الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
٣٧٢٢ - عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - إِذَا بَعَثَ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِهِ فِي بَعْضِ أَمْرِهِ قَالَ «بَشِّرُوا وَلَا تُنَفِّرُوا وَيَسِّرُوا وَلَا تُعَسِّرُوا» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
_________________
(١) بَابُ مَا عَلَى الْوُلَاةِ مِنَ التَّيْسِيرِ الْوُلَاةُ بِضَمِّ الْوَاوِ ; جَمْعُ الْوَالِي ; وَهُوَ يَشْمَلُ الْخَلِيفَةَ وَغَيْرَهُ، وَمِنْ بَيَانٌ لِ (مَا) وَ(عَلَى) لِلْوُجُوبِ ; أَيْ بَابِ مَا يَجِبُ عَلَى الْحُكَّامِ مِنْ تَيْسِيرِ الْأُمُورِ وَتَسْهِيلِهَا عَلَى رَعَايَاهُمْ فِي قَضَايَاهُمْ. الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
(٢) (عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - إِذَا بَعَثَ أَحَدًا) ; أَيْ أَرَادَ إِرْسَالَ أَحَدٍ (مِنْ أَصْحَابِهِ فِي بَعْضِ أَمْرِهِ) ; أَيْ مِنْ أَمْرِ الْحُكُومَةِ، (قَالَ بَشِّرُوا) ; أَيِ النَّاسَ بِالْأَجْرِ وَالْمَثُوبَاتِ عَلَى الطَّاعَاتِ وَفِعْلِ الْخَيْرَاتِ، وَالْخِطَابُ لَهُ وَلِأَتْبَاعِهِ، أَوْ جَمْعٌ لِإِفَادَةِ التَّعْمِيمِ دُونَ تَخْصِيصِهِ، (وَلَا تُنَفِّرُوا) بِتَشْدِيدِ الْفَاءِ الْمَكْسُورَةِ ; أَيْ لَا تُخَوِّفُهُمْ بِالْمُبَالَغَةِ فِي إِنْذَارِهِمْ حَتَّى تَجْعَلُوهُمْ قَانِطِينَ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ بِذُنُوبِهِمْ وَأَوْزَارِهِمْ، أَوْ بَشِّرُوهُمْ عَلَى الطَّاعَةِ بِحُصُولِ الْغَنَائِمِ وَغَيْرِهَا فِي الْبِلَادِ، وَلَا تُنَفِّرُوهُمْ بِالظُّلْمِ وَالْغِلَاظَةِ عَنِ الِانْقِيَادِ. وَبِمَا ذَكَرْنَاهُ مِنَ الْوَجْهَيْنِ فِي الْجِهَتَيْنِ الْمُقَابِلَتَيْنِ، ظَهَرَتِ الْمُنَاسِبَةُ بَيْنَ الْجُمْلَتَيْنِ الْمُتَعَاطِفَتَيْنِ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: هُوَ مِنْ بَابِ الْمُقَابَلَةِ الْمَعْنَوِيَّةِ ; إِذِ الْحَقِيقَةُ أَنْ يُقَالَ: بَشِّرُوا وَلَا تُنْذِرُوا، وَاسْتَأْنِسُوا وَلَا تُنَفِّرُوا، فَجَمَعَ بَيْنَهُمَا لِيَعُمَّ الْبِشَارَةُ وَالنِّذَارَةُ وَالْاسْتِئْنَاسُ وَالتَّنْفِيرُ اهـ. وَفِيهِ أَنَّ الْإِنْذَارَ مَطْلُوبٌ ; أَيْضًا، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ﴾ [الأنعام: ٥١] وَقَوْلِهِ ﷿: ﴿وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ﴾ [التوبة: ١٢٢]، وَلِأَنَّ أَمْرَ السِّيَاسَةِ وَالْحُكُومَةِ لَا يَتِمُّ بِدُونِ الْإِنْذَارِ مَعَ مُجَرَّدِ الْبِشَارَةِ (وَيَسِّرُوا) ; أَيْ سَهِّلُوا عَلَيْهِمُ الْأُمُورَ مِنْ أَخْذِ الزَّكَاةِ بِاللُّطْفِ بِهِمْ، (وَلَا تُعَسِّرُوا) ; أَيْ بِالصُّعُوبَةِ عَلَيْهِمْ ; بِأَنْ تَأْخُذُوا أَكْثَرَ مِمَّا يَجِبُ عَلَيْهِمْ، أَوْ أَحْسَنَ مِنْهُ، أَوْ بِتَتَبُّعِ عَوْرَاتِهِمْ وَتَجَسُّسِ حَالَاتِهِمْ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
[ ٦ / ٢٤٢١ ]
٣٧٢٣ - وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - «يَسِّرُوا وَلَا تُعَسِّرُوا وَسَكِّنُوا وَلَا تُنَفِّرُوا» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
_________________
(١) (وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «يَسِّرُوا وَلَا تُعَسِّرُوا وَسَكِّنُوا») بِتَشْدِيدِ الْكَافِ أَمْرٌ مِنَ التَّسْكِينِ ; أَيْ سَكِّنُوهُمْ بِالْبِشَارَةِ، أَوِ الطَّاعَةِ، وَفِي رِوَايَةِ الْجَامِعِ: وَبَشِّرُوا (وَلَا تُنَفِّرُوا) ; أَيْ بِالْمُبَالَغَةِ فِي الْإِنْذَارِ، أَوْ بِتَكْلِيفِ الْأُمُورِ الصَّعْبَةِ الْمُوجِبَةِ لِلْإِنْكَارِ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا فِي النِّهَايَةِ ; أَيْ لَا تُكَلِّفُونَهُمْ بِمَا يَحْمِلُهُمْ عَلَى النُّفُورِ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) وَرَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ.
[ ٦ / ٢٤٢١ ]
٣٧٢٤ - وَعَنْ أَبِي بُرْدَةَ قَالَ: «بَعَثَ النَّبِيُّ - ﷺ - جَدَّهُ أَبَا مُوسَى وَمُعَاذًا إِلَى الْيَمَنِ ; فَقَالَ: يَسِّرَا وَلَا تُعَسِّرَا، وَبَشِّرَا وَلَا تُنَفِّرَا، وَتَطَاوَعَا وَلَا تَخْتَلِفَا» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
_________________
(١) (وَعَنْ أَبِي بُرْدَةَ) صَوَابُهُ ابْنُ أَبِي بُرْدَةَ لِمَا سَيَأْتِي (قَالَ: بَعَثَ النَّبِيُّ - ﷺ - جَدَّهُ أَبَا مُوسَى وَمُعَاذًا) ; أَيِ ابْنَ جَبَلٍ (إِلَى الْيَمَنِ) ظَاهِرُ إِيرَادُ الْمُصَنِّفِ يَقْتَضِي أَنَّ أَبَا مُوسَى جَدُّ أَبِي بُرْدَةَ ; وَلَيْسَ كَذَلِكَ ; بَلْ هُوَ أَبُوهُ، فَالصَّوَابُ أَنْ يُقَالَ: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: بَعَثَ النَّبِيُّ - ﷺ - جَدَّهُ) أَبَا مُوسَى وَضَمِيرُ جَدِّهِ لِعَبْدِ اللَّهِ هَكَذَا. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُسْلِمِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، وَفَى نُسْخَةٍ عَنِ ابْنِ أَبِي بُرْدَةَ فَلَا إِيرَادَ وَلَا إِشْكَالَ كَذَا ذَكَرَهُ بَعْضُهُمْ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: صَوَابُهُ ابْنُ أَبِي بُرْدَةَ عَلَى مَا فِي الْبُخَارِيِّ، حَيْثُ قَالَ: سَعِيدُ بْنُ أَبِي بُرْدَةَ قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي قَالَ: بَعَثَ النَّبِيُّ - ﷺ - أَبِي وَمُعَاذًا إِلَى الْيَمَنِ، وَنَقَلَ بَعْضُهُمْ عَنْ جَامِعِ الْأُصُولِ أَنَّ بِلَالَ بْنَ أَبِي بُرْدَةَ بْنِ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيَّ كَانَ عَلَى الْبَصْرَةِ، سَمِعَ أَبَاهُ وَغَيْرَهُ، وَرَوَى عَنْ قَتَادَةَ وَنَفَرٍ مِنَ الْأَعْلَامِ، وَهُوَ قَلِيلُ الْحَدِيثِ حَسَنُهُ، وَقَالَ الْمُؤَلِّفُ: أَبُو بُرْدَةَ عَامِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَيْسٍ الْأَشْعَرِيُّ ; أَحَدُ التَّابِعِينَ الْمَشْهُورِينَ الْمُكْثِرِينَ، سَمِعَ أَبَاهُ وَعَلِيًّا وَغَيْرَهُمَا، كَانَ عَلَى قَضَاءِ الْكُوفَةِ بَعْدَ شُرَيْحٍ ; فَعَزَلَهُ الْحَجَّاجُ، قَالَ أَيْضًا: أَبُو مُوسَى هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ قَيْسٍ الْأَشْعَرِيُّ، أَسْلَمَ بِمَكَّةَ، وَهَاجَرَ إِلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ، ثُمَّ قَدِمَ مَعَ أَهْلِ السَّفِينَةِ وَرَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - بِخَيْبَرَ، وَوَلَّاهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ الْبَصْرَةَ سَنَةَ عِشْرِينَ، فَافْتَتَحَ أَبُو مُوسَى الْأَهْوَازَ وَلَمْ يَزَلْ عَلَى الْبَصْرَةِ إِلَى صَدْرٍ مِنْ خِلَافَةِ عُثْمَانَ، ثُمَّ عُزِلَ عَنْهَا، فَانْتَقَلَ إِلَى الْكُوفَةِ، فَأَقَامَ بِهَا وَكَانَ وَالِيًا عَلَى الْكُوفَةِ، إِلَى أَنْ قُتِلَ عُثْمَانُ، ثُمَّ انْتَقَلَ أَبُو مُوسَى إِلَى مَكَّةَ بَعْدَ التَّحْكِيمِ فَلَمْ يَزَلْ بِهَا إِلَى أَنْ مَاتَ سَنَةَ اثْنَيْنِ وَخَمْسِينَ اهـ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ أَبَا بُرْدَةَ لَهُ أَوْلَادٌ مُتَعَدِّدَةٌ، وَرَوَى كُلٌّ مِنْهُمْ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ، وَحَيْثُ إِنَّ كُلًّا مِنْهُمْ ثِقَةٌ، لَمْ تَضُرُّهُ الْجَهَالَةُ فِي تَنْكِيرِ ابْنٍ فِي الرِّوَايَةِ، (قَالَ): أَيِ النَّبِيُّ - ﷺ - ; أَيْ لَهُمَا مَعًا، أَوْ لِكُلٍّ مِنْهُمَا مُنْفَرِدًا، وَالْأَوَّلُ هُوَ الظَّاهِرُ لِمَا سَيَأْتِي (يَسِّرَا وَلَا تُعَسِّرَا وَبَشِّرَا وَلَا تُنَفِّرَا وَتَطَاوَعَا) ; أَيِ اتَّفِقَا فِي الْحُكْمِ، (وَلَا تَخْتَلِفَا) ; أَيْ فِي الْأَمْرِ، وَهَذَا بِحَسَبِ الظَّاهِرِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ أَحَدَهُمَا تَحْتَ أَمْرِ الْآخَرِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: يَعْنِي كُونَا مُتَّفِقَيْنِ فِي أَحْكَامِكُمَا، وَلَا تَخْتَلِفَا فَإِنَّ اخْتِلَافَكُمَا يُؤَدِّي إِلَى اخْتِلَافِ أَتْبَاعِكُمَا وَحِينَئِذٍ تَقَعُ الْعَدَاوَةُ وَالْمُحَارَبَةُ بَيْنَهُمْ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) . قَالَ الطِّيبِيُّ: الْأَحَادِيثُ الثَّلَاثَةُ مُتَعَاضَدَةٌ عَلَى مَعْنَى عَدَمِ الْحَرَجِ وَالتَّضْيِيقِ فِي أُمُورِ الْمِلَّةِ الْحَنِيفِيَّةِ السَّمْحَةِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨] مَفْعُولٌ أَوَّلٌ، وَ(فِي الدِّينُ) ثَانٍ، وَزِيدَتْ (مِنْ) لِلْاسْتِغْرَاقِ، وَالتَّنْكِيرُ فِي (حَرَجٍ) لِلشُّيُوعِ، وَ(عَلَيْكُمْ) مُتَعَلِّقٌ بِهِ قُدِّمَ لِلْاخْتِصَاصِ، كَأَنَّهُ قِيلَ وَسَّعَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ دِينَكُمْ يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ نَبِيِّ الرَّحْمَةِ خَاصَّةً، وَرَفَعَ الْحَرَجَ عَنْكُمْ أَيًّا كَانَ، فَظَهَرَ مِنْ هَذَا تَرْجِيحُ فِعْلِ الْأَوَّلِينَ مِنَ السَّلَفِ الصَّالِحِينَ عَلَى رَأَيِ الْمُتَكَلِّفِينَ فِيمَا نَقَلَهُ الشَّيْخُ مُحْيِي الدِّينِ النَّوَوِيُّ فِي الرَّوْضَةِ مِنَ الشَّرْحِ الْكَبِيرِ ; مِنْ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ لِلْمُجْتَهِدِ مَذْهَبٌ مُدَوَّنٌ، وَإِذَا دُوِّنَتِ الْمَذَاهِبُ فَهَلْ يَجُوزُ لِلْمُقَلِّدِ أَنْ يَنْتَقِلَ مِنْ مَذْهَبٍ إِلَى مَذْهَبٍ؟ إِنْ قُلْنَا: يَلْزَمُهُ الِاجْتِهَادُ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ، وَغَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّ الثَّانِيَ أَعْلَمُ ; يَنْبَغِي أَنْ يَجُوزَ بَلْ يَجِبَ، وَإِنْ خَيَّرْنَاهُ فَيَنْبَغِي أَنْ يَجُوزَ أَيْضًا، كَمَا لَوْ قَلَّدَ فِي الْقِبْلَةِ هَذَا أَيَّامًا وَهَذَا أَيَّامًا، وَلَوْ قَلَّدَ مُجْتَهِدًا فِي مَسَائِلَ وَآخَرَ فِي مَسَائِلٍ أُخْرَى، وَاسْتَوَى الْمُجْتَهِدَانِ عِنْدَهُ خَيَّرْنَاهُ، لَكِنِ الْأُصُولِيُّونَ مَنَعُوا مِنْهُ، وَحَكَى الْحَانِطِيُّ وَغَيْرُهُ عَنْ أَبِي إِسْحَقَ: فِيمَا إِذَا اخْتَارَ مِنْ كُلِّ مَذْهَبٍ مَا هُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ أَنْ يَفْسُقَ بِهِ، وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ لَا يَفْسُقُ بِهِ، وَيُعَضِّدُ هَذَا التَّرْجِيحَ قَوْلُ الْإِمَامِ مَالِكٍ: حِينَ أَرَادَ الرَّشِيدُ الشُّخُوصَ مِنَ الْمَدِينَةِ إِلَى الْعِرَاقِ ; وَقَالَ لَهُ: يَنْبَغِي أَنْ تَخْرُجَ مَعِي فَإِنِّي عَزَمْتُ أَنْ أَحْمِلَ النَّاسَ عَلَى الْمُوَطَّأِ كَمَا حَمَلَ عُثْمَانُ النَّاسَ عَلَى الْقُرْآنِ ; فَقَالَ: أَمَّا حَمْلُ النَّاسِ عَلَى الْمُوَطَّأِ فَلَيْسَ لَكَ إِلَى ذَلِكَ سَبِيلٌ ; لِأَنَّ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - افْتَرَقُوا بَعْدَهُ فِي الْأَمْصَارِ، فَحَدَّثُوا فَعِنْدَ كُلِّ أَهْلِ مِصْرٍ عِلْمٌ، وَقَدْ قَالَ - ﷺ -: " «اخْتِلَافُ أُمَّتِي رَحْمَةٌ» ".
[ ٦ / ٢٤٢٢ ]
٣٧٢٥ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: «إِنَّ الْغَادِرَ يُنْصَبُ لَهُ لِوَاءٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيُقَالُ هَذِهِ غَدْرَةُ فُلَانِ بْنِ فُلَانٍ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
_________________
(١) (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: إِنَّ الْغَادِرَ) ; أَيْ نَاقِضَ الْعَهْدِ وَالْوَفَاءِ، قَالَ الْقَاضِي: الْغَدْرُ فِي الْأَصْلِ تَرْكُ الْوَفَاءِ، وَهُوَ شَائِعٌ فِي أَنْ يُغْتَالَ الرَّجُلُ مِنْ عَهْدِهِ وَأَمْنِهِ، (يُنْصَبُ لَهُ لِوَاءٌ) ; أَيْ يُرْكَزُ لِأَجْلِ إِفْضَاحِهِ عَلَمٌ قَائِمًا بِقَدْرِ غَدْرِهِ كَمَا سَيَأْتِي، (يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيُقَالُ هَذِهِ) وَفِي رِوَايَةٍ زِيَادَةُ (أَلَا) لِلتَّنْبِيهِ ; أَيْ هَذَا اللِّوَاءَ، وَأُنِّثَ لِكَوْنِهِ بِمَعْنَى الرَّايَةِ، أَوْ مُرَاعَاةً لِخَبَرِهِ وَهَى (غَدْرَةُ فُلَانِ بْنِ فُلَانٍ) ; أَيْ عَلَامَتُهَا، أَوْ نَتِيجَتُهَا أَوْ عُقُوبَتُهَا، فَإِنَّهَا فَضِيحَةٌ صَرِيحَةٌ عَلَى رُؤُسِ الْأَشْهَادِ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) وَرَوَاهُ مَالِكٌ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ.
[ ٦ / ٢٤٢٢ ]
٣٧٢٦ - وَعَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُعْرَفُ بِهِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
_________________
(١) (وَعَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءٌ) وَفِي نُسْخَةٍ ; أَنَّ لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءً يَوْمَ الْقِيَامَةِ (يُعْرَفُ بِهِ) ; أَيْ قَدْرُهُ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) وَكَذَا أَنَسٌ عَنْهُ وَرَوَاهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَمُسْلِمٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ وَرَوَاهُ أَحْمَدُ وَالطَّيَالِسِيُّ عَنْ أَنَسٍ وَلَفْظُهُ: «أَنَّ لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءً يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُعْرَفُ بِهِ عِنْدَ اسْتِهِ» .
[ ٦ / ٢٤٢٣ ]
٣٧٢٧ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءٌ عِنْدَ اسْتِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. وَفِي رِوَايَةٍ: لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرْفَعُ لَهُ بِقَدْرِ غَدْرِهِ أَلَا وَلَا غَادِرَ أَعْظَمُ غَدْرًا مِنْ أَمِيرِ عَامَّةٍ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
_________________
(١) (وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءٌ عِنْدَ اسْتِهِ») بِهَمْزَةِ وَصْلٍ، وَسُكُونِ سِينٍ ; أَيْ خَلْفَ ظَهْرِهِ وَالِاسْتُ الدُّبُرُ (يَوْمَ الْقِيَامَةِ) وَإِنَّمَا يُنْصَبُ لِلْغَادِرِ تَشْهِيرًا لَهُ بِالْغَدْرِ وَتَفْضِيحًا عَلَى رُءُوسِ الْأَشْهَادِ وَإِنَّمَا قَالَ: عِنْدَ اسْتِهِ اسْتِخْفَافًا بِذِكْرِهِ وَاسْتِهَانَةً بِأَمْرِهِ، أَوْ لِأَنَّ عَلَمَ الْعِزَّةِ يُنْتَصَبُ تِلْقَاءَ الْوَجْهِ، فَنَاسَبَ أَنْ يَكُونَ عَلَمُ الْمَذَلَّةِ فِيمَا هُوَ كَالْمُقَابِلِ لَهُ. وَفَى شَرْحِ مُسْلِمٍ: اللِّوَاءُ الرَّايَةُ الْعَظِيمَةُ الَّذِي لَا يُمْسِكُهَا إِلَّا صَاحِبُ جَيْشِ الْحَرْبِ، أَوْ صَاحِبُ دَعْوَةِ الْجَيْشِ وَيَكُونُ النَّاسُ تَبَعًا لَهُ، وَقَالَ الْعَسْقَلَانِيُّ: الرَّايَةُ بِمَعْنَى اللِّوَاءِ، وَهُوَ الْعَلَمُ الَّذِي يُحْمَلُ فِي الْحَرْبِ، يُعْرَفُ بِهِ صَاحِبُ الْجَيْشِ، وَقَدْ يَحْمِلُهُ أَمِيرُ الْجَيْشِ، وَقَدْ يَدْفَعُهُ إِلَى مُقَدِّمِ الْعَسْكَرِ، وَقَدْ صَرَّحَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ بِتَرَادُفِهِمَا (وَفِي رِوَايَةٍ: «لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِقَدْرِ غَدْرِهِ») ; أَيْ طُولًا وَعَرْضًا فِي مُقَابَلَةِ غَدْرِهِ كَمِّيَّةً وَكَيْفِيَّةً (أَلَا) لِلتَّنْبِيهِ (وَلَا غَادِرَ أَعْظَمُ غَدْرًا مِنْ أَمِيرِ عَامَّةٍ) ; أَيْ مِنْ غَدْرِ أَمِيرِ عَامَّةٍ وَهُوَ مَنْ يَسْتَوْلِي عَلَى الْأُمُورِ بِتَقْدِيمِ الْعَوَامِّ مِنْ غَيْرِ اسْتِحْقَاقٍ وَلَا مَشُورَةٍ مِنْ أَهْلِ الْحَلِّ وَالْعَقْدِ، وَعَظَّمَ قَدْرَهُ لِنَقْضِ الْعَهْدِ الْمَشْرُوعِ، إِذِ الْوِلَايَةُ بِرَأْيِ الْخَوَاصِّ، وَهُوَ قَدْ تَوَلَّى مَا لَا يَسْتَعِدُّهُ، وَمَنَعَهُ عَمَّنْ يَسْتَحِقُّهُ، فَنَقَضَ بِهَذَا عَهْدَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَعُهُودَ الْمُسْلِمِينَ ; أَيْضًا ; بِالْخُرُوجِ عَلَى إِمَامِهِمْ، وَالتَّغَلُّبِ عَلَى نُفُوسِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ، قَالَ النَّوَوِيُّ: فِيهِ بَيَانُ غَلِيظِ تَحْرِيمِ الْغَدْرِ لَا سِيَّمَا صَاحِبُ الْوِلَايَةِ الْعَامَّةِ ; لِأَنَّ غَدْرَهُ يَتَعَدَّى ضَرَرُهُ إِلَى خَلْقٍ كَثِيرٍ. وَالْمَشْهُورُ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ وَارِدٌ فِي ذَمِّ الْغَادِرِ، وَغَدْرِهِ لِلْأَمَانَةِ الَّتِي قُلِّدَهَا لِرَعِيَّتِهِ، وَالْتِزَامِ الْقِيَامِ بِهَا وَالْمُحَافَظَةِ عَلَيْهَا، فَمَتَى خَانَهُمْ، أَوْ تَرَكَ الشَّفَقَةَ عَلَيْهِمْ وَالرِّفْقَ بِهِمْ فَقَدْ غَدَرَ بِعَهْدِهِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ نَهْيُ الرَّعِيَّةِ عَنِ الْغَدْرِ بِالْإِمَامِ ; فَلَا يُشَقُّ عَلَيْهِمُ الْعَصَا، فَلَا يُتَعَرَّضُ لِمَا يُخَافُ حُصُولُ فِتْنَةٍ بِسَبَبِهِ، وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
[ ٦ / ٢٤٢٣ ]
الْفَصْلُ الثَّانِي
٣٧٢٨ - عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ أَنَّهُ قَالَ لِمُعَاوِيَةَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ وَلَّاهُ اللَّهُ شَيْئًا مِنْ أَمْرِ الْمُسْلِمِينَ فَاحْتَجَبَ دُونَ حَاجَتِهِمْ وَخَلَّتِهِمْ وَفَقْرِهِمُ احْتَجَبَ اللَّهُ دُونَ حَاجَتِهِ وَخَلَّتِهِ وَفَقْرِهِ» فَجَعَلَ مُعَاوِيَةُ رَجُلًا عَلَى حَوَائِجِ النَّاسِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ وَلِأَحْمَدَ: «أَغْلَقَ اللَّهُ لَهُ أَبْوَابَ السَّمَاءِ دُونَ خَلَّتِهِ وَحَاجَّتِهِ وَمَسْكَنَتِهِ» .
_________________
(١) الْفَصْلُ الثَّانِي
(٢) (عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ، قَالَ الْمُؤَلِّفُ: يُكَنَّى أَبَا مَرْيَمَ الْجُهَنِيَّ وَيُقَالُ: الْأَرْذِيَّ، وَشَهِدَا أَكْثَرَ الْمَشَاهِدَ وَسَكَنَ الشَّامَ، وَمَاتَ فِي أَيَّامِ مُعَاوِيَةَ، رَوَى عَنْهُ جَمَاعَةٌ (أَنَّهُ قَالَ لِمُعَاوِيَةَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يَقُولُ: «مَنْ وَلَّاهُ اللَّهُ شَيْئًا مِنْ أَمْرِ الْمُسْلِمِينَ فَاحْتَجَبَ دُونَ حَاجَتِهِمْ») ; أَيِ امْتَنَعَ مِنَ الْخُرُوجِ، أَوْ مِنَ الْإِمْضَاءِ عِنْدَ احْتِيَاجِهِمْ إِلَيْهِ (وَخَلَّتِهِمْ) ; بِفَتْحِ خَاءٍ مُعْجَمَةٍ فَلَامٍ مُشَدَّدَةٍ ; أَيْ وَعَرْضِ شِكَايَتِهِمْ عَلَيْهِ (وَفَقْرِهِمْ) ; أَيْ وَمَسْكَنَتِهِمْ وَمُسَائِلَتِهِمْ لَدَيْهِ ; يَعْنِي احْتِقَارًا بِهِمْ وَعَدَمَ مُبَالَاةٍ بِشَأْنِهِمْ (" «احْتَجَبَ اللَّهُ دُونَ حَاجَتِهِ وَخَلَّتِهِ وَفَقْرِهِ») ; أَيْ أَبْعَدَهُ وَمَنْعَهُ عَمَّا يَبْتَغِيهِ مِنَ الْأُمُورِ الدِّينِيَّةِ، أَوِ الدُّنْيَوِيَّةِ، فَلَا يَجِدُ سَبِيلًا إِلَى حَاجَةٍ مِنْ حَاجَاتِهِ الضَّرُورِيَّةِ، وَيُؤَيِّدُهُ مَارَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ: عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا " «مَنْ وَلِيَ شَيْئًا مِنْ أُمُورِ الْمُسْلِمِينَ لَمْ يَنْظُرِ اللَّهُ فِي حَاجَتِهِ حَتَّى يَنْظُرَ فِي حَوَائِجِهِمْ» " قَالَ الْقَاضِي: الْمُرَادُ بِاحْتِجَابِ الْوَالِي ; أَنْ يَمْنَعَ أَرْبَابَ الْحَوَائِجِ وَالْمُهِمَّاتِ أَنْ يَدْخُلُوا عَلَيْهِ فَيَعْرِضُوهَا لَهُ ; وَيَعْسُرَ عَلَيْهِمْ إِنْهَاؤُهَا، وَاحْتِجَابُ اللَّهِ تَعَالَى ; أَنْ لَا يُجِيبَ دَعْوَتَهُ وَيُخَيِّبَ أَمَالَهُ وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْحَاجَةِ وَالْخَلَّةِ وَالْفَقْرِ أَنَّ الْحَاجَةَ مَا يُهْتَمُّ بِهِ
[ ٦ / ٢٤٢٣ ]
الْإِنْسَانُ وَإِنْ لَمْ يَبْلُغْ حَدَّ الضَّرُورَةِ، بِحَيْثُ لَوْ لَمْ يَحْصُلْ لَاخْتَلَّ بِهِ أَمْرُهُ، وَالْخَلَّةُ مَا كَانَ كَذَلِكَ مَأْخُوذٌ مِنَ الْخَلَلِ، وَلَكِنْ رُبَّمَا لَمْ يَبْلُغْ حَدَّ الِاضْطِرَارِ، بِحَيْثُ لَوْ لَمْ يُوجَدْ لَامْتَنَعَ التَّعَيُّشُ، وَالْفَقْرُ هُوَ الْإِضْطِرَارُ إِلَى مَا لَا يُمْكِنُ التَّعَيُّشُ دُونَهُ، مَأْخُوذٌ مِنَ الْفَقَارِ كَأَنَّهُ كَسَرَ فَقَارَهُ، وَلِذَلِكَ فُسِّرَ الْفَقِيرُ بِالَّذِي لَا شَيْءَ لَهُ أَصْلًا، وَاسْتَعَاذَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - مِنَ الْفَقْرِ اهـ. وَالْأَظْهَرُ أَنَّهَا أَلْفَاظٌ مُتَقَارِبَةٌ ; وَإِنَّمَا ذَكَرَهَا لِلتَّأْكِيدِ وَالْمُبَالَغَةِ، وَقَالَ الْمُظْهِرُ: يَعْنِي مَنِ احْتَجَبَ دُونَ حَاجَةِ النَّاسِ وَخَلَّتِهِمْ فَعَلَ اللَّهُ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا فَعَلَ بِالْمُسْلِمِينَ، قَالَ الطِّيبِيُّ: وَلَعَلَّ هَذَا الْوَجْهَ أَعْنِي التَّقْيِيدَ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ أَرْجَحُ ; لِأَنَّ التَّرَقِّيَ فِي قَوْلِهِ: حَاجَتِهِ وَخَلَّتِهِ وَفَقْرِهِ، فِي شَأْنِ الْمُلُوكِ وَالسَّلَاطِينِ، يُؤْذِنُ بِسَدِّ بَابِ فَوْزِهِمْ بِمَطَالِبِهِمْ وَنَجَاحِ حَوَائِجِهِمْ بِالْكُلِّيَّةِ وَلَيْسَ إِلَّا فِي الْعُقْبَى وَنَحْوِهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين: ١٥] تَغْلِيظًا عَلَيْهِمْ وَتَشْدِيدًا، وَلَمَّا كَانَ جَزَاءُ الْمُقْسِطِينَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَنْ يَكُونُوا عَلَى مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ عَنْ يَمِينِ الرَّحْمَنِ ; كَانَ جَزَاءُ الْقَاسِطِينَ الْبُعْدَ وَالْاحْتِجَابَ عَنْهُمْ وَالْإِقْنَاطَ عَنْ مَبَاغِيهِمْ، وَيُؤَيِّدُهُ الْحَدِيثُ الَّذِي يَلِيهِ ; أَفْقَرَ مَا يَكُونُ (فَجَعَلَ مُعَاوِيَةُ رَجُلًا عَلَى حَوَائِجِ النَّاسِ) ; أَيْ عَلَى تَبْلِيغِهَا، أَوْ عَلَى قَضَائِهَا (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ) ; أَيْ لِلتِّرْمِذِيِّ وَلِأَحْمَدَ («أَغْلَقَ اللَّهُ أَبْوَابَ السَّمَاءِ دُونَ خَلَّتِهِ وَحَاجَتِهِ وَمَسْكَنَتِهِ») .
[ ٦ / ٢٤٢٤ ]
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
٣٧٢٩ - عَنْ أَبِي الشَّمَّاخِ الْأَزْدِيِّ عَنِ ابْنِ عَمٍّ لَهُ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - ﷺ - ; أَنَّهُ أَتَى مُعَاوِيَةَ فَدَخَلَ عَلَيْهِ، فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يَقُولُ: «مَنْ وَلِيَ مِنْ أَمْرِ النَّاسِ شَيْئًا، ثُمَّ أَغْلَقَ بَابَهُ دُونَ الْمُسْلِمِينَ، أَوِ الْمَظْلُومِ، أَوْ ذِي الْحَاجَةِ أَغْلَقَ اللَّهُ دُونَهُ أَبْوَابَ رَحْمَتِهِ عِنْدَ حَاجَتِهِ وَفَقْرِهِ أَفْقَرَ مَا يَكُونُ إِلَيْهِ» .
_________________
(١) الْفَصْلُ الثَّالِثُ
(٢) (عَنْ أَبِي الشَّمَّاخِ) بِتَشْدِيدِ الْمِيمِ (الْأَزْدِيِّ) بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ لَمْ يَذْكُرْهُ الْمُؤَلِّفُ فِي أَسْمَائِهِ (عَنِ ابْنِ عَمٍّ لَهُ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ) وَفَى نُسْخَةٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ (- ﷺ - أَنَّهُ أَتَى مُعَاوِيَةَ فَدَخَلَ عَلَيْهِ فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يَقُولُ: مَنْ وُلِّيَ) بِضَمِّ وَاوٍ فَتَشْدِيدِ لَامٍ مَكْسُورَةٍ، وَفَى نُسْخَةٍ بِفَتْحٍ فَكَسْرِ لَامٍ مُخَفَّفٍ، (مِنْ أَمْرِ النَّاسِ) التَّعْرِيفُ فِيهِ لِاسْتِغْرَاقِ الْجِنْسِ ; فَيَدْخُلُ فِيهِ الْمُسْلِمُ وَالذِّمِّيُّ وَالْمُعَاهِدُ، (شَيْئًا) ; أَيْ مِنَ الْأُمُورِ، أَوِ الْوِلَايَةِ (ثُمَّ أَغْلَقَ بَابَهُ) ; عِبَارَةٌ عَنْ الِاحْتِجَابِ وَنُصِبَ الْحِجَابُ، أَوْ كِنَايَةٌ عَنِ الِامْتِنَاعِ عَنْ قَضَاءِ مَقْصُودِ الْمُحْتَاجِينَ بِالْبَابِ (دُونَ الْمُسْلِمِينَ) ; أَيْ وَالْمُسْلِمُ لَا يُمْنَعُ (أَوِ الْمَظْلُومِ، أَوْ ذِي الْحَاجَةِ) وَفَى نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ: دُونَ الْمِسْكِينِ وَالْمَظْلُومِ وَذِي الْحَاجَةِ، وَهُوَ أَنْسَبُ بِالْحَدِيثِ السَّابِقِ، وَدَالٌّ عَلَى: أَنْ (أَوْ) فِي تِلْكَ الرِّوَايَةِ لِلتَّنْوِيعِ وَالتَّفْصِيلِ، وَأَنَّهُ مُطْلَقًا سَوَاءٌ كَانَ مَظْلُومًا، أَوْ ذَا حَاجَةٍ، أَوْ غَيْرَهُ لَا يَدْخُلُ إِلَّا لِلتَّظَلُّمِ، أَوْ لِحَاجَةٍ مَاسَّةٍ (أَغْلَقَ اللَّهُ دُونَهُ أَبْوَابَ رَحْمَتِهِ عِنْدَ حَاجَتِهِ وَفَقْرِهِ) ; أَيْ إِلَى اللَّهِ فِي أَمْرِ الدُّنْيَا، أَوِ الْعُقْبَى، أَوْ إِلَى مَخْلُوقٍ مِثْلِهِ فِي الدُّنْيَا، حَالَ كَوْنِهِ (أَفْقَرَ مَا يَكُونُ إِلَيْهِ) ; أَيْ أَحْوَجَ أَوْقَاتٍ يَكُونُ مُفْتَقِرًا إِلَيْهِ وَمُحْتَاجًا لَدَيْهِ قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: قَدْ مَرَّ أَنَّ (مَا) مَصْدَرِيَّةٌ وَالْوَقْتُ مُقَدَّرٌ ; وَأَفْقَرُ حَالٌ مِنَ الْمُضَافِ إِلَيْهِ فِي فَقْرِهِ، وَجَازَ ; لِأَنَّهُ مِنْ إِضَافَةِ الْمَصْدَرِ إِلَى الْفَاعِلِ، وَلَيْسَ هَذَا الْافْتِقَارُ الْكُلِّيُّ فِي وَقْتٍ مِنَ الْأَوْقَاتِ إِلَّا يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَمَا سَبَقَ فِي الْحَدِيثِ السَّابِقِ.
[ ٦ / ٢٤٢٤ ]
٣٧٣٠ - وَعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّهُ كَانَ إِذَا بَعَثَ عُمَّالَهُ شَرَطَ عَلَيْهِمْ أَنْ لَا تَرْكَبُوا بِرْذَوْنًا وَلَا تَأْكُلُوا نَقِيًّا وَلَا تَلْبَسُوا رَقِيقًا وَلَا تُغْلِقُوا أَبْوَابَكُمْ دُونَ حَوَائِجِ النَّاسِ فَإِنْ فَعَلْتُمْ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فَقَدْ حَلَّتْ بِكُمُ الْعُقُوبَةُ، ثُمَّ يُشَيِّعُهُمْ، رَوَاهُمَا الْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ.
_________________
(١) (وَعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ أَنَّهُ كَانَ إِذَا بَعَثَ عُمَّالَهُ) بِضَمِّ عَيْنٍ وَتَشْدِيدِ مِيمٍ جَمْعُ عَامِلٍ ; أَيْ حُكَّامَهُ (شَرَطَ عَلَيْهِمْ أَنْ لَا تَرْكَبُوا) بِالْخِطَابِ حِكَايَةً لِلَفْظِهِ (بِرْذَوْنًا) بِكَسْرِ مُوَحَّدَةٍ وَسُكُونِ رَاءٍ وَفَتْحِ ذَالٍ مُعْجَمَةٍ ; أَيْ خَيْلًا تُرْكِيًّا فِي الْمُغْرِبِ، الْبِرْذَوْنُ التُّرْكِيُّ مِنَ الْخَيْلِ، وَالْجَمْعُ بَرَاذِينُ، وَخِلَافُهَا الْعِرَابُ وَالْأُنْثَى بِرْذَوْنَةٌ، قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: إِذَا جَعَلَ الْعِلَّةَ لِلنَّهْيِ عَنْ رُكُوبٍ الْخُيَلَاءَ وَالتَّكَبُّرَ ; كَانَ النَّهْيُ عَنِ الْعِرَابِ أَحْرَى وَأَوْلَى، وَقَالَ الرَّاغِبُ: الْخُيَلَاءُ وَالتَّكَبُّرُ عَنْ تَخَيُّلِ فَضِيلَةٍ تَرَاءَتْ لِلْإِنْسَانِ مِنْ نَفْسِهِ، وَمِنْهَا تَئُولُ لَفْظُ الْخَيْلِ لِمَا قِيلَ: إِنَّهُ لَا يَرْكَبُ أَحَدٌ فَرَسًا إِلَّا وَجَدَ فِي نَفْسِهِ نَحْوَهُ، (وَلَا تَأْكُلُوا نَقِيًّا وَهُوَ مَا نُخِلَ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى، وَلَا تَلْبَسُوا رَقِيقًا، وَلَا تُغْلِقُوا أَبْوَابَكُمْ دُونَ حَوَائِجِ النَّاسِ، فَإِنْ فَعَلْتُمْ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فَقَدْ حَلَّتْ بِكُمُ الْعُقُوبَةُ ; أَيْ فِي الدُّنْيَا، أَوِ الْعُقْبَى، قَالَ الطِّيبِيُّ: فَالنَّهْيُ عَنْ رُكُوبِ الْبِرْذَوْنِ ; نَهْيٌ عَنِ التَّكَبُّرِ، وَعَنْ أَكْلِ النَّقِيِّ وَلُبْسِ الرَّقِيقِ ; نَهْيٌ عَنِ التَّنَعُّمِ وَالسَّرَفِ، وَالنَّهْيُ عَنِ الِاحْتِجَابِ ; نَهْيٌ عَنْ تَقَاعُدِهِمْ عَنْ قَضَاءِ حَوَائِجِ النَّاسِ وَالْاشْتِغَالِ عَنْهُمْ بِخُوَيْصَّةِ نَفْسِهِ، (ثُمَّ يُشَيِّعُهُمْ) بِتَشْدِيدِ التَّحْتِيَّةِ الْمَكْسُورَةِ ; وَهُوَ عَطْفٌ عَلَى (شَرَطَ)، وَالْمُشَايَعَةُ مُسْتَحَبَّةٌ ; لِمَا رَوَى الْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «مَشَى مَعَ الْغُزَاةِ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - إِلَى بَقِيعِ الْغَرْقَدِ حِينَ وَجَّهَهُمْ، ثُمَّ قَالَ: انْطَلَقُوا عَلَى اسْمِ اللَّهِ اللَّهُمَّ أَعِنْهُمْ» . رَوَاهُمَا) ; أَيِ الْحَدِيثَيْنِ الْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ.
[ ٦ / ٢٤٢٥ ]