الْفَصْلُ الْأَوَّلُ.
٤١٠٤ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: " «كُلُّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ فَأَكْلُهُ حَرَامٌ» " رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
_________________
(١) بَابُ مَا يَحِلُّ أَكْلُهُ وَمَا يَحْرُمُ أَكْلُهُ. قَدَّمَ الْحَلَّالَ؛ لِأَنَّهُ الْأَصْلُ وَضْعًا وَالْمَطْلُوبُ شَرْعًا. الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
(٢) (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵄ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: كُلُّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ): سَبَقَ عَلَيْهِ الْكَلَامُ (فَأَكْلُهُ حَرَامٌ): الْفَاءُ لِتَضَمُّنِ الْمُبْتَدَأِ مَعْنَى الشَّرْطِ (رَوَاهُ مُسْلِمٌ): وَكَذَا النَّسَائِيُّ.
[ ٧ / ٢٦٦٢ ]
٤١٠٥ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ - قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - عَنْ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ، وَكُلِّ ذِي مِخْلَبٍ مِنَ الطَّيْرِ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
_________________
(١) (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا، قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - عَنْ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ») أَيْ: عَنْ أَكْلِهِ وَأَبَاحَ مَالِكٌ ذَلِكَ مَعَ الْكَرَاهَةِ (وَكُلِّ ذِي مِخْلَبٍ مِنَ الطَّيْرِ: وَأَبَاحَ ذَلِكَ مَالِكٌ عَلَى الْإِطْلَاقِ، وَفِي شَرْحِ السُّنَّةِ: كُلُّ حَيَوَانٍ لَا يَحِلُّ أَكْلُهُ فَلَا يَحِلُّ شُرْبُ لَبَنِهِ إِلَّا الْآدَمَيَّاتِ، يَعْنِي لِلْأَطْفَالِ، وَكُلُّ طَيْرٍ لَا يَحِلُّ لَحْمُهُ لَا يَحِلُّ بَيْضُهُ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ): وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: «نَهَى عَنْ أَكْلِ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ»، رَوَاهُ السِّتَّةُ عَنْ أَبِي ثَعْلَبَةَ، وَزَادَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَعَنْ أَكْلِ كُلِّ ذِي مِخْلَبٍ مِنَ الطَّيْرِ. رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَمُسْلِمٌ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ.
[ ٧ / ٢٦٦٣ ]
٤١٠٦ - وَعَنْ أَبِي ثَعْلَبَةَ - ﵄ - قَالَ: «حَرَّمَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - لُحُومَ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
_________________
(١) (وَعَنْ أَبِي ثَعْلَبَةَ) أَيِ: الْخُشَنِيِّ (رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ): مِنْ أَهْلِ بَيْعَةِ الرِّضْوَانِ (قَالَ: «حَرَّمَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - لُحُومَ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ): وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: «نَهَى عَنْ أَكْلِ لُحُومِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ» . رَوَاهُ الشَّيْخَانِ عَنِ الْبَرَاءِ، وَعَنْ جَابِرٍ، وَعَنْ عَلِيٍّ، وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَعَنْ أَبِي ثَعْلَبَةَ.
[ ٧ / ٢٦٦٣ ]
٤١٠٧ - وَعَنْ جَابِرٍ - ﵄ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - «نَهَى يَوْمَ خَيْبَرَ عَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ، وَأَذِنَ فِي لُحُومِ الْخَيْلِ»، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
_________________
(١) (وَعَنْ جَابِرٍ - ﵄ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - «نَهَى يَوْمَ خَيْبَرَ عَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ، وَأَذِنَ فِي لُحُومِ الْخَيْلِ»): فِي شَرْحِ السُّنَّةِ: اخْتَلَفُوا فِي إِبَاحَةِ لُحُومِ الْخَيْلِ، فَذَهَبَ جَمَاعَةٌ إِلَى إِبَاحَتِهِ. رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ شُرَيْحٍ، وَالْحَسَنِ، وَعَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَحَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ. وَذَهَبَ جَمَاعَةٌ إِلَى تَحْرِيمِهِ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا، وَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ. قَالَ النَّوَوِيُّ: وَاحْتَجَّ أَبُو حَنِيفَةَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾ [النحل: ٨] وَلَمْ يَذْكُرِ الْأَكْلَ، وَذَكَرَ الْأَكْلَ فِي الْأَنْعَامِ فِي الْآيَةِ الَّتِي قَبْلَهَا، وَبِحَدِيثِ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - عَنْ لُحُومِ الْخَيْلِ وَالْبِغَالِ وَالْحَمِيرِ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنَ مَاجَهْ. وَأَجَابَ الْأَصْحَابُ عَنِ الْآيَةِ: بِأَنَّ ذِكْرَ الرُّكُوبِ وَالزِّينَةِ لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَنْفَعَتَهَا مَقْصُورَةٌ عَلَيْهِمَا، وَإِنَّمَا خُصَّا بِالذِّكْرِ؛ لِأَنَّهُ مُعْظَمُ الْمَقْصُودِ مِنَ الْخَيْلِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ﴾ [المائدة: ٣]، فَذَكَرَ اللَّحْمَ؛ لِأَنَّهُ مُعْظَمُ الْمَقْصُودِ، وَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى تَحْرِيمِ شَحْمِهِ وَدَمِهِ وَأَجْزَائِهِ. قُلْتُ: وَفِي كَوْنِهِ نَظِيرًا لِذَلِكَ نَظَرٌ ظَاهِرٌ. قَالَ: وَلِهَذَا سَكَتَ عَنْ ذِكْرِ حَمْلِ الْأَثْقَالِ عَلَى الْخَيْلِ مَعَ قَوْلِهِ تَعَالَى فِي الْأَنْعَامِ: ﴿وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ﴾ [النحل: ٧] وَلَمْ يَلْزَمْ مِنْ هَذَا مَنْعُ حَمْلِ الْأَثْقَالِ عَلَى الْخَيْلِ. قُلْتُ: فِي سُنَنِ النَّسَائِيِّ مِنْ حَدِيثِ سَلَمَةَ بْنِ نُفَيْلٍ السُّكُونِيِّ، «أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - نَهَى عَنْ إِذْلَالِ الْخَيْلِ» وَهُوَ امْتِهَانُهَا فِي الْحَمْلِ عَلَيْهَا وَاسْتِعْمَالُهَا فِي الذُّلِّ، وَأَنْشَدَ أَبُو عَمْرِو بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي التَّمْهِيدِ لِابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا: أَحِبُّوا الْخَيْلَ وَاصْطَبِرُوا عَلَيْهَا فَإِنَّ الْعِزَّ فِيهَا وَالْجِمَالَا إِذَا مَا الْخَيْلُ ضَيَّعَهَا أُنَاسٌ رَبَطْنَاهَا فَأَشْرَكَتِ الْعِيَالَا نِقَاسِمُهَا الْمَعِيشَةَ كُلَّ يَوْمٍ وَنَكْسُوهَا الْبَرَاقِعَ وَالْجَلَالَا قَالَ: وَعَنِ الْحَدِيثِ بِأَنَّ عُلَمَاءَ الْحَدِيثِ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ حَدِيثٌ ضَعِيفٌ. قَالَ أَبُو دَاوُدَ: هَذَا الْحَدِيثُ مَنْسُوخٌ. وَقَالَ النَّسَائِيُّ: حَدِيثُ الْإِبَاحَةِ أَصَحُّ، وَيُشْبِهُ إِنْ كَانَ هَذَا صَحِيحًا أَنْ يَكُونَ مَنْسُوخًا، وَاحْتَجَّ الْجُمْهُورُ بِأَحَادِيثِ الْإِبَاحَةِ الَّتِي ذَكَرَهَا مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ، وَهِيَ صَحِيحَةٌ صَرِيحَةٌ، وَلَمْ يَثْبُتْ فِي النَّهْيِ صَحِيحٌ اهـ. وَلَا يَخْفَى أَنَّ مَا نَقَلَهُ عَنْ أَنَّ دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيَّ مُخَالِفٌ لِدَعْوَاهُ مِنِ اتِّفَاقِ الْمُحَدِّثِينَ عَلَى أَنَّهُ حَدِيثٌ ضَعِيفٌ، فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ ضَعِيفًا لَمَا احْتَاجُوا إِلَى الْقَوْلِ بِنَسْخِهِ، مَعَ أَنَّ قَوْلَ النَّسَائِيِّ: حَدِيثُ الْإِبَاحَةِ أَصَحُّ صَرِيحٌ فِي أَنَّ حَدِيثَ التَّحْرِيمِ صَحِيحٌ، وَإِذَا
[ ٧ / ٢٦٦٣ ]
ثَبَتَ أَنَّهُ صَحِيحٌ عِنْدَ الْمُجْتَهِدِينَ فَلَا يُلْتَفَتُ إِلَى قَوْلِ أَحَدٍ مِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ أَنَّ حَدِيثَ مُعَارِضِهِ أَصَحُّ لِعُرُوضِ الْفَسَادِ فِي الْإِسْنَادِ، مَعَ أَنَّهُ قَدْ يَخْتَصُّ بِإِسْنَادِهِ، وَمِنَ الْقَوَاعِدِ الْمُقَرَّرَةِ أَنَّهُ إِذَا اجْتَمَعَ دَلِيلُ الْحُرْمَةِ وَالْإِبَاحَةِ فَتَتَرَجَّحُ الْحُرْمَةُ احْتِيَاطًا، وَأَمَّا دَعْوَى النَّسْخِ مَعَ كَوْنِهَا مُشْتَرَكَةً فَتَحْتَاجُ إِلَى بَيَانِ التَّارِيخِ مِنْ تَقْدِيمِ أَحَدِهَا عَلَى الْآخَرِ، وَهُوَ مَفْقُودٌ غَيْرُ مَوْجُودٍ، ثُمَّ ظَاهِرُ الْآيَةِ مِنْ إِدْرَاجِ الْخَيْلِ مَعَ الْبِغَالِ وَالْحَمِيرِ يُقَوِّي الْحَدِيثَ وَيُؤَيِّدُهُ، وَمِمَّا يُؤَكِّدُهُ كَوْنُهَا آلَةً لِلْجِهَادِ حَيْثُ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ﴾ [الأنفال: ٦٠] وَقَدْ أَقْسَمَ بِهَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا﴾ [العاديات: ١] وَهِيَ خَيْلُ الْغَزْوِ الَّتِي تَعْدُو فَتَصِيحُ أَيْ تُصَوِّتُ بِأَجْوَافِهَا، فَلَا يُلَائِمُ أَنْ تَكُونَ مِمَّا يُذْبَحُ فَيُؤْكَلُ، وَقَدْ قَالَ - ﷺ - عَلَى مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ «عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يَلْوِي نَاصِيَةَ فَرَسٍ وَهُوَ يَقُولُ: (الْخَيْلُ مَعْقُودٌ فِي نَوَاصِيهَا الْخَيْرُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ»: الْأَجْرُ وَالْغَنِيمَةُ) . وَمَعْنَى عَقْدِ الْخَيْرِ بِنَوَاصِيهَا أَنَّهُ مُلَازِمٌ لَهَا كَأَنَّهُ مَعْقُودٌ فِيهَا، وَالْمُرَادُ بِالنَّاصِيَةِ هُنَا الشَّعْرُ الْمُسْتَرْسِلُ عَلَى الْجَبْهَةِ عَلَى مَا قَالَهُ الْخَطَّابِيُّ وَغَيْرُهُ. قَالُوا: وَكَنَّى بِالنَّاصِيَةِ عَنْ جَمِيعِ ذَاتِ الْفَرَسِ، وَرَوَى النَّسَائِيُّ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ - ﵄ - «أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ أَحَبَّ إِلَيْهِ بَعْدَ النِّسَاءِ مِنَ الْخَيْلِ» .
وَرُوِيَ أَنَّ إِسْمَاعِيلَ - ﵇ - أَوَّلُ مَنْ رَكِبَهَا، وَلِذَلِكَ سُمِّيَتِ الْعِرَابَ، وَكَانَتْ قَبْلَ ذَلِكَ وَحْشِيًّا كَسَائِرِ الْوُحُوشِ، فَلَمَّا أَذِنَ اللَّهُ تَعَالَى لِإِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ بِرَفْعِ الْقَوَاعِدِ مِنَ الْبَيْتِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى (إِنِّي مُعْطِيكُمَا كَنْزًا ادَّخَرْتُهُ لَكُمَا) ثُمَّ أَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إِلَى إِسْمَاعِيلَ أَنِ اخْرُجْ فَادْعُ بِذَلِكَ الْكَنْزِ، فَخَرَجَ إِلَى أَجْيَادٍ وَكَانَ لَا يَدْرِي مَا الدُّعَاءُ وَالْكَنْزُ، فَأَلْهَمَهُ اللَّهُ ﷿ الدُّعَاءَ، فَلَمْ يَبْقَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ فَرَسٌ إِلَّا أَجَابَتْهُ فَأَمْكَنَتْهُ مِنْ نَوَاصِيهَا وَتَذَلَّلَتْ لَهُ، وَلِذَلِكَ قَالَ نَبِيُّنَا - ﷺ -: («ارْكَبُوا الْخَيْلَ فَإِنَّهَا مِيرَاثُ أَبِيكُمْ إِسْمَاعِيلَ») وَلَعَلَّ حَدِيثَ الْإِبَاحَةِ مَحْمُولٌ عَلَى حَالِ الضَّرُورَةِ جَمْعًا بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ، كَمَا فِي نَفْسِ الْحَدِيثِ إِشَارَةٌ إِلَيْهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ): وَاعْلَمْ أَنَّ الْإِمَامَ مَالِكًا قَالَ بِكَرَاهَةِ لَحْمِ الْخَيْلِ وَالْمُرَجَّحُ مِنْ مَذْهَبِهِ التَّحْرِيمُ، وَأَمَّا لَحْمُ الْبِغَالِ وَالْحَمِيرِ الْأَهْلِيَّةِ فَحَرَامٌ عِنْدَ الثَّلَاثَةِ، وَاخْتَلَفُوا عَنْ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ، وَالْمَرْوِيُّ عَنْهُ أَنَّهَا مَكْرُوهَةٌ مُغَلَّظَةٌ، وَالْمُرَجَّحُ عِنْدَ مُحَقِّقِي أَصْحَابِهِ التَّحْرِيمُ، وَحُكِيَ عَنِ الْحَسَنِ أَكْلُ لَحْمِ الْبِغَالِ، وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ إِبَاحَةُ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ.
[ ٧ / ٢٦٦٤ ]
٤١٠٨ - «وَعَنْ أَبِي قَتَادَةَ - ﵄ - أَنَّهُ رَأَى حِمَارًا وَحْشِيًّا فَعَقَرَهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ: " هَلْ مَعَكُمْ مِنْ لَحْمِهِ شَيْءٌ؟ " قَالَ: مَعَنَا رِجْلُهُ، فَأَخَذَهَا فَأَكَلَهَا»، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
_________________
(١) (وَعَنْ أَبِي قَتَادَةَ - ﵄ - أَنَّهُ رَأَى حِمَارًا وَحْشِيًّا فَعَقَرَهُ) أَيْ: جَرَحَهُ وَقَتَلَهُ وَسَأَلَ عَنْ جَوَازِ أَكْلِهِ (فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ: هَلْ مَعَكُمْ مِنْ لَحْمِهِ شَيْءٌ؟ فَقَالَ: مَعَنَا رِجْلُهُ فَأَخَذَهَا فَأَكَلَهَا): تَقَدَّمَ الْحَدِيثُ مُفَصَّلًا فِي بَابِ الْإِحْرَامِ مِنْ كِتَابِ الْحَجِّ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
[ ٧ / ٢٦٦٤ ]
٤١٠٩ - «وَعَنْ أَنَسٍ - ﵄ - قَالَ: أَنْفَجْنَا أَرْنَبًا بِمَرِّ الظَّهْرَانِ، فَأَخَذْتُهَا فَأَتَيْتُ بِهَا أَبَا طَلْحَةَ فَذَبَحَهَا وَبَعَثَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - بِوَرِكِهَا وَفَخِذَيْهَا فَقَبِلَهُ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
_________________
(١) (وَعَنْ أَنَسٍ - ﵄ - قَالَ: أَنْفَجْنَا): مِنَ الْإِنْفَاجِ بِالنُّونِ وَالْفَاءِ وَالْجِيمِ أَيْ: هَيَّجْنَا وَأَثَرْنَا (أَرْنَبًا) أَيْ: مِنْ حِجْرِهَا، فَفِي شَرْحِ السُّنَّةِ: أَنْفَجْتُ الْأَرْنَبَ مِنْ حِجْرِهِ فَنَفَجَ أَيْ: أَثَرْتُهُ فَثَارَ، وَفِي الْقَامُوسِ: الْأَرْنَبُ مَعْرُوفٌ لِلذَّكَرِ وَالْأُنْثَى أَوْ لَهَا، وَالْمَعْنَى أَقَمْنَاهَا مِنْ مَكَانِهَا. (بِمَرِّ الظَّهْرَانِ): بِفَتْحِ الْمِيمِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ وَفَتْحِ الظَّاءِ الْمُعْجَمَةِ، مَوْضِعٌ بَيْنَ الْحَرَمَيْنِ قُرَيْبَ مَكَّةَ، كَذَا ذَكَرَهُ النَّوَوِيُّ وَغَيْرُهُ، (فَأَخَذْتُهَا) أَيْ: مِمَّا بَيْنَهُمْ (فَأَتَيْتُ بِهَا أَبَا طَلْحَةَ): وَهُوَ زَوْجُ أُمِّ أَنَسٍ (فَذَبَحَهَا وَبَعَثَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - بِوَرِكِهَا): بِفَتْحِ الْوَاوِ وَكَسْرِ الرَّاءِ، وَفِي الْقَامُوسِ: الْوَرِكُ بِالْفَتْحِ وَالْكَسْرِ وَكَكَتِفِ مَا فَوْقَ الْفَخِذِ مُؤَنَّثَةٌ، (وَفَخِذَيْهَا): بِفَتْحٍ فَكَسْرٍ أَيْ: هُمَا. وَفِي الْقَامُوسِ: الْفَخِذُ كَكَتِفِ مَا بَيْنَ السَّاقِ وَالْوَرِكِ كَالْفَخِذِ وَيُكْسَرُ (فَقَبِلَهُ): يَعْنِي وَلَوْ لَمْ يَكُنْ مَأْكُولًا لَمَا قَبِلَهُ وَلَنَهَى عَنْهُ. قَالَ الطِّيبِيُّ: الضَّمِيرُ رَاجِعٌ إِلَى الْمَبْعُوثِ أَوْ بِمَعْنَى اسْمِ الْإِشَارَةِ أَيْ: ذَاكَ اهـ. وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ رَاجِعٌ إِلَى الْمَذْكُورِ، وَفِي شَرْحِ السُّنَّةِ: اخْتَلَفُوا فِي الْأَرْنَبِ، فَذَهَبَ أَكْثَرُهُمْ إِلَى إِبَاحَتِهِ وَكَرِهَهُ جَمَاعَةٌ، قَالُوا: إِنَّهَا تُدْمِي، وَفِي كِتَابِ الرَّحْمَةِ فِي اخْتِلَافِ الْأَئِمَّةِ أَنَّ الْأَرْنَبَ حَلَالٌ بِالِاتِّفَاقِ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
[ ٧ / ٢٦٦٤ ]
٤١١٠ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ - ﵄ - قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: " الضَّبُّ لَسْتُ آكُلُهُ وَلَا أُحَرِّمُهُ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
_________________
(١) (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ - ﵄ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: الضَّبُّ): فِي الْقَامُوسِ: هُوَ مَعْرُوفٌ وَهِيَ بِهَاءٍ. قَالَ السُّيُوطِيُّ: دُوَيْبَةٌ لَطِيفَةٌ مِنْ خَصَائِصِهِ أَنَّ لَهُ ذَكَرَيْنِ فِي أَصْلٍ وَاحِدٍ، وَأَنَّهُ يَعِيشُ سَبْعَمِائَةِ سَنَةٍ، وَلَا يَشْرَبُ الْمَاءَ، بَلْ يَكْتَفِي بِالنَّسِيمِ، وَيَبُولُ فِي كُلِّ أَرْبَعِينَ يَوْمًا قَطْرَةً، وَلَا يَسْقُطُ لَهُ سِنٌّ اهـ. وَهُوَ بِالرَّفْعِ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ جُمْلَةُ (لَسْتُ آكُلُهُ وَلَا أُحَرِّمُهُ): قَالَ الطِّيبِيُّ: فِيهِ بَيَانُ إِظْهَارِ الْكَرَاهِيَةِ مِمَّا يَجِدُ فِي نَفْسِهِ لِقَوْلِهِ فِي حَدِيثٍ آخَرَ: (فَأَجِدُنِي أَعَافُهُ) اهـ. وَقِيلَ: عَدَمُ أَكْلِهِ لِعِيَافَةِ الطَّبْعِ وَعَدَمِ تَحْرِيمِهِ، لِأَنَّهُ لَمْ يُوحَ إِلَيْهِ فِيهِ شَيْءٌ يَعْنِي بَعْدُ، وَسَيَأْتِي مَا يَدُلُّ عَلَى حُرْمَتِهِ مِنْ نَهْيِهِ - ﷺ - عَنْ أَكْلِهِ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
[ ٧ / ٢٦٦٥ ]
٤١١١ - «وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄: أَنَّ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ دَخَلَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - عَلَى مَيْمُونَةَ وَهِيَ خَالَتُهُ وَخَالَةُ ابْنِ عَبَّاسٍ، فَوَجَدَ عِنْدَهَا ضَبًّا مَحْنُوذًا، فَقَدَّمَتِ الضَّبَّ لِرَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - فَرَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - يَدَهُ عَنِ الضَّبِّ. فَقَالَ خَالِدٌ: أَحْرَامٌ الضَّبُّ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: " لَا، وَلَكِنْ لَمْ يَكُنْ بِأَرْضِ قَوْمِي، فَأَجِدُنِي أَعَافُهُ " قَالَ خَالِدٌ: فَاجْتَرَرْتُهُ فَأَكَلْتُهُ وَرَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - يَنْظُرُ إِلَيَّ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
_________________
(١) (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ - أَنَّ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ أَخْبَرَهُ) أَيْ: حَدَّثَ خَالِدٌ ابْنَ عَبَّاسٍ (أَنَّهُ) أَيْ: خَالِدٌ (دَخَلَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - عَلَى مَيْمُونَةَ) أَيْ: زَوْجِ النَّبِيِّ - ﷺ - (وَهِيَ خَالَتُهُ) أَيْ: خَالَةُ خَالِدٍ جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ مُبَيِّنَةٌ لِوَجْهِ دُخُولِ خَالِدٍ عَلَيْهَا (وَخَالَةُ ابْنِ عَبَّاسٍ): ذَكَرَهُ اسْتِطْرَادًا، وَفِيهِ الْتِفَاتٌ أَوْ تَجْرِيدٌ (فَوَجَدَ) أَيْ: صَادَفَ خَالِدٌ (عِنْدَهَا ضَبًّا مَحْنُوذًا) أَيْ: مَشْوِيًّا، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَجَاءَ بِعِجْلٍ﴾ [الذاريات: ٢٦] حَنِيذٍ وَقِيلَ الْمَشْوِيُّ عَلَى الرَّضَفِ وَهِيَ الْحِجَارَةُ الْمُحْمَاةُ (فَقَدَّمَتْ) أَيْ: مَيْمُونَةُ (الضَّبَّ لِرَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - فَرَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - يَدَهُ عَنِ الضَّبِّ) أَيِ: امْتَنَعَ ابْتِدَاءً عَنْ أَكْلِهِ (قَالَ خَالِدٌ: أَحْرَامٌ الضَّبُّ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: لَا) أَيْ: لَا أُحَرِّمُهُ أَوْ لَيْسَ بِحَرَامٍ (وَلَكِنْ) أَيْ: عَدَمُ أَكْلِي لِكَوْنِهِ (لَمْ يَكُنْ بِأَرْضِ قَوْمِي) أَيْ: مِنْ قُرَيْشٍ، أَوْ مِنْ قَبِيلَةِ حَلِيمَةَ مُرْضِعَتِهِ - ﷺ - (فَأَجِدُنِي) أَيْ: أَرَى نَفْسِي (أَعَافُهُ): بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَضَمِّ الْفَاءِ أَيْ: أَكْرَهُهُ طَبْعًا لَا شَرْعًا (قَالَ خَالِدٌ: فَاجْتَرَرْتُهُ): بِالْجِيمِ أَيْ: جَرَرْتُهُ وَجَذَبْتُهُ إِلَيَّ (فَأَكَلْتُهُ وَرَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - يَنْظُرُ إِلَيَّ): أَغْرَبَ ابْنُ الْمَلَكِ حَيْثُ خَالَفَ مَذْهَبَهُ، وَقَالَ: فِيهِ إِبَاحَةُ أَكْلِ الضَّبِّ، وَبِهِ قَالَ جَمْعٌ، إِذْ لَوْ حُرِّمَ لَمَا أُكِلَ بَيْنَ يَدَيْهِ، أَقُولُ: وَكَذَا لَمَا قَالَ: لَا، لَكِنَّ هَذَا قَبْلَ النَّهْيِ الْآتِي عَنْ أَكْلِهِ، فَيَكُونُ مَنْسُوخًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَالَ النَّوَوِيُّ: أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الضَّبَّ حَلَالٌ لَيْسَ بِمَكْرُوهٍ إِلَّا مَا حُكِيَ عَنْ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ مِنْ كَرَاهَتِهِ. قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: وَعَنْ قَوْمٍ هُوَ حَرَامٌ وَمَا أَظُنُّهُ يَصِحُّ عَنْ أَحَدٍ اهـ. وَكَأَنَّهُ مَا وَصَلَ إِلَيْهِ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ - ﵄ -. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
[ ٧ / ٢٦٦٥ ]
٤١١٢ - «وَعَنْ أَبِي مُوسَى - ﵁ - قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يَأْكُلُ لَحْمَ الدَّجَاجِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
_________________
(١) («وَعَنْ أَبِي مُوسَى - ﵄ - قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يَأْكُلُ الدَّجَاجَ») أَيْ: لَحْمَهَا. وَهُوَ بِفَتْحِ الدَّالِ وَفِي نُسْخَةٍ بِكَسْرِهَا. وَقَالَ السُّيُوطِيُّ الدَّجَاجُ مُثَلَّثُ الدَّالِ اسْمُ جِنْسٍ وَاحِدُهُ دَجَاجَةٌ بِالْفَتْحِ، وَقِيلَ بِكَسْرِ الدَّالِ لِلْمُذَكَّرِ وَبِفَتْحِهَا لِلْمُؤَنَّثِ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ): وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ، وَفِي الشَّمَائِلِ بِإِسْنَادِهِ إِلَى زُهْدُمٍ الْجِرْمِيِّ. قَالَ: كُنَّا عِنْدَ أَبِي مُوسَى فَأَتَى بِلَحْمِ دَجَاجٍ فَتَنَحَّى رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ فَقَالَ مَا لَكَ، قَالَ: إِنِّي رَأَيْتُهَا تَأْكُلُ شَيْئًا. وَفِي رِوَايَةٍ نَتَنًا، فَحَلَفْتُ أَنْ لَا آكُلَهَا. قَالَ: ادْنُ فَإِنِّي «رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يَأْكُلُ لَحْمَ دَجَاجٍ» اهـ. وَسَيَأْتِي مَا يَتَعَلَّقُ بِالدَّجَاجَةِ الْمُخَلَّاةِ وَالدَّابَّةِ الْجَلَّالَةِ. وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵄ - أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - أَمَرَ الْأَغْنِيَاءَ بِاتِّخَاذِ الْغَنَمِ، وَأَمَرَ الْفُقَرَاءَ بِاتِّخَاذِ الدَّجَاجِ، وَقَالَ عِنْدَ اتِّخَاذِ الْأَغْنِيَاءِ الدَّجَاجَ: يَأْذَنُ اللَّهُ تَعَالَى بِهَلَاكِ الْقُرَى، وَفِي إِسْنَادِهِ عَلِيُّ بْنُ عُرْوَةَ الدِّمَشْقِيُّ. قَالَ ابْنُ حِبَّانَ: كَانَ يَضَعُ الْحَدِيثَ. قَالَ عَبْدُ اللَّطِيفِ الْبَغْدَادِيُّ: إِنَّمَا أَمَرَ الْأَغْنِيَاءَ بِاتِّخَاذِ الْغَنَمِ، وَالْفُقَرَاءَ بِاتِّخَاذِ الدَّجَاجِ، لِأَنَّهُ أَمَرَ كُلَّ قَوْمٍ بِحَسَبِ مَقْدِرَتِهِمْ وَمَا تَصِلُ إِلَيْهِ قُوَّتُهُمْ، وَالْقَصْدُ فِي تِلْكَ كُلِّهِ أَنْ لَا يَقْعُدَ النَّاسُ عَنِ الْكَسْبِ وَإِنْمَاءِ الْمَالِ وَعِمَارَةِ الدُّنْيَا، وَأَنْ لَا يَدَعُوا التَّسَبُّبَ، فَإِنَّ ذَلِكَ يُوجِبُ التَّعَفُّفَ وَالْقَنَاعَةَ، وَرُبَّمَا أَدَّى إِلَى الْغِنَى وَالثَّرْوَةِ، وَنَبْذُ ذَلِكَ وَالْإِعْرَاضُ عَنْهُ يُوجِبُ الْحَاجَةَ وَالْمَسْأَلَةَ لِلنَّاسِ وَالتَّكَفُّفَ مِنْهُمْ، وَذَلِكَ مَذْمُومٌ شَرْعًا، وَأَنَّ الْأَغْنِيَاءَ إِذَا ضَيَّقُوا عَلَى الْفُقَرَاءِ فِي مَكَاسِبِهِمْ وَخَالَطُوهُمْ فِي مَعَايِشِهِمْ تَعَطَّلَ الْفُقَرَاءُ، وَفِي ذَلِكَ هَلَاكُ الْقُرَى.
[ ٧ / ٢٦٦٥ ]
وَمِنْ غَرَائِبِ اللَّطَائِفِ: مَا حَكَى ابْنُ خِلِّكَانَ فِي تَرْجَمَتِهِ الْهَيْثَمَ بْنَ عَدِيٍّ: أَنَّ رَجُلًا مِنَ الْأَوَّلِينَ كَانَ يَأْكُلُ وَبَيْنَ يَدَيْهِ دَجَاجَةٌ مَشْوِيَّةٌ، فَجَاءَهُ سَائِلٌ فَرَدَّهُ خَائِبًا، وَكَانَ الرَّجُلُ مُتْرَفًا، فَوَقَعَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ امْرَأَتِهِ فُرْقَةٌ، وَذَهَبَ مَالُهُ وَتَزَوَّجَتِ امْرَأَتُهُ، فَبَيْنَمَا الزَّوْجُ الثَّانِي يَأْكُلُ وَبَيْنَ يَدَيْهِ دَجَاجَةٌ مَشْوِيَّةٌ جَاءَهُ سَائِلٌ فَقَالَ لِامْرَأَتِهِ: نَاوِلِيهِ الدَّجَاجَةَ فَنَاوَلَتْهُ وَنَظَرَتْ إِلَيْهِ، فَإِذَا هُوَ زَوْجُهَا الْأَوَّلُ، فَأَخْبَرَتْهُ بِالْقِصَّةِ فَقَالَ الزَّوْجُ الثَّانِي: أَنَا وَاللَّهِ ذَلِكَ الْمِسْكِينُ الْأَوَّلُ خَوَّلَنِي اللَّهُ نِعْمَتَهُ وَأَهْلَهُ لِقِلَّةِ شُكْرِهِ.
[ ٧ / ٢٦٦٦ ]
٤١١٣ - «وَعَنِ ابْنِ أَبِي أَوْفَى - ﵄ - قَالَ: غَزَوْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - سَبْعَ غَزَوَاتٍ كُنَّا نَأْكُلُ مَعَهُ الْجَرَادَ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
_________________
(١) (وَعَنِ ابْنِ أَوْفَى - ﵁ -): لَمْ يَذْكُرْهُ الْمُؤَلِّفُ فِي أَسْمَائِهِ بِهَذِهِ الْعِبَارَةِ، بَلْ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي أَوْفَى هُوَ عَبْدُ بْنُ أُنَيْسٍ الْجُهَنِيُّ الْأَنْصَارِيُّ - ﵄ - شَهِدَ أُحُدًا وَمَا بَعْدَهَا، رَوَى عَنْهُ أَبُو أُمَامَةَ وَجَابِرٌ وَغَيْرُهُمَا، مَاتَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَخَمْسِينَ بِالْمَدِينَةِ. (قَالَ: «غَزَوْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - سَبْعَ غَزَوَاتٍ كُنَّا نَأْكُلُ مَعَهُ الْجَرَادَ»): لَفْظُ: (مَعَهُ) لَيْسَ فِي مُسْلِمٍ وَلَا التِّرْمِذِيِّ. قَالَ. التُّورِبِشْتِيُّ: رِوَايَةُ مَنْ رَوَى مَعَهُ مُئَوَّلٌ عَلَى أَنَّهُمْ أَكَلُوهُ وَهُوَ مَعَهُ، فَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِمْ. وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى إِبَاحَتِهِ وَلَوْ صَرَفَهُ مُئَوِّلٌ إِلَى الْأَكْلِ، فَإِنَّهُ مُحْتَمَلٌ، وَإِنَّمَا رَجَّحْنَا التَّأْوِيلَ الْأَوَّلَ لِخُلُوِّ أَكْثَرِ الرِّوَايَاتِ مِنْ هَذِهِ الزِّيَادَةِ، وَلِمَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - لَمْ يَكُنْ يَأْكُلُ الْجَرَادَ، وَذَكَرَ ذَلِكَ مِنْ حَدِيثِ سَلْمَانَ - ﵄ - عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - وَقَدْ سُئِلَ عَنِ الْجَرَادِ فَقَالَ: (أَكْثَرُ جُنُودِ اللَّهِ لَا آكُلُهُ وَلَا أُحَرِّمُهُ) . فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ يُتْرَكُ الْحَدِيثُ الصَّحِيحُ بِمِثْلِ هَذَا الْحَدِيثِ؟ قُلْنَا: لَمْ نَتْرُكْهُ، وَإِنَّمَا أَوَّلْنَا لِمَا فِيهِ مِنَ الِاحْتِمَالِ كَيْ يُوَافِقَ سَائِرَ الرِّوَايَاتِ، وَلَا يُرَدُّ الْحَدِيثُ الَّذِي أَوْرَدْنَاهُ وَهُوَ مِنَ الْوَاضِحِ الْجَلِيِّ اهـ. وَهُوَ مَعَ وُضُوحِهِ الْجَلِيِّ خَفِيَ عَلَى الطِّيبِيِّ فَقَالَ: التَّأْوِيلُ الْأَوَّلُ، وَهُوَ قَوْلُهُ: أَكَلُوهُ وَهُمْ مَعَهُ بَعِيدٌ؛ لِأَنَّ الْمَعِيَّةَ تَقْتَضِي الْمُشَارَكَةَ فِي الْفِعْلِ كَمَا فِي قَوْلِهِ: غَزَوْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - وَقَدْ صَرَّحَ بِهِ صَاحِبُ الْكَشَّافِ، وَقَدْ مَرَّ بَيَانُهُ. قُلْتُ: التَّأْوِيلُ لَا يَكُونُ إِلَّا بَعِيدًا مُخَالِفًا لِلظَّاهِرِ، ثُمَّ الْمَعِيَّةُ تَقْتَضِي الْمُشَارَكَةَ فِي الْأَكْلِ لَوْ كَانَتْ مُعَلَّقَةً بِهِ، وَجَعَلَهَا الشَّيْخُ مُتَعَلِّقَةً بِمُقَدَّرٍ، وَجَعَلَهَا فِي مَحَلِّ نَصْبٍ عَلَى أَنَّهُ حَالٌ، وَلِذَا قَالَ: وَهُوَ مَعَهُ أَيْ: مُصَاحِبُونَ لَهُ فَلَا غُبَارَ فِي ذَلِكَ، بَلْ يَتَعَيَّنُ جَمْعًا بَيْنَ الْأَحَادِيثِ. قَالَ: وَالرِّوَايَةُ الْخَالِيَةُ عَنْهُ مُطْلَقَةٌ تَحْتَمِلُ الْأَمْرَيْنِ، وَهَذِهِ مُقَيَّدَةٌ، فَالْمُطْلَقُ يُحْمَلُ عَلَى الْمُقَيَّدِ. قُلْتُ: الْمُنَاقَشَةُ فِي تَحْقِيقِ التَّقْيِيدِ وَالْمُطْلَقِ تَدُلُّ عَلَى نَفْيِهِ فِي الْجُمْلَةِ وَكُفِيَ بِهِ لِلتَّأْيِيدِ قَالَ: وَقَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ، وَقَدْ سُئِلَ عَنِ الْجَرَادِ: الْحَدِيثُ ضَعَّفَهُ مُحْيِي السُّنَّةِ، قُلْتُ: لَا يَلْزَمُ مِنْ تَضْعِيفِهِ تَضْعِيفُ غَيْرِهِ، مَعَ أَنَّ الشَّيْخَ لَمْ يَدَّعِ تَصْحِيحَهُ لَا سِيَّمَا وَلَمْ يُبَيِّنْ وَجْهَ ضَعْفِهِ بِالتَّصْرِيحِ، وَلَعَلَّهُ أَخَذَهُ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ مَعَ أَنَّهُ يُقَوِّيهِ، الْحَدِيثُ لَمْ يَكُنْ يَأْكُلُ الْجَرَادَ إِذْ نَفْيُ الْكَوْنِ يَدُلُّ عَلَى الِاسْتِمْرَارِ لُغَةً وَعُرْفًا، فَقَوْلُ الطِّيبِيِّ وَرِوَايَةُ الرَّاوِي: أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - لَمْ يَكُنْ يَأْكُلُ الْجَرَادَ إِخْبَارٌ عَنْ عَدَمِ الْأَكْلِ بِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ فَلَمْ يُشَاهِدْ اهـ. فَغَفْلَةٌ عَمَّا ذَكَرْنَاهُ، ثُمَّ الْجَرَادُ يُؤْكَلُ مَيِّتًا عَلَى كُلِّ حَالٍ، وَقَالَ مَالِكٌ: لَا يُؤْكَلُ مِنْهُ مَا مَاتَ حَتْفَ أَنْفِهِ مِنْ غَيْرِ سَبَبٍ يُصْنَعُ بِهِ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ): وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ.
[ ٧ / ٢٦٦٦ ]
٤١١٤ - «وَعَنْ جَابِرٍ - ﵄ - قَالَ: غَزَوْتُ جَيْشَ الْخَبْطِ، وَأُمِّرَ عَلَيْنَا أَبُو عُبَيْدَةَ فَجُعْنَا جُوعًا شَدِيدًا، فَأَلْقَى الْبَحْرُ حُوتًا مَيِّتًا لَمْ نَرَ مِثْلَهُ، يُقَالُ لَهُ: الْعَنْبَرُ، فَأَكَلْنَا مِنْهُ نِصْفَ شَهْرٍ، فَأَخَذَ أَبُو عُبَيْدَةَ عَظْمًا مِنْ عِظَامِهِ فَمَرَّ الرَّاكِبُ تَحْتَهُ، فَلَمَّا قَدِمْنَا ذَكَرْنَا ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ - ﷺ - فَقَالَ: " كُلُوا رِزْقًا أَخْرَجَهُ اللَّهُ إِلَيْكُمْ، وَأَطْعِمُونَا إِنْ كَانَ مَعَكُمْ " قَالَ: فَأَرْسَلْنَا إِلَى الرَّسُولِ - ﷺ - مِنْهُ فَأَكَلَهُ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
_________________
(١) (وَعَنْ جَابِرٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ: غَزَوْتُ جَيْشَ الْخَبْطِ)؟ بِفَتْحِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَالْمُوَحَّدَةِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِسُكُونِهَا فَقِيلَ بِالتَّحْرِيكِ وَرَقُ الشَّجَرِ، وَبِالسُّكُونِ هَشُّ وَرَقِهَا بِالْعَصَا، وَسُمُّوا جَيْشَ الْخَبْطِ؛ لِأَنَّهُمْ أَكَلُوهُ مِنَ الْجُوعِ حَتَّى قَرَحَتْ أَشْدَاقُهُمْ بِسَبَبِ حَرَارَةِ ذَلِكَ الْوَرَقِ، فَصَارَتْ شِفَاهُهُمْ كَشِفَاهِ الْإِبِلِ، وَقَدْ ضُمِّنَ الْغَزْوُ مَعْنَى الصُّحْبَةِ أَيْ: صَحِبْتُ جَيْشَهُ وَغَزَوْتُ مَعَهُمْ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: جَيْشُ الْخَبْطِ مَنْصُوبٌ عَلَى نَزْعِ الْخَافِضِ أَيْ: غَزَوْتُ مُصَاحِبًا لِجَيْشِ الْخَبْطِ. قُلْتُ: هَذَا هُوَ أَحَدُ نَوْعَيِ التَّضْمِينِ، وَلَا يَحْتَاجُ إِلَى إِيرَادِ الْبَاءِ حِينَئِذٍ إِلَّا لِلتَّقْوِيَةِ، وَلَيْسَتْ بِضَرُورِيَّةٍ فِي تَصْحِيحِ الْكَلَامِ. (وَأُمِّرَ): بِصِيغَةِ الْمَفْعُولِ مِنَ التَّأْمِيرِ أَيْ: وَجُعِلَ أَمِيرًا (عَلَيْنَا أَبُو عُبَيْدَةَ) أَيِ: ابْنُ الْجَرَّاحِ أَحَدُ الْعَشَرَةِ الْمُبَشَّرَةِ (فَجُعْنَا جُوعًا شَدِيدًا) أَيْ: وَأَكَلْنَا الْخَبْطَ (فَأَلْقَى الْبَحْرُ)
[ ٧ / ٢٦٦٦ ]
أَيْ: إِلَى السَّاحِلِ (حُوتًا مَيِّتًا لَمْ نَرَ مِثْلَهُ يُقَالُ لَهُ: الْعَنْبَرُ): فِي الْقَامُوسِ: مِنَ الطِّيبِ رَوْثُ دَابَّةٍ بِحْرِيَّةٍ أَوْ نَبْعُ عَيْنٍ فِيهِ وَيُؤَنَّثُ، وَسَمَكَةٌ بَحْرِيَّةٌ وَالتُّرْسُ مِنْ جِلْدِهَا، (فَأَكَلْنَا مِنْهُ نِصْفَ شَهْرٍ): وَفِي رِوَايَةٍ: قُمْنَا عَلَيْهِ شَهْرًا، وَفِي أُخْرَى فَأَكَلَ مِنْهُ الْجَيْشُ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ يَوْمًا، وَوَجْهُ الْجَمْعِ أَنَّ مَنْ رَوَى شَهْرًا هُوَ الْأَصْلُ، لِأَنَّ مَعَهُ زِيَادَةَ عِلْمٍ، وَمَنْ رَوَى دُونَهُ لَمْ يَنْفِ الزِّيَادَةَ وَلَوْ نَفَاهَا قُدِّمَ الْمُثْبَتُ، وَقَدْ ثَبَتَ عِنْدَ الْأُصُولِيِّينَ أَنَّ مَفْهُومَ الْعَدَدِ لَا حُكْمَ لَهُ، فَلَا يَلْزَمُ نَفْيُ الزِّيَادَةِ لَوْ لَمْ يُعَارِضْهُ إِثْبَاتُ الزِّيَادَةِ، فَكَيْفَ وَقَدْ عَارَضَهُ؟ فَوَجَبَ قَبُولُ الزِّيَادَةِ. ذَكَرَهُ النَّوَوِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَالْأَظْهَرُ فِي وَجْهِ الْجَمْعِ أَنَّ نِصْفَ الشَّهْرِ كَانَ لِكُلِّهِمْ، وَإِلَى آخِرِ الشَّهْرِ كَانَ لِبَعْضِهِمْ، أَوْ نِصْفُهُ فِي الْإِقَامَةِ وَنِصْفُهُ الْآخَرُ فِي السَّفَرِ، أَوْ نِصْفُ شَهْرٍ فِي الذَّهَابِ وَنِصْفُهُ فِي الْإِيَابِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. (فَأَخَذَ أَبُو عُبَيْدَةَ عَظْمًا مِنْ عِظَامِهِ) أَيْ: أَوْقَفَهُ (فَمَرَّ الرَّاكِبُ تَحْتَهُ) أَيْ: بِحَيْثُ لَمْ يَصِلْ رَأْسُهُ إِلَى مُنْتَهَى عَظْمِهِ (فَلَمَّا قَدِمْنَا) أَيِ: الْمَدِينَةَ (ذَكَرْنَا لِلنَّبِيِّ - ﷺ - فَقَالَ: كُلُوا): قَالَ الطِّيبِيُّ: كَأَنَّهُ - ﷺ - اسْتَحْضَرَ تِلْكَ الْحَالَةَ وَاسْتَحْمَدَهُمْ عَلَيْهَا، فَأَمَرَهُمْ بِالْأَكْلِ وَمِنْ ثَمَّ صَرَّحَ بِقَوْلِهِ: (رِزْقًا): وَوَصَفَهُ بِقَوْلِهِ (أَخْرَجَهُ اللَّهُ): وَعَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ: (أَطْعِمُونَا) اهـ وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ: أَخْرَجَهُ اللَّهُ إِلَيْكُمْ، (وَأَطْعِمُونَا) أَيْ: مِنْهُ (إِنْ كَانَ مَعَكُمْ) أَيْ: شَيْءٌ مِنْهُ.
(قَالَ) أَيْ: جَابِرٌ (فَأَرْسَلْنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - مِنْهُ) أَيْ: بَعْضَهُ أَوْ شَيْئًا مِنْهُ (فَأَكَلَهُ): وَإِنَّمَا طَلَبَهُ لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ جَوَازُ أَكْلِهِمْ إِيَّاهُ لِلضَّرُورَةِ وَأَكْلِهِ تَبَرُّكًا بِهِ حَيْثُ كَانَ رِزْقًا لِدُنْيَا لِأَصْحَابِهِ - ﵃ - مَعَ كَوْنِهِ مِنْ عَجَائِبِ الْمَخْلُوقَاتِ. قَالَ النَّوَوِيُّ: إِنَّمَا طَلَبَ - ﷺ - مِنْهُ تَطْيِيبًا لِقُلُوبِهِمْ وَمُبَالَغَةً فِي حِلِّهِ، وَلِيُعْلَمَ أَنَّهُ لَا شَكَّ فِي إِبَاحَتِهِ، أَوْ قَصَدَ اسْتِحْبَابَ الْمُفْتِي أَنْ يَتَعَاطَى بَعْضَ الْمُبَاحَاتِ الَّتِي يَشُكُّ فِيهَا الْمُسْتَفْتِي إِذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ مَشَقَّةٌ عَلَى الْمُفْتِي، وَكَانَ فِيهِ طُمَأْنِينَةٌ لِلْمُسْتَفْتِي اهـ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ قَوْلِهِ: ذَكَرْنَا لِلنَّبِيِّ - ﷺ - هُوَ أَنَّهُمْ ذَكَرُوا لَهُ مَا وَقَعَ لَهُمْ مِنَ الْجُوعِ وَالْمَشَقَّةِ، وَمَا حَصَلَ لَهُمْ مِنَ الرِّزْقِ عَلَى الْكَيْفِيَّةِ الْمُسْتَغْرَبَةِ، لَا أَنَّهُمْ شَكَّوا فِي حِلَّيَّتِهِ، كَيْفَ وَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى أَكْلِهِ وَحَمْلِهِ إِلَى الْبَلَدِ مَعَ أَنَّ الْحَالَ حَالُ الِاضْطِرَارِ، وَقَدْ أُحِلَّتِ الْمَيْتَةُ فَضْلًا عَنْ غَيْرِهَا. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
[ ٧ / ٢٦٦٧ ]
٤١١٥ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: " «إِذَا وَقَعَ الذُّبَابُ فِي إِنَاءِ أَحَدٍ فَلْيَغْمِسْهُ كُلَّهُ ثُمَّ لِيَطْرَحْهُ ; فَإِنَّ فِي أَحَدِ جَنَاحَيْهِ شِفَاءً وَفِي الْآخَرِ دَاءً» ". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
_________________
(١) (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵄ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: إِذَا وَقَعَ الذُّبَابُ): قِيلَ سُمِّيَ بِهِ؛ لِأَنَّهُ كُلَّمَا ذُبَّ آبَ أَيْ: سَقَطَ (فِي إِنَاءِ أَحَدِكُمْ فَلْيَغْمِسْهُ): بِفَتْحِ الْيَاءِ وَكَسْرِ الْمِيمِ، وَفِي رِوَايَةٍ فَلْيَمْقُلْهُ أَيْ: فَلْيُدْخِلْهُ (كُلَّهُ) أَيْ: بِجَنَاحَيْهِ فِيمَا فِي الْإِنَاءِ مِنْ مَاءٍ وَغَيْرِهِ، وَفِيهِ أَنَّهُ ظَاهِرٌ لَا يُنَجِّسُهُ إِذْ لَيْسَ لَهُ دَمٌ سَائِلٌ. (ثُمَّ لِيَطْرَحْهُ): بِسُكُونِ اللَّامِ وَكَسْرِهَا أَيْ: يُخْرِجُهُ وَيَرْمِيهِ، وَفِي رِوَايَةٍ لِيَتْرَعْهُ (فَإِنَّ فِي أَحَدِ جَنَاحَيْهِ): بِفَتْحِ الْجِيمِ أَيْ: طَرَفَيْهِ (شِفَاءً): بِكَسْرِ أَوَّلِهِ أَيْ: دَوَاءً (وَفِي الْآخَرِ دَاءً): وَفِي رِوَايَةٍ: وَإِنَّهُ يَتَّقِي بِجَنَاحِهِ الَّذِي فِيهِ الدَّاءُ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الدَّاءَ وَالشِّفَاءَ مَحْمُولَانِ عَلَى الْحَقِيقَةِ إِذْ لَا بَاعِثَ لِلْحَمْلِ عَلَى الْمَجَازِ. قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: قَدْ وَجَدْنَا لِكَوْنِ أَحَدِ جَنَاحَيِ الذُّبَابِ دَاءً وَلِلْآخَرِ دَوَاءً فِيمَا أَقَامَهُ اللَّهُ لَنَا مِنْ عَجَائِبِ خِلْقَتِهِ وَبَدَائِعِ فِطْرَتِهِ شَوَاهِدَ وَنَظَائِرَ، فَمِنْهَا النَّحْلَةُ يَخْرُجُ مِنْ بَطْنِهَا الشَّرَابُ النَّافِعُ، وَيَنْبُتُ مِنْ إِبْرَتِهَا السَّمُّ النَّاقِعُ، وَالْعَقْرَبُ تُهَيِّجُ الدَّاءَ بِإِبْرَتِهَا وَيُتَدَاوَى مِنْ ذَلِكَ بِجِرْمِهَا، وَأَمَّا اتِّقَاؤُهُ بِالْجَنَاحِ الَّذِي فِيهِ الدَّاءُ عَلَى مَا وَرَدَ فِي غَيْرِ هَذِهِ الرِّوَايَةِ، وَهُوَ فِي الْحِسَانِ مِنْ هَذَا الْبَابِ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَلْهَمَ الْحَيَوَانَ بِطَبْعِهِ الَّذِي جَبَلَهُ عَلَيْهِ مَا هُوَ أَعْجَبُ مِنْ ذَلِكَ، فَلْيَنْظُرِ الْمُتَعَجِّبُ مِنْ ذَلِكَ إِلَى النَّمْلَةِ الَّتِي هِيَ أَصْغَرُ وَأَحْقَرُ مِنَ الذُّبَابِ كَيْفَ تَسْعَى فِي جَمْعِ الْقُوتِ، وَكَيْفَ تَصُونُ الْحَبَّ عَنِ النَّدَى بِاتِّخَاذِ الرَّيْعَةِ عَلَى نَشَزٍ مِنَ الْأَرْضِ، ثُمَّ لِيَنْظُرْ إِلَى تَجْفِيفِهَا الْحَبَّ فِي الشَّمْسِ إِذَا أَثَّرَ فِيهِ النَّدَى، ثُمَّ إِنَّهَا تَقْطَعُ الْحَبَّ لِئَلَّا يَنْبُتَ وَتَتْرُكُ الْكُزْبَرَةَ بِحَالِهَا لِأَنَّهَا لَا تَنْبُتُ، وَهِيَ صَحِيحَةٌ. فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ! وَأَيَّةُ حَاجَةٍ بِنَا إِلَى الِاسْتِشْهَادِ عَلَى مَا أَخْبَرَ عَنْهُ الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ - ﷺ: لَوْلَا الْحَذَرُ مِنِ اضْطِرَابِ الطَّبَائِعِ وَالشَّفَقَةِ عَلَى عَقَائِدِ ذَوِي الْأَوْضَاعِ الْوَاهِيَةِ وَإِلَى اللَّهِ لِلْجَارِ مِنْهُ الْعِصْمَةُ وَالنِّجَاءُ. وَفِي شَرْحِ السُّنَّةِ: فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الذُّبَابَ طَاهِرٌ، وَكَذَلِكَ أَجْسَامُ جَمِيعِ الْحَيَوَانَاتِ إِلَّا مَا دَلَّ عَلَيْهِ السُّنَّةُ مِنَ الْكَلْبِ وَالْخِنْزِيرِ، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَا لَا نَفْسَ لَهُ سَائِلَةً إِذَا مَاتَ فِي مَاءٍ قَلِيلٍ أَوْ شَرَابٍ لَمْ يُنَجِّسْهُ، وَذَلِكَ مِثْلُ الذُّبَابِ وَالنَّحْلِ وَالْعَقْرَبِ وَالْخُنْفِسَاءِ وَالزُّنْبُورِ وَنَحْوِهَا. وَهَذَا لِأَنَّ غَمْسَ الذُّبَابِ فِي الْإِنَاءِ قَدْ يَأْتِي عَلَيْهِ، فَلَوْ كَانَ يُنَجِّسُهُ إِذَا مَاتَ فِيهِ لَمْ يَأْمُرْهُ بِالْغَمْسِ لِلْخَوْفِ مِنْ تَنَجُّسِ الطَّعَامِ، وَهَذَا قَوْلُ عَامَّةِ الْفُقَهَاءِ اهـ.
[ ٧ / ٢٦٦٧ ]
وَقَالَ فِي اخْتِلَافِ الْأَئِمَّةِ: لَا يُفْسِدُ الْمَائِعَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - ﵁ - وَمَالِكٍ ﵀، وَأَنَّهُ طَاهِرٌ فِي نَفْسِهِ، وَالرَّاجِحُ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ لَا يُنَجِّسُ الْمَائِعَ، وَلَكِنَّهُ يَنْجُسُ فِي نَفْسِهِ بِالْمَوْتِ، وَهَذَا مَذْهَبُ أَحْمَدَ. (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ): وَكَذَا أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ، وَابْنُ حِبَّانَ. وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ بِلَفْظِ: («إِذَا وَقَعَ الذُّبَابُ فِي شَرَابِ أَحَدِكُمْ فَلْيَغْمِسْهُ ثُمَّ لِيَنْزَعْهُ، فَإِنَّ فِي أَحَدِ جَنَاحَيْهِ دَاءً وَفِي الْآخَرِ شِفَاءً») رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ عَنْهُ، وَسَيَأْتِي رِوَايَاتٌ أُخَرُ فِي آخِرِ الْفَصْلِ الثَّانِي مِنْ هَذَا الْبَابِ.
[ ٧ / ٢٦٦٨ ]
٤١١٦ - وَعَنْ مَيْمُونَةَ - ﵂ - «أَنَّ فَأْرَةً وَقَعَتْ فِي سَمْنٍ، فَمَاتَتْ، فَسُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - فَقَالَ: " أَلْقُوهَا وَمَا حَوْلَهَا وَكُلُوهُ» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
_________________
(١) (وَعَنْ مَيْمُونَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - أَنَّ): بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَفِي نُسْخَةٍ قَالَتْ: إِنَّ (فَأْرَةً): بِهَمْزَةٍ، وَالْمَشْهُورُ إِبْدَالُهَا (وَقَعَتْ فِي سَمْنٍ) أَيْ: جَامِدٍ (فَمَاتَتْ) أَيْ: فِيهِ (فَسُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - عَنْهَا) أَيْ: عَمَّا يَتَرَتَّبُ عَلَى مَوْتِهَا (فَقَالَ: أَلْقُوهَا) أَيْ: أَخْرِجُوا الْفَأْرَةَ وَاطْرَحُوهَا (وَمَا حَوْلَهَا) أَيْ: كَذَلِكَ إِذَا كَانَ جَامِدًا (وَكُلُوهُ) أَيِ: السَّمْنُ يَعْنِي بَاقِيَهُ. قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: وَإِنْ كَانَ مَائِعًا كَالزَّيْتِ يَتَنَجَّسُ الْكُلُّ، وَلَا يَجُوزُ أَكْلُهُ اتِّفَاقًا وَلَا بَيْعُهُ خِلَافًا لِلْحَنَفِيَّةِ. وَفِي شَرْحِ السُّنَّةِ: فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ غَيْرَ الْمَاءِ مِنَ الْمَائِعَاتِ إِذَا وَقَعَتْ فِيهِ نَجَاسَةٌ يَنْجُسُ قَلَّ ذَلِكَ الْمَائِعُ أَوْ كَثُرَ، بِخِلَافِ الْمَاءِ حَيْثُ لَا يَنْجُسُ عِنْدَ الْكَثْرَةِ مَا لَمْ يَتَغَيَّرْ بِالنَّجَاسَةِ، وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الزَّيْتَ إِذَا مَاتَ فِيهِ فَأْرَةٌ أَوْ وَقَعَتْ فِيهِ نَجَاسَةٌ أُخْرَى أَنَّهُ يَنْجُسُ، وَلَا يَجُوزُ أَكْلُهُ، وَكَذَا لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَجَوَّزَ أَبُو حَنِيفَةَ بَيْعَهُ وَاخْتَلَفُوا فِي الِانْتِفَاعِ بِهِ، فَذَهَبَ جَمَاعَةٌ إِلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الِانْتِفَاعُ بِهِ لِقَوْلِهِ - ﷺ: (فَلَا تَقْرَبُوهُ) . وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيِ الشَّافِعِيِّ، وَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّهُ يَجُوزُ الِانْتِفَاعُ بِهِ بِالِاسْتِصْبَاحِ وَتَدْهِينِ السُّفُنِ وَنَحْوِهِ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَأَظْهَرُ قَوْلَيِ الشَّافِعِيِّ، وَالْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ: فَلَا تَقْرَبُوهُ أَكْلًا وَطُعْمًا لَا انْتِفَاعًا. (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ): وَكَذَا أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ.
[ ٧ / ٢٦٦٨ ]
٤١١٧ - «وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ - ﵄ - أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ - ﷺ - يَقُولُ: " اقْتُلُوا الْحَيَّاتِ، وَاقْتُلُوا ذَا الطُّفْيَتَيْنِ وَالْأَبْتَرَ فَإِنَّهُمَا يَطْمِسَانِ الْبَصَرَ، وَيَسْتَسْقِطَانِ الْحَبَلَ " قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: فَبَيْنَا أَنَا أُطَارِدُ حَيَّةً أَقْتُلَهَا، نَادَانِي أَبُو لُبَابَةَ: لَا تَقْتُلْهَا. فَقُلْتُ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - أَمَرَ بِقَتْلِ الْحَيَّاتِ. فَقَالَ: إِنَّهُ نَهَى بَعْدَ ذَلِكَ عَنْ ذَوَاتِ الْبُيُوتِ، وَهُنَّ الْعَوَامِرُ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
_________________
(١) (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ - ﵄ - أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ - ﷺ - يَقُولُ: اقْتُلُوا الْحَيَّاتِ) أَيْ: كُلَّهَا عُمُومًا (وَاقْتُلُوا) أَيْ: خُصُوصًا (ذَا الطُّفْيَتَيْنِ): بِضَمِّ الطَّاءِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْفَاءِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِفَتْحِ الْفَاءِ وَالتَّحْتِيَّةِ الْمُشَدَّدَةِ عَلَى صِيغَةِ التَّصْغِيرِ، أَيْ: صَاحِبَهَمَا وَهِيَ حَيَّةٌ خَبِيثَةٌ عَلَى ظَهْرِهَا خَطَّانِ أَسْوَدَانِ كَالطُّفْيَتَيْنِ، وَالطُّفْيَةُ بِالضَّمِّ عَلَى مَا فِي الْقَامُوسِ خُوصَةُ الْمُقْلِ وَالْخُوَاصُ بِالضَّمِّ وَرَقُ النَّخْلِ الْوَاحِدَةُ بَهَاءٍ، وَالْمُقْلُ بِالضَّمِّ صَمْغُ شَجَرَةٍ، وَفِي النِّهَايَةِ: الطُّفْيَةُ خُوصَةُ الْمُقْلِ شُبِّهَ بِهِ الْخَطَّانِ اللَّذَانِ عَلَى ظَهْرِ الْحَيَّةِ فِي قَوْلِهِ: (ذَا الطُّفْيَتَيْنِ) . (وَالْأَبْتَرَ): بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلَى ذَا قِيلَ: هُوَ الَّذِي يُشْبِهُ الْمَقْطُوعَ الذَّنَبِ لِقَصَرِ ذَنَبِهِ، وَهُوَ مِنْ أَخْبَثِ مَا يَكُونُ مِنَ الْحَيَّاتِ. (فَإِنَّمَا يَطْمِسَانِ): بِفَتْحِ الْيَاءِ وَكَسْرِ الْمِيمِ أَيْ: يُعْمِيَانِ (الْبَصَرَ) أَيْ: بِمُجَرَّدِ النَّظَرِ إِلَيْهِمَا لِخَاصِّيَّةِ السَّمِّيَّةِ فِي بَصَرِهِمَا (وَيَسْتَسْقِطَانِ): مِنْ بَابِ الِاسْتِفْعَالِ لِلْمُبَالَغَةِ أَيْ: وَيُسْقِطَانِ (الْحَبَلَ): بِفَتْحَتَيْنِ أَيِ الْجَنِينَ عِنْدَ النَّظَرِ إِلَيْهِمَا بِالْخَاصَّةِ السَّمِّيَّةِ، أَوْ مِنَ الْخَوْفِ النَّاشِئِ مِنْهُمَا لِبَعْضِ الْأَشْخَاصِ. قَالَ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ: جَعَلَ مَا يَفْعَلَانِ بِالْخَاصَّةِ كَالَّذِي يُفْعَلُ بِقَصْدٍ وَطَلَبٍ، وَفِي خَوَاصِّ الْحَيَوَانِ عَجَائِبُ لَا تُنْكَرُ، وَقَدْ ذُكِرَ فِي خَوَاصِّ الْأَفْعَى أَنَّ الْحَبَلَ يَسْقُطُ عِنْدَ مُرَافَقَةِ النَّظَرَيْنِ، وَفِي خَوَاصِّ بَعْضِ الْحَيَّاتِ أَنَّ رُؤْيَتَهَا تُعْمِي، وَمِنَ الْحَيَّاتِ نَوْعٌ يُسَمَّى النَّاظُورَ مَتَى وَقَعَ نَظَرُهُ عَلَى إِنْسَانٍ مَاتَ مِنْ سَاعَتِهِ، وَنَوْعٌ آخَرُ إِذَا سَمِعَ الْإِنْسَانُ صَوْتَهُ مَاتَ. قَالَ النَّوَوِيُّ قَوْلُهُ: يَطْمِسَانِ الْبَصَرَ أَيْ يَخْطَفَانِهِ لِمُجَرَّدِ نَظَرِهِمَا إِلَيْهِ بِخَاصِّيَّةٍ جَعَلَهَا اللَّهُ تَعَالَى فِي بَصَرِهِمَا إِذَا وَقَعَ عَلَى بَصَرِ الْإِنْسَانِ، وَيُؤَيِّدُ هَذِهِ الرِّوَايَةُ الْأُخْرَى لِمُسْلِمٍ: يَخْطَفَانِ، قَالَ الْعُلَمَاءُ: وَفِي الْحَيَّاتِ نَوْعٌ يُسَمَّى النَّاظِرَ إِذَا وَقَعَ نَظَرُهُ عَلَى عَيْنِ الْإِنْسَانِ مَاتَ مِنْ سَاعَتِهِ. (قَالَ عَبْدُ اللَّهِ) أَيِ: ابْنُ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - بِقَرِينَةِ تَقَدُّمِ ذِكْرِهِ وَإِلَّا فَاصْطِلَاحُ الْمُحَدِّثِينَ عَلَى أَنَّهُ إِذَا أُطْلِقَ عَبْدُ اللَّهِ فَهُوَ ابْنُ مَسْعُودٍ أَيْ: قَالَ الرَّاوِي عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: (فَبَيِنَا أَنَا أُطَارِدُ): مِنْ بَابِ الْمُفَاعَلَةِ
[ ٧ / ٢٦٦٨ ]
لِلْمُغَالَبَةِ أَوِ الْمُبَالَغَةِ أَيْ: أَطْرُدُ (حَيَّةً): وَأَتْبَعُهَا لِأَلْحَقَهَا (أَقْتُلَهَا) أَيْ: حَالَ كَوْنِي أُرِيدُ قَتْلَهَا (نَادَانِي أَبُو لُبَابَةَ): بِضَمِّ اللَّامِ صَحَابِيٌّ مَشْهُورٌ (لَا تَقْتُلْهَا): أَيْ قَالَ: لَا تَقْتُلْهَا أَوْ بِقَوْلِهِ: لَا تَقْتُلْهَا. وَفِي نُسْخَةٍ: لِمَ تَقْتُلُهَا؟ أَيْ: لِأَيِّ شَيْءٍ تُرِيدُ قَتْلَهَا؟ (فَقُلْتُ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - أَمَرَ بِقَتْلِ الْحَيَّاتِ) أَيْ: جَمِيعِهَا (فَقَالَ: إِنَّهُ نَهَى بَعْدَ ذَلِكَ عَنْ ذَوَاتِ الْبُيُوتِ): بِضَمِّ الْبَاءِ وَكَسْرِهَا أَيْ: صَوَاحِبِهَا لِمُلَازَمَتِهَا (وَهُنَّ) أَيْ: ذَوَاتُ الْبُيُوتِ (الْعَوَامِرُ) أَيْ: لِلْبُيُوتِ حَيْثُ تَسْكُنُهَا وَلَمْ تُفَارِقْهَا. وَاحِدَتُهَا عَامِرَةٌ، وَقِيلَ سُمِّيَتْ بِهَا لِطُولِ عُمْرِهَا كَذَا فِي النِّهَايَةِ: وَقَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: عُمَّارُ الْبُيُوتِ وَعَوَامِرُهَا سُكَّانُهَا مِنَ الْجِنِّ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ): وَرَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ.
وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ - مَرْفُوعًا («اقْتُلُوا الْحَيَّةَ وَالْعَقْرَبَ وَإِنْ كُنْتُمْ فِي الصَّلَاةِ») . وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ حِبَّانَ، وَالْحَاكِمُ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵃ - مَرْفُوعًا («اقْتُلُوا الْأَسْوَدَيْنِ فِي الصَّلَاةِ الْحَيَّةَ وَالْعَقْرَبَ») . وَرَوَى الْخَطِيبُ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: مَنْ قَتَلَ حَيَّةً أَوْ عَقْرَبًا فَكَأَنَّمَا قَتَلَ كَافِرًا. وَرَوَى أَحْمَدُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: مِنْ قَتَلَ حَيَّةً فَكَأَنَّمَا قَتَلَ رَجُلًا مُشْرِكًا قَدْ حَلَّ دَمُهُ. وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ. وَالطَّبَرَانِيُّ عَنْ جَرِيرٍ وَعَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ مَرْفُوعًا: («اقْتُلُوا الْحَيَّاتِ كُلَّهُنَّ فَمَنْ خَافَ ثَأْرَهُنَّ فَلَيْسَ مِنِّي») . وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذِهِ الْأَحَادِيثَ مُطْلَقَةٌ مَحْمُولَةٌ عَلَى مَا عَدَا سِوَاكِنَ الْبُيُوتِ لِمَا سَبَقَ مِنَ الْحَدِيثِ وَلِمَا يَلِيهِ، وَهُوَ قَوْلُهُ.
[ ٧ / ٢٦٦٩ ]
٤١١٨ - وَعَنْ أَبِي السَّائِبِ - ﵄ - قَالَ: «دَخَلْنَا عَلَى أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، فَبَيْنَمَا نَحْنُ جُلُوسٌ، إِذْ سَمِعْنَا تَحْتَ سَرِيرِهِ حَرَكَةً فَنَظَرْنَا، فَإِذَا فِيهِ حَيَّةٌ، فَوَثَبْتُ لِأَقْتُلَهَا وَأَبُو سَعِيدٍ يُصَلِّي، فَأَشَارَ إِلَيَّ أَنِ اجْلِسْ، فَجَلَسْتُ، فَلَمَّا انْصَرَفَ، أَشَارَ إِلَى بَيْتٍ فِي الدَّارِ، فَقَالَ: أَتَرَى هَذَا الْبَيْتَ؟ فَقُلْتُ: نَعَمْ. فَقَالَ: كَانَ فِيهِ فَتًى مِنَّا حَدِيثُ عَهْدٍ بِعُرْسٍ، قَالَ: فَخَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - إِلَى الْخَنْدَقِ، فَكَانَ ذَلِكَ الْفَتَى يَسْتَأْذِنُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - بِأَنْصَافِ النَّهَارِ، فَيَرْجِعُ إِلَى أَهْلِهِ، فَاسْتَأْذَنَهُ يَوْمًا، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - خُذْ عَلَيْكَ سِلَاحَكَ فَإِنِّي أَخْشَى " عَلَيْكَ قُرَيْظَةَ "، فَأَخَذَ الرَّجُلُ سِلَاحَهُ، ثُمَّ رَجَعَ، فَإِذَا امْرَأَتُهُ بَيْنَ الْبَابَيْنِ قَائِمَةٌ، فَأَهْوَى إِلَيْهَا بِالرُّمْحِ لِيَطْعَنَهَا بِهِ، وَأَصَابَتْهُ غَيْرَةٌ. فَقَالَتْ لَهُ: اكْفُفْ عَلَيْكَ رُمْحَكَ، وَادْخُلِ الْبَيْتَ حَتَّى تَنْظُرَ مَا الَّذِي أَخْرَجَنِي فَدَخَلَ فَإِذَا بِحَيَّةٍ عَظِيمَةٍ مُنْطَوِيَةٍ عَلَى الْفِرَاشِ، فَأَهْوَى إِلَيْهَا بِالرُّمْحِ، فَانْتَظَمَهَا بِهِ، ثُمَّ خَرَجَ فَرَكَزَهُ فِي الدَّارِ، فَاضْطَرَبَتْ عَلَيْهِ، فَمَا يُدْرَى أَيُّهُمَا كَانَ أَسْرَعَ مَوْتًا: الْحَيَّةُ أَمِ الْفَتَى؟ قَالَ: فَجِئْنَا رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - وَذَكَرْنَا ذَلِكَ لَهُ، وَقُلْنَا: ادْعُ اللَّهَ يُحْيِيهِ لَنَا. فَقَالَ: " اسْتَغْفِرُوا لِصَاحِبِكُمْ " ثُمَّ قَالَ: " إِنَّ لِهَذِهِ الْبُيُوتِ عَوَامِرَ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ مِنْهَا شَيْئًا فَحَرِّجُوا عَلَيْهَا ثَلَاثًا، فَإِذَا ذَهَبَ وَإِلَّا فَاقْتُلُوهُ فَإِنَّهُ كَافِرٌ " وَقَالَ لَهُمْ: " اذْهَبُوا فَادْفِنُوا صَاحِبَكُمْ ". وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ: " إِنَّ بِالْمَدِينَةِ جِنًّا قَدْ أَسْلَمُوا، فَإِذَا رَأَيْتُمْ مِنْهُ شَيْئًا فَآذِنُوهُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، فَإِنْ بَدَا لَكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فَاقْتُلُوهُ، فَإِنَّمَا هُوَ شَيْطَانٌ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
_________________
(١) (وَعَنْ أَبِي السَّائِبِ - ﵁ -): هُوَ مَوْلَى هِشَامِ بْنِ زُهْرَةَ تَابِعِيٌّ قَالَ دَخَلْنَا عَلَى أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، فَبَيْنَمَا نَحْنُ جُلُوسٌ، إِذْ سَمِعْنَا تَحْتَ سَرِيرِهِ حَرَكَةً) أَيْ: خَشْخَشَةً (فَنَظَرْنَا، فَإِذَا فِيهِ) أَيْ: فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ (حَيَّةٌ، فَوَثَبْتُ) أَيْ: قُمْتُ بِسُرْعَةٍ لِأَقْتُلَهَا وَأَبُو سَعِيدٍ يُصَلِّي، فَأَشَارَ إِلَيَّ أَنِ اجْلِسْ): أَنْ مَصْدَرِيَّةٌ وَالْبَاءُ مُقَدَّرَةٌ قَبْلَهَا، أَوْ تَفْسِيرِيَّةٌ؛ لِأَنَّ فِي الْإِشَارَةِ مَعْنَى الْقَوْلِ، (فَجَلَسْتُ، فَلَمَّا انْصَرَفَ، أَشَارَ إِلَى بَيْتٍ فِي الدَّارِ) أَيْ: فِي جُمْلَتِهَا وَمِنْ حَوَالَيْهَا (فَقَالَ: أَتَرَى هَذَا الْبَيْتَ؟ فَقَلْتُ: نَعَمْ، فَقَالَ: كَانَ): وَفِي نُسْخَةٍ إِنْ كَانَ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَهِيَ مُخَفَّفَةٌ مِنَ الْمُثَقَّلَةِ أَيْ إِنَّهُ كَانَ (فِيهِ فَتًى) أَيْ: شَابٌّ (مِنَّا) أَيْ: مِنْ قَرَابَتِنَا أَوْ جَمَاعَتِنَا (حَدِيثُ عَهْدٍ): بِالرَّفْعِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِالنَّصْبِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: يَجُوزُ بِالرَّفْعِ عَلَى أَنَّهُ صِفَةٌ بَعْدَ صِفَةٍ، وَبِالنَّصْبِ عَلَى أَنَّهُ حَالٌ مِنَ الضَّمِيرِ فِي مِنَّا اهـ. وَالْمَعْنَى حَدِيثُ عَهْدٍ (بِعُرْسٍ): بِضَمِّ أَوَّلِهِ فَفِي الْمُغْرِبِ: أَعْرَسَ الرَّجُلُ بِالْمَرْأَةِ بَنَى عَلَيْهَا، وَالْعُرْسُ بِالضَّمِّ الِاسْمُ، وَمِنْهُ إِذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ إِلَى طَعَامِ عُرْسٍ فَلْيُجِبْ أَيْ: إِلَى طَعَامِ أَعْرَاسٍ. (قَالَ) أَيْ: أَبُو سَعِيدٍ (فَخَرَجْنَا) أَيْ: نَحْنُ وَالشَّابُّ (مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - إِلَى الْخَنْدَقِ) أَيْ: غَزْوَتِهِ (فَكَانَ ذَلِكَ الْفَتَى يَسْتَأْذِنُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ -) أَيْ: لِلرُّجُوعِ إِلَى أَهْلِهِ لِتَعَلُّقِ قَلْبِهِ بِحُبِّهِ وَلُبِّهِ (بِأَنْصَافِ النَّهَارِ) أَيْ: فِي أَوَّلِ أَوْسَاطِهِ. قَالَ النَّوَوِيُّ: هُوَ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ أَيْ: مُنْتَصَفُهُ، وَكَأَنَّهُ وَقْتُ آخِرِ النِّصْفِ الْأَوَّلِ وَأَوَّلُ النِّصْفِ الثَّانِي فَجَمَعَهُ كَمَا قَالُوا: ظُهُورُ التُّرْسَيْنِ وَرُجُوعُهُ إِلَى أَهْلِهِ لِيُطَالِعَ حَالَهُمْ، وَيَقْضِيَ حَاجَتَهُمْ وَيُؤْنِسَ امْرَأَتَهُ، فَإِنَّهَا كَانَتْ عَرُوسًا. قَالَ الطِّيبِيُّ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ بِالنَّهَارِ الْجِنْسُ، وَأَتَى بِالْإِفْرَادِ اعْتِمَادًا عَلَى الْقَرِينَةِ (فَيَرْجِعُ إِلَى أَهْلِهِ) أَيْ: ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى الْخَنْدَقِ أَوْ يُتِمُّ عِنْدَهُمْ إِلَى اللَّيْلِ، ثُمَّ فِي الصُّبْحِ يَرْجِعُ إِلَى الْغَزْوِ وَهُوَ الْأَظْهَرُ. (فَاسْتَأْذَنَهُ يَوْمًا، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: خُذْ عَلَيْكَ سِلَاحَكَ فَإِنِّي أَخْشَى عَلَيْكَ قُرَيْظَةَ) أَيِ: احْمِلْ عَلَيْكَ السِّلَاحَ آخِذًا حَذَرَكَ مِنْ بَنِي قُرَيْظَةَ، وَهُمْ
[ ٧ / ٢٦٦٩ ]
طَائِفَةٌ مِنَ الْيَهُودِ مِنْ سُكَّانٍ حَوْلَ الْمَدِينَةِ السَّكِينَةِ (فَأَخَذَ الرَّجُلُ سِلَاحَهُ، ثُمَّ رَجَعَ) أَيْ: بَعْدَ أَخْذِ السِّلَاحِ إِلَى أَهْلِهِ (فَإِذَا امْرَأَتُهُ بَيْنَ الْبَابَيْنِ) أَيْ: بَابِ بَيْتِهَا وَبَابِ غَيْرِهَا أَوْ بَيْنَ الْمِصْرَاعَيْنِ (قَائِمَةٌ، فَأَهْوَى إِلَيْهَا بِالرُّمْحِ) أَيْ: قَصَدَ مَا بِهِ، أَوْ أَشَارَ بِهِ إِلَيْهَا، أَوْ مَدَّهُ إِلَيْهَا (لِيَطْعَنَهَا بِهِ، وَأَصَابَتْهُ): حَالٌ مِنَ الْمَسْتَكِنِّ فِي أَهْوَى أَيْ: وَقَدْ أَصَابَ الْفَتَى (غَيْرَةٌ): بِفَتْحِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ: حَمِيَّةٌ (قَالَتْ): أَيِ امْرَأَتُهُ لَهُ: اكْفُفْ): بِضَمِّ الْفَاءِ الْأُولَى أَيِ: احْفَظْ (عَلَيْكَ رُمْحَكَ، وَادْخُلِ الْبَيْتَ حَتَّى تَنْظُرَ مَا الَّذِي أَخْرَجَنِي فَدَخَلَ فَإِذَا بِحَيَّةٍ عَظِيمَةٍ مُنْطَوِيَةٍ) أَيْ: مُلْتَوِيَةٍ مُرْتَمِيَةٍ (عَلَى الْفِرَاشِ، فَأَهْوَى إِلَيْهَا بِالرُّمْحِ، فَانْتَظَمَهَا بِهِ) أَيْ: غَرَزَ الرُّمْحَ فِي الْحَيَّةِ حَتَّى طَوَّقَهَا فِيهِ فَشَبَّهَهُ بِالسِّلْكِ الَّذِي يَدْخُلُ فِي الْخَرَزِ، وَفِي الْأَسَاسِ رَمَى صَيْدًا فَانْتَظَمَهُ بِسَهْمٍ وَطَعَنَهُ فَانْتَظَمَ بِسَاقَيْهِ أَوْ جَنْبَيْهِ، (ثُمَّ خَرَجَ أَيْ: مِنَ الْبَيْتِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِهِ أَيْ: مُلْتَبِسًا بِالْحَيَّةِ، (فَرَكَزَهُ) أَيْ: غَرَزَ الرُّمْحَ فِي الدَّارِ (فَاضْطَرَبَتْ) أَيِ: الْحَيَّةُ (عَلَيْهِ) أَيْ: صَائِلَةً عَلَى الْفَتَى (فَمَا يُدْرَى): بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيْ: مَا يُعْلَمُ (أَيُّهُمَا كَانَ أَسْرَعَ مَوْتًا الْحَيَّةُ أَمِ الْفَتَى؟): بِالرَّفْعِ بَيَانٌ لِأَيُّهُمَا.
(قَالَ): أَيْ أَبُو سَعِيدٍ (فَجِئْنَا رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - وَذَكَرْنَا ذَلِكَ لَهُ، وَقُلْنَا: ادْعُ اللَّهَ يُحْيِيهِ لَنَا) . بِالرَّفْعِ أَيْ هُوَ يُحْيِي الْفَتَى بِدُعَائِكَ. (قَالَ: اسْتَغْفِرُوا لِصَاحِبِكُمْ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: يُرِيدُ أَنَّ الَّذِي يَنْفَعُهُ هُوَ اسْتِغْفَارُكُمْ لَا الدُّعَاءُ بِالْإِحْيَاءِ؛ لِأَنَّهُ مَضَى سَبِيلُهُ اهـ. وَلَيْسَ فِيهِ عَجْزُهُ عَنِ الْمُعْجِزَةِ مِنْهُ، بَلْ سَدٌّ لِهَذَا الْبَابِ، وَبِهِ يَتِمُّ الْجَوَابُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. (ثُمَّ قَالَ): أَيِ النَّبِيُّ - ﷺ - («إِنَّ لِهَذِهِ الْبُيُوتِ عَوَامِرَ»، أَيْ سِوَاكِنَ (فَإِذَا رَأَيْتُمْ مِنْهَا): أَيْ مِنَ الْعَوَامِرِ يَعْنِي مِنْ هَذِهِ الْجَمَاعَةِ، وَفِي نُسْخَةٍ مِنْهُمْ أَيْ مِنْ هَذَا الْجَمْعِ (شَيْئًا): أَيْ أَحَدًا تَصَوَّرَ بِصُورَةِ شَيْءٍ مِنَ الْحَيَّاتِ (فَحَرِّجُوا): بِتَشْدِيدِ الرَّاءِ الْمَكْسُورَةِ أَيْ ضَيِّقُوا (عَلَيْهَا ثَلَاثًا)، أَيْ قُولُوا لَهَا: أَنْتِ فِي حَرَجٍ أَيْ ضِيقٍ إِنْ عُدْتِ إِلَيْنَا فَلَا تَلُومِينَا أَنْ نُضَيِّقَ عَلَيْكُمْ بِالتَّتَبُّعِ وَالطَّرْدِ وَالْقَتْلِ، كَذَا فِي النِّهَايَةِ. وَفِي شَرْحِ مُسْلِمٍ لِلنَّوَوِيِّ قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: رَوَى ابْنُ الْحَبِيبِ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - أَنَّهُ يَقُولُ: («أُنْشِدُكُمْ بِالْعَهْدِ الَّذِي أَخَذَ عَلَيْكُمْ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ ﵉ أَنْ لَا تُؤْذُونَا وَلَا تَظْهَرُوا لَنَا») . وَنَحْوُهُ عَنْ مَالِكٍ. (فَإِنْ ذَهَبَ): أَيْ بِالتَّحْرِيجِ فَبِهَا وَنِعْمَتْ (وَإِلَّا فَاقْتُلُوهُ فَإِنَّهُ كَافِرٌ) . قَالَ شَارِحٌ: أَيْ شَدِّدُوا عَلَى الْحَيَّةِ وَنَفِّرُوهَا، فَإِنْ نَفَرَ وَتَوَارَى فَذَاكَ، وَإِلَّا فَاقْتُلُوهُ، فَإِنَّهُ كَافِرٌ أَيْ كَالْكَافِرِ فِي جَرَاءَتِهِ وَصَوْلَتِهِ وَقَصْدِهِ وَكَوْنِهِ مُؤْذِيًا، وَقِيلَ: أَرَادَ بِعَوَامِرِ الْبَيْتِ سُكَّانَهَا مِنَ الْجِنِّ أَيْ أَنَّهَا حِينًا تُشَكَّلُ بِشَكْلِ الْحَيَّاتِ، وَأَرَادَ بِالتَّحْرِيجِ التَّشْدِيدَ بِالْحَلِفِ عَلَيْهِ، كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ أَنْ يُقَالَ لَهَا: (أَسْأَلُكِ بِعَهْدِ نُوحٍ وَبِعَهْدِ سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ ﵈ أَنْ لَا تُؤْذِينَا) . (وَقَالَ): أَيِ النَّبِيُّ - ﷺ - (لَهُمْ): أَيْ لِأَصْحَابِ الْبَيْتِ (اذْهَبُوا): أَمْرُ وُجُوبٍ عَلَى الْكِفَايَةِ أَيِ ارْجِعُوا وَجَهِّزُوا (فَادْفِنُوا صَاحِبَكُمْ) . أَيْ بَعْدِ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا. (وَفِي رِوَايَةٍ): أَيْ لِمُسْلِمٍ عَلَى مَا هُوَ الظَّاهِرُ (قَالَ): أَيِ النَّبِيُّ - ﷺ - عَنْ بَدَلًا مِنْ قَوْلِهِ السَّابِقِ: إِنَّ لِهَذِهِ الْبُيُوتِ إِلَخْ. (إِنَّ بِالْمَدِينَةِ جِنًّا): أَيْ طَائِفَةً مِنْهُمْ (قَدْ أَسْلَمُوا، فَإِذَا رَأَيْتُمْ مِنْهُمْ): وَفِي نُسْخَةٍ: مِنْهَا أَيْ مِنْ طَائِفَةٍ مِنْهُمْ (شَيْئًا فَآذِنُوهُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ)،. بِمَدِّ الْهَمْزِ وَكَسْرِ الذَّالِ أَمْرٌ مِنَ الْإِيذَانِ بِمَعْنَى الْإِعْلَامِ، وَالْمُرَادُ بِهِ الْإِنْذَارُ وَالِاعْتِذَارُ، وَالْمَعْنَى قُولُوا لَهُ نَحْوَ مَا تَقَدَّمَ أَوْ حَلِّفُوهُ وَقُولُوا: بِاللَّهِ عَلَيْكَ أَنْ لَا تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ. (فَإِنْ بَدَا): بِالْأَلِفِ أَيْ ظَهَرَ (لَكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فَاقْتُلُوهُ، فَإِنَّمَا هُوَ شَيْطَانٌ) . أَيْ فَلَيْسَ بِجِنِّيٍّ مُسْلِمٍ، بَلْ هُوَ إِمَّا جِنِّيٌّ كَافِرٌ، وَإِمَّا حَيَّةٌ، وَإِمَّا وَلَدٌ مِنْ أَوْلَادِ إِبْلِيسَ، أَوْ سَمَّاهُ شَيْطَانًا لِتَمَرُّدِهِ وَعَدَمِ ذَهَابِهِ بِالْإِيذَانِ، وَكُلُّ مُتَمَرِّدٍ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالدَّابَّةِ يُسَمَّى شَيْطَانًا. وَفِي شَرْحِ مُسْلِمٍ لِلنَّوَوِيِّ قَالَ الْعُلَمَاءُ: إِذَا لَمْ يَذْهَبْ بِالْإِنْذَارِ عَلِمْتُمْ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ عَوَامِرِ الْبُيُوتِ، وَلَا مِمَّنْ أَسْلَمَ مِنَ الْجِنِّ، بَلْ هُوَ شَيْطَانٌ، فَلَا حُرْمَةَ لَهُ فَاقْتُلُوهُ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُ سَبِيلًا إِلَى الْإِضْرَارِ بِكُمْ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) . وَكَذَا أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ. وَمَالِكٌ فِي آخِرِ الْمُوَطَّأِ وَغَيْرُهُمْ.
[ ٧ / ٢٦٧٠ ]
٤١١٩ - وَعَنْ أُمِّ شَرِيكٍ - ﵂: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - «أَمَرَ بِقَتْلِ الْوَزَغِ وَقَالَ: " كَانَ يَنْفُخُ عَلَى إِبْرَاهِيمَ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
_________________
(١) (وَعَنْ أُمِّ شَرِيكٍ - ﵂ -): وَهِيَ عَزْمَةُ بِنْتُ دُودَانَ بِضَمِّ الدَّالِّ الْمُهْمَلَةِ الْأُولَى الْقُرَشِيَّةُ الْعَامِرِيَّةُ لَهَا صُحْبَةٌ، أَوْ أُمُّ شَرِيكٍ الْأَنْصَارِيَّةُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. («أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - أَمَرَ بِقَتْلِ الْوَزَغِ»): بِوَاوٍ مَفْتُوحَةٍ وَزَايٍ كَذَلِكَ وَبِمُعْجَمَةٍ وَاحِدُهَا وَزَغَةٌ، وَهِيَ دُوَيْبَةٌ مُؤْذِيَةٌ وِسَامُّ أَبْرَصَ كَبِيرُهَا. ذَكَرَهُ ابْنُ الْمَلَكِ، وَفِي النِّهَايَةِ: الْوَزَغُ جَمْعُ وَزَغَةٍ بِالتَّحْرِيكِ وَهِيَ الَّتِي يُقَالُ لَهَا سَامُّ أَبْرَصَ (وَقَالَ): أَيِ النَّبِيُّ - ﷺ - (كَانَ): أَيِ الْوَزَغُ (يَنْفُخُ عَلَى إِبْرَاهِيمَ) . أَيْ عَلَى نَارٍ تَحْتَهُ. قَالَ الْقَاضِي: بَيَانٌ لِخُبْثِ هَذَا النَّوْعِ وَفَسَادِهِ، وَأَنَّهُ بَلَغَ فِي ذَلِكَ مَبْلَغًا اسْتَعْمَلَهُ الشَّيْطَانُ، فَحَمَلَهُ عَلَى أَنْ نَفَخَ فِي النَّارِ الَّتِي أُلْقِيَ فِيهَا خَلِيلُ اللَّهِ - ﵊ - وَسَعَى فِي اشْتِعَالِهَا، وَهُوَ فِي الْجُمْلَةِ مِنْ ذَوَاتِ السُّمُومِ الْمُؤْذِيَةِ. قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: وَمِنْ شَغَفِهَا إِفْسَادُ الطَّعَامِ خُصُوصًا الْمِلْحَ، فَإِنَّهَا إِذَا لَمْ تَجِدْ طَرِيقًا إِلَى إِفْسَادِهِ ارْتَقَتِ السَّقْفَ وَأَلْقَتْ خَرَأَهَا فِي مَوْضِعٍ يُحَاذِيهِ. وَفِي الْحَدِيثِ بَيَانُ أَنَّ جِبِلَّتَهَا عَلَى الْإِسَاءَةِ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
[ ٧ / ٢٦٧١ ]
٤١٢٠ - وَعَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ - ﵁ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - «أَمَرَ بِقَتْلِ الْوَزَغِ وَسَمَّاهُ فُوَيْسِقًا» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
_________________
(١) (وَعَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - «أَمَرَ بِقَتْلِ الْوَزَغِ وَسَمَّاهُ فُوَيْسِقًا»)، تَصْغِيرُ فَاسِقٍ. قَالَ النَّوَوِيُّ: تَسْمِيَتُهُ فُوَيْسِقًا؛ لِأَنَّهُ نَظِيرُ الْفَوَاسِقِ الْخَمْسِ الَّتِي تُقْتَلُ فِي الْحِلِّ وَالْحَرَمِ، وَأَصْلُ الْفِسْقِ الْخُرُوجُ عَنِ الطَّرِيقِ الْمُسْتَقِيمِ، وَهَذِهِ الْمَذْكُورَاتُ خَرَجَتْ عَنْ خُلُقِ مُعْظَمِ الْحَشَرَاتِ بِزِيَادَةِ الضَّرَرِ وَالْأَذَى. قَالَ الطِّيبِيُّ: وَأَمَّا تَصْغِيرُهُ فَلِلتَّعْظِيمِ كَمَا فِي دُوَيْهِيَةٍ عَلَى مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الشَّيْخُ التُّورِبِشْتِيُّ أَوْ لِلتَّحْقِيرِ لِإِلْحَاقِهِ - ﷺ - بِالْفَوَاسِقِ الْخَمْسِ اهـ وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ فَتَدَبَّرْ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
[ ٧ / ٢٦٧١ ]
٤١٢١ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: " «مَنْ قَتَلَ وَزَغًا فِي أَوَّلِ ضَرْبَةٍ كُتِبَ لَهُ مِائَةُ حَسَنَةٍ، وَفِي الثَّانِيَةِ دُونَ ذَلِكَ، وَفِي الثَّالِثَةِ دُونَ ذَلِكَ» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
_________________
(١) (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: «مَنْ قَتَلَ وَزَغًا فِي أَوَّلِ ضَرْبَةٍ»): بِالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ (كُتِبَ لَهُ مِائَةُ حَسَنَةٍ، وَفِي الثَّانِيَةِ): أَيْ وَمَنْ قَتَلَ فِي الضَّرْبَةِ الثَّانِيَةِ (دُونَ ذَلِكَ)، أَيْ كُتِبَ لَهُ أَقَلُّ مِمَّا ذُكِرَ، أَوِ التَّقْدِيرُ وَقَتَلَهُ فِي الثَّانِيَةِ دُونَ ذَلِكَ فِي الثَّوَابِ (وَفِي الثَّالِثَةِ دُونَ ذَلِكَ) أَيْ أَقَلُّ مِمَّا قَبْلَهُ، وَهَكَذَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَالَ النَّوَوِيُّ: سَبَبُ تَكْثِيرِ الثَّوَابِ فِي قَتْلِهِ أَوَّلَ ضَرْبَةٍ الْحَثُّ عَلَى الْمُبَادَرَةِ بِقَتْلِهِ، وَالِاعْتِنَاءِ بِهِ، وَالْحِرْصِ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ لَوْ فَاتَهُ رُبَّمَا انْفَلَتَ وَفَاتَ قَتْلُهُ، وَالْمَقْصُودُ انْتِهَازُ الْفُرْصَةِ بِالظَّفَرِ عَلَى قَتْلِهِ (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) . وَرَوَى أَحْمَدُ، وَابْنُ حِبَّانَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَرْفُوعًا: («مَنْ قَتَلَ حَيَّةً فَلَهُ سَبْعُ حَسَنَاتٍ، وَمَنْ قَتَلَ وَزَغَةً فَلَهُ حَسَنَةٌ») . وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ عَنْ عَائِشَةَ مَرْفُوعًا: («مَنْ قَتَلَ وَزَغًا كَفَّرَ اللَّهُ عَنْهُ سَبْعَ خَطِيئَاتٍ») .
[ ٧ / ٢٦٧١ ]
٤١٢٢ - وَعَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: " «قَرَصَتْ نَمْلَةٌ نَبِيًّا مِنَ الْأَنْبِيَاءِ فَأَمَرَ بِقَرْيَةِ النَّمْلِ فَأُحْرِقَتْ، فَأَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إِلَيْهِ: أَنْ قَرَصَتْكَ نَمْلَةٌ أَحْرَقْتَ أُمَّةً مِنَ الْأُمَمِ تُسَبِّحُ؟» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
_________________
(١) (وَعَنْهُ): أَيْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: قَرَصَتْ): أَيْ لَسَعَتْ وَلَدَغَتْ. قَالَ الطِّيبِيُّ: الْقَرْصُ الْأَخْذُ بِأَطْرَافِ الْأَصَابِعِ، وَهُنَا يُرَادُ بِهِ الْعَضُّ، فَالْمَعْنَى عَضَّتْ (نَمْلَةٌ): أَيْ وَاحِدَةٌ (نَبِيًّا مِنَ الْأَنْبِيَاءِ): قِيلَ: مُوسَى، وَقِيلَ: دَاوُدُ ﵈ (فَأَمَرَ بِقَرْيَةِ النَّمْلِ): أَيْ مَسْكَنِهَا وَمَنْزِلِهَا سُمِّيَ قَرْيَةً لِاجْتِمَاعِهَا فِيهِ، وَمِنْهُ الْقَرْيَةُ الْمُتَعَارَفَةُ لِاجْتِمَاعِ النَّاسِ فِيهَا، وَالْمَعْنَى فَأَمَرَ بِإِحْرَاقِ قَرْيَةِ النَّمْلِ (فَأُحْرِقَتْ)؟ قِيلَ الْمَعْنَى أَمَرَ بِإِحْرَاقِ شَجَرَةٍ فِيهَا تِلْكَ النَّمْلَةُ، وَسَبَبُهُ مَا رُوِيَ أَنَّهُ - ﵇ - قَالَ: يَا رَبِّ تُعَذِّبُ أَهْلَ قَرْيَةٍ بِمَعَاصِيهِمْ وَفِيهِمُ الْمُطِيعُ، فَأَرَادَ أَنْ يُرِيَهُ الْعِبْرَةَ فِي ذَلِكَ، فَسَلَّطَ عَلَيْهِ الْحَرَّ حَتَّى الْتَجَأَ إِلَى ظِلِّ شَجَرَةٍ وَعِنْدَهَا بَيْتُ النَّمْلَةِ! فَغَلَبَهُ النَّوْمُ، فَلَمَّا وَجَدَ لَذَّةَ النَّوْمِ لَدَغَتْهُ، فَأَمَرَ بِإِحْرَاقِ النَّمْلِ جَمِيعِهِ إِمَّا لِعَدَمِ عِلْمِهِ بِخُصُوصِ الْقَارِصَةِ، أَوْ لِكَوْنِهَا مُؤْذِيَةً، وَيَجُوزُ قَتْلُ جِنْسِ الْمُؤْذِي، وَقَدْ رَوَى الطَّبَرَانِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: «أَنَّهُ نَهَى - ﵇ - عَنْ قَتْلِ كُلِّ ذِي رُوحٍ إِلَّا أَنْ يُؤْذِيَ»، وَلَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا نَظِيرٌ لِفِعْلِهِ تَعَالَى؛ لِأَنَّهُ سُبْحَانَهُ يُفَرِّقُ بَيْنَ الْمُطِيعِ، وَالْعَاصِي، وَلَا يَكُونُ تَعْذِيبُهُ تَشَفِّيًا بِخِلَافِ الْمَخْلُوقِ، بَلْ فِعْلُهُ - ﷿ - مِنْ بَابِ الْقَضَاءِ وَالْقَدَرِ الَّذِي يَعْجَزُ عَنْ كُنْهِهِ عِلْمُ الْبَشَرِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ تَمْثِيلًا؛ لِأَنَّهُ تَعَالَى عَلِمَ أَنَّ الْمُطِيعَ لَوْ لَمْ يَدْخُلْ فِي عُمُومِ عَذَابِهِمْ وَخُصَّ بِالْإِخْلَاصِ لَصَدَرَ عَنْهُ مَا يُوجِبُ
[ ٧ / ٢٦٧١ ]
تَعْذِيبَهُ، أَوْ مَا يُوجِبُ تَعْذِيبَهُ أَوِ الْمُطِيعُ إِذَا رَضِيَ بِفِعْلِ الْعَاصِي أَوْ لَمْ يُنْكِرْ أَوْ سَاكَنَهُ وَمَا شَاءَ وَعَاشَرَهُ فِي مَأْوَاهُ لَا يَخْلُوا عَنِ اسْتِحْقَاقِ تَعْذِيبٍ مَا، أَوْ تَعْذِيبُهُ صُورَةَ تَعْذِيبٍ. وَفِي الْحَقِيقَةِ تَكْفِيرٌ وَتَهْذِيبٌ، فَسُبْحَانَهُ سُبْحَانَهُ أَنْ يَقَعَ مِنْهُ إِلَّا الْعَدْلُ أَوِ الْفَضْلُ ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٣] (فَأَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إِلَيْهِ أَنْ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَتَقْدِيرِ اللَّامِ أَيْ أَوْصَى بِهَذَا الْكَلَامِ يُعَيِّنُ لِأَجَلِ (قَرَصَتْكَ نَمْلَةٌ): أَيْ وَاحِدَةٌ (أَحْرَقْتَ أُمَّةً): أَيْ أَمَرْتَ بِإِحْرَاقِ طَائِفَةٍ عَظِيمَةٍ (مِنَ الْأُمَمِ): حَالَ كَوْنِهَا (تُسَبِّحُ) .
قَالَ الطِّيبِيُّ: أَيْ أُمَّةً مُسَبِّحَةً لِلَّهِ تَعَالَى، وَإِنَّمَا وُضِعَ الْمُضَارِعُ مَوْضِعَ مُسَبِّحَةٍ لِيَدُلَّ عَلَى الِاسْتِمْرَارِ وَمَزِيدًا لِلْإِنْكَارِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ﴾ [ص: ١٨] الْكَشَّافُ: فِيهِ الدَّلَالَةُ عَلَى حُدُوثِ التَّسْبِيحِ مِنَ الْجِبَالِ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ وَحَالًا بَعْدَ حَالٍ، وَكَأَنَّ السَّامِعَ يُحَاضِرُ تِلْكَ الْحَالَ وَيَسْمَعُهَا، وَيُفْهَمُ مِنْ قَوْلِهِ: أَحْرَقْتَ أُمَّةً جَوَازُ إِحْرَاقِ تِلْكَ الْقَارِصَةِ. وَفِي شَرْحِ مُسْلِمٍ لِلنَّوَوِيِّ قَالُوا: هَذَا مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ شَرْعَ ذَلِكَ النَّبِيِّ كَانَ فِيهِ جَوَازُ قَتْلِ النَّمْلِ وَالْإِحْرَاقِ بِالنَّارِ، وَلِذَا لَمْ يَعْتِبْ عَلَيْهِ فِي أَصْلِ الْقَتْلِ وَالْإِحْرَاقِ، بَلْ فِي الزِّيَادَةِ عَلَى نَمْلَةٍ وَاحِدَةٍ، وَأَمَّا فِي شَرْعِنَا فَلَا يَجُوزُ إِحْرَاقُ الْحَيَوَانِ بِالنَّارِ إِلَّا بِالِاقْتِصَاصِ، وَسَوَاءٌ فِي مَنْعِ الْإِحْرَاقِ بِالنَّارِ الْقَمْلُ وَغَيْرُهُ لِلْحَدِيثِ الْمَشْهُورِ: (لَا يُعَذِّبُ بِالنَّارِ إِلَّا اللَّهُ تَعَالَى) . وَأَمَّا قَتْلُ النَّمْلِ فَمَذْهَبُنَا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ، فَإِنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - نَهَى عَنْ قَتْلِ أَرْبَعٍ مِنَ الدَّوَابِّ، وَسَيَجِيءُ فِي الْفَصْلِ الثَّانِي اهـ. وَيُمْكِنُ حَمْلُ النَّهْيِ عَنْ قَتْلِ النَّمْلِ عَلَى غَيْرِ الْمُؤْذِي مِنْهَا جَمْعًا بَيْنَ الْأَحَادِيثِ وَقِيَاسًا عَلَى الْقَمْلِ، فَإِنْ أَذَى النَّمْلِ قَدْ يَكُونُ أَشَدَّ مِنَ الْقَمْلِ. أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ قَتْلُ الْهِرِّ ابْتِدَاءً بِخِلَافِ مَا إِذَا حَصَلَ مِنْهُ الْأَذَى، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الْإِحْرَاقُ مَنْسُوخًا، أَوْ مَحْمُولًا عَلَى مَا لَا يُمْكِنُ قَتْلُهُ إِلَّا بِهِ ضَرُورَةً. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
[ ٧ / ٢٦٧٢ ]
الْفَصْلُ الثَّانِي
٤١٢٣ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: " «إِذَا وَقَعَتِ الْفَأْرَةُ فِي السَّمْنِ فَإِنْ كَانَ جَامِدًا فَأَلْقُوهَا وَمَا حَوْلَهَا، وَإِنْ كَانَ مَائِعًا فَلَا تَقْرَبُوهُ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ.
_________________
(١) الْفَصْلُ الثَّانِي
(٢) (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: إِذَا وَقَعَتِ الْفَأْرَةُ): بِسُكُونِ الْهَمْزَةِ فِي الْأَصْلِ وَيُبْدَلُ أَيْ سَقَطَتْ (فِي السَّمْنِ): أَيْ وَمَاتَتْ فِيهِ (فَإِنْ كَانَ جَامِدًا فَأَلْقُوهَا وَمَا حَوْلَهَا)، أَيْ وَكُلُوا مِمَّا بَقِيَ (وَإِنْ كَانَ مَائِعًا فَلَا تَقْرَبُوهُ) . أَيِ السَّمْنَ لِلْأَكْلِ، وَيَجُوزُ الِانْتِفَاعُ نَحْوَ الِاسْتِصْبَاحِ عَلَى مَا سَبَقَ (رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ) . أَيْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ.
[ ٧ / ٢٦٧٢ ]
٤١٢٤ - وَرَوَاهُ الدَّارِمِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ.
_________________
(١) (وَرَوَاهُ الدَّارِمِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) .
[ ٧ / ٢٦٧٢ ]
٤١٢٥ - وَعَنْ سَفِينَةَ، قَالَ: «أَكَلْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - لَحْمَ حُبَارَى» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
_________________
(١) (وَعَنْ سَفِينَةَ - ﵁ -)، أَيْ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - وَمَرَّ ذِكْرُهُ (قَالَ: «أَكَلْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - لَحْمَ حُبَارَى») بِضَمِّ الْحَاءِ وَفَتْحِ الرَّاءِ الْمُهْمَلَتَيْنِ مَقْصُورًا. قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: الْحُبَارَى طَائِرٌ يَقَعُ عَلَى الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى وَاحِدُهَا وَجَمْعُهُمَا سَوَاءٌ،: إِنْ شِئْتَ قُلْتَ الْجَمْعُ حُبَارِيَّاتٌ وَأَلِفُهُ لَيْسَتْ لِلتَّأْنِيثِ وَلَا لِلْإِلْحَاقِ، وَإِنَّمَا بُنِيَ الِاسْمُ بِهَا فَصَارَ كَأَنَّهَا مِنْ نَفْسِ الْكَلِمَةِ لَا يَنْصَرِفُ فِي مَعْرِفَةٍ وَلَا نَكِرَةٍ. وَقَالَ صَاحِبُ الْقَامُوسِ: أَلِفُهُ لِلتَّأْنِيثِ، وَغَلِطَ الْجَوْهَرِيُّ إِذْ لَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ لَانْصَرَفَتْ هَذَا. وَفِي حَيَاةِ الْحَيَوَانِ لِلدَّمِيرِيِّ: الْحُبَارَى طَائِرٌ كَبِيرُ الْعُنُقِ رَمَادِيُّ اللَّوْنِ فِي مِنْقَارِهِ بَعْضُ طُولٍ، وَمِنْ شَأْنِهَا أَنْ تُصَادَ وَلَا تَصِيدَ، رَوَى الْبَيْهَقِيُّ فِي الشُّعَبِ مِنْ حَدِيثِ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵃ - أَنَّهُ سَمِعَ رَجُلًا يَقُولُ: إِنَّ الظَّالِمَ لَا يَضُرُّ إِلَّا نَفْسَهُ، فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ كَذَبَ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّ الْحُبَارَى لَتَمُوتُ هُزَالًا مِنْ خَطَايَا بَنِي آدَمَ، يَعْنِي إِذَا كَثُرَتِ الْخَطَايَا مَنَعَ اللَّهُ الْقَطْرَ عَنْ أَهْلِ الْأَرْضِ وَهِيَ مِنْ أَكْثَرِ الطَّيْرِ حِيلَةً فِي طَلَبِ الرِّزْقِ، وَمَعَ ذَلِكَ تَمُوتُ جُوعًا لِلْحُكْمِ يَحِلُّ أَكْلُهَا. قَالَ عُثْمَانُ رَضِيَ
[ ٧ / ٢٦٧٢ ]
٤١٢٦ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ - ﵄ - قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - عَنْ أَكْلِ الْجَلَّالَةِ وَأَلْبَانِهَا» .
رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ: وَفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ: قَالَ: «نُهِيَ عَنْ رُكُوبِ الْجَلَّالَةِ» .
_________________
(١) (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا، قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - عَنْ أَكْلِ الْجَلَّالَةِ») بِفَتْحِ الْجِيمِ وَتَشْدِيدِ اللَّامِ الْأُولَى وَهِيَ الدَّابَّةُ الَّتِي تَأْكُلُ الْعَذِرَةَ مِنَ الْجِلَّةِ وَهِيَ الْبَعْرَةُ. فِي الْفَائِقِ كَنَّى عَنِ الْعَذِرَةِ بِالْجِلَّةِ وَهِيَ الْبَعْرُ فَقِيلَ لِآكِلِهَا جَلَّالَةٌ. (وَأَلْبَانِهَا)، أَيْ وَعَنْ شُرْبِ لَبَنِهَا وَجُمِعَ مُبَالَغَةً. قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: أَيْ إِذَا ظَهَرَ فِي لَحْمِهَا نَتَنٌ، وَإِلَّا فَلَا بَأْسَ بِأَكْلِهَا، وَالْأَحْسَنُ أَنْ تُحْبَسَ أَيَّامًا حَتَّى يَطِيبَ لَحْمُهَا ثُمَّ تُذْبَحَ اهـ. وَرُوِيَ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يَحْبِسُ الدَّجَاجَ ثَلَاثًا. وَفِي الْفَتَاوَى الْكَبِيرِ: كَانَ يَحْبِسُ الدَّجَاجَةَ الْمُخَلَّاةَ ثَلَاثَةَ أَيْامٍ، وَالْجَلَّالَةَ عَشَرَةَ أَيَّامٍ لَا يَحِلُّ أَكْلُهَا. فِي شَرْحِ السُّنَّةِ: الْحُكْمُ فِي الدَّابَّةِ الَّتِي تَأْكُلُ الْعَذِرَةَ أَنْ يَنْظُرَ فِيهَا، فَإِنْ كَانَتْ تَأْكُلُهَا أَحْيَانًا فَلَيْسَتْ بِجَلَّالَةٍ وَلَا يَحْرُمُ بِذَلِكَ أَكْلُهَا كَالدَّجَاجِ، وَإِنْ كَانَ غَالِبُ عَلَفِهَا مِنْهَا حَتَّى ظَهَرَ ذَلِكَ عَلَى لَحْمِهَا وَلَبَنِهَا، فَاخْتَلَفُوا فِي أَكْلِهَا، فَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّهُ لَا يَحِلُّ أَكْلُهَا إِلَّا أَنْ تُحْبَسَ أَيَّامًا وَتُعْلَفَ مِنْ غَيْرِهَا حَتَّى يَطِيبَ لَحْمُهَا، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَأَبِي حَنِيفَةَ، وَكَانَ الْحَسَنُ لَا يَرَى بَأْسًا بِأَكْلِ لُحُومِ الْجَلَّالَةِ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ. وَقَالَ إِسْحَاقُ: لَا بَأْسَ بِأَكْلِهَا بَعْدَ أَنْ يُغْسَلَ غَسْلًا جَيِّدًا. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) . وَكَذَا أَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَالْحَاكِمُ (وَفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ: قَالَ): أَيْ ابْنُ عُمَرَ (نَهَى): أَيْ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - أَيْ نَهْيَ تَنْزِيهٍ (عَنْ رُكُوبِ الْجَلَّالَةِ): لِأَنَّهَا إِذَا عَرَقَتْ يَنْتُنُ لَحْمُهَا.
[ ٧ / ٢٦٧٣ ]
٤١٢٧ - وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ شِبْلٍ - ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - «نَهَى عَنْ أَكْلِ لَحْمِ الضَّبِّ» .
رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
_________________
(١) (وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ شِبْلٍ - ﵁ -) بِكَسْرِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ أَنْصَارِيٌّ، يُعَدُّ فِي أَهْلِ الْمَدِينَةِ، رَوَى عَنْهُ تَمِيمُ بْنُ مَحْمُودٍ وَأَبُو رَاشِدٍ. (أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - «نَهَى عَنْ أَكْلِ لَحْمِ الضَّبِّ») . وَفِي نُسْخَةٍ وَهِيَ رِوَايَةُ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ عَنْ أَكْلِ الضَّبِّ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى حُرْمَتِهِ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَسَبَقَ الْخِلَافُ فِيهِ (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) . وَكَذَا ابْنُ عَسَاكِرَ عَنْ عَائِشَةَ.
[ ٧ / ٢٦٧٣ ]
٤١٢٨ - وَعَنْ جَابِرٍ - ﵁ - أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - «نَهَى عَنْ أَكْلِ الْهِرَّةِ وَأَكْلِ ثَمَنِهَا» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ.
_________________
(١) (وَعَنْ جَابِرٍ - ﵄ - أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - «نَهَى عَنْ أَكْلِ الْهِرَّةِ وَأَكْلِ ثَمَنِهَا») . وَفِي رِوَايَةٍ: وَعَنْ أَكْلِ ثَمَنِهَا. قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: أَكَلُ لَحْمِ الْهِرِّ حَرَامٌ بِلَا خِلَافِ، وَأَمَّا بَيْعُهَا وَأَكْلُ ثَمَنِهَا فَلَيْسَ بِحَرَامٍ بَلْ هُوَ مَكْرُوهٌ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ) . وَكَذَا ابْنُ مَاجَهْ، وَالْحَاكِمُ.
[ ٧ / ٢٦٧٣ ]
٤١٢٩ - وَعَنْهُ، قَالَ: «حَرَّمَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - يَعْنِي يَوْمَ خَيْبَرَ - الْحُمُرَ الْإِنْسِيَّةَ، وَلُحُومَ الْبِغَالِ، وَكُلَّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ، وَكُلَّ ذِي مِخْلَبٍ مِنَ الطَّيْرِ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ.
_________________
(١) (وَعَنْهُ): أَيْ عَنْ جَابِرٍ - ﵁ - (قَالَ: حَرَّمَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - يَعْنِي يَوْمَ خَيْبَرَ): تَفْسِيرٌ مِنْ أَحَدِ الرُّوَاةِ (الْحُمُرَ): بِضَمَّتَيْنِ جَمْعُ حِمَارٍ (الْإِنْسِيَّةَ)، بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ النُّونِ وَتَشْدِيدِ التَّحْتِيَّةِ لِلنِّسْبَةِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ، فَفِي الْمُقَدِّمَةِ قَالَ ابْنُ أَبِي أُوَيْسٍ: بِفَتْحَتَيْنِ وَالْمَشْهُورُ بِكَسْرِ أَوَّلِهِ وَسُكُونِ ثَانِيهِ، وَالْأَنْسُ بِالْفَتْحِ النَّاسُ، وَجَوَّزَ أَبُو مُوسَى ضَمَّ أَوَّلِهِ وَهُوَ ضِدُّ الْوَحْشِيَّةِ، وَالْمَعْنَى حَرَّمَ لُحُومَ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ (وَلُحُومَ الْبِغَالِ، وَكُلِّ): بِالْجَرِّ عَطْفًا عَلَى الْبِغَالِ أَيْ: وَلُحُومُ كُلِّ (ذِي نَابٍ): وَفِي نُسْخَةٍ بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلَى الْمُضَافِ أَيْ: وَحَرَّمَ كُلَّ ذِي نَابٍ (مِنَ السِّبَاعِ، وَكُلَّ ذِي مِخْلَبٍ): بِالْوِجْهَتَيْنِ فِي كُلٍّ (مِنَ الطَّيْرِ) . أَيْ مِنْ سِبَاعِهَا (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ) . يَعْنِي بِاعْتِبَارِ هَذَا اللَّفْظِ بِإِسْنَادِهِ الْمَخْصُوصِ، وَإِلَّا فَقَدْ رَوَى الشَّيْخَانِ عَنِ الْبَرَاءِ، وَعَنْ جَابِرٍ، وَعَنْ عَلِيٍّ، وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَعَنْ أَبِي ثَعْلَبَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - أَنَّهُ - ﷺ - «نَهَى عَنْ أَكْلِ لُحُومِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ» .
[ ٧ / ٢٦٧٣ ]
وَرَوَى أَصْحَابُ السِّتَّةِ عَنْ أَبِي ثَعْلَبَةَ أَنَّهُ - ﷺ - «نَهَى عَنْ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ» . وَرَوَى أَحْمَدُ، وَمُسْلِمٌ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ - وَزَادَ: وَعَنْ كُلِّ ذِي مِخْلَبٍ مِنَ الطَّيْرِ. قَالَ الشُّمُنِّيُّ: وَلَا يَحِلُّ الضَّبُعُ وَلَا الْيَرْبُوعُ، لِمَا رَوَى أَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ، وَأَبُو يَعْلَى الْمَوْصِلِيُّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ السَّعْدِيِّ قَالَ: سَأَلْتُ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ أَنَّ نَاسًا مِنْ قَوْمِي يَأْكُلُونَ الضَّبُعَ؟ فَقَالَ إِنَّ أَكْلَهَا لَا يَحِلُّ، وَكَانَ عِنْدَهُ شَيْخٌ أَبْيَضُ الرَّأْسِ وَاللِّحْيَةِ، فَقَالَ ذَلِكَ الشَّيْخُ: يَا عَبْدَ اللَّهِ أَلَا أُخْبِرُكَ. بِمَا سَمِعْتُ أَبَا الدَّرْدَاءِ يَقُولُ فِيهِ؟ قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا الدَّرْدَاءِ يَقُولُ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - عَنْ أَكْلِ كُلِّ خَطْفَةٍ وَنَهْبَةٍ وَمُجَثَّمَةٍ وَكُلِّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ»، فَقَالَ سَعِيدٌ: صَدَقَ.
[ ٧ / ٢٦٧٤ ]
٤١٣٠ - وَعَنْ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ - ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - «نَهَى عَنْ أَكْلِ لُحُومِ الْخَيْلِ وَالْبِغَالِ وَالْحَمِيرِ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ.
_________________
(١) (وَعَنْ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ - ﵄ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - «نَهَى عَنْ أَكْلِ لُحُومِ الْخَيْلِ وَالْبِغَالِ وَالْحَمِيرِ») . فِي إِدْمَاجِ الْخَيْلِ مَعَ الْمُحَرَّمَيْنِ اتِّفَاقٌ تَقْوِيَةً لِحُرْمَتِهِ، وَإِشَارَةً إِلَى مُوَافَقَةِ الْآيَةِ الشَّرِيفَةِ وَهِيَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾ [النحل: ٨] وَلِذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ بِحُرْمَةِ لَحْمِهِ مُسْتَدِلًّا بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَبِأَنَّهُ آلَةُ إِرْهَابِ الْعَدُوِّ فَلَا يُؤْكَلُ احْتِرَامًا لَهُ، وَلِهَذَا يُضْرَبُ لَهُ سَهْمٌ فِي الْغَنِيمَةِ، وَلِأَنَّ فِي إِبَاحَتِهِ تَقْلِيلَ الْجِهَادِ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ) . وَكَذَا ابْنُ مَاجَهْ. قَالَ الْمُنْذِرِيُّ: الْحَدِيثُ ضَعِيفٌ، وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ: هَذَا مَنْسُوخٌ؛ لِأَنَّهُ أَكَلَ لَحْمَ الْخَيْلِ جَمَاعَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ ذَكَرَهُ الْجَزَرِيُّ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ قَوْلَهُ لِأَنَّهُ إِلَخْ عِلَّةٌ لِلضَّعْفِ وَالنَّسْخِ وَهُوَ غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ، فَكَانَ أَكْلُهُمْ لَحْمَ الْخَيْلِ إِمَّا مُقَدَّمٌ فَهُوَ مَنْسُوخٌ، وَإِمَّا مُؤَخَّرٌ فَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ مَا بَلَغَهُمُ الْحَدِيثُ، وَقَدْ سَبَقَ الْكَلَامُ عَلَى تَصْحِيحِهِ وَالْخِلَافِ فِي تَحْرِيمِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
[ ٧ / ٢٦٧٤ ]
٤١٣١ - وَعَنْهُ، قَالَ: «غَزَوْتُ مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - خَيْبَرَ، فَأَتَتِ الْيَهُودُ، فَشَكَوْا أَنَّ النَّاسَ قَدْ أَسْرَعُوا إِلَى خَضَائِرِهِمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - أَلَا لَا يَحِلُّ أَمْوَالُ الْمُعَاهَدِينَ إِلَّا بِحَقِّهَا» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
_________________
(١) (وَعَنْهُ): أَيْ عَنْ خَالِدٍ (قَالَ: غَزَوْتُ مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - يَوْمَ خَيْبَرَ، فَأَتَتِ الْيَهُودُ)، أَيْ جَاءُوا إِلَى النَّبِيِّ فَشَكَوْا أَنَّ النَّاسَ): أَيِ الْمُسْلِمِينَ (قَدْ أَسْرَعُوا إِلَى خَضَائِرِهِمْ)، أَيْ إِلَى أَخْذِ ثِمَارِ نَخِيلِ الْيَهُودِ الَّذِينَ دَخَلُوا فِي الْعَهْدِ، وَالْخَضِيرَةُ بِالْخَاءِ وَالضَّادِ الْمُعْجَمَتَيْنِ النَّخْلَةُ الَّتِي يَنْتَشِرُ بُسْرُهَا وَهُوَ أَخْضَرُ، كَذَا فِي الصِّحَاحِ. (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: أَلَا): لِلتَّنْبِيهِ لَا يَحِلُّ أَمْوَالُ الْمُعَاهِدِينَ): بِكَسْرِ الْهَاءِ وَقِيلَ بِفَتْحِهَا أَيْ: أَهِلِ الْعَهْدِ وَالذِّمَّةِ (إِلَّا بِحَقِّهَا) . أَيْ: إِلَّا بِحَقِّ تِلْكَ الْأَمْوَالِ فَإِنَّ حَقَّ مَالِ الْمُعَاهِدِ إِنْ كَانَ ذِمِّيًّا فَالْجِزْيَةُ، وَإِنْ كَانَ مُسْتَأْنَفًا وَمَالُهُ لِلتِّجَارَةِ فَالْعُشْرُ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) .
[ ٧ / ٢٦٧٤ ]
٤١٣٢ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ - ﵄ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: " «أُحِلَّتْ لَنَا مَيْتَتَانِ وَدَمَانِ. الْمَيْتَتَانِ: الْحُوتُ وَالْجَرَادُ، وَالدَّمَانِ: الْكَبِدُ وَالطِّحَالُ» ". رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ.
_________________
(١) (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ - ﵄ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: «أُحِلَّتْ لَنَا مَيْتَتَانِ وَدَمَانِ») . أَيْ فِي حَالِ الِاخْتِيَارِ وَالِاضْطِرَارِ (الْمَيْتَتَانِ: الْحُوتُ، وَالْجَرَادُ، وَالدَّمَانِ: الْكَبِدُ): بِفَتْحٍ فَكَسْرٍ، وَفِي الْقَامُوسِ: بِالْفَتْحِ وَالْكَسْرِ وَكَكَتِفٍ مَعْرُوفٌ (وَالطِّحَالُ): بِكَسْرِ أَوَّلِهِ، وَهُمَا دَمَانِ جَامِدَانِ، فَقَوْلُ صَاحِبِ الْقَامُوسِ الطِّحَالُ كَكِتَابٍ لَحْمَةٌ مَعْرُوفَةٌ مَحَلُّ بَحْثٍ. (رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ) . وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ بِلَفْظِ: «أُحِلَّتْ لَنَا مَيْتَتَانِ وَدَمَانِ»، فَأَمَّا الْمَيتَتَانِ فَالْحُوتُ وَالْجَرَادُ، وَأَمَّا الدَّمَانِ فَالْكَبِدُ وَالطِّحَالُ. رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالْبَيْهَقِيُّ وَالْحَاكِمُ عَنْهُ.
[ ٧ / ٢٦٧٤ ]
٤١٣٣ - وَعَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ - ﵄ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: «مَا أَلْقَاهُ الْبَحْرُ أَوْ جَزَرَ عَنْهُ الْمَاءُ فَكُلُوهُ. وَمَا مَاتَ فِيهِ وَطَفَا فَلَا تَأْكُلُوهُ» ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ. وَقَالَ مُحْيِي السُّنَّةِ: الْأَكْثَرُونَ عَلَى أَنَّهُ مَوْقُوفٌ عَلَى جَابِرٍ.
_________________
(١) (وَعَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، قَالَ الْمُؤَلِّفُ: هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمٍ الْمَكِّيُّ مَوْلَى حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ فِي الطَّبَقَةِ الثَّانَيَةِ مِنْ تَابِعِي مَكَّةَ، جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، رَوَى عَنْهُ جَمَاعَةٌ كَثِيرَةٌ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ، مَاتَ سَنَةَ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ وَمِائَةٍ. (عَنْ جَابِرٍ)، - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: مَا أَلْقَاهُ الْبَحْرُ: أَيْ كُلُّ مَا قَذَفَهُ إِلَى السَّاحِلِ (أَوْ جَزَرَ عَنْهُ الْمَاءُ): أَيْ نَقَصَ وَذَهَبَ عَنْهُ مَاءُ الْبَحْرِ مِنَ الْجَزْرِ الَّذِي هُوَ نَقِيضُ الْمَدِّ، وَمِنْهُ الْجَزِيرَةُ وَالْمَعْنَى وَمَا انْكَشَفَ عَنْهُ الْمَاءُ مِنْ حَيَوَانِ الْبَحْرِ، (فَكُلُوهُ وَمَا مَاتَ فِيهِ وَطَفَا): أَيِ ارْتَفَعَ فَوْقَ الْمَاءِ بَعْدَ أَنْ مَاتَ (فَلَا تَأْكُلُوهُ) . فِي شَرْحِ السُّنَّةِ: اخْتَلَفُوا فِي إِبَاحَةِ السَّمَكِ الطَّافِي، فَأَبَاحَهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ، وَكَرِهَهُ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ جَابِرٍ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَأَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ - ﵃ -. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ) (وَقَالَ مُحْيِي السُّنَّةِ): أَيْ صَاحِبُ الْمَصَابِيحِ (الْأَكْثَرُونَ عَلَى أَنَّهُ مَوْقُوفٌ عَلَى جَابِرٍ) . قُلْتُ: لَا يَضُرُّ فَإِنَّ مِثْلَ هَذَا الْمَوْقُوفِ فِي حُكْمِ الْمَرْفُوعِ، كَمَا هُوَ الْمَعْرُوفُ.
[ ٧ / ٢٦٧٥ ]
٤١٣٤ - وَعَنْ سَلْمَانَ - ﵄ - قَالَ: «سُئِلَ النَّبِيُّ - ﷺ - عَنِ الْجَرَادِ، فَقَالَ: " أَكْثَرُ جُنُودِ اللَّهِ، لَا آكُلُهُ وَلَا أُحَرِّمُهُ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدُ، وَقَالَ مُحْيِي السُّنَّةِ ضَعِيفٌ.
_________________
(١) (وَعَنْ سَلْمَانَ - ﵄ - قَالَ: «سُئِلَ النَّبِيُّ - ﷺ - عَنِ الْجَرَادِ»)، أَيْ عَنْ حِكْمَةِ خَلْقِهِ وَحُكْمِ أَكْلِهِ. فَقَالَ: أَكْثَرُ جُنُودِ اللَّهِ)، أَيْ هُوَ أَكْثَرُ جُنُودِهِ تَعَالَى مِنَ الطُّيُورِ، فَإِذَا غَضِبَ عَلَى قَوْمٍ أَرْسَلَ عَلَيْهِمُ الْجَرَادَ لِيَأْكُلَ زَرْعَهُمْ وَأَشْجَارَهُمْ، وَيَظْهَرُ فِيهِمُ الْقَحْطُ إِلَى أَنْ يَأْكُلَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا فَيَفِئَ الْكُلُّ وَإِلَّا فَالْمَلَائِكَةُ أَكْثَرُ الْخَلَائِقِ عَلَى مَا ثَبَتَ فِي الْأَحَادِيثِ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ ﷿ فِي حَقِّهِمْ ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾ [المدثر: ٣١] (لَا آكُلُهُ) أَيْ: أَطْعَمُهُ لِأَنِّي أَكْرَهُ " طَبْعًا (وَلَا أُحَرِّمُهُ) . أَيْ عَلَى غَيْرِي شَرْعًا لِمَا سَبَقَ مِنْ أَنَّهُ أُحِلَّتْ لَنَا مَيْتَتَانِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ لَفْظُ السَّائِلِ أَتَأْكُلُ الْجَرَادَ أَمْ لَا؟ أَوْ هُوَ حَرَامٌ أَمْ لَا؟ فَيَنْطَبِقُ عَلَيْهِ الْجَوَابُ بِقَوْلِهِ: لَا آكُلُهُ وَلَا أُحَرِّمُهُ، وَقَوْلُهُ: أَكْثَرُ جُنْدِ اللَّهِ كَالتَّوْطِئَةِ لِلْجَوَابِ وَالتَّعْلِيلِ لَهُ كَأَنَّهُ قِيلَ: هُوَ جُنْدٌ مِنْ جُنُودِ اللَّهِ يَبْعَثُهُ أَمَارَةً لِغَضَبِهِ عَلَى بَعْضِ الْبِلَادِ، فَإِذَا نُظِرَ إِلَى هَذَا الْمَعْنَى يَنْبَغِي أَنْ لَا يُؤْكَلُ وَإِذَا نُظِرَ إِلَى كَوْنِهِ يَقُومُ مَقَامَ الْغَدَاءِ يَحِلُّ اهـ. وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ - ﷺ - تَرَدَّدَ فِي كَوْنِهِ حَلَالًا أَوْ حَرَامًا، وَهُوَ لَا يُلَائِمُ التَّصْرِيحَ بِحِلِّيَّتِهِ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ، مَعَ أَنَّ دَلِيلَ الْحُرْمَةِ وَالْحِلِّ إِذَا تَعَارَضَا تُرَجَّحُ الْحُرْمَةُ، وَهَذَا لَا قَائِلَ بِهِ فِي حَقِّ الْجَرَادِ، فَفِي حَيَاةِ الْحَيَوَانِ لِلدَّمِيرِيِّ، أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى إِبَاحَةِ أَكْلِهِ، وَلِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْهُ أَنَّهُ - ﷺ - تَوَقَّفَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مِنْ بَابِ الِاحْتِيَاطِ، فَيَبْقَى الْحُكْمُ مَوْقُوفًا بَيْنَ الْعِبَادِ وَهُوَ بَاطِلٌ بِالِاتِّفَاقِ، فَإِنَّهُ قَالَ الْأَئِمَّةُ الْأَرْبَعَةُ: يَحِلُّ أَكْلُهُ سَوَاءٌ مَاتَ حَتْفَ أَنْفِهِ أَوْ بِذَكَاةٍ أَوْ بِاصْطِيَادِ مَجُوسِيٍّ أَوْ مُسْلِمٍ قُطِعَ شَيْءٌ مِنْهُ أَمْ لَا. وَعَنْ أَحْمَدَ: إِذَا قَتَلَهُ الْبَرْدُ لَمْ يُؤْكَلْ، وَمُلَخَّصُ مَذْهَبِ مَالِكٍ أَنَّهُ إِنْ قُطِعَتْ رَأْسُهُ حَلَّ وَإِلَّا فَلَا. وَالدَّلِيلُ عَلَى عُمُومِ حِلِّهِ قَوْلُهُ - ﷺ: («أُحِلَّتْ لَنَا مَيْتَتَانِ») . (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. وَقَالَ مُحْيِي السُّنَّةِ، ضَعِيفٌ) . أَيْ إِسْنَادُهُ أَوْ مَعْنَاهُ لِمُخَالَفَتِهِ ظَاهِرَ الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى: «غَزَوْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - سَبْعَ غَزَوَاتٍ نَأْكُلُ مَعَهُ الْجَرَادَ» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالْحَافِظُ أَبُو نُعَيْمٍ، وَفِيهِ: وَيَأْكُلُهُ مَعَنَا، وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ. وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: كُنَّ أَزْوَاجُ النَّبِيِّ - ﷺ - يَتَهَادَيْنَ الْجَرَادَ فِي الْأَطْبَاقِ، وَفِي الْمُوَطَّأِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ عُمَرَ سُئِلَ عَنِ الْجَرَادِ؟ فَقَالَ: وَدِدْتُ أَنَّ عِنْدِي قُفَّةً آكُلُ مِنْهَا. وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ أَنَّ
[ ٧ / ٢٦٧٥ ]
رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: («إِنَّ مَرْيَمَ بِنْتَ عِمْرَانَ سَأَلَتْ رَبَّهَا أَنْ يُطْعِمَهَا لَحْمًا لَا دَمَ لَهُ، فَأَطْعَمَهَا الْجَرَادَ»، قَالَ: اللَّهُمَّ أَعْشِهَا بِغَيْرِ رِضَاعٍ وَتَابِعْ بَيْنَهَا بِغَيْرِ شِيَاعٍ) . قُلْتُ: يَا أَبَا الْفَضْلِ! مَا الشِّيَاعُ؟ قَالَ: الصَّوْتُ. وَرُوِيَ أَنَّهُ كَانَ طَعَامُ يَحْيَى بْنِ زَكَرِيَّا ﵉ الْجَرَادَ وَقُلُوبَ الشَّجَرِ، وَكَانَ يَقُولُ: مَنْ أَنْعَمُ مِنْكَ يَا يَحْيَى طَعَامُكَ الْجَرَادُ وَقُلُوبُ الشَّجَرِ. وَفِي الْبُخَارِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵄ - أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: «بَيْنَمَا أَيُّوبُ يَغْتَسِلُ عُرْيَانًا خَرَّ عَلَيْهِ رِجْلُ جَرَادٍ مِنْ ذَهَبٍ فَجَعَلَ يَحْثِي فِي ثَوْبِهِ فَنَادَاهُ اللَّهُ تَعَالَى: يَا أَيُّوبُ أَلَمْ أَكُنْ أَغْنَيْتُكَ عَمَّا تَرَى قَالَ: بَلَى يَا رَبِّ وَلَكِنْ لَا غِنَى لِي عَنْ بَرَكَتِكَ») . قَالَ الشَّافِعِيُّ: فِي هَذَا الْحَدِيثِ نِعْمَ الْمَالُ الصَّالِحُ مَعَ الْعَبْدِ الصَّالِحِ.
وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِهِ عَنْ أَبِي زُهَيْرٍ النُّمَيْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: «لَا تَقْتُلُوا الْجَرَادَ فَإِنَّهُ جُنْدُ اللَّهِ الْأَعْظَمُ») وَهَذَا إِنْ صَحَّ فَلَعَلَّهُ أَرَادَ بِهِ إِنْ لَمْ يَتَعَرَّضْ لِإِفْسَادِ الْأَرْضِ، فَإِنْ تَعَرَّضَ لَهُ جَازَ دَفْعُهُ بِالْقَتْلِ وَغَيْرِهِ، وَأَسْنَدَ الطَّبَرَانِيُّ، «عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ قَالَ: كُنَّا عَلَى مَائِدَةٍ نَأْكُلُ أَنَا وَأَخِي مُحَمَّدُ ابْنُ الْحَنَفِيَّةِ، وَبَنُو عَمِّي عَبْدُ اللَّهِ وَقُثَمٌ وَالْفَضْلُ أَبْنَاءُ الْعَبَّاسِ، فَوَقَعَتْ جَرَادَةٌ عَلَى الْمَائِدَةِ، فَأَخَذَهَا عَبْدُ اللَّهِ وَقَالَ لِي: مَا مَكْتُوبٌ عَلَى هَذِهِ فَقُلْتُ: سَأَلْتُ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عَنْ ذَلِكَ قَالَ: سَأَلْتُ عَنْهُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - فَقَالَ: (مَكْتُوبٌ عَلَيْهَا أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا رَبُّ الْجَرَادِ وَرَازِقُهَا إِذَا شِئْتُ بَعَثْتُهَا رِزْقًا لِقَوْمٍ، وَإِنْ شِئْتُ بَعَثْتُهَا بَلَائًا عَلَى قَوْمٍ فَقَالَ عَبْدٌ هَذَا مِنَ الْعِلْمِ الْمَكْنُونِ» .
وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْجَرَادِ هَلْ هُوَ صَيْدٌ بَرِّيٌّ أَوْ بَحْرِيٌّ؟ فَقِيلَ: بَحْرِيٌّ. لِمَا رَوَى ابْنُ مَاجَهْ عَنْ أَنَسٍ - ﵄ - أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - «دَعَا عَلَى الْجَرَادِ فَقَالَ: (اللَّهُمَّ أَهْلِكْ كِبَارَهُ وَأَفْسِدْ صِغَارَهُ وَاقْطَعْ دَابِرَهُ وَخُذْ فَأَفْوَاهِهِ عَنْ مَعَايِشِنَا وَأَرْزَاقِنَا، فَإِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ) . فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ تَدْعُو عَلَى جُنْدٍ مِنْ أَجْنَادِ اللَّهِ بِقَطْعِ دَابِرِهِ؟ قَالَ: (الْجَرَادُ نَثْرَةُ الْحُوتِ مِنَ الْبَحْرِ أَيْ عَطْسَتُهُ»، وَالْمُرَادُ أَنَّ الْجَرَادَ مِنْ صَيْدِ الْبَحْرِ يَحِلُّ لِلْمُحْرِمِ صَيْدُهُ، وَفِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: «خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - فِي حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ، فَاسْتَقْبَلَنَا رِجْلٌ مِنْ جَرَادٍ، فَجَعَلْنَا نَضْرِبُهُنَّ بِنِعَالِنَا وَأَسْوَاطِنَا، فَقَالَ - ﷺ: (كُلُوهُ لِأَنَّهُ مِنْ صَيْدِ الْبَحْرِ» . وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ بَرِّيٌّ، لِأَنَّ الْمُحْرِمَ يَجِبُ عَلَيْهِ الْجَزَاءُ إِذَا أَتْلَفَهُ، وَبِهِ قَالَ عُمَرُ وَعُثْمَانُ وَابْنُ عُمَرَ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَعَطَاءٌ. قَالَ الْعَبْدَرِيُّ: وَهُوَ قَوْلُ أَهْلِ الْعِلْمِ كَافَّةً إِلَّا أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ، فَإِنَّهُ قَالَ: لَا جَزَاءَ فِيهِ، وَحَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ كَعْبِ الْأَحْبَارِ، وَعُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ - ﵃ أَجْمَعِينَ - فَإِنَّهُمْ قَالُوا: هُوَ مِنْ صَيْدِ الْبَحْرِ لَا جَزَاءَ فِيهِ. وَاحْتَجَّ لَهُمْ بِحَدِيثِ أَبِي الْمُهَزِّمِ، وَهُوَ بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْهَاءِ وَكَسْرِ الزَّايِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵄ - قَالَ: «أَصَبْنَا ضَرْبًا مِنَ الْجَرَادِ، وَكَانَ رَجُلٌ يَضْرِبُ بِسَوْطٍ وَهُوَ مُحْرِمٌ فَقِيلَ لَهُ: إِنَّ هَذَا لَا يَصْلُحُ، فَذُكِرَ لِلنَّبِيِّ - ﷺ - فَقَالَ: (إِنَّمَا هُوَ مِنْ صَيْدِ الْبَحْرِ)» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُمْ. وَاتَّفَقُوا عَلَى تَضْعِيفِهِ لِتَضْعِيفِ أَبِي الْمُهَزِّمِ، وَاحْتَجَّ الْجُمْهُورُ. بِمَا رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ بِإِسْنَادِهِ الصَّحِيحِ، أَوِ الْحَسَنِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي عَمَّارٍ، أَنَّهُ قَالَ: أَقْبَلْتُ مَعَ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ وَكَعْبِ الْأَحْبَارِ فِي أُنَاسٍ مُحَرِمِينَ مِنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ بِعُمْرَةٍ، حَتَّى إِذَا كُنَّا بِبَعْضِ الطَّرِيقِ وَكَعْبٌ عَلَى نَارٍ يَصْطَلِي، فَمَرَّتْ بِهِ رِجْلٌ مِنْ جَرَادٍ فَأَخَذَ جَرَادَتَيْنِ قَتَلَهُمَا وَنَسِيَ إِحْرَامَهُ ثُمَّ ذَكَرَ إِحْرَامَهُ فَأَلْقَاهُمَا، فَلَمَّا قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ دَخَلَ الْقَوْمُ عَلَى عُمَرَ، وَدَخَلْتُ مَعَهُمْ فَقَصَّ كَعْبٌ قِصَّةَ الْجَرَادَتَيْنِ عَلَى عُمَرَ - ﵄ - فَقَالَ: مَا جَعَلْتَ عَلَى نَفْسِكَ يَا كَعْبُ؟ قَالَ: دِرْهَمَيْنِ. فَقَالَ بَخٍ بَخٍ دِرْهَمَانِ خَيْرٌ مِنْ جَرَادَتَيْنِ اجْعَلْ مَا جَعَلْتَ فِي نَفْسِكَ. وَفِي الْأَمْثَالِ: تَمْرَةٌ خَيْرٌ مِنْ جَرَادَةٍ.
[ ٧ / ٢٦٧٦ ]
٤١٣٥ - وَعَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ - ﵄ - قَالَ «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - عَنْ سَبِّ الدِّيكِ وَقَالَ: إِنَّهُ يُؤَذِّنُ لِلصَّلَاةِ» . رَوَاهُ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ.
_________________
(١) (وَعَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ): - ﵄ - لَمْ يَذْكُرْهُ الْمُؤَلِّفُ فِي أَسْمَائِهِ (قَالَ «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - عَنْ سَبِّ الدِّيكِ»، وَقَالَ): أَيِ النَّبِيُّ (إِنَّهُ): أَيِ الدِّيكُ أَوِ الشَّأْنُ (يُؤَذِّنُ): بِتَشْدِيدِ الذَّالِ، وَيَجُوزُ تَحْقِيقُهَا وَإِبْدَالُ هَمْزِهَا فِي الْوَجْهَيْنِ أَيْ: يُعْلِمُ النَّاسَ وَيَدْعُوهُمْ (لِلصَّلَاةِ): أَيْ لِدُخُولِ وَقْتِهَا فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ، وَفِيهِ أَنَّ بَعْضَ الْخِصَالِ الْحَمِيدَةِ فِي الْحَيَوَانِ مَانِعٌ مِنْ سَبِّهِ، فَكَيْفَ بِالْمُؤْمِنِ مِنَ الْإِنْسَانِ، ثُمَّ رَأَيْتُ الْحَلِيمِيَّ قَالَ: فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ كُلَّ مَنِ اسْتُفِيدَ مِنْهُ خَيْرٌ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُسَبَّ وَيُسْتَهَانَ، بَلْ حَقُّهُ أَنْ يُكْرَمَ وَيُشْكَرَ وَيُتَلَقَّى بِالْإِحْسَانِ. (رَوَاهُ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ) . وَكَذَا أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ، ذَكَرَهُ السَّيِّدُ جَمَالُ الدِّينِ.
[ ٧ / ٢٦٧٦ ]
٤١٣٦ - وَعَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: «لَا تَسُبُّوا الدِّيكَ إِنَّهُ يُوقِظُ لِلصَّلَاةِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ
_________________
(١) (وَعَنْهُ): أَيْ عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: «لَا تَسُبُّوا الدِّيكَ فَإِنَّهُ يُوقِظُ لِلصَّلَاةِ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) . وَكَذَا رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَابْنُ مَاجَهْ، عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ، وَإِسْنَادُهُ جَيِّدٌ قَالَهُ الدَّمِيرِيُّ فِي حَيَاةِ الْحَيَوَانِ. قَالَ: وَأَعْظَمُ مَا فِي الدِّيكِ مِنَ الْعَجَائِبِ مَعْرِفَةُ الْأَوْقَاتِ اللَّيْلِيَّةِ، فَيُقَسِّطُ أَصْوَاتَهُ عَلَيْهَا تَقْسِيطًا لَا يُغَادِرُ مِنْهُ شَيْئًا سَوَاءٌ طَالَ أَوْ قَصُرَ، وَيُوَالِي صِيَاحَهُ قَبْلَ الْفَجْرِ وَبَعْدَهُ، فَسُبْحَانَ مَنْ هُدَاهُ لِذَلِكَ، وَقَدْ أَفْتَى الْقَاضِي حُسَيْنٌ، وَالْمُتَوَلِّي، وَالرَّافِعِيُّ بِجَوَازِ الِاعْتِمَادِ عَلَى الدِّيكِ الْمُجَرَّبِ فِي أَوْقَاتِ الصَّلَاةِ. وَرَوَى عَبْدُ الْحَقِّ بْنُ نَافِعٍ بِإِسْنَادِهِ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: («الدِّيكُ الْأَبْيَضُ خَلِيلِي») . وَإِسْنَادُهُ لَا يَثْبُتُ. وَرَوَاهُ غَيْرُهُ بِلَفْظِ («الدِّيكُ الْأَبْيَضُ صَدِيقِي، وَعَدُوٌّ لِلشَّيْطَانِ يَحْرُسُ صَاحِبَهُ وَسَبْعَ دُورٍ خَلْفَهُ») . وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ رِوَايَاتٌ فِي فَضْلِهِ، وَرَوَى الشَّيْخُ مُحِبُّ الدِّينِ الطَّبَرِيُّ، أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - «كَانَ لَهُ دِيكٌ أَبْيَضُ، وَكَانَ الصَّحَابَةُ يُسَافِرُونَ مَعَهُ بِالدِّيَكَةِ لِتُعَرِّفَهُمْ أَوْقَاتَ الصَّلَاةِ» . وَفِي مُعْجَمِ الطَّبَرَانِيِّ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - «أَنَّ لِلَّهِ سُبْحَانَهُ دِيكًا أَبْيَضَ، جَنَاحَاهُ مُوَشَّيَانِ بِالزَّبَرْجَدِ وَالْيَاقُوتِ وَاللُّؤْلُؤِ، جَنَاحٌ بِالْمَشْرِقِ وَجَنَاحٌ بِالْمَغْرِبِ، رَأْسُهُ تَحْتَ الْعَرْشِ وَقَوَائِمُهُ فِي الْهَوَاءِ، يُؤَذِّنُ فِي كُلِّ سَحَرٍ، وَفِي رِوَايَةٍ يَقُولُ: سُبْحَانَكَ مَا أَعْظَمَ شَأْنَكَ. وَفِي رِوَايَةٍ: سُبُّوحٌ قُدُّوسٌ، فَيَسْمَعُ تِلْكَ الصَّيْحَةَ أَهْلُ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِلَّا الثَّقَلَيْنِ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ، فَعِنْدَ ذَلِكَ تُجِيبُهُ دُيُوكُ الْأَرْضِ، فَإِذَا دَنَا يَوْمُ الْقِيَامَةِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ضُمَّ جَنَاحَكَ وَغُضَّ مِنْ صَوْتِكَ، فَيَعْلَمُ أَهْلُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا الثِّقْلَيْنِ أَنَّ السَّاعَةَ قَدِ اقْتَرَبَتْ» . وَعَنْ أَصْبَغَ بْنِ زَيْدٍ الْوَاسِطِيِّ أَنَّهُ كَانَ لِسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ دِيكٌ يَقُومُ اللَّيْلَ بِصِيَاحِهِ، فَلَمْ يَصِحْ لَيْلَةً حَتَّى أَصْبَحَ، فَلَمْ يُصَلِّ سَعِيدٌ تِلْكَ اللَّيْلَةَ فَشَقَّ عَلَيْهِ، فَقَالَ: مَا لَهُ قَطَعَهُ اللَّهُ صَوْتَهُ فَلَمْ يُسْمَعْ لَهُ صَوْتٌ بَعْدَ ذَلِكَ اهـ. وَيَحِلُّ أَكْلُهُ لِمَا تَقَدَّمَ فِي الدَّجَاجِ.
[ ٧ / ٢٦٧٧ ]
٤١٣٧ - وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، قَالَ: قَالَ أَبُو لَيْلَى: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - «إِذَا ظَهَرَتِ الْحَيَّةُ فِي الْمَسْكَنِ فَقُولُوا لَهَا: إِنَّا نَسْأَلُكِ بِعَهْدِ نُوحٍ وَبِعَهْدِ سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ أَنْ لَا تُؤْذِينَا، فَإِنْ عَادَتْ فَاقْتُلُوهَا» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ.
_________________
(١) (وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى - ﵁ -): أَنْصَارِيٌّ، وُلِدَ لِسِتِّ سِنِينَ مِنْ خِلَافَةِ عُمَرَ، وَقُتِلَ بِدُجَيْلٍ، وَقِيلَ: غَرِقَ بِنَهْرِ الْبَصْرَةِ، وَقِيلَ: فُقِدَ بِدَيْرِ الْجَمَاجِمِ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَثَمَانِينَ، فِي وَقْعَةِ ابْنِ الْأَشْعَثِ، حَدِيثُهُ فِي الْكُوفِيِّينَ، سَمِعَ أَبَاهُ وَخَلْقًا كَثِيرًا مِنَ الصَّحَابَةِ، وَعَنْهُ الشَّعْبِيُّ وَمُجَاهِدٌ وَابْنُ سِيرِينَ وَخَلْقٌ سِوَاهُمْ كَثِيرٌ، وَهُوَ فِي الطَّبَقَةِ الْأُولَى مِنْ تَابِعِي الْكُوفِيِّينَ، وَكَذَا ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ فِي حَرْفِ الْعَيْنِ. وَقَالَ فِي حَرْفِ اللَّامِ: ابْنُ أَبِي لَيْلَى هُوَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى اسْمُهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ قَاسِمِ بْنِ أَبِي لَيْلَى يَسَارٍ الْأَنْصَارِيُّ وُلِدَ إِلَخْ. وَقَالَ: سَمِعَ خَلْقًا كَثِيرًا مِنَ الصَّحَابَةِ مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ أَبِيهِ، ثُمَّ قَالَ: وَقَدْ يُقَالُ: ابْنُ أَبِي لَيْلَى أَيْضًا لِوَلَدِهِ مُحَمَّدٍ، وَهُوَ قَاضِي الْكُوفَةِ إِمَامٌ مَشْهُورٌ فِي الْفِقْهِ صَاحِبُ مَذْهَبٍ وَقَوْلٍ، وَإِذَا أَطْلَقَ الْمُحَدِّثُونَ ابْنَ أَبِي لَيْلَى فَإِنَّمَا يَعْنُونَ إِيَّاهُ، وَإِذَا أَطْلَقَ الْفُقَهَاءُ ابْنَ أَبِي لَيْلَى فَإِنَّمَا يَعْنُونَ مُحَمَّدًا، وَوُلِدَ مُحَمَّدٌ هَذَا سَنَةَ أَرْبَعٍ وَسَبْعِينَ، وَمَاتَ سَنَةَ ثَمَانٍ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَةٍ. (قَالَ: قَالَ أَبُو لَيْلَى): قَدْ عَرَفْتُ أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْهُ الْمُؤَلِّفُ فِي أَسْمَائِهِ («قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: إِذَا ظَهَرَتِ الْحَيَّةُ فِي الْمَسْكَنِ: بِفَتْحِ الْكَافِ وَيُكْسَرُ وَفِي نُسْخَةٍ بِالْمَسْكَنِ (قُولُوا لَهَا: إِنَّا نَسْأَلُكِ بِعَهْدِ نُوحٍ: وَلَعَلَّ الْعَهْدَ كَانَ عِنْدَ إِدْخَالِهَا فِي السَّفِينَةِ (وَبِعَهْدِ سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ أَنْ لَا تُؤْذِينَا») هَذِهِ الْيَاءُ يَاءُ الضَّمِيرِ لَا يَاءَ الْكَلِمَةِ، فَإِنَّهَا سَقَطَتْ لِاجْتِمَاعِ السَّاكِنَيْنِ فَتَكُونُ سَاكِنَةً سَوَاءٌ قُلْنَا: إِنَّ أَنْ مَصْدَرِيَّةٌ وَلَا نَافِيَةٌ، وَالتَّقْدِيرُ نَطْلُبُ مِنْكِ عَدَمَ الْإِيذَاءِ، أَوْ مُفَسِّرَةٌ وَلَا نَاهِيَةٌ لِأَنَّ فِي السُّؤَالِ مَعْنَى الْقَوْلِ أَيْ لَا تُؤْذِينَا (فَإِنْ عَادَتْ فَاقْتُلُوهَا. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ): وَفِي حَيَاةِ الْحَيَوَانِ زَعَمُوا أَنَّ الْحَيَّةَ تَعِيشُ أَلْفَ سَنَةٍ وَهِيَ كُلَّ سَنَةٍ تَسْلَخُ جِلْدَهَا، وَإِذَا لَدَغَتْهَا الْعَقْرَبُ مَاتَتْ، وَعَيْنُهَا لَا تَدُورُ فِي رَأْسِهَا بَلْ كَأَنَّهَا مِسْمَارٌ ضُرِبَ فِي رَأْسِهَا، وَكَذَلِكَ عَيْنُ الْجَرَادِ، وَإِذَا قُلِعَتْ عَادَتْ، وَكَذَلِكَ نَابُهَا إِذَا قُلِعَ عَادَ بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَيْامٍ، وَكَذَلِكَ ذَنَبُهَا إِذَا قُطِعَ نَبَتَ، وَمِنْ عَجِيبِ أَمْرِهَا أَنَّهَا تَهْرَبُ مِنَ الرَّجُلِ الْعُرْيَانِ، وَتَفْرَحُ بِالنَّارِ وَتَطْلُبُهَا، وَيُتَعَجَّبُ مِنْ أَمْرِهَا، وَتُحِبُّ اللَّبَنَ حُبًّا شَدِيدًا، وَتُذْبَحُ وَتَبْقَى أَيْامًا لَا تَمُوتُ، وَإِذَا عَمِيَتْ تَطْلُبَ الرَّازْيَانْجَ الْأَخْضَرَ فَتَحُكُّ بِهِ بَصَرَهَا فَتَبْرَأُ، فَسُبْحَانَ مَنْ قَدَّرَ فَهَدَى، قَدَّرَ عَلَيْهَا الْعَمَى وَهَدَاهَا إِلَى مَنَافِعِهَا قَالَ: وَيَحْرُمُ أَكْلُهَا لِضَرَرِهَا وَكَذَا يَحْرُمُ أَكْلُ التِّرْيَاقِ الْمَعْمُولِ مِنْ لُحُومِهَا. قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: كَرِهَ أَكْلُهُ ابْنُ سِيرِينَ قَالَ أَحْمَدُ: وَلِهَذَا كَرِهَهُ الشَّافِعِيُّ إِلَّا أَنْ يَكُونَ فِي حَالِ الضَّرُورَةِ حَيْثُ تَجُوزُ الْمَيْتَةُ.
[ ٧ / ٢٦٧٧ ]
٤١٣٨ - وَعَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ - قَالَ: لَا أَعْلَمُهُ إِلَّا رَفَعَ الْحَدِيثَ:
أَنَّهُ «كَانَ يَأْمُرُ بِقَتْلِ الْحَيَّاتِ، وَقَالَ: مَنْ تَرَكَهُنَّ خَشْيَةَ ثَائِرٍ فَلَيْسَ مِنَّا» . رَوَاهُ فِي " شَرْحِ السُّنَّةِ
_________________
(١) (وَعَنْ عِكْرِمَةَ - ﵁ -): أَيْ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ -. قَالَ): أَيْ عِكْرِمَةُ. وَقَالَ شَارِحٌ أَيْ أَيُّوبُ لَا أَعْلَمُهُ): أَيْ لَا أَعْلَمُ ابْنَ عَبَّاسٍ (إِلَّا رَفَعَ الْحَدِيثَ): أَيْ إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ:، وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ لِأَنَّ قَوْلَهُ: (أَنَّهُ كَانَ يَأْمُرُ بِقَتْلِ الْحَيَّاتِ): مُحْتَمَلٌ لِأَنْ يُنْسَبَ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، فَيَكُونَ الْحَدِيثُ مَوْقُوفًا، ثُمَّ قَوْلُهُ: إِنَّهُ كَانَ بَدَلٌ مِنَ الْحَدِيثِ، فَيَكُونُ الضَّمِيرُ رَاجِعًا إِلَيْهِ - ﷺ - كَذَا قِيلَ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّ أَصْلَ التَّرْكِيبِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ - أَنَّهُ كَانَ يَأْمُرُ، وَقَوْلُهُ: قَالَ: لَا أَعْلَمُ إِلَخْ جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَهُمَا مُبِيِّنَةٌ أَنَّ الْقَضِيَّةَ مَرْفُوعَةٌ لَا مَوْقُوفَةٌ إِمَّا ظَنًّا وَإِمَّا حَقِيقَةً، وَالْأَمْرُ مَحْمُولٌ عَلَى النَّدْبِ. (وَقَالَ): أَيِ ابْنُ عَبَّاسٍ - ﵄ - مَرْفُوعًا لِمَا سَبَقَ (مَنْ تَرَكَهُنَّ): أَيْ قَتْلَهُنَّ وَالتَّعَرُّضَ لَهُنَّ (خَشْيَةَ ثَائِرٍ): وَالثَّائِرُ طَالِبُ الثَّأْرِ وَهُوَ الدَّمُ وَالِانْتِقَامُ وَالْمَعْنَى مَخَافَةَ أَنْ يَكُونَ لَهُنَّ صَاحِبٌ يَطْلُبُ ثَأْرَهَا (فَلَيْسَ مِنَّا): أَيْ مِنَ الْمُقْتَدِينَ بِسُنَّتِنَا الْآخِذِينَ بِطَرِيقِنَا. قَالَ شَارِحٌ: قَدْ جَرَتِ الْعَادَةُ عَلَى نَهْجِ الْجَاهِلِيَّةِ بِأَنْ يُقَالَ: لَا تَقْتُلُوا الْحَيَّاتِ فَإِنَّكُمْ لَوْ قَتَلْتُمْ لَجَاءَ زَوْجُهَا وَيَلْسَعُكُمْ لِلِانْتِقَامِ، فَنَهَى رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - عَنْ هَذَا الْقَوْلِ وَالِاعْتِقَادِ. (رَوَاهُ): أَيْ صَاحِبُ الْمَصَابِيحِ (فِي شَرْحِ السُّنَّةِ): أَيْ بِإِسْنَادِهِ، وَرَوَى الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: «كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - فِي غَارٍ بِمِنًى، وَقَدْ نَزَلَتْ عَلَيْهِ: ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا﴾ [المرسلات: ١] ٣ هـ فَنَحْنُ نَأْخُذُهَا مِنْ فِيهِ رَطْبَةً إِذْ خَرَجَتْ عَلَيْنَا حَيَّةٌ فَقَالَ: (اقْتُلُوهَا) فَابْتَدَرْنَاهَا لِنَقْتُلَهَا فَسَبَقَتْنَا، فَقَالَ - ﷺ: (وَقَاهَا اللَّهُ شَرَّكُمْ كَمَا وَقَاكُمْ شَرَّهَا») . قُلْتُ: وَفِيهِ مُشَارَكَةٌ سَابِقَةٌ، وَالْغَالِبُ أَنَّهَا إِنَّمَا تَكُونُ لَاحِقَةً.
[ ٧ / ٢٦٧٨ ]
٤١٣٩ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵄ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: " «مَا سَالَمْنَاهُمْ مُنْذُ حَارَبْنَاهُمْ، وَمَنْ تَرَكَ شَيْئًا مِنْهُمْ خِيفَةً فَلَيْسَ مِنَّا» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
_________________
(١) (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: مَا سَالَمْنَاهُمْ): أَيْ مَا صَلَحْنَاهُمْ (مُنْذُ حَارَبْنَاهُمْ): وَفِي رِوَايَةٍ: مُنْذُ عَادَيْنَاهُمْ. قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: أَيْ مَا صَلَحْنَا الْحَيَّاتِ مُنْذُ وَقَعَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمُ الْحَرْبُ، فَإِنَّ الْمُحَارَبَةَ وَالْمُعَادَاةَ بَيْنَ الْحَيَّةِ وَالْإِنْسَانِ جِبِلِّيَّةٌ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا مَجْبُولٌ عَلَى طَلَبِ قَتْلِ الْآخَرِ، وَقِيلَ: أَرَادَ الْعَدَاوَةَ الَّتِي بَيْنَهَا وَبَيْنَ آدَمَ ﵇ عَلَى مَا يُقَالُ: إِنَّ إِبْلِيسَ قَصَدَ دُخُولَ الْجَنَّةِ فَمَنَعَهُ الْخَزَنَةُ، فَأَدْخَلَتْهُ الْحَيَّةُ فِي فِيهَا فَوَسْوَسَ لِآدَمَ وَحَوَّاءَ حَتَّى أَكَلَا مِنَ الشَّجَرَةِ الْمَنْهِيَّةِ فَأُخْرِجَا عَنْهَا. قَالَ تَعَالَى: ﴿اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ [البقرة: ٣٦] وَالْخِطَابُ لِآدَمَ وَحَوَّاءَ وَإِبْلِيسَ وَالْحَيَّةِ، وَكَانَتْ فِي أَحْسَنِ الصُّورَةِ فَمُسِخَتْ، فَيَنْبَغِي أَنْ تَدُومَ تِلْكَ الْعَدَاوَةُ، وَأَتَى بِضَمِيرِ الْعُقَلَاءِ لِلْحَيَّاتِ وَأَجْرَاهَا مَجْرَاهُمْ لِإِضَافَةِ الصُّلْحِ الَّذِي هُوَ مِنْ أَفْعَالِ الْعُقَلَاءِ إِلَيْهِمْ، وَنَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾ [يوسف: ٤] وَإِلَّا فَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ: مَا سَالَمْنَاهُنَّ مُنْذُ حَارَبْنَاهُنَّ، وَكَذَا قَوْلُهُ: (وَمَنْ تَرَكَ شَيْئًا مِنْهُمْ): أَيْ مَنْ تَرَكَ التَّعَرُّضَ لَهُنَّ (خِيفَةً): أَيْ لِخَوْفِ ضَرَرٍ مِنْهَا أَوْ مِنْ صَاحِبِهَا (فَلَيْسَ مِنَّا. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ): قَالَ الطِّيبِيُّ: الضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ مَا سَالَمْنَاهُمْ لِلْحَيَّاتِ وَالْقَرِينَةُ مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ أَيْضًا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَنْ تَرَكَ الْحَيَّاتِ مَخَافَةَ طَلَبِهِنَّ فَلَيْسَ مِنَّا مَا سَالَمْنَاهُنَّ مُنْذُ حَارَبْنَاهُنَّ.
[ ٧ / ٢٦٧٨ ]
٤١٤٠ - وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ - ﵄ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ " «اقْتُلُوا الْحَيَّاتِ كُلَّهُنَّ، فَمَنْ خَافَ ثَأْرَهُنَّ فَلَيْسَ مِنِّي» " رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ
_________________
(١) (وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ - ﵄ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - " «اقْتُلُوا الْحَيَّاتِ كُلَّهُنَّ، فَمَنْ خَافَ ثَأْرَهُنَّ فَلَيْسَ مِنَّا» " رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ): وَفِي مُسْنَدِ أَحْمَدَ عَنْهُ مَرْفُوعًا: «مَنْ قَتَلَ حَيَّةً فَكَأَنَّمَا قَتَلَ رَجُلًا مُشْرِكًا، وَمَنْ تَرَكَ حَيَّةً مَخَافَةَ عَاقِبَتِهَا فَلَيْسَ مِنَّا» ".
[ ٧ / ٢٦٧٩ ]
٤١٤١ - وَعَنِ الْعَبَّاسِ - ﵄ - قَالَ: «يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا نُرِيدُ أَنْ نَكْنُسَ زَمْزَمَ وَإِنَّ فِيهَا مِنْ هَذِهِ الْجِنَّانِ - يَعْنِي: الْحَيَّاتِ الصِّغَارِ - فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - بِقَتْلِهِنَّ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
_________________
(١) (وَعَنِ الْعَبَّاسِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا نُرِيدُ أَنْ نَكْنُسَ زَمْزَمَ) بِضَمِّ النُّونِ الثَّانِيَةِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِكَسْرِهَا وَهُوَ الْأَظْهَرُ، فَفِي الْمُغْرِبِ وَكَذَا فِي الْقَامُوسِ: كَنَسَ الْبَيْتَ كَنْسًا مِنْ بَابِ ضَرْبَ، وَفِي الْمَصَابِيحِ كَنَصَرَ (وَإِنَّ فِيهَا): أَيْ فِي بِئْرِ زَمْزَمَ (مِنْ هَذِهِ الْجِنَّانِ): بِكَسْرِ الْجِيمِ وَتَشْدِيدِ النُّونِ جَمْعُ جَانٍّ كَحِيطَانٍ وَحَائِطٍ، وَمِنْ هَذِهِ تَبْعِيضِيَّةٌ مَنْصُوبَةٌ عَلَى أَنَّهَا اسْمُ إِنَّ أَيْ إِنَّ فِيهَا بَعْضَ هَذِهِ الْجِنَّانِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ أَيْ بَعْضِهَا. وَقَالَ الرَّاوِي (يَعْنِي): أَيْ يُرِيدُ الْعَبَّاسَ - ﵄ - بِالْجِنَّانِ (الْحَيَّاتِ الصِّغَارَ - فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - بِقَتْلِهِنَّ): فِي الْفَائِقِ: وَإِنَّمَا) أَمَرَ بِقَتْلِهِنَّ هُنَا، وَفِي الْحَدِيثِ الْآتِي تَطْهِيرًا لِمَاءِ زَمْزَمَ مِنْهُنَّ، ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ، وَالْأَظْهَرُ لِأَنَّهُ مَا كَانَ يُمْكِنُ كَنْسُهَا إِلَّا بِقَتْلِهِنَّ، مَعَ أَنَّهُ يُمْكِنُ اسْتِثْنَاءُ الْبِيضِ مِنْهُنَّ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) .
[ ٧ / ٢٦٧٩ ]
٤١٤٢ - وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ. عَنْهُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ «اقْتُلُوا الْحَيَّاتِ كُلَّهَا إِلَّا الْجَانَّ الْأَبْيَضَ الَّذِي كَأَنَّهُ قَضِيبُ فِضَّةٍ» " رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
_________________
(١) (وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «اقْتُلُوا الْحَيَّاتِ كُلَّهَا إِلَّا الْجَانَّ الْأَبْيَضَ الَّذِي كَأَنَّهُ قَضِيبُ فِضَّةٍ»): قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: وَلَعَلَّ النَّهْيَ عَنْ قَتْلِ هَذَا النَّوْعِ مِنَ الْحَيَّاتِ إِنَّمَا كَانَ لِعَدَمِ ضَرَرِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا سُمَّ لَهُ. قُلْتُ: وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ لِمَا لَا ضَرَرَ مِنْهُ وَلَوْ كَانَ لَهُ سَمٌّ (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ): وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: إِنَّ الْحَيَّاتِ مَسْخُ الْجِنِّ، كَمَا مُسِخَتِ الْقِرَدَةُ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ. رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ عَنْهُ مَرْفُوعًا. وَفِي حَيَاةِ الْحَيَوَانِ لِلدَّمِيرِيِّ: وَمَا كَانَ مِنْهَا فِي الْبُيُوتِ لَا يُقْتَلُ حَتَّى يُنْذَرَ ثَلَاثَةَ أَيْامٍ لِقَوْلِهِ - ﷺ - " «إِنَّ بِالْمَدِينَةِ جِنًّا قَدْ أَسْلَمُوا فَإِذَا رَأَيْتُمْ مِنْهَا شَيْئًا فَآذِنُوهُ ثَلَاثَةَ أَيْامٍ» " حَمَلَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ ذَلِكَ عَلَى الْمَدِينَةِ وَحْدَهَا، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ عَامٌّ فِي كُلِّ بَلَدٍ لَا يُقْتَلُ حَتَّى يُنْذَرَ، وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْإِنْذَارِ هَلْ هُوَ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ أَوْ ثَلَاثُ مَرَّاتٍ؟ وَالْأَوَّلُ عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ، وَكَيْفِيَّةُ ذَلِكَ) أَنْ يَقُولَ: أُنْشِدُكُنَّ بِالْعَهْدِ الَّذِي أَخَذَهُ عَلَيْكُنَّ نُوحٌ وَسُلَيْمَانُ ﵉ أَنْ لَا تَبْدُونَ وَلَا تُؤْذُونَا، ثُمَّ قَالَ: وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ يَنْبَغِي أَنْ لَا يُقْتُلَ الْحَيَّةُ الْبَيْضَاءُ فَإِنَّهَا مِنَ الْجَانِّ، وَقَالَ الطَّحَاوِيُّ لَا بَأْسَ بِقَتْلِ الْجَمِيعِ، وَالْأَوْلَى هُوَ الْإِنْذَارُ، وَأَمَّا حَيَّةُ الْهَوَى الَّتِي ذُكِرَتْ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ أَبُو طَاهِرٍ الْمَقْدِسِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ، وَصَاحِبِ الْعَوَارِفِ «أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - أَنْشَدَ بِحَضْرَتِهِ رَجُلٌ: قَدْ لَسَعَتْ حَيَّةُ الْهَوَى كَبِدِي فَلَا طَبِيبَ لَهَا وَلَا رَاقِيَ إِلَّا الْحَبِيبُ الَّذِي شُغِفْتُ بِهِ فَإِنَّهُ عِلَّتِي وَتِرْيَاقِي قَالَ: فَتَوَاجَدَ النَّبِيُّ - ﷺ - وَتَوَاجَدَ أَصْحَابُهُ رِضْوَانُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ حَتَّى سَقَطَ رِدَاؤُهُ عَنْ مَنْكِبِهِ، فَلَمَّا فَرَغُوا أَوَى كُلُّ وَاحِدٍ إِلَى مَكَانِهِ، ثُمَّ قَالَ - ﷺ - " لَيْسَ بِكَرِيمٍ مَنْ لَمْ يَهْتَزَّ عِنْدَ السَّمَاعِ " ثُمَّ قَسَّمَ رِدَاءَهُ عَلَى مَنْ حَضَرَ أَرْبَعَمِائَةِ قِطْعَةٍ»، فَهَذَا حَدِيثٌ مَوْضُوعٌ كَانَ وَضَعَهُ عَمَّارُ بْنُ إِسْحَاقَ فَإِنَّ بَاقِيَ الْإِسْنَادِ ثِقَةٌ، هَكَذَا قَالَهُ الذَّهَبِيُّ وَغَيْرُهُ وَهُوَ مِمَّا يُقْطَعُ بِكَذِبِهِ.
[ ٧ / ٢٦٧٩ ]
٤١٤٣ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵄ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: «إِذَا وَقَعَ الذُّبَابُ فِي إِنَاءِ أَحَدِكُمْ فَامْقُلُوهُ فَإِنَّ فِي أَحَدِ جَنَاحَيْهِ دَاءً وَفِي الْآخَرِ شِفَاءً فَإِنَّهُ يَتَّقِي بِجَنَاحِهِ الَّذِي فِيهِ الدَّاءُ فَلْيَغْمِسْهُ كُلَّهُ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
_________________
(١) (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵄ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - " «إِذَا وَقَعَ الذُّبَابُ فِي إِنَاءِ أَحَدِكُمْ فَامْقُلُوهُ» "): بِضَمِّ الْقَافِ. فِي الْمُغْرِبِ: هَكَذَا فِي الْأُصُولِ، وَأَمَّا فَامْقُلُوهُ ثُمَّ انْقُلُوهُ فَمَصْنُوعٌ. قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ أَيِ: اغْمِسُوهُ فِي الطَّعَامِ أَوِ الشَّرَابِ لِيَخْرُجَ الشِّفَاءُ كَمَا) خَرَجَ الدَّاءُ، وَذَلِكَ بِإِلْهَامِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ فِي النَّحْلِ وَالنَّمْلِ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ - ﷺ - " «فَإِنَّ فِي أَحَدِ جَنَاحَيْهِ دَاءً وَفِي الْآخَرِ شِفَاءً»، فَإِنَّهُ " بِالْفَاءِ أَيْ لِأَنَّ الذُّبَابَ " يَتَّقِي بِجَنَاحِهِ " يُقَالُ: اتَّقَى بِحَقٍّ عَمْرًا إِذَا اسْتَقْبَلَهُ بِهِ وَقَدَّمَهُ إِلَيْهِ أَيْ أَنَّهُ يُقَدَّمُ بِجَنَاحِهِ " الَّذِي لَهُ الدَّاءُ: وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ إِنَّهُ يَحْفَظُ نَفْسَهُ بِتَقْدِيمِ ذَلِكَ الْجَنَاحِ مِنْ أَذِيَّةٍ تَلْحَقُهُ مِنْ حَرَارَةِ ذَلِكَ الطَّعَامِ، ذَكَرَهُ ابْنُ الْمَلَكِ، وَفِيهِ بَحْثٌ، لَا يَخْفَى، وَقَدْ قَالُوا: الذُّبَابُ أَجْهَلُ الْخَلْقِ لِأَنَّهُ يُلْقِي نَفْسَهُ فِي الْهَلَكَةِ. (" فَلْيَغْمِسْهُ "): أَيْ أَحَدُكُمْ فِي إِنَائِهِ إِيَّاهُ " كُلَّهُ: جَمِيعَ الذُّبَابِ لِيَتَعَادَلَ دَاؤُهُ وَدَوَاؤُهُ، وَفِي الْكَلَامِ الْتِفَاتٌ وَاعْتِنَاءٌ بِالْأَمْرِ وَتَأْكِيدٌ لَهُ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) .
[ ٧ / ٢٦٨٠ ]
٤١٤٤ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ: قَالَ «إِذَا وَقَعَ الذُّبَابُ فِي الطَّعَامِ فَامْقُلُوهُ فَإِنَّ فِي أَحَدِ جَنَاحَيْهِ سُمًّا وَفِي الْآخَرِ شِفَاءً وَإِنَّهُ يُقَدِّمُ السَّمَّ وَيُؤَخِّرُ الشِّفَاءَ» . رَوَاهُ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ.
_________________
(١) (وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ - ﵄ - عَنِ النَّبِيِّ صَلِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " إِذَا وَقَعَ الذُّبَابُ فِي الطَّعَامِ ") أَيْ فِيمَا يُطْعَمُ مِنَ الْمَأْكُولِ الَّذِي يُمْكِنُ غَمْسُهُ فِيهِ وَفِي مَعْنَاهُ الْمَشْرُوبُ (" فَامْقُلُوهُ فَإِنَّ فِي أَحَدِ جَنَاحَيْهِ سَمًّا ") أَيْ نَوْعًا مِنَ السَّمِّ، وَهُوَ أَنْ يَحْصُلَ بِهِ ضَرَرٌ وَلَوْ بَعْدَ حِينٍ وَهُوَ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ، وَيَجُوزُ ضَمُّهُ وَكَسْرُهُ. قَالَ الْأَكْمَلُ: السَّمُّ مُثَلَّثُ السِّينِ بِمَعْنَى الْقَاتِلِ. وَفِي الْقَامُوسِ السَّمُّ الثُّقْبُ وَهَذَا الْقَاتِلُ الْمَعْرُوفُ وَيُثَلَّثُ فِيهِمَا. (وَفِي الْآخَرِ): أَيْ وَفِي جَنَاحِهِ الْآخَرِ " شِفَاءً: أَيْ لِذَلِكَ السَّمِّ أَوْ نَوْعُ شِفَاءٍ لَهُ وَلِغَيْرِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ " وَإِنَّهُ: بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ أَيْ وَالْحَالُ أَنَّ الذُّبَابَ " يُقَدِّمُ السَّمَّ ": أَيِ الْجَنَاحَ الَّذِي فِيهِ السَّمُّ وَقْتَ الْوُقُوعِ " وَيُؤَخِّرُ الشِّفَاءَ " أَيْ وَيُصَعِّدُ الْجَنَاحَ الَّذِي فِيهِ الشِّفَاءُ وَهُوَ إِمَّا خَوْفًا عَلَى نَفْسِهِ حَتَّى لَا يَتَضَرَّرَ بِوَضْعِ الْجَنَاحَيْنِ أَوْ قَصْدًا لِلْإِضْرَارِ أَوْ يَحْصُلُ لَهُ تَسْكِينٌ مِنْ حَرَارَةِ السَّمِّ بِغَمْسِ ذَلِكَ الْجَنَاحِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، رَوَاهُ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ): وَفِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ، وَابْنِ مَاجَهْ: «إِنَّ أَحَدَ جَنَاحَيِ الذُّبَابِ سَمٌّ، وَالْآخَرَ شِفَاءٌ، فَإِذَا وَقَعَ فِي الطَّعَامِ فَامْقُلُوهُ فَإِنَّهُ يُقَدِّمُ السَّمَّ وَيُؤَخِّرُ الشِّفَاءَ» . قَالَ الْخَطَّابِيُّ: قَدْ تَكَلَّمَ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ بَعْضُ مَنْ لَا خَلَاقَ لَهُ. وَقَالَ: كَيْفَ يَكُونُ هَذَا وَكَيْفَ يَجْتَمِعُ الدَّاءُ وَالشِّفَاءُ فِي جَنَاحَيِ الذُّبَابِ، وَكَيْفَ تَعْلَمُ ذَلِكَ فِي نَفْسِهَا حَتَّى تُقَدِّمَ جَنَاحَ الدَّاءِ وَتُؤَخِّرَ جَنَاحَ الشِّفَاءِ؟ وَأَمْثَالُ ذَلِكَ وَهَذَا سُؤَالُ جَاهِلٍ أَوْ مُتَجَاهِلٍ، فَإِنَّ الَّذِي يَجِدُ نَفْسَهُ وَنُفُوسَ عَامَّةِ الْحَيَوَانِ قَدْ جَمَعَ اللَّهُ فِيهَا بَيْنَ الْحَرَارَةِ وَالْبُرُودَةِ وَالرُّطُوبَةِ وَالْيُبُوسَةِ وَهِيَ أَشْيَاءُ مُتَضَادَّةٌ إِذَا تَلَاقَتْ تَفَاسَدَتْ، ثُمَّ يَرَى اللَّهَ سُبْحَانَهُ قَدْ أَلَّفَ بَيْنَهَا وَقَهَرَهَا عَلَى الِاجْتِمَاعِ، وَجَعَلَ مِنْهَا قُوَى الْحَيَوَانَاتِ الَّتِي بِهَا فَسَادُهَا وَصَلَاحُهَا لَجَدِيرٌ أَنْ لَا يُنْكِرَ الدَّاءَ وَالشِّفَاءَ فِي جُزْأَيْنِ مِنْ حَيَوَانٍ وَاحِدٍ، وَأَنَّ الَّذِي أَلْهَمَ النِّحْلَةَ أَنْ تَتَّخِذَ الْبَيْتَ الْعَجِيبَ الصَّنْعَةِ، وَأَنْ تَعْسِلَ فِيهِ، وَأَلْهَمَ الذَّرَّةَ أَنَّ تَكْسِبَ قُوتَهَا وَتَدَّخِرَهُ لِأَوَانِ حَاجَتِهَا إِلَيْهِ، هُوَ الَّذِي خَلَقَ الذُّبَابَةَ وَجَعَلَ لَهَا الْهِدَايَةَ إِلَى أَنْ تُقَدِّمَ جَنَاحًا وَتُؤَخِّرَ جَنَاحًا لِمَا أَرَادَ مِنَ الِابْتِلَاءِ الَّذِي هُوَ مَدْرَجَةُ الْعَبْدِ، وَالِامْتِحَانُ الَّذِي هُوَ مِضْمَارُ التَّكْلِيفِ، وَلَهُ فِي كُلِّ شَيْءٍ حِكْمَةٌ وَعُنْوَانُ صَوَابٍ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ. قَالَ الدَّمِيرِيُّ: وَقَدْ تَأَمَّلْتُ الذُّبَابَ فَوَجَدْتُهُ يَتَّقِي بِجَنَاحِهِ الْأَيْسَرِ وَهُوَ مُنَاسِبٌ لِلدَّاءِ كَمَا أَنَّ الْأَيْمَنَ مُنَاسِبٌ لِلشِّفَاءِ، وَمِنْ عَجِيبِ أَمْرِهِ أَنَّهُ يُبْقِي رَجِيعَهُ عَلَى الْأَبْيَضِ أَسُودَ وَعَلَى الْأَسْوَدِ أَبْيَضَ، وَلَا يَقَعُ عَلَى شَجَرَةِ الْيَقْطِينِ، وَلِذَلِكَ أَنْبَتَهَا اللَّهُ تَعَالَى عَلَى يُونُسَ ﵇؛ لِأَنَّهُ خَرَجَ مِنْ بَطْنِ الْحُوتِ، فَلَوْ
[ ٧ / ٢٦٨٠ ]
وَقَعَتْ عَلَيْهِ ذُبَابَةٌ لَآلَمَتْهُ، فَمَنَعَ اللَّهُ عَنْهُ الذُّبَابَ، وَلَا يَظْهَرُ كَثِيرًا إِلَّا فِي أَمَاكِنِ الْعُفُونَةِ. قُلْتُ: وَقَدْ عُدَّ مِنَ الْغَرَائِبِ عَدَمُ وُجُودِهَا فِي مِنًى أَيَّامَهُ مَعَ كَثْرَةِ الْخَلَائِقِ وَالْحَيَوَانَاتِ وَكَثْرَةِ الْعُفُونَاتِ، هَذَا وُفِي مُسْنَدِ أَبِي يَعْلَى الْمَوْصِلِيِّ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ - ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ («عُمْرُ الذُّبَابِ أَرْبَعُونَ لَيْلَةً وَالذُّبَابُ كُلُّهُ فِي النَّارِ إِلَّا النَّحْلَ») . قِيلَ: كَوْنُهُ فِي النَّارِ لَيْسَ لِعَذَابٍ لَهُ، وَإِنَّمَا لِيُعَذِّبَ أَهْلَ النَّارِ بِوُقُوعِهِ عَلَيْهِمْ. وَفِي مَنَاقِبِ الشَّافِعِيِّ أَنَّ الْمَأْمُونَ سَأَلَهُ فَقَالَ: لِأَيْ حِكْمَةٍ خَلَقَ اللَّهُ الذُّبَابَ؟ فَقَالَ: مَذَلَّةٌ لِلْمُلُوكِ فَضَحِكَ الْمَأْمُونُ وَقَالَ: رَأَيْتَهُ قَدْ سَقَطَ عَلَى خَدِّي. قَالَ نَعَمْ وَلَقَدْ سَأَلْتَنِي عَنْهُ وَمَا عِنْدِي جَوَابٌ، فَلَمَّا رَأَيْتُهُ قَدْ سَقَطَ مِنْكَ بِمَوْضِعٍ لَا يَنَالُهُ مِنْكَ أَحَدٌ فُتِحَ لِيَ فِيهِ الْجَوَابُ، فَقَالَ: لِلَّهِ دَرُّكَ. قُلْتُ حُكِيَ أَنَّ مَجْذُوبًا جَاءَهُ سُلْطَانٌ، فَقَالَ: مَا حَاجَتُكَ؟ قَالَ: أَنْ تَدْفَعَ عَنِّي الذُّبَابَ، وَقَدْ أَشَارَ ﷾ إِلَى حِكْمَةِ خَلْقِهِ، وَمَا يَتَعَلَّقُ بِإِذْلَالِ مَا سِوَاهُ بِقَوْلِهِ ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾ [الحج: ٧٣] وَفِي شِفَاءِ الصُّدُورِ، وَتَارِيخِ ابْنِ النَّجَّارِ مُسْنَدًا «أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - كَانَ لَا يَقَعُ عَلَى جَسَدِهِ وَلَا ثِيَابِهِ ذُبَابٌ أَصْلًا» . وَفِي حَيَاةِ الْحَيَوَانِ كُلُّ أَنْوَاعِهِ يَحْرُمُ أَكْلُهَا، وَفِيهِ وَجْهٌ أَنَّهُ يَحِلُّ أَكْلُهَا حَكَاهُ الرَّافِعِيُّ وَفِي الْإِحْيَاءِ: لَوْ وَقَعَتْ ذُبَابَةٌ أَوْ نَمْلَةٌ فِي قِدْرِ طَبِيخٍ وَتَهَرَّى أَجْزَاؤُهُ لَمْ يَحْرُمْ أَكْلُ ذَلِكَ الطَّبِيخِ، لِأَنَّ تَحْرِيمَ أَكْلِ الذُّبَابِ وَالنَّمْلِ وَنَحْوِهِ إِنَّمَا كَانَ لِلِاسْتِقْذَارِ وَهَذَا لَا يُعَدُّ اسْتِقْذَارًا.
[ ٧ / ٢٦٨١ ]
٤١٤٥ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ - قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - عَنْ قَتْلِ أَرْبَعٍ مِنَ الدَّوَابِّ: النَّمْلَةُ، وَالنَّحْلَةُ، وَالْهُدْهُدُ، وَالصُّرَدُ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالدَّارِمِيُّ.
_________________
(١) (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ - قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - عَنْ قَتْلِ أَرْبَعٍ مِنَ الدَّوَابِّ: النَّمْلَةُ»): بِالْجَرِّ عَلَى الْبَدَلَيَّةِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِالرَّفْعِ وَيَجُوزُ النَّصْبُ، وَكَذَا قَوْلُهُ (وَالنَّحْلَةُ، وَالْهُدْهُدُ وَالصُّرَدُ): بِضَمٍّ فَفَتْحٍ طَائِرٌ ضَخْمُ الرَّأْسِ وَالْمِنْقَارِ لَهُ رِيشٌ عَظِيمٌ نِصْفُهُ أَبْيَضُ وَنِصْفُهُ أَسْوَدُ كَذَا فِي النِّهَايَةِ. قَالَ الْخَطَّابِيُّ: إِنَّمَا جَاءَ النَّهْيُ فِي قَتْلِ النَّمْلَةِ عَنْ نَوْعٍ خَاصٍّ مِنْهُ وَهُوَ الْكِبَارُ ذَوَاتُ الْأَرْجُلِ الْكِبَارِ؛ لِأَنَّهَا قَلِيلَةُ الْأَذَى وَالضَّرَرِ، وَأَمَّا النَّحْلَةُ فَلِمَا فِيهَا مِنَ الْمَنْفَعَةِ وَهُوَ الْعَسَلُ وَالشَّمْعُ، وَأَمَّا الْهُدْهُدُ وَالصُّرَدُ فَلِتَحْرِيمِ لَحْمِهِمَا لِأَنَّ الْحَيَوَانَ إِذَا نُهِيَ عَنْ قَتْلِهِ وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لِاحْتِرَامِهِ وَلِضَرَرٍ فِيهِ كَانَ لِتَحْرِيمِ لَحْمِهِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ نَهَى عَنْ قَتْلِ الْحَيَوَانِ لِغَيْرِ مَأْكَلَةٍ، وَيُقَالُ: إِنَّ الْهُدْهُدَ مُنْتِنُ الرِّيحِ فَصَارَ فِي مَعْنَى الْجَلَّالَةِ، وَالصُّرَدُ يَتَشَاءَمُ بِهِ الْعَرَبُ وَيُتَطَيَّرُ بِصَوْتِهِ وَشَخْصِهِ، فَنَهَى عَنْ قَتْلِهِ لِيَخْلَعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ مَا ثَبَتَ فِيهَا مِنَ اعْتِقَادِهِمُ الشُّؤْمَ. قُلْتُ: وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى مَا وَرَدَ: «اللَّهُمَّ لَا طَيْرَ إِلَّا طَيْرُكَ وَلَا خَيْرَ إِلَّا خَيْرُكَ وَلَا إِلَهَ غَيْرُكَ اللَّهُمَّ لَا يَأْتِي بِالْحَسَنَاتِ إِلَّا أَنْتَ وَلَا يَصْرِفُ السَّيِّئَاتِ إِلَّا أَنْتَ» . (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ): أَيْ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ (وَالدَّارِمِيُّ): وَكَذَا أَحْمَدُ، وَابْنُ مَاجَهْ وَصَحَّحَهُ عَبْدُ الْحَقِّ، وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵄ - وَلَفْظُهُ: «نُهِيَ عَنْ قَتْلِ الصُّرَدِ وَالضُّفْدَعِ وَالنَّمْلَةِ وَالْهُدْهُدِ» . وَرَوَى أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَالْحَاكِمُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عُثْمَانَ التَّيْمِيِّ فِي حَيَاةِ الْحَيَوَانِ: الْأَصَحُّ تَحْرِيمُ أَكْلِ الصُّرَدِ لِهَذَا الْحَدِيثِ. وَقِيلَ: إِنَّهُ يُؤْكَلُ لِأَنَّ الشَّافِعِيَّ أَوْجَبَ فِيهِ الْجَزَاءَ عَلَى الْمُحْرِمِ إِذَا قَتَلَهُ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ. قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: وَيُقَالُ لَهُ الصُّرَدُ الصَّوَّامُ، وَرُوِّينَا فِي مُعْجَمِ عَبْدِ الْبَاقِي بْنِ قَانِعٍ عَنْ أَبِي غَلِيظِ أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ الْجُمَحِيِّ قَالَ: " «رَآنِي رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - وَعَلَى يَدَيَّ صُرَدٌ فَقَالَ " هَذَا أَوَّلُ طَائِرٍ صَامَ يَوْمَ عَاشُورَاءَ» " وَالْحَدِيثُ مِثْلُ اسْمِهِ غَلِيظٌ. قَالَ الْحَاكِمُ: وَهُوَ مِنَ الْأَحَادِيثِ الَّتِي وَضَعَهَا قَتَلَةُ الْحُسَيْنِ، وَهُوَ حَدِيثٌ بَاطِلٌ وَرُوَاتُهُ مَجْهُولُونَ، هَذَا وُفِي مُسْتَدْرَكِ الدَّارِمِيِّ عَنْ عَلِيٍّ - ﵄ - أَنَّهُ قَالَ: كُونُوا فِي النَّاسِ كَالنَّحْلَةِ فِي الطَّيْرِ، لَيْسَ فِي الطَّيْرِ شَيْءٌ إِلَّا وَهُوَ يَسْتَضْعِفُهَا، وَلَوْ يَعْلَمُ الطَّيْرُ مَا فِي أَجْوَافِهَا مِنَ الْبَرَكَةِ مَا فَعَلُوا ذَلِكَ بِهَا، خَالِطُوا النَّاسَ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَأَجْسَادِكُمْ وَزَايِلُوهَا بِأَعْمَالِكِمْ وَقُلُوبِكُمْ، وَإِنَّ لِلْمَرْءِ مَا اكْتَسَبَ، وَهُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَعَ مَنْ أَحَبَّ، وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ الْعَسَلَ يَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِ النَّحْلِ. وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ أَنَّهُ قَالَ مُحَقِّرًا لِلدُّنْيَا: أَشْرَفُ لِبَاسِ ابْنِ آدَمَ فِيهَا لُعَابُ دُودَةٍ،
[ ٧ / ٢٦٨١ ]
وَأَشْرَفُ شَرَابِهِ رَجِيعُ نَحْلَةٍ، وَظَاهِرُ هَذَا أَنَّهُ مِنْ غَيْرِ الْفَمِ كَذَا نَقَلَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ، وَالْمَعْرُوفُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: إِنَّمَا الدُّنْيَا سِتَّةُ أَشْيَاءَ: مَطْعُومٌ وَمَشْرُوبٌ وَمَلْبُوسٌ وَمَرْكُوبٌ وَمَنْكُوحٌ وَمَشْمُومٌ، وَأَشْرَفُ الْمَطْعُومَاتِ الْعَسَلُ وَهُوَ مَذْقَةُ ذُبَابٍ، وَأَشْرَفُ الْمَشْرُوبَاتِ الْمَاءُ وَيَسْتَوِي فِيهِ الْبَرُّ وَالْفَاجِرُ، وَاشَرَفُ الْمَلْبُوسَاتِ الْحَرِيرُ وَهُوَ نَسْجُ دُودَةٍ، وَأَشْرَفُ الْمَرْكُوبَاتِ الْفَرَسُ وَعَلَيْهَا يُقْتَلُ الرِّجَالُ وَأَشْرَفُ الْمَشْمُومَاتِ الْمِسْكُ وَهُوَ دَمُ حَيَوَانٍ، وَأَشْرَفُ الْمَنْكُوحَاتِ الْمَرْأَةُ وَهُوَ مُبَالٌ فِي مُبَالٍ قُلْتُ: وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ أَشْرَفَ الْمَشْرُوبَاتِ اللَّبَنُ، وَهُوَ يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ، وَأَشْرَفُ الْمَرْكُوبَاتِ الْفَرَسُ، وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ صَدِيقِهِ وَعَدُوِّهُ حَيْثُ قِيلَ: لَا وَفَاءَ فِي السَّيْفِ وَالْفَرَسِ وَالْمَرْأَةِ، وَفِي حَيَاةِ الْحَيَوَانِ كَرِهَ مُجَاهِدٌ قَتْلَ النَّحْلِ وَيَحْرُمُ كُلُّهَا، وَإِنْ كَانَ الْعَسَلُ حِلًّا لِأَنَّ الْآدَمِيَّةَ لِبَنُهَا حَلَالٌ وَلَحْمُهَا حَرَامٌ، وَأَبَاحَ بَعْضُ السَّلَفِ أَكْلَهُ كَالْجَرَادِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى الْحُرْمَةِ نَهْيُ النَّبِيِّ صَلِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ قَتْلِهَا وَفِي الْإِبَانَةِ يُكَرَهُ بَيْعُ النَّحْلِ وَهُوَ فِي الْكَوَارِهِ، صَحِيحٌ إِنْ رُؤِيَ جَمِيعُهُ وَإِلَّا فَهُوَ بَيْعُ غَائِبٍ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَصِحُّ بَيْعُ النَّحْلِ وَالزَّنْبُورِ وَسَائِرِ الْحَشَرَاتِ، وَأَمَّا النَّمْلُ فَمَا أَحْسَنَ مَنْ قَالَهُ فِيهِ:
اقْنَعْ فَمَا تَبْقَى بِلَا بُلْغَةٍ فَلَيْسَ يَنْسَى رَبُّنَا نَمْلَهُ
إِنْ أَقْبَلَ الدَّهْرُ فَقُمْ قَائِمًا وَإِنْ تَوَلَّى مُدْبِرًا نَمْ لَهْ
وَعَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ أَنَّهُ قَالَ: لَيْسَ شَيْءٌ يُخَبِّئُ قُوتَهُ إِلَّا الْإِنْسَانَ وَالنَّمْلَ وَالْفَأْرَ، وَبِهِ جَزَمَ صَاحِبُ الْإِحْيَاءِ فِي كِتَابِ التَّوَكُّلِ. قَالَ الْبَيْهَقِيُّ فِي الشُّعَبِ: وَكَانَ عَدِيُّ بْنُ حَاتِمٍ الطَّائِيُّ يَفُتُّ الْخُبْزَ لِلنَّمْلِ وَيَقُولُ: إِنَّهُنَّ جَارَاتٌ وَلَهُنَّ عَلَيْنَا حَقُّ الْجِوَارِ قُلْتُ: هُوَ صَحِيحٌ لَكِنَّهُنَّ مُؤْذِيَاتٌ وَمَا يُخَلِّينَ لَنَا حَلَاوَةً فِي الدَّارِ، وَعَنِ الْفَتْحِ بْنِ سَجْزٍ الزَّاهِدِيِّ أَنَّهُ كَانَ يَفُتُ الْخُبْزَ لَهُنَّ كُلَّ يَوْمٍ، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ عَاشُورَاءَ لَمْ يَأْكُلْهُ وَفِي حَيَاةِ الْحَيَوَانِ يُكْرَهُ أَكْلُ مَا حَمَلَتِ النَّمْلُ بِفِيهَا وَقَوَائِمِهَا، لِمَا رَوَى الْحَافِظُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الطِّبِّ النَّبَوِيِّ، عَنْ صَالِحِ بْنِ حُوَّاتِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - نَهَيَ عَنْ قَتْلِهِ، وَقَالَ الْخَلَّالُ: وَأَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ عَنْ أَنْ يُؤْكَلَ مَا حَمَلَتْهُ النَّمْلُ بِفِيهَا وَقَوَائِمِهَا وَيُحَرِّمُ أَكْلَ النَّمْلِ الْوَرُودِ النَّهْرُ بْنُ الْكَوَّارِ، حَدَّثَتْنِي حَبِيبَةُ مَوْلَاةُ الْأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ وَرَآهَا تَقْتُلُ نَمْلَةً فَقَالَ: لَا تَقْتُلِيهَا، ثُمَّ دَعَا بِكُرْسِيٍّ فَجَلَسَ عَلَيْهِ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: إِنِّي أُحَرِّجُ عَلَيْكُنَّ إِلَّا خَرَجْتُنَّ مِنْ دَارِي، فَإِنِّي أَكْرَهُ أَنْ تُقْتَلْنَ فِي دَارِي قَالَ: فَخَرَجْنَ فَمَا رُؤِيَ مِنْهُنَّ بَعْدَ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَاحِدَةٌ وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ: وَرَأَيْتُ أَبِي فَعَلَ ذَلِكَ، وَكَثُرَ عِلْمِي أَنَّهُ جَلَسَ عَلَى كُرْسِيٍّ كَانَ يَجْلِسُ عَلَيْهِ لِوُضُوءِ الصَّلَاةِ، ثُمَّ رَأَيْتُ النَّمْلَ خَرَجْنَ بَعْدَ ذَلِكَ. قِيلَ: وَقَدْ أُهْلِكَ بِالنَّمْلِ أُمَّةٌ مِنَ الْأُمَمِ وَهِيَ جُرْهُمٌ. وَفِي سِيرَةِ ابْنِ هِشَامٍ فِي غَزْوَةِ حُنَيْنٍ عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ قَالَ: لَقَدْ رَأَيْتُ قَبْلَ هَزِيمَةِ الْقَوْمِ وَالنَّاسُ يَقْتَتِلُونَ مِثْلَ الْبُخَارِ الْأَسْوَدِ نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ حَتَّى سَقَطَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ، فَنَظَرْتُ فَإِذَا هُوَ نَمْلٌ أَسْوَدُ مَبْثُوثٌ قَدْ مَلَأَ الْوَادِيَ لَمْ أَشُكُّ أَنَّهَا الْمَلَائِكَةُ، وَلَمْ يَكُنْ إِلَّا هَزِيمَةَ الْقَوْمِ، وَرَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ وَالْحَاكِمُ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵄ - أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: " «لَا تَقْتُلُوا النَّمْلَةَ فَإِنَّ سُلَيْمَانَ ﵇ خَرَجَ ذَاتَ يَوْمٍ يَسْتَسْقِي وَإِذَا هُوَ بِنَمْلَةٍ مُسْتَلْقِيَةٍ عَلَى قَفَاهَا رَافِعَةً قَوَائِمِهَا تَقُولُ " اللَّهُمَّ إِنَّا خَلْقٌ مِنْ خَلْقِكَ، وَلَا غِنَى لَنَا عَنْ فَضْلِكَ، اللَّهُمَّ لَا تُؤَاخِذْنَا بِذُنُوبِ عِبَادِكَ الْخَاطِئِينَ، وَاسْقِنَا مَطَرًا تُنْبِتُ لَنَا بِهِ شَجَرًا وَأَطْعِمْنَا ثَمَرًا، فَقَالَ سُلَيْمَانُ ﵇ لِقَوْمِهِ: ارْجِعُوا فَقَدْ كُفِينَا وَسُقِينَا بِغَيْرِكُمْ» " وَفِي الصَّحِيحَيْنِ وَسُنَنِ أَبِي دَاوُدَ وَالنَّسَائِيِّ وَابْنِ مَاجَهْ، عَنْ) أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵄ - عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ «نَزَلَ نَبِيٌّ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ تَحْتَ شَجَرَةٍ فَلَدَغَتْهُ نَمْلَةٌ، فَأَمَرَ بِجِهَازِهِ فَأُخْرِجَ مِنْ تَحْتِهَا وَأَمَرَ بِهَا فَأُحْرِقَتْ بِالنَّارِ، فَأَوْحَى اللَّهُ ﵎ إِلَيْهِ: فَهَلَّا نَمْلَةٌ وَاحِدَةٌ» قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ التِّرْمِذِيُّ فِي نَوَادِرِ الْأُصُولِ: لَمْ يُعَاتِبْهُ عَلَى تَحْرِيقِهَا إِنَّمَا عَاتَبَهُ لِكَوْنِهِ أَخَذَ الْبَرِيءَ بِغَيْرِ الْبَرِيءِ. وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: هَذَا النَّبِيُّ مُوسَى بْنُ عِمْرَانَ ﵇ وَإِنَّهُ قَالَ: يَا رَبِّ تُعَذِّبُ أَهْلَ الْقَرْيَةِ. بِمَعَاصِيهِمْ وَفِيهِمُ الطَّائِعُ، فَكَأَنَّهُ أَحَبَّ أَنْ يُرِيَهُ ذَلِكَ مِنْ عِنْدِهِ فَسَلَّطَ عَلَيْهِ الْحَرَّ حَتَّى الْتَجَأَ إِلَى شَجَرَةٍ مُتَرَوِّحًا إِلَى ظِلِّهَا، وَعِنْدَهَا قَرْيَةُ النَّمْلِ فَغَلَبَهُ النَّوْمُ، فَلَمَّا وَجَدَ لَذَّةَ النَّوْمِ لَدَغَتْهُ نَمْلَةٌ فَدَلَكَهُنَّ بِقَدَمِهِ فَأَهْلَكَهُنَّ وَأَحْرَقَ مَسْكَنَهُنَّ فَأَرَاهُ الْآيَةَ، فَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ عَيَّرَهُ لَمَّا لَدَغَتْهُ كَيْفَ أَصَابَ الْبَاقِينَ بِعُقُوبَتِهَا، يُرِيدُ أَنْ يُنَبِّهَهُ عَلَى أَنَّ الْعُقُوبَةَ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى تَصِيرُ رَحْمَةً عَلَى الْمُطِيعِ، وَنِقْمَةً عَلَى الْعَاصِي، وَعَلَى هَذَا لَيْسَ فِي الْحَدِيثِ مَا يَدُلُّ عَلَى كَرَاهَتِهِ وَلَا خَطَرَ فِي قَتْلِ النَّمْلِ، فَإِنَّ مَنْ أَذَاكَ حَلَّ
[ ٧ / ٢٦٨٢ ]
لَكَ دَفْعُهُ عَنْ نَفْسِكَ، وَلَا أَحَدَ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ أَعْظَمُ حُرْمَةً مِنَ الْمُؤْمِنِ، وَقَدْ أُبِيحَ لَكَ دَفْعُهُ عَنْكَ بِضَرْبٍ وَقَتْلٍ عَلَى مَا لَهُ مِنَ الْمِقْدَارِ، فَكَيْفَ بِالْهَوَامِّ وَالدَّوَابِّ الَّتِي قَدْ سُخِّرَتْ لَهُ وَسُلِّطَتْ عَلَيْهِ؟ فَإِذَا آذَيْنَهُ أُبِيحَ لَهُ قَتْلُهَا. وَقَوْلُهُ: فَهَلَّا نَمْلَةٌ وَاحِدَةٌ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الَّذِي يُؤْذِي يُقْتَلُ، وَكُلُّ قَتْلٍ كَانَ لِنَفْعٍ أَوْ دَفْعِ ضُرٍّ فَلَا بَأْسَ بِهِ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ، وَلَمْ يَخُصَّ تِلْكَ النَّمْلَةَ الَّتِي لَدَغَتْ مِنْ غَرَرِهَا لِأَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ الْقَصَّاصَ؛ لِأَنَّهُ لَوْ أَرَادَهُ لَقَالَ: هَلَّا نَمْلَتُكَ الَّتِي لَدَغَتْكَ، وَلَكِنْ قَالَ: هَلَّا نَمْلَةٌ فَكَانَ يَعُمُّ الْبَرِيءَ وَالْجَانِيَ، وَذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنَّهُ أَرَادَ تَنْبِيهَهُ لِمَسْأَلَةِ رَبِّهِ فِي عَذَابِ أَهْلِ قَرْيَةٍ فِيهِمُ الْمُطِيعُ وَالْعَاصِي، وَقَدْ قِيلَ فِي شَرْعِ هَذَا النَّبِيِّ ﵇: كَانَتِ الْعُقُوبَةُ لِلْحَيَوَانِ بِالتَّحْرِيقِ جَائِزَةً، فَلِذَلِكَ إِنَّمَا عَاتَبَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي إِحْرَاقِ الْكَثِيرِ لَا فِي أَصْلِ الْإِحْرَاقِ. أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: فَهَلَّا نَمْلَةٌ وَاحِدَةٌ، وَهُوَ بِخِلَافِ شَرْعِنَا فَإِنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَدْ نَهَى عَنِ التَّعْذِيبِ بِالنَّارِ وَقَالَ: لَا يُعَذِّبُ بِالنَّارِ إِلَّا اللَّهُ، فَلَا يَجُوزُ إِحْرَاقُ الْحَيَوَانِ بِالنَّارِ إِلَّا إِذَا أَحْرَقَ إِنْسَانًا فَمَاتَ بِالْإِحْرَاقِ فَلِوَارِثِهِ الِاقْتِصَاصُ بِالْإِحْرَاقِ. قَالَ الدَّمِيرِيُّ: وَأَمَّا قَتْلُ النَّمْلِ فَمَذْهَبُنَا لَا يَجُوزُ لِلْحَدِيثِ السَّابِقِ، وَالْمُرَادُ النَّمْلُ السُّلَيْمَانِيُّ كَمَا قَالَهُ الْخَطَّابِيُّ وَالْبَغَوِيُّ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ، وَأَمَّا الصَّغِيرُ الْمُسَمَّى بِالذَّرِّ فَقَتْلُهُ جَائِزٌ، وَكَرِهَ مَالِكٌ قَتْلَ النَّمْلِ إِلَّا أَنْ يَضُرَّ وَلَا يُقْدَرَ عَلَى دَفْعِهِ إِلَّا بِالْقَتْلِ، وَقِيلَ إِنَّمَا عَاتَبَ اللَّهُ هَذَا النَّبِيَّ لِانْتِقَامِهِ لِنَفْسِهِ بِإِهْلَاكِ جَمْعٍ، وَإِنَّمَا أَذَاهُ وَاحِدٌ مِنْهُ وَكَانَ الْأَوْلَى بِهِ الصَّبْرَ وَالصَّفْحَ، لَكِنْ وَقَعَ لِلنَّبَيِّ أَنَّ هَذَا النَّوْعَ مُؤْذٍ لِبَنِي آدَمَ وَحُرْمَةُ بَنِي آدَمَ أَعْظَمُ مِنْ حُرْمَةِ غَيْرِهِمْ مِنَ الْحَيَوَانِ، فَلَوِ انْفَرَدَ لَهُ النَّظَرُ وَلَمْ يَنْضَمَّ إِلَيْهِ التَّشَفِّي الطَّبِيعَيُّ لَمْ يُعَاتَبْ، فَعُوتِبَ عَلَى التَّشَفِّي بِذَلِكَ.
وَأَمَّا الْهُدْهُدُ فَفِي حَيَاةِ الْحَيَوَانِ الْأَصَحُّ تَحْرِيمُ أَكْلِهِ لِلنَّهْيِ عَنْ قَتْلِهِ، وَلِأَنَّهُ مُنْتِنُ الرِّيحِ وَيَقْتَاتُ الدُّودَ وَقِيلَ: يَحِلُّ أَكْلُهُ لِأَنَّهُ يُحْكَى عَنِ الشَّافِعِيِّ وُجُوبُ الْفِدْيَةِ فِيهِ، وَعِنْدَهُ لَا يَفْتَدِي إِلَّا الْمَأْكُولُ. وَفِي الْكَامِلِ وَشُعَبِ الْإِيمَانِ لِلْبَيْهَقِيِّ: أَنَّ نَافِعًا سَأَلَ ابْنَ عَبَّاسٍ - ﵄ - فَقَالَ سُلَيْمَانُ ﵇ مَعَ مَا خَوَّلَهُ اللَّهُ تَعَالَى مِنَ الْمُلْكِ وَأَعْطَاهُ كَيْفَ عُنِيَ بِالْهُدْهُدِ مَعَ صِغَرِهِ؟ فَقَالَ لَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِنَّهُ احْتَاجَ إِلَى الْمَاءِ، وَالْهُدْهُدُ كَانَتِ الْأَرْضُ لَهُ مِثْلَ الزُّجَاجِ، وَكَانَ دَلِيلًا عَلَى الْمَاءِ فَقَالَ ابْنُ الْأَزْرَقِ لِابْنِ عَبَّاسٍ: قِفْ يَا وَقَّافُ، كَيْفَ يُبْصِرُ الْمَاءَ مِنْ تَحْتِ الْأَرْضِ وَلَا يَرَى الْفَخَّ إِذَا غُطِّيَ لَهُ بِقَدْرِ أُصْبُعٍ مِنْ تُرَابٍ؟ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ إِذَا نَزَلَ الْقَضَاءُ عَمِيَ الْبَصَرُ. قُلْتُ وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا جَوَابٌ إِقْنَاعِيٌّ يَشْمَلُ مَا بِهِ أَمْرٌ قُدِّرَ فَإِنَّهُ كَانَ رُؤْيَةُ الْمَاءِ مِنْ خُصُوصِيَّتِهِ لَا كُلُّ شَيْءٍ مَدْفُونٍ فِي الْأَرْضِ لَكِنْ فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُ لَوْ قُدِّرَ لَهُ أَنْ يَمُوتَ بِالْعَطَشِ لَأُغْمِيَ عَلَيْهِ الْمَاءُ ذَلِكَ الْوَقْتَ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مُقَدَّرًا. فَإِذَا نَزَلَ الْقَضَاءُ ضَاقَ الْفَضَاءُ وَإِذَا حَصَلَ الْقَدَرُ بَطَلَ الْحَذَرُ، وَمِنَ اللَّطَائِفِ مَا حَكَى الْقَزْوِينِيُّ أَنَّ الْهُدْهُدَ قَالَ لِسُلَيْمَانَ ﵇: أُرِيدُ أَنْ تَكُونَ فِي ضِيَافَتِي. قَالَ أَنَا وَحْدِي. قَالَ: لَا، أَنْتَ وَأَهْلُ عَسْكَرِكَ فِي جَزِيرَةِ كَذَا فِي يَوْمِ كَذَا، فَحَضَرَ سُلَيْمَانُ بِجُنُودِهِ فَطَارَ الْهُدْهُدُ وَاصْطَادَ جَرَادَةً، فَخَنَقَهَا وَرَمَى بِهَا فِي الْبَحْرِ. وَقَالَ: كُلُوا يَا نَبِيَّ اللَّهِ مَنْ فَاتَهُ اللَّحْمُ نَالَهُ الْمَرَقُ فَضَحِكَ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ مِنْ ذَلِكَ حَوْلًا كَامِلًا. وَأَمَّا الضُّفْدَعُ، فَمِثَالُ الْخِنْصَرِ، وَقِيلَ: بِفَتْحِ الدَّالِّ، قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ: الْأَشْهَرُ فِيهِ مِنْ حَيْثُ اللُّغَةُ كَسْرُ الدَّالِّ وَفَتْحُهَا أَشْهَرُ فِي أَلْسِنَةِ الْعَامَّةِ مِنَ الْخَاصَّةِ. وَفِي كَامِلِ ابْنِ عَدِيٍّ فِي تَرْجَمَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَعْدِ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ سَعْدٍ الْقُرَظِيِّ مُؤَذِّنِ النَّبِيِّ - ﷺ - عَنْ جَابِرٍ، أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ " مَنْ قَتَلَ ضُفْدَعًا فَعَلَيْهِ شَاةٌ مُحْرِمًا كَانَ أَوْ حِلًّا، " قَالَ سُفْيَانُ: يُقَالُ: إِنَّهُ لَيْسَ شَيْءٌ أَكْثَرَ ذِكْرًا لِلَّهِ مِنْهُ، وَفِي كَامِلِ ابْنِ عِدَيٍّ فِي تَرْجَمَةِ حَمَّادِ بْنِ عُبَيْدٍ، أَنَّهُ رَوَى عَنْ جَابِرٍ الْجُعْفِيِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ ضُفْدَعًا أَلْقَتْ نَفْسَهَا فِي النَّارِ مِنْ مَخَافَةِ اللَّهِ تَعَالَى، فَأَثَابَهُنَّ اللَّهُ تَعَالَى بَرْدَ الْمَاءِ، وَجَعَلَ نَعِيقَهُنَّ مِنَ التَّسْبِيحِ، وَقَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - عَنْ قَتْلِ الضُّفْدَعِ وَالصُّرَدِ وَالنَّحْلَةِ» وَقَالَ: لَا أَعْلَمُ لِحَمَّادِ بْنِ عُبَيْدٍ غَيْرَ هَذَا الْحَدِيثِ. قَالَ الْبُخَارِيُّ: لَا يَصِحُّ حَدِيثُهُ، وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ: لَيْسَ بِصَحِيحِ الْحَدِيثِ، وُفِي كِتَابِ الزَّاهِدِ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْقُرْطُبِيِّ، أَنَّ دَاوُدَ ﵇ قَالَ: لَأُسَبِّحَنَّ اللَّهَ تَعَالَى اللَّيْلَةَ تَسْبِيحًا مَا يُسَبِّحُهُ أَحَدٌ مِنْ خَلْقِهِ، فَنَادَتْهُ ضُفْدَعٌ مِنْ سَاقِيَةٍ فِي دَارِهِ: يَا دَاوُدُ تَفْخَرُ عَلَى اللَّهِ ﷿ بِتَسْبِيحِكَ وَإِنَّ لِي سَبْعِينَ سَنَةً مَا جَفَّ لِسَانِي مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ، وَإِنَّ لِي لَعَشْرَ لَيَالٍ مَا طَعِمْتُ خَضِرًا وَلَا شَرِبْتُ مَاءً اشْتِغَالًا بِكَلِمَتَيْنِ. فَقَالَ مَا هُمَا؟ فَقَالَتْ يَا مُسَبَّحًا بِكُلِّ لِسَانٍ وَيَا مَذْكُورًا بِكُلِّ مَكَانٍ. فَقَالَ دَاوُدُ ﵇ فِي نَفْسِهِ: وَمَا عَسَى أَنْ أَقُولَ أَبْلَغَ مِنْ هَذَا.
[ ٧ / ٢٦٨٣ ]
وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِهِ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ - ﵁ - أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ نَبِيَّ اللَّهِ دَاوُدَ - ﵇ - ظَنَّ فِي نَفْسِهِ أَنَّ أَحَدًا لَمْ يَمْدَحْ خَالِقَهُ بِأَفْضَلِ مِمَّا يَمْدَحُهُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ مَلَكًا وَهُوَ قَاعِدٌ فِي مِحْرَابِهِ وَالْبِرْكَةُ إِلَى جَنْبِهِ فَقَالَ: يَا دَاوُدُ افْهَمْ مَا تُصَوِّتُ بِهِ الضُّفْدَعُ، فَأَنْصَتَ لَهَا فَإِذَا هِيَ تَقُولُ سُبْحَانَكَ وَبِحَمْدِكَ مُنْتَهَى عِلْمِكَ، فَقَالَ لَهُ الْمَلَكُ: كَيْفَ تَرَى؟ فَقَالَ وَالَّذِي جَعَلَنِي نَبِيًّا إِنِّي لَمْ أَمْدَحْهُ كَذَا. وَفِي حَيَاةِ الْحَيَوَانِ: يَحْرُمُ أَكْلُهَا لِلنَّهْيِ عَنْ قَتْلِهَا وَقَدْ رَوَى الْبَيْهَقِيُّ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - «نَهَيَ عَنْ قَتْلِ خَمْسٍ: النَّمْلَةُ وَالنَّحْلَةُ وَالضُّفْدَعُ وَالصُّرَدُ وَالْهُدْهُدُ» وَفِي مُسْنَدِ أَبِي دَاوُدَ الطَّيَالِسِيِّ وَسُنَنِ أَبِي دَاوُدَ وَالنَّسَائِيِّ، وَالْحَاكِمِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عُثْمَانَ التَّيْمِيِّ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - «أَنَّ طَبِيبًا سَأَلَهُ عَنْ قَتْلِ ضُفْدَعٍ فِي دَوَاءٍ، فَنَهَاهُ - ﷺ - عَنْ قَتْلِهَا»، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الضُّفْدَعَ يَحْرُمُ أَكْلُهَا وَأَنَّهَا غَيْرُ دَاخِلَةٍ فِيمَا أُبِيحَ مِنْ دَوَابِّ الْمَاءِ.
وَرَوَى ابْنُ عَدِيٍّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ " «لَا تَقْتُلُوا الضَّفَادِعَ فَإِنَّ نَعِيقَهَا تَسْبِيحٌ» ".
قَالَ سُلَيْمٌ: سَأَلْتُ الدَّارَقُطْنِيَّ عَنْهُ فَقَالَ: إِنَّهُ ضَعِيفٌ، وَالصَّوَابُ أَنَّهُ مَوْقُوفٌ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ قَالَهُ الْبَيْهَقِيُّ، وَقَدْ رَوَى أَبُو الْحُوَيْرِثِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُعَاوِيَةَ، وَهُوَ مِنَ التَّابِعِينَ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ: «أَنَّهُ نَهَى عَنْ قَتْلِ الْخَطَاطِيفِ، وَقَالَ " لَا تَقْتُلُوا هَذِهِ الْعَوْذَاءَ إِنَّهَا تَعُوذُ بِكُمْ مِنْ غَيْرِكُمْ» " رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ وَقَالَ: مُنْقَطِعٌ قَالَ: وَرَوَاهُ إِبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَانَ عَنْ عَبَّادِ بْنِ إِسْحَاقَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - عَنِ الْخَطَاطِيفِ عَوْذَاءِ الْبُيُوتِ»، وَمِنْ هَذِهِ الطَّرِيقَةِ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ فِي مَرَاسِيلِهِ. قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: وَهُوَ مُنْقَطِعٌ أَيْضًا لَكِنْ صَحَّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ مَوْقُوفًا أَنَّهُ قَالَ «وَلَا تَقْتُلُوا الضَّفَادِعَ فَإِنَّ نَعِيقَهَا تَسْبِيحٌ، وَلَا تَقْتُلُوا الْخُطَّافَ فَإِنَّهُ لَمَّا خُرِّبَ بَيْتُ الْمَقْدِسِ قَالَ يَا رَبِّ سَلِّطْنِي عَلَى الْبَحْرِ حَتَّى أُغْرِقَهُمْ» . قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: إِسْنَادُهُ صَحِيحٌ، وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ: إِنَّهُ حَلَالٌ لِأَنَّهُ يَتَقَوَّتُ بِالْحَلَالِ غَالِبًا. قَالَ أَبُو الْعَاصِمِ الْعَبَّادِيُّ: وَهَذَا مُحْتَمَلٌ عَلَى أَصْلِنَا وَإِلَيْهِ مَالَ أَكْثَرُ أَصْحَابِنَا، ثُمَّ الْخُطَّافُ جَمْعُهُ الْخَطَاطِيفُ، وَيُسَمَّى زَوَّارَ الْهِنْدِ وَهُوَ مِنَ الطُّيُورِ الْقَوَاطِعِ إِلَى النَّاسِ يَقْطَعُ الْبِلَادَ إِلَيْهِمْ رَغْبَةً فِي الْقُرْبِ مِنْهُمْ، ثُمَّ إِنَّهَا تَبْنِي بُيُوتًا فِي أَبْعَدِ الْمَوَاضِعِ عَنِ الْوُصُولِ إِلَيْهَا، وَهَذَا الطَّائِرُ يُعْرَفُ عِنْدَ النَّاسِ بِعُصْفُورِ الْجَنَّةِ؛ لِأَنَّهُ زَهِدَ فِيمَا فِي أَيْدِيهِمْ مِنَ الْأَقْوَاتِ فَأَحَبُّوهُ، وَإِنَّمَا يَتَقَوَّتُ بِالْبَعُوضِ وَالذُّبَابِ.
وَفِي رِسَالَةِ الْقُشَيْرِيِّ فِي آخِرِ بَابِ الْمَحَبَّةِ أَنَّ خُطَّافًا رَاوَدَ خُطَّافَةً عَلَى قُبَّةِ سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ - ﵇ - فَامْتَنَعَتْ مِنْهُ فَقَالَ لَهَا: تَمْتَنِعِينَ عَلَيَّ وَلَوْ شِئْتُ قَلَبْتُ الْقُبَّةَ عَلَى سُلَيْمَانَ، فَدَعَاهُ سُلَيْمَانُ وَقَالَ: مَا حَمَلَكَ عَلَى مَا قُلْتَ؟ قَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ الْعُشَّاقُ لَا يُؤَاخَذُونَ بِأَقْوَالِهِمْ، فَقَالَ: صَدَقْتَ، وَهُوَ أَنْوَاعٌ: مِنْهَا نَوْعٌ يُسَمَّى السِّنُونُو وَهُوَ كَثِيرٌ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَبِمَكَّةَ وَيُعَشِّشُ فِي سَقْفِ الْبَيْتِ عِنْدَ بَابِ إِبْرَاهِيمَ، وَبَابِ بَنِي شَيْبَةَ، وَبَعْضُ النَّاسِ زَعَمَ أَنَّ ذَلِكَ هُوَ طَيْرُ الْأَبَابِيلِ الَّذِي عَذَّبَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ أَصْحَابَ الْفِيلِ. وَقَالَ الثَّعْلَبِيُّ وَغَيْرُهُ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ النَّمْلِ: إِنَّ آدَمَ - ﵇ - لَمَّا خَرَجَ مِنَ الْجَنَّةِ اشْتَكَى إِلَى اللَّهِ تَعَالَى الْوَحْشَةَ فَآنَسَهُ اللَّهُ بِالْخُطَّافِ وَأَلْزَمَهَا الْبُيُوتَ، فَهِيَ لَا تُفَارِقُ بَنِي آدَمَ أَنْسَابَهُمْ.
[ ٧ / ٢٦٨٤ ]
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
٤١٤٦ - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ - قَالَ: كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يَأْكُلُونَ أَشْيَاءَ وَيَتْرُكُونَ أَشْيَاءَ تَقَذُّرًا، فَبَعَثَ اللَّهُ نَبِيَّهُ، وَأَنْزَلَ كِتَابَهُ وَأَحَلَّ حَلَالَهُ، وَحَرَّمَ حَرَامَهُ فَمَا أَحَلَّ فَهُوَ حَلَالٌ، وَمَا حَرَّمَ فَهُوَ حَرَامٌ، وَمَا سَكَتَ عَنْهُ فَهُوَ عَفْوٌ، وَتَلَا ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً﴾ [الأنعام: ١٤٥] الْآيَةَ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
_________________
(١) الْفَصْلُ الثَّالِثُ
(٢) (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ - قَالَ: كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلَيَّةِ يَأْكُلُونَ أَشْيَاءَ) أَيْ. بِمُقْتَضَى طِبَاعِهِمْ وَشَهَوَاتِهِمْ (وَيَتْرُكُونَ أَشْيَاءَ) أَيْ لَا يَأْكُلُونَهَا (تَقَذُّرًا): أَيْ كَرَاهَةً وَيَعُدُّونَهَا مِنَ الْقَاذُورَاتِ، (فَبَعَثَ اللَّهُ نَبِيَّهُ، وَأَنْزَلَ كِتَابَهُ): أَيْ عَلَيْهِ وَعَلَى أُمَّتِهِ (وَأَحَلَّ حَلَالَهُ): أَيْ مَا أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَكُونَ حَلَالًا بِإِبَاحَتِهِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: حَلَالُهُ مَصْدَرٌ وُضِعَ مَوْضِعَ الْمَفْعُولِ أَيْ: أَظْهَرَ اللَّهُ بِالْبَعْثِ وَالْإِنْزَالِ مَا أَحَلَّهُ اللَّهُ تَعَالَى. (وَحَرَّمَ حَرَامَهُ): أَيْ بِالْمَنْعِ عَنْ أَكْلِهِ (فَمَا أَحَلَّ): أَيْ مَا بَيَّنَ إِحْلَالَهُ (فَهُوَ حَلَالٌ): أَيْ لَا غَيْرَ (وَمَا حَرَّمَ فَهُوَ حَرَامٌ، وَمَا سَكَتَ عَنْهُ) أَيْ مَا لَمْ يُبَيِّنْ حُكْمَهُ (فَهُوَ عَفْوٌ) أَيْ مُتَجَاوَزٌ عَنْهُ لَا تُؤَاخَذُونَ بِهِ (وَتَلَا): أَيِ ابْنُ عَبَّاسٍ رَدًّا لِفِعْلِهِمْ وَأَكْلِهِمْ مَا يَشْتَهُونَهُ أَوْ تَرْكِهِمْ مَا يَكْرَهُونَهُ تَقَذُّرًا، كَأَنَّهُ قِيلَ: الْمُحَلَّلُ مَا أَحَلَّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، وَالْمُحَرَّمُ مَا حَرَّمَهُ اللَّهُ
[ ٧ / ٢٦٨٤ ]
وَرَسُولُهُ وَلَيْسَ بِهَوَى النَّفْسِ حَيْثُ قَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ﴾ [الأنعام: ١٤٥] أَيْ فِي الْقُرْآنِ أَوْ فِيمَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُطْلَقًا، وَفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلَى أَنَّ التَّحْرِيمَ إِنَّمَا يُعْلَمُ بِالْوَحْيِ لَا بِالْهَوَى (مُحَرَّمًا): أَيْ طَعَامًا مُحَرَّمًا (عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ): بِالتَّذْكِيرِ وَفِي نُسْخَةٍ بِالتَّأْنِيثِ (مَيْتَةً): بِالنَّصْبِ وَفِي نُسْخَةٍ بِالرَّفْعِ وَفِي نُسْخَةٍ: أَوْ دَمًا (الْآيَةَ): بِالنَّصْبِ وَيَجُوزُ أُخْتَاهُ، وَالْمَعْنَى أَنَّهُ لَا يَعْلَمُ بِالْوَحْيِ أَنَّ شَيْئًا مِنَ الطَّعَامِ حَرَامٌ فِي وَقْتٍ إِلَّا فِي وَقْتِ أَنْ يَكُونَ الطَّعَامُ مَيْتَةً، وَقَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَحَمْزَةُ " تَكُونُ " بِالتَّأْنِيثِ لِتَأْنِيثِ الْخَبَرِ، وَقَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ بِالتَّاءِ وَرَفْعِ مَيْتَةٍ عَلَى أَنَّ كَانَ هِيَ التَّامَّةُ، وَقَوْلُهُ: ﴿أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾ [الأنعام: ١٤٥] عَطْفٌ عَلَى " أَنْ " مَعَ مَا فِي حَيِّزِهِ أَيْ إِلَّا وُجُودَ مَيْتَةٍ " أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا " أَيْ مَصْبُوبًا سَائِلًا كَالدَّمِ فِي الْعُرُوقِ لَا الْكَبِدَ وَالطِّحَالَ لِمَا سَبَقَ فِي الْحَدِيثِ ﴿أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ [الأنعام: ١٤٥]، أَيْ فَإِنَّ الْخِنْزِيرَ أَوْ لَحْمَهُ قَذِرٌ لِتَعَوُّدِهِ أَكْلَ النَّجَاسَةِ، وَقِيلَ مَعْنَاهُ: حَرَامٌ (أَوْ فِسْقًا) عَطْفٌ عَلَى لَحْمِ خِنْزِيرٍ وَمَا بَيْنَهُمَا اعْتِرَاضٌ لِلتَّعْلِيلِ أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ صِفَةٌ لَهُ مُوَضِّحَةٌ. قَالَ الْقَاضِي: وَالْآيَةُ مُحْكَمَةٌ؛ لِأَنَّهَا تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَجِدْ فِيمَا أُوحِيَ إِلَى تِلْكَ الْغَايَةِ مُحَرَّمًا غَيْرَ هَذِهِ، وَذَلِكَ لَا يُنَافِي وُرُودَ التَّحْرِيمِ فِي شَيْءٍ آخَرَ بَعْدَ هَذَا، فَلَا يَصِحُّ الِاسْتِدْلَالُ بِهَا عَلَى نُسَخِ الْكِتَابِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ، وَلَا عَلَى حِلِّ الْأَشْيَاءِ غَيْرَهَا إِلَّا مَعَ الِاسْتِصْحَابِ (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) .
[ ٧ / ٢٦٨٥ ]
٤١٤٧ - وَعَنْ زَاهِرٍ الْأَسْلَمِيِّ - ﵁ - قَالَ: «إِنِّي لَأُوقِدُ تَحْتَ الْقُدُورِ بِلُحُومِ الْحُمُرِ إِذْ نَادَى مُنَادِي رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يَنْهَاكُمْ عَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ»، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
_________________
(١) (وَعَنْ زَاهِرٍ الْأَسْلَمِيِّ): قَالَ الْمُؤَلِّفُ: زَاهِرُ بْنُ الْأَسْوَدِ الْأَسْلَمِيُّ كَانَ مِمَّنْ بَايَعَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ، سَكَنَ الْكُوفَةَ وَعِدَادُهُ فِي أَهْلِهَا. (قَالَ: إِنِّي لَأُوقِدُ): أَيِ النَّارَ (تَحْتَ الْقُدُورِ بِلُحُومِ الْحُمُرِ): أَيِ الْأَهْلِيَّةِ (إِذْ نَادَى مُنَادِي رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ -) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَفِي نُسْخَةٍ بِكَسْرِهَا أَيْ إِنَّهُ («يَنْهَاكُمْ عَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ»): أَيْ عَنْ أَكْلِهَا يَعْنِي فَقَلَبْنَا الْقُدُورَ (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) .
[ ٧ / ٢٦٨٥ ]
٤١٤٨ - وَعَنْ أَبِي ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيِّ، ﵁، يَرْفَعُهُ " «الْجِنُّ ثَلَاثَةُ أَصْنَافٍ: صِنْفٌ لَهُمْ أَجْنِحَةٌ يَطِيرُونَ فِي الْهَوَاءِ، وَصِنْفٌ حَيَّاتٌ وَكِلَابٌ، وَصِنْفٌ يَحُلُّونَ وَيَظْعَنُونَ»، رَوَاهُ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ.
_________________
(١) (وَعَنْ أَبِي ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيِّ - ﵁ -): بِضَمٍّ فَفَتْحٍ مِنْ أَهْلِ بَيْعَةِ الرِّضْوَانِ (يَرْفَعُهُ): أَيِ الْحَدِيثَ إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ - (الْجِنُّ ثَلَاثَةُ أَصْنَافٍ) وَهُمْ أَجْسَامٌ هَوَائِيَّةٌ قَادِرَةٌ عَلَى التَّشَكُّلِ بِأَشْكَالٍ مُخْتَلِفَةٍ لَهَا عُقُولٌ وَأَفْهَامٌ وَقُدْرَةٌ عَلَى الْأَعْمَالِ الشَّاقَّةِ (صِنْفٌ) وَفِي رِوَايَةٍ: فَصِنْفٌ مُبْتَدَأٌ وَخَبَرُهُ مَحْذُوفٌ أَيْ مِنْهُمْ صِنْفٌ لَهُمْ أَجْنِحَةٌ (يَطِيرُونَ) أَيْ بِهَا كَمَا فِي رِوَايَةٍ " فِي الْهَوَاءِ وَصِنْفٌ " أَيْ وَمِنْهُمْ صِنْفُ " حَيَّاتٌ وَكِلَابٌ، وَصِنْفٌ يَحُلُّونَ " بِضَمِّ الْحَاءِ وَبِكَسْرٍ أَيْ يَنْزِلُونَ وَيُقِيمُونَ تَارَةً " وَيَظْعَنُونَ " أَيْ يُسَافِرُونَ وَيَحِلُّونَ أَيْ مَرَّةً أُخْرَى، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ﴾ [النحل: ٨٠] فَفِي الْقَامُوسِ: ظَعَنَ كَمَنَعَ ظَعْنًا وَيُحَرَّكُ سَارَ (رَوَاهُ): أَيْ صَاحِبُ الْمَصَابِيحِ (فِي شَرْحِ السُّنَّةِ) أَيْ بِإِسْنَادِهِ وَكَذَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ وَالْحَاكِمُ، وَقَالَ: صَحِيحُ الْإِسْنَادِ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي الْأَسْمَاءِ عَنْهُ، وَرَوَى ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا فِي كِتَابِ مَكَائِدِ الشَّيْطَانِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي الدَّرْدَاءِ: أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ " خَلَقَ اللَّهُ تَعَالَى الْجِنَّ ثَلَاثَةَ أَصْنَافٍ: حَيَّاتٌ وَعَقَارِبُ وَخَشَاشُ الْأَرْضِ، هُوَ بِتَثْلِيثِ أَوَّلِهِ وَالْفَتْحُ أَشْهَرُ: حَشَرَاتُهَا وَهَوَامُّهَا، وَصِنْفٌ كَالرِّيحِ فِي الْهَوَاءِ وَصِنْفٌ عَلَيْهِ الْحِسَابُ وَالْعِقَابُ. وَخَلَقَ اللَّهُ تَعَالَى الْإِنْسَ ثَلَاثَةَ أَصْنَافٍ: صَنْفٌ كَالْبَهَائِمِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا. وَصِنْفٌ أَجْسَادُهُمْ أَجْسَادُ بَنِي آدَمَ وَأَرْوَاحُهُمْ أَرْوَاحُ الشَّيَاطِينِ. وَصِنْفٌ كَالْمَلَائِكَةِ فِي ظِلِّ اللَّهِ تَعَالَى يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظَلُّهُ ".
[ ٧ / ٢٦٨٥ ]