[ ٧ / ٢٦٩١ ]
كِتَابُ الْأَطْعِمَةِ.
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ.
٤١٥٩ - «عَنْ عُمَرَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ - ﵁ - قَالَ: كُنْتُ غُلَامًا فِي حِجْرِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - وَكَانَتْ يَدِي تَطِيشُ فِي الصَّحْفَةِ. فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: " سَمِّ اللَّهَ وَكُلْ بِيَمِينِكَ، وَكُلْ مِمَّا يَلِيكَ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
_________________
(١) كِتَابُ الْأَطْعِمَةِ. فِي الْقَامُوسِ: الطَّعَامُ، الْبُرُّ مَا يُؤْكَلُ وَجَمْعُهُ أَطْعِمَةٌ وَالْمُرَادُ مَا يُؤْكَلُ بَلْ وَمَا يُشْرَبُ أَيْضًا فَفِيهِ تَغْلِيبٌ، أَوْ مِنْ طَعِمَ كَعَلِمَ طُعْمًا - بِالضَّمِّ - ذَاقَ. الْفَصْلُ الْأَوَّلُ.
(٢) (عَنْ عُمَرَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ)، أَيْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْأَسَدِ الْمَخْزُومِيِّ الْقُرَشِيِّ، وَعُمْرُ هَذَا رَبِيبُ النَّبِيِّ - ﷺ - وَأُمُّهُ أُمُّ سَلَمَةَ زَوْجُ النَّبِيِّ - ﷺ - وُلِدَ بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ، السَّنَةَ الثَّانِيَةَ مِنَ الْهِجْرَةِ، وَقُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - وَلَهُ تِسْعُ سِنِينَ، فَمَاتَ زَمَنَ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ بِالْمَدِينَةِ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَثَمَانِينَ، حَفِظَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - أَحَادِيثَ، وَرَوَى عَنْهُ جَمَاعَةٌ. (قَالَ: كُنْتُ غُلَامًا): أَيْ صَبِيًّا (فِي حِجْرِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -) بِفَتْحِ الْحَاءِ وَيُكْسَرُ أَيْ فِي حِضْنِهِ يُرَبِّينِي تَرْبِيَةَ الْأَوْلَادِ (وَكَانَتْ يَدِي): أَيْ أَحْيَانًا عَلَى مُقْتَضَى عَادَةِ الصِّغَارِ (تَطِيشُ): أَيْ تَدُورُ إِلَى الصَّحْفَةِ) . أَيْ حَوَالَيْهَا مِنْ: طَاشَ السَّهْمُ إِذَا عَدَلَ عَنِ الْهَدَفِ، وَقِيلَ: أَيْ تَخِفُّ وَتَتَنَاوَلُ فِيِ الْقَصْعَةِ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ، قِيلَ: الصَّحْفَةُ مَا يَشْبَعُ مِنْهَا خَمْسَةٌ، وَالْقَصْعَةُ مَا يَشْبَعُ مِنْهَا عَشَرَةٌ. (فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - سَمِّ اللَّهَ: أَيْ قُلْ بِاسْمِ اللَّهِ أَوِ اذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ (وَكُلْ بِيَمِينِكَ، وَكُلْ مِمَّا يَلِيكَ) . أَيْ مِمَّا يَقْرَبُكَ لَا مِنْ كُلِّ جَانِبٍ، ذَهَبَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ إِلَى أَنَّ الْأَوَامِرَ الثَّلَاثَةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ لِلنَّدْبِ، وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّ الْأَمْرَ بِالْأَكْلِ بِالْيَمِينِ لِلْوُجُوبِ. قَالَ النَّوَوِيُّ: " فِي اسْتِحْبَابِ التَّسْمِيَةِ فِي ابْتِدَاءِ الطَّعَامِ، وَأَنْ يَجْهَرَ بِهَا لِيُسْمِعَ غَيْرَهُ ". قُلْتُ: لَا دَلَالَةَ فِي الْحَدِيثِ عَلَى الْجَهْرِ، وَلَعَلَّهُ يُؤْخَذُ مِنْ مَحَلٍّ آخَرَ. قَالَ: وَالتَّسْمِيَةُ فِي شُرْبِ الْمَاءِ وَاللَّبَنِ وَالْعَسَلِ وَالْمَرَقِ وَالدَّوَاءِ وَسَائِرِ الْمَشْرُوبَاتِ كَالتَّسْمِيَةِ عَلَى الطَّعَامِ، وَيَنْبَغِي أَنْ يُسَمِّيَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْآكِلِينَ، فَإِنْ سَمَّى وَاحِدٌ مِنْهُمْ حَصَلَ أَصْلُ السُّنَّةِ. قُلْتُ: هُوَ خِلَافُ مَا عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ أَنَّهُ سُنَّةٌ فِي حَقِّ كُلِّ وَاحِدٍ، قَالَ: وَفِيهِ اسْتِحْبَابُ الْأَكْلِ مِمَّا يَلِيهِ؛ لِأَنَّ أَكْلَهُ مِنْ مُوَضِعِ يَدِ صَاحِبِهِ سُوءُ عِشْرَةٍ وَتَرْكُ مَوَدَّةٍ لِنُفُورِهِ لَا سِيَّمَا فِي الْأَمْرَاقِ وَأَشْبَاهِهَا. قُلْتُ: وَفِيهِ أَنَّ أَكْلَ مَا يَلِيهِ سُنَّةٌ، وَلَوْ كَانَ وَحْدَهُ عَلَى مَا صَرَّحَ بِهِ الشَّافِعِيَّةُ وَغَيْرُهُمْ. قَالَ: فَإِنْ كَانَ تَمْرًا فَقَدْ نَقَلُوا إِبَاحَةَ اخْتِلَافِ الْأَيْدِي فِي الطَّبَقِ، وَالَّذِي يَنْبَغِي تَعْمِيمُ النَّهْيِ حَمْلًا عَلَى عُمُومِهِ حَتَّى يَثْبُتَ دَلِيلٌ مُخَصِّصٌ. قُلْتُ: سَيَأْتِي حَدِيثُ التِّرْمِذِيِّ فِي أَوَاخِرِ الْفَصْلِ الثَّانِي مِنْ هَذَا الْبَابِ أَنَّهُ - ﷺ - «قَالَ فِي أَكْثَرِ التَّمْرِ: " يَا عِكْرَاشُ كُلْ مِنْ حَيْثُ شِئْتَ ; فَإِنَّهُ مِنْ غَيْرِ لَوْنٍ وَاحِدٍ» ". (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) . وَفِي الشَّمَائِلِ لِلتِّرْمِذِيِّ «عَنْ عُمَرَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ، أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - وَعِنْدَهُ طَعَامٌ فَقَالَ: " ادْنُ يَا بُنَيَّ فَسَمِّ اللَّهَ تَعَالَى وَكُلْ بِيَمِينِكَ وَكُلْ مِمَّا يَلِيكَ» " فَتَأَمَّلْ، وَفِي الْحَدِيثَيْنِ إِيمَاءٌ لِلِاحْتِيَاجِ إِلَى التَّطْبِيقِ، وَاللَّهُ وَلِيُّ التَّوْفِيقِ.
[ ٧ / ٢٦٩٢ ]
٤١٦٠ - وَعَنْ حُذَيْفَةَ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: " «إِنَّ الشَّيْطَانَ يَسْتَحِلُّ الطَّعَامَ أَنْ لَا يُذْكَرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
_________________
(١) (وَعَنْ حُذَيْفَةَ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - «إِنَّ الشَّيْطَانَ يَسْتَحِلُّ الطَّعَامَ»): أَيْ يَتَمَكَّنُ مِنْ أَكْلِهِ أَوْ تَصَرُّفِهِ فِي غَيْرِ مَرْضَاةِ رَبِّهِ (أَنْ): أَيْ بِأَنْ أَوْ لِأَجْلِ أَنْ لَا يُذْكَرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ)، أَيِ ابْتِدَاءً أَوْ بَعْدَ التَّذَكُّرِ، وَلَوْ أَثْنَاءً أَوِ انْتِهَاءً، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ يَكْفِي عُمُومُ ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى وَلَوْ بِالْجَنَانِ، وَلَكِنَّ الْمُعْتَمَدَ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ لَفْظِ التَّسْمِيَةِ بِاللِّسَانِ. قَالَ النَّوَوِيُّ: " وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى ظَاهِرِهِ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَأْكُلُ حَقِيقَةً، إِذِ الْعَقْلُ لَا يُحِيلُهُ وَالشَّرْعُ لَمْ يُنْكِرْهُ، بَلْ ثَبَتَ فَوَجَبَ قَبُولُهُ وَاعْتِقَادُهُ، وَقَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: " الْمَعْنَى أَنَّهُ يَجِدُ سَبِيلًا إِلَى تَطْيِيرِ بَرَكَةِ الطَّعَامِ بِتَرْكِ التَّسْمِيَةِ عَلَيْهِ فِي أَوَّلِ مَا يَتَنَاوَلُهُ الْمُتَنَاوِلُونَ، وَذَلِكَ حَظُّهُ مِنْ ذَلِكَ الطَّعَامِ، وَمَعْنَى الِاسْتِحْلَالِ هُوَ أَنَّ تَسْمِيَةَ اللَّهِ تَمْنَعُهُ عَنِ الطَّعَامِ، كَمَا أَنَّ التَّحْرِيمَ يَمْنَعُ الْمُؤْمِنَ عَنْ تَنَاوُلِ مَا حُرِّمَ عَلَيْهِ، وَالِاسْتِحْلَالُ اسْتِنْزَالُ الشَّيْءِ الْمُحَرَّمِ مَحَلَّ الْحَلَالِ، وَهُوَ فِي الْأَصْلِ مُسْتَعَارٌ مَنْ حَلَّ الْعُقْدَةِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: " كَأَنَّهُ أَرَادَ أَنَّ تَرْكَ التَّسْمِيَةِ إِذْنٌ لِلشَّيْطَانِ مِنَ اللَّهِ فِي تَنَاوُلِهِ، كَمَا أَنَّ التَّسْمِيَةَ مَنْعٌ لَهُ مِنْهُ، فَيَكُونُ اسْتِعَارَةً تَبَعِيَّةً، " وَأَنْ " فِي أَنْ لَا يَذْكُرَ مَصْدَرِيَّةٌ وَاللَّامُ مَقَدَّرَةٌ أَوِ الْوَقْتُ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ)
[ ٧ / ٢٦٩٢ ]
٤١٦١ - وَعَنْ جَابِرٍ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: «إِذَا دَخَلَ الرَّجُلُ بَيْتَهُ فَذَكَرَ اللَّهَ عِنْدَ دُخُولِهِ، وَعِنْدَ طَعَامِهِ؟ قَالَ الشَّيْطَانُ: لَا مَبِيتَ لَكُمْ وَلَا عَشَاءَ. وَإِذَا دَخَلَ فَلَمْ يَذْكُرِ اللَّهَ عِنْدَ دُخُولِهِ ; قَالَ الشَّيْطَانُ: أَدْرَكْتُمُ الْمَبِيتَ وَإِذَا لَمْ يَذْكُرِ اللَّهَ عِنْدَ طَعَامِهِ، قَالَ: أَدْرَكْتُمُ الْمَبِيتَ وَالْعَشَاءَ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
_________________
(١) (وَعَنْ جَابِرٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: إِذَا دَخَلَ الرَّجُلُ بَيْتَهُ): أَيْ مَسْكَنَهُ الَّذِي يَبِيتُ فِيهِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ أَعَمُّ مِنْهُ (فَذَكَرَ اللَّهَ عِنْدَ دُخُولِهِ، وَعِنْدَ طَعَامِهِ): أَيْ مُطْلَقًا (قَالَ الشَّيْطَانُ): أَيْ لِأَتْبَاعِهِ (لَا مَبِيتَ) أَيْ لَا مَوْضِعَ بَيْتُوتَةٍ (لَكُمْ): وَالْأَظْهَرُ أَنَّ الْمُرَادَ لَا مُقَامَ لَكُمْ (وَلَا عَشَاءَ) بِفَتْحِ الْعَيْنِ، وَالْمَدِّ، هُوَ الطَّعَامُ الَّذِي يُؤْكَلُ فِي الْعَشِيَّةِ، وَهِيَ مِنْ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ إِلَى صَلَاةِ الْعِشَاءِ بِكَسْرِ الْعَيْنِ، وَيُقَالُ مَا بَيْنَ الْعِشَاءَيْنِ تَغْلِيبًا، وَالْمَعْنَى: لَا يَتَيَسَّرُ لَكُمُ الْمُقَامُ وَلَا الطَّعَامُ فِي هَذَا الْمَكَانِ. قَالَ الْقَاضِي: الْمُخَاطَبُ بِهِ أَعْوَانُهُ أَيْ لَا حَظَّ وَلَا فُرْصَةَ لَكُمُ اللَّيْلَةَ مِنْ أَهْلِ هَذَا الْبَيْتِ؟ فَإِنَّهُمْ قَدْ أَحْرَزُوا عَنْكُمْ أَنْفُسَهُمْ وَطَعَامَهُمْ، وَتَحْقِيقُ ذَلِكَ أَنَّ انْتِهَازَ الشَّيْطَانِ فُرْصَةً مِنَ الْإِنْسَانِ إِنَّمَا يَكُونُ حَالَ الْغَفْلَةِ وَالنِّسْيَانِ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ، فَإِذَا كَانَ الرَّجُلُ مُتَيَقِّظًا مُحْتَاطًا ذَاكِرًا لِلَّهِ فِي جُمْلَةِ حَالَاتِهِ لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ إِغْوَائِهِ وَتَسْوِيلِهِ، وَأَيِسَ عَنْهُ بِالْكُلِّيَّةِ. وَقَالَ الْمُظْهِرُ، وَالْأَشْرَفُ: " وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمُخَاطَبُ بِهِ الرَّجُلَ وَأَهْلَ بَيْتِهِ عَلَى سَبِيلِ الدُّعَاءِ عَلَيْهِمْ مِنَ الشَّيْطَانِ ". قَالَ الطِّيبِيُّ: وَهُوَ بَعِيدٌ لِقَوْلِهِ بَعْدَهُ: وَإِذَا دَخَلَ فَلَمْ يَذْكُرِ اللَّهَ عِنْدَ دُخُولِهِ قَالَ الشَّيْطَانُ: " أَدْرَكْتُمُ الْمَبِيتَ وَالْعَشَاءَ ". وَالْمُخَاطَبُونَ أَعْوَانُهُ. قُلْتُ: وَلَا مَانِعَ مِنْ أَنْ يَكُونَ دُعَاءً لِأَهْلِ الْبَيْتِ، وَأَمَّا تَخْصِيصُ الْمَبِيتِ وَالْعَشَاءِ فَلِغَالِبِ الْأَحْوَالِ لِأَنَّ ذَلِكَ صَادِقٌ فِي عُمُومِ الْأَفْعَالِ ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ، وَقَدْ قَالَ شَارِحٌ: الْمَبِيتُ مَصْدَرٌ أَوْ مَكَانٌ، وَالْعَشَاءُ بِالْفَتْحِ مَا يُؤْكَلُ وَقْتَ الْعِشَاءِ وَبِالْكَسْرِ وَيُسْتَعْمَلُ فِيمَا يُؤْكَلُ فِي غَيْرِ وَقْتِ الْعِشَاءِ أَيْضًا، وَالْخِطَابُ إِمَّا لِأَوْلَادِهِ وَأَعْوَانِهِ أَيْ لَا يَحْصُلُ لَكُمْ مَسْكَنٌ وَطَعَامٌ، بَلْ صِرْتُمْ مَحْرُومِينَ بِسَبَبِ التَّسْمِيَةِ، وَذَلِكَ أَنَّ نِسْيَانَ الذِّكْرِ يَقَعُ مِنْهُ مَوْقِعَ الْغِذَاءِ مِنَ الْإِنْسَانِ لِتَلَذُّذِهِ بِذَلِكَ وَتَقَوِّيهِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ إِصَابَتُهُ مِنَ الطَّعَامِ التَّقَوِّي بِرَائِحَتِهِ، وَالذِّكْرُ هُوَ الْمَانِعُ لَهُ عَنْ حُضُورِ الطَّعَامِ، وَإِمَّا لِأَهْلِ الْبَيْتِ عَلَى سَبِيلِ الدُّعَاءِ أَيْ جُعِلْتُمْ مَحْرُومِينَ كَمَا جَعَلْتُمُونِي مَحْرُومًا. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
[ ٧ / ٢٦٩٣ ]
٤١٦٢ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ - ﵄ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ: - ﷺ - «إِذَا أَكَلَ أَحَدُكُمْ فَلْيَأْكُلْ بِيَمِينِهِ، وَإِذَا شَرِبَ فَلْيَشْرَبْ بِيَمِينِهِ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
_________________
(١) (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ - ﵄ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: «إِذَا أَكَلَ أَحَدُكُمْ فَلْيَأْكُلْ بِيَمِينِهِ، وَإِذَا شَرِبَ»): أَيْ أَحَدُكُمْ مَائِعًا (فَلْيَشْرَبْ بِيَمِينِهِ)، ظَاهِرُ الْأَمْرِ فِيهِمَا لِلْوُجُوبِ كَمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ بَعْضُهُمْ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ: أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - «رَأَى رَجُلًا يَأْكُلُ بِشِمِالِهِ فَقَالَ لَهُ: كُلْ بِيَمِينِكَ، قَالَ: لَا أَسْتَطِيعُ، فَقَالَ: لَا اسْتَطَعْتَ " فَمَا رَفَعَهَا إِلَى فِيهِ بَعْدُ»، وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ: أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - «رَأَى سُبَيْعَةَ الْأَسْلَمِيَّةَ تَأْكُلُ بِشِمَالِهَا فَدَعَا عَلَيْهَا، فَأَصَابَهَا طَاعُونٌ فَمَاتَتْ»، وَحَمَلَهُ الْجُمْهُورُ عَلَى الزَّجْرِ وَالسِّيَاسَةِ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
[ ٧ / ٢٦٩٣ ]
٤١٦٣ - وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: " «لَا يَأْكُلَنَّ أَحَدُكُمْ بِشِمَالِهِ وَلَا يَشْرَبَنَّ بِهَا» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
_________________
(١) (وَعَنْهُ): أَيْ عَنِ ابْنِ عُمَرَ - ﵄ - (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: «لَا يَأْكُلَنَّ أَحَدُكُمْ بِشِمَالِهِ وَلَا يَشْرَبَنَّ بِهَا، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَأْكُلُ بِشِمَالِهِ وَيَشْرَبُ بِهَا») قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: الْمَعْنَى أَنَّهُ يَحْمِلُ أَوْلِيَاءَهُ مِنَ الْإِنْسِ عَلَى ذَلِكَ الصَّنِيعِ لِيُضَادَّ بِهِ عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ. ثُمَّ إِنَّ مِنْ حَقِّ نِعْمَةِ اللَّهِ وَالْقِيَامِ بِشُكْرِهَا أَنْ تُكْرَمَ وَلَا يُسْتَهَانَ بِهَا، وَمِنْ حَقِّ الْكَرَامَةِ أَنْ تُتَنَاوَلَ بِالْيَمِينِ وَيُمَيَّزَ بِهَا بَيْنَ مَا كَانَ مِنَ النِّعْمَةِ، وَبَيْنَ مَا كَانَ مِنَ الْأَذَى. قَالَ الطِّيبِيُّ: وَتَحْرِيرُهُ أَنْ يُقَالَ: لَا يَأْكُلَنَّ أَحَدُكُمْ بِشِمَالِهِ وَلَا يَشْرَبَنَّ بِهَا، فَإِنَّكُمْ إِنْ فَعَلْتُمْ ذَلِكَ كُنْتُمْ أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَحْمِلُ أَوْلِيَاءَهُ مِنَ الْإِنْسِ عَلَى ذَلِكَ. قَالَ النَّوَوِيُّ: فِيهِ أَنَّهُ يَنْبَغِي اجْتِنَابُ الْأَفْعَالِ الَّتِي تُشْبِهُ أَفْعَالَ الشَّيَاطِينِ وَأَنَّ لِلشَّيْطَانِ يَدَيْنِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: حَمَلَ الْحَدِيثَ عَلَى ظَاهِرِهِ كَمَا سَبَقَ فِي الْحَدِيثِ السَّابِقِ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) . وَكَذَا أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ عَنْ جَابِرٍ - ﵁ - وَلَفْظُهُ: " «لَا تَأْكُلُوا
[ ٧ / ٢٦٩٣ ]
بِالشِّمَالِ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَأْكُلُ بِالشِّمَالِ» . وَرَوَاهُ الْحَسَنُ بْنُ سُفْيَانَ فِي مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَلَفْظُهُ: " «إِذَا أَكَلَ أَحَدُكُمْ فَلْيَأْكُلْ بِيَمِينِهِ وَلِيَشْرَبْ بِيَمِينِهِ وَلِيَأْخُذْ بِيَمِينِهِ وَلْيُعْطِ بِيَمِينِهِ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَأْكُلُ بِشِمَالِهِ وَيَشْرَبُ بِشِمَالِهِ وَيُعْطِي بِشِمَالِهِ وَيَأْخُذُ بِشِمَالِهِ» ".
[ ٧ / ٢٦٩٤ ]
٤١٦٤ - وَعَنْ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ - ﵁ - قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - يَأْكُلُ بِثَلَاثَةِ أَصَابِعَ، وَيَلْعَقُ يَدَهُ قَبْلَ أَنْ يَمْسَحَهَا» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
_________________
(١) (وَعَنْ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ يَأْكُلُ بِثَلَاثَةِ أَصَابِعَ»)، أَيِ الْإِبْهَامِ وَالْمُسَبِّحَةِ وَالْوُسْطَى. قَالَ النَّوَوِيُّ: الْأَكْلُ بِالثَّلَاثِ سُنَّةٌ، فَلَا يَضُمُّ إِلَيْهَا الرَّابِعَةَ وَالْخَامِسَةَ إِلَّا لِضَرُورَةٍ (وَيَلْعَقُ): بِفَتْحِ الْعَيْنِ أَيْ يَلْحَسُ (يَدَهُ): أَيْ أَصَابِعَهَا، وَيُقَدِّمُ الْوُسْطَى ثُمَّ مَا يَلِيهَا ثُمَّ الْإِبْهَامَ قَبْلَ أَنْ يَمْسَحَهَا) أَيْ بِالْمَنْدِيلِ قَبْلَ اللَّعْقِ، كَمَا هُوَ عَادَةُ الْجَبَابِرَةِ. قَالَ النَّوَوِيُّ: مِنْ سُنَنِ الْأَكْلِ لَعْقُ الْيَدِ مُحَافَظَةً عَلَى بَرَكَةِ الطَّعَامِ وَتَنْظِيفًا لَهَا. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) . وَكَذَا أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ. وَفِي حَدِيثِ أَنَسٍ، رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَمُسْلِمٌ وَالثَّلَاثَةُ: " «كَانَ إِذَا أَكَلَ طَعَامًا لَعَقَ أَصَابِعَهُ الثَّلَاثَةَ» ". وَلَفْظُ التِّرْمِذِيِّ عَنْ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ يَأْكُلُ بِأَصَابِعِهِ الثَّلَاثَةِ وَيَلْعَقُهُنَّ. وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ عَنْ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ بِلَفْظِ: " «كَانَ يَأْكُلُ بِثَلَاثِ أَصَابِعَ وَيَسْتَعِينُ بِالرَّابِعَةِ» ". وَفِي حَدِيثٍ مُرْسَلٍ: " أَنَّهُ - ﷺ - كَانَ إِذَا أَكَلَ بِخَمْسٍ، وَلَعَلَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى الْمَائِعِ، أَوْ عَلَى الْقَلِيلِ النَّادِرِ لِبَيَانِ الْجَوَازِ، فَإِنَّ عَادَتَهُ فِي أَكْثَرِ الْأَوْقَاتِ هُوَ الْأَكْلُ بِثَلَاثِ أَصَابِعَ وَلَعْقُهَا بَعْدَ الْفَرَاغِ، وَإِنَّمَا اقْتَصَرَ عَلَى الثَّلَاثَةِ ; لِأَنَّهُ الْأَنْفَعُ، إِذِ الْأَكْلُ بِإِصْبَعٍ وَاحِدَةٍ مَعَ أَنَّهُ فِعْلُ الْمُتَكَبِّرِينَ لَا يَسْتَلِذُّ بِهِ الْآكِلُ، وَلَا يَسْتَمْرِئُ بِهِ لِضَعْفِ مَا يَنَالُهُ مِنْهُ كُلَّ مَرَّةٍ، فَهُوَ كَمَنْ أَخَذَ حَقَّهُ حَبَّةً حَبَّةً، وَبِالْأُصْبُعَيْنِ مَعَ أَنَّهُ فِعْلُ الشَّيَاطِينِ لَيْسَ فِيهِ اسْتِلْذَاذٌ كَامِلٌ، مَعَ أَنَّهُ يُفَوِّتُ الْفَرْدِيَّةَ، وَاللَّهُ وِتْرٌ يُحِبُّ الْوِتْرَ، وَبِالْخَمْسِ مَعَ أَنَّهُ فِعْلُ الْحَرِيصِينَ يُوجِبُ ازْدِحَامَ الطَّعَامِ عَلَى مَجْرَاهُ مِنَ الْعَادَةِ، وَرُبَّمَا اسْتَدَّ مَجْرَاهُ فَأَوْجَبَ الْمَوْتَ فَوْرًا وَفَجْأَةً.
[ ٧ / ٢٦٩٤ ]
٤١٦٥ - وَعَنْ جَابِرٍ - ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - «أَمَرَ بِلَعْقِ الْأَصَابِعِ وَالصَّفْحَةِ، وَقَالَ: " إِنَّكُمْ لَا تَدْرُونَ: فِي أَيَّهِ الْبَرَكَةُ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
_________________
(١) (وَعَنْ جَابِرٍ - ﵁ - أَنَّ): وَفِي نُسْخَةٍ قَالَ: إِنَّ (النَّبِيَّ - ﷺ - «أَمَرَ بِلَعْقِ الْأَصَابِعِ وَالصَّحْفَةِ»): أَيْ بِلَعْقِهِمَا، وَالْوَاوُ لِمُطْلَقِ الْجَمْعِ، فَإِنَّ الصَّحْفَةَ تُلْعَقُ أَوَّلًا، وَقَالَ: (إِنَّكُمْ لَا تَدْرُونَ فِي أَيَّةٍ): بِتَاءِ التَّأْنِيثِ أَيْ فِي أَيِّ إِصْبَعٍ وَلُقْمَةٍ مِنَ الطَّعَامِ (الْبَرَكَةُ؟): أَيْ حَاصِلَةٌ أَوْ تَكُونُ الْبَرَكَةُ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: " الْمُضَافُ إِلَيْهِ مَحْذُوفٌ أَيْ أَيَّةِ أُكْلَةٍ أَوْ طُعْمَةٍ " اهـ. وَفِي نُسْخَةٍ " أَيِّهِ " بَهَاءِ الضَّمِيرِ،) أَيْ فِي أَيِّ طَعَامِهِ يَعْنِي فِي الطَّعَامِ الَّذِي أَكَلَهُ، أَمْ فِي الَّذِي لَعِقَ مِنْ أَصَابِعِهِ، وَيُؤَيِّدُهُ الرِّوَايَةُ الْآتِيَةُ فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي فِي أَيِّ طَعَامِهِ تَكُونُ الْبَرَكَةُ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
[ ٧ / ٢٦٩٤ ]
٤١٦٦ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄: أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: " «إِذَا أَكَلَ أَحَدُكُمْ فَلَا يَمْسَحْ يَدَهُ حَتَّى يَلْعَقَهَا أَوْ يُلْعِقَهَا» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
_________________
(١) (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ - أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: «إِذَا أَكَلَ أَحَدُكُمْ فَلَا يَمْسَحْ يَدَهُ حَتَّى يَلْعَقَهَا»): بِفَتْحِ الْيَاءِ وَالْعَيْنِ أَيْ يَلْحَسَ أَصَابِعَ يَدِهِ (أَوْ يُلْعِقَهَا) بِضَمِّ الْيَاءِ وَكَسْرِ الْعَيْنِ أَيْ: يُلْعِقَهَا غَيْرَهُ مِمَّنْ لَمْ يَقْذُرْهُ كَالزَّوْجَةِ، وَالْجَارِيَةِ وَالْوَلَدِ وَالْخَادِمِ؟ لِأَنَّهُمْ يَتَلَذَّذُونَ بِذَلِكَ، وَفِي مَعْنَاهُمُ التِّلْمِيذُ، وَمَنْ يَعْتَقِدُ التَّبَرُّكَ بِلَعْقِهَا، ذَكَرَهُ النَّوَوِيُّ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) . وَرَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ عَنْهُ، وَرَوَاهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ عَنْ جَابِرٍ بِزِيَادَةِ: " فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي فِي أَيِّ طَعَامِهِ الْبَرَكَةُ ".
[ ٧ / ٢٦٩٤ ]
٤١٦٧ - وَعَنْ جَابِرٍ - ﵁ - قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - يَقُولُ: " «إِنَّ الشَّيْطَانَ يَحْضُرُ أَحَدَكُمْ عِنْدَ كُلِّ شَيْءٍ مِنْ شَأْنِهِ " حَتَّى يَحْضُرَهُ عِنْدَ طَعَامِهِ، فَإِذَا سَقَطَتْ مِنْ أَحَدِكُمُ اللُّقْمَةُ فَلْيُمِطْ مَا كَانَ بِهَا مِنْ أَذًى، ثُمَّ يَأْكُلْهَا وَلَا يَدَعُهَا لِلشَّيْطَانِ، فَإِذَا فَرَغَ فَلْيَلْعَقْ أَصَابِعَهُ، فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي: فِي أَيِّ طَعَامِهِ يَكُونُ الْبَرَكَةُ؟» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
_________________
(١) (وَعَنْ جَابِرٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - يَقُولُ: «إِنَّ الشَّيْطَانَ يَحْضُرُ أَحَدَكُمْ عِنْدَ كُلِّ شَيْءٍ مِنْ شَأْنِهِ»): صِفَةٌ " شَيْءٍ " أَيْ عِنْدَ كُلِّ شَيْءٍ مِنْ فِعْلِ ذَلِكَ الْأَحَدِ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: أَيْ
[ ٧ / ٢٦٩٤ ]
شَيْءٌ كَائِنٌ مِنْ شَأْنِ الشَّيْطَانِ حُضُورُهُ عِنْدَهُ. (حَتَّى يَحْضُرَهُ): أَيِ الشَّيْطَانُ ذَلِكَ الْأَحَدَ («عِنْدَ طَعَامِهِ، فَإِذَا سَقَطَتْ مِنْ أَحَدِكُمُ اللُّقْمَةُ فَلْيُمِطْ»): بِضَمِّ الْيَاءِ وَكَسْرِ الْمِيمِ أَيْ: فَلْيُزِلْ (مَا كَانَ بِهَا مِنْ أَذًى): أَيْ مَا يُسْتَقْذَرُ بِهِ مِنْ نَحْوِ تُرَابٍ (ثُمَّ لِيَأْكُلْهَا): بِكَسْرِ اللَّامِ وَيُسَكَّنُ، وَإِنْ وَقَعَتْ عَلَى نَجَسٍ فَلْيَغْسِلْهَا إِنْ أَمْكَنَ، وَإِلَّا أَطْعَمَهَا نَحْوَ هِرَّةٍ أَوْ كَلْبٍ (وَلَا يَدَعْهَا): بِفَتْحِ الدَّالِّ أَيْ لَا يَتْرُكْهَا لِلشَّيْطَانِ) . قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: إِنَّمَا صَارَ تَرْكُهَا لِلشَّيْطَانِ لِأَنَّ فِيهِ إِضَاعَةَ نِعْمَةِ اللَّهِ وَالِاسْتِحْقَارَ بِهَا مِنْ غَيْرِ مَا بَأْسٍ، ثُمَّ إِنَّهُ مِنْ أَخْلَاقِ الْمُتَكَبِّرِينَ، وَالْمَانِعُ عَنْ تَنَاوُلِ تِلْكَ اللُّقْمَةِ فِي الْغَالِبِ هُوَ الْكِبْرُ، وَذَلِكَ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ. («فَإِذَا فَرَغَ فَلْيَلْعَقْ أَصَابِعَهُ فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي: فِي أَيِّ طَعَامِهِ»): أَيْ أَجْزَائِهِ (تَكُونُ): بِالتَّأْنِيثِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِالتَّذْكِيرِ أَيْ تَحْصُلُ وَتُوجَدُ (الْبَرَكَةُ) أَيِ الْمُفِيدَةُ لِلْقَنَاعَةِ أَوِ الْمُعِينَةُ عَلَى الطَّاعَةِ (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) . وَرَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَالطَّبَرَانِيِّ فِي الْكَبِيرِ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، وَفِي الْأَوْسَطِ عَنْ أَنَسٍ بِلَفْظِ: " «إِذَا أَكَلَ أَحَدُكُمْ طَعَامًا فَلْيَلْعَقْ أَصَابِعَهُ، فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي فِي أَيِّ طَعَامٍ تَكُونُ الْبَرَكَةُ» ". وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ جَابِرٍ بِسَنَدٍ حَسَنٍ وَلَفْظُهُ: " «إِذَا أَكَلَ أَحَدُكُمْ طَعَامًا فَسَقَطَتْ لُقْمَتُهُ فَلْيُمِطْ مَا رَابَهُ مِنْهَا ثُمَّ لِيَطْعَمْهَا وَلَا يَدَعْهَا لِلشَّيْطَانِ» ".
[ ٧ / ٢٦٩٥ ]
٤١٦٨ - وَعَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ - ﵁ - قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ: " «لَا آكُلُ مُتَّكِئًا» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
_________________
(١) (وَعَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ): بِضَمِّ الْجِيمِ وَفَتْحِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَبِالْفَاءِ، ذُكِرَ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - تُوُفِّيَ، وَهُوَ لَمْ يَبْلُغِ الْحُلُمَ، وَلَكِنَّهُ سَمِعَ مِنْهُ وَرَوَى عَنْهُ، مَاتَ بِالْكُوفَةِ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَسَبْعِينَ، رَوَى عَنْهُ ابْنُهُ وَجَمَاعَةٌ مِنَ التَّابِعِينَ - ﵃ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: " «لَا آكُلُ مُتَّكِئًا») . قَالَ الْخَطَّابِيُّ: يَحْسَبُ أَكْثَرُ الْعَامَّةِ أَنَّ الْمُتَّكِئَ هُوَ الْمَائِلُ الْمُعْتَمِدُ عَلَى أَحَدِ شِقَّيْهِ، وَلَيْسَ مَعْنَى الْحَدِيثِ مَا ذَهَبُوا إِلَيْهِ، فَإِنَّ الْمُتَّكِئَ، هَاهُنَا هُوَ الْمُعْتَمِدُ عَلَى الْوِطَاءِ، الَّذِي تَحْتَهُ، وَكُلُّ مَنِ اسْتَوَى قَاعِدًا عَلَى وِطَاءٍ فَهُوَ مُتَّكِئٌ، وَالْمَعْنَى أَنِّي إِذَا أَكَلْتُ لَمْ أَقْعُدْ مُتَمَكِّنًا عَلَى الْأَوْطِئَةِ، فِعْلَ مَنْ يُرِيدُ أَنْ يَسْتَكْثِرَ مِنَ الْأَطْعِمَةِ، وَلَكِنِّي آكُلُ عُلْقَةً مِنَ الطَّعَامِ، فَيَكُونُ قُعُودِي مُسْتَوْفِزًا لَهُ اهـ. وَفَسَّرَ الْأَكْثَرُونَ الِاتِّكَاءَ بِالْمَيْلِ عَلَى أَحَدِ الْجَانِبَيْنِ؛ لِأَنَّهُ يَضُرُّ بِالْآكِلِ، فَإِنَّهُ يَمْنَعُ مَجْرَى الطَّعَامِ الطَّبِيعِيَّ عَنْ هَيْئَتِهِ وَيَعُوقُهُ عَنْ سُرْعَةِ نُفُوذِهِ إِلَى الْمَعِدَةِ وَيَضْغَطُ الْمُعِدَةَ فَلَا يَسْتَحْكِمُ فَتْحَهَا لِلْغِذَاءِ، وَنُقِلَ فِي الشِّفَاءِ مِنَ الْمُحَقِّقِينَ أَنَّهُمْ فَسَّرُوهُ بِالتَّمَكُّنِ لِلْأَكْلِ، وَالْقُعُودِ فِي الْجُلُوسِ كَالْمُتَرَبِّعِ الْمُعْتَمِدِ عَلَى وِطَاءٍ تَحْتَهُ ; لِأَنَّ هَذِهِ الْهَيْئَةَ تَسْتَدْعِي كَثْرَةَ الْأَكْلِ، وَتَقْتَضِي الْكِبْرَ، وَوَرَدَ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ أَنَّهُ - ﷺ - «زَجَرَ أَنْ يَعْتَمِدَ الرَّجُلُ بِيَدِهِ الْيُسْرَى عِنْدَ الْأَكْلِ»، وَقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنِ النَّخَعِيِّ أَنَّهُمْ كَانُوا يَكْرَهُونَ أَنْ يَأْكُلُوا مُتَّكِئِينَ مَخَافَةَ أَنْ تَعْظُمَ بُطُونُهُمْ. قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ: وَيُذْكَرُ عَنْهُ - ﷺ - «أَنَّهُ كَانَ يَجْلِسُ لِلْأَكْلِ مُتَوَكِّئًا عَلَى رُكْبَتِهِ، وَيَضَعُ بَطْنَ قَدَمِهِ الْيُسْرَى تَوَاضُعًا لِلَّهِ ﷿ وَأَدَبًا بَيْنَ يَدَيْهِ» . قَالَ: وَهَذِهِ الْهَيْئَةُ أَنْفَعُ هَيْئَاتِ الْأَكْلِ وَأَفْضَلُهَا؟ لِأَنَّ الْأَعْضَاءَ كُلَّهَا تَكُونُ عَلَى وَضْعِهَا الطَّبِيعِيِّ الَّذِي خَلَقَهَا اللَّهُ عَلَيْهِ. (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) . وَلَفْظُ التِّرْمِذِيِّ: " أَمَّا أَنَا فَلَا آكُلُ مُتَّكِئًا ". وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: «لَا آكُلُ وَأَنَا مُتَّكِئٌ» ". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْبُخَارِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ.
[ ٧ / ٢٦٩٥ ]
٤١٦٩ - وَعَنْ قَتَادَةَ - ﵁ - عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: «مَا أَكَلَ النَّبِيُّ - ﷺ - عَلَى خِوَانٍ، وَلَا فِي سُكُرَّجَةٍ وَلَا خُبِزَ لَهُ مُرَقَّقٌ. قِيلَ لِقَتَادَةَ: عَلَامَ يَأْكُلُونَ؟ قَالَ: عَلَى السُفَرِ» ". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
_________________
(١) وَعَنْ قَتَادَةَ - ﵁ - عَنْ أَنَسٍ - ﵁ -): زِيَادَةُ قَتَادَةَ لِمَا سَيَأْتِي مِنَ الْفَائِدَةِ (قَالَ): أَيْ أَنَسٌ - ﵁ - (مَا أَكَلَ النَّبِيُّ - ﷺ -): أَيْ طَعَامًا (عَلَى خِوَانٍ): بِكَسْرِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَيُضَمُّ أَيْ مَائِدَةٍ. قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: الْخُوَانُ الَّذِي يُؤْكَلُ عَلَيْهِ مُعَرَّبٌ، وَالْأَكْلُ عَلَيْهِ لَمْ يَزَلْ مِنْ دَأْبِ الْمُتْرَفِينَ وَصَنِيعِ الْجَبَّارِينَ لِئَلَّا يَفْتَقِرُوا إِلَى التَّطَاطُؤِ عِنْدَ الْأَكْلِ. (وَلَا فِي سُكُرَّجَةٍ) بِضَمِّ السِّينِ وَالْكَافِ وَالرَّاءِ الْمُشَدَّدَةِ
[ ٧ / ٢٦٩٥ ]
وَبِفَتْحِ الْأَخِيرِ فِي النِّهَايَةِ: هِيَ إِنَاءٌ صَغِيرٌ فَارِسِيَّةٌ اهـ. وَقِيلَ: هِيَ قَصْعَةٌ صَغِيرَةٌ وَالْأَكْلُ مِنْهَا تَكَبُّرٌ وَمِنْ عَلَامَاتِ الْبُخْلِ وَقَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: الرُّوَاةُ يَضُمُّونَ الْأَحْرُفَ الثَّلَاثَةَ مِنْ أَوَّلِهَا، وَقِيلَ: إِنَّ الصَّوَابَ فَتْحُ الرَّاءِ مِنْهَا وَهُوَ الْأَشْبَهُ؛ لِأَنَّهُ فَارِسِيٌّ مُعَرَّبٌ، وَالرَّاءُ فِي الْأَصْلِ مِنْهُ مَفْتُوحَةٌ، وَالْعَجَمُ كَانَتْ تَسْتَعْمِلُهَا فِي الْكَوَامِيخِ وَمَا أَشْبَهَهَا مِنَ الْجَوَارِشَاتِ - يَعْنِي الْمُخَلَّلَاتِ - عَلَى الْمَوَائِدِ حَوْلَ الْأَطْعِمَةِ لِلتَّشَهِّي وَالْهَضْمِ، فَأَخْبَرَ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - لَمْ يَأْكُلْ عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ قَطُّ. (وَلَا خُبِزَ): مَاضٍ مَجْهُولٌ (لَهُ): أَيْ لِأَجْلِهِ - ﷺ - (مُرَقَّقٌ): أَيْ مُلَيَّنٌ مُحَسَّنٌ، كَخُبْزِ الْحُوَّارَى وَشِبْهِهِ، ذَكَرَهُ السُّيُوطِيُّ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُرَادَ بِهِ خُبْزُ الرِّقَاقِ وَهُوَ الْمُوَسَّعُ الدِّقَاقِ كَمَا هُوَ الْمُسْتَعْمَلُ فِي خُرَاسَانَ وَالْعِرَاقِ. (قِيلَ لِقَتَادَةَ: عَلَامَ يَأْكُلُونَ؟): أَيِ الصَّحَابَةُ الَّذِينَ يَقْتَدُونَ بِسُنَّتِهِ وَيَقْتَفُونَ آثَارَ طَرِيقَتِهِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِالْخِطَابِ،: وَهُوَ خِلَافُ الرِّوَايَةِ وَالدِّرَايَةِ، وَيَرُدُّهُ رِوَايَةُ: مَا كَانُوا يَأْكُلُونَ؟، وَفِي رِوَايَاتِ التِّرْمِذِيِّ. " قَالَ يُونُسُ: فَقُلْتُ لِقَتَادَةَ: فَعَلَى مَا كَانُوا يَأْكُلُونَ؟ "، قَالَ مِيرَكْشَاهْ: كَذَا هُوَ فِي نُسَخِ الشَّمَائِلِ بِإِشْبَاعِ فَتْحَةِ الْمِيمِ، وَكَذَا هُوَ عِنْدَ بَعْضِ رُوَاةِ الْبُخَارِيِّ وَعِنْدَ أَكْثَرِهِمْ فَعَلَامَ. بِمِيمٍ مُفْرَدَةٍ اهـ.
وَاعْلَمْ أَنَّ حَرْفَ الْجَرِّ إِذَا دَخَلَ عَلَى " مَا " الِاسْتِفْهَامِيَّةِ حُذِفَ الْأَلِفُ لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمَالِ، لَكِنْ قَدْ تَرِدُ فِي الِاسْتِعْمَالَاتِ الْقَلِيلَةِ عَلَى الْأَصْلِ نَحْوَ قَوْلِ حَسَّانَ: عَلَى مَا قَالَ يَشْتِمُنِي لَئِيمٌ
ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّهُ إِذَا اتَّصَلَ الْجَارُّ بِمَا الِاسْتِفْهَامِيَّةِ الْمَحْذُوفَةِ الْأَلِفِ نَحْوَ: حَتَّامَ وَعَلَامَ كُتِبَ مَعَهَا بِالْأَلِفِ لِشِدَّةِ الِاتِّصَالِ بِالْحُرُوفِ، وَالْمَعْنَى: عَلَى أَيِّ شَيْءٍ كَانُوا يَأْكُلُونَ. (قَالَ): أَيْ قَتَادَةُ (عَلَى السُّفَرِ): بِضَمٍّ فَفَتْحٍ جَمْعُ سُفَرَةٍ. فِي النِّهَايَةِ: السُّفْرَةُ الطَّعَامُ يَتَّخِذُهُ الْمُسَافِرُ، وَأَكْثَرُ مَا يُحْمَلُ فِي جِلْدٍ مُسْتَدِيرٍ، فَنُقِلَ اسْمُ الطَّعَامِ إِلَى الْجِلْدِ وَسُمِّيَ بِهِ كَمَا سُمِّيَتِ الْمَزَادَةُ رَاوِيَةً، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الْأَسْمَاءِ الْمَنْقُولَةِ اهـ.
ثُمَّ اشْتُهِرَتْ لِمَا يُوضَعُ عَلَيْهِ الطَّعَامُ جِلْدًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ، مَا عَدَا الْمَائِدَةَ لِمَا مَرَّ مِنْ أَنَّهَا شِعَارُ الْمُتَكَبِّرِينَ غَالِبًا، فَالْأَكْلُ عَلَيْهَا سُنَّةٌ وَعَلَى الْخِوَانِ بِدْعَةٌ، لَكِنَّهَا جَائِزَةٌ (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) .
[ ٧ / ٢٦٩٦ ]
٤١٧٠ - وَعَنْ أَنَسٍ - ﵁ - قَالَ: «مَا أَعْلَمُ النَّبِيَّ - ﷺ - رَأَى رَغِيفًا مُرَقَّقًا حَتَّى لَحِقَ بِاللَّهِ، وَلَا رَأَى شَاةً سَمِيطًا بِعَيْنِهِ قَطُّ» ". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
_________________
(١) (وَعَنْ أَنَسٍ - ﵁ - قَالَ: «مَا أَعْلَمُ النَّبِيَّ - ﷺ - رَأَى رَغِيفًا مُرَقَّقًا حَتَّى لَحِقَ بِاللَّهِ، وَلَا رَأَى شَاةً سَمِيطًا»): أَيْ مَشْوِيًّا مَعَ جِلْدِهِ مَعَ إِزَالَةِ شَعْرِهِ بِالْمَاءِ الْحَارِّ؟ لِأَنَّ فِيهِ تَنَعُّمًا فَأَعْرَضَ عَنْهُ تَكَرُّمًا، وَقَوْلُهُ: (بِعَيْنِهِ) تَأْكِيدٌ لِنَفْيِ الرُّؤْيَةِ وَرَفْعِ احْتِمَالِ التَّجَوُّزِ، وَفِي قَوْلِهِ (قَطُّ) إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُ لَمْ يَرَهُ مُطْلَقًا لَا فِي بَيْتِهِ وَلَا فِي بَيْتِ غَيْرِهِ قَالَ الطِّيبِيُّ: أَرَادَ أَنَسٌ - ﵁ - بِنَفْيِ الْعِلْمِ نَفْيَ الْمَعْلُومِ عَلَى طَرِيقَةِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ﴾ [يونس: ١٨] وَهُوَ مِنْ بَابِ نَفْيِ الشَّيْءِ بِنَفْيِ لَازِمِهِ، وَإِنَّمَا صَحَّ مِنْ أَنَسٍ لِأَنَّهُ لَازَمَ النَّبِيَّ - ﷺ - وَلَزِمَهُ وَلَمْ يُفَارِقْهُ. (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ)
[ ٧ / ٢٦٩٦ ]
٤١٧١ - وَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ - ﵁ - قَالَ: «مَا رَأَى رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - النَّقِيَّ مِنْ حِينِ ابْتَعَثَهُ اللَّهُ حَتَّى قَبَضَهُ اللَّهُ.
وَقَالَ: مَا رَأَى رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - مُنْخُلًا مِنْ حِينَ ابْتَعَثَهُ اللَّهُ حَتَّى قَبَضَهُ اللَّهُ، قِيلَ: كَيْفَ كُنْتُمْ تَأْكُلُونَ الشَّعِيرَ غَيْرَ مَنْخُولٍ؟، قَالَ كُنَّا نَطْحَنُهُ وَنَنْفُخُهُ، فَيَطِيرُ مَا طَارَ، وَمَا بَقِيَ ثَرَّيْنَاهُ فَأَكَلْنَاهُ» ". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
_________________
(١) (وَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ): - ﵄ - (قَالَ مَا رَأَى رَسُولُ اللَّهِ رَأْسَ النَّقِيِّ) بِفَتْحِ النُّونِ وَكَسْرِ الْقَافِ وَتَشْدِيدِ الْيَاءِ أَيِ الْخُبْزِ الْخَالِي مِنَ النُّخَالَةِ، قِيلَ: هُوَ الْحُوَّارَى بِضَمِّ الْحَاءِ وَتَشْدِيدِ الْوَاوِ وَفَتْحِ الرَّاءِ، وَهُوَ مَا بَقِيَ دَقِيقُهُ مِنَ النُّخَالَةِ وَمَا يَعِيبُهُ، وَقِيلَ: أَيْ مَا نُخِلَ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى حَتَّى يَصِيرَ نَظِيفًا أَبْيَضَ، وَيُقَالُ لَهُ بِالْفَارِسِيَّةِ " تَنِيدَهْ، وَالْمَعْنَى مَا رَآهُ فَضْلًا عَنْ أَكْلِهِ، فَفِيهِ مُبَالَغَةٌ لَا تَخْفَى (مِنْ حِينَ): بِفَتْحِ النُّونِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِتَنْوِينِهِ مَجْرُورًا أَيْ مِنْ زَمَانِ (ابْتَعَثَهُ اللَّهُ) أَيْ أَوْحَى إِلَيْهِ (حَتَّى قَبَضَهُ اللَّهُ) أَيْ: تَوَفَّاهُ. قَالَ الْعَسْقَلَانِيُّ: أَظُنُّ أَنَّ سَهْلًا احْتَرَزَ عَمَّا كَانَ قَبْلَ الْبَعْثِ لِأَنَّهُ - ﷺ - تَوَجَّهَ فِي أَيَّامِ الْفَتْرَةِ مَرَّتَيْنِ إِلَى جَانِبِ الشَّامِ تَاجِرًا، وَوَصَلَ إِلَى بُصْرَى وَحَضَرَ فِي ضِيَافَةِ " بَحِيرَاءَ " الرَّاهِبِ، وَكَانَتِ الشَّامُ إِذْ ذَاكَ مَعَ الرُّومِ، وَالْخُبْزُ
[ ٧ / ٢٦٩٦ ]
النَّقِيُّ عِنْدَهُمْ كَثِيرٌ، فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ - ﷺ - رَأَى ذَلِكَ عِنْدَهُمْ، وَأَمَّا بَعْدَ ظُهُورِ النُّبُوَّةِ فَلَا شَكَّ أَنَّهُ فِي مَكَّةَ وَالطَّائِفِ وَالْمَدِينَةِ، وَقَدِ اشْتَهَرَ أَنَّ سَبِيلَ الْعَيْشِ صَارَ مُضَيَّقًا عَلَيْهِ، وَعَلَى أَكْثَرِ الصَّحَابَةِ اضْطِرَارًا أَوِ اخْتِيَارًا. (وَقَالَ): أَيْ سَهْلٌ (مَا رَأَى رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - مُنْخُلًا) بِضَمَّتَيْنِ وَيُفْتَحُ فَاؤُهُ مَا يُنْخَلُ بِهِ (مِنْ حِينَ " ابْتَعَثَهُ اللَّهُ حَتَّى قَبَضَهُ اللَّهُ تَعَالَى): أَيْ إِلَى أَنْ فَارَقَ الدُّنْيَا وَاخْتَارَ الْعُقْبَى وَالْمَلَأَ الْأَعْلَى وَحَضْرَةَ الْمَوْلَى (قَالَ: كَيْفَ كُنْتُمْ تَأْكُلُونَ الشَّعِيرَ غَيْرَ مَنْخُولٍ) حَالٌ (قَالَ: كُنَّا نَطْحَنُهُ) بِفَتْحِ الْحَاءِ فِي الْقَامُوسِ: طَحَنَهُ كَمَنَعَ وَطَحَنَهُ جَعَلَهُ دَقِيقًا (وَنَنْفُخُهُ): بِضَمِّ الْفَاءِ أَيْ نُطَيِّرُهُ إِلَى الْهَوَاءِ بِأَيْدِينَا أَوْ بِأَفْوَاهِنَا (فَيَطِيرُ مَا طَارَ): أَيْ يَذْهَبُ مِنْهُ مَا ذَهَبَ مِنَ النُّخَالَةِ وَمَا فِيهِ خِفَّةٌ (وَمِمَّا بَقِيَ): أَيْ مِمَّا فِيهِ رَزَانَةٌ كَالدَّقِيقِ ثَرَّيْنَا،): بِتَشْدِيدِ الرَّاءِ أَيْ عَجَنَّاهُ وَخَبَزْنَاهُ، وَقِيلَ: بَلَّلْنَاهُ بِالْمَاءِ مِنْ ثَرَّى التُّرَابَ تَثْرِيَةً أَيْ رَشَّ عَلَيْهِ، وَالْمَعْنَى أَنَّهُ جَعَلْنَاهُ مَرَقًا وَطَبَخْنَاهُ (فَأَكَلْنَاهُ): وَفِي هَذَا بَيَانُ تَرْكِهِ - ﷺ - رَسْمَ التَّكَلُّفِ وَالِاهْتِمَامِ بِشَأْنِ الطَّعَامِ، فَإِنَّهُ لَا يَعْتَنِي بِهِ إِلَّا أَهْلُ الْحَمَاقَةِ وَالْغَفْلَةِ وَالْبِطَالَةِ (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ): وَكَذَا النَّسَائِيُّ، وَفِي الشَّمَائِلِ لِلتِّرْمِذِيِّ، «عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، أَنَّهُ قِيلَ لَهُ: " أَكَلَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - النَّقِيَّ يَعْنِي الْحُوَّارَى؟، فَقَالَ سَهْلٌ: مَا رَأَى رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - النَّقِيَّ حَتَّى لَقِيَ اللَّهَ ﷿، فَقِيلَ لَهُ: هَلْ كَانَتْ لَكُمْ مَنَاخِلُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -؟ قَالَ: مَا كَانَتْ لَنَا مَنَاخِلُ. فَقِيلَ: كَيْفَ كُنْتُمْ تَصْنَعُونَ بِالشَّعِيرِ؟ قَالَ: كُنَّا نَنْفُخُهُ فَيَطِيرُ مِنْهُ مَا طَارَ ثُمَّ نَعْجِنُهُ» .
[ ٧ / ٢٦٩٧ ]
٤١٧٢ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - قَالَ: " «مَا عَابَ النَّبِيُّ - ﷺ - طَعَامًا قَطُّ، إِنِ اشْتَهَاهُ أَكَلَهُ وَإِنْ كَرِهَهُ تَرَكَهُ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
_________________
(١) (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - قَالَ: «مَا عَابَ النَّبِيُّ - ﷺ - طَعَامًا قَطُّ، إِنِ اشْتَهَاهُ أَكَلَهُ، وَإِنْ كَرِهَهُ تَرَكَهُ»): قَالَ النَّوَوِيُّ: الْعَيْبُ هُوَ أَنْ يَقُولَ: هَذَا مَالِحٌ، قَلِيلُ الْمِلْحِ، حَامِضٌ رَقِيقٌ غَلِيظٌ غَيْرُ نَاضِجٍ وَنَحْوَ ذَلِكَ، وَأَمَّا «قَوْلُهُ لِلضَّبِّ: " لَمْ يَكُنْ بِأَرْضِ قَوْمِي فَأَجِدُنِي أَعَافُهُ» " فَبَيَانٌ لِكَرَاهِيَتِهِ لَا إِظْهَارِ عَيْبِهِ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
[ ٧ / ٢٦٩٧ ]
٤١٧٣ - وَعَنْهُ «أَنَّ رَجُلًا كَانَ يَأْكُلُ أَكْلًا كَثِيرًا، فَأَسْلَمَ، فَكَانَ يَأْكُلُ قَلِيلًا، فَذُكِرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ - ﷺ - فَقَالَ: " إِنَّ الْمُؤْمِنَ يَأْكُلُ فِي مِعًى وَاحِدٍ، وَالْكَافِرُ يَأْكُلُ فِي سَبْعَةِ أَمْعَاءٍ» ". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
_________________
(١) (وَعَنْهُ): أَيْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - (أَنَّ رَجُلًا): أَيْ مِنَ الْكُفَّارِ (كَانَ يَأْكُلُ أَكْلًا كَثِيرًا): أَيْ زَائِدًا عَلَى عَادَةِ أَكْثَرِ النَّاسِ (فَأَسْلَمَ، وَكَانَ): بِالْوَاوِ فِي الْأُصُولِ الْمُعْتَمَدَةِ. وَكَانَ مُقْتَضَى الْقِيَاسِ أَنْ يَكُونَ بِالْفَاءِ أَيْ فَكَانَ بَعْدَ مَا أَسْلَمَ (يَأْكُلُ قَلِيلًا): أَيْ شَيْئًا قَلِيلًا أَوْ أَكْلًا قَلِيلًا، أَيْ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْأَوَّلِ أَوْ قَلِيلًا بِالْمَرَّةِ كَمَا هُوَ عَادَةُ الْمُرْتَاضِينَ أَوْ قَلِيلًا عُرْفِيًّا عَلَى دَأْبِ غَالِبِ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ حَدِّ الِاعْتِدَالِ، (فَذُكِرَ ذَلِكَ): أَيْ تَقْلِيلُ أَكْلِهِ بَعْدَ إِسْلَامِهِ لِلنَّبِيِّ - ﷺ - فَقَالَ: («إِنَّ الْمُؤْمِنَ يَأْكُلُ فِي مِعًى وَاحِدٍ»): بِكَسْرِ الْمِيمِ مُنَوَّنًا وَيُكْتَبُ بِالْيَاءِ، فَفِي الْقَامُوسِ: الْمَعْنَى بِالْفَتْحِ وَكَإِلَى مِنْ أَعْفَاجِ الْبَطْنِ، وَقَدْ يُؤَنَّثُ وَالْجَمْعُ أَمْعَاءٌ (وَالْكَافِرُ): بِالنَّصْبِ وَيَجُوزُ رَفْعُهُ (يَأْكُلُ فِي سَبْعَةِ أَمْعَاءٍ): اعْلَمْ أَنَّهُ لَيْسَ لِلْكَافِرِ زِيَادَةُ أَمْعَاءٍ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمُؤْمِنِ، فَلَا بُدَّ مِنْ تَأْوِيلِ الْحَدِيثِ، فَقَالَ الْقَاضِي: أَرَادَ بِهِ أَنَّ الْمُؤْمِنَ يُقَلَّلُ حِرْصُهُ وَشَرَهُهُ عَلَى الطَّعَامِ، وَيُبَارَكُ لَهُ فِي مَأْكَلِهِ وَمَشْرَبِهِ، فَيَشْبَعُ مِنْ قَلِيلٍ. وَالْكَافِرُ يَكُونُ كَثِيرَ الْحِرْصِ شَدِيدَ الشَّرَهِ، لَا مَطْمَحَ لِبَصَرِهِ إِلَّا إِلَى الْمَطَاعِمِ وَالْمَشَارِبِ كَالْأَنْعَامِ، فَمِثْلُ مَا بَيْنَهُمَا مِنَ التَّفَاوُتِ فِي الشَّرَهِ. بِمَا بَيْنَ مَنْ يَأْكُلُ فِي مِعًى وَاحِدٍ، وَبَيْنَ مَنْ يَأْكُلُ فِي سَبْعَةِ أَمْعَاءٍ، وَهَذَا بِاعْتِبَارِ الْأَعَمِّ الْأَغْلَبِ. وَقَالَ النَّوَوِيُّ: فِيهِ وُجُوهٌ: أَحَدُهَا: أَنَّهُ قِيلَ فِي رَجُلٍ بِعَيْنِهِ فَقِيلَ لَهُ عَلَى جِهَةِ التَّمْثِيلِ يَعْنِي فَلَامُ الْمُؤْمِنِ لِلْعَهْدِ. وَثَانِيهَا: أَنَّ الْمُؤْمِنَ يُسَمِّي اللَّهَ تَعَالَى عِنْدَ طَعَامِهِ فَلَا يُشْرِكُهُ فِيهِ الشَّيْطَانُ، وَالْكَافِرُ لَا يُسَمِّيهِ فَيُشَارِكُهُ الشَّيْطَانُ.
[ ٧ / ٢٦٩٧ ]
وَثَالِثُهَا: أَنَّ الْمُؤْمِنَ يَقْتَصِدُ فِي أَكْلِهِ فَيُشْبِعُهُ امْتِلَاءُ بَعْضِ أَمْعَائِهِ، وَالْكَافِرُ لِشَرَهِهِ وَحِرْصِهِ عَلَى الطَّعَامِ لَا يَكْفِيهِ إِلَّا مَلْءُ كُلِّ الْأَمْعَاءِ. وَرَابِعُهَا: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ هَذَا فِي بَعْضِ الْمُؤْمِنِينَ وَبَعْضِ الْكُفَّارِ. وَخَامِسُهَا: أَنْ يُرَادَ بِالسَّبْعَةِ صِفَاتُ الْحِرْصِ وَالشَّرَهِ وَطُولِ الْأَمَلِ وَالطَّمَعِ، وَسُوءِ الطَّبْعِ وَالْحَشَدِ وَالسِّمَنِ. وَسَادِسُهَا: أَنْ يُرَادَ بِالْمُؤْمِنِ تَامُّ الْإِيمَانِ الْمُعْرِضُ عَنِ الشَّهَوَاتِ الْمُقْتَصِرُ عَلَى سَدِّ خَلَّتِهِ. وَسَابِعُهَا وَهُوَ الْمُخْتَارُ: أَنَّ بَعْضَ الْمُؤْمِنِينَ يَأْكُلُ فِي مِعًى وَاحِدٍ، وَأَنَّ أَكْثَرَ الْكُفَّارِ يَأْكُلُونَ فِي سَبْعَةٍ، وَلَا يَلْزَمُ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنَ السَّبْعَةِ مِثْلُ مِعَى الْمُؤْمِنِ. اهـ. وَفِي كَوْنِهِ هُوَ الْمُخْتَارَ نَظَرٌ ظَاهِرٌ لِلنُّظَّارِ، وَاخْتَارَ السُّيُوطِيُّ فِي مَعْنَاهُ أَنَّ الْمُؤْمِنَ يُبَارَكُ لَهُ فِي طَعَامِهِ بِبَرَكَةِ التَّسْمِيَةِ حَتَّى تَقَعَ النِّسْبَةُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْكَافِرِ، كَنِسْبَةِ مَنْ يَأْكُلُ فِي سَبْعَةِ أَمْعَاءٍ. اهـ.
وَيَتَحَقَّقُ ذَلِكَ الْمَعْنَى إِذَا قَدَّرْتَ ذَلِكَ فِي شَخْصٍ وَاحِدٍ، أَوْ فِي أَشْخَاصٍ مُتَمَاثِلِينَ مِنْ حَيْثُ الْوَضْعُ، فَتَجِدُ حَالَ ذَلِكَ الْوَاحِدِ فِي الْأَكْلِ وَهُوَ الْكَافِرُ خِلَافَ حَالِهِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَكَذَلِكَ فِي الْأَشْخَاصِ، وَإِلَّا فَقَدْ يُوجَدُ فِي الْمُؤْمِنِينَ مَنْ يَزْدَادُ شَهْوَتُهُ فِي الْأَكْلِ عَلَى الْكَافِرِ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا فِي نَفْسِ هَذَا الْحَدِيثِ، وَكَذَا فِيمَا يَلِيهِ مِنْ حَدِيثٍ ضَافَهُ ضَيْفٌ كَافِرٌ عَلَى مَا سَيَأْتِي، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ يَأْكُلُ الْكَافِرُ فِي سَبْعَةٍ أَمْثَالِ أَكْلِ الْمُؤْمِنِ، أَيْ يَكُونُ شَهْوَتُهُ أَمْثَالَ شَهْوَةِ الْمُؤْمِنِ، فَتَكُونُ الْأَمْعَاءُ كِنَايَةً عَنِ الشَّهَوَاتِ، أَوِ الْمُرَادُ أَنَّ الْمُؤْمِنَ لَا يَأْكُلُ إِلَّا مِنْ جِهَةٍ وَاحِدَةٍ وَهِيَ مُجَرَّدُ الْحَلَالِ، وَالْكَافِرَ يَأْكُلُ مِنْ جِهَاتٍ مُخْتَلِفَةٍ مَشُوبَةٍ وَهِيَ سَبْعٌ: الْغَارَةُ وَالْغَضَبُ وَالسَّرِقَةُ وَالْبَيْعُ الْفَاسِدُ وَالرِّبَا وَالْخِيَانَةُ وَالْحَلَالُ، وَقِيلَ: هَذَا عِبَارَةٌ عَنْ كَثْرَةِ الْأَكْلِ وَقِلَّتِهِ أَيْ خُلُقُ الْمُؤْمِنِ قِلَّةُ الْأَكْلِ، وَخُلُقُ الْكَافِرِ كَثْرَتُهُ. يَعْنِي أَنَّ الْمُرَادَ بِالسَّبْعَةِ التَّكْثِيرُ، وَقِيلَ: هَذَا مَثَلٌ ضَرَبَهُ - ﷺ - لِزُهْدِ الْمُؤْمِنِ فِي الدُّنْيَا وَحِرْصِ الْكَافِرِ عَلَيْهَا، فَهَذَا يَأْكُلُ بِلُغَةً وَقُوتًا فَيُشْبِعُهُ الْقَلِيلُ، وَذَاكَ يَأْكُلُ شَهْوَةً وَحِرْصًا فَلَا يَكْفِيهِ الْكَثِيرُ. وَهَذَا الْقَوْلُ اخْتَارَهُ الطِّيبِيُّ حَيْثُ قَالَ: جُمَّاعُ الْقَوْلِ أَنَّ مِنْ شَأْنِ الْكَامِلِ إِيمَانُهُ أَنْ يَحْرِصَ فِي الزَّهَادَةِ وَقِلَّةِ الْغِذَاءِ، وَيَقْنَعَ بِالْبُلْغَةِ بِخِلَافِ الْكَافِرِ، فَإِذَا وُجِدَ الْمُؤْمِنُ وَالْكَافِرُ عَلَى خِلَافِ هَذَا فَلَا يُقْدَحُ فِي الْحَدِيثِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: ٣]
وَفِي شَرْحِ مُسْلِمٍ لِلنَّوَوِيِّ قَالُوا: مَقْصُودُ الْحَدِيثِ التَّقَلُّلُ مِنَ الدُّنْيَا وَالْحَثُّ عَلَى الزُّهْدِ فِيهَا وَالْقَنَاعَةُ، مَعَ أَنَّ قِلَّةَ الْأَكْلِ مِنْ مَحَاسِنِ أَخْلَاقِ الرِّجَالِ، وَكَثْرَةَ الْأَكْلِ بِضِدِّهَا، وَأَمَّا «قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ فِي الْمِسْكِينِ الَّذِي أَكَلَ عِنْدَهُ كَثِيرًا: لَا يَدْخُلُ هَذَا عَلَيَّ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يَقُولُ: إِنَّ الْمُؤْمِنَ يَأْكُلُ» " الْحَدِيثَ كَمَا فِي الْبُخَارِيِّ، إِنَّمَا قَالَ هَذَا لِأَنَّهُ أَشْبَهَ الْكُفَّارَ، وَمَنْ أَشْبَهَ الْكُفَّارَ كُرِهَتْ مُخَالَطَتُهُ لِغَيْرِ حَاجَةٍ أَوْ ضَرُورَةٍ، هَذَا وَقَدْ قَالَ الطِّيبِيُّ فِي قَوْلِهِ فِي سَبْعَةِ أَمْعَاءٍ " عُدِيَّ الْأَكْلُ بِفِي عَلَى مَعْنَى أَوْقَعَ الْأَكْلَ فِيهَا، وَجَعَلَهَا أَمْكِنَةً لِلْمَأْكُولِ لِيَشْعُرَ بِامْتِلَائِهَا كُلِّهَا، حَتَّى لَمْ يَبْقَ لِلنَّفَسِ فِيهِ مَجَالٌ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا﴾ [النساء: ١٠] أَيْ مِلْءَ بُطُونِهِمْ، وَتَخْصِيصُ السَّبْعَةِ لِلْمُبَالَغَةِ وَالتَّكْثِيرِ، كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ﴾ [لقمان: ٢٧] اهـ.
وَيَعْنِي أَنَّ الْمُؤْمِنَ ثُلُثُ بَطْنِهِ لِلْأَكْلِ، وَثُلُثُهُ لِلشُّرْبِ، وَثُلُثُهُ لِلنَّفَسِ، وَأَمَّا مَذْهَبُ الْقَلَنْدَرِيَّةِ الْمُشَابِهَةِ بِالْكَفَرَةِ، فَإِنَّهُمْ يَقُولُونَ: نَحْنُ نَمْلَأُ الْبَطْنَ مِنَ الْأَكْلِ، وَيَحْصُلُ الْمَاءُ مَكَانَهُ، وَالنَّفَسُ إِنْ أَحَبَّ يَطْلُعُ وَإِلَّا فَلَا، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى رَدًّا عَلَيْهِمْ: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأعراف: ٣١] (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) وَكَذَا أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَأَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ عَنْ جَابِرٍ، وَأَحْمَدُ وَالشَّيْخَانِ وَابْنُ مَاجَهْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَمُسْلِمٌ وَابْنُ مَاجَهْ عَنْ أَبِي مُوسَى.
[ ٧ / ٢٦٩٨ ]
٤١٧٤ - وَ٤١٧٥ - وَرَوَى مُسْلِمٌ عَنْ أَبِي مُوسَى، وَابْنِ عُمَرَ الْمُسْنَدَ مِنْهُ فَقَطْ.
_________________
(١) وَ٤١٧٥ - (وَرَوَى مُسْلِمٌ عَنْ أَبِي مُوسَى، وَابْنِ عُمَرَ الْمُسْنَدَ مِنْهُ): اللَّامُ فِيهِ مَوْصُولَةٌ، وَالضَّمِيرُ فِي (مِنْهُ) رَاجِعٌ إِلَيْهِ أَيِ الَّذِي أُسْنِدَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - مِنَ الْحَدِيثِ، وَهُوَ قَوْلُهُ: إِنَّ الْمُؤْمِنَ يَأْكُلُ " الْحَدِيثَ. (فَقَطْ): سَاكِنَةُ الطَّاءِ. بِمَعْنَى فَحَسْبُ أَيْ دُونَ الْقِصَّةِ السَّابِقَةِ.
[ ٧ / ٢٦٩٨ ]
٤١٧٦ - وَفِي أُخْرَى لَهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - ضَافَهُ ضَيْفٌ وَهُوَ كَافِرٌ، فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - بِشَاةٍ فَحُلِبَتْ، فَشَرِبَ حِلَابَهَا، ثُمَّ أُخْرَى فَشَرِبَهُ، ثُمَّ أُخْرَى فَشَرِبَهُ حَتَّى شَرِبَ حِلَابَ سَبْعِ شِيَاهٍ، ثُمَّ إِنَّهُ أَصْبَحَ فَأَسْلَمَ، فَأَمَرَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ بِشَاةٍ فَحُلِبَتْ، فَشَرِبَ حِلَابَهَا، ثُمَّ أَمَرَ بِأُخْرَى، فَلَمْ يَسْتَتِمَّهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: الْمُؤْمِنُ يَشْرَبُ فِي مِعًى وَاحِدٍ وَالْكَافِرُ يَشْرَبُ فِي سَبْعَةِ أَمْعَاءٍ ".
_________________
(١) (وَفِي أُخْرَى لَهُ): أَيْ لِمُسْلِمٍ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - ضَافَهُ ضَيْفٌ): أَيْ نَزَلَ بِهِ ضَيْفٌ (وَهُوَ): أَيْ وَالْحَالُ أَنَّ الضَّيْفَ (كَافِرٌ، فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - بِشَاةٍ): أَيْ بِإِحْلَابِهَا (فَحُلِبَتْ): بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ (فَشَرِبَ): أَيِ الضَّيْفُ أَوِ الْكَافِرُ (حِلَابَهَا): بِكَسْرِ أَوَّلِهِ أَيْ لَبَنَهَا (ثُمَّ أُخْرَى): أَيْ ثُمَّ حُلِبَتْ شَاةٌ أُخْرَى (فَشَرِبَهُ): أَيْ حِلَابَهَا (ثُمَّ أُخْرَى فَشَرِبَهُ، حَتَّى شَرِبَ حِلَابَ سَبْعِ شِيَاهٍ، ثُمَّ إِنَّهُ): أَيِ الضَّيْفُ الْكَافِرُ (أَصْبَحَ فَأَسْلَمَ، فَأَمَرَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - بِشَاةٍ فَحُلِبَتْ، فَشَرِبَ حِلَابَهَا، ثُمَّ أَمَرَ بِأُخْرَى فَلَمْ يَسْتَتِمَّهَا): أَيْ فَلَمْ يَقْدِرْ أَنْ يَشْرَبَ لَبَنَ الشَّاةِ الثَّانِيَةِ عَلَى التَّمَامِ (فَقَالَ - ﷺ: «الْمُؤْمِنُ يَشْرَبُ فِي مِعًى وَاحِدٍ، وَالْكَافِرُ يَشْرَبُ فِي سَبْعَةِ أَمْعَاءٍ»): كَذَا رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ.
[ ٧ / ٢٦٩٩ ]
٤١٧٧ - وَعَنْهُ قَالَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: " «طَعَامُ الِاثْنَيْنِ كَافِي الثَّلَاثَةِ، وَطَعَامُ الثَّلَاثَةِ كَافِي الْأَرْبَعَةِ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
_________________
(١) (وَعَنْهُ): أَيْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - طَعَامُ الِاثْنَيْنِ): أَيْ مَا يُشْبِعُهُمَا (كَافِي الثَّلَاثَةِ): أَيْ يَكْفِيهِمْ عَلَى وَجْهِ الْقَنَاعَةِ وَيُقَوِّيهِمْ عَلَى الطَّاعَةِ وَيُزِيلُ الضَّعْفَ عَنْهُمْ، لَا أَنَّهُ يُشْبِعُهُمْ، فَإِنَّهُ مَذْمُومٌ ; وَلِذَا وَرَدَ: " «أَكْثَرُكُمْ شِبَعًا فِي الدُّنْيَا أَكْثَرُكُمْ جُوعًا فِي الْآخِرَةِ» ". وَالْغَرَضُ مِنْهُ أَنَّ الرَّجُلَ يَنْبَغِي أَنْ يَقْنَعَ بِدُونِ الشِّبَعِ، يَصْرِفُ الزَّائِدَ إِلَى مُحْتَاجٍ آخَرَ. (وَطَعَامُ الثَّلَاثَةِ كَافِي الْأَرْبَعَةِ): قَالَ السُّيُوطِيُّ: أَيْ شِبَعُ الْأَقَلِّ قُوتٌ بِالْأَكْثَرِ، وَفِيهِ الْحَثُّ عَلَى مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ وَالتَّقَنُّعِ بِالْكِفَايَةِ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ): وَرَوَاهُ مَالِكٌ وَالتِّرْمِذِيُّ.
[ ٧ / ٢٦٩٩ ]
٤١٧٨ - وَعَنْ جَابِرٍ - ﵁ - قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يَقُولُ: «طَعَامُ الْوَاحِدِ يَكْفِي الِاثْنَيْنِ، وَطَعَامُ الِاثْنَيْنِ يَكْفِي الْأَرْبَعَةَ، وَطَعَامُ الْأَرْبَعَةِ يَكْفِي الثَّمَانِيَةَ» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
_________________
(١) (وَعَنْ جَابِرٍ - ﵁ - قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يَقُولُ: طَعَامُ الْوَاحِدِ يَكْفِي الِاثْنَيْنِ): بِكَسْرِ اللَّامِ لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ بَعْدَ حَذْفِ هَمْزَةِ الْوَصْلِ («وَطَعَامُ الِاثْنَيْنِ يَكْفِي الْأَرْبَعَةَ، وَطَعَامُ الْأَرْبَعَةِ يَكْفِي الثَّمَانِيَةَ»): فِي شَرْحِ السُّنَّةِ، حَكَى إِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ، عَنْ جَرِيرٍ قَالَ: تَأْوِيلُهُ شِبَعُ الْوَاحِدِ قُوتُ الِاثْنَيْنِ، وَشِبَعُ الِاثْنَيْنِ قُوتُ الْأَرْبَعَةِ. قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُرْوَةَ: تَفْسِيرُ هَذَا مَا قَالَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - عَامَ الرِّفَادَةِ: " لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ أُنْزِلَ عَلَى أَهْلِ كُلِّ بَيْتٍ مِثْلَ عَدَدِهِمْ، فَإِنَّ الرَّجُلَ لَا يَهْلِكُ عَلَى نِصْفِ بَطْنِهِ. قَالَ النَّوَوِيُّ: فِيهِ الْحَثُّ عَلَى الْمُوَاسَاةِ فِي الطَّعَامِ، فَإِنَّهُ وَإِنْ كَانَ قَلِيلًا حَصَلَتْ مِنْهُ الْكِفَايَةُ الْمَقْصُودَةُ، وَوَقَعَتْ فِيهِ بَرَكَةٌ تَعُمُّ الْحَاضِرِينَ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ): وَكَذَا أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ، وَفِي رِوَايَةِ الطَّبَرَانِيِّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ - ﵄ - بِلَفْظِ: " «طَعَامُ الِاثْنَيْنِ يَكْفِي الْأَرْبَعَةَ، وَطَعَامُ الْأَرْبَعَةِ يَكْفِي الثَّمَانِيَةَ، فَاجْتَمِعُوا عَلَيْهِ وَلَا تَفَرَّقُوا» "، فَهَذَا الْحَدِيثُ يُبَيِّنُ أَنَّ الْبَرَكَةَ فِي الْأَكْلِ مَعَ الْجَمَاعَةِ.
[ ٧ / ٢٦٩٩ ]
٤١٧٩ - وَعَنْ عَائِشَةَ - ﵂ " - قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يَقُولُ: " «التَّلْبِينَةُ مُجِمَّةٌ لِفُؤَادِ الْمَرِيضِ، تَذْهَبُ بِبَعْضِ الْحَزَنِ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
_________________
(١) (وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يَقُولُ: التَّلْبِينَةُ): بِفَتْحِ التَّاءِ وَسُكُونِ اللَّامِ وَكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ وَسُكُونِ التَّحْتِيَّةِ وَنُونٍ. قَالَ الْقَاضِي: هُوَ حَسْوٌ رَقِيقٌ يُتَّخَذُ مِنَ الدَّقِيقِ وَاللَّبَنِ. وَقِيلَ: مِنَ الدَّقِيقِ أَوِ النُّخَالَةِ، وَقَدْ يُجْعَلُ فِيهِ الْعَسَلُ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ تَشْبِيهًا بِاللَّبَنِ لِبَيَاضِهَا وَرِقَّتِهَا، وَهُوَ مَرَّةٌ مِنَ التَّلْبِينِ مَصْدَرُ لَبَّنَ الْقَوْمَ إِذَا سَقَاهُمُ اللَّبَنَ وَقَوْلُهُ: (مُجِمَّةٌ): بِضَمِّ الْمِيمِ وَكَسْرِ الْجِيمِ وَتَشْدِيدِ الْمِيمِ الثَّانِيَةِ أَيْ مُرِيحَةٌ، وَفِي نُسْخَةٍ بِفَتْحِ أَوَّلَيْهِمَا أَيْ رَاحَةٌ أَوْ مَكَانُ اسْتِرَاحَةٍ مِنَ الْجَمَامِ وَهُوَ الرَّاحَةُ (لِفُؤَادِ الْمَرِيضِ)
[ ٧ / ٢٦٩٩ ]
بِالْهَمْزِ أَيْ لِقَلْبِهِ وَبِالْوَاوِ أَيْ لِوَجَعِ قَلْبِهِ (تَذْهَبُ): اسْتِئْنَافٌ كَالْبَيَانِ لِقَوْلِهِ: مُجِمَّةٌ (بِبَعْضِ الْحَزَنِ): بِفَتْحَتَيْنِ وَبِضَمِّ الْحَاءِ وَسُكُونِ الزَّايِ، وَالْبَاءُ لِلتَّعْدِيَةِ، أَيْ يُزِيلُ بَعْضَ هَمِّهِ أَوْ هَمِّ صَاحِبِهِ، (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ): وَرَوَاهُ أَحْمَدُ.
[ ٧ / ٢٧٠٠ ]
٤١٨٠ - وَعَنْ أَنَسٍ - ﵁: " «أَنَّ خَيَّاطًا دَعَا النَّبِيَّ - ﷺ - لِطَعَامٍ صَنَعَهُ فَذَهَبْتُ مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - فَقَرَّبَ خُبْزَ شَعِيرٍ وَمَرَقًا فِيهِ دُبَّاءُ وَقَدِيدٌ (قَالَ أَنَسٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -): فَرَأَيْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - يَتَتَبَّعُ الدُّبَّاءَ مِنْ حَوَالَيِ الْقَصْعَةِ، فَلَمْ أَزَلْ أُحِبُّ الدُّبَّاءَ بَعْدَ يَوْمِئِذٍ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
_________________
(١) (وَعَنْ أَنَسٍ «أَنَّ خَيَّاطًا دَعَا النَّبِيَّ - ﷺ - لِطَعَامٍ»): أَيْ إِلَى طَعَامٍ أَوْ لِأَجْلِ طَعَامٍ (صَنَعَهُ، فَذَهَبْتُ مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ -): أَيْ إِلَى ذَلِكَ الطَّعَامِ، كَمَا فِي رِوَايَةٍ، وَهُوَ إِمَّا بِطَلَبٍ مَخْصُوصٍ أَوْ بِالتَّبَعِيَّةِ لَهُ - ﷺ - لِكَوْنِهِ خَادِمًا لَهُ عَمَلًا بِالرِّضَا الْعُرْفِيِّ (فَقَرَّبَ خُبْزَ شَعِيرٍ وَمَرَقًا): بِفَتْحَتَيْنِ (فِيهِ دُبَّاءُ): بِضَمِّ الدَّالِّ وَتَشْدِيدِ الْمُوَحَّدَةِ وَالْمَدِّ، وَقَدْ يُقْصَرُ: الْقَرْعُ وَالْوَاحِدَةُ دُبَّاءَةٌ، (وَقَدِيدٌ): أَيْ لَحْمٌ مَمْلُوحٌ مُجَفَّفٌ فِي الشَّمْسِ فَعِيلٌ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ، وَالْقَدُّ الْقَطْعُ طُولًا. وَفِي السُّنَنِ عَنْ رَجُلٍ: " «دَخَلْتُ لِرَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - بِشَاةٍ وَنَحْنُ مُسَافِرُونَ فَقَالَ: " أَمَالِحٌ لَحْمُهَا "، فَلَمْ أَزَلْ أُطْعِمُهُ إِلَى الْمَدِينَةِ» ". (قَالَ أَنَسٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ: «فَرَأَيْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - يَتَتَبَّعُ الدُّبَّاءَ»): أَيْ يَتَطَلَّبُهُ (مِنْ حَوَالَيِ الْقَصْعَةِ): بِفَتْحِ اللَّامِ وَسُكُونِ الْيَاءِ، وَإِنَّمَا كَسْرُهَا لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ، يُقَالُ: رَأَيْتُ النَّاسَ حَوْلَهُ وَحَوْلَيْهِ وَحَوَالَيْهِ، وَاللَّامُ مَفْتُوحَةٌ فِي الْجَمِيعِ، وَلَا يَجُوزُ كَسْرُهَا عَلَى مَا فِي الصِّحَاحِ، وَتَقُولُ حَوَالَيِ الدَّارِ. قِيلَ: كَأَنَّهُ فِي الْأَصْلِ حَوَالَيْنِ كَقَوْلِكَ جَامَيْنِ، فَسَقَطَتِ النُّونُ لِلْإِضَافَةِ، وَالصَّحِيحُ هُوَ الْأَوَّلُ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ - ﷺ: «اللَّهُمَّ حَوَالَيْنَا وَلَا عَلَيْنَا» ". قَالَ الطِّيبِيُّ: كُلُّهُ. بِمَعْنًى وَهُوَ ظَرْفٌ اهـ، وَهُوَ مُفْرَدُ اللَّفْظِ جَمْعُ الْمَعْنَى أَيْ جَوَانِبِ الْقَصْعَةِ، وَهِيَ بِفَتْحِ الْقَافِ، وَهِيَ مَا يُشْبِعُ عَشَرَةَ أَنْفُسٍ، وَفِي بَعْضِ نُسَخِ الشَّمَائِلِ: حَوَالَيِ الصَّحْفَةِ "، وَهِيَ مَا يُشْبِعُ خَمْسَةَ أَنْفُسٍ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُمَا وَاحِدٌ، وَهُوَ إِمَّا بِالنِّسْبَةِ لِجَانِبِهِ - ﷺ - دُونَ جَانِبِ الْبَقِيَّةِ أَوْ مُطْلَقًا، وَلَا يُعَارِضُهُ نَهْيُهُ عَنْ ذَلِكَ لِأَنَّهُ لِلتَّقَذُّرِ وَالْإِيذَاءِ، وَهُوَ مُنْتَفٍ فِي حَقِّهِ - ﷺ - لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَوَدُّونَ ذَلِكَ مِنْهُ لِتَبَرُّكِهِمْ بِآثَارِهِ، حَتَّى نَحْوَ بُصَاقِهِ وَمُخَاطِهِ يُدَلِّكُونَ بِهَا وُجُوهَهُمْ، وَقَدْ شَرِبَ بَعْضُهُمْ بَوْلَهُ وَبَعْضُهُمْ دَمَهُ. فِي شَرْحِ السُّنَّةِ: فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الطَّعَامَ إِذَا كَانَ مُخْتَلِفًا يَجُوزُ أَنْ يَمُدَّ يَدَهُ إِلَى مَا لَا يَلِيهِ إِذَا لَمْ يَعْرِفْ مِنْ صَاحِبِهِ كَرَاهِيَتَهُ. وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ أَنَسٍ أَنَّهُ قَالَ: " «فَجَعَلْتُ أَتَتَبَّعُهُ إِلَيْهِ وَلَا أَطْعَمُهُ وَأَضَعُهُ بَيْنَ يَدَيْهِ لِمَا أَعْلَمُ أَنَّهُ يُحِبُّهُ» "، (فَلَمْ أَزَلْ أُحِبُّ الدُّبَّاءَ): أَيْ مَحَبَّةً شَرْعِيَّةً لَا طَبْعِيَّةً شَهْوِيَّةً، أَوِ الْمُرَادُ أُحِبُّهَا مَحَبَّةً زَائِدَةً (بَعْدَ): بِفَتْحِ دَالِهَا وَفِي نُسْخَةٍ بِضَمِّهَا، وَقَوْلُهُ: (يَوْمَئِذٍ): بِفَتْحِ الْمِيمِ وَكَسْرِهَا عَلَى الْأَوَّلِ وَبِفَتْحِ الْمِيمِ عَلَى الثَّانِي، وَفِي الشَّمَائِلِ " مِنْ يَوْمِئِذٍ " بِكَسْرِ الْمِيمِ عَلَى أَنَّهُ مُعْرَبٌ مَجْرُورٌ بِمِنْ أَوْ بِفَتْحِهَا عَلَى اكْتِسَابِ الْبِنَاءِ مِنَ الْمُضَافِ إِلَيْهِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ " بَعْدَ " مُضَافًا إِلَى مَا بَعْدَهُ، كَمَا جَاءَ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ بَعْدَ ذَلِكَ الْيَوْمِ، وَأَنْ يَكُونَ مَقْطُوعًا عَنِ الْإِضَافَةِ، وَقَوْلُهُ: (يَوْمِئِذٍ) بَيَانٌ لِلْمُضَافِ إِلَيْهِ الْمَحْذُوفِ فَيَجُوزُ الْوَجْهَانِ حِينَئِذٍ كَمَا قُرِئَ بِهِمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ﴾ [هود: ٦٦] وَفِي الْحَدِيثِ جَوَازُ أَكْلِ الشَّرِيفِ طَعَامَ مَنْ دُونَهُ مِنْ مُحْتَرِفٍ وَغَيْرِهِ، وَإِجَابَتُهُ دَعْوَتَهُ، وَمُؤَاكَلَةُ الْخَادِمِ، وَبَيَانُ مَا كَانَ - ﷺ - عَلَيْهِ مِنَ التَّوَاضُعِ وَاللُّطْفِ بِأَصْحَابِهِ، وَأَنَّهُ يُسَنُّ مَحَبَّةُ الدُّبَّاءِ، وَكَذَا كُلُّ شَيْءٍ كَانَ يُحِبُّهُ، وَأَنَّ كَسْبَ الْخَيَّاطِ لَيْسَ بِدَنِيءٍ، (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ)، وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ فِي الشَّمَائِلِ.
[ ٧ / ٢٧٠٠ ]
٤١٨١ - وَعَنْ عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ - ﵁ - «أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ - ﷺ - يَحْتَزُّ مِنْ كَتِفِ شَاةٍ فِي يَدِهِ، فَدُعِيَ إِلَى الصَّلَاةِ فَأَلْقَاهَا وَالسِّكِّينَ الَّتِي يَحْتَزُّ بِهَا، ثُمَّ قَامَ فَصَلَّى، وَلَمْ يَتَوَضَّأْ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
_________________
(١) (وَعَنْ عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ): بِالتَّصْغِيرِ وَهُوَ الضَّمْرِيُّ بِفَتْحِ الضَّادِ وَسُكُونِ الْمِيمِ، شَهِدَ بَدْرًا وَأُحُدًا مَعَ الْمُشْرِكِينَ، ثُمَّ أَسْلَمَ حِينَ انْصَرَفَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ أُحُدٍ، وَكَانَ مِنْ رِجَالِ الْعَرَبِ، وَأَوَّلُ مَشْهَدٍ شَهِدَهُ مَعَ الْمُسْلِمِينَ يَوْمُ بِئْرِ مَعُونَةَ، فَأَسَرَهُ عَامِرُ بْنُ اللَّيْلِ، ثُمَّ أَطْلَقَهُ بَعْدَ أَنْ جَزَّ نَاصِيَتَهُ، بَعَثَهُ النَّبِيُّ - ﷺ -
[ ٧ / ٢٧٠٠ ]
" فِي سَنَةِ سِتٍّ إِلَى النَّجَاشِيِّ بِالْحَبَشَةِ، فَقَدِمَ عَلَى النَّجَاشِيِّ بِكِتَابِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - يَدْعُوهُ إِلَى الْإِسْلَامِ، فَأَسْلَمَ النَّجَاشِيُّ، عِدَادُهُ فِي أَهْلِ الْحِجَازِ. رَوَى عَنْهُ ابْنَاهُ وَابْنُ أَخِيهِ الزِّبْرِقَانُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، مَاتَ فِي أَيَّامِ مُعَاوِيَةَ بِالْمَدِينَةِ، وَقِيلَ: سَنَةَ سِتِّينَ. (أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ - ﷺ - يَحْتَزُّ): قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: هُوَ بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَالزَّايِ بَعْدَهَا، وَهَكَذَا أَوْرَدَهُ صَاحِبُ النِّهَايَةِ فِي بَابِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَالزَّايِ أَيْ يَقْتَطِعُ (مِنْ كَتِفِ شَاةٍ): وَالْكَتِفُ بِفَتْحِ الْكَافِ وَكَسْرِ التَّاءِ، وَفِي الْقَامُوسِ: كَفَرِحٍ وَمِثْلٍ وَحَبْلٍ (فِي يَدِهِ فَدُعِيَ إِلَى الصَّلَاةِ فَأَلْقَاهَا): أَيِ الْكَتِفَ (وَالسِّكِّينَ الَّتِي يَحْتَزُّ بِهَا): فِي الْقَامُوسِ: السِّكِّينُ مَعْرُوفٌ كَالسِّكِّينَةِ يُذَكَّرُ وَيُؤَنَّثُ (ثُمَّ قَامَ فَصَلَّى، وَلَمْ يَتَوَضَّأْ): ظَاهِرُهُ الْإِطْلَاقُ، وَأَنَّهُ لَمْ يَتَوَضَّأْ وُضُوءًا شَرْعِيًّا وَلَا عُرْفِيًّا. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
[ ٧ / ٢٧٠١ ]
٤١٨٢ - وَعَنْ عَائِشَةَ - ﵂ - قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - يُحِبُّ الْحَلْوَاءَ وَالْعَسَلَ» ". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
_________________
(١) (وَعَنْ عَائِشَةَ - ﵂ - قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - يُحِبُّ الْحَلْوَاءَ»): بِالْمَدِّ وَيَجُوزُ قَصْرُهُ، فَفِي الْمُغْرِبِ الْحَلْوَاءُ الَّتِي تُؤْكَلُ بِالْمَدِّ وَالْقَصْرِ وَالْجَمْعُ الْحَلَاوَى نَقَلَهُ مِيرَكُ، وَنُقِلَ عَنِ الْأَصْمَعِيِّ أَنَّهُ مَقْصُورٌ يُكْتَبُ بِالْيَاءِ، وَقَالَ الْفَرَّاءُ: إِنَّهُ مَمْدُودٌ وَيُكْتَبُ بِالْأَلِفِ، وَقِيلَ: الْحَلْوَاءُ كُلُّ شَيْءٍ فِيهِ حَلَاوَةٌ، فَقَوْلُهُ: (وَالْعَسَلَ) تَخْصِيصٌ بَعْدَ تَعْمِيمٍ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِهَا الْمَجِيعُ وَهُوَ تَمْرٌ يُعْجَنُ بِاللَّبَنِ، وَقِيلَ: مَا صُنِعَ وَعُولِجَ مِنَ الطَّعَامِ بِحُلْوٍ، وَقَدْ يُطْلَقُ عَلَى الْفَاكِهَةِ. قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: الْحَلْوَاءُ وَالْعَسَلُ مِنْ جُمْلَةِ الطَّيِّبَاتِ وَفِيهِ تَقْوِيَةٌ لِقَوْلِ مَنْ قَالَ: الْمُرَادُ بِهِ الْمُسْتَلَذَّاتُ مِنَ الْمُبَاحَاتِ، وَدَخَلَ فِي مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ كُلُّ مَا شَابَهَ الْحَلْوَاءَ وَالْعَسَلَ مِنْ أَنْوَاعِ الْمَآكِلِ اللَّذِيذَةِ. قَالَ الْخَطَّابِيُّ: وَلَمْ يَكُنْ حُبُّهُ - ﷺ - لَهُمَا عَلَى مَعْنَى كَثْرَةِ التَّشَهِّي وَشِدَّةِ نَزْعِ النَّفْسِ لِأَجْلِهِمَا، وَإِنَّمَا كَانَ يَنَالُ مِنْهُمَا إِذَا حَضَرَا نَيْلًا صَالِحًا فَيُعْلَمُ بِذَلِكَ أَنَّهُ يُعْجِبُهُ، وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ فِي رِيَاضِهِ أَنَّ أَوَّلَ مَنْ خَبَصَ فِي الْإِسْلَامِ عُثْمَانُ، قَدِمَتْ عَلَيْهِ عِيرٌ تَحْمِلُ دَقِيقًا وَعَسَلًا فَخَلَطَهُمَا. «وَصَحَّ أَنَّ عِيرًا قَدِمَتْ فِيهَا جَمَلٌ لَهُ عَلَيْهِ دَقِيقٌ حُوَّارَى وَعَسَلٌ وَسَمْنٌ، فَأَتَى النَّبِيُّ - ﷺ - فَدَعَا فِيهَا بِالْبَرَكَةِ ثُمَّ دَعَا بِبُرْمَةٍ فَنُصِبَتْ عَلَى النَّارِ، وَجَعَلَ فِيهَا مِنَ الْعَسَلِ وَالدَّقِيقِ وَالسَّمْنِ، ثُمَّ عَصَدَ حَتَّى نَضِجَ، ثُمَّ أُنْزِلَ فَقَالَ - ﷺ: " كُلُوا، هَذَا شَيْءٌ تُسَمِّيهِ فَارِسُ الْخَبِيصَ» ". (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ)، وَفِي حَيَاةِ الْحَيَوَانِ لِلدَّمِيرِيِّ: رَوَاهُ أَصْحَابُ الْكُتُبِ السِّتَّةِ.
[ ٧ / ٢٧٠١ ]
٤١٨٣ - وَعَنْ جَابِرٍ - ﵁ - «أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - سَأَلَ أَهْلَهُ الْأُدْمَ، فَقَالُوا: مَا عِنْدَنَا إِلَّا خَلٌّ، فَدَعَا بِهِ، فَجَعَلَ يَأْكُلُ بِهِ وَيَقُولُ: نِعْمَ الْإِدَامُ الْخَلُّ، نِعْمَ الْإِدَامُ الْخَلُّ» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ
_________________
(١) (وَعَنْ جَابِرٍ - ﵁ - أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - سَأَلَ أَهْلَهُ): أَيْ أَهْلَ بَيْتِهِ وَخَدَمَهُ مِنْ أَزْوَاجِهِ الطَّاهِرَاتِ وَغَيْرِهِنَّ، الْمَعْنَى طَلَبَ مِنْهُمُ (الْأُدُمَ): بِضَمَّتَيْنِ وَسُكُونِ الثَّانِي مَا يُؤْتَدَمُ بِهِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: هُوَ جَمْعُ الْإِدَامِ كَكِتَابٍ وَكُتُبٍ. وَفِي الْفَائِقِ: الْأُدُمُ اسْمٌ لِكُلِّ مَا يُؤْتَدَمُ وَيُصْطَبَغُ، وَحَقِيقَتُهُ مَا يُؤْتَدَمُ بِهِ الطَّعَامُ أَيْ يُصْلَحُ، وَهَذَا الْوَزْنُ يَجِيءُ لِمَا يُفْعَلُ بِهِ كَالرِّكَابِ لِمَا يُرْكَبُ بِهِ، وَالْحِزَامِ لِمَا يُحَزَّمُ بِهِ (فَقَالُوا: مَا عِنْدَنَا) أَيْ مِنَ الْإِدَامِ (إِلَّا خَلٌّ، فَدَعَا بِهِ): أَيْ طَلَبَهُ (فَجَعَلَ): أَيْ شَرَعَ (يَأْكُلُ): أَيِ الْخُبْزَ (بِهِ): أَيْ بِالْخَلِّ («وَيَقُولُ: نِعْمَ الْإِدَامُ الْخَلُّ، نِعْمَ الْإِدَامُ الْخَلُّ»): كَرَّرَهُ مُبَالَغَةً فِي مَدْحِهِ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ: فِيهِ مَدْحُ الِاقْتِصَادِ فِي الْمَأْكَلِ وَمَنْعُ النَّفْسِ عَنْ مَلَاذِّ الْأَطْعِمَةِ، قَالَ النَّوَوِيُّ: وَفِي مَعْنَاهُ مَا يَخِفُّ مُؤْنَتُهُ وَلَا يَعِزُّ وُجُودُهُ، وَفِيهِ أَنَّ مَنْ حَلَفَ أَنْ لَا يَأْتَدِمَ فَأْتَدَمَ بِخَلٍّ يَحْنَثُ اهـ. وَهُوَ كَذَلِكَ لِقَضَاءِ الْعُرْفِ أَيْضًا. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ)، وَفِي الشَّمَائِلِ لِلتِّرْمِذِيِّ، عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: " «نِعْمَ الْإِدَامُ الْخَلُّ» "، وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ عَنْ أُمِّ سَعْدٍ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: " «نِعْمَ الْإِدَامُ الْخَلُّ، اللَّهُمَّ بَارِكْ فِي الْخَلِّ» "، وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ: «فَإِنَّهُ كَانَ إِدَامَ الْأَنْبِيَاءِ قَبْلِي» "، وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ: «لَمْ يَفْتَقِرْ بَيْتٌ فِيهِ خَلٌّ» "، وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ حَدِيثُ: («نِعْمَ الْإِدَمُ الْخَلُّ») . رَوَاهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ وَالْأَرْبَعَةُ عَنْ جَابِرٍ، وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ عَنْ عَائِشَةَ - ﵂ -.
[ ٧ / ٢٧٠١ ]
٤١٨٤ - وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ - ﵁ - قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ: " «الْكَمْأَةُ مِنَ الْمَنِّ وَمَاؤُهَا شِفَاءٌ لِلْعَيْنِ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ: " «مِنَ الْمَنِّ الَّذِي أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى مُوسَى - ﵇» - ".
_________________
(١) (وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ): أَيِ الْعَدَوِيِّ " أَحَدِ الْعَشَرَةِ الْمُبَشَّرَةِ " - ﵁ - (قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ: الْكَمْأَةُ بِفَتْحِ الْكَافِ وَإِسْكَانِ الْمِيمِ بَعْدَهَا هَمْزَةٌ، نَبْتٌ بِالْبَرِّيَّةِ تَنْشَقُّ عَنْهُ الْأَرْضُ لَهُ أَصْلٌ يُؤْكَلُ. وَقَالَ شَارِحٌ: هِيَ شَيْءٌ أَبْيَضُ مِثْلُ الشَّحْمِ يَنْبُتُ مِنَ الْأَرْضِ يُقَالُ لَهَا: سَمَارُوعٌ (مِنَ الْمَنِّ): أَيْ مِمَّا مَنَّ اللَّهُ عَلَى عِبَادِهِ، فَيَكُونُ الْمُرَادُ مِنَ الْمَنِّ النِّعْمَةَ، وَقِيلَ: هُوَ التَّرَنْجَبِينُ، وَقِيلَ: شَيْءٌ، يُشْبِهُهُ، الْمَعْنَى أَنَّهَا مِمَّا يُشَابِهُهُ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ يَحْصُلُ بِغَيْرِ تَعَبٍ أَوْ فِي الطَّبْعِ وَالنَّفْعِ (وَمَاؤُهَا شِفَاءٌ لِلْعَيْنِ): قِيلَ: مَخْلُوطًا بِالْأَدْوِيَةِ، وَقِيلَ: مُنْفَرِدًا، وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنْ إِطْلَاقِ الْحَدِيثِ، قَالَهُ الطِّيبِيُّ، وَسَيَجِيءُ بِحْثُهُ فِي الْحَدِيثِ الرَّابِعِ مِنَ الْفَصْلِ الثَّالِثِ مِنْ كِتَابِ الطِّبِّ وَالرُّقَى. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ)، وَرَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ وَجَابِرٍ، وَأَبُو نُعَيْمٍ فِي الطِّبِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَعَنْ عَائِشَةَ، وَفِي رِوَايَةٍ لِأَبِي نُعَيْمٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ: " «الْكَمْأَةُ مِنَ الْمَنِّ وَالْمَنُّ مِنَ الْجَنَّةِ وَمَاؤُهَا شِفَاءٌ لِلْعَيْنِ» ". (وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ: «مِنَ الْمَنِّ الَّذِي أَنْزَلَ اللَّهُ تُعَالَى عَلَى - مُوسَى ﵇» -) .
[ ٧ / ٢٧٠٢ ]
٤١٨٥ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ - ﵄ - قَالَ: «رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يَأْكُلُ الرُّطَبَ بِالْقِثَّاءِ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
_________________
(١) (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ): أَيِ ابْنِ أَبِي طَالِبٍ - ﵁ - قَالَ: («رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يَأْكُلُ الرُّطَبَ بِالْقِثَّاءِ»): بِكَسْرِ الْقَافِ وَتَشْدِيدِ الْمُثَلَّثَةِ مَمْدُودًا. وَفِي الْمِصْبَاحِ: هُوَ فِعَّالٌ وَكَسْرُ الْقَافِ أَكْثَرُ مِنْ ضَمِّهَا. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ): وَرَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْأَرْبَعَةُ،: فِي الشَّمَائِلِ لِلتِّرْمِذِيِّ وَلَفْظُهُ: " «يَأْكُلُ الْقِثَّاءَ بِالرُّطَبِ» "، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَوِ الْمُقَدَّمُ أَصْلٌ فِي الْمَأْكُولِ كَالْخُبْزِ وَالْمُؤَخَّرُ كَالْإِدَامِ، وَقَدْ أَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جَعْفَرٍ قَالَ: " «رَأَيْتُ فِي يَمِينِ النَّبِيِّ - ﷺ - قِثَّاءً، وَفِي شِمَالِهِ رُطَبًا، وَهُوَ يَأْكُلُ مِنْ ذَا مَرَّةً وَمِنْ ذَا مَرَّةً» " اهـ. وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى تَبْدِيلِ مَا فِي يَدِهِ لِئَلَّا يَلْزَمَ الْأَكْلُ بِالشِّمَالِ. قَالَ النَّوَوِيُّ: فِيهِ جَوَازُ أَكْلِ الطَّعَامَيْنِ مَعًا وَالتَّوَسُّعُ فِي الْأَطْعِمَةِ، وَلَا خِلَافَ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ فِي جَوَازِهِ وَمَا نُقِلَ عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ مِنْ خِلَافِ هَذَا مَحْمُولٌ عَلَى كَرَاهَةِ اعْتِيَادِ هَذَا التَّوَسُّعِ وَالتَّرْفِيهِ وَالْإِكْثَارِ مِنْهُ بِغَيْرِ مَصْلَحَةٍ دِينِيَّةٍ.: قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: يُؤْخَذُ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ جَوَازُ مُرَاعَاةِ صِفَاتِ الْأَطْعِمَةِ وَطَبَائِعِهَا، وَاسْتِعْمَالِهَا عَلَى الْوَجْهِ الْأَلْيَقِ بِهَا عَلَى قَاعِدَةِ الطِّبِّ؛ لِأَنَّ فِي الرُّطَبِ حَرَارَةً، وَفِي الْقِثَّاءِ بُرُودَةً، فَإِذَا أُكِلَا مَعًا اعْتَدَلَا، وَهَذَا أَصْلٌ كَبِيرٌ فِي الْمُرَكَّبَاتِ مِنَ الْأَدْوِيَةِ. وَمِنْ فَوَائِدِ أَكْلِ هَذَا الْمُرَكَّبِ الْمُعْتَدِلِ تَعْدِيلُ الْمَزَاجِ، وَتَسْمِينُ الْبَدَنِ، كَمَا أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ صَحَّ حَدِيثُ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: " «أَرَادَتْ أُمِّي أَنْ تُهَيِّئَنِي لِلسِّمَنِ لِتُدْخِلَنِي عَلَى النَّبِيِّ - ﷺ - فَمَا اسْتَقَامَ لَهَا ذَلِكَ حَتَّى أَكَلْتُ الرُّطَبَ بِالْقِثَّاءِ فَسَمِنْتُ كَأَحْسَنِ السِّمَنِ» " اهـ. وَفِي رِوَايَةٍ لِلتِّرْمِذِيِّ عَنْ عَائِشَةَ: «أَنَّهُ - ﷺ - كَانَ يَأْكُلُ الْبِطِّيخَ بِالرُّطَبِ» . وَفِي رِوَايَةٍ لِلتِّرْمِذِيِّ وَالْبَيْهَقِيِّ: «أَنَّهُ - ﷺ - كَانَ يَأْكُلُ الْبِطِّيخَ بِالرُّطَبِ وَيَقُولُ: " يُكْسَرُ حَرُّ هَذَا بِبَرْدِ هَذَا وَبَرْدُ هَذَا بِحَرِّ هَذَا» ". وَفِي الْقَامُوسِ: الْبِطِّيخُ كَسِكِّينٍ. وَأَخْرَجَ أَبُو نُعَيْمٍ فِي كِتَابِ الطِّبِّ لَهُ بِسَنَدٍ فِيهِ ضَعْفٌ، عَنْ أَنَسٍ «أَنَّهُ - ﵇ - كَانَ يَأْخُذُ الرُّطَبَ بِيَمِينِهِ وَالْبِطِّيخَ بِشِمَالِهِ، فَكَانَ يَأْكُلُ الرُّطَبَ بِالْبِطِّيخِ، وَكَانَ أَحَبَّ الْفَاكِهَةِ إِلَيْهِ» . وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ فِي الشَّمَائِلِ، عَنْ أَنَسٍ - ﵁ - قَالَ: «رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يَجْمَعُ بَيْنَ الْخِرْبِزِ وَالرُّطَبِ» وَهُوَ بِكَسْرِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الرَّاءِ، وَكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ آخِرُهَا زَايٌ، وَهُوَ الْبِطِّيخُ بِالْفَارِسِيَّةِ عَلَى مَا فِي النِّهَايَةِ. وَقِيلَ: هُوَ نَوْعٌ مِنَ الْبِطِّيخِ وَهُوَ الْأَصْفَرُ، وَقِيلَ: هُوَ الْأَخْضَرُ، وَهُوَ الْأَنْسَبُ لِأَنَّ الْأَصْفَرَ فِيهِ حَرَارَةٌ، اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يُقَالَ فِيهِ بِالنِّسْبَةِ لِلرُّطَبِ بُرُودَةٌ ; وَإِنْ كَانَ فِيهِ لِحَلَاوَتِهِ طَرَفُ حَرَارَةٍ وَيُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى نَوْعٍ مِنْهُ لَمْ يَتِمَّ نُضْجُهُ، فَإِنَّ فِيهِ بُرُودَةً يَعْدِلُهَا الرُّطَبُ. وَقَدْ قَالَ الشَّيْخُ شَمْسُ الدِّينِ الدِّمَشْقِيُّ: رَوَى أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - «أَنَّهُ كَانَ يَأْكُلُ الْبِطِّيخَ بِالرُّطَبِ، وَيَقُولُ: " يَدْفَعُ حَرُّ هَذَا بَرْدَ هَذَا وَبَرْدُ هَذَا حَرَّ هَذَا» ". وَفِي الْبِطِّيخِ عِدَّةُ أَحَادِيثَ لَا يَصِحُّ مِنْهَا شَيْءٌ غَيْرُ هَذَا الْحَدِيثِ، وَالْمُرَادُ بِهِ الْأَخْضَرُ، وَهُوَ بَارِدٌ رَطْبٌ فِيهِ حَلَاوَةٌ، وَهُوَ أَسْرَعُ انْحِدَارًا مِنَ الْقِثَّاءِ وَالْخِيَارِ.
[ ٧ / ٢٧٠٢ ]
٤١٨٦ - وَعَنْ جَابِرٍ - ﵁ - قَالَ: «كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - بِمَرِّ الظَّهْرَانِ نَجْنِي الْكَبَاثَ، فَقَالَ: عَلَيْكُمْ بِالْأَسْوَدِ مِنْهُ، لِأَنَّهُ أَطْيَبُ "، فَقِيلَ: أَكُنْتَ تَرْعَى الْغَنَمَ؟، قَالَ: نَعَمْ، وَهَلْ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا رَعَاهَا؟» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
_________________
(١) (وَعَنْ جَابِرٍ - ﵁ - قَالَ كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - بِمَرِّ الظَّهْرَانِ): بِفَتْحِ الْمِيمِ وَكَسْرِ الرَّاءِ، ثُمَّ بِفَتْحِ الظَّاءِ وَسُكُونِ الْهَاءِ اسْمُ مَوْضِعٍ قُرْبَ مَكَّةَ، (نَجْنِي الْكَبَاثَ): بِفَتْحِ الْكَافِ وَمُوَحَّدَةٍ مُخَفَّفَةٍ، ثُمَّ أَلِفٍ، ثُمَّ مُثَلَّثَةٍ، النَّضِيجُ مِنْ تَمْرِ الْأَرَاكِ (فَقَالَ: عَلَيْكُمْ بِالْأَسْوَدِ مِنْهُ): أَيِ اقْصُدُوا مَا كَانَ أَسْوَدَ مِنْهُ (فَإِنَّهُ أَطْيَبُ): أَيْ أَكْثَرُ لَذَّةً وَأَزْيَدُ مَنْفَعَةً (فَقِيلَ: أَكُنْتَ تَرْعَى الْغَنَمَ؟): أَيْ حَتَّى تَعْرِفَ الْأَطْيَبَ مِنْ غَيْرِهِ، فَإِنَّ الرَّاعِيَ لِكَثْرَةِ تَرَدُّدِهِ فِي الصَّحْرَاءِ تَحْتَ الْأَشْجَارِ يَكُونُ أَعْرَفَ مِنْ غَيْرِهِ. (قَالَ: نَعَمْ، وَهَلْ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا رَعَاهَا؟): قَالَ الْخَطَّابِيُّ: يُرِيدُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَضَعِ النُّبُوَّةَ فِي أَبْنَاءِ الدُّنْيَا وَمُلُوكِهَا، وَلَكِنْ فِي رِعَاءِ الشَّاءِ، وَأَهْلِ التَّوَاضُعِ مِنْ أَصْحَابِ الْحِرَفِ، كَمَا رُوِيَ أَنَّ أَيُّوبَ كَانَ خَيَّاطًا، وَزَكَرِيَّا كَانَ نَجَّارًا، وَقَدْ قَصَّ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ نَبَأِ مُوسَى وَكَوْنِهِ أَجِيرًا لِشُعَيْبٍ فِي رَعْيِ الْغَنَمِ مَا قَصَّ. قُلْتُ: وَلَعَلَّ الْحِكْمَةَ أَنَّهُمْ غُذُّوا بِالْحَلَالِ وَعَمِلُوا بِالصَّالِحِ مِنَ الْأَعْمَالِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾ [المؤمنون: ٥١] ثُمَّ فِي رَعْيِ الْغَنَمِ زِيَادَةً عَلَى الْكَسْبِ الطَّيِّبِ التَّفَرُّدُ وَالْعُزْلَةُ عَنِ النَّاسِ، وَالْخَلْوَةُ، وَالْجَلْوَةُ مَعَ الرَّبِّ وَالِاسْتِئْنَاسُ. وَفِي شَرْحِ مُسْلِمٍ لِلنَّوَوِيِّ قَالُوا: وَالْحِكْمَةُ فِي رَعْيِ الْأَنْبِيَاءِ لِلْغَنَمِ أَنْ يَأْخُذُوا أَنْفُسَهُمْ بِالتَّوَاضُعِ. بِمُؤَانَسَةِ الضُّعَفَاءِ، وَتَصْفَى قُلُوبُهُمْ بِالْخَلْوَةِ، وَيَتَرَقَّوْا مِنْ سِيَاسَتِهَا بِالنَّصِيحَةِ إِلَى سِيَاسَةِ أُمَمِهِمْ بِالْهِدَايَةِ وَالشَّفَقَةِ. وَرَوَى الشَّيْخُ أَبُو الْقَاسِمِ فِي التَّجَبُّرِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَوْحَى إِلَى مُوسَى - ﵇ - فَقَالَ لَهُ. أَتَدْرِي لِمَ رَزَقْتُكَ النُّبُوَّةَ؟، فَقَالَ: يَا رَبِّ أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ، فَقَالَ: تَذْكُرُ الْيَوْمَ الَّذِي كُنْتَ تَرْعَى الْغَنَمَ بِالْمَوْضِعِ الْفُلَانِيِّ، فَهَرَبَتْ شَاةٌ فَغَدَوْتَ خَلْفَهَا، فَلَمَّا لَحِقْتَهَا لَمْ تَضُرَّهَا، وَقُلْتَ: أَتْعَبْتِنِي وَأَتْعَبْتِ نَفْسَكِ، فَحِينَ رَأَيْتُ مِنْكَ تِلْكَ الشَّفَقَةَ عَلَى ذَلِكَ الْحَيَوَانِ رَزَقْتُكَ النُّبُوَّةَ اهـ. وَفِي رِوَايَةٍ: أَنَّهُ حَمَلَهَا عَلَى كَتِفِهِ وَرَدَّهَا إِلَى مَوْضِعِهَا، «فَالرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمُ الرَّحْمَنُ، ارْحَمُوا مَنْ فِي الْأَرْضِ يَرْحَمْكُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ»، «وَمَنْ تَوَاضَعَ لِلَّهِ رَفَعَهُ» . (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
[ ٧ / ٢٧٠٣ ]
٤١٨٧ - وَعَنْ أَنَسٍ - ﵁ - قَالَ: «رَأَيْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - مُقْعِيًا يَأْكُلُ تَمْرًا» . وَفِي رِوَايَةٍ: «يَأْكُلُ مِنْهُ أَكْلًا ذَرِيعًا» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
_________________
(١) (وَعَنْ أَنَسٍ - ﵁ - قَالَ: «رَأَيْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - مُقْعِيًا»): اسْمُ فَاعِلٍ مِنَ الْإِقْعَاءِ (يَأْكُلُ تَمْرًا): حَالٌ أَوْ مَفْعُولٌ ثَانٍ، وَمُقْعِيًا حَالٌ أَيْ: جَالِسًا عَلَى وَرِكَيْهِ رَافِعًا رُكْبَتَهُ وَهِيَ الْجِلْسَةُ الْمَنْهِيُّ عَنْهَا فِي الصَّلَاةِ، كَذَا ذَكَرَهُ بَعْضُ الشُّرَّاحِ مِنْ عُلَمَائِنَا، وَقِيلَ: الْإِقْعَاءُ الْمَنْهِيُّ عَنْهُ فِي الصَّلَاةِ، هُوَ أَنْ يَجْلِسَ وَاضِعًا إِلْيَتَيْهِ عَلَى عَقِبَيْهِ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّ كِلَيْهِمَا مَكْرُوهٌ فِي الصَّلَاةِ، وَإِنَّمَا لَمْ يُكْرَهْ هُنَا لِأَنَّ ثَمَّ فِيهِ تَشْبِيهٌ بِالْكِلَابِ، وَهُنَا تَشْبِيهٌ بِالْأَرِقَّاءِ، فَفِيهِ غَايَةُ التَّوَاضُعِ أَوْ مَبْنَى الصَّلَاةِ عَلَى التَّأَنِّي فَلَا يُنَاسِبُهُ الْإِقْعَاءُ، بِخِلَافِ حَالِ الْأَكْلِ، فَإِنَّهُ يُلَائِمُهُ الْعَجَلَةُ لِيَفْرُغَ لِلْعِبَادِةِ. قَالَ النَّوَوِيُّ: مَعْنَاهُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ جَالِسًا عَلَى إِلْيَتَيْهِ نَاصِبًا سَاقَيْهِ، وَهُوَ فِي مَعْنَى الْحَدِيثِ الْآخَرِ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ: " «لَا آكُلُ مُتَّكِئًا» " عَلَى مَا فَسَّرَهُ الْإِمَامُ الْخَطَّابِيُّ يَعْنِي: لَا آكُلُ أَكْلَ مَنْ يُرِيدُ الِاسْتِكْثَارَ مِنَ الطَّعَامِ، وَيَقْعُدُ لَهُ مُتَمَكِّنًا، بَلْ أَقْعُدُ مُسْتَوْفِزًا وَآكُلُ قَلِيلًا، قُلْتُ: وَيُؤَيِّدُهُ مَا رَوَاهُ ابْنُ سَعْدٍ وَغَيْرُهُ عَنْ عَائِشَةَ: " «آكُلُ كَمَا يَأْكُلُ الْعَبْدُ، وَأَجْلِسُ كَمَا يَجْلِسُ الْعَبْدُ» ". (وَفِي رِوَايَةٍ): أَيْ: لِمُسْلِمٍ (يَأْكُلُ مِنْهُ): أَيْ مِنَ التَّمْرِ (أَكْلًا ذَرِيعًا): أَيْ مُسْتَعْجِلًا سَرِيعًا، قَالَ النَّوَوِيُّ: وَكَانَ اسْتِعْجَالُهُ لِاسْتِيفَازِهِ لِأَمْرٍ أَهَمَّ مِنْ ذَلِكَ، فَأَسْرَعَ فِي الْأَكْلِ لِيَقْضِيَ حَاجَتَهُ مِنْهُ وَيَرُدَّ الْجَوْعَةَ، ثُمَّ يَذْهَبَ فِي ذَلِكَ الشُّغْلِ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ): وَفِي الشَّمَائِلِ لِلتِّرْمِذِيِّ عَنْ أَنَسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ «أُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - بِتَمْرٍ فَرَأَيْتُهُ يَأْكُلُ وَهُوَ مُقْعٍ مِنَ الْجُوعِ» أَيْ: لِأَجْلِهِ، وَالْمَعْنَى أَنَّ إِقْعَاءَهُ وَإِسْرَاعَهُ كَانَ لِأَجْلِ جُوعِهِ، وَوَقَعَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ: " وَهُوَ مُحْتَفِزٌ ". قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: الْإِقْعَاءُ عِنْدَ أَهْلِ اللُّغَةِ أَنْ يُلْصِقَ الرَّجُلُ إِلْيَتَيْهِ بِالْأَرْضِ،: وَيَنْصِبَ سَاقَيْهِ، وَيَتَسَانَدَ ظَهْرَهُ، وَقَالَ الْفُقَهَاءُ فِي الْإِقْعَاءِ الْمَنْهِيِّ لِلصَّلَاةِ هُوَ أَنْ يَضَعَ إِلْيَتَيْهِ عَلَى عَقِبَيْهِ بَيْنَ
[ ٧ / ٢٧٠٣ ]
السَّجْدَتَيْنِ. قَالَ الْجَزَرِيُّ فِي النِّهَايَةِ: وَمِنَ الْأَوَّلِ حَدِيثُ أَنَّهُ - ﷺ - كَانَ يَأْكُلُ مُقْعِيًا أَيْ: يَجْلِسُ عِنْدَ الْأَكْلِ عَلَى وَرِكَيْهِ مُسْتَوْفِزًا غَيْرَ مُتَمَكِّنٍ، وَتَبِعَهُ الْعَسْقَلَانِيُّ، وَفِي الْقَامُوسِ: أَقْعَى فِي جُلُوسِهِ أَيْ: تَسَانَدَ إِلَى مَا وَرَاءَهُ، وَحِينَئِذٍ فَيُجْمَعُ بَيْنَ قَوْلِهِ وَنَقْلِ الْجَوْهَرِيِّ عَنِ اللُّغَوِيِّينَ وَالْفُقَهَاءِ بِالْجَمْعِ بَيْنَ هَيْئَةِ الِاحْتِبَاءِ وَالتَّسَانُدِ إِلَى الْوَرَاءِ، فَمَعْنَى " وَهُوَ مُقْعٍ مِنَ الْجُوعِ " مُحْتَبِيًا مُسْتَنِدًا لِمَا وَرَاءَهُ مِنَ الضَّعْفِ الْحَاصِلِ لَهُ بِسَبَبِ الْجُوعِ، وَبِمَا تَحَرَّرَ تَقَرَّرَ أَنَّ الِاسْتِنَادَ لَيْسَ مِنْ مَنْدُوبَاتِ الْأَكْلِ، بَلْ مِنْ ضَرُورَاتِهِ لِأَنَّهُ - ﷺ - لَمْ يَفْعَلْهُ إِلَّا لِذَلِكَ الضَّعْفِ الْحَاصِلِ لَهُ الْحَامِلِ عَلَيْهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
[ ٧ / ٢٧٠٤ ]
٤١٨٨ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ - ﵄ - قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - أَنْ يَقْرِنَ الرَّجُلُ بَيْنَ التَّمْرَتَيْنِ حَتَّى يَسْتَأْذِنَ أَصْحَابَهُ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
_________________
(١) (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - أَنْ يَقْرُنَ»): بِضَمِّ الرَّاءِ وَفِي نُسْخَةٍ بِكَسْرِهَا، فَفِي الْمِصْبَاحِ: قَرَنَ مِنْ بَابِ نَصَرَ، وَفِي لُغَةٍ مِنْ بَابِ ضَرَبَ. وَفِي الْقَامُوسِ: قَرَنَ بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ قَرْنًا جَمَعَ كَأَقْرَنَ فِي لُغَةٍ، وَالْقِرَانُ كَكِتَابٍ الْجَمْعُ بَيْنَ التَّمْرَتَيْنِ فِي الْأَكْلِ أَيْ: يَجْمَعَ (الرَّجُلُ بَيْنَ التَّمْرَتَيْنِ): أَيْ: بِأَنْ يَأْكُلَهُمَا دُفْعَةً (حَتَّى يَسْتَأْذِنَ): أَيِ الرَّجُلُ (أَصْحَابَهُ): أَيْ رُفَقَاءَهُ أَوْ أَصْحَابَ الطَّعَامِ. قَالَ بَعْضُ عُلَمَائِنَا: هَذَا إِذَا أَضَافَهُمْ أَحَدٌ، فَإِنْ خَلَطُوا طَعَامَهُمْ وَأَكَلُوا مَعًا يَجُوزُ أَمْ لَا؟ قَالَ الْأَئِمَّةُ: يَجُوزُ، لَكِنْ لَا يَجُوزُ أَنْ يَقْصِدَ الرَّجُلُ مِنْهُمْ لُقْمَةً مِنْ لُقْمَةِ صَاحِبِهِ، فَإِنِ اتَّفَقَ أَكْلُ أَحَدِهِمْ أَكْثَرَ بِلَا قَصْدٍ جَازَ اهـ. وَقِيلَ: هَذَا إِذَا كَانَ زَمَانُ قَحْطٍ، أَوْ كَانَ الطَّعَامُ قَلِيلًا وَالْآكِلُونَ كَثِيرًا، فَإِنَّهُ إِذْ ذَاكَ يَحْتَاجُ إِلَى الِاسْتِئْذَانِ. قَالَ السُّيُوطِيُّ: فِي الْحَدِيثِ نَهْيٌ عَنِ الْقِرَانِ، وَسَبَبُهُ أَنَّهُمْ كَانُوا فِي ضِيقٍ مِنَ الْعَيْشِ ثُمَّ نُسِخَ لَمَّا حَصَلَتِ التَّوْسِعَةُ لِخَبَرِ: " «كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنِ الْقِرَانِ فِي التَّمْرِ وَإِنَّ اللَّهَ وَسَّعَ عَلَيْكُمْ فَقَارِنُوا» " أَيْ: إِنْ شِئْتُمْ. فِي شَرْحِ السُّنَّةِ: فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ الْمُنَاهَدَةِ، وَهِيَ أَنْ يُخْرِجُوا نَفَقَاتِهِمْ عَلَى قَدْرِ عَدَدِ الرُّفْقَةِ، وَكَانَ الْمُسْلِمُونَ لَا يَرَوْا بِهَا بَأْسًا وَإِنْ تَفَاوَتُوا فِي الْأَكْلِ عَادَةً إِذَا لَمْ يَقْصِدْ مُغَالَبَةَ صَاحِبِهِ. وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: إِنَّمَا جَاءَ النَّهْيُ عَنِ الْقِرَانِ لِعِلَّةٍ مَعْلُومَةٍ وَهِيَ مَا كَانَ الْقَوْمُ فِيهِ مِنْ شِدَّةِ الْعَيْشِ وَضِيقِ الطَّعَامِ، وَأَمَّا الْيَوْمَ مَعَ اتِّسَاعِ الْحَالِ فَلَا حَاجَةَ إِلَى الْإِذْنِ. قَالَ النَّوَوِيُّ ﵀: وَلَيْسَ كَمَا قَالَ الْخَطَّابِيُّ، بَلِ الصَّوَابُ التَّفْصِيلُ، كَمَا سَنَذْكُرُهُ؛ لِأَنَّ الِاعْتِبَارَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لَا بِخُصُوصِ السَّبَبِ لَوْ ثَبَتَ، فَكَيْفَ وَهُوَ غَيْرُ ثَابِتٍ، وَذَلِكَ أَنَّ الطَّعَامَ إِذَا كَانَ مُشْتَرَكًا بَيْنَهُمْ، فَالْإِقْرَانُ حَرَامٌ إِلَّا بِرِضَاهُمْ إِمَّا تَصْرِيحًا مِنْهُمْ أَوْ ظَنًّا قَوِيًّا مِنْهُ، وَإِنْ شُكَّ فِيهِ فَهُوَ حَرَامٌ، وَإِنْ كَانَ الطَّعَامُ لِنَفْسِهِ وَقَدْ ضَيَّفَهُمْ بِهِ فَلَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ الْقِرَانُ، ثُمَّ إِنْ كَانَ فِي الطَّعَامِ قِلَّةٌ فَلَا يَحْسُنُ الْقِرَانُ، بَلْ يُسَاوِيهِمْ وَإِنْ كَانَ كَثِيرًا، بِحَيْثُ يَفْضُلُ عَنْهُمْ فَلَا بَأْسَ بِهِ، لَكِنَّ الْأَدَبَ مُطْلَقًا التَّأْدِيبُ فِي الْأَكْلِ وَتَرْكُ الشَّرَهِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مُسْتَعْجِلًا كَمَا سَبَقَ، وَفِيهِ أَنَّ الْخَطَّابِيَّ بَنَى كَلَامَهُ عَلَى حُسْنِ الظَّنِّ بِالْمُؤْمِنِينَ وَعَلَى الِاتِّسَاعِ الْأَغْلَبِيِّ، فَمَا خَرَجَ عَنْ حَيِّزِ الصَّوَابِ إِلَى صَوْبِ الْخَطَأِ، مَعَ أَنَّ الْخَطَّابِيَّ ثَبْتٌ مِنْ أَئِمَّةِ النَّقْلِ، وَيُؤَيِّدُهُ نَقْلُ السُّيُوطِيِّ مَعَ تَصْرِيحِ الْحَدِيثِ عَلَيْهِ، وَالْقَاعِدَةُ أَنَّ الْمُثْبِتَ مُقَدَّمٌ عَلَى النَّافِي، فَتَأَمَّلْ وَأَنْصِفْ إِنْ كُنْتَ لَسْتَ مِنْ أَهْلِ التَّقْلِيدِ وَتُرِيدُ طَرِيقَ التَّحْقِيقِ وَالتَّأْيِيدِ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ): وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ بِلَفْظِ: " «نَهَى عَنِ الْإِقْرَانِ إِلَّا أَنْ يَسْتَأْذِنَ الرَّجُلُ أَخَاهُ» ". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالشَّيْخَانِ وَأَبُو دَاوُدَ عَنْهُ، نَهَى أَنْ يُلْقِيَ النَّوَاةَ عَلَى الطَّبَقِ الَّذِي يُؤْكَلُ مِنْهُ الرُّطَبُ وَالتَّمْرُ. رَوَاهُ الشِّيرَازِيُّ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنْ عَلِيٍّ - ﵁ -.
[ ٧ / ٢٧٠٤ ]
٤١٨٩ - وَعَنْ عَائِشَةَ - ﵂ - أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: " «لَا يَجُوعُ أَهْلُ بَيْتٍ عِنْدَهُمُ التَّمْرُ» ". وَفِي رِوَايَةٍ: قَالَ: " «يَا عَائِشَةُ بَيْتٌ لَا تَمْرَ فِيهِ، جِيَاعٌ أَهْلُهُ " قَالَهَا مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
_________________
(١) (وَعَنْ عَائِشَةَ - ﵂: «أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ لَا يَجُوعُ أَهْلُ بَيْتٍ عِنْدَهُمُ التَّمْرُ» ". وَفِي رِوَايَةٍ: قَالَ: «يَا عَائِشَةُ بَيْتٌ لَا تَمْرَ فِيهِ، جِيَاعٌ»): بِكَسْرِ الْجِيمِ جَمْعُ جَائِعٍ (أَهْلُهُ): قِيلَ: أَرَادَ بِهِ أَهْلَ الْمَدِينَةِ وَمَنْ كَانَ قُوتُهُمُ التَّمْرَ، أَوِ الْمُرَادُ بِهِ تَعْظِيمُ شَأْنِ التَّمْرِ (قَالَهَا مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا): قَالَ النَّوَوِيُّ: فِيهِ فَضِيلَةُ التَّمْرِ وَجَوَازُ الِادِّخَارِ لِلْأَهْلِ وَالْحَثُّ عَلَيْهِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: وَيُمْكِنُ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى الْحَثِّ عَلَى الْقَنَاعَةِ فِي بَلَدٍ يَكْثُرُ فِيهِ التَّمْرُ، يَعْنِي بَيْتًا فِيهِ تَمْرٌ وَقَنِعُوا بِهِ لَا يَجُوعُ أَهْلُهُ، وَإِنَّمَا الْجَائِعُ مَنْ لَيْسَ عِنْدَهُ تَمْرٌ، وَيَنْصُرُهُ الْحَدِيثُ الْآتِي: كَانَ يَأْتِي عَلَيْنَا الشَّهْرُ مَا نُوقِدُ فِيهِ نَارًا، إِنَّمَا هُوَ التَّمْرُ وَالْمَاءُ ". (رَوَاهُ مُسْلِمٌ)، وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: رَوَى الْفَصْلَ الْأَوَّلَ مِنَ الْحَدِيثِ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ، وَالْفَصْلُ الثَّانِي مِنْهُ رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
[ ٧ / ٢٧٠٤ ]
٤١٩٠ - وَعَنْ سَعْدٍ - ﵁ - قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يَقُولُ: «مَنْ تَصَبَّحَ بِسَبْعِ تَمَرَاتٍ عَجْوَةٍ لَمْ يَضُرَّهُ ذَلِكَ الْيَوْمَ سَمٌّ وَلَا سِحْرٌ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
_________________
(١) (وَعَنْ سَعْدٍ): أَيِ: ابْنِ أَبِي وَقَّاصٍ أَحَدِ الْعَشَرَةِ (- ﵁ - قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يَقُولُ: مَنْ تَصَبَّحَ): بِتَشْدِيدِ الْمُوَحَّدَةِ (بِسَبْعِ تَمَرَاتٍ): الْبَاءُ لِلتَّعْدِيَةِ أَيْ: يَأْكُلُهَا فِي الصَّبَاحِ قَبْلَ أَنْ يَطْعَمَ شَيْئًا، وَقَوْلُهُ: (عَجْوَةٍ): بِالْجَرِّ عَلَى أَنَّهُ عَطْفُ بَيَانٍ لِتَمَرَاتٍ، وَهُوَ نَوْعٌ جَيِّدٌ مِنْ تَمْرِ الْمَدِينَةِ، لَوْنُهُ أَسْوَدُ كَذَا فِي رَوْضَةِ الْأَحْبَابِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِالْإِضَافَةِ، وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: عَجْوَةً نُصِبَ عَلَى التَّمْيِيزِ. (لَمْ يَضُرَّهُ): بِتَشْدِيدِ الرَّاءِ الْمَفْتُوحَةِ وَفِي نُسْخَةٍ بِضَمِّهَا، وَأَمَّا كَسْرُهَا فَغَيْرُ صَحِيحٍ مَعَ الضَّمِيرِ (ذَلِكَ الْيَوْمَ سَمٌّ): بِفَتْحِ السِّينِ وَيَجُوزُ تَثْلِيثُهَا (وَلَا سِحْرٌ): فِي النِّهَايَةِ: الْعَجْوَةُ نَوْعٌ مِنْ تَمْرِ الْمَدِينَةِ أَكْبَرُ مِنَ الصَّبْحَانِيِّ يَضْرِبُ إِلَى السَّوَادِ مِنْ غَرْسِ النَّبِيِّ - ﷺ -. قَالَ الْمُظْهِرُ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ فِي ذَلِكَ النَّوْعِ مِنَ التَّمْرِ مَا يَدْفَعُ السَّمَّ وَالسِّحْرَ، وَأَنْ يَكُونَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - قَدْ دَعَا لِذَلِكَ النَّوْعِ مِنَ التَّمْرِ بِالْبَرَكَةِ وَبِمَا كُوِّنَ فِيهِ مِنَ الشِّفَاءِ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِيهِ فَضِيلَةُ تَمْرِ الْمَدِينَةِ وَعَجْوَتِهَا، وَفَضِيلَةُ التَّصَبُّحِ بِسَبْعِ تَمَرَاتٍ مِنْهُ، وَتَخْصِيصُ عَجْوَةِ الْمَدِينَةِ، وَعَدَدِ التَّسْبِيعِ مِنَ الْأُمُورِ الَّتِي عَلِمَهَا الشَّارِعُ لَا نَعْلَمُ نَحْنُ حِكْمَتَهَا، فَيَجِبُ الْإِيمَانُ بِهَا وَاعْتِقَادُ فَضْلِهَا وَالْحِكْمَةِ فِيهَا، وَهَذَا كَأَعْدَادِ الصَّلَاةِ وَنُصُبِ الزَّكَاةِ وَغَيْرِهَا. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ)، وَرَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ.
[ ٧ / ٢٧٠٥ ]
٤١٩١ - وَعَنْ عَائِشَةَ - ﵂ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: " «إِنَّ فِي عَجْوَةِ الْعَالِيَةِ شِفَاءً، وَإِنَّهَا تِرْيَاقٌ أَوَّلَ الْبُكْرَةِ» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
_________________
(١) (وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: إِنَّ فِي عَجْوَةِ الْعَالِيَةِ): اسْمُ مَوْضِعٍ بِالْمَدِينَةِ (شِفَاءً): أَيْ شِفَاءً زَائِدًا بِالنِّسْبَةِ إِلَى عَجْوَةِ غَيْرِهَا، أَوْ تَقْيِيدٌ لِلْإِطْلَاقِ السَّابِقِ. وَقَالَ النَّوَوِيُّ ﵀: الْعَالِيَةُ مَا كَانَ مِنَ الْحَوَائِطِ وَالْقُرَى وَالْعُمْرَانِ مِنْ جِهَةِ الْمَدِينَةِ الْعَلْيَاءِ مِمَّا يَلِي نَجْدًا، وَالسَّافِلَةُ مِنَ الْجِهَةِ الْأُخْرَى مِمَّا يَلِي تِهَامَةَ، وَأَدْنَى الْعَالِيَةِ ثَلَاثَةُ أَمْيَالٍ، وَأَبْعَدُهَا ثَمَانِيَةٌ مِنَ الْمَدِينَةِ (وَإِنَّهَا): أَيْ: عَجْوَةُ الْعَالِيَةِ (تِرْيَاقٌ): بِكَسْرِ التَّاءِ وَيُضَمُّ مَعْجُونٌ مَعْرُوفٌ يَنْفَعُ لِأَنْوَاعِ السَّمِّ. وَقَالَ النَّوَوِيُّ: هُوَ بِكَسْرِ التَّاءِ وَضَمِّهَا لُغَتَانِ، وَيُقَالُ دِرْيَاقٌ أَيْضًا وَقَوْلُهُ: (أَوَّلَ الْبُكْرَةِ): بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ ظَرْفٌ أَيْ: أَكْلُهَا فِي أَوَّلِ الصُّبْحِ يُفِيدُ كَالتِّرْيَاقِ: وَقَالَ الطِّيبِيُّ: هُوَ ظَرْفٌ لِلْخَبَرِ عَلَى تَأْوِيلِ أَنَّهَا نَافِعَةٌ لِلسَّمِّ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ﴾ [الأنعام: ٣] أَيْ: مَعْبُودٌ فِيهَا، وَهَذِهِ الْجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلَى الْأُولَى إِمَّا عَلَى سَبِيلِ الْبَيَانِ، كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ﴾ [البقرة: ٧٤] أَوْ عَلَى أَنَّهُ مِنْ عَطْفِ خَاصٍّ عَلَى الْعَامِّ اخْتِصَاصًا وَمَزِيَّةً، كَمَا فِي قَوْلِهِ - ﷺ - «وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ لِدُنْيَا تُصِيبُهُ أَوِ امْرَأَةٍ يَتَزَوَّجُهَا» ". (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
[ ٧ / ٢٧٠٥ ]
٤١٩٢ - وَعَنْهَا، قَالَتْ: «كَانَ يَأْتِي عَلَيْنَا الشَّهْرُ مَا نُوقِدُ فِيهِ نَارًا، إِنَّمَا هُوَ التَّمْرُ وَالْمَاءُ، إِلَّا أَنْ يُؤْتَى بِاللُّحَيْمِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
_________________
(١) (وَعَنْهَا): أَيْ: عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا (قَالَتْ: كَانَ يَأْتِي): أَيْ يَمُرُّ وَيَمْضِي (عَلَيْنَا): أَيْ أَهْلِ بَيْتِ النُّبُوَّةِ (الشَّهْرُ): أَيْ شَهْرٌ مِنَ الْأَشْهُرِ (مَا نُوقِدُ فِيهِ نَارًا): أَيْ لَا نَخْبِزُ وَلَا نَطْبُخُ فِيهِ شَيْئًا (إِنَّمَا هُوَ): أَيِ الْمَأْكُولُ وَالْمُتَنَاوَلُ (التَّمْرُ وَالْمَاءُ): وَفِي عَطْفِ الْمَاءِ مُبَالَغَةٌ لَا تَخْفَى (إِلَّا أَنْ نُؤْتَى): أَيْ نَحْنُ، وَفِي نُسْخَةٍ بِالْيَاءِ أَيِ: الْمَأْكُولُ (بِاللُّحَيْمِ): تَصْغِيرُ اللَّحْمِ، مُشْعِرٌ بِأَنَّ مَا يُؤْتَى إِلَى أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ لَمْ يَكُنْ كَثِيرًا، وَقِيلَ الْمَعْنَى لَا نُوقِدُ النَّارَ لِلطَّبْخِ، وَنَكْتَفِي بِالتَّمْرِ بَدَلَ الطَّعَامِ إِلَى أَنْ يُرْسَلَ إِلَيْنَا قِطْعَةُ لَحْمٍ، فَالتَّصْغِيرُ لِلتَّعْظِيمِ أَوْ لِلْمَحَبَّةِ النَّاشِئَةِ مِنَ الِاشْتِهَاءِ لِكَوْنِهِ سَيِّدَ الْإِدَامِ. قَالَ الْمُظْهِرُ: أَيْ لَا نَطْبُخُ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يُؤْتَى بِاللَّحْمِ، فَحِينَئِذٍ نُوقِدُ النَّارَ. قَالَ الطِّيبِيُّ: ظَاهِرٌ مُشْعِرٌ بِأَنَّهُ اسْتِثْنَاءٌ مُنْقَطِعٌ، وَالْأَظْهَرُ أَنْ يَكُونَ مُتَّصِلًا لِأَنَّ (أَنْ يُؤْتَى) مَصْدَرٌ وَالْوَقْتُ مُقَدَّرٌ، فَيَكُونُ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ الْمَجْرُورَ فِي (فِيهِ) الْعَائِدَ إِلَى الشَّهْرِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُسْتَثْنًى مِمَّا يُفْهَمُ مِنْ قَوْلِهَا: (إِنَّمَا هُوَ التَّمْرُ وَالْمَاءُ)، وَالْمَعْنَى مَا الْمَأْكُولُ إِلَّا تَمْرٌ وَمَاءٌ، إِلَّا أَنْ يُؤْتَى بِاللُّحَيْمِ، فَحِينَئِذٍ يَكُونُ الْمَأْكُولُ لَحْمًا. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
[ ٧ / ٢٧٠٥ ]
٤١٩٣ - وَعَنْهَا، قَالَتْ: «مَا شَبِعَ آلُ مُحَمَّدٍ يَوْمَيْنِ مِنْ خُبْزِ بُرٍّ إِلَّا وَأَحَدُهُمَا تَمْرٌ» (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
_________________
(١) (وَعَنْهَا): أَيْ عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا (قَالَتْ: مَا شَبِعَ آلُ مُحَمَّدٍ): أَيْ أَهْلُ بَيْتِهِ (يَوْمَيْنِ مِنْ خُبْزِ بُرٍّ): أَيْ: حِنْطَةٍ (إِلَّا وَأَحَدُهُمَا): أَيْ أَحَدُ الْيَوْمَيْنِ (تَمْرٌ): أَيْ وَالْآخَرُ خُبْزٌ فَلَمْ يَتَوَالَ الْخُبْزُ وَلَا الشِّبَعُ مِنْهُ فِي يَوْمَيْنِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: الْمُسْتَثْنَى مِنْ أَعَمِّ عَامِّ الْأَحْوَالِ أَوِ الْأَوْصَافِ عَلَى مَذْهَبِ الْكَشَّافِ: يَعْنِي اسْتَقْرَيْتُ مِنْ آلِ مُحَمَّدٍ يَوْمَيْنِ يَوْمَيْنِ، فَلَمْ أَجِدْ يَوْمَيْنِ مَوْصُوفَيْنِ بِصِفَةٍ مِنَ الْأَوْصَافِ إِلَّا بِأَنَّ أَحَدَ الْيَوْمَيْنِ يَوْمُ تَمْرٍ وَالْآخَرُ يَوْمُ خُبْزٍ، وَقَدْ عُرِفَ عُرْفًا أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِشِبَعٍ، فَلَا يَكُونُ ثَمَّةَ شِبَعٌ، وَيَنْصُرُهُ قَوْلُهَا: مَا شَبِعْنَا مِنَ الْأَسْوَدَيْنِ ". قُلْتُ: الْأَظْهَرُ أَنَّهُ وَقَعَ الشِّبَعُ فِي أَحَدِ الْيَوْمَيْنِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ، وَيُؤَيِّدُهُ أَيْضًا مَا فِي الشَّمَائِلِ مِنْ قَوْلِهَا: " «مَا شَبِعَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - مِنْ خُبْزِ شَعِيرٍ يَوْمَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ حَتَّى قُبِضَ - ﷺ» - وَلَا يُنَافِيهِ قَوْلُهَا: " مَا شَبِعْنَا مِنَ الْأَسْوَدَيْنِ " مَعَ إِمْكَانِ حَمْلِهِ عَلَى الدَّوَامِ أَوِ التَّتَابُعِ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
[ ٧ / ٢٧٠٦ ]
٤١٩٤ - وَعَنْهَا قَالَتْ: «تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - وَمَا شَبِعْنَا مِنَ الْأَسْوَدَيْنِ» (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ)
_________________
(١) (وَعَنْهَا): أَيْ: عَنْ عَائِشَةَ - ﵂ (قَالَتْ: «تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - وَمَا شَبِعْنَا»): أَيْ: حَيَاتَهُ تَنَزُّهًا عَنِ الدُّنْيَا، وَتَقَوًى عَنِ الْهَوَى وَإِيثَارًا لِلْفَقْرِ لَا مِنَ الْعَوَزِ وَالْحَاجَةِ إِلَى الْأَغْنِيَاءِ (مِنَ الْأَسْوَدَيْنِ): أَيِ: التَّمْرِ وَالْمَاءِ، فَفِيهِ تَغْلِيبٌ كَالْقَمَرَيْنِ وَالْعُمَرَيْنِ تَغْلِيبًا لِلْمَأْكُولِ عَلَى الْمَشْرُوبِ، فَإِنَّهُ الْأَصْلُ الْمَطْلُوبُ، كَمَا غُلِّبَ الشِّبَعُ عَلَى الرِّيِّ. قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: الْأَسْوَدَانِ التَّمْرُ وَالْمَاءُ، وَالسَّوَادُ لِلتَّمْرِ دُونَ الْمَاءِ، فَنُعِتَا بِنَعْتٍ وَاحِدٍ، وَالْعَرَبُ تَفْعَلُ ذَلِكَ فِي الشَّيْئَيْنِ يَصْطَحِبَانِ وَيُسَمَّيَانِ مَعًا لِاسْمِ الْأَشْهَرِ مِنْهُمَا، هَذَا قَوْلُ أَصْحَابِ الْغَرِيبِ. قُلْتُ: الْأَظْهَرُ أَنَّهُمْ يُغَلِّبُونَ الْمُذَكَّرَ تَارَةً كَالْقَمَرَيْنِ وَالْأَخَفَّ أُخْرَى كَالْعُمَرَيْنِ، وَأَيَّهُمَا أَحْرَى كَالْوَالِدَيْنِ، وَهُوَ يَعُمُّ الْعَلَمَ وَالْوَصْفَ، ثُمَّ قَالَ: وَقَدْ بَقِيَ عَلَيْهِمْ بَقِيَّةٌ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ يُثْبِتُوا وَجْهَ التَّسْوِيَةِ بَيْنَ الْمَاءِ وَالتَّمْرِ فِي الْعَوَزِ، وَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّهُمْ كَانُوا فِي سِعَةٍ مِنَ الْمَاءِ، إِنَّمَا قَالَتْ ذَلِكَ لِأَنَّ الرِّيَّ مِنَ الْمَاءِ لَمَّا لَمْ يَكُنْ يَحْصُلُ لَهُمْ مِنْ دُونِ الشِّبَعِ مِنَ الطَّعَامِ - فَإِنَّ أَكْثَرَ الْأُمَمِ لَا سِيَّمَا الْعَرَبُ يَرَوْنَ شُرْبَ الْمَاءِ عَلَى الرِّيقِ بَالِغًا فِي الْمَضَرَّةِ فَقَرَنَتْ بَيْنَهُمَا لِعَوَزِ التَّمَتُّعِ بِأَحَدِهَا بِدُونِ الْإِصَابَةِ مِنَ الْآخَرِ، وَعَبَّرَتْ عَنِ الْأَمْرَيْنِ - أَعْنِي الشِّبَعَ وَالرِّيَّ لِفِعْلٍ وَاحِدٍ، كَمَا عَبَّرَتْ عَنِ التَّمْرِ وَالْمَاءِ بِوَصْفٍ وَاحِدٍ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ): وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
[ ٧ / ٢٧٠٦ ]
٤١٩٥ - وَعَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ - ﵄ - قَالَ: «أَلَسْتُمْ فِي طَعَامٍ وَشَرَابٍ مَا شِئْتُمْ؟ لَقَدْ رَأَيْتُ نَبِيَّكُمْ - ﷺ - وَمَا يَجِدُ مِنَ الدَّقَلِ مَا يَمْلَأُ بَطْنَهُ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
_________________
(١) (وَعَنِ النُّعْمَانِ - ﵁ -) بِضَمِّ أَوَّلِهِ (ابْنِ بَشِيرٍ قَالَ: أَلَسْتُمْ): الْخِطَابُ لِلصَّحَابَةِ بَعْدَهُ - ﷺ - أَوْ لِلتَّابِعِينَ (فِي طَعَامٍ وَشَرَابٍ مَا شِئْتُمْ؟): قَالَ الطِّيبِيُّ: صِفَةُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أَيْ: أَلَسْتُمْ مُنْغَمِسِينَ فِي طَعَامٍ وَشَرَابٍ مِقْدَارَ مَا شِئْتُمْ مِنَ التَّوْسِعَةِ وَالْإِفْرَاطِ. فِيهِ، فَمَا مَوْصُولَةٌ، وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً انْتَهَى. وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ " مَا " اسْتِفْهَامِيَّةً بَدَلًا مِنْ طَعَامٍ وَشَرَابٍ، أَيْ: أَيُّ شَيْءٍ شِئْتُمْ مِنْهُمَا؟، وَالْكَلَامُ فِيهِ تَعْيِيرٌ وَتَوْبِيخٌ، وَلِذَلِكَ أَتْبَعَهُ بِقَوْلِهِ: (لَقَدْ رَأَيْتُ نَبِيَّكُمْ - ﷺ -): وَأَضَافَهُ لِإِلْزَامٍ حِينَ لَمْ يَقْتَدُوا بِهِ - ﵇ - فِي الْإِعْرَاضِ عَنِ الدُّنْيَا وَمُسْتَلَذَّاتِهَا وَفِي التَّقَلُّلِ لِمُشْتَهَيَاتِهَا مِنْ مَأْكُولَاتِهَا وَمَشْرُوبَاتِهَا، وَأَمَّا قَتْلُ خَالِدٍ - ﵁ - مَالِكَ بْنَ نُوَيْرَةَ لَمَّا قَالَ لَهُ: كَانَ صَاحِبُكُمْ يَقُولُ كَذَا، فَقَالَ خَالِدٌ: هُوَ صَاحِبُنَا وَلَيْسَ بِصَاحِبِكُمْ فَقَتَلَهُ، فَهُوَ لَمْ يَكُنْ لِمُجَرَّدِ هَذِهِ اللَّفْظَةِ، بَلْ لِأَنَّهُ بَلَغَهُ عَنْهُ الرِّدَّةُ، وَتَأَكَّدَ ذَلِكَ عِنْدَهُ. بِمَا أَبَاحَ لَهُ بِهِ الْإِقْدَامَ عَلَى قَتْلِهِ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ، ثُمَّ رَأَيْتُ إِنْ كَانَ بِمَعْنَى النَّظَرِ فَقَوْلُهُ: (وَمَا يَجِدُ مِنَ الدَّقَلِ): حَالٌ وَإِنْ كَانَ بِمَعْنَى الْعِلْمِ، فَهُوَ مَفْعُولٌ ثَانٍ، وَأَدْخَلَ الْوَاوَ تَشْبِيهًا لَهُ بِخَبَرِ كَانَ وَأَخَوَاتِهَا عَلَى مَذْهَبِ الْأَخْفَشِ وَالْكُوفِيِّينَ، كَذَا حَقَّقَهُ الطِّيبِيُّ، وَالْأَوَّلُ هُوَ الْمُعَوَّلُ، وَالدَّقَلُ: بِفُتْحَتَيْنِ التَّمْرُ الرَّدِيءُ وَيَابِسُهُ، وَمَا لَيْسَ لَهُ اسْمٌ خَاصٌّ فَتَرَاهُ لِيُبْسِهِ وَرَدَاءَتِهِ لَا يَجْتَمِعُ، وَيَكُونُ مَنْثُورًا عَلَى مَا فِي النِّهَايَةِ، ثُمَّ قَوْلُهُ: (مَا يَمْلَأُ بَطْنَهُ): مَفْعُولُ " يَجِدُ، وَمَا: مَوْصُولَةٌ أَوْ مَوْصُوفَةٌ، وَمِنَ الدَّقَلِ بَيَانٌ لِمَا قُدِّمَ عَلَيْهِ (رَوَاهُ مُسْلِمٌ): وَكَذَا التِّرْمِذِيُّ فِي الشَّمَائِلِ.
[ ٧ / ٢٧٠٦ ]
٤١٩٦ - وَعَنْ أَبِي أَيُّوبَ - ﵁ - قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - إِذَا أُتِيَ بِطَعَامٍ أَكَلَ مِنْهُ وَبَعَثَ بِفَضْلِهِ إِلَيَّ، وَإِنَّهُ بَعَثَ إِلَيَّ يَوْمًا بِقَصْعَةٍ لَمْ يَأْكُلْ مِنْهَا لِأَنَّ فِيهِ ثُومًا، فَسَأَلْتُهُ: أَحْرَامٌ هُوَ، قَالَ: لَا، وَلَكِنْ أَكْرَهُهُ مِنْ أَجْلِ رِيحِهِ "، قَالَ: فَإِنِّي أَكْرَهُ مَا كَرِهْتَ» . رَوَاهُ، مُسْلِمٌ.
_________________
(١) (وَعَنْ أَبِي أَيُّوبَ): أَيِ الْأَنْصَارِيِّ وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ - ﵁ - (قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - إِذَا أُتِيَ بِطَعَامٍ): أَيْ أُحْضِرَ طَعَامٌ لَهُ (أَكَلَ مِنْهُ، وَبَعَثَ بِفَضْلِهِ إِلَيَّ): وَلَعَلَّ هَذَا كَانَ فِي أَيَّامِ نُزُولِهِ - ﷺ - بَعْدَ الْهِجْرَةِ عِنْدَهُ، وَقِيلَ: كَانَ هُوَ مِنْ أَفْقَرِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ (وَإِنَّهُ): أَيِ الشَّأْنُ أَوِ النَّبِيُّ - ﷺ - (بَعَثَ إِلَيَّ): وَفِي نُسْخَةٍ (إِلَيْهِ) وَهُوَ ضَعِيفٌ رِوَايَةً وَدِرَايَةً (يَوْمًا بِقَصْعَةٍ لَمْ يَأْكُلْ مِنْهَا): قَالَ الطِّيبِيُّ: كَذَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ وَبَعْضِ نُسَخِ الْمَصَابِيحِ، وَفِي سَائِرِهَا لَفْظَةُ " قَصْعَةٌ " وَ" مِنْهَا " سَاقِطَتَانِ (لِأَنَّ فِيهَا): أَيْ فِي طَعَامِ الْقَصْعَةِ (ثُومًا، فَسَأَلَهُ: أَحْرَامٌ هُوَ؟): أَيِ الثُّومُ أَوِ الطَّعَامُ الَّذِي هُوَ فِيهِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: السُّؤَالُ رَاجِعٌ إِلَيْهِ - ﷺ - لِأَنَّهُ إِنَّمَا بَعَثَهُ إِلَيْهِ لِيَأْكُلَهُ فَلَا يَكُونُ عَلَيْهِ حَرَامًا؟ وَلِذَلِكَ (قَالَ: لَا، وَلَكِنْ أَكْرَهُهُ مِنْ أَجْلِ رِيحِهِ): وَهَذَا لَيْسَ بِعَيْبٍ لِلطَّعَامِ، بَلْ بَيَانٌ لِلْمَانِعِ مِنَ الْحُضُورِ مِنَ الْمَسْجِدِ وَمُخَاطَبَةِ الْكِبَارِ. قَالَ النَّوَوِيُّ: فِيهِ تَصْرِيحٌ بِإِبَاحَةِ الثُّومِ، لَكِنْ يَكُونُ لِمَنْ أَرَادَ حُضُورَ الْجَمَاعَةِ وَيُلْحَقُ بِهِ كُلُّ مَا لَهُ رَائِحَةٌ كَرِيهَةٌ، «وَكَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - يَتْرُكُ الثُّومَ دَائِمًا»؛ لِأَنَّهُ كَانَ يَتَوَقَّعُ مَجِيءَ الْوَحْيِ فِي كُلِّ سَاعَةٍ، وَاخْتَلَفُوا فِي الثُّومِ وَالْبَصَلِ وَالْكُرَّاثِ فِي حَقِّهِ - ﷺ - فَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: هِيَ مُحَرَّمَةٌ، وَالْأَصَحُّ عِنْدَهُمْ أَنَّهَا مَكْرُوهَةٌ كَرَاهَةَ تَنْزِيهٍ لِعُمُومِ قَوْلِهِ - ﷺ: فِي جَوَابِ قَوْلِهِ: أَحْرَامٌ هُوَ؟، وَمَنْ قَالَ بِالْأَوَّلِ يَقُولُ: مَعْنَاهُ لَيْسَ بِحَرَامٍ فِي حَقِّكُمْ، وَفِيهِ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِلْآكِلِ وَالشَّارِبِ أَنْ يُفَضِّلَ مِمَّا يَأْكُلُ وَيَشْرَبُ، أَيْ: وَيَتَفَضَّلُ بِهِ عَلَى فُقَرَاءِ جِيرَانِهِ الْأَقْرَبَ فَالْأَقْرَبَ (قَالَ): أَيْ: أَبُو أَيُّوبَ (فَإِنِّي): وَفِي نُسْخَةٍ (إِنِّي)، (أَكْرَهُ مَا كَرِهْتَ): فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى كَمَالِ الْمُتَابَعَةِ، أَوْ أَرَادَ حُضُورَ الْجَمَاعَةِ (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
[ ٧ / ٢٧٠٧ ]
٤١٩٧ - وَعَنْ جَابِرٍ - ﵁ - أَنَّ النَّبِيَّ قَالَ: - ﷺ - قَالَ «مَنْ أَكَلَ ثُومًا أَوْ بَصَلًا، فَلْيَعْتَزِلْنَا، أَوْ قَالَ: فَلْيَعْتَزِلْ مَسْجِدَنَا. أَوْ لِيَقْعُدْ فِي بَيْتِهِ» ". «وَإِنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - أُتِيَ بِقِدْرٍ فِيهِ خَضِرَاتٌ مِنْ بُقُولٍ، فَوَجَدَ لَهَا رِيحًا، فَقَالَ: " قَرِّبُوهَا إِلَى بَعْضِ أَصْحَابِهِ - وَقَالَ: " كُلْ، فَإِنِّي أُنَاجِي مَنْ لَا تُنَاجِي» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
_________________
(١) (وَعَنْ جَابِرٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ: أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: مَنْ أَكَلَ ثُومًا أَوْ بَصَلًا): أَيْ: غَيْرَ مَطْبُوخَيْنِ، فَأَوْ لِلتَّنْوِيعِ، وَفِي مَعْنَاهَا كُلُّ مَا فِيهِ رَائِحَةٌ كَرِيهَةٌ كَالْفِجْلِ وَالْكُرَّاثِ. (فَلْيَعْتَزِلْنَا): أَيْ: لِيَبْعُدْ عَنَّا وَلَا يَحْضُرْ مَجَالِسَنَا، قَالَ: (أَوْ قَالَ: فَلْيَعْتَزِلْ مَسْجِدَنَا): فَإِنَّهُ مَعَ أَنَّهُ مَجْمَعُ الْمُسْلِمِينَ فَهُوَ مَهْبِطُ الْمَلَائِكَةِ الْمُقَرَّبِينَ. قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: النَّهْيُ عَنْ مَسْجِدِ النَّبِيِّ - ﷺ - بِصِفَةٍ خَاصَّةٍ، وَحُجَّةُ الْجُمْهُورِ رِوَايَةُ: فَلَا يَقْرَبْنَ مَسَاجِدَنَا "، فَإِنَّهُ صَرِيحٌ فِي الْعُمُومِ (أَوْ لِيَقْعُدْ فِي بَيْتِهِ): قِيلَ: " أَوْ " لِلشَّكِّ وَقِيلَ لِلتَّنْوِيعِ. وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ بِالْوَاوِ فَتَكُونُ الْجُمْلَةُ لِلتَّوْكِيدِ، (وَإِنَّ النَّبِيَّ - ﷺ -): بِكَسْرِ إِنَّ عَلَى أَنَّ الْجُمْلَةَ حَالٌ وَبِفَتْحِهَا عَطْفًا عَلَى " أَنْ " الْأُولَى وَهُوَ الْأَوْلَى (أُتِيَ): أَيْ: جِيءَ (بِقِدْرٍ فِيهِ خَضِرَاتٌ مِنْ بُقُولٍ): وَهُوَ بِفَتْحِ الْخَاءِ وَكَسْرِ الضَّادِ الْمُعْجَمَتَيْنِ جَمْعُ خَضِرَةٍ أَيْ: بِقَوْلٌ خَضِرَاتٌ، وَيُرْوَى بِضَمِّ الْخَاءِ وَفَتْحِ الضَّادِ جَمْعُ خُضْرَةٍ. قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: قَوْلُهُ: " بِقَدْرٍ " كَذَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي كِتَابِهِ بِالْقَافِ، وَقَدْ قِيلَ إِنَّ الصَّوَابَ فِيهِ " أُتِيَ بِبَدْرٍ " بِالْبَاءِ أَيْ: بِطَبَقٍ وَهُوَ طَبَقٌ يُتَّخَذُ مِنَ الْخُوصِ وَهُوَ وَرَقُ النَّخْلِ، وَلَعَلَّهُ سُمِّيَ بِذَلِكَ لِاسْتِدَارَتِهِ اسْتِدَارَةَ الْبَدْرِ. وَقَالَ النَّوَوِيُّ ﵀: " أُتِيَ بِقِدْرٍ " هَكَذَا هُوَ فِي نُسَخِ صَحِيحِ مُسْلِمٍ، وَوَقَعَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ، وَسُنَنِ أَبِي دَاوُدَ وَغَيْرِهِمَا مِنَ الْكُتُبِ الْمُعْتَمَدَةِ بِبَدْرٍ بِبَاءَيْنِ مُوَحَّدَتَيْنِ قَالَ الْعُلَمَاءُ: هَذَا هُوَ الصَّوَابُ، وَفَسَّرَ الرُّوَاةُ وَأَهْلُ اللُّغَةِ وَالْغَرِيبِ الْبَدْرَ بِالطَّبَقِ انْتَهَى. فَدَلَّ عَلَى أَنَّ نُسَخَ الْبُخَارِيِّ مُخْتَلِفَةٌ، وَقَدْ رَجَّحَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ رِوَايَةَ الْبَدْرِ بِالْبَاءِ، وَأَهْلُ اللُّغَةِ بِأَنَّ رِوَايَةَ الْقِدْرِ تُشْعِرُ بِالطَّبْخِ، وَقَدْ وَرَدَ الْإِذْنُ بِأَكْلِ الْبُقُولِ الْمَطْبُوخَةِ. وَذَكَرَ الْعَسْقَلَانِيُّ أَنَّ رِوَايَةَ الْقِدْرِ بِالْقَافِ أَصَحُّ، وَلَا تَعَارُضَ بَيْنَ امْتِنَاعِهِ مِنْ أَكْلِ الثُّومِ مَطْبُوخًا وَإِذْنِهِ لَهُمْ فِي ذَلِكَ، فَقَدْ عَلَّلَهُ بِقَوْلِهِ: " «فَإِنِّي أُنَاجِي مَنْ لَا تُنَاجِي» ". قُلْتُ: وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ امْتِنَاعُهُ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَطْبُوخًا وَهُوَ لَا يُنَافِي كَوْنَهُ فِي الْقِدْرِ، فَإِنَّهُ قَدْ لَا يَسْتَوِي فِيهِ الطَّعَامُ فَضْلًا عَنْ أَمْثَالِ الثُّومِ، وَرُبَّمَا رُمِيَ فِي آخِرِ الطَّبْخِ فَبَقِيَ الرِّيحُ فَائِحًا وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: (فَوَجَدَ لَهَا رِيحًا، فَقَالَ): أَيْ لِبَعْضِ خُدَّامِهِ (قَرِّبُوهُمَا): أَيِ: الْخَضِرَاتِ مَغْرُوفَةً (إِلَى بَعْضِ أَصْحَابِهِ): أَبْهَمَهُ لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ بِهِ مِنْ غَيْرِ تَصْرِيحٍ بِاسْمِهِ (وَقَالَ): أَيْ لَهُ مُلْتَفِتًا إِلَيْهِ (كُلْ): وَقَالَ الطِّيبِيُّ: لَعَلَّ لَفْظَ الرَّسُولِ - ﷺ: (قَرِّبُوهَا إِلَى فُلَانٍ) بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ:
[ ٧ / ٢٧٠٧ ]
" كُلْ " فَأَتَى الرَّاوِي مَعْنَى مَا تَلَفَّظَ بِهِ - ﵇ - لِكَوْنِهِ لَمْ يَتَذَكَّرِ التَّصْرِيحَ بِاسْمِهِ، فَعَبَّرَ عَنْهُ بِبَعْضِ أَصْحَابِهِ («فَإِنِّي أُنَاجِي مَنْ لَا تُنَاجِي»): أَيْ: مِنَ الْمَلَائِكَةِ أَوْ أَرَادَ بِهِ جِبْرِيلَ، وَالْمَعْنَى أَنَا أَتَكَلَّمُ مَعَهُ، وَأَنْتَ لَا تَتَكَلَّمُ مَعَهُ، فَيَجُوزُ لَكَ مَا لَا يَجُوزُ لِي، فَلَا تَقِسِ الْمُلُوكَ بِالْحَدَّادِينَ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ): وَتَقَدَّمَ أَنَّهُ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَغَيْرُهُ.
[ ٧ / ٢٧٠٨ ]
٤١٩٨ - وَعَنِ الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِي كَرِبَ - ﵄ - عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: " «كَيِّلُوا طَعَامَكُمْ يُبَارَكْ لَكُمْ فِيهِ» ". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
_________________
(١) (وَعَنِ الْمِقْدَامِ): بِكَسْرِ أَوَّلِهِ (بْنِ مَعْدِي كَرِبَ - ﵁ -): سَبَقَ ذِكْرُهُ (عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: " «كَيَّلُوا طَعَامَكُمْ يُبَارَكْ لَكُمْ»): بِصِيغَةِ الْمَفْعُولِ، وَفِي رِوَايَةِ الْجَامِعِ بِزِيَادَةِ " فِيهِ ". قَالَ الْمُظْهِرُ: الْغَرَضُ مِنْ كَيْلِ الطَّعَامِ مَعْرِفَةُ مِقْدَارِ مَا يَسْتَقْرِضُ الرَّجُلُ وَيَبِيعُ وَيَشْتَرِي، فَإِنَّهُ لَوْ لَمْ يَكِلْ لَكَانَ مَا يَبِيعُهُ وَيَشْتَرِيهِ مَجْهُولًا، وَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ لَوْ لَمْ يَكِلْ مَا يُنْفِقُ عَلَى عِيَالِهِ رُبَّمَا يَكُونُ نَاقِصًا عَنْ قَدْرِ كِفَايَتِهِمْ، فَيَكُونُ النُّقْصَانُ ضَرَرًا عَلَيْهِمْ، وَقَدْ يَكُونُ زَائِدًا عَلَى قَدْرِ كِفَايَتِهِمْ، وَلَمْ يَعْرِفْ مَا يَدَّخِرُ لِتَمَامِ السَّنَةِ، فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - بِالْكَيْلِ لِيَكُونُوا عَلَى عِلْمٍ وَيَقِينٍ فِيمَا يَعْمَلُونَ، فَمَنْ رَاعَى سُنَّةَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - يَجِدْ بَرَكَةً عَظِيمَةً فِي الدُّنْيَا وَأَجْرًا عَظِيمًا فِي الْآخِرَةِ، فَإِنْ قُلْتَ: كَيْفَ التَّوْفِيقُ بَيْنَ هَذَا وَمَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ - ﵂ - أَنَّهَا قَالَتْ: تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - وَمَا لِيَ شَيْءٌ يَأْكُلُهُ ذُو كَبِدٍ إِلَّا شَطْرَ شَعِيرٍ فِي رَفٍّ، وَكُنْتُ آكُلُ مِنْهُ مُدَّةً، فَكِلْتُهُ فَذَهَبَتْ بَرَكَتُهُ؟، قُلْتُ: الْكَيْلُ عِنْدَ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ مَأْمُورٌ بِهِ لِإِقَامَةِ الْقِسْطِ وَالْعَدْلِ، وَفِيهِ الْبَرَكَةُ وَالْخَيْرُ، وَعِنْدَ الْإِنْفَاقِ إِحْصَاؤُهُ وَضَبْطُهُ، وَهُوَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ، قَالَ - ﷺ: " «أَنْفِقْ بِلَالًا وَلَا تَخْشَ مِنْ ذِي الْعَرْشِ إِقْلَالًا» ". (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ): وَكَذَا أَحْمَدُ، وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي تَارِيخِهِ، وَابْنُ مَاجَهْ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ بُسْرٍ، وَأَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ عَنْ أَبِي أَيُّوبَ، وَالطَّبَرَانِيُّ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ. وَرَوَاهُ ابْنُ النَّجَّارِ عَنْ عَلِيٍّ - ﵁ - وَلَفْظُهُ: " «كِيلُوا طَعَامَكُمْ، فَإِنَّ الْبَرَكَةَ فِي الطَّعَامِ الْمَكِيلِ» ".
[ ٧ / ٢٧٠٨ ]
٤١٩٩ - وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ - ﵁ - «أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - كَانَ إِذَا رَفَعَ مَائِدَتَهُ قَالَ: " الْحَمْدُ لِلَّهِ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، غَيْرَ مَكْفِيٍّ وَلَا مُوَدَّعٍ وَلَا مُسْتَغْنًى عَنْهُ رَبُّنَا» ". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ
_________________
(١) (وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ - ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ كَانَ إِذَا رَفَعَ): وَفِي رِوَايَةٍ: إِذَا رُفِعَتْ " (مَائِدَتَهُ): أَيْ: مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ كَمَا فِي رِوَايَةٍ، وَفِي الْحَدِيثِ إِشْكَالٌ ; لِأَنَّهُمْ فَسَّرُوا الْمَائِدَةَ بِأَنَّهَا خِوَانٌ عَلَيْهِ طَعَامٌ، وَثَبَتَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ بِرِوَايَةِ أَنَسٍ - ﵁ - «أَنَّهُ - ﷺ - لَمْ يَأْكُلْ عَلَى خِوَانٍ» كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْكِتَابِ، فَقِيلَ فِي الْجَوَابِ: بِأَنَّهُ أَكَلَ عَلَيْهِ فِي بَعْضِ الْأَحْيَانِ لِبَيَانِ الْجَوَازِ، وَبِأَنَّ أَنَسًا مَا رَأَى وَرَآهُ غَيْرُهُ، وَالْمُثْبِتُ مُقَدَّمٌ عَلَى النَّافِي. وَيُقَالُ: إِنَّ الْمُرَادَ بِالْخِوَانِ مَا يَكُونُ بِخُصُوصِهِ، وَالْمَائِدَةُ تُطْلَقُ عَلَى كُلِّ مَا يُوضَعُ عَلَيْهِ الطَّعَامُ؛ لِأَنَّهَا مُشْتَقَّةٌ مِنْ مَادَ يَمِيدُ إِذَا تَحَرَّكَ أَوْ أَطْعَمَ، وَلَا يَخْتَصُّ بِصِفَةٍ مَخْصُوصَةٍ، وَقَدْ تُطْلَقُ الْمَائِدَةُ وَيُرَادُ بِمَا نَفْسُ الطَّعَامِ أَوْ بَقِيَّتُهُ أَوْ آثَارُهُ، فَيَكُونُ مُرَادُ أَبِي أُمَامَةَ إِذَا رُفِعَ مِنْ عِنْدِهِ - ﷺ - مَا وُضِعَ عَلَيْهِ الطَّعَامُ أَوْ بَقِيَّتُهُ. (قَالَ): وَفِي رِوَايَةٍ " يَقُولُ: أَيْ رَافِعًا صَوْتَهُ، فَإِنَّ مِنَ السُّنَّةِ أَنْ لَا يَرْفَعُ صَوْتَهُ بِالْحَمْدِ عِنْدَ الْفَرَاغِ مِنَ الْأَكْلِ إِذَا لَمْ يَفْرَغْ جُلَسَاؤُهُ كَيْلَا يَكُونَ مَنْعًا لَهُمْ. (الْحَمْدُ لِلَّهِ): أَيِ الثَّنَاءِ بِالْجَمِيلِ عَلَى ذَاتِهِ وَصِفَاتِهِ وَأَفْعَالِهِ الَّتِي مِنْ جُمْلَتِهَا الْإِنْعَامُ بِالْإِطْعَامِ (حَمْدًا): مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ لِلْحَمْدِ إِمَّا بِاعْتِبَارِ ذَاتِهِ، أَوْ بِاعْتِبَارِ تَضْمِينِهِ مَعْنَى الْفِعْلِ أَوْ لِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ (كَثِيرًا): أَيْ لَا نَاهِيَةَ لِحَمْدِهِ كَمَا لَا غَايَةَ لِنِعَمِهِ، (طَيِّبًا): أَيْ خَالِصًا مِنَ الرِّيَاءِ وَالسُّمْعَةِ، (مُبَارَكًا): هُوَ وَمَا قَبْلُهُ صِفَاتٌ لِـ " حَمْدًا "، وَقَوْلُهُ: (فِيهِ): ضَمِيرُهُ رَاجِعٌ إِلَى الْحَمْدِ أَيْ: حَمْدًا ذَا بَرَكَةٍ دَائِمًا لَا يَنْقَطِعُ؟ لِأَنَّ نِعَمَهُ لَا تَنْقَطِعُ عَنَّا، فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ حَمْدُنَا غَيْرَ مُنْقَطِعٍ أَيْضًا. وَلَوْ نِيَّةً وَاعْتِقَادًا، (غَيْرَ مَكْفِيٍّ): بِنَصْبِ " غَيْرَ " فِي الْأُصُولِ الْمُعْتَمَدَةِ عَلَى أَنَّهُ حَالٌ مِنَ اللَّهِ، أَوْ مِنَ الْحَمْدِ وَهُوَ أَقْرَبُ، وَفِي نُسْخَةٍ بِرَفْعِهِ عَلَى أَنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ هُوَ هُوَ، وَالْمَرْجِعُ هُوَ هُوَ، وَمَكْفِيٌّ: اسْمُ فَاعِلٍ مِنَ الْكِفَايَةِ، وَالضَّمِيرُ رَاجِعٌ إِلَى الْحَمْدِ أَيْ: لَا يَكْتَفِي بِهَذَا الْقَدْرِ مِنَ الْحَمْدِ، فَإِنَّ كُلَّ حَمْدٍ يَحْمَدُ بِهِ الْحَامِدُونَ فَهُمْ فِيهِ مُقَصِّرُونَ، وَقِيلَ: الضَّمِيرُ رَاجِعٌ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى أَيْ: غَيْرَ مُحْتَاجٍ إِلَى أَحَدٍ فَيَكْفِي، لَكِنَّهُ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ، وَيَكْفِي وَلَا يُكْفَى، وَقِيلَ: يَحْتَمِلُ أَنَّهُ يَكُونُ مِنْ
[ ٧ / ٢٧٠٨ ]
كِفَاتِ الْإِنَاءِ أَيْ: غَيْرُ مَرْدُودٍ عَلَيْهِ إِنْعَامُهُ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ لِلطَّعَامِ، وَمَعْنَاهُ أَنَّهُ غَيْرُ مَكْفِيٍّ مِنْ عِنْدِنَا، بَلْ هُوَ الْكَافِي وَالرَّازِقُ، وَذَكَرَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ عَنْ أَبِي مَنْصُورٍ الْجَوَالِقِيِّ أَنَّ الصَّوَابَ غَيْرُ مُكَافَأٍ بِالْهَمْزِ أَيْ نِعْمَةُ اللَّهِ لَا تُكَافَأُ. قَالَ الْعَسْقَلَانِيُّ: وَثَبَتَ هَذَا اللَّفْظُ هَكَذَا فِي حَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ بِالْيَاءِ، وَلِكُلٍّ مَعْنًى وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (وَلَا مُوَدَّعٍ): بِفَتْحِ الدَّالِ الْمُشَدَّدَةِ أَيْ: غَيْرُ مَتْرُوكِ الطَّلَبِ وَالرَّغْبَةِ فِيمَا عِنْدَهُ فَيُعْرَضُ عَنْهُ، قِيلَ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ بِكَسْرِ الدَّالِ عَلَى أَنَّهُ حَالٌ مِنَ الْقَائِلِ أَيْ: غَيْرُ تَارِكٍ الْحَمْدَ، أَوْ تَارِكُ الطَّلَبِ وَالرَّغْبَةِ فِيمَا عِنْدَهُ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ مَعَ بُعْدِهِ لَا يُلَائِمُهُ مَا بَعْدَهُ وَهُوَ قَوْلُهُ: (وَلَا مُسْتَغْنًى عَنْهُ): إِذِ الرِّوَايَةُ فِيهِ لَيْسَتْ إِلَّا عَلَى صِيغَةِ الْمَفْعُولِ، كَمَا هُوَ مُقْتَضَى الرَّسْمِ، وَمَعْنَاهُ غَيْرُ مَطْرُوحٍ وَلَا مُعْرَضٍ عَنْهُ، بَلْ مُحْتَاجٌ إِلَيْهِ فَهُوَ تَأْكِيدٌ لِمَا قَبْلَهُ بِدَلِيلِ " لَا " لَا عَطْفُ تَفْسِيرٍ كَمَا قِيلَ وَنُظِرَ فِيهِ بِأَنَّهُ، بَلْ فِيهِ فَائِدَةٌ تُسْتَمَدُّ مِنْ سَابِقِهِ نَصًّا وَهِيَ أَنَّهُ لَا اسْتِغْنَاءَ لِأَحَدٍ عَنِ الْحَمْدِ لِوُجُوبِهِ عَلَى كُلِّ مُكَلَّفٍ إِذْ لَا يَخْلُو أَحَدٌ مِنْ نِعْمَةٍ، بَلْ نِعَمُهُ لَا تُحْصَى، وَهُوَ فِي مُقَابَلَةِ النِّعَمِ وَاجِبٌ كَمَا صَرَّحُوا بِهِ، لَكِنْ لَيْسَ الْمُرَادُ بِوُجُوبِهِ أَنَّ مَنْ تَرَكَهُ لَفْظًا يَأْثَمُ، بَلْ مَعْنَاهُ أَنَّ مَنْ أَتَى بِهِ بِالْمَعْنَى الْأَعَمِّ فِي مُقَابَلَةِ النِّعَمِ أُثِيبَ عَلَيْهِ ثَوَابَ الْوَاجِبِ، وَمَنْ أَتَى بِهِ لَا فِي مُقَابَلَةِ شَيْءٍ أُثِيبَ عَلَيْهِ ثَوَابَ الْمَنْدُوبِ، أَمَّا شُكْرُ الْمُنْعِمِ بِمَعْنَى امْتِثَالِ أَوَامِرِهِ وَاجْتِنَابِ زَوَاجِرِهِ، فَهُوَ وَاجِبٌ شَرْعًا عَلَى كُلِّ مُكَلَّفٍ يَأْثَمُ بِتَرْكِهِ إِجْمَاعًا.
وَقَوْلُهُ: (رَبُّنَا): رُوِيَ بِالرَّفْعِ وَالنَّصْبِ وَالْجَرِّ، فَالرَّفْعُ عَلَى تَقْدِيرِ هُوَ رَبُّنَا أَوْ أَنْتَ رَبُّنَا اسْمَعْ حَمْدَنَا وَدُعَاءَنَا، أَوْ عَلَى أَنَّهُ مُبْتَدَأٌ وَخَبَرُهُ " غَيْرُ " بِالرَّفْعِ مُقَدَّمٌ عَلَيْهِ، وَأَغْرَبَ الْحَنَفِيُّ فِي شَرْحِ شَمَائِلِهِ حَيْثُ قَالَ: مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ، أَيْ: رَبُّنَا هَذَا، وَالنَّصْبُ عَلَى أَنَّهُ مُنَادًى حُذِفَ مِنْهُ حَرْفُ النِّدَاءِ، أَوْ عَلَى الْمَدْحِ أَوِ الِاخْتِصَاصِ أَوْ إِضْمَارِ أَعْنِي، وَالْجَرُّ عَلَى أَنَّهُ بَدَلٌ مِنَ اللَّهِ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ فِي شَرْحِ شَمَائِلِهِ: وَالْقَوْلُ بِأَنَّهُ بَدَلٌ مِنَ الضَّمِيرِ فِي " عَنْهُ " وَاضِحُ الْفَسَادِ، إِذْ ضَمِيرُ عَنْهُ لِلْحَمْدِ، كَمَا لَا يَخْفَى عَلَى مَنْ لَهُ ذَوْقٌ اهـ. وَفِيهِ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ضَمِيرُ " عَنْهُ " لِلَّهِ تَعَالَى، بَلْ هُوَ الْأَظْهَرُ، فَلَا فَسَادَ فِيهِ حِينَئِذٍ أَصْلًا. (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ): وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْبُخَارِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ - بِلَفْظِ: " «كَانَ إِذَا رُفِعَتْ مَائِدَتُهُ قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا، فِيهِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي كَفَانَا وَأَوَانَا غَيْرَ مَكْفِيٍّ وَلَا مَكْفُورٍ وَلَا مُوَدَّعٍ وَلَا مُسْتَغْنًى عَنْهُ رَبُّنَا» ".
[ ٧ / ٢٧٠٩ ]
٤٢٠٠ - وَعَنْ أَنَسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: («إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَيَرْضَى عَنِ الْعَبْدِ أَنْ يَأْكُلَ الْأَكْلَةَ فَيَحْمَدَهُ عَلَيْهَا، أَوْ يَشْرَبَ الشَّرْبَةَ فَيَحْمَدَهُ عَلَيْهَا» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَسَنَذْكُرُ حَدِيثَيِ عَائِشَةَ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ - ﵄: " مَا شَبِعَ آلُ مُحَمَّدٍ، وَخَرَجَ النَّبِيُّ - ﷺ - مِنَ الدُّنْيَا فِي " بَابُ فَضْلِ الْفُقَرَاءِ "، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
_________________
(١) (وَعَنْ أَنَسٍ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: (إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَيَرْضَى عَنِ الْعَبْدِ): اللَّامُ لِلْجِنْسِ أَوْ لِلِاسْتِغْرَاقِ (أَنْ يَأْكُلَ): أَيْ بِسَبَبِ أَنْ يَأْكُلَ، أَوْ لِأَجْلِ أَنْ يَأْكُلَ، أَوْ وَقْتَ أَنْ يَأْكُلَ، أَوْ مَفْعُولٌ بِهِ لِيَرْضَى يَعْنِي يُحِبُّ مِنْهُ أَنْ يَأْكُلَ (الْأَكْلَةَ): بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ أَيِ: الْمَرَّةَ مِنَ الْأَكْلِ حَتَّى يَشْبَعَ وَيُرْوَى بِضَمِّ الْهَمْزَةِ أَيِ: اللُّقْمَةُ وَهِيَ أَبْلَغُ فِي بَيَانِ اهْتِمَامِ أَدَاءِ الْحَمْدِ، لَكِنَّ الْأَوَّلَ أَوْفَقُ مَعَ قَوْلِهِ: أَوْ يَشْرَبُ الشَّرْبَةَ، فَإِنَّهَا بِالْفَتْحِ لَا غَيْرَ، وَكُلٌّ مِنْهُمَا مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ لِفِعْلِهِ (فَيَحْمَدُهُ): بِالنَّصْبِ وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَفِي نُسْخَةٍ بِالرَّفْعِ أَيْ: فَهُوَ - أَيِ الْعَبْدُ - يَحْمَدُهُ، وَفِي رِوَايَةٍ: " فَيَحْمَدُ اللَّهَ "، (عَلَيْهَا): أَيْ عَلَى الْأَكْلَةِ (أَوْ يَشْرَبَ الشَّرْبَةَ فَيَحْمَدَهُ عَلَيْهَا): أَيْ عَلَى الشَّرْبَةِ، وَ" أَوْ ": لِلتَّنْوِيعِ، وَأَغْرَبَ الْحَنَفِيُّ وَقَالَ: لَعَلَّ هَذَا شَكُّ رَاوٍ (رَوَاهُ مُسْلِمٌ): وَكَذَا أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ. (وَسَنَذْكُرُ حَدِيثَيْ عَائِشَةَ وَأَبِي هُرَيْرَةَ): أَيِ اللَّذَيْنِ ذَكَرَهُمَا صَاحِبُ الْمَصَابِيحِ هُنَا أَوَّلُهُمَا: (مَا شَبِعَ آلُ مُحَمَّدٍ): أَيْ مِنْ خُبْزِ الشَّعِيرِ يَوْمَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ حَتَّى قُبِضَ (وَخَرَجَ): أَيْ وَثَانِيهِمَا: خَرَجَ (النَّبِيُّ - ﷺ - مِنَ الدُّنْيَا): أَيْ وَلَمْ يَشْبَعْ مِنْ خُبْزِ الشَّعِيرِ (فِي بَابِ فَضْلِ الْفُقَرَاءِ): أَيْ لِكَوْنِهِمَا أَنْسَبَ لَهُ مِنْ هَذَا الْبَابِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. (إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى): مُتَعَلِّقٌ بِسَنَذْكُرُ.
[ ٧ / ٢٧٠٩ ]
الْفَصْلُ الثَّانِي.
٤٢٠١ - وَعَنْ أَبِي أَيُّوبَ - ﵁ - قَالَ: «كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ - ﷺ - فَقُرِّبَ طَعَامٌ، فَلَمْ أَرَ طَعَامًا كَانَ أَعْظَمَ بَرَكَةً مِنْهُ أَوَّلَ مَا أَكَلْنَا، وَلَا أَقَلَّ بَرَكَةً فِي آخِرِهِ، قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! كَيْفَ هَذَا؟ قَالَ: " إِنَّا ذَكَرْنَا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ حِينَ أَكَلْنَا، ثُمَّ قَعَدَ مَنْ أَكَلَ وَلَمْ يُسَمِّ اللَّهَ فَأَكَلَ مَعَهُ الشَّيْطَانُ» ". رَوَاهُ فِي " شَرْحِ السُّنَّةِ ".
_________________
(١) الْفَصْلُ الثَّانِي.
(٢) (عَنْ أَبِي أَيُّوبَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ: كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ - ﷺ - فَقُرِّبَ طَعَامٌ): أَيْ: إِلَيْهِ كَمَا فِي نُسْخَةٍ (فَلَمْ أَرَ طَعَامًا كَانَ أَعْظَمَ بَرَكَةً مِنْهُ أَوَّلَ مَا أَكَلْنَا): أَيْ أَوَّلَ وَقْتِ أَكْلِنَا، فَمَا مَصْدَرِيَّةٌ، وَأَوَّلَ مَنْصُوبٌ عَلَى الظَّرْفِيَّةِ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: (وَلَا أَقَلَّ بَرَكَةً): أَيْ مِنْهُ (فِي آخِرِهِ): أَيْ فِي آخِرِ وَقْتٍ أَكَلْنَا إِيَّاهُ (قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! كَيْفَ هَذَا؟): أَيْ بَيِّنْ لَنَا الْحِكْمَةَ وَالسَّبَبَ فِي حُصُولِ عَظَمَةِ الْبَرَكَةِ وَكَثْرَتِهَا فِي أَوَّلِ أَكْلِنَا هَذَا الطَّعَامَ، وَقِلَّتِهَا فِي آخِرِهِ وَانْعِدَامِ الْبَرَكَةِ مِنْهُ. (قَالَ: " إِنَّا "): أَيْ جَمِيعُنَا عَلَى مُقْتَضَى السُّنَّةِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَعَلَى مُوجِبِ دَأْبِهِ الْمُسْتَمِرِّ مَعَ أَصْحَابِهِ (ذَكَرْنَا اسْمَ اللَّهِ حِينَ أَكَلْنَا): وَفِيهِ إِشْعَارٌ بِأَنَّ سُنَّةَ التَّسْمِيَةِ تَحْصُلُ بِسْمِ اللَّهِ، وَأَمَّا زِيَادَةُ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ فَهِيَ أَكْمَلُ، كَمَا قَالَهُ الْغَزَالِيُّ وَالنَّوَوِيُّ وَغَيْرُهُمَا، وَإِذَا اعْتَرَضَهُ بَعْضُ الْمُحَدِّثِينَ بِأَنَّهُ لَمْ يَرَ لِأَفْضَلِيَّةِ ذَلِكَ دَلِيلًا خَاصًّا، وَتُنْدَبُ الْبَسْمَلَةُ حَتَّى لِلْجُنُبِ وَالْحَائِضِ وَالنُّفَسَاءِ إِنْ لَمْ يَقْصِدُوا بِهَا قُرْآنًا: وَإِلَّا حَرُمَتْ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ فِي شَرْحِ الشَّمَائِلِ: لَا تُنْدَبُ فِي مَكْرُوهٍ وَلَا حَرَامٍ، بَلْ لَوْ سَمَّى عَلَى خَمْرٍ كَفَرَ عَلَى مَا فِيهِ مَا هُوَ مُبَيَّنٌ فِي مَحَلِّهِ. («ثُمَّ قَعَدَ مَنْ أَكَلَ وَلَمْ يُسَمِّ اللَّهَ، فَأَكَلَ مَعَهُ الشَّيْطَانُ»): أَيْ فَانْعَدَمَ بَرَكَتُهُ بِسُرْعَةٍ وَلَمْ يَمْتَنِعْ شَيْطَانُهُ بِمُجَرَّدِ تَسْمِيَتِنَا، وَأَكْلُ الشَّيْطَانِ مَحْمُولٌ عَلَى حَقِيقَتِهِ عِنْدَ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ سَلَفًا وَخَلَفًا لِإِمْكَانِهِ عَقْلًا وَإِثْبَاتِهِ شَرْعًا. قَالَ الطِّيبِيُّ: قَدْ سَبَقَ عَنِ الشَّافِعِيِّ عَلَى مَا رَوَاهُ النَّوَوِيُّ أَنَّ وَاحِدًا لَوْ سَمَّى فِي جَمَاعَةٍ يَأْكُلُونَ لَكَفَى ذَلِكَ، وَسَقَطَ عَنِ الْكُلِّ، فَتَنْزِيلُهُ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ أَنْ يُقَالَ مَعْنَى قَوْلِهِ - ﷺ: (ثُمَّ قَعَدَ) أَيْ: بَعْدَ فَرَاغِنَا مِنَ الطَّعَامِ وَلَمْ يُسَمِّ، أَوْ يُقَالُ: إِنَّ شَيْطَانَ هَذَا الرَّجُلِ جَاءَ مَعَهُ، فَلَمْ تَكُنْ تَسْمِيَتُنَا مُؤَثِّرَةً فِيهِ وَلَا هُوَ سَمَّى، يَعْنِي لِتَكُونَ تَسْمِيَتُهُ مَانِعَةً مِنْ أَكْلِ شَيْطَانِهِ مَعَهُ، وَتَعَقَّبَهُ مِيرَكُ شَاهْ بِقَوْلِهِ: وَأَنْتَ خَبِيرٌ بِأَنَّ التَّوْجِيهَ الْأَوَّلَ خِلَافُ ظَاهِرِ الْحَدِيثِ ; إِنَّ كَلِمَةَ " ثُمَّ " لَا تَدُلُّ إِلَّا عَلَى تَرَاخِي قُعُودِ الرَّجُلِ عَنْ أَوَّلِ اشْتِغَالِهِمْ بِالْأَكْلِ، وَأَمَّا عَلَى تَرَاخِيهِ عَنْ فَرَاغِهِمْ مِنَ الْأَكْلِ كَمَا ادَّعَاهُ فَلَا، وَأَمَّا التَّوْجِيهُ الثَّانِي فَحَسَنٌ، لَكِنْ لَيْسَ صَرِيحًا فِي رَفْعِ التَّنَاقُضِ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ وَبَيْنَ مَا قَالَهُ الشَّافِعِيُّ، فَالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ كَلَامُ الشَّافِعِيِّ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ مَخْصُوصٌ بِمَا إِذَا اشْتَغَلَ جَمَاعَةٌ بِالْأَكْلِ مَعًا وَسَمَّى وَاحِدٌ مِنْهُمْ، فَحِينَئِذٍ تَسْمِيَةُ هَذَا الْوَاحِدِ تُجْزِئُ عَنِ الْبَوَاقِي مِنَ الْحَاضِرِينَ لَا عَنْ شَخْصٍ لَمْ يَكُنْ حَاضِرًا مَعَهُمْ وَقْتَ التَّسْمِيَةِ، إِذِ الْمَقْصُودُ مِنَ التَّسْمِيَةِ عَدَمُ تَمَكُّنِ الشَّيْطَانِ مِنْ أَكْلِ الطَّعَامِ مَعَ الْأَكْلِ مِنَ الْإِنْسَانِ، فَإِذَا لَمْ يَحْضُرْ إِنْسَانٌ فِي وَقْتِ التَّسْمِيَةِ عِنْدَ الْجَمَاعَةِ لَمْ تُؤَثِّرْ تِلْكَ التَّسْمِيَةُ فِي عَدَمِ تَمَكُّنِ شَيْطَانِ ذَلِكَ الْإِنْسَانِ مِنَ الْأَكْلِ مَعَهُ، تَأَمَّلْ. (رَوَاهُ): أَيْ صَاحِبُ الْمَصَابِيحِ (فِي شَرْحِ السُّنَّةِ): وَكَذَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ فِي الشَّمَائِلِ.
[ ٧ / ٢٧١٠ ]
٤٢٠٢ - وَعَنْ عَائِشَةَ - ﵂ - قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: («إِذَا أَكَلَ أَحَدُكُمْ فَنَسِيَ أَنْ يَذْكُرَ اللَّهَ عَلَى طَعَامِهِ ; فَلْيَقُلْ: بِسْمِ اللَّهِ أَوَّلَهُ وَآخِرَهُ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ.
_________________
(١) (وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: (إِذَا أَكَلَ أَحَدُكُمْ فَنَسِيَ): بِفَتْحِ النُّونِ وَكَسْرِ السِّينِ الْمُخَفَّفَةِ، فَفِيهِ بَيَانُ الْجَوَازِ لِيَدُلَّ عَلَى أَنَّ النَّهْيَ الْوَارِدَ - عَنْ أَنْ يَقُولَ الْإِنْسَانُ نَسِيتُ، وَإِنَّمَا يَقُولُ: أُنْسِيتُ أَوْ نُسِّيتُ بِالتَّشْدِيدِ إِذِ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَنْسَاهُ - تَنْزِيهِيٌّ، فَإِنَّ الْمُرَادَ بِهِ.
[ ٧ / ٢٧١٠ ]
الْأَدَبُ اللَّفْظِيُّ الَّذِي لَا حُرْمَةَ فِي مُخَالَفَتِهِ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ﴾ [طه: ١١٥] وَالْمَعْنَى تَرَكَ نِسْيَانًا (أَنْ يَذْكُرَ اللَّهَ عَلَى طَعَامِهِ): وَفِي نُسْخَةٍ " عَلَى الطَّعَامِ " أَيِ: الَّذِي يُرِيدُ أَنْ يَأْكُلَهُ، وَفِيهِ إِشْعَارٌ بِأَنَّ مُطْلَقَ الذِّكْرِ لِلَّهِ كَافٍ فِي ابْتِدَاءِ الْأَكْلِ، وَلَكِنَّ الْبَسْمَلَةَ أَفْضَلُ، فَفِي الْمُحِيطِ: لَوْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، أَوِ الْحَمْدُ لِلَّهِ، أَوْ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَصِيرُ مُقِيمًا لِلسُّنَّةِ فِي أَوَّلِ الْوُضُوءِ، فَكَذَا فِي أَوَّلِ الْأَكْلِ ; لِأَنَّ التَّسْمِيَةَ فِي أَوَّلِ الْوُضُوءِ آكَدُ، بَلْ قَالَ بَعْضُهُمْ بِوُجُوبِهِمَا، وَقِيلَ بِكَوْنِهَا شَرْطًا، وَالْمَعْنَى أَنَّهُ إِذَا نَسِيَ حِينَ الشُّرُوعِ فِي الْأَكْلِ ثُمَّ تَذَكَّرَ فِي أَثْنَائِهِ أَنَّهُ تَرَكَ التَّسْمِيَةَ أَوَّلًا (فَلْيَقُلْ): أَيْ نَدْبًا (بِسْمِ اللَّهِ): الْبَاءُ لِلْمُصَاحَبَةِ أَوِ الِاسْتِعَانَةِ (أَوَّلَهُ وَآخِرَهُ): بِنَصْبِهِمَا عَلَى الظَّرْفِيَّةِ أَيْ: فِي أَوَّلِهِ وَآخِرِهِ أَوْ عَلَى نَزْعِ الْخَافِضِ أَيْ: عَلَى أَوَّلِهِ وَآخِرِهِ، وَالْمَعْنَى عَلَى جَمِيعِ أَجْزَائِهِ، كَمَا يَشْهَدُ لَهُ الْمَعْنَى الَّذِي يُقْصَدُ بِهِ التَّسْمِيَةُ، فَلَا يُقَالُ ذِكْرُهُمَا يُخْرِجُ الْوَسَطَ. فَهُوَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ [مريم: ٦٢] مَعَ قَوْلِهِ ﷿: ﴿أُكُلُهَا دَائِمٌ﴾ [الرعد: ٣٥] وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ الْمُرَادُ بِأَوَّلِهِ النِّصْفُ الْأَوَّلُ، وَبِآخِرِهِ النِّصْفُ الثَّانِي، فَيَحْصُلُ الِاسْتِيفَاءُ وَالِاسْتِيعَابُ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
وَقِيلَ: نَصْبُهُمَا عَلَى أَنَّهُمَا مَفْعُولَا فِعْلٍ مَحْذُوفٍ أَيْ: أَكَلْتُ أَوَّلَهُ وَآكُلُ آخِرَهُ مُسْتَعِينًا بِاللَّهِ، وَهُوَ أَوْلَى مِنْ قَوْلِ الطِّيبِيِّ أَيْ: آكُلُ أَوَّلَهُ وَآخِرَهُ مُسْتَعِينًا بِاسْمِ اللَّهِ، فَيَكُونُ الْجَارُّ وَالْمَجْرُورُ حَالًا مِنْ فَاعِلِ الْفِعْلِ الْمُقَدَّرِ، وَأَوْرَدَ عَلَيْهِ أَنَّ أَكْلَ أَوَّلِهِ لَيْسَ فِي زَمَانِ الِاسْتِعَانَةِ بِاسْمِ اللَّهِ ; لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي وَقْتِ أَكْلِ أَوَّلِهِ مُسْتَعِينًا بِهِ إِلَّا أَنْ يُقَالَ: إِنَّهُ فِي وَقْتِ أَكْلِ أَوَّلِهِ مُسْتَعِينٌ بِهِ حُكْمًا ; لِأَنَّ حَالَ الْمُؤْمِنِ وَثَنَاءَهُ هُوَ الِاسْتِعَانَةُ فِي جَمِيعِ أَحْوَالِهِ وَأَفْعَالِهِ ; وَإِنْ لَمْ يَجْرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَى لِسَانِهِ لِنِسْيَانِهِ، وَهُوَ مَعْفُوٌّ عَنْهُ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَنَّ نِسْيَانَ التَّسْمِيَةِ حَالَ الذَّبْحِ مَعْفُوٌّ مَعَ أَنَّهَا شَرْطٌ، فَكَيْفَ وَالتَّسْمِيَةُ مُسْتَحَبَّةٌ فِي الْأَكْلِ إِجْمَاعًا، وَبِهَذَا تَبَيَّنَ فَسَادُ كَلَامِ شَارِحٍ قَالَ: فَنَسِيَ أَوْ تَرَكَ عَلَى أَيِّ وَجْهٍ كَانَ، فَإِنَّ النَّاسِيَ مَعْذُورٌ، فَأَمْكَنَ أَنْ يَتَدَارَكَ مَا فَاتَهُ بِخِلَافِ الْمُتَعَمِّدِ، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ فِي شَرْحِ الشَّمَائِلِ: وَأَلْحَقَ بِهِ أَئِمَّتُنَا مَا إِذَا تَعَمَّدَ أَوْ جَهِلَ أَوْ أُكْرِهَ اهـ.
أَمَّا الْعَمْدُ ; فَقَدْ عَرَفْتَهُ، وَأَمَّا الْجَهْلُ فَكَيْفَ يُتَصَوَّرُ أَنْ يُقَالَ: إِذَا تَرَكَ ذِكْرَ اللَّهِ أَوَّلَ أَكْلِهِ جَهْلًا تَكُونُ التَّسْمِيَةُ سُنَّةً، فَلْيَقُلْ فِي أَثْنَائِهِ: بِسْمِ اللَّهِ، اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يُقَالَ: مُرَادُهُ أَنَّهُ إِذَا عَلِمَ الْمَسْأَلَةَ فِي أَثْنَاءِ أَكْلَتِهِ، وَلَا يَخْفَى نُدْرَتُهُ مَعَ أَنَّا نَقُولُ: إِنَّ الْجَهْلَ عُذْرٌ كَالنِّسْيَانِ بِخِلَافِ الْعَمْدِ فَلَا يَسْتَوِيَانِ، وَأَمَّا الْإِكْرَاهُ فَأَشَدُّ مِنْهُمَا عُذْرًا، مَعَ أَنَّهُ لَا يُتَصَوَّرُ مَنْعُهُ عَنِ الْبَسْمَلَةِ إِلَّا جَهْرًا أَوْ نِسْيَانًا، فَحِينَئِذٍ يَكْتَفِي بِذِكْرِ اللَّهِ جَنَانًا. فَأَيْنَ هَذَا مِنَ التَّعَمُّدِ؟ وَقَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: نَسِيَ التَّسْمِيَةَ فَذَكَرَهَا فِي خِلَالِ الْوُضُوءِ فَسَمَّى لَا تَحْصُلُ السُّنَّةُ بِخِلَافِ نَحْوِهِ فِي الْأَكْلِ، كَذَا فِي الْغَايَةِ مُعَلِّلًا بِأَنَّ الْوُضُوءَ عَمَلٌ وَاحِدٌ، بِخِلَافِ الْأَكْلِ، وَهُوَ إِنَّمَا يَسْتَلْزِمُ فِي الْأَكْلِ تَحْصِيلُ السُّنَّةِ فِي الْبَاقِي لَا اسْتِدْرَاكُ مَا فَاتَ اهـ. وَهُوَ ظَاهِرٌ فِي أَنَّهُ لَوْ سَمَّى بَعْدَ فَرَاغِ الْأَكْلِ لَا يَكُونُ آتِيًا بِالسُّنَّةِ، لَكِنْ لَا يَخْلُو عَنِ الْفَائِدَةِ. وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: يَشْمَلُهُ إِطْلَاقُ الْحَدِيثِ، فَقَوْلُ بَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ: لَا يَقُولُ ذَلِكَ بَعْدَ فَرَاغِ الطَّعَامِ ; لِأَنَّهُ إِنَّمَا شُرِعَ لِيُمْنَعَ الشَّيْطَانُ، وَبِالْفَرَاغِ لَا يُمْنَعُ - مَرْدُودٌ بِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ إِنَّمَا شُرِعَ لِذَلِكَ فَحَسْبُ، وَمَا الْمَانِعُ مِنْ أَنَّهُ شُرِعَ بَعْدَ الْفَرَاغِ أَيْضًا لِيَقِيءَ الشَّيْطَانُ مَا أَكَلَهُ، وَالْمَقْصُودُ حُصُولُ ضَرُورَةٍ، وَهُوَ حَاصِلٌ فِي الْحَالَيْنِ اهـ. وَفِيهِ أَنَّهُ لَوْ كَانَ لِهَذَا الْغَرَضِ أَيْضًا لَأَمَرَ مَنْ قَعَدَ لِلْأَكْلِ وَلَمْ يُسَمِّ سَابِقًا بِالتَّسْمِيَةِ لَاحِقًا، وَسَيَأْتِي التَّقْيِيدُ بِاللُّقْمَةِ الْبَاقِيَةِ لِلِاسْتِقْصَاءِ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي يَلِيهِ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ): وَكَذَا الْحَاكِمُ، وَلَفْظُ الْجَامِعِ: " «إِذَا أَكَلَ أَحَدُكُمْ طَعَامًا فَلْيَذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ، فَإِنْ نَسِيَ أَنْ يَذْكُرَ اسْمَ اللَّهِ فِي أَوَّلِهِ فَلْيَقُلْ بِاسْمِ اللَّهِ عَلَى أَوَّلِهِ وَآخِرِهِ» ".
[ ٧ / ٢٧١١ ]
٤٢٠٣ - وَعَنْ أُمَيَّةَ بْنِ مَخْشِيٍّ - ﵁ - قَالَ: «كَانَ رَجُلٌ يَأْكُلُ فَلَمْ يُسَمِّ حَتَّى لَمْ يَبْقَ مِنْ طَعَامِهِ إِلَّا لُقْمَةٌ، فَلَمَّا رَفَعَهَا إِلَى فِيهِ قَالَ: بِسْمِ اللَّهِ أَوَّلَهُ وَآخِرَهُ، فَضَحِكَ النَّبِيُّ - ﷺ - ثُمَّ قَالَ: " مَا زَالَ الشَّيْطَانُ يَأْكُلُ مَعَهُ، فَلَمَّا ذَكَرَ اسْمَ اللَّهِ اسْتَقَاءَ مَا فِي بَطْنِهِ» ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
_________________
(١) (وَعَنْ أُمَيَّةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ): بِالتَّصْغِيرِ (ابْنِ مَخْشِيٍّ): بِفَتْحِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْمُعْجَمَةِ وَكَسْرِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَتَشْدِيدِ الْيَاءِ. قَالَ الْمُؤَلِّفُ فِي فَصْلِ الصَّحَابَةِ: خُزَاعِيٌّ أَسَدِيٌّ، عِدَادُهُ فِي أَهْلِ الْبَصْرَةِ، حَدِيثُهُ فِي الطَّعَامِ، رَوَى عَنْهُ ابْنُ أَخِيهِ الْمُثَنَّى بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: (قَالَ: «كَانَ رَجُلٌ يَأْكُلُ فَلَمْ يُسَمِّ حَتَّى لَمْ يَبْقَ مِنْ طَعَامِهِ إِلَّا لُقْمَةٌ»): بِالرَّفْعِ عَلَى الْفَاعِلِيَّةِ (فَلَمَّا رَفَعَهَا إِلَى فِيهِ): أَيْ فَمِهِ («قَالَ: بِسْمِ اللَّهِ أَوَّلَهُ وَآخِرَهُ. فَضَحِكَ النَّبِيُّ - ﷺ» -): أَيْ تَعَجُّبًا لِمَا كُشِفَ لَهُ فِي ذَلِكَ (ثُمَّ قَالَ: «مَا زَالَ الشَّيْطَانُ يَأْكُلُ مَعَهُ فَلَمَّا ذَكَرَ اسْمَ اللَّهِ اسْتَقَاءَ»): أَيِ الشَّيْطَانُ (مَا فِي بَطْنِهِ): أَيِ اسْتَرَدَّ مِنْهُ مَا اسْتَبَاحَهُ، وَالِاسْتِقَاءُ اسْتِفْعَالٌ مِنَ الْقَيْءِ بِمَعْنَى الِاسْتِفْرَاغِ، وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى الْحَقِيقَةِ، أَوِ الْمُرَادُ الْبَرَكَةُ الذَّاهِبَةُ بِتَرْكِ التَّسْمِيَةِ، كَأَنَّهَا كَانَتْ فِي جَوْفِ الشَّيْطَانِ أَمَانَةً فَلَمَّا سَمَّى رَجَعَتْ إِلَى الطَّعَامِ. قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: أَيْ صَارَ مَا كَانَ لَهُ وَبَالًا عَلَيْهِ مُسْتَلَبًا عَنْهُ بِالتَّسْمِيَةِ، وَهَذَا تَأْوِيلٌ عَلَى سَبِيلِ الِاحْتِمَالِ غَيْرُ مَوْثُوقٍ فِيهِ، فَإِنَّ نَبِيَّ اللَّهِ - ﷺ - يَطَّلِعُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ فِي بَرِيَّتِهِ عَلَى مَا لَا سَبِيلَ لِأَحَدٍ إِلَى مَعْرِفَتِهِ إِلَّا بِالتَّوْفِيقِ مِنْ جِهَتِهِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: وَهَذَا التَّأْوِيلُ عَلَى مَا سَبَقَ فِي حَدِيثِ حُذَيْفَةَ مِنَ الْفَصْلِ الْأَوَّلِ مَحْمُولٌ عَلَى مَا لَهُ حَظٌّ مِنْ تَطْيِيرِ الْبَرَكَةِ مِنَ الطَّعَامِ عَلَى تَفْسِيرِهِ، وَعَلَى تَفْسِيرِ النَّوَوِيِّ - ﵀ - فَهُوَ ظَاهِرٌ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. أَقُولُ: وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ أَنَّهُ كَانَ يَأْكُلُ مَعَ النَّبِيِّ وَأَصْحَابِهِ، فَيَنْدَفِعُ الْقَوْلُ؛ لِأَنَّ التَّسْمِيَةَ سُنَّةُ كِفَايَةٍ، وَحَمْلُهُ عَلَى أَنَّهُ يَأْكُلُ وَحْدَهُ بِحَضْرَتِهِمْ أَوْ صَارَ مُلْحَقًا بِهِمْ فَبَعِيدٌ جِدًّا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) .
[ ٧ / ٢٧١٢ ]
٤٢٠٤ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ - ﵁ - قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - إِذَا فَرَغَ مِنْ طَعَامِهِ قَالَ: " الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَطْعَمَنَا وَسَقَانَا وَجَعَلَنَا مُسْلِمِينَ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ.
_________________
(١) (وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - إِذَا فَرَغَ مِنْ طَعَامِهِ»): أَيْ مِنْ أَكْلِ مَأْكُولِهِ الَّذِي كَانَ يَأْكُلُ مِنْهُ فِي بَيْتِهِ مَعَ أَهْلِهِ، أَوْ مَعَ أَضْيَافِهِ، أَوْ فِي مَنْزِلِ بَعْضِ أَصْحَابِهِ عَلَى مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ صِيغَةُ الْجَمْعِ الْآتِي، وَيُمْكِنُ أَنَّهُ شَارَكَ أُمَّتَهُ الضَّعِيفَةَ مِنْ ذَاتِهِ الشَّرِيفَةِ. (قَالَ: «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَطْعَمَنَا وَسَقَانَا وَجَعَلَنَا مُسْلِمِينَ»): أَيْ مُوَحِّدِينَ مُنْقَادِينَ لِجَمِيعِ أُمُورِ الدِّينِ، ثُمَّ فَائِدَةُ الْحَمْدِ بَعْدَ الطَّعَامِ أَدَاءُ شُكْرِ الْمُنْعِمِ وَطَلَبُ زِيَادَةِ النِّعْمَةِ ; لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم: ٧] وَفِيهِ اسْتِحْبَابُ تَجْدِيدِ حَمْدِ اللَّهِ عِنْدَ تَجَدُّدِ النِّعْمَةِ مِنْ حُصُولِ مَا كَانَ الْإِنْسَانُ يَتَوَقَّعُ حُصُولَهُ، وَانْدِفَاعِ مَا كَانَ يَخَافُ وُقُوعَهُ، ثُمَّ لَمَّا كَانَ الْبَاعِثُ هُنَا هُوَ الطَّعَامَ ذَكَرَهُ أَوَّلًا لِزِيَادَةِ الِاهْتِمَامِ بِهِ، وَكَانَ السَّقْيُ مَنْ تَتِمَّتِهِ لِكَوْنِهِ مُقَارِبًا لَهُ فِي التَّحْقِيقِ غَالِبًا، ثُمَّ اسْتَطْرَدَ مِنْ ذِكْرِ النِّعْمَةِ الظَّاهِرَةِ إِلَى النِّعَمِ الْبَاطِنَةِ، فَذَكَرَ مَا هُوَ أَشْرَفُهَا، وَخَتَمَ بِهِ ; لِأَنَّ الْمَدَارَ عَلَى حُسْنِ الْخَاتِمَةِ مَعَ مَا فِيهِ مِنَ الْإِشَارَةِ إِلَى كَمَالِ الِانْقِيَادِ فِي الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَغَيْرِهِمَا قَدَرًا وَوُصْفًا وَوَقْتًا، احْتِيَاجًا وَاسْتِغْنَاءً بِحَسَبِ مَا قَدَّرَهُ وَقَضَاهُ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ): وَكَذَا أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ السُّنِّيِّ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ.
[ ٧ / ٢٧١٢ ]
٤٢٠٥ - وَعَنْ أَبَى هُرَيْرَةَ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: " «الطَّاعِمُ الشَّاكِرُ كَالصَّائِمِ الصَّابِرِ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
_________________
(١) (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: (الطَّاعِمُ): أَيِ: الْآكِلُ الشَّارِبُ (الشَّاكِرُ): قِيلَ: أَقَلُّ شُكْرِهِ أَنْ يُسَمِّيَ إِذَا أَكَلَ، وَيَحْمَدَ إِذَا فَرَغَ.
[ ٧ / ٢٧١٢ ]
(كَالصَّائِمِ الصَّابِرِ): وَأَقَلُّ صَبْرِهِ أَنْ يَحْبِسَ نَفْسَهُ عَنْ مُفَسِدَاتِ الصَّوْمِ. قَالَ الْمُظْهِرُ: هَذَا تَشْبِيهٌ فِي أَصْلِ اسْتِحْقَاقِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْأَجْرَ لَا فِي الْمِقْدَارِ، وَهَذَا كَمَا يُقَالُ: زَيْدٌ كَعَمْرٍو، وَمَعْنَاهُ زَيْدٌ يُشْبِهُ عَمْرًا فِي بَعْضِ الْخِصَالِ، وَلَا يَلْزَمُ الْمُمَاثَلَةُ فِي جَمِيعِهَا، فَلَا يَلْزَمُ الْمُمَاثَلَةُ فِي الْأَجْرِ أَيْضًا اهـ. وَمَحْمِلُهُ أَنَّ الْإِيمَانَ نِصْفَانِ: نِصْفٌ صَبْرٌ وَنِصْفٌ شُكْرٌ عَلَى مَا وَرَدَ مُطَابِقًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾ [إبراهيم: ٥] وَفِيهِ إِشْعَارٌ بِأَنَّ الْفَقِيرَ الصَّابِرَ أَفْضَلُ مِنَ الْغَنِيِّ الشَّاكِرِ ; لِأَنَّ الْمُشَبَّهَ بِهِ يَكُونُ أَقْوَى مِنَ الْمُشَبَّهِ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ): أَيْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁.
[ ٧ / ٢٧١٣ ]
٤٢٠٦ - وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَالدَّارِمِيُّ، عَنْ سِنَانِ بْنِ سَنَّةَ، عَنْ أَبِيهِ.
_________________
(١) (وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَالدَّارِمِيُّ، عَنْ سِنَانِ) . بِكَسْرِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَتَخْفِيفِ النُّونِ (ابْنِ سَنَّةَ): بِفَتْحِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ النُّونِ (عَنْ أَبِيهِ): أَيْ " سَنَّةَ ". وَلَمْ يَذْكُرْهُمَا الْمُؤَلِّفُ فِي أَسْمَائِهِ، وَلَفْظُ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: " الطَّاعِمُ الشَّاكِرُ " بِمَنْزِلَةِ الصَّائِمِ الصَّابِرِ " رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ وَالْحَاكِمُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - وَرَوَاهُ أَحْمَدُ، وَابْنُ مَاجَهْ عَنْ سِنَانِ بْنِ سَنَّةَ، وَلَفْظُهُ: " «الطَّاعِمُ الشَّاكِرُ لَهُ مِثْلُ أَجْرِ الصَّائِمِ الصَّابِرِ» ".
[ ٧ / ٢٧١٣ ]
٤٢٠٧ - وَعَنْ أَبِي أَيُّوبَ - ﵁ - قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - إِذَا أَكَلَ أَوْ شَرِبَ قَالَ: " الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَطْعَمَ وَسَقَى، وَسَوَّغَهُ، وَجَعَلَ لَهُ مَخْرَجًا» ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
_________________
(١) (وَعَنْ أَبِي أَيُّوبَ - ﵁ - قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - إِذَا أَكَلَ أَوْ شَرِبَ»): الظَّاهِرُ أَنَّ " أَوْ " بِمَعْنَى الْوَاوِ كَمَا فِي نُسْخَةٍ، أَيْ: إِذَا جَمَعَ بَيْنَهُمَا («قَالَ: " الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَطْعَمَ وَسَقَى»): وَلَعَلَّ حَذْفَ الْمَفْعُولِ لِإِفَادَةِ الْعُمُومِ (وَسَوَّغَهُ): أَيْ سَهَّلَ دُخُولَ كُلٍّ مِنَ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ فِي الْحَلْقِ (وَجَعَلَ لَهُ): أَيْ لِكُلٍّ مِنْهُمَا (مَخْرَجًا): أَيْ مِنَ السَّبِيلَيْنِ، فَتَخْرُجُ مِنْهُمَا الْفَضْلَةُ ; فَإِنَّهُ تَعَالَى جَعَلَ لِلطَّعَامِ مُقَامًا فِي الْمَعِدَةِ زَمَانًا كَيْ تَنْقَسِمَ مَضَارُّهُ وَمَنَافِعُهُ، فَيَبْقَى مَا يَتَعَلَّقُ بِاللَّحْمِ وَالدَّمِ وَالشَّحْمِ، وَيَنْدَفِعُ بَاقِيهِ، وَذَلِكَ مِنْ عَجَائِبِ مَصْنُوعَاتِهِ، وَمِنْ كَمَالِ فَضْلِهِ وَلُطْفِهِ بِمَخْلُوقَاتِهِ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ!، قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: ذَكَرَ هُنَا نِعَمًا أَرْبَعًا: الْإِطْعَامُ، وَالسَّقْيُ، وَالتَّسْوِيغُ وَهُوَ تَسْهِيلُ الدُّخُولِ فِي الْحَلْقِ فَإِنَّهُ خَلَقَ الْأَسْنَانَ لِلْمَضْغِ، وَالرِّيقَ لِلْبَلْعِ، وَجَعَلَ الْمَعِدَةَ مُقَسِّمًا لِلطَّعَامِ لَهَا مَخَارِجُ، فَالصَّالِحُ مِنْهُ يَنْبَعِثُ إِلَى الْكَبِدِ، وَغَيْرُهُ يَنْدَفِعُ مِنْ طَرِيقِ الْأَمْعَاءِ، كُلُّ ذَلِكَ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ الْكَرِيمِ، وَنِعْمَةٌ يَجِبُ الْقِيَامُ بِوَاجِبِهَا مِنَ الشُّكْرِ بِالْجَنَانِ وَالْبَثِّ بِاللِّسَانِ وَالْعَمَلِ بِالْأَرْكَانِ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ): وَكَذَا النَّسَائِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ.
[ ٧ / ٢٧١٣ ]
٤٢٠٨ - وَعَنْ سَلْمَانَ - ﵁ - قَالَ: «قَرَأْتُ فِي التَّوْرَاةِ أَنَّ بَرَكَةَ الطَّعَامِ الْوُضُوءُ بَعْدَهُ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ - ﷺ -. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: " بَرَكَةُ الطَّعَامِ الْوُضُوءُ قَبْلَهُ وَالْوُضُوءُ بَعْدَهُ» " رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ.
_________________
(١) (وَعَنْ سَلْمَانَ): أَيِ الْفَارِسِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - (قَالَ: قَرَأْتُ فِي التَّوْرَاةِ): أَيْ قَبْلَ الْإِسْلَامِ (أَنَّ بَرَكَةَ الطَّعَامِ): بِفَتْحِ أَنَّ وَيَجُوزُ كَسْرُهَا (الْوُضُوءُ): أَيْ غَسْلُ الْيَدَيْنِ وَالْفَمِ مِنَ الزُّهُومَةِ إِطْلَاقًا لِلْكُلِّ عَلَى الْجُزْءِ مَجَازًا أَوْ بِنَاءً عَلَى الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ وَالْعُرْفِيِّ (بَعْدَهُ): أَيْ بَعْدَ أَكْلِ الطَّعَامِ (فَذَكَرْتُ): أَيْ ذَلِكَ كَمَا فِي نُسْخَةٍ، وَهُوَ رِوَايَةُ التِّرْمِذِيِّ أَيِ الْمَقْرُوءَ الْمَذْكُورَ (لِلنَّبِيِّ - ﷺ -) . وَزَادَ التِّرْمِذِيُّ بِقَوْلِهِ: " وَأَخْبَرْتُهُ بِمَا قَرَأْتُ فِي التَّوْرَاةِ "، وَهُوَ عَطْفٌ تَفْسِيرِيٌّ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: فَذَكَرْتُ، أَيْ سَأَلْتُ هَلْ بَرَكَةُ الطَّعَامِ الْوُضُوءُ بَعْدَهُ، وَالْحَالُ أَنِّي أَخْبَرْتُهُ بِمَا قَرَأْتُهُ فِي التَّوْرَاةِ مِنَ الِاخْتِصَارِ عَلَى تَقْيِيدِ الْوُضُوءِ بِمَا بَعْدَهُ، («فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: بَرَكَةُ الطَّعَامِ الْوُضُوءُ قَبْلَهُ»): تَكْرِيمًا لَهُ (وَالْوُضُوءُ بَعْدَهُ): إِزَالَةً لِمَا لَصِقَ، وَهَذَا يَحْتَمِلُ
[ ٧ / ٢٧١٣ ]
مِنْهُ - ﷺ - أَنْ يَكُونَ إِشَارَةً إِلَى تَحْرِيفِ مَا فِي التَّوْرَاةِ، وَأَنْ يَكُونَ إِيمَاءً إِلَى أَنَّ شَرِيعَتَهُ زَادَتِ الْوُضُوءَ قَبْلَهُ أَيْضًا اسْتِقْبَالًا لِلنِّعْمَةِ بِالطَّهَارَةِ الْمُشْعِرَةِ لِلتَّعْظِيمِ عَلَى مَا وَرَدَ: " «بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ مَكَارِمَ الْأَخْلَاقِ» "، وَبِهَذَا يَنْدَفِعُ مَا قَالَهُ الطِّيبِيُّ مِنْ أَنَّ الْجَوَابَ مِنْ أُسْلُوبِ الْحَكِيمِ، قِيلَ: وَالْحِكْمَةُ فِي الْوُضُوءِ أَوَّلًا أَيْضًا أَنَّ الْأَكْلَ بَعْدَ غَسْلِ الْيَدَيْنِ يَكُونُ أَهْنَأَ وَأَمْرَأَ؟ وَلِأَنَّ الْيَدَ لَا تَخْلُو عَنْ تَلَوُّثٍ فِي تَعَاطِي الْأَعْمَالِ، فَغَسْلُهَا أَقْرَبُ إِلَى النَّظَافَةِ وَالنَّزَاهَةِ، وَلِأَنَّ الْأَكْلَ يُقْصَدُ بِهِ الِاسْتِعَانَةُ عَلَى الْعِبَادَةِ، فَهُوَ جَدِيرٌ بِأَنْ يَجْرِيَ مَجْرَى الطَّهَارَةِ مِنَ الصَّلَاةِ. فَيَبْدَأُ بِغَسْلِ الْيَدَيْنِ، وَالْمُرَادُ مِنَ الْوُضُوءِ الثَّانِي غَسْلُ الْيَدَيْنِ وَالْفَمِ مِنَ الدُّسُومَاتِ. قَالَ - ﷺ: («مَنْ بَاتَ وَفِي يَدِهِ غَمَرٌ») بِفَتْحَتَيْنِ - وَ«لَمْ يَغْسِلْهُ فَأَصَابَهُ شَيْءٌ فَلَا يَلُومَنَّ إِلَّا نَفْسَهُ» ". أَخْرَجَهُ الْمُؤَلِّفُ فِي جَامِعِهِ، وَابْنُ مَاجَهْ فِي سُنَنِهِ، وَأَبُو دَاوُدَ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ، وَوَرَدَ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ: " «مَنْ أَكَلَ مِنْ هَذِهِ اللُّحُومِ شَيْئًا فَلْيَغْسِلْ يَدَهُ مِنْ رِيحٍ وَغَيْرِهِ، وَلَا يُؤْذِي مَنْ حَذَاهُ» ".
قِيلَ: وَمَعْنَى بَرَكَةِ الطَّعَامِ مِنَ الْوُضُوءِ قَبْلَهُ النُّمُوُّ وَالزِّيَادَةُ فِيهِ نَفْسِهِ، وَبِعْدَهُ النُّمُوُّ وَالزِّيَادَةُ فِي فَوَائِدِهَا وَآثَارِهَا لِأَنْ يَكُونَ سَبَبًا لِسُكُونِ النَّفْسِ وَقَرَارِهَا، وَسَبَبًا لِلطَّاعَاتِ، وَتَقْوِيَةً لِلْعِبَادَاتِ فِي الْأَخْلَاقِ الْمَرْضِيَّةِ، وَالْأَفْعَالِ السَّنِيَّةِ، وَجَعْلُهُ مَعْنَى الْبَرَكَةِ لِلْمُبَالَغَةِ، وَإِلَّا فَالْمُرَادُ أَنَّهَا تَنْشَأُ عَنْهُ، وَأَغْرَبَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ وَقَالَ: الْمُرَادُ بِالْوُضُوءِ هُنَا الْوُضُوءُ الشَّرْعِيُّ، وَهُوَ خِلَافُ مَا صَرَّحَ بِهِ أَصْحَابُ الْمَذَاهِبِ مِنْ أَنَّ الْوُضُوءَ الشَّرْعِيَّ لَيْسَ بِسُنَّةٍ عِنْدَ الْأَكْلِ. وَقَالَ بَعْضُ عُلَمَائِنَا مِنَ الشُّرَّاحِ: الْإِتْيَانُ بِالْوُضُوءِ عِنْدَ التَّنَاوُلِ وَالْفَرَاغِ إِنَّمَا يُسْتَحَبُّ فِي طَعَامٍ تَتَلَوَّثُ عَنْهُ الْيَدُ وَيَتَوَلَّدُ مِنْهُ الْوَضَرُ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) . أَيْ فِي جَامِعِهِ وَشَمَائِلِهِ (وَأَبُو دَاوُدَ)، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ بَعْدَ إِيرَادِ الْحَدِيثِ فِي جَامِعِهِ وَفِي الْبَابِ عَنْ أَنَسٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَعَائِشَةَ، ثُمَّ قَالَ: لَا نَعْرِفُ هَذَا الْحَدِيثَ - يَعْنِي حَدِيثَ سَلْمَانَ - إِلَّا مِنْ حَدِيثِ قَيْسِ بْنِ الرَّبِيعِ وَهُوَ يُضَعَّفُ فِي الْحَدِيثِ. قَالَ: وَقَالَ ابْنُ الْمَدَنِيِّ، قَالَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ: كَانَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ يَكْرَهُ غَسْلَ الْيَدَيْنِ قَبْلَ الطَّعَامِ، وَكَانَ يَكْرَهُ أَنْ يُوضَعَ الرَّغِيفُ تَحْتَ الْقَصْعَةِ اهـ. كَلَامُ التِّرْمِذِيُّ. وَقَالَ الذَّهَبِيُّ فِي الْكَاشِفِ فِي تَرْجَمَةِ قَيْسِ بْنِ الرَّبِيعِ: كَانَ شُعْبَةُ يُثْنِي عَلَيْهِ، وَقَالَ ابْنُ مَعِينٍ: لَيْسَ بِشَيْءٍ. وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ: لَيْسَ بِقَوِيٍّ، مَحَلُّهُ الصِّدْقُ، وَقَالَ ابْنُ عَدِيٍّ: عَامَّةُ رِوَايَاتِهِ مُسْتَقِيمَةٌ اهـ. وَقَالَ الْعَسْقَلَانِيُّ فِي التَّقْرِيبِ: صَدُوقٌ تَغَيَّرَ بِالْآخِرَةِ لَمَّا كَبِرَ، وَأَدْخَلَ عَلَيْهِ ابْنُهُ مَا لَيْسَ مِنْ حَدِيثِهِ. قُلْتُ: وَهَذَا الْحَدِيثُ لَيْسَ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِهِ، بَلْ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ عَنْهُ، وَفِي طَرِيقٍ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ الْكَرِيمِ الْجُرْجَانِيِّ عَنْهُ، وَقَدْ رَوَى الْحَدِيثَ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَالْحَاكِمُ، وَالطُّرُقُ يُقَوِّي بَعْضُهَا بَعْضًا.
[ ٧ / ٢٧١٤ ]
٤٢٠٩ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ - «أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - خَرَجَ مِنَ الْخَلَاءِ، فَقُدِّمَ إِلَيْهِ طَعَامٌ، فَقَالُوا: أَلَا نَأْتِيكَ بِوَضُوءٍ؟ قَالَ: " إِنَّمَا أُمِرْتُ بِالْوُضُوءِ إِذَا قُمْتُ إِلَى الصَّلَاةِ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ.
_________________
(١) (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - «أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - خَرَجَ مِنَ الْخَلَاءِ»): بِفَتْحِ الْخَاءِ مَمْدُودًا: الْمَكَانُ الْخَالِي، وَهُوَ هُنَا كِنَايَةٌ عَنْ مَوْضِعِ قَضَاءِ الْحَاجَةِ (فَقُدِّمَ إِلَيْهِ طَعَامٌ، فَقَالُوا): أَيْ بَعْضُ الصَّحَابَةِ - ﵃ - (أَلَا نَأْتِيكَ بِوَضُوءٍ): بِفَتْحِ الْوَاوِ أَيْ مَاءٍ يُتَوَضَّأُ بِهِ، وَمَعْنَى الِاسْتِفْهَامِ عَلَى الْعَرْضِ نَحْوَ: أَلَا تَنْزِلُ عِنْدَنَا؟، وَالْمَعْنَى أَلَا نَتَوَضَّأُ، كَمَا فِي رِوَايَةٍ ظَنًّا مِنْهُمْ أَنَّ الْوُضُوءَ وَاجِبٌ قَبْلَ الْأَكْلِ. (قَالَ: إِنَّمَا أُمِرْتُ): أَيْ وُجُوبًا (بِالْوُضُوءِ): أَيْ بَعْدَ الْحَدَثِ (إِذَا قُمْتُ إِلَى الصَّلَاةِ): أَيْ أَرَدْتُ الْقِيَامَ لَهَا، وَهَذَا بِاعْتِبَارِ الْأَعَمِّ الْأَغْلَبِ، وَإِلَّا فَيَجِبُ الْوُضُوءُ عِنْدَ سَجْدَةِ التِّلَاوَةِ وَمَسِّ الْمُصْحَفِ وَحَالِ الطَّوَافِ، وَكَأَنَّهُ - ﷺ - عَلِمَ مِنَ السَّائِلِ أَنَّهُ اعْتَقَدَ أَنَّ الْوُضُوءَ الشَّرْعِيَّ قَبْلَ الطَّعَامِ وَاجِبٌ مَأْمُورٌ بِهِ، فَنَفَاهُ عَلَى طَرِيقِ الْأَبْلَغِ حَيْثُ أَتَى بِأَدَاةِ الْحَصْرِ، وَأَسْنَدَ الْأَمْرَ لِلَّهِ تَعَالَى، وَهُوَ لَا يُنَافِي جَوَازَهُ، بَلِ اسْتِحْبَابُهُ فَضْلًا عَنِ اسْتِحْبَابِ الْوُضُوءِ الْعُرْفِيِّ سَوَاءٌ غَسَلَ يَدَيْهِ عِنْدَ شُرُوعِهِ فِي الْأَكْلِ أَمْ لَا. وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ مَا غَسَلَهُمَا لِبَيَانِ الْجَوَازِ مَعَ أَنَّهُ آكَدُ لِنَفْيِ الْوُجُوبِ الْمَفْهُومِ مِنْ جَوَابِهِ - ﷺ - وَفِي الْجُمْلَةِ لَا يَتِمُّ اسْتِدْلَالُ مَنِ احْتَجَّ بِهِ عَلَى نَفْيِ الْوُضُوءِ مُطْلَقًا قَبْلَ الطَّعَامِ، مَعَ أَنَّ فِي نَفْسِ السُّؤَالِ إِشْعَارًا بِأَنَّهُ كَانَ الْوُضُوءُ عِنْدَ الطَّعَامِ مِنْ دَأْبِهِ ﵇، وَإِنَّمَا نَفَى الْوُضُوءَ الشَّرْعِيَّ، فَبَقِيَ الْوُضُوءُ الْعُرْفِيُّ عَلَى حَالِهِ، وَيُؤَيِّدُهُ الْمَفْهُومُ أَيْضًا، فَمَعَ وُجُودِ الِاحْتِمَالِ سَقَطَ الِاسْتِدْلَالُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالْحَالِ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ): أَيْ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄.
[ ٧ / ٢٧١٤ ]
٤٢١٠ - وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ.
_________________
(١) (وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁) .
[ ٧ / ٢٧١٥ ]
٤٢١١ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ - عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ: «أَنَّهُ أُتِيَ بِقَصْعَةٍ مِنْ ثَرِيدٍ. فَقَالَ: " كُلُوا مِنْ جَوَانِبِهَا، وَلَا تَأْكُلُوا مِنْ وَسَطِهَا ; فَإِنَّ الْبَرَكَةَ تَنْزِلُ فِي وَسَطِهَا» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَالدَّارِمِيُّ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ، قَالَ: " «إِذَا أَكَلَ أَحَدُكُمْ طَعَامًا فَلَا يَأْكُلْ مِنْ أَعْلَى الصَّحْفَةِ، وَلَكِنْ يَأْكُلُ مِنْ أَسْفَلِهَا ; فَإِنَّ الْبَرَكَةَ تَنْزِلُ مِنْ أَعْلَاهَا» ".
_________________
(١) (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا): لَمْ يَقُلْ عَنْهُ لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ رُجُوعُ الضَّمِيرِ إِلَى أَبِي هُرَيْرَةَ، فَإِنَّهُ أَقْرَبُ مَذْكُورٍ، وَإِنْ كَانَ الْمُعْنَوْنُ فِي صَدْرِ الْحَدِيثِ هُوَ ابْنَ عَبَّاسٍ - ﵄. (عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ: أَنَّهُ أَتَى بِقَصْعَةٍ): أَيْ قَدَحٍ كَبِيرٍ (مِنْ ثَرِيدٍ): وَهُوَ بِفَتْحِ الْمُثَلَّثَةِ أَيْ يَثْرُدُ الْخُبْزَ أَيْ يُكَسِّرُ وَيُفَتِّتُ فِي مَرَقِ اللَّحْمِ، وَقَدْ يَكُونُ مَعَهُ اللَّحْمُ، وَوَرَدَ فِي حَدِيثٍ رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ، وَالْبَيْهَقِيُّ عَنْ أَنَسٍ: " «أَثْرِدُوا وَلَوْ بِالْمَاءِ» ". (فَقَالَ: كُلُوا مِنْ جَوَانِبِهَا): فِيهِ مُقَابَلَةُ الْجَمْعِ بِالْجَمْعِ: أَيْ لِيَأْكُلْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ جَانِبِهِ (وَلَا تَأْكُلُوا مِنْ وَسَطِهَا): بِسُكُونِ السِّينِ وَيُفْتَحُ («فَإِنَّ الْبَرَكَةَ تَنْزِلُ فِي وَسَطِهَا»): وَالْوَسَطُ أَعْدَلُ الْمَوَاضِعِ، فَكَانَ أَحَقَّ بِنُزُولِ الْبَرَكَةِ فِيهِ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَالدَّارِمِيُّ)، وَكَذَا أَحْمَدُ وَالْبَيْهَقِيُّ (وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. (وَفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ قَالَ: " «إِذَا أَكَلَ أَحَدُكُمْ طَعَامًا فَلَا يَأْكُلْ مِنْ أَعْلَى الصَّحْفَةِ، وَلَكِنْ يَأْكُلُ مِنْ أَسْفَلِهَا»): أَيْ مِنْ جَانِبِهَا الَّذِي يَلِيهِ («فَإِنَّ الْبَرَكَةَ تَنْزِلُ مِنْ أَعْلَاهَا») . قَالَ الطِّيبِيُّ: شَبَّهَ مَا يَزِيدُ فِي الطَّعَامِ بِمَا يَنْزِلُ مِنَ الْأَعَالِي مِنَ الْمَائِعِ وَمَا يُشْبِهُهُ، فَهُوَ يَنْصَبُّ إِلَى الْوَسَطِ، ثُمَّ يَنْبَثُّ مِنْهُ إِلَى الْأَطْرَافِ، وَكُلُّ مَا أُخِذَ مِنَ الطَّرَفِ يَجِيءُ مِنَ الْأَعْلَى بَدَلُهُ، فَإِذَا أَخَذَ مِنَ الْأَعْلَى انْقَطَعَ، قُلْتُ: وَلَعَلَّ السِّرَّ فِيهِ أَنَّ الْأَعْلَى قَدْرٌ مُشْتَرَكٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ، فَإِذَا حَمَلَهُ الْحِرْصُ عَلَى الْأَكْلِ مِنْهُ فَيَنْقَطِعُ الْخَيْرُ وَالْبَرَكَةُ مِنْ شَآمَتِهِ، فَإِنَّ الْحِرْصَ شُؤْمٌ وَالْحَرِيصُ مَحْرُومٌ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ، وَابْنِ مَاجَهْ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُسْرٍ: " «كُلُوا مِنْ حَوَالَيْهَا وَذَرُوا ذُرْوَتَهَا يُبَارَكُ فِيهَا» "، وَفِي رِوَايَةٍ لِابْنِ مَاجَهْ عَنْ وَاثِلَةَ: " «كُلُوا بِاسْمِ اللَّهِ مِنْ حَوَالَيْهَا، وأَعْفُوا رَأْسَهَا ; فَإِنَّ الْبَرَكَةَ تَأْتِيهَا مِنْ فَوْقِهَا» ".
[ ٧ / ٢٧١٥ ]
٤٢١٢ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو - ﵁ - قَالَ: «مَا رُئِيَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - يَأْكُلُ مُتَّكِئًا قَطُّ، وَلَا يَطَأُ عَقِبَهُ رَجُلَانِ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
_________________
(١) (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو): بِالْوَاوِ - ﵄ - (قَالَ: «مَا رُؤِيَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - يَأْكُلُ مُتَّكِئًا»): أَيْ مُتَرَبِّعًا أَوْ مَائِلًا إِلَى أَحَدِ شِقَّيْهِ قَطُّ، (وَلَا يَطَأُ عَقِبَهُ رَجُلَانِ): أَيْ لَا يَمْشِي قُدَّامَ الْقَوْمِ، بَلْ يَمْشِي فِي وَسَطِ الْجَمْعِ، أَوْ فِي آخِرِهِمْ تَوَاضُعًا، كَذَا ذَكَرَهُ الْمُظْهِرُ وَغَيْرُهُ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: التَّثْنِيَةُ فِي " رَجُلَانِ " لَا تُسَاعِدُ هَذَا التَّأْوِيلَ، وَلَعَلَّهُ كِنَايَةٌ عَنْ تَوَاضُعِهِ، وَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَمْشِي مَشْيَ الْجَبَابِرَةِ مَعَ الْأَتْبَاعِ وَالْخَدَمِ، وَيُؤَيِّدُهُ اقْتِرَانُهُ بِقَوْلِهِ: " «مَا رُؤِيَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - يَأْكُلُ مُتَّكِئًا» " فَإِنَّهُ كَانَ مَنْ دَأْبِ الْمُتْرَفِينَ، وَدَعَا عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - عَلَى رَجُلٍ قَالَ: " «اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ كَذَبَ فَاجْعَلْهُ مُوَطَّأَ الْعَقِبِ» " أَيْ كَثِيرَ الْأَتْبَاعِ، دَعَا عَلَيْهِ أَنْ يَكُونَ سُلْطَانًا أَوْ مُقَدَّمًا أَوْ ذَا مَالٍ، فَيَتْبَعُهُ النَّاسُ وَيَمْشُونَ وَرَاءَهُ اهـ. وَلَا يَخْفَى أَنَّ مَا ذَكَرَهُ لَا يُنَافِي كَلَامَ غَيْرِهِ، وَفَائِدَةُ التَّثْنِيَةِ أَنَّهُ قَدْ يَكُونُ وَاحِدٌ مِنَ الْخُدَّامِ وَرَاءَهُ كَأَنَسٍ وَغَيْرِهِ لِمَكَانِ الْحَاجَةِ بِهِ، وَهُوَ لَا يُنَافِي التَّوَاضُعَ مِنْ أَصْلِهِ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) .
[ ٧ / ٢٧١٥ ]
٤٢١٣ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ جَزْءٍ - ﵁ - قَالَ: «أُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - بِخُبْزٍ وَلَحْمٍ وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ، فَأَكَلَ وَأَكَلْنَا مَعَهُ، ثُمَّ قَامَ فَصَلَّى، وَصَلَّيْنَا مَعَهُ، وَلَمْ نَزِدْ عَلَى أَنْ مَسَحْنَا أَيْدِيَنَا بِالْحَصْبَاءِ» . رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ.
_________________
(١) (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ جَزْءٍ): - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - بِفَتْحِ الْجِيمِ وَسُكُونِ زَايٍ، بَعْدَهَا هَمْزٌ، وَقِيلَ بِفَتْحٍ فَتَشْدِيدِ زَايٍ بِلَا هَمْزٍ، وَقِيلَ بِكَسْرِ زَايٍ وَتَشْدِيدِ يَاءٍ، وَهُوَ مِمَّنْ شَهِدَ بَدْرًا.
[ ٧ / ٢٧١٥ ]
(قَالَ: «أُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - بِخُبْزٍ وَلَحْمٍ وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ فَأَكَلَ وَأَكَلْنَا مَعَهُ»): وَلَعَلَّهُ كَانَ مُعْتَكِفًا أَوْ عِنْدَهُ أَضْيَافٌ أَوْ فَعَلَهُ لِبَيَانِ الْجَوَازِ، فَإِنَّهُ مُبَاحٌ مَا لَمْ يَتَلَوَّثِ الْمَسْجِدُ («ثُمَّ قَامَ فَصَلَّى وَصَلَّيْنَا مَعَهُ وَلَمْ نَزِدْ عَلَى أَنْ مَسَحْنَا أَيْدِيَنَا بِالْحَصْبَاءِ»): مَمْدُودًا أَيْ بِالْحِجَارَاتِ الصِّغَارِ اسْتِعْجَالًا لِلصَّلَاةِ، أَوْ بَيَانًا لِلْجَوَازِ، وَإِشْعَارًا بِعَدَمِ التَّكَلُّفِ وَالْمُبَالَغَةِ فِي التَّنْظِيفِ. (رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ) . وَكَذَا التِّرْمِذِيُّ صَدَّرَ الْحَدِيثَ وَلَفْظُهُ: " «أَكَلْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - شِوَاءً فِي الْمَسْجِدِ» .
[ ٧ / ٢٧١٦ ]
٤٢١٤ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - قَالَ: «أُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ بِلَحْمٍ، فَرُفِعَ إِلَيْهِ الذِّرَاعُ وَكَانَتْ تُعْجِبُهُ، فَنَهَسَ مِنْهَا» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ.
_________________
(١) (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ «أُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - بِلَحْمٍ فَرُفِعَ إِلَيْهِ الذِّرَاعُ وَكَانَتْ تُعْجِبُهُ»): أَيْ تَطِيبُ وَتَحْسُنُ فِي نَظَرِهِ وَيُحِبُّهَا لِمَا فِيهَا مِنْ قُوَّةِ الْقَوِيِّ وَلِلْإِيمَاءِ إِلَى الْقَنَاعَةِ وَالتَّوَاضُعِ. قَالَ النَّوَوِيُّ: مَحَبَّتُهُ - ﷺ - لِلذِّرَاعِ لِنُضْجِهَا وَسُرْعَةِ اسْتِمْرَائِهَا مَعَ زِيَادَةِ لَذَّتِهَا وَحَلَاوَةِ مَذَاقِهَا، وَبُعْدِهَا عَنْ مَوَاضِعِ الْأَذَى. (فَنَهَسَ مِنْهَا): بِالسِّينِ الْمُهْمَلَةِ، وَقِيلَ بِالْمُعْجَمَةِ فَفِي النِّهَايَةِ: النَّهْسُ وَبِالْمُهْمَلَةِ الْأَخْذُ بِأَطْرَافِ الْأَسْنَانِ، وَبِالْمُعْجَمَةِ الْأَخْذُ بِجَمِيعِهَا. قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ تَبَعًا لِمَا فِي شَرْحِ السُّنَّةِ: وَاسْتُحِبَّ النَّهْسُ لِلتَّوَاضُعِ وَعَدَمِ التَّكَبُّرِ. قُلْتُ: وَلِأَنَّهُ أَهْنَأُ وَأَمْرَأُ كَمَا سَيَأْتِي فِي الْحَدِيثِ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ) .
[ ٧ / ٢٧١٦ ]
٤٢١٥ - وَعَنْ عَائِشَةَ - ﵂ - قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: " «لَا تَقْطَعُوا اللَّحْمَ بِالسِّكِّينِ ; فَإِنَّهُ مِنْ صُنْعِ الْأَعَاجِمِ، وَانْهَسُوهُ فَإِنَّهُ أَهْنَأُ وَأَمْرَأُ» ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي " شُعَبِ الْإِيمَانِ " وَقَالَا: لَيْسَ هُوَ بِالْقَوِيِّ.
_________________
(١) (وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: «لَا تَقْطَعُوا اللَّحْمَ بِالسِّكِّينِ فَإِنَّهُ»): أَيْ قَطْعُهُ بِالسِّكِّينِ: لَوْ كَانَ مَنْضُوجًا (مِنْ صَنِيعِ الْأَعَاجِمِ): أَيْ مِنْ دَأْبِ أَهْلِ فَارِسَ الْمُتَكَبِّرِينَ الْمُتَرَفِّهِينَ، فَالنَّهْيُ عَنْهُ لِأَنَّ فِيهِ تَكَبُّرًا وَأَمْرًا عَبَثًا بِخِلَافِ مَا إِذَا احْتَاجَ قَطْعُ اللَّحْمِ إِلَى السِّكِّينِ، لِكَوْنِهِ غَيْرَ نَضِيجٍ تَامٍّ، فَلَا يُعَارِضُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ خَبَرِ الشَّيْخَيْنِ مِنْ أَنَّهُ - ﷺ - كَانَ يَجْتَزُّ بِالسِّكِّينِ، اهـ الْمُرَادُ بِالنَّهْيِ التَّنْزِيهُ وَفَعَلَهُ لِبَيَانِ الْجَوَازِ ; وَلِذَا قَالَ: (وَانْهَسُوهُ): أَيْ كُلُوهُ بِأَطْرَافِ الْأَسْنَانِ (فَإِنَّهُ): أَيِ النَّهْسُ (أَهْنَأُ): مِنَ الْهَنِيءِ وَهُوَ اللَّذِيذُ الْمُوَافِقُ لِلْغَرَضِ (وَأَمْرَأُ): مِنَ الِاسْتِمْرَاءِ، وَهُوَ ذَهَابُ كَظَّةِ الطَّعَامِ وَثِقَلِهِ، وَيُقَالُ: هَنَأَ الطَّعَامُ وَمَرَأَ إِذَا كَانَ سَائِغًا وَجَارِيًا فِي الْحَلْقِ مِنْ غَيْرِ تَعَبٍ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: الْكَشَّافُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ [المائدة: ٦٣] كُلُّ عَامِلٍ لَا يُسَمَّى صَانِعًا حَتَّى يَتَمَكَّنَ فِيهِ وَيَتَدَرَّبَ، فَالْمَعْنَى لَا تَجْعَلُوا الْقَطْعَ بِالسِّكِّينِ دَأْبَكُمْ وَعَادَتَكُمْ كَالْأَعَاجِمِ، بَلْ إِذَا كَانَ نَضِيجًا فَانْهَسُوهُ، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ نَضِيجًا فَحُزُّوهُ بِالسِّكِّينِ، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُ الْبَيْهَقِيِّ: النَّهْيُ عَنْ قَطْعِ اللَّحْمِ بِالسِّكِّينِ فِي لَحْمٍ قَدْ تَكَامَلَ نُضْجُهُ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي " شُعَبِ الْإِيمَانِ " وَقَالَا): أَيْ أَبُو دَاوُدَ وَالْبَيْهَقِيُّ وَفِي نُسْخَةٍ: قَالَ أَيِ الْبَيْهَقِيُّ، قَالَ مِيرَكُ: وَهُوَ الظَّاهِرُ. (لَيْسَ): أَيْ هُوَ كَمَا فِي نُسْخَةٍ يَعْنِي لَيْسَ هَذَا الْحَدِيثُ بِاعْتِبَارِ إِسْنَادِهِ، أَوْ مَعْنَاهُ الْمُعَارَضُ بِظَاهِرِ الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ. (بِالْقَوِيِّ): أَيْ فَيَكُونُ الْحَدِيثُ ضَعِيفًا أَوْ وَسَطًا بَيْنَهُمَا، وَلَا يَكُونُ مُقَاوِمًا لِحَدِيثِ الصَّحِيحَيْنِ، لَكِنْ بِالْجَمْعِ السَّابِقِ بَيْنَهُمَا يَرْتَفِعُ الْإِشْكَالُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالْحَالِ.
[ ٧ / ٢٧١٦ ]
٤٢١٦ - وَعَنْ أُمِّ الْمُنْذِرِ - ﵂ - قَالَتْ: «دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - وَمَعَهُ عَلِيٌّ، وَلَنَا دَوَالٍ مُعَلَّقَةٌ، فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - يَأْكُلُ وَعَلِيٌّ مَعَهُ يَأْكُلُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - لَعَلِيٍّ: " مَهْ يَا عَلِيُّ، فَإِنَّكَ نَاقِهٌ "، قَالَتْ: فَجَعَلْتُ لَهُمْ سِلْقًا وَشَعِيرًا، فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ: " يَا عَلِيُّ! مِنْ هَذَا فَأَصِبْ ; فَإِنَّهُ أَوْفَقُ لَكَ» ". رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ.
_________________
(١) (وَعَنْ أُمِّ الْمُنْذِرِ): قَالَ الْمُؤَلِّفُ: هِيَ بِنْتُ قَيْسٍ الْأَنْصَارِيَّةُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - وَيُقَالُ الْعَدَوِيَّةُ، لَهَا صُحْبَةٌ وَرِوَايَةٌ، رَوَى عَنْهَا يَعْقُوبُ بْنُ أَبِي يَعْقُوبَ. (قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - وَمَعَهُ عَلِيٌّ، وَلَنَا دَوَالٍ): بِفَتْحِ الدَّالِّ الْمُهْمَلَةِ وَتَنْوِينِ اللَّامِ الْمَكْسُورَةِ جَمْعُ دَالِيَةٍ، وَهِيَ الْعِذْقُ مِنَ الْبُسْرِ يُعَلَّقُ، فَإِذَا أَرْطَبَ أُكِلَ وَالْوَاوُ فِيهِ مُنْقَلِبَةٌ عَنِ الْأَلِفِ كَذَا فِي النِّهَايَةِ فَقَوْلُهُ: (مُعَلَّقَةٌ)، صِفَةٌ مُؤَكِّدَةٌ لِدَوَالٍ، وَأَمَّا قَوْلُ مِيرَكَ الْأَظْهَرُ أَنَّهُ صِفَةٌ مُخَصِّصَةٌ لَقَوْلِهَا: دَوَالٍ، فَخِلَافُ الظَّاهِرِ إِلَّا أَنْ يُقَالَ بِالتَّجْرِيدِ وَلَا ضَرُورَةَ إِلَيْهِ، (فَجَعَلَ): أَيْ شَرَعَ (رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - يَأْكُلُ): قَالَ الْعِصَامُ: أَيْ قَائِمًا وَهُوَ الْمُلَائِمُ لِلْمَقَامِ، لَكِنَّ الْجَزْمَ بِهِ غَيْرُ قَائِمٍ. (وَعَلِيٌّ مَعَهُ يَأْكُلُ): أَيْ قَائِمًا لِقَوْلِهَا بَعْدُ: " فَجَلَسَ عَلِيٌّ " عَلَى مَا فِي رِوَايَةٍ (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - لَعَلِيٍّ: مَهْ): بِفَتْحِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْهَاءِ أَيِ امْتَنِعْ مِنْ أَكْلِهِ. قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: هِيَ كَلِمَةٌ بُنِيَتْ عَلَى السُّكُونِ، وَهُوَ اسْمٌ سُمِّيَ بِهِ الْفِعْلُ مَعْنَاهُ: اكْفُفْ يَا عَلِيُّ (فَإِنَّكَ نَاقِهٌ): بِكَسْرِ الْقَافِ بَعْدَهُ هَاءٌ اسْمُ فَاعِلٍ، أَيْ قَرِيبُ الْعَهْدِ مِنَ الْمَرَضِ مِنْ نَقَهَ الشَّخْصُ بِفَتْحِ الْقَافِ وَكَسْرِهَا، فَيَكُونُ مِنْ حَدِّ سَأَلَ أَوْ عَلِمَ، وَالْمَصْدَرُ النُّقْهَةُ وَمَعْنَاهُ بَرِئَ مِنَ الْمَرَضِ، وَكَانَ قَرِيبَ الْعَهْدِ بِهِ وَلَمْ يَرْجِعْ إِلَيْهِ كَمَالُ الصِّحَّةِ وَالْقُوَّةِ الَّتِي كَانَتْ مَوْجُودَةً فِيهِ قَبْلَ الْمَرَضِ، وَهَذَا يُؤَيِّدُ قَوْلَ مَنْ قَالَ مِنَ الْحُكَمَاءِ بِالْأَحْوَالِ الثَّلَاثَةِ الصِّحَّةُ وَالْمَرَضُ وَالنَّقَاهَةُ، وَهِيَ حَالَةٌ بَيْنِ الْحَالَيْنِ الْأُولَيَيْنِ، كَذَا أَفَادَهُ السَّيِّدُ أَصِيلُ الدِّينِ، وَزَادَ التِّرْمِذِيُّ قَالَتْ: " فَجَلَسَ عَلِيٌّ ": أَيْ وَتَرَكَ أَكْلَ الرُّطَبِ " وَالنَّبِيُّ - ﷺ - يَأْكُلُ ". قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: أَيْ وَحْدَهُ أَوْ مَعَ رُفَقَائِهِ غَيْرِ عَلِيٍّ. (قَالَتْ: فَجَعَلْتُ لَهُمْ): بِصِيغَةِ الْجَمْعِ أَيْ طَبَخْتُ لِأَضْيَافِي، وَوَقَعَ فِي بَعْضِ نُسَخِ الْمَصَابِيحِ: " فَجَعَلْتُ لَهُ " بِإِفْرَادِ الضَّمِيرِ، وَجَعَلَهُ بَعْضُ شُرَّاحِهِ رَاجِعًا إِلَى عَلِيٍّ، وَبِهَذِهِ الْمُلَاحَظَةِ قَالَ: الْفَاءُ فِي قَوْلِهِ: " فَجَعَلْتُ " جَوَابُ شَرْطٍ مَحْذُوفٍ يَعْنِي إِذَا تَرَكَ عَلِيٌّ - كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ - أَكْلَ الرُّطَبِ جَعَلْتُ لَهُ. . إِلَخْ. وَقَالَ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ: وَالصَّحِيحُ رِوَايَةُ هَذَا الْكِتَابِ وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ، ذَكَرَهُ مِيرَكُ. لَكِنْ يُوجَدُ فِي بَعْضِ نُسَخِ الشَّمَائِلِ لَفْظَةُ " لَهُ " بِصِيغَةِ الْإِفْرَادِ أَيْضًا، فَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ لِلنَّبِيِّ - ﷺ - لِأَنَّهُ الْأَصْلُ وَالْمَتْبُوعُ، كَمَا تَدُلُّ عَلَيْهِ صِيغَةُ الْجَمْعِ، فَالْمَعْنَى لَهُ أَصَالَةً وَلِغَيْرِهِ تَبَعًا، مَعَ أَنَّ أَقَلَّ الْجَمْعِ قَدْ يَكُونُ مَا فَوْقَ الْوَاحِدِ، فَالْمَعْنَى لَهُ أَصْلًا وَلَعَلِيٍّ تَبَعًا، وَمَا أَبْعَدَ مَنْ قَالَ: إِنَّ الضَّمِيرَ فِي " لَهُ " لِابْنِهَا. قَالَ الطِّيبِيُّ: هَكَذَا بِصِيغَةِ الْجَمْعِ فِي الْأُصُولِ الثَّلَاثَةِ لِأَحْمَدَ، وَالتِّرْمِذِيِّ، وَابْنِ مَاجَهْ، وَكَذَا فِي شَرْحِ السُّنَّةِ، وَأَكْثَرِ نُسَخِ الْمَصَابِيحِ: " مُغَيَّرٌ " جَعَلُوا الضَّمِيرَ فِي " لَهُمْ " مُفْرَدًا لِيَرْجِعَ إِلَى عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَهُوَ وَهْمٌ مِنْهُمْ ; لِأَنَّ الضَّمِيرَ يَرْجِعُ إِلَى أَهْلِهَا وَالضِّيفَانِ اهـ. فَالْفَاءُ لِلتَّعْقِيبِ أَيْ بَعْدَ عَرْضِ أَكْلِ الرُّطَبِ، أَوْ بَعْدَ فَرَاغِهِمْ مِنْهُ جَعَلْتُ لَهُمْ (سِلْقًا): بِكَسْرٍ فَسُكُونٍ نَبْتٌ يُطْبَخُ وَيُؤْكَلُ، وَيُسَمَّى بِالْفَارِسِيَّةِ جَغَنْدَرَقْ (وَشَعِيرًا)، أَيْ نَفْسَهُ أَوْ مَاءِهُ أَوْ دَقِيقَهُ، وَالْمَعْنَى فَطَبَخْتُ وَقَدَّمْتُ لَهُمْ. وَتَكَلَّفَ الطِّيبِيُّ وَقَالَ: قَوْلُهَا: " فَجَعَلْتُ " عَطْفٌ عَلَى " فَقَالَ ": وَالْفَاءُ جَوَابُ شَرْطٍ مَحْذُوفٍ أَيْ: إِذَا مَنَعْتَ عَلِيًّا مِنْ أَكِلِ الرُّطَبِ لِكَوْنِهِ نَاقِهًا، فَأُعْلِمُكُمْ أَنِّي جَعَلْتُ لِعَلِيٍّ سِلْقًا وَشَعِيرًا. (فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ: (يَا عَلِيُّ! مِنْ هَذَا): أَيِ الطَّبِيخِ أَوِ الطَّعَامِ (فَأَصِبْ): أَمْرٌ مِنَ الْإِصَابَةِ أَيْ أَدْرِكْ مِنْ هَذَا يَعْنِي فَكُلْ مِنْ هَذَا الْمُرَكَّبِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: الْفَاءُ فِيهِ جَزَاءُ شَرْطٍ مَحْذُوفٍ أَيْ: إِذَا حَصَلَ هَذَا فَخُصَّهُ بِالْإِصَابَةِ مُتَجَاوِزًا عَنْ أَكْلِ الْبُسْرِ، وَيَدُلُّ عَلَى الْحَصْرِ تَقْدِيمُ الْجَارِّ عَلَى عَامِلِهِ وَنَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ [المدثر: ٣]، (فَإِنَّهُ) وَفِي رِوَايَةٍ: " فَإِنَّ هَذَا " (أَوْفَقُ لَكَ): أَيْ مِنَ الْبُسْرِ وَالرُّطَبِ، فَيَكُونُ أَفْعَلُ لِمُجَرَّدِ الزِّيَادَةِ وَهُوَ الظَّاهِرُ وَصَرَّحَ بِهِ الطِّيبِيُّ، وَقَالَ مِيرَكُ: الظَّاهِرُ أَنَّ صِيغَةَ التَّفْضِيلِ هُنَا
[ ٧ / ٢٧١٧ ]
وَرَدَتْ لِمُجَرَّدِ الْمُوَافَقَةِ، اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يُقَالَ بِطَرِيقِ الْإِمْكَانِ فَتُتَصَوَّرُ الزِّيَادَةُ أَوْ بِحَسَبِ الْحِكْمَةِ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: إِنَّمَا مَنَعَهُ - ﷺ - مِنَ الرُّطَبِ ; لِأَنَّ الْفَاكِهَةَ تَضُرُّ بِالنَّاقِهِ لِسُرْعَةِ اسْتِحَالَتِهَا، وَضَعْفِ الطَّبِيعَةِ عَنْ دَفْعِهَا لِعَدَمِ الْقُوَّةِ، فَأَوْفَقُ بِمَعْنَى " مُوَافِقٌ " ; إِذْ لَا أَوْفَقِيَّةَ فِي الرُّطَبِ لَهُ أَصْلًا، وَيَصِحُّ كَوْنُهُ عَلَى حَقِيقَتِهِ بِأَنْ يَدَّعِيَ أَنَّ فِي الرُّطَبِ مُوَافَقَةً لَهُ مِنْ وَجْهٍ، وَأَنَّ ضَرَّهُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ، وَلَمْ يَمْنَعْهُ مِنَ السِّلْقِ وَالشَّعِيرِ؛ لِأَنَّهُ أَنْفَعُ الْأَغْذِيَةِ لِلنَّاقِهِ؛ لِأَنَّ فِي مَاءِ الشَّعِيرِ مِنَ التَّغْذِيَةِ وَالتَّلَطُّفِ وَالتَّلْيِينِ وَتَقْوِيَةِ الطَّبِيعَةِ، فَفِي الْحَدِيثِ أَنَّهُ يَنْبَغِي الْحِمْيَةُ لِلْمَرِيضِ وَالنَّاقِهِ، بَلْ قَالَ بَعْضُ الْأَطِبَّاءِ: أَنْفَعُ مَا تَكُونُ الْحِمْيَةُ لِلنَّاقِهِ؛ لِأَنَّ التَّخْلِيطَ يُوجِبُ انْعِكَاسَهُ وَهُوَ أَصْعَبُ مِنَ ابْتِدَاءِ الْمَرَضِ، وَالْحِمْيَةُ لِلصَّحِيحِ مَضَرَّةٌ كَالتَّخْلِيطِ لِلنَّاقِهِ وَالْمَرِيضِ، وَقَدْ تَشْتَدُّ الشَّهْوَةُ وَالْمَيْلُ إِلَى ضَارٍّ فَيَتَنَاوَلُ مِنْهُ يَسِيرًا فَتَقْوَى الطَّبِيعَةُ عَلَى هَضْمِهِ فَلَا يَضُرُّ، بَلْ رُبَّمَا يَنْفَعُ، بَلْ قَدْ يَكُونُ أَنْفَعَ مِنْ دَوَاءٍ يَكْرَهُهُ الْمَرِيضُ، وَلِذَا «أَقَرَّ - ﷺ - صُهَيْبًا وَهُوَ أَرْمَدُ عَلَى تَنَاوُلِ التَّمْرَاتِ الْيَسِيرَةِ»، وَخَبَرُهُ فِي سُنَنِ ابْنِ مَاجَهْ: «قَدِمْتُ عَلَى النَّبِيِّ - ﷺ - وَبَيْنَ يَدَيْهِ خُبْزٌ وَتَمْرٌ فَقَالَ: " ادْنُ وَكُلْ " ; فَأَخَذْتُ تَمْرًا فَأَكَلْتُ فَقَالَ: " أَتَأْكُلُ تَمْرًا وَبِكَ رَمَدٌ؟ " فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَمْضُغُ مِنَ النَّاحِيَةِ الْأُخْرَى، فَتَبَسَّمَ - ﷺ» -. (رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ) .
[ ٧ / ٢٧١٨ ]
٤٢١٧ - وَعَنْ أَنَسٍ - ﵁ - قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - يُعْجِبُهُ الثُّفْلُ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي " شُعَبِ الْإِيمَانِ ".
_________________
(١) (وَعَنْ أَنَسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - يُعْجِبُهُ الثُّفْلُ»): بِضَمِّ الْمُثَلَّثَةِ وَيُكْسَرُ وَسُكُونِ الْفَاءِ، وَهُوَ فِي الْأَصْلِ: مَا يَرْسُبُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ أَوْ يَبْقَى بَعْدَ الْعَصْرِ، وَفُسِّرَ فِي الْحَدِيثِ بِالثَّرِيدِ وَبِمَا يُقْتَاتُ وَبِمَا يَلْتَصِقُ بِالْقِدْرِ وَبِطَعَامٍ فِيهِ شَيْءٌ مِنَ الْحُبُوبِ وَالدَّقِيقِ، وَنَحْوِهِ مِمَّا بَقِيَ فِي آخِرِ الْوِعَاءِ، فَفِي النِّهَايَةِ قَالَ فِي الْحَدِيثِ: " «مَنْ كَانَ مَعَهُ ثُفْلٌ فَلْيَصْطَنِعْ» " أَرَادَ بِالثُّفْلِ الدَّقِيقَ وَالسَّوِيقَ وَنَحْوَهُمَا، وَقِيلَ: الثُّفْلُ هُنَا الثَّرِيدُ وَأَنْشَدَ: يَحْلِفُ بِاللَّهِ وَإِنْ لَمْ يُسْأَلْ مَا ذَاقَ ثُفْلًا مُنْذُ عَامِ أَوَّلْ اهـ. وَقِيلَ: سُقُوطُ الْفَاكِهَةِ. وَفَسَّرَهُ شَيْخُ التِّرْمِذِيِّ وَهُوَ الدَّارِمِيُّ بِمَا بَقِيَ مِنَ الطَّعَامِ. قَالَ الْمُظْهِرُ: أَيْ بِمَا بَقِيَ فِي الْقِدْرِ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَالْمَسْمُوعُ مِنْ أَفْوَاهِ الْمَشَايِخِ، وَلَعَلَّ وَجْهَ إِعْجَابِهِ - ﷺ - أَنَّهُ مَنْضُوجٌ غَايَةَ النُّضْجِ الْقَرِيبِ إِلَى الْهَضْمِ، وَيَكُونُ أَقَلَّ دَهَانَةٍ فَهُوَ أَهْنَأُ وَأَمْرَأُ، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى تَوَاضُعٍ وَإِيمَاءٌ إِلَى الْقَنَاعَةِ وَإِشْعَارٌ إِلَى قَوْلِهِ - ﷺ - بِرِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ وَغَيْرِهِ: «سَاقِي الْقَوْمِ آخِرُهُمْ شُرْبًا» . وَقَالَ زَيْنُ الْعَرَبِ: أَيْ مَا بَقِيَ فِي الْقَصْعَةِ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا سَيَأْتِي فِي فَضِيلَةِ اللَّحْسِ، وَالْأَظْهَرُ قَوْلُ الْمُظْهِرِ لِأَنَّهُ يَجْمَعُ الْمَعَانِيَ السَّابِقَةَ، وَمَا تَقَرَّرَ مِنْ أَنَّ دَأْبَهُ - ﷺ - هُوَ الْإِيثَارُ وَمُلَاحَظَةُ الْغَيْرِ مِنَ الْأَهْلِ وَالْعِيَالِ وَالضِّيفَانِ وَأَرْبَابِ الْحَوَائِجِ، وَتَقْدِيمُهُمْ عَلَى نَفْسِهِ، فَلَا جَرَمَ كَانَ يَصْرِفُ الطَّعَامَ الْوَاقِعَ فِي أَعَالِي الْقُدُورِ وَالظُّرُوفِ إِلَيْهِمْ، وَيَخْتَارُ لِخَاصَّتِهِ مَا بَقِيَ مِنْهُ مِنَ الْأَسَافِلِ رِعَايَةً لِسُلُوكِ سَبِيلِ التَّوَاضُعِ وَطَرِيقِ الصَّبْرِ، وَفِيهِ رَدٌّ عَلَى كَثِيرٍ مِنْ أَغْبِيَاءِ الْأَغْنِيَاءِ حَيْثُ يَتَكَبَّرُونَ وَيَأْنَفُونَ مِنْ أَكْلِ الثُّفْلِ وَيَصُبُّونَهُ، وَاللَّهُ تَعَالَى جَعَلَ بِجَمِيلِ حِكْمَتِهِ فِي جَمِيعِ أَقْوَالِهِ وَأَفْعَالِهِ وَأَحْوَالِهِ - ﷺ - صُنُوفَ اللَّطَائِفِ، وَأُلُوفَ الْمَعَارِفِ وَالطَّرَائِفِ، فَطُوبَى لِمَنْ عَرَفَ قَدْرَهُ وَاقْتَفَى أَثَرَهُ، وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ لِمَا قَدَّرَهُ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ) .
[ ٧ / ٢٧١٨ ]
٤٢١٨ - وَعَنْ نُبَيْشَةَ - ﵁ - عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: " مَنْ أَكَلَ فِي قَصْعَةٍ فَلَحَسَهَا اسْتَغْفَرَتْ لَهُ الْقَصْعَةُ ". رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَالدَّارِمِيُّ. وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ.
_________________
(١) (وَعَنْ نُبَيْشَةَ): بِضَمِّ نُونٍ وَفَتَحِ مُوَحَّدَةٍ وَسُكُونِ تَحْتِيَّةٍ فَشِينٍ مُعْجَمَةٍ وَهَاءِ تَأْنِيثٍ، وَهُوَ نُبَيْشَةُ الْخَيْرِ الْهُذَلِيُّ، رَوَى عَنْهُ أَبُو الْمَلِيحِ وَأَبُو قُلَابَةَ، يُعَدُّ فِي الْبَصْرِيِّينَ، وَحَدِيثُهُ فِيهِمْ، ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ، فِي فَصْلِ الصَّحَابَةِ. (عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: مَنْ أَكَلَ): أَيْ طَعَامًا (فِي قَصْعَةٍ): أَيْ وَنَحْوِهَا. قَالَ الطِّيبِيُّ: جِيءَ بِفِي
[ ٧ / ٢٧١٨ ]
بَدَلَ " مِنْ " مُرِيدًا لِلتَّمَكُّنِ - مِنَ الْأَكْلِ وَاقِعًا فِي الْقَصْعَةِ، كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه: ٧١] وَمِنْ ثَمَّ أَتْبَعَهُ بِقَوْلِهِ: (فَلَحِسَهَا): بِكَسْرِ الْحَاءِ، وَقَدْ صَرَّحَ صَاحِبُ الْقَامُوسِ وَالْمِصْبَاحِ أَنَّهُ مِنْ بَابِ سَمِعَ، وَوَقَعَ فِي نُسْخَةِ السَّيِّدِ بِفَتْحِهَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ، وَالْمُرَادُ أَنَّهُ لَحِسَ مَا فِيهَا مِنْ طَعَامٍ تَوَاضُعًا وَتَعْظِيمًا لِمَا أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَرَزَقَهُ وَصِيَانَةً لَهُ عَنِ التَّلَفِ. (اسْتَغْفَرَتْ لَهُ الْقَصْعَةُ) . وَلَعَلَّهُ أَظْهَرُ فِي مَوْضِعِ الْمُضْمَرِ، لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ أَنَّ قَوْلَهُ: " اسْتَغْفَرَتْ " بِصِيغَةِ الْمُتَكَلِّمِ، هَذَا وَلَمَّا كَانَتْ تِلْكَ الْمَغْفِرَةُ بِسَبَبِ لَحْسِ الْقَصْعَةِ وَتَوَسُّطِهَا جُعِلَتِ الْقَصْعَةُ كَأَنَّهَا تَسْتَغْفِرُ لَهُ، مَعَ أَنَّهُ لَا مَانِعَ مِنَ الْحَمْلِ عَلَى الْحَقِيقَةِ.
قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: اسْتِغْفَارُ الْقَصْعَةِ عِبَارَةٌ عَمَّا تُعُورِفَ فِيهِ مِنْ أَمَارَةِ التَّوَاضُعِ مِمَّنْ أَكَلَ مِنْهَا، وَبَرَاءَتِهِ مِنَ الْكِبْرِ، وَذَلِكَ مِمَّا يُوجِبُ لَهُ الْمَغْفِرَةَ فَأَضَافَ إِلَى الْقَصْعَةِ؛ لِأَنَّهَا كَالسَّبَبِ لِذَلِكَ. (رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَالدَّارِمِيُّ. وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ): وَهُوَ الَّذِي تَفَرَّدَ بِهِ ضَبْطٌ عَادِلٌ مِنْ سَائِرِ الرُّوَاةِ، وَهُوَ لَا يُنَافِي الصِّحَّةَ وَيَجْتَمِعُ مَعَ الْحُسْنِ وَالضَّعْفِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
[ ٧ / ٢٧١٩ ]
٤٢١٩ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: " «مَنْ بَاتَ وَفِي يَدِهِ غَمَرٌ لَمْ يَغْسِلْهُ فَأَصَابَهُ شَيْءٌ فَلَا يَلُومَنَّ إِلَّا نَفْسَهُ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ.
_________________
(١) (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: مَنْ بَاتَ): أَيْ نَامَ لَيْلًا، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْأَعَمُّ فَفِيهِ تَجْرِيدٌ. (وَفِي يَدِهِ غَمَرٌ): بِفَتْحَتَيْنِ أَيْ دَسَمٌ وَوَسَخٌ (لَمْ يَغْسِلْهُ): أَيْ ذَلِكَ الْغَمَرَ عَنْ يَدِهِ، فَالْجُمْلَةُ صِفَةُ غَمَرٍ وَالْجُمْلَةُ الْأُولَى حَالِيَّةٌ وَقَوْلُهُ: (فَأَصَابَهُ شَيْءٌ): عَطْفٌ عَلَى بَاتَ، وَالْمَعْنَى وَصَلَهُ شَيْءٌ مِنْ إِيذَاءِ الْهَوَامِّ، وَقِيلَ: أَوْ مِنَ الْجَانِّ؟ لِأَنَّ الْهَوَامَّ وَذَوَاتِ السُّمُومِ رُبَّمَا تَقْصِدُهُ فِي الْمَنَامِ لِرَائِحَةِ الطَّعَامِ فِي يَدِهِ فَتُؤْذِيهِ، وَقِيلَ مِنَ الْبَرَصِ وَنَحْوِهِ؟ لِأَنَّ الْيَدَ حِينَئِذٍ إِذَا وَصَلَتْ إِلَى شَيْءٍ، مِنْ بَدَنِهِ بَعْدَ عَرَقِهِ فَرُبَّمَا أَوْرَثَ ذَلِكَ. (فَلَا يَلُومُنَّ إِلَّا نَفْسَهُ): لِأَنَّهُ مُقَصِّرٌ فِي حَقِّهِ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ): أَيْ فِي جَامِعِهِ (وَأَبُو دَاوُدَ): أَيْ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ (وَابْنُ مَاجَهْ): أَيْ فِي سُنَنِهِ، وَكَذَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي تَارِيخِهِ، وَالْحَاكِمُ فِي مُسْنَدِهِ عَنْهُ، وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ وَلَفْظُهُ: («مَنْ بَاتَ وَفِي يَدِهِ رِيحُ غَمَرٍ فَأَصَابَهُ وَضَحٌ فَلَا يَلُومَنَّ إِلَّا نَفْسَهُ» ". وَالْوَضَحُ بِفَتْحَتَيْنِ الْبَرَصُ.
[ ٧ / ٢٧١٩ ]
٤٢٢٠ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ - قَالَ: «كَانَ أَحَبَّ الطَّعَامِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - الثَّرِيدُ مِنَ الْخُبْزِ، وَالثَّرِيدُ مِنَ الْحَيْسِ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
_________________
(١) (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - قَالَ: كَانَ أَحَبَّ الطَّعَامِ): يَجُوزُ رَفْعُهُ وَالنَّصْبُ أَوْلَى ; لِأَنَّ الْمُنَاسِبَ بِالْوَصْفِ أَنْ يَكُونَ هُوَ الْخَبَرَ الْمَحْكُومَ بِهِ، وَأَفْعَلُ هُنَا بِمَعْنَى الْمَفْعُولِ وَيَتَعَلَّقُ بِهِ قَوْلُهُ: (إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -): وَقَوْلُهُ (الثَّرِيدُ): مَرْفُوعٌ وَيَجُوزُ نَصْبُهُ كَمَا تَقَدَّمَ، فَإِنَّهُ الْمُبْتَدَأُ الْمَحْكُومُ عَلَيْهِ فِي الْمَعْنَى، ثُمَّ بَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ: (مِنَ الْخُبْزِ)، وَكَذَا قَوْلُهُ: (وَالثَّرِيدُ مِنَ الْحَيْسِ): وَهُوَ بِفَتْحِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ التَّحْتِيَّةِ فَسِينٍ مُهْمَلَةٍ تَمْرٌ يُخْلَطُ بِأَقِطٍ وَسَمْنٍ، وَالْأَصْلُ فِيهِ الْخَلْطُ وَمِنْ قَوْلِ الرَّاجِزِ: التَّمْرُ وَالسَّمْنُ جَمِيعًا وَالْأَقِطْ الْحَيْسُ إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يَخْتَلِطْ (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ): وَكَذَا الْحَاكِمُ.
[ ٧ / ٢٧١٩ ]
٤٢٢١ - وَعَنْ أَبِي أُسَيْدٍ الْأَنْصَارِيِّ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: " «كَلُوا الزَّيْتَ وَادَّهِنُوا بِهِ ; فَإِنَّهُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَالدَّارِمِيُّ.
_________________
(١) (وَعَنْ أَبِي أُسَيْدٍ الْأَنْصَارِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ): بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَفَتْحِ السِّينِ وَسُكُونِ الْيَاءِ، كَذَا فِي جَامِعِ الْأُصُولِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِفَتْحٍ فَكَسْرٍ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ فِي شَرْحِ الشَّمَائِلِ: بِفَتْحٍ فَكَسْرٍ لَا ضَمٍّ فَفَتْحٍ خِلَافًا لِمَنْ زَعَمَهُ، وَفِي الْمُغْنِي: أَبُو أُسَيْدٍ السَّاعِدِيُّ كُنْيَةُ مَالِكِ بْنِ رَبِيعَةَ، آخِرُ مَنْ مَاتَ مِنَ الْبَدْرِيِّينَ، وَقِيلَ بِفَتْحِ هَمْزَةٍ فَمَكْسُورَةٍ وَالصَّوَابُ التَّصْغِيرُ، وَهُوَ وَالِدُ الْمُنْذِرِ، وَقَالَ الْعَسْقَلَانِيُّ فِي التَّبْصِيرِ: أُسَيْدٌ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِ السِّينِ كَعِيرٍ وَبِالضَّمِّ أَبُو أُسَيْدٍ السَّاعِدِيُّ، وَقَالَ الْمُؤَلِّفُ: هُوَ مَشْهُورٌ بِكُنْيَتِهِ، شَهِدَ الْمُشَاهِدَ كُلَّهَا، وَرَوَى عَنْهُ خَلْقٌ كَثِيرٌ، مَاتَ سَنَةَ سِتِّينَ وَلَهُ ثَمَانٍ وَسَبْعُونَ سَنَةً بَعْدَ أَنْ كُفَّ بَصَرُهُ، وَأُسَيْدٌ بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَفَتْحِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْيَاءِ اهـ. وَلَيْسَ فِي أَسْمَاءِ رِجَالِهِ غَيْرُهُ، لَكِنْ قَالَ فِي الْإِكْمَالِ: أَبُو أَسِيدٍ هَذَا بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِ السِّينِ، وَقِيلَ بِضَمِّ الْهَمْزَةِ مُصَغَّرًا وَلَا يَصِحُّ، وَهُوَ رَاوِي حَدِيثِ: " «كُلُوا الزَّيْتَ» ". وَقَالَ الْعَسْقَلَانِيُّ فِي التَّقْرِيبِ: أَبُو أُسَيْدِ بْنُ ثَابِتٍ الْمَدَنِيُّ الْأَنْصَارِيُّ، قِيلَ: اسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ، لَهُ حَدِيثٌ وَالصَّحِيحُ فِيهِ فَتْحُ الْهَمْزَةِ قَالَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ اهـ. فَهَذَا الْإِطْلَاقُ أَوْقَعَ الِاشْتِبَاهَ حَتَّى مَا حَصَلَ لِلْمُؤَلِّفِ أَيْضًا الِانْتِبَاهُ، وَحَاصِلُهُ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ هُنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ ثَابِتٍ، وَهُوَ بِفَتْحٍ فَكَسْرٍ عَلَى الصَّحِيحِ لَا مَالِكُ بْنُ رَبِيعَةَ كَمَا تَوَهَّمَ، وَهُوَ بِضَمٍّ فَفَتْحٍ عَلَى الصَّحِيحِ. (قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: كُلُوا الزَّيْتَ»): أَيْ مَعَ الْخُبْزِ وَاجْعَلُوهُ إِدَامًا، فَلَا يُرَدُّ أَنَّ الزَّيْتَ مَائِعٌ فَلَا يَكُونُ تَنَاوُلُهُ أَكْلًا (وَادَّهِنُوا بِهِ)، أَمْرٌ مِنَ الِادِّهَانِ بِتَشْدِيدِ الدَّالِّ وَهُوَ اسْتِعْمَالُ الدُّهْنِ، فَنَزَلَ مَنْزِلَةَ اللَّازِمِ. وَقَالَ شَارِحٌ: يُقَالُ ادَّهَنَ رَأْسَهُ عَلَى افْتَعَلَ أَيْ طَلَاهُ بِالدُّهْنِ، وَتَرَكَ ذَلِكَ بِنَفْسِهِ وَتَرَكَ مَفْعُولَهُ فِي الْحَدِيثِ اهـ. وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ لَا يَخْتَصُّ بِالرَّأْسِ، وَلَا يُشْتَرَطُ التَّوَلِّي بِالنَّفْسِ، وَأَبْعَدَ الْحَنَفِيُّ فِي شَرْحِ الشَّمَائِلِ حَيْثُ قَالَ: إِنَّ الْأَمْرَ لِلْإِبَاحَةِ، وَالصَّوَابُ أَنَّهُ لِلِاسْتِحْبَابِ لِمَنْ قَدَرَ عَلَيْهِ، وَيُؤَيِّدُهُ تَعْلِيلُهُ - ﷺ - بِقَوْلِهِ: (فَإِنَّهُ) أَيِ الزَّيْتُ يَحْصُلُ (مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ) . يَعْنِي: ﴿زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ﴾ [النور: ٣٥] ثُمَّ وَصَفَهَا بِالْبَرَكَةِ لِكَثْرَةِ مَنَافِعِهَا وَانْتِفَاعِ أَهْلِ الشَّامِ بِهَا كَذَا قِيلَ، وَالْأَظْهَرُ لِكَوْنِهَا تَنْبُتُ فِي الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكَ اللَّهُ فِيهَا لِلْعَالَمِينَ، قِيلَ بَارَكَ فِيهَا سَبْعُونَ نَبِيًّا مِنْهُمْ: إِبْرَاهِيمُ - ﵇ - وَغَيْرُهُمْ، وَيَلْزَمُ مِنْ بَرَكَةِ هَذِهِ الشَّجَرَةِ بَرَكَةُ ثَمَرَتِهَا، وَهِيَ الزَّيْتُونُ، وَبَرَكَةُ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَهُوَ الزَّيْتُ، وَكَيْفَ لَا وَفِيهِ التَّأَدُّمُ وَالتَّدَهُّنُ، وَهُمَا نِعْمَتَانِ عَظِيمَتَانِ، وَفِيهِ تَسْرِيجُ الْقَنَادِيلِ فِي الْمَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ، فَمَا أَبْرَكَهَا زَمَانًا وَمَكَانًا. وَقَدْ رَوَى الطَّبَرَانِيُّ وَأَبُو نُعَيْمٍ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ مَرْفُوعًا: " «عَلَيْكُمْ بِهَذِهِ الشَّجَرَةِ الْمُبَارَكَةِ زَيْتِ الزَّيْتُونِ فَتَدَاوَوْا بِهِ، فَإِنَّهُ مَصَحَّةٌ مِنَ الْبَاسُورِ» "، وَالْبَاسُورُ عِلَّةٌ مَعْرُوفَةٌ وَالْجَمْعُ الْبَوَاسِيرُ، كَذَا فِي الْقَامُوسِ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ) . وَكَذَا أَحْمَدُ، وَالْحَاكِمُ، وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ عُمَرَ، وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَالْحَاكِمُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَلَفْظُهُ: " «كَلُّوا الزَّيْتَ وَادَّهِنُوا بِهِ، فَإِنَّهُ طَيِّبٌ مُبَارَكٌ» ". وَرَوَاهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الطِّبِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ: " «كُلُوا الزَّيْتَ وَادَّهِنُوا بِهِ، فَإِنَّ فِيهِ شِفَاءً مِنْ سَبْعِينَ دَاءً مِنْهَا الْجُذَامُ» ".
[ ٧ / ٢٧٢٠ ]
٤٢٢٢ - وَعَنْ أُمِّ هَانِئٍ - ﵂ - قَالَتْ: «دَخَلَ عَلَيَّ النَّبِيُّ - ﷺ - فَقَالَ: " أَعِنْدَكِ شَيْءٌ؟ " قُلْتُ: لَا، إِلَّا خُبْزٌ يَابِسٌ وَخَلٌّ. فَقَالَ: " هَاتِي " مَا أَقْفَرَ بَيْتٌ مِنْ أَدَمٍ فِيهِ خَلٌّ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ.
_________________
(١) (وَعَنْ أُمِّ هَانِئٍ - ﵂) بِكَسْرِ النُّونِ فَهَمْزٍ هِيَ بِنْتُ أَبِي طَالِبٍ، أُخْتُ عَلِيٍّ - ﵁ - وَاسْمُهَا فَاخِتَةُ، وَقِيلَ هِنْدُ، وَلَهَا صُحْبَةٌ وَأَحَادِيثُ. قَالَ الْمُؤَلِّفُ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - خَطَبَهَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَخَطَبَهَا هُبَيْرَةُ بْنُ وَهْبٍ فَزَوَّجَهَا أَبُو طَالِبٍ مِنْ هُبَيْرَةَ، وَأَسْلَمَتْ فَفَرَّقَ الْإِسْلَامُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ هُبَيْرَةَ، فَخَطَبَهَا النَّبِيُّ - ﷺ - فَقَالَتْ: وَاللَّهِ إِنِّي كُنْتُ لَأُحِبُّكَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَكَيْفَ فِي الْإِسْلَامِ؟ وَلَكِنِّي امْرَأَةٌ مُصْبِيَةٌ فَسَكَتَ عَنْهَا» . رَوَى عَنْهَا خَلْقٌ كَثِيرٌ مِنْهُمْ عَلِيٌّ، وَابْنُ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ.
[ ٧ / ٢٧٢٠ ]
(قَالَتْ: «دَخَلَ عَلَيَّ النَّبِيُّ - ﷺ - فَقَالَ: أَعِنْدَكِ شَيْءٌ»؟): أَيْ مِمَّا يُؤْكَلُ (قُلْتُ: لَا إِلَّا خُبْزٌ يَابِسٌ): صِفَةٌ (وَخَلٌّ)، عَطْفٌ عَلَى خُبْزٍ قِيلَ: الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ مَحْذُوفٌ، وَالْمُسْتَثْنَى بَدَلٌ مِنْهُ، وَنَظِيرُهُ فِي الصِّحَاحِ قَوْلُ عَائِشَةَ: إِلَّا شَيْءٌ بَعَثَتْ بِهِ أُمُّ عَطِيَّةَ. قَالَ الْمَالِكِيُّ: فِيهِ شَاهِدٌ عَلَى إِبْدَالِ مَا بَعْدَ إِلَّا مِنْ مَحْذُوفٍ لِأَنَّ الْأَصْلَ لَا شَيْءَ عِنْدَنَا إِلَّا شَيْءٌ بَعَثَتْ بِهِ أُمُّ عَطِيَّةَ، وَأَغْرَبَ ابْنُ حَجَرٍ فِي شَرْحِ الشَّمَائِلِ وَقَالَ: أَيْ لَيْسَ شَيْءٌ عِنْدَنَا، فَلَيْسَتْ " لَا " الَّتِي لِنَفْسِ الْجِنْسِ مِمَّا بَعُدَ إِلَّا مُسْتَثْنًى اسْتِثْنَاءً مُفَرَّغًا مِمَّا قَبْلَهَا، الدَّالُّ عَلَيْهِ التَّقْدِيرُ الْمَذْكُورِ، وَبِهَذَا يَنْدَفِعُ مَا نُقِلَ عَنِ ابْنِ مَالِكٍ اهـ.
وَبُعْدُهُ بَعْدَ التَّأَمُّلِ لَا يَخْفَى، ثُمَّ قِيلَ: مِنْ حَقِّ أُمِّ هَانِئٍ أَنْ تُجِيبَ بِبَلَى عِنْدِي خُبْزٌ، فَلِمَ عَدَلَتْ عَنْهُ إِلَى تِلْكَ الْعِبَارَةِ؟ وَأُجِيبَ: بِأَنَّهَا لَمَّا عَظَّمَتْ شَأْنَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - وَرَأَتْ أَنَّ الْخُبْزَ الْيَابِسَ وَالْخَلَّ لَا يَصْلُحَانِ أَنْ يُقَدَّمَا إِلَى ذَلِكَ الضَّيْفِ الْمُكَرَّمِ الْمُعَظَّمِ، فَمَا عَدَّتْهُمَا بِشَيْءٍ، وَمِنْ ثَمَّ طَيَّبَ خَاطِرَهَا - ﷺ - وَجَبَرَ حَالَهَا (فَقَالَ: هَاتِي)، أَيْ أَعْطِي اسْمُ فِعْلٍ قَالَهُ الْحَنَفِيُّ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّ مَعْنَاهُ أَحْضِرِي أَيْ مَا عِنْدَكِ (مَا أَقْفَرَ): بِالْقَافِ قَبْلَ الْفَاءِ أَيْ مَا خَلَا (بَيْتٌ مِنْ أَدَمٍ): بِفَتْحَتَيْنِ وَيُسَكَّنُ الثَّانِي مُتَعَلِّقٌ بِأَقْفَرَ، وَقَوْلُهُ: (فِيهِ خَلٌّ): صِفَةٌ لِبَيْتٍ وَقَدْ فُصِلَ بَيْنَ الصِّفَةِ وَالْمَوْصُوفِ بِالْأَجْنَبِيِّ، وَهُوَ لَا يَجُوزُ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ إِنَّهُ حَالٌ عَلَى تَقْدِيرِ الْمَوْصُوفِ أَيْ بَيْتٍ مِنَ الْبُيُوتِ كَذَا قَالَهُ الْفَاضِلُ الطِّيبِيُّ.
وَفِي شَرْحِ الْمِفْتَاحِ لِلسَّيِّدِ فِي بَحْثِ الْفَصَاحَةِ: أَنَّهُ يَجُوزُ الْفَصْلُ بَيْنَ الصِّفَةِ وَالْمَوْصُوفِ، وَأَنْ يَجِيءَ الْحَالُ عَنِ النَّكِرَةِ الْعَامَّةِ بِالنَّفْيِ، وَلَا يَحْتَاجُ إِلَى تَقْدِيرِ الصِّفَةِ. وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: هُوَ صِفَةُ بَيْتٍ وَلَمْ يَفْصِلْ بَيْنَهُمَا بِأَجْنَبِيٍّ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، لِأَنَّ " أَقْفَرَ " عَامِلٌ فِي بَيْتٍ وَصِفَتِهِ وَفِيمَا فُصِلَ بَيْنَهُمَا، هَذَا وَفِي النِّهَايَةِ أَيْ مَا خَلَا مِنَ الْإِدَامِ وَلَا عَدِمَ أَهْلُهُ الْأُدْمَ، وَالْقِفَارُ الطَّعَامُ بِلَا إِدَامٍ، وَأَقْفَرَ الرَّجُلُ إِذَا أَكَلَ الْخُبْزَ وَحْدَهُ مِنَ الْقَفْرِ وَالْقَفَارِ، وَهِيَ الْأَرْضُ الْخَالِيَةُ الَّتِي لَا مَاءَ بِهَا، وَقَالَ السَّيِّدُ جَمَالُ الدِّينِ فِي رَوْضَةِ الْأَحْبَابِ: وَقَدْ صَحَّفَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ أَهْلِ فَنِّ السِّيَرِ، وَقَدَّمَ الْفَاءَ عَلَى الْقَافِ، وَهَذَا غَيْرُ مُسْتَحَبٍّ رِوَايَةً وَدِرَايَةً، وَتَبِعَهُ الْحَنَفِيُّ وَقَالَ: وَتَوَهَّمَ بَعْضُ النَّاسِ أَنَّهُ بِالْفَاءِ وَالْقَافِ، وَلَيْسَ بِرِوَايَةٍ وَدِرَايَةٍ. قُلْتُ: أَمَّا الدِّرَايَةُ فَفِيهِ نَظَرٌ ظَاهِرٌ إِذْ مَعْنَاهُ عَلَى تَقْدِيرِ صِحَّةِ الرِّوَايَةِ: مَا احْتَاجَ وَلَا افْتَقَرَ أَهْلُ بَيْتٍ مِنْ أَجْلِ الْإِدَامِ، وَيَكُونُ فِي بَيْتِهِمْ خَلٌّ، وَأَمَّا الرِّوَايَةُ قَدْ وَجَدْنَا بِخَطِّ السَّيِّدِ نُورِ الدِّينِ الْإِيجِيِّ - قَدَّسَ اللَّهُ سِرَّهُ - الصَّفِيِّ: أَنَّ أَفْقَرَ نُسْخَةٌ، ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ فِي الْحَدِيثِ الْحَثَّ عَلَى عَدَمِ النَّظَرِ لِلْخُبْزِ وَالْخَلِّ بِعَيْنِ الِاحْتِقَارِ، وَأَنَّهُ لَا بَأْسَ بِسُؤَالِ الطَّعَامِ مِمَّنْ لَا يَسْتَحِيِ السَّائِلُ مِنْهُ لِصِدْقِ الْمَحَبَّةِ وَالْعِلْمِ بِمَوَدَّةِ الْمَسْئُولِ بِذَلِكَ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ): أَيْ فِي الشَّمَائِلِ وَكَذَا فِي جَامِعِهِ (وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ): وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ، وَأَبُو نُعَيْمٍ فِي الْحِلْيَةِ عَنْهَا، وَالْحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ عَائِشَةَ وَلَفْظُهُمْ: " «مَا أَقْفَرَ مِنْ أَدَمٍ بَيْتٌ فِيهِ خَلٌّ» ". وَهُوَ خَالٍ عَنِ الْفَصْلِ بِالْأَجْنَبِيِّ، وَيَزُولُ بِهِ الْإِشْكَالُ، فَالتَّغْيِيرُ مِنْ بَعْضِ الرُّوَاةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالْحَالِ.
[ ٧ / ٢٧٢١ ]
٤٢٢٣ - وَعَنْ يُوسُفَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ - ﵁ - قَالَ: «رَأَيْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - أَخَذَ كِسْرَةً مِنْ خُبْزِ الشَّعِيرِ، فَوَضَعَ عَلَيْهَا تَمْرَةً، فَقَالَ: " هَذِهِ إِدَامُ هَذِهِ " وَأَكَلَ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
_________________
(١) (وَعَنْ يُوسُفَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ): رِضَيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ (ابْنُ سَلَامٍ): بِتَخْفِيفِ اللَّامِ، صَحَابِيَّانِ قِيلَ: وَرَوَى يُوسُفُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - ثَلَاثَةَ أَحَادِيثَ، وَبَقِيَ إِلَى سَنَةِ مِائَةٍ، وَلَهُ رِوَايَةٌ عَنْ عُثْمَانَ وَأَبِي الدَّرْدَاءِ، وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ لِلشَّمَائِلِ زِيَادَةٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ. قَالَ الْمُؤَلِّفُ: يُوسُفُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ يُكَنَّى أَبَا يَعْقُوبَ، وَكَانَ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ وَلَدِ يُوسُفَ بْنِ يَعْقُوبَ - ﵉ - وُلِدَ فِي حَيَاةِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - وَحُمِلَ إِلَيْهِ، وَأَقْعَدَهُ فِي حِجْرِهِ، وَسَمَّاهُ يُوسُفَ وَمَسَحَ رَأْسَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: لَهُ رِوَايَةٌ وَلَا رُؤْيَةَ لَهُ، عِدَادُهُ فِي أَهْلِ الْمَدِينَةِ. قُلْتُ: أَصْلُ الشَّمَائِلِ وَإِطْلَاقُ رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَقُولَ مُرْسَلًا، يَدُلُّ عَلَى أَنَّ لَهُ رُؤْيَةً
[ ٧ / ٢٧٢١ ]
فَتَأَمَّلْ، مَعَ أَنَّ مُرْسَلَ الصَّحَابِيِّ حُجَّةٌ إِجْمَاعًا. قَالَ: وَأَمَّا أَبُوهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ بِتَخْفِيفِ اللَّامِ، فَيُكَنَّى أَبَا يُوسُفَ أَحَدُ الْأَحْبَابِ، وَأَحَدُ مَنْ شَهِدَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - بِالْجَنَّةِ، رَوَى عَنْهُ ابْنُهُ يُوسُفَ وَغَيْرُهُ، مَاتَ بِالْمَدِينَةِ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَأَرْبَعِينَ. (قَالَ): أَيْ عَبْدُ اللَّهِ أَوِ ابْنُهُ وَهُوَ ظَاهِرُ الْكِتَابِ (رَأَيْتُ النَّبِيَّ - ﷺ: أَيْ أَبْصَرْتُهُ حَالَ كَوْنِهِ (أَخَذَ كِسْرَةً): بِكَسْرٍ فَسُكُونٍ أَيْ قِطْعَةً (مِنْ خُبْزِ الشَّعِيرِ: وَفِي رِوَايَةٍ بِالتَّنْكِيرِ (فَوَضَعَ عَلَيْهَا تَمْرَةً، ثُمَّ قَالَ: هَذِهِ): أَيِ التَّمْرَةُ (إِدَامُ هَذِهِ): أَيِ الْكِسْرَةِ (وَأَكَلَ): وَفِي رِوَايَةٍ " فَأَكَلَ ". قَالَ الطِّيبِيُّ: لَمَّا كَانَ التَّمْرُ طَعَامًا مُسْتَقِلًّا، وَلَمْ يَكُنْ مُتَعَارَفًا بِالْأَدْوِيَةِ أَخْبَرَ أَنَّهُ صَالِحٌ لَهَا. وَفِي شَرْحِ السُّنَّةِ: مَنْ حَلَفْتُ أَنْ لَا يَأْكُلَ خُبْزًا بِإِدَامٍ فَأَكَلَهُ بِتَمْرٍ يَحْنَثْ، وَكَذَلِكَ إِذَا أَكَلَهُ بِتَمْرٍ يَحْنَثُ، وَكَذَلِكَ إِذَا أَكَلَهُ بِمِلْحٍ أَوْ ثُومٍ أَوْ بَصَلٍ وَقَالَ مِيرَكُ: هَذَا الْحَدِيثُ يُقَوِّي قَوْلَ مَنْ ذَهَبَ مِنَ الْأَئِمَّةِ إِلَى أَنَّ التَّمْرَ إِدَامٌ كَالْإِمَامِ الشَّافِعِيِّ وَمَنْ وَافَقَهُ، وَيُرَدُّ قَوْلُ مَنْ شَرَطَ الِاصْطِبَاغَ مِنَ الْإِدَامِ، وَمَنْ لَمْ يَشْتَرِطْ، لَكِنْ خُصِّصَ مِنَ الْإِدَامِ مَا يُؤْكَلُ غَالِبًا وَحْدَهُ كَالتَّمْرِ، وَلَمْ يَعُدَّهُ مِنَ الْإِدَامِ. وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ وَقَعَ إِطْلَاقُ الْإِدَامِ عَلَى التَّمْرِ فِي الْحَدِيثِ مَجَازًا أَوْ تَشْبِيهًا بِالْإِدَامِ، حَيْثُ أَكَلَهُ مَعَ الْخُبْزِ. قُلْتُ: هَذَا الْمُحْتَمَلُ هُوَ الْمُتَعَيَّنُ، وَإِلَّا لَكَانَ قَوْلُهُ - ﷺ - تَحْصِيلًا لِلْحَاصِلِ، وَأَمَّا مَبْنَى الْإِيمَانِ وَالْحِنْثِ فَعَلَى الْعُرْفِ الْمُخْتَلِفِ زَمَانًا وَمَكَانًا، ثُمَّ فِي الْحَدِيثِ إِشْعَارٌ بِتَدْبِيرِ الْغِذَاءِ، فَإِنَّ الشَّعِيرَ بَارِدٌ يَابِسٌ وَالتَّمْرُ حَارٌّ رَطِبٌ عَلَى الْأَصَحِّ، وَفِيهِ مِنَ الْقَنَاعَةِ وَالرِّضَا مَا لَا يَخْفَى. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ): أَيْ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ وَكَذَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ فِي الشَّمَائِلِ.
[ ٧ / ٢٧٢٢ ]
٤٢٢٤ - وَعَنْ سَعْدٍ - ﵁ - قَالَ: «مَرِضْتُ مَرَضًا أَتَانِي النَّبِيُّ - ﷺ - يَعُودُنِي، فَوَضَعَ يَدَهُ بَيْنَ ثَدْيِيَّ حَتَّى وَجَدْتُ بَرْدَهَا عَلَى فُؤَادِي، وَقَالَ: " إِنَّكَ رَجُلٌ مَفْئُودٌ، ائْتِ الْحَارِثَ بْنَ كَلَدَةَ أَخَا ثَقِيفٍ، فَإِنَّهُ رَجُلٌ يَتَطَبَّبُ، فَلْيَأْخُذْ سَبْعَ تَمَرَاتٍ مِنْ عَجْوَةِ الْمَدِينَةِ، فَلْيَجَأْهُنَّ بِنَوَاهُنَّ، ثُمَّ لِيَلُدَّكَ بِهِنَّ» ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
_________________
(١) (وَعَنْ سَعْدٍ قَالَ: مَرِضْتُ مَرَضًا): أَيْ شَدِيدًا وَكَانَ بِمَكَّةَ عَامَ الْفَتْحِ (أَتَانِي النَّبِيُّ - ﷺ -): أَيْ فِيهِ (يَعُودُنِي): حَالٌ أَوِ اسْتِئْنَافٌ بَيَانٍ (فَوَضَعَ يَدَهُ بَيْنَ ثَدْيَيَّ حَتَّى وَجَدْتُ بَرْدَهَا): أَيْ بَرْدَ يَدِهِ (عَلَى فُؤَادِي): أَيْ قَلْبِي، وَالظَّاهِرُ أَنَّ مَحَلَّهُ كَانَ مَكْشُوفًا (وَقَالَ: إِنَّكَ رَجُلٌ مَفْئُودٌ): اسْمُ مَفْعُولٍ مَأْخُوذٌ مِنَ الْفُؤَادِ، وَهُوَ الَّذِي أَصَابَهُ دَاءٌ فِي فُؤَادِهِ. قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: أَهْلُ اللُّغَةِ يَقُولُونَ الْفُؤَادُ هُوَ الْقَلْبُ، وَقِيلَ: غِشَاءُ الْقَلْبِ، أَوْ كَانَ مَصْدُورًا فَكَنَّى بِالْفُؤَادِ عَنِ الصَّدْرِ لِأَنَّهُ مَحَلُّهُ (ائْتِ): أَمْرٌ مِنْ أَتَى يَأْتِي وَمَفْعُولُهُ (الْحَارِثَ بْنَ كَلَدَةَ): بِفَتْحِ الْكَافِ وَاللَّامِ وَالدَّالِ الْمُهْمَلَةِ (أَخَا ثَقِيفٍ): أَيْ أَحَدًا مَنْ بَنِي ثَقِيفٍ وَنَصْبُهُ عَلَى أَنَّهُ بَدَلٌ أَوْ عَطْفُ بَيَانٍ (فَإِنَّهُ رَجُلٌ يَتَطَبَّبُ): أَيْ يَعْرِفُ الطِّبَّ مُطْلَقًا أَوْ هَذَا النَّوْعُ مِنَ الْمَرَضِ، فَيَكُونُ مَخْصُوصًا بِالْمَهَارَةِ وَالْحَذَاقَةِ، قَالَ الشُّرَّاحُ: وَفِيهِ جَوَازُ مُشَاوَرَةِ أَهْلِ الْكُفْرِ فِي الطِّبِّ؛ لِأَنَّهُ مَاتَ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ وَلَمْ يَصِحَّ إِسْلَامُهُ (فَلْيَأْخُذْ): أَيِ الْحَارِثُ (سَبْعَ تَمَرَاتٍ): بِفَتَحَاتٍ (مِنْ عَجْوَةِ الْمَدِينَةِ): قَالَ الْقَاضِي: ضَرْبٌ مِنْ أَجْوَدِ التَّمْرِ بِالْمَدِينَةِ وَنَخْلِهَا يُسَمَّى (لِينَةً) . قَالَ تَعَالَى: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ﴾ [الحشر: ٥] وَتَخْصِيصُ الْمَدِينَةِ إِمَّا لِمَا فِيهَا مِنَ الْبَرَكَةِ الَّتِي جُعِلَتْ فِيهَا بِدُعَائِهِ، أَوْ لِأَنَّ ثَمَرَهَا أَوْفَقُ لِمِزَاجِهِ مِنْ أَجْلِ تَعَوُّدِهِ بِهَا، وَقَوْلُهُ: (فَلْيَجَأْهُنَّ): بِفَتْحِ الْجِيمِ وَسُكُونِ الْهَمْزَةِ أَيْ فَلْيَكْسِرْهُنَّ وَلْيَدُقَّهُنَّ (بِنَوَاهِنَّ): أَيْ مَعَهَا (ثُمَّ لِيَلُدَّكَ بِهِنَّ): بِكَسْرِ اللَّامِ وَيُسَكَّنُ وَبِفَتْحِ الْيَاءِ وَضَمِّ اللَّامِ وَتَشْدِيدِ الدَّالِ الْمَفْتُوحَةِ أَيْ لِيَشْفِكَ مِنْ لَدِّهِ الدَّوَاءَ إِذَا صَبَّهُ فِي فَمِهِ، وَاللَّدَدُ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ مَا يُصَبُّ مِنَ الْأَدْوِيَةِ فِي أَحَدِ شِقَّيِ الْفَمِ، وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ لِأَنَّهُ وَجَدَهُ عَلَى حَالَةٍ مِنَ الْمَرَضِ لَمْ يَكُنْ يَسْهُلُ لَهُ تَنَاوُلُ الدَّوَاءِ إِلَّا عَلَى تِلْكَ الْهَيْئَةِ، أَوْ عَلِمَ أَنَّ تَنَاوُلَهُ عَلَى تِلْكَ الْهَيْئَةِ أَنْجَحُ وَأَنْفَعُ وَأَيْسَرُ وَأَلْيَقُ. قَالَ الْقَاضِي: وَإِنَّمَا أَمَرَ الطَّبِيبُ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ يَكُونُ أَعْلَمَ بِاتِّخَاذِ الدَّوَاءِ وَكَيْفِيَّةِ اسْتِعْمَالِهِ. وَقَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: وَإِنَّمَا نَعَتَ لَهُ الْعِلَاجَ بَعْدَ مَا أَحَالَهُ إِلَى الطَّبِيبِ لَمَّا رَأَى هَذَا النَّوْعَ مِنَ الْعِلَاجِ أَيْسَرَ وَأَنْفَعَ، أَوْ لِيَثِقَ عَلَى قَوْلِ الطَّبِيبِ إِذَا رَآهُ مُوَافِقًا لِمَا نَعَتَهُ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) .
[ ٧ / ٢٧٢٢ ]
٤٢٢٥ - وَعَنْ عَائِشَةَ - ﵂ - «أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - كَانَ يَأْكُلُ الْبِطِّيخَ بِالرُّطَبِ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. وَزَادَ أَبُو دَاوُدَ: وَيَقُولُ: " «يَكْسِرُ حَرَّ هَذَا بِبَرْدِ هَذَا، وَبَرْدَ هَذَا بِحَرِّ هَذَا» ". وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ.
_________________
(١) (وَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا: «أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - كَانَ يَأْكُلُ الْبِطِّيخَ بِالرُّطَبِ»): وَفِي رِوَايَةٍ لِلتِّرْمِذِيِّ وَالْبَيْهَقِيِّ: الطَّبِيخُ وَهُوَ مَقْلُوبُ الْبِطِّيخِ لُغَةٌ فِيهِ. (وَزَادَ أَبُو دَاوُدَ): وَكَذَا الْبَيْهَقِيُّ (وَالتِّرْمِذِيُّ فِي رِوَايَةٍ يَقُولُ): أَيِ النَّبِيُّ - ﷺ - (يَكْسِرُ حَرَّ هَذَا بِبَرْدِ هَذَا وَبَرْدَ هَذَا بِحَرِّ هَذَا): وَفِي رِوَايَةٍ: " «يَدْفَعُ حَرَّ هَذَا بِبَرْدِ هَذَا وَبَرْدَ هَذَا بِحَرِّ هَذَا» ". قَالُوا: فَإِنَّ التَّمْرَ حَارٌّ رَطْبٌ، وَالْبِطِّيخُ بَارِدٌ رَطْبٌ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: لَعَلَّ الْبِطِّيخَ كَانَ نَيِّئًا غَيْرَ نَضِجٍ فَهُوَ حِينَئِذٍ بَارِدٌ اهـ. وَلَعَلَّ حَمَلَهُ عَلَى الْخِرْبِزِ وَهُوَ الْأَصْفَرُ وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْأَخْضَرُ، وَقَدْ سَبَقَ الْكَلَامُ فِي تَحْقِيقِ الْمَرَامِ. (وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ) .
[ ٧ / ٢٧٢٣ ]
٤٢٢٦ - وَعَنْ أَنَسٍ - ﵁ - قَالَ: «أُتِيَ النَّبِيُّ - ﷺ - بِتَمْرٍ عَتِيقٍ، فَجَعَلَ يُفَتِّشُهُ وَيُخْرِجُ السُّوسَ مِنْهُ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
_________________
(١) (وَعَنْ أَنَسٍ - ﵁ - قَالَ: «أُتِيَ النَّبِيُّ - ﷺ - بِتَمْرٍ عَتِيقٍ»): أَيْ قَدِيمٍ (فَجَعَلَ): أَيْ شَرَعَ (يُفَتِّشُهُ وَيُخْرِجُ السُّوسَ مِنْهُ): وَهُوَ دُودٌ فِي الطَّعَامِ وَالصُّوفِ، وَقَدْ قِيلَ فِي حِكْمَةِ وُجُودِهِ: لَوْلَا السُّوسُ مَا خَرَجَ الْمَدْسُوسُ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ): وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا: " «نَهَى عَنْ أَنْ يُفَتَّشَ التَّمْرُ عَمَّا فِيهِ» "، فَالنَّهْيُ مَحْمُولٌ عَلَى التَّمْرِ الْجَدِيدِ دَفْعًا لِلْوَسْوَسَةِ، أَوْ فِعْلُهُ مَحْمُولٌ عَلَى بَيَانِ الْجَوَازِ، وَأَنَّ النَّهْيَ لِلتَّنْزِيهِ. قِيلَ: وَفِيهِ أَنَّ الطَّعَامَ لَا يُنَجَّسُ بِوُقُوعِ الدُّودِ فِيهِ وَلَا يَحْرُمُ أَكْلُهُ.
[ ٧ / ٢٧٢٣ ]
٤٢٢٧ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ - ﵄ - قَالَ: «أُتِيَ النَّبِيُّ - ﷺ - بِجُبُنَّةٍ فِي تَبُوكَ، فَدَعَا بِالسِّكِّينِ، فَسَمَّى وَقَطَعَ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
_________________
(١) (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: أُتِيَ النَّبِيُّ - ﷺ -): أَيْ جِيءَ (بِجُبُنَّةٍ): بِضَمِّ الْجِيمِ الْمُوَحَّدَةِ وَتَشْدِيدِ النُّونِ أَيِ الْقُرْصِ مِنَ الْجُبْنِ كَذَا قِيلَ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِهَا قِطْعَةٌ مِنَ الْجُبْنِ، وَفِي الْقَامُوسِ الْجُبْنُ: بِالضَّمِّ وَبِضَمَّتَيْنِ وَكَعُتُلٍّ مَعْرُوفٌ (فِي تَبُوكَ): بِغَيْرِ صَرْفٍ وَقَدْ يُصْرَفُ (فَدَعَا بِالسِّكِّينِ فَسَمَّى وَقَطَعَ): بِتَخْفِيفِ الطَّاءِ وَيَجُوزُ تَشْدِيدُهَا. قَالَ الْمُظْهِرُ: فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى طَهَارَةِ الْأَنْفِحَةِ لِأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ نَجِسَةً لَكَانَ الْجُبْنُ نَجِسًا لِأَنَّهُ لَا يَحْصُلُ إِلَّا بِهَا. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ)
[ ٧ / ٢٧٢٣ ]
٤٢٢٨ - وَعَنْ سَلْمَانَ - ﵁ - قَالَ: «سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - عَنِ السَّمْنِ وَالْجُبْنِ وَالْفِرَاءِ، فَقَالَ: " الْحَلَالُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ، وَالْحَرَامُ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ، وَمَا سَكَتَ عَنْهُ فَهُوَ مِمَّا عَفَا عَنْهُ» ". رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. وَمَوْقُوفٌ عَلَى الْأَصَحِّ.
_________________
(١) (وَعَنْ سَلْمَانَ قَالَ: «سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - عَنِ السَّمْنِ وَالْجُبُنِّ»): بِضَمَّتَيْنِ فَتَشْدِيدٍ (وَالْفِرَاءِ): بِكَسْرِ الْفَاءِ وَالْمَدِّ جَمْعُ الْفَرَاءُ بِفَتْحِ الْفَاءِ مَدًّا وَقَصْرًا وَهُوَ حِمَارُ الْوَحْشِ، وَمِنْهُ حَدِيثُ: " كُلُّ الصَّيْدِ فِي جَوْفِ الْفِرَاءِ ". قَالَ الْقَاضِي: وَقِيلَ هُوَ هَاهُنَا جَمْعُ الْفَرْوِ الَّذِي يُلْبَسُ وَيَشْهَدُ لَهُ صَنِيعُ بَعْضِ الْمُحَدِّثِينَ كَالتِّرْمِذِيِّ، فَإِنَّهُ ذَكَرَهُ فِي بَابِ لُبْسِ الْفَرْوِ، وَذَكَرَهُ ابْنُ مَاجَهْ فِي بَابِ السَّمْنِ وَالْجُبْنِ، وَقَالَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ مِنْ عُلَمَائِنَا: وَقِيلَ: هَذَا غَلَطٌ، بَلْ جَمْعُ الْفَرْوِ الَّذِي يُلْبَسُ، وَإِنَّمَا سَأَلُوهُ عَنْهَا حَذَرًا مِنْ صَنِيعِ أَهْلِ الْكُفْرِ فِي اتِّخَاذِهِمُ الْفِرَاءَ مِنْ جُلُودِ الْمَيْتَةِ مِنْ غَيْرِ دِبَاغٍ، وَيَشْهَدُ لَهُ أَنَّ عُلَمَاءَ الْحَدِيثِ أَوْرَدُوا هَذَا الْحَدِيثَ فِي بَابِ اللِّبَاسِ اهـ. فَإِيرَادُ الْمُصَنِّفِ إِيَّاهُ فِي بَابِ الْأَطْعِمَةِ نَظَرًا إِلَى أَغْلَبِ مَا فِي الْحَدِيثِ وَأَسْبَقِهِ وَيُؤَيِّدُهُ الْجَوَابُ أَيْضًا (فَقَالَ: الْحَلَالُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ): أَيْ بَيَّنَ تَحْلِيلَهُ (فِي كِتَابِهِ، وَالْحَرَامُ مَا حَرَّمَ اللَّهُ): أَيْ بَيَّنَ تَحْرِيمَهُ (فِي كِتَابِهِ): يَعْنِي إِمَّا مُبَيَّنًا وَإِمَّا مُجْمَلًا لِقَوْلِهِ: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧] لِئَلَّا يُشْكِلَ بِكَثِيرٍ مِنَ الْأَشْيَاءِ الَّتِي صَحَّ تَحْرِيمُهَا بِالْحَدِيثِ، وَلَيْسَ بِصَرِيحٍ فِي الْكِتَابِ
[ ٧ / ٢٧٢٣ ]
(وَمَا سَكَتَ): أَيِ الْكِتَابُ (عَنْهُ): أَيْ عَنْ بَيَانِهِ، أَوْ وَمَا أَعْرَضَ اللَّهُ عَنْ بَيَانِ تَحْرِيمِهِ وَتَحْلِيلِهِ رَحْمَةً مِنْ غَيْرِ نِسْيَانٍ. (فَهُوَ مِمَّا عَفَا عَنْهُ): أَيْ عَنِ اسْتِعْمَالِهِ وَأَبَاحَ فِي أَكْلِهِ، وَفِيهِ أَنَّ الْأَصْلَ فِي الْأَشْيَاءِ الْإِبَاحَةُ، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩] وَقَدْ قِيلَ: كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَ لِعِبَادِهِ وَخُلِقُوا لِعِبَادَتِهِ. قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦]، (رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَالتِّرْمِذِيُّ)، وَكَذَا الْحَاكِمُ (وَقَالَ): أَيِ التِّرْمِذِيُّ (هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ، وَمَوْقُوفٌ عَلَى الْأَصَحِّ): أَيْ عَلَى الْقَوْلِ الْأَصَحِّ أَوْ عَلَى الْإِسْنَادِ الْأَصَحِّ.
[ ٧ / ٢٧٢٤ ]
٤٢٢٩ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ - ﵄ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: («وَدِدْتُ أَنَّ عِنْدِي خُبْزَةً بَيْضَاءَ سَمْرَاءَ مُلَبَّقَةً بِسَمْنٍ وَلَبَنٍ " فَقَامَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ فَاتَّخَذَهُ، فَجَاءَ بِهِ، فَقَالَ: " فِي أَيِّ شَيْءٍ كَانَ هَذَا؟ " قَالَ: فِي عُكَّةِ ضَبٍّ. قَالَ: " ارْفَعْهُ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ. وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ: هَذَا حَدِيثٌ مُنْكَرٌ.
_________________
(١) (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: وَدِدْتُ): بِكَسْرِ الدَّالِ وَفِي نُسْخَةٍ بِفَتْحِهَا فَفِي الْقَامُوسِ: الْوُدُّ وَالْوِدَادُ الْحُبُّ وَيُثَلَّثَانِ وَوَدِدْتُهُ أَوَدُّهُ فِيهِمَا اهـ. وَلَا يَخْفَى أَنَّ فَتْحَ الْعَيْنِ فِيهِمَا شَاذٌّ لِعَدَمِ وُجُودِ الشَّرْطِ، وَلَعَلَّهُ يُغْتَفَرُ فِي الْمُدْغَمِ، وَالْمَعْنَى أَحْبَبْتُ وَتَمَنَّيْتُ (أَنَّ عِنْدِي خُبْزَةً بَيْضَاءَ مِنْ بُرَّةٍ سَمْرَاءَ): أَيْ حِنْطَةٍ فِيهَا سَوَادٌ خَفِيٌّ فَهِيَ وَصْفٌ لِبُرَّةٍ، وَلَعَلَّ الْمُرَادَ بِهَا أَنْ تَكُونَ مُقْمِرَةً، فَإِنَّهُ أَبْلَغُ فِي اللَّذَّةِ، وَلِئَلَّا يَحْصُلَ التَّنَاقُضُ بَيْنَ الْبَيْضَاءِ وَالسَّمْرَاءِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَاخْتَارَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ أَنَّ السَّمْرَاءَ هِيَ الْحِنْطَةُ فَهِيَ بَدَلٌ مِنْ بُرَّةٍ. قَالَ الْقَاضِي: السَّمْرَاءُ مِنَ الصِّفَاتِ الْغَالِبَةِ غَلَبَتْ عَلَى الْحِنْطَةِ فَاسْتَعْمَلَهَا هُنَا عَلَى الْأَصْلِ، وَقِيلَ هِيَ نَوْعٌ مِنَ الْحِنْطَةِ فِيهَا سَوَادٌ خَفِيٌّ، وَلَعَلَّهُ أَحْمَدُ الْأَنْوَاعِ عِنْدَهُمْ، وَفِي الْقَامُوسِ: السُّمْرَةُ بِالضَّمِّ مَنْزِلَةٌ بَيْنَ الْبَيَاضِ وَالسَّوَادِ فِيمَا يَقْبَلُ ذَلِكَ، وَالْأَسْمَرُ لَبَنُ الظَّبْيَةِ، وَالْأَسْمَرَانِ الْمَاءُ وَالْبُرُّ وَالسَّمْرَاءُ الْحِنْطَةُ وَالْخُشْكَارُ. (مُلَبَّقَةً): بِتَشْدِيدِ الْمُوَحِّدَةِ الْمَفْتُوحَةِ أَيْ مَبْلُولَةً مَخْلُوطَةً خَلْطًا شَدِيدًا (بِسَمْنٍ وَعَسَلٍ): وَهِيَ مَنْصُوبَةٌ عَلَى أَنَّهَا صِفَةُ خُبْزَةٍ وَهُوَ الظَّاهِرُ، وَفِي نُسْخَةٍ بِجَرِّهَا عَلَى أَنَّهَا صِفَةُ بُرَّةٍ، وَكَأَنَّهُ نَوْعٌ مِنْ جَرِّ الْجِوَارِ (فَقَامَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ فَاتَّخَذَهُ): أَيْ صَنَعَ مَا ذَكَرَ (فَجَاءَ بِهِ، فَقَالَ): أَيِ النَّبِيُّ - ﷺ - (فِي أَيِّ شَيْءٍ كَانَ هَذَا؟) أَنَّ سَمْنَهُ، وَلَعَلَّهُ - ﷺ - وَجَدَ فِيهِ رَائِحَةً كَرِيهَةً. (قَالَ: فِي عُكَّةِ ضَبٍّ) . الْعُكَّةُ بِالضَّمِّ آنِيَةُ السَّمْنِ، وَقِيلَ وَعِاءٌ مُسْتَدِيرٌ لِلسَّمْنِ وَالْعَسَلِ، وَقِيلَ: الْعُكَّةُ الْقِرْبَةُ الصَّغِيرَةُ، وَالْمَعْنَى أَنَّهُ كَانَ فِي وِعَاءٍ مَأْخُوذٍ مَنْ جِلْدِ ضَبٍّ (قَالَ: ارْفَعْهُ) . قَالَ الطِّيبِيُّ: وَإِنَّمَا أَمَرَ بِرَفْعِهِ لِتَنَفُّرِ طَبْعِهِ عَنِ الضَّبِّ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ بِأَرْضِ قَوْمِهِ، كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ حَدِيثُ خَالِدٍ، لَا لِنَجَاسَةِ جِلْدِهِ، وَإِلَّا لَأَمَرَهُ بِطَرْحِهِ وَنَهَاهُ عَنْ تَنَاوُلِهِ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ. وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ: هَذَا حَدِيثٌ مُنْكَرٌ) . الْمُنْكَرُ - فِي اصْطِلَاحِ أَرْبَابِ الْأُصُولِ مِنَ الْمُحَدِّثِينَ - حَدِيثُ مَنْ فَحُشَ غَلَطُهُ، أَوْ كَثُرَتْ غَفْلَتُهُ، أَوْ ظَهَرَ فِسْقُهُ عَلَى مَا فِي شَرْحِ النُّخْبَةِ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: هَذَا الْحَدِيثُ مُخَالِفٌ لِمَا كَانَ عَلَيْهِ مِنْ شِيمَتِهِ - ﷺ - كَيْفَ وَقَدْ أُخْرِجَ مَخْرَجَ التَّمَنِّي، وَمِنْ ثَمَّ صَرَّحَ أَبُو دَاوُدَ بِكَوْنِهِ مُنْكَرًا. قُلْتُ: وَفِيهِ أَنَّهُ لَوْ صَحَّ مِنْ جِهَةِ الْإِسْنَادِ لَأَمْكَنَ تَوْجِيهُهُ بِأَنَّهُ فَعَلَهُ لِبَيَانِ الْجَوَازِ، ثُمَّ فِيهِ إِيمَاءٌ لِطَيْفٌ إِلَى صُنْعِ اللَّهِ تَعَالَى مَعَ أَنْبِيَائِهِ وَأَوْلِيَائِهِ فِي تَعْسِيرِ حُصُولِ شَهَوَاتِهِمْ، وَتَكْدِيرِ وَصُولِ مُتَمَنِّيَاتِهِمْ، عَلَى مَا حُكِيَ أَنَّ مَلَكَيْنِ تَلَاقَيَا أَحَدُهُمَا نَازِلٌ وَالْآخَرُ طَالِعٌ، فَتَسَاءَلَا عَنْ حَالَيْهِمَا فَقَالَ أَحَدُهُمَا: اشْتَهَى يَهُودِيٌّ سَمَكًا طَرِيًّا فَأُمِرْتُ بِتَحْصِيلِهِ لَهُ، وَقَالَ الْآخَرُ: مُسْلِمٌ صَالِحٌ تَمَنَّى لَبَنًا أَوْ عَسَلًا وَقَدِ اشْتَرَاهُ، وَأُمِرْتُ أَنْ أَصُبَّهُ وَأَحْرِمَهُ مِنْهُ.
[ ٧ / ٢٧٢٤ ]
٤٢٣٠ - وَعَنْ عَلِيٍّ - ﵁ - قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - عَنْ أَكْلِ الثُّومِ إِلَّا مَطْبُوخًا» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ.
_________________
(١) (وَعَنْ عَلِيٍّ - ﵁ - قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - عَنْ أَكْلِ الثُّومِ»): وَفِي مَعْنَاهُ نَحْوَ الْبَصَلِ، بَلْ قَدْ جَاءَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَاجَهْ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ مَرْفُوعًا: " «لَا تَأْكُلُوا الْبَصَلَ النِّيءَ»، وَفِي رِوَايَةِ الطَّبَرَانِيِّ فِي الْأَوْسَطِ عَنْ أَنَسٍ: («إِيَّاكُمْ وَهَاتَيْنِ الْبَقْلَتَيْنِ الْمُنْتِنَتَيْنِ أَنْ تَأْكُلُوهَا وَتَدْخُلُوا مَسْجِدَنَا، فَإِنْ كُنْتُمْ لَا بُدَّ آكِلِيهِمَا فَاقْتُلُوهَا بِالنَّارِ قَتْلًا») . (إِلَّا مَطْبُوخًا. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ) . وَهَذَا الْحَدِيثُ يُفِيدُ تَقْيِيدَ مَا وَرَدَ مِنَ الْأَحَادِيثِ الْمُطْلَقَةِ فِي النَّهْيِ، فَلِلْبُخَارِيِّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ - " ﵄: «نَهَى عَنْ أَكْلِ الثُّومِ»، وَلِلطَّبَرَانِيِّ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ «نَهَى عَنْ أَكْلِ الْبَصَلِ»، وَلِلطَّيَالِسِيِّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ «نَهَى عَنْ أَكْلِ الْبَصَلِ وَالْكُرَّاثِ وَالثُّومِ»، وَقَدْ سَبَقَ الْحَدِيثُ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ عَنْ جَابِرٍ: " «مَنْ أَكَلَ ثُومًا أَوْ بَصَلًا فَلْيَعْتَزِلْنَا» "، فَدَلَّ عَلَى الْإِبَاحَةِ، فَالنَّهْيُ مَحْمُولٌ عَلَى التَّنْزِيهِ.
[ ٧ / ٢٧٢٥ ]
٤٢٣١ - وَعَنْ أَبِي زِيَادٍ، قَالَ: «سُئِلَتْ عَائِشَةُ - ﵂ - عَنِ الْبَصَلِ. فَقَالَتْ: إِنَّ آخِرَ طَعَامٍ أَكَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - طَعَامٌ فِيهِ بَصَلٌ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
_________________
(١) (وَعَنْ أَبِي زِيَادٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ): لَمْ يَذْكُرْهُ الْمُؤَلِّفُ (قَالَ: «سَأَلْتُ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - عَنِ الْبَصَلِ»): أَيْ عَنْ أَكْلِهِ مُطْلَقًا أَوْ عَنْ نِيئِهِ أَوْ عَنْ مَطْبُوخِهِ وَهُوَ الْأَظْهَرُ، («فَقَالَتْ: إِنَّ آخِرَ طَعَامٍ أَكَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - طَعَامٌ فِيهِ بَصَلٌ»): أَيْ مَطْبُوخٌ بِشَهَادَةِ الطَّعَامِ ; لِأَنَّهُ الْغَالِبُ فِيهِ. قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ قِيلَ: إِنَّمَا أَكَلَ النَّبِيُّ - ﷺ - ذَلِكَ فِي آخِرِ عُمْرِهِ، لِيُعْلَمَ أَنَّ النَّهْيَ لِلتَّنْزِيهِ لَا لِلتَّحْرِيمِ اهـ. وَهُوَ قَوْلُ الْمُظْهِرِ. وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ فِي شَرْحِ الشَّمَائِلِ: لَا يُنَافِيهِ نَهْيُهُ عَنْهُ كَالثُّومِ وَالْكُرَّاثِ وَالْفِجْلِ ; لِأَنَّ مَحَلَّهَا فِي النِّيءِ، عَلَى أَنَّ الْأَصَحَّ أَنَّ هَذَا مَكْرُوهٌ لَيْسَ بِمُحَرَّمٍ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: قَدْ بُيِّنَ فِي حَدِيثِ أَبِي أَيُّوبَ عَلَى مَا سَبَقَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - كَانَ يَكْرَهُهُ لِأَجْلِ رِيحِهِ، وَمَا كَانَ مَطْبُوخًا، وَلَا سِيَّمَا الْبَصَلُ لَمْ يَكُنْ لَهُ رَائِحَةٌ. وَقَالَ الطَّحَّاوِيُّ فِي شَرْحِ الْآثَارِ بَعْدَ مَا سَرَدَ الْأَحَادِيثَ: فَهَذِهِ الْآثَارُ دَلَّتْ عَلَى إِبَاحَةِ أَكْلِ نَحْوِ الْبَصَلِ وَالْكُرَّاثِ وَالثُّومِ مَطْبُوخًا كَانَ أَوْ غَيْرَ مَطْبُوخٍ لِمَنْ قَعَدَ فِي بَيْتِهِ، وَكَرَاهَةِ حُضُورِ الْمَسْجِدِ وَرِيحُهُ مَوْجُودٌ لِئَلَّا يُؤْذِيَ بِذَلِكَ مَنْ يَحْضُرُهُ مِنَ الْمَلَائِكَةِ وَبَنِي آدَمَ. قَالَ: وَبِهِ نَأْخُذُ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) .
[ ٧ / ٢٧٢٥ ]
٤٢٣٢ - وَعَنِ ابْنَيْ بُسْرٍ السُّلَمِيَّيْنِ - ﵄ - قَالَا: «دَخَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - فَقَدَّمْنَا زُبْدًا وَتَمْرًا، وَكَانَ يُحِبُّ الزُّبْدَ وَالتَّمْرَ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
_________________
(١) (وَعَنِ ابْنِي بُسْرٍ): بِضَمِّ مُوَحَّدَةٍ وَسُكُونِ مُهْمَلَةٍ فِرَاءٌ (السُّلَمِيَّيْنِ): بِضَمِّ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ اللَّامِ الْمُخَفَّفَةِ وَكَسْرِ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْيَاءِ الْأُولَى الْمُشَدَّدَةِ وَسُكُونِ الثَّانِيَةِ الْمُخَفَّفَةِ. قَالَ الْمُؤَلِّفُ فِي حَرْفِ الْبَاءِ مِنْ فَصْلِ الصَّحَابَةِ هُمَا: عَطِيَّةُ وَعَبْدُ اللَّهِ، وَسَيَجِيءُ ذِكْرُهُمَا فِي حَرْفِ الْعَيْنِ، لَهُمَا حَدِيثٌ فِي أَكْلِ التَّمْرِ وَالزُّبْدِ، وَقَالَ فِي حَرْفِ الْعَيْنِ مِنْ فَصْلِ الصَّحَابَةِ أَيْضًا: عَطِيَّةُ بْنُ بُسْرٍ الْمَازِنِيُّ هُوَ أَخُو عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُسْرٍ، أَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ حَدِيثَهُ مَقْرُونًا بِأَخِيهِ عَبْدِ اللَّهِ فَقَالَ عَنِ ابْنَيْ بُسْرٍ وَلَمْ يُسَمِّهِمَا، وَهُوَ فِي أَكْلِ الزُّبْدِ وَالتَّمْرِ فِي كِتَابِ الطَّعَامِ، رَوَى عَنْهُ مَكْحُولٌ اهـ. وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ إِذَا ثَبَتَ أَنَّهُمَا صَحَابِيَّانِ فَلَا يَضُرُّ جَهَالَةُ اسْمِهِمَا، بَلْ وَلَا جَهَالَةَ حَالِهِمَا بِنَاءً عَلَى أَنَّ الصَّحَابَةَ كُلَّهُمْ عُدُولٌ، وَعَلَيْهِ الْجُمْهُورُ. (قَالَا: دَخَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - فَقَدَّمْنَا): أَيْ فَقَرَّبْنَا إِلَيْهِ (زُبْدًا): بِضَمِّ الزَّايِ وَسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ، وَفِي الْقَامُوسِ زَبُدَ اللَّبَنُ بِالضَّمِّ زَبَدَةً بِفَتْحَتَيْنِ (وَتَمْرًا): أَيْ وَأَكَلَ مِنْهُمَا (وَكَانَ يُحِبُّ الزُّبْدَ وَالتَّمْرَ): أَيْ ; وَلِذَا قَدَّمْنَاهُمَا لَهُ، أَوْ وَلِذَا أَكْثَرَ مِنْ أَكْلِهِمَا (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) . وَكَذَا ابْنُ مَاجَهْ.
[ ٧ / ٢٧٢٥ ]
٤٢٣٣ - وَعَنْ عِكْرَاشِ بْنِ ذُؤَيْبٍ، قَالَ: «أُتِينَا بِجَفْنَةٍ كَثِيرَةِ الثَّرِيدِ وَالْوَذْرِ، فَخَبَطْتُ بِيَدِي فِي نَوَاحِيهَا، وَأَكَلَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ، فَقَبَضَ بِيَدِهِ الْيُسْرَى عَلَى يَدِيَ الْيُمْنَى، ثُمَّ قَالَ: " يَا عِكْرَاشُ! كُلْ مِنْ مَوْضِعٍ وَاحِدٍ ; فَإِنَّهُ طَعَامٌ وَاحِدٌ "، ثُمَّ أَتَيْنَا بِطَبَقٍ فِي أَلْوَانِ التَّمْرِ، فَجَعَلْتُ آكُلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيَّ، وَجَالَتْ يَدُ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - الطَّبَقَ، قَالَ: " يَا عِكْرَاشُ! كُلْ مِنْ حَيْثُ شِئْتَ ; فَإِنَّهُ غَيْرُ لَوْنٍ وَاحِدٍ "، ثُمَّ أَتَيْنَا بِمَاءٍ فَغَسَلَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - يَدَيْهِ وَمَسَحَ بِبَلَلِ كَفَّيْهِ وَجْهَهُ وَذِرَاعَيْهِ وَرَأْسَهُ، وَقَالَ: " يَا عِكْرَاشُ! هَذَا الْوُضُوءُ مِمَّا غَيَّرَتِ النَّارُ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
_________________
(١) (وَعَنْ عِكْرَاشِ): بِكَسْرِ الْعَيْنِ وَسُكُونِ الْكَافِ وَبِالرَّاءِ وَالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ (ابْنِ ذُؤَيْبٍ): بِضَمِّ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ وَبِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَقَدْ يُبَدُّلُ وَاوًا فَتَحْتِيَّةٍ سَاكِنَةٍ فَمُوَحَّدَةٍ. قَالَ الْمُؤَلِّفُ: تَمِيمِيٌّ يُعَدُّ فِي الْبَصْرِيِّينَ، رَوَى عَنْهُ عُبَيْدِ اللَّهِ، وَكَانَ قَدِمَ عَلَى النَّبِيِّ - ﷺ - بِصَدَقَاتِ قَوْمِهِ. (قَالَ: أُتِينَا): أَيْ جِيءَ لَنَا (بِجَفْنَةٍ): بِفَتْحِ جِيمٍ فَسُكُونِ فَاءٍ: أَيْ قَصْعَةٍ (كَثِيرَةِ الثَّرِيدِ وَالْوَذْرِ): بِفَتْحِ الْوَاوِ وَسُكُونِ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ جَمْعُ وَذْرَةٍ وَهِيَ قِطَعٌ مِنَ اللَّحْمِ لَا عَظْمَ فِيهَا عَلَى مَا فِي الْفَائِقِ وَغَيْرِهِ. وَفِي الْقَامُوسِ: الْوَذْرَةُ مِنَ اللَّحْمِ الْقِطْعَةُ الصَّغِيرَةُ لَا عَظْمَ فِيهَا وَيُحَرَّكُ، (فَخَبَطْتُ): أَيْ ضَرَبْتُ (يَدِي فِي نَوَاحِيهَا)، مِنْ خَبَطَ الْبَعِيرَ بِيَدِهِ إِذَا ضَرَبَهُ بِهَا. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: أَيْ ضَرَبْتُ فِيهَا مِنْ غَيْرِ اسْتِوَاءٍ مِنْ قَوْلِهِمْ: خَبَطَ خَبْطَ عَشْوَاءَ وَرَاعَى الْأَدَبَ حَيْثُ قَالَ فِي جَانِبِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - وَجَالَتْ يَدُ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - بِمَعْنَى الْجَوَلَانِ، وَالْمَعْنَى أَدْخَلْتُ يَدِي أَوْ أَوْقَعْتُهَا فِي نَوَاحِي الْقَصْعَةِ. («وَأَكَلَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ»): أَيْ مِمَّا يَلِيهِ («فَقَبَضَ بِيَدِهِ الْيُسْرَى عَلَى يَدِيَ الْيُمْنَى») . يَجُوزُ فَتْحُ يَاءِ الْإِضَافَةِ وَسُكُونُهَا، وَهَذِهِ مُلَاحَظَةٌ فِعْلِيَّةٌ («ثُمَّ قَالَ: يَا عِكْرَاشُ! كُلْ مِنْ مَوْضِعٍ وَاحِدٍ»): أَيْ مِمَّا يَلِيكَ (فَإِنَّهُ طَعَامٌ وَاحِدٌ) . أَيْ فَلَا يَحْتَاجُ إِلَى جَانِبٍ آخَرَ مَعَ مَا فِيهِ مِنَ التَّطَلُّعِ عَلَى مَا فِي أَيْدِي النَّاسِ، وَالشَّرَهِ وَالْحِرْصِ وَالطَّمَعِ الزَّائِدِ، («ثُمَّ أُتِينَا بِطَبَقٍ فِيهِ أَلْوَانُ التَّمْرِ، فَجَعَلْتُ آكُلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيَّ»): أَيْ تَأَدُّبًا. (وَجَالَتْ): بِالْجِيمِ مِنَ الْجَوَلَانِ أَيْ وَدَارَتْ (يَدُ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - فِي الطَّبَقِ): أَيْ فِي جَوَانِبِهِ وَحَوَالَيْهِ - وَهَذَا تَعْلِيمٌ فِعْلِيٌّ لِبَيَانِ الْجَوَازِ (فَقَالَ): تَأْكِيدًا لِمَا فُهِمْ مِنَ الْفِعْلِ (يَا عِكْرَاشُ! كُلْ مِنْ حَيْثُ شِئْتَ): أَيِ الْآنَ، وَالظَّاهِرُ اسْتِثْنَاءُ الْأَوْسَطِ، فَإِنَّهُ مَحَلُّ تَنَزُّلِ الرَّحْمَةِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَخْصُوصًا لِلَوْنٍ وَاحِدٍ أَوْ بِالْمُخْتَلِطِ حَتَّى صَارَ كَأَنَّهُ شَيْءٌ وَاحِدٌ، (فَإِنَّهُ): أَيِ التَّمْرَ الْمَوْجُودَ فِي الطَّبَقِ (غَيْرُ لَوْنٍ وَاحِدٍ): بَلْ أَلْوَانٌ كَمَا! سَبَقَ. قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: فِيهِ تَنْبِيهٌ عَلَى أَنَّ الْفَاكِهَةَ إِذَا كَانَ لَوْنُهَا وَاحِدًا لَا يَجُوزُ أَنْ يَخْبِطَ بِيَدِهِ كَالطَّعَامِ، وَعَلَى أَنَّ الطَّعَامَ إِذَا كَانَ ذَا أَلْوَانٍ يَجُوزُ أَنْ يَخْبِطَ وَيَأْكُلَ مِنْ أَيِّ نَوْعٍ يُرِيدُهُ. («ثُمَّ أُتِينَا بِمَاءٍ فَغَسَلَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - يَدَيْهِ وَمَسَحَ بِبَلَلِ كَفَّيْهِ وَجْهَهُ وَذِرَاعَيْهِ وَرَأْسَهُ، وَقَالَ: يَا عِكْرَاشُ! هَذَا الْوُضُوءُ»): أَيِ الْعُرْفِيُّ (مِمَّا غَيَّرَتِ النَّارُ): أَيْ مَسَّتْهُ، فَإِنَّ الْمَاءَ يُطْفِئُ الْحَرَارَةَ. قَالَ الطِّيبِيُّ قَوْلُهُ: " مِمَّا غَيَّرَتِ النَّارُ " خَبَرُ الْمُبْتَدَأِ وَ" مِنْ " ابْتِدَائِيَّةٌ أَيْ: هَذَا الْوُضُوءُ لِأَجْلِ طَعَامٍ طُبِخَ بِالنَّارِ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) .
[ ٧ / ٢٧٢٦ ]
٤٢٣٤ - وَعَنْ عَائِشَةَ - ﵂ - قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - إِذَا أَخَذَ أَهْلَهُ الْوَعْكُ أَمَرَ بِالْحَسَاءِ فَصُنِعَ، ثُمَّ أَمَرَهُمْ فَحَسَوْا مِنْهُ، وَكَانَ يَقُولُ: " إِنَّهُ لَيَرْتُو فُؤَادُ الْحَزِينِ، وَيَسْرُو عَنْ فُؤَادِ السَّقِيمِ كَمَا تَسْرُو إِحْدَاكُنَّ الْوَسَخَ بِالْمَاءِ عَنْ وَجْهِهَا» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
_________________
(١) (وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - إِذَا أَخَذَ أَهْلَهُ): أَيْ أَهْلَ بَيْتِهِ (الْوَعْكُ): بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ أَيِ الْحُمَّى أَوْ شِدَّتُهَا (أَمَرَ بِالْحَسَاءِ): بِفَتْحٍ وَمَدٍّ طَبِيخٌ مَعْرُوفٌ يُتَّخَذُ مِنْ دَقِيقٍ وَمَاءٍ وَدُهْنٍ وَيَكُونُ رَقِيقًا يُحْسَى، كَذَا فِي النِّهَايَةِ. وَذَكَرَ بَعْضُهُمُ السَّمْنَ بَدَلَ الدُّهْنِ وَأَهْلُ مَكَّةَ يُسَمُّونَهُ بِالْحَرِيرَةِ، (فَصُنِعَ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ (ثُمَّ أَمَرَهُمْ فَحَسَوْا): بِفَتْحِ السِّينِ أَيْ فَشَرِبُوا (مِنْهُ)، وَصِيغَةُ الْجَمْعِ إِمَّا لِلْمُشَارَكَةِ فِي الْأَكْلِ أَوْ فِي الْحُمَّى (وَكَانَ يَقُولُ: " إِنَّهُ): أَيِ الْحِسَاءَ (لَيَرْتُو): بِفَتْحِ الْيَاءِ وَسُكُونِ الرَّاءِ وَضَمِّ الْفَوْقِيَّةِ أَيْ يَشُدُّ وَيُقَوِّي (فُؤَادَ الْحَزِينِ): أَيْ قَلْبَهُ (وَيَسْرُو): بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ فَضَمٍّ أَيْ: يَكْشِفُ وَيَرْفَعُ الضِّيقَ وَالتَّعَبَ (عَنْ فُؤَادِ السَّقِيمِ كَمَا تَسْرُو): بِالتَّأْنِيثِ وَجُوِّزَ التَّذْكِيرُ أَيْ تُزِيلُ وَتَدْفَعُ (إِحْدَاكُنَّ الْوَسَخَ بِالْمَاءِ عَنْ وَجْهِهَا، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ) . وَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالْحَاكِمُ.
[ ٧ / ٢٧٢٦ ]
٤٢٣٥ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: «الْعَجْوَةُ مِنَ الْجَنَّةِ، وَفِيهَا شِفَاءٌ مِنَ السُّمِّ، وَالْكَمْأَةُ مِنَ الْمَنِّ، وَمَاؤُهَا شِفَاءٌ لِلْعَيْنِ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
_________________
(١) (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: «الْعَجْوَةُ مِنَ الْجَنَّةِ»): أَيْ أَصْلُهَا مِنْهَا أَوْ أَنَّهَا لِلَطَافَتِهَا كَأَنَّهَا مِنْ ثِمَارِهَا. وَفِي رِوَايَةٍ: " «الْعَجْوَةُ مِنْ فَاكِهَةِ الْجَنَّةِ» ". قَالَ شَارِحٌ: يُرِيدُ بِذَلِكَ الْمُبَالَغَةَ فِي الِاخْتِصَاصِ بِالْمَنْفَعَةِ وَالْبَرَكَةِ، فَكَأَنَّهَا مِنَ الْجَنَّةِ لِأَنَّ طَعَامَ الْجَنَّةِ يُزِيلُ الْأَذَى وَالتَّعَبَ اهـ. وَفِيهِ أَنَّ الْجَنَّةَ لَيْسَ فِيهَا أَذًى وَلَا تَعَبٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا وَصَبٌ، حَتَّى يُزِيلَهُ طَعَامُهَا، بَلْ إِنَّمَا يُؤْكُلُ مِنْ طَعَامِهَا وَثَمَرَاتِهَا وَيُشْرَبُ مِنْ مَشْرُوبَاتِهَا تَلَذُّذًا. قَالَ تَعَالَى: ﴿فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى﴾ [طه: ١١٧] . ﴿إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى﴾ [طه: ١١٨] . ﴿وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى﴾ [طه: ١١٩] رَزَقَنَا اللَّهُ الْحُسْنَى وَزِيَادَةً - رُؤْيَةُ الْمَوْلَى. (فِيهَا): أَيْ فِي الْعَجْوَةِ مُطْلَقًا أَوْ فِي عَجْوَةِ الْمَدِينَةِ (شِفَاءٌ مِنَ السُّمِّ)، بِتَثْلِيثِ السِّينِ وَالْفَتْحُ أَفْصَحُ وَالضَّمُّ أَشْهَرُ (وَالْكَمْأَةُ مِنَ الْمَنِّ، وَمَاؤُهَا شِفَاءٌ لِلْعَيْنِ) . وَقَدْ مَرَّ تَحْقِيقُهَا (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) . وَكَذَا أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ عَنْهُ، وَكَذَا أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ وَجَابِرٍ، وَزَادَ ابْنُ النَّجَّارِ بِرِوَايَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ، لَكِنَّهُ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ، «وَالْكَبْشُ الْعَرَبِيُّ الْأَسْوَدُ شِفَاءٌ مِنْ عِرْقِ النَّسَا يُؤْكَلُ مَنْ لَحْمِهِ وَيُحْسَى مِنْ مَرَقِهِ» .
[ ٧ / ٢٧٢٧ ]
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
٤٢٣٦ - عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ - ﵁ - قَالَ: «ضِفْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - ذَاتَ لَيْلَةٍ، فَأَمَرَ بِجَنْبٍ فَشُوِيَ، ثُمَّ أَخَذَ الشَّفْرَةَ فَجَعَلَ يَحُزُّ لِي بِهَا مِنْهُ، فَجَاءَ بِلَالٌ يُؤْذِنُهُ بِالصَّلَاةِ، فَأَلْقَى الشَّفْرَةَ، فَقَالَ: " مَا لَهُ تَرِبَتْ يَدَاهُ؟ " قَالَ: وَكَانَ شَارِبَهُ وَفَاءً. فَقَالَ لِي: " أَقُصُّهُ لَكَ عَلَى سِوَاكٍ؟ - أَوْ - " قُصَّهُ عَلَى سِوَاكٍ» " رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
_________________
(١) الْفَصْلُ الثَّالِثُ
(٢) (عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ: ضِفْتُ): بِكَسْرِ أَوَّلِهِ أَيْ صِرْتُ ضَيْفًا لِرَجُلٍ (مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - ذَاتَ لَيْلَةٍ): قَالَ الطِّيبِيُّ: أَيْ نَزَلْتُ أَنَا وَرَسُولُ اللَّهِ ضَيْفَيْنِ لَهُ. وَقَالَ زَيْنُ الْعَرَبِ شَارِحُ الْمَصَابِيحِ: أَيْ كُنْتُ لَيْلَةً ضَيْفَهُ، وَزَيَّفَ هَذَا الْقَوْلَ بَعْضُهُمْ لِأَجْلِ قَوْلِهِ " مَعَ "، قَالَ صَاحِبُ الْمُغْرِبِ: ضَافَ الْقَوْمَ وَيَضِيفُهُمْ نَزَلَ عَلَيْهِمْ ضَيْفًا وَأَضَافُوهُ وَضَيَّفُوهُ أَنْزَلُوهُ، وَقَالَ مِيرَكُ: وَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ وَلَفْظُهُ: " ضِفْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - وَالظَّاهِرُ مِنْهُ أَنَّ الْمُغِيرَةَ صَارَ ضَيْفًا لِلنَّبِيِّ. قَالَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ: ضِفْتُ الرَّجُلَ إِذَا نَزَلْتَ بِهِ فِي ضِيَافَتِهِ، وَأَضَفْتُهُ إِذَا أَنْزَلَتَهُ، وَتَضَيَّفْتُهُ إِذَا نَزَلْتَ بِهِ، وَتَضَيَّفَنِي إِذَا أَنْزَلَنِي. وَقَالَ صَاحِبُ الْقَامُوسِ: ضِفْتُهُ أَضِيفُهُ ضَيْفًا نَزَلُتُ عَلَيْهِ ضَيْفًا كَتَضَيَّفْتُهُ. وَفِي الصِّحَاحِ: أَضَفْتُ الرَّجُلَ وَضَيَّفْتُهُ إِذَا أَنْزَلْتَهُ لَكَ ضَيْفًا وَقَرَّبْتَهُ، ضِفْتُ الرَّجُلَ ضِيَافَةً إِذَا نَزَلْتَ عَلَيْهِ ضَيْفًا وَكَذَا تَضَيَّفْتُهُ اهـ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ لَفْظَةَ " مَعَ " فِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ مُقْحَمَةٌ كَمَا لَا يَخْفَى عَلَى الْمُتَأَمِّلِ، وَبِهَذَا يَظْهَرُ أَنَّ الْحَقَّ مَعَ زَيْنِ الْعَرَبِ، وَقَدْ صَرَّحَ صَاحِبُ الْمُغْنِي بِأَنَّ لِمَعَ عِنْدَ الْإِضَافَةِ ثَلَاثَةَ مَعَانٍ، الْأَوَّلُ: مَوْضِعُ الِاجْتِمَاعِ، الثَّانِي: زَمَانُهُ، الثَّالِثُ: مُرَادِفَةٌ عِنْدَ هَذَا، وَقَدْ وَقَعَتْ هَذِهِ الضِّيَافَةُ فِي بَيْتِ ضُبَاعَةَ بِنْتِ الزُّبَيْرِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ابْنَةِ عَمِّ النَّبِيِّ - ﷺ - هَكَذَا أَفَادَهُ الْقَاضِي إِسْمَاعِيلُ، وَقَالَ الْعَسْقَلَانِيُّ: وَيُحْتَمَلُ أَنَّهَا كَانَتْ فِي بَيْتِ مَيْمُونَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالِي عَنْهَا - وَأَمَّا مَا قَالَهُ بَعْضُهُمْ مِنْ أَنَّ الْمُرَادَ جَعَلْتُهُ ضَيْفًا لِي حَالَ كَوْنِي مَعَهُ غَيْرُ صَحِيحٍ، لِمَا قَدَّمْنَا مِنْ مَعْنَى ضِفْتُ لُغَةً. أَقُولُ: يُمْكِنُ الْجَمْعُ بِالرِّوَايَاتِ وَالْأَقْوَالِ أَنَّ الْمُغِيرَةَ صَارَ ضَيْفًا لَهُ - ﷺ - وَقَدْ كَانَ أَضَافَهُ - ﷺ - أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَذَهَبَ الْمُغِيرَةُ مَعَهُ - ﷺ - تَبَعًا لَهُ. (فَأَمَرَ بِجَنْبٍ فَشُوِيَ)، وَفِي رِوَايَةِ الشَّمَائِلِ: " فَأُتِيَ بِجَنْبٍ مَشْوِيٍّ "، (ثُمَّ أَخَذَ): أَيِ النَّبِيُّ - ﷺ - (الشَّفْرَةَ): " بِفَتْحِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الْفَاءِ السِّكِّينُ الْعَرِيضُ الَّذِي امْتُهِنَ بِالْعَمَلِ (فَجَعَلَ يَحُزُّ): بِضَمِّ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ الزَّايِ، أَيْ يَقْطَعُ (لِي): أَيْ لِأَجْلِي (بِهَا): أَيْ بِالشَّفْرَةِ وَالْبَاءُ لِلِاسْتِعَانَةِ كَمَا فِي: كَتَبْتُ بِالْقَلَمِ، فَيَكُونُ الْجَارُّ مُتَعَلِّقًا بِيَحُزُّ أَيْضًا (مِنْهُ): أَيْ مِنْ ذَلِكَ الْجَنْبِ الْمَشْوِيِّ، وَالْجَمْعُ بَيْنَ قَطْعِهِ - ﷺ - وَنَهْيِهِ قَدْ سَبَقَ، وَإِنَّمَا حَزَّ لِلْمُغِيرَةِ تَوَاضُعًا مِنْهُ - ﷺ - وَإِكْرَامًا لَهُ لِكَوْنِهِ ضَيْفَهُ
[ ٧ / ٢٧٢٧ ]
عَلَى مَا مَرَّ، وَإِظْهَارًا لِمَحَبَّتِهِ لَهُ لِيَتَأَلَّفَهُ لِقُرْبِ إِسْلَامِهِ وَحَمْلًا لِغَيْرِهِ، عَلَى أَنَّهُ - وَإِنْ جَلَّتْ مَرْتَبَتُهُ - فَلَا يَمْنَعُهُ مِنْ صُدُورِ مِثْلِ ذَلِكَ لِأَصْحَابِهِ، بَلْ لِأَصَاغِرِهِمْ. (فَجَاءَ بِلَالٌ): هُوَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ، كَانَ يُعَذَّبُ فِي ذَاتِ اللَّهِ، فَاشْتَرَاهُ أَبُو بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَأَعْتَقَهُ، شَهِدَ بَدْرًا وَمَا بَعْدَهَا، مَاتَ بِدِمَشْقَ مِنْ غَيْرِ عَقِبٍ. (يُؤْذِنَهُ): بِسُكُونِ الْهَمْزَةِ وَيُبَدَّلُ أَيْ يُعْلِمَهُ، وَفِي نُسْخَةٍ بِالتَّشْدِيدِ بِمَعْنَاهُ، لَكِنْ فِي النِّهَايَةِ أَنَّ الْمُشَدَّدَ مُخْتَصٌّ فِي الِاسْتِعْمَالِ بِإِعْلَامِ وَقْتِ الصَّلَاةِ، فَعَلَى هَذَا قَوْلُهُ: (بِالصَّلَاةِ)، يُفِيدُ التَّجْرِيدَ وَيُؤَيِّدُ الرِّوَايَةَ الْأُولَى قَوْلُهُ: (فَأَلْقَى): أَيْ طَرْحَ وَرَمَى النَّبِيُّ - ﷺ - (الشَّفْرَةَ فَقَالَ: مَا لَهُ): أَيْ لِبِلَالٍ يُؤَذِّنُ فِي هَذَا الْوَقْتِ (تَرِبَتْ يَدَاهُ؟): بِكَسْرِ الرَّاءِ أَيْ لُصِقَتْ بِالتُّرَابِ مِنْ شِدَّةِ الِافْتِقَارِ، وَهَى كَلِمَةٌ تَقُولُهَا الْعَرَبُ عِنْدَ اللَّوْمِ، وَمَعْنَاهُ الدُّعَاءُ بِالْفَقْرِ وَالْعَدَمِ، وَقَدْ يُطْلِقُونَهَا وَلَا يُرِيدُونَ وُقُوعَ ذَلِكَ، وَكَأَنَّهُ - ﷺ - كَرِهَ إِيذَانَهُ بِالصَّلَاةِ عِنْدَ اشْتِغَالِهِ بِالطَّعَامِ، وَالْحَالُ أَنَّ الْوَقْتَ مُتَّسِعٌ لَا سِيَّمَا إِنْ كَانَ الْوَقْتُ وَقْتَ الْعَشَاءِ، فَإِنَّ التَّأْخِيرَ فِيهِ أَفْضَلُ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ قَالَ ذَلِكَ رِعَايَةً لِحَالِ الضَّيْفِ، وَقِيلَ قِيَامُهُ كَانَ لِلْمُبَادَرَةِ إِلَى الطَّاعَةِ وَالْمُسَارَعَةِ إِلَى الْإِجَابَةِ، مَعْنَى تَرِبَتْ يَدَاهُ: لِلَّهِ دَرُّهُ مَا أَحْلَاهُ.
(قَالَ): أَيِ الْمُغِيرَةُ وَفِي نُسْخَةٍ " فَقَالَ "، (وَكَانَ شَارِبُهُ): أَيْ شَارِبُ الْمُغِيرَةِ (وَفَاءً): أَيْ تَمَامًا يَنْحَطُّ كَبِيرًا طَوِيلًا، وَفِي رِوَايَةٍ: " وَكَانَ شَارِبُهُ قَدْ وَفَى " أَيْ طَالَ وَتَعَدَّى، وَكَانَ حَقُّهُ أَنْ يَقُولَ: وَشَارِبِي، فَوَضَعَ مَكَانَ ضَمِيرِ الْمُتَكَلِّمِ الْغَائِبَ إِمَّا تَجْرِيدًا أَوِ الْتِفَاتًا، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ: (فَقَالَ لِي): قَالَ الطِّيبِيُّ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ فِي شَارِبِهِ لِبِلَالٍ فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ: قَالَ لِبِلَالٍ: فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: قُلْتُ: وَيُؤَيِّدُهُ رِوَايَةُ " فَقَالَ لَهُ "، (أَقُصُّهُ لَكَ): أَيْ لِنَفْعِكَ أَوْ لِأَجْلِ قُرْبِكَ مِنِّي، قَالَ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ فِي شَارِبِهِ لِرَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - وَمَعْنَى قَوْلِهِ: " أَقُصُّهُ لَكَ " أَيْ لِأَجْلِكَ تَتَبَرَّكُ بِهِ. قَالَ: وَكَانَ هَذَا تَكَلُّفَاتٍ لَا تُشْفِي الْغَلِيلَ، وَمِنْ تَرَدُّدِ الْإِمَامِ مُحْيِي السُّنَّةِ يَعْنِي حَيْثُ قَالَ: " عَلَى سِوَاكٍ؟ - أَوْ - قُصَّهُ عَلَى سِوَاكٍ)، وَفِي شَرْحِ السُّنَّةِ: قَلْتُ قَدْ «رَأَيْتُ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - رَأَى رَجُلًا طَوِيلَ الشَّارِبِ، فَدَعَا بِسِوَاكٍ وَشَفْرَةٍ، فَوَضَعَ - ﷺ - السِّوَاكَ تَحْتَ شَارِبِهِ، ثُمَّ جَزَّهُ» اهـ.
وَيُحْتَمَلُ جَزُّهُ بِالشَّفْرَةِ أَوْ بِمِقْرَاضٍ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الشَّكَّ مِنَ الْمُغِيرَةِ أَوْ مِمَّنْ دُونَهُ، وَقُصَّهُ بِضَمِّ الْقَافِ وَفَتْحِ الصَّادِ، وَجُوِّزَ ضَمُّهُ عَلَى مَا فِي الْأُصُولِ الْمُصَحَّحَةِ عَلَى أَنَّهُ فِعْلُ أَمْرٍ: أَيْ قُصَّهُ أَنْتَ، وَفِي نُسْخَةٍ بِفَتْحِ الْقَافِ عَلَى أَنَّهُ فِعْلٌ مَاضٍ فَقِيلَ هُوَ عَطْفٌ عَلَى " قَالَ " أَيْ قَالَ: " وَكَانَ شَارِبُهُ وَفَاءً " فَقَصَّهُ - ﷺ - وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ عَطْفٌ عَلَى " قَالَ " فِي ضِمْنٍ، فَقَالَ أَيْ فَقَالَ: أَقُصُّهُ أَوْ فَقَصَّهُ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ: " وَكَانَ شَارِبِي وَفَى فَقَصَّهُ لِي عَلَى سِوَاكِهِ، ثُمَّ الْوَاوُ فِي قَوْلِهِ: " قَالَ: وَكَانَ شَارِبُهُ " لِمُطْلَقِ الْجَمْعِ، فَلَا يُرَدُّ أَنَّ هَذَا الْفِعْلَ لَا يُلَائِمُ وُقُوعَهُ بَعْدَ الْإِيذَانِ وَرَمْيِ الشَّفْرَةِ وَغَيْرِهِ، وَهُوَ أَيْضًا يُزَيِّفُ مَا اخْتَارَهُ بَعْضُ الشُّرَّاحِ مِنْ أَنَّ الضَّمِيرَ فِي شَارِبِهِ لِبِلَالٍ: اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ ثَبَتَ كَوْنُ بِلَالٍ قَبْلَ الْإِيذَانِ مَعَهُمْ فِي ذَلِكَ الْمَجْلِسِ، هَذَا، وَفِيهِ دَلِيلٌ لِمَا قَالَهُ النَّوَوِيُّ مِنْ أَنَّ السُّنَّةَ فِي أَمْرِ الشَّارِبِ أَنْ لَا يُبَالَغَ فِي إِحْفَائِهِ، بَلْ يَقْتَصِرُ عَلَى مَا تَظْهَرُ لَهُ حُمْرَةُ الشَّفَةِ وَطَرْفِهَا، وَهُوَ الْمُرَادُ بِإِحْفَاءِ الشَّوَارِبِ فِي الْأَحَادِيثِ، وَقِيلَ الْأَفْضَلُ حَلْقُهُ لِحَدِيثِ: " وَالْأَكْثَرُونَ عَلَى الْقَصِّ "، بَلْ رَأَى مَالِكٌ تَأْدِيبَ الْحَالِقِ، وَمَا مَرَّ عَنِ النَّوَوِيِّ يُخَالِفُهُ قَوْلُ الطَّحَاوِيِّ عَنِ الْمُزَنِيِّ وَالرَّبِيعِ، أَنَّهُمَا كَانَا يُحْفِيَانِهِ، وَيُوَافِقُهُ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَصَاحِبِهِ: الْإِحْفَاءُ أَفْضَلُ مِنَ التَّقْصِيرِ. وَعَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ كَانَ يُحْفِيهِ شَدِيدًا، وَرَأَى الْغَزَالِيُّ وَغَيْرُهُ، أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِتَرْكِ السِّبَالَيْنِ اتْبَاعًا لِعُمْرَ وَغَيْرِهِ، وَلِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَسْتُرُ الْفَمَ، وَلَا يَبْقَى فِيهِ غِمْرُ الطَّعَامِ إِذْ لَا يَصِلُ إِلَيْهِ، وَكَرِهَ الزَّرْكَشِيُّ إِبْقَاءَهُ لِخَبَرٍ صَحِيحٍ لِابْنِ حِبَّانَ: «ذُكِرَ لِرَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - الْمَجُوسُ فَقَالَ: " إِنَّهُمْ قَوْمٌ يُوَفِّرُونَ سِبَالَهُمْ، وَيَحْلِقُونَ لِحَاهُمْ فَخَالِفُوهُمْ» " اهـ.
وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالسِّبَالِ الشَّوَارِبُ أُطْلِقَ عَلَيْهَا مَجَازًا أَوْ حَقِيقَةً عَلَى مَا فِي الْقَامُوسِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) . وَكَذَا أَبُو دَاوُدَ، قَالَ الطِّيبِيُّ: وَهَذَا الْحَدِيثُ لَيْسَ فِي بَعْضِ نُسَخِ الْمَصَابِيحِ، وَفِي بَعْضِهَا مَذْكُورٌ فِي قِسْمِ الصِّحَاحِ، وَقَدْ ذَكَرَهُ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ بِإِسْنَادِ التِّرْمِذِيِّ، فَالْحَدِيثُ مُلْحَقٌ بِهِ مِنْ غَيْرِ مَوْضِعِهِ اهـ. وَهُوَ وَهْمٌ مِنَ الطِّيبِيِّ، فَإِنَّ الْفَصْلَ الثَّالِثَ كُلَّهُ مِنَ الْمُؤَلِّفِ مَعَ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ وَضْعُ هَذَا الْحَدِيثِ فِي الصِّحَاحِ كَمَا لَا يَخْفَى.
[ ٧ / ٢٧٢٨ ]
٤٢٣٧ - وَعَنْ حُذَيْفَةَ - ﵁ - قَالَ: «كُنَّا إِذَا حَضَرْنَا مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - طَعَامًا لَمْ نَضَعْ أَيْدِيَنَا حَتَّى يَبْدَأَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - فَيَضَعُ يَدَهُ، وَإِنَّا حَضَرْنَا مَعَهُ مَرَّةً طَعَامًا، فَجَاءَتْ جَارِيَةٌ كَأَنَّهَا تُدْفَعُ، فَذَهَبَتْ لِتَضَعَ يَدَهَا فِي الطَّعَامِ، فَأَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - بِيَدِهَا، ثُمَّ جَاءَ أَعْرَابِيٌّ كَأَنَّمَا يُدْفَعُ، فَأَخَذَهُ بِيَدِهِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: إِنَّ الشَّيْطَانَ يَسْتَحِلُّ الطَّعَامَ أَنْ لَا يُذْكَرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ، وَإِنَّهُ جَاءَ هَذِهِ الْجَارِيَةُ لِيَسْتَحِلَّ بِهَا، فَأَخَذْتُ بِيَدِهَا، فَجَاءَ هَذَا الْأَعْرَابِيُّ لِيَسْتَحِلَّ بِهِ، فَأَخَذْتُ بِيَدِهِ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، إِنَّ يَدَهُ فِي يَدِي مَعَ يَدِهَا» . زَادَ فِي رِوَايَةٍ: " «ثُمَّ ذَكَرَ اسْمَ اللَّهِ وَأَكَلَ» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
_________________
(١) (وَعَنْ حُذَيْفَةَ): أَيْ ابْنِ الْيَمَانِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - (قَالَ: كُنَّا إِذَا حَضَرْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ: وَفِي نُسْخَةٍ: مَعَ النَّبِيِّ (- ﷺ - طَعَامًا لَمْ نَضَعْ أَيْدِيَنَا): أَيْ فِي الطَّعَامِ (حَتَّى يَبْدَأَ) رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - (فَيَضَعُ يَدَهُ)، أَيْ تَأَدُّبًا مَعَهُ وَتَبَرُّكًا بِفِعْلِهِ، وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَسَاكِرَ، عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيِّ مُرْسَلًا: " «إِذَا وُضِعَ الطَّعَامُ فَلْيَبْدَأْ أَمِيرُ الْقَوْمِ، أَوْ صَاحِبُ الطَّعَامِ، أَوْ خَيْرُ الْقَوْمِ» " (وَإِنَّا حَضَرْنَا مَعَهُ مَرَّةً طَعَامًا فَجَاءَتْ جَارِيَةٌ): أَيْ بِنْتٌ صَغِيرَةٌ (كَأَنَّهَا تُدْفَعُ): قَالَ النَّوَوِيُّ: وَفِي رِوَايَةٍ " تُطْرَدُ " يَعْنِي لِشِدَّةِ سُرْعَتِهَا كَأَنَّهَا مَطْرُودَةٌ أَوْ مَدْفُوعَةٌ، (فَذَهَبَتْ): أَيْ أَرَادَتْ وَشَرَعَتْ (لِتَضَعَ يَدَهَا فِي الطَّعَامِ): أَيْ قَبْلَنَا (فَأَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - بِيَدِهَا): الْبَاءُ لِتَأْكِيدِ التَّعْدِيَةِ، (ثُمَّ جَاءَ أَعْرَابِيٌّ): أَيْ بَدَوِيٌّ (كَأَنَّمَا يُدْفَعُ): أَيْ كَأَنَّهُ يُدْفَعُ وَ" مَا " كَافَّةٌ (فَأَخَذَ بِيَدِهِ): أَيْ بِيَدِ الْأَعْرَابِيِّ أَيْضًا، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ فَأَخَذَ يَدَ الْأَعْرَابِيِّ بِيَدِهِ الْأُخْرَى، فَالْبَاءُ لِلِاسْتِعَانَةِ، («فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: إِنَّ الشَّيْطَانَ يَسْتَحِلُّ الطَّعَامَ»): أَيْ جِنْسَهُ (أَنْ لَا يُذْكَرُ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ): أَيْ وَقْتَ عَدَمِ ذِكْرِهِ أَوْ لِأَجْلِهِ وَبِسَبَبِهِ، وَالْمَعْنَى أَنَّهُ يَتَمَكَّنُ مِنْ أَكْلِ ذَلِكَ الطَّعَامِ، وَكَانَ تَرْكُ التَّسْمِيَةِ إِذَنْ مِنَ اللَّهِ لِلشَّيْطَانِ مِنْ تَنَاوُلِهِ، كَمَا أَنَّ التَّسْمِيَةَ مَنْعٌ لَهُ عَنْهُ، أَوِ الْمَعْنَى يَصْرِفُ قُوَّتَهُ فِيمَا لَا يَرْضَاهُ اللَّهُ تَعَالَى أَيْ: لَا يَكُونُ مَمْنُوعًا مِنَ التَّصَرُّفِ فِيهِ إِلَّا أَنْ يَذْكُرَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ. (وَإِنَّهُ): وَفِي نُسْخَةٍ: " فَإِنَّهُ ": أَيِ الشَّيْطَانَ («جَاءَ بِهَذِهِ الْجَارِيَةِ لِيَسْتَحِلَّ بِهَا، فَأَخَذْتُ بِيَدِهَا فَجَاءَ بِهَذَا الْأَعْرَابِيِّ لِيَسْتَحِلَّ بِهِ، فَأَخَذْتُ بِيَدِهِ وَالَّذِي نَفْسِي»): أَيْ ذَاتِي أَوْ رُوحِي (بِيَدِهِ): أَيْ فِي قَبْضَةِ أَيْ إِرَادَتِهِ (إِنَّ يَدَهُ): أَيْ يَدَ الشَّيْطَانِ (فِي يَدِي مَعَ يَدِهَا): أَيْ وَكَذَلِكَ يَدُهُ فِي يَدِي مَعَ يَدِهَا وَحَذْفُهُ مِنْ بَابِ الِاكْتِفَاءِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: الظَّاهِرُ " يَدِهِمَا " كَمَا جَاءَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى أَيْ يَدِ الشَّيْطَانِ مَعَ يَدِ الرَّجُلِ وَالْجَارِيَةُ فِي يَدِي. قَالَ النَّوَوِيُّ ﵀: أَمَّا عَلَى رِوَايَةِ يَدِهَا بِالْإِفْرَادِ فَالضَّمِيرُ لِلْجَارِيَةِ وَهِيَ أَيْضًا مُسْتَقِيمَةٌ ; لِأَنَّ إِثْبَاتَهَا لَا يَنْفِي إِثْبَاتَ يَدِ الْأَعْرَابِيِّ، وَإِذَا صَحَّتِ الرِّوَايَةُ بِالْإِفْرَادِ وَجَبَ قَبُولُهَا وَتَأْوِيلُهَا، (زَادَ): أَيْ حُذَيْفَةُ أَوْ مُسْلِمٌ (فِي رِوَايَةٍ، ثُمَّ ذَكَرَ): أَيِ النَّبِيُّ - ﷺ - (اسْمَ اللَّهِ وَأَكَلَ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ) . وَكَذَا أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ.
[ ٧ / ٢٧٢٩ ]
٤٢٣٨ - وَعَنْ عَائِشَةَ - ﵂ - «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - أَرَادَ أَنْ يَشْتَرِيَ غُلَامًا فَأَلْقَى بَيْنَ يَدَيْهِ تَمْرًا فَأَكَلَ الْغُلَامُ، فَأَكْثَرَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: " إِنَّ كَثْرَةَ الْأَكْلِ شُؤْمٌ " وَأَمَرَ بِرَدِّهِ» . رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي " شُعَبِ الْإِيمَانِ ".
_________________
(١) (وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - أَرَادَ أَنْ يَشْتَرِيَ غُلَامًا، فَأَلْقَى بَيْنَ يَدَيْهِ تَمْرًا»): أَيْ كَثِيرًا («فَأَكَلَ الْغُلَامُ فَأَكْثَرَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: (إِنَّ كَثْرَةَ الْأَكْلِ شُؤْمٌ»): أَيْ وَصَاحِبُهُ مَشْؤُومٌ، وَالشُّؤْمُ بِالْهَمْزِ وَيُبَدَّلُ ضِدُّ الْيُمْنِ يَعْنِي: لِأَنَّ الْمُؤْمِنَ يَأْكُلُ فِي مِعًى وَالْكَافِرَ فِي سَبْعَةِ أَمْعَاءٍ، الْحَدِيثَ. (وَأَمَرَ بِرَدِّهِ): أَيْ إِلَى صَاحِبِهِ (رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي " شُعَبِ الْإِيمَانِ) .
[ ٧ / ٢٧٢٩ ]
٤٢٤٠ - وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: («إِذَا وُضِعَ الطَّعَامُ فَاخْلَعُوا نِعَالَكُمْ؟ فَإِنَّهُ أَرْوَحُ لِأَقْدَامِكُمْ») .
_________________
(١) (وَعَنْهُ): أَيْ عَنْ أَنَسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: (إِذَا وُضِعَ الطَّعَامُ): أَيْ لِأَكْلِكُمْ (فَاخْلَعُوا نِعَالَكُمْ، فَإِنَّهُ): أَيِ الْخَلْعَ (أَرْوَحُ): أَيْ أَكْثَرُ رَاحَةً (لِأَقْدَامِكُمْ) .
[ ٧ / ٢٧٣٠ ]
٤٢٤١ - «وَعَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ - ﵄: أَنَّهَا كَانَتْ إِذَا أَتَيْتُ بِثَرِيدٍ أَمَرَتْ بِهِ فَغُطِّيَ، حَتَّى تَذْهَبَ فَوْرَةُ دُخَانِهِ، وَتَقُولُ: إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يَقُولُ: هُوَ أَعْظَمُ لِلْبَرَكَةِ» . رَوَاهُمَا الدَّارِمِيُّ.
_________________
(١) (وَعَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ - ﵄ - أَنَّهَا كَانَتْ إِذَا أَتَيَتْ بِثَرِيدٍ): أَيْ مَثَلًا (أَمَرَتْ بِهِ فَغُطِّيَ، حَتَّى تَذْهَبَ فَوْرَةُ دُخَانِهِ): أَيْ غَلَيَانُ بُخَارِهِ، وَكَثْرَةُ حَرَارَتِهِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: وَحَتَّى لَيْسَتْ بِمَعْنَى " كَيْ "، بَلْ لِمُطْلَقِ الْغَايَةِ (وَتَقُولُ: إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يَقُولُ: هُوَ): أَيِ الذِّهَابُ الْمَذْكُورُ (أَعْظَمُ لِلْبَرَكَةِ): أَيْ لِحُصُولِهَا، وَفِي نُسْخَةٍ " أَعْظَمُ الْبَرَكَةِ " بِالْإِضَافَةِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: أَيْ عَظِيمُ الْبَرَكَةِ. وَالْأَظْهَرُ أَنَّ الْإِضَافَةَ بِمَعْنَى " اللَّامِ " لِتَتَوَافَقَ الرِّوَايَتَانِ. (رَوَاهُمَا الدَّارِمِيُّ) . وَرَوَى الْحَاكِمُ الْحَدِيثَ الْأَوَّلَ: وَفِي مَعْنَى الْحَدِيثِ الثَّانِي مَا فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: " «أَبْرِدُوا بِالطَّعَامِ، فَإِنَّ الْحَارَّ لَا بَرَكَةَ فِيهِ» ". رَوَاهُ الدَّيْلَمِيُّ فِي مُسْنَدِ الْفِرْدَوْسِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَالْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ عَنْ جَابِرٍ. وَعَنْ أَسْمَاءَ وَمُسَدَّدٌ عَنْ أَبِي يَحْيَى، وَالطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَأَبُو نُعَيْمٍ فِي الْحِلْيَةِ عَنْ أَنَسٍ، وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ مُرْسَلًا: «نَهَى عَنِ الطَّعَامِ الْحَارِّ حَتَّى يَبْرُدَ» .
[ ٧ / ٢٧٣٠ ]
٤٢٤٢ - وَعَنْ نُبَيْشَةَ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: («مَنْ أَكَلَ فِي قَصْعَةٍ، ثُمَّ لَحِسَهَا، تَقُولُ لَهُ الْقَصْعَةُ: " أَعْتَقَكَ اللَّهُ مِنَ النَّارِ كَمَا أَعْتَقْتَنِي مِنَ الشَّيْطَانِ» ". رَوَاهُ رَزِينٌ.
_________________
(١) (وَعَنْ نُبَيْشَةَ): مَرَّ ذِكْرُهُ قَرِيبًا - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: " مَنْ أَكَلَ فِي قَصْعَةٍ، ثُمَّ لَحِسَهَا): بِكَسْرِ الْحَاءِ، وَ" ثُمَّ " لِلتَّرَاخِي فِي الْمَرْتَبَةِ أَيْ لَحْسُهَا أَكْمَلُ مِنْ مُجَرَّدِ الْأَكْلِ مِنْهَا ; وَلِذَا عَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ: (تَقُولُ لَهُ الْقَصْعَةُ): بِلِسَانِ الْحَالِ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ بِلِسَانِ الْمَقَالِ (أَعْتَقَكَ اللَّهُ مِنَ النَّارِ كَمَا أَعْتَقْتَنِي مِنَ الشَّيْطَانِ): أَيْ مِنْ أَكْلِهِ أَوْ فَرَحِهِ (رَوَاهُ رَزِينٌ): وَقَدْ سَبَقَ فِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ وَأَحْمَدَ، وَابْنِ مَاجَهْ، وَالدَّارِمِيِّ: " اسْتَغْفَرَتْ لَهُ الْقَصْعَةُ ". رَوَى الطَّبَرَانِيُّ عَنِ الْعِرْبَاضِ وَلَفْظُهُ: " مَنْ «لَعِقَ الصَّحْفَةَ وَلَعِقَ أَصَابِعَهُ أَشْبَعَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ» .
[ ٧ / ٢٧٣٠ ]
٤٢٣٩ - وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: «سَيِّدُ إِدَامِكُمُ الْمِلْحُ» . رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ.
_________________
(١) (وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: («سَيِّدُ إِدَامِكُمُ الْمِلْحُ»): أَيْ لِأَنَّهُ أَقَلُّ مُؤْنَةً وَأَقْرَبُ إِلَى الْقَنَاعَةِ، وَمِنْ ثَمَّ اقْتَنَعَ بِهِ أَكْثَرُ الْعَارِفِينَ، فَلَا يُنَافِيهِ قَوْلُهُ - ﷺ: («سَيِّدُ الْإِدَامِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ اللَّحْمُ، وَسَيِّدُ الشَّرَابِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ الْمَاءُ. وَسَيِّدُ الرَّيَاحِينِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ الْفَاغِيَةُ») عَلَى مَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ، وَأَبُو نُعَيْمٍ فِي الطِّبِّ، وَالْبَيْهَقِيُّ عَنْ بُرَيْدَةَ، وَيُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ سِيَادَةُ الْمِلْحِ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ لَا يُلَذُّ الْعَيْشُ بِدُونِهِ خُبْزًا أَوْ طَعَامًا مَطْبُوخًا، وَأَمَّا غَيْرُهُ مِنَ الْأُدْمِ فَأَمْرٌ زَائِدٌ غَيْرُ ضَرُورِيٍّ، فَيَكُونُ فِيهِ تَنْبِيهٌ نَبِيهٌ عَلَى هَذِهِ النِّعْمَةِ الْعُظْمَى الَّتِي أَكْثَرُ النَّاسِ عَنْ مَعْرِفَتِهَا فَضْلًا عَنْ شُكْرِهَا غَافِلُونَ، يُنَاسِبُهُ كَلَامُ بَعْضِ أَرْبَابِ اللَّطَائِفِ: عَجِبْتُ - مِنَ النَّاسِ كَيْفَ يَبِيعُونَ الزَّعْفَرَانَ بِالْمِثْقَالِ وَالْمِلْحَ بِالْأَحْمَالِ! . (رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ): وَكَذَا الْحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ.
[ ٧ / ٢٧٣٠ ]