فتن في الدين: إنَّه شيطان، كما مرَّ عن ابن بطَّال.
وفيه: أنَّ الحكم للمعاني لا للأسماء؛ لأنَّه يستحيل أن يصير المارُّ شيطانًا بمروره بين يديه، وقد علمت ما فيه مما مرَّ.
وفيه: دفع الأمور إنَّما هو بالأسهل فالأسهل.
وفيه: أنَّ في المنازعات لا بدَّ من الرَّفع إلى الحاكم، ولا ينتقم الخصم بنفسه.
وفيه: أنَّ رواية العدل مقبولة وإن كان الرَّاوي له منتفعًا به.
قلت: وفيه سؤال الحاكم من المدَّعى عليه برفق وإن كان الكلام الفاحش في المجاوزة لا يُؤاخذ به إذا لم يعلم المتكلِّم أنَّ الحقَّ غيره. انتهى.
(١٠١) (بَابُ إِثمِ المَارِّ بَينَ يَدَي المُصَلِّي) أي هذا بابٌ في بيان إثم المارِّ بين يدي المصلِّي، وأصل المارٍّ: مارِرٌ، فأسكنت الرَّاء الأولى وأُدغمت في الثَّانية، والإدغام في مثله واجب.
٥١٠ - قوله: (حَدَّثَنَا عَبدُ اللهِ بنُ يُوسُفَ) أي التَّنِّيسي.
قوله: (أَخْبَرَنا مَالِكٌ) أي الإمام، ترجمتهما في بدء الوحي.
قوله: (عَنْ أَبي النَّضْرِ مَوْلَى عُمَر بنِ عُبَيْدِ اللهِ) -أي بفتح النُّون وسكون الضَّاد المعجمة- اسمه: سالم، ترجمته في باب المسح على الخفَّين.
قوله: (عَن بُسْرِ بنِ سَعِيْدٍ) أي -بضمِّ الباء الموحَّدة وسكون السين المهملة- الحضرمي المدني الزَّاهد، مات ولم يخلِّف كفنًا.
قوله: (إِنَّ زَيْدَ بنَ خَالِدٍ) أي الجُهَني الصَّحابي، ترجمته في باب الغضب في الموعظة والتعليم إذا رأى ما يكره.
قوله: (أَرْسَلَهُ إِلى أَبِي جُهَيْمٍ) أي عامر بن حُذَيفة العدوي القُرَشي، ترجمته في باب إذا صلَّى في ثوب لها أعلام ونظر إلى علمها. قوله: (يَسْأَلُهُ).
وفي هذا الإسناد التَّحديث بصيغة الجمع في موضع واحد، والإخبار كذلك، وفيه العنعنة في موضعين، وفيه تابعي وصحابيان، وفيه أبو جُهَيم بالتصغير، مرَّ في باب التيمم في الحضر، وقال ابن عبد البرِّ: راوي حديث المرور هو غير راوي حديث التيمم، وقيل غير ذلك، وقد تقدَّم ذلك كلُّه.
قوله: (مَاذَا سَمِعَ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ في المارِّ بَينَ يَدَي المُصَلِّي؟ فَقَالَ أَبُو جُهَيْمٍ: قَالَ رَسُولِ اللهِ ﷺ: لَوْ يَعْلَمُ المارُّ بَينَ يَدَي المُصَلِّي مَاذَا عَلَيهِ، لَكَانَ أَنْ يَقِفَ أَربَعِيْنَ خَيْرًا لَهُ مِنْ أَنْ يَمُرَّ بَينَ يَدَيْهِ. قالَ أَبو النَّضْرِ: لَا أَدْرِي أَقَالَ: أَربَعِيْنَ يَوْمًا أَو شَهْرًا أَوْ سَنَةً). مطابقته للترجمة ظاهرة.
وهذا الحديث أخرجه بقيَّة الستَّة، وقال ابن ماجه: حدَّثنا هشام بن عمَّار حدَّثنا ابن عُيَيْنَة عن أبي النَّضْر عن بُسر قال: أرسلوني إلى زيد بن خالد أسأله عن المرور بين يدي المصلِّي فأخبرني عن النَّبِيِّ ﷺ قال: «لَأَنْ يقومَ أربعينَ خيرًا لَهُ مِنْ أنْ يمرَّ بينَ يديهِ»، قال سفيان: ولا أدري أربعين سنة أو شهرًا أو صباحًا أو ساعةً.
وفي «مسند البزَّار»: أخبرنا أحمد بن عَبْدَة حدَّثنا سُفْيان به، وفيه: أرسلني أبو جُهَيم إلى زيد بن خالد فقال: «لأنْ يقومَ أربعينَ خريفًا خيرٌ لهُ مِنْ أنْ يقومَ بينَ يديهِ»، وقال أبو عُمَر في «التَّمهيد»: رواه ابن عُيَيْنَة مقلوبًا، والقول عندنا قول مالك ومَن تابعه. وقال
[ ١٩ ]
ابن القطَّان في حديث البزَّار: خَطِئ فيه ابن عُيَيْنَة، وليس خطؤه بمتعين؛ لاحتمال أن يكون أبو جُهيم بعث بُسرًا إلى زيد، وزيد بعثه إلى أبي جُهَيم يستثبت كلُّ واحد ما عند الآخر، فأخبر كلٌّ منهما بمحفوظه، فشكَّ أحدُهما وجزم الآخر، واجتمع ذلك كلُّه عند أبي النَّضْر. انتهى.
قال شيخنا: تعليل الأئمَّة للأحاديث مبني على غلبة الظنِّ، فإذا قالوا: أخطأ فلان في كذا، لم يتعيَّن خطؤه في نفس الأمر، بل هو راجح الاحتمال فيُعتمد، ولولا ذلك لما اشترطوا انتفاء الشاذِّ، وهو ما يخالف الثقةُ فيه من هو أرجحُ منه في حدِّ الصحيح. انتهى.
قال العَيني: قول مالك في «الموطأ»: لم يُختلف عليه فيه أنَّ المرسل هو زيد، وأنَّ المرسل إليه هو أبو جُهيم. وتابعه سُفْيان الثَّوْري عن أبي النَّضْر عند مسلم وابن ماجَهْ وغيرهما، وخالفهما ابن عُيَيْنَة عن أبي النَّضْر فقال: عن بُسر بن سعيد قال: أرسلني أبو جُهَيم إلى زيد بن خالد أسأله، فذكر هذا الحديث. قلت: هذا عكس متن «الصحيحين»؛ لأنَّ المسؤول فيهما هو أبو الجُهَيم، وهو الرَّاوي عن النَّبِيِّ ﷺ، وعند البزَّار: المسؤول زيد بن خالد. انتهى.
قوله: (مَاذَا عَلَيْهِ) أي من الإثم والخطيئة، وفي رواية الكُشْمِيهَني: <مَاذَا عَلَيْهِ مِنَ الإِثْمِ> وليس هذه الزيادة في شيء من الروايات غيره، وكذا في «الموطأ» ليست هذه الزيادة وكذا في سائر المسندات والمستخرجات، غير أنَّه وَقَعَ في «مصنَّف ابن أبي شَيْبَة»: «ماذا عليه» يعني: من الإثم. انتهى.
قال شيخنا: فيحتمل أن يكون ذكرت حاشية فظنَّها الكُشْمِيْهَني أصلًا؛ لأنَّه لم يكن من أهل العلم ولا من الحفَّاظ، وقد عزاها المحبُّ الطَّبَري في «الأحكام» للبخاريِّ وأطلق، فعيب ذلك عليه وعلى صاحب «العمدة» في إيهامه إنَّها في «الصحيحين»، وأنكر ابن الصَّلاح في «مشكل الوسيط» على من أثبتها في الخبر فقال: لفظ الإثم ليس في الحديث صريحًا، ولما ذكره النَّوَوي في «شرح المهذب» بدونها قال: وفي رواية رُوِّيناها في «الأربعين» لعبد القادر الرَّهاوي: «ماذا عليه من الإثم». انتهى.
قال العَيني: قوله: (مَاذَا عَلَيْهِ) كلمة (ما) استفهام، ومحلُّه الرَّفع على الابتداء، وكلمة (ذا) إشارة خبره، والأَولى أن تكون (ذا) موصولة بدليل افتقاره إلى شيء بعده؛ لأنَّ تقديره: ماذا عليه من الإثم، ثمَّ إن (مَاذَا عَلَيْهِ) في محلِّ النَّصب على أنَّه سدَّ مسدَّ المفعولين لقوله: (لَوْ يعْلَم) وقد عُلِّق عمله بالاستفهام.
قوله: (بَيْنَ يَدَي المُصَلِّي) أي أمامه بالقرب منه، وعبر باليدين لكون أكثر الشغل يقع بينهما، وقد تقدَّم حدُّ ذلك، فقيل: إذا مرَّ بينَه وبين مقدار سجوده، وقيل: بينَه وبين مقدار ثلاثة أذرع، وقيل: بينَه وبين قدر رميةٍ بحجر.
قوله: (لَكَانَ أَنْ يَقِفَ أَربَعِيْنَ) وقد ذكرنا: أنَّ في رواية ابن ماجه: «أربعين سنة أو شهرًا أو صباحًا أو ساعةً»، وفي رواية البزَّار: «أربعين خريفًا»، وفي «صحيح ابن حبَّان» عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «لو يعلمُ أحدُكم ما لهُ في أن يمرَّ بين يدي أخيه معترضًا
[ ١٩ ]
في الصَّلاة، كان لَأَن يقيمَ مائةَ عامٍ خيرٌ لهُ مِنَ الخطوةِ الَّتي خطَا»، وفي «الأوسط» للطبرانيِّ عن عبد الله بن عَمْرو مرفوعًا: «إن الذي يمرُّ بين يدي المصلِّي عمدًا يتمنَّى يومَ القيامةِ إنَّه شجرةٌ يابسةٌ»، وفي «المصنَّف» عن عبد الحميد عاملِ عُمَر بن عبد العزيز ﵁ قال ﵇: «لوْ يعلمِ المارُّ بينَ يدي المصلِّي ما عليهِ، لَأَحبَّ أنْ تنكسرَ فخذَه ولا يمرَّ بينَ يديه»، وقال ابن مسعود: المارُّ بين يدي المصلِّي أبغض من الممرِّ عليه. وكان إذا مرَّ أحد بين يديه التزمه حتَّى يردَّه. وقال ابن بطَّال: قال عُمَر ﵁: لكان يقوم حولًا خير له من مروره. وقال كعب الأحبار: لكان أن يخسف به خير له من أنْ يمرَّ بين يديه.
قال العَيني: قوله: (لكان) جواب لو، وكلمة (أن) مصدريَّة، والتقدير: لو يعلم المارُّ ما الذي عليه من الإثم من مروره بين يدي المصلِّي، لكان وقوفه أربعين خيرًا له من أن يمرَّ، أي من مروره بين يديه. وقال الكِرْماني: جواب لو ليس هو المذكور؛ إذ التقدير: لو يعلم ماذا عليه لوقف أربعين، ولو وقف أربعين لكان خيرًا له. قال العَيني: لا ضرورة إلى هذا التقدير، وهو تصرف فيه تعسُّف، وحقُّ التركيب ما ذكرناه. انتهى.
قال شيخنا: قوله: (خَيْرًا لَهُ) في روايتنا بالنَّصب على أنَّه خبر كان، ولبعضهم: «خَيْرٌ» بالرفع، وهي رواية الترمذي، وأعربها ابن العربيِّ على إنَّها اسم كان، وأشار إلى أنَّ تسويغ الابتداء بالنكرة لكونها موصوفة، ويحتمل أن يقال: إنَّ اسمها ضمير الشأن، والجملة خبرها. انتهى.
قوله: (قَالَ أَبُو النَّضْرِ) قال الكِرْماني: إما من كلام مالك فهو مسند، وإما تعليق من البخاري، قال شيخنا: هو كلام مالك، وليس من تعليق البخاري؛ لأنَّه ثابت في «الموطأ» من جميع الطرق، وكذا ثبت في رواية النَّوَوي وابن عُيَيْنَة كما ذكرنا.
قوله: (أَقَالَ) الهمزة فيه للاستفهام، وفاعله بُسرٌ أو رسول الله ﷺ، كذا قاله الكِرْماني، وقال العَيني: الظَّاهر إنَّه بُسر بن أبي أميَّة.
قوله: (لَا أَدْرِي أَقَالَ أَربَعِينَ يَومًا أَو شَهرًا أَو سَنَةً) لأنَّه ذكر العدد - أعني أربعين- ولا بدَّ له من مميِّز؛ لأنَّه لا يخلو عن هذه الأشياء، وقد أبهم ذلك ههنا، فإن قلت: ما الحكمة فيه؟ قال الكِرْماني: وأبهم الأمر؛ ليدلَّ على الفخامة، وإنَّه مما لا يُقادَر قَدْره ولا يدخل تحت العبارة. قال العَيني: الإبهام ههنا من الراوي، وفي نفس الأمر العدد معيَّن، ألا ترى كيف تعيَّن فيما رواه ابن ماجَهْ من حديث أبي هريرة: «لكانَ أنْ يقفَ مائةَ عامٍ» الحديث كما ذكرنا؟ وكذا عين في «مسند البزَّار» من طريق سُفْيان بن عُيَيْنَة: «لكان أن يقف أربعين خريفًا»، وقال الكِرْماني: فإن قلت: هل للتخصيص بالأربعين حكمة معلومة؟ قلت: أسرار أمثالها لا يعلمها إلَّا الشَّارع، ويحتمل أن يكون ذلك؛ لأنَّ الغالب في أطوار الإنسان أنَّ كمال كلِّ طور بأربعين كأطوار النطفة، فإنَّ كلَّ طور منها بأربعين، وكمال عدل الإنسان في أربعين سنة، ثمَّ الأربعة
[ ٢٠ ]
أصل جميع الأعداد؛ لأنَّ أجزاءه هي عشرة، ومن العشرات المئات، ومنها الألوف، فلما أُريد التكثير ضُوعف كلٌّ إلى عشرة أمثاله. انتهى.
قال العَيني: غفل الكِرْماني عن رواية المائة حيث قصر في بيان الحكمة. قال بعضهم: في التنكيت على الكِرْماني: بأن هذه الرواية تشعر بأن إطلاق الأربعين للمبالغة في تعظيم الأمر، لا لخصوص عدد معين. قال العَيني: لا ينافي رواية المائة عن بيان وجه الحكمة في الأربعين، بل ينبغي أن يطلب وجه الحكمة في كلِّ منهما؛ لأنَّ لقائل أن يقول: لم أطلق الأربعين للمبالغة في تعظيم الأمر ولِمَ لَمْ يذكر الخمسين أو ستين أو نحو ذلك؟ والجواب الواضح الشافي في ذلك: أنَّ تعيين الأربعين للوجه الذي ذكره الكِرْماني، وأمَّا وجه ذكر المائة فما ذكره الطَّحاوي: إنَّه قيد بالمائة بعد التقييد بالأربعين لزيادة تعظيم الأمر على المار؛ لأنَّ المقام مقام زجر وتخويف وتشديد. فإن قلت: من أين علم أنَّ التقييد بالمائة بعد التقييد بالأربعين؟ قال العَيني: وقوعها معًا مستبعد؛ لأنَّ المائة أكثر من الأربعين، وكذا وقوع الأربعين بعد المائة؛ لعدم الفائدة، وكلام الشَّارع كلُّه حكمة وفائدة، والمناسبة أيضًا تقتضي تأخير المائة عن الأربعين. قال شيخنا: ومميز الأربعين إن كان هو السنة ثبت المدعى، أو ما دونها من باب إطلاق الأولى. انتهى.
فإن قلت: قد علم فيما مضى وجه الحكمة في الأربعين، فما وجه الحكمة في تعيين المائة؟ قال العَيني: المائة وسط بالنسبة إلى العشرات والألوف، وخير الأمور أوساطها، وهذا مما تفرَّد به العَيني كما قاله.
قال النَّوَوي: فيه دليل على تحريم المرور؛ فإنَّ معنى النَّهي الأكيد والوعيد الشديد يدلُّ على ذلك. انتهى. ومقتضى ذلك: أن يعدَّ المرور من الكبائر.
وفيه أخذ القرين على قرينه ما فاته واستثباته فيما سمع معه. وفيه الاعتماد على خبر الواحد؛ لأنَّ زيدًا اقتصر على النزول مع القدرة على العلو اكتفاء برسوله المذكور. وفيه استعمال لو في باب الوعيد، ولا يدخل ذلك في النهي؛ لأنَّ محلَّ النهي: أن يشعر بما يعاند المقدور كما سيأتي حيث أورده المصنِّف إن شاء الله تعالى.
تنبيهات:
أحدها: استنبط ابن بطَّال من قوله: (لَوْ يَعْلَمُ) أنَّ الإثم يختصُّ بمن يعلم بالنَّهي وارتكبه، قال شيخنا: وأخذه من ذلك فيه بعدٌ، لكن هو معروف من أدلَّة أخرى. قال العَيني: ليس فيه بعد؛ لأنَّ لو للشرط، فلا يترتب الحكم المذكور إلَّا عند وجوده.
ثانيها: ظاهر الحديث أنَّ الوعيد المذكور يختصُّ بمن مرَّ، لا بمن وقف عامدًا بين يدي المصلِّي أو قعد أو رقد، إن كانت العلَّة فيه التشويش على المصلِّي فهم في معنى المارَّ.
ثالثها: ظاهر عموم النَّهي في كلِّ مصلِّي، وخصَّه بعض المالكيَّة بالإمام والمنفرد؛ لأنَّ المأموم لا يضرُّه من مرَّ بين يديه؛ لأنَّ سترة إمامه له سترة له، أو إمامه سترة له. انتهى. قال شيخنا: والتعليل المذكور لا يطابق المدَّعى؛ لأنَّ السترة تفيد رفع الحرج عن المصلِّي لا عن
[ ٢٠ ]