[ ٩ / ٣٦٧٠ ]
(كِتَابِ الْفَضَائِلِ)
(١) بَابُ فَضَائِلِ سَيِّدِ الْمُرْسَلِينَ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
٥٧٣٩ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: «بُعِثْتُ مِنْ خَيْرِ قُرُونِ بَنِي آدَمَ قَرْنًا فَقَرْنًا، حَتَّى كُنْتُ مِنَ الْقَرْنِ الَّذِي كُنْتُ فِيهِ» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
_________________
(١) بَابُ فَضَائِلِ سَيِّدِ الْمُرْسَلِينَ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ اعْلَمْ أَنَّ تَفْصِيلَ فَضَائِلِهِ، وَتَحْصِيلَ شَمَائِلِهِ - ﷺ - وَشَرَفٌ وَكَرَمٌ مِمَّا لَا يُحَدُّ وَلَا يُحْصَى، بَلْ وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُعَدَّ وَيُسْتَقْصَى، وَإِنَّمَا ذَكَرَ مُؤَلِّفُ الْكِتَابِ فِي هَذَا الْكِتَابِ الْبَابَ شَمْلَةً مِنْ شَمَائِلِهِ، وَلِمَّةً مِنْ فَضَائِلِهِ تَدُلُّ عَلَى بَقِيَّةِ خَصَائِلِهِ. الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
(٢) (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: كُنْتُ) أَيْ:؟ وُلِدْتُ (مِنْ خَيْرِ قُرُونِ بَنِي آدَمَ): اعْلَمْ أَنَّ مَعْنَى الْخَيْرِيَّةِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ، وَالْاصْطِفَائِيَّةِ فِي الَّذِي يَلِيهِ الْمَذْكُورَتَيْنِ فِي حَقِّ الْقَبَائِلِ، لَيْسَ بِاعْتِبَارِ الدِّيَانَةِ، بَلْ بِاعْتِبَارِ الْخَصَائِلِ الْحَمِيدَةِ وَالشَّمَائِلِ السَّعِيدَةِ. (قَرْنًا فَقَرْنًا): قِيلَ إِنَّهُ حَالٌ لِلتَّفْضِيلِ، وَالْفَاءُ فِيهِ لِلرَّتِيبِ فِي الْفَضْلِ عَلَى سَبِيلِ التَّرَقِّي مِنَ الْقَرْنِ السَّابِقِ إِلَى الْقَرْنِ اللَّاحِقِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: (حَتَّى كُنْتُ) أَيْ: صِرْتُ: (مِنَ الْقَرْنِ الَّذِي كُنْتُ مِنْهُ) أَيْ: وُجِدْتُ، وَالْقَرْنُ مِنَ النَّاسِ أَهْلُ زَمَانٍ وَاحِدٍ، وَقَدْ قَالَ - ﷺ: «خَيْرُ الْقُرُونِ قَرْنِي» وَفِي شَرْحِ السُّنَّةِ: الْقَرْنُ كُلُّ طَبَقَةٍ مُقْتَرِنِينَ فِي وَقْتٍ، قِيلَ: سُمِّيَ قَرْنًا لِأَنَّهُ يَقْرِنُ أُمَّةً بِأُمَّةٍ، وَعَالَمًا بِعَالَمٍ، وَهُوَ مَصْدَرُ قَرَنْتُ أَيْ: وَصَلْتُ وَجُعِلَ اسْمًا لِلْوَقْتِ أَوْ لِأَهْلِهِ. وَقِيلَ: الْقَرْنُ ثَمَانُونَ سَنَةً، وَقِيلَ أَرْبَعُونَ، وَقِيلَ مِائَةٌ اه. وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ هُوَ الْمُرَادُ هُنَا، فَالْمَعْنَى بُعِثْتُ مِنْ خَيْرِ طَبَقَاتِ بَنِي آدَمَ كَائِنِينَ طَبَقَةً بَعْدَ طَبَقَةٍ حَتَّى كُنْتُ مِنَ الْقَرْنِ الَّذِي كُنْتُ فِيهِ، فَفِيهِ تَفْضِيلُهُ عَلَى غَيْرِهِ مِنْ بَنِي آدَمَ، وَعَلَى تَفْضِيلِ أُمَّتِهِ عَلَى سَائِرِ الْأُمَمِ. قَالَ الطِّيبِيُّ قَوْلُهُ: حَتَّى كُنْتُ غَايَةَ قَوْلِهِ بُعِثْتُ، وَالْمُرَادُ بِالْبَعْثِ تَقَلُّبُهُ فِي أَصْلَابِ الْآبَاءِ أَبًا فَأَبًا قَرْنًا فَقَرْنًا، حَتَّى ظَهَرَ فِي الْقَرْنِ الَّذِي وُجِدَ فِيهِ، يَعْنِي انْتَقَلْتُ أَوَّلًا مَنْ صُلْبِ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ، ثُمَّ مِنْ كِنَانَةَ، ثُمَّ مِنْ قُرَيْشٍ، ثُمَّ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ، فَالْفَاءُ فِي قَوْلِهِ: " قَرْنًا " لِلتَّرْتِيبِ عَلَى سَبِيلِ التَّرَقِّي مِنَ الْآبَاءِ الْأَبْعَدِ إِلَى الْأَقْرَبِ فَالْأَقْرَبِ، كَمَا فِي قَوْلِكَ: خُذِ الْأَفْضَلَ فَالْأَكْمَلَ وَاعْمَلِ الْأَحْسَنَ وَالْأَجْمَلَ، وَفِي مَعْنَاهُ) أَنْشَدَ ابْنُ الرُّومِيِّ: كَمْ مِنْ أَبٍ قَدْ عَلَا بِابْنٍ ذُرَى شَرَفٍ كَمَا عَلَا بِرَسُولِ اللَّهِ عَدْنَانُ وَفِي قَوْلِنَا: حَتَّى ظَهَرَ فِي الْقَرْنِ الَّذِي وُجِدَ فِي نُسْخَتِهِ، لِمَا رَوَى الْإِمَامُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي كِتَابِ الْوَفَاءِ عَنْ كَعْبِ الْأَحْبَارِ قَالَ: لَمَّا أَرَادَ اللَّهُ ﷿ أَنْ يَخْلُقَ مُحَمَّدًا أَمَرَ جِبْرِيلَ ﵇، فَأَتَاهُ بِالْقَبْضَةِ الْبَيْضَاءِ الَّتِي هِيَ مَوْضِعُ قَبْرِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - فَعُجِنَتْ بِمَاءِ التَّسْنِيمِ فَغُمِسَتْ فِي أَنْهَارِ الْجَنَّةِ وَطَيَّفَهَا فِي السَّمَاوَاتِ، فَعَرَفَتِ الْمَلَائِكَةُ مُحَمَّدًا - ﷺ - قَبْلَ أَنْ يُعْرَفَ آدَمُ، ثُمَّ كَانَ نُورُ مُحَمَّدٍ يُرَى فِي غُرَّةِ جَبْهَةِ آدَمَ، وَقِيلَ لَهُ: يَا آدَمُ هَذَا سَيِّدُ وَلَدِكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ، فَلَمَّا حَمَلَتْ حَوَّاءُ بِشِيثَ انْتَقَلَ النُّورُ مِنْ آدَمَ إِلَى حَوَّاءَ، وَكَانَتْ تَلِدُ فِي كُلِّ بَطْنٍ وَلَدَيْنِ إِلَّا شَيْثًا، فَإِنَّهُ وَلَدَتْهُ وَحْدَهُ كَرَامَةً لِمُحَمَّدٍ - ﷺ - ثُمَّ لَمْ يَزَلْ يَنْتَقِلُ مِنْ طَاهِرٍ إِلَى طَاهِرٍ إِلَى أَنْ وَلَدَتْهُ آمِنَةُ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ اه. وَقَدْ ذُكِرَ مُجْمَلًا مِنْ أَحْوَالِ وِلَادَتِهِ - ﷺ - فِي رِسَالَةٍ سَمَّيْتُهَا، بِ (الْمَوْرِدِ فِي الْمَوْلِدِ) . (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) .
[ ٩ / ٣٦٧١ ]
٥٧٤٠ - وَعَنْ وَاثِلَةَ بْنِ الْأَسْقَعِ ﵁، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يَقُولُ: «إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى كِنَانَةَ مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ، وَاصْطَفَى قُرَيْشًا مِنْ كِنَانَةَ، وَاصْطَفَى مِنْ قُرَيْشٍ بَنَى هَاشِمٍ، وَاصْطَفَانِي مِنْ بَنِي هَاشِمٍ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَفِي رِوَايَةٍ لِلتِّرْمِذِيِّ: «إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى مِنْ وَلَدِ إِبْرَاهِيمَ إِسْمَاعِيلَ، وَاصْطَفَى مَنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ بَنِي كِنَانَةَ» .
_________________
(١) (وَعَنْ وَاثِلَةَ بْنِ الْأَسْقَعِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يَقُولُ: إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى كِنَانَةَ): بِكَسْرِ الْكَافِ. ابْنُ خُزَيْمَةَ أَبُو قَبِيلَةٍ كَذَا فِي الْقَامُوسِ (مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ): بِفَتْحِ الْوَاوِ وَاللَّامِ وَبِالضَّمِّ وَالسُّكُونِ أَيْ: مِنْ أَوْلَادِهِ (وَاصْطَفَى قُرَيْشًا مِنْ كِنَانَةَ) وَهُمْ أَوْلَادُ نَضْرِ بْنِ كِنَانَةَ، كَانُوا تَفَرَّقُوا فِي الْبِلَادِ، جَمَعَهُمْ قُصَيُّ بْنُ كِلَابٍ فِي مَكَّةَ، فَسُمُّوا قُرَيْشًا لِأَنَّهُ قَرَشَهُمْ أَيْ: جَمَعَهُمْ، وَلِكِنَانَةَ وَلَدٌ سِوَى النَّضْرُ، وَهُمْ لَا يُسَمَّوْنَ قُرَيْشًا لِأَنَّهُمْ لَمْ يُقْرَشُوا، (وَاصْطَفَى مِنْ قُرَيْشٍ بَنِي هَاشِمٍ، وَاصْطَفَانِي مِنْ بَنِي هَاشِمٍ): فِي شَرْحِ السُّنَّةِ: هُوَ أَبُو الْقَاسِمِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ هَاشِمِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ قُصَيِّ بْنِ كِلَابِ بْنِ مُرَّةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيِّ بْنِ غَالِبِ بْنِ فِهْرِ بْنِ مَالِكِ بْنِ النَّضِرِ بْنِ كِنَانَةَ بْنِ خُزَيْمَةَ بْنِ مِدْرِكَةَ بْنِ إِلْيَاسَ بْنِ النَّضِرِ بْنِ نِزَارِ بْنِ مَعْدِ بْنِ عَدْنَانَ. وَلَا يَصِحُّ حِفْظُ النَّسَبِ فَوْقَ عَدْنَانَ اه. وَقَدْ ضَبَطْتُ الْأَسْمَاءَ الْمَذْكُورَةَ فِي رِسَالَتِي الْمُسَمَّاةِ (الْمَسْطُورَةَ): (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) . وَكَذَا التِّرْمِذِيُّ عَلَى مَا فِي الْجَامِعِ.
[ ٩ / ٣٦٧١ ]
(وَفِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ) أَيْ: عَنْ وَاثِلَةَ أَيْضًا («إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى مِنْ وَلَدِ إِبْرَاهِيمَ إِسْمَاعِيلَ، وَاصْطَفَى مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ بَنِي كِنَانَةَ»): وَتَمَامُ الْحَدِيثِ عَلَى مَا فِي الْجَامِعِ: وَاصْطَفَى مِنْ بَنِي كِنَانَةَ قُرَيْشًا، وَاصْطَفَى مِنْ قُرَيْشٍ بَنِي هَاشِمٍ، وَاصْطَفَانِي مَنْ بَنِي هَاشِمٍ.
[ ٩ / ٣٦٧٢ ]
٥٧٤١ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ - ﷺ: «أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَأَوَّلُ مَنْ يَنْشَقُّ عَنْهُ الْقَبْرُ، وَأَوَّلُ شَافِعٍ، وَأَوَّلُ مُشَفَّعٍ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
_________________
(١) (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ)، فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ لِلنَّوَوِيِّ. قَالَ الْهَرَوِيُّ: السَّيِّدُ هُوَ الَّذِي يَفُوقُ قَوْمَهُ فِي الْخَيْرِ. وَقَالَ غَيْرُهُ: هُوَ الَّذِي يُفْزَعُ إِلَيْهِ فِي النَّوَائِبِ وَالشَّدَائِدِ، فَيَقُومُ بِأُمُورِهِمْ، وَيَتَحَمَّلُ عَنْهُمْ مَكَارِهَهُمْ وَيَدْفَعُهَا عَنْهُمْ، وَالتَّقْيِيدُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ مَعَ أَنَّهُ - ﷺ - سَيِّدُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ مَعْنَاهُ أَنَّهُ يَظْهَرُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ سُؤْدُدُهُ بِلَا مُنَازِعٍ وَلَا مُعَانِدٍ، بِخِلَافِ الدُّنْيَا، فَقَدْ نَازَعَهُ فِيهَا مُلُوكُ الْكُفَّارِ وَزُعَمَاءُ الْمُشْرِكِينَ، وَهُوَ قَرِيبٌ مِنْ مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [غافر: ١٦] مَعَ أَنَّ الْمُلْكَ لَهُ قَبْلَ ذَلِكَ، لَكِنْ كَانَ فِي الدُّنْيَا مَنْ يَدَّعِي الْمُلْكَ، أَوْ مَنْ يُضَافُ إِلَيْهِ مَجَازًا، فَانْقَطَعَ كُلُّ ذَلِكَ فِي الْآخِرَةِ، وَفِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى فَضْلِهِ - ﷺ - عَلَى كُلِّ الْخَلْقِ، لِأَنَّ مَذْهَبَ أَهْلِ السُّنَّةِ أَنَّ الْآدَمِيَّ أَفْضَلُ مِنَ الْمَلَائِكَةِ، وَهُوَ - ﷺ - أَفْضَلُ الْآدَمِيِّينَ بِهَذَا الْحَدِيثِ وَغَيْرِهِ. وَأَمَّا الْحَدِيثُ الْآخَرُ: «لَا تُفَضِّلُونِي بَيْنَ الْأَنْبِيَاءِ» فَجَوَابُهُ مِنْ خَمْسَةِ أَوْجُهٍ: أَحُدُهَا: أَنَّهُ - ﷺ - قَالَهُ قَبْلَ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّهُ سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ، وَالثَّانِي: قَالَهُ أَدَبًا وَتَوَاضُعًا. وَالثَّالِثُ: أَنَّ الْمَنْهِيَّ إِنَّمَا هُوَ عَنْ تَفْضِيلٍ يُؤَدِّي إِلَى تَنْقِيصِ الْمَفْضُولِ. وَالرَّابِعُ: إِنَّمَا نَهَى عَنْ تَفْضِيلٍ يُؤَدِّي إِلَى الْخُصُومَةِ وَالْفِتْنَةِ. وَالْخَامِسُ: أَنَّ النَّهْيَ مُخْتَصٌّ بِالتَّفْضِيلِ فِي نَفْسِ النُّبُوَّةِ وَلَا تَفَاضُلَ فِيهَا، وَإِنَّمَا التَّفَاضُلُ فِي الْخَصَائِصِ وَفَضَائِلَ أُخْرَى، وَلَا بُدَّ مِنِ اعْتِقَادِ التَّفْضِيلِ، فَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [البقرة: ٢٥٣] وَقَدْ قَالَ: ﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ﴾ [الإسراء: ٥٥] (وَأَوَّلُ مَنْ يَنْشَقُّ عَنْهُ الْقَبْرُ)، أَيْ: فَهُوَ أَوَّلُ مَنْ يُبْعَثَ مَنْ قَبْرِهِ وَيَحْضُرَ فِي الْمَحْشَرِ كَمَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ أَنَسٍ: «أَنَا أَوَّلُ النَّاسِ خُرُوجًا إِذَا بُعِثُوا، وَأَنَا خَطِيبُهُمْ إِذَا وَفَدُوا، وَأَنَا مُبَشِّرُهُمْ إِذَا أَيِسُوا، لِوَاءُ الْحَمْدِ يَوْمَئِذٍ بِيَدِي، وَأَنَا أَكْرَمُ وَلَدِ آدَمَ عَلَى رَبِّي وَلَا فَخْرَ» . وَفِي رِوَايَةٍ لِلتِّرْمِذِيِّ وَالْحَاكِمِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ «أَنَا أَوَّلُ مَنْ تَنْشَقُّ عَنْهُ الْأَرْضُ، ثُمَّ أَبُو بَكْرٍ، ثُمَّ عُمَرُ، ثُمَّ آتِي أَهْلَ الْبَقِيعِ فَيُحْشَرُونَ مَعِي، ثُمَّ أَنْتَظِرُ أَهْلَ مَكَّةَ» . وَفِي رِوَايَةٍ لِلتِّرْمِذِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَا أَوَّلُ مَنْ تَنْشَقُّ عَنْهُ الْأَرْضُ فَأُكْسَى حُلَّةً مِنْ حُلَلِ الْجَنَّةِ، ثُمَّ أَقُومُ عَنْ يَمِينِ الْعَرْشِ لَيْسَ أَحَدٌ مِنَ الْخَلَائِقِ يَقُومُ ذَلِكَ الْمَقَامَ غَيْرِي» (وَأَوَّلُ مُشَفَّعٍ) أَيْ: فِي ذَلِكَ الْمَحْضَرِ، (وَأَوَّلُ مُشَفَّعٍ): بِتَشْدِيدِ الْفَاءِ الْمَفْتُوحَةِ أَيْ: أَوَّلُ مَنْ تُقْبَلُ شَفَاعَتُهُ عَلَى الْإِطْلَاقِ فِي أَنْوَاعِ الشَّفَاعَاتِ، وَفِيهِ دَلِيلٌ أَيْضًا عَلَى أَنَّهُ - ﷺ - أَفْضَلُ الْمَخْلُوقَاتِ وَأَكْمَلُ الْمَوْجُودَاتِ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) . وَكَذَا أَبُو دَاوُدَ، وَفِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ، وَالتِّرْمِذِيِّ، وَابْنِ مَاجَهْ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ: «أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا فَخْرَ، وَأَنَا أَوَّلُ مَنْ تَنْشَقُّ عَنْهُ الْأَرْضُ وَلَا فَخْرَ، وَبِيَدِي لِوَاءُ الْحَمْدِ وَلَا فَخْرَ، وَمَا مِنْ نَبِيٍّ يَوْمَئِذٍ آدَمُ فَمَنْ سِوَاهُ إِلَّا تَحْتَ لِوَائِي، وَأَنَا أَوَّلُ شَافِعٍ وَأَوَّلُ مُشَفَّعٍ وَلَا فَخْرَ» .
[ ٩ / ٣٦٧٢ ]
٥٧٤٢ - وَعَنْ أَنَسٍ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: «أَنَا أَكْثَرُ الْأَنْبِيَاءِ تَبَعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَأَنَا أَوَّلُ مَنْ يَقْرَعُ بَابَ الْجَنَّةِ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
_________________
(١) (عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: «أَنَا أَكْثَرُ الْأَنْبِيَاءِ تَبَعًا»): بِفَتْحَتَيْنِ جَمْعُ تَابِعٍ أَيْ: أَتْبَاعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، لِأَنَّ أُمَّتَهُ ثُلُثَا أَهْلِ الْجَنَّةِ عَلَى مَا سَبَقَ فِي الْحَدِيثِ، وَفِيهِ إِشْعَارٌ بِأَنَّ أَكْثَرِيَّةَ الْأَتْبَاعِ تُوجِبُ أَفْضَلِيَّةَ الْمَتْبُوعِ، وَكَذَلِكَ الْإِمَامُ عَاصِمٌ مِنْ بَيْنِ الْقُرَّاءِ، فَأَبُو حَنِيفَةَ - ﵀ - لَهُ حَظٌّ عَظِيمٌ وَنَصِيبٌ جَسِيمٌ مِنْ ذَلِكَ، فَإِنَّ غَالِبَ أَهْلِ الْإِسْلَامِ مِنْ أَتْبَاعِهِ فِي فُرُوعِ الْأَحْكَامِ. (وَأَنَا أَوَّلُ مَنْ يَقْرَعُ): بِفَتْحِ الرَّاءِ أَيْ: يَدُقُّ وَيَسْتَفْتِحُ (بَابَ الْجَنَّةِ) أَيْ:؟ فَيُفْتَحُ لَهُ مَدْخَلُهَا (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) . وَرَوَى ابْنُ النَّجَّارِ، عَنْ أَنَسٍ أَيْضًا «أَنَا أَوَّلُ مَنْ يَدُقُّ بَابَ الْجَنَّةِ فَلَمْ تَسْمَعِ الْآذَانُ أَحْسَنَ مِنْ طَنِينِ الْحَلْقِ عَلَى تِلْكَ الْمَصَارِيعِ» .
[ ٩ / ٣٦٧٢ ]
٥٧٤٣ - وَعَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: «آتِي بَابَ الْجَنَّةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَأَسْتَفْتِحُ، فَيَقُولُ الْخَازِنُ: مَنْ أَنْتَ؟ فَأَقُولُ مُحَمَّدٌ. فَيَقُولُ: بِكَ أُمِرْتُ أَنْ لَا أَفْتَحَ لِأَحَدٍ قَبْلَكَ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
_________________
(١) (وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: آتِي) أَيْ: أَجِيءُ (بَابَ الْجَنَّةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَسْتَفْتِحُ)، أَيْ: أَطْلُبُ فَتْحَهُ (فَيَقُولُ الْخَازِنُ: مَنْ أَنْتَ)؟ سُمِّيَ الْمُوَكَّلُ لِحِفْظِ الْجَنَّةِ خَازِنًا لِأَنَّ الْجَنَّةَ خَزَانَةُ اللَّهِ تَعَالَى أَعَدَّهَا اللَّهُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَهُوَ حَافِظُهَا (فَأَقُولُ مُحَمَّدٌ) أَيْ: أَنَا مُحَمَّدٌ (فَيَقُولُ: بِكَ) أَيْ: بِفَتْحِ الْبَابِ لَكَ قَبْلَ غَيْرِكَ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ (أُمِرْتُ أَنْ لَا أَفْتَحَ لِأَحَدٍ قَبْلَكَ): قَالَ الطِّيبِيُّ: بِكَ مُتَعَلِّقٌ بِ " أُمِرْتُ " وَالْبَاءُ لِلسَّبَبِيَّةِ قُدِّمَتْ لِلتَّخْصِيصِ، وَالْمَعْنَى بِسَبَبِكَ أُمِرْتُ أَنْ لَا أَفْتَحَ لِغَيْرِكَ لَا بِشَيْءٍ آخَرَ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ صِلَةَ الْفِعْلِ، وَأَنْ لَا أَفْتَحَ بَدَلًا مِنَ الضَّمِيرِ الْمَجْرُورِ، أَيْ: أُمِرْتُ بِأَنْ لَا أَفْتَحَ لِأَحَدٍ غَيْرَكَ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
[ ٩ / ٣٦٧٣ ]
٥٧٤٤ - وَعَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: «أَنَا أَوَّلُ شَفِيعٍ فِي الْجَنَّةِ لَمْ يُصَدَّقْ نَبِيٌّ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ مَا صُدِّقْتُ، وَإِنَّ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ نَبِيًّا مَا صَدَّقَهُ مِنْ أُمَّتِهِ إِلَّا رَجُلٌ وَاحِدٌ» . رَوَاهُ مُسْلِمٍ.
_________________
(١) (وَعَنْهُ) أَيْ: عَنْ أَنَسٍ ﵁ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: «أَنَا أَوَّلُ شَفِيعٍ فِي الْجَنَّةِ»): قَالَ الْمُظْهِرُ أَيْ: أَنَا أَوَّلُ شَافِعٍ لِلْعُصَاةِ مِنْ أُمَّتِي فِي دُخُولِ الْجَنَّةِ، وَقِيلَ أَيْ: أَنَا أَوَّلُ شَافِعٍ فِي الْجَنَّةِ لِرَفْعِ دَرَجَاتِ النَّاسِ فِيهَا لَمْ يُصَدَّقْ نَبِيٌّ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ مَا صُدِّقْتُ): مَا: مَصْدَرِيَّةٌ أَيْ: يُصَدَّقُ نَبِيٌّ تَصْدِيقًا مِثْلَ تَصْدِيقِ أُمَّتِي إِيَّايَ يَعْنِي بِهِ كَثْرَةَ مُصَدِّقِيهِ. قَالَ الْمُظْهِرُ: وَهَذَا كِنَايَةٌ عَنْ أَنَّهُ - ﷺ - أَكْثَرُ الْأَنْبِيَاءِ أُمَّةً، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ: («وَإِنَّ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ نَبِيًّا مَا صَدَّقَهُ مِنْ أُمَّتِهِ إِلَّا رَجُلٌ وَاحِدٌ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
[ ٩ / ٣٦٧٣ ]
٥٧٤٥ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: «مَثَلِي وَمَثَلُ الْأَنْبِيَاءِ كَمَثَلِ قَصْرٍ أُحْسِنَ بُنْيَانُهُ تُرِكَ فِيهِ مَوْضِعُ لَبِنَةٍ، فَطَافَ بِهِ النُّظَّارُ، يَتَعَجَّبُونَ مِنْ حُسْنِ بِنَائِهِ، إِلَّا مَوْضِعَ تِلْكَ اللَّبِنَةِ، فَكُنْتُ أَنَا سَدَدْتُ مَوْضِعَ اللَّبِنَةِ، خُتِمَ بِيَ الْبُنْيَانُ وَخُتِمَ بِي الرُّسُلُ وَفِي رِوَايَةٍ: فَأَنَا اللَّبِنَةُ، وَأَنَا خَاتَمُ النَّبِيِّينَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
_________________
(١) (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: مَثَلِي) أَيْ:، صِفَتِي الْعَجِيبَةُ الشَّأْنِ الْغَرِيبَةُ الْبُرْهَانِ (وَمَثَلُ الْأَنْبِيَاءِ) أَيْ: مِنَ الْإِخْوَانِ الْمُشْتَرِكِينَ فِي أَسَاسِ الْبُنْيَانِ مِنَ التَّوْحِيدِ وَتَحْقِيقِ الْإِيمَانِ وَتَدْقِيقِ الْإِيقَانِ مِمَّا يُوجِبُ مَرْتَبَةَ الْقُرْبِ وَالْإِحْسَانِ (كَمَثَلِ قَصْرٍ) أَيْ: بِنَاءٍ مُرْتَفِعٍ (أُحْسِنَ بُنْيَانُهُ) أَيْ: زُيِّنَ بِنَاءُ أَرْكَانِهِ (تُرِكَ مِنْهُ) أَيْ: مِنَ الْقَصْرِ (مَوْضِعُ لَبِنَةٍ): وَالْجُمْلَةُ اسْتِئْنَافُ بَيَانٍ أَوْ حَالٌ بِتَقْدِيرِ قَدْ أَوْ بِدُونِهِ (فَطَافَ بِهِ النُّظَّارُ): بِضَمِّ النُّونِ وَتَشْدِيدِ الْفَاءِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ: دَارَ بِهِ الْحَاضِرُونَ، وَتَفَرَّجَ فِي جَوَانِبِهِ النَّاظِرُونَ (يَتَعَجَّبُونَ مِنْ حُسْنِ بُنْيَانِهِ) أَيْ: يَسْتَحْسِنُونَ أَنْوَاعَ أَرْكَانِهِ (إِلَّا مَوْضِعَ تِلْكَ اللَّبِنَةِ)، فَإِنَّهُ خَارِجٌ عَنْ مَوْضِعِ الِاسْتِحْسَانِ دَاخِلٌ فِي مَوْضِعِ الِاسْتِغْرَابِ فِي ذَلِكَ الشَّأْنِ (فَكُنْتُ) أَيْ: فَصِرْتُ (أَنَا): ضَمِيرُ فَصْلٍ لِلتَّأْكِيدِ وَإِفَادَةِ الْحَصْرِ عَلَى وَجْهِ التَّأْبِيدِ (سَدَدْتُ مَوْضِعَ اللَّبِنَةِ)، أَيْ: لِكَوْنِي خَاتَمَ النَّبِيِّينَ (وَخُتِمَ بِيَ الْبُنْيَانُ): حَالٌ أَوِ اسْتِئْنَافُ بَيَانٍ وَالْمُرَادُ بِهِ بُنْيَانُ الدِّينِ الْمُشَبَّهِ بِذَلِكَ الْبُنْيَانِ (وَخُتِمَ بِيَ الرُّسُلُ) . الظَّاهِرُ أَنَّهُمْ هُنَا بِمَعْنَى الْأَنْبِيَاءِ أَمَّا عَلَى الْقَوْلِ بِالتَّرَادُفِ أَوْ بِاعْتِبَارِ التَّجْرِيدِ لِأَنَّ الرَّسُولَ نَبِيٌّ أُمِرَ بِالتَّبْلِيغِ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: وَفِي رِوَايَةٍ: فَأَنَا اللَّبِنَةُ، وَأَنَا خَاتَمُ النَّبِيِّينَ): بِكَسْرِ التَّاءِ وَيُفْتَحُ، فِيهِ إِيمَاءٌ إِلَى مَا وَرَدَ عَنْهُ - ﷺ: بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ مَكَارِمَ الْأَخْلَاقِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: هَذَا مِنَ التَّشْبِيهِ التَّمْثِيلِيِّ شَبَّهَ الْأَنْبِيَاءَ وَمَا بُعِثُوا مِنَ الْهُدَى وَالْعِلْمِ، وَإِرْشَادَهُمُ النَّاسَ إِلَى مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ بِقَصْرٍ شُيِّدَ بُنْيَانُهُ وَأُحْسِنَ بِنَاؤُهُ، لَكِنْ تُرِكَ مِنْهُ مَا يُصْلِحُهُ، وَمَا يَسُدُّ خَلَلَهُ مِنَ اللَّبِنَةِ، فَبُعِثَ نَبِيًّا لِسَدِّ ذَلِكَ الْخَلَلِ مَعَ مُشَارَكَتِهِ إِيَّاهُمْ فِي تَأْسِيسِ الْقَوَاعِدِ وَرَفْعِ الْبُنْيَانِ، هَذَا عَلَى أَنْ يَكُونَ الِاسْتِثْنَاءُ مُنْقَطِعًا، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُتَّصِلًا مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى، إِذْ حَاصِلُ الْمَعْنَى تَعَجُّبُهُمُ الْمَوَاضِعَ إِلَّا مَوْضِعَ تِلْكَ اللَّبِنَةِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ الْمُصْلِحَ إِلَّا مَا اخْتُصَّ بِهِ مِنْ مَعْنَى الْمَحَبَّةِ وَحَقِّ الْحَقِيقَةِ الَّذِي يَعْتَنِيهِ أَهْلُ الْعِرْفَانِ، وَقَوْلُهُ: أَنَا سَدَدْتُ مَوْضِعَ اللَّبِنَةِ، يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ هُوَ السَّادَّ بِلَبِنَةِ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ، وَأَنْ يَسُدَّهُ بِنَفْسِهِ، وَيَكُونَ بِمَنْزِلَةِ اللَّبِنَةِ، وَيُؤَيِّدُ هَذِهِ الرِّوَايَةُ الْأُخْرَى مِنْ قَوْلِهِ: فَأَنَا اللَّبِنَةُ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
[ ٩ / ٣٦٧٣ ]
٥٧٤٦ - وَعَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: «مَا مِنَ الْأَنْبِيَاءِ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا قَدْ أُعْطِيَ مِنَ الْآيَاتِ مَا مِثْلُهُ آمَنَ عَلَيْهِ الْبَشَرُ، وَإِنَّمَا كَانَ الَّذِي أُوتِيتُ وَحْيًا أَوْحَى اللَّهُ إِلَيَّ، وَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَكْثَرَهُمْ تَابِعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
_________________
(١) (وَعَنْهُ) أَيْ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: مَا مِنَ الْأَنْبِيَاءِ مِنْ نَبِيٍّ): زِيدَ مِنَ الثَّانِيَةِ لِلْمُبَالَغَةِ، وَالْأُولَى لِلتَّبْعِيضِ، وَالْمَعْنَى لَيْسَ نَبِيٌّ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ (إِلَّا قَدْ): وَفِي الْجَامِعِ: إِلَّا وَقَدْ (أُعْطِيَ مِنَ الْآيَاتِ) أَيِ: الْمُعْجِزَاتِ وَخَوَارِقِ الْعَادَاتِ وَمِنْ: بَيَانٌ لِمَا فِي قَوْلِهِ: (مَا مِثْلُهُ آمَنَ عَلَيْهِ الْبَشَرُ): وَهِيَ مَوْصُولَةٌ. وَمِثْلُهُ: مُبْتَدَأٌ. وَآمَنَ: خَبَرُهُ، وَعَلَيْهِ يَتَعَلَّقُ بِآمَنَ لِتَضَمُّنِهِ مَعْنَى الِاطِّلَاعِ، كَأَنَّهُ قَالَ: آمَنَ لِلِاطِّلَاعِ عَلَيْهِ الْبَشَرُ، أَوْ بِحَالٍ مَحْذُوفٍ أَيْ: آمَنَ الْبَشَرُ وَاقِفًا أَوْ مُطَّلِعًا عَلَيْهِ، وَالْمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ، وَالْمَعْنَى أَنَّ كُلَّ نَبِيٍّ قَدْ أُعْطِيَ مِنَ الْمُعْجِزَاتِ مَا إِذَا شُوهِدَ وَاطُّلِعَ عَلَيْهِ دَعَا الشَّاهِدَ إِلَى تَصْدِيقِهِ، فَإِذَا انْقَطَعَ زَمَانُهُ انْقَطَعَتْ تِلْكَ الْمُعْجِزَاتُ، هَذَا خُلَاصَةُ كَلَامِ بَعْضِ الشُّرَّاحِ مِنْ عُلَمَائِنَا. وَقَالَ الطِّيبِيُّ، مِنْ: فِيهِ بَيَانِيَّةٌ، وَمِنْ: الثَّانِيَةُ زَائِدَةٌ تُزَادُ بَعْدَ النَّفْيِ وَمَا: فِي (مَا مِثْلُهُ) مَوْصُولَةٌ وَقَعَتْ مَفْعُولًا ثَانِيًا لَأَعْطَى، وَمِثْلُهُ مُبْتَدَأٌ. وَآمَنَ خَبَرُهُ، وَالْجُمْلَةَ صِلَةُ الْمَوْصُولِ، وَالرَّاجِعُ إِلَى الْمَوْصُولِ ضَمِيرُ الْمَجْرُورِ فِي عَلَيْهِ، وَهُوَ حَالٌ أَيْ مَغْلُوبًا عَلَيْهِ فِي التَّحَدِّي وَالْمُبَارَاةِ، وَالْمُرَادُ بِالْآيَاتِ الْمُعْجِزَاتُ، وَمُوقِعُ الْمِثْلِ هُنَا مَوْقِعُهُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾ [البقرة: ٢٣] أَيْ: مِمَّا هُوَ عَلَى صِفَتِهِ فِي الْبَيَانِ الْغَرِيبِ وَعُلُوِّ الطَّبَقَةِ فِي حُسْنِ النَّظْمِ، يَعْنِي لَيْسَ نَبِيٌّ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ إِلَّا قَدْ أَعْطَاهُ اللَّهُ تَعَالَى مِنَ الْمُعْجِزَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى نُبُوَّتِهِ الشَّيْءَ الَّذِي مِنْ صِفَتِهِ أَنَّهُ إِذَا شُوهِدَ اضْطُرَّ الشَّاهِدُ إِلَى الْإِيمَانِ بِهِ، وَتَحْرِيرُهُ أَنَّ كُلَّ نَبِيٍّ اخْتُصَّ بِمَا يُثْبِتُ دَعْوَاهُ مِنْ خَارِقِ الْعَادَاتِ بِحَسْبِ زَمَانِهِ، فَإِذَا انْقَطَعَ زَمَانُهُ انْقَطَعَتْ تِلْكَ الْمُعْجِزَةُ، كَقَلْبِ الْعَصَا ثُعْبَانًا فِي زَمَانِ مُوسَى ﵇، وَإِخْرَاجِ الْيَدِ الْبَيْضَاءِ لِأَنَّ الْغَلَبَةَ فِي زَمَنِهِ لِلسِّحْرِ، فَأَتَاهُمْ بِمَا هُوَ فَوْقَ السِّحْرِ، وَاضْطَرَّهُمْ إِلَى الْإِيمَانِ. وَفِي زَمَنِ عِيسَى ﵇ الطِّبُّ، فَأَتَاهُمْ بِمَا هُوَ أَعْلَى مِنَ الطِّبِّ، وَهُوَ إِحْيَاءُ الْمَوْتَى وَإِبْرَاءُ الْأَكْمَهِ وَالْأَبْرَصِ، وَفِي زَمَنِ رَسُولِنَا الْبَلَاغَةُ وَالْفَصَاحَةُ، فَجَاءَ الْقُرْآنُ وَأَبْطَلَ الْكُلَّ اه. وَفِيهِ تَأَمُّلٌ مِنْ جِهَةِ قَوْلِهِ: أَبْطَلَ الْكُلَّ، فَالصَّوَابُ أَنْ يُقَالَ: فَجَاءَ الْقُرْآنُ مُعْجِزَةً مُشْتَهِرَةً دَائِمَةً إِلَى انْقِرَاضِ الزَّمَانِ، بَلْ أَبَدَ الْآبَادِ، لِمَا يُتْلَى فِي دَرَجَاتِ الْجِنَانِ، بَلْ يُسْمَعُ مِنْ كَلَامِ الرَّحْمَنِ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ: (وَإِنَّمَا كَانَ الَّذِي أُوتِيتُ): وَفِي الْجَامِعِ: أُوتِيتُهُ وَالْمَوْصُولُ صِفَةٌ لِمَحْذُوفٍ أَيْ: كَانَ خَرْقُ الْعَادَةِ الَّذِي أُعْطِيتُهُ بِالْخُصُوصِ (وَحْيًا) أَيْ: كَلَامًا مُنَزَّلًا عَلَيَّ نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (أَوْحَى اللَّهُ إِلَيَّ) أَيْ: لَا غَيْرِهِ، فَالْمُرَادُ بِالْوَحْيِ هُنَا الْقُرْآنُ الَّذِي هُوَ نَفْسُهُ دَعْوَةٌ، وَفِي نَظْمِهِ مُعْجِزَةٌ، وَهُوَ لَا يَنْقَرِضُ بِمَوْتِهِ كَمَا تَنْقَرِضُ مُعْجِزَاتُ غَيْرِهِ. قَالَ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ أَيْ: مُعْظَمُ الَّذِي أُوتِيتُ وَأَفْيَدُهُ إِذْ كَانَ لَهُ غَيْرَ ذَلِكَ مُعْجِزَاتٌ مِنْ جِنْسِ مَا أُوتِيتُهُ غَيْرُهُ، وَالْمُرَادُ بِالْوَحْيِ الْقُرْآنُ الْبَالِغُ أَقْصَى غَايَةِ الْإِعْجَازِ فِي النَّظْمِ وَالْمَعْنَى، وَهُوَ أَكْثَرُ فَائِدَةً وَأَعَمُّ مَنْفَعَةً مِنْ سَائِرِ الْمُعْجِزَاتِ، فَإِنَّهُ يَشْتَمِلُ عَلَى الدَّعَوَاتِ وَالْحُجَّةِ، وَيَسْتَمِرُّ عَلَى مَرِّ الدُّهُورِ وَالْأَعْصَارِ، وَيَنْتَفِعُ بِهِ الْحَاضِرُونَ عِنْدَ الْوَحْيِ، الْمُشَاهِدُونَ لَهُ، وَالْغَائِبُونَ عَنْهُ، وَالْمَوْجُودُونَ بَعْدَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ عَلَى السَّوَاءِ، وَلِذَلِكَ رُتِّبَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: (فَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَكْثَرَهُمْ تَابِعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ): وَقَدْ حَقَّقَ اللَّهُ رَجَاءَهُ كَمَا تَقَدَّمَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) . وَرَوَاهُ أَحْمَدُ.
[ ٩ / ٣٦٧٤ ]
٥٧٤٧ - وَعَنْ جَابِرٍ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: «أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ قَبْلِي: نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ، وَجُعِلَتْ لِيَ الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا فَأَيُّمَا رَجُلٍ مِنْ أُمَّتِي أَدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ فَلْيُصَلِّ، وَأُحِلَّتْ لِيَ الْغَنَائِمُ وَلَمْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ قَبْلِي، وَأَعْطِيتُ الشَّفَاعَةَ، وَكَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ عَامَّةً» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
_________________
(١) (وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: أُعْطِيتُ خَمْسًا أَيْ: مِنَ الْخَصَائِلِ وَالْفَضَائِلِ (لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ قَبْلِي) أَيْ: مِنَ الْأَنْبِيَاءِ فَمِنَ الْمُحَالِ أَنْ يُعْطَى أَحَدٌ بَعْدَهُ مِنَ الْأَوْلِيَاءِ (نُصِرْتُ) أَيْ: نَصَرَنِي رَبِّي عَلَى أَعْدَائِي (بِالرُّعْبِ): بِضَمٍّ فَسُكُونٍ وَبِضَمَّتَيْنِ أَيْ بِخَوْفِ الْعَدُوِّ مِنِّي (مَسِيرَةَ) أَيْ: فِي قَدْرِ مَسِيرَةِ.
[ ٩ / ٣٦٧٤ ]
شَهْرٍ بَيْنِي وَبَيْنَهُ مِنْ قُدَّامٍ أَوْ وَرَاءٍ، وَفِي شَرْحِ الطِّيبِيِّ الرُّعْبُ الْفَزَعُ وَالْخَوْفُ، وَقَدْ أَوْقَعَ اللَّهُ تَعَالَى فِي قُلُوبِ أَعْدَاءِ النَّبِيِّ - ﷺ - الْخَوْفَ مِنْهُ، فَإِذَا كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ مَسِيرَةَ شَهْرٍ هَابُوا وَفَزِعُوا مِنْهُ (وَجُعِلَتْ لِيَ الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا): فِي شَرْحِ السُّنَّةِ: أَرَادَ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ لَمْ تُبَحْ لَهُمُ الصَّلَاةُ إِلَّا فِي بِيَعِهِمْ وَكَنَائِسِهِمْ، وَأَبَاحَ اللَّهُ ﷿ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ الصَّلَاةَ حَيْثُ كَانُوا تَخْفِيفًا عَلَيْهِمْ وَتَيْسِيرًا، ثُمَّ خَصَّ مِنْ جَمِيعِ الْمَوَاضِعِ: الْحَمَّامَ وَالْمَقْبَرَةَ وَالْمَكَانَ النَّجِسَ، وَقَوْلُهُ طَهُورًا أَرَادَ بِهِ التَّيَمُّمَ اه. وَفِي الْحَمَّامِ وَالْمَقْبَرَةِ تَفْصِيلٌ قَدَّمْنَاهُ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ أَنَّهُمْ كَانُوا لَا يُصَلُّونَ إِلَّا فِيمَا تَيَقَّنُوا طَهَارَتَهُ مِنَ الْأَرْضِ، وَخُصِصْنَا بِجَوَازِ الصَّلَاةِ فِي جَمِيعِ الْأَرْضِ إِلَّا فِيمَا تَيَقَّنَا نَجَاسَتَهُ، ثُمَّ صَرَّحَ بِعُمُومِ هَذَا الْحُكْمِ وَفَرَّعَ عَلَى مَا قَبْلَهُ بِقَوْلِهِ: (فَأَيُّمَا رَجُلٍ) أَيْ: شَخْصٍ (مِنْ أُمَّتِي أَدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ) أَيْ: وَجَبَتْ عَلَيْهِ وَدَخَلَ وَقْتُهَا فِي أَيِّ مَوْضِعٍ (فَلْيُصَلِّ) أَيْ: فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ بِشُرُوطِهِ الْمُعْتَبَرَةِ فِي صِحَّةِ الصَّلَاةِ (وَأُحِلَّتْ لِيَ الْمَغَانِمُ) أَيِ: الْغَنَائِمُ وَهِيَ الْأَمْوَالُ الْمَأْخُوذَةُ مِنَ الْكُفَّارِ (وَلَمْ تَحِلَّ): وَفِي نُسْخَةٍ: بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيْ: لَمْ تُبَحِ الْغَنَائِمُ (لِأَحَدٍ قَبْلِي) أَيْ: مِنَ الْأَنْبِيَاءِ، بَلْ غَنَائِمُهُمْ تُوضَعُ فَتَأْتِي نَارٌ تَحْرِقُهَا، هَكَذَا أَطْلَقَهُ بَعْضُ الشُّرَّاحِ - مِنْ عُلَمَائِنَا، وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ أَيْ: مِنْ قَبْلِنَا مِنَ الْأُمَمِ إِذَا غَنِمُوا الْحَيَوَانَاتِ يَكُونُ مِلْكًا لِلْغَانِمِينَ دُونَ الْأَنْبِيَاءِ، فَخُصَّ نَبِيُّنَا - ﷺ - بِأَخْذِ الْخُمُسِ وَالصَّفِيُّ، وَإِذَا غَنِمُوا الْحَيَوَانَاتِ غَيْرَهَا جَمَعُوهُ فَتَأْتِي نَارٌ فَتَحْرِقُهُ. أَقُولُ: وَلَعَلَّ الْحِكْمَةَ فِي إِحْرَاقِ الْغَنِيمَةِ تَحْصِيلُ تَحْسِينِ النِّيَّةِ وَتَزْيِينُ الطَّوِيَّةِ فِي مَرْتَبَةِ الْإِخْلَاصِ فِي الْجِهَادِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالْعِبَادِ وَرَءُوفٌ بِالْعِبَادِ. (وَأُعْطِيتُ الشَّفَاعَةَ): الْ فِيهِ لِلْعَهْدِ أَيِ: الشَّفَاعَةَ الْعَامَّةَ لِلْإِرَاحَةِ مِنَ الْمَحْشَرِ الْمُعَبَّرَ عَنْهَا بِالْمَقَامِ الْمَحْمُودِ الَّذِي يَغْبِطُهُ عَلَيْهِ الْأَوَّلُونَ وَالْآخِرُونَ (وَكَانَ النَّبِيُّ) أَيِ: اللَّامُ فِيهِ لِلِاسْتِغْرَاقِ أَيْ: وَكَانَ كُلُّ نَبِيٍّ مِنْ قَبْلِي (يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ) أَيْ: إِلَى أَقْوَامٍ مُخْتَلِفَةٍ مِنْهُمْ غَيْرَ مُخْتَصٍّ بِقَوْمٍ مِنَ الْعَرَبِ (عَامَّةً) أَيْ: شَامِلَةً لِلْعَرَبِ وَالْعَجَمِ.
قَالَ الطِّيبِيُّ: التَّعْرِيفُ فِي النَّبِيِّ لِاسْتِغْرَاقِ الْجِنْسِ، وَهُوَ أَشْمَلُ مِنْ لَوْ جُمِعَ لِمَا تَقَرَّرَ فِي عِلْمِ الْمَعَانِي أَنَّ اسْتِغْرَاقَ الْمُفْرَدِ أَشْمَلُ مِنِ اسْتِغْرَاقِ الْجَمْعِ، لِأَنَّ الْجِنْسِيَّةَ فِي الْمُفْرَدِ قَائِمَةٌ فِي وِجْدَانِهِ فَلَا يَخْرُجُ مِنْهُ شَيْءٌ. وَفِي الْجَامِعِ فِيمَا فِيهِ الْجِنْسِيَّةُ مِنَ الْمَجْمُوعِ، فَيَخْرُجُ مِنْهُ وَاحِدٌ أَوِ اثْنَانِ عَلَى الْخِلَافِ فِي أَنَّ أَقَلَّ الْجَمْعِ اثْنَانِ أَوْ ثَلَاثَةٌ اه. وَقِيلَ: اللَّامُ فِيهِ لِلْجِنْسِ عِنْدَ النَّحْوِيِّينَ وَلِلْعَهْدِ عِنْدَ الْأُصُولِيِّينَ، وَهُوَ لِبَيَانِ الْمَاهِيَةِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالذَّهَبِيِّ لَا لِتَعْيِينِ الذَّاتِ وَتِلْكَ الْمَاهِيَةُ هِيَ النُّبُوَّةُ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ): وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَفِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ: «أُعْطِيتُ مَا لَمْ يُعْطَهُ أَحَدٌ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ قَبْلِي، نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ، وَأَعْطِيتُ مَفَاتِيحَ الْأَرْضِ»، وَسُمِّيتُ أَحْمَدَ، وَجُعِلَ لِيَ التُّرَابُ طَهُورًا، وَجُعِلَتْ أُمَّتِي خَيْرَ الْأُمَمِ. وَرَوَى الْحَارِثُ وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أَنَسٍ، وَلَفْظُهُ: «أُعْطِيتُ ثَلَاثَ خِصَالٍ: أُعْطِيتُ صَلَاةً فِي الصُّفُوفِ، وَأُعْطِيتُ السَّلَامَ وَهُوَ تَحِيَّةُ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَأُعْطِيتُ آمِينَ وَلَمْ يُعْطَهَا أَحَدٌ مِمَّنْ كَانَ قَبْلَكُمْ إِلَّا أَنْ يَكُونَ اللَّهُ أَعْطَاهَا هَارُونَ فَإِنَّ مُوسَى كَانَ يَدْعُو وَيُؤَمِّنُ هَارُونُ» .
[ ٩ / ٣٦٧٥ ]
٥٧٤٨ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: «فُضِّلْتُ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ بِسِتٍّ: أُعْطِيتُ جَوَامِعَ الْكَلِمِ، وَنُصِرْتُ بِالرُّعْبِ، وَأُحِلَّتْ لِيَ الْغَنَائِمُ، وَجُعِلَتْ لِيَ الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا، وَأُرْسِلْتُ إِلَى الْخَلْقِ كَافَّةً، وَخُتِمَ بِيَ النَّبِيُّونَ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
_________________
(١) (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: فُضِّلْتُ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ بِسِتٍّ): قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: وَفِي حَدِيثِ جَابِرٍ بِخَمْسٍ، وَلَيْسَ هَذَا بِاخْتِلَافِ تَضَادٍّ، وَإِنَّمَا هُوَ اخْتِلَافُ زَمَانٍ يَكُونُ فِيهِ حَدِيثُ الْخَمْسِ مُتَقَدِّمًا، وَذَلِكَ أَنَّهُ أُعْطِيَهَا فَحَدَّثَ بِهِ، ثُمَّ زِيدَ لَهُ السَّادِسَةَ فَأَخْبَرَ عَنْ سِتٍّ. قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ، فَإِنْ قُلْتَ: هَذَا إِنَّمَا يَتِمُّ لَوْ ثَبَتَ تَأَخُّرُ الدَّالِّ عَلَى الزِّيَادَةِ. قُلْتُ: إِنْ ثَبَتَ فَلَا كَلَامَ، وَإِلَّا فَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ إِخْبَارٌ عَنْ زِيَادَتِهَا فِي الْمُسْتَقْبَلِ عَبَّرَ عَنْهُ بِالْمَاضِي تَحْقِيقًا لِوُقُوعِهِ اه. وَقَالَ صَاحِبُ الْخُلَاصَةِ: وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ذِكْرُ الْخَمْسِ أَوِ السِّتِّ لِمُنَاسَبَةِ الْمَقَامِ، وَحِينَئِذٍ جَازَ أَنْ يَكُونَ سَبْعًا كَمَا إِذَا ضُمَّتِ الشَّفَاعَةُ إِلَى هَذِهِ السِّتِّ. قُلْتُ: وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ زَائِدَةً عَلَى السَّبْعِ لِمَا سَيَأْتِي، وَلِمَا تَقَدَّمَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (أُعْطِيتُ جَوَامِعَ الْكَلِمِ) أَيْ: قُوَّةَ إِيجَازٍ فِي اللَّفْظِ مَعَ بَسْطٍ فِي الْمَعْنَى فَأُبَيِّنُ بِالْكَلِمَاتِ الْيَسِيرَةِ الْمَعَانِيَ الْكَثِيرَةَ، وَقَدْ جَمَعْتُ أَرْبَعِينَ حَدِيثًا مِنَ الْجَوَامِعِ الْوَارِدَةِ عَلَى الْكَلِمَتَيْنِ اللَّتَيْنِ هُمَا أَقَلُّ مِمَّا يُتَصَوَّرُ مِنْهُ تَرَكُّبُ الْكَلَامِ، وَيَتَأَتَّى مِنْهُ
[ ٩ / ٣٦٧٥ ]
إِسْنَادُ الْمُرَادِ نَحْوَ قَوْلِهِ ﵇: الْعِدَةُ دَيْنٌ وَالْمُسْتَشَارُ مُؤْتَمَنٌ وَلَا تَغْضَبْ وَأَمْثَالُ ذَلِكَ، وَقَدْ رَوَى أَبُو يَعْلَى فِي مُسْنَدِهِ عَنْ عُمَرَ ﵁: «أُعْطِيتُ جَوَامِعَ الْكَلِمِ، وَاخْتُصِرَ لِيَ الْكَلَامُ اخْتِصَارًا» . وَفِي شَرْحِ السُّنَّةِ قِيلَ: جَوَامِعُ الْكَلِمِ هِيَ الْقُرْآنُ، جَمَعَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ بِلَفْظِهِ مَعَانِيَ كَثِيرَةً فِي أَلْفَاظٍ يَسِيرَةٍ وَقِيلَ: إِيجَازُ الْكَلَامِ فِي إِشْبَاعٍ مِنَ الْمَعْنَى، فَالْكَلِمَةُ الْقَلِيلَةُ الْحُرُوفِ مِنْهَا تَتَضَمَّنُ كَثِيرًا مِنَ الْمَعَانِي، وَأَنْوَاعًا مِنَ الْكَلَامِ (وَنُصِرْتُ بِالرُّعْبِ): أَطْلَقَهُ هُنَا وَقَيَّدَ غَايَتَهُ فِيمَا سَبَقَ بِمَسِيرَةِ شَهْرٍ (وَأُحِلَّتْ لِيَ) أَيْ: لِأَجْلِيَ عَلَى أُمَّتِي (الْغَنَائِمُ، «وَجُعِلَتْ لِيَ الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا، وَأُرْسِلْتُ إِلَى الْخَلْقِ كَافَّةً») أَيْ: إِلَى الْمَوْجُودَاتِ بِأَسْرِهَا عَامَّةً مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ الْمَلَكِ وَالْحَيَوَانَاتِ وَالْجَمَادَاتِ، كَمَا بَيَّنْتُهُ فِي الصَّلَوَاتِ الْعَلِيَّةِ عَلَى الصَّلَوَاتِ الْمُحَمَّدِيَّةِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ كَافَّةً مَصْدَرًا أَيْ: أُرْسِلْتُ رِسَالَةً عَامَّةً لَهُمْ مُحِيطًا بِهِمْ، لِأَنَّهَا إِذَا شَمِلَتْهُمْ فَقَدْ كَفَتْهُمْ أَنْ يَخْرُجَ مِنْهَا أَحَدٌ، وَأَنْ يَكُونَ حَالًا إِمَّا مِنَ الْفَاعِلِ، وَالتَّاءُ عَلَى هَذَا لِلْمُبَالَغَةِ كَتَاءِ الرِّوَايَةِ وَالْعَلَامَةِ، وَإِمَّا مِنَ الْمَجْرُورِ أَيْ مَجْمُوعِينَ (وَخُتِمَ بِيَ النَّبِيُّونَ) أَيْ: وَجُودُهُمْ، فَلَا يَحْدُثُ بَعْدِي نَبِيٌّ، وَلَا يُشْكَلُ بِنُزُولِ عِيسَى ﵇، وَتَرْوِيجِ دِينِ نَبِيِّنَا - ﷺ - عَلَى أَتَمِّ النِّظَامِ وَكَفَى بِهِ شَهِيدًا شَرَفًا، وَنَاهِيكَ بِهِ فَضْلًا عَنْ سَائِرِ الْأَنَامِ.
قَالَ الطِّيبِيُّ: أَغْلَقَ بَابَ الْوَحْيِ وَقَطَعَ طَرِيقَ الرِّسَالَةِ وَسَدَّ وَأَخْبَرَ بِاسْتِغْنَاءِ النَّاسِ عَنِ الرُّسُلِ وَإِظْهَارِ الدَّعْوَةِ بَعْدَ تَصْحِيحِ الْحُجَّةِ وَتَكْمِيلِ الدِّينِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣] وَأَمَّا بَابُ الْإِلْهَامِ فَلَا يَنْسَدُّ وَهُوَ مَدَدٌ يُعِينُ النُّفُوسَ الْكَامِلَةَ، فَلَا يَنْقَطِعُ لِدَوَامِ ضَرُورَةِ حَاجَتِهَا إِلَى تَأْكِيدٍ وَتَجْرِيدٍ وَتَذْكِيرٍ، وَكَمَا أَنَّ النَّاسَ اسْتَغْنَوْا عَنِ الرِّسَالَةِ وَالدَّعْوَةِ احْتَاجُوا إِلَى التَّذْكِيرِ وَالتَّنْبِيهِ لِاسْتِغْرَاقِهِمْ فِي الْوَسَاوِسِ، وَانْهِمَاكِهِمْ فِي الشَّهَوَاتِ، فَاللَّهُ تَعَالَى أَغْلَقَ بَابَ الْوَحْيِ بِحِكْمَتِهِ، وَفَتَحَ بَابَ الْإِلْهَامِ بِرَحْمَتِهِ لُطْفًا مِنْهُ بِعِبَادِهِ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ): وَكَذَا التِّرْمِذِيُّ. وَفِي رِوَايَةِ الطَّبَرَانِيِّ، عَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ: «فُضِّلْتُ عَنِ الْأَنْبِيَاءِ بِخَمْسٍ: بُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ كَافَّةً، وَادَّخَرْتُ شَفَاعَتِي لِأُمَّتِي، وَنُصِرْتُ بِالرُّعْبِ شَهْرًا أَمَامِي وَشَهْرًا خَلْفِي، وَجُعِلَتْ لِيَ الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا، وَأُحِلَّتْ لِيَ الْغَنَائِمُ وَلَمْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ قَبْلِي» . وَفِي رِوَايَةِ الْبَيْهَقِيِّ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ: «فُضِّلْتُ بِأَرْبَعٍ: جُعِلَتْ لِيَ الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا، وَأُرْسِلْتُ إِلَى النَّاسِ كَافَّةً، وَنُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مِنْ مَسِيرَةِ شَهْرَيْنِ يَسِيرُ بَيْنَ يَدَيَّ وَأُحِلَّتْ لِيَ الْغَنَائِمُ» . وَفِي رِوَايَةِ الطَّبَرَانِيِّ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ: «فُضِّلْتُ بِأَرْبَعٍ: جُعِلْتُ أَنَا وَأُمَّتِي فِي الصَّلَاةِ كَمَا تُصَفُّ الْمَلَائِكَةُ، وَجُعِلَ الصَّعِيدُ لِي وَضُوءًا، وَجُعِلَتْ لِيَ الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا، وَأُحِلَّتْ لِيَ الْغَنَائِمُ» فَبَعْضُ الْأَحَادِيثِ وَإِنْ دَلَّ بِمَنْطُوقِهِ عَلَى أَنَّهُ - ﷺ - مَخْصُوصٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، تَعَالَى بِفَضَائِلَ مَعْدُودَةٍ، لَكِنْ لَا يَدُلُّ مَفْهُومُهُ عَلَى حَصْرِ فَضَائِلِهِ فِيهَا فَإِنَّ فَضَائِلَهُ غَيْرُ مُنْحَصِرَةٍ.
[ ٩ / ٣٦٧٦ ]
٥٧٤٩ - وَعَنْهُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: «بُعِثْتُ بِجَوَامِعِ الْكَلِمِ، وَنُصِرْتُ بِالرُّعْبِ، وَبَيْنَا أَنَا نَائِمٌ رَأَيْتُنِي أُتِيتُ بِمَفَاتِيحِ خَزَائِنِ الْأَرْضِ فَوُضِعَتْ فِي يَدِي» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
_________________
(١) (وَعَنْهُ) أَيْ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: «بُعِثْتُ بِجَوَامِعِ الْكَلِمِ، وَنُصِرْتُ بِالرُّعْبِ، وَبَيْنَا أَنَا نَائِمٌ رَأَيْتُنِي أُتِيتُ بِمَفَاتِيحِ خَزَائِنِ الْأَرْضِ وُضِعَتْ فِي يَدِي»): فِي النِّهَايَةِ: أَرَادَ مَا سَهَّلَ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ وَلِأُمَّتِهِ مِنِ افْتِتَاحِ الْبِلَادِ الْمُتَعَدِّدَاتِ وَاسْتِخْرَاجِ الْكُنُوزِ الْمُتَنَوِّعَاتِ اه. أَوِ الْمُرَادُ مِنْهُ مَعَادِنُ الْأَرْضِ الَّتِي فِيهَا الذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ وَسَائِرُ الْفِلِزَّاتِ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) . وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ.
[ ٩ / ٣٦٧٦ ]
٥٧٥٠ - وَعَنْ ثَوْبَانَ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ زَوَى لِيَ الْأَرْضَ، فَرَأَيْتُ مَشَارِقَهَا وَمَغَارِبَهَا، وَإِنَّ أُمَّتِي سَيَبْلُغُ مُلْكُهَا مَا زُوِيَ لِي مِنْهَا، وَأُعْطِيتُ الْكَنْزَيْنِ: الْأَحْمَرَ وَالْأَبْيَضَ، وَإِنِّي سَأَلْتُ رَبِّي لِأُمَّتِي أَنْ لَا يُهْلِكَهَا بِسَنَةٍ عَامَّةٍ، وَأَنْ لَا يُسَلِّطَ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِنْ سِوَى أَنْفُسِهِمْ فَيَسْتَبِيحَ بَيْضَتَهُمْ، وَإِنَّ رَبِّي قَالَ: يَا مُحَمَّدُ إِنِّي إِذَا قَضَيْتُ قَضَاءً فَإِنَّهُ لَا يُرَدُّ، وَإِنِّي أَعْطَيْتُكَ لِأُمَّتِكَ أَنْ لَا أُهْلِكَهُمْ بِسَنَةٍ عَامَّةٍ، وَأَنْ لَا أُسَلِّطَ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِنْ سِوَى أَنْفُسِهِمْ فَيَسْتَبِيحَ بَيْضَتَهُمْ، وَلَوِ اجْتَمَعَ عَلَيْهِمْ مَنْ بِأَقْطَارِهَا حَتَّى يَكُونَ بَعْضُهُمْ يُهْلِكُ بَعْضًا، وَيَسْبِي بَعْضُهُمْ بَعْضًا» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
_________________
(١) (وَعَنْ ثَوْبَانَ): وَهُوَ مَوْلَى النَّبِيِّ - ﷺ - (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: إِنَّ اللَّهَ زَوَى لِيَ الْأَرْضَ) أَيْ: جَمَعَهَا لِأَجْلِي. قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: زَوَيْتُهُ جَمَعْتُهُ وَقَبَضْتُهُ، يُرِيدُ بِهِ تَقْرِيبَ الْبَعِيدِ مِنْهَا حَتَّى اطَّلَعَ عَلَيْهِ اطِّلَاعَهُ عَلَى الْقَرِيبِ مِنْهَا، وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ طَوَى لَهُ الْأَرْضَ وَجَعَلَهَا مَجْمُوعَةً كَهَيْئَةِ كَفٍّ فِي مِرْآةِ نَظَرِهِ، وَلِذَا قَالَ:
[ ٩ / ٣٦٧٦ ]
(فَرَأَيْتُ مَشَارِقَهَا وَمَغَارِبَهَا أَيْ: جَمِيعَهَا («وَإِنَّ أُمَّتِي سَيَبْلُغُ مُلْكُهَا مَا زُوِيَ لِي مِنْهَا»: قَالَ الْخَطَّابِيُّ: تَوَهَّمَ بَعْضُ النَّاسِ أَنَّ " مِنْ " فِي " مِنْهَا " لِلتَّبْعِيضِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ كَمَا تَوَهَّمَهُ، بَلْ هِيَ لِلتَّفْصِيلِ لِلْجُمْلَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ، وَالتَّفْصِيلُ لَا يُنَاقِضُ الْجُمْلَةَ، وَمَعْنَاهُ أَنَّ الْأَرْضَ زُوِيَتْ لِي جُمْلَتُهَا مَرَّةً وَاحِدَةً فَرَأَيْتُ مَشَارِقَهَا وَمَغَارِبَهَا، ثُمَّ هِيَ تُفْتَحُ لِأُمَّتِي جُزْءًا فَجُزْءًا حَتَّى يَصِلَ مُلْكُ أُمَّتِي إِلَى كُلِّ أَجْزَائِهَا. أَقُولُ: وَلَعَلَّ وَجْهَ مَنْ قَالَ بِالتَّبْعِيضِ هُوَ أَنَّ مُلْكَ هَذِهِ الْأُمَّةِ مَا بَلَغَ جَمِيعَ الْأَرْضِ، فَالْمُرَادُ بِالْأَرْضِ أَرْضُ الْإِسْلَامِ، وَإِنَّ ضَمِيرَ مِنْهَا رَاجِعٌ إِلَيْهَا عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِخْدَامِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالْمَرَامِ. («وَأُعْطِيتُ الْكَنْزَيْنِ: الْأَحْمَرَ وَالْأَبْيَضَ»): بَدَلَانِ مِمَّا قَبْلَهُمَا أَيْ: كَنَزَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ. قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: يُرِيدُ بِالْأَحْمَرِ وَالْأَبْيَضِ خَزَائِنَ كِسْرَى وَقَيْصَرَ، وَذَلِكَ أَنَّ الْغَالِبَ عَلَى نُقُودِ مَمَالِكِ كِسْرَى الدَّنَانِيرُ، وَالْغَالِبَ عَلَى نُقُودِ مَمَالِكِ قَيْصَرَ الدَّرَاهِمُ («وَإِنِّي سَأَلْتُ رَبِّي لِأُمَّتِي أَنْ لَا يُهْلِكَهَا بِسَنَةٍ عَامَّةٍ») أَيْ: بِقَحْطٍ شَائِعٍ لِجَمِيعِ بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ. قَالَ الطِّيبِيُّ: السَّنَةُ الْقَحْطُ وَالْجَدْبُ، وَهِيَ مِنَ الْأَسْمَاءِ الْغَالِبَةِ، (وَأَنْ لَا يُسَلِّطَ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا): وَهُمُ الْكُفَّارُ وَقَوْلُهُ: (مِنْ سِوَى أَنْفُسِهِمْ): صِفَةُ عَدُوًّا أَيْ: كَائِنًا مِنْ سِوَى أَنْفُسِهِمْ، وَإِنَّمَا قَيَّدَهُ بِهَذَا الْقَيْدِ لَمَّا سَأَلَ أَوَّلًا ذَلِكَ فَمُنِعَ عَلَى مَا يَأْتِي فِي الْحَدِيثِ الْآتِي (فَيَسْتَبِيحَ) أَيِ: الْعَدُوُّ، وَهُوَ مِمَّا يَسْتَوِي فِيهِ الْجَمْعُ وَالْمُفْرَدُ (بَيْضَتَهُمْ): أَرَادَ بِالْبَيْضَةِ أَيْ: مُجْتَمَعَهُمْ مَوْضِعَ سُلْطَانِهِمْ، وَمُسْتَقَرَّ دَعْوَتِهِمْ، وَبَيْضَةُ الدَّارِ أَوْسَطُهَا وَمُعْظَمُهَا، أَرَادَ عَدُوًّا يَسْتَأْصِلُهُمْ وَيُهْلِكُهُمْ جَمِيعَهُمْ، وَقِيلَ: أَرَادَ إِذَا هَلَكَ أَصْلُ الْبَيْضَةِ كَانَ هَلَاكُ كُلِّهَا فِيهِ مِنْ طُعْمٍ أَوْ فَرْخٍ، وَإِذَا لَمْ يَهْلِكَ أَصْلُ الْبَيْضَةِ رُبَّمَا سَلِمَ بَعْضُ فِرَاخِهَا، وَالنَّفْيُ مُنْصَبٌّ عَلَى السَّبَبِ وَالْمُسَبَّبِ مَعًا، فَيُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّهُ قَدْ يُسَلِّطُ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا، لَكِنْ لَا يَسْتَأْصِلُ شَأْفَتَهُمْ، (وَإِنَّ رَبِّي قَالَ: يَا مُحَمَّدُ! إِنِّي إِذَا قَضَيْتُ قَضَاءً) أَيْ: حَكَمْتُ حُكْمًا مُبْرَمًا (فَإِنَّهُ لَا يُرَدُّ) أَيْ: بِشَيْءٍ بِخِلَافِ الْحُكْمِ الْمُعَلَّقِ بِشَرْطِ وُجُودِ شَيْءٍ أَوْ عَدَمِهِ، كَمَا حُقِّقَ فِي بَابُ الدُّعَاءِ وَرَدِّ الْبَلَاءِ، (وَإِنِّي أَعْطَيْتُكَ) أَيْ: عَهْدِي وَمِيثَاقِي (لِأُمَّتِكَ) أَيْ: لِأَجْلِ أُمَّةِ إِجَابَتِكَ (أَنْ لَا أُهْلِكَهُمْ بِسَنَةٍ عَامَّةٍ) أَيْ: بِحَيْثُ يَعُمُّهُمُ الْقَحْطُ وَيُهْلِكُهُمْ بِالْكُلِّيَّةِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: اللَّامُ فِي أُمَّتِكَ هِيَ الَّتِي فِي قَوْلِهِ سَابِقًا: سَأَلْتُ رَبِّي لِأُمَّتِي، أَيْ: أَعْطَيْتُ سُؤَالَكَ لِدُعَائِكَ لِأُمَّتِكَ، وَالْكَافُ هُوَ الْمَفْعُولُ الْأَوَّلُ، وَقَوْلُهُ: أَنْ لَا أُهْلِكَهُمُ الْمَفْعُولُ الثَّانِي كَمَا هُوَ فِي قَوْلِهِ: سَأَلْتُ رَبِّي أَنْ لَا يُهْلِكَهَا هُوَ الْمَفْعُولُ الثَّانِي، (وَأَنْ لَا أُسَلِّطَ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِنْ سِوَى أَنْفُسِهِمْ فَيَسْتَبِيحَ بَيْضَتَهُمْ، وَلَوِ اجْتَمَعَ عَلَيْهِمْ مَنْ) أَيِ: الَّذِينَ هُمْ (بِأَقْطَارِهَا) أَيْ: بِأَطْرَافِهَا جَمْعُ قُطْرٍ، وَهُوَ الْجَانِبُ وَالنَّاحِيَةُ، وَالْمَعْنَى فَلَا يَسْتَبِيحُ عَدُوٌّ مِنَ الْكُفَّارِ بَيْضَتَهُمْ، وَلَوِ اجْتَمَعَ عَلَى مُحَارَبَتِهِمْ مِنْ أَطْرَافِ بَيْضَتِهِمْ، وَجَوَابُ لَوْ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: وَأَنْ لَا أُسَلِّطَ (حَتَّى يَكُونَ بَعْضُهُمْ يُهْلِكُ بَعْضًا، وَيَسْبِي): كَيَرْمِي بِالرَّفْعِ عَطْفٌ عَلَى يُهْلِكُ أَيْ: وَيَأْسِرُ (بَعْضُهُمْ): بِوَضْعِ الظَّاهِرِ مَوْضِعَ الْمُضْمَرِ (بَعْضًا) أَيْ: بَعْضًا آخَرَ. فِي نُسْخَةٍ بِالنَّصْبِ عَلَى أَنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلَى يَكُونُ.
قَالَ الطِّيبِيُّ: حَتَّى. بِمَعْنَى كَيْ أَيْ: لِكَيْ يَكُونَ بَعْضُ أُمَّتِكَ يُهْلِكُ بَعْضًا، فَقَوْلُهُ: " «إِنِّي إِذَا قَضَيْتُ قَضَاءً فَلَا يُرَدُّ» " تَوْطِئَةٌ لِهَذَا الْمَعْنَى، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ حَدِيثُ خَبَّابِ بْنِ الْأَرَتِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: «إِنِّي سَأَلْتُ اللَّهَ ثَلَاثًا: فَأَعْطَانِي اثْنَتَيْنِ وَمَنَعَنِي وَاحِدَةً، سَأَلْتُهُ أَنْ لَا يُهْلِكَ أُمَّتِي بِسَنَةٍ فَأَعْطَانِيهَا، وَسَأَلْتُهُ أَنْ لَا يُسَلِّطَ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِنْ غَيْرِهِمْ فَأَعْطَانِيهَا، وَسَأَلْتُهُ أَنْ لَا يُذِيقَ بَعْضَهُمْ بَأْسَ بَعْضٍ فَمَنَعَنِيهَا» . قَالَ الْمُظْهِرُ: اعْلَمْ أَنَّ لِلَّهِ تَعَالَى فِي خَلْقِهِ قَضَاءَيْنِ مُبْرَمًا وَمُعَلَّقًا بِفِعْلٍ، كَمَا قَالَ: إِنْ فَعَلَ الشَّيْءَ الْفُلَانِيَّ كَانَ كَذَا وَكَذَا، وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْهُ فَلَا يَكُونُ كَذَا وَكَذَا مِنْ قَبِيلِ مَا يَتُوقُ إِلَيْهِ الْمَحْوُ وَالْإِثْبَاتُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي مُحْكَمِ كِتَابِهِ: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ﴾ [الرعد: ٣٩] وَأَمَّا الْقَضَاءُ الْمُبْرَمُ؟ فَهُوَ عِبَارَةٌ عَمَّا قَدَّرَهُ سُبْحَانَهُ فِي الْأَزَلِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُعَلِّقَهُ بِفِعْلٍ؟ فَهُوَ فِي الْوُقُوعِ نَافِذٌ غَايَةَ النَّفَاذِ بِحَيْثُ لَا يَتَغَيَّرُ بِحَالٍ، وَلَا يَتَوَقَّفُ عَلَى الْمَقْضِي عَلَيْهِ وَلَا الْمُقْتَضِي لَهُ، لِأَنَّهُ مِنْ عِلْمِهِ بِمَا كَانَ وَمَا يَكُونُ وَخِلَافُ مَعْلُومِهِ مُسْتَحِيلٌ قَطْعًا، وَهَذَا مِنْ قِبَلِ مَا لَا يَتَطَرَّقُ إِلَيْهِ الْمَحْوُ وَالْإِثْبَاتُ. قَالَ تَعَالَى: ﴿لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ﴾ [الرعد: ٤١] وَقَالَ النَّبِيُّ ﵇: «لَا مَرَدَّ لِقَضَائِهِ وَلَا مَرَدَّ لِحُكْمِهِ» . فَقَوْلُهُ - ﷺ - " «إِذَا قَضَيْتُ قَضَاءً فَلَا يُرَدُّ» " مِنَ الْقَبِيلِ الثَّانِي وَلِذَلِكَ لَمْ يُجِبْ إِلَيْهِ، وَفِيهِ أَنَّ الْأَنْبِيَاءَ مُسْتَجَابُو الدَّعْوَةِ إِلَّا فِي مِثْلِ هَذَا. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
[ ٩ / ٣٦٧٧ ]
٥٧٥١ - وَعَنْ سَعْدٍ - ﵁ - «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - مَرَّ بِمَسْجِدِ بَنِي مُعَاوِيَةَ، دَخَلَ فَرَكَعَ فِيهِ رَكْعَتَيْنِ وَصَلَّيْنَا مَعَهُ، وَدَعَا رَبَّهُ طَوِيلًا، ثُمَّ انْصَرَفَ فَقَالَ: سَأَلْتُ رَبِّي ثَلَاثًا، فَأَعْطَانِي ثِنْتَيْنِ، وَمَنَعَنِي وَاحِدَةً، سَأَلْتُ رَبِّي أَنْ لَا يُهْلِكَ أُمَّتِي بِالسَّنَةِ، فَأَعْطَانِيهَا، وَسَأَلْتُهُ أَنْ لَا يُهْلِكَ أُمَّتِي بِالْغَرَقِ فَأَعْطَانِيهَا، وَسَأَلْتُهُ أَنْ لَا يَجْعَلَ بِأَسَهُمْ بَيْنَهُمْ فَمَنَعَنِيهَا» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
_________________
(١) (وَعَنْ سَعْدٍ) أَيْ: ابْنِ أَبِي وَقَاصٍّ أَحَدِ الْعَشَرَةِ الْمُبَشَّرَةِ بِالْجَنَّةِ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - مَرَّ بِمَسْجِدٍ مِنْ بَنِي مُعَاوِيَةَ)، هُمْ بَطْنٌ مِنَ الْأَنْصَارِ، وَقِيلَ كَانَ الْمَسْجِدُ فِي الْمَدِينَةِ (دَخَلَ): قَالَ أَوِ اسْتِئْنَافُ بَيَانٍ، وَفِي رِوَايَةِ الْبَغْوَيِّ: فَدَخَلَ أَيْ: دَخَلَ الْمَسْجِدَ (فَرَكَعَ) أَيْ: فَصَلَّى فِيهِ (رَكْعَتَيْنِ) أَيْ: تَحِيَّةً أَوْ فَرِيضَةً (وَصَلَّيْنَا مَعَهُ) أَيْ: مُوَافَقَةً أَوْ مُتَابَعَةً (وَدَعَا) أَيْ: فَنَاجَى كَمَا فِي رِوَايَةٍ (رَبَّهُ طَوِيلًا)، أَيْ: زَمَانًا كَثِيرًا، أَوْ دُعَاءً عَرِيضًا بَعْدَ الصَّلَاةِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ أَصْحَابَهُ دَعَوْا مَعَهُ أَوْ أَمَّنُوا، وَالْأَظْهَرُ أَنَّ طَوِيلًا قَيْدٌ لِلصَّلَاةِ وَالدُّعَاءِ لِمَا سَيَأْتِي فِي حَدِيثِ خَبَّابٍ فِي أَوَّلِ الْفَصْلِ الثَّانِي. (ثُمَّ انْصَرَفَ) أَيْ: مِنَ الدُّعَاءِ (فَقَالَ: سَأَلْتُ رَبِّي ثَلَاثًا) أَيْ: مِنَ السُّؤَالَاتِ أَوْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ (فَأَعْطَانِي ثِنْتَيْنِ وَمَنَعَنِي وَاحِدَةً): فِيهِ زِيَادَةُ تَوْضِيحٍ (سَأَلْتُ رَبِّي أَنْ لَا يُهْلِكَ أُمَّتِي بِالسَّنَةِ) أَيْ: بِالْقَحْطِ الْعَامِّ (فَأَعْطَانِيهَا) أَيْ: الْمَسْأَلَةَ (وَسَأَلْتُ أَنْ لَا يُهْلِكَ): أُمَّتِي (بِالْغَرَقِ): بِفَتْحَتَيْنِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِسُكُونِ الرَّاءِ أَيْ: بِالْغَرَقِ الْعَامِّ كَقَوْمِ فِرْعَوْنَ فِي الْيَمِّ، وَقَوْمِ نُوحٍ بِالطُّوفَانِ (فَأَعْطَانِيهَا، وَسَأَلْتُهُ أَنْ لَا يَجْعَلَ بَأْسَهُمْ) أَيْ: حَرْبَهُمُ الشَّدِيدَةُ (بَيْنَهُمْ فَمَنَعَنِيهَا. رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
[ ٩ / ٣٦٧٨ ]
٥٧٥٢ - وَعَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، قَالَ: لَقِيتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قُلْتُ: أَخْبِرْنِي عَنْ صِفَةِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - فِي التَّوْرَاةِ، قَالَ: أَجَلْ، وَاللَّهِ إِنَّهُ لَمَوْصُوفٌ فِي التَّوْرَاةِ بِبَعْضِ صِفَتِهِ فِي الْقُرْآنِ: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤٥] وَحِرْزًا لِلْأُمِّيِّينَ، أَنْتَ عَبْدِي وَرَسُولِي، سَمَّيْتُكَ الْمُتَوَكِّلَ، لَيْسَ بِفَظٍّ وَلَا غَلِيظٍ وَلَا سَخَّابٍ فِي الْأَسْوَاقِ، وَلَا يَدْفَعُ بِالسَّيِّئَةِ السَّيِّئَةَ ; وَلَكِنْ يَعْفُو وَيَغْفِرُ، وَلَنْ يَقْبِضَهُ اللَّهُ حَتَّى يُقِيمَ بِهِ الْمِلَّةَ الْعَوْجَاءَ بِأَنْ يَقُولُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَيَفْتَحُ بِهَا أَعْيُنًا عُمْيًا وَآذَانًا صُمًّا وَقُلُوبًا غُلْفًا. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
_________________
(١) (وَعَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ): هُوَ مِنْ أَجِلَّاءِ التَّابِعِينَ (قَالَ: لَقِيتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قُلْتُ): اسْتِئْنَافُ بَيَانٍ (أَخْبِرْنِي عَنْ صِفَةِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ) أَيْ: عَنْ نَعْتِهِ (فِي التَّوْرَاةِ، قَالَ: أَجَلْ): بِفَتْحَتَيْنِ وَسُكُونِ اللَّامِ الْمُخَفَّفَةِ قَالَ الطِّيبِيُّ: هُوَ حَرْفٌ يُصَدَّقُ بِهَا الْخَبَرُ خَاصَّةً، يُقَالُ لِمَنْ قَالَ: قَامَ زَيْدٌ أَجَلْ، وَزَعَمَ بَعْضٌ جَوَازُ وُقُوعِهِ بَعْدَ الِاسْتِفْهَامِ، وَفِي الْحَدِيثِ جَاءَ جَوَابًا لِلْأَمْرِ عَلَى تَأْوِيلِ قَرَأْتُ التَّوْرَاةَ، هَلْ وَجَدَ صِفَةَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - فِيهَا، فَأَخْبِرْنِي. قَالَ: أَجَلْ أَيْ: نَعَمْ أُخْبِرُكَ. (وَاللَّهِ إِنَّهُ لِمَوْصُوفٌ فِي (التَّوْرَاةِ)، بِبَعْضِ صِفَتِهِ فِي الْقُرْآنِ) أَيْ: بِالْمَعْنَى كَقَوْلِهِ: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا﴾ [الأحزاب: ٤٥]: حَالٌ مُقَدَّرَةٌ مِنَ الْكَافِ أَوْ مِنَ الْفَاعِلِ أَوْ مُقَدَّرًا أَوْ مُقَدِّرِينَ شَهَادَتَكَ عَلَى مَنْ بُعِثْتَ إِلَيْهِمْ، وَعَلَى تَكْذِبِيهِمْ وَتَصْدِيقِهِمْ أَيْ: مَقْبُولًا قَوْلُكُ عِنْدَ اللَّهِ وَعَلَيْهِمْ، كَمَا يُقْبَلُ قَوْلُ الشَّاهِدِ الْعَدْلِ فِي الْحُكْمِ ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ، أَوْ شَاهَدًا لِأَفْعَالِ أُمَّتِكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، أَوْ لِجَمِيعِ الْأَنْبِيَاءِ فِي تَبْلِيغِهِمْ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٤١] أَوْ مُزَكِّيًا لِأُمَّتِكَ فِي شَهَادَتِهِمْ عَلَى الْأُمَمِ بِتَبْلِيغِ رِسَالَةِ الْأَنْبِيَاءِ إِلَيْهِمْ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣] وَقَدْ تَقَدَّمَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ، أَوْ مَعْنَاهُ شَاهِدًا لِقُدْرَتِنَا وَإِرَادَتِنَا فِي الْخَلْقِ، كَمَا يُشِيرُ إِلَيْهِ قَوْلُهُ وَمُبَشِّرًا أَيْ: لِلْمُؤْمِنِينَ بِالْمَثُوبَةِ وَنَذِيرًا: (" أَيْ: مُنْذِرًا وَمُخَوِّفًا لِلْكَافِرِينَ بِالْعُقُوبَةِ وَحِرْزًا: بِكَسْرِ الْحَاءِ وَسُكُونِ الرَّاءِ لِلْأُمِّيِّينَ، قَالَ الْقَاضِي أَيْ: حِصْنًا وَمَوْئِلًا لِلْعَرَبِ، يَتَحَصَّنُونَ بِهِ مِنْ غَوَائِلِ الشَّيْطَانِ أَوْ عَنْ سَطْوَةِ الْعَجَمِ وَتَغَلُّبِهِمْ، وَإِنَّمَا سُمُّوا أُمِّيِّينَ لِأَنَّ أَغْلَبَهُمْ لَا يَقْرَءُونَ وَلَا يَكْتُبُونَ اه. أَوْ لِأَنَّهُمْ يُنْسَبُونَ إِلَى أُمِّ الْقُرَى، وَهِيَ مَكَّةُ، أَوْ لِكَوْنِ نَبِيِّهِمْ أُمِّيًّا، وَلَعَلَّ هَذَا الْوَجْهَ فِي هَذَا الْمَقَامِ أَوْجَهُ لِيَشْمَلَ جَمِيعَ الْأُمَّةِ، وَلَا يَبْقَى مُتَمَسَّكٌ لِلْيَهُودِ عَلَى مَا زَعَمُوا مِنْ أَنَّهُ مَبْعُوثٌ إِلَى الْعَرَبِ خَاصَّةً، فَإِنَّهُ بِذِكْرِهِ لَا يَنْفِي مَا
[ ٩ / ٣٦٧٨ ]
عَدَاهُ، لَا سِيَّمَا وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ [سبأ: ٢٨] وَلِهَذَا قَالَ - ﷺ: «لَوْ كَانَ مُوسَى حَيًّا لَمَا وَسِعَهُ إِلَّا اتِّبَاعِي» قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالْحِرْزِ حِفْظَ قَوْمِهِ مِنْ عَذَابِ الِاسْتِئْصَالِ، أَوِ الْحِفْظَ لَهُمْ مِنَ الْعَذَابِ مَا دَامَ فِيهِمْ. قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾ [الأنفال: ٣٣] (أَنْتَ عَبْدِي) أَيْ: الْخَاصُّ كَمَا وَصَفَهُ بِالْقُرْآنِ فِي مَوَاضِعَ مِنَ الْقُرْآنِ: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى﴾ [التوبة: ٣٣] فَالْإِضَافَةُ لِلْعَهْدِ كَمَا قَالَ: أَكْرَمَ زَيْدٌ عَبْدَهُ إِذَا كَانَ لَهُ عَبِيدٌ مُتَعَدِّدَةٌ، مَعَ أَنَّهُ إِذَا أُطْلِقَ اسْمُ الْجِنْسِ، فَالْمُرَادُ بِهِ الْفَرْدُ الْأَكْمَلُ فَتَأَمَّلْ. (سَمَّيْتُكَ الْمُتَوَكِّلَ)، أَيْ: خَصَصْتُكَ بِهَذَا الْوَصْفِ لِكَمَالِ تَوَكُّلِكَ عَلَيَّ وَتَفْوِيضِكَ إِلَيَّ وَتَسْلِيمِكَ لَدَيَّ عَمَلًا بِمَا فِي الْقُرْآنِ، وَتَوَكَلْ عَلَى اللَّهِ، وَتَوَكَلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ، وَكَذَا فِي قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: ﴿لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ﴾ [طه: ١٣٢]، ﴿وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [طه: ١٣١]، ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: ٢] دَلَالَةٌ عَلَيْهِ وَإِشَارَةٌ إِلَيْهِ (لَيْسَ بِفَظٍّ): الْتِفَاتٌ فِيهِ تَضَمُّنٌ لِلْفَنَنِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ آيَةً أُخْرَى فِي التَّوْرَاةِ لِبَيَانِ صِفَتِهِ، وَأَنْ يَكُونَ حَالًا مِنَ الْمُتَوَكِّلِ أَوْ مِنَ الْكَافِ فِي سَمَّيْتُكَ، فَعَلَى هَذَا فِيهِ الْتِفَاتٌ اه.
وَالْمَعْنَى لَيْسَ بِسَيِّئِ الْخُلُقِ أَوِ الْقَوْلِ، (وَلَا غَلِيظٍ) أَيْ: ضَخْمٍ كَرِيهِ الْخُلُقِ، أَوْ سَيِّئَ الْفِعْلِ، أَوْ غَلِيظِ الْقَلْبِ، وَهُوَ الْأَظْهَرُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ﴾ [آل عمران: ١٥٩] أَيْ: شَدِيدَهُ وَقَاسِيَهُ، فَيُنَاسِبُ حِينَئِذٍ أَنْ يَكُونَ الْفَظُّ مَعْنَاهُ بَذَاذَةُ اللِّسَانِ، فَفِيهِ إِيمَاءٌ إِلَى طَهَارَةِ عُضْوَيْهِ الْكَرِيمَيْنِ مِنْ دَنَسِ الطَّبْعِ وَوَسَخِ هَوَى النَّفْسِ الذَّمِيمَيْنِ، وَقَدْ قَالَ الْكَلْبِيُّ: فَظًّا فِي الْقَوْلِ، غَلِيظًا فِي الْفِعْلِ (وَلَا سَخَّابٍ): بِتَشْدِيدِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ: صَيَّاحٍ (فِي الْأَسْوَاقِ) . قَالَ الطِّيبِيُّ أَيْ: هُوَ لَيِّنُ الْجَانِبِ شَرِيفُ النَّفْسِ، لَا يَرْفَعُ الصَّوْتَ عَلَى النَّاسِ لِسُوءِ خُلُقِهِ، وَلَا يُكْثِرُ الصِّيَاحَ عَلَيْهِمْ فِي السُّوقِ لِدَنَاءَتِهِ، بَلْ يُلِينُ جَانِبَهُ لَهُمْ وَيَرْفُقُ بِهِمْ. قُلْتُ: فَهُوَ مُقْتَبَسٌ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٩] أَوْ مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [النور: ٣٧] (وَلَا يَدْفَعُ بِالسَّيِّئَةِ السَّيِّئَةَ): لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: ٤٠] وَلِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [المؤمنون: ٩٦] الْآيَةَ. وَإِطْلَاقُ السَّيِّئَةِ عَلَى جَزَائِهَا إِمَّا لِلْمُشَاكَلَةِ وَالْمُقَابَلَةِ، أَوْ لِكَوْنِهِ فِي صُورَةِ السَّيِّئَةِ، أَوْ بِالْإِضَافَةِ إِلَى دَفْعِهَا بِالْحَسَنَةِ كَأَنَّهَا سَيِّئَةٌ، وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ: حَسَنَاتُ الْأَبْرَارِ سَيِّئَاتُ الْمُقَرَّبِينَ. (وَلَكِنْ يَعْفُو) أَيْ: عَنِ الْمُسِيءِ (وَيَغْفِرُ) أَيْ: يَسْتُرُ، أَوْ يَدْعُو لَهُ بِالْمَغْفِرَةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ﴾ [المائدة: ١٣]، وَقَوْلُهُ: ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٩] وَهَذَا أَقْرَبُ مَرَاتِبِ مُعَامَلَتِهِ مَعَ الْمُسِيئِينَ، وَقَدْ كَانَ يُقَابِلُهُمْ بِالْإِحْسَانِ إِلَيْهِمْ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٤] (وَلَنْ يَقْبِضَهُ): بِالْيَاءِ التَّحْتِيَّةِ فِي الْأُصُولِ الْمُعْتَمَدَةِ وَفِي نُسْخَةٍ بِالنُّونِ، وَيُؤَيِّدُ الْأَوَّلَ مَا فِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ: وَلَنْ يَقْبِضَهُ اللَّهُ بِزِيَادَةِ لَفْظِ الْجَلَالَةِ، وَكَذَا الْحُكْمُ فِي الْأَفْعَالِ الْآتِيَةِ. قَالَ الطِّيبِيُّ وَكَذَا الْتِفَاتٌ فِي قَوْلِهِ: وَلَنْ يَقْبِضَهُ يَاءُ الْمُثَنَّاةِ مِنْ تَحْتٍ عَلَى رِوَايَةِ الْمِشْكَاةِ، وَيُعَضِّدُهُ مَا فِي شَرْحِ السُّنَّةِ: وَلَنْ يَقْبِضَهُ اللَّهُ (حَتَّى يُقِيمَ بِهِ) أَيْ: بِوَاسِطَتِهِ (الْمِلَّةَ الْعَوْجَاءَ): كَمَا فِي التَّنْزِيلِ ذَمًّا لِلْكُفَّارِ، وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا. وَقَالَ فِي مَدْحِ دِينِ الْإِسْلَامِ. ﴿ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ - وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٣٦ - ٥٢] قَالَ الْقَاضِي: يُرِيدُ بِهِ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ فَإِنَّهَا قَدِ اعْوَجَّتْ فِي أَيَّامِ الْفَتْرَةِ فَزِيدَتْ وَنُقِصَتْ وَغُيِّرَتْ وَبُدِّلَتْ، وَمَا زَالَتْ حَتَّى قَامَ الرَّسُولُ - ﷺ - فَأَقَامَهَا أَقَامَهَا اللَّهُ وَأَدَامَهَا. (بِأَنْ يَقُولُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ): مُتَعَلِّقٌ.
[ ٩ / ٣٦٧٩ ]
بِقَوْلِهِ يُقِيمَ، وَفِيهِ إِيمَاءٌ إِلَى أَنَّ إِقَامَةَ التَّوْحِيدِ فِي إِدَامَةِ مَعْنَى هَذِهِ الْكَلِمَةِ مِنَ التَّفْرِيدِ، وَقَالَ شَارِحٌ لِلْمَصَابِيحِ: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: (وَلَنْ نَقْبِضَهُ) أَيْ: رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - حَتَّى نُقِيمَ بِهِ الْمِلَّةَ الْعَوْجَاءِ أَيْ: نَجْعَلُهَا مُسْتَقِيمَةً، وَيُرِيدُ بِهَا مَا كَانَتِ الْعَرَبُ تَتَدَيَّنُ بِهَا، وَتَزْعُمُ أَنَّهَا مِلَّةُ إِبْرَاهِيمَ، وَإِنَّمَا وَصَفَهَا بِالْعَوْجَاءِ وَسَمَّاهَا مِلَّةً عَلَى الِاتِّسَاعِ كَمَا يُقَالُ: الْكُفْرُ مِلَّةٌ. (وَيُفْتَحُ): بِالْيَاءِ وَالنُّونِ عَلَى مَا سَبَقَ وَهُوَ مَنْصُوبٌ عَطْفًا عَلَى قَوْلِهِ: يُقِيمَ وَفِي نُسْخَةِ السَّيِّدِ بِالرَّفْعِ عَلَى الْقَطْعِ أَيْ: وَهُوَ يَفْتَحُ أَوْ نَحْنُ (بِهَا) أَيْ: بِوَاسِطَةِ هَذِهِ الْكَلِمَةِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِهِ أَيْ: بِهَذَا النَّبِيِّ أَوْ بِهَذَا الْقَوْلِ (أَعْيُنًا): بِالنَّصْبِ عَلَى مَا فِي جَمِيعِ نُسَخِ الْمِشْكَاةِ (عُمْيًا): بِضَمِّ أَوَّلِهِ جَمْعُ أَعْمَى. قَالَ الطِّيبِيُّ: هَذَا رِوَايَةُ الْبُخَارِيِّ، وَالدَّارِمِيِّ، وَكِتِابِ الْحُمَيْدِيِّ، وَجَامِعِ الْأُصُولِ، وَفِي الْمَصَابِيحِ: يُفْتَحُ بِهَا أَعْيُنٌ عَمْيَاءَ عَلَى بِنَاءِ الْمَفْعُولِ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ رِوَايَةً وَدِرَايَةً: أَقُولُ: وَلَعَلَّ وَجْهَ أَصَحِّيَّةِ الدِّرَايَةِ هُوَ أَنَّ الْمَعْطُوفَ عَلَيْهِ بِصِيغَةِ الْفَاعِلِ بِلَا خِلَافٍ عَلَى اخْتِلَافِ أَنَّهُ بِالْيَاءِ أَوِ النُّونِ، ثُمَّ قَوْلُهُ: (وَآذَانًا): إِلَخْ عَلَى هَذَا الْمِنْوَالِ، وَهُوَ بِمَدِّ الْهَمْزِ جَمْعُ الْأُذُنِ (صُمًّا): جَمْعُ أَصَمَّ (وَقُلُوبًا غُلْفًا) . بِضَمِّ أَوَّلِهِ جَمْعُ أَغْلَفَ، وَهُوَ الَّذِي لَا يَفْهَمُ كَأَنَّ قَلْبَهُ فِي غِلَافٍ، وَإِنَّمَا ذَكَرَ هَذِهِ الْأَعْضَاءَ لِأَنَّهَا آلَاتٌ لِلْعُلُومِ وَالْمَعَارِفِ. قَالَ تَعَالَى فِي حَقِّ الْكُفَّارِ: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ﴾ [البقرة: ٧] وَقَالَ: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾ [البقرة: ١٨] وَلَعَلَّهُ لَمْ يَذْكُرِ اللِّسَانَ فِي مَعْرِضِ هَذَا الْبَيَانِ، لِأَنَّهُ تُرْجُمَانُ الْجَنَانِ، وَإِنَاءٌ يَتَرَشَّحُ بِمَا فِيهِ مِنَ الْأَعْيَانِ.
قَالَ الطِّيبِيُّ: فَإِنْ قُلْتَ: قَوْلُهُ إِنَّهُ لَمَوْصُوفٌ فِي التَّوْرَاةِ بِبَعْضِ صِفَتِهِ فِي الْقُرْآنِ يَقْتَضِي أَنْ تَكُونَ الْمَذْكُورَاتِ كُلِّهَا مُثْبَتَةٌ فِي الْقُرْآنِ. قُلْتُ: أَجَلْ أَمَّا قَوْلُهُ: " ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ﴾ [الأحزاب: ٤٥] " فَفِي الْأَحْزَابِ، وَقَوْلُهُ: حِرْزًا لِلْأُمِّيِّينَ، فَفِي الْجُمُعَةِ: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ﴾ [الجمعة: ٢] وَقَوْلُهُ: سَمَّيْتُكَ الْمُتَوَكِّلَ إِلَى قَوْلِهِ: وَلَكِنْ يَعْفُو وَيَغْفِرُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ﴾ [آل عمران: ١٥٩] " إِلَى قَوْلِهِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ [آل عمران: ١٥٩] وَقَوْلُهُ: وَلَا سَخَّابٍ فِي الْأَسْوَاقِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ﴾ [الحجر: ٩٨] أَيْ: دُمْ عَلَى التَّسْبِيحِ وَالتَّحْمِيدِ، وَاجْعَلْ نَفْسَكَ مِنَ الَّذِينَ لَهُمْ مُسَاهَمَةٌ وَنَصِيبٌ وَافِرٌ فِي السُّجُودِ، فَلَا تُخِلَّ بِهَا وَلَا تُشْغَلَ بِغَيْرِهَا، وَمِنْ ثَمَّ قَالَ - ﷺ: «مَا أُوحِيَ إِلَيَّ أَنْ أَكُونَ مِنَ التَّاجِرِينَ، وَلَكِنْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنْ أَكُونَ مِنَ السَّاجِدِينَ» فَقَوْلُهُ: وَلَا سَخَّابٍ فِي الْأَسْوَاقِ مِنْ قَبِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾ [غافر: ١٨] إِذْ هُوَ يَحْتَمِلُ أَنْ يُرَادَ بِهِ نَفْيُ سَخَّابٍ وَحْدَهُ وَنَفْيُهُمَا مَعًا، وَهُوَ الْمُرَادُ هُنَا. قُلْتُ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: فِي الْأَسْوَاقِ قَيْدًا مُعْتَبَرًا فِي النَّفْيِ احْتِرَازًا مِنْ رَفْعِ صَوْتِهِ فِي الْقِرَاءَةِ وَالْخُطْبَةِ فِي الْمَسَاجِدِ قَالَ: وَقَوْلُهُ: وَلَا يَدْفَعُ بِالسَّيِّئَةِ السَّيِّئَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [فصلت: ٣٤] وَقَوْلُهُ: حَتَّى يُقِيمَ بِهِ الْمِلَّةَ الْعَوْجَاءَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [الأنبياء: ١٠٨] أَيْ: مَا يُوحَى إِلَيَّ إِلَّا أَنْ أُقِيمَ التَّوْحِيدَ وَأَنْفِيَ الشِّرْكَ.
فَإِنْ قُلْتَ: كَيْفَ الْجَمْعُ بَيْنَ قَوْلِهِ: وَيَفْتَحَ بِهَا أَعْيُنًا عُمْيًا، وَبَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿وَمَا أَنْتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ﴾ [النمل: ٨١]؟ قُلْتُ: دَلَّ إِيلَاءُ الْفَاعِلِ الْمَعْنَوِيِّ حَرْفَ النَّفْيِ عَلَى أَنَّ الْكَلَامَ فِي الْفَاعِلِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ تَعَالَى نَزَّلَهُ بِحِرْصِهِ عَلَى إِيمَانِ الْقَوْمِ مَنْزِلَةَ مَنْ يَدَّعِي اسْتِقْلَالَهُ بِالْهِدَايَةِ فَقَالَ لَهُ: أَنْتَ لَسْتَ بِمُسْتَقِلٍّ فِيهِ، بَلْ إِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ بِإِذْنِ اللَّهِ وَتَيْسِيرِهِ اه.
وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ قَدْ يَنْسُبُ الْهِدَايَةَ إِلَيْهِ - ﷺ - نَظَرًا إِلَى كَوْنِهِ مِنْ أَسْبَابِ الْهِدَايَةِ، وَمِنْهُ وَقَوْلُهُ سُبْحَانَهُ: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي﴾ [الشورى: ٥٢] وَتُنْفَى عَنْهُ أُخْرَى نَظَرًا إِلَى أَنَّ حَقِيقَةَ الْهِدَايَةِ رَاجِعَةٌ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَمِنْهُ قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ [القصص: ٥٦] .
[ ٩ / ٣٦٨٠ ]
فَيَكُونُ مِنْ قَبِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ﴾ [الأنفال: ١٧] أَيْ: مَا رَمَيْتَ خَلْقًا وَحَقِيقَةً إِذْ رَمَيْتَ كَسْبًا وَصُورَةً ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ [الأنفال: ١٧] حَيْثُ جَعَلَكَ قَادِرًا عَلَى الرَّمْيِ وَفَاعِلًا لَهُ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّ نَفْيَ الْهِدَايَةِ عَنْهُ إِنَّمَا هُوَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَنْ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ هِدَايَتَهُ وَإِثْبَاتَهَا لَهُ فِيمَنْ أَرَادَهُ لِهَذَا، فَلَا مُنَافَاةَ، لِأَنَّهُ ﷺ مَظْهَرُ هِدَايَتِهِ، كَمَا أَنَّ إِبْلِيسَ مَظْهَرُ ضَلَالَتِهِ، وَإِلَّا فَهُوَ سُبْحَانُهُ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ وَمَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ. (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) أَيْ: عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ.
[ ٩ / ٣٦٨١ ]
٥٧٥٣ - وَكَذَا الدَّارِمِيُّ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ سَلَامٍ، نَحْوَهُ. وَذَكَرَ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ: نَحْنُ الْآخَرُونَ فِي بَابِ الْجُمُعَةِ.
_________________
(١) (وَكَذَا الدَّارِمِيُّ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ سَلَامٍ، وَهُوَ صَحَابِيٌّ مَشْهُورٌ (نَحْوَهُ) أَيْ: نَحْوَ مَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الْمَعْنَى، مَعَ نَوْعِ مُخَالَفَةٍ فِي اللَّفْظِ. وَقَالَ شَارِحٌ لِلْمَصَابِيحِ، وَفِي سَائِرِ نُسَخِ الْمَصَابِيحِ: رَوَاهُ عَطَاءُ بْنُ سَلَامٍ وَهُوَ غَلَطٌ، وَالصَّوَابُ رَوَاهُ عَطَاءٌ عَنِ ابْنِ سَلَامٍ يَعْنِي عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلَامٍ، وَعَطَاءٌ هُوَ عَطَاءُ بْنُ يَسَارٍ الرَّاوِي عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو اه. وَحَاصِلُهُ أَنَّ عَطَاءَ بْنَ يَسَارٍ يَرْوِي هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عَمْرٍو، كَمَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَيَرْوِيهِ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ ابْنِ سَلَامٍ كَمَا رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ، وَالْمُنَاسِبُ لِلصِّحَاحِ الْمُعَبَّرُ عَنْهُ بِالْفَصْلِ الْأَوَّلِ هُوَ رِوَايَةُ الْبُخَارِيِّ، وَتَأْيِيدُهُ بِرِوَايَةِ الدَّارِمِيِّ لِلِالْتِزَامِ السَّابِقِ، وَبِهِ يَحْصُلُ نَوْعُ اعْتِرَاضٍ لِصَاحِبِ الْمِشْكَاةِ عَلَى الْبَغْوِيِّ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ تَخْطِئَةِ سَائِرِ نُسَخِ الْمَصَابِيحِ. (وَذَكَرَ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ: نَحْنُ الْآخِرُونَ) أَيْ: السَّابِقُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ الْحَدِيثَ بِطُولِهِ (فِي بَابِ الْجُمُعَةِ) . لِكَوْنِهِ أَنْسَبَ بِذَلِكَ الْبَابِ بِاعْتِبَارِ أَوَاخِرِ الْحَدِيثِ، وَغَالِبِهِ فَهُوَ مِنَ الْمُؤَلِّفِ اعْتِذَارٌ قَوْلِيٌّ وَاعْتِرَاضٌ فِعْلِيٌّ.
[ ٩ / ٣٦٨١ ]
الْفَصْلُ الثَّانِي
٥٧٥٤ - عَنْ خَبَّابِ بْنِ الْأَرَتِّ، ﵁، قَالَ: «صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - صَلَاةً، فَأَطَالَهَا. قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَصَلَّيْتَ صَلَاةً لَمْ تَكُنْ تُصَلِّيهَا، قَالَ: (أَجَلْ، إِنَّهَا صَلَاةُ رَغْبَةٍ وَرَهْبَةٍ، وَإِنِّي سَأَلْتُ اللَّهَ فِيهَا ثَلَاثًا فَأَعْطَانِي اثْنَتَيْنِ وَمَنَعَنِي وَاحِدَةً، سَأَلْتُهُ أَنْ لَا يُهْلِكَ أُمَّتِي بِسَنَةٍ فَأَعْطَانِيهَا، وَسَأَلْتُهُ أَنْ لَا يُسَلِّطَ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِنْ غَيْرِهِمْ، فَأَعْطَانِيهَا وَسَأَلْتُهُ أَنْ لَا يُذِيقَ بَعْضَهُمْ بَأْسَ بَعْضٍ فَمَنَعَنِيهَا» " رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ.
_________________
(١) الْفَصْلُ الثَّانِي
(٢) (عَنْ خَبَّابٍ): بِفَتْحِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَتَشْدِيدِ الْمُوَحَّدَةِ الْأُولَى (ابْنِ الْأَرَتِّ): بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَالرَّاءِ وَتَشْدِيدِ الْفَوْقِيَّةِ صَحَابِيٌّ مَشْهُورٌ (قَالَ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - صَلَاةً فَأَطَالَهَا)، أَيْ: فَجَعَلَهَا طَوِيلَةً بِاعْتِبَارِ أَرْكَانِهَا أَوْ بِالدُّعَاءِ فِيهَا (قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! صَلَّيْتَ صَلَاةً) أَيْ: عَظِيمَةً (لَمْ تَكُنْ تُصَلِّيهَا)، أَيْ: عَادَةً (قَالَ: (أَجَلْ) أَيْ: نَعَمْ (إِنَّهَا صَلَاةُ رَغْبَةٍ) أَيْ: رَجَاءٍ (وَرَهْبَةٍ) أَيْ: خَوْفٍ. قَالَ شَارِحٌ أَيْ: صَلَاةٌ فِيهَا رَجَاءٌ لِلثَّوَابِ وَرَغْبَةٌ إِلَى اللَّهِ وَخَوْفٌ مِنْهُ تَعَالَى. قُلْتُ: الْأَظْهَرُ أَنْ يُقَالَ الْمُرَادُ بِهِ أَنَّ هَذِهِ صَلَاةٌ جَامِعَةٌ بَيْنَ قَصْدِ رَجَاءِ الثَّوَابِ، وَخَوْفِ الْعِقَابِ، بِخِلَافِ سَائِرِ الصَّلَوَاتِ، إِذْ قَدْ يَغْلِبُ فِيهَا أَحَدُ الْبَاعِثَيْنِ عَلَى أَدَائِهَا. قَالُوا: وَفِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ [السجدة: ١٦] بِمَعْنَى أَوْ لِمَانِعَةِ الْخُلُوِّ، ثُمَّ لَمَّا كَانَ سَبَبَ صَلَاتِهِ الدُّعَاءُ لِأُمَّتِهِ وَهُوَ كَانَ بَيْنَ رَجَاءِ الْإِجَابَةِ وَخَوْفِ الرَّدِّ طَوَّلَهَا، وَلِذَا قَالَ: (وَإِنِّي سَأَلْتُ اللَّهَ فِيهَا ثَلَاثًا)، أَيْ: ثَلَاثَ مَسَائِلَ (فَأَعْطَانِي اثْنَتَيْنِ وَمَنَعَنِي وَاحِدَةً)، تَصْرِيحٌ بِمَا عَلِمَ ضِمْنًا (سَأَلْتُهُ أَنْ لَا يُهْلِكَ أُمَّتِي بِسَنَةٍ) أَيْ: بِقَحْطٍ عَامٍّ، وَفِي مَعْنَاهُ الْوَبَاءُ، وَالْمَقْصُودُ أَنْ لَا يَهْلِكُوا بِالِاسْتِئْصَالِ (فَأَعْطَانِيهَا، وَسَأَلْتُهُ أَنْ لَا يُسَلِّطَ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِنْ غَيْرِهِمْ): وَهُمُ الْكُفَّارُ، لِأَنَّ الْعَدُوَّ مِنْ أَنْفُسِهِمْ أَهْوَنُ، وَلَا يَحْصُلُ بِهِ الْهَلَاكُ الْكُلِّيُّ وَلَا إِعْلَاءُ كَلِمَتِهِ السُّفْلَى.
[ ٩ / ٣٦٨١ ]
(فَأَعْطَانِيهَا، وَسَأَلْتُهُ أَنْ لَا يُذِيقَ بَعْضَهُمْ بَأْسَ بَعْضٍ) أَيْ: حَرْبَهُمْ وَقَتْلَهُمْ وَعَذَابَهُمْ (فَمَنَعَنِيهَا) . أَيْ: لِمَا سَبَقَ مِنَ الْحِكْمَةِ.
قَالَ الطِّيبِيُّ - ﵀: هُوَ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا﴾ [الأنعام: ٦٥] أَيْ: يَجْعَلَ كُلَّ فِرْقَةٍ مِنْكُمْ مُتَابِعَةً لِإِمَامٍ، وَيَنْشُبَ الْقِتَالُ بَيْنَكُمْ، وَتَخْتَلِطُوا وَتَشْتَبِكُوا فِي مَلَاحِمِ الْقِتَالِ، يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ، وَيُذِيقُ بَعْضُكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ. الْمَعْنَى: يَخْلِطُكُمْ فِرَقًا مُخْتَلِفِينَ عَلَى أَهْوَاءٍ شَتَّى اه.
وَفِي الْمَعَالِمِ ذَكَرَ بِإِسْنَادِهِ الْمُتَّصِلِ إِلَى الْبُخَارِيِّ مُسْنَدًا إِلَى جَابِرٍ قَالَ: «لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ﴾ [الأنعام: ٦٥] قَالَ: أَعُوذُ بِوَجْهِكَ ﴿أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ [الأنعام: ٦٥] قَالَ: أَعُوذُ بِوَجْهِكَ ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾ [الأنعام: ٦٥] قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: (هَذَا أَهْوَنُ أَوْ هَذَا أَيْسَرُ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ) .
[ ٩ / ٣٦٨٢ ]
٥٧٥٥ - وَعَنْ أَبِي مَالِكٍ الْأَشْعَرِيِّ، ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: («إِنَّ اللَّهَ ﷿ أَجَارَكُمْ مِنْ ثَلَاثِ خِلَالٍ: أَنْ لَا يَدْعُوَ عَلَيْكُمْ نَبِيُّكُمْ فَتَهْلَكُوا جَمِيعًا، وَأَنْ لَا يُظْهِرَ أَهْلَ الْبَاطِلِ عَلَى أَهْلِ الْحَقِّ وَأَلَّا تَجْتَمِعُوا عَلَى ضَلَالَةٍ») رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
_________________
(١) (وَعَنْ أَبِي مَالِكٍ الْأَشْعَرِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: إِنَّ اللَّهَ ﷿ أَجَارَكُمْ) أَيْ: حَفِظَكُمْ وَأَنْقَذَكُمْ (مِنْ ثَلَاثِ خِلَالٍ) أَيْ: خِصَالٍ (أَنْ لَا يَدْعُوَ عَلَيْكُمْ نَبِيُّكُمْ) أَيْ: يَكْفُرَ بَعْضُكُمْ. قَالَهُ ابْنُ الْمَلَكِ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ لَا يَدْعُوَ عَلَيْكُمْ دُعَاءَ الِاسْتِئْصَالِ بِالْهَلَاكِ (فَتَهْلَكُوا جَمِيعًا)، أَيْ: كَمَا دَعَا نُوحٌ وَمُوسَى، ذَكَرَهُ ابْنُ الْمَلَكِ، لَكِنْ دُعَاءُ مُوسَى كَانَ خَاصًّا بِبَعْضِ قَوْمِهِ وَهُوَ الْقِبْطُ دُونَ السِّبْطِ كَمَا لَا يَخْفَى، (وَأَنْ لَا يَظْهَرَ)؟ أَيْ: لَا يَغْلِبَ (أَهْلُ الْبَاطِلِ) أَيْ: وَإِنْ كَثُرَ أَنْصَارُهُ (عَلَى أَهْلِ الْحَقِّ) أَيْ: وَإِنْ قَلَّ أَعْوَانُهُ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ - ﷺ: («لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ») عَلَى مَا رَوَاهُ الْحَاكِمُ عَنْ عُمَرَ. وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ مَاجَهْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ («لَا يَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي قَوَّامَةٌ عَلَى أَمْرِ اللَّهِ لَا يَضُرُّهَا مَنْ خَالَفَهَا») وَلَعَلَّهُ مُقْتَبَسٌ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ [التوبة: ٣٢] وَفِي الْمَصَابِيحِ عَلَى الْحَقِّ قَالَ شَارِحٌ لَهُ أَيْ: بِحَيْثُ يَمْحَقُهُ وَيُطْفِئُ نُورَهُ، وَإِنْ كَانَتِ الرِّوَايَةُ عَلَى أَهْلِ الْحَقِّ، فَإِنَّهُ أَرَادَ بِهِ الظُّهُورَ كُلَّ الظُّهُورِ حَتَّى لَا يَبْقَى لَهُمْ فِئَةٌ وَلَا جَمَاعَةٌ. قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: يُرِيدُ أَنَّ الْبَاطِلَ وَإِنْ كَثُرَتْ أَنْصَارُهُ، فَلَا يَغْلِبُ الْحَقَّ بِحَيْثُ يَمْحَقُهُ وَيُطْفِئُ نُورَهُ، وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ بِحَمْدِ اللَّهِ مَعَ مَا ابْتُلِينَا بِهِ مِنَ الْأَمْرِ الْفَادِحِ وَالْمِحْنَةِ الْعُظْمَى بِتَسَلُّطِ الْأَعْدَاءِ عَلَيْنَا، وَمَعَ اسْتِمْرَارِ الْبَاطِلِ، فَالْحَقُّ أَبْلَجُ وَالشَّرِيعَةُ قَائِمَةٌ لَمْ تَخْمَدْ نَارُهَا وَلَمْ يَنْدَرِسْ مَنَارُهَا، (وَأَنْ لَا تَجْتَمِعُوا عَلَى ضَلَالَةٍ) أَيْ: وَأَنْ لَا تَتَّفِقُوا عَلَى شَيْءٍ بَاطِلٍ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ إِجْمَاعَ الْأُمَّةِ حُجَّةٌ، وَأَنَّ مَا هُوَ حَسَنٌ عِنْدَ النَّاسِ فَهُوَ حَسَنٌ عِنْدَ اللَّهِ وَيُقَوِّيهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ١١٥] . فَهَذَا مَأْخَذٌ حَسَنٌ لِقَوْلِهِمِ الْإِجْمَاعُ حُجَّةٌ اسْتَنْبَطَهُ الشَّافِعِيُّ - ﵀ - مِنَ الْكِتَابِ، قَالَ الطِّيبِيُّ وَحَرْفُ النَّفْيِ فِي الْقَرَائِنِ زَائِدٌ مِثْلَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ﴾ [الأعراف: ١٢] وَفَائِدَةُ تَأْكِيدِ مَعْنَى الْفِعْلِ الَّذِي يَدْخُلُ عَلَيْهِ وَتَحْقِيقِهِ وَذَلِكَ أَنَّ الْإِجَارَةَ إِنَّمَا تَسْتَقِيمُ إِذَا كَانَتِ الْخِلَالُ مُثْبَتَةٌ أَوْ مَنْفِيَّةٌ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) .
[ ٩ / ٣٦٨٢ ]
٥٧٥٦ - وَعَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ، ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: «لَنْ يَجْمَعَ اللَّهُ عَلَى هَذِهِ الْأُمَّةِ سَيْفَيْنِ: سَيْفًا مِنْهَا وَسَيْفًا مَنْ عَدُوِّهَا» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
_________________
(١) (وَعَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: «لَنْ يَجْمَعَ اللَّهُ عَلَى هَذِهِ الْأُمَّةِ سَيْفَيْنِ: سَيْفًا مِنْهَا وَسَيْفًا مِنْ [غَيْرِهَا»] أَيْ: بَلِ اخْتَارَ اللَّهُ الْأَيْسَرَ مِنْهَا، وَهُوَ السَّيْفُ مِنْهَا دُونَ السَّيْفِ مِنْ غَيْرِهَا عَلَى وَجْهِ الِاسْتِئْصَالِ، وَإِلَّا فَقَدْ يَجْتَمِعَانِ فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ فَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى الْمِلَّةِ، وَبِشَارَةٌ فِي حِفْظِ هَذِهِ الْأُمَّةِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لِمَا صَحَّ فِي مُسْلِمٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ مَرْفُوعًا: («لَنْ يَبْرَحَ هَذَا الدِّينُ قَائِمًا يُقَاتِلُ عَلَيْهِ عِصَابَةٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ») . وَقَالَ الْقَاضِي: مَعْنَاهُ أَنَّ سُيُوفَهُمْ وَسُيُوفَ أَعْدَائِهِمْ لَا يَجْتَمِعَانِ عَلَيْهِمْ فَيُؤَدِّيَانِ إِلَى اسْتِئْصَالِهِمْ بَلْ إِذَا جَعَلُوا بِأْسَهُمْ بَيْنَهُمْ سُلِّطَ عَلَيْهِمُ الْعَدُوُّ، فَيَشْغَلَهُمْ بِهِ عَنْ أَنْفُسِهِمْ، وَيَكُفَّ عَنْهُمْ بَأْسَهُمْ، وَهُوَ مِنْ قَوْلِ الشَّيْخِ التُّورِبِشْتِيِّ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: الظَّاهِرُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّهُ تَعَالَى وَعَدَنِي أَنْ لَا يَجْمَعَ عَلَى أُمَّتِي مُحَارَبَتَيْنِ مُحَارَبَةَ بَعْضِهِمْ بَعْضًا، وَمُحَارَبَةَ الْكُفَّارِ مَعَهُمْ، بَلْ تَكُونُ إِحْدَاهُمَا فَإِذَا كَانَتْ إِحْدَاهُمَا لَا يَكُونُ الْأُخْرَى، لِأَنَّهُ مُوَافِقٌ لِلْأَحَادِيثِ السَّابِقَةِ، لِأَنَّهُ - ﷺ - سَأَلَ رَبَّهُ تَعَالَى أَنْ لَا يُسَلِّطَ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِنْ غَيْرِهِمْ يَسْتَأْصِلُهُمْ، وَسَأَلَهُ أَنْ لَا يُذِيقَ بَعْضَهُمْ بَأْسَ بَعْضٍ، فَأَجَابَ الْأَوَّلَ، وَمَنَعَ الثَّانِي، وَلَمْ يَجْمَعْ بَيْنَ الْمَنْعَيْنِ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) .
[ ٩ / ٣٦٨٣ ]
٥٧٥٧ - «وَعَنِ الْعَبَّاسِ ﵁، أَنَّهُ جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ - فَكَأَنَّهُ سَمِعَ شَيْئًا. فَقَامَ النَّبِيُّ - ﷺ - عَلَى الْمِنْبَرِ فَقَالَ (مَنْ أَنَا؟) فَقَالُوا: أَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ. فَقَالَ: أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ الْخَلْقَ فَجَعَلَنِي فِي خَيْرِهِمْ، ثُمَّ جَعَلَهُمْ فِرْقَتَيْنِ فَجَعَلَنِي فِي خَيْرِهِمْ فِرْقَةً، ثُمَّ جَعَلَهُمْ قَبَائِلَ فَجَعَلَنِي فِي خَيْرِهِمْ قَبِيلَةً، ثُمَّ جَعَلَهُمْ بُيُوتًا فَجَعَلَنِي فِي خَيْرِهِمْ بَيْتًا، فَأَنَا خَيْرُهُمْ نَفْسًا وَخَيْرُهُمْ بَيْتًا» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
_________________
(١) (وَعَنِ الْعَبَّاسِ أَنَّهُ جَاءَ) أَيْ: غَضْبَانَ (إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ - فَكَأَنَّهُ سَمِعَ شَيْئًا) أَيْ: مِنَ الطَّعْنِ فِي نَسَبِهِ أَوْ حَسَبِهِ (فَقَامَ النَّبِيُّ - ﷺ - عَلَى الْمِنْبَرِ) أَيْ: لِيَكُونَ بَيَانَ أَمْرِهِ أَظْهَرُ عَلَى رُءُوسِ الْمَحْضَرِ (فَقَالَ: مَنْ أَنَا)؟ اسْتِفْهَامُ تَقْرِيرٍ عَلَى جِهَةِ التَّبْكِيتِ (فَقَالُوا: أَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ) . فَلَمَّا كَانَ قَصْدُهُ - ﷺ - بَيَانَ نَسَبِهِ وَهُمْ عَدَلُوا عَلَى ذَلِكَ الْمَعْنَى، وَلَمْ يَكُنِ الْكَلَامُ فِي ذَلِكَ الْمَبْنَى (قَالَ: أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ)، يَعْنِي وَهُمَا مَعْرُوفَانِ عِنْدَ الْعَارِفِ الْمُنْتَسِبِ. قَالَ الطِّيبِيُّ قَوْلُهُ: فَكَأَنَّهُ سَمِعَ مُسَبَّبٌ عَنْ مَحْذُوفٍ أَيْ: جَاءَ الْعَبَّاسُ غَضْبَانَ بِسَبَبِ مَا سَمِعَ طَعْنًا مِنَ الْكُفَّارِ فِي رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - نَحْوَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١] كَأَنَّهُمْ حَقَّرُوا شَأْنَهُ، وَأَنَّ هَذَا الْأَمْرَ الْعَظِيمَ الشَّأْنِ لَا يَلِيقُ إِلَّا بِمَنْ هُوَ عَظِيمٌ مِنْ إِحْدَى الْقَرْيَتَيْنِ، كَالْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةَ وَعُرْوَةَ بْنِ مَسْعُودٍ الثَّقَفِيِّ مَثَلًا، فَأَقَرَّهُمْ - ﷺ - عَلَى سَبِيلِ التَّبْكِيتِ عَلَى مَا يَلَزَمُ تَعْظِيمَهُ وَتَفْخِيمَهُ، فَإِنَّهُ أَوْلَى بِهَذَا الْأَمْرِ مِنْ غَيْرِهِ، لِأَنَّ نَسَبَهُ أَعْرَفُ، وَأَرُومِيَّتَهُ أَعْلَى وَأَشْرَفُ، وَمِنْ ثَمَّ لَمَّا - قَالُوا أَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ رَدَّهُمْ بِقَوْلِهِ: أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَيُعَضِّدُ هَذَا التَّأْوِيلَ مَا رَوَى الْبُخَارِيُّ عَنْ أَبِي سُفْيَانَ أَنَّهُ حِينَ سَأَلَهُ هِرَقْلُ عَظِيمُ الرُّومِ عَنْ نَسَبِهِ - ﷺ - فَقَالَ: هُوَ فِينَا ذُو نَسَبٍ، فَقَالَ هِرَقْلُ: سَأَلْتُكَ عَنْ نَسَبِهِ، فَذَكَرْتُ أَنَّهُ فِيكُمْ ذُو نَسَبٍ، وَكَذَلِكَ الرُّسُلُ تُبْعَثُ فِي نَسَبِ قَوْمِهَا، أَلَا تَرَى كَيْفَ جَعَلَ النَّسَبَ ظَرْفًا لِ " تُبْعَثُ " وَأَتَى بِفِي أَيْ: فِي النَّسَبِ اه. ثُمَّ اسْتَأْنَفَ فِي بَيَانِ مَا رَزَقَهُ اللَّهُ مِنْ طَهَارَةِ نَسَبِهِ وَنَظَافَةِ حَسَبِهِ عُمُومًا وَخُصُوصًا، تَحُدُّثًا بِنِعْمَتِهِ وَتَرْغِيبًا لِأُمَّتِهِ فِي أَمْرِ مُتَابَعَتِهِ (فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ الْخَلْقَ) أَيْ: الْجِنَّ وَالْإِنْسَ، وَأَبْعَدَ الطِّيبِيُّ وَأَدْخَلَ الْمَلَكَ مَعَهُمْ لِقَوْلِهِ: (فَجَعَلَنِي فِي خَيْرِهِمْ) وَهُوَ الْإِنْسُ (ثُمَّ جَعَلَهُمْ) أَيْ: صَيَّرَ هَذَا الْخَيْرَ بِمَعْنَى الْخَيَارَ أَوِ الْأَخْبَارَ (فِرْقَتَيْنِ) أَيْ: عَرَبًا وَعَجَمًا (فَجَعَلَنِي فِي خَيْرِهِمْ فِرْقَةً)، وَهُمُ الْعَرَبُ (ثُمَّ جَعَلَهُمْ قَبَائِلَ فَجَعَلَنِي فِي خَيْرِهِمْ قَبِيلَةً)، يَعْنِي قُرَيْشًا (ثُمَّ جَعَلَهُمْ بُيُوتًا) أَيْ: بُطُونًا (فَجَعَلَنِي فِي خَيْرِهِمْ بَيْتًا) يَعْنِي بَطْنَ بَنِي هَاشِمٍ (فَأَنَا خَيْرُهُمْ نَفْسًا) أَيْ: ذَاتًا وَحَسَبًا (وَخَيْرُهُمْ بَيْتًا) أَيْ: بَطْنًا وَنَسَبًا وَإِلَيْهِ أَشَارَ تَعَالَى بِقَوْلِهِ ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ [التوبة: ١٢٨] .
[ ٩ / ٣٦٨٣ ]
وَقَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٦٤] بِفَتْحِ الْفَاءِ فِيهِمْ عَلَى قِرَاءَةٍ شَاذَّةٍ صَحِيحَةٍ قَالَ الطِّيبِيُّ قَوْلُهُ: ثُمَّ جَعَلَهُمْ قَبَائِلَ بَعْدَ قَوْلِهِ: ثُمَّ جَعَلَهُمْ فِرْقَتَيْنِ إِشَارَةٌ إِلَى بَيَانِ الطَّبَقَاتِ السِّتِّ الَّتِي عَلَيْهَا الْعَرَبُ وَهِيَ الشَّعْبُ وَالْقَبِيلَةُ وَالْعِمَارَةُ، وَالْبَطْنُ، وَالْفَخِذُ، وَالْفَصِيلَةُ، وَالشَّعْبُ يَجْمَعُ الْقَبَائِلَ، وَالْقَبِيلَةُ تَجْمَعُ الْعَمَائِرَ، وَالْعَمَائِرُ، وَالْعِمَارَةُ تَجْمَعُ الْبُطُونَ، وَالْبَطْنُ يَجْمِعُ الْأَفْخَاذَ، وَالْفَخِذُ يَجْمَعُ الْفَصَائِلَ، فَخُزَيْمَةُ شَعْبٌ، وَكِنَانَةُ قَبِيلَةٌ، وَقُرَيْشٌ عِمَارَةٌ، وَقُصَيٌّ بَطْنٌ، وَهَاشِمٌ فَخِذٌ، وَالْعَبَّاسُ فَصِيلَةٌ، وَسُمِّيَتِ الشُّعُوبَ لِأَنَّ الْقَبَائِلَ تَتَشَعَّبُ مِنْهَا فَقَوْلُهُ: خَلَقَ الْخَلْقَ أَيِ: الْمَلَائِكَةَ وَالثَّقَلَيْنِ، فَجَعَلَنِي فِي خَيْرِهِمْ أَيْ: فِي الْعَرَبِ وَهَلُمَّ جَرًّا، فَإِنَّا بِفَضْلِ اللَّهِ وَلُطْفِهِ عَلَى مَا فِي سَابِقِ الْأَزَلِ خَيْرُ الْخَلْقِ نَفْسًا حَيْثُ خَلَقَنِي إِنْسَانًا وَرَسُولًا خَاتِمًا لِلرُّسُلِ، تَمَّمَ دَائِرَةَ الرُّسُلِ بِي، وَجَعَلَنِي نُقْطَةَ تِلْكَ الدَّائِرَةِ، يَطُوفُ جَمِيعُهُمْ حَوْلِي وَيَحْتَاجُونَ إِلَيَّ، وَخَيْرَهُمْ بَطْنًا حَيْثُ نَقَلَنِي مِنْ طَيِّبٍ إِلَى طَيِّبٍ إِلَى أَنْ نَقَلَنِي مَنْ صُلْبِ عَبْدِ اللَّهِ بِالنِّكَاحِ مِنْ أَشْرَفِ الْقَبَائِلِ وَالْبُطُونِ، فَأَنَا أَفْضَلُ خَلْقِ اللَّهِ تَعَالَى، وَأَكْرَمُهُمْ لَدَيْهِ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ): وَلَفْظُ الْجَامِعِ («إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ الْخَلْقَ فَجَعَلَنِي فِي خَيْرِ فِرَقِهِمْ، وَخَيْرِ الْفِرْقَتَيْنِ، ثُمَّ خَيَّرَ الْقَبَائِلَ، فَجَعَلَنِي فِي خَيْرِ الْقَبِيلَةِ، ثُمَّ خَيَّرَ الْبُيُوتَ فَجَعَلَنِي فِي خَيْرِ بُيُوتِهِمْ، فَأَنَا خَيْرُهُمْ نَفْسًا وَخَيْرُهُمْ بَيْتًا») .
[ ٩ / ٣٦٨٤ ]
٥٧٥٨ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، ﵁، قَالَ: قَالُوا: «يَا رَسُولَ اللَّهِ! مَتَى وَجَبَتْ لَكَ النُّبُوَّةُ؟ قَالَ: وَآدَمُ بَيْنَ الرُّوحِ وَالْجَسَدِ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
_________________
(١) (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! مَتَى وَجَبَتْ لَكَ النُّبُوَّةُ)؟ أَيْ: ثَبَتَتْ (قَالَ: وَآدَمُ) أَيْ: وَجَبَتْ لِيَ النُّبُوَّةُ وَالْحَالُ أَنَّ آدَمَ (بَيْنَ الرُّوحِ وَالْجَسَدِ) يَعْنِي وَأَنَّهُ مَطْرُوحٌ عَلَى الْأَرْضِ صُورَةً بِلَا رُوحٍ، وَالْمَعْنَى أَنَّهُ قَبْلَ تَعَلُّقِ رُوحِهِ بِجَسَدِهِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: هَذَا هُوَ جَوَابٌ لِقَوْلِهِمْ: مَتَى وَجَبَتْ أَيْ: وَجَبَتْ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ فَعَامِلُ الْحَالِ وَصَاحِبُهَا مَحْذُوفَانِ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ! وَرَوَاهُ ابْنُ سَعْدٍ وَأَبُو نُعَيْمٍ فِي الْحِلْيَةِ عَنْ مَيْسَرَةَ الْفَخْرِ، وَابْنُ سَعْدٍ عَنِ ابْنِ أَبِي الْجَدْعَاءَ، وَالطَّبَرَانِيُّ الْكَبِيرُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ («كُنْتُ نَبِيًّا وَآدَمُ فِي الرُّوحِ وَالْجَسَدِ») كَذَا فِي الْجَامِعِ، وَقَالَ ابْنُ رَبِيعٍ: أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَالْبُخَارِيُّ فِي تَارِيخِهِ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمٌ، وَرَوَى أَبُو نُعَيْمٍ فِي الدَّلَائِلِ وَغَيْرِهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: («كُنْتُ أَوَّلَ النَّبِيِّينَ فِي الْخَلْقِ وَآخِرَهُمْ فِي الْبَعْثِ») وَأَمَّا مَا يَدُورُ فِي الْأَلْسِنَةِ بِلَفْظِ: («كُنْتُ نَبِيًّا وَآدَمُ بَيْنَ الْمَاءِ وَالطِّينِ») فَقَالَ السَّخَاوِيُّ: لَمْ أَقِفْ عَلَيْهِ بِهَذَا اللَّفْظِ، فَضْلًا عَنْ زِيَادَةِ " «وَكُنْتُ نَبِيًّا وَلَا مَاءَ وَلَا طِينَ»، وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ فِي بَعْضِ أَجْوِبَتِهِ: إِنَّ الزِّيَادَةَ ضَعِيفَةٌ وَمَا قَبْلَهَا قَوِيٌّ. وَقَالَ الزَّرْكَشِيُّ: لَا أَصْلَ لَهُ بِهَذَا اللَّفْظِ، وَلَكِنْ فِي التِّرْمِذِيِّ: «مَتَى كُنْتَ نَبِيًّا؟ قَالَ: (وَآدَمُ بَيْنَ الرُّوحِ وَالْجَسَدِ») . قَالَ السُّيُوطِيُّ: وَزَادَ الْعَوَّامُّ وَلَا آدَمَ وَلَا مَاءَ وَلَا طِينَ، وَلَا أَصْلَ لَهُ أَيْضًا.
[ ٩ / ٣٦٨٤ ]
٥٧٥٩ - وَعَنِ الْعِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ، ﵁، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - أَنَّهُ قَالَ «إِنِّي عِنْدَ اللَّهِ مَكْتُوبٌ: خَاتَمُ النَّبِيِّينَ، وَإِنَّ آدَمَ لِمُنْجَدِلٌ فِي طِينَتِهِ، وَسَأُخْبِرُكُمْ بِأَوَّلِ أَمْرِي، دَعْوَةُ إِبْرَاهِيمَ، وَبِشَارَةُ عِيسَى، وَرُؤْيَا أُمِّي الَّتِي رَأَتْ حِينَ وَضَعَتْنِي وَقَدْ خَرَجَ لَهَا نُورٌ أَضَاءَ لَهَا مِنْهُ قُصُورُ الشَّامِ» . رَوَاهُ فِي " شَرْحِ السُّنَّةِ ".
_________________
(١) (وَعَنِ الْعِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ)، بِكَسْرِ الْعَيْنِ صَحَابِيٌّ جَلِيلٌ (عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - أَنَّهُ قَالَ: إِنِّي عِنْدَ اللَّهِ مَكْتُوبٌ خَاتَمُ النَّبِيِّينَ): بِفَتْحِ التَّاءِ وَكَسْرِهَا، وَهُوَ مَرْفُوعٌ عَلَى أَنَّهُ نَائِبُ الْفَاعِلِ، وَقِيلَ: مَنْصُوبٌ عَلَى التَّمْيِيزِ أَيْ: مَكْتُوبٌ مِنْ هَذِهِ الْحَيْثِيَّةِ (وَإِنَّ آدَمَ لَمُنْجَدِلٌ) مِنَ الْجَدْلِ وَهُوَ الْإِلْقَاءُ عَلَى الْأَرْضِ الصَّلْبَةِ أَيْ: وَالْحَالُ أَنَّهُ لَسَاقِطٌ وَمُلْقًى (فِي طِينَتِهِ)، أَيْ: خِلْقَتِهِ وَهُوَ خَبَرٌ ثَانٍ؛ لِأَنَّ الْجُمْلَةَ حَالٌ مِنْ ضَمِيرِ (مَكْتُوبٌ) أَيْ: كُتِبْتُ خَاتَمَ الْأَنْبِيَاءِ فِي الْحَالِ الَّتِي آدَمُ مَطْرُوحٌ عَلَى الْأَرْضِ حَاصِلٌ فِي أَثْنَاءِ خِلْقَتِهِ، لَمَّا يُفْرَغْ مِنْ تَصْوِيرِهِ وَتَعَلُّقِ الرُّوحِ بِهِ، كَذَا ذَكَرَهُ الشُّرَّاحُ. (وَسَأُخْبِرُكُمْ بِأَوَّلِ أَمْرِي): قِيلَ أَيْ: بِأَوَّلِ مَا ظَهَرَ مِنْ نُبُوَّتِي وَرِفْعَتِي فِي الدُّنْيَا عَلَى لِسَانِ أَبِي.
[ ٩ / ٣٦٨٤ ]
الْمِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ ﵇، وَقَوْلُهُ: (دَعْوَةُ إِبْرَاهِيمَ) بِالرَّفْعِ أَيْ: هُوَ دَعْوَةُ إِبْرَاهِيمَ حِينَ بَنَى الْكَعْبَةَ فَقَالَ: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ [البقرة: ١٢٩] فَاسْتَجَابَ اللَّهُ دُعَاءَهُ، وَفِي نُسْخَةٍ بِالْجَرِّ عَلَى الْبَدَلِيَّةِ مِمَّا قَبْلَهُ وَكَذَا قَوْلُهُ: (وَبِشَارَةُ عِيسَى) يَعْنِي قَوْلَهُ: ﴿وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ [الصف: ٦] (وَرُؤْيَا أُمِّيِ الَّتِي رَأَتْ حِينَ وَضَعَتْنِي:) قَالَ الطِّيبِيُّ وَغَيْرُهُ: يُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ مِنْهَا الرُّؤْيَةُ فِي الْمَنَامِ، وَفِي الْيَقَظَةِ، فَعَلَى الْأَوَّلِ مَعْنَى وَضَعَتْ أَيْ شَارَفَتْ وَقَرُبَتْ مِنَ الْوَضْعِ، وَذَلِكَ مَا رَوَاهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي كِتَابِ الْوَفَاءِ أَنَّ أُمَّهُ - ﷺ - رَأَتْ حِينَ دَنَتْ وِلَادَتُهَا أَتَاهَا آتٍ فَقَالَ: قُولِي أُعِيذُهُ بِالْوَاحِدِ مِنْ شَرِّ كُلِّ حَاسِدٍ، بَعْدَ أَنْ رَأَتْ حِينَ حَمَلَتْ بِهِ أَنَّ آتِيًا أَتَاهَا وَقَالَ: هَلْ شَعَرْتِ أَنَّكِ حَمَلْتِ بِسَيِّدِ هَذِهِ الْأُمَّةِ وَنَبِيِّهَا، وَعَلَى الثَّانِي يَكُونُ الْمَرْئِيُّ مَحْذُوفًا وَهُوَ مَا دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ (وَقَدْ خَرَجَ) أَيْ: ظَهَرَ (لَهَا) أَيْ: لِأُمِّي (نُورٌ أَضَاءَ) أَيْ:؟ تَبَيَّنَ (لَهَا مِنْهُ) أَيْ: مِنْ ذَلِكَ النُّورِ (قُصُورُ الشَّامِ) وَذَلِكَ النُّورُ عِبَارَةٌ عَنْ ظُهُورِ نُبُوَّتِهِ مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَاضْمَحَلَّ بِهَا ظُلْمَةُ الْكُفْرِ وَالضَّلَالَةِ. وَفِي نُسْخَةٍ بِنَصْبِ " قُصُورَ "، وَهُوَ لَا يَخْلُو عَنْ قُصُورٍ لِوُجُودِ مِنْهُ، وَإِلَّا فَأَضَاءَ جَاءَ لَازِمًا وَقَاصِرًا (رَوَاهُ) أَيِ: الْبَغَوِيُّ الْحَدِيثَ بِكَمَالِهِ (فِي شَرْحِ السُّنَّةِ) . أَيْ بِإِسْنَادِهِ عَنِ الْعِرْبَاضِ.
[ ٩ / ٣٦٨٥ ]
٥٧٦٠ - (وَرَوَاهُ أَحْمَدُ، ﵁، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ مِنْ قَوْلِهِ: (سَأُخْبِرُكُمْ) إِلَخْ.
_________________
(١) (وَرَوَاهُ أَحْمَدُ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ مِنْ قَوْلِهِ: سَأُخْبِرُكُمْ): إِلَخْ. قُلْتُ: وَفِي صَحِيحِ ابْنِ حِبَّانَ وَالْحَاكِمِ عَنِ الْعِرْبَاضِ: («إِنِّي عِنْدَ اللَّهِ لَمَكْتُوبٌ خَاتَمُ النَّبِيِّينَ وَإِنَّ آدَمَ لَمُنْجَدِلٌ فِي طِينَتِهِ») . وَرَوَى ابْنُ عَسَاكِرَ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ وَلَفْظُهُ: («أَنَا دَعْوَةُ إِبْرَاهِيمَ، وَكَانَ آخِرَ مَنْ بَشَّرَ بِي عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ») .
[ ٩ / ٣٦٨٥ ]
٥٧٦١ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ، ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: «أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا فَخْرَ، وَبِيَدِي لِوَاءُ الْحَمْدِ وَلَا فَخْرَ. وَمَا مِنْ نَبِيٍّ يَوْمَئِذٍ آدَمُ فَمَنْ سِوَاهُ إِلَّا تَحْتَ لِوَائِي؟ وَأَنَا أَوَّلُ مَنْ تَنْشَقُّ عَنْهُ الْأَرْضُ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
_________________
(١) (وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: «أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ وَلَا فَخْرَ»)، أَيْ وَلَا أَقُولُهُ تَفَاخُرًا بَلِ اعْتِدَادًا بِفَضْلِهِ، وَتَحَدُّثًا بِنِعْمَتِهِ، وَتَبْلِيغًا لِمَا أُمِرْتُ بِهِ، وَقِيلَ: لَا أَفْتَخِرُ بِذَلِكَ، بَلْ فَخْرِي بِمَنْ أَعْطَانِي هَذِهِ الْمَرْتَبَةَ، أَقُولُ: وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى وَلَا فَخْرَ فِي هَذِهِ السِّيَادَةِ، بَلْ أَفْتَخِرُ بِالْعُبُودِيَّةِ لَهُ وَالْعِبَادَةِ، فَإِنَّهُ يُوجِبُ الْحُسْنَى وَالزِّيَادَةَ. قَالَ الطِّيبِيُّ قَوْلُهُ: وَلَا فَخْرَ حَالٌ مُؤَكِّدَةٌ أَيْ: أَقُولُ هَذَا وَلَا فَخْرَ. قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: الْفَخْرُ ادِّعَاءُ الْعَظَمَةِ وَالْمُبَاهَاةِ بِالْأَشْيَاءِ الْخَارِجَةِ عَنِ الْإِنْسَانِ كَالْمَالِ وَالْجَاهِ قَالَ النَّوَوِيُّ: فِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: قَالَهُ امْتِثَالًا لِأَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى: ١١] وَثَانِيهُمَا أَنَّهُ مِنَ الْبَيَانِ الَّذِي يَجِبُ عَلَيْهِ تَبْلِيغُهُ إِلَى أُمَّتِهِ لِيَعْرِفُوهُ وَيَعْتَقِدُوهُ، وَيَعْمَلُوا بِمُقْتَضَاهُ فِي تَوْفِيرِهِ، كَمَا أَمَرَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ. قَالَ الرَّاغِبُ، فَإِنْ قُلْتَ: كَيْفَ اسْتُحْسِنَ مَدْحُ الْإِنْسَانِ نَفْسَهُ، وَقَدْ عُلِمَ فِي الشَّاهِدِ اسْتِقْبَاحُهُ حَتَّى قِيلَ لِلْحَكِيمِ: مَا الَّذِي لَا يَحْسُنُ وَإِنْ كَانَ حَقًّا؟ قَالَ: مَدْحُ الرَّجُلِ نَفْسَهُ. قُلْنَا: قَدْ يَحْسُنُ ذَلِكَ عِنْدَ تَنْبِيهِ الْمُخَاطَبِ عَلَى مَا خَفِيَ عَلَيْهِ مِنْ حَالِهِ كَقَوْلِ الْمُعَلِّمِ لِلْمُتَعَلِّمِ: اسْمَعْ مِنِّي لَا تَجِدُ مِثْلِي، وَعَلَى ذَلِكَ قَوْلُ يُوسُفَ ﵇: ﴿اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٥٥] وَسُئِلَ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ عَنْ شَيْءٍ لَمْ يَقْبُحْ إِطْلَاقُهُ فِي اللَّهِ تَعَالَى، مَعَ وُرُودِ الشَّرْعِ فَأَنْشَدَ: وَيَقْبُحُ مِنْ سِوَاكَ الشَّيْءُ عِنْدِي وَتَفْعَلُهُ فَيَحْسُنُ مِنْكَ ذَاكَا
[ ٩ / ٣٦٨٥ ]
قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ فِي الْإِحْيَاءِ: قَالَ عُمَرُ ﵁: الْمَدْحُ هُوَ الذَّبْحُ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمَذْبُوحَ هُوَ الَّذِي يَفْتُرُ عَنِ الْعَمَلِ، فَكَذَلِكَ الْمَمْدُوحُ، لِأَنَّ الْمَدْحَ يُوجِبُ الْفُتُورَ وَيُورِثُ الْكِبْرَ وَالْعُجْبَ، وَهُوَ لِذَلِكَ مُهْلِكٌ كَالذَّبْحِ، فَإِنْ سَلِمَ الْمَدْحُ عَنْ هَذِهِ الْآفَاتِ لَمْ يَكُنْ بِهِ بَأْسٌ، بَلْ رُبَّمَا كَانَ مَنْدُوبًا إِلَيْهِ، وَلِذَلِكَ أَتَى رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - عَلَى الصَّحَابَةِ، وَكَانُوا أَجَلَّ رُتْبَةً مِنْ أَنْ يُورِثَهُمْ ذَلِكَ كِبْرًا أَوْ عُجْبًا، بَلْ يَزِيدُهُمْ جِدًّا، يَبْعَثُهُمْ أَنْ يَزِيدُوا فِيمَا يَسْتَوْجِبُونَ الْحَمْدَ مِنْ مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ. وَنَظِيرُهُ الْعَالِمُ أَوِ الشَّيْخُ إِذَا أَثْنَى عَلَيْهِ تِلْمِيذُهُ، أَوْ مُرِيدُهُ الْقَابِلُ الْعَاقِلُ بِمَحْضَرِ جَمَاعَةٍ، فَإِنَّهُ لَا شَكَّ أَنْ يَكُونَ سَبَبًا لِزِيَادَةِ رَغْبَتِهِمَا فِي الْمُجَاهَدَةِ وَتَحْصِيلِ أَعْلَى مَرَاتِبِ الْعِلْمِ وَالْعِبَادَةِ، نَعَمْ يَقَعُ نَادِرًا بِمَنْ يَكُونُ فِيهِ الْبَلَادَةُ حَيْثُ يَحْصُلُ لَهُ الْفُتُورُ الْمُؤَدِّي إِلَى مَقَامِ الْقُصُورِ، فَيَتَوَقَّفُ عَنْ طَلَبِ الزِّيَادَةِ، فَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الْحَوْرِ بَعْدَ الْكَوْرِ، وَالنُّقْصَانِ بَعْدَ الزِّيَادَةِ، وَقَدْ قِيلَ: مَنْ لَمْ يَكُنْ فِي زِيَادَةٍ، فَهُوَ فِي نُقْصَانٍ، وَمَنِ اسْتَوَى يَوْمَاهُ فَهُوَ مَغْبُونُ زَمَانِهِ، فَفِي الْحَدِيثِ (مَنْهُومَانِ لَا يَشْبَعَانِ) وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَقُلْ رَبِّي زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤] وَفِي النِّهَايَةِ قَالَهُ - ﷺ - إِخْبَارًا عَمَّا أَكْرَمَهُ اللَّهُ تَعَالَى مِنَ الْفَضْلِ وَالسُّؤْدُدِ، وَتَحَدُّثًا بِنِعْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى عِنْدَهُ، وَإِعْلَامًا مِنْهُ، لِيَكُونَ إِيمَانُهُمْ بِهِ عَلَى حَسْبِهِ وَمُوجِبِهِ وَلِهَذَا أَتْبَعَهُ بِقَوْلِهِ (وَلَا فَخْرَ) أَيْ: أَنَّ هَذِهِ الْفَضِيلَةَ الَّتِي نِلْتُهَا كَرَامَةً مِنَ اللَّهِ تَعَالَى لَمْ أَنَلْهَا مِنْ قِبَلِ نَفْسِي، وَلَا نِلْتُهَا بِقُوَّتِي فَلَيْسَ لِي أَنْ أَفْتَخِرَ بِهَا، (وَبِيَدِي) أَيْ: بِتَصَرُّفِي وَعِنْدِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي الْمَقَامِ الْمَحْمُودِ (لِوَاءُ الْحَمْدِ): اللِّوَاءُ بِالْكَسْرِ وَالْمَدِّ الْعَلَمُ، وَفِي الْعَرَصَاتِ مَقَامَاتٌ لِأَهْلِ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ يُنْصَبُ فِي كُلِّ مَقَامٍ لِكُلِّ مَتْبُوعٍ لِوَاءٌ يُعْرَفُ لَهُ، قُدْوَةَ حَقٍّ كَانَ أَوْ أُسْوَةَ بَاطِلٍ، وَأَعْلَى تِلْكَ الْمَقَامَاتِ مَقَامُ الْحَمْدِ، فَفِي النِّهَايَةِ: اللِّوَاءُ الرَّايَةُ، وَلَا يُمْسِكُهَا إِلَّا صَاحِبُ الْجَيْشِ، يُرِيدُ بِهِ انْفِرَادَهُ بِالْحَمْدِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَشُهْرَتَهُ عَلَى رُءُوسِ الْخَلَائِقِ، فَوَضَعَ اللِّوَاءَ مَوْضِعَ الشُّهْرَةِ.
قَالَ الطِّيبِيُّ: فَعَلَى هَذَا لِوَاءُ الْحَمْدِ عِبَارَةٌ عَنِ الشُّهْرَةِ، وَانْفِرَادِهِ بِالْحَمْدِ عَلَى رُءُوسِ الْخَلَائِقِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ لِحَمْدِهِ لِوَاءٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَقِيقَةً يُسَمَّى لِوَاءَ الْحَمْدِ، وَعَلَيْهِ كَلَامُ الشَّيْخِ التُّورِبِشْتِيُّ حَيْثُ قَالَ: لَا مَقَامَ مِنْ مَقَامَاتِ عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ أَرْفَعُ وَأَعْلَى مِنْ مَقَامِ الْحَمْدِ وَدُونَهُ يَنْتَهِي سَائِرُ الْمَقَامَاتِ، وَلَمَّا كَانَ نَبِيُّنَا سَيِّدُ الْمُرْسَلِينَ أَحْمَدَ الْخَلَائِقِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ أُعْطِيَ لِوَاءَ الْحَمْدِ لِيَأْوِيَ إِلَى لِوَائِهِ الْأَوَّلُونَ وَالْآخِرُونَ، وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ - ﷺ: («آدَمُ وَمَنْ دُونَهُ تَحْتَ لِوَائِي») وَلِهَذَا الْمَعْنَى افْتُتِحَ كِتَابُهُ بِالْحَمْدِ وَاشْتُقَّ اسْمُهُ مِنَ الْحَمْدِ، فَقِيلَ: مُحَمَّدٌ وَأَحْمَدُ، وَأُقِيمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ الْمَقَامَ الْمَحْمُودَ، وَيُفْتَحُ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ الْمَقَامِ مِنَ الْمَحَامِدِ مَا لَمْ يُفْتَحْ عَلَى أَحَدٍ قَبْلَهُ، وَلَا يُفْتَحُ عَلَى أَحَدٍ بَعْدَهُ، وَأَمَدَّ أُمَّتَهُ بِبَرَكَتِهِ مِنَ الْفَضْلِ الَّذِي آتَاهُ، فَنَعَتَ أُمَّتَهُ فِي الْكُتُبِ الْمُنَزَّلَةِ قَبْلَهُ بِهَذَا النَّعْتِ فَقَالَ: أَمَّتُهُ الْحَمَّادُونَ يَحْمَدُونَ اللَّهَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ لِلَّهِ الْحَمْدُ أَوَّلًا وَآخِرًا وَلَا فَخْرَ، فَإِنَّ مَرْتَبَةَ الْقُرْبِ الْمُرَتَّبِ عَلَيْهِ اللِّقَاءُ النَّاشِئُ عَنْ تَمَامِ الرِّضَا، وَالْفَنَاءِ بِالْبَقَاءِ أَعْلَى مِنْ ذَلِكَ لِخُلُوصِ التَّوَجُّهِ إِلَى الْمَوْلَى وَنِسْيَانِ مَا سِوَاهُ مِنَ الْوَرَى.
(وَمَا مِنْ نَبِيٍّ يَوْمَئِذٍ آدَمُ): بِالرَّفْعِ. وَقِيلَ: بِالْخَفْضِ عَلَى أَنَّهُ بَيَانٌ، أَوْ بَدَلٌ مِنْ مَحَلٍّ مِنْ نَبِيٍّ أَوْ مِنْ لَفْظِ نَبِيٍّ وَعُطِفَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: (فَمَنْ سِوَاهُ إِلَّا تَحْتَ لِوَائِي): قَالَ الطِّيبِيُّ: نَبِيٌّ نَكِرَةٌ وَقَعَتْ فِي سِيَاقِ النَّفْيِ، وَأُدْخِلَ عَلَيْهِ (مَنْ) الِاسْتِغْرَاقِيَّةُ فَيُفِيدُ اسْتِغْرَاقَ الْجِنْسِ، وَقَوْلُهُ (آدَمُ فَمَنْ) إِمَّا بَيَانٌ أَوْ بَدَلٌ مِنْ مَحَلِّهِ، وَمَنْ فِيهِ مَوْصُولَةٌ. وَسِوَاهُ: صِلَتُهُ. وَصَحَّ لِأَنَّهُ ظَرْفٌ وَأُوثِرَ الْفَاءُ التَّفْصِيلِيَّةُ فِي فَمَنْ سِوَاهُ عَلَى الْوَاوِ لِلتَّرْتِيبِ عَلَى مِنْوَالِ قَوْلِهِمْ: الْأَمْثَلُ فَالْأَمْثَلُ («وَأَنَا أَوَّلُ مَنْ تَنْشَقُّ عَنْهُ الْأَرْضُ وَلَا فَخْرَ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) وَزَادَ فِي الْجَامِعِ: («وَأَنَا أَوَّلُ شَافِعٍ وَأَوَّلُ مُشَفَّعٍ وَلَا فَخْرَ») رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ.
[ ٩ / ٣٦٨٦ ]
٥٧٦٢ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: «جَلَسَ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - فَخَرَجَ، حَتَّى إِذَا دَنَا مِنْهُمْ سَمِعَهُمْ يَتَذَاكَرُونَ، قَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّ اللَّهَ اتَّخَذَ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا، وَقَالَ آخَرُ: مُوسَى كَلَّمَهُ اللَّهُ تَكْلِيمًا، وَقَالَ آخَرُ: فَعِيسَى كَلِمَةُ اللَّهِ وَرُوحُهُ، قَالَ آخَرُ: آدَمُ اصْطَفَاهُ اللَّهُ، فَخَرَجَ عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ وَقَالَ: (قَدْ سَمِعْتُ كَلَامَكُمْ وَعَجَبَكُمْ أَنَّ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلُ اللَّهِ وَهُوَ كَذَلِكَ، وَمُوسَى نَبِيُّ اللَّهِ وَهُوَ كَذَلِكَ وَعِيسَى رُوحُهُ وَكَلِمَتُهُ وَهُوَ كَذَلِكَ، وَآدَمُ اصْطَفَاهُ اللَّهُ وَهُوَ كَذَلِكَ، أَلَا وَأَنَا حَبِيبُ اللَّهِ وَلَا فَخْرَ، وَأَنَا حَامِلُ لِوَاءِ الْحَمْدِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، تَحْتَهُ آدَمُ فَمَنْ دُونَهُ وَلَا فَخْرَ، وَأَنَا أَوَّلُ شَافِعٍ وَأَوَّلُ مُشَفَّعٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا فَخْرَ، وَأَنَا أَوَّلُ مَنْ يُحَرِّكُ حَلَقَ الْجَنَّةِ فَيَفْتَحُ اللَّهُ لِي فَيُدْخِلُنِيهَا وَمَعِي فُقَرَاءُ الْمُؤْمِنِينَ وَلَا فَخْرَ، وَأَنَا أَكْرَمُ الْأَوَّلِينَ وَالْآخَرِينَ عَلَى اللَّهِ وَلَا فَخْرَ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَالدَّارِمِيُّ.
_________________
(١) (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: جَلَسَ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - فَخَرَجَ حَتَّى إِذَا دَنَا مِنْهُمْ سَمِعَهُمْ): حَالٌ مِنَ الضَّمِيرِ فِي دَنَا، وَقَدْ مُقَدَّرَةٌ، وَقَوْلُهُ: (يَتَذَاكَرُونَ)، حَالٌ مِنَ الضَّمِيرِ الْمَنْصُوبِ فِي سَمِعَهُمْ، كَذَا ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ قَوْلَهُ: سَمِعَهُمْ جَوَابُ إِذَا، وَقَوْلُهُ: (قَالَ بَعْضُهُمْ) إِمَّا اسْتِئْنَافُ بَيَانٍ لِلتَّذَاكُرِ، أَوْ حَالٌ بِتَقْدِيرِ قَدْ أَوْ بِدُونِهِ (إِنَّ اللَّهَ اتَّخَذَ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا، وَقَالَ آخَرُ: مُوسَى كَلَّمَهُ اللَّهُ تَكْلِيمًا، وَقَالَ آخَرُ فَعِيسَى) أَيْ: إِذَا كَانَ الْكَلَامُ فِي التَّفَاضُلِ فَعِيسَى (كَلِمَةُ اللَّهِ وَرُوحُهُ) أَيْ شُرِّفَ بِإِضَافَتِهِمَا إِلَيْهِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: الْفَاءُ فِي قَوْلِهِ: فَعِيسَى جَوَابُ شَرْطٍ مَحْذُوفٍ أَيْ: إِذَا ذَكَرْتُمُ الْخَلِيلَ فَاذْكُرُوا عِيسَى كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ﴾ [الأنفال: ١٧] أَيْ إِذَا افْتَخَرْتُمْ بِقَتْلِهِمْ فَإِنَّكُمْ لَمْ تَقْتُلُوهُمْ (وَقَالَ آخَرُ: آدَمُ اصْطَفَاهُ اللَّهُ)، أَيْ بِتَعْلِيمِ الْأَسْمَاءِ وَبِإِسْجَادِ مَلَائِكَةِ السَّمَاءِ (فَخَرَجَ عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ): كَرَّرَهُ لِيُنِيطَ بِهِ غَيْرَ مَا أَنَاطَ بِهِ أَوَّلًا، أَوْ يَكُونَ خَرَجَ أَوَّلًا مِنْ مَكَانٍ وَثَانِيًا مِنْهُ إِلَى آخَرَ (وَقَالَ: قَدْ سَمِعْتُ كَلَامَكُمْ وَعَجَبَكُمْ) بِفَتْحَتَيْنِ أَيْ: وَفَهِمْتُ تَعَجُّبَكُمْ فَهُوَ مِنْ بَابِ: قُلِّدْتُ سَيْفًا وَرُمْحًا (أَنَّ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلُ اللَّهِ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ عَلَى أَنَّهُ بَدَلٌ مِمَّا قَبْلَهُ أَوْ مَفْعُولٌ لَهُ، وَفِي نُسْخَةٍ بِالْكَسْرِ اسْتِئْنَافًا (وَهُوَ كَذَلِكَ)، أَيْ كَوْنُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلَ اللَّهِ حَقٌّ وَصِدْقٌ (وَمُوسَى نَجِيُّ اللَّهِ): فَعِيلٌ مِنَ النَّجْوَى بِمَعْنَى الْفَاعِلِ أَوِ الْمَفْعُولِ أَيْ: كَلِيمُ اللَّهِ (وَهُوَ كَذَلِكَ، وَعِيسَى رُوحُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ وَهُوَ كَذَلِكَ، وَآدَمُ اصْطَفَاهُ اللَّهُ وَهُوَ كَذَلِكَ، أَلَا: لِلتَّنْبِيهِ جِيءَ بِهِ لِلتَّأْكِيدِ بَيْنَ الْمَعْطُوفِ وَالْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ حَيْثُ قَالَ: (وَأَنَا حَبِيبُ اللَّهِ) أَيْ: مُحِبُّهُ وَمَحْبُوبُهُ (وَلَا فَخْرَ): قَالَ الطِّيبِيُّ: قَرَّرَ أَوَّلًا مَا ذَكَرَ مِنْ فَضَائِلِهِمْ بِقَوْلِهِ: وَهُوَ كَذَلِكَ، ثُمَّ نَبَّهَ عَلَى أَنَّهُ أَفْضَلُهُمْ وَأَكْمَلُهُمْ، وَجَامِعٌ لِمَا كَانَ مُتَفَرِّقًا فِيهِمْ، فَالْحَبِيبُ خَلِيلٌ وَمُكَلَّمٌ وَمُشَرَّفٌ اه. وَاعْلَمْ أَنَّ الْفَرْقَ بَيْنَ الْخَلِيلِ وَالْحَبِيبِ أَنَّ الْخَلِيلَ مِنَ الْخِلَّةِ أَيِ الْحَاجَةِ، فَإِبْرَاهِيمُ ﵇ كَانَ افْتِقَارُهُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، فَمِنْ هَذَا الْوَجْهِ اتَّخَذَهُ خَلِيلًا، وَالْحَبِيبُ فَعِيلٌ بِمَعْنَى الْفَاعِلِ وَالْمَفْعُولِ فَهُوَ - ﷺ - مُحِبٌّ وَمَحْبُوبٌ، وَالْخَلِيلُ مُحِبٌّ لِحَاجَتِهِ إِلَى مَنْ يُحِبُّهُ، وَالْحَبِيبُ مُحِبٌّ لَا لِغَرَضٍ، وَحَاصِلُهُ أَنَّ الْخَلِيلَ فِي مَنْزِلَةِ الْمُرِيدِ السَّالِكِ الطَّالِبِ، وَالْحَبِيبُ فِي مَنْزِلَةِ الْمُرَادِ الْمَجْذُوبِ الْمَطْلُوبِ ﴿اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ﴾ [الشورى: ١٣] وَلِذَا قِيلَ: الْخَلِيلُ يَكُونُ فِعْلُهُ بِرِضَا اللَّهِ تَعَالَى، وَالْحَبِيبُ يَكُونُ فِعْلُ اللَّهِ بِرِضَاهُ. قَالَ تَعَالَى: ﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا﴾ [البقرة: ١٤٤]، ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ [الضحى: ٥] وَقِيلَ: الْخَلِيلُ مَغْفِرَتُهُ فِي حَدِّ الطَّمَعِ، كَمَا قَالَ إِبْرَاهِيمُ: ﴿وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي﴾ [الشعراء: ٨٢] وَالْحَبِيبُ مَغْفِرَتُهُ فِي مَرْتَبَةِ الْيَقِينِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح: ٢] وَالْخَلِيلُ قَالَ: ﴿وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ﴾ [الشعراء: ٨٧] وَالْحَبِيبُ قَالَ تَعَالَى فِي حَقِّهِ: ﴿لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾ [التحريم: ٨] وَالْخَلِيلُ قَالَ: ﴿وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ﴾ [الشعراء: ٨٤] وَقَالَ لِلْحَبِيبِ: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ [الشرح: ٤] وَالْخَلِيلُ قَالَ: ﴿وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ﴾ [الشعراء: ٨٥] وَالْحَبِيبُ قَالَ لَهُ: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ [الكوثر: ١] وَالْأَظْهَرُ فِي الِاسْتِدْلَالِ عَلَى أَنَّ مَرْتَبَةَ مَحْبُوبِيَّتِهِ فِي دَرَجَةِ الْكَمَالِ قَوْلُ ذِي الْجَلَالِ وَالْجَمَالِ: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١] .
[ ٩ / ٣٦٨٧ ]
(«وَأَنَا حَامِلُ لِوَاءَ الْحَمْدِ») بِالْإِضَافَةِ (يَوْمَ الْقِيَامَةِ، تَحْتَهُ آدَمُ فَمَنْ دُونَهُ وَلَا فَخْرَ «وَأَنَا أَوَّلُ شَافِعٍ وَأَوَّلُ مُشَفَّعٍ») أَيْ: مَقْبُولُ الشَّفَاعَةِ (يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا فَخْرَ، «وَأَنَا أَوَّلُ مَنْ يُحَرِّكُ حَلَقَ الْجَنَّةِ») بِفَتْحِ الْحَاءِ وَيُكْسَرُ جَمْعُ حَلْقَةٍ وَهِيَ هُنَا حَلْقَةُ بَابِ الْجَنَّةِ، فِي الْقَامُوسِ حَلْقَةُ الْبَابِ وَالْقَوْمِ، وَقَدْ يُفْتَحُ لَامُهَا وَيُكْسَرُ، إِذْ لَيْسَ فِي الْكَلَامِ حَلَقَةٌ مُحَرَّكَةً إِلَّا جَمْعَ حَالِقٍ أَوْ لُغَةً ضَعِيفَةً، وَالْجَمْعُ حِلَقٌ مُحَرَّكَةٌ وَكَبِدَرٍ (فَيَفْتَحُ اللَّهُ لِي) أَيْ: بَابَهَا (فَيُدْخِلُنِيهَا وَمَعِي فُقَرَاءُ الْمُؤْمِنِينَ) أَيْ: مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَغَيْرِهِمْ عَلَى مَرَاتِبِهِمْ فِي السَّبْقِ كَمَا سَبَقَ: أَنَّهُ يَدْخُلُ فُقَرَاءُ أُمَّتِي قَبْلَ أَغْنِيَائِهِمْ بِخَمْسِمِائَةِ عَامٍ، وَهُنَا دَلِيلٌ وَاضِحٌ عَلَى أَنَّ الْفَقِيرَ الصَّابِرَ أَفْضَلُ مِنَ الْغَنِيِّ الشَّاكِرِ.
قَالَ الطِّيبِيُّ: هَذَا دَلِيلٌ عَلَى فَضْلِهِمْ وَكَرَامَتِهِمْ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى لِأَنَّهُمُ اسْتَحَقُّوا مَحَبَّةَ اللَّهِ تَعَالَى بِمُتَابَعَةِ حَبِيبِهِ، وَاتِّصَافِهِمْ بِصِفَتِهِ، وَلَيْسَ الْفَقْرُ عِنْدَ الصُّوفِيَّةِ الْفَاقَةَ وَالْحَاجَةَ، بَلِ الْفَقْرُ عِنْدَهُمُ الْحَاجَةُ إِلَيْهِ تَعَالَى لَا إِلَى غَيْرِهِ، وَالِاسْتِغْنَاءُ بِهِ لَا عَنْهُ بِغَيْرِهِ. قَالَ الثَّوْرِيُّ: نَعْتُ الْفَقِيرِ السُّكُونُ عِنْدَ الْعِلْمِ وَالْبَذْلُ عِنْدَ الْوُجُودِ، وَقِيلَ لِسَهْلِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: أَلَيْسَ النَّبِيُّ - ﷺ - اسْتَعَاذَ مِنَ الْفَقْرِ؟ فَقَالَ: إِنَّمَا اسْتَعَاذَ مِنْ فَقْرِ النَّفْسِ الَّذِي مَدَحَ النَّبِيُّ - ﷺ - الْغِنَى فِي ضِدِّهِ فَقَالَ: «الْغَنِيُّ غَنِيُّ النَّفْسِ» فَكَذَلِكَ الْفَقْرُ الْمَذْمُومُ فَقْرُ النَّفْسِ، وَهُوَ الَّذِي اسْتَعَاذَ مِنْهُ - ﷺ - أَقُولُ الْمَذْمُومُ مِنَ الْفَقْرِ وَالْغِنَى هُوَ الَّذِي يَشْغَلُ السَّالِكَ عَنِ الْمَوْلَى، غَايَتُهُ أَنَّ حَالَةَ الْفَقْرِ أَسْلَمُ مِنَ الْعَوَائِقِ ; وَلِذَا اخْتَارَهُ سُبْحَانَهُ لِأَكْثَرِ أَنْبِيَائِهِ وَأَوْلِيَائِهِ مِنْ بَيْنِ الْخَلَائِقِ حَتَّى قَالَ حُجَّةُ الْإِسْلَامِ: إِنِ الْكَافِرَ الْفَقِيرَ عَذَابُهُ أَخَفُّ مِنَ الْكَافِرِ الْغَنِيِّ، فَإِذَا كَانَ الْفَقْرُ يَنْفَعُ الْكَافِرَ فِي النَّارِ، فَكَيْفَ لَا يَنْفَعُ الْمُؤْمِنَ فِي دَارِ الْقَرَارِ؟ وَلِذَا قَالَ: («أَجْوَعُكُمْ فِي الدُّنْيَا أَشْبَعُكُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا فَخْرَ وَأَنَا أَكْرَمُ الْأَوَّلِينَ وَالْآخَرِينَ عَلَى اللَّهِ وَلَا فَخْرَ») وَهَذَا فَذْلَكَةُ الْكُلِّ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَالدَّارِمِيُّ) .
[ ٩ / ٣٦٨٨ ]
٥٧٦٣ - وَعَنْ عَمْرِو بْنِ قَيْسٍ، ﵁، «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - ﷺ قَالَ: نَحْنُ الْآخِرُونَ، وَنَحْنُ السَّابِقُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَإِنِّي قَائِلٌ قَوْلًا غَيْرَ فَخْرٍ: إِبْرَاهِيمُ خَلِيلُ اللَّهِ وَمُوسَى صَفِيُّ اللَّهِ، وَأَنَا حَبِيبُ اللَّهِ، وَمَعِي لِوَاءُ الْحَمْدِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَإِنَّ اللَّهَ وَعَدَنِي فِي أُمَّتِي وَأَجَارَهُمْ مِنْ ثَلَاثٍ: لَا يَعُمُّهُمْ بِسَنَةٍ، وَلَا يَسْتَأْصِلُهُمْ عَدُوٌّ، وَلَا يَجْمَعُهُمْ عَلَى ضَلَالَةٍ» . رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ.
_________________
(١) (وَعَنْ عَمْرِو بْنِ قَيْسٍ) قَالَ الْمُؤَلِّفُ: وَقِيلَ: وَهُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو الْقُرَشِيُّ الْعَامِرِيُّ الْأَعْمَى، وَهُوَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ، وَاسْمُ أُمِّ مَكْتُومٍ عَاتِكَةُ، وَهِيَ خَالَةُ خَدِيجَةَ بِنْتِ خُوَيْلِدٍ، أَسْلَمَ قَدِيمًا بِمَكَّةَ، وَكَانَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ الْأَوَّلِينَ مَعَ مُصْعَبِ بْنِ عُمَيْرٍ. اسْتَخْلَفَهُ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - عَلَى الْمَدِينَةِ مَرَّاتٍ آخِرُهَا حَجَّةُ الْوَدَاعِ، مَاتَ بِالْمَدِينَةِ، وَقِيلَ اسْتُشْهِدَ بِالْقَادِسِيَّةِ. (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: نَحْنُ الْآخِرُونَ)، يَعْنِي فِي الْمَجِيءِ إِلَى الدُّنْيَا (وَنَحْنُ السَّابِقُونَ) أَيْ: فِي دُخُولِ الْجَنَّةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْفَضَائِلِ (يَوْمَ الْقِيَامَةِ)، أَيْ فِي دَارِ الْعُقْبَى (وَإِنِّي قَائِلٌ قَوْلًا غَيْرَ فَخِرٍ) . أَيْ غَيْرَ مُفْتَخِرٍ فِيهِ، بَلِ الْمَقْصُودُ مِنْهُ بَيَانُ الْوَاقِعِ («إِبْرَاهِيمُ خَلِيلُ اللَّهِ، وَمُوسَى صَفِيُّ اللَّهِ»)، أَيْ مُخْتَارٌ لِكَلَامِهِ (وَأَنَا حَبِيبُ اللَّهِ) . أَيْ جَامِعٌ بَيْنَ نِسْبَتَيِ الْمَحَبَّةِ وَالْمَحْبُوبِيَّةِ فِي الدُّنْيَا (وَمَعْنَى لِوَاءِ الْحَمْدِ) أَيْ: الدَّالُّ عَلَى كَوْنِي أَحْمَدَ وَمُحَمَّدًا (يَوْمَ الْقِيَامَةِ) أَيْ فِي الْمَقَامِ الْمَحْمُودِ (وَإِنَّ اللَّهَ وَعَدَنِي) أَيْ خَيْرًا كَثِيرًا (فِي أُمَّتِي) أَيْ فِي حَقِّهِمْ وَشَأْنِهِمْ (وَأَجَارَهُمْ) أَيْ: أَنْقَذَهُمْ وَأَعَاذَهُمْ (مِنْ ثَلَاثٍ)، أَيْ خِصَالٍ (لَا يَعُمُّهُمْ) أَيِ: اللَّهُ (بِسَنَةٍ)، أَيْ بِقَحْطٍ وَوَبَاءٍ مُسْتَأْصِلٍ لَهُمْ (وَلَا يَسْتَأْصِلُهُمْ) أَيْ: وَلَا يَأْخُذُ أَصْلَهُمْ، وَلَا يُهْلِكُهُمْ بِالْكُلِّيَّةِ (عَدُوٌّ)، أَيْ لِلَّهِ أَوْ لَهُمْ مِنَ الْكُفَّارِ (وَلَا يَجْمَعُهُمْ عَلَى ضَلَالَةٍ)، وَلَعَلَّهُ سُبْحَانَهُ لَمْ يَجْمَعْهُمْ عَلَى هِدَايَةٍ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ - إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ﴾ [هود: ١١٨ - ١١٩] وَكَانَ هَذَا مَأْخَذُ مَنْ قَالَ اخْتِلَافُ الْأُمَّةِ رَحْمَةٌ. (رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ) .
[ ٩ / ٣٦٨٨ ]
٥٧٦٤ - وَعَنْ جَابِرٍ ﵁، أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: «أَنَا قَائِدُ الْمُرْسَلِينَ وَلَا فَخْرَ، وَأَنَا خَاتَمُ النَّبِيِّينَ وَلَا فَخْرَ، وَأَنَا أَوَّلُ شَافِعٍ وَمُشَفَّعٍ وَلَا فَخْرَ» . رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ.
_________________
(١) (وَعَنْ جَابِرٍ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: أَنَا قَائِدُ الْمُرْسَلِينَ) أَيْ: مُقَدَّمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ (وَلَا فَخْرَ، وَأَنَا خَاتَمُ النَّبِيِّينَ) أَيْ: فِي الدُّنْيَا (وَلَا فَخْرَ)، وَعَدَلَ عَنِ الْمُرْسَلِينَ إِلَى النَّبِيِّينَ لِأَنَّهُمْ أَعَمُّ، فَتَكُونُ نِسْبَةُ الْخَاتَمِيَّةِ أُتَمُّ (وَأَنَا أَوَّلُ شَافِعٍ وَمُشَفَّعٍ) أَيْ: وَأَوَّلُ مُشَفِّعٍ كَمَا فِي رِوَايَةِ: (وَلَا فَخْرَ. رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ) .
[ ٩ / ٣٦٨٩ ]
٥٧٦٥ - وَعَنْ أَنَسٍ، ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ «أَنَا أَوَّلُ النَّاسِ خُرُوجًا إِذَا بُعِثُوا، وَأَنَا قَائِدُهُمْ إِذَا وَفَدُوا، وَأَنَا خَطِيبُهُمْ إِذَا أَنْصَتُوا، وَأَنَا مُسْتَشْفِعُهُمْ إِذَا حُبِسُوا، وَأَنَا مُبَشِّرُهُمْ إِذَا أَيِسُوا الْكَرَامَةُ، وَالْمَفَاتِيحُ يَوْمَئِذٍ بِيَدِي، وَلِوَاءُ الْحَمْدِ يَوْمَئِذٍ بِيَدِي، وَأَنَا أَكْرَمُ وَلَدِ آدَمَ عَلَى رَبِّي، يَطُوفُ عَلَيَّ أَلْفُ خَادِمٍ كَأَنَّهُمْ بَيْضٌ مُكْنُونٌ، أَوْ لُؤْلُؤٌ مَنْثُورٌ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَالدَّارِمِيُّ، قَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ.
_________________
(١) (وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ قَالَ: أَنَا أَوَّلُ النَّاسِ خُرُوجًا إِذَا بُعِثُوا) أَيْ: مِنْ قُبُورِهِمْ (وَأَنَا ثَانِيهِمْ) أَيْ: مَتْبُوعُهُمْ (إِذْ وَفَدُوا) أَيْ إِذَا قَدِمُوا (عَلَى اللَّهِ) وَالْوَفِدُ جَمَاعَةٌ يَأْتُونَ الْمَلِكَ لِحَاجَةٍ (وَأَنَا خَطِيبُهُمْ) أَيْ الْمُتَكَلِّمُ عَنْهُمْ (إِذَا أَنْصَتُوا)، أَيْ إِذَا سَكَتُوا عَنْ الِاعْتِذَارِ مُتَحَيِّرِينَ، فَأَعْتَذِرُ عَنْهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ، فَيَكُونُ لِي قُدْرَةٌ عَلَى الْكَلَامِ فِي ذَلِكَ الْمَقَامِ دُونَ سَائِرِ الْأَنَامِ، فَأُطْلِقُ اللِّسَانَ بِالثَّنَاءِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، وَلَمْ يُؤْذَنْ لِأَحَدٍ حِينَئِذٍ فِي التَّكَلُّمِ غَيْرِي، فَهُوَ مَخْصُوصٌ مِنْ قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: ﴿هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ - وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ﴾ [المرسلات: ٣٥ - ٣٦] أَوْ مَحْمُولٌ عَلَى أَوَّلِ الْأَمْرِ أَوْ مُخْتَصٌّ بِالْكُفَّارِ (وَأَنَا مُسْتَشْفَعُهُمْ): بِفَتْحِ الْفَاءِ عَلَى بِنَاءِ الْمَفْعُولِ مِنْ قَوْلِهِمْ: اسْتَشْفَعْتُ زَيْدًا إِلَى فُلَانٍ أَيْ: سَأَلْتُهُ أَنْ يَشْفَعَ إِلَيْهِ فَزَيْدٌ مُسْتَشْفَعٌ بِالْفَتْحِ، وَفُلَانٌ مُسْتَشْفَعٌ إِلَيْهِ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ بِكَسْرِ الْفَاءِ عَلَى بِنَاءِ الْفَاعِلِ أَيْ: أَسْأَلُ اللَّهَ أَنْ أَكُونَ شَفِيعًا لَهُمْ (إِذَا أَيِسُوا) أَيْ إِذَا غَلَبَ عَلَيْهِمُ الْيَأْسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ لِغَلَبَةِ الْخَوْفِ، فَفِي الْكَلَامِ نَوْعٌ مِنَ الِاسْتِخْدَامِ (الْكَرَامَةُ)، بِالرَّفْعِ عَلَى مَا فِي النُّسَخِ الْمُصَحَّحَةِ فَهُوَ مُبْتَدَأٌ (وَالْمَفَاتِيحُ: عَطْفٌ عَلَيْهِ وَقَوْلُهُ (يَوْمَئِذٍ): ظَرْفٌ وَالْخَبَرُ (بِيَدِي)، وَهُوَ بِصِيغَةِ الْإِفْرَادِ أَيْ: أَمْرُ الْكَرَامَةِ بِأَنْوَاعِ الشَّفَاعَةِ وَمَفَاتِيحِ كُلِّ خَيْرٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِتَصَرُّفِي، وَفِي نُسْخَةٍ بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ عَلَى التَّثْنِيَةِ لِلْمُبَالَغَةِ أَوْ لِلتَّوْزِيعِ وَالتَّنْوِيعِ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ يَصِلُ أَنْوَاعُ اللُّطْفِ مِنَ اللَّهِ ﵎ لِأَهْلِ الْعَرَصَاتِ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ وَغَيْرِهِمْ بِوَاسِطَةِ شَفَاعَتِهِ الْعَامَّةِ فِي الْمَقَامِ الْمَحْمُودِ تَحْتَ اللِّوَاءِ الْمَمْدُودِ عِنْدَ الْحَوْضِ الْمَوْرُودِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِنَصْبِ الْكَرَامَةِ عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولُ أَيِسُوا وَبِيَدِي خَيْرُ الْمَفَاتِيحِ فَقَطْ، أَيْ: إِذْ قَنَطُوا مِنْ حُصُولِ الْكَرَامَةِ، وَوَقَعُوا فِي وُصُولِ النَّدَامَةِ. (وَلِوَاءُ الْحَمْدِ يَوْمَئِذٍ بِيَدِي بِسُكُونِ الْيَاءِ (وَأَنَا أَكْرَمُ وَلَدِ آدَمَ عَلَى رَبِّي)، وَسَبَقَ أَنَّهُ أَكْرَمُ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ عَلَى اللَّهِ (يَطُوفُ عَلَيَّ) أَيْ: يَدُورُ حَوْلِي (أَلْفُ خَادِمٍ كَأَنَّهُمْ بَيْضٌ مُكْنُونٌ) أَيْ: مَصُونٌ عَنِ الْغُبَارِ، وَقِيلَ: شَبَّهَهُمْ بِبَيْضِ النَّعَامِ فِي الصَّفَاءِ وَالْبَيَاضِ الْمَخْلُوطِ بِأَدْنَى صُفْرَةٍ، فَإِنَّهُ أَحْسَنُ أَلْوَانِ الْأَبْدَانِ: قُلْتُ: هَذَا عِنْدَ بَعْضِ أَوْلَادِ الْعَرَبِ بِخِلَافِ طِبَاعِ أَهْلِ الشَّامِ وَحَلَبَ وَطَائِفَةِ الْأَعْجَامِ وَجَمَاعَةِ الْأَرْوَامِ، فَإِنَّ الْأَحْسَنَ عِنْدَهُمْ هُوَ الْبَيَاضُ الْمَشُوبُ بِحُمْرَةٍ عَلَى مَا وَرَدَ فِي شَمَائِلِهِ ﷺ، وَفِي مَدْحِ الْحُورِ الْعِينِ ﴿كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ﴾ [الرحمن: ٥٨] حَيْثُ فُسِّرَ الْمَرْجَانُ بِاللُّؤْلُؤِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: أَوْ لُؤْلُؤٌ مَنْثُورٌ عَلَى أَنَّ " أَوْ " لِلتَّخْيِيرِ فِي التَّشْبِيهِ، وَإِنَّمَا قَيَّدَهُ بِالْمَنْثُورِ لِأَنَّهُ أَظْهَرُ فِي النَّظَرِ مِنَ الْمَنْظُومِ، مَعَ أَنَّ النَّثْرَ يُنَاسِبُ تَفَرُّقَ الْخَدَمِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ أَوْ لِلتَّنْوِيعِ، وَقَالَ شَارِحٌ قَوْلُهُ: بَيْضٌ مُكْنُونٌ أَيْ لُؤْلُؤٌ مَسْتُورٌ فِي صَدَفِهِ لَمْ تَمَسُّهُ الْأَيْدِي، أَوْ لُؤْلُؤٌ مَنْثُورٌ، أَوْ لِشَكِّ الرَّاوِي (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَالدَّارِمِيُّ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ) وَلَفْظُ التِّرْمِذِيِّ عَلَى مَا فِي الْجَامِعِ: («أَنَا أَوَّلُ النَّاسِ خُرُوجًا إِذَا بُعِثُوا، وَأَنَا خَطِيبُهُمْ إِذَا وَفَدُوا، وَأَنَا مُبَشِّرُهُمْ إِذَا أَيِسُوا، لِوَاءُ الْحَمْدِ يَوْمَئِذٍ بِيَدِي، وَأَنَا أَكْرَمُ وَلَدِ آدَمَ عَلَى رَبِّي وَلَا فَخْرَ») .
[ ٩ / ٣٦٨٩ ]
٥٧٦٦ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، ﵁، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «فَأُكْسَى حُلَّةً مِنْ حُلَلِ الْجَنَّةِ، ثُمَّ أَقُومُ عَنْ يَمِينِ الْعَرْشِ لَيْسَ أَحَدٌ مِنَ الْخَلَائِقِ يَقُومُ ذَلِكَ الْمَقَامِ غَيْرِي») رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. وَفِي رِوَايَةِ (جَامِعِ الْأُصُولِ): («وَأَنَا أَوَّلُ مَنْ تُشَقُّ عَنْهُ الْأَرْضُ فَأُكْسَى») .
_________________
(١) (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: فَأُكْسَى): صَدْرُ الْحَدِيثِ عَلَى مَا فِي الْجَامِعِ وَغَيْرِهِ («وَأَنَا أَوَّلُ مَنْ تَنْشَقُّ عَنْهُ الْأَرْضُ فَأُكْسَى») وَالْمَعْنَى فَأُبْعَثُ فَأُكْسَى (حُلَّةً مِنْ حُلَلِ الْجَنَّةِ، ثُمَّ أَقُومُ عَنْ يَمِينِ الْعَرْشِ لَيْسَ أَحَدٌ مِنَ الْخَلَائِقِ يَقُومُ ذَلِكَ الْمَقَامِ غَيْرِي. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. وَفِي رِوَايَةِ جَامِعِ الْأُصُولِ) أَيْ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: («وَأَنَا أَوَّلُ مَنْ تَنْشَقُّ عَنْهُ الْأَرْضُ فَأُكْسَى») أَيْ إِلَى آخِرِ الْحَدِيثِ، فَاخْتِصَارُهُ مِنْ صَاحِبِ الْمَصَابِيحِ مُخِلٌّ بِالرِّوَايَةِ وَالدِّرَايَةِ.
[ ٩ / ٣٦٩٠ ]
٥٧٦٧ - وَعَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: («سَلُوا اللَّهَ لِيَ الْوَسِيلَةَ) قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا الْوَسِيلَةُ؟ قَالَ: (أَعْلَى دَرَجَةٍ فِي الْجَنَّةِ لَا يَنَالُهَا إِلَّا رَجُلٌ وَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَنَا هُوَ») رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
_________________
(١) (وَعَنْهُ) أَيْ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «سَلُوا اللَّهَ لِيَ الْوَسِيلَةَ») . هِيَ الْمَذْكُورَةُ فِي دُعَاءِ الْأَذَانِ: آتِ مُحَمَّدًا الْوَسِيلَةَ، فَيَحْتَمِلُ الْإِطْلَاقَ وَالتَّقْيِيدَ بِوَقْتِ الْمَسْأَلَةِ. وَفِي النِّهَايَةِ: هِيَ فِي الْأَصْلِ مَا يُتَوَصَّلُ بِهِ إِلَى الشَّيْءِ وَيُتَقَرَّبُ بِهِ. قُلْتُ: وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ [المائدة: ٣٥] قَالَ الطِّيبِيُّ: وَإِنَّمَا طَلَبَ ﵇ مِنْ أُمَّتِهِ الدُّعَاءَ لَهُ بِطَلَبِ الْوَسِيلَةِ افْتِقَارًا إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَهَضَمًا لِنَفْسِهِ، أَوْ لِيَنْتَفِعَ أُمَّتُهُ وَيُثَابَ بِهِ، أَوْ يَكُونَ إِرْشَادًا لَهُمْ فِي أَنْ يَطْلُبَ كُلٌّ مِنْهُمْ مِنْ صَاحِبِهِ الدُّعَاءَ لَهُ. (قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! وَمَا الْوَسِيلَةُ)؟ أَيْ الْمَطْلُوبَةُ الْمَسْئُولَةُ. قَالَ الطِّيبِيُّ: عَطْفٌ عَلَى مُقَدَّرٍ أَيْ: نَفْعَلُ ذَلِكَ وَمَا الْوَسِيلَةُ؟ اه. وَالْأَظْهَرُ أَنْ يُقَالَ: أَمَرْتَنَا بِسُؤَالِ الْوَسِيلَةِ وَمَا الْوَسِيلَةُ؟ مَعَ أَنَّهُ قَدْ يُقَالُ بِهَذِهِ الْوَاوِ أَنَّهَا لِلرَّبْطِ بَيْنَ الْكَلَامِ. (قَالَ: أَعْلَى دَرَجَةٍ فِي الْجَنَّةِ لَا يَنَالُهَا) أَيْ: لَا يُدْرِكُ تِلْكَ الدَّرَجَةَ الْعَالِيَةَ (إِلَّا رَجُلٌ وَاحِدٌ): أَبْهَمَهُ تَوَاضُعًا (أَرْجُو) وَفِي نُسْخَةٍ: وَأَرْجُو (أَنْ أَكُونَ أَنَا هُوَ) وَضَعَ الضَّمِيرَ الْمَرْفُوعَ أَعْنِي هُوَ مَوْضِعَ الْمَنْصُوبِ أَعْنِي إِيَّاهُ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) وَلَفْظُ الْجَامِعِ: («سَلُوا اللَّهَ لِيَ الْوَسِيلَةَ أَعْلَى دَرَجَةٍ فِي الْجَنَّةِ لَا يَنَالُهَا إِلَّا رَجُلٌ، وَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَنَا هُوَ») وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَالطَّبَرَانِيُّ الْأَوْسَطُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ («سَلُوا اللَّهَ لِيَ الْوَسِيلَةَ فَإِنَّهَا لَا يَسْأَلُهَا عَبْدٌ فِي الدُّنْيَا إِلَّا كُنْتُ لَهُ شَهِيدًا أَوْ شَفِيعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ») .
[ ٩ / ٣٦٩٠ ]
٥٧٦٨ - وَعَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، ﵁، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: («إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ كُنْتُ إِمَامَ النَّبِيِّينَ وَخَطِيبَهُمْ، وَصَاحِبَ شَفَاعَتِهِمْ غَيْرَ فَخْرٍ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
_________________
(١) (وَعَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ كُنْتُ إِمَامَ النَّبِيِّينَ): بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ فِي نُسَخِ الْمِشْكَاةِ. وَقَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: إِنَّهُ بِكَسْرِهَا، وَالَّذِي يَفْتَحُهَا وَيَنْصِبُهَا عَلَى الظَّرْفِ لَمْ يُصِبْ، ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ وَقَالَ شَارِحٌ: فَتْحُهَا لَيْسَ بِصَوَابٍ، وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: الْفَتْحُ غَلَطٌ. أَقُولُ: إِنْ كَانَ بِحَسْبِ الرِّوَايَةِ فَلَا مَجَالَ، وَإِنْ كَانَ مِنْ حَيْثُ الدِّرَايَةِ فَلَهُ وَجْهٌ لَا مَحَالَةَ، وَهُوَ أَنَّهُ يُرِيدُ بِهِ مُقَدَّمَهُمْ كَمَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِهِ؟ وَأَنَا قَائِدُهُمْ إِذَا وَفَدُوا، بَلْ لَا يَظْهَرُ لِإِمَامَتِهِمْ حِينَئِذٍ إِلَّا هَذَا الْمَعْنَى (وَخَطِيبُهُمْ)، أَيْ إِذَا أَنْصَتُوا كَمَا سَبَقَ (وَصَاحِبُ شَفَاعَتِهِمْ) أَيْ: فِي الْمَقَامِ الْمَحْمُودِ (غَيْرَ فَخِرٍ) أَيْ: غَيْرَ مُفْتَخِرٍ أَوْ مِنْ غَيْرِ فَخْرٍ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) وَكَذَا أَحْمَدُ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَالْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ.
[ ٩ / ٣٦٩٠ ]
٥٧٦٩ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: «إِنَّ لِكُلِّ نَبِيٍّ وُلَاةً مِنَ النَّبِيِّينَ، وَإِنَّ وَلِيِّيَ أَبِي وَخَلِيلُ رَبِّي. ثُمَّ قَرَأَ: إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
_________________
(١) (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: إِنَّ لِكُلِّ نَبِيٍّ وُلَاةً) بِضَمِّ الْوَاوِ جَمْعُ وَلِيٍّ (مِنَ النَّبِيِّينَ) قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ أَيْ: أَحِبَّاءُ وَقُرَنَاءُ هُمْ أَوْلَى بِهِ مِنْ غَيْرِهِمْ (وَإِنَّ وَلِيِّيَ أَبِي): يَعْنِي بِهِ إِبْرَاهِيمَ ﵇ " وَقَدْ بَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ: (وَخَلِيلُ رَبِّي) . خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ لِأَنَّ (ثُمَّ قَرَأَ) أَيْ: اسْتِشْهَادًا ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ﴾ [آل عمران: ٦٨] أَيْ: فِي زَمَانِهِ وَمَا بَعْدِهِ، إِذْ كُلُّ مَنْ جَاءَ مِنْ بَعْدِهِ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ هُوَ مِنْ أَوْلَادِهِ وَأَتْبَاعِهِ فِي أَصْلِ التَّوْحِيدِ وَتَجْرِيدِ التَّوَكُّلِ وَتَفْوِيضِ التَّفْرِيدِ، ﴿وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ٦٨] أَيْ: خُصُوصًا وَعُمُومًا. قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: وَفِي كِتَابِ الْمَصَابِيحِ: وَإِنَّ وَلِيِّيَ رَبِّي وَهُوَ غَلَطٌ، وَلَعَلَّ الَّذِي حَرَّفَ هَذَا دَخَلَ عَلَيْهِ الدَّاخِلُ مِنْ قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: ﴿إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ﴾ [الأعراف: ١٩٦] وَالرِّوَايَةُ عَلَى مَا ذَكَرْنَا هُوَ الصَّوَابُ. قَالَ الْمُظْهِرُ: لَوْ كَانَ كَمَا ذَكَرَهُ التُّورِبِشْتِيُّ لَكَانَ قِيَاسُ التَّرْكِيبِ أَنْ يَكُونَ وَلِيِّيَ أَبِي خَلِيلُ رَبِّي مِنْ غَيْرِ وَاوِ الْعَطْفِ الْمُوجِبِ لِلْمُغَايَرَةِ، وَبِإِضَافَةِ الْخَلِيلِ إِلَى رَبِّي لِيَكُونَ عَطْفَ بَيَانٍ لِأَبِي. أَقُولُ: لَوْ كَانَ عَلَى خِلَافِ قَوْلِ الشَّيْخِ، لَكَانَ حَقُّ الْعِبَارَةِ إِضَافَةَ الْخَلِيلِ إِلَى ضَمِيرِ رَبِّي. قَالَ الطِّيبِيُّ: وَالرِّوَايَةُ الْمُعْتَبَرَةُ كَمَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ فِي جَامِعِ التِّرْمِذِيِّ، وَجَامِعِ الْأُصُولِ، وَكَذَا فِي مُسْنَدِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، وَأَيْضًا لَوْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ " خَلِيلَ رَبِّي " عَطْفُ بَيَانٍ بِلَا وَاوٍ، لَزِمَ حُمُولُ كَوْنِ إِبْرَاهِيمُ ﵊ أَبَا النَّبِيِّ وَوَلِيَّهُ فَأَتَى بِهِ بَيَانًا، وَإِذَا جُعِلَ مَعْطُوفًا عَلَيْهِ لَزِمَ شُهْرَتُهُ بِهِ، وَالْعَطْفُ يَكُونُ لِإِثْبَاتِ وَصْفٍ آخَرَ لَهُ ﵇ عَلَى سَبِيلِ الْمَدْحِ، فَعَلَى مَا عَلَيْهِ الرِّوَايَةُ يَلْزَمُ مَدْحُهُ مَرَّتَيْنِ بِخِلَافِ ذَلِكَ، أَقُولُ: وَالْأَظْهَرُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ الْعَطْفَ لِتَغَايُرِ الْوَصْفَيْنِ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ﴾ [الحجر: ١] فَإِنْ قُلْتَ: لَزِمَ مِنْ قَوْلِهِ: لِكُلِّ نَبِيٍّ وُلَاةٌ أَنْ يَكُونَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ أَوْلِيَاءٌ مُتَعَدِّدَةٌ. قُلْتُ: لَا لِأَنَّ النَّكِرَةَ إِذَا وَقَعَتْ فِي مَكَانِ الْجَمْعِ أَفَادَتِ الِاسْتِغْرَاقَ أَيْ: أَنَّ لِكُلِّ نَبِيٍّ وَاحِدٍ وَاحِدٍ وَاحِدًا وَاحِدًا كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ أَنَّ مَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ﴾ [لقمان: ٢٦] قُلْتُ: وَفِي تَنْظِيرِهِ نَظَرٌ ظَاهِرٌ إِذْ لَا مَحْذُورَ فِي كَوْنِ كُلِّ شَجَرَةٍ إِلَّا أَقْلَامٌ، بَلْ هُوَ الظَّاهِرُ الْمَطْلُوبُ فِي مَقَامِ الْمُبَالِغَةِ، بِأَنْ يَكُونَ أَغْصَانُ كُلِّ شَجَرَةٍ أَقْلَامًا. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) . وَكَذَا أَحْمَدُ، وَهُوَ كَذَا فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ بِدُونِ قَوْلِهِ: ثُمَّ قَرَأَ إِلَخْ.
[ ٩ / ٣٦٩١ ]
٥٧٧٠ - وَعَنْ جَابِرٍ، ﵁، أَنَّ النَّبِيَّ قَالَ: «(إِنَّ اللَّهَ بَعَثَنِي لِتَمَامِ مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ، وَكَمَالِ مَحَاسِنِ الْأَفْعَالِ» رَوَاهُ فِي (شَرْحِ السُّنَّةِ) .
_________________
(١) (وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ بَعَثَنِي لِتَمَامِ مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ»)، جَمْعُ مَكْرُمَةٍ خَصْلَةٌ يَسْتَحِقُّ الشَّخْصُ بِهَا أَنْ يَكُونَ كَرِيمًا، وَالْمُرَادُ مِنَ الْأَخْلَاقِ الْأَحْوَالُ، وَلِذَا قُوبِلَ بِقَوْلِهِ: (وَكَمَالُ مَحَاسِنِ الْأَفْعَالِ) . لِلْأُمُورِ الظَّاهِرَةِ مِنَ الْعِبَادَاتِ وَالْأَقْوَالِ، وَالْمَحَاسِنِ جَمْعُ حَسَنٍ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ، وَحَاصِلُهُ أَنَّ شَرِيعَتَهُ أَفْضَلُ الْأَفْعَالِ، وَطَرِيقَتَهُ أَكْمَلُ الْأَحْوَالِ. قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ أَيْ: أَرْسَلَنِي إِلَى الْعَالَمِ لِيُتَمِّمَ بِوُجُودِي مَكَارِمَ أَخْلَاقِ عِبَادِهِ، وَلِيُكْمِلَ مَحَاسِنَ أَفْعَالِهِمْ. قَالَ الطِّيبِيُّ: الْإِضَافَةُ فِيهِمَا مِنْ بَابِ إِضَافَةِ الصِّفَةِ إِلَى الْمَوْصُوفِ. قَالَ الرَّاغِبُ: كُلُّ شَيْءٍ يَشْرُفُ فِي بَابِهِ فَإِنَّهُ يُوصَفُ بِالْكَرَمِ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾ [ق: ٧]، ﴿وَمَقَامٍ كَرِيٍمٍ﴾ [الشعراء: ٥٨] وَ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾ [الواقعة: ٧٧] وَإِذَا وُصِفَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ، فَهُوَ اسْمٌ لِإِحْسَانِهِ وَإِنْعَامِهِ الْمُتَظَاهِرِ، وَإِذَا وُصِفَ بِهِ الْإِنْسَانُ اسْمٌ لِلْأَخْلَاقِ وَالْأَفْعَالِ الْمَحْمُودَةِ الَّتِي تَظْهَرُ مِنْهُ، وَلَا يُقَالُ: هُوَ كَرِيمٌ حَتَّى يَظْهَرَ ذَلِكَ مِنْهُ اه. وَكَلَامُهُ يَنْظُرُ إِلَى أَنَّ الْعَطْفَ لِلتَّأْكِيدِ، وَمَا قَدَّمْنَاهُ أَوْلَى لِكَوْنِهِ مِنَ التَّأْسِيسِ وَالتَّقْيِيدِ لِلتَّأْيِيدِ.
[ ٩ / ٣٦٩١ ]
قَالَ الطِّيبِيُّ: وَمَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ، وَحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: (مَثَلِي وَمَثَلُ الْأَنْبِيَاءِ) إِلَى قَوْلِهِ: (أَنَا سَدَدْتُ مَوْضِعَ اللَّبِنَةِ) يَلْتَقِيَانِ فِي مَعْنَى إِتْمَامِ النَّاقِصِ اه. وَالَّذِي تَقَدَّمَ فِي الْمَعْنَى أَتَمُّ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (رَوَاهُ) أَيْ: الْبَغْوِيُّ فِي (شَرْحِ السُّنَّةِ بِإِسْنَادِهِ) وَرَوَاهُ ابْنُ سَعْدٍ وَالْبُخَارِيُّ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ، وَالْحَاكِمُ وَالْبَيْهَقِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: («إِنَّمَا بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ صَالِحَ الْأَخْلَاقِ») وَرَوَى الْحَكِيمُ وَالْبَيْهَقِيُّ عَنْ عَائِشَةَ ﵄: مَكَارِمُ الْأَخْلَاقِ عَشَرَةٌ، تَكُونُ فِي الرَّجُلِ وَلَا تَكُونُ فِي ابْنِهِ، وَتَكُونُ فِي الِابْنِ وَلَا تَكُونُ فِي الْأَبِ، وَتَكُونُ فِي الْعَبْدِ وَلَا تَكُونُ فِي سَيِّدِهِ، يَقْسِمُهَا اللَّهُ لِمَنْ أَرَادَ لَهُ السَّعَادَةَ: صِدْقُ الْحَدِيثِ، وَصِدْقُ الْيَأْسِ، وَإِعْطَاءُ السَّائِلِ، وَالْمُكَافَأَةُ بِالصَّنَائِعِ، وَحِفْظُ الْأَمَانَةِ، وَصِلَةُ الرَّحِمِ، وَالتَّذَمُّمِ لِلْجَارِ، وَالتَّذَمُّمِ لِلصَّاحِبِ، وَإِقْرَاءُ الضَّيْفِ، وَرَأْسُهُنَّ الْحَيَاءُ. وَالتَّذَمُّمُ: أَنْ يَرْعَى ذِمَامَهُ أَيْ حُرْمَتَهُ، وَقَدْ رَوَى الْبَزَّارُ عَنْ أَبِي عُمَرَ مَرْفُوعًا: («اللَّهُمَّ اهْدِنِي لِصَالِحِ الْأَعْمَالِ وَالْأَخْلَاقِ لَا يَهْدِي لِصَالِحِهَا وَلَا يَصْرِفُ سَيِّئَهَا إِلَّا أَنْتَ») .
[ ٩ / ٣٦٩٢ ]
٥٧٧١ - وَعَنْ كَعْبٍ ﵁، يَحْكِي عَنِ التَّوْرَاةِ قَالَ: نَجِدُ مَكْتُوبًا مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ عَبْدِيَ الْمُخْتَارُ، لَافَظٌّ وَلَا غَلِيظٌ، وَلَا سَخَّابٌ فِي الْأَسْوَاقِ، وَلَا يَجْزِي بِالسَّيِّئَةِ السَّيِّئَةَ، وَلَكِنْ يَعْفُو وَيَغْفِرُ، مَوْلِدُهُ بِمَكَّةَ، وَهِجْرَتُهُ بِطِيبَةَ، وَمُلْكُهُ بِالشَّامِ، وَأُمَّتُهُ الْحَمَّادُونَ، يَحْمَدُونَ اللَّهَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ، يَحْمَدُونَ اللَّهَ فِي كُلِّ مَنْزِلَةٍ، وَيُكَبِّرُونَهُ عَلَى كُلِّ شَرَفٍ، رُعَاةٌ لِلشَّمْسِ، يُصَلُّونَ الصَّلَاةَ إِذَا جَاءَ وَقْتُهَا، يَتَآزَّرُونَ عَلَى أَنْصَافِهِمْ وَيَتَوَضَّئُونَ عَلَى أَطْرَافِهِمْ، مُنَادِيهِمْ يُنَادِي فِي جَوِّ السَّمَاءِ، صَفُّهُمْ فِي الْقِتَالِ وَصَفُّهُمْ فِي الصَّلَاةِ سَوَاءٌ، لَهُمْ بِاللَّيْلِ دَوِيٌّ كَدَوِيِّ النَّحْلِ. هَذَا لَفْظُ (الْمَصَابِيحِ) . وَرَوَى الدَّارِمِيُّ مَعَ تَغَيُّرٍ يَسِيرٍ.
_________________
(١) (وَعَنْ كَعْبٍ، يَحْكِي عَنِ التَّوْرَاةِ قَالَ: نَجِدُ مَكْتُوبًا مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ): الرَّفْعُ عَلَى حِكَايَةِ الْمَكْتُوبِ (عَبْدِي) أَيْ: الْخَاصُّ (الْمُخْتَارُ)، أَيْ الْمُصْطَفَى عَلَى الْخَلْقِ (لَا فَظٌّ): بِالرَّفْعِ عَلَى أَنَّ لَا عَاطِفَةٌ وَالْمَعْنَى أَنَّهُ لَيْسَ قَبِيحَ الْخَلْقِ (وَلَا غَلِيظَ)، أَيْ سَيِّئَ الْخُلُقِ (وَلَا سَخَّابٌ) أَيْ: صَيَّاحٌ (فِي الْأَسْوَاقِ، وَلَا يَجْزِي بِالسَّيِّئَةِ السَّيِّئَةَ)، أَيْ بَلْ يَدْفَعُ السَّيِّئَةَ بِالْحَسَنَةِ، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ: (وَلَكِنْ يَعْفُو) أَيْ: فِي الْبَاطِنِ (وَيَغْفِرُ)، أَيْ يَسْتُرُ فِي الظَّاهِرِ (مَوْلِدُهُ بِمَكَّةَ، وَهِجْرَتُهُ) أَيْ: دَارُهَا يَعْنِي مُهَاجَرَهُ (بِطِيبَةَ)، أَيْ الْمَدِينَةِ السِّكِّينَةِ (وَمُلْكُهُ) أَيْ: بَعْدَ انْتِهَاءِ مُدَّتِهِ وَأَيَّامِ خِلَافَتِهِ (بِالشَّامِ)، كَمَا كَانَ لِمُعَاوِيَةَ وَمَنْ بَعْدَهُ لِبَنِي أُمَيَّةَ عَلَى ذَلِكَ النِّظَامِ، وَقَالَ الْمُظْهِرُ: أَرَادَ بِالْمُلْكِ هُمَا النُّبُوَّةُ وَالدِّينُ، فَإِنَّ ذَلِكَ يَكُونُ بِالشَّامِ أَغْلَبُ، وَإِلَّا فَمُلْكُهُ جَمِيعُ الْآفَاقِ لِقَوْلِهِ («وَسَيَبْلُغُ مُلْكُ أُمَّتِي مَا زَوَى لِي مِنْهَا») وَقِيلَ: مَعْنَاهُ الْغَزْوُ وَالْجِهَادُ ثَمَّةَ لِأَنَّهُ تَصَدٍّ لَدَى الْكُفَّارِ وَالْجِهَادُ مُلْكًا لِأَهْلِ الْإِسْلَامِ وَلِهَذَا لَا يَنْقَطِعُ الْجِهَادُ فِي الشَّامِ أَصْلًا، وَأَمَرَ بِالْمُسَافَرَةِ إِلَيْهَا لِإِدْرَاكِ فَضِيلَةِ الْجِهَادِ، وَالْمُرَابَطَةِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ. قُلْتُ: هَذَا إِنَّمَا كَانَ فِي زَمَنِهِ - ﷺ - وَأَمَّا الْيَوْمَ فَالْغَزْوُ وَالْجِهَادُ فِي بِلَادِ الرُّومِ، نَعَمْ هُوَ فِي جِهَةِ الشَّامِ مِنَ الْحَرَمَيْنِ الشَّرِيفَيْنِ. (وَأُمَّتُهُ الْحَمَّادُونَ)، أَيِ الْبَالِغُونَ فِي الْحَمْدِ الْمُكْثِرُونَ لَهُ كَمَا بَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ: (يَحْمَدُونَ اللَّهَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ)، أَيْ فِي حَالَتَيِ السُّرُورِ وَالضَّرَرِ، وَالْمُرَادُ الدَّوَامُ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ لَا يَخْلُو مِنْهُمَا فِي اللَّيَالِي وَالْأَيَّامِ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: يَحْمَدُونَهُ عَلَى كُلِّ حَالٍ، وَهَذَا مَرْتَبَةُ بَعْضِ أَرْبَابِ الْكَمَالِ وَهُوَ الْمَعْنِيُّ بِقَوْلِهِ: (يَحْمَدُونَ اللَّهَ فِي كُلِّ مَنْزِلَةٍ)، أَيْ مَرْتَبَةٍ مِنْ مَرَاتِبِ الْأَحْوَالِ، وَقِيلَ مَعْنَاهُ فِي كُلِّ مَنْزِلٍ، وَلَعَلَّ تَأْنِيثَهُ بِاعْتِبَارِ الْبُقْعَةِ وَالنَّاحِيَةِ أَيْ: إِذَا نَزَلُوا مَنْزِلًا شَكَرُوا اللَّهَ تَعَالَى عَلَيْهِ لِأَنَّهُ آوَاهُمْ إِلَى الْمَنْزِلِ وَالسُّكُونِ فِيهِ وَيُلَائِمُهُ قَوْلُهُ: (وَيُكَبِّرُونَهُ عَلَى كُلِّ شَرَفٍ)، بِفَتْحَتَيْنِ أَيْ مَكَانٍ مُرْتَفِعٍ تَعَجُّبًا لِعَظَمَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَقُدْرَتِهِ، لِمَا يُشْرِفُونَ مِنْهَا عَلَى عَجَائِبَ خَلْقِهِ، كَمَا أَنَّهُمْ يُسَبِّحُونَ فِي كُلِّ هُبُوطٍ (رُعَاةٌ): بِضَمِّ الرَّاءِ جَمْعُ رَاعٍ أَيْ أُمَّتُهُ مُرَاعُونَ (لِلشَّمْسِ)، أَيْ لِطُلُوعِهَا وَاسْتِوَائِهَا وَغُرُوبِهَا مُحَافَظَةً لِأَوْقَاتِ الصَّلَاةِ وَأَدَاءِ أَوْرَادِ الْعِبَادَاتِ. وَقَدْ رَوَى الْحَاكِمُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى مَرْفُوعًا: " «إِنَّ خِيَارَ
[ ٩ / ٣٦٩٢ ]
عِبَادِ اللَّهِ الَّذِينَ يُرَاعُونَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ وَالْأَظِلَّةَ لِذِكْرِ اللَّهِ»، وَقَوْلُهُ: (يُصَلُّونَ الصَّلَاةَ إِذَا جَاءَ وَقْتُهَا)، اسْتِئْنَافُ تَعْلِيلٍ لِمَا سَبَقَ أَيْ: يُرَاقِبُونَ ذَلِكَ وَيُنْظُرُونَ سَيْرَهَا لِيَعْرِفُوا مَوَاقِيتَ الصَّلَاةِ، كَيْلَا يَفُوتَ عَنْهُمُ الصَّلَاةُ فِي وَقْتِهَا، ثُمَّ اسْتَأْنَفَ لِبَيَانِ بَقِيَّةِ أَحْوَالِهِمْ بِقَوْلِهِ: (يَتَآزَّرُونَ): بِتَشْدِيدِ الزَّايِ أَيْ. يَشُدُّونَ آزَارَهُمْ (عَلَى أَنْصَافِهِمْ)، أَيْ مِنَ السُّرَّةِ إِلَى الرُّكْبَةِ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا فِي بَعْضِ نُسَخِ الْمَصَابِيحِ: عَلَى أَوْسَاطِهِمْ، أَوْ يَشُدُّونَ مَعْقِدَ السَّرَاوِيلِ وَالْمُرَادُ مُبَالَغَتُهُمْ فِي سَتْرِ عَوْرَتِهِمْ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ (عَلَى) . بِمَعْنَى (إِلَى) أَيْ أَنَّ أُزُرَهُمْ إِلَى أَنْصَافِ سُوقِهِمْ. قَالَ الطِّيبِيُّ فِيهِ إِدْمَاجٌ بِمَعْنَى التَّجَلُّدِ وَالتَّشَمُّرِ لِلْقِيَامِ إِلَى الصَّلَاةِ، لِأَنَّ مَنْ شَدَّ إِزَارَهُ إِلَى سَاقِهِ تَشَمَّرَ لِمُزَاوَلَةِ مَا اهْتَمَّ بِشَأْنِهِ، أَوْ يَكُونَ كِنَايَةً عَنِ التَّوَاضُعِ، كَمَا أَنَّ جَرَّ الْإِزَارِ كِنَايَةٌ عَنِ الْكِبْرِ وَالْخُيَلَاءِ، (وَيَتَوَضَّئُونَ) أَيْ: وَيَصُبُّونَ مَاءَ الْوَضُوءِ (عَلَى أَطْرَافِهِمْ)، أَيْ عَلَى أَمَاكِنِ الْوُضُوءِ وَيُسْبِغُونَهَا (مُنَادِيهِمْ) أَيْ: مُؤَذِّنِهِمْ (يُنَادِي فِي جَوِّ السَّمَاءِ) أَيْ: فِي مَكَانٍ مُرْتَفِعٍ مِنْ مَنَارَةٍ وَنَحْوِهَا (صَفُّهُمْ فِي الْقِتَالِ وَصَفُّهُمْ فِي الصَّلَاةِ سَوَاءٌ)، أَيْ فِي كَوْنِهِمْ كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ. قَالَ الطِّيبِيُّ: شَبَّهَ صُفُوفَهُمْ فِي الْجَمَاعَاتِ بِسَبَبِ مُجَاهَدَتِهِمُ النَّفْسَ الْأَمَّارَةَ وَالشَّيْطَانَ بِصَفِّ الْقِتَالِ وَالْمُجَاهَدَةِ مَعَ أَعْدَاءِ الدِّينِ، وَأَخْرَجَهُ مُخْرَجَ التَّشَابُهِ فِي التَّشْبِيهِ، إِيذَانًا بِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ مُشَبَّهًا وَمُشَبَّهًا بِهِ، بَلْ أُخِّرَ ذِكْرُ صَفِّ الصَّلَاةِ لِيَكُونَ مُشَبَّهًا بِهِ لِكَوْنِهِ أَبْلَغَ (لَهُمْ بِاللَّيْلِ دَوِيٌّ): بِفَتْحِ الدَّالِ وَتَشْدِيدِ الْيَاءِ أَيْ صَوْتٌ خَفِيٌّ بِالتَّسْبِيحِ وَالتَّهْلِيلِ وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ (كَدَوِيِّ النَّحْلِ، هَذَا لَفْظُ الْمَصَابِيحِ، وَرَوَى الدَّارِمِيُّ مَعَ تَغْيِيرٍ يَسِيرٍ): قُلْتُ: كَانَ الْأَوْلَى إِيرَادُ لَفْظِ الدَّارِمِيِّ، فَإِنَّهُ مِنْ أَجَّلِ الْمُخَرِّجِينَ، وَنَقْلُهُ أَكْمَلُ عِنْدَ الْمُحَدِّثِينَ.
[ ٩ / ٣٦٩٣ ]
٥٧٧٢ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ، قَالَ، مَكْتُوبٌ فِي التَّوْرَاةِ: صِفَةُ مُحَمَّدٍ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ يُدْفَنُ مَعَهُ. قَالَ أَبُو مَوْدُودٍ: وَقَدْ بَقِيَ فِي الْبَيْتِ مَوْضِعُ قَبْرٍ، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
_________________
(١) (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ، قَالَ: مَكْتُوبٌ فِي التَّوْرَاةِ): خَبَرُ قَوْلِهِ (صِفَةُ مُحَمَّدٍ) أَيْ: نَعْتُهُ وَجُمْلَةُ قَوْلِهِ: (وَعِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يُدْفَنُ مَعَهُ) عُطِفَ عَلَى الْمُبْتَدَأِ أَيْ وَمَكْتُوبٌ فِيهَا أَيْضًا أَنَّ عِيسَى يُدْفَنُ مَعَهُ. قَالَ الطِّيبِيُّ: هَذَا هُوَ الْمَكْتُوبُ فِي التَّوْرَاةِ أَيْ: مَكْتُوبٌ فِي التَّوْرَاةِ صِفَةُ مُحَمَّدٍ كَيْتَ وَكَيْتَ، وَعِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يُدْفَنُ مَعَهُ، أَوِ الْمَكْتُوبُ صِفَةُ مُحَمَّدٍ كَذَا، وَعِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يُدْفَنُ مَعَهُ. (قَالَ أَبُو مَوْدُودٍ): وَهُوَ أَحَدُ رُوَاةِ الْحَدِيثِ مَدَنِيٌّ ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ، وَقَالَ الْمُؤَلِّفُ: هُوَ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ سُلَيْمَانَ الْمُدْنِيُّ، رَأَى أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ، وَسَمِعَ السَّائِبَ بْنَ يَزِيدَ وَعُثْمَانَ بْنَ ضَحَّاكٍ، وَعَنْهُ ابْنُ مَهْدِيٍّ وَالْعَقِبِيُّ وَكَامِلٌ، وَثَّقُوهُ، تُوُفِيَ فِي إِمَارَةِ الْمَهْدِيِّ، لَهُ ذِكْرٌ فِي بَابِ فَضَائِلَ سَيِّدِ الْمُرْسَلِينَ (وَقَدْ بَقِيَ فِي الْبَيْتِ) أَيْ: فِي حُجْرَةِ عَائِشَةَ (مَوْضِعُ قَبْرٍ)، فَقِيلَ: بَيْنَهُ - ﷺ - وَبَيْنَ الصَّدِّيقَيْنِ وَهُوَ الْأَقْرَبُ إِلَى الْأَدَبِ، وَقِيلَ بَعْدَ عُمَرَ، وَهُوَ الْأَظْهَرُ، فَقَدْ قَالَ الشَّيْخُ الْجَزَرِيُّ: وَكَذَا أَخْبَرَنَا غَيْرُ وَاحِدٍ مِمَّنْ دَخَلَ الْحُجْرَةَ، وَرَأَى الْقُبُورَ الثَّلَاثَةَ عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ: النَّبِيُّ - ﷺ - مُقَدَّمٌ، وَأَبُو بَكْرٍ مُتَأَخِّرٌ مِنْهُ رَأْسُهُ تُجَاهَ ظَهْرِ النَّبِيِّ - ﷺ - وَرَأْسُ عُمَرَ كَذَلِكَ مِنْ أَبِي بَكْرٍ تِجَاهَ رِجْلَيِ النَّبِيِّ - ﷺ - وَبَقِيَ مَوْضِعُ قَبْرٍ وَاحِدٍ إِلَى جَنْبِ عُمَرَ وَقَدْ جَاءَ أَنَّ عِيسَى ﵇ بَعْدَ لُبْثِهِ فِي الْأَرْضِ يَحُجُّ وَيَعُودُ، فَيَمُوتُ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ، فَيُحْمَلُ إِلَى الْمَدِينَةِ فَيُدْفَنُ فِي الْحُجْرَةِ الشَّرِيفَةِ إِلَى جَنْبِ عُمَرَ فَيَبْقَى هَذَانِ الصَّحَابِيَّانِ الْكَرِيمَانِ مَصْحُوبَيْنِ بَيْنَ هَذَيْنِ النَّبِيَّيْنِ الْعَظِيمَيْنِ عَلَيْهِمَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، وَرَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) .
[ ٩ / ٣٦٩٣ ]
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
٥٧٧٣ - (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﵄ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى فَضَّلَ مُحَمَّدًا رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - عَلَى الْأَنْبِيَاءِ وَعَلَى أَهْلِ السَّمَاءِ. فَقَالُوا: يَا أَبَا عَبَّاسٍ) ! بِمَ فَضَّلَهُ عَلَى أَهْلِ السَّمَاءِ؟ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ لِأَهْلِ السَّمَاءِ: ﴿وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٢٩] وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى لِمُحَمَّدٍ - ﷺ: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا - لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح: ١ - ٢] قَالُوا: وَمَا فَضْلُهُ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ؟ قَالَ: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ﴾ [إبراهيم: ٤] الْآيَةَ، وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى لِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ﴾ [سبأ: ٢٨] فَأَرْسَلَهُ إِلَى الْجِنِّ وَالْإِنْسِ.
_________________
(١) الْفَصْلُ الثَّالِثُ
(٢) (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﵄ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى فَضَّلَ مُحَمَّدًا رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - عَلَى الْأَنْبِيَاءِ وَعَلَى أَهْلِ السَّمَاءِ. قَالُوا: يَا أَبَا عَبَّاسٍ) هُوَ كُنْيَةُ ابْنُ عَبَّاسٍ (بِمَ فَضَّلَهُ) أَيْ: اللَّهُ (عَلَى أَهْلِ السَّمَاءِ)؟ كَأَنَّهُمْ قَدَّمُوا الْأَهَمَّ فَالْأَهَمَّ، أَوْ هُوَ عَلَى مِنْوَالِ: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ﴾ [آل عمران: ١٠٦] الْآيَةِ. قَالَ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ لِأَهْلِ السَّمَاءِ: ﴿وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٢٩] وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى - لِمُحَمَّدٍ - ﷺ: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا - لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح: ١ - ٢]: قَالَ الطِّيبِيُّ: يُفْهَمُ التَّفْضِيلُ مِنْ صَوْلَةِ الْخِطَابِ وَغِلْظَتِهِ فِي مُخَاطَبَةِ أَهْلِ السَّمَاءِ وَفَرْضِ مَا لَا يَتَأَتَّى مِنْهُمْ، وَجَعْلِهِ كَالْوَاقِعِ، وَتَرَتُّبِ الْوَعِيدِ الشَّدِيدِ عَلَيْهِ إِظْهَارًا لِكِبْرِيَائِهِ وَجَلَالِهِ، وَأَنَّهُمْ بُعَدَاءُ مِنْ أَنْ يُنْسَبُوا إِلَى مَا يُشَارِكُونَهُ كَقَوْلِهِ: ﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا﴾ [الصافات: ١٥٨] تَحْقِيرًا لَهُمْ وَتَصْغِيرًا لِشَأْنِهِمْ، وَمِنْ مُلَاطَفَتِهِ فِي الْخِطَابِ مَعَهُ - ﷺ - وَأَنَّ مَا صَدَرَ وَيَصْدُرُ مِنْهُ مَغْفُورٌ، وَجَعَلَ فَتْحَ مَكَّةَ عِلَّةً لِلْمَغْفِرَةِ وَالنُّصْرَةِ وَإِتْمَامِ النِّعْمَةِ وَالْهِدَايَةِ إِلَى الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ، وَإِنْزَالِ السِّكِّينَةِ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ اه. وَخُلَاصَةُ كَلَامِهِ، أَنَّهُ تَعَالَى غَلَّظَ فِي وَعِيدِ خِطَابِهِمْ، وَلَاطَفَ فِي خِطَابِ وَعْدِهِ، لَكِنَّ فِيهِ نَظَرٌ، فَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ قَدْ بَالَغَ فِي مَدْحِهِمْ فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ عَلَى مَا لَا يَخْفَى، وَمِنْهُ مَا قَبْلَ هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا - سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ - لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ - يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٦ - ٢٨] وَغَلَّظَ فِي الْوَعِيدِ لِنَبِيِّهِ - ﷺ - عَلَى طَرِيقِ الْفَرْضِ وَالتَّقْدِيرِ بِالْخِطَابِ كَقَوْلِهِ: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الزمر: ٦٥] مَعَ أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ: ﴿وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ﴾ [الأنبياء: ٢٩] يَحْتَمِلُ، أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ أَوْ مِنَ الْخَلَائِقِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: يُرِيدُ بِهِ بِنَفْيِ النُّبُوَّةِ وَادِّعَاءِ ذَلِكَ عَنِ الْمَلَائِكَةِ وَتَهْدِيدِ الْمُشْرِكِينَ بِتَهْدِيدِ مُدَّعِي الرُّبُوبِيَّةِ اه فَالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ فِي وَجْهِ التَّفْضِيلِ: أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ مَبْعُوثٌ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَيْضًا كَمَا قَالَ بِهِ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ (قَالُوا: وَمَا فَضْلُهُ؟) أَيْ زِيَادَةُ فَضْلِهِ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ؟ قَالَ: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ﴾ [إبراهيم: ٤] أَيْ: وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى لِمُحَمَّدٍ: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ﴾ [سبأ: ٢٨]: قَالَ: وَأَمَّا بَيَانُ فَضْلِهِ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ، فَإِنَّ الْآيَةَ دَلَّتْ عَلَى أَنَّ كُلَّ نَبِيٍّ مُرْسَلٌ إِلَى قَوْمٍ مَخْصُوصٌ، وَهُوَ - ﷺ - مُرْسَلٌ إِلَى كَافَّةِ النَّاسِ، وَلَا ارْتِيَابَ أَنَّ الرُّسُلَ إِنَّمَا بُعِثُوا لِإِرْشَادِ الْخَلْقِ إِلَى الطَّرِيقِ الْمُسْتَقِيمِ، وَإِخْرَاجِ النَّاسِ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ، وَمِنْ عِبَادَةِ الْأَصْنَامِ إِلَى عِبَادَةِ الْمَلَكِ الْعَلَّامِ، فَكُلُّ مَنْ كَانَ مِنْهُمْ فِي هَذَا الْأَمْرِ أَكْثَرَ تَأْثِيرًا كَانَ أَفْضَلَ وَأَفْضَلَ، وَكَانَ لَهُ - ﷺ - فِيهِ الْقَدَحُ الْمُعَلَّى، وَحَازَ قَصَبَ السَّبَقِ إِذْ لَمْ يَكُنْ مُخْتَصًّا بِقَوْمٍ دُونَ قَوْمٍ، وَزَمَانٍ دُونَ زَمَانٍ، بَلْ دِينَهُ انْتَشَرَ فِي مَشَارِقِ الْأَرْضِ وَمَغَارِبِهَا، وَتَغَلْغَلَ فِي كُلِّ مَكَانٍ، وَاسْتَمَرَّ امْتِدَادُهُ عَلَى وَجْهِ كُلِّ زَمَانٍ، وَزَادَهُ اللَّهُ شَرَفًا عَلَى شَرَفٍ، وَعِزًّا عَلَى عِزٍّ، مَا ذَرَّ شَارِقٌ وَلَمَحَ بَارِقٌ، فَلَهُ الْفَضْلُ بِحَذَافِيرِهِ سَابِقًا وَلَاحِقًا (فَأَرْسَلَهُ إِلَى الْجِنِّ وَالْإِنْسِ) أَيْ كَمَا يُسْتَفَادُ مِنْ بَقِيَّةِ الْآيَاتِ الْقُرْآنِيَّةِ نَحْوَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ﴾ [الأحقاف: ٢٩] وَنَحْوَ قَوْلِهِ ﷿: ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ﴾ [الأنعام: ١٣٠] عَلَى مَا فِي سُورَةِ الرَّحْمَنِ، فَذِكْرُ النَّاسِ مِنْ بَابِ الِاكْتِفَاءِ تَعْظِيمًا أَوْ تَغْلِيبًا، أَوْ لِأَنَّهُ يَعُمُّهُمْ، فَفِي الْقَامُوسِ: النَّاسُ يَكُونُ مِنَ الْإِنْسِ وَمِنَ الْجِنِّ جَمْعُ إِنْسٍ أَصْلُهُ أُنَاسٌ جَمْعٌ عَزِيزٌ أُدْخِلَ عَلَيْهِ الْ، وَقِيلَ الْفَاءُ لِلتَّعْقِيبِ، وَظَاهِرُ الْعِبَارَةِ يَقْتَضِي أَنْ تَكُونَ لِلنَّتِيجَةِ، وَتَوْجِيهُهُ أَنَّ تَعْرِيفَ النَّاسِ لِاسْتِغْرَاقِ الْجِنْسِ، وَكَافَّةً: إِمَّا حَالٌ أَوْ صِفَةُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أَيْ: تَكْفِي أَنْ يَخْرُجَ فَرْدٌ مِنْ أَفْرَادِ هَذَا الْجِنْسِ مِنَ الْإِرْسَالِ وَالْجِنُّ تَبَعٌ لِلنَّاسِ، فَعُلِمَ الْتِزَامًا أَنَّ رِسَالَتَهُ عَمَّتِ الثَّقَلَيْنِ جَمِيعًا.
[ ٩ / ٣٦٩٤ ]
٥٧٧٤ - وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ الْغِفَارِيِّ، ﵁، قَالَ: «قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! كَيْفَ عَلِمْتَ أَنَّكَ نَبِيٌّ حَتَّى اسْتَيْقَنْتَ؟ فَقَالَ: " يَا أَبَا ذَرٍّ! أَتَانِي مَلَكَانِ وَأَنَا بِبَعْضِ بَطْحَاءِ مَكَّةَ، فَوَقَعَ أَحَدُهُمَا إِلَى الْأَرْضِ، وَكَانَ الْآخَرُ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: أَهْوَ هُوَ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَزِنْهُ بِرَجُلٍ، فَوُزِنْتُ بِهِ فَوَزَنْتُهُ، ثُمَّ قَالَ: زِنْهُ بِعَشَرَةٍ، فَوُزِنْتُ بِهِمْ فَرَجَحْتُهُمْ، ثُمَّ قَالَ: زِنْهُ بِمِائَةٍ، فَوُزِنْتُ بِهِمْ فَرَجَحْتُهُمْ، ثُمَّ قَالَ زِنْهُ بِأَلْفٍ، فَوُزِنْتُ بِهِمْ فَرَجَحْتُهُمْ، كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَنْتَثِرُونَ عَلَيَّ مِنْ خِفَّةِ الْمِيزَانِ. قَالَ: فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: لَوْ وَزَنْتَهُ بِأُمَّتِهِ لَرَجَحَهَا» " رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ.
_________________
(١) (وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ الْغِفَارِيِّ ﵁)، مَنْسُوبٌ إِلَى غِفَارٍ بِكَسْرِ أَوَّلِهِ قَبِيلَةٍ مَشْهُورَةٍ (قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! كَيْفَ عَلِمْتَ أَنَّكَ نَبِيٌّ حَتَّى اسْتَيْقَنْتَ)؟ قَالَ الطِّيبِيُّ: حَتَّى غَايَةٌ لِلْعِلْمِ أَيْ كَيْفَ تَدَرَّجْتَ فِي الْعِلْمِ حَتَّى بَلَغَ عِلْمُكَ غَايَتَهُ الَّتِي هِيَ الْيَقِينُ (" فَقَالَ: يَا أَبَا ذَرٍّ أَتَانِي مَلَكَانِ وَأَنَا بِبَعْضِ بَطْحَاءِ مَكَّةَ، فَوَقَعَ ") أَيْ فَنَزَلَ (" أَحَدُهُمَا إِلَى الْأَرْضِ، وَكَانَ الْآخَرُ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ") أَيْ وَاقِفًا (" فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ ") الظَّاهِرُ أَنَّهُ النَّازِلُ (" أَهُوَ هُوَ؟ ") وُضِعَ أَحَدُهُمَا مَوْضِعَ هَذَا (" قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَزِنْهُ بِرَجُلٍ، فَوُزِنْتُ بِهِ ") بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ (" فَوَزَنْتُهُ ")، عَلَى بِنَاءِ الْفَاعِلِ أَيْ غَلَبْتُهُ فِي الْوَزْنِ وَرَجَّحْتُهُ (" ثُمَّ قَالَ زِنْهُ بِعَشَرَةٍ، فَوُزِنْتُ بِهِمْ فَرَجَحْتُهُمْ، ثُمَّ قَالَ: زِنْهُ بِمِائَةٍ، فَوُزِنْتُ بِهِمْ فَرَجَحْتُهُمْ، ثُمَّ قَالَ زِنْهُ بِأَلْفٍ، فَوُزِنْتُ بِهِمْ فَرَجَحْتُهُمْ، كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِمْ ") أَيْ إِلَى الْأَلْفِ الْمَوْزُونِ (" يَنْتَثِرُونَ ") أَيْ يَتَسَاقَطُونَ (" عَلَيَّ مِنْ خِفَّةِ الْمِيزَانِ ") أَيْ مِنْ خِفَّةِ تِلْكَ الْكِفَّةِ (" قَالَ: فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: لَوْ وَزَنْتَهُ بِأُمَّتِهِ ") أَيْ بِجَمِيعِ الْخَلْقِ مِنْ قَوْمِهِ (" لَرَجَحَهَا ") . قَالَ الطِّيبِيُّ: وَفِيهِ أَنَّ الْأُمَّةَ كَمَا يَفْتَقِرُونَ فِي مَعْرِفَةِ كَوْنِ النَّبِيِّ صَادِقًا إِلَى إِظْهَارِهِ خَوَارِقَ الْعَادَاتِ بَعْدَ التَّحَرِّي، كَذَلِكَ النَّبِيُّ يَفْتَقِرُ فِي مَعْرِفَتِهِ كَوْنِهِ نَبِيًّا إِلَى أَمْثَالِ هَذِهِ الْخَوَارِقِ. قُلْتُ: وَهَذَا أَيْضًا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ جَوَابًا عَنِ الْإِشْكَالِ الْمَذْكُورِ الْمَشْهُورِ فِي سُؤَالِ إِبْرَاهِيمَ ﵊: رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى (رَوَاهُمَا) أَيْ الْحَدِيثَيْنِ (الدَّارِمِيُّ) .
[ ٩ / ٣٦٩٥ ]
٥٧٧٥ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، ﵄، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: " «كُتِبَ عَلَيَّ النَّحْرُ وَلَمْ يُكْتَبْ عَلَيْكُمْ، وَأُمِرْتُ بِصَلَاةِ الْفَجْرِ وَلَمْ يُؤْمَرُوا بِهَا» " رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ.
_________________
(١) (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: " كُتِبَ ") أَيْ أُوجِبَ (" عَلَيَّ النَّحْرُ ") أَيْ الْأُضْحِيَّةُ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ أَيْ وَجَبَ، وَعَنِيَ بِهِ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر: ٢] (" وَلَمْ يُكْتَبْ عَلَيْكُمْ ")، قِيلَ: النَّحْرُ كَانَ وَاجِبًا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - وَإِنْ لَمْ يَكُنْ غَنِيًّا لِخَبَرِ: «ثَلَاثٌ كُتِبَتْ عَلَيَّ وَلَمْ تُكْتَبْ عَلَيْكُمْ: الضُّحَى وَالْأَضْحَى وَالْوَتْرُ»، ذَكَرَهُ ابْنُ الْمَلَكِ فِي شَرْحِ الْمَشَارِقِ فِي حَدِيثِ: نَزَلَتْ عَلَيَّ آنِفًا سُورَةٌ، فَقَرَأَ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ - فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ - إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾ [الكوثر: ١ - ٣] (" «وَأُمِرْتُ بِصَلَاةِ الْفَجْرِ وَلَمْ تُؤْمَرُوا بِهَا» ") . قَالَ الطِّيبِيُّ: لَمْ يُوجَدْ فِي الْأَحَادِيثِ وُجُوبُ الضُّحَى عَلَيْهِ - ﷺ - أُمِرْتُ إِلَخْ ضَعِيفَةٌ، وَأَمَّا مَا قِيلَ إِنَّهَا مِنْ خَصَائِصِهِ، فَفِيهِ أَنَّ الَّذِي مِنْ خُصُوصِيَّاتِهِ كَمَا صَرَّحُوا بِهِ وُجُوبُ أَصْلِ صَلَاتِهَا لَا تِكْرَارُهَا كُلَّ يَوْمٍ. قُلْتُ: وَقَدْ رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا بِلَفْظِ: " «كُتِبَ عَلَيَّ الْأَضْحَى وَلَمْ يُكْتَبْ عَلَيْكُمْ، وَأُمِرْتُ بِصَلَاةِ الضُّحَى وَلَمْ تُؤْمَرُوا بِهَا» " فَأَقَلُّ مَرْتَبَةِ هَذَا الْحَدِيثِ أَنْ يَكُونَ حَسَنًا، وَلَوْلَا ثُبُوتُهُ لَمَا عُدَّتْ مِنْ خَصَائِصِهِ، ثُمَّ الْمُتَبَادِرُ مِنْ وُجُوبِهَا عَلَيْهِ أَنْ يَكُونَ فِي كُلِّ يَوْمٍ كَمَا فِي بَقِيَّةِ الْوَاجِبَاتِ الشَّرْعِيَّةِ، نَعَمِ الْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ: إِنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنَ الْأَمْرِ الْوُجُوبُ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ لِلِاسْتِحْبَابِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ مَا رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ عَنْ أَنَسٍ مَرْفُوعًا: " «أُمِرْتُ بِالْوِتْرِ وَالْأُضْحَى وَلَمْ يُعْزَمْ عَلَيَّ» " رَوَاهُ أَحْمَدُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: «أُمِرْتُ بِالْوَتْرِ وَرَكْعَتَيِ الضُّحَى وَلَمْ يُكْتَبْ»، وَالْجَمْعُ بَيْنَ الْأَدِلَّةِ أَنْ أَصْلَهَا وَاجِبٌ، وَاسْتِمْرَارَهَا مُسْتَحَبٌّ وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
[ ٩ / ٣٦٩٥ ]