الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
٣٦٢٥ - عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ «أَنَّ رَجُلًا اسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ يُلَقَّبُ حِمَارًا كَانَ يُضْحِكُ النَّبِيَّ ﷺ وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ قَدْ جَلَدَهُ فِي الشَّرَابِ فَأُتِيَ بِهِ يَوْمًا فَأَمَرَ بِهِ فَجُلِدَ فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ: اللَّهُمَّ الْعَنْهُ مَا أَكْثَرَ مَا يُؤْتَى بِهِ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: لَا تَلْعَنُوهُ فَوَاللَّهِ مَا عَلِمْتُ أَنَّهُ يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
_________________
(١) الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
(٢) (وَعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ) ﵁ (أَنَّ رَجُلَا اسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ يُلَقَّبُ حِمَارًا كَانَ يُضْحِكُ النَّبِيَّ ﷺ) أَيْ يَتَسَبَّبُ بِالْمُطَايَبَةِ لِضَحِكِهِ (وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ قَدْ جَلَدَهُ) أَيْ مَرَّةً (فِي الشَّرَابِ) أَيْ فِي شُرْبِهِ وَفِي نُسْخَةٍ فِي الشُّرْبِ (فَأُتِيَ بِهِ يَوْمًا) أَيْ أُخِذَ (فَأَمَرَ بِهِ فَجُلِدَ فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ: اللَّهُمَّ الْعَنْهُ) أَيْ أَبْعِدْهُ عَنْ رَحْمَتِكَ (مَا أَكْثَرَ مَا يُؤْتَى بِهِ) مَا الْأُولَى تَعَجُّبِيَّةٌ وَالثَّانِيَةُ مَصْدَرِيَّةٌ أَيْ مَا أَكْثَرَ إِتْيَانِهِ كَقَوْلِكَ مَا
[ ٦ / ٢٣٧٦ ]
أَحْسَنَ زَيْدًا (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: لَا تَلْعَنُوهُ) نَظِيرُهُ مَرَّ فَتَذَكَّرْ (فَوَاللَّهِ مَا عَلِمْتُ) بِضَمِّ التَّاءِ (أَنَّهُ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ فَمَا مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ أَنَّهُ أَيِ الَّذِي عَلِمْتُ أَنَّهُ أَوْ هُوَ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أَيْ هُوَ الَّذِي عَلِمْتُ أَنَّهُ، وَأَنَّ مَعَ اسْمِهِ وَخَبَرِهِ سَدَّ مَسَدَّ مَفْعُولَيْ عَلِمْتُ، وَالْجُمْلَةُ جَوَابُ الْقَسَمِ، وَفِي مَطَالِعِ الْأَنْوَارِ: مَعْنَاهُ فَوَاللَّهِ الَّذِي عَلِمْتُهُ أَنَّهُ، قَالَ الطِّيبِيُّ: فَعَلَى هَذَا عَلِمَ بِمَعْنَى عَرَفَ وَأَنَّهُ خَبَرُ الْمَوْصُولِ أَوْ مَصْدَرِيَّةٌ أَيْ عِلْمِي بِهِ أَنَّهُ (يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ) وَقِيلَ: مَا زَائِدَةٌ، أَيْ وَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُ مِنْهُ ذَلِكَ لَكِنَّهُ قَدْ يَصْدُرُ مِنْهُ الزَّلَّةُ، وَقِيلَ: مَا نَافِيَةٌ وَالتَّاءُ عَلَى الْخِطَابِ، أَيْ مَا عَلِمْتُ عَلَى طَرِيقِ التَّقْرِيرِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: وَيَصِحُّ حِينَئِذٍ كَسْرُ أَنَّهُ وَفَتْحُهَا وَالْكَسْرُ عَلَى جَوَابِ الْقَسَمِ، وَفِي رِوَايَةِ شَرْحِ السُّنَّةِ: إِلَّا أَنَّهُ، وَهُوَ ظَاهِرٌ وَفِي الْحَدِيثِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَعْنُ الْمُذْنِبِ بِخُصُوصِهِ وَأَنَّ مَحَبَّةَ اللَّهِ وَمَحَبَّةَ رَسُولِهِ مُوجِبَتَانِ لِلزُّلْفَى مِنَ اللَّهِ وَالْقُرْبَى مِنْهُ فَلَا يَجُوزُ لَعْنُهُ ; لِأَنَّهُ طُرِدَ مِنْ رَحْمَتِهِ (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) .
[ ٦ / ٢٣٧٧ ]
٣٦٢٦ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: «أُتِيَ النَّبِيُّ ﷺ بِرَجُلٍ قَدْ شَرِبَ فَقَالَ: اضْرِبُوهُ فَمِنَّا الضَّارِبُ بِيَدِهِ وَالضَّارِبُ بِنَعْلِهِ وَالضَّارِبُ بِثَوْبِهِ فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ: أَخْزَاكَ اللَّهُ قَالَ: لَا تَقُولُوا هَكَذَا لَا تُعِينُوا عَلَيْهِ الشَّيْطَانَ» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
_________________
(١) (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: «أُتِيَ النَّبِيُّ ﷺ بِرَجُلٍ قَدْ شَرِبَ فَقَالَ: اضْرِبُوهُ. فَمِنَّا الضَّارِبُ بِيَدِهِ وَالضَّارِبُ بِنَعْلِهِ وَالضَّارِبُ بِثَوْبِهِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ: أَخْزَاكَ اللَّهُ قَالَ: لَا تَقُولُوا هَكَذَا، لَا تُعِينُوا عَلَيْهِ الشَّيْطَانَ» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) .
[ ٦ / ٢٣٧٧ ]
الْفَصْلُ الثَّانِي
٣٦٢٧ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: «جَاءَ الْأَسْلَمِيُّ إِلَى نَبِيِّ اللَّهِ ﷺ فَشَهِدَ عَلَى نَفْسِهِ أَنَّهُ أَصَابَ امْرَأَةً حَرَامًا أَرْبَعَ مَرَّاتٍ كُلَّ ذَلِكَ يُعْرِضُ عَنْهُ فَأَقْبَلَ فِي الْخَامِسَةِ فَقَالَ: أَنِكْتَهَا؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: حَتَّى غَابَ ذَلِكَ مِنْكَ فِي ذَلِكَ مِنْهَا؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: كَمَا يَغِيبُ الْمِرْوَدُ فِي الْمُكْحُلَةِ وَالرِّشَاءُ فِي الْبِئْرِ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: هَلْ تَدْرِي مَا الزِّنَا؟ قَالَ: نَعَمْ، أَتَيْتُ مِنْهَا حَرَامًا مَا يَأْتِي الرَّجُلُ مِنْ أَهْلِهِ حَلَالًا، قَالَ: فَمَا تُرِيدُ بِهَذَا الْقَوْلِ؟ قَالَ: أُرِيدُ أَنْ تُطَهِّرَنِي، فَأَمَرَ بِهِ فَرُجِمَ، فَسَمِعَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ رَجُلَيْنِ مِنْ أَصْحَابِهِ يَقُولُ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: انْظُرْ إِلَى هَذَا الَّذِي سَتَرَ اللَّهُ عَلَيْهِ فَلَمْ تَدَعْهُ نَفْسُهُ حَتَّى رُجِمَ رَجْمَ الْكَلْبِ، فَسَكَتَ عَنْهُمَا، ثُمَّ سَارَ سَاعَةً حَتَّى مَرَّ بِجِيفَةِ حِمَارٍ شَائِلٍ بِرِجْلِهِ، فَقَالَ: أَيْنَ فُلَانٌ وَفُلَانٌ؟ قَالَا: نَحْنُ ذَانِ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ: انْزِلَا فَكُلَا مِنْ جِيفَةِ الْحِمَارِ، فَقَالَا: يَا نَبِيَّ اللَّهِ مَنْ يَأْكُلُ مِنْ هَذَا؟ قَالَ: فَمَا نِلْتُمَا مِنْ عِرْضِ أَخِيكُمَا آنِفًا أَشَدُّ مِنْ أَكْلٍ مِنْهُ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّهُ الْآنَ لَفِي أَنْهَارِ الْجَنَّةِ يَنْغَمِسُ بِهَا» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
_________________
(١) الْفَصْلُ الثَّانِي
(٢) (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: جَاءَ الْأَسْلَمِيُّ) أَيْ مَاعِزٌ (إِلَى نَبِيِّ اللَّهِ ﷺ فَشَهِدَ عَلَى نَفْسِهِ أَنَّهُ أَصَابَ امْرَأَةً حَرَامًا) أَيْ بِطَرِيقِ الزِّنَا (أَرْبَعَ مَرَّاتٍ) أَيْ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ فِي أَرْبَعَةِ مَجَالِسَ (كُلَّ ذَلِكَ) بِالنَّصْبِ ظَرْفٌ لِقَوْلِهِ (يُعْرِضُ عَنْهُ) أَيْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ مِنَ الْمَرَّاتِ الْأَرْبَعِ يُعْرِضُ النَّبِيُّ ﷺ عَنِ الْأَسْلَمِيِّ دَرَأً لِلْحَدِّ (فَأَقْبَلَ فِي الْخَامِسَةِ فَقَالَ: أَنِكْتَهَا؟) بِكَسْرِ النُّونِ أَيْ أَجَامَعْتَهَا؟ (قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: حَتَّى غَابَ ذَلِكَ مِنْكَ) إِشَارَةٌ إِلَى آلَةِ الرَّجُلِ وَهِيَ الذَّكَرُ (فِي ذَلِكَ مِنْهَا) إِشَارَةٌ إِلَى آلَةِ الْمَرْأَةِ وَهِيَ الْفَرْجُ (قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: كَمَا يَغِيبُ الْمِرْوَدُ) بِكَسْرِ الْمِيمِ أَيِ الْمَيْلُ (فِي الْمُكْحُلَةِ) بِضَمَّتَيْنِ (وَالرِّشَاءُ) بِالرَّفْعِ عَطْفًا عَلَى الْمِرْوَدِ وَهُوَ بِكَسْرِ الرَّاءِ وَالْمَدِّ أَيِ الْحَبْلُ (فِي الْبِئْرِ) بِالْهَمْزِ وَيُبْدَلُ وَلَعَلَّ الْمِثَالَ الْأَوَّلَ كِنَايَةٌ عَنِ الْبِكْرِ، وَالثَّانِي عَنِ الثَّيِّبِ (فَقَالَ: نَعَمْ. قَالَ: هَلْ تَدْرِي مَا الزِّنَا؟ قَالَ: نَعَمْ أَتَيْتُ مِنْهَا) أَيْ مِنَ الْمَرْأَةِ الْمُزَنِيَّةِ (حَرَامًا مَا يَأْتِي الرَّجُلُ مِنْ أَهْلِهِ) أَيِ امْرَأَتِهِ أَوْ جَارِيَتِهِ (حَلَالًا قَالَ: فَمَا تُرِيدُ بِهَذَا الْقَوْلِ؟ قَالَ: أُرِيدُ أَنْ تُطَهِّرَنِي) أَيْ مِمَّا وَقَعَ لِي مِنْ عَمَلِ الرِّجْسِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: كُلُّ ذَلِكَ تَعَلُّلٌ وَسَوْقٌ لِلْمَعْلُومِ مَسَاقَ الْمَجْهُولِ لَعَلَّهُ يَرْجِعُ مِنْ شَهَادَتِهِ تِلْكَ إِيذَانًا بِأَنَّ حَقَّ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى الْمُسَاهَلَةِ، وَعَلَى أَنَّ لِلْإِمَامِ أَنْ يُعْرِضَ عَنِ الْمَحْدُودِ بِإِنْكَارِ مُوجِبِهِ (فَأَمَرَ بِهِ فَرُجِمَ فَسَمِعَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ رَجُلَيْنِ مِنْ أَصْحَابِهِ) أَيْ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ أَوْ أَصْحَابِ مَاعِزٍ (يَقُولُ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ) أَيْ لِلْآخَرِ (انْظُرْ) أَيْ نَظَرَ تَعَجُّبٍ وَإِنْكَارٍ (إِلَى هَذَا الَّذِي سَتَرَ اللَّهُ عَلَيْهِ فَلَمْ تَدَعْهُ نَفْسُهُ أَيْ لَمْ تَتْرُكْهُ (حَتَّى رُجِمَ) مَاضٍ مَجْهُولٌ (رَجْمَ الْكَلْبِ) مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ (فَسَكَتَ عَنْهُمَا) أَيْ حِينَئِذٍ
[ ٦ / ٢٣٧٧ ]
لِحِكْمَةٍ اقْتَضَتْهُ (ثُمَّ سَارَ سَاعَةً حَتَّى مَرَّ بِجِيفَةِ حِمَارٍ شَائِلٍ) أَيْ رَافِعٍ (بِرِجْلِهِ) أَيْ مِنْ شِدَّةِ الِانْتِفَاخِ بِالْمَوْتِ (فَقَالَ: أَيْنَ فُلَانٌ وَفُلَانٌ) كِنَايَتَانِ عَنِ الْمُغْتَابَيْنِ (فَقَالَا: نَحْنُ ذَانِ يَا رَسُولَ اللَّهِ) أَيْ حَاضِرَانِ (فَقَالَ: انْزِلَا فَكُلَا مِنْ جِيفَةِ هَذَا الْحِمَارِ، فَقَالَا: يَا نَبِيَّ اللَّهِ مَنْ يَأْكُلُ مِنْ هَذَا؟ قَالَ: فَمَا نِلْتُمَا) بِكَسْرِ أَوَّلِهِ أَيْ فَمَا أَصَبْتُمَا قَالَ الْمُظْهِرُ: مَا الْمَوْصُولَةُ مَعَ صِلَتِهَا مُبْتَدَأٌ أَوْ أَشَدُّ خَبَرُهُ وَالْعَائِدُ مَحْذُوفٌ أَيْ مَا نِلْتُمَاهُ (مِنْ عِرْضِ أَخِيكُمَا) أَيْ مَا تَنَاوَلَهُ (آنِفًا) بِالْمَدِّ وَيُقْصَرُ أَيْ قُبَيْلَ هَذِهِ السَّاعَةِ (أَشَدُّ) أَيْ أَكْثَرُ قُبْحًا (مِنْ أَكْلٍ مِنْهُ) أَيْ مِنَ الْحِمَارِ ; لِأَنَّ أَكْلَهُ حَلَالٌ حَالَ الِاضْطِرَارِ وَفِي حَالِ الِاخْتِيَارِ مَعْصِيَةٌ قَاصِرَةٌ بِخِلَافِ الْغِيبَةِ لَا سِيَّمَا غِيبَةُ النَّفْسِ الطَّاهِرَةِ (وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّهُ الْآنَ لَفِي أَنْهَارِ الْجَنَّةِ يَنْغَمِسُ فِيهَا) فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى حَقِّيَّةِ عَذَابِ الْقَبْرِ وَنَعِيمِهِ (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) وَكَذَا النَّسَائِيُّ.
[ ٦ / ٢٣٧٨ ]
٣٦٢٨ - وَعَنْ خُزَيْمَةَ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ أَصَابَ ذَنْبًا أُقِيمَ عَلَيْهِ حَدُّ ذَلِكَ الذَّنْبِ فَهُوَ كَفَّارَتُهُ» . رَوَاهُ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ.
_________________
(١) (وَعَنْ خُزَيْمَةَ) بِالتَّصْغِيرِ (ابْنِ ثَابِتٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: مَنْ أَصَابَ ذَنْبًا أُقِيمَ) أَيْ مَنْ فَعَلَ (ذَنْبًا) يُوجِبُ حَدًّا أَوْ مِنْ صِفَتِهِ أَنَّهُ أُقِيمَ (عَلَيْهِ حَدُّ ذَلِكَ الذَّنْبِ فَهُوَ) أَيِ الْحَدُّ (كَفَّارَتُهُ) أَيْ يُكَفِّرُ ذَلِكَ الذَّنْبَ أَوْ مُصِيبَهُ وَهُوَ الْمُذْنِبُ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ فِي شَرْحِ الْأَرْبَعِينَ: إِقَامَةُ الْحَدِّ بِمُجَرَّدِهِ كَفَّارَةٌ كَمَا صَرَّحَ بِهِ حَدِيثُ مُسْلِمٍ أَيْ بِالنِّسْبَةِ إِلَى ذَاتِ الذَّنْبِ، أَمَّا بِالنِّسْبَةِ إِلَى تَرْكِ التَّوْبَةِ مِنْهُ فَلَا يُكَفِّرُهَا الْحَدُّ ; لِأَنَّهَا مَعْصِيَةٌ أُخْرَى، وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ قَوْلُ جَمْعٍ أَنَّ إِقَامَتَهُ لَيْسَتْ كَفَّارَةً بَلْ لَا بُدَّ مِنَ التَّوْبَةِ (رَوَاهُ) أَيْ صَاحِبُ الْمَصَابِيحِ (فِي شَرْحِ السُّنَّةِ) أَيْ بِإِسْنَادِهِ وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: «مَنْ أَصَابَ ذَنْبًا فَأُقِيمَ عَلَيْهِ» . الْحَدِيثُ رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالضِّيَاءُ.
[ ٦ / ٢٣٧٨ ]
٣٦٢٩ - وَعَنْ عَلِيٍّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ أَصَابَ حَدًّا فَعُجِّلَ عُقُوبَتَهُ فِي الدُّنْيَا فَاللَّهُ أَعْدَلُ مِنْ أَنْ يُثَنِّيَ عَلَى عَبْدِهِ الْعُقُوبَةَ فِي الْآخِرَةِ، وَمَنْ أَصَابَ حَدًّا فَسَتَرَهُ اللَّهُ وَعَفَا عَنْهُ فَاللَّهُ أَكْرَمُ مِنْ أَنْ يَعُودَ فِي شَيْءٍ قَدْ عَفَا عَنْهُ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ.
_________________
(١) (وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: مَنْ أَصَابَ حَدًّا) أَيْ ذَنْبًا يُوجِبُ حَدًّا فَأُقِيمَ الْمُسَبَّبُ مَقَامَ السَّبَبِ وَيَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِالْحَدِّ الْمُحَرَّمُ مِنْ قَوْلِهِ ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا﴾ [البقرة: ٢٢٩] أَيْ تِلْكَ مَحَارِمُهُ، ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ (فَعُجِّلَ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيْ فَقُدِّمَ (عُقُوبَتُهُ فِي الدُّنْيَا فَاللَّهُ أَعْدَلُ مِنْ أَنْ يُثَنِّيَ) بِتَشْدِيدِ النُّونِ أَيْ يُكَرِّرَ (عَلَى عَبْدِهِ الْعُقُوبَةَ فِي الْآخِرَةِ وَمَنْ أَصَابَ حَدًّا فَسَتَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ) بِأَنْ تَابَ عَنِ الذَّنَبِ، وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ سَتْرَ الْعَبْدِ عَلَى نَفْسِهِ وَتَوْبَتَهُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ أَوْلَى مِنَ الْإِظْهَارِ (وَعَفَا عَنْهُ فَاللَّهُ أَكْرَمُ مِنْ أَنْ يَعُودَ فِي شَيْءٍ قَدْ عَفَا عَنْهُ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ) وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ. بَابُ التَّعْزِيرِ فِي الْمُغْرِبِ: التَّعْزِيرُ تَأْدِيبٌ دُونَ الْحَدِّ، وَأَصْلُهُ مِنَ الْعَزْرِ بِمَعْنَى الرَّدِّ وَالرَّدْعِ، قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: وَهُوَ مَشْرُوعٌ بِالْكِتَابِ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطْعَنْكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا﴾ [النساء: ٣٤] أَمَرَ بِضَرْبِ الزَّوْجَاتِ تَأْدِيبًا وَتَهْذِيبًا، وَفِي الْكَافِي قَالَ ﵊: «لَا تَرْفَعْ عَصَاكَ عَنْ أَهْلِكَ» . وَرُوِيَ «أَنَّهُ ﵊ عَزَّرَ رَجُلًا قَالَ لِغَيْرِهِ: يَا مُخَنَّثُ» . وَفِي الْمُحِيطِ رُوِيَ عَنْهُ ﵊ قَالَ: «رَحِمَ اللَّهُ امْرَأً عَلَّقَ سَوْطَهُ حَيْثُ يَرَاهُ أَهْلُهُ» . وَأَقْوَى هَذِهِ الْأَحَادِيثُ قَوْلُهُ ﵊: «فَاضْرِبُوهُمْ عَلَى تَرْكِهَا بِعَشْرٍ فِي الصِّبْيَانِ» . فَهَذَا دَلِيلُ شَرْعِيَّةِ التَّعْزِيرِ وَأَجْمَعَ عَلَيْهِ
[ ٦ / ٢٣٧٨ ]
الصَّحَابَةُ، وَذَكَرَ التَّمْرُتَاشِيُّ عَنِ السَّرَخْسِيِّ أَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ مُقَدَّرٌ بَلْ مُفَوَّضٌ إِلَى رَأَيِ الْقَاضِي ; لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهُ الزَّجْرُ، وَأَحْوَالُ النَّاسِ مُخْتَلِفَةٌ فِيهِ فَمِنْهُمْ مَنْ يُزْجَرُ بِالنَّصِيحَةِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَحْتَاجُ إِلَى اللَّطْمَةِ وَإِلَى الضَّرْبِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَحْتَاجُ إِلَى الْحَبْسِ، وَسُئِلَ أَبُو جَعْفَرٍ الْهِنْدُوَانِيُّ عَمَّنْ وَجَدَ رَجُلًا مَعَ امْرَأَةٍ أَيَحِلُّ لَهُ قَتْلَهُ؟ قَالَ: إِنْ كَانَ يَعْلَمُ أَنَّهُ يَنْزَجِرُ عَنِ الزِّنَا بِالصِّيَاحِ وَالضَّرْبِ بِمَا دُونَ السِّلَاحِ لَا يَقْتُلُهُ، وَإِنْ عَلِمَ أَنَّهُ لَا يَنْزَجِرُ إِلَّا بِالْقَتْلِ حَلَّ لَهُ قَتْلُهُ، وَإِنْ طَاوَعَتْهُ الْمَرْأَةُ حَلَّ قَتْلُهَا أَيْضًا، وَهَذَا تَنْصِيصٌ عَلَى أَنَّ الضَّرْبَ تَعْزِيرٌ يَمْلِكُهُ الْإِنْسَانُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُحْتَسِبًا وَصُرِّحَ فِي الْمُنْتَقَى بِذَلِكَ وَهَذَا لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ إِزَالَةِ الْمُنْكَرِ بِالْيَدِ وَالشَّارِعُ وَلَّى كُلَّ أَحَدٍ ذَلِكَ حَيْثُ قَالَ: «مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ» . الْحَدِيثَ بِخِلَافِ الْحُدُودِ لَمْ يَثْبُتْ تَوْلِيَتُهَا إِلَّا لِلْوُلَاةِ، ثُمَّ التَّعْزِيرُ فِيمَا شُرِعَ فِيهِ التَّعْزِيرُ إِذَا رَآهُ الْإِمَامُ وَاجِبًا، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَأَحْمَدَ وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ لَيْسَ بِوَاجِبٍ لَمَّا أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ: أَصَلَّيْتَ مَعَنَا؟ قَالَ: نَعَمْ، فَتَلَا عَلَيْهِ ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤] وَقَالَ فِي الْأَنْصَارِ: «اقْبَلُوا مِنْ مُحْسِنِهِمْ وَتَجَاوَزُوا عَنْ مُسِيئِهِمْ» . وَقَالَ رَجُلٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ فِي الْحُكْمِ الَّذِي حَكَمَ بِهِ لِلزُّبَيْرِ فِي سَقْيِ أَرْضِهِ فَلَمْ يُوَافِقْ غَرَضَهُ: أَنْ كَانَ ابْنَ عَمَّتِكَ، فَغَضِبَ ﷺ وَلَمْ يُعَزِّرْهُ، وَلَنَا أَنَّ مَا كَانَ مَنْصُوصًا مِنَ التَّعْزِيرِ كَمَا فِي وَطْءِ جَارِيَةِ امْرَأَتِهِ أَوْ جَارِيَةٍ مُشْتَرَكَةٍ يَجِبُ امْتِثَالُ الْأَمْرِ فِيهِ وَمَا لَمْ يَكُنْ مَنْصُوصًا عَلَيْهِ إِذَا رَأَى الْإِمَامُ بَعْدَ مُجَانَبَةِ هَوَى نَفْسِهِ الْمَصْلَحَةَ وَعَلِمَ أَنَّهُ لَا يَنْزَجِرُ إِلَّا بِهِ وَجَبَ لِأَنَّهُ زَاجِرٌ مَشْرُوعٌ لِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى فَوَجَبَ كَالْحَدِّ وَمَا عَلِمَ أَنَّهُ يَنْزَجِرُ بِدُونِهِ لَا يَجِبُ، وَهُوَ مَحْمَلُ حَدِيثِ الَّذِي ذَكَرَ لِلنَّبِيِّ ﷺ: مَا أَصَابَ مِنَ الْمَرْأَةِ. فَإِنَّهُ لَمْ يَذْكُرْهُ لِلنَّبِيِّ ﷺ إِلَّا وَهُوَ نَادِمٌ مُنْزَجِرٌ ; لِأَنَّ ذِكْرَهُ لَهُ لَيْسَ إِلَّا لِلِاسْتِعْلَامِ بِمُوجَبِهِ لِيُفْعَلَ مَعَهُ، وَأَمَّا حَدِيثُ الزُّبَيْرِ فَالتَّعْزِيرُ لِحَقِّ آدَمِيٍّ وَهُوَ النَّبِيُّ ﷺ وَيَجُوزُ لَهُ تَرْكُهُ.
[ ٦ / ٢٣٧٩ ]