بسمِ اللهِ الرَّحمنِ الرَّحيمِ
قَالَ الإِمِامُ البُخَارِيُّ ﵀:
(٩٠) (بَابُ سُتْرَةِ الِإمَامِ سُتْرَةٌ لِمَنْ خَلْفَهُ) أي هذا باب في بيان كون سترة الإمام الذي يصلِّي وليس بين يديه جدار ونحوه سترة لمن كان يصلِّي خلفه من المصلِّين، والسُّترة -بضمِّ السِّين- ما يستتر به، والمراد ههنا عكازة، أو عصا، أو عَنَزَة ونحو ذلك، وفي بعض النسخ قبل قوله: (بَابُ سُتْرَةِ الِإمَامِ) <أبوابُ سترةِ المُصَلِّي>؛ أي هذه أبواب في بيان أحكام سترة المصلِّي، وجه المناسبة بين هذه الأبواب الَّتي قبلها من حيث إنَّ الأبواب السَّابقة في أحكام المساجد بوجوهها، وهذه الأبواب في بيان أحكام المصلِّين في غيرها، وهي خمسة أبواب متناسقة.
٤٩٣ - قوله: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بنُ يُوسُفَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنِ ابنِ شِهَابٍ عَنْ عُبَيْد الله بنِ عَبْدِ اللهِ بن عُتْبَة عَنْ عَبْدِ اللهِ بنِ عبَّاسٍ ﵄، أنَّه قَالَ: أَقْبَلْتُ رَاكِبًا عَلَى حِمَارٍ أَتَانٍ، وَأَنَا يَوْمَئِذٍ قَدْ نَاهَزْتُ الاِحْتِلَامَ، وَرَسُوْلُ اللهِ ﷺ يُصَلِّي بِالنَّاسِ بِمِنَى إِلَى غَيْرِ جِدَارٍ، فَمَرَرْتُ بَيْنَ يَدَيْ بَعْضِ الصَّفِّ فَنَزَلْتُ، وَأَرْسَلْتُ الأَتَانَ تَرْتَعُ، وَدَخَلْتُ فِي الصَّفِّ، فَلَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ عَلَيَّ أَحَدٌ).
مطابقة هذا الحديث للترجمة ظاهرة تستنبط من قوله: (إِلَى غَيْرِ جِدَارٍ)؛ لأنَّ هذا اللَّفظ مشعر بأنَّ ثمَّة سترة لأنَّ لفظة (غَيْرِ) تقع دائمًا صفة، وتقديره إلى شيءٍ غيرِ جدارٍ وهو أعمُّ من أن يكون عصًا أو عَنَزَة أو نحو ذلك. قال شيخنا: أورد في هذا الباب ثلاثة أحاديث الثَّاني والثالث منها مطابقان للترجمة لكونه ﷺ لم يأمر أصحابه أن يتَّخذوا سترة غير سترته، وأمَّا الأوَّل - وهو حديث ابن عبَّاس - ففي الاستدلال به نظر؛ لأنَّه ليس فيه أنَّه ﷺ صلَّى إلى سترة، وقد بوَّب عليه البَيْهَقي: باب من صلَّى إلى غير سترة، وقد تقدَّم في كتاب العلم في الكلام على هذا الحديث في باب متى يصحُّ سماع الصَّغير، قولُ الشَّافعي ﵀: أنَّ المراد بقول ابن عبَّاس: (إِلَى غَيْرِ جِدَارٍ) أي إلى غير سترة. وذكرنا تأييد ذلك من رواية البزَّار، وقال بعض المتأخِّرين: قوله (إِلَى غَيْرِ جِدَارٍ) لا ينفي غير الجدار، إلَّا أنَّ إخبار ابن عبَّاس عن مروره بهم وعدم إنكارهم لذلك مشعر بحدوث أمر لم يُعهد، فلو فرض هناك سترة أخرى غير الجدار لم يكن لهذا الإخبار فائدة، إذ مروره حينئذ لا ينكره أحد أصلًا.
وكأنَّ البخاري ﵀ حمل الأمر في ذلك على المألوف المعروف من عادته
[ ١ ]
ﷺ أنَّه كان لا يصلِّي في الفضاء إلَّا والعَنَزَة أمامه. ثمَّ أيَّد ذلك بحديثي ابن عُمَر وأبي جُحَيفة وفي حديث ابن عُمَر ما يدلُّ على المداومة، وهو قوله بعد ذكر الحربة: «وكَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ فِي السَفَرِ»، وقد تبعه النَّوَوي في «شرح مسلم» في كلامه على فوائد هذا الحديث فيه أنَّ سترة الإمام سترة لمن خلفه، والله أعلم. انتهى.
(بَابٌ) في قَوْلِهِ - يعني شيخنا -: في الاستدلال بهذا نظر؛ لأنَّه ليس فيه أنَّه ﵇ صلَّى إلى سترة، وقد بوَّب عليه البَيْهَقي: بابُ منْ صَلَّى إلى غيرِ سُتْرَةٍ، قلت: دليله لا يساعد نظره؛ لأنَّه لم يقف على دقَّة الكلام، والبَيْهَقي أيضًا لم يقف على هذه النُّكتة، والبخاري دقَّق نظره فأورد هذا الحديث في هذا الباب للوجه الذي ذكرناه على أنَّ ذلك معلوم من حال النَّبِيِّ ﷺ، قال: وهذا الحديث بعينه بهذا الإسناد قد تقدَّم في كتاب العلم في باب متى يصحُّ سماع الصَّغير، غير أنَّ هناك شيخه إسماعيل عن مالك وههنا عبد الله بن يوسف عنه، وهناك (حَدَّثَنِي مَالِكٌ)، وههنا (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ)، وهناك (فَلَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ) على صيغة المجهول مع طيِّ ذكر الفاعل، وههنا على صيغة المعلوم، والفاعل هو قوله: (أَحَدٌ)، وقد ذكرنا مباحث هذا الحديث هناك مستوفاة.
قال شيخنا قوله: (نَاهَزْتُ الِاحْتِلَامَ) أي قاربته، وقد ذكرت الاختلاف في قدر عمره في باب تعليم الصِّبيان من كتاب فضائل القرآن، وفي كتاب الاختتان بعد الكبر من كتاب الاستئذان، وتوجيه الجمع بين المختلف من ذلك وبيان الرَّاجح من الأقوال ولله الحمد.
قوله: (يُصَلِّي بِالنَّاسِ بِمِنَى) كذا قال مالك وأكثر أصحاب الزُّهْري، ووَقَعَ عند مسلم من رواية ابن عُيينة: «بِعَرَفَةَ» قال النَّوَوي: يحمل ذلك على أنَّهما قضيِّتان، وتعقِّب بأنَّ الأصل عدم التعدُّد ولا سيِّما مع اتِّحاد مخرج الحديث، فالحقُّ أن قول ابن عُيَيْنَة: «بِعَرَفَةَ» شاذٌّ، ووَقَعَ عند مسلم أيضًا من رواية مَعمَر عن الزُّهْري وذلك في (حَجَّةِ الوَدَاعِ) أو (الفَتْحِ) وهذا الشكُّ من مَعمَر لا يُعَوَّل عليه، والحقُّ أنَّ ذلك كان في (حَجَّةِ الوَدَاعِ).
قوله: (بَعْضُ الصَّفِ) زاد المُصَنِّف في الحَجِّ من رواية ابن أخي ابن شِهَاب عن عمِّه: «حَتَّى سِرْتُ بينَ يَدَي بَعْضِ الصَّفِ الأَوَلِ». انتهى.
وهو يعيِّن أحد الاحتمالين الذي ذكرناهما في كتاب العلم.
قوله: (فَلَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ عَلَيَّ أَحَدٌ) قال ابن دقيق العيد: استدلَّ ابن عبَّاس بترك الإنكار على الجواز، ولم يستدلَّ بترك إعادتهم للصلاة؛ لأنَّ ترك الإنكار أكثر فائدة.
قال شيخنا: وتوجيهه أنَّ ترك الإعادة يدلُّ على صحَّتها فقط لا على جواز المرور وصحَّة الصَّلاة معًا، ويستفاد منه
[ ٢ ]