غَمَزَ رِجْلِي فضممْتُها إليَّ ثمَّ سجدَ».
(١٠٩) (بابٌ المرأَةُ تَطْرَحُ عَنِ المُصَلِّي شَيئًا مِنَ الأَذَى) أي هذا بابٌ فيه المرأةُ تطرحُ إلى آخره، ولفظُ (بَابٌ) منوَّن؛ لأنَّه خبر لمبتدأ، و(تَطْرَحُ) خبرُه، وكلمةُ (مِنَ) بيانيّة.
قال ابن بطَّال: هذه الترجمةُ قريبةٌ من التراجم الَّتي قبلَها، وذلك أنَّ المرأةَ إذا تناوَلَت ما على ظهر المصلِّي فإنَّها تقصِدُ إلى أخذِهِ من أيِّ جهةٍ أمكَنها تناوُلُه؛ فإن لم يكن هذا المعنى أشدَّ من مرورها بين يدَيه فليس بدونِه.
وقد ترجَم على حديث هذا الباب في الطهارة قبلَ الغسل بقوله: (بابٌ: إِذَا أُلْقِيَ عَلَى ظَهْرِ المُصَلِّي قَذَرٌ أَوْ جِيْفَةٌ لَمْ تَفْسُدْ عَلَيْهِ صَلَاتُهُ)، قال العَيني: وقد ذكرنا هناك ما يتعلَّق بهذا الحديث مُستَوفىً من كلِّ وجه، فلنذكرْ ههنا ما يُحتاج إليه من غير ما ذكرنا.
٥٢٠ - قوله: (حَدَّثَنا أَحْمَدُ بنُ إِسْحَاقَ) أي السِّرْماريُّ -بكسر السِّين المهملةِ وفتحها وسكونِ الرَّاء الأولى- نسبةً إلى سِرْمار من قُرى بُخارى، وهو الذي يُضربُ بشجاعته المثلُ، قتلَ ألفًا من التُّرك، ماتَ سنةَ اثنينِ وأربعين ومائتين، وهو من صغار شُيوخ البخاريِّ، وقد شاركَه في روايته عن شيخِه عُبَيْد الله بنِ موسى المذكور.
قوله: (قَالَ حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بنُ مُوْسَى) أي الكوفيُّ، في باب دعاؤكُم إيمانكُم.
قوله: (قَالَ حَدَّثَنَا إِسْرَائِيْلُ) أي ابنُ يُونُسَ، ترجمتُه في باب مَن ترك بعضَ الاختيار في كتاب العلم.
قوله: (عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ) أي عمرٍو، ترجمته في باب الصَّلاة من الإيمان، وهذا الحديث لا يُروى إلَّا بإسناده.
قوله: (عَنْ عَمْرو بنِ مَيْمُوْنَ) ترجمتُه في باب غسل المني.
قوله: (عَنْ عَبْدِ اللهِ) أي ابنِ مسعود، ترجمتُه في باب قول النَّبِيِّ ﷺ: بُني الإسلامُ على خمسٍ.
في هذا الإسناد التَّحديث بصيغةِ الجمعِ في ثلاثةِ مواضع، وفيه: العنعنةُ في موضعين، وفيه: أنَّ رجالَه كلُّهم كوفيّون ما خلا أحمدَ بنَ إسحاقَ.
قوله: (قَالَ: بَينَمَا رَسُوْلُ اللهِ ﷺ قَائِمٌ يُصَلِّي عِنْدَ الكَعْبَةِ وَجَمْعُ قُرَيْشٍ فِي مَجَالِسِهِم إِذْ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ ألا تَنْظُرُوْنَ إِلَى هَذَا المُرَائِي أَيُّكُمْ يَقُوْمُ إِلَى جَزُورِ آلِ فُلَانٍ فَيَعْمِدُ إِلَى فَرْثِهَا وَدَمِهَا وَسَلَاهَا فَيَجِيءُ بِهِ ثمَّ يُمْهِلُهُ حتَّى إِذَا سَجَدَ وَضَعَهُ بَينَ كَتِفَيهِ، فَانبَعَثَ أَشْقَاهُمْ، فَلَمَّا سَجَدَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَضَعَهُ بَينَ كَتِفَيهِ، وَثَبَتَ النَّبِيُّ ﷺ سَاجِدًا، فَضَحِكُوا حتَّى مَالَ بَعضُهُم إِلَى بَعضٍ مِنَ الضَّحِكِ، فَانطَلَقَ مُنطَلِقٌ إِلَى فَاطِمَةَ - وَهِيَ جُوَيْرَةُ - فَأَقبَلَتْ تَسْعَى، وَثَبَتَ النَّبِيُّ ﷺ سَاجِدًا حتَّى أَلقَتْهُ عَنْهُ وَأَقبَلَتْ عَلَيْهِمْ تَسُبُّهُمْ، فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللهِ ﷺ الصَّلاة قَالَ: اللَّهُمَّ عَلَيكَ بِقُرَيْشٍ، اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِقُرَيشٍ، اللَّهُمَّ عَلَيكَ بِقُرَيشٍ. ثمَّ سَمَّى: اللَّهُمَّ عَلَيكَ بِعَمْرِو بنِ هِشَامٍ، وَعُتبَةَ بنِ رَبِيعَةَ، وَشَيْبَةَ بنِ رَبِيْعَةَ، وَالوَلِيْدِ بنِ عُتْبَةَ، وَأميَّة بنِ خَلَفٍ، وَعُقبَةَ بنِ أَبِي مُعَيطٍ، وَعُمَارَةَ بنِ الوَلِيدِ. قَالَ عَبدُ اللهِ: فَوَاللهِ لَقَدْ رَأَيتُهُمْ صَرْعَى يَوْمَ بَدْرٍ، ثمَّ سُحِبُوا إِلَى القَلِيْبِ قَلِيْبِ بَدرٍ، ثمَّ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: وَأُتْبِعَ أَصْحَابُ القَلِيْبِ لَعْنَةً).
مطابقتُه للترجمة ظاهرةٌ، وهذا الحديثُ لا يُروى إلَّا بإسناد عَمْرو بنِ مَيمونٍ، مر في باب: إذا أُلقيَ على ظهرِ المصلِّي قَذَرٌ.
قوله: (بَينَمَا رَسُوْلُ اللهِ) وفي روايته هناك:
[ ٣١ ]
(بَيْنَا)، وقد ذكرناه هناك، والعاملُ فيه معنى المفاجأةِ الَّتي في (إِذْ) قال: ولا يجوزُ أنْ يَعمل فيه (يُصَلِّي) لأنَّه حالٌ عن رسول الله ﷺ المضافِ إليه (بين) فلا يعمل فيه.
قوله: (أَلَا تَنْظُرُوْنَ إِلَى هَذَا المُرَائِي) مأخوذ من الرياء، وهو التعبد في الملأ دون الخلوة ليُرى.
قوله: (جَزُوْرِ آلِ فُلَانٍ) قال شيخُنا: لم أقفْ على تعيينهِم، لكن يُشبِه أن يكونوا آلَ أبي مُعَيط، لمبادرة عُقْبَة بنِ أبي مُعَيط إلى إحضار ما طلبوه منه، وهو المعنيُّ بقوله: (أَشْقَاهُمْ). انتهى.
قلتُ: وقد تقدَّم الكلامُ في قوله: (أَشْقَاهُمْ) مع أنَّ أبا جهلٍ أشقى من المنبعِث. انتهى.
قوله: (فَانْطَلَقَ مُنْطَلِقٌ) قال شيخُنا أيضًا: لم أقف على اسمه، ويحتمل أن يكون هو ابنَ مسعود.
قوله: (فَيَعْمِدُ) بالرفع عطفًا على (يقوم)، ويروى بالنَّصب؛ لأنَّه وَقَعَ بعدَ الاستفهام.
قوله: (فَانْبَعَثَ أَشْقَاهُمْ) أي انتهضَ أشقى القوم، وهو عُقْبَة بنُ أبي مُعَيط كما تقدَّم.
قوله: (جَوَيْرَةٌ) أي صغيرة، وهو تصغير جاريةٍ.
قوله: (عَلَيْكَ بِقُرَيْشٍ) أي بهلاكهم.
قوله: (بِعَمْرِو بنِ هِشَامٍ) هو أبو جهلٍ عليه اللَّعنةُ.
قوله: (وَعُمَارَةَ بنِ الوَلَيْدِ) هو السَّابع، ولم يذكره الرَّاوي هناك - أي في باب إذا أُلقي - وههنا ذكره؛ لأنَّه هناك نسيَه وهنا يذكره.
قوله: (أُتْبِعَ) -بضمِّ الهمزة- إخبارٌ من الرسول ﷺ بأنَّ الله أَتبَعَهم اللَّعنةَ؛ أي كما أنَّهم مقتولون في الدُّنْيا مطرودون عن رحمة الله في الآخرة، ويُروى: «وأَتْبِعَ» بفتح الهمزة، ويُروى بلفظ الأمر، فهو عطف على (عَلَيْكَ بِقُرَيْشٍ) أي قال في حياتهم: اللَّهمَّ أهلِكْهم، وقال في هلاكهم: أَتْبِعهُم لعنةً. قال شيخنا: وقد تقدَّم الكلام على فوائد هذا الحديث في الطَّهارة قبل الغسل بقليل.
خاتمة
اشتملت أبوابُ استقبالِ القِبلة وما معها من أحكام المساجد وسُترة المصلِّي من الأحاديث المرفوعة على ستةٍ وثمانين حديثًا، المكرَّر منها ستةٌ وثلاثون حديثًا، عشرةٌ تقدَّمت وستةٌ وعشرون فيها الخالصُ منها خمسون حديثًا، وافقَه مسلمٌ على تخريج أصولها سوى حديثِ أنسٍ: «مَنِ اسْتَقْبَلَ قِبْلَتَنَا»، وحديث ابن عبَّاس في الصَّلاة في قبل الكعبة، لكنْ أوضحنا أنَّ مسلمًا أخرجَه عن ابن عبَّاس عن أسامةَ، وحديث جابرٍ في الصَّلاة على الراحلَة، وحديث عائشةَ في قصَّة الوَليدة صاحبةِ الوِشَاح، وحديث أبي هريرةَ: رأيت سبعين من أصحاب الصفَّة، وحديث ابنِ عمرَ: كان المسجدُ مَبنيًّا باللَّبِنِ، وحديث ابنِ عبَّاس في قصَّة عَمَّارٍ في بناء المسجد، وحديثه في الخُطبة في خَوخَة أبي بكرٍ، وحديث عُمَر في رفع الصَّوت في المسجد، وحديث ابنِ عُمَر في المساجد الَّتي على طُرِق المدينة، وهو مشتمِلٌ على عشرة أحاديثَ، وحديث عائشةَ: لم أعقْل أَبَوَيَّ إلَّا وهما يَدِينان الدِّين، وفيها من المعلَّقاتِ ثمانيةَ عشرَ حديثًا كلُّها مُكرَّرة إلَّا حديثَ أَنَس في قصَّة العبَّاس ومال البَحرين، وهو من أفراده أيضًا عن مسلم، جملةُ ما فيها من الأحاديث بالمكرَّر مائةٌ وأربعةُ أحاديثَ، وفيها من الآثار ثلاثةٌ وعشرون، كلُّها معلَّقاتٌ إلَّا أثرَ مساجدِ ابنِ عبَّاسٍ، وأثرَ عُمَر وعثمانَ: أنّهما كانا يستلقيان في المسجد، وأثرَهما: أنّهما زادا في المسجد، فإنَّ هذه
[ ٣٢ ]
موصولةٌ، والله أعلم.
أبوابُ المواقيتِ