حجرتِي». انتهى.
قال شيخنا: والصَّواب تأخير التعليق عن الإسناد الموصول كما جرت به عادة البخاري، والحاصل: أنَّ أَنَس بن عياض وأبا أسامة رويا الحديث عن هشام عن أبيه عن عائشة.
والمراد بالحُجرة، وهي -بضمِّ المهملة وسكون الجيم-: البيت. انتهى.
٥٤٦ - قوله: (حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ) أي الفَضْل بن دُكَين، ترجمته في باب فضل من استبرأ لدينه في كتاب الإيمان.
قوله: (قَالَ: حَدَّثَنَا ابنُ عُيَيْنَةَ) أي سُفْيان، ترجمته في بدء الوحي.
قوله: (عَنِ الزُّهْرِيِّ) أي محمَّد بن مسلم بن شِهاب، وفي «مسند الحُمَيدي» عن ابن عُيَيْنَة: حدَّثنا الزُّهْري، أي عكس ما ههنا، وفي رواية محمَّد بن مَنْصور عند الإسماعيلي عن سُفْيان: سمعته أذناي ووعاه قلبي عن الزُّهْري.
قوله: (عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي العَصْرَ وَالشَّمْسُ طَالِعَةٌ فِي حُجْرَتِي لَمْ يَظْهَرِ الفَيءُ بَعْدُ).
قوله: (وَالشَّمْسُ طَالِعَةٌ) أي ظاهرة، والواو فيه للحال.
قوله: (بَعْدُ) بالضمِّ بلا تنوين، قال العَيني: (بَعْدُ) مبني على الضمِّ؛ لأنَّه من الغايات المقطوع عنها الإضافة المنويِّ بها، ولو لم تنوِ الإضافة لقلت: من بعد بالتنوين.
قوله: (قَالَ أَبُو عَبْدَ اللهِ) أي البخاري نفسُه.
قوله: (وَقَالَ مَالِكٌ) أي ابن أَنَس الإمام.
قوله: (وَيحَيَى بنُ سَعِيْدٍ) أي الأنصاري.
قوله: (وَشُعَيْبٌ) أي ابن أبي حمزة بالمهملة.
قوله: (وَابنُ أَبِي حَفْصَةَ) أي محمَّد بن ميسرة.
قوله: (وَالشَّمْسُ قَبْلَ أَنْ تَظْهَرَ) قال شيخنا: يعني أنَّ الأربعة المذكورين رووه عن الزُّهْري بهذا الإسناد، فجعلوا الظُّهور للشَّمس، وابن عُيَيْنَة جعله للفيء، وقد قدَّمنا توجيه ذلك وطريق الجمع بينهما، وأنَّ طريق مالك وصلها المؤلِّف في أوَّل المواقيت، وأمَّا طريق يحيى بن سعيد فوصلها الذُّهْلي في «الزُّهْريات»، وأمَّا طريق سعيد - هو ابن أبي حمزة - فوصلها الطَّبَرَاني في «مسند الشَّاميين»، وأمَّا طريق ابن أبي حفصة فرُوِّيناها من طريق ابن عَدِي في نسخة إبراهيم بن طَهْمان عن ابن أبي حفصة.
والمستفاد من هذا الحديث تعجيلُ صلاة العصر في أوَّل وقتها، وهذا هو الذي فهمته عائشة وكذا الرَّاوي عنها عروةُ، واحتجَّ به على عُمَر بن عبد العزيز في تأخِّيره صلاة العصر كما تقدَّم، وشذَّ الطَّحاوي فقال: لا دلالة فيه على التعجيل؛ لاحتمال أنَّ الحجرة كانت قصيرة الجدار فلم تكن تحتجب عنها إلَّا بقرب غروبها، فيدلُّ على التأخير لا على التعجيل؟ وتُعُقِّب بأنَّ الذي ذكره من الاحتمال إنَّما يتصوَّر مع اتِّساع الحجرة، وقد عُرف بالاستفاضة والمشاهدة أنَّ حُجر أزواج النَّبِيِّ ﷺ لم تكن متَّسعة، ولا يكون ضوء الشَّمس باقيًا في قعر الحجرة الصغيرة إلَّا والشَّمس قائمة مرتفعة، وإلَّا متى مالت جدًا ارتفع ضوؤها عن قاع الحجرة ولو كانت الجُدُر قصيرة، قال النَّوَوي: كانت الحُجَر ضيِّقة العَرَصَة قصيرة الجدار بحيث كان طول جدارها أقلَّ من مسافة العَرَصَة بشيء يسير، فإذا صار ظلُّ الجدار مثله كانت الشَّمس بعد في أواخر العَرَصَة. انتهى.
قال العَيني: لا وجه للتعقُّب فيه؛ لأنَّ الشَّمس لا تحتجب عن الحجرة القصيرة الجدار إلَّا بقرب غروبها، وهذا يُعلم بالمشاهدة فلا يحتاج إلى المكابرة، ولا دخل هنا لاتساع الحجرة ولا لضيقها، وإنما الكلام في قِصَرِ جُدُرِها، بالنظر على هذا فالحديث حُجَّة على من يرى بتعجيل العصر في أوَّل وقتها. انتهى.
قلت: التحقيق ما قاله شيخنا، وهذا الكلام هو
[ ٦١ ]
المكابرة؛ لأنَّ الحسَّ يشهد على أنَّ ساحة الحجرة إذا كانت تقارب مسافة الجدار، فإنَّ الشَّمس لا تكون في ذلك القدر الزائد على مسافة الجدار إلَّا عند ارتفاع الشمس، فقول العيني: وهذا يُعلم بالمشاهدة، غير مسلَّم؛ لأنَّ المعلوم بالمشاهدة خلاف ما قاله، فالحديث حُجَّة على من خالف ذلك، والله أعلم. انتهى.
فإن قلت: عقد البخاري بابًا لوقت العصر، وذكر فيه أحاديث لا يدلُّ واحد منها على أنَّ أوَّل وقته بماذا يكون؟، بصيرورة ظلِّ كلِّ شيء مثليه أو مثله.
قال شيخنا: كأنَّ المؤلف لما لم يقع له حديث على شرطه من تعيين أوَّل وقت العصر، وهو مصير ظلِّ كلِّ شيء مثله، استغنى بهذا الحديث الدال على ذلك بطريق الاستنباط. انتهى.
وقد أخرج مسلم عدة أحاديث مصرحة بالمقصود، ولم ينقل عن أحد من أهل العلم مخالفة في ذلك إلَّا عن أبي حنيفة، فإنَّ المشهور عنه أنَّه قال: أوَّل وقت العصر مصير ظلِّ كلِّ شيء مثليه بالتثنية، قال القُرْطُبي: خالفه النَّاس كلَّهم في ذلك حتَّى أصحابه - يعني الآخذين عنه - وإلَّا فقد انتصر جماعة ممن جاء بعدهم فقالوا: ثبت الأمر بالإبراد، ولا يحصل إلَّا بعد ذهاب اشتداد الحرِّ، ولا يذهب في تلك البلاد إلَّا بعد أن يصير ظلُّ الشيء مثله، فيكون أوَّل وقت العصر عند مصير ظلِّ الشيء مثليه. وحكاية مثل هذا يُغني عن ردِّه. انتهى.
وقال العَيني: لا يلزم من عدم وقوعه له ألَّا يقع لغيره في تعيين ذلك.
وقد روى جماعة من الصحابة في هذا الباب منهم ابن عبَّاس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: «أمَّني جبريلُ ﵇ عندَ البيتِ مرَّتَين» الحديث، وفيه: «صلَّى بِي العصرَ حينَ كانَ ظلُّه مثلَه» هذا في المرَّة الأولى، وقال في الثانية: «وصلَّى بي العصرَ حينَ كانَ ظلُّه مثليه» أخرجه أبو داود والتِّرْمِذي وقال: حديث حسن، وأخرجه ابن حبَّان في «صحيحه» والحاكم في «مستدركه» وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه. ورواه ابن خُزَيمَة في «صحيحه»، وقال ابن عبد البرِّ في «التمهيد»: وقد تكلَّم بعض النَّاس في حديث ابن عبَّاس هذا بكلام لا وجه له، ورواته كلُّهم مشهورون بالعلم، قال العَيني: هذا الحديث هو العمدة في هذا الباب.
وقوله: «حِيْنَ كَانَ ظِلُّهُ مِثْلَيْهِ» بالتثنية، وهذا آخر وقت الظُّهر عند أبي حنيفة؛ لأنَّ عنده إذا صار ظلُّ كلِّ شيء مثليه سوى فيء الزوال يخرج وقت الظُّهر ويدخل وقت العصر، وعند أبي يوسف ومحمَّد: إذا صار ظلُّ كلِّ شيء مثله يخرج وقت الظُّهر ويدخل وقت العصر، وهي رواية الحسن بن زياد عنه، وبه قال مالك والشافعي وأحمد والثوري وإسحاق، ولكن قال الشافعي: آخر وقت العصر إذا صار ظلُّ كلِّ شيءٍ مثله لمن ليس له عذر، وأما أصحاب العذر والضرورات فآخر وقتها لهم غروب الشَّمس. وإذا كان استدلال أبي حنيفة بالحديث فما يضرُّه مخالفة النَّاس له، ويؤيِّد ما قاله أبو حنيفة حديث علي بن شَيْبان قال: «قدمْنا على رسولِ اللهِ ﷺ المدينةَ، فكانَ يؤخِّر العصرَ ما دامَتِ الشَّمس بيضاءٌ نقيةٌ» رواه أبو داود وابن ماجه، وهذا يدلُّ على أنَّه كان يصلِّي العصر عند صيرورة ظلِّ كلِّ شيء مثليه، وهو حُجَّة على خصمه، وحديث جابر: «صلَّى بنا رسولُ اللهِ ﷺ العصرَ حينَ صارَ
[ ٦٢ ]