واقعة حال يتطرَّق إليها الاحتمال، بخلاف حديث أبي ذرٍّ فإنَّه مسوق مساق التشريع العام، وقد أشار ابن بطَّال إلى أنَّ ذلك كان من خصائصه ﷺ؛ لأنَّه كان يَقدِر من مِلْكِ إربه على ما لا يَقْدِر عليه غيرُه، وقال بعض الحنابلة: يعارض حديث أبي ذرٍّ وما وافقه أحاديثُ صحيحة غير صريحة وصريحة غير صحيحة، فلا يترك العمل بحديث أبي ذرٍّ الصريح بالمحتمل، يعني حديث عائشة وما وافقه، والفرق بين المار وبين النَّائم في القبلة: أنَّ المرور حرام بخلاف الاستقرار، نائمًا كان أو غيره، فهكذا المرأة يقطع مرورها دون لُبثها. انتهى.
قوله: (لَا يَقْطَعُهَا) أي لا يقطع الصَّلاة شيء، وهذا عام مخصوص بالأمور الثلاثة الَّتي وَقَعَ النزاع فيها؛ لأنَّ القواطع في الصَّلاة كثيرة، مثل القول والفعل الكثير وغيرهما، وما من عام إلَّا وقد خُصِّص إلَّا: ﴿وَاللهُ بِكُلِّ شَيءٍ عَليمٌ﴾ [البقرة: ١٣٢] ونحوُه، فإن قلت: قوله تعالى: ﴿اللهُ خَالِقُ كُلِّ شَيءٍ﴾ [الزمر: ٦٢] عامٌّ مطلقًا أم مخصوص؟ قلت: هو مخصوص بالحادث؛ لأنَّ القرآن شيء وليس مخلوقًا، وهو تعالى يسمَّى شيئًا وليس خالقًا لنفسه، والمخصص قد يكون عقليًّا وقد يكون عُرفيًّا، فالمخصص في الآية عقليًّا. انتهى.
قوله: (أَخَبَرَنِي) من تتمَّة مقول ابن شهاب.
قوله: (وَإِنِّي لَمُعْتَرِضَةٌ) جملة اسميَّة مؤكَّدة بإنَّ واللَّام في موضع النَّصب على الحال.
قوله: (عَلَى فِرَاشِ) كذا في رواية الأكثرين، وفي رواية المُسْتَمْلي: <عَنْ فِرَاشِ> قال شيخنا: والأوَّل يقتضي أن تكون صلاته كانت واقعة على الفراش، بخلاف الثَّاني ففيه احتمال، وقد تقدَّم في باب الصَّلاة على الفراش من رواية عقيل عن ابن شهاب مثل الأوَّل. انتهى. وعلى الروايتين هو متعلِّق بـ (يقوم) مع أنَّ الرواية الأولى يحتمل تعلُّقها بلفظ (يصلِّي) أيضًا.
قال العَيني: استدلَّت بهذا الحديث عائشةُ والعلماءُ بعدَها على أنَّ المرأة لا تقطع صلاة الرجل، وفيه جواز صلاة الرجل إليها، وكرهه البعض لغير النَّبِيِّ ﷺ لخوف الفتنة بها وبذكرها واشتغال القلب بها بالنظر إليها، والنَّبِيُّ ﷺ منزَّه عن هذا كلِّه، مع إنَّه كان في اللَّيل والبيوت يومئذ ليست فيها مصابيح، وفيه استحباب صلاة اللَّيل، وفيه جواز الصَّلاة على الفراش.
(١٠٦) (بابُ: مَن حَمَلَ جَارِيَةً صَغِيرَةً عَلَى عُنِقِهِ) أي هذا باب في بيان من حمل جارية صغيرة على عنقه، يعني لا تفسد صلاته، وقال ابن بطَّال: أدخل البخاري هذا الحديث هنا ليدلَّ أنَّ حمل المصلِّي الجارية على العنق لا يضرُّ صلاته؛ لأنَّ حملها أشدُّ من مرورها بين يديه، فلمَّا لم يضرّ حملها كذلك لا يضرّ مرورها. قال شيخنا: وأشار إلى نحو هذا الاستنباط الشَّافعي ﵁، لكن تقييد المُصَنِّف بكونها صغيرة قد يشعر بأن الكبيرة ليست كذلك. انتهى. قال العَيني: فكذلك، أي كون حملها لا يضرُّ فكذلك مرورها. ترجم هذا الباب بهذه الترجمة، وبينه وبين الأبواب الَّتي قبله مناسبة من هذا الوجه.
٥١٦ - قوله: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بنُ يُوْسُفَ) أي التَّنِّيسي.
قوله: (قَالَ: أَخْبَرَنا
[ ٢٧ ]
مَالِكٌ) أي ابن أنسٍ.
قولُه: (عَنْ عَامِرِ بنِ عَبدِ اللهِ بنِ الزُّبَيْرِ) أي ابنِ العَوَّام.
قولُه: (عَنْ عَمْرو بنِ سُلَيْمٍ الزُّرَقيِّ) -أي بضمِّ السِّينِ من سُليمٍ والزَّاي من الزُّرَقيِّ وفتحِ الرَّاء منه- وهو نسبه في الأنصارِ إلى زُرَيقِ بنِ عامرِ بنِ زُرَيقِ بنِ عبدِ حارِثةَ بنِ مالكِ بنِ عصبِ بنِ جُشَمِ بنِ الخَزرجِ.
قولُه: (عَنْ أَبِي قَتَادَة الأَنْصَارِيِّ) أي الحارثِ أو النُّعْمانِ أو عَمْرو بنِ رِبعيِّ بنِ بَلدَمَةَ السُّلَمِيِّ، قال الهيثمُ بنُ عَدِيٍّ: إنَّ عليًا ﵁ صلَّى عليه بالكوفةَ في سنةِ ثمانٍ وثلاثينَ.
في هذا الإسناد التَّحديث بصيغةِ الجمعِ في موضعٍ واحدٍ، وكذلكَ الإخبارُ والعَنعَنةُ في ثلاثِ مَواضعَ، وفيه في روايةِ عبدِ الرزَّاق عن مالك: سمعتُ أبا قَتَادة، وكذا في روايِة أحمدَ من طريقِ ابن جُرَيج عن عامرٍ عن عَمْرو بنِ سُليمٍ: إنَّه سمعَ أبا قَتَادَةَ، وفيه: أنَّ رجالَه كلَّهُم مدنيُّون ما خلا شيخ البخاريِّ، وفيه: روايةُ التَّابعي عنِ التَّابعي عنِ الصَّحابيِّ.
قوله: (أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ كَانَ يُصَلِّي وَهُوَ حَامِلٌ أُمَامَةَ بِنْتِ زَينَبَ بِنْتِ رَسولِ اللهِ ﷺ، وَلأَبِي العَاصِ بنِ الرَّبِيْعِ بنِ عَبْدِ شَمْسٍ، فَإِذَا سَجَدَ وَضَعَها، وَإِذَا قَامَ حَمَلَهَا) مطابقته للترجمة ظاهرةٌ، فإن قلتَ: أينَ الظُّهورُ وقد خُصِّصَ الحملُ بكونِه على العُنُق، ولفظُ الحديث أعمُّ من ذلك؟ أُجيب بأنَّه أشارَ بذلك إلى أنَّ الحديثَ له طرقٌ أخرى؛ منها لمسلم ٍمن طريق بُكيرِ بنِ الأَشجِّ عن عَمْرو بنِ سُليم، وصرَّح فيه: «عَلَى عُنُقِهِ»، وكذا في روايةُ أبي داود، وفي روايةٍ له: «يصلِّي رسول الله ﷺ وهي على عاتقه». وفي روايةٍ لأحمدَ من طريقِ ابنِ جُريجٍ: «على رقبته».
هذا الحديثُ أخرجه البخاريُّ في الأدب عن أبي الوليد الطّيالسيِّ، وأخرجه مسلمٌ في الصَّلاة عن القَعنَبي ويحيى بنِ يحيى وقُتَيْبَةَ ثلاثتُهم عن مالكٍ به، وعن قُتَيْبَة عن ليثٍ به، وعن ابن أبي عُمَر عن سُفْيان بن عُيَيْنةَ، وعن محمَّد بن المثنَّى عن أبي بكرٍ الحنفيِّ، وعن أبي الطاهرِ بنِ السَّرح وهارونَ بنِ سعيدٍ كلاهما عن ابن وَهْبٍ.
وأخرجه أبو داود فيه عن القَعنَبي به، وعن قُتَيْبَة عن اللَّيث به، وعن محمَّد بن سَلَمَةَ عن ابن وَهْب به، وعن يحيى بن خَلَفٍ عن عبد الأعلى عن محمَّد بن إِسْحاق.
وأخرجَه النَّسائي فيه عن قُتَيْبَة عن مالك به، وعن قُتَيْبَة عن اللَّيث به، وعن قُتَيْبَة عن سُفيانَ، وعن محمَّد بن صَدقةَ الحمصيِّ عن محمَّد بن حربٍ.
قولُه: (وَهُوَ حَامِلٌ أُمَامَةَ) جملةٌ اسميّةٌ في محلِّ النَّصب على الحال، ولفظُ: (حَامِلٍ) بالتنوين، و(أُمَامَةَ) بالنَّصبِ، وهو المشهور، ويروى بالإضافة كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ بَالِغُ أَمْرِهِ﴾ [الطلاق: ٣] بالوجهين في القراءة، وقال الكِرْماني: فإن قلتَ: قالتِ النُّحَاةُ: فإن كان اسمُ الفاعل للماضي وجبَتِ الإضافةُ، فما وجهُ عملِه؟ قلتُ: إذا أُريد حكايةُ الحال الماضيةِ جاز إعماله كما في قوله تعالى ﴿وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْه﴾ [الكهف: ١٨].
و(أُمَامَةَ) -بضمِّ الهمزة وتخفيف الميمين- بنتُ زينبَ ﵂، وكانت زينبُ أكبرَ بناتِ رسول الله ﷺ، وكانت فاطمةُ أصغرَهُنَّ وأَحبَّهنَّ إلى رسول الله ﷺ، وكان أولادُ النَّبِيِّ ﷺ كلَّها من خديجةَ ﵃ سوى إبراهيمَ فإنَّه من ماريةَ القِبْطِيَّةِ، تزوج ﵇ خديجةَ قبلَ البعثة، قال الزُّهْرِي: وكان عمرُه ﵇ يومئذٍ إحدى وعشرين سنةً. وقيل: خمسًا وعشرين سنةً، زمانَ بُنِيَتِ الكعبةُ، قاله الواقديُّ وزادَ: ولها من العمر خمسٌ وأربعون سنة، وقيل: كان عمرُه ﵇ ثلاثين سنة وعمرُها أربعين سنة، فولدتِ له
[ ٢٧ ]
القاسمَ وبه كان يكنَّى، والطاهرَ وزينبَ ورُقَيَّةَ وأمَّ كُلثومٍ وفاطمةَ.
وتزوَّجَ بزينبَ أبو العاصِ بنُ الربيع، فولدَت منه عليًا وأُمامةَ هذه المذكورةَ في الحديث، وتزوَّجها عليُّ بنُ أبي طالبٍ بعد موت فاطمةَ بوصيَّةٍ منها فولدَت منه محمدًا، وكانت وفاةُ زينبَ في ثمانٍ، قاله الواقديُّ. وقال قتادةُ: في أوَّل سنةِ ثمانٍ.
قولُه: (بِنْتِ زَيْنَبَ) قال الكِرْماني: الإضافةُ فيه بمعنى اللّام، فأظهرَ في المعطوف وهو قوله: (ولأبي العاصِ) ما هو مقدَّرٌ في المعطوف عليه. انتهى.
قال شيخُنا: وأشار ابنُ العطَّار إلى أنَّ الحكمةَ في ذلك كونُ والدِ أُمامةَ كان إذ ذاك مشركًا، فنُسبت إلى أمها تنبيهًا على أنَّ الولد يُنسب إلى أشرف أبويه دينًا ونسبًا، ثمَّ بيَّن إنَّها من أبي العاصِ تبيينًا لحقيقة نسبتِها. انتهى.
وقال شيخُنا أيضًا: وهذا السِّياق لمالكٍ وحدَه، وقد رواه غيره عن عامرِ بنِ عبد الله، فنسبوها إلى أبيها ثمَّ بينوا إنَّها بنتُ زينبَ كما هو عند مسلمٍ وغيره، ولأحمدَ من طريق المغيرةِ عن عَمْرو بن سُليم: «يحمل أُمامةَ بنتَ أبي العاصِ وأمُّها زينب بنت رسول الله ﷺ على عاتقه».
قوله: (وَلأَبِي العَاصِ بنِ الرَّبِيْعِ بنِ عَبْدِ شَمْسٍ)، وفي «أحاديث الموطَّأ» للدَارَقُطنيِّ: قال ابنُ نافعٍ وعبدُ الله بنُ يوسفَ والقَعنَبي في رواية إِسْحاق عنه، وابنُ وَهْب وابنُ بُكيرٍ وابنُ القاسم وأيُّوبُ بنُ صالحٍ عن مالكٍ: «ولأبي العاصِ بنِ ربيعةَ بنِ عبدِ شمسٍ»، وقال محمَّد بنُ الحسن: «ولأبي العاصِ بنِ الرَّبيع» مثلَ قولِ مَعنٍ وأبي مُصعبٍ، وفي «التمهيد» رواه يحيى: «ولأبي العاصِ بنِ ربيعةَ» بهاء التأنيث، وتابعه الشَّافعي ومُطرِّفٌ وابنُ نافعٍ، والصَّوابُ: ابنُ الربيع. وكذا أصلحَه ابن وضّاح في رواية يحيى، قال عياضٌ: وقال الأَصِيلي: هو ابنُ ربيعِ بنِ ربيعةَ، فنسبَه مالكٌ إلى جدِّه. قال عياضٌ وغيرُه: هذا غيرُ معروفٍ، ونسبُه عند أهل الأخبار بإثباتهم: أبو العاصِ بنُ الربيعِ بنِ عبدِ العُزّى بنِ عبدِ شمسِ بنِ عبدِ مَنافٍ. وقال الكِرْماني: البخاريُّ نسبَه مخالفًا للقوم من جهتين؛ قال: ربيعة بحرف التأنيث، وعندَهم: الرّبيع بدونه، وقال: ربيعةَ بنِ عبد شمس، وهم قالوا: ربيعِ بنِ عبدِ العُزّى بنِ عبدِ شمسٍ. قال العَيني: لو اطَّلع الكِرْماني على كلام القوم لما قال: نسبه البخاريُّ مخالفًا للقوم من وجهين، على أنَّ الذي عندنا في نسختنا: الربيع بنِ عبد شمس، بالنسبة إلى جدِّه.
واختُلف في اسم أبي العاصِ؛ فقيل: لَقيط، وقيل: بهشَم، قال الزُّبَيْر عن محمَّد بنِ الضَّحّاك عن أبيه: اسمه القاسم، وهو أكثر في اسمه، وقال أبو عمرٍو: الأكثرُ لَقيط، ويُعرف بجرو البطحاء، وربيعةُ عمُّه، وأمُّ أبي العاصِ: هدلة، وقيل: هندُ بنتُ خُويلد أختُ خديجةَ ﵂ لأبيها وأمها.
وأبو العاص أسلمَ قبلَ الفتح وهاجرَ، وردَّ عليه النَّبِيُّ ﷺ ابنته زينبَ وماتت معه، وقال ابنُ إسحاقَ: وكان أبو العاصِ من رجال مكَّة المعدودين مالًا وأمانةً وتجارةً، وكانت خديجةُ هي الَّتي سألت رسول الله ﷺ أن يزوّجَه بابنتها زينبَ، وكان لا يخالفُها، وذلك قبل الوحي، والإسلام فرَّق بينَهما. وقال ابنُ كثير: إنَّما حرَّم الله المسلماتِ على المشركين عامَ الحُديبيةِ سنةَ ستٍّ من الهجرة، وكان أبو العاص في غزوة بدرٍ مع المشركين ووَقَعَ في الأسر. وقال ابنُ هشامٍ: وكان الذي أسرَه خِراش بنُ الصِّمة أحد بني حَرَام.
وقال ابنُ إِسْحاق
[ ٢٨ ]
عن عائشة ﵂: لما بعثَ أهلُ مكَّة في فداء أسراهُم بعثت زينبُ بنتُ رسول الله ﷺ في فداء أبي العاصِ بمالٍ، وبعثَت فيه بقلادةٍ لها كانت خديجةُ ﵂ أدخلَتها بها على أبي العاصِ حين بنى عليها، قالت: فلمّا رآها رسول الله ﷺ رقَّ لها رِقّةً شديدةً وقال: «إنْ رأيتُم أنْ تُطْلِقوا لها أسيرَها وتَردّوا عليها الذي لها فافعلوا»، قالوا: نعم يا رسول الله، فأطلقوه وردُّوا عليها الذي لها. وقال ابنُ إسحاقَ: وقد كان رسول الله ﷺ قد أخذَ عليه أن يُخلّي سبيلَ زينبَ- يعني أن تهاجرَ إلى المدينة - فوفّى أبو العاص بذلك ولحقت بأبيها، وأقام أبو العاصِ بمكةَ على كفره، واستمرت زينبُ عند أبيها بالمدينة، ثمَّ آخرَ الأمر أسلمَ وخرجَ حتَّى قدم على رسول الله ﷺ. وعن ابنِ عبَّاسٍ: ردَّ عليه رسول الله ﷺ ابنتَه زينبَ على النِّكاح الأوَّل لم يُحدِث شيئًا. وسنذكر حقيقةَ هذا الكلام في موضعه إن شاء الله تعالى.
قوله: (فَإِذَا سَجَدَ وَضَعَهَا) في رواية مسلم من طريق عُثْمان بن أبي سُلَيمان ومحمَّد بن عجلان، والنَّسائي من طريق الزُّبَيدي، وأحمدَ من طريق ابن جُرَيج، وابنِ حبَّان من طريق أبي العُمَيس، كلُّهم عن عامرِ بن عبد الله شيخِ مالكٍ فقالوا: «إذا ركعَ وضعها»، وفي رواية أبي داودَ من طريق المَقبُري عن عَمْرو بن سُلَيم: «حتَّى إذا أراد أنْ يركعَ أخذَها فوضعَها ثمَّ ركع وسجد، حتَّى إذا فرغَ من سجوده فقام أخذها فردَّها في مكانها».
قال العَيني: تكلّمَ النَّاس في حكم هذا الحديث؛ فقال النَّوَوي: هذا يدلُّ لمذهب الشَّافعي ومن وافقَه: إنَّه يجوز حملُ الصَّبيِّ والصّبيَّة وغيرِهما من الحيوان في صلاة الفرض وصلاةِ النَّافلة، ويجوزُ للإمام والمنفردِ والمأموم، أما مذهبُ أبي حنيفةَ في هذا ما ذكره صاحبُ «البدائع» في بيان العمل الكثيرِ الذي يفسدُ الصَّلاة والقليلِ الذي لا يفسدُها، فالكثيرُ ما يُحتاج فيه إلى استعمال اليدين، والقليلُ ما لا يُحتاج فيه إلى ذلك، وذكر لهما صورًا حتَّى قال: إذا أخذ قوسًا ورمى فسدت صلاتُه، وكذا لو حملتِ امرأة صبيَّها فأرضعته؛ لوجود العمل الكثير، وأمّا حملُ الصَّبيِّ بدون الإرضاع فلا يوجب الفسادَ. ثمَّ روى الحديثَ المذكورَ ثمَّ قال: وهذا الصّنيع لم يُكره منه ﵇؛ لأنَّه كان محتاجًا إلى ذلك لعدم من يحفظُها، أو لبيانه الشرعَ بالفعل، وهذا غيرُ موجبٍ فسادَ الصَّلاة، ومثل هذا أيضًا في زماننا لا يُكره لواحدٍ منّا لو فعل عند الحاجة، أمَّا بدون الحاجة فمكروه. انتهى.
وذكر أشهبُ عن مالكٍ: أنَّ ذلك كان من رسول الله ﷺ في صلاة النَّافلة، وأنَّ مثلَ هذا الفعل غيرُ جائزٍ في الفريضة. وقال أبو عمرَ: حسبُك بتفسير مالكٍ، ومن الدَّليل على صحَّة ما قاله في ذلك أنِّي لا أعلم خلافًا أنَّ مثلَ هذا العمل في الصَّلاة مكروه. وقال النَّوَوي: هذا التأويلُ فاسدٌ؛ لأنَّ قوله: (يؤمَ النَّاس) صريحٌ أو كالصّريح في إنَّه كان في الفريضة. قال العَيني: هو ما رواه سُفْيان بن عُيَيْنَة بسنده إلى أبي قَتَادَة الأنصاريِّ قال: «رأيت النَّبِيَّ ﷺ يؤمَ النَّاس وأُمامةُ بنتُ أبي العاصِ وهي بنتُ زينبَ ابنةِ رسول الله ﷺ على عاتقه»، ولأنَّ الغالبَ في إمامةِ رسول الله ﷺ كانت في الفرائض
[ ٢٨ ]
دونَ النوافل، وفي رواية أبي داودَ عن أبي قَتَادَة صاحبِ رسول الله ﷺ قال: «بينما نحنُ ننتظرُ رسولَ الله ﷺ للصَّلاة في الظُّهر أو العصر وقد دعاه بلالٌ ﵁ للصَّلاة، إذ خرجَ إلينا وأمامةُ بنتِ أبي العاصِ بنتُ ابنته على عُنقه، فقام رسول الله ﷺ في مُصلّاه وقُمنا خلفَه» الحديث.
وفي كتاب «النسب» للزُّبير بنِ بكّار عن عَمْرو بن سُلَيم: أنَّ ذلك كان في صلاة الصُّبح. وقال النَّوَوي: وادَّعى بعضُ المالكيَّة إنَّه منسوخٌ، وقال الشيخُ تقيُّ الديّن: وهو مرويٌّ عن مالكٍ أيضًا. وقال أبو عمر: ولعلَّ هذا نُسخ بتحريم العمل والاشتغال بالصَّلاة، وقد رُدَّ هذا بأنَّ قوله ﵇: «إنَّ في الصَّلاة لشُغلًا» كان قبلَ بدرٍ عند قدوم عبد الله بن مسعود من الحبشة، وأنَّ قدوم زينبَ وابنتِها إلى المدينة كان بعدَ ذلك، ولو لم يكنِ الأمرُ كذلك لكان فيه إثباتُ النَّسخ بمجرّد الاجتهاد. وروى أشهبُ وابن نافع عن مالك: أنَّ هذا كان للضرورة. وادعى بعضُ المالكيَّة: إنَّه خاصٌّ بالنَّبِيّ ﷺ. ذكره القاضي عياض، وقال النَّوَوي: وكلُّ هذه الدعاوي باطلة ومردودةٌ؛ فإنَّه لا دليلَ عليها ولا ضرورةَ إليها، بل الحديثُ صحيحٌ صريحٌ في جواز ذلك، وليس فيه ما يخالفُ قواعد الشرع؛ لأنَّ الآدميَّ طاهر وما في جوفه من النجاسة معفوٌّ عنه لكونه في معدتِه، وثياب الأطفال وأجسادهُم على الطهارة، ودلائلُ الشرع على أنَّ هذه الأفعالَ في الصَّلاة لا تُبطلها إذا قَلَّت أو تَفرَّقت، وفعلَ النَّبِيُّ ﷺ هذا بيانًا للجواز وتنبيهًا عليه. قال العَيني: وقد قال بعضُ أهل العلم: إنَّ فاعلًا لو فعل مثل ذلك لم أرَ عليه إعادةً من أجل هذا الحديث، وإن كنتُ لا أحبُّ لأحد فِعلَه. وقد كان أحمدُ بن حنبلَ يُجيز هذا، قال الأثرم: سُئل أحمدُ: أيأخذُ الرجلُ ولدَه وهو يصلِّي؟ قال: نعم. واحتجَّ بحديث أبي قتادة.
وقال الخطَّابيُّ: يشبه أن يكون هذا الصنيع من رسول الله ﷺ عن قصدٍ وتعمُّدٍ له في الصَّلاة، ولعلَّ الصبيّةَ لطولِ ما ألفَتْه واعتادَتْه من مُلابسته في غير الصَّلاة كانت تتعلَق به حتَّى تلابسَه وهو في الصَّلاة، فلا يدفعُها عن نفسه ولا يبعدُها، فإذا أراد أن يسجُد وهي على عاتقه وضعَها بأنْ يحطَّها أو يرسلَها إلى الأرض حتَّى يفرغ من سجوده، فإذا أراد القيامَ وقد عادتِ الصبيةُ إلى مثل الحالة الأولى لم يدافعها ولم يمنعها، حتَّى إذا قام بقيَت محمولةً معه، هذا عندي وجهُ الحديث، ولا يكاد يتوهَّم ﵇ إنَّه كان يتعمَّد حملَها ووضعَها وإمساكَها في الصَّلاة تارةً بعدَ أخرى؛ لأنَّ العملَ في ذلك قد يكثُر فيتكرر، والمصلِّي يشتغلُ بذلك عن صلاته، وإذا كان عَلَمُ الخَميصة يشغلُه عن صلاته حتَّى يستبدلَ بها الأَنبجانيّةَ، فكيف لا يشتغل عنها بما هذا صفته من الأمر؟! وفي ذلك بيانُ ما تأوّلناه.
وقال ابنُ دقيقٍ العيد: من المعلوم أنَّ لفظ (حمل) لا يساوي لفظ (وضع) فعلى هذا: فالفعل الصادرُ منه هو الوضع لا الرَّفع فيَقلّ العملُ، قال: وقد
[ ٢٩ ]
كنت أحسبُ هذا حسنًا، إلى أن رأيت في بعض طُرقه الصحيحة: (فإذا قامَ أعادَها).
وقال النَّوَوي بعد أن نقلَ ملخَّص كلامِ الخطَّابيُّ: هذا الذي ذكره هذا باطلٌ ودعوى مجرّدةٌ، ومما يرد قوله في «صحيح مسلم»: «فإذا قام حملَها»، وقوله: «فَإذا رَفَعَ مِنَ السُّجود أَعادَها»، وقوله في غير رواية مسلم: «خَرَجَ عَلينا حَامِلًا أُمامةَ فصَلَّى» وذكر الحديث، وأمّا قضيّةُ الخَميصة فلأنها تشغلُ القلب بلا فائدة، وحملُ أُمامةَ لا نسلِّم إنَّه يُشْغِلُ القلب، وإن شَغَلَه فيترتب عليه فوائدُ وبيانُ قواعد ما ذكرناه وغيره، فاحتمل ذلك الشُّغل لهذه الفوائد بخلاف الخميصة، فالصَّواب الذي لا يُعدل عنه: أنَّ الحديثَ كان لبيان الجواز والتنبيهِ على هذه الفوائد، فهو جائزٌ لنا وشرعٌ مستمرٌ للمسلمين إلى يوم الدين.
وقال العَيني: وجهٌ آخرُ لردِّ كلام الخطَّابيُّ، قولُهُ: (وَقامَ فَأخذَها فردَّها في مَكَانها) وهذا صريحٌ في أنَّ فعلَ الحمل والوضع كان منه ﵇ لا من أُمامةَ. وقال بعضُ أصحابِ مالك بن أنسٍ: لأنَّه ﵇ لو تركها لبكَت وشغَلت سِرَّه في صلاته أكثرَ من شُغله بحملها. وفرَّق بعضُ أصحابه بين الفريضة والنافلة، وقال الباجيُّ: إن وَجَدَ من يكفيه أمرَها جاز في النافلة دونَ الفريضة، وإن لم يجد جاز فيهما.
وحمل أكثرُ أهل العلم هذا الحديث على أنَّه عملٌ غيرُ مُتوالٍ؛ لوجود الطُّمأنينة في أركان صلاته، وقال الفاكهانيُّ: كان السِّرُّ في حمله أُمامةَ في الصَّلاة دفعًا لما كانت العرب تألفُه من كراهة البناتِ وحملِهنَّ، وخالفَهم في ذلك حتَّى في الصَّلاة للمبالغة في ردعِهم، والبيانُ بالفعل قد يكون أقوى من القول.
ومن فوائد هذا الحديث: جوازُ إدخال الصِّغار في المساجد، ومنها: جوازُ صحَّةِ صلاة مَن حمل آدميًا، وكذا من حملَ حيوانًا طاهرًا. وللشافعية تفصيلٌ بين المستجمِر وغيره، ومنها: أنَّ فيه تواضعَ النَّبِيِّ ﷺ وشفقتَه على الصِّغار وإكرامَه لهم جبرًا لهم ولوالديهم.
قلتُ: وفيه جوازُ حملِ مَن لا يَتوقّى النجاسةَ إذا احتُمل إنَّه طاهرٌ حالَ الحمل. انتهى.
وروى عبدُ الله بن يوسفَ التِّنِّيسيُّ عن مالكٍ: أنَّ الحديثَ منسوخٌ. قال شيخُنا: روى ذلك الإسماعيليُّ عَقِبَ روايتِه للحديث من طريقه، لكنَّه غيرُ صريحٍ، ولفظه: قال التِّنِّيسيُّ: قال مالكٌ: في حديث النَّبِيِّ ﷺ ناسخٌ ومنسوخٌ، وليس العملُ على هذا. وقال ابنُ عبد البرِّ: لعلَّه نُسخ بتحريم العمل في الصَّلاة. وتُعقِّب بأنَّ النَّسخَ لا يثبتُ بالاحتمال، وبأنَّ هذه القضيَّةَ كانت بعد قوله ﵇: «إنَّ في الصَّلاة لشُغْلًا»؛ لأنَّ ذلك كان قبلَ الهجرة، وهذه القصَّةُ كانت بعد الهجرة قطعًا بمدَّة مديدة. وذكر عياضٌ عن بعضهم: أنَّ ذلك كان من خصائصه؛ لكونه كان معصومًا من أن تبولَ وهو حاملُها. ورُدَّ بأنَّ الأصلَ عدمُ الاختصاص، وبأنَّه لا يلزم من ثبوت الاختصاصِ في أمرٍ ثبوتُه في غيره بغير دليلٍ، ولا مدخلَ للقياس في مثل ذلك،
[ ٢٩ ]