عمل الدُّنْيا الذي سبَّب الاشتغال به ترك الصَّلاة، بمعنى: إنَّه لا ينتفع به ولا يُمتع، وأقرب هذه التأويلات قول من قال: إنَّ ذلك خرج مخرج الزَّجر الشديد، وظاهره غير مراد، والله أعلم. انتهى. قال العَيني: وهو قول ابن بَزيزَة. وعلَّله العَيني بأنَّ الأعمال لا يحبطها إلَّا الشرط، كذا رأيته بخطه، وصوابه: إلَّا الشِّرك. انتهى.
واحتجَّ به بعض الحنابلة من أنَّ تارك الصَّلاة يكفر، وردَّ بأنَّ ظهره متروك، والمراد به التغليظ والتهديد، والكفر ضدُّ الإيمان، وتارك الصَّلاة لا ينفى عنه الإيمان، وأيضًا: لو كان الأمر كما قالوا لما اختُصَّتِ العصر بذلك، ووجه اختصاص العصر بذلك فلأنه وقت ارتفاع الأعمال، ووقت اشتغال النَّاس بالبيع والشِّراء في هذا الوقت بأكثر من وقت غيره، ووقت نزول ملائكة اللَّيل. قلت: ويمكن أن يقال: اختصاص العصر بذلك لأنَّه وقت تجلِّي؛ لأنَّ الله ينظر إلى أهل الدُّنْيا في هذا الوقت، وعلى هذا يكون المراد بحبط العمل سقوط عمله لصلاة العصر في هذا الوقت من نظر الله، والله أعلم. انتهى.
(١٦) (بَابُ فَضْلِ صَلَاةِ العَصْرِ) أي هذا باب في بيان فضل صلاة العصر، والمناسبة بين هذه الأبواب ظاهرة.
قال شيخنا: فضل صلاة العصر، أي على جميع الصَّلوات إلَّا الصُّبح، وإنَّما حملته على ذلك؛ لأنَّ حديثي الباب لا يظهر منهما رجحان العصر عليها، ويحتمل أن يكون المراد: أنَّ العصر ذات فضيلة لا ذات أفضليَّة. انتهى.
قال العَيني: هذا التقدير فيه تَعَسُّف، ولأنَّ جميع الصَّلوات منزلة في الفضل، غاية ما في الباب: أنَّ لصلاة الفجر والعصر مزية على غيرهما، وإنما خُصَّ العصر بالذكر للاكتفاء كما في قوله تعالى: ﴿سَرَابِيْلَ تَقِيْكُمُ الحَرَ﴾ [النحل: ٨١] أي والبرد أيضًا.
٥٥٤ - قوله: (حَدَّثَنَا الحُمَيْدِيُّ) -أي بضمِّ الحاء المهملة- واسمه عبد الله بن الزُّبَيْر بن عيسى بن عبد الله بن الزُّبَيْر بن عبد الله بن حُمَيْد، ونسبه إلى جدِّه حُمَيْد القُرَشي المكِّي، مات سنة تسع عشرة ومائتين. قلت: تقدَّمت ترجمته في بدء الوحي، وأعاد العَيني بعضها ههنا. انتهى.
قوله: (قَالَ: حَدَّثَنَا مَرَوَانُ بنُ مُعَاوِيَةَ) أي ابن الحارث الفَزَاري، مات بدمشق سنة ثلاث وتسعين ومائة.
قوله: (قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيْلُ) أي ابن أبي خالد -بالخاء المعجمة- ترجمته في باب يتلو باب أمور الدِّين.
قوله: (عَنْ قَيْسٍ) أي ابن أبي حازم -بالحاء المهملة- ترجمته في باب الدين النصيحة.
قوله: (عَنْ جَرِيْرِ بنِ عَبْدِ اللهِ) أي ابن جابر البجلي ﵁، ترجمته في الباب أيضًا.
في هذا الإسناد: التَّحديث بصيغة الجمع في ثلاث مواضع، والعنعنة في موضعين، وفيه القول، ووَقَعَ عند ابن مردويه من طريق شُعْبَة عن إسماعيل التصريح بسماع إسماعيل من قيس وسماع قيس عن جرير، وفيه ذكر الحُميدي فنسبه إلى أحد أجداده، وإنَّه من أفراد البخاري، وفيه أنَّ رواته ما بين مكي وكوفي، وفيه رواية التَّابعي عن التابعي، وهما إسماعيل وقيس، وفيه أنَّ أحد الرُّواة من المخضرمين. قلت: تقدَّم الكلام على الخضرمة في باب: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ [الحجرات: ٩] في كتاب الإيمان. انتهى.
قوله: (قَالَ: كُنَّا
[ ٦٨ ]
عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ، فَنَظَرَ إِلى القَمَرِ لَيلَةً فَقَالَ: إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ كَمَا تَرَونَ هَذَا القَمَرَ لَا تُضَامُوْنَ في رُؤيَتِهِ، فِإِنِ استَطَعْتُمْ إلَّا تُغلَبُوا عَلَى صَلَاةٍ قَبْلَ طُلُوْعِ الشَّمس وَقَبْلَ غُرُوبِهَا فَافعَلُوا. ثمَّ قَرَأَ: ﴿فسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمس وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾ [ق: ٣٩]) قَالَ إِسْمَاعِيْلُ: افْعَلُوا لا تَفُوْتَنَّكُمْ.
مطابقته للترجمة تأخذ من قوله (قَبْلَ غُرُوْبِهَا) أي قبل غروب الشَّمس، والصَّلاة في هذا الوقت هي صلاة العصر، قال العَيني: ولو قال باب فضل صلاة الفجر والعصر لكان أولى؛ لأنَّ المذكور في الحديث والآية صلاة الفجر والعصر.
هذا الحديث أخرجه البخاري أيضًا عن مُسَدَّد عن يحيى بن سعيد في الصَّلاة أيضًا، وأخرجه في التفسير عن إِسْحاق بن إبراهيم عن جرير، وفي التَّوحيد عن عَمْرو بن عَوْف عن خالد وهُشَيم، وعن يوسف بن موسى عن عاصم، وعن عَبْدَة بن عبد الله، وأخرجه مسلم في الصَّلاة عن زُهَير بن حرب عن مروان به، وعن أبي بكر بن أبي شَيْبَة عن عبد الله بن نُمَير وأبي أسامة ووكيع ثلاثتهم عن إسماعيل به، وأخرجه أبو داود في السنَّة عن عُثْمان بن أبي شَيْبَة عن جرير ووكيع وأبي أسامة به، وأخرجه النَّسائي عن يحيى بن كثير وعن يعقوب بن إبراهيم، وأخرجه ابن ماجَهْ في السُّنَّة عن محمَّد بن عبد الله بن نُمَير عن أبيه ووكيع، وعن علي بن محمَّد عن خالد يعلى بن عُبَيْد ووكيع وأبي معاوية أربعتهم عن إسماعيل به.
قوله: (فَنَظَرَ إِلَى القَمَرِ لَيْلَةً) زاد مسلم: «ليلة البدر»، وكذا للمُصَنِّف من وجه آخر، وهو حال من العنعنة أيضًا كما سيأتي في باب صلاة الفجر، وسنذكر اختلاف الروايات فيه. قال العَيني: الظَّاهر أنَّ (لَيْلَةً) نصب على الظرفية، والتقدير: نظر إلى القمر في ليلة من الليالي. قال الكِرْماني: الظَّاهر إنَّه من باب تنازع الفعلين عليه.
قوله: (لَا تُضَامُونَ) رُوي بضمِّ التَّاء وتخفيف الميم من الضَّيم وهو التعب، وبتشديدها من الضمِّ، وفتح التَّاء وتشديد الميم، قال الخطَّابيُّ: يروى على وجهين: أحدهما مفتوحةَ التَّاء مشددة الميم، وأصله: تتضامون، حذفت إحدى التاءين، أي لا يضام بعضكم بعضًا كما يفعله النَّاس في طلب الشيء الخفي الذي لا يسهل دركه، فيتزاحمون عنده يريد أنَّ كلَّ واحد منهم دارع مكانه لا ينازعه في رؤيته أحد، والآخر: لا تضامون من الضيم، أي لا يضيم بعضكم بعضًا في رؤيته.
وقال التَّيْمي: (لا تُضَامُّونَ) -بتشديد الميم- مراده أنَّكم لا تختلفون إلى بعض فيه حتَّى تجتمعوا للنظر وينضم بعضكم إلى بعض فيقول واحد: هو ذاك، ويقول الآخر: ليس كذلك كما يفعله النَّاس عند النظر إلى الهلال أوَّل الشَّهر، وبتخفيفها معناه: لا يضيم بعضكم بعضًا بأن يدفعه عنه أو يستأثر به دونه، وقال ابن الأَنْباري: أي لا يقع لكم في الرؤية ضَيم وهو الذلُّ، وأصله: تضيمون، فألقيت حركة التَّاء على الضاد، فصارت الياء ألفًا لانفتاح ما قبلها.
وقال ابن الجوزي: لا تضامون بضمِّ التَّاء المُثَنَّاة من فوق وتخفيف الميم، وعليه أكثر الرواة، والمعنى: لا ينالكم ضيم، والضيم أصله الظلم، وهذا الضيم يلحق الرائي من وجهين: أحدهما من مزاحمة الناظرين له، أي لا تزدحمون في رؤيته فيراه بعضكم دون بعض، ولا يظلم بعضكم بعضًا، والثاني من تأخره
[ ٦٩ ]
عن مقام الناظر المحقق، فكأنَّ المتقدِّمين ضاموه، ورؤية الله ﷿ يستوي فيها الكلُّ بلا ضيم ولا ضرر ولا مشقَّة.
وفي رواية: «لَا تُضَامُوْنَ أَوْ لَا تُضَاهون» يعني على الشكِّ، أي لا يشتبه عليكم وترتابون فيعارض بعضكم بعضًا في رؤيته، وقيل: لا تسهونه في رؤيته بغيره من المرئيات، وروي: «تُضَارُّوْنَ» -بالرَّاء المشدَّدة والتَّاء مفتوحة ومضمومة- قال الزَّجَّاج: معناهما لا تتضارون، أي لا يضار بعضكم بعضًا بالمخالفة. وعن ابن الأَنْباري: هو تتفاعلون من الضرار، أي لا تتنازعون وتختلفون، ورُوي: «تُضَارُوْنَ» -بضمِّ التَّاء وتخفيف الراء- أي لا يقع للمرء في رؤيته ضير ما بالمخالفة والمنازعة أو الخفاء، وروي: «تُمَارُوْنَ» براء مخفَّفة، يعني تجادلون، أي لا يدخلكم شكٌّ.
قوله: (فَإِنِ استَطَعْتُمْ إلَّا تُغْلَبُوا) بلفظ المجهول، وكلمة أن مصدريَّة، والتقدير: من إلَّا تغلبوا، أي من الغلبة بالنَّوم والاشتغال بشيء من الأشياء المانعة عن الصلاة.
قوله: (قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمس وَقَبْلَ غُرُوْبِهَا) زاد مسلم: «يعني العصر والفجر»، ولابن مردويه من وجه آخر عن إسماعيل: «قبل طلوع الشَّمس صلاة الصبح، وقبل غروبها صلاة العصر». قال شيخنا: فيه إشارة إلى قطع أسباب الغلبة المنافية للاستطاعة كالنَّوم والشغل ومقاومة ذلك بالاستعداد له.
وقال ابن بطَّال: قال المُهَلَّب: قوله: (فَإِنِ اسْتَطَعْتُمْ ألَّا تُغْلَبُوا عَنْ صَلَاةِ) أي في الجماعة، قال وخصَّ هذين الوقتين لاجتماع الملائكة فيهما ورفعهم أعمال العباد؛ لئلَّا يفوتهم هذا الفضل العظيم.
قال شيخنا: وعرف بهذا مناسبة إيراد حديث: (يَتَعَاقَبُونَ) عقب هذا الحديث، لكن لم يظهر لي وجه تقييد ذلك بكونه في جماعة من سياق الحديث وإن كان فضل الجماعة معلومًا من أحاديث أخر، بل ظاهر الحديث يتناول من صلاهما ولو منفردًا؛ إذ مقتضاه التحريض على فعلهما أعمُّ من كونه في جماعة أو لا.
قوله: (افْعَلُوا لَا تَفُوْتَنَّكُمْ) أي افعلوا هذه الصَّلاة لا تفوتنَّكم، والضمير المرفوع فيه يرجع إلى الصلاة، وهو بنون التوكيد، وهو مدرج من كلام إسماعيل، وكذا (ثمَّ قرأ) مدرج.
قال الكِرْماني: فإن قلت: ما المراد بلفظ (افْعَلُوا) إذ لا يصحُّ أن يراد: افعلوا الاستطاعة أو افعلوا عدم المغلوبيَّة؟ قلت: عدم المغلوبيَّة كناية عن الإتيان بالصَّلاة؛ لأنَّه لازم الإتيان، فكأنَّه قال: فأتوا بالصلاة فاعلين لها. انتهى. قال العَيني: لو قُدِّر مفعول (افْعَلُوا) مثل ما قدَّرنا لكان استغنى عن هذا السؤال والجواب. قال الخطَّابيُّ: هذا يدلُّ على أنَّ الرؤية يُرتجى نَيلُها بالمحافظة على هاتين الصلاتين. انتهى. قال شيخنا: وقد يستشهد لذلك بما أخرجه التِّرْمِذي من حديث ابن عُمَر رفعه قال: «إنَّ أدنى أهلِ الجنَّةِ منزلةً» فذكر الحديث، وفيه: «وأكرمُهم على اللهِ مَنْ ينظرُ إلى وجهِه غدوةً وعشيةً» وفي سنده ضعف. انتهى.
قوله: (ثُمَّ قَرَأَ) قال شيخنا: كذا في جميع روايات الجامع، وأكثر الروايات في غيره بإبهام فاعل (قَرَأَ) وظاهره أنَّه النَّبِيُّ ﷺ، وحمله عليه جماعة من الشرَّاح، لكن لم أر ذلك صريحًا، ووَقَعَ عند مسلم عن زُهَير بن حرب
[ ٦٩ ]
عن مروان بن معاوية بإسناد حديث هذا الباب: (ثمَّ قرأَ جريرُ) أي الصحابي، وكذا أخرجه أبو عَوانة في «صحيحه» يعلى بن عُبَيْد عن إسماعيل بن خالد، فظهر إنَّه وَقَعَ في سياق حديث الباب وما وافقه إدراج.
قال العلماء: وجه مناسبة ذكرها بين الصلاتين عند ذكر الرواية أنَّ الصَّلاة أفضل الطاعات، وقد ثبت لها بين الصلاتين من الفضل على غيرهما ما ذكر من اجتماع الملائكة فيهما ورفع الأعمال وغير ذلك، فهما أفضل الصلوات، فناسب أن يجازى المحافظ عليهما بأفضل العطايا وهو النَّظر إلى الله تعالى. وقيل: لما حقق رؤية الله تعالى برؤية القمر والشَّمس، وهما آيتان عظيمتان شرعت لكسوفهما الصَّلاة والذكر، ناسب من يحب رؤية الله أن يحافظ على الصَّلاة عند غروبها. انتهى.
قوله: (فَسَبَّحْ) التلاوةُ: ﴿وَسَبِّحْ﴾ بالواو لا بالفاء. قلت: وقد اختلف المحدِّثون في أنَّه إذا رُوي شيء على خلاف الصَّواب هل يصلح أو يقرأ كما هو؟ الأكثرون على أنَّه يقرأ على الصواب، وهذه المسألة لم يتعرض لها شيخنا ولا العَيني ههنا، وكان ينبغي التنبيه عليها. انتهى. والمراد بالتسبيح الصلاة.
وهذا ما سبق الوعد به من ذكر اختلاف الروايات في قوله: (إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ كَمَا تَرَوْنَ هَذَا القَمَرَ لَا تُضَامُوْنَ فِي رُؤْيَتِهِ)، وفي لفظ للبخاري: «إِذْ نَظَرَ إِلَى القَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ فَقَالَ: أَمَا إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ» وفي التفسير: «فَنَظَرَ إِلَى القَمَرِ لَيْلَةَ أَرْبَعَ عَشَرَةَ»، وعند اللالكائي عن البخاري: «إِنَّكُمْ سَتُعْرَضُوْنَ عَلَى رَبِّكُمْ وَتَرَوْنَهُ كَمَا تَرَوْنَ هَذَا القَمَرَ»، وعند الدَّارَقُطْني: وقال زيد بن أبي أُنَيْسَة: «فتنظرُونَ إليهِ كما تنظرُونَ إلى هذا القمرِ»، وقال وكيع: «ستعاينُونَ»، وسيأتي عند البخاري عن أبي هريرة وأبي سعيد: «هَلْ تُضَارُّوْنَ فِي رُؤْيَةِ الشَّمس فِي الظَّهِيْرَةِ لَيْسَتْ فِي سَحَابَةٍ؟ قَالُوا: لَا، قَالَ: هَلْ تُضَارُّوْنَ فِي رُؤْيَةِ القَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ لَيْسَ فِيْهِ سَحَابَةٌ؟ قَالُوا: لَا، قَالَ: والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَا تُضَارُّوْنَ فِي رُؤْيَتِهِ إلَّا كَمَا تُضَارُّوْنَ فِي رُؤْيَةِ أَحَدِهِمَا»، وعن أبي موسى عنده بنحوه.
وعن أبي رَزِين العُقَيلي: «قلتُ: يا رسولَ اللهِ، أَكُلُّنَا يرى ربَهُ مَخليًّا بهِ يومَ القيامةِ؟ قالَ: نعم، قالَ: وما آيةُ ذلكَ في خلقهِ؟ قالَ: يا أبا رَزِين، أليس كلُّكم يرى القمرَ ليلةَ البدرِ مَخليًّا بهِ؟ قالَ: فاللهُ أعظمُ وأجلُّ، وذلكَ آيتهُ في خلقهِ».
وعند ابن ماجَهْ عن جابر: «بينا أهلُ الجنَّةِ في نعيمِهم إذ سطعَ لهمْ نورٌ فرفعُوا رؤوسَهم، فإذا الربُّ قدْ أشرفَ عليهم، فينظر إليهم وينظرون إليه»، وعن صُهَيب عند مسلم فذكر حديثًا فيه: «فيكشف الحجاب فينظرون إليه، فوالله ما أعطاهم الله تعالى شيئًا أحبُّ إليهم من النظر إليه».
وفي «سنن اللَّالَكائي» عن أَنَس وأُبَي بن كعب وكعب بن عُجْرَة: «سئلَ رسولُ اللهِ ﷺ عنِ الزيادةِ في كتابِ اللهِ تعالى، قالَ: النَّظرُ إلى وجهِه». انتهى.
استدلَّ بهذه الأحاديث وبالقرآن وإجماع الصحابة ومن بعدهم على إثبات رؤية الله تعالى في الآخرة للمؤمنين، وقد روى أحاديث الرؤية أكثر من عشرين صحابيًا، وقال أبو القاسم: روى رؤية المؤمنين لربِّهم ﷿ في القيامة: أبو بكر، وعلي بن أبي طالب، ومعاذ بن جبل، وابن مسعود، وأبو موسى، وابن عباس، وابن عمر، وحذيفة، وأبو أُمامة،
[ ٧٠ ]
وأبو هريرة، وجابر، وأنس، وعمَّار بن ياسر، وزيد بن ثابت، وعبادة بن الصَّامت، وبُرَيدة بن حَصِيب، وجُنادة بن أبي أُميَّة، وفَضَالة بن عُبَيْد، ورجل له صحبة من النَّبِيِّ ﷺ، ثمَّ ذكر أحاديثهم بأسانيد غالبها جيدة.
وذكر أبو نُعَيم الحافظ في كتاب «تثبيت النظر»: أبا سعيد الخدري، وعُمارة بن رُؤيبة، وأبا رَزِين العُقَيلي، وأبا بَرزة، وزاد الآجري في كتاب «الشريعة»، وأبو محمَّد عبد الله بن محمَّد المعروف بأبي الشيخ في كتاب «السنَّة الواضحة» تأليفِهما: عديَّ بن حاتم الطَّائي بسند جيد.
والرؤية مختصَّة بالمؤمنين ممنوعة من الكفَّار، وقيل: يراه منافقو هذه الأمَّة، قال العَيني: وهذا ضعيف، والصحيح: أنَّ المنافقين كالكفَّار باتِّفاق العلماء، وعن ابن عُمَر وحُذَيفة: من أهل الجنَّة من ينظر إلى وجهه تعالى غدوة وعشيَّة. انتهى.
قلت: فائدةٌ: رؤية الله تعالى في الدُّنْيا جائزة عقلًا وشرعًا لنبيِّنا ﵊، ولغيره عقلًا فقط، وفي الآخرة جائزة عقلًا وشرعًا له ولغيره. انتهى.
ومنع من ذلك المعتزلة والخوارج وبعض المرجئة، واحتجُّوا في ذلك بوجوه:
الأوَّل: قوله تعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ﴾ [الأنعام: ١٠٣]، وقالوا: يلزم من نفي الإدراك بالبصر نفي الرؤية.
الثاني: قوله تعالى: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ [الأعراف: ١٤٣]، و(لن) للتأبيد بدليل قوله تعالى: ﴿قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونَا﴾ [الفتح: ١٥]، وإذا ثبت في حقِّ موسى عدم الرؤية ثبت في حقِّ غيره.
الثالث: قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللهُ إلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولً﴾ [الشورى: ٥١] الآية، فالآية دلَّت على أنَّ كلَّ من يتكلَّم الله معه فإنَّه لا يراه، فإذا ثبت عدم الرؤية في وقت الكلام ثبت عدم الرؤية في غير وقت الكلام ضرورةَ إنَّه لا قائل بالفصل.
الرابع: أنَّ الله تعالى ما ذكر في طلب الرؤية في القرآن إلَّا وقد استعظمه وذم عليه، وذلك في آيات، منها قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حتَّى نَرَى اللهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ [البقرة: ٥٥].
الخامس: لو صحَّت رؤية الله تعالى لرأيناه الآن، فالتالي باطل والمقدَّم مثله.
لنا أهل السنَّة ما ذكرناه من الأحاديث الصحيحة، وقوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَة﴾ [القيامة: ٢٢ - ٢٣]، وقوله تعالى: ﴿كَلَّا أنَّهم عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين: ٥٥]، فهذا يدلُّ على أنَّ المؤمنين لا يكونون محجوبين.
والجواب عن قوله تعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ [الأنعام: ١٠٣]: أنَّ المراد من الإدراك الإحاطةُ، ونحن أيضًا نقول به، وعن قوله: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ [الأعراف: ١٤٣]: أنَّا لا نسلِّم أنَّ (لن) تدلُّ على التأبيد بدليل قوله تعالى: ﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا﴾ [البقرة: ٩٥]، مع أنَّهم يتمنَّونه في الآخرة، وعن قوله: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللهُ إلَّا وَحْيًا﴾ [الشورى: ٥١] الآية: أنَّ الوحي كلام يسمع بالسرعة، وليس فيه دلالة على كون المتكلِّم محجوبًا عن نظر السامع أو غير محجوب عن نظره، وعن قوله: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى﴾ [البقرة: ٥٥] الآية: أنَّ الاستعظام لم لا يجوز أن يكون لأجل طلبهم الرؤية على سبيل التعنُّت والعناد، بدليل الاستعظام في نزول الملائكة في قوله: ﴿لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا المَلَائِكَةُ﴾ [الفرقان: ٢١]، ولا نزاع في جواز ذلك.
والجواب عن قولهم: لو صحَّت رؤية الله تعالى إلخ، أنَّ عدم الوقوع لا يستلزم عدم الجواز، فإنَّ قالوا: الرؤية لا تتحقَّق إلَّا بثمانية أشياء: سلامة الحاسة، وكون الشيء بحيث يكون جائز الرؤية، وأن يكون المرئي مقابلًا للرائي أو في حكم المقابل، فالأوَّل كالجسم المحاذي للرائي، والثاني
[ ٧٠ ]