ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ ; فَيَبْقَى مَنْ لَا خَيْرَ فِيهِ، فَيَرْجِعُونَ إِلَى دِينِ آبَائِهِمْ» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
_________________
(١) (وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يَقُولُ: " لَا يَذْهَبُ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ ") أَيْ: لَا تَقُومُ السَّاعَةُ (حَتَّى يَعْبُدَ): بِالتَّذْكِيرِ وَجُوزَ تَأْنِيثُهُ (اللَّاتُ): صَنَمٌ لِثَقِيفٍ (وَالْعُزَّى): بِضَمِّ عَيْنٍ فَتَشْدِيدِ زَايٍ صَنَمٌ لِغَطَفَانَ، (فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنْ كُنْتُ لَأَظُنَّ): إِنْ هِيَ الْمُخَفَّفَةُ مِنَ الْمُثَقَّلَةِ وَاللَّامُ هِيَ الْفَارِقَةُ. قَالَ الْمُظْهِرُ: تَقْدِيرُهُ أَنَّهُ كُنْتُ لَأَظُنُّ يَعْنِي أَنَّ الشَّأْنَ كُنْتُ لَأَحْسَبُ (حِينَ أَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى﴾ [التوبة: ٣٣] أَيْ: بِالتَّوْحِيدِ وَدِينِ الْحَقِّ أَيْ: وَبِالشَّرِيعَةِ الثَّابِتَةِ، وَلَمَّا كَانَ مُؤَدَّاهُمَا وَاحِدًا أُفْرِدَ الضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ: لِيُظْهِرَهُ أَيْ: لِيُعْلِيَهُ وَيُغَلِّبَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ أَيْ: عَلَى الْأَدْيَانِ جَمِيعِهَا، بَاطِلِهَا بَرَدِّهَا، وَحَقِّهَا بِنَسْخِهَا وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ أَيْ: مَا عَلَيْهِ الْمُوَحِّدُونَ الْمُخْلِصُونَ (أَنَّ ذَلِكَ): بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ مَفْعُولٌ لِأَظُنُّ، وَحِينَ أَنْزَلَ اللَّهُ: ظَرْفٌ لَهُ، أَيْ: كُنْتُ أَظُنُّ حِينَ إِنْزَالِ تِلْكَ الْآيَةِ أَنَّ ذَلِكَ الْحُكْمَ الْمَذْكُورَ الْمُسْتَفَادَ مِنْهَا يَكُونُ (تَامًّا) أَيْ: عَامِلًا كَامِلًا شَامِلًا لِلْأَزْمِنَةِ كُلِّهَا، فَنَصْبُهُ بِالْكَوْنِ الْمُقَدَّرِ، وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ تَامٌّ بِالرَّفْعِ، وَالْمَعْنَى أَنَّ مَا ذُكِرَ مِنْ عِبَادَةِ الْأَصْنَامِ قَدْ تَمَّ وَاخْتُتِمَ وَغَدَا، وَلَا يَكُونُ بَعْدَ ذَلِكَ أَبَدًا.
[ ٨ / ٣٥٠١ ]
(قَالَ) أَيِ: النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (إِنَّهُ) أَيِ: الشَّأْنُ (سَيَكُونُ مِنْ ذَلِكَ) أَيْ: بَعْضُ مَا ذُكِرَ مِنْ تَمَامِ الدِّينِ وَنُقْصَانِ الْكُفْرِ، وَأَغْرَبَ شَارِحٌ حَيْثُ قَالَ: مِنْ ذَلِكَ أَيْ: مِنْ عِبَادَةِ الْأَصْنَامِ، (مَا شَاءَ اللَّهُ) أَيْ: مُدَّةَ مَشِيئَتِهِ، وَبَيَّنَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: (ثُمَّ يَبْعَثُ اللَّهُ رِيحًا طَيِّبَةً) أَيْ: يُشَمُّ مِنْهَا رَائِحَةُ الْوِصَالِ (فَتُوَفَّى): بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيْ: فَقُبِضَ (كُلُّ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ)، وَفِي نُسْخَةٍ بِصِيغَةِ الْفَاعِلِ عَلَى أَنَّهُ حُذِفَ مِنْهُ إِحْدَى التَّاءَيْنِ أَيْ: تَتَوَفَّى عَلَى إِسْنَادِ التَّوَفِّي إِلَى الرِّيحِ مَجَازًا، فَيَكُونُ كُلُّ مَنْصُوبًا عَلَى الْمَفْعُولِيَّةِ، وَالْمَعْنَى: تُمِيتُ كُلَّ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ (مِثْقَالُ حَبَّةٍ) أَيْ: مِقْدَارُ خَرْدَلٍ، فَقَوْلُهُ: (مِنْ خَرْدَلٍ): بَيَانٌ لِحَبَّةٍ، وَقَوْلُهُ: (مِنْ إِيمَانٍ): بَيَانٌ لِمِثْقَالٍ، وَالْمُرَادُ مِنْهُ أَنْ يَكُونَ فِي قَلْبِهِ مِنَ الْعَقَائِدِ الدِّينِيَّةِ أَقَلُّ مَا يَجِبُ عَلَيْهِ مِنَ التَّصْدِيقِ الْقَلْبِيِّ وَالْيَقِينِ بِالْأُمُورِ الْإِجْمَالِيَّةِ، فَلَيْسَ فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى تَصَوُّرِ الزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ فِي نَفْسِ الْإِيمَانِ وَحَقِيقَةِ الْإِيقَانِ، كَمَا لَا يَخْفَى عَلَى أَهْلِ الْعِرْفَانِ، (فَيَبْقَى مَنْ لَا خَيْرَ فِيهِ) أَيْ: لَا إِسْلَامَ وَلَا إِيمَانَ، وَلَا قُرْآنَ وَلَا حَجَّ، وَلَا سَائِرَ الْأَرْكَانِ، وَلَا عُلَمَاءَ الْأَعْيَانِ، (فَيَرْجِعُونَ إِلَى دِينِ آبَائِهِمْ) أَيِ: الْأَوَّلِينَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ الْجَاهِلِينَ الضَّالِّينَ الْمُضِلِّينَ، فَرُوعِيَ لَفْظُ مَنْ فِي ضَمِيرِ فِيهِ، وَمَعْنَاهُ فِي قَوْلِهِ: فَيَرْجِعُونَ، كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٨] هَذَا، وَقَالَ الطِّيبِيُّ - ﵀: قَوْلُهُ: تَامًّا هُوَ بِالرَّفْعِ فِي الْحُمَيْدِيِّ عَلَى أَنَّهُ خَبَرُ إِنَّ، وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ وَشَرْحِ النَّسَائِيِّ بِالنَّصْبِ، فَعَلَى هَذَا هُوَ إِمَّا حَالٌ، وَالْعَامِلُ اسْمُ الْإِشَارَةِ، وَالْخَبَرُ مَحْذُوفٌ، أَوْ خَبَرٌ لِكَانَ الْمُقَدَّرِ أَيْ: ظَنَنْتُ مِنْ مَفْهُومِ الْآيَةِ أَنَّ مِلَّةَ الْإِسْلَامِ ظَاهِرَةٌ عَلَى الْأَدْيَانِ كُلِّهَا غَالِبَةٌ عَلَيْهَا غَيْرُ مَغْلُوبَةٍ، فَكَيْفَ يُعْبَدُ اللَّاتُ وَالْعُزَّى؟ وَجَوَابُهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِقَوْلِهِ: فَتُوَفَّى كُلُّ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ، نَظِيرُ قَوْلِهِ: «إِنَّ اللَّهَ لَا يَقْبِضُ الْعِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ مِنَ الْعِبَادِ، وَلَكِنْ يَقْبِضُ الْعِلْمَ بِقَبْضِ الْعُلَمَاءِ، حَتَّى إِذَا لَمْ يُبْقِ عَالِمًا اتَّخَذَ النَّاسُ رُؤَسَاءَ جُهَّالًا» الْحَدِيثَ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
[ ٨ / ٣٥٠٢ ]
٥٥٢٠ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو - ﵄ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: " «يَخْرُجُ الدَّجَّالُ فَيَمْكُثُ أَرْبَعِينَ " لَا أَدْرِي أَرْبَعِينَ يَوْمًا أَوْ شَهْرًا أَوْ عَامًا " فَيَبْعَثُ اللَّهُ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ كَأَنَّهُ عُرْوَةُ بْنُ مَسْعُودٍ فَيَطْلُبُهُ فَيُهْلِكُهُ، ثُمَّ يَمْكُثُ فِي النَّاسِ سَبْعَ سِنِينَ، لَيْسَ بَيْنَ اثْنَيْنِ عَدَاوَةٌ، ثُمَّ يُرْسِلُ اللَّهُ رِيحًا بَارِدَةً مِنْ قِبَلِ الشَّامِ فَلَا يَبْقَى عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ أَحَدٌ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ خَيْرٍ أَوْ إِيمَانٍ إِلَّا قَبَضَتْهُ، حَتَّى لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ دَخَلَ فِي كَبِدِ جَبَلٍ لَدَخَلَتْهُ عَلَيْهِ حَتَّى تَقْبِضَهُ "، قَالَ: " فَيَبْقَى شِرَارُ النَّاسِ فِي خِفَّةِ الطَّيْرِ وَأَحْلَامِ السِّبَاعِ، لَا يَعْرِفُونَ مَعْرُوفًا وَلَا يُنْكِرُونَ مُنْكَرًا، فَيَتَمَثَّلُ لَهُمُ الشَّيْطَانُ، فَيَقُولُ: أَلَا تَسْتَجِيبُونَ؟ فَيَقُولُونَ: فَمَا تَأْمُرُنَا؟ فَيَأْمُرُهُمْ بِعِبَادَةِ الْأَوْثَانِ، وَهُمْ فِي ذَلِكَ دَارٌّ رِزْقُهُمْ، حَسَنٌ عَيْشُهُمْ، ثُمَّ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ، فَلَا يَسْمَعُهُ أَحَدٌ إِلَّا أَصْغَى لِيتًا، وَرَفَعَ لِيتًا " قَالَ: " وَأَوَّلُ مَنْ يَسْمَعُهُ رَجُلٌ يَلُوطُ حَوْضَ إِبِلِهِ فَيَصْعَقُ، وَيَصْعَقُ النَّاسُ، ثُمَّ يُرْسِلُ اللَّهُ مَطَرًا كَأَنَّهُ الطَّلُّ، فَيَنْبُتُ مِنْهُ أَجْسَادُ النَّاسِ، ثُمَّ يُنْفَخُ فِيهِ أُخْرَى، فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ ثُمَّ يُقَالُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ! هَلُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ، ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ﴾ [الصافات: ٢٤] فَيُقَالُ: أَخْرِجُوا بَعْثَ النَّارِ، فَيُقَالُ: مِنْ كَمْ كَمْ؟ فَيُقَالُ: مِنْ كُلِّ أَلْفٍ تِسْعَمِائَةٍ وَتِسْعَةً وَتِسْعِينَ " قَالَ: " فَذَلِكَ يَوْمَ يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا، وَذَلِكَ يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَذُكِرَ حَدِيثُ مُعَاوِيَةَ: " «لَا تَنْقَطِعُ الْهِجْرَةُ» " فِي بَابِ التَّوْبَةِ.
_________________
(١) (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو): بِالْوَاوِ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: يَخْرُجُ الدَّجَّالُ فَيَمْكُثُ أَرْبَعِينَ): وَأَبْهَمَهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِحِكْمَةٍ فِي تَرْكِ التَّمْيِيزِ، أَوْ نَسِيَهُ الرَّاوِي ; وَلِذَا قَالَ: لَا أَدْرِي أَرْبَعِينَ يَوْمًا أَوْ شَهْرًا أَوْ عَامًا)، قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ - ﵀: لَا أَدْرِي إِلَى قَوْلِهِ: فَيَبْعَثُ اللَّهُ مِنْ قَوْلِ الصَّحَابِيِّ، أَيْ: لَمْ يَزِدْنِي النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى أَرْبَعِينَ شَيْئًا يُبَيِّنُ الْمُرَادَ مِنْهَا ; فَلَا أَدْرِي أَيًّا أَرَادَ بِهَذِهِ الثَّلَاثَةِ، (فَيَبْعَثُ اللَّهُ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ) أَيْ: فَيَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ (كَأَنَّهُ) أَيْ: فِي الصُّورَةِ (عُرْوَةُ بْنُ مَسْعُودٍ) أَيِ: الثَّقَفِيُّ، شَهِدَ صُلْحَ الْحُدَيْبِيَةِ كَافِرًا، وَقَدِمَ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَنَةَ تِسْعٍ بَعْدَ عَوْدِهِ مِنَ الطَّائِفِ وَأَسْلَمَ، ثُمَّ عَادَ إِلَى قَوْمِهِ وَدَعَاهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ فَقَتَلُوهُ، وَقِيلَ: هُوَ أَخُو عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ وَلَيْسَ بِشَيْءٍ، (فَيَطْلُبُهُ) أَيْ: عِيسَى الدَّجَّالَ (فَيُهْلِكُهُ) أَيْ: بِحَرْبَةٍ (ثُمَّ يَمْكُثُ فِي النَّاسِ سَبْعَ سِنِينَ)، تَقَدَّمَ مَا وَرَدَ خِلَافُهُ، (لَيْسَ بَيْنَ اثْنَيْنِ عَدَاوَةٌ): يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ قَيْدًا لِلْعَدَدِ، فَلَا يُنَافِيهِ مَا سَبَقَ مِنَ الزِّيَادَةِ، وَيُؤَيِّدُهُ التَّرَاخِي الْمَفْهُومُ مِنْ قَوْلِهِ: (ثُمَّ يُرْسِلُ اللَّهُ رِيحًا بَارِدَةً مِنْ قِبَلِ الشَّامِ): بِكَسْرٍ فَفَتْحٍ أَيْ: جَانِبِهِ (فَلَا يَبْقَى عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ أَحَدٌ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ خَيْرٍ أَوْ إِيمَانٍ): الظَّاهِرُ أَنَّ أَوْ لِلشَّكِّ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ لِلتَّخْيِيرِ فِي التَّعْبِيرِ، (إِلَّا قَبَضَتْهُ): إِلَّا أَخَذَتْ رُوحَهُ تِلْكَ الرِّيحُ (حَتَّى لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ دَخَلَ) أَيْ: فَرْضًا وَتَقْدِيرًا عَلَى
[ ٨ / ٣٥٠٢ ]
الْمُبَالَغَةُ (فِي كَبِدِ جَبَلٍ) أَيْ: وَسَطَهُ وَجَوْفَهُ، وَمِنْهُ كَبِدُ السَّمَاءِ وَسَطُهَا (لَدَخَلَتْهُ) أَيْ: كَبِدَ الْجَبَلِ (عَلَيْهِ) أَيْ: عَلَى أَحَدِكُمْ (حَتَّى تَقْبِضَهُ) . قَالَ: (فَيَبْقَى شِرَارُ النَّاسِ فِي خِفَّةِ الطَّيْرِ): بِكَسْرِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَتَشْدِيدِ الْفَاءِ. قَالَ الْقَاضِي - ﵀: الْمُرَادُ بِخِفَّةِ الطَّيْرِ اضْطِرَابُهَا وَتَنَفُّرُهَا بِأَدْنَى تَوَهُّمٍ شَبَّهَ حَالَ الْأَشْرَارِ فِي تَهَتُّكِهِمْ وَعَدَمِ وَقَارِهِمْ وَثَبَاتِهِمْ وَاخْتِلَالِ رَأْيِهِمْ، وَمَيْلِهِمْ إِلَى الْفُجُورِ وَالْفَسَادِ بِحَالِ الطَّيْرِ. (وَأَحْلَامِ السِّبَاعِ) أَيْ: وَفِي عُقُولِهَا النَّاقِصَةِ، جَمْعُ حُلُمٍ بِالضَّمِّ، أَوْ جَمْعُ حِلْمٍ بِالْكَسْرَةِ، فَفِيهِ إِيمَاءٌ إِلَى أَنَّهُمْ خَالِينَ عَنِ الْعِلْمِ وَالْحِلْمِ، بَلِ الْغَالِبُ عَلَيْهِمُ الطَّيْشُ وَالْغَضَبُ وَالْوَحْشَةُ وَالْإِتْلَافُ وَالْإِهْلَالُ وَقِلَّةُ الرَّحْمَةِ، (لَا يَعْرِفُونَ مَعْرُوفًا وَلَا يُنْكِرُونَ مُنْكَرًا): بَلْ يَعْكِسُونَ فِيمَا يَفْعَلُونَ، (فَيَتَمَثَّلُ لَهُمُ الشَّيْطَانُ) أَيْ: يَتَصَوَّرُ لَهُمْ بِصُورَةِ إِنْسَانٍ، فَكَانَ التَّشَكُّلُ أَقْوَى عَلَى التَّسَلُّطِ فِي الضَّلَالَةِ مِنْ طَرِيقِ الْوَسْوَسَةِ ; وَلِذَا قَدَّمَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ شَيَاطِينَ الْإِنْسِ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ﴾ [الأنعام: ١١٢]، (فَيَقُولُ: أَلَا تَسْتَحْيُونَ) أَيْ: مِنَ اللَّهِ فِي تَرْكِ عِبَادَتِهِ وَالتَّوَسُّلِ إِلَى مَقَامِ قُرْبَتِهِ (فَيَقُولُونَ: فَمَاذَا تَأْمُرُنَا)؟ أَيْ: بِهِ نَمْتَثِلُهُ، فَمَا مَوْصُولَةٌ أَوِ اسْتِفْهَامِيَّةٌ، فَالْمَعْنَى: فَأَيُّ شَيْءٍ تَأْمُرُنَا لِنُطِيعَكَ فِيهِ؟ (فَيَأْمُرُهُمْ بِعِبَادَةِ الْأَوْثَانِ) أَيْ: تَوَسُّلًا إِلَى رِضَا الرَّحْمَنِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْهُمْ: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣]، ﴿وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس: ١٨]، ﴿زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ﴾ [التوبة: ٣٧]، (وَهُمْ فِي ذَلِكَ) أَيْ: وَالْحَالُ أَنَّهُمْ فِيمَا ذُكِرَ مِنَ الْأَوْصَافِ الرَّدِيئَةِ وَالْعِبَادَاتِ الْوَثَنِيَّةِ (دَارٌّ): بِتَشْدِيدِ الرَّاءِ أَيْ كَثِيرٌ (رِزْقُهُمْ، حَسَنٌ عَيْشُهُمْ): فَالْأَوَّلُ إِشَارَةٌ إِلَى الْكَمِّيَّةِ، وَالثَّانِي إِلَى الْكَيْفِيَّةِ، أَوِ الْأَوَّلُ إِيمَاءٌ إِلَى كَثْرَةِ الْأَمْطَارِ، وَمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنَ الْأَنْهَارِ، وَإِثْمَارِ الْأَشْجَارِ، وَالثَّانِي مِنْ جِهَةِ الْأَمْنِ وَعَدَمِ الظُّلْمِ وَكَثْرَةِ الصِّحَّةِ وَالْغِنَى بِالْمَالِ وَالْجَاهِ، (ثُمَّ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ): بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ، وَالنَّافِخُ هُوَ إِسْرَافِيلُ - ﵊ - (فَلَا يَسْمَعُهُ أَحَدٌ إِلَّا أَصْغَى لِيتًا): بِكَسْرِ اللَّامِ، قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ - ﵀: أَيْ أَمَالَ صَفْحَةَ عُنُقِهِ خَوْفًا وَدَهْشَةً. (وَرَفَعَ لِيتًا)، وَالْمُرَادُ مِنْهُ هُنَا أَنَّ السَّامِعَ يَصْعَقُ فَيُصْغِي لِيتًا وَيَرْفَعُ لِيتًا، أَيْ: يَصِيرُ رَأْسُهُ هَكَذَا، وَكَذَلِكَ شَأْنُ مَنْ يُصِيبُهُ صَيْحَةٌ فَيُشَقُّ قَلْبُهُ، فَأَوَّلُ مَا يَظْهَرُ مِنْهُ سُقُوطُ رَأْسِهِ إِلَى أَحَدِ الشِّقَّيْنِ ; فَأَسْنَدَ الْإِصْغَاءَ إِلَيْهِ إِسْنَادَ الْفِعْلِ الِاخْتِيَارِيِّ.
(قَالَ: وَأَوَّلُ مَنْ يَسْمَعُهُ رَجُلٌ يَلُوطُ) أَيْ: يُطَيِّنُ وَيُصْلِحُ (حَوْضَ إِبِلِهِ فَيَصْعَقُ) أَيْ: يَمُوتُ هُوَ أَوَّلًا (وَيَصْعَقُ النَّاسُ) أَيْ: مَعَهُ، (ثُمَّ يُرْسِلُ اللَّهُ مَطَرًا كَأَنَّهُ الطَّلُّ): بِفَتْحِ الطَّاءِ وَتَشْدِيدِ اللَّامِ أَيِ: الْمَطَرُ الضَّعِيفُ الصَّغِيرُ الْقَطْرِ (فَيَنْبُتُ مِنْهُ) أَيْ: مِنْ أَجْلِهِ وَسَبَبِهِ (أَجْسَادُ النَّاسِ) أَيِ: النَّخِرَةُ فِي قُبُورِهِمْ (ثُمَّ يُنْفَخُ فِيهِ أُخْرَى ; فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ)، وَبَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ أَرْبَعُونَ عَامًا عَلَى مَا سَيَأْتِي، (ثُمَّ يُقَالُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ! هَلُمَّ): فِي الْقَامُوسِ: هَلُمَّ يُقَالُ مُرَكَّبَةٌ مِنْ هَاءِ التَّنْبِيهِ وَمِنْ لَمْ أَيْ: ضُمَّ نَفْسَكَ إِلَيْنَا، يَسْتَوِي فِيهِ الْوَاحِدُ وَالْجَمْعُ وَالتَّذْكِيرُ وَالتَّأْنِيثُ عِنْدَ الْحِجَازِيِّينَ، فَالْمَعْنَى: تَعَالَوْا أَوِ ارْجِعُوا وَأَسْرِعُوا إِلَى رَبِّكُمْ، (قِفُوهُمْ)، وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ: (وَقِفُوهُمْ) بِالْعَاطِفَةِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: عُطِفَ عَلَى قَوْلِهِ، يُقَالُ عَلَى سَبِيلِ التَّقْدِيرِ أَيْ: يُقَالُ لِلنَّاسِ هَلُمَّ، وَيُقَالُ لِلْمَلَائِكَةِ قِفُوهُمْ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ بِدُونِ
[ ٨ / ٣٥٠٣ ]
الْعَاطِفِ، فَهُوَ عَلَى الِاسْتِئْنَافِ انْتَهَى. وَهُوَ أَمْرُ مُخَاطِبٍ لِلْمَلَائِكَةِ وَالضَّمِيرُ لِلنَّاسِ، يُقَالُ: وَقَفَتِ الدَّابَّةُ وَوَقَفْتُهَا يَتَعَدَّى وَلَا يَتَعَدَّى، الْمَعْنَى احْبِسُوهُمْ (إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ): اسْتِئْنَافُ تَعْلِيلٍ (فَيُقَالُ: أَخْرِجُوا): أَمْرٌ لِلْمَلَائِكَةِ أَيْ: مَيِّزُوا مِمَّا بَيْنَ الْخَلَائِقِ (بَعْثَ النَّارِ) أَيْ: مَبْعُوثَهَا بِمَعْنَى مَنْ يُبْعَثُ إِلَيْهَا (فَيُقَالُ: مِنْ كَمْ؟ كَمْ؟) أَيْ: سَأَلَ الْمُخَاطَبُونَ مِنْ كَمِّيَّةِ الْعَدَدِ الْمَبْعُوثِ إِلَى النَّارِ، فَيَقُولُونَ: كَمْ عَدَدًا نُخْرِجُهُ مِنْ كَمْ عَدَدٍ؟ ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ ﵀، فَكَمِ الْأُولَى خَبَرٌ مُقَدَّمٌ، وَكَمِ الثَّانِيَةُ مُبْتَدَأٌ، أَوْ هُمَا مَفْعُولَا نُخْرِجُ الَّذِي لِلْمُتَكَلِّمِ، (فَيُقَالُ: مِنْ كُلِّ أَلْفٍ تِسْعَمِائَةٍ): بِالنَّصْبِ أَيْ: أَخْرِجُوا لِلنَّارِ مِنْ كُلِّ أَلْفٍ تِسْعَمِائَةٍ (وَتِسْعَةً وَتِسْعِينَ)، قِيلَ: هُمُ الَّذِينَ يَسْتَوْجِبُونَ النَّارَ بِذُنُوبِهِمْ يُتْرَكُونَ فِيهَا بِقَدْرِ ذُنُوبِهِمْ، وَيَجُوزُ أَنْ يُصْرَفُوا عَنْ طَرِيقِ جَهَنَّمَ بِالشَّفَاعَةِ، ذَكَرَهُ ابْنُ الْمَلَكِ ﵀، وَيَجُوزُ أَنْ يَخْلُصُوا مِنْهَا بَعْدَ دُخُولِهَا بِالشَّفَاعَةِ، لَكِنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِمُ الْكُفَّارُ الَّذِينَ يَسْتَحِقُّونَ عَذَابَ النَّارِ بِلَا حِسَابٍ وَلَا كِتَابٍ، فَهُمْ مُخَلَّدُونَ فِي الْعِقَابِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. (فَذَلِكَ) أَيِ: الْوَقْتُ (يَوْمَ)، أَوْ فَذَلِكَ الْحُكْمُ وَقْتَ (يُجْعَلُ) أَيْ: يَصِيرُ فِيهِ (الْوِلْدَانُ) أَيِ: الصِّبْيَانُ جَمْعُ وَلِيدٍ (شِيبًا): بِكَسْرِ أَوَّلِهِ جَمْعُ أَشْيَبَ كَأَبْيَضَ وَبِيضٍ، وَالْمَعْنَى أَنَّهُ يَصِيرُ الْأَطْفَالُ شِيبًا فِي الْحَالِ، فَالْمَعْنَى لَوْ أَنَّ وَلِيدًا شَابَ مِنْ وَاقِعَةٍ عَظِيمَةٍ لَكَانَ ذَلِكَ الْيَوْمُ هَذَا، يَوْمَ مَرْفُوعٌ مُنَوَّنٌ فِي أَكْثَرِ النُّسَخِ وَفِي نُسْخَةٍ بِالْفَتْحِ مُضَافًا، قَالَ الطِّيبِيُّ - ﵀: يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْيَوْمُ مَرْفُوعًا، وَيُجْعَلَ الْوِلْدَانُ صِفَةً لَهُ، فَيَكُونُ الْإِسْنَادُ مَجَازِيًّا وَأَنْ يَكُونَ مُضَافًا مَفْتُوحًا، فَيَكُونُ الْإِسْنَادُ حِينَئِذٍ حَقِيقِيًّا وَالْأَوَّلُ أَبْلَغُ وَأَوْفَقُ، لِمَا وَرَدَ فِي التَّنْزِيلِ، يَعْنِي قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا﴾ [المزمل: ١٧]، (وَذَلِكَ) أَيْ: أَيْضًا (يَوْمَ يُكْشَفُ): فِي كَثِيرٍ مِنَ النُّسَخِ بِرَفْعِ يَوْمٍ مُنَوَنًّا، وَفِي بَعْضِهَا بِالْفَتْحِ مُضَافًا، وَهُوَ أَوْفَقُ لِمَا فِي الْقُرْآنِ يَوْمَ يُكْشَفُ (عَنْ سَاقٍ) أَيْ: شِدَّةٍ عَظِيمَةٍ، يُقَالُ: كَشَفَتِ الْحَرْبُ عَنِ السَّاقِ إِذَا اشْتَدَّ فِيهَا، وَكَانَ أَصْلُهُ أَنَّ الْوَلَدَ يَمُوتُ فِي بَطْنِ النَّاقَةِ، فَيُدْخِلُ الْمُدْمِرُ يَدَهُ فِي رَحِمِهَا فَيَأْخُذُ سَاقَهُ ; فَجُعِلَ لِكُلِّ أَمْرٍ عَظِيمٍ وَخَطْبٍ جَسِيمٍ.
قَالَ الْخَطَّابِيُّ: هَذَا مِمَّا هَابَ الْقَوْلَ فِيهِ شُيُوخُنَا، فَأَجْرَوْهُ عَلَى ظَاهِرِ لَفْظِهِ، وَلَمْ يَكْشِفُوا عَنْ بَاطِنِ مَعْنَاهُ، عَلَى نَحْوِ مَذْهَبِهِمْ فِي التَّوَقُّفِ عَنْ تَفْسِيرِ كُلِّ مَا لَا يُحِيطُ الْعِلْمُ بِكُنْهِهِ مِنْ هَذَا الْبَابِ، أَمَّا مَنْ تَأَوَّلَهُ فَقَالَ: ذَلِكَ يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ شِدَّةٍ عَظِيمَةٍ وَبَلِيَّةٍ فَظِيعَةٍ، وَهُوَ إِقْبَالُ الْآخِرَةِ وَظُهُورُهَا وَذَهَابُ الدُّنْيَا وَإِدْبَارُهَا، وَيُقَالُ لِلْأَمْرِ إِذَا اشْتَدَّ وَتَفَاقَمَ وَظَهَرَ وَزَالَ خَفَاؤُهُ: كَشَفَ عَنْ سَاقِهِ، وَهَذَا جَائِزٌ فِي اللُّغَةِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْأَمْرِ سَاقٌ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
وَذَكَرَ حَدِيثَ مُعَاوِيَةَ: («لَا تَنْقَطِعُ الْهِجْرَةُ») أَيْ: حَتَّى تَنْقَطِعَ التَّوْبَةُ، وَلَا تَنْقَطِعُ التَّوْبَةُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا، وَقَدْ ثَبَتَ: «لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ»، فَالْمُرَادُ بِالْهِجْرَةِ الَّتِي هِيَ غَيْرُ مُنْقَطِعَةٍ هِيَ الْهِجْرَةُ مِنَ الْمَعْصِيَةِ إِلَى الطَّاعَةِ، أَوْ مِنْ دِيَارِ الْبِدْعَةِ إِلَى دِيَارِ السُّنَّةِ، أَوْ مِنْ بِلَادِ الشَّرِّ إِلَى بِلَادِ الْخَيْرِ، (فِي بَابِ التَّوْبَةِ): وَفِيهِ اعْتِرَاضٌ فِعْلِيٌّ مُنْضَمٌّ إِلَى بَيَانٍ قَوْلِيٍّ، وَهُوَ أَنَّ الْحَدِيثَ أَنْسَبُ بِذَلِكَ الْبَابِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
[ ٨ / ٣٥٠٤ ]