في الحديث مذكورٌ، وكون الأمر بالإتمام أعمَّ ليست قرينةً لترك جواب الشرط في الترجمة، وكان ينبغي أن يقول: جواب الشرط في الترجمة محذوف تقديره: فليتمَّ، يبيِّنه جواب الشرط الذي في متن الحديث، ولكن التقدير الذي قدَّرناه لا يحوجنا إلى تقدير جواب الشرط ولا إلى القول بأنَّ مَن شرطيَّة. انتهى.
٥٥٦ - قوله: (حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ) أي الفَضْل بن دُكَين، ترجمته في باب من استبرأ لدينه في كتاب الإيمان.
قوله: (حَدَّثَنَا شَيْبَانُ) أي ابن عبد الرحمن التَّميمي، ترجمته في باب كتابة العلم.
قوله: (عَنْ يَحْيَى) أي ابن أبي كثير، ترجمته في الباب أيضًا.
قوله: (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ) أي عبد الله بن عبد الرحمن بن عَوْف، ترجمته في بدء الوحي.
قوله: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) أي عبد الرحمن بن صخر، ترجمته في باب أمور الإيمان.
في هذا الإسناد: التَّحديث بصيغة الجمع في موضعين، وفيه العنعنة في ثلاث مواضع، وفيه القول، وفيه أنَّ رواته ما بين كوفي وبصري ومدني.
قوله: (قَالَ: قَالَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ: إِذَا أَدْرَكَ أَحَدُكُمْ سَجْدَةً مِنْ صَلَاةِ العَصْرِ، قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ، فَليُتِمَّ صَلَاتَهُ، وَإِذَا أَدرَكَ سَجدَةً مِنْ صَلَاةِ الصبحِ، قَبلَ أَن تَطلُعَ الشمسُ، فَليُتِمَّ صَلَاتَهُ).
مطابقته للترجمة ظاهرة في قوله: (إِذَا أَدْرَكَ أَحَدُكُمْ سَجْدَةً مِنْ صَلَاةِ العَصْرِ) فإن قلت: المذكور في الترجمة ركعة وفي الحديث سجدة، والترجمة في الإدراك في العصر، والحديث في العصر والصُّبح، فلا تطابق! قال العَيني: المراد من السجدة الركعة على ما يجيء إن شاء الله تعالى، وترك الصُّبح فيها من باب الاكتفاء.
وقد وَقَعَ في ألفاظ هذا الحديث اختلاف، أخرج البخاري أيضًا عن أبي هريرة ﵁ أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قالَ: «مَنْ أَدْرَكَ مِنَ الصُّبح رَكْعَةً قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمس فَقَدْ أَدْرَكَ الصُّبْحَ، وَمَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ العَصْرِ قَبْلَ أَنْ تغْرُبَ الشَّمس فَقَدْ أَدْرَكَ العَصْرَ»، أخرجه في باب من أدرك من الفجر ركعة، وفي رواية النسائي: «إذا أدركَ أحدُكم أوَّلَ السجدةِ مِن صلاةِ العصرِ قبلَ أنْ تغربَ الشَّمس فليتمَّ صلاتَه»، وكذا أخرجه ابن حبَّان في «صحيحه»، ورواه أحمد بن مَنِيع، ولفظه: «مَن أدركَ منكم أوَّلَ ركعةً مِن صلاةِ العصرِ قبلَ أنْ تغربَ الشَّمسُ فليتمَّ صلاتَه، ومَنْ أدركَ ركعةً مِنْ صلاةِ الصُّبح قبلَ أنْ تطلعَ الشَّمسُ فقدْ أدركَ»، وفي رواية أبي داود: «إذا أدركَ أحدُكم أوَّلَ السجدةِ مِنْ صلاةِ العصرِ».
وعند السَّرَّاج: «مَنْ صلَّى سجدةً واحدةً مِن العصرِ قبلَ غروبِ الشَّمسِ، ثمَّ صلَّى ما بقي بعدَ غروبِ الشَّمسِ فلمْ يفُتْه العصرَ، ومَن صلَّى سجدةً واحدةً مِن الصُّبح قبلَ طلوعِ الشمسِ، ثمَّ صلَّى ما بقي بعدَ طلوعِها فلمْ يفُتْه الصُّبحَ»، وفي لفظٍ: «مَن أدركَ ركعةً مِن الفجرِ قبلَ أنْ تطلعَ الشَّمسُ، وركعةً بعدَ ما تطلعُ فقدْ أدركَ»، وفي لفظٍ: «منْ أدركَ ركعةً منْ صلاةِ الصُّبحِ ثمَّ طلعَتِ الشَّمسُ فليتمَّ صلاتَه»، وفي لفظٍ: «منْ أدركَ ركعةً منَ الجمعةِ فليضمَّ إليها أخرى»، وفي لفظٍ: «منْ صلَّى سجدةً واحدةً منَ العصرِ قبلَ غروبِ الشَّمسِ، ثمَّ صلَّى ما بقي بعدَ الغروبِ فلمْ تفُتْه العصرَ»، وفي لفظٍ: «منْ أدركَ قبلَ طلوعِ الشَّمسِ
[ ٧٤ ]
سجدةً فقدْ أدركَ الصَّلاةَ، ومنْ أدركَ قبلَ غروبِ الشَّمسِ سجدةً فقدْ أدركَ الصلاةَ»، وفي لفظٍ: «منْ أدركَ ركعةً أو ركعتينِ منْ صلاةِ العصرِ»، وفي لفظٍ: «ركعتين» من غير تردُّد، غير إنَّه موقوف، وهو عند ابن خُزَيمَة مرفوع بزيادة: «أو ركعةً منْ صلاةِ الصُّبحِ».
وعند الطَّيالِسي: «منْ أدركَ منَ العصرِ ركعتينِ أو ركعةً - الشكُّ من أبي بشر- قبل أنْ تغربَ الشَّمسُ فقدْ أدركَ، ومنْ أدركَ منَ الصُّبحِ ركعةً قبلَ أنْ تطلعَ الشَّمسُ فقدْ أدركَ»، وعند أحمد: «منْ أدركَ ركعةً منْ صلاةِ الصُّبحِ قبلَ أنْ تطلعَ الشَّمسُ فقدْ أدركَ، ومنْ أدركَ ركعةً أو ركعتينِ منْ صلاةِ العصرِ قبلَ أنْ تغربَ الشَّمسُ فقدْ أدركَ»، وفي رواية النَّسائي: «منْ أدركَ منْ صلاةٍ ركعةً فقدْ أدركَ»، وعند الدَّارَقُطْني: «قبلَ أنْ يقيمَ الإمامُ صُلْبَه فقدْ أدركَها»، وعنده أيضًا: «فقدْ أدركَ الفضيلةَ، ويتمُّ ما بقي» وضعَّفه.
وفي «سنن الكَجِّي»: «منْ أدركَ منْ صلاةٍ ركعةً فقدْ أدركَها»، وفي «الصلاة» لأبي نعَيم: «منْ أدركَ ركعتينِ قبلَ أنْ تغربَ الشَّمسُ وركعتينِ بعدما غابَتِ الشَّمسُ فلمْ تفتْه العصرَ»، وعند مسلم: «منْ أدركَ ركعةً منَ الصَّلاةِ معَ الإمامِ فقدْ أدركَ الصَّلاةَ»، وعند النَّسائي بسند صحيح: «منْ أدركَ ركعةً منَ الصَّلاةِ معَ الإمامِ فقدْ أدركَ الصَّلاةَ كلَّها إلَّا أنَّه يقضي ما فاتَه»، وعند الطَّحاوي: «منْ أدركَ ركعةً منَ الصَّلاةِ فقدْ أدركَ الصَّلاة وفضلَها» قال: وأكثر الرُّواة لا يذكرون فضلَها، قال: وهو الأظهر، وعند الطَّحاوي في حديث عائشة نحوُ حديث أبي هريرة. وأخرجه النَّسائي وابن ماجَهْ أيضًا. انتهى.
قوله: (إِذَا أَدْرَكَ) كلمة إذا تتضمَّن معنى الشرط، فلذلك دخلت الفاء في جوابها وهو قوله: (فَليُتِمَّ صَلَاتَهُ).
قوله: (سَجْدَةً) أي ركعة، تدلُّ عليه الرواية الأخرى للبخاري: «مَنْ أَدْرَكَ مِنَ الصُّبح رَكْعَةً» وكذلك فسَّرها في رواية مسلم: حدَّثني أبو الطَّاهر وحَرْمَلَة، كلاهما عن ابن وَهْب، والسِّياق لحرملة قال: أخبرني يُونُس عن ابن شهاب، أنَّ عُرْوَة بن الزُّبَيْر حدَّثه عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ: «منْ أدركَ منَ العصرِ سجدةً قبلَ أنْ تغربَ الشَّمسُ، أو منَ الصُّبحِ قبلَ أنْ تطلعَ فقدْ أدركَها» والسجدة إنَّما هي الركعة، وفسَّرها حَرْمَلَة، وكذا فسَّر في «الأم» لأنَّه يعبَّر بكلِّ واحد منهما عن الآخر، وأيًّا ما كان فالمراد بعضُ الصَّلاة وإدراك شيءٍ منها، وهو يطلق على الركعة والسجدة وما دونها مثل تكبيرة الإحرام.
فإن قلت: ما الفرق بين قوله: (مَنْ أَدْرَكَ مِنَ الصُّبح سَجْدَةً) و(مَنْ أَدْرَكَ سَجْدَةً مِنَ الصُّبْحِ)؟ قال العَيني: رواية تقديم السجدة هي السبب الذي به الإدراك، ومن قدَّم الصُّبح أو العصر قبل الركعة فلأنَّ هذين الاسمين هما اللذان يدلَّان عن هاتين الصلاتين دلالةً خاصة تتناول جميع أوصافها، بخلاف السجدة فإنَّها تدلُّ على بعض أوصاف الصلاة، فقُدِّم اللَّفظ الجامع. انتهى.
فيه دليل صريح أنَّ من صلَّى ركعة من العصر، ثمَّ خرج الوقت قبل سلامه لا تبطل صلاته، بل يتمُّها، قال العَيني: وهذا بالإجماع. وأمَّا في الصُّبح فكذلك
[ ٧٥ ]
عند الشَّافعي ومالك وأحمد، وعند أبي حنيفة تبطل صلاة الصُّبح بطلوع الشَّمس فيها، وقالوا: الحديث حجَّة على أبي حنيفة، وقال النَّوَوي: أبو حنيفة يبطل صلاة الصُّبح بطلوع الشَّمس فيها؛ لأنَّه دخل وقت النَّهي عن الصَّلاة بخلاف الغروب، والحديث حجَّة عليه.
قال العَيني: من وقف على ما أسس عليه أبو حنيفة عرف أنَّ الحديث ليس بحجَّة عليه، وعرف أنَّ غير هذا من الأحاديث حجَّة عليهم، فنقول: لا شكَّ أنَّ الوقت سبب للصلاة وظرف لها، ولكن لا يمكن أن يكون كلُّ الوقت سببًا؛ لأنَّه لو كان كذلك يلزم تأخير الأداء عن الوقت، فتعيَّن أن يجعل بعض الوقت سببًا، وهو الجزء الأوَّل؛ لسلامته عن المزاحم، فإن اتصل به الأداء تقرَّرت السَّببيَّة، وإلَّا تنتقل إلى الجزء الثَّاني والثالث والرابع وما بعده إلى أن يتمكَّن فيه من عند التحرية إلى آخر جزء من آخر الوقت، ثمَّ هذا الجزء إن كان صحيحًا بحيث لم ينسب إلى الشيطان، ولم يوصف بالكراهة كما في الفجر وجب عليه كاملًا، حتَّى لو عرض له الفساد في الوقت بطلوع الشَّمس في خلال الصَّلاة فسد خلافًا لهم؛ لأنَّ ما وجب كاملًا لا يتأدَّى بالناقص كالصَّوم المنذور المطلق أو صوم القضاء لا يتأدَّى في أيَّام النَّحْر والتَّشريق، وإن كان هذا الجزء ناقصًا كان منسوبًا إلى الشَّيطان كالعصر وقت الاحمرار وجب ناقصًا؛ لأنَّ نقصان السبب مؤثِّر في نقصان المتسبِّب، فيتأدَّى بصفة النقصان؛ لأنَّه أُدّي كما لزم، كما إذا أنذر صوم النَّحْر وأداه فيه، فإذا غربت الشَّمس في أثناء الصَّلاة لم يفسد العصر؛ لأنَّ ما بعد الغروب كامل فيتأدَّى فيه؛ لأنَّ ما يجب ناقصًا يتأدَّى كاملًا بالطريق الأولى.
فإن قلت: يلزم أن تفسد العصر إذا شرع فيه في الجزء الصحيح ومدَّها إلى أن غربت. قلت: لما كان الوقت مُتَّسِعًا جاز له شغل كلِّ الوقت، فيعفى الفساد الذي يتصل به بالبناء؛ لأنَّ الاحتراز عنه مع الإقبال على الصَّلاة متعذِّر.
وأمَّا الجواب عن الحديث المذكور: فهو ما ذكره الإمام الحافظ أبو جعفر الطَّحاوي ﵀، وهو أنَّه يحتمل أن يكون معنى الإدراك في الصبيان الذين يدركون -يعني يبلغون قبل طلوع الشَّمس- والحيِّض اللاتي يطهرن، والنَّصارى الذين يسلمون؛ لأنَّه لما ذكر في هذا الإدراك ولم يذكر الصَّلاة فيكون هؤلاء الذين سمَّيناهم ومن أشبههم مدركين لهذه الصَّلاة، فيجب عليهم قضاؤها وإن كان الذي بقي عليهم من وقتها أقلُّ من المقدار الذي يصلُّونها فيه.
فإن قلت: ما تقول فيما رواه أبو سلمة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «إِذَا أَدْرَكَ أَحَدُكُمْ سَجْدَةً مِنْ صَلَاةِ العَصْرِ قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمسُ فليُتِمَّ صَلَاتَهُ، وَإِذَا أَدْرَكَ سَجْدَةً مِنْ صَلَاةِ الصُّبح قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمسُ فليُتِمَّ صَلَاتَهُ» رواه البخاري والطَّحاوي أيضًا، فإنه صريح في ذكر البناء بعد طلوع الشَّمس.
قلت: قد تواترت الآثار عن النَّبِيِّ ﷺ بالنَّهي عن الصَّلاة عند طلوع الشَّمس ما لم تتواتر بإباحة الصَّلاة عند ذلك، فدلَّ ذلك أنَّ ما كان فيه الإباحة كان منسوخًا بما فيه التواتر بالنَّهي.
فإن قلت: ما حقيقة النَّسخ في هذا
[ ٧٥ ]
والذي تذكره احتمال، وهل يثبت النَّسخ بالاحتمال؟
قلت: حقيقة النَّسخ هنا إنَّه اجتمع في هذا الموضع محرِّم ومبيح، وقد تواترت الأخبار والآثار في باب المحرِّم ما لم تتواتر في باب المبيح، وقد عرف من القاعدة: أنَّ المحرِّم أو المبيح إذا اجتمعا يكون العمل للتحريم، ويكون المبيح منسوخًا؛ وذلك لأنَّ الناسخ هو المتأخِّر، ولا شكَّ أنَّ الحرمة متأخِّرة عن الإباحة؛ لأنَّ الأصل في الأشياء الإباحةُ والتحريمُ عارضٌ، ولا يجوز العكس؛ لأنَّه يلزم النَّسخ مرَّتين، فافهم؛ فإنَّه كلام دقيق قد لاح لي من الأنوار الإلهيَّة.
فإن قلت: إنَّما ورد النَّهي المذكور عن الصَّلاة في الطُّلوع خاصَّة، وليس بنهي عن قضاء الفرائض. قلت: دلَّ حديث عِمْران بن حُصَين الذي خرجه البخاري ومسلم وغيرهما على أنَّ الصَّلاة الفائتة قد دخلت في النَّهي عن الصَّلاة عند طلوع الشَّمس وعند غروبها، وعن عِمْران أنَّه قال: «سَرَيْنَا مَعَ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ فِي غَزْوَةٍ، أَوْ قَالَ: فِي سَرِيْةٍ، فَلَمَا كَانَ آخِرُ السَّحَرِ عَرَّسْنَا، فَمَا اسْتَيْقَظْنَا حتَّى أَيْقَظَنَا حَرُّ الشَّمْسِ» الحديث، وفيه أنَّه ﵇ أخَّر صلاة الصُّبح حين فاتت عنهم إلى أن ارتفعت الشَّمس، ولم يصلِّها قبل الارتفاع، فدلَّ ذلك أنَّ النَّهي عامٌّ يشمل الفرائض والنوافل، والتخصيص بالتطوع ترجيح بلا مرجح. هذا كلُّه كلام العيني.
قلت: وفي هذا الحديث الذي استدلَّ به على أنَّ النَّهي عامٌّ ما يبطل قوله، وهو قول عِمْران: (فَمَا اسْتَيْقَظَنَا حتَّى أَيْقَظَنَا حَرُّ الشَّمْسِ) وحرُّها لا يكون إلَّا بعد ارتفاعها، وهو لا يقول: إنَّ النَّهي يكون في حالة الارتفاع، وتأخيره ﵇ لم يكن لأجل طلوع الشَّمس، إنَّما هو لأجل الشَّيطان الذي في ذلك الوادي، وقول العَيني: كالصَّوم المنذور المطلق إلى آخره، معارضّةٌ لنصٍّ بالقياس، وفي غالب ما قاله نظر، ولا شكَّ أنَّ حديث الباب حجَّةٌ عليه كما قاله النَّوَوي وغيره؛ لأنَّه ﵇ أمر بإتمامها بعد طلوع الشَّمس، ونهيه عن الصَّلاة عند الطلوع هو أن يبتدئ المصلِّي الصَّلاة في حالة الطُّلوع، لا أن يبتدئ قبل الطُّلوع، فقد روى مسلم عن عُقْبَة بن عامر ﵁ قال: «ثلاثُ ساعاتٍ كانَ رسولُ اللهِ ﷺ ينهَانا أنْ نصلِّي فيهنَّ أو نقبُرَ فيهنَّ موتَانا: حينَ تطلعُ الشَّمسُ بازغةً حتَّى ترتفعَ، وحينَ يقومُ قائمُ الظهيرةِ حتَّى تميلَ الشَّمسُ، وحينَ تضيَّفُ للغروبِ» فالظهيرة: شدَّة الحرِّ، وقائمها: البعير يكون باركًا فيقوم من شدَّة حرِّ الأرض، وتضيّف للغروب: أي مالت إليه، ومنه الضيف؛ لميله إلى المضيف وميلِ المضيف إليه، والله أعلم.
قال العَيني: وفيه أنَّ أبا حنيفة ومن تبعه استدلُّوا بالحديث المذكور أنَّ آخر وقت العصر هو غروب الشَّمس؛ لأنَّ من أدرك منه ركعة أو ركعتين مدركٌ له، فإذا كان مدركًا يكون ذلك الوقت من وقت العصر؛ لأنَّ معنى قوله: (فَقَدْ أَدْرَكَ) وجوبها، حتَّى إذا أدرك الصبي قبل غروب الشمس، أو أسلَّم الكافر أو أفاق المجنون أو طهرت الحائض تجب عليه صلاة العصر ولو كان الوقت الذي أدركه جزأ يسيرًا لا يسع فيه الأداء، وكذلك الحكم قبل طلوع الشَّمس. انتهى.
قلت: هذا الذي قاله العَيني معناه صحيح، وأمَّا تفسيره الحديث بذلك فغير مسلَّم. انتهى.
قال: وقال زُفَر رحمه
[ ٧٦ ]
الله: لا يجب ما لم يجد وقتًا يسع الأداء فيه حقيقةً، وعن الشَّافعي ﵀ قولان فيما إذا أدرك دون ركعة كتكبيرة مثلًا، أحدهما: لا يلزمه، والآخر: يلزمه، وهو أصحُّهما. انتهى.
وفيه: أنَّهم اختلفوا في معنى الإدراك، هل هو للحكم أو للفضل أو للوقت من أقلِّ من ركعة؟ فذهب مالك وجمهور الأئمة، وهو أحد قولي الشافعي، إلى أنَّه لا يدرك شيئًا من ذلك بأقلِّ من ركعة، متمسكين بلفظ الركعة، وبما في «صحيح ابن حبَّان» عن أبي هريرة: «إذا جئتم إلى الصَّلاة ونحن سجود فاسجدوها ولا تعدُّوها شيئًا، ومن أدرك الركعة فقد أدرك الصَّلاة»، وذهب أبو حنيفة وأبو يوسف والشافعي في قولٍ إلى إنَّه يكون مدركًا لحُكم الصَّلاة.
فإن قلت: قيَّد في الحديث ركعة، فينبغي ألَّا يعتبر أقلَّ منها، قال العَيني: قيَّد الركعة فيه خرج مخرج الغالب، فإنَّ غالب ما يمكن معرفة الإدراك به ركعة ونحوها، حتَّى قال بعض الشافعيَّة: إنَّما أراد رسول الله ﷺ بذكر الركعة البعض من الصَّلاة؛ لأنَّه رُوي عنه: «منْ أدركَ ركعةً منَ العصرِ» و«منْ أدركَ ركعتينِ منَ العصرِ» و«منْ أدركَ سجدةً منَ العصرَ» والتكبيرة في حكم الركعة؛ لأنَّها بعض الصَّلاة، فمن أدركها فكأنَّه أدرك ركعة. انتهى. قلت: هذا التفسير يوافق مذهبه، وقد علمت ما فيه مما تقدَّم. انتهى.
وقال القُرْطُبي: واتَّفق هؤلاء - يعني أبا حنيفة وأبا يوسف والشافعي في قول - على إدراكهم العصر بتكبيرة قبل الغروب، واختلفوا في الظُّهر، فعند الشَّافعي في قول: هو مدرك بالتكبيرة لها؛ لاشتراكهما في الوقت، وعنه: إنَّه بتمام القيام للظُّهر يكون قاضيًا لها، واختلفوا في الجمعة، فذهب مالك والثَّوْري والأوزاعي واللَّيث وزُفَر ومحمَّد والشافعي وأحمد إلى أنَّ من أدرك ركعة منها أضاف إليها أخرى، وقال أبو حنيفة وأبو يوسف: إذا أحرَّم في الجمعة قبل سلام الإمام صلَّى ركعتين، وهو قول النَّخَعي والحكم وحمَّاد، وأغرب عطاء ومكحول وطاوس ومجاهد فقالوا: من فاتته الخطبة يوم الجمعة يصلِّي أربعًا؛ لأنَّ الجمعة إنَّما قصرت من أجل الخطبة. وحمل أصحاب مالك قوله: «منْ أدركَ ركعةً منَ العصرِ» على أصحاب الأعذار كالحائض والمغمى عليه وشبههما.
ثمَّ هذه الركعة الَّتي يدركون بها الوقت هي بقدر ما يكبِّر فيها للإحرام، ويقرأ أمَّ القرآن قراءة معتدلة، أو يركع ويسجد سجدتين يفصل بينهما ويطمئن في كلِّ ذلك على قول من أوجب الطمأنينة، وعلى قول من لا يوجب قراءة أمِّ القرآن في كلِّ ركعة يكفيه تكبيرة الإحرام والوقوف لها، وأشهب لا يراعي إدراك السجدة بعد الركعة.
وسبب الخلاف: هل المفهوم من اسم الركعة الشرعيَّةُ أو اللغويَّةُ. وأمَّا الَّتي يدرك بها فضيلة الجماعة، فحكمها بأن يكبِّر لإحرامها، ثمَّ يركع ويمكِّن يديه من ركبتيه قبل رفع الإمام رأسه، وهذا مذهب الجمهور، ورُوي عن أبي هريرة: إنَّه لا يعتدُّ بالركعة ما لم يدرك الإمام قائمًا قبل أن يركع. ورُوي معناه عن أَشْهَب، وروى جماعة من السَّلف: إنَّه متى أحرم والإمام راكع أجزأه وإن لم
[ ٧٦ ]